Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — المطففين 83:1 – الأعلى 87:17

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. المطففين 83:1
  2. المطففين 83:2
  3. المطففين 83:3
  4. المطففين 83:4
  5. المطففين 83:5
  6. المطففين 83:6
  7. المطففين 83:7
  8. المطففين 83:14
  9. المطففين 83:15
  10. المطففين 83:18
  11. المطففين 83:19
  12. المطففين 83:20
  13. المطففين 83:26
  14. المطففين 83:27
  15. المطففين 83:28
  16. المطففين 83:29
  17. المطففين 83:30
  18. الانشقاق 84:2
  19. الانشقاق 84:6
  20. الانشقاق 84:7
  21. الانشقاق 84:8
  22. الانشقاق 84:16
  23. الانشقاق 84:17
  24. الانشقاق 84:18
  25. الانشقاق 84:19
  26. الانشقاق 84:20
  27. الانشقاق 84:21
  28. الانشقاق 84:22
  29. الانشقاق 84:23
  30. الانشقاق 84:24
  31. الانشقاق 84:25
  32. البروج 85:1
  33. البروج 85:5
  34. البروج 85:6
  35. البروج 85:7
  36. البروج 85:10
  37. البروج 85:11
  38. البروج 85:13
  39. البروج 85:14
  40. البروج 85:15
  41. البروج 85:16
  42. البروج 85:19
  43. البروج 85:20
  44. البروج 85:21
  45. البروج 85:22
  46. الطارق 86:1
  47. الطارق 86:2
  48. الطارق 86:3
  49. الطارق 86:4
  50. الطارق 86:5
  51. الطارق 86:6
  52. الطارق 86:7
  53. الطارق 86:8
  54. الطارق 86:9
  55. الطارق 86:10
  56. الطارق 86:11
  57. الطارق 86:12
  58. الطارق 86:13
  59. الطارق 86:14
  60. الطارق 86:15
  61. الطارق 86:16
  62. الطارق 86:17
  63. الأعلى 87:1
  64. الأعلى 87:2
  65. الأعلى 87:3
  66. الأعلى 87:10
  67. الأعلى 87:11
  68. الأعلى 87:12
  69. الأعلى 87:13
  70. الأعلى 87:14
  71. الأعلى 87:15
  72. الأعلى 87:16
  73. الأعلى 87:17

المطففين 83:1

(فائدة) إنما امتنعوا من النطق بأفعال ويله وويحه وويسه وويبه لأنه لفيف مقرون فلو وضعوا له فعلا لوقعت الواو بعد حرف المضارعة وذلك يوجب إعلالها بالحذف كـ يعد ويزن ويثق ووقعت العين وهي حرفة علة أيضا ثالثة وذلك يوجب نقل حركتها إلى الساكن قبلها وإعلالها بالإسكان كيبيع ويحيد فيتوالي عليهم إعلالات في كلمة واحدة وهم لا يسمحون بذلك فرفضوا الفعل رأسا. (فائدة) كل فعل يقتضي مفعولا ويطلبه ولا يصل إليه بنفسه توصلوا إليه بأداة وهي حرف الجر. ثم إنهم قد يحذفون الحرف لتضمن الفعل معنى فعل متعد بنفسه كما تقدم لكن هنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أنه قد يتعدى الفعل بنفسه إلى مفعول، وإلى آخر بحرف الجر، ثم يحذف المفعول الذي وصل إليه بنفسه لعلم السامع به ويبقى الذي وصل إليه بحرف الجر كما قالوا: نصحت لزيد، وكلت له، ووزنت له، وشكرت له. المفعول في هذا كله محذوف، والفعل واصل إلى الآخر بحرف الجر. ولا يسمع قولهم أربعة أفعال تتعدى بنفسها تارة، وبحرف الجر أخرى، ويذكرون هذه، فإنه كلام مجرد عن تحقيق، بل المفعول في الحقيقة محذوف. فإن قولك: "نصحت له" مأخوذ من نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض، ثم استعير في الرأي فقالوا: نصحت له أي نصحت له رأيه أي أخلصته وأصلحته له. والتوبة النصوح إنما هي من هذا فإن الذنب يمزق الدين فالتوبة النصوح بمنزلة نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم أجزاءه ويقولون نصحت زيدا فيسقطون الحرف لأن النصيحة إرشاد فكأنك قلت أرشدته وكذلك شكرت إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له من شكر بطنه إذا امتلأ. فالأصل شكرت لزيد إحسانه وفعله ثم تحذف المفعول فتقول: شكرت لزيد، ثم تحذف الحرف، لأن شكرت متضمنة لحمدت أو مدحت. وأما كلت لزيد، ووزنت له. فمفعولهما غير زيد لأن مطلوبها ما يكال أو يوزن. فالأصل دخول اللام ثم قد يحذف لزيادة فائدة لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمقاوضة إلا مع حرف اللام. فإن قلت كلت لزيد أخبرت بكيل الطعام خاصة وإذا قلت كلت زيدا فقد أخبرت بمعاملته ومبايعته مع الكيل كأنك قلت بايعته بالكيل والوزن قال تعالى: ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ أي: بايعوهم كيلا أو وزنا وأما قوله: ﴿اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ فإنما دخلت (على) لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري. ودخلت التاء في (اكتالوا) لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زائد على معنى الكلمة، لأن الأخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري ونحو ذلك يدخل فعله من التناول والاجترار إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والمبايع.

المطففين 83:2

(فائدة) إنما امتنعوا من النطق بأفعال ويله وويحه وويسه وويبه لأنه لفيف مقرون فلو وضعوا له فعلا لوقعت الواو بعد حرف المضارعة وذلك يوجب إعلالها بالحذف كـ يعد ويزن ويثق ووقعت العين وهي حرفة علة أيضا ثالثة وذلك يوجب نقل حركتها إلى الساكن قبلها وإعلالها بالإسكان كيبيع ويحيد فيتوالي عليهم إعلالات في كلمة واحدة وهم لا يسمحون بذلك فرفضوا الفعل رأسا. (فائدة) كل فعل يقتضي مفعولا ويطلبه ولا يصل إليه بنفسه توصلوا إليه بأداة وهي حرف الجر. ثم إنهم قد يحذفون الحرف لتضمن الفعل معنى فعل متعد بنفسه كما تقدم لكن هنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أنه قد يتعدى الفعل بنفسه إلى مفعول، وإلى آخر بحرف الجر، ثم يحذف المفعول الذي وصل إليه بنفسه لعلم السامع به ويبقى الذي وصل إليه بحرف الجر كما قالوا: نصحت لزيد، وكلت له، ووزنت له، وشكرت له. المفعول في هذا كله محذوف، والفعل واصل إلى الآخر بحرف الجر. ولا يسمع قولهم أربعة أفعال تتعدى بنفسها تارة، وبحرف الجر أخرى، ويذكرون هذه، فإنه كلام مجرد عن تحقيق، بل المفعول في الحقيقة محذوف. فإن قولك: "نصحت له" مأخوذ من نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض، ثم استعير في الرأي فقالوا: نصحت له أي نصحت له رأيه أي أخلصته وأصلحته له. والتوبة النصوح إنما هي من هذا فإن الذنب يمزق الدين فالتوبة النصوح بمنزلة نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم أجزاءه ويقولون نصحت زيدا فيسقطون الحرف لأن النصيحة إرشاد فكأنك قلت أرشدته وكذلك شكرت إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له من شكر بطنه إذا امتلأ. فالأصل شكرت لزيد إحسانه وفعله ثم تحذف المفعول فتقول: شكرت لزيد، ثم تحذف الحرف، لأن شكرت متضمنة لحمدت أو مدحت. وأما كلت لزيد، ووزنت له. فمفعولهما غير زيد لأن مطلوبها ما يكال أو يوزن. فالأصل دخول اللام ثم قد يحذف لزيادة فائدة لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمقاوضة إلا مع حرف اللام. فإن قلت كلت لزيد أخبرت بكيل الطعام خاصة وإذا قلت كلت زيدا فقد أخبرت بمعاملته ومبايعته مع الكيل كأنك قلت بايعته بالكيل والوزن قال تعالى: ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ أي: بايعوهم كيلا أو وزنا وأما قوله: ﴿اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ فإنما دخلت (على) لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري. ودخلت التاء في (اكتالوا) لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زائد على معنى الكلمة، لأن الأخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري ونحو ذلك يدخل فعله من التناول والاجترار إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والمبايع.

المطففين 83:3

(فائدة) إنما امتنعوا من النطق بأفعال ويله وويحه وويسه وويبه لأنه لفيف مقرون فلو وضعوا له فعلا لوقعت الواو بعد حرف المضارعة وذلك يوجب إعلالها بالحذف كـ يعد ويزن ويثق ووقعت العين وهي حرفة علة أيضا ثالثة وذلك يوجب نقل حركتها إلى الساكن قبلها وإعلالها بالإسكان كيبيع ويحيد فيتوالي عليهم إعلالات في كلمة واحدة وهم لا يسمحون بذلك فرفضوا الفعل رأسا. (فائدة) كل فعل يقتضي مفعولا ويطلبه ولا يصل إليه بنفسه توصلوا إليه بأداة وهي حرف الجر. ثم إنهم قد يحذفون الحرف لتضمن الفعل معنى فعل متعد بنفسه كما تقدم لكن هنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أنه قد يتعدى الفعل بنفسه إلى مفعول، وإلى آخر بحرف الجر، ثم يحذف المفعول الذي وصل إليه بنفسه لعلم السامع به ويبقى الذي وصل إليه بحرف الجر كما قالوا: نصحت لزيد، وكلت له، ووزنت له، وشكرت له. المفعول في هذا كله محذوف، والفعل واصل إلى الآخر بحرف الجر. ولا يسمع قولهم أربعة أفعال تتعدى بنفسها تارة، وبحرف الجر أخرى، ويذكرون هذه، فإنه كلام مجرد عن تحقيق، بل المفعول في الحقيقة محذوف. فإن قولك: "نصحت له" مأخوذ من نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض، ثم استعير في الرأي فقالوا: نصحت له أي نصحت له رأيه أي أخلصته وأصلحته له. والتوبة النصوح إنما هي من هذا فإن الذنب يمزق الدين فالتوبة النصوح بمنزلة نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم أجزاءه ويقولون نصحت زيدا فيسقطون الحرف لأن النصيحة إرشاد فكأنك قلت أرشدته وكذلك شكرت إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له من شكر بطنه إذا امتلأ. فالأصل شكرت لزيد إحسانه وفعله ثم تحذف المفعول فتقول: شكرت لزيد، ثم تحذف الحرف، لأن شكرت متضمنة لحمدت أو مدحت. وأما كلت لزيد، ووزنت له. فمفعولهما غير زيد لأن مطلوبها ما يكال أو يوزن. فالأصل دخول اللام ثم قد يحذف لزيادة فائدة لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمقاوضة إلا مع حرف اللام. فإن قلت كلت لزيد أخبرت بكيل الطعام خاصة وإذا قلت كلت زيدا فقد أخبرت بمعاملته ومبايعته مع الكيل كأنك قلت بايعته بالكيل والوزن قال تعالى: ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ أي: بايعوهم كيلا أو وزنا وأما قوله: ﴿اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ فإنما دخلت (على) لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري. ودخلت التاء في (اكتالوا) لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زائد على معنى الكلمة، لأن الأخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري ونحو ذلك يدخل فعله من التناول والاجترار إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والمبايع.

المطففين 83:4

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُذْهِبُ الحَياءَ] وَمِن عُقُوباتِها: ذَهابُ الحَياءِ الَّذِي هو مادَّةُ حَياةِ القَلْبِ، وهو أصْلُ كُلِّ خَيْرٍ، وذَهابُهُ ذَهابُ الخَيْرِ أجْمَعِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ». وَقالَ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسَ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» وفِيهِ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والمَعْنى مَن لَمْ يَسْتَحِ فَإنَّهُ يَصْنَعُ ما شاءَ مِنَ القَبائِحِ، إذِ الحامِلُ عَلى تَرْكِها الحَياءُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ حَياءٌ يَرْدَعُهُ عَنِ القَبائِحِ، فَإنَّهُ يُواقِعُها، وهَذا تَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ تَسْتَحِ مِنهُ مِنَ اللَّهِ فافْعَلْهُ، وإنَّما الَّذِي يَنْبَغِي تَرْكُهُ هو ما يُسْتَحى مِنهُ مِنَ اللَّهِ، وهَذا تَفْسِيرُ الإمامِ أحْمَدَ في رِوايَةِ ابْنِ هانِئٍ. فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ تَهْدِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وَعَلى الثّانِي: يَكُونُ إذْنًا وإباحَةً. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ مِن سَبِيلٍ إلى حَمْلِهِ عَلى المَعْنَيَيْنِ؟ قُلْتُ: لا، ولا عَلى قَوْلِ مَن يَحْمِلُ المُشْتَرَكَ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ، لِما بَيْنَ الإباحَةِ والتَّهْدِيدِ مِنَ المُنافاةِ، ولَكِنَّ اعْتِبارَ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يُوجِبُ اعْتِبارَ الآخَرِ. والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ تُضْعِفُ الحَياءَ مِنَ العَبْدِ، حَتّى رُبَّما انْسَلَخَ مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى إنَّهُ رُبَّما لا يَتَأثَّرُ بِعِلْمِ النّاسِ بِسُوءِ حالِهِ ولا بِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْهِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم يُخْبِرُ عَنْ حالِهِ وقُبْحِ ما يَفْعَلُ، والحامِلُ لَهُ عَلى ذَلِكَ انْسِلاخُهُ مِنَ الحَياءِ، وإذا وصَلَ العَبْدُ إلى هَذِهِ الحالَةِ لَمْ يَبْقَ في صَلاحِهِ مَطْمَعٌ ؎وَإذا رَأى إبْلِيسُ طَلْعَةَ وجْهِهِ ∗∗∗ حَيّا وقالَ فَدَيْتُ مَن لا يُفْلِحُ والحَياءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَياةِ، والغَيْثُ يُسَمّى حَيا - بِالقَصْرِ - لِأنَّ بِهِ حَياةُ الأرْضِ والنَّباتِ والدَّوابِّ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ بِالحَياءِ حَياةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَمَن لا حَياءَ فِيهِ فَهو مَيِّتٌ في الدُّنْيا شَقِيٌّ في الآخِرَةِ، وبَيْنَ الذُّنُوبِ وبَيْنَ قِلَّةِ الحَياءِ وعَدَمِ الغَيْرَةِ تَلازُمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما يَسْتَدْعِي الآخَرَ ويَطْلُبُهُ حَثِيثًا، ومَنِ اسْتَحى مِنَ اللَّهِ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، اسْتَحى اللَّهُ مِن عُقُوبَتِهِ يَوْمَ يَلْقاهُ، ومَن لَمْ يَسْتَحِ مِن مَعْصِيَتِهِ لَمْ يَسْتَحِ اللَّهُ مِن عُقُوبَتِهِ.

المطففين 83:5

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُذْهِبُ الحَياءَ] وَمِن عُقُوباتِها: ذَهابُ الحَياءِ الَّذِي هو مادَّةُ حَياةِ القَلْبِ، وهو أصْلُ كُلِّ خَيْرٍ، وذَهابُهُ ذَهابُ الخَيْرِ أجْمَعِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ». وَقالَ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسَ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» وفِيهِ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والمَعْنى مَن لَمْ يَسْتَحِ فَإنَّهُ يَصْنَعُ ما شاءَ مِنَ القَبائِحِ، إذِ الحامِلُ عَلى تَرْكِها الحَياءُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ حَياءٌ يَرْدَعُهُ عَنِ القَبائِحِ، فَإنَّهُ يُواقِعُها، وهَذا تَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ تَسْتَحِ مِنهُ مِنَ اللَّهِ فافْعَلْهُ، وإنَّما الَّذِي يَنْبَغِي تَرْكُهُ هو ما يُسْتَحى مِنهُ مِنَ اللَّهِ، وهَذا تَفْسِيرُ الإمامِ أحْمَدَ في رِوايَةِ ابْنِ هانِئٍ. فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ تَهْدِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وَعَلى الثّانِي: يَكُونُ إذْنًا وإباحَةً. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ مِن سَبِيلٍ إلى حَمْلِهِ عَلى المَعْنَيَيْنِ؟ قُلْتُ: لا، ولا عَلى قَوْلِ مَن يَحْمِلُ المُشْتَرَكَ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ، لِما بَيْنَ الإباحَةِ والتَّهْدِيدِ مِنَ المُنافاةِ، ولَكِنَّ اعْتِبارَ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يُوجِبُ اعْتِبارَ الآخَرِ. والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ تُضْعِفُ الحَياءَ مِنَ العَبْدِ، حَتّى رُبَّما انْسَلَخَ مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى إنَّهُ رُبَّما لا يَتَأثَّرُ بِعِلْمِ النّاسِ بِسُوءِ حالِهِ ولا بِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْهِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم يُخْبِرُ عَنْ حالِهِ وقُبْحِ ما يَفْعَلُ، والحامِلُ لَهُ عَلى ذَلِكَ انْسِلاخُهُ مِنَ الحَياءِ، وإذا وصَلَ العَبْدُ إلى هَذِهِ الحالَةِ لَمْ يَبْقَ في صَلاحِهِ مَطْمَعٌ ؎وَإذا رَأى إبْلِيسُ طَلْعَةَ وجْهِهِ ∗∗∗ حَيّا وقالَ فَدَيْتُ مَن لا يُفْلِحُ والحَياءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَياةِ، والغَيْثُ يُسَمّى حَيا - بِالقَصْرِ - لِأنَّ بِهِ حَياةُ الأرْضِ والنَّباتِ والدَّوابِّ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ بِالحَياءِ حَياةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَمَن لا حَياءَ فِيهِ فَهو مَيِّتٌ في الدُّنْيا شَقِيٌّ في الآخِرَةِ، وبَيْنَ الذُّنُوبِ وبَيْنَ قِلَّةِ الحَياءِ وعَدَمِ الغَيْرَةِ تَلازُمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما يَسْتَدْعِي الآخَرَ ويَطْلُبُهُ حَثِيثًا، ومَنِ اسْتَحى مِنَ اللَّهِ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، اسْتَحى اللَّهُ مِن عُقُوبَتِهِ يَوْمَ يَلْقاهُ، ومَن لَمْ يَسْتَحِ مِن مَعْصِيَتِهِ لَمْ يَسْتَحِ اللَّهُ مِن عُقُوبَتِهِ.

المطففين 83:6

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُذْهِبُ الحَياءَ] وَمِن عُقُوباتِها: ذَهابُ الحَياءِ الَّذِي هو مادَّةُ حَياةِ القَلْبِ، وهو أصْلُ كُلِّ خَيْرٍ، وذَهابُهُ ذَهابُ الخَيْرِ أجْمَعِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ». وَقالَ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسَ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» وفِيهِ تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والمَعْنى مَن لَمْ يَسْتَحِ فَإنَّهُ يَصْنَعُ ما شاءَ مِنَ القَبائِحِ، إذِ الحامِلُ عَلى تَرْكِها الحَياءُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ حَياءٌ يَرْدَعُهُ عَنِ القَبائِحِ، فَإنَّهُ يُواقِعُها، وهَذا تَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ تَسْتَحِ مِنهُ مِنَ اللَّهِ فافْعَلْهُ، وإنَّما الَّذِي يَنْبَغِي تَرْكُهُ هو ما يُسْتَحى مِنهُ مِنَ اللَّهِ، وهَذا تَفْسِيرُ الإمامِ أحْمَدَ في رِوايَةِ ابْنِ هانِئٍ. فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ تَهْدِيدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وَعَلى الثّانِي: يَكُونُ إذْنًا وإباحَةً. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ مِن سَبِيلٍ إلى حَمْلِهِ عَلى المَعْنَيَيْنِ؟ قُلْتُ: لا، ولا عَلى قَوْلِ مَن يَحْمِلُ المُشْتَرَكَ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ، لِما بَيْنَ الإباحَةِ والتَّهْدِيدِ مِنَ المُنافاةِ، ولَكِنَّ اعْتِبارَ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يُوجِبُ اعْتِبارَ الآخَرِ. والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ تُضْعِفُ الحَياءَ مِنَ العَبْدِ، حَتّى رُبَّما انْسَلَخَ مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى إنَّهُ رُبَّما لا يَتَأثَّرُ بِعِلْمِ النّاسِ بِسُوءِ حالِهِ ولا بِاطِّلاعِهِمْ عَلَيْهِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم يُخْبِرُ عَنْ حالِهِ وقُبْحِ ما يَفْعَلُ، والحامِلُ لَهُ عَلى ذَلِكَ انْسِلاخُهُ مِنَ الحَياءِ، وإذا وصَلَ العَبْدُ إلى هَذِهِ الحالَةِ لَمْ يَبْقَ في صَلاحِهِ مَطْمَعٌ ؎وَإذا رَأى إبْلِيسُ طَلْعَةَ وجْهِهِ ∗∗∗ حَيّا وقالَ فَدَيْتُ مَن لا يُفْلِحُ والحَياءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَياةِ، والغَيْثُ يُسَمّى حَيا - بِالقَصْرِ - لِأنَّ بِهِ حَياةُ الأرْضِ والنَّباتِ والدَّوابِّ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ بِالحَياءِ حَياةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَمَن لا حَياءَ فِيهِ فَهو مَيِّتٌ في الدُّنْيا شَقِيٌّ في الآخِرَةِ، وبَيْنَ الذُّنُوبِ وبَيْنَ قِلَّةِ الحَياءِ وعَدَمِ الغَيْرَةِ تَلازُمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما يَسْتَدْعِي الآخَرَ ويَطْلُبُهُ حَثِيثًا، ومَنِ اسْتَحى مِنَ اللَّهِ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، اسْتَحى اللَّهُ مِن عُقُوبَتِهِ يَوْمَ يَلْقاهُ، ومَن لَمْ يَسْتَحِ مِن مَعْصِيَتِهِ لَمْ يَسْتَحِ اللَّهُ مِن عُقُوبَتِهِ.

المطففين 83:7

قال محمد بن كعب القرظي: رقم الله سبحانه كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قدر رقم عليهم في ذلكَ الكتاب. ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد رُقم عليهم في ذلك الكتاب.

المطففين 83:14

أخْبر سُبْحانَهُ أن كسبهم غطى على قُلُوبهم وحال بَينها وبَين الإيمان بآياته فَقالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾. قالَ بَعْضُ السَّلَفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ هو الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ. وَقالَ الحَسَنُ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى يُعْمِيَ القَلْبَ. وَقالَ غَيْرُهُ: لَمّا كَثُرَتْ ذُنُوبُهم ومَعاصِيهِمْ أحاطَتْ بِقُلُوبِهِمْ. وَأصْلُ هَذا أنَّ القَلْبَ يَصْدَأُ مِنَ المَعْصِيَةِ، فَإذا زادَتْ غَلَبَ الصَّدَأُ حَتّى يَصِيرَ رانًا، ثُمَّ يَغْلِبُ حَتّى يَصِيرَ طَبْعًا وقُفْلًا وخَتْمًا، فَيَصِيرُ القَلْبُ في غِشاوَةٍ وغِلافٍ، فَإذا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الهُدى والبَصِيرَةِ انْعَكَسَ فَصارَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَتَوَلّاهُ عَدُوُّهُ ويَسُوقُهُ حَيْثُ أرادَ. وقال في (المدارج) " والرَّيْنُ " " والرّانُّ " هو الحِجابُ الكَثِيفُ المانِعُ لِلْقَلْبِ مِن رُؤْيَةِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ. وقال في (شفاء العليل) وأما الران: فقد قال الله تعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال أبو عبيدة: غلب عليها. والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على الميت، فيذهب به، ومن هذا الحديث أسيفع جهينة. وقول عمر: «فأصبح قدرين به» أي غلب عليه، وأحاط به الرّين. وقال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسود القلب من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب. وهو أشد من الرين. والأقفال أشد من الطبع. وهو أن يقفل على القلب. وقال الفراء: كثرت الذنوب والمعاصي منهم، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. وقال أبو إسحاق: ران غطّى، يقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا. أي غشيه. قال: والرين كالغشاء يغشي القلب. ومثله العين. قلت: أخطأ أبو إسحاق. فالغين ألطف شيء وأرقه. قال رسول الله ﷺ: «وإنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» وأما الرين والران: فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها وقال مجاهد: هو الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه، فيموت القلب. وقال مقاتل: غمرت القلوب أعمالهم الخبيثة. وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه. وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه. وهو الران الذي ذكر الله كَلّا، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال عبد الله بن مسعود: «كلما أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود القلب كله» فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على قلوبهم، فكان سبب الران منهم. وهو خلق الله فيهم، فهو خالق السبب ومسببه، لكن السبب باختيار العبد، والمسبب خارج عن قدرته واختياره. (فائدة) وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر. فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا. وهذا أعظم عقوبات القلب. وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا﴾. (فصل) قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ بِلالَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: لا تَنْظُرْ إلى صِغَرِ الخَطِيئَةِ ولَكِنِ انْظُرْ إلى مَن عَصَيْتَ. وَقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: بِقَدْرِ ما يَصْغَرُ الذَّنْبُ عِنْدَكَ يَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ، وبِقَدْرِ ما يَعْظُمُ عِنْدَكَ يَصْغَرُ عِنْدَ اللَّهِ. وَقِيلَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى، يا مُوسى إنَّ أوَّلَ مَن ماتَ مِن خَلْقِي إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن عَصانِي، وإنَّما أعُدُّ مَن عَصانِي مِنَ الأمْواتِ. وَفِي المُسْنَدِ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا أذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإذا تابَ ونَزَعَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ زادَ زادَتْ حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]». وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقالَ حُذَيْفَةُ: إذا أذْنَبَ العَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَصِيرَ قَلْبُهُ كالشّاةِ الرَّيْداءِ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ حَدَّثَنا أبِي عَنْ صالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أمّا بَعْدُ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَإنَّكم أهْلٌ لِهَذا الأمْرِ ما لَمْ تَعْصُوا اللَّهَ، فَإذا عَصَيْتُمُوهُ بَعَثَ عَلَيْكم مَن يَلْحاكم كَما يُلْحى هَذا القَضِيبُ بِقَضِيبٍ في يَدِهِ، ثُمَّ لَحا قَضِيبَهُ فَإذا هو أبْيَضُ يَصْلِدُ». وقال في (المدارج) وَأمّا صِيانَةُ الإيمانِ فَإنَّ الإيمانَ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ السُّنَّةِ يَزِيدُ بِالطّاعَةِ ويَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ. وقَدْ حَكاهُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، ومَن بَعْدَهم. وَإضْعافُ المَعاصِي لِلْإيمانِ أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالذَّوْقِ والوُجُودِ. فَإنَّ العَبْدَ - كَما جاءَ في الحَدِيثِ - «إذا أذْنَبَ نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ. فَإنْ تابَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ. وَإنْ عادَ فَأذْنَبَ نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرى، حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ. وَذَلِكَ الرّانُّ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]». فالقَبائِحُ تُسَوِّدُ القَلْبَ، وتُطْفِئُ نُورَهُ. والإيمانُ هو نُورٌ في القَلْبِ. والقَبائِحُ تَذْهَبُ بِهِ أوْ تُقَلِّلُهُ قَطْعًا. فالحَسَناتُ تَزِيدُ نُورَ القَلْبِ. والسَّيِّئاتُ تُطْفِئُ نُورَ القَلْبِ. وَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ كَسْبَ القُلُوبِ سَبَبٌ لِلرّانِّ الَّذِي يَعْلُوها. (فصل) المُكاشَفَةُ الصَّحِيحَةُ: عُلُومٌ يُحْدِثُها الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَلْبِ العَبْدِ، ويُطْلِعُهُ بِها عَلى أُمُورٍ تَخْفى عَلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُوالِيها وقَدْ يُمْسِكُها عَنْهُ بِالغَفْلَةِ عَنْها، ويُوارِيها عَنْهُ بِالغَيْنِ الَّذِي يَغْشى قَلْبَهُ، وهو أرَقُّ الحُجُبِ، أوْ بِالغَيْمِ، وهو أغْلَظُ مِنهُ أوْ بِالرّانِ، وهو أشَدُّها. فالأوَّلُ: يَقَعُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي، وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً». والثّانِي: يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والثّالِثُ: لِمَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هو الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ يُغَطِّي القَلْبَ حَتّى يَصِيرَ كالرّانِ عَلَيْهِ. والحُجُبُ عَشَرَةُ الأوَّلُ: حِجابُ التَّعْطِيلِ، ونَفْيُ حَقائِقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وهو أغْلَظُها، فَلا يَتَهَيَّأُ لِصاحِبِ هَذا الحِجابِ أنْ يَعْرِفَ اللَّهَ، ولا يَصِلَ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ إلّا كَما يَتَهَيَّأُ لِلْحَجَرِ أنْ يَصْعَدَ إلى فَوْقَ. الثّانِي: حِجابُ الشِّرْكِ، وهو أنْ يَتَعَبَّدَ قَلْبُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ. الثّالِثُ: حِجابُ البِدْعَةِ القَوْلِيَّةِ، كَحِجابِ أهْلِ الأهْواءِ، والمَقالاتِ الفاسِدَةِ عَلى اخْتِلافِها. الرّابِعُ: حِجابُ البِدْعَةِ العَمَلِيَّةِ، كَحِجابِ أهْلِ السُّلُوكِ المُبْتَدِعِينَ في طَرِيقِهِمْ وسُلُوكِهِمْ. الخامِسُ: حِجابُ أهْلِ الكَبائِرِ الباطِنَةِ، كَحِجابِ أهْلِ الكِبْرِ والعُجْبِ والرِّياءِ والحَسَدِ، والفَخْرِ والخُيَلاءِ ونَحْوِها. السّادِسُ: حِجابُ أهْلِ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ، وحِجابُهم أرَقُّ مِن حِجابِ إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الكَبائِرِ الباطِنَةِ، مَعَ كَثْرَةِ عِباداتِهِمْ وزَهاداتِهِمْ واجْتِهاداتِهِمْ، فَكَبائِرُ هَؤُلاءِ أقْرَبُ إلى التَّوْبَةِ مِن كَبائِرِ أُولَئِكَ، فَإنَّها قَدْ صارَتْ مَقاماتٍ لَهم لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِها وإخْراجِها في قَوالِبَ عِبادَةٍ ومَعْرِفَةٍ، فَأهْلُ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ أدْنى إلى السَّلامَةِ مِنهم. وَقُلُوبُهم خَيْرٌ مِن قُلُوبِهِمْ. السّابِعُ: حِجابُ أهْلِ الصَّغائِرِ. الثّامِنُ: حِجابُ أهْلِ الفَضَلاتِ، والتَّوَسُّعِ في المُباحاتِ. التّاسِعُ: حِجابُ أهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اسْتِحْضارِ ما خُلِقُوا لَهُ وأُرِيدَ مِنهُمْ، وما لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِن دَوامِ ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وعُبُودِيَّتِهِ. العاشِرُ: حِجابُ المُجْتَهِدِينَ السّالِكِينَ، المُشَمِّرِينَ في السَّيْرِ عَنِ المَقْصُودِ. فَهَذِهِ عَشْرُ حُجُبٍ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الشَّأْنِ، وهَذِهِ الحُجُبُ تَنْشَأُ مِن أرْبَعَةِ عَناصِرَ: عُنْصُرُ النَّفْسِ، وعُنْصُرُ الشَّيْطانِ، وعُنْصُرُ الدُّنْيا، وعُنْصُرُ الهَوى، فَلا يُمْكِنُ كَشْفُ هَذِهِ الحُجُبِ مَعَ بَقاءِ أُصُولِها وعَناصِرِها في القَلْبِ ألْبَتَّةَ. وَهَذِهِ الأرْبَعَةُ العَناصِرُ: تُفْسِدُ القَوْلَ والعَمَلَ والقَصْدَ والطَّرِيقَ بِحَسْبِ غَلَبَتِها وقِلَّتِها، فَتَقْطَعُ طَرِيقَ القَوْلِ والعَمَلِ والقَصْدِ: أنْ يَصِلَ إلى القَلْبِ، وما وصَلَ مِنهُ إلى القَلْبِ قَطَعَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ: أنْ يَصِلَ إلى الرَّبِّ، فَبَيْنَ القَوْلِ والعَمَلِ وبَيْنَ القَلْبِ مَسافَةٌ يُسافِرُ فِيها العَبْدُ إلى قَلْبِهِ لِيَرى عَجائِبَ ما هُنالِكَ، وفي هَذِهِ المَسافَةِ قُطّاعُ الطَّرِيقِ المَذْكُورُونَ، فَإنْ حارَبَهم وخَلَصَ العَمَلُ إلى قَلْبِهِ دارَ فِيهِ، وطَلَبَ النُّفُوذَ مِن هُناكَ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ دُونَ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] فَإذا وصَلَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أثابَهُ عَلَيْهِ مَزِيدًا في إيمانِهِ ويَقِينِهِ، ومَعْرِفَتِهِ وعَقْلِهِ، وجَمَّلَ بِهِ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، فَهَداهُ بِهِ لِأحْسَنِ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وصَرَفَ عَنْهُ بِهِ سَيِّئَ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وأقامَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ لِلْقَلْبِ جُنْدًا يُحارِبُ بِهِ قُطّاعَ الطَّرِيقِ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ، فَيُحارِبُ الدُّنْيا بِالزُّهْدِ فِيها وإخْراجِها مِن قَلْبِهِ، ولا يَضُرُّهُ أنْ تَكُونَ في يَدِهِ وبَيْتِهِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن قُوَّةِ يَقِينِهِ بِالآخِرَةِ، يُحارِبُ الشَّيْطانَ بِتَرْكِ الِاسْتِجابَةِ لِداعِي الهَوى، فَإنَّ الشَّيْطانَ مَعَ الهَوى لا يُفارِقُهُ، ويُحارِبُ الهَوى بِتَحْكِيمِ الأمْرِ المُطْلَقِ والوُقُوفِ مَعَهُ، بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ هَوًى فِيما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُهُ، ويُحارِبُ النَّفْسَ بِقُوَّةِ الإخْلاصِ. هَذا كُلُّهُ إذا وجَدَ العَمَلُ مَنفَذًا مِنَ القَلْبِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنْ دارَ فِيهِ ولَمْ يَجِدْ مَنفَذًا وثَبَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ، فَأخَذَتْهُ وصَيَّرَتْهُ جُنْدًا لَها، فَصالَتْ بِهِ وعَلَتْ وطَغَتْ، فَتَراهُ أزْهَدُ ما يَكُونُ، وأعْبَدُ ما يَكُونُ، وأشَدُّ اجْتِهادًا، وهو أبْعَدُ ما يَكُونُ عَنِ اللَّهِ، وأصْحابُ الكَبائِرِ أقْرَبُ قُلُوبًا إلى اللَّهِ مِنهُ، وأدْنى مِنهُ إلى الإخْلاصِ والخَلاصِ. فانْظُرْ إلى السَّجّادِ العَبّادِ الزّاهِدِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ أثَرُ السُّجُودِ، كَيْفَ أ‍وْرَثَهُ طُغْيانُ عَمَلِهِ أنْ أنْكَرَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوْرَثَ أصْحابَهُ احْتِقارَ المُسْلِمِينَ، حَتّى سَلَّوْا عَلَيْهِمْ سُيُوفَهُمْ، واسْتَباحُوا دِماءَهم. وانْظُرْ إلى الشِّرِّيبِ السِّكِّيرِ الَّذِي كانَ كَثِيرًا ما يُؤْتى بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَحُدُّهُ عَلى الشَّرابِ، كَيْفَ قامَتْ بِهِ قُوَّةُ إيمانِهِ ويَقِينِهِ، ومَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وتَواضُعِهِ وانْكِسارِهِ لِلَّهِ حَتّى نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَعْنِهِ. فَظَهَرَ بِهَذا: أنَّ طُغْيانَ المَعاصِي أسْلَمُ عاقِبَةً مِن طُغْيانِ الطّاعاتِ. وَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى مُوسى ﷺ: يا مُوسى، أنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ، فَإنِّي لا أضَعُ عَدْلِي عَلى أحَدٍ إلّا عَذَّبْتُهُ مِن غَيْرِ أنْ أظْلِمَهُ، وبَشِّرِ الخَطّائِينَ، فَإنَّهُ لا يَتَعاظَمُنِي ذَنْبٌ أنْ أغْفِرَهُ، فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قَوْلُهُ: " مُكاشَفَةٌ تَدُلُّ عَلى التَّحْقِيقِ الصَّحِيحِ " كُلٌّ يَدَّعِي أنَّ التَّحْقِيقَ الصَّحِيحَ مَعَهُ. ؎وَكُلٌّ يَدَّعُونَ وِصالَ لَيْلى ∗∗∗ ولَيْلى لا تُقِرُّ لَهم بِذاكَ ؎إذا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ في خُدُودٍ ∗∗∗ تَبَيَّنَ مَن بَكى مِمَّنْ تَباكى فَلَيْسَ التَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ: إلّا المُطابِقُ لِما عَلَيْهِ الأمْرُ في نَفْسِهِ، وهو في العِلْمِ الكَشْفُ المُطابِقُ لِما أخْبَرَ بِهِ الرُّسُلُ، وفي الإرادَةِ: الكَشْفُ المُطابِقُ لِمُرادِ الرَّبِّ الدِّينِيِّ مِن عَبْدِهِ، وقَوْلُنا " الدِّينِيُّ " احْتِرازٌ مِن مُرادِهِ الكَوْنِيِّ، فَإنَّ كُلَّ ما في الكَوْنِ مُوجِبُ هَذِهِ الإرادَةِ. فالكَشْفُ الصَّحِيحُ: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مُعايَنَةً لِقَلْبِهِ، ويُجَرِّدَ إرادَةَ القَلْبِ لَهُ، فَيَدُورُ مَعَهُ وُجُودًا وعَدَمًا، هَذا هو التَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ، وما خالَفَهُ فَغُرُورٌ قَبِيحٌ.

المطففين 83:15

(فصل: في الاستدلال بهذه الآية على رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر) ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه وتعالى جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته واستماع كلامه فلو لم يره المؤمنون ولم يسمعوا كلامه كانوا أيضا محجوبين عنه وقد احتج بهذه الحجة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة فذكر الطبراني وغيره من المزي قال سمعت الشافعي يقول في قوله عز وجل: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فيها دليل على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة وقال الحاكم حدثنا الأصم أنبأنا الربيع بن سليمان قال حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها ما تقول في قول الله عز وجل: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فقال الشافعي لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضي قال الربيع فقلت يا أبا عبد الله وبه تقول قال نعم وبه أدين الله ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل ورواه الطبراني في شرح السنة من طريق الأصم أيضا. وقال أبو زرعة الرازي سمعت أحمد بن محمد بن الحسين يقول: سئل محمد بن عبد الله ابن الحكم هل يرى الخلق كلهم ربهم يوم القيامة المؤمنون والكفار؟ فقال محمد ابن عبد الله ليس يراه إلا المؤمنون قال ممد وسئل الشافعي عن الرؤية فقال يقول الله تعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يحجبون عن الله عز وجل. (فصل: في وعيد منكري الرؤية) قد تقدم قوله تعالى: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وقول عبد الله ابن المبارك ما حجب الله عنه أحدا إلا عذبه ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون﴾ قال بالرؤية. وروى مسلم في صحيحه من حديث أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: «هَلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ، لَيْسَتْ في سَحابَةٍ؟» قالُوا: لا، قالَ: «فَهَلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَيْسَ في سَحابَةٍ؟» قالُوا: لا، قالَ: " فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إلّا كَما تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ أحَدِهِما، قالَ: فَيَلْقى العَبْدَ، فَيَقُولُ: أيْ فُلْ ألَمْ أُكْرِمْكَ، وأُسَوِّدْكَ، وأُزَوِّجْكَ، وأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلَ والإبِلَ، وأذَرْكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلى، قالَ: فَيَقُولُ: أفَظَنَنْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لا، فَيَقُولُ: فَإنِّي أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقى الثّانِيَ فَيَقُولُ: أيْ فُلْ ألَمْ أُكْرِمْكَ، وأُسَوِّدْكَ، وأُزَوِّجْكَ، وأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلَ والإبِلَ، وأذَرْكَ تَرْأسُ، وتَرْبَعُ، فَيَقُولُ: بَلى، أيْ رَبِّ فَيَقُولُ: أفَظَنَنْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لا، فَيَقُولُ: فَإنِّي أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقى الثّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ آمَنتُ بِكَ، وبِكِتابِكَ، وبِرُسُلِكَ، وصَلَّيْتُ، وصُمْتُ، وتَصَدَّقْتُ، ويُثْنِي بِخَيْرٍ ما اسْتَطاعَ، فَيَقُولُ: هاهُنا إذًا، قالَ: ثُمَّ يُقالُ لَهُ: الآنَ نَبْعَثُ شاهِدَنا عَلَيْكَ، ويَتَفَكَّرُ في نَفْسِهِ: مَن ذا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِفَخِذِهِ ولَحْمِهِ وعِظامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظامُهُ بِعَمَلِهِ، وذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِن نَفْسِهِ، وذَلِكَ المُنافِقُ وذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ " فاجمع بين قوله (فإنكم سترون ربكم) وقوله لمن ظن أنه غير ملاقيه (فإني أنساك كما نسيتني) وإجماع أهل اللغة على أن اللقاء المعاينة بالأبصار يحصل لك العلم بأن منكر الرؤية أحق بهذا الوعيد. ومن تراجم أهل السنة على هذا الحديث باب في الوعيد لمنكري الرؤية كما فعل شيخ الإسلام وغيره. وبالله التوفيق. [فَصْلٌ: بَعْضُ عُقُوباتِ المَعاصِي] وَمِنها: حِجابُ القَلْبِ عَنِ الرَّبِّ في الدُّنْيا، والحِجابُ الأكْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٤-١٥]. فَمَنَعَتْهُمُ الذُّنُوبُ أنْ يَقْطَعُوا المَسافَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُلُوبِهِمْ، فَيَصِلُوا إلَيْها فَيَرَوْا ما يُصْلِحُها ويُزَكِّيها، وما يُفْسِدُها ويُشْقِيها، وأنْ يَقْطَعُوا المَسافَةَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَتَصِلَ القُلُوبُ إلَيْهِ فَتَفُوزَ بِقُرْبِهِ وكَرامَتِهِ، وتَقَرَّ بِهِ عَيْنًا وتَطِيبَ بِهِ نَفْسًا، بَلْ كانَتِ الذُّنُوبُ حِجابًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ وخالِقِهِمْ. وقال في (إغاثة اللهفان) قال سبحانه وتعالى في حق الكفار: ﴿كَلاَّ إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لمَحْجُوبُونَ ثُم إنَّهم لَصالُوا الجحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥-١٦]. فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة. ونعيم التمتع برؤيته. وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة فقال في حق الأبرار: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٢،: ٢٣]. ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون. ﴿ثُمَّ إنّهم لَصالُوا الجحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦]. (فصل) حَياةُ المُحِبِّ مَعَ حَبِيبِهِ الَّذِي لا قِوامَ لِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وحَياتِهِ إلّا بِهِ ولا غِنًى لَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا قُرَّةَ لِعَيْنِهِ، ولا طُمَأْنِينَةَ لِقَلْبِهِ، ولا سُكُونَ لِرُوحِهِ إلّا بِهِ، فَهو أحْوَجُ إلَيْهِ مِن سَمْعِهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ، بَلْ ومِن حَياتِهِ، فَإنَّ حَياتَهُ بِدُونِهِ عَذابٌ وآلامٌ، وهُمُومٌ وأحْزانٌ، فَحَياتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى قُرْبِهِ وحُبِّهِ ومُصاحَبَتِهِ، وعَذابُ حِجابِهِ عَنْهُ أعْظَمُ مِنَ العَذابِ الآخَرِ، كَما أنَّ نَعِيمَ القَلْبِ والرُّوحِ بِإزالَةِ ذَلِكَ الحِجابِ أعْظَمُ مِنَ النَّعِيمِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، والتَّمَتُّعِ بِالحُورِ العِينِ، فَهَكَذا عَذابُ الحِجابِ أعْظَمُ مِن عَذابِ الجَحِيمِ، ولِهَذا جَمَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأوْلِيائِهِ بَيْنَ النَّعِيمَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: رُؤْيَةُ وجْهِهِ الكَرِيمِ في جَنّاتِ عَدْنٍ. وَجَمَعَ لِأعْدائِهِ بَيْنَ العَذابَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ - ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥-١٦]. والمَقْصُودُ: أنَّ الغَفْلَةَ هي نَوْمُ القَلْبِ عَنْ طَلَبِ هَذِهِ الحَياةِ، وهي حِجابٌ عَلَيْهِ، فَإنْ كُشِفَ هَذا الحِجابَ بِالذِّكْرِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ بِطالَةٍ ولَعِبٍ واشْتِغالٍ بِما لا يُفِيدُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ مَعاصٍ وذُنُوبٍ صِغارٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ كَبائِرٍ تُوجِبُ مَقْتَ الرَّبِّ تَعالى لَهُ وغَضَبَهُ ولَعْنَتَهُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ بِدَعٍ عَمَلِيَّةٍ يُعَذِّبُ العامِلُ فِيها نَفْسَهُ، ولا تُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ بِدَعٍ قَوْلِيَّةٍ اعْتِقادِيَّةٍ؛ تَتَضَمَّنُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّكْذِيبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ شَكٍّ وتَكْذِيبٍ؛ يَقْدَحُ في أُصُولِ الإيمانِ الخَمْسَةِ، وهِيَ: الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ولِقائِهِ، فَلِغِلَظِ حِجابِهِ وكَثافَتِهِ وظُلْمَتِهِ وسَوادِهِ لا يَرى حَقائِقَ الإيمانِ، ويَتَمَكَّنُ مِنهُ الشَّيْطانُ، يَعِدُهُ ويُمَنِّيهِ. والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ تَهْوى وتَشْتَهِي، وسُلْطانُ الطَّبْعِ قَدْ ظَفِرَ بِسُلْطانِ الإيمانِ، فَأسَرَهُ وسَجَنَهُ إنْ لَمْ يُهْلِكْهُ، وتَوَلّى تَدْبِيرَ المَمْلَكَةِ واسْتِخْدامَ جُنُودِ الشَّهَواتِ، وأقْطَعَها العَوائِدَ الَّتِي جَرى عَلَيْها العَمَلُ، وأغْلَقَ بابَ اليَقَظَةِ، وأقامَ عَلَيْهِ بَوّابَ الغَفْلَةِ، وقالَ: إيّاكَ أنْ نُؤْتى مِن قِبَلِكَ، واتَّخَذَ حاجِبًا مِنَ الهَوى، وقالَ: إيّاكَ أنْ تُمَكِّنَ أحَدًا يَدْخُلُ عَلَيَّ إلّا مَعَكَ، فَأمْرُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ قَدْ صارَ إلَيْكَ وإلى البَوّابِ، فَيا بَوّابَ الغَفْلَةِ، ويا حاجِبَ الهَوى لِيَلْزَمْ كُلٌّ مِنكُما ثَغْرَهُ، فَإنْ أخْلَيْتُما فَسَدَ أمْرُ مَمْلَكَتِنا، وعادَتِ الدَّوْلَةُ لِغَيْرِنا، وسامَنا سُلْطانُ الإيمانِ شَرَّ الخِزْيِ والهَوانِ، ولا نَفْرَحُ بِهَذِهِ المَدِينَةِ أبَدًا. فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ! إذا اجْتَمَعَتْ عَلى القَلْبِ هَذِهِ العَساكِرُ مَعَ رِقَّةِ الإيمانِ وقِلَّةِ الأعْوانِ، والإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، والِانْخِراطِ في سِلْكِ أبْناءِ الزَّمانِ، وطُولِ الأمَلِ المُفْسِدِ لِلْإنْسانِ أنْ آثَرَ العاجِلَ الحاضِرَ عَلى الغائِبِ المَوْعُودِ بِهِ بَعْدَ طَيِّ هَذِهِ الأكْوانِ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.

المطففين 83:18

أخبر تعالى أن كتابهم كتاب مرقوم، تحقيقا. لكونه مكتوبا كتابة حقيقية. وخص تعالى كتاب الأبرار: أنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة والنبيين سادات المؤمنين. ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب الفجار، تنويها بكتاب الأبرار وما وقع لهم به، وإشهارا له وإظهارا لمكانتهم بين خواص خلقه، كما يكتب الملوك تواقيع يعظمون بين الأمراء وخواص أهل المملكة، تنويها باسم المكتوب له، وإشهارا بذكره. وهذا نوع من صلاة الله سبحانه وتعالى وملائكته على عبده. وقال في (طريق الهجرتين) وأخبر أن المقربين يشهدون كتابهم - أي يكتب بحضرتهم ومشهدهم - لا يغيبون عنه، اعتناءً به وإظهارًا لكرامة صاحبه ومنزلته عند ربه.

المطففين 83:19

أخبر تعالى أن كتابهم كتاب مرقوم، تحقيقا. لكونه مكتوبا كتابة حقيقية. وخص تعالى كتاب الأبرار: أنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة والنبيين سادات المؤمنين. ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب الفجار، تنويها بكتاب الأبرار وما وقع لهم به، وإشهارا له وإظهارا لمكانتهم بين خواص خلقه، كما يكتب الملوك تواقيع يعظمون بين الأمراء وخواص أهل المملكة، تنويها باسم المكتوب له، وإشهارا بذكره. وهذا نوع من صلاة الله سبحانه وتعالى وملائكته على عبده. وقال في (طريق الهجرتين) وأخبر أن المقربين يشهدون كتابهم - أي يكتب بحضرتهم ومشهدهم - لا يغيبون عنه، اعتناءً به وإظهارًا لكرامة صاحبه ومنزلته عند ربه.

المطففين 83:20

أخبر تعالى أن كتابهم كتاب مرقوم، تحقيقا. لكونه مكتوبا كتابة حقيقية. وخص تعالى كتاب الأبرار: أنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة والنبيين سادات المؤمنين. ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب الفجار، تنويها بكتاب الأبرار وما وقع لهم به، وإشهارا له وإظهارا لمكانتهم بين خواص خلقه، كما يكتب الملوك تواقيع يعظمون بين الأمراء وخواص أهل المملكة، تنويها باسم المكتوب له، وإشهارا بذكره. وهذا نوع من صلاة الله سبحانه وتعالى وملائكته على عبده. وقال في (طريق الهجرتين) وأخبر أن المقربين يشهدون كتابهم - أي يكتب بحضرتهم ومشهدهم - لا يغيبون عنه، اعتناءً به وإظهارًا لكرامة صاحبه ومنزلته عند ربه.

المطففين 83:26

وقال علقمة عن ابن مسعود ﴿خِتامُهُ مِسْك﴾ قال خلطه وليس بخاتم ثم يختم. قلت يريد والله أعلم أن آخره مسك يخالطه فهو من الخاتمة ليس من الخاتم. وقال زيد بن معاوية: سألت علقمة عن قوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْك﴾ فقرأتها (خاتمه مسك) فقال لي: ليست خاتمه ولكن اقرأه ﴿خِتامُهُ مِسْك﴾ قال علقمة: ختامه خلطه ألم تر أن المرأة من نسائكم تقول للطيب إن خلطه من مسك لكذا وكذا. وذكر سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق: الرحيق الخمر المختوم يجدون عاقبتها طعم المسك وبهذا الإسناد عن مسروق عن عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ قال تمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفا. وكذلك قال ابن عباس: يشرب منها المقربون صرفا وتمزج لمن دونهم. وقال مجاهد: ختامه مسك يقول طينة وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير ولفظ الآية أوضح منه وكأنه والله أعلم يريد ما يبقى في أسفل الإناء من الدردي. وذكر الحاكم من حديث آدم حدثنا شيبان عن جابر عن ابن سابط عن أبي الدرداء في قوله ﴿خِتامُهُ مِسْك﴾ قال: "هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها" (فصل) والمُنافَسَةُ هي كَمالُ الرَّغْبَةِ في الشَّيْءِ، ومَنعُ الغَيْرِ مِنهُ: إنْ لَمْ يُمْدَحْ فِيهِ المُشارَكَةُ، والمُسابَقَةُ إلَيْهِ إنْ مُدِحَتْ فِيهِ المُشارَكَةُ. قالَ تَعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ وَبَيْنَ المُنافَسَةِ والغِبْطَةِ جَمْعٌ وفَرْقٌ، وبَيْنَهُما وبَيْنَ الحَسَدِ أيْضًا جَمْعٌ وفَرْقٌ. فالمُنافَسَةُ تَتَضَمَّنُ مُسابَقَةً واجْتِهادًا وحِرْصًا. والحَسَدُ: يَدُلُّ عَلى مَهانَةِ الحاسِدِ وعَجْزِهِ، وإلّا فَنافِسْ مَن حَسَدْتَهُ. فَذَلِكَ أنْفَعُ لَكَ مِن حَسَدِهِ، كَما قِيلَ: ؎إذا أعْجَبَتْكَ خِلالُ امْرِئٍ ∗∗∗ فَكُنْهُ يَكُنْ مِنكَ ما يُعْجِبُكْ ؎فَلَيْسَ عَلى الجُودِ والمَكْرُما ∗∗∗ تِ إذا جِئْتَها حاجِبٌ يَحْجُبُكْ والغِبْطَةُ تَتَضَمَّنُ نَوْعَ تَعَجُّبٍ وفَرَحٍ لِلْمَغْبُوطِ واسْتِحْسانٍ لِحالِهِ. [فصل: الفرق بين المنافسة والحسد] والفرق بين المنافسة والحسد: أن المنافسة المبادرة إلى الكمال الذي تشاهد من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فهي من شرف النفس وعلو الهمة وكبر القدر قال تعالى: ﴿وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ وأصلها من الشيء النفيس الذي تتعلق به النفوس طلبا ورغبة فينافس فيه كل من النفسين الأخرى وربما فرحت إذا شاركتها فيه كما كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يتنافسون في الخير ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه بل يحض بعضهم بعضا عليه مع تنافسهم فيه وهي نوع من المسابقة وقد قال تعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ وقال تعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ﴾ وكان عمر بن الخطاب يسابق أبا بكر رضي اللّه عنهما فلم يظفر بسبقه أبدا فلما علم أنه قد استولى على الإمامة قال واللّه لا أسابقك إلى شيء أبدا وقال واللّه ما سبقته إلى خير إلا وجدته قد سبقني إليه. والمتنافسان كعبدين بين يدي سيدهما يتباريان ويتنافسان في مرضاته ويتسابقان إلى محابه، فسيدهما يعجبه ذلك منهما ويحثهما عليه وكل منهما يحب الآخر ويحرضه على مرضاة سيده. والحسد خلق نفس ذميمة وضيعة ساقطة ليس فيها حرص على الخير فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد ويفوز بها دونها ويتمنى أن لوفاته كسبها حتى يساويها في العدم كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ فالحسود عدو للنعمة متمن زوالها عن المحسود كما زالت عنه هو والمنافس سابق النعمة متمن تمامها عليه وعلى من ينافس غيره أن يعلوا عليه ويحب لحاقه به أو مجاوزته له في الفضل والحسود بحب انحطاط غيره وحتى يساويه في النقصان وأكثر النفوس الفاضلة الخيرة تنتفع بالمنافسة فمن جعل نصب عينيه شخصا من أهل الفضل والسبق فنافسه انتفع به كثيرا فإنه يتشبه به ويطلب اللحاق به والتقدم عليه وهذا لا تذمه، وقد يطلق اسم الحسد على المنافسة المحمودة كما في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ورجل آتاه مالا فسلّطه على هلكته في الحق» فهذا حسد منافسة وغبطة يدل على علو همّة صاحبه وكبر نفسه وطلبها للتشبيه بأهل الفضل».

المطففين 83:27

التسنيم: أعلى أشربه الجنة، فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم، وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج، ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبون﴾، كما قال تعالى في سورة الإنسان سواءً. قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين مزجًا. وهذا لأن الجزاءَ وفاق العمل، فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم، فمن أخلص أخلص شرابه ومن مزج مزج شرابه. ؎يا لاهيًا في غمرة الجهل والهوي ∗∗∗ صريعًا على فرش الردى يتقلب ؎تأمل - هداك الله ما ثم وانتبه ∗∗∗ فهذا شراب القوم حقًا يركَّب ؎وتركيبه في هذه الدار إن تفت ∗∗∗ فليس له بعد المنية مطلب ؎فيا عجبًا من معرض عن حياته ∗∗∗ وعن حظه العالي ويلهو ويلعب ؎ولو علم المحروم أي بضاعة ∗∗∗ أضاع لأمسى قلبه يتلهب ؎فإن كان لا يدرى فتلك مصيبة ∗∗∗ وإن كان يدرى فالمصيبة أصعب ؎بلي سوف يدرى حين ينكشف الغطا ∗∗∗ ويصبح مسلوبًا ينوح ويندب ؎ويعجب ممن باع شيئًا بدون ما ∗∗∗ يساوى بلا علم وأمرك أعجب ؎لأنك قد بعت الحياة وطيبها ∗∗∗ بلذة حلم عن قليل سيذهب ؎فهلا عكست الأمر إن كنت حازمًا ∗∗∗ ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب ؎تصدُّ وتنأى عن حبيبك دائمًا ∗∗∗ فأين عن الأحباب ويحك تذهب ؎ستعلم يوم الحشر أي تجارة ∗∗∗ أضعت إذا تلك الموازين تنصب (فائدة) قال في سورة المطففين في شراب الأبرار: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ وقال: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ ولم يقل: (منها) إشعارًا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها. فضمن (يشرب) معنى (يروى) فعدَّي بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى (مِن) ولكن يضمن (يشرب) الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه. وقال في الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الري بالعين خالصة ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البَشر.

المطففين 83:28

التسنيم: أعلى أشربه الجنة، فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم، وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج، ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبون﴾، كما قال تعالى في سورة الإنسان سواءً. قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين مزجًا. وهذا لأن الجزاءَ وفاق العمل، فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم، فمن أخلص أخلص شرابه ومن مزج مزج شرابه. ؎يا لاهيًا في غمرة الجهل والهوي ∗∗∗ صريعًا على فرش الردى يتقلب ؎تأمل - هداك الله ما ثم وانتبه ∗∗∗ فهذا شراب القوم حقًا يركَّب ؎وتركيبه في هذه الدار إن تفت ∗∗∗ فليس له بعد المنية مطلب ؎فيا عجبًا من معرض عن حياته ∗∗∗ وعن حظه العالي ويلهو ويلعب ؎ولو علم المحروم أي بضاعة ∗∗∗ أضاع لأمسى قلبه يتلهب ؎فإن كان لا يدرى فتلك مصيبة ∗∗∗ وإن كان يدرى فالمصيبة أصعب ؎بلي سوف يدرى حين ينكشف الغطا ∗∗∗ ويصبح مسلوبًا ينوح ويندب ؎ويعجب ممن باع شيئًا بدون ما ∗∗∗ يساوى بلا علم وأمرك أعجب ؎لأنك قد بعت الحياة وطيبها ∗∗∗ بلذة حلم عن قليل سيذهب ؎فهلا عكست الأمر إن كنت حازمًا ∗∗∗ ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب ؎تصدُّ وتنأى عن حبيبك دائمًا ∗∗∗ فأين عن الأحباب ويحك تذهب ؎ستعلم يوم الحشر أي تجارة ∗∗∗ أضعت إذا تلك الموازين تنصب (فائدة) قال في سورة المطففين في شراب الأبرار: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ وقال: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ ولم يقل: (منها) إشعارًا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها. فضمن (يشرب) معنى (يروى) فعدَّي بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى (مِن) ولكن يضمن (يشرب) الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه. وقال في الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الري بالعين خالصة ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البَشر.

المطففين 83:29

تأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في الدنيا وسخروا به منهم، بضده في القيامة، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم: ﴿وَإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. فقال تعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم، ثم قال: فأطلق النظر، ولم يقيده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه. والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل بذلك قولهم: ﴿إنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾. فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولا بد، إما بخصوصه، وإما بالعموم والإطلاق. ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك، خصوصا أو عموما.

المطففين 83:30

تأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في الدنيا وسخروا به منهم، بضده في القيامة، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم: ﴿وَإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. فقال تعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم، ثم قال: فأطلق النظر، ولم يقيده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه. والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل بذلك قولهم: ﴿إنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾. فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولا بد، إما بخصوصه، وإما بالعموم والإطلاق. ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك، خصوصا أو عموما.

الانشقاق 84:2

بِمَعْنى سَمِعَتْ لِرَبِّها وحُقَّ لَها ذَلِكَ، كَما قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَمِّي في سَماعٍ وأُذُنٍ بِمَعْنى، في سَماعٍ واسْتِماعٍ. (فائدة) يُكْتَبُ في إناءٍ نَظِيفٍ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ - وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ - وإذا الأرْضُ مُدَّتْ - وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ وَتَشْرَبُ مِنهُ الحامِلُ، ويُرَشُّ عَلى بَطْنِها.

الانشقاق 84:6

إن عاد الضمير على العمل فهو رؤيته في الكتاب مسطورا مثبتا. وإن عاد على الرب سبحانه وتعالى فهو لقاؤه الذي وعد به.

الانشقاق 84:7

ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من نوقش الحساب عذب" فقالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨)﴾ فقال: "بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب" فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد.

الانشقاق 84:8

ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من نوقش الحساب عذب" فقالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨)﴾ فقال: "بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب" فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد.

الانشقاق 84:16

(فصل) ومن ذلك إقسامه بـ ﴿الشَّفَقِ واللَّيْلِ وما وسَقَ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل أحدها الشفق وهو في اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم: الشفق الحمرة في السماء وأصل موضوع الحرف لرقة الشيء، ومنه شيء شفق لا تماسك له لرقته ومنه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رق له وأهل اللغة يقولون الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها، ولهذا كان الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة. فإن الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدًا لوقت المغرب فإذا ذهبت الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء. وأما البياض فإنه يمتد وقته بطول لبثه ويكون حاصلًا مع بعد الشمس عن الأفق، ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: الشفق الحمرة، والعرب تقول ثوب مصبوغ كأنه الشفق إذا كان أحمر حكاه الفراء. وكذلك قال الكلبي الشفق الحمرة التي تكون في المغرب، وكذلك قال مقاتل هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة. وقال عكرمة هو بقية النهار وهذا يحتمل أن يريد به أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية النهار وقال مجاهد هو النهار كله. وهذا ضعيف جدًا وكأنه لما رآه قابله بالليل وما وسق، ظن أنه النهار وهذا ليس بلازم. الثاني قسمه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل وما ضمه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار النهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النهار آية وإقبال الليل آية، وتعقب أحدهما الآخر آية، والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل آية، وما حواه آية، والهلال آية، وتزايده كل ليلة آية، واتساقه وهو امتلاؤه نورًا آية، ثم أخذه في النقص آية. وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله، ولهذا شرع عند إقبال الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب. وفي الحديث "اللَّهُمَّ إنَّ هَذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نَهارِكَ، وأصْواتُ دُعاتِكَ، فاغْفِرْ لِي، وحضور صلواتك اغفر لي" كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار، ولهذا يقسم سبحانه بهذين الوقتين كقوله ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ وهو يقابل إقسامه بالشفق. ونظيره إقسامه ب ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنهار وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينهما من التضاد والاختلاف وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي مشهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم في مبدأ ومعاد ﴿أولم يروا كيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير﴾.

الانشقاق 84:17

(فصل) ومن ذلك إقسامه بـ ﴿الشَّفَقِ واللَّيْلِ وما وسَقَ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل أحدها الشفق وهو في اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم: الشفق الحمرة في السماء وأصل موضوع الحرف لرقة الشيء، ومنه شيء شفق لا تماسك له لرقته ومنه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رق له وأهل اللغة يقولون الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها، ولهذا كان الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة. فإن الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدًا لوقت المغرب فإذا ذهبت الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء. وأما البياض فإنه يمتد وقته بطول لبثه ويكون حاصلًا مع بعد الشمس عن الأفق، ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: الشفق الحمرة، والعرب تقول ثوب مصبوغ كأنه الشفق إذا كان أحمر حكاه الفراء. وكذلك قال الكلبي الشفق الحمرة التي تكون في المغرب، وكذلك قال مقاتل هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة. وقال عكرمة هو بقية النهار وهذا يحتمل أن يريد به أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية النهار وقال مجاهد هو النهار كله. وهذا ضعيف جدًا وكأنه لما رآه قابله بالليل وما وسق، ظن أنه النهار وهذا ليس بلازم. الثاني قسمه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل وما ضمه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار النهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النهار آية وإقبال الليل آية، وتعقب أحدهما الآخر آية، والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل آية، وما حواه آية، والهلال آية، وتزايده كل ليلة آية، واتساقه وهو امتلاؤه نورًا آية، ثم أخذه في النقص آية. وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله، ولهذا شرع عند إقبال الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب. وفي الحديث "اللَّهُمَّ إنَّ هَذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نَهارِكَ، وأصْواتُ دُعاتِكَ، فاغْفِرْ لِي، وحضور صلواتك اغفر لي" كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار، ولهذا يقسم سبحانه بهذين الوقتين كقوله ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ وهو يقابل إقسامه بالشفق. ونظيره إقسامه ب ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنهار وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينهما من التضاد والاختلاف وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي مشهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم في مبدأ ومعاد ﴿أولم يروا كيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير﴾.

الانشقاق 84:18

(فصل) ومن ذلك إقسامه بـ ﴿الشَّفَقِ واللَّيْلِ وما وسَقَ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل أحدها الشفق وهو في اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم: الشفق الحمرة في السماء وأصل موضوع الحرف لرقة الشيء، ومنه شيء شفق لا تماسك له لرقته ومنه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رق له وأهل اللغة يقولون الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها، ولهذا كان الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة. فإن الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدًا لوقت المغرب فإذا ذهبت الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء. وأما البياض فإنه يمتد وقته بطول لبثه ويكون حاصلًا مع بعد الشمس عن الأفق، ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: الشفق الحمرة، والعرب تقول ثوب مصبوغ كأنه الشفق إذا كان أحمر حكاه الفراء. وكذلك قال الكلبي الشفق الحمرة التي تكون في المغرب، وكذلك قال مقاتل هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة. وقال عكرمة هو بقية النهار وهذا يحتمل أن يريد به أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية النهار وقال مجاهد هو النهار كله. وهذا ضعيف جدًا وكأنه لما رآه قابله بالليل وما وسق، ظن أنه النهار وهذا ليس بلازم. الثاني قسمه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل وما ضمه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار النهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النهار آية وإقبال الليل آية، وتعقب أحدهما الآخر آية، والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل آية، وما حواه آية، والهلال آية، وتزايده كل ليلة آية، واتساقه وهو امتلاؤه نورًا آية، ثم أخذه في النقص آية. وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله، ولهذا شرع عند إقبال الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب. وفي الحديث "اللَّهُمَّ إنَّ هَذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نَهارِكَ، وأصْواتُ دُعاتِكَ، فاغْفِرْ لِي، وحضور صلواتك اغفر لي" كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار، ولهذا يقسم سبحانه بهذين الوقتين كقوله ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ وهو يقابل إقسامه بالشفق. ونظيره إقسامه ب ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنهار وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينهما من التضاد والاختلاف وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي مشهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم في مبدأ ومعاد ﴿أولم يروا كيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير﴾.

الانشقاق 84:19

أي حالا بعد حال. فأول أطباقه: كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينا، ثم مولودا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم صحيحا أو مريضا، غنيا أو فقيرا، معافى أو مبتلى - إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت، ثم يبعث، ثم يوقف بين يدي الله، ثم يصير إلى الجنة أو النار. فالمعنى: لتركبن حالا بعد حال، ومنزلا بعد منزل، وأمرا بعد أمر. قال سعيد بن جبير وابن زيد: لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرنّ أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى. وقال عطاء: شدة بعد شدة. والطبق والطبقة: الحال. ولهذا يقال: كان فلان على طبقات شتّى. قال عمرو بن العاص: «لقد كنت على طبقات ثلاث» أي أحوال. قال ابن الأعرابي: الطبق الحال على اختلافها. وقال في (التبيان) وقوله ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الظاهر أنه جواب القسم ويجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف وقرئ ولتركبن بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للإنسان أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي خاصة وقيل ليست التاء للخطاب ولكنها للغيبة أي لتركبن السماء طبقًا عن طبق ومن ضمها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال المعنى لتركبن السماء حالًا بعد حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونها كالمهل مرة وكالدهان مرة ومورانها وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسمًا على المعاد وتغيير العالم ومن قال الخطاب للنبي فله ثلاث معان لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول مسروق والشعبي قالوا والسماء طبق. ولهذا يقال للسماوات السبع الطباق. والمعنى الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى. الثالث لتركبن حالًا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل الله فيها رسوله من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه. ومن قال الخطاب للإنسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان حالا بعد حال من حين كونه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان. وأقوال المفسرين كلها تدور على هذا. قال ابن عباس رضي الله عنهما لتصيرن الأمور حالًا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالًا بعد حال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى كونه حيًا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقًا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الأحوال أطباقًا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالًا بعد حال إلى دار القرار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد ثم يفعل الله سبحانه بعد ذلك ما يشاء واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال المعنى بالناس أشبه منه بالنبي فإنه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها قوله ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فذكر كونهم طبقًا بعد طبق قال الواحدي وهذا قول أكثر المفسرين قالوا لتركبن حالًا بعد حال ومنزلًا بعد منزل وأمرًا بعد أمر قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل. وأنت إذا تأملت هذا المقسم به والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة على الربوبية وتغيير الله سبحانه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من حال إلى حال. وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولا حي ولا مريد ولا حكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء. فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ إنكارًا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام وأنكر عليهم عدم خصوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينها وأجزلها وأوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة غاية الحق بغاية البيان والفصاحة.

الانشقاق 84:20

أي حالا بعد حال. فأول أطباقه: كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينا، ثم مولودا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم صحيحا أو مريضا، غنيا أو فقيرا، معافى أو مبتلى - إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت، ثم يبعث، ثم يوقف بين يدي الله، ثم يصير إلى الجنة أو النار. فالمعنى: لتركبن حالا بعد حال، ومنزلا بعد منزل، وأمرا بعد أمر. قال سعيد بن جبير وابن زيد: لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرنّ أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى. وقال عطاء: شدة بعد شدة. والطبق والطبقة: الحال. ولهذا يقال: كان فلان على طبقات شتّى. قال عمرو بن العاص: «لقد كنت على طبقات ثلاث» أي أحوال. قال ابن الأعرابي: الطبق الحال على اختلافها. وقال في (التبيان) وقوله ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الظاهر أنه جواب القسم ويجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف وقرئ ولتركبن بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للإنسان أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي خاصة وقيل ليست التاء للخطاب ولكنها للغيبة أي لتركبن السماء طبقًا عن طبق ومن ضمها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال المعنى لتركبن السماء حالًا بعد حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونها كالمهل مرة وكالدهان مرة ومورانها وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسمًا على المعاد وتغيير العالم ومن قال الخطاب للنبي فله ثلاث معان لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول مسروق والشعبي قالوا والسماء طبق. ولهذا يقال للسماوات السبع الطباق. والمعنى الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى. الثالث لتركبن حالًا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل الله فيها رسوله من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه. ومن قال الخطاب للإنسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان حالا بعد حال من حين كونه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان. وأقوال المفسرين كلها تدور على هذا. قال ابن عباس رضي الله عنهما لتصيرن الأمور حالًا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالًا بعد حال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى كونه حيًا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقًا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الأحوال أطباقًا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالًا بعد حال إلى دار القرار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد ثم يفعل الله سبحانه بعد ذلك ما يشاء واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال المعنى بالناس أشبه منه بالنبي فإنه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها قوله ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فذكر كونهم طبقًا بعد طبق قال الواحدي وهذا قول أكثر المفسرين قالوا لتركبن حالًا بعد حال ومنزلًا بعد منزل وأمرًا بعد أمر قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل. وأنت إذا تأملت هذا المقسم به والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة على الربوبية وتغيير الله سبحانه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من حال إلى حال. وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولا حي ولا مريد ولا حكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء. فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ إنكارًا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام وأنكر عليهم عدم خصوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينها وأجزلها وأوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة غاية الحق بغاية البيان والفصاحة.

الانشقاق 84:21

أي حالا بعد حال. فأول أطباقه: كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينا، ثم مولودا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم صحيحا أو مريضا، غنيا أو فقيرا، معافى أو مبتلى - إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت، ثم يبعث، ثم يوقف بين يدي الله، ثم يصير إلى الجنة أو النار. فالمعنى: لتركبن حالا بعد حال، ومنزلا بعد منزل، وأمرا بعد أمر. قال سعيد بن جبير وابن زيد: لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرنّ أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى. وقال عطاء: شدة بعد شدة. والطبق والطبقة: الحال. ولهذا يقال: كان فلان على طبقات شتّى. قال عمرو بن العاص: «لقد كنت على طبقات ثلاث» أي أحوال. قال ابن الأعرابي: الطبق الحال على اختلافها. وقال في (التبيان) وقوله ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الظاهر أنه جواب القسم ويجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف وقرئ ولتركبن بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للإنسان أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي خاصة وقيل ليست التاء للخطاب ولكنها للغيبة أي لتركبن السماء طبقًا عن طبق ومن ضمها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال المعنى لتركبن السماء حالًا بعد حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونها كالمهل مرة وكالدهان مرة ومورانها وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسمًا على المعاد وتغيير العالم ومن قال الخطاب للنبي فله ثلاث معان لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول مسروق والشعبي قالوا والسماء طبق. ولهذا يقال للسماوات السبع الطباق. والمعنى الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى. الثالث لتركبن حالًا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل الله فيها رسوله من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه. ومن قال الخطاب للإنسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان حالا بعد حال من حين كونه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان. وأقوال المفسرين كلها تدور على هذا. قال ابن عباس رضي الله عنهما لتصيرن الأمور حالًا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالًا بعد حال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى كونه حيًا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقًا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الأحوال أطباقًا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالًا بعد حال إلى دار القرار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد ثم يفعل الله سبحانه بعد ذلك ما يشاء واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال المعنى بالناس أشبه منه بالنبي فإنه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها قوله ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فذكر كونهم طبقًا بعد طبق قال الواحدي وهذا قول أكثر المفسرين قالوا لتركبن حالًا بعد حال ومنزلًا بعد منزل وأمرًا بعد أمر قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل. وأنت إذا تأملت هذا المقسم به والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة على الربوبية وتغيير الله سبحانه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من حال إلى حال. وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولا حي ولا مريد ولا حكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء. فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ إنكارًا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام وأنكر عليهم عدم خصوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينها وأجزلها وأوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة غاية الحق بغاية البيان والفصاحة.

الانشقاق 84:22

﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ ولا يصدقون بالحق جحودًا وعنادًا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من أعمالهم وما يجمعونه فيجازيهم عليه بعلمه وعدله ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾. (فائدة) قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فهذا يبعد تقدير دخوله [المستثنى] فيما تقدم قبله جدا، وإنما هو إخبار عما للفريقين، فلما بشر الكافرين بالعذاب بشر المؤمنين بالأجر غير الممنون. فهذا من باب المثاني الذي يذكر فيه الشيء وضده كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ فليس هناك مقدر يخرج منه هذا المستثنى. والله أعلم.

الانشقاق 84:23

﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ ولا يصدقون بالحق جحودًا وعنادًا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من أعمالهم وما يجمعونه فيجازيهم عليه بعلمه وعدله ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾. (فائدة) قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فهذا يبعد تقدير دخوله [المستثنى] فيما تقدم قبله جدا، وإنما هو إخبار عما للفريقين، فلما بشر الكافرين بالعذاب بشر المؤمنين بالأجر غير الممنون. فهذا من باب المثاني الذي يذكر فيه الشيء وضده كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ فليس هناك مقدر يخرج منه هذا المستثنى. والله أعلم.

الانشقاق 84:24

﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ ولا يصدقون بالحق جحودًا وعنادًا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من أعمالهم وما يجمعونه فيجازيهم عليه بعلمه وعدله ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾. (فائدة) قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فهذا يبعد تقدير دخوله [المستثنى] فيما تقدم قبله جدا، وإنما هو إخبار عما للفريقين، فلما بشر الكافرين بالعذاب بشر المؤمنين بالأجر غير الممنون. فهذا من باب المثاني الذي يذكر فيه الشيء وضده كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ فليس هناك مقدر يخرج منه هذا المستثنى. والله أعلم.

الانشقاق 84:25

﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ ولا يصدقون بالحق جحودًا وعنادًا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من أعمالهم وما يجمعونه فيجازيهم عليه بعلمه وعدله ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾. (فائدة) قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فهذا يبعد تقدير دخوله [المستثنى] فيما تقدم قبله جدا، وإنما هو إخبار عما للفريقين، فلما بشر الكافرين بالعذاب بشر المؤمنين بالأجر غير الممنون. فهذا من باب المثاني الذي يذكر فيه الشيء وضده كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ فليس هناك مقدر يخرج منه هذا المستثنى. والله أعلم.

البروج 85:1

(فصل) ومن ذلك إقسامه سبحانه ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ التي تنزلها الشمس والقمر وفسرت بالنجوم أو نوع منها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات قدرته وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكرى لا يتميز منه جانب عن جانب بطول ولا قصر ولا وضع بل هو متساوي الجوانب فجعل هذه البروج في هذه الكرى على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولا عالم ولا مريد ولا حي ولا حكيم ولا مباين للمفعول وهذا ونحوه مما هدم قواعد الطبائعية والملاحدة والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنًا قادرًا فاعلًا بالاختيار عالمًا بتفاصيله حكيمًا مدبرًا له فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم آياته سبحانه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة وهو المقسم به وعليه كما أن القرآن يقسم به وعليه ودال على وقوع اليوم الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي تأبى أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثًا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل بها سبحانه على إمكانة تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه من أنه لا يأتي به تارة فالإقسام به عند من آمن بالله كالإقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المشاهدة بالعيان ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنه المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني به وما عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لا على وجه التخصيص فإن قيل فما واجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها قيل هي بحمد الله في غاية الارتباط والإقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا والآخرة وكل منها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم العلوي وهي السماء وما فيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلها قدرًا الذي هو مظهر ملكه وأمره ونهيه وثوابه وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدله ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله وهو الشاهد والمشهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذبوا أولياءه وهم شهود على ما يفعلون بهم والملائكة شهود عليهم بذلك والأنبياء وجوارحهم تشهد به عليهم وأيضًا فالشاهد هو المطلع والرقيب والمخبر والمشهود وهو المطلع عليه المخبر به المشاهد فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي لنا وغير مرئي كما قال ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ كما نوعها إلى أرض وسماء وليل ونهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه ولا يتم نظام العالم إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولا يكون الخالق تبارك وتعالى شاهدًا على عباده مطلعًا عليهم رقيبًا وأيضًا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله فإنهم شاهدون على العباد فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود وهو المقسم به وعليه وأيضا فيوم القيامة مشهود كما قال تعالى ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ يشهده الله وملائكته والإنس والجن والوحش من آياته والمشهود من آياته وأيضًا فكلامه مشهود كما قال تعالى ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فالمشهود من أعظم آياته وكذلك الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل وأيضًا فكتاب الأبرار في عليين يشهده المقربون فالكتاب مشهود والمقربون شاهدون والأحسن أن يكون هذا القسم مستغنيًا عن الجواب لأن القصة التنبيه على المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود. ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عيانًا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة، ولا يعيبون عليهم دينًا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض. وهذا الوصف يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا به، وهذا شأن أعداء الله دائمًا ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبوا ويكرموا لأجله كما قال تعالى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُون﴾ وكذلك اللوطية نقموا من عباد الله تنزيههم عن مثل فعلهم فقالوا ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ وكذلك أهل الإشراك ينقمون من الموحدين تجريدهم التوحيد وإخلاص الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون من أهل السنة تجريد متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون من أهل الإثبات إثباتهم لله صفات كماله ونعوت جلاله وكذلك الرافضة ينقمون على أهل السنة محبتهم للصحابة جميعهم وترضيهم عنهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمه رسول الله منهم وتنزيلهم منازلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول أخذهم بحديثه وتركهم ما خالفه وكل هؤلاء لهم نصيب وفيهم شبه من أصحاب الأخدود وبينهم وبينهم نسب قريب أو بعيد.

البروج 85:5

والعجب من الفارسي يقول في قوله تعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ أنها بدل من الأخدود بدل اشتمال والنار جوهر قائم بنفسه ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود وليس فيها شرط من شرائط الاشتمال وذهل أبو علي عن هذا وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه قيل أصحاب الأخدود أخدود النار ذات الوقود فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة كما قال الشاعر: رضيعي لبان ثدي أم تحالفا على رواية الجر في ثدي، أم أراد لبان ثدي فحذف المضاف.

البروج 85:6

والعجب من الفارسي يقول في قوله تعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ أنها بدل من الأخدود بدل اشتمال والنار جوهر قائم بنفسه ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود وليس فيها شرط من شرائط الاشتمال وذهل أبو علي عن هذا وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه قيل أصحاب الأخدود أخدود النار ذات الوقود فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة كما قال الشاعر: رضيعي لبان ثدي أم تحالفا على رواية الجر في ثدي، أم أراد لبان ثدي فحذف المضاف.

البروج 85:7

والعجب من الفارسي يقول في قوله تعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ أنها بدل من الأخدود بدل اشتمال والنار جوهر قائم بنفسه ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود وليس فيها شرط من شرائط الاشتمال وذهل أبو علي عن هذا وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه قيل أصحاب الأخدود أخدود النار ذات الوقود فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة كما قال الشاعر: رضيعي لبان ثدي أم تحالفا على رواية الجر في ثدي، أم أراد لبان ثدي فحذف المضاف.

البروج 85:10

ثم أخبر سبحانه أنه أعد لهم عذاب جهنم وعذاب الحريق حيث لم يتوبوا وأنهم لو تابوا بعد أن فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار لغفر لهم ولم يعذبهم. وهذا غاية الكرم والجود. قال الحسن: انظروا إلى هذا الكرم والجود يقتلون أولياءه ويفتنونهم وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. انظروا إلى كرم الرب تعالى يدعوهم إلى التوبة، وقد فتنوا أولياءه فحرقوهم بالنار فلا ييأس العبد من مغفرته وعفوه ولو كان منه ما كان فلا عداوة أعظم من هذه العداوة ولا اكفر ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده وعبده وحده ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم وألحقهم بأوليائه. وقال في (طريق الهجرتين) وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار، ثم هو يدعوهم إلى التوبة؟! فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته سبحانه وتعالى، فإن نعمته على عباده مشهودة لهم، يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات. (فائدة) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ هاهُنا بِتَعْذِيبِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وإحْراقِهِمْ إيّاهم بِالنّارِ، واللَّفْظُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. وَحَقِيقَتُهُ: عَذِّبُوا المُؤْمِنِينَ لِيَفْتَتِنُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَهَذِهِ الفِتْنَةُ المُضافَةُ إلى المُشْرِكِينَ. وَأمّا الفِتْنَةُ الَّتِي يُضِيفُها اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ، أوْ يُضِيفُها رَسُولُهُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقَوْلِ مُوسى: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فَتِلْكَ بِمَعْنًى آخَرَ، وهي بِمَعْنى الِامْتِحانِ، والِاخْتِبارِ، والِابْتِلاءِ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، بِالنِّعَمِ والمَصائِبِ، فَهَذِهِ لَوْنٌ، وفِتْنَةُ المُشْرِكِينَ لَوْنٌ، وفِتْنَةُ المُؤْمِنِ في مالِهِ ووَلَدِهِ وجارِهِ لَوْنٌ آخَرُ.

البروج 85:11

ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء فإنه هو المبدئ المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه وهو مع ذلك الغفور الودود يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه وهو الودود أيضًا أي المحبوب قال البخاري في صحيحه الودود الحبيب والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين على كونه وادا لأوليائه ومودودًا لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونه وقال شعيب عليه السلام ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور، فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه. وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان.

البروج 85:13

(فصل) اعلم أن الذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية، والعبد إذا مرض ثم عوفى وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما رجعت أقوى وأكمل مما كانت عليه، لأنه ربما كان معه في حال العافية آلام وأسقام كامنة، فإذا اعتل ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملة فتعود قوته خيرًا مما كانت وأكمل. وفي مثل هذا قال الشاعر: ؎لعل عتبك محمود عواقبه ∗∗∗ وربما صحت الأجسام بالعلل وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال: إنه يعود خيرًا بالتوبة مما كان قبل التوبة. واحتجوا لقولهم أيضًا بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا تحصل بدون التوبة، بل التوبة شرط في حصولها، وإن حصل له محبة أُخرى بغيرها من الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة لا تنال بغيرها، فإن الله يحب التوابين، ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله. فإذا أثمرت له التوبة هذه المحبة ورجع بها إلى طاعاته التي كان عليها أولًا انضم أثرها إلى أثر تلك الطاعات فقوى الأثران فحصل له المزيد من القرب والوسيلة وهذا بخلاف ما يظنه من نقصت معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذي كان له منه قبل الجناية. واحتجوا في ذلك بأثر إسرائيلي مكذوب أن الله قال لداود عليه السلام: يا داود، أما الذنب فقد غفرناه، وأما الود فلا يعود. وهذا كذب قطعًا، فإن الود يعود بعد التوبة النصوح أعظم مما كان، فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته، وأيضًا فإنه يفرح بتوبة التائب، ومحال أن يفرح بها أعظم فرح وأكمله وهو لا يحبه. وتأمل سر اقتران هذين الاسمين في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِيءُ ويُعِيدُ وهو الغَفُورُ الودُود﴾ [البروج: ١٣-١٤] تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدًا، ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه، وفي ذلك ما يهيج القلب السليم ويأْخذ بمجامعه ويجعله عاكفًا على ربه - الذي لا إله إلا هو ولا رب له سواه - عكوف المحب الصادق على محبوبه الذي لا غنى له عنه، ولا بد له منه ولا تندفع ضرورته بغيره أبدًا.

البروج 85:14

(فصل) اعلم أن الذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية، والعبد إذا مرض ثم عوفى وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما رجعت أقوى وأكمل مما كانت عليه، لأنه ربما كان معه في حال العافية آلام وأسقام كامنة، فإذا اعتل ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملة فتعود قوته خيرًا مما كانت وأكمل. وفي مثل هذا قال الشاعر: ؎لعل عتبك محمود عواقبه ∗∗∗ وربما صحت الأجسام بالعلل وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال: إنه يعود خيرًا بالتوبة مما كان قبل التوبة. واحتجوا لقولهم أيضًا بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا تحصل بدون التوبة، بل التوبة شرط في حصولها، وإن حصل له محبة أُخرى بغيرها من الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة لا تنال بغيرها، فإن الله يحب التوابين، ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله. فإذا أثمرت له التوبة هذه المحبة ورجع بها إلى طاعاته التي كان عليها أولًا انضم أثرها إلى أثر تلك الطاعات فقوى الأثران فحصل له المزيد من القرب والوسيلة وهذا بخلاف ما يظنه من نقصت معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذي كان له منه قبل الجناية. واحتجوا في ذلك بأثر إسرائيلي مكذوب أن الله قال لداود عليه السلام: يا داود، أما الذنب فقد غفرناه، وأما الود فلا يعود. وهذا كذب قطعًا، فإن الود يعود بعد التوبة النصوح أعظم مما كان، فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته، وأيضًا فإنه يفرح بتوبة التائب، ومحال أن يفرح بها أعظم فرح وأكمله وهو لا يحبه. وتأمل سر اقتران هذين الاسمين في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِيءُ ويُعِيدُ وهو الغَفُورُ الودُود﴾ [البروج: ١٣-١٤] تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدًا، ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه، وفي ذلك ما يهيج القلب السليم ويأْخذ بمجامعه ويجعله عاكفًا على ربه - الذي لا إله إلا هو ولا رب له سواه - عكوف المحب الصادق على محبوبه الذي لا غنى له عنه، ولا بد له منه ولا تندفع ضرورته بغيره أبدًا.

البروج 85:15

ثم قال ﴿ذو العرش﴾ فأضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة وهذا يدل على عظمة العرش وقربه منه سبحانه واختصاصه به بل يدل على غاية القرب والاختصاص كما يضيف إلى نفسه بذو صفاته القائمة به كقوله ذو القوة ذو الجلال والإكرام ويقال ذو العزة وذو الملك وذو الرحمة ونظائر ذلك فلو كان حظ العرش منه حظ الأرض السابعة لكان لا فرق أن يقال ذو العرش وذو الأرض ثم وصف نفسه بالمجيد وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامه وأما من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء والمخلوق إنما يصير مجيدًا بأوصافه وأفعاله فكيف يكون الرب تبارك وتعالى مجيدًا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال تعالى الله عما يقول المعطلون علوًا كبيرًا بل هو المجيد الفعال لما يريد والمجد في لغة العرب كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال الخير وأحسن ما قرن اسم المجيد إلى الحميد كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ وكما شرع لنا في آخر الصلاة أن نثني على الرب تعالى بأنه حميد مجيد وشرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن نقول ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد فالحمد والمجد على الاطلاق لله الحميد المجيد فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال والمجيد العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام ومن قرأ المجيد بالكسر فهو صفة لعرشه سبحانه وإذا كان عرشه مجيدًا فهو سبحانه أحق بالمجد وقد استشكل هذه القراءة بعض الناس وقال لم يسمع في صفات الخلق مجيد ثم خرجها على أحد الوجهين إما على الجوار وإما أن يكون صفة لربك وهذا من قلة بضاعة هذا القائل فإن الله سبحانه وصف عرشه بالكرم وهو نظير المجد ووصفه بالعظمة فوصفه سبحانه بالمجد مطابق لوصفه بالعظمة والكرم بل هو أحق المخلوقات أن يوصف بذلك لسعته وحسنه وبهاء منظره فإنه أوسع كل شيء في المخلوقات وأجمله وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة والذات ولا يقدر قدر عظمته وحسنه وبهاء منظره إلا الله ومجده مستفاد من مجد خالقه ومبدعه والسماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي الذي بين يديه كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي فيه كتلك الحلقة في الفلاة قال ابن عباس السماوات السبع في العرش كسبعة دراهم جعلن في ترس فكيف لا يكون مجيدًا وهذا شأنه فهو عظيم كريم مجيد وأما تكلف هذا المتكلف جره إلى الجوار أو أنه صفة لربك فتكلف شديد وخروج عن المألوف في اللغة من غير حاجة إلى ذلك.

البروج 85:16

وقوله ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ دليل على أمور أحدها أنه سبحانه يفعل بإرادته ومشيئته الثاني أنه لم يزل كذلك لأنه لم يزل كذلك لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه وأن ذلك من كماله سبحانه فلا يجوز أن يكون عادمًا لهذا الكمال في وقت من الأوقات وقد قال تعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد أن لم يكن. الثالث أنه إذا أراد شيئًا فعله فإن ما موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن يفعله وهذا في إرادته المتعلقة بفعله وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه ويجعله فاعلًا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريده من نفسه أن يجعله فاعلًا وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها فإن هنا إرادتين إرادة أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله الرب فاعلًا وليستا متلازمتين وإن لزم من الثانية الأولى من غير عكس فمتى أراد من نفسه أن يعين عبده وأن يخلق له أسباب الفعل فقد أراد فعله وقد يريه فعله ولا يريد من نفسه أن يخلق له أسباب الفعل فلا يوجد الفعل. فإن اعتاص عليك فهم هذا الموضع وأشكل عليك فانظر إلى قول النبي حاكيًا عن ربه قوله للعبد يوم القيامة قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب أبيك أن لا تشرك بي شيئًا ولم يقع هذا المراد لأنه لم يرد من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له الرابع أن فعله سبحانه وإرادته متلازمان فما أراد أن يفعله فعله وما فعله فقد أراده بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل وقد يفعل ما لا يريد فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده الخامس إثبات إرادة متعددة بحسب الأفعال وأن كل فعل له إرادة تخصه وهذا هو المعقول في الفطر وهو الذي يعقله الناس من الإرادة فشأنه تعالى أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد السادس أن كل ما صلح أن تتعلق به إرادته جاز فعله فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى نفسه لعباده وأن يتجلى لهم كيف شاء وأن يخاطبهم ويضحك إليهم وغير ذلك مما يريد سبحانه لم يمتنع عليه فعله فإنه فعال لما يريد وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به فإذا أخبر به وجب التصديق به وكان رده ردًا لكماله الذي اخبر به عن نفسه وهذا عين الباطل وكذلك إذا أمكن إرادته سبحانه محو ما شاء وإثبات ما شاء أمكن فعله وكانت الإرادة والفعل من مقتضيات كماله المقدس. وقد اشتملت هذه السورة على اختصارها من التوحيد على وصفه سبحانه بالعزة المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير والحمد المتضمن لصفات الكمال والتنزيه عن أضدادها مع محبته وإلهيته وملكه السماوات والأرض المتضمن لكمال غناه وسعة ملكه وشهادته على كل شيء المتضمن لعموم اطلاعه على ظواهر الأمور وبواطنها وإحاطة بصره بمرئياتها وسمعه بمسموعاتها وعلمه بمعلوماتها ووصفه بشدة البطش المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة وتفرده بالإبداء والإعادة المتضمن لتوحيد ربوبيته وتصرفه في المخلوقات بالإبداء والإعادة وانقيادها لقدرته فلا يستعصى عليه منها شيء ووصفه بالمغفرة المتضمن لكمال جوده وإحسانه وغناه ورحمته ووصفه بالودود المتضمن لكونه حبيبًا إلى عباده محبًا لهم ووصفه بأنه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه وأن عرشه المختص به لا يليق بغيره أن يستوى عليه ووصفه بالمجد المتضمن لسعة العلم والقدرة والملك والغنى والجود والإحسان والكرم وكونه فعالًا لما يريد المتضمن لحياته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته وغير ذلك من أوصاف كماله فهذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين تكفي من فهمها فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده. (فائدة) ذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُجابِينَ، وفي الدُّعاءِ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأنْصارِ يُكَنّى أبا مُعَلَّقٍ وكانَ تاجِرًا يَتَّجِرُ بِمالٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ، يَضْرِبُ بِهِ في الآفاقِ، وكانَ ناسِكًا ورِعًا، فَخَرَجَ مَرَّةً فَلَقِيَهُ لِصٌّ مُقَنَّعٌ في السِّلاحِ، فَقالَ لَهُ: ضَعْ ما مَعَكَ فَإنِّي قاتِلُكَ، قالَ: فَما تُرِيدُهُ مِن دَمِي؟ شَأْنُكَ بِالمالِ، قالَ: أمّا المالُ فَلِي، ولَسْتُ أُرِيدُ إلّا دَمَكَ، قالَ: أما إذا أبَيْتَ فَذَرْنِي أُصَلِّي أرْبَعَ رَكَعاتٍ، قالَ صَلِّ ما بَدا لَكَ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فَكانَ مِن دُعائِهِ في آخِرِ سُجُودِهِ أنْ قالَ: يا ودُودُ يا ودُودُ، يا ذا العَرْشِ المَجِيدِ، يا فَعّالًا لِما تُرِيدُ، أسْألُكَ بِعِزِّكَ الَّذِي لا يُرامُ، وبِمُلْكِكَ الَّذِي لا يُضامُ، وبِنُورِكَ الَّذِي مَلَأ أرْكانَ عَرْشِكَ أنْ تَكْفِيَنِي شَرَّ هَذا اللِّصِّ، يا مُغِيثُ أغِثْنِي، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَإذا هو بِفارِسٍ قَدْ أقْبَلَ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ قَدْ وضَعَها بَيْنَ أُذُنَيْ فَرَسِهِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ اللِّصُّ أقْبَلَ نَحْوَهُ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: قُمْ، فَقالَ: مَن أنْتَ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي؟ فَقَدْ أغاثَنِي اللَّهُ بِكَ اليَوْمَ، فَقالَ: أنا مَلَكٌ مِن أهْلِ السَّماءِ الرّابِعَةِ، دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الأوَّلِ فَسَمِعْتُ لِأبْوابِ السَّماءِ قَعْقَعَةً، ثُمَّ دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الثّانِي، فَسَمِعْتُ لِأهْلِ السَّماءِ ضَجَّةً، ثُمَّ دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الثّالِثِ، فَقِيلَ لِي: دُعاءُ مَكْرُوبٍ فَسَألْتُ اللَّهَ أنْ يُوَلِّيَنِي قَتْلَهُ، قالَ الحَسَنُ: فَمَن تَوَضَّأ وصَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ودَعا بِهَذا الدُّعاءِ، اسْتُجِيبَ لَهُ، مَكْرُوبًا كانَ أوْ غَيْرَ مَكْرُوبٍ.

البروج 85:19

ثم ختمها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك به وكذب رسله تحذيرًا لعباده من سلوك سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل به كما فعل بهم ثم أخبر عن أعدائه بأنهم مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالًا ممن عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار فقال ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ فهذا أعجب عجب ممن كفر بمن هو محيط به وآخذ بناصيته قادر عليه.

البروج 85:20

ثم ختمها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك به وكذب رسله تحذيرًا لعباده من سلوك سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل به كما فعل بهم ثم أخبر عن أعدائه بأنهم مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالًا ممن عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار فقال ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ فهذا أعجب عجب ممن كفر بمن هو محيط به وآخذ بناصيته قادر عليه.

البروج 85:21

ثم وصف كلامه بأنه مجيد وهو أحق بالمجد من كل كلام كما أن المتكلم به له المجد كله فهو المجيد وكلامه مجيد وعرشه مجيد قال ابن عباس رضي الله عنهما قرآن مجيد كريم لأن كلام الرب ليس كما يقول الكافرون شعر وكهانة وسحر وقد تقدم أن المجد السعة وكثرة الخير وكثرة خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به.

البروج 85:22

وقوله ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أكثر القراء على الجر صفة لـ (لوح) وفيه إشارة إلى أن الشياطين لا يمكنهم التنزل به لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه وهو في نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان فوصفه سبحانه بأنه محفوظ في قوله ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ووصف محله بالحفظ في هذه السورة فالله سبحانه حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل وحفظ معانيه من التحريف كما حفظ ألفاظه من التبديل وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان ومعانيه من التحريف والتغيير.

الطارق 86:1

(فصل) ومن ذلك إقسامه سبحانه ب ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ وقد فسره بأنه ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ الذي يثقب ضوؤه والمراد به الجنس لا نجم معين ومن عينه بأنه الثريا أو زحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقًا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهله ليلًا قال الفراء ما أتاك ليلًا فهو طارق وقال الزجاج والمبرد لا يكون الطارق نهارًا ولهذا تستعمل العرب الطروق في صفة الخيال كثيرًا كما قال ذو الرمة: ؎ألا طرقت مي هيومًا بذكرها ∗∗∗ وأيدي الثريا جنح بالمغارب وقال جرير: ؎طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ∗∗∗ وقت الزيارة فارجعي بسلام ولهذا قيل أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامه كالضيف فالطيف والضيف كلاهما لا يرد وقال الآخر: ؎ألا طرقت من آخر الليل زينب ∗∗∗ عليك سلام هل لما فات مطلب والمقسم عليه هاهنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر واختلف القراء في لما فشددها بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين أحدهما بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله ﴿وَإنَّ كُلًا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ والثاني في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة. ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل في قولهم نشدتك بالله لما فعلت قال المعنى إلا فعلت.

الطارق 86:2

(فصل) ومن ذلك إقسامه سبحانه ب ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ وقد فسره بأنه ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ الذي يثقب ضوؤه والمراد به الجنس لا نجم معين ومن عينه بأنه الثريا أو زحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقًا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهله ليلًا قال الفراء ما أتاك ليلًا فهو طارق وقال الزجاج والمبرد لا يكون الطارق نهارًا ولهذا تستعمل العرب الطروق في صفة الخيال كثيرًا كما قال ذو الرمة: ؎ألا طرقت مي هيومًا بذكرها ∗∗∗ وأيدي الثريا جنح بالمغارب وقال جرير: ؎طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ∗∗∗ وقت الزيارة فارجعي بسلام ولهذا قيل أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامه كالضيف فالطيف والضيف كلاهما لا يرد وقال الآخر: ؎ألا طرقت من آخر الليل زينب ∗∗∗ عليك سلام هل لما فات مطلب والمقسم عليه هاهنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر واختلف القراء في لما فشددها بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين أحدهما بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله ﴿وَإنَّ كُلًا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ والثاني في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة. ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل في قولهم نشدتك بالله لما فعلت قال المعنى إلا فعلت.

الطارق 86:3

(فصل) ومن ذلك إقسامه سبحانه ب ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ وقد فسره بأنه ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ الذي يثقب ضوؤه والمراد به الجنس لا نجم معين ومن عينه بأنه الثريا أو زحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقًا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهله ليلًا قال الفراء ما أتاك ليلًا فهو طارق وقال الزجاج والمبرد لا يكون الطارق نهارًا ولهذا تستعمل العرب الطروق في صفة الخيال كثيرًا كما قال ذو الرمة: ؎ألا طرقت مي هيومًا بذكرها ∗∗∗ وأيدي الثريا جنح بالمغارب وقال جرير: ؎طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ∗∗∗ وقت الزيارة فارجعي بسلام ولهذا قيل أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامه كالضيف فالطيف والضيف كلاهما لا يرد وقال الآخر: ؎ألا طرقت من آخر الليل زينب ∗∗∗ عليك سلام هل لما فات مطلب والمقسم عليه هاهنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر واختلف القراء في لما فشددها بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين أحدهما بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله ﴿وَإنَّ كُلًا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ والثاني في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة. ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل في قولهم نشدتك بالله لما فعلت قال المعنى إلا فعلت.

الطارق 86:4

(فصل) ومن ذلك إقسامه سبحانه ب ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ وقد فسره بأنه ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ الذي يثقب ضوؤه والمراد به الجنس لا نجم معين ومن عينه بأنه الثريا أو زحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقًا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهله ليلًا قال الفراء ما أتاك ليلًا فهو طارق وقال الزجاج والمبرد لا يكون الطارق نهارًا ولهذا تستعمل العرب الطروق في صفة الخيال كثيرًا كما قال ذو الرمة: ؎ألا طرقت مي هيومًا بذكرها ∗∗∗ وأيدي الثريا جنح بالمغارب وقال جرير: ؎طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ∗∗∗ وقت الزيارة فارجعي بسلام ولهذا قيل أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامه كالضيف فالطيف والضيف كلاهما لا يرد وقال الآخر: ؎ألا طرقت من آخر الليل زينب ∗∗∗ عليك سلام هل لما فات مطلب والمقسم عليه هاهنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر واختلف القراء في لما فشددها بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين أحدهما بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله ﴿وَإنَّ كُلًا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ والثاني في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة. ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل في قولهم نشدتك بالله لما فعلت قال المعنى إلا فعلت.

الطارق 86:5

الدّافِقُ عَلى بابِهِ، لَيْسَ فاعِلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما يَظُنُّهُ بَعْضُهُمْ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ ماءٍ جارٍ وواقِفٍ وساكِنٍ. وَلا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ. واخْتُلِفَ في التَّرائِبِ فَقِيلَ: المُرادُ بِها تَرائِبُهُ أيْضًا، وهي عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقِيلَ: المُرادُ تَرائِبُ المَرْأةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ يَخْرُجُ مِن الصُّلْبِ والتَّرائِبِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ماءُ الرَّجُلِ خارِجًا مِن بَيْنَ هَذَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ كَما قالَ في اللَّبَنِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والنُّطْفَةُ هي ماءُ الرَّجُلِ، كَذَلِكَ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والنُّطْفَةُ الماءُ الصّافِي قَلَّ أوْ كَثُرَ، والنُّطْفَةُ ماءُ الرَّجُلِ، والجَمْعُ نُطَفٌ. وَأيْضًا فَإنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالدَّفْقِ والنَّضْحِ إنّما هو ماءُ الرَّجُلِ، ولا يُقالُ نَضَحَتْ المَرْأةُ الماءَ ولا دَفَقَتْهُ، واَلَّذِي أوْجَبَ لِأصْحابِ القَوْلِ الآخَرِ ذَلِكَ أنَّهم رَأوْا أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: التَّرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ مِن الصَّدْرِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلى ذَلِكَ وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ: ؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ وَهَذا لا يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ التَّرائِبِ بِالمَرْأةِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّرائِبُ عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] الصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الإنْسانِ، أيْ إنّ اللَّهَ عَلى رَدِّهِ إلَيْهِ لَقادِرٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي يُبْلى فِيهِ السَّرائِرُ، ومَن قالَ: " إنّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الماءِ أيْ أنَّ اللَّهَ عَلى رَجْعِهِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصَّدْرِ أوْ حَبْسِهِ عَنْ الخُرُوجِ لَقادِرٌ " فَقَدْ أبْعَدَ، وإنْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ السِّياقَ يَأْباهُ، وطَرِيقَةُ القُرْآنُ - وهي الِاسْتِدْلال بِالمَبْدَإ والنَّشْأةِ الأُولى عَلى المَعادِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ - وأيْضًا فَإنَّهُ قَيَّدَهُ بِالظَّرْفِ، وهو ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَعا الإنْسانَ أنْ يَنْظُرَ في مَبْدَأِ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّهُ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى مَعادِهِ ورُجُوعِهِ إلى رَبِّهِ. وقال في (تحفة المودود) قال الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: التربة، موضع القلادة من الصدر، والجمع: ترائب. وقال أبو عبيدة: الترائب معلق الحلق من الصدر، وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. يريد صلب الرجل وترائب المرأة. وهو موضع قلادتها، وهو قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث، وبذلك أجرى الله العادة في إيجاد ما يوجده من أصلين، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء. ولهذا قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ فإن الولد لا يكون إلا من بين الذكر وصاحبته. ولا ينقض هذا بآدم وحواء أبوينا، ولا بالمسيح، فإن الله سبحانه خلط تراب آدم بالماء حتى صار طينا، ثم أرسل الله الهواء والشمس عليه حتى صار كالفخار، ثم نفخ فيه الروح، وكانت حواء مستلّة منه، وجزءا من أجزائه. والمسيح خلق من ماء مريم، ونفخ الملك. فكانت النفخة له كالأب لغيره. (لطائف وفوائد) روى قيس بن الربيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب". وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم". وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، وكانت من المهاجرات الأول: "لَمْ أسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلمَ يُرَخِّصُ في شَيء مَّمِا يَقُولُ النّاسُ إنّهُ كَذِبٌ إلا في ثَلاثٍ: الرَّجُل يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، والَّرجُلِ يَكْذِبُ لامْرَأتِه، والكَذِبِ في الحَرْبِ". ومعنى الكذب في ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب. وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا، وقد لقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طليعة للمشركين، وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: "ممَّنْ أنْتُمْ؟ فقالَ النَّبُي صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ: نَحْنَ مِن ماءٍ. فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: أحْياءُ اليَمَنِ كَثِيرٌ، لَعَلّهم منهم، وانْصَرَفُوا". وأراد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله "نحن من ماء" قوله تعالى: ﴿خُلقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. ولما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها في عنقك. فقال ما فعلت؟ فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن. فقال: ؎شَهِدْتُ بأنّ وعْدَ اللهِ حَق ∗∗∗ وأنّ النّارَ مَثْوى الكافِرينا ؎وَأنّ العَرْش فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَ ؎وَتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلهِ مُسَوَّمِينا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة. ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض، كيف يكذب؟ ودُعيَ أبو هريرة رضي الله عنه إلى طعام فقال: "إني صائم ثم رأوه يأكل. فقالوا: ألم تقل: إني صائم؟ فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ صِيامُ الدَّهرِ". وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه، قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذي يليه، وإنما أراد يومي الدنيا والآخرة. (فصل) وَإذا تَأمَّلت ما دعى الله سُبْحانَهُ في كِتابه عباده إلى الفِكر فِيهِ أوقعك على العلم بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبوحدانيته وصفات كَماله ونعوت جَلاله من عُمُوم قدرته وعلمه وكَمال حكمته ورَحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاهُ وغضبه وثوابه وعقابه فَبِهَذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته ونَذْكُر لذَلِك امثلة مِمّا ذكرها الله سُبْحانَهُ في كِتابه يسْتَدلّ بها على غَيرها فَمن ذَلِك خلق الإنسان وقد ندب سُبْحانَهُ إلى التفكر فِيهِ والنَّظَر في غير مَوضِع من كِتابه كَقوله تَعالى: ﴿فَلْينْظر الإنْسان مِم خلق﴾ وَقوله تَعالى: ﴿وَفِي أنفسكُم أفلا تبصرون﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وَقالَ تَعالى ﴿أيحسب الإنْسان أن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كانَ علقَة فخلق فسوى فَجعل مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر والأُنْثى ألَيْسَ ذَلِك بِقادِر على أن يحيي المَوْتى﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قَرار مكين إلى قدر مَعْلُوم فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَقالَ ﴿أولم ير الإنْسان أنا خلقناه من نُطْفَة فَإذا هو خصيم مُبين﴾ وَقالَ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤)﴾ وهَذا كثير في القُرْآن يَدْعُو العَبْد إلى النّظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذْ نَفسه وخلقه من أعظم الدَّلائِل على خالقه وفاطره وأقرب شَيْء إلى الإنسان نَفسه وفِيه من العَجائِب الدّالَّة على عَظمَة الله ما تَنْقَضِي الأعمار في الوُقُوف على بعضه وهو غافل عَنهُ معرض عَن التفكر فِيهِ ولَو فكر في نَفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عَن كفره قالَ الله تَعالى ﴿قتل الإنْسان ما أكفره من أي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أماتَهُ فأقبره ثمَّ إذا شاءَ أنشره﴾ فَلم يُكَرر سُبْحانَهُ على أسماعنا وعقولنا ذكر هَذا لنسمع لفظ النُّطْفَة والعلقة والمضغة والتُّراب ولا لنتكلم بها فَقَط ولا لمُجَرّد تعريفنا بذلك بل لأمر وراء ذَلِك كُله هو المَقْصُود بِالخِطابِ واليه جرى ذَلِك الحَدِيث فانْظُر الآن إلى النُّطْفَة بِعَين البصيرة وهِي قَطْرَة من ماء مهين ضَعِيف مستقذر لَو مرت بها ساعَة من الزَّمان فَسدتْ وانتنت كَيفَ استخرجها رب الأرباب العَلِيم القَدِير من بَين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واخْتِلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها وكَيف جمع سُبْحانَهُ بَين الذّكر والأنثى وألقى المحبَّة بَينهما وكَيف قادهما بسلسلة الشَّهْوَة والمحبة إلى الِاجْتِماع الَّذِي هو سَبَب تخليق الوَلَد وتكوينه وكَيف قدر اجْتِماع ذَيْنك الماءين مَعَ بعد كل مِنهُما عَن صاحبه وساقهما من اعماق العُرُوق والأعضاء وجمعهما في مَوضِع واحِد جعل لَهما قرارا مكينا لا يَنالهُ هَواء يُفْسِدهُ ولا برد بِحَمْدِهِ ولا عارض يصل إليه ولا آفَة تتسلط عَلَيْهِ ثمَّ قلب تِلْكَ النُّطْفَة البَيْضاء المشْربَة علقَة حَمْراء تضرب إلى سَواد ثمَّ جعلها مُضْغَة لحم مُخالفَة للعلقة في لَوْنها وحقيقتها وشكلها ثمَّ جعله عظاما مُجَرّدَة لا كسْوَة عَلَيْها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وانْظُر كَيفَ قسم تِلْكَ الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعِظام والعُرُوق والاوتار واليابس واللين وبَين ذَلِك ثمَّ كَيفَ ربط بَعْضها بِبَعْض أقوى رِباط وأشده وأبعده عَن الانحلال وكَيف كساها لَحْمًا رَكبه عَلَيْها وجعله وعاء لَها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة لَهُ مُقِيمَة لَهُ فاللحم قائِم بها وهِي مَحْفُوظَة بِهِ وكَيف صورها فأحسن صورها وشق لَها السّمع والبَصَر والفم والأنف وسائِر المنافذ ومد اليَدَيْنِ والرّجلَيْنِ وبسطهما وقسم رؤسهما بالأصابع ثمَّ قسم الأصابع بالأنامل وركب الأعضاء الباطِنَة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحِد مِنها لَهُ قدر يَخُصُّهُ ومَنفَعَة تخصه ثمَّ انْظُر الحِكْمَة البالِغَة في تركيب العِظام قوأما للبدن وعمادا لَهُ وكَيف قدرها ربه وخالقها بتقادير مُخْتَلفَة وأشكال مُخْتَلفَة فَمِنها الصَّغِير والكَبِير والطويل والقصير والمنحنى والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف وكَيف ركب بَعْضها في بعض فَمِنها ما تركيبه تركيب الذّكر في الأنثى ومِنها ما تركيبه تركيب اتِّصال فَقَط وكَيف اخْتلفت أشكالها باخْتلاف مَنافِعها كالأضراس فَإنَّها لما كانَت آلَة للطحن جعلت عريضة ولما كانَت الأسنان آلَة للْقطع جعلت مستدقة محددة ولما كانَ الإنسان مُحْتاجا إلى الحَرَكَة بجملة بدنه وببعض أعضائه للتردد في حاجته لم يَجْعَل عِظامه عظما واحِدًا بل عظاما مُتعَدِّدَة وجعل بَينها مفاصل حَتّى تتيسر بها الحَرَكَة وكانَ قدر كل واحِد مِنها وشكله على حسب الحَرَكَة المَطْلُوبَة مِنهُ وكَيف شدّ اسر تِلْكَ المفاصل والأعضاء وربط بَعْضها بِبَعْض بأوتار ورباطات انبتها من أحد طرفِي العظم والصق أحد طرفِي العظم بالطرف الآخر كالرباط لَهُ ثمَّ جعل في أحد طرفِي العظم زَوائِد خارِجَة عَنهُ وفي الآخر نقرا غائصة فِيهِ مُوافقَة لشكل تِلْكَ الزَّوائِد ليدْخل فِيها وينطبق عَلَيْها فَإذا أرادَ العَبْد أن يُحَرك جُزْء من بدنه لم يمْتَنع عَلَيْهِ ولَوْلا المفاصل لتعذر ذَلِك عَلَيْهِ وتَأمل كَيْفيَّة خلق الراس وكَثْرَة ما فِيهِ من العِظام حَتّى قيل إنَّها خَمْسَة وخَمْسُونَ عظما مُخْتَلفَة الأشكال والمقادير والمَنافِع وكَيف رَكبه سُبْحانَهُ وتَعالى {على البدن وجعله عالِيا علو الرّاكِب على مركوبه ولما كانَ عالِيا على البدن جعل فِيهِ الحَواس الخمس وآلات الإدراك كلها من السّمع والبَصَر والشم والذوق واللمس وجعل حاسة البَصَر في مقدمه ليَكُون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وركب كل عين من سبع طَبَقات لكل طبقَة وصف مَخْصُوص ومِقْدار مَخْصُوص ومَنفَعَة مَخْصُوصَة لَو فقدت طبقَة من تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع أوْ زالَت عَن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عَن الأبصار ثمَّ اركز سُبْحانَهُ داخل تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع خلقا عجيبا وهو إنْسان العين بِقدر العدسة يبصر بِهِ ما بَين المشرق والمغْرب والأرض والسَّماء وجعلهمن العين بِمَنزِلَة القلب من الأعضاء فهوملكها وتلك الطَّبَقات والأجفان والأهداب خدم لَهُ وحجاب وحراس فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ فانْظُر كَيفَ حسن شكل العَينَيْنِ وهيئتها ومقدارهما ثمَّ جملهما بالأجفان غطاء لَهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عَن العين الأذى والقذا والغُبار ويكنانهما من البارِد المؤذي والحار المؤذي ثمَّ غرس في أطراف تِلْكَ الأجفان الأهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وراء الجمال والزينة ثمَّ أودعهما ذَلِك النُّور الباصر والضوء الباهر الَّذِي يخرق ما بَين السَّماء والأرض ثمَّ يخرق السَّماء مجاوزا لرؤية ما فَوْقها من الكَواكِب وقد أودع سُبْحانَهُ هَذا السِّرّ العجيب في هَذا المِقْدار الصَّغِير بِحَيْثُ تنطبع فِيهِ صُورَة السَّماوات مَعَ اتساع أكنافها وتباعد أقطارها وشق لَهُ السّمع وخلق الأذن أحسن خلقه وأبلغها في حُصُول المَقْصُود مِنها فَجَعلها مجوفة كالصدفة لِتجمع الصَّوْت فتؤديه إلى الصماخ وليحس بدبيب الحَيَوان فِيها فيبادر إلى اخراجه وجعل فِيها غضونا وتجاويف واعوجاجات تمسك الهَواء والصَّوْت الدّاخِل فتكسر حِدته ثمَّ تُؤَدِّيه إلى الصماخ ومن حِكْمَة ذَلِك أن يطول بِهِ الطَّرِيق على الحَيَوان فَلا يصل إلى الصماخ حَتّى يَسْتَيْقِظ أوْ ينتبه لإمساكه وفِيه أيضا حكم غير ذَلِك ثمَّ اقْتَضَت حِكْمَة الرب الخالِق سُبْحانَهُ أن جعل ماء الأذن مرا في غايَة المرارة فَلا يُجاوِزهُ الحَيَوان ولا يقطعهُ داخِلا إلى باطِن الأذن بل إذا وصل إليه اعْمَلْ الحِيلَة في رُجُوعه وجعل ماء العَينَيْنِ ملحا ليحفظها فَإنَّها شحمة قابِلَة للْفَساد فَكانَت ملوحة مائِها صِيانة لَها وحفظا وجعل ماء الفَم عذبا حلوا ليدرك بِهِ طعوم الأشياء على ما هي عَلَيْهِ إذْ لَو كانَ على غير هَذِه الصّفة لاحالها إلى طَبِيعَته كَما أن من عرض لفمه المرارة اسْتمرّ طعم الأشياء الَّتِي لَيست بِمرَّة كَما قيل ؎وَمن يَك ذا فَم مر مَرِيض ∗∗∗ يجد مرا بِهِ الماء الزلالا وَنصب سُبْحانَهُ قَصَبَة الأنف في الوَجْه فَأحْسن شكله وهيأته ووَضعه وفتح فِيهِ المنخرين وحجز بَينهما بحاجز وأودع فيهما حاسة الشم الَّتِي تدْرك بها أنواع الروائح الطّيبَة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق بِهِ الهَواء فيوصله إلى القلب فيتروح بِهِ ويتغذي بِهِ ثمَّ لم يَجْعَل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما جعل في الأذن لِئَلّا يمسك الرّائِحَة فيضعفها ويقطع مجْراها وجعله سُبْحانَهُ مصبا تنحدر إليه فضلات الدِّماغ فتجتمع فِيهِ ثمَّ تخرج مِنهُ واقتضت حكمته أن جعل اعلاه ادق من أسفله لأن أسفله إذا كانَ واسِعًا اجْتمعت فِيهِ تِلْكَ الفضلات فَخرجت بسهولة ولأنه يَأْخُذ من الهَواء ملأهُ ثمَّ يتصاعد في مجْراه قَلِيلا حَتّى يصل إلى القلب وصُولا لا يضرّهُ ولا يزعجه ثمَّ فصل بَين المنخرين بحاجز بَينهما حِكْمَة مِنهُ ورَحْمَة فَإنَّهُ لما كانَ قَصَبَة ومجرى ساترا لما يتحدر فِيهِ من فضلات الراس ومجرى النَّفس الصاعد مِنهُ جعل في وسطه حاجزا لِئَلّا يفْسد بِما يجرى فِيهِ فَيمْنَع نشقه للنَّفس بل إمّا أن تعتمد الفضلات نازلة من أحد المنفذين في الغالِب فَيبقى الآخر للتنفس وإمّا أن يجرى فيهما فينقسم فَلا ينسد الأنف جملَة بل يبْقى فِيهِ مدْخل للتنفس وأيضا فَإنَّهُ لما كانَ عضوا واحِدًا وحاسة واحِدَة ولم يكن عضوين وحاستين كالأذنين والعينين اللَّتَيْنِ اقْتَضَت الحِكْمَة تعددهما فَإنَّهُ رُبما أصيبت أحداهما اوعرضت لَها آفَة تمنعها من كمالها فَتكون الأخرى سالِمَة فَلا تتعطل مَنفَعَة هَذا الحس جملَة وكانَ وجود أنفين في الوَجْه شَيْئا ظاهرا فنصب فِيهِ انفا واحِدًا وجعل فِيهِ منفذين حجز بَينهما بحاجز يجرى مجْرى تعدد العَينَيْنِ والأذنين في المَنفَعَة وهو واحِد فَتَبارَكَ الله رب العالمين وأحسن الخالِقِينَ وشق سُبْحانَهُ للْعَبد الفَم في أحسن مَوضِع واليقه بِهِ وأودع فِيهِ من المَنافِع وآلات الذَّوْق والكَلام وآلات الطَّحْن والقطع ما يبهر العُقُول عجائبه فأودعه اللِّسان الَّذِي هو أحد آياته الدّالَّة عَلَيْهِ وجعله ترجمانا لملك الأعضاء مُبينًا مُؤديا عَنهُ كَما جعل الأذن رَسُولا مُؤديا مبلغا إليه فَهي رَسُوله وبريده الَّذِي يُؤَدِّي إليه الإخبار واللِّسان بريده ورَسُوله الَّذِي يُؤَدِّي عَنهُ ما يُرِيد واقتضت حكمته سُبْحانَهُ أن جعل هَذا الرَّسُول مصونا مَحْفُوظًا مَسْتُورا غير بارز مَكْشُوف كالأذن والعين والأنف لأن تِلْكَ الأعضاء لما كانَت تُؤدِّي من الخارِج إليه جعلت بارزة ظاهِرَة ولما كانَ اللِّسان مُؤديا مِنهُ إلى الخارِج جعل لَهُ سترا مصونا لعدم الفائِدَة في إبرازه لأنه لا يَأْخُذ من الخارِج إلى القلب وأيْضًا فَلِأنَّهُ لما كانَ أشرف الأعضاء بعدالقلب ومنزلته مِنهُ منزلَة ترجمانه ووزيره ضرب عَلَيْهِ سرادق تستره وتصونه وجعل في ذَلِك السرادق كالقلب في الصَّدْر وأيضا فَإنَّهُ من الطف الأعضاء والينها وأشدها رُطُوبَة وهو لا يتَصَرَّف إلّا بِواسِطَة الرُّطُوبَة المحيطة بِهِ فَلَو كانَ بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانِع لَهُ من التَّصَرُّف ولغير ذَلِك من الحكم والفوائد ثمَّ زين سُبْحانَهُ الفَم بِما فِيهِ من الأسنان الَّتِي هن جمال لَهُ وزينة وبها قوام العَبْد وغذاؤه وجعل بَعْضها ارحاء للطحن وبَعضها آلَة للْقطع فاحكم أصولها وحدد رؤسها وبيض لَوْنها ورتب صفوفها مُتَساوِيَة الرؤس متناسقة التَّرْتِيب كَأنَّها الدّرّ المنظوم بَياضًا وصفاء وحسنا وأحاط سُبْحانَهُ على ذَلِك حائطين وأودعهما من المَنافِع والحكم ما أودعهما وهما الشفتان فَحسن لونهما وشكلهما ووَضعهما وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا لَهُ وجعلهما إتماما لمخارج حُرُوف الكَلام ونِهايَة لَهُ كَما جعل اقصى الحلق بداية لَهُ واللِّسان وما جاوره وسطا ولِهَذا كانَ أكثر العَمَل فِيها لَهُ إذْ هو الواسِطَة واقتضت حكمته أن جعل الشفتين لَحْمًا صرفا لا عظم فِيهِ ولا عصب ليتَمَكَّن بهما من مص الشَّراب ويسهل عَلَيْهِ فتحهما وطبقهما وخص الفك الأسفل بِالتَّحْرِيكِ لأن تَحْرِيك الاخف أحسن ولأنه يشْتَمل على الأعضاء الشَّرِيفَة فَلم يخاطر بها في الحَرَكَة وخلق سُبْحانَهُ الحَناجِر مُخْتَلفَة الأشكال في الضّيق والسعَة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول والقصر فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اخْتِلاف ولا يكاد يشْتَبه صوتان إلّا نادرا ولِهَذا كانَ الصَّحِيح قبُول شَهادَة الأعمى لتمييزه بَين الاشخاص بأصواتهم كَما يُمَيّز البَصِير بَينهم بصورهم والاشتباه العارِض بَين الأصوات كالاشتباه العارِض بَين الصُّور وزين سُبْحانَهُ الرَّأْس بالشعر وجعله لباسا لَهُ لاحتياجه إليه وزين الوَجْه بِما أنبت فِيهِ من الشُّعُور المُخْتَلفَة الأشكال والمقادير فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس إلى العَينَيْنِ وقوسهما وأحسن خطهما وزين أجفاف العَينَيْنِ بالأهداب وزين الوَجْه أيضا باللحية وجعلها كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بِما أنبت فَوْقهما من الشّارِب وتحتهما من العنفقة وكَذَلِكَ خلقه سُبْحانَهُ لِلْيَدَيْنِ اللَّتَيْنِ هما آلَة العَبْد وسلاحه ورَأس مال معاشه فطولهما يحيث يصلان إلى ما شاءَ من بدنه وعرض الكَفّ ليتَمَكَّن بِهِ من القَبْض والبسط وقسم فِيهِ الأصابع الخمس وقسم كل أصبع بِثَلاث أنامل والإبهام بِاثْنَتَيْنِ ووضع الأصابع الأربعة في جانب والابهام في جانب لتدور الابهام على الجَمِيع فَجاءَت على أحسن وضع صلحت بِهِ للقبض والبسط ومباشرة الأعمال ولَو اجْتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق أفكارهم وضعا آخر للأصابع سوى ما وضعت عَلَيْهِ لم يَجدوا إليه سَبِيلا فَتَبارَكَ من لَو شاءَ لسواها وجعلها طبقًا واحِدًا كالصفيحة فَلم يتَمَكَّن العَبْد بذلك من مصالحة وأنواع تَصَرُّفاته ودقيق الصَّنائِع والخط وغير ذَلِك فَإن بسط أصابعه كانَت طبقًا يضع عَلَيْهِ ما يُرِيد وأن ضمها وقَبضها كانَت دبوسا وآلَة للضرب وأن جعلها بَين الضَّم والبسط كانَت مغرفة لَهُ يتَناوَل بها وتمسك فِيها ما يتَناوَلهُ وركب الأظفار على رؤسها زِينَة لَها وعمادا ووقاية وليلتقط بها الأشياء الدقيقة الَّتِي لا ينالها جسم الأصابع وجعلها سِلاحا لغيره من الحَيَوان والطير وآلَة لمعاشه وليحك الإنسان بها بدنه عند الحاجة فالظفر الَّذِي هو أقل الأشياء وأحقرها لَو عَدمه الإنسان ثمَّ ظَهرت بِهِ حكة لاشتدت حاجته إليه ولم يقم مقامه شَيْء في حك بدنه ثمَّ هدى اليَد إلى مَوضِع الحك حَتّى تمتد إليه ولَو في النّوم والغفلة من غير حاجَة إلى طلب ولَو اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ لم يعثر على مَوضِع الحك إلا بعد تَعب ومشقة ثمَّ انْظُر إلى الحِكْمَة البالِغَة في جعل عِظام أسفل البدن غَلِيظَة قَوِيَّة لأنها أساس لَهُ وعِظام أعاليه دونها في الثخانة والصلابة لأنها مَحْمُولَة ثمَّ انْظُر كَيفَ جعل الرَّقَبَة مركبا للرأس وركبها من سبع خَرَزات مجوفات مستديرات ثمَّ طبق بَعْضها على بعض وركب كل خرزة تركيبا محكما متقنا حَتّى صارَت كَأنَّها خرزة واحِدَة ثمَّ ركب الرَّقَبَة على الظّهْر والصدر ثمَّ ركب الظّهْر من أعْلاهُ إلى مُنْتَهى عظم العَجز من أربع وعشْرين خرزة مركبة بَعْضها في بعض هي مجمع اضلاعه والَّتِي تمسكها أن تنْحَل وتنفصل ثمَّ وصل تِلْكَ العِظام بَعْضها بِبَعْض فوصل عِظام الظّهْر بعظام الصَّدْر وعِظام الكَتِفَيْنِ بعظام العضدين والعضدين بالذراعين والذراعين بالكف والأصابع وانْظُر كَيفَ كسا العِظام العريضة كعظام الظّهْر والراس كسْوَة من اللَّحْم تناسبها والعِظام الدقيقة كسْوَة تناسبها كالأصابع والمتوسطة كَذَلِك كعظام الذراعين والعضدين فَهو مركب على ثَلاثمِائَة وسِتِّينَ عظما مِائَتان وثَمانِية وأرْبَعُونَ مفاصل وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل فَلَو زادَت عظما واحِدًا لَكانَ مضرَّة على الإنسان يحْتاج إلى قلعة ولَو نقصت عظما واحِدًا كانَ نُقْصانا يحْتاج إلى جبره فالطبيب ينظر في هَذِه العِظام وكَيْفِيَّة تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها والعارف ينظر فِيها ليستدل بها على عَظمَة باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه وكم بَين النظرين ثمَّ أنه سُبْحانَهُ ربط تِلْكَ الأعضاء والأجزاء بالرباطات فَشد بها أسرها وجعلها كالاوتاد تمسكها وتحفظها حَتّى بلغ عَددها إلى خَمْسمِائَة وتِسْعَة وعشْرين رِباطًا وهِي مُخْتَلفَة في الغلظ والدقة والطول والقصر والاستقامة والانحناء بِحَسب اخْتِلاف مواضعها ومحالها فَجعل مِنها أربعة وعشْرين رِباطًا آلَة لتحريك العين وفتحها وضمّها وإبصارها لَو نقضت مِنهُنَّ رِباطًا واحِدًا اخْتَلَّ أمر العين وهَكَذا لكل عُضْو من الأعضاء رباطات هن لَهُ كالآلات الَّتِي بها يَتَحَرَّك ويتصرف ويفْعل كل ذَلِك صنع الرب الحَكِيم وتَقْدِير العَزِيز العَلِيم في قَطْرَة ماء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين ومن عجائب خلقه أنه جعل في الراس ثَلاث خَزائِن نافِذا بَعْضها إلى بعض خزانَة في مقدمه وخزانة في وسطه وخزانة في آخِره وأودع تِلْكَ الخزائن من أسراره ما أودعها من الذّكر والفكر والتعقل ومن عجائب خلقه ما فِيهِ من الأمور الباطِنَة الَّتِي لا تشاهد كالقلب والكبد والطحال والرئة والأمعاء والمثانة وسائِر ما في بَطْنه من الآلات العجيبة والقوى المتعددة المُخْتَلفَة المَنافِع فَأما القلب فَهو الملك المُسْتَعْمل لجَمِيع آلات البدن والمستخدم لَها فَهو محفوف بها محشود مخدوم مُسْتَقر في الوسط وهو أشرف أعضاء البدن وبِه قوام الحَياة وهو منبع الرّوح الحيواني والحرارة الغريزية وهو مَعْدن العقل والعلم والحلم والشجاعة والكَرم والصَّبْر والِاحْتِمال والحب والإرادة والرِّضا والغَضَب وسائِر صِفات الكَمال فَجَمِيع الأعضاء الظّاهِرَة والباطنة وقواها إنما هي جند من اجناد القلب فَإن العين طليعته ورائده الَّذِي يكْشف لَهُ المرئيات فَإن رَأتْ شَيْئا أدته إليه ولشدة الارتباط الَّذِي بَينها وبَينه إذا اسْتَقر فِيهِ شَيْء ظهر فِيها فَهي مرآته المترجمة للنّاظِر ما فِيهِ كَما أن اللِّسان ترجمانه المُؤَدِّي للسمع ما فِيهِ ولِهَذا كثيرا ما يقرن سُبْحانَهُ في كِتابه بَين هَذِه الثَّلاث كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وقَوله ﴿وَجَعَلنا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ وقَوله ﴿صم بكم عمي﴾ وقد تقدم ذَلِك وكَذَلِكَ يقرن بَين القلب والبَصَر كَقَوْلِه ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ وقَوله في حق رَسُوله مُحَمَّد ما كذب الفُؤاد وما رأى ثمَّ قالَ ﴿ما زاغ البَصَر وما طَغى﴾ وَكَذَلِكَ الأذن هي رَسُوله المُؤَدي إليه وكَذَلِكَ اللِّسان ترجمانه وبِالجُمْلَةِ فسائر الأعضاء خدمه وجُنُوده وقالَ النَّبِي إلا أن في الجَسَد مُضْغَة إذا صلحت صلح لَها سائِر الجَسَد وإذا فَسدتْ فسد لَها سائِر الجَسَد إلّا وهِي القلب وقالَ أبو هُرَيْرَة القلب ملك والأعضاء جُنُوده فإن طابَ الملك طابت جُنُوده وإذا خبث الملك خبثت جُنُوده وجعلت الرئة لَهُ كالمروحة تروح عَلَيْهِ دائِما لأنه أشد الأعضاء حرارة بل هو منبع الحَرارَة. وأما الدِّماغ وهو المخ فَإنَّهُ جعل بارِدًا واخْتلف في حِكْمَة ذاك فَقالَت طائِفَة إنَّما كانَ الدِّماغ بارِد التبريد الحَرارَة الَّتِي في القلب ليردها عَن الافراط إلى الِاعْتِدال وردت طائِفَة هَذا وقالَت لَو كانَ كَذَلِك لم يكن الدِّماغ بَعيدا عَن القلب بل كانَ يَنْبَغِي أن يُحِيط بِهِ كالرئة أوْ يكون قَرِيبا مِنهُ في الصَّدْر ليكسر حرارته قالَت الفرْقَة الأولى بعدالدماغ من القلب لا يمْنَع ما ذَكرْناهُ من الحِكْمَة لأنه لَو قرب مِنهُ لغلبته حرارة القلب بقوتها فَجعل البعد بَينهما بِحَيْثُ لا يتفاسدان وتعتدل كَيْفيَّة كل واحِد مِنهُما بكيفية الآخر وهَذا بِخِلاف الرئة فَإنَّها آلَة للترويح على القلب لم تجْعَل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أُخْرى وقالَت بل المخ حار لكنه فاتر الحَرارَة وفِيه تبريد بالخاصية فَإنَّهُ مبدأ للذهن ولِهَذا كانَ الذِّهْن يحْتاج إلى مَوضِع ساكن قار صاف عَن الاقذار والكدر خال من الجلبة والزجل ولذَلِك يكون جودة الفِكر والتذكر واستخراج الصَّواب عند سُكُون البدن وفتور حركاته وقلة شواغله ومزعجاته ولذَلِك لم يصلح لَها القلب وكانَ الدِّماغ معتدلا في ذَلِك صالحا لَهُ ولذَلِك تجود هَذِه الأفعال في اللَّيْل وفي المَواضِع الخالية وتفسد عند التهاب نار الغَضَب والشهوة وعند الهم الشَّديد ومَعَ التَّعَب والحركات القوية البَدَنِيَّة والنفسانية وهَذا بحث مُتَّصِل بقاعدة أخرى وهِي أن الحَواس والعقل هَل مبدؤها القلب والدماغ فَقالَت طائِفَة مبدؤها كلها القلب وهِي مرتبطة بِهِ وبَينه وبَين الحَواس منافذ وطرق قالُوا وكل واحِد من هَذِه الأعضاء الَّتِي هي آلات الحَواس لَهُ اتِّصال بِالقَلْبِ بأعصاب وغير ذَلِك وهَذِه الأعصاب تخرج من القلب إلى أن تَأتي إلى كل واحِد من هَذِه الأجسام الَّتِي فِيها هَذِه الحَواس قالُوا فالعين إذا أبصرت شَيْئا أدته بالالة الَّتِي فِيها إلى القلب لأن هَذِه الالة مُتَّصِلَة مِنها إلى القلب والسمع إذا احس صَوتا اداه إلى القلب وكَذَلِكَ كل حاسة ثمَّ اوردوا على أنفسهم سؤالا فَقالُوا أن قيل كَيفَ يجوز أن يكون عُضْو واحِد على ضروب من الامتزاج يمده عدَّة حواس مُخْتَلفَة وأجسام هَذِه الحَواس مُخْتَلفَة وقُوَّة كل حاسة مُخالفَة لقُوَّة الحاسة الأخرى وأجابوا عَن ذَلِك بِأن جَمِيع العُرُوق الَّتِي في البدن كلها مُتَّصِلَة بِالقَلْبِ إمّا بِنَفسِها وإمّا بِواسِطَة فَما من عرق ولا عُضْو الأوله اتِّصال بِالقَلْبِ اتِّصالًا قَرِيبا أوْ بَعيدا قالُوا وينبعث مِنهُ في تِلْكَ العُرُوق والمجاري إلى كل عُضْو ما بناسبه ويشاكله فينبعث مِنهُ إلى العَينَيْنِ ما يكون مِنهُ حس البَصَر وإلى الأذنين ما يدْرك بِهِ المسموعات وإلى اللَّحْم ما يكون مِنهُ حس اللَّمْس وإلى الأنف ما يكون بِهِ حس الشم وإلى اللِّسان ما يكون بِهِ حس الذَّوْق وإلى كل ذِي قُوَّة ما يمد قوته ويحفظها فَهو المعد لهَذِهِ الأعضاء والحواس والقوى ولِهَذا كانَ الراي الصَّحِيح أنه أول الأعضاء تكوينا قالُوا ولا ريب أن مبدأ القُوَّة العاقِلَة مِنهُ وإن كانَ قد خالف في ذَلِك آخَرُونَ وقالُوا بل العقل في الرَّأْس فالصَّواب أن مبدأه ومنشأه من القلب وفروعه وثمرته في الراس والقُرْآن قد دلّ على هَذا بقوله ﴿أفلم يَسِيرُوا في الأرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بها﴾ وقالَ ﴿إن في ذَلِك لذكرى لمن كانَ لَهُ قلب﴾ وَلم يرد بِالقَلْبِ هُنا مُضْغَة اللَّحْم المُشْتَركَة بَين الحَيَوانات بل المُراد ما فِيهِ من العقل واللب ونازعهم في ذَلِك طائِفَة أخرى وقالُوا مبدأ هَذِه الحَواس إنَّما هو الدِّماغ وانكروا أن يكون بَين القلب والعين والأذن والأنف أعصاب أوْ عروف وقالُوا هَذا كذب على الخلقَة والصَّواب التَّوَسُّط بَين الفَرِيقَيْنِ وهو أن القلب تنبعث مِنهُ قُوَّة إلى هَذِه الحَواس وهِي قُوَّة معنوية لا تحْتاج في وصولها إليه إلى مجار مَخْصُوصَة وأعصاب تكون حاملة لَها فَإن وُصُول القوى إلى هَذِه الحَواس والأعضاء لا يتَوَقَّف الأعلى قبُولها واستعداها وامداد القلب لا على مجار وأعصاب وبِهَذا يَزُول الالتباس في هَذا المقام الَّذِي طال فِيهِ الكَلام وكثر فِيهِ النزاع والخِصام والله أعْلَم وبِه التَّوْفِيق للصَّواب. والمَقْصُود التَّنْبِيه على أقل القَلِيل من وُجُوه الحِكْمَة الَّتِي في خلق الإنسان، والأمر أضعاف أضعاف ما يخْطر بالبال أوْ يجرى فِيهِ المقال وإنَّما فائِدَة ذكر هَذِه الشذرة الَّتِي هي كل شَيْء بِالنِّسْبَةِ إلى ما وراءَها التَّنْبِيه وإذا نظر العَبْد إلى غذائه فَقَط في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فِيهِ العبر والعجائب كَيفَ جعلت لَهُ آلَة يتَناوَل بها ثمَّ باب يدْخل مِنهُ ثمَّ آلَة تقطعه صغارًا ثمَّ طاحون يطحنه ثمَّ أعين بِماء يعجنه ثمَّ جعل لَهُ مجْرى وطريقا إلى جانب النَّفس ينزل هَذا ويصعد هَذا فَلا يَلْتَقِيانِ مَعَ غايَة القرب ثمَّ جعل لَهُ حوايا وطرقا توصله إلى المعدة فَهي خزانته ومَوْضِع اجتماعه ولها بابانِ باب أعلى يدْخل مِنهُ الطَّعام وباب أسفل يخرج مِنهُ تفله والباب الأعلى أوسع من الأسفل إذْ الأعلى مدْخل للحاصل والأسفل مصرف للضار مِنهُ والأسفل منطبق دائِما ليستقر الطَّعام في مَوْضِعه فَإذا انْتهى الهضم فَإن ذَلِك الباب ينفتح إلى انْقِضاء الدّفع ويُسمى البواب لذَلِك والأعلى يُسمى فَم المعدة والطَّعام ينزل إلى المعدة متكيمسا فَإذا اسْتَقر فِيها إنماع وذاب ويحيط بالمعدة من داخلها وخارجها حرارة نارية بل رُبما تزيد على حرارة النّار ينضج بها الطَّعام فِيها كَما ينضج الطَّعام في القدر بالنّار المحيطة بِهِ ولذَلِك يذيب ما هو مستحجر كالحصا وغَيره حَتّى يتْركهُ مائِعا فَإذا أذابته علا صَفوه إلى فَوق ورس كدره إلى أسفل ومن المعدة عروق مُتَّصِلَة بِسائِر البدن يبْعَث فِيها مَعْلُوم كل عُضْو وقوامه بِحَسب استعداه وقبوله فيبعث أشرف ما في ذَلِك والطفه واخفه إلى الأرواح فيبعث إلى البَصَر بصرا وإلى السّمع سمعا وإلى الشم شما وإلى كل حاسة بحسبها فَهَذا الطف ما يتَوَلَّد عَن الغذاء ثمَّ ينبعث مِنهُ إلى الدِّماغ ما يُناسِبه في اللطافة والاعتدال ثمَّ ينبعث من الباقِي إلى الأعضاء في تِلْكَ المجاري بحسبها وينبعث مِنهُ إلى العِظام والشعر والأظفار ما يغذيها ويحفظها فَيكون الغذاء داخِلا إلى المعدة من طرق ومجار وخارجا مِنها إلى الأعضاء من طرق ومجار هَذا وارِد إليها وهَذا صادر عَنْها حِكْمَة بالِغَة ونعمة سابغة ولما كانَ الغذاء إذا اسْتَحالَ في المعدة اسْتَحالَ دَمًا ومرَّة سَوْداء ومرَّة صفراء وبلغما اقْتَضَت حكمته سُبْحانَهُ وتَعالى {إن جعل لكل واحِد من هَذِه الأخلاط مصرفا ينصب إليه ويجتمع فِيهِ ولا ينبعث إلى الأعضاء الشَّرِيفَة إلا أكمله فَوضع المرارة مصبا للمرة الصَّفْراء ووضع الطحال مقرا للمرة السَّوْداء والكبد تمتص أشرف ما في ذَلِك وهو الدَّم ثمَّ تبعثه إلى جَمِيع البدن من عرق واحِد يَنْقَسِم على مجار كَثِيرَة يُوصل إلى كل واحِد من الشُّعُور والأعصاب والعِظام والعُرُوق ما يكون بِهِ قوامه ثمَّ إذا نظرت إلى ما فِيهِ من القوى الباطِنَة والظّاهِرَة المُخْتَلفَة في أنفسها ومنافعها رأيت العجب العجاب كقوة سَمعه وبصره وشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه ورضاهُ وغضبه وغير ذَلِك من القوى المُتَعَلّقَة بالإدراك والإرادة وكَذَلِكَ القوى المتصرفة في غذائه كالقوة المنضجة لَهُ وكالقوة الماسكة لَهُ والدافعة لَهُ إلى الأعضاء والقُوَّة الهاضمة لَهُ بعد أخذ الأعضاء حاجَتها مِنهُ إلى غير ذَلِك من عجائب خلقته الظّاهِرَة والباطنة. (فصل) فارْجِع الآن إلى النُّطْفَة وتَأمل حالها أولا وما صارَت إليه ثانِيًا، وأنه لَو اجْتمع الإنس والجِنّ على أن يخلقوا لَها سمعا أوْ بصرا أوْ عقلا أوْ قدرَة أوْ علما أوْ روحا بل عظما واحِدًا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها بل شَعْرَة واحِدَة لعجزوا عَن ذَلِك بل ذَلِك كُله آثار صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء في قَطْرَة من ماء مهين. فَمن هَذا صنعه في قَطْرَة ماء فَكيف صنعه في ملكوت السَّماوات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها وتفاوت مشارقها ومَغارِبها فَلا ذرة فِيها تنفك عَن حِكْمَة بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع العَجائِب من بدن الإنسان بل لا نِسْبَة لجَمِيع ما في الأرض إلى عجائب السَّماوات قالَ الله تَعالى ﴿أأنتم أشد خلقا أم السَّماء بناها رفع سمكها فسواها﴾. وقال في التبيان) ثم نبه سبحانه الإنسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق ومندفق، فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم، وعيشة راضية. وقيل هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل: - وهو الصواب - إنه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلًا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية، فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية ونبه سبحانه بكونه دافقًا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعًا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في الاحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد. الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الإحليل. الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد، ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه. الرابع أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ وهو يوم القيامة أي إن الله قادر على رجعه إليه حيًا في ذلك اليوم. الخامس أن الضمير في (رجعه) هو الضمير في قوله ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وهذا للإنسان قطعا لا للماء. السادس أنه لا ذكر للإحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه. السابع أن رد الماء إلى الإحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورًا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيًا أو إثباتًا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع. فإن قيل فقد قال تعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما هذا والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها البلى في التراب. الثامن أنه سبحانه دعا الإنسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده? عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله? بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء. التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الإحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلًا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر العاشر أنه سبحانه نبه بقوله ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ على أنه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾.

الطارق 86:6

الدّافِقُ عَلى بابِهِ، لَيْسَ فاعِلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما يَظُنُّهُ بَعْضُهُمْ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ ماءٍ جارٍ وواقِفٍ وساكِنٍ. وَلا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ. واخْتُلِفَ في التَّرائِبِ فَقِيلَ: المُرادُ بِها تَرائِبُهُ أيْضًا، وهي عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقِيلَ: المُرادُ تَرائِبُ المَرْأةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ يَخْرُجُ مِن الصُّلْبِ والتَّرائِبِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ماءُ الرَّجُلِ خارِجًا مِن بَيْنَ هَذَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ كَما قالَ في اللَّبَنِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والنُّطْفَةُ هي ماءُ الرَّجُلِ، كَذَلِكَ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والنُّطْفَةُ الماءُ الصّافِي قَلَّ أوْ كَثُرَ، والنُّطْفَةُ ماءُ الرَّجُلِ، والجَمْعُ نُطَفٌ. وَأيْضًا فَإنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالدَّفْقِ والنَّضْحِ إنّما هو ماءُ الرَّجُلِ، ولا يُقالُ نَضَحَتْ المَرْأةُ الماءَ ولا دَفَقَتْهُ، واَلَّذِي أوْجَبَ لِأصْحابِ القَوْلِ الآخَرِ ذَلِكَ أنَّهم رَأوْا أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: التَّرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ مِن الصَّدْرِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلى ذَلِكَ وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ: ؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ وَهَذا لا يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ التَّرائِبِ بِالمَرْأةِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّرائِبُ عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] الصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الإنْسانِ، أيْ إنّ اللَّهَ عَلى رَدِّهِ إلَيْهِ لَقادِرٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي يُبْلى فِيهِ السَّرائِرُ، ومَن قالَ: " إنّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الماءِ أيْ أنَّ اللَّهَ عَلى رَجْعِهِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصَّدْرِ أوْ حَبْسِهِ عَنْ الخُرُوجِ لَقادِرٌ " فَقَدْ أبْعَدَ، وإنْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ السِّياقَ يَأْباهُ، وطَرِيقَةُ القُرْآنُ - وهي الِاسْتِدْلال بِالمَبْدَإ والنَّشْأةِ الأُولى عَلى المَعادِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ - وأيْضًا فَإنَّهُ قَيَّدَهُ بِالظَّرْفِ، وهو ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَعا الإنْسانَ أنْ يَنْظُرَ في مَبْدَأِ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّهُ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى مَعادِهِ ورُجُوعِهِ إلى رَبِّهِ. وقال في (تحفة المودود) قال الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: التربة، موضع القلادة من الصدر، والجمع: ترائب. وقال أبو عبيدة: الترائب معلق الحلق من الصدر، وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. يريد صلب الرجل وترائب المرأة. وهو موضع قلادتها، وهو قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث، وبذلك أجرى الله العادة في إيجاد ما يوجده من أصلين، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء. ولهذا قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ فإن الولد لا يكون إلا من بين الذكر وصاحبته. ولا ينقض هذا بآدم وحواء أبوينا، ولا بالمسيح، فإن الله سبحانه خلط تراب آدم بالماء حتى صار طينا، ثم أرسل الله الهواء والشمس عليه حتى صار كالفخار، ثم نفخ فيه الروح، وكانت حواء مستلّة منه، وجزءا من أجزائه. والمسيح خلق من ماء مريم، ونفخ الملك. فكانت النفخة له كالأب لغيره. (لطائف وفوائد) روى قيس بن الربيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب". وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم". وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، وكانت من المهاجرات الأول: "لَمْ أسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلمَ يُرَخِّصُ في شَيء مَّمِا يَقُولُ النّاسُ إنّهُ كَذِبٌ إلا في ثَلاثٍ: الرَّجُل يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، والَّرجُلِ يَكْذِبُ لامْرَأتِه، والكَذِبِ في الحَرْبِ". ومعنى الكذب في ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب. وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا، وقد لقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طليعة للمشركين، وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: "ممَّنْ أنْتُمْ؟ فقالَ النَّبُي صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ: نَحْنَ مِن ماءٍ. فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: أحْياءُ اليَمَنِ كَثِيرٌ، لَعَلّهم منهم، وانْصَرَفُوا". وأراد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله "نحن من ماء" قوله تعالى: ﴿خُلقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. ولما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها في عنقك. فقال ما فعلت؟ فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن. فقال: ؎شَهِدْتُ بأنّ وعْدَ اللهِ حَق ∗∗∗ وأنّ النّارَ مَثْوى الكافِرينا ؎وَأنّ العَرْش فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَ ؎وَتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلهِ مُسَوَّمِينا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة. ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض، كيف يكذب؟ ودُعيَ أبو هريرة رضي الله عنه إلى طعام فقال: "إني صائم ثم رأوه يأكل. فقالوا: ألم تقل: إني صائم؟ فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ صِيامُ الدَّهرِ". وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه، قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذي يليه، وإنما أراد يومي الدنيا والآخرة. (فصل) وَإذا تَأمَّلت ما دعى الله سُبْحانَهُ في كِتابه عباده إلى الفِكر فِيهِ أوقعك على العلم بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبوحدانيته وصفات كَماله ونعوت جَلاله من عُمُوم قدرته وعلمه وكَمال حكمته ورَحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاهُ وغضبه وثوابه وعقابه فَبِهَذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته ونَذْكُر لذَلِك امثلة مِمّا ذكرها الله سُبْحانَهُ في كِتابه يسْتَدلّ بها على غَيرها فَمن ذَلِك خلق الإنسان وقد ندب سُبْحانَهُ إلى التفكر فِيهِ والنَّظَر في غير مَوضِع من كِتابه كَقوله تَعالى: ﴿فَلْينْظر الإنْسان مِم خلق﴾ وَقوله تَعالى: ﴿وَفِي أنفسكُم أفلا تبصرون﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وَقالَ تَعالى ﴿أيحسب الإنْسان أن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كانَ علقَة فخلق فسوى فَجعل مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر والأُنْثى ألَيْسَ ذَلِك بِقادِر على أن يحيي المَوْتى﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قَرار مكين إلى قدر مَعْلُوم فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَقالَ ﴿أولم ير الإنْسان أنا خلقناه من نُطْفَة فَإذا هو خصيم مُبين﴾ وَقالَ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤)﴾ وهَذا كثير في القُرْآن يَدْعُو العَبْد إلى النّظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذْ نَفسه وخلقه من أعظم الدَّلائِل على خالقه وفاطره وأقرب شَيْء إلى الإنسان نَفسه وفِيه من العَجائِب الدّالَّة على عَظمَة الله ما تَنْقَضِي الأعمار في الوُقُوف على بعضه وهو غافل عَنهُ معرض عَن التفكر فِيهِ ولَو فكر في نَفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عَن كفره قالَ الله تَعالى ﴿قتل الإنْسان ما أكفره من أي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أماتَهُ فأقبره ثمَّ إذا شاءَ أنشره﴾ فَلم يُكَرر سُبْحانَهُ على أسماعنا وعقولنا ذكر هَذا لنسمع لفظ النُّطْفَة والعلقة والمضغة والتُّراب ولا لنتكلم بها فَقَط ولا لمُجَرّد تعريفنا بذلك بل لأمر وراء ذَلِك كُله هو المَقْصُود بِالخِطابِ واليه جرى ذَلِك الحَدِيث فانْظُر الآن إلى النُّطْفَة بِعَين البصيرة وهِي قَطْرَة من ماء مهين ضَعِيف مستقذر لَو مرت بها ساعَة من الزَّمان فَسدتْ وانتنت كَيفَ استخرجها رب الأرباب العَلِيم القَدِير من بَين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واخْتِلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها وكَيف جمع سُبْحانَهُ بَين الذّكر والأنثى وألقى المحبَّة بَينهما وكَيف قادهما بسلسلة الشَّهْوَة والمحبة إلى الِاجْتِماع الَّذِي هو سَبَب تخليق الوَلَد وتكوينه وكَيف قدر اجْتِماع ذَيْنك الماءين مَعَ بعد كل مِنهُما عَن صاحبه وساقهما من اعماق العُرُوق والأعضاء وجمعهما في مَوضِع واحِد جعل لَهما قرارا مكينا لا يَنالهُ هَواء يُفْسِدهُ ولا برد بِحَمْدِهِ ولا عارض يصل إليه ولا آفَة تتسلط عَلَيْهِ ثمَّ قلب تِلْكَ النُّطْفَة البَيْضاء المشْربَة علقَة حَمْراء تضرب إلى سَواد ثمَّ جعلها مُضْغَة لحم مُخالفَة للعلقة في لَوْنها وحقيقتها وشكلها ثمَّ جعله عظاما مُجَرّدَة لا كسْوَة عَلَيْها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وانْظُر كَيفَ قسم تِلْكَ الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعِظام والعُرُوق والاوتار واليابس واللين وبَين ذَلِك ثمَّ كَيفَ ربط بَعْضها بِبَعْض أقوى رِباط وأشده وأبعده عَن الانحلال وكَيف كساها لَحْمًا رَكبه عَلَيْها وجعله وعاء لَها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة لَهُ مُقِيمَة لَهُ فاللحم قائِم بها وهِي مَحْفُوظَة بِهِ وكَيف صورها فأحسن صورها وشق لَها السّمع والبَصَر والفم والأنف وسائِر المنافذ ومد اليَدَيْنِ والرّجلَيْنِ وبسطهما وقسم رؤسهما بالأصابع ثمَّ قسم الأصابع بالأنامل وركب الأعضاء الباطِنَة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحِد مِنها لَهُ قدر يَخُصُّهُ ومَنفَعَة تخصه ثمَّ انْظُر الحِكْمَة البالِغَة في تركيب العِظام قوأما للبدن وعمادا لَهُ وكَيف قدرها ربه وخالقها بتقادير مُخْتَلفَة وأشكال مُخْتَلفَة فَمِنها الصَّغِير والكَبِير والطويل والقصير والمنحنى والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف وكَيف ركب بَعْضها في بعض فَمِنها ما تركيبه تركيب الذّكر في الأنثى ومِنها ما تركيبه تركيب اتِّصال فَقَط وكَيف اخْتلفت أشكالها باخْتلاف مَنافِعها كالأضراس فَإنَّها لما كانَت آلَة للطحن جعلت عريضة ولما كانَت الأسنان آلَة للْقطع جعلت مستدقة محددة ولما كانَ الإنسان مُحْتاجا إلى الحَرَكَة بجملة بدنه وببعض أعضائه للتردد في حاجته لم يَجْعَل عِظامه عظما واحِدًا بل عظاما مُتعَدِّدَة وجعل بَينها مفاصل حَتّى تتيسر بها الحَرَكَة وكانَ قدر كل واحِد مِنها وشكله على حسب الحَرَكَة المَطْلُوبَة مِنهُ وكَيف شدّ اسر تِلْكَ المفاصل والأعضاء وربط بَعْضها بِبَعْض بأوتار ورباطات انبتها من أحد طرفِي العظم والصق أحد طرفِي العظم بالطرف الآخر كالرباط لَهُ ثمَّ جعل في أحد طرفِي العظم زَوائِد خارِجَة عَنهُ وفي الآخر نقرا غائصة فِيهِ مُوافقَة لشكل تِلْكَ الزَّوائِد ليدْخل فِيها وينطبق عَلَيْها فَإذا أرادَ العَبْد أن يُحَرك جُزْء من بدنه لم يمْتَنع عَلَيْهِ ولَوْلا المفاصل لتعذر ذَلِك عَلَيْهِ وتَأمل كَيْفيَّة خلق الراس وكَثْرَة ما فِيهِ من العِظام حَتّى قيل إنَّها خَمْسَة وخَمْسُونَ عظما مُخْتَلفَة الأشكال والمقادير والمَنافِع وكَيف رَكبه سُبْحانَهُ وتَعالى {على البدن وجعله عالِيا علو الرّاكِب على مركوبه ولما كانَ عالِيا على البدن جعل فِيهِ الحَواس الخمس وآلات الإدراك كلها من السّمع والبَصَر والشم والذوق واللمس وجعل حاسة البَصَر في مقدمه ليَكُون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وركب كل عين من سبع طَبَقات لكل طبقَة وصف مَخْصُوص ومِقْدار مَخْصُوص ومَنفَعَة مَخْصُوصَة لَو فقدت طبقَة من تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع أوْ زالَت عَن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عَن الأبصار ثمَّ اركز سُبْحانَهُ داخل تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع خلقا عجيبا وهو إنْسان العين بِقدر العدسة يبصر بِهِ ما بَين المشرق والمغْرب والأرض والسَّماء وجعلهمن العين بِمَنزِلَة القلب من الأعضاء فهوملكها وتلك الطَّبَقات والأجفان والأهداب خدم لَهُ وحجاب وحراس فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ فانْظُر كَيفَ حسن شكل العَينَيْنِ وهيئتها ومقدارهما ثمَّ جملهما بالأجفان غطاء لَهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عَن العين الأذى والقذا والغُبار ويكنانهما من البارِد المؤذي والحار المؤذي ثمَّ غرس في أطراف تِلْكَ الأجفان الأهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وراء الجمال والزينة ثمَّ أودعهما ذَلِك النُّور الباصر والضوء الباهر الَّذِي يخرق ما بَين السَّماء والأرض ثمَّ يخرق السَّماء مجاوزا لرؤية ما فَوْقها من الكَواكِب وقد أودع سُبْحانَهُ هَذا السِّرّ العجيب في هَذا المِقْدار الصَّغِير بِحَيْثُ تنطبع فِيهِ صُورَة السَّماوات مَعَ اتساع أكنافها وتباعد أقطارها وشق لَهُ السّمع وخلق الأذن أحسن خلقه وأبلغها في حُصُول المَقْصُود مِنها فَجَعلها مجوفة كالصدفة لِتجمع الصَّوْت فتؤديه إلى الصماخ وليحس بدبيب الحَيَوان فِيها فيبادر إلى اخراجه وجعل فِيها غضونا وتجاويف واعوجاجات تمسك الهَواء والصَّوْت الدّاخِل فتكسر حِدته ثمَّ تُؤَدِّيه إلى الصماخ ومن حِكْمَة ذَلِك أن يطول بِهِ الطَّرِيق على الحَيَوان فَلا يصل إلى الصماخ حَتّى يَسْتَيْقِظ أوْ ينتبه لإمساكه وفِيه أيضا حكم غير ذَلِك ثمَّ اقْتَضَت حِكْمَة الرب الخالِق سُبْحانَهُ أن جعل ماء الأذن مرا في غايَة المرارة فَلا يُجاوِزهُ الحَيَوان ولا يقطعهُ داخِلا إلى باطِن الأذن بل إذا وصل إليه اعْمَلْ الحِيلَة في رُجُوعه وجعل ماء العَينَيْنِ ملحا ليحفظها فَإنَّها شحمة قابِلَة للْفَساد فَكانَت ملوحة مائِها صِيانة لَها وحفظا وجعل ماء الفَم عذبا حلوا ليدرك بِهِ طعوم الأشياء على ما هي عَلَيْهِ إذْ لَو كانَ على غير هَذِه الصّفة لاحالها إلى طَبِيعَته كَما أن من عرض لفمه المرارة اسْتمرّ طعم الأشياء الَّتِي لَيست بِمرَّة كَما قيل ؎وَمن يَك ذا فَم مر مَرِيض ∗∗∗ يجد مرا بِهِ الماء الزلالا وَنصب سُبْحانَهُ قَصَبَة الأنف في الوَجْه فَأحْسن شكله وهيأته ووَضعه وفتح فِيهِ المنخرين وحجز بَينهما بحاجز وأودع فيهما حاسة الشم الَّتِي تدْرك بها أنواع الروائح الطّيبَة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق بِهِ الهَواء فيوصله إلى القلب فيتروح بِهِ ويتغذي بِهِ ثمَّ لم يَجْعَل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما جعل في الأذن لِئَلّا يمسك الرّائِحَة فيضعفها ويقطع مجْراها وجعله سُبْحانَهُ مصبا تنحدر إليه فضلات الدِّماغ فتجتمع فِيهِ ثمَّ تخرج مِنهُ واقتضت حكمته أن جعل اعلاه ادق من أسفله لأن أسفله إذا كانَ واسِعًا اجْتمعت فِيهِ تِلْكَ الفضلات فَخرجت بسهولة ولأنه يَأْخُذ من الهَواء ملأهُ ثمَّ يتصاعد في مجْراه قَلِيلا حَتّى يصل إلى القلب وصُولا لا يضرّهُ ولا يزعجه ثمَّ فصل بَين المنخرين بحاجز بَينهما حِكْمَة مِنهُ ورَحْمَة فَإنَّهُ لما كانَ قَصَبَة ومجرى ساترا لما يتحدر فِيهِ من فضلات الراس ومجرى النَّفس الصاعد مِنهُ جعل في وسطه حاجزا لِئَلّا يفْسد بِما يجرى فِيهِ فَيمْنَع نشقه للنَّفس بل إمّا أن تعتمد الفضلات نازلة من أحد المنفذين في الغالِب فَيبقى الآخر للتنفس وإمّا أن يجرى فيهما فينقسم فَلا ينسد الأنف جملَة بل يبْقى فِيهِ مدْخل للتنفس وأيضا فَإنَّهُ لما كانَ عضوا واحِدًا وحاسة واحِدَة ولم يكن عضوين وحاستين كالأذنين والعينين اللَّتَيْنِ اقْتَضَت الحِكْمَة تعددهما فَإنَّهُ رُبما أصيبت أحداهما اوعرضت لَها آفَة تمنعها من كمالها فَتكون الأخرى سالِمَة فَلا تتعطل مَنفَعَة هَذا الحس جملَة وكانَ وجود أنفين في الوَجْه شَيْئا ظاهرا فنصب فِيهِ انفا واحِدًا وجعل فِيهِ منفذين حجز بَينهما بحاجز يجرى مجْرى تعدد العَينَيْنِ والأذنين في المَنفَعَة وهو واحِد فَتَبارَكَ الله رب العالمين وأحسن الخالِقِينَ وشق سُبْحانَهُ للْعَبد الفَم في أحسن مَوضِع واليقه بِهِ وأودع فِيهِ من المَنافِع وآلات الذَّوْق والكَلام وآلات الطَّحْن والقطع ما يبهر العُقُول عجائبه فأودعه اللِّسان الَّذِي هو أحد آياته الدّالَّة عَلَيْهِ وجعله ترجمانا لملك الأعضاء مُبينًا مُؤديا عَنهُ كَما جعل الأذن رَسُولا مُؤديا مبلغا إليه فَهي رَسُوله وبريده الَّذِي يُؤَدِّي إليه الإخبار واللِّسان بريده ورَسُوله الَّذِي يُؤَدِّي عَنهُ ما يُرِيد واقتضت حكمته سُبْحانَهُ أن جعل هَذا الرَّسُول مصونا مَحْفُوظًا مَسْتُورا غير بارز مَكْشُوف كالأذن والعين والأنف لأن تِلْكَ الأعضاء لما كانَت تُؤدِّي من الخارِج إليه جعلت بارزة ظاهِرَة ولما كانَ اللِّسان مُؤديا مِنهُ إلى الخارِج جعل لَهُ سترا مصونا لعدم الفائِدَة في إبرازه لأنه لا يَأْخُذ من الخارِج إلى القلب وأيْضًا فَلِأنَّهُ لما كانَ أشرف الأعضاء بعدالقلب ومنزلته مِنهُ منزلَة ترجمانه ووزيره ضرب عَلَيْهِ سرادق تستره وتصونه وجعل في ذَلِك السرادق كالقلب في الصَّدْر وأيضا فَإنَّهُ من الطف الأعضاء والينها وأشدها رُطُوبَة وهو لا يتَصَرَّف إلّا بِواسِطَة الرُّطُوبَة المحيطة بِهِ فَلَو كانَ بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانِع لَهُ من التَّصَرُّف ولغير ذَلِك من الحكم والفوائد ثمَّ زين سُبْحانَهُ الفَم بِما فِيهِ من الأسنان الَّتِي هن جمال لَهُ وزينة وبها قوام العَبْد وغذاؤه وجعل بَعْضها ارحاء للطحن وبَعضها آلَة للْقطع فاحكم أصولها وحدد رؤسها وبيض لَوْنها ورتب صفوفها مُتَساوِيَة الرؤس متناسقة التَّرْتِيب كَأنَّها الدّرّ المنظوم بَياضًا وصفاء وحسنا وأحاط سُبْحانَهُ على ذَلِك حائطين وأودعهما من المَنافِع والحكم ما أودعهما وهما الشفتان فَحسن لونهما وشكلهما ووَضعهما وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا لَهُ وجعلهما إتماما لمخارج حُرُوف الكَلام ونِهايَة لَهُ كَما جعل اقصى الحلق بداية لَهُ واللِّسان وما جاوره وسطا ولِهَذا كانَ أكثر العَمَل فِيها لَهُ إذْ هو الواسِطَة واقتضت حكمته أن جعل الشفتين لَحْمًا صرفا لا عظم فِيهِ ولا عصب ليتَمَكَّن بهما من مص الشَّراب ويسهل عَلَيْهِ فتحهما وطبقهما وخص الفك الأسفل بِالتَّحْرِيكِ لأن تَحْرِيك الاخف أحسن ولأنه يشْتَمل على الأعضاء الشَّرِيفَة فَلم يخاطر بها في الحَرَكَة وخلق سُبْحانَهُ الحَناجِر مُخْتَلفَة الأشكال في الضّيق والسعَة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول والقصر فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اخْتِلاف ولا يكاد يشْتَبه صوتان إلّا نادرا ولِهَذا كانَ الصَّحِيح قبُول شَهادَة الأعمى لتمييزه بَين الاشخاص بأصواتهم كَما يُمَيّز البَصِير بَينهم بصورهم والاشتباه العارِض بَين الأصوات كالاشتباه العارِض بَين الصُّور وزين سُبْحانَهُ الرَّأْس بالشعر وجعله لباسا لَهُ لاحتياجه إليه وزين الوَجْه بِما أنبت فِيهِ من الشُّعُور المُخْتَلفَة الأشكال والمقادير فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس إلى العَينَيْنِ وقوسهما وأحسن خطهما وزين أجفاف العَينَيْنِ بالأهداب وزين الوَجْه أيضا باللحية وجعلها كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بِما أنبت فَوْقهما من الشّارِب وتحتهما من العنفقة وكَذَلِكَ خلقه سُبْحانَهُ لِلْيَدَيْنِ اللَّتَيْنِ هما آلَة العَبْد وسلاحه ورَأس مال معاشه فطولهما يحيث يصلان إلى ما شاءَ من بدنه وعرض الكَفّ ليتَمَكَّن بِهِ من القَبْض والبسط وقسم فِيهِ الأصابع الخمس وقسم كل أصبع بِثَلاث أنامل والإبهام بِاثْنَتَيْنِ ووضع الأصابع الأربعة في جانب والابهام في جانب لتدور الابهام على الجَمِيع فَجاءَت على أحسن وضع صلحت بِهِ للقبض والبسط ومباشرة الأعمال ولَو اجْتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق أفكارهم وضعا آخر للأصابع سوى ما وضعت عَلَيْهِ لم يَجدوا إليه سَبِيلا فَتَبارَكَ من لَو شاءَ لسواها وجعلها طبقًا واحِدًا كالصفيحة فَلم يتَمَكَّن العَبْد بذلك من مصالحة وأنواع تَصَرُّفاته ودقيق الصَّنائِع والخط وغير ذَلِك فَإن بسط أصابعه كانَت طبقًا يضع عَلَيْهِ ما يُرِيد وأن ضمها وقَبضها كانَت دبوسا وآلَة للضرب وأن جعلها بَين الضَّم والبسط كانَت مغرفة لَهُ يتَناوَل بها وتمسك فِيها ما يتَناوَلهُ وركب الأظفار على رؤسها زِينَة لَها وعمادا ووقاية وليلتقط بها الأشياء الدقيقة الَّتِي لا ينالها جسم الأصابع وجعلها سِلاحا لغيره من الحَيَوان والطير وآلَة لمعاشه وليحك الإنسان بها بدنه عند الحاجة فالظفر الَّذِي هو أقل الأشياء وأحقرها لَو عَدمه الإنسان ثمَّ ظَهرت بِهِ حكة لاشتدت حاجته إليه ولم يقم مقامه شَيْء في حك بدنه ثمَّ هدى اليَد إلى مَوضِع الحك حَتّى تمتد إليه ولَو في النّوم والغفلة من غير حاجَة إلى طلب ولَو اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ لم يعثر على مَوضِع الحك إلا بعد تَعب ومشقة ثمَّ انْظُر إلى الحِكْمَة البالِغَة في جعل عِظام أسفل البدن غَلِيظَة قَوِيَّة لأنها أساس لَهُ وعِظام أعاليه دونها في الثخانة والصلابة لأنها مَحْمُولَة ثمَّ انْظُر كَيفَ جعل الرَّقَبَة مركبا للرأس وركبها من سبع خَرَزات مجوفات مستديرات ثمَّ طبق بَعْضها على بعض وركب كل خرزة تركيبا محكما متقنا حَتّى صارَت كَأنَّها خرزة واحِدَة ثمَّ ركب الرَّقَبَة على الظّهْر والصدر ثمَّ ركب الظّهْر من أعْلاهُ إلى مُنْتَهى عظم العَجز من أربع وعشْرين خرزة مركبة بَعْضها في بعض هي مجمع اضلاعه والَّتِي تمسكها أن تنْحَل وتنفصل ثمَّ وصل تِلْكَ العِظام بَعْضها بِبَعْض فوصل عِظام الظّهْر بعظام الصَّدْر وعِظام الكَتِفَيْنِ بعظام العضدين والعضدين بالذراعين والذراعين بالكف والأصابع وانْظُر كَيفَ كسا العِظام العريضة كعظام الظّهْر والراس كسْوَة من اللَّحْم تناسبها والعِظام الدقيقة كسْوَة تناسبها كالأصابع والمتوسطة كَذَلِك كعظام الذراعين والعضدين فَهو مركب على ثَلاثمِائَة وسِتِّينَ عظما مِائَتان وثَمانِية وأرْبَعُونَ مفاصل وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل فَلَو زادَت عظما واحِدًا لَكانَ مضرَّة على الإنسان يحْتاج إلى قلعة ولَو نقصت عظما واحِدًا كانَ نُقْصانا يحْتاج إلى جبره فالطبيب ينظر في هَذِه العِظام وكَيْفِيَّة تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها والعارف ينظر فِيها ليستدل بها على عَظمَة باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه وكم بَين النظرين ثمَّ أنه سُبْحانَهُ ربط تِلْكَ الأعضاء والأجزاء بالرباطات فَشد بها أسرها وجعلها كالاوتاد تمسكها وتحفظها حَتّى بلغ عَددها إلى خَمْسمِائَة وتِسْعَة وعشْرين رِباطًا وهِي مُخْتَلفَة في الغلظ والدقة والطول والقصر والاستقامة والانحناء بِحَسب اخْتِلاف مواضعها ومحالها فَجعل مِنها أربعة وعشْرين رِباطًا آلَة لتحريك العين وفتحها وضمّها وإبصارها لَو نقضت مِنهُنَّ رِباطًا واحِدًا اخْتَلَّ أمر العين وهَكَذا لكل عُضْو من الأعضاء رباطات هن لَهُ كالآلات الَّتِي بها يَتَحَرَّك ويتصرف ويفْعل كل ذَلِك صنع الرب الحَكِيم وتَقْدِير العَزِيز العَلِيم في قَطْرَة ماء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين ومن عجائب خلقه أنه جعل في الراس ثَلاث خَزائِن نافِذا بَعْضها إلى بعض خزانَة في مقدمه وخزانة في وسطه وخزانة في آخِره وأودع تِلْكَ الخزائن من أسراره ما أودعها من الذّكر والفكر والتعقل ومن عجائب خلقه ما فِيهِ من الأمور الباطِنَة الَّتِي لا تشاهد كالقلب والكبد والطحال والرئة والأمعاء والمثانة وسائِر ما في بَطْنه من الآلات العجيبة والقوى المتعددة المُخْتَلفَة المَنافِع فَأما القلب فَهو الملك المُسْتَعْمل لجَمِيع آلات البدن والمستخدم لَها فَهو محفوف بها محشود مخدوم مُسْتَقر في الوسط وهو أشرف أعضاء البدن وبِه قوام الحَياة وهو منبع الرّوح الحيواني والحرارة الغريزية وهو مَعْدن العقل والعلم والحلم والشجاعة والكَرم والصَّبْر والِاحْتِمال والحب والإرادة والرِّضا والغَضَب وسائِر صِفات الكَمال فَجَمِيع الأعضاء الظّاهِرَة والباطنة وقواها إنما هي جند من اجناد القلب فَإن العين طليعته ورائده الَّذِي يكْشف لَهُ المرئيات فَإن رَأتْ شَيْئا أدته إليه ولشدة الارتباط الَّذِي بَينها وبَينه إذا اسْتَقر فِيهِ شَيْء ظهر فِيها فَهي مرآته المترجمة للنّاظِر ما فِيهِ كَما أن اللِّسان ترجمانه المُؤَدِّي للسمع ما فِيهِ ولِهَذا كثيرا ما يقرن سُبْحانَهُ في كِتابه بَين هَذِه الثَّلاث كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وقَوله ﴿وَجَعَلنا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ وقَوله ﴿صم بكم عمي﴾ وقد تقدم ذَلِك وكَذَلِكَ يقرن بَين القلب والبَصَر كَقَوْلِه ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ وقَوله في حق رَسُوله مُحَمَّد ما كذب الفُؤاد وما رأى ثمَّ قالَ ﴿ما زاغ البَصَر وما طَغى﴾ وَكَذَلِكَ الأذن هي رَسُوله المُؤَدي إليه وكَذَلِكَ اللِّسان ترجمانه وبِالجُمْلَةِ فسائر الأعضاء خدمه وجُنُوده وقالَ النَّبِي إلا أن في الجَسَد مُضْغَة إذا صلحت صلح لَها سائِر الجَسَد وإذا فَسدتْ فسد لَها سائِر الجَسَد إلّا وهِي القلب وقالَ أبو هُرَيْرَة القلب ملك والأعضاء جُنُوده فإن طابَ الملك طابت جُنُوده وإذا خبث الملك خبثت جُنُوده وجعلت الرئة لَهُ كالمروحة تروح عَلَيْهِ دائِما لأنه أشد الأعضاء حرارة بل هو منبع الحَرارَة. وأما الدِّماغ وهو المخ فَإنَّهُ جعل بارِدًا واخْتلف في حِكْمَة ذاك فَقالَت طائِفَة إنَّما كانَ الدِّماغ بارِد التبريد الحَرارَة الَّتِي في القلب ليردها عَن الافراط إلى الِاعْتِدال وردت طائِفَة هَذا وقالَت لَو كانَ كَذَلِك لم يكن الدِّماغ بَعيدا عَن القلب بل كانَ يَنْبَغِي أن يُحِيط بِهِ كالرئة أوْ يكون قَرِيبا مِنهُ في الصَّدْر ليكسر حرارته قالَت الفرْقَة الأولى بعدالدماغ من القلب لا يمْنَع ما ذَكرْناهُ من الحِكْمَة لأنه لَو قرب مِنهُ لغلبته حرارة القلب بقوتها فَجعل البعد بَينهما بِحَيْثُ لا يتفاسدان وتعتدل كَيْفيَّة كل واحِد مِنهُما بكيفية الآخر وهَذا بِخِلاف الرئة فَإنَّها آلَة للترويح على القلب لم تجْعَل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أُخْرى وقالَت بل المخ حار لكنه فاتر الحَرارَة وفِيه تبريد بالخاصية فَإنَّهُ مبدأ للذهن ولِهَذا كانَ الذِّهْن يحْتاج إلى مَوضِع ساكن قار صاف عَن الاقذار والكدر خال من الجلبة والزجل ولذَلِك يكون جودة الفِكر والتذكر واستخراج الصَّواب عند سُكُون البدن وفتور حركاته وقلة شواغله ومزعجاته ولذَلِك لم يصلح لَها القلب وكانَ الدِّماغ معتدلا في ذَلِك صالحا لَهُ ولذَلِك تجود هَذِه الأفعال في اللَّيْل وفي المَواضِع الخالية وتفسد عند التهاب نار الغَضَب والشهوة وعند الهم الشَّديد ومَعَ التَّعَب والحركات القوية البَدَنِيَّة والنفسانية وهَذا بحث مُتَّصِل بقاعدة أخرى وهِي أن الحَواس والعقل هَل مبدؤها القلب والدماغ فَقالَت طائِفَة مبدؤها كلها القلب وهِي مرتبطة بِهِ وبَينه وبَين الحَواس منافذ وطرق قالُوا وكل واحِد من هَذِه الأعضاء الَّتِي هي آلات الحَواس لَهُ اتِّصال بِالقَلْبِ بأعصاب وغير ذَلِك وهَذِه الأعصاب تخرج من القلب إلى أن تَأتي إلى كل واحِد من هَذِه الأجسام الَّتِي فِيها هَذِه الحَواس قالُوا فالعين إذا أبصرت شَيْئا أدته بالالة الَّتِي فِيها إلى القلب لأن هَذِه الالة مُتَّصِلَة مِنها إلى القلب والسمع إذا احس صَوتا اداه إلى القلب وكَذَلِكَ كل حاسة ثمَّ اوردوا على أنفسهم سؤالا فَقالُوا أن قيل كَيفَ يجوز أن يكون عُضْو واحِد على ضروب من الامتزاج يمده عدَّة حواس مُخْتَلفَة وأجسام هَذِه الحَواس مُخْتَلفَة وقُوَّة كل حاسة مُخالفَة لقُوَّة الحاسة الأخرى وأجابوا عَن ذَلِك بِأن جَمِيع العُرُوق الَّتِي في البدن كلها مُتَّصِلَة بِالقَلْبِ إمّا بِنَفسِها وإمّا بِواسِطَة فَما من عرق ولا عُضْو الأوله اتِّصال بِالقَلْبِ اتِّصالًا قَرِيبا أوْ بَعيدا قالُوا وينبعث مِنهُ في تِلْكَ العُرُوق والمجاري إلى كل عُضْو ما بناسبه ويشاكله فينبعث مِنهُ إلى العَينَيْنِ ما يكون مِنهُ حس البَصَر وإلى الأذنين ما يدْرك بِهِ المسموعات وإلى اللَّحْم ما يكون مِنهُ حس اللَّمْس وإلى الأنف ما يكون بِهِ حس الشم وإلى اللِّسان ما يكون بِهِ حس الذَّوْق وإلى كل ذِي قُوَّة ما يمد قوته ويحفظها فَهو المعد لهَذِهِ الأعضاء والحواس والقوى ولِهَذا كانَ الراي الصَّحِيح أنه أول الأعضاء تكوينا قالُوا ولا ريب أن مبدأ القُوَّة العاقِلَة مِنهُ وإن كانَ قد خالف في ذَلِك آخَرُونَ وقالُوا بل العقل في الرَّأْس فالصَّواب أن مبدأه ومنشأه من القلب وفروعه وثمرته في الراس والقُرْآن قد دلّ على هَذا بقوله ﴿أفلم يَسِيرُوا في الأرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بها﴾ وقالَ ﴿إن في ذَلِك لذكرى لمن كانَ لَهُ قلب﴾ وَلم يرد بِالقَلْبِ هُنا مُضْغَة اللَّحْم المُشْتَركَة بَين الحَيَوانات بل المُراد ما فِيهِ من العقل واللب ونازعهم في ذَلِك طائِفَة أخرى وقالُوا مبدأ هَذِه الحَواس إنَّما هو الدِّماغ وانكروا أن يكون بَين القلب والعين والأذن والأنف أعصاب أوْ عروف وقالُوا هَذا كذب على الخلقَة والصَّواب التَّوَسُّط بَين الفَرِيقَيْنِ وهو أن القلب تنبعث مِنهُ قُوَّة إلى هَذِه الحَواس وهِي قُوَّة معنوية لا تحْتاج في وصولها إليه إلى مجار مَخْصُوصَة وأعصاب تكون حاملة لَها فَإن وُصُول القوى إلى هَذِه الحَواس والأعضاء لا يتَوَقَّف الأعلى قبُولها واستعداها وامداد القلب لا على مجار وأعصاب وبِهَذا يَزُول الالتباس في هَذا المقام الَّذِي طال فِيهِ الكَلام وكثر فِيهِ النزاع والخِصام والله أعْلَم وبِه التَّوْفِيق للصَّواب. والمَقْصُود التَّنْبِيه على أقل القَلِيل من وُجُوه الحِكْمَة الَّتِي في خلق الإنسان، والأمر أضعاف أضعاف ما يخْطر بالبال أوْ يجرى فِيهِ المقال وإنَّما فائِدَة ذكر هَذِه الشذرة الَّتِي هي كل شَيْء بِالنِّسْبَةِ إلى ما وراءَها التَّنْبِيه وإذا نظر العَبْد إلى غذائه فَقَط في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فِيهِ العبر والعجائب كَيفَ جعلت لَهُ آلَة يتَناوَل بها ثمَّ باب يدْخل مِنهُ ثمَّ آلَة تقطعه صغارًا ثمَّ طاحون يطحنه ثمَّ أعين بِماء يعجنه ثمَّ جعل لَهُ مجْرى وطريقا إلى جانب النَّفس ينزل هَذا ويصعد هَذا فَلا يَلْتَقِيانِ مَعَ غايَة القرب ثمَّ جعل لَهُ حوايا وطرقا توصله إلى المعدة فَهي خزانته ومَوْضِع اجتماعه ولها بابانِ باب أعلى يدْخل مِنهُ الطَّعام وباب أسفل يخرج مِنهُ تفله والباب الأعلى أوسع من الأسفل إذْ الأعلى مدْخل للحاصل والأسفل مصرف للضار مِنهُ والأسفل منطبق دائِما ليستقر الطَّعام في مَوْضِعه فَإذا انْتهى الهضم فَإن ذَلِك الباب ينفتح إلى انْقِضاء الدّفع ويُسمى البواب لذَلِك والأعلى يُسمى فَم المعدة والطَّعام ينزل إلى المعدة متكيمسا فَإذا اسْتَقر فِيها إنماع وذاب ويحيط بالمعدة من داخلها وخارجها حرارة نارية بل رُبما تزيد على حرارة النّار ينضج بها الطَّعام فِيها كَما ينضج الطَّعام في القدر بالنّار المحيطة بِهِ ولذَلِك يذيب ما هو مستحجر كالحصا وغَيره حَتّى يتْركهُ مائِعا فَإذا أذابته علا صَفوه إلى فَوق ورس كدره إلى أسفل ومن المعدة عروق مُتَّصِلَة بِسائِر البدن يبْعَث فِيها مَعْلُوم كل عُضْو وقوامه بِحَسب استعداه وقبوله فيبعث أشرف ما في ذَلِك والطفه واخفه إلى الأرواح فيبعث إلى البَصَر بصرا وإلى السّمع سمعا وإلى الشم شما وإلى كل حاسة بحسبها فَهَذا الطف ما يتَوَلَّد عَن الغذاء ثمَّ ينبعث مِنهُ إلى الدِّماغ ما يُناسِبه في اللطافة والاعتدال ثمَّ ينبعث من الباقِي إلى الأعضاء في تِلْكَ المجاري بحسبها وينبعث مِنهُ إلى العِظام والشعر والأظفار ما يغذيها ويحفظها فَيكون الغذاء داخِلا إلى المعدة من طرق ومجار وخارجا مِنها إلى الأعضاء من طرق ومجار هَذا وارِد إليها وهَذا صادر عَنْها حِكْمَة بالِغَة ونعمة سابغة ولما كانَ الغذاء إذا اسْتَحالَ في المعدة اسْتَحالَ دَمًا ومرَّة سَوْداء ومرَّة صفراء وبلغما اقْتَضَت حكمته سُبْحانَهُ وتَعالى {إن جعل لكل واحِد من هَذِه الأخلاط مصرفا ينصب إليه ويجتمع فِيهِ ولا ينبعث إلى الأعضاء الشَّرِيفَة إلا أكمله فَوضع المرارة مصبا للمرة الصَّفْراء ووضع الطحال مقرا للمرة السَّوْداء والكبد تمتص أشرف ما في ذَلِك وهو الدَّم ثمَّ تبعثه إلى جَمِيع البدن من عرق واحِد يَنْقَسِم على مجار كَثِيرَة يُوصل إلى كل واحِد من الشُّعُور والأعصاب والعِظام والعُرُوق ما يكون بِهِ قوامه ثمَّ إذا نظرت إلى ما فِيهِ من القوى الباطِنَة والظّاهِرَة المُخْتَلفَة في أنفسها ومنافعها رأيت العجب العجاب كقوة سَمعه وبصره وشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه ورضاهُ وغضبه وغير ذَلِك من القوى المُتَعَلّقَة بالإدراك والإرادة وكَذَلِكَ القوى المتصرفة في غذائه كالقوة المنضجة لَهُ وكالقوة الماسكة لَهُ والدافعة لَهُ إلى الأعضاء والقُوَّة الهاضمة لَهُ بعد أخذ الأعضاء حاجَتها مِنهُ إلى غير ذَلِك من عجائب خلقته الظّاهِرَة والباطنة. (فصل) فارْجِع الآن إلى النُّطْفَة وتَأمل حالها أولا وما صارَت إليه ثانِيًا، وأنه لَو اجْتمع الإنس والجِنّ على أن يخلقوا لَها سمعا أوْ بصرا أوْ عقلا أوْ قدرَة أوْ علما أوْ روحا بل عظما واحِدًا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها بل شَعْرَة واحِدَة لعجزوا عَن ذَلِك بل ذَلِك كُله آثار صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء في قَطْرَة من ماء مهين. فَمن هَذا صنعه في قَطْرَة ماء فَكيف صنعه في ملكوت السَّماوات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها وتفاوت مشارقها ومَغارِبها فَلا ذرة فِيها تنفك عَن حِكْمَة بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع العَجائِب من بدن الإنسان بل لا نِسْبَة لجَمِيع ما في الأرض إلى عجائب السَّماوات قالَ الله تَعالى ﴿أأنتم أشد خلقا أم السَّماء بناها رفع سمكها فسواها﴾. وقال في التبيان) ثم نبه سبحانه الإنسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق ومندفق، فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم، وعيشة راضية. وقيل هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل: - وهو الصواب - إنه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلًا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية، فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية ونبه سبحانه بكونه دافقًا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعًا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في الاحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد. الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الإحليل. الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد، ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه. الرابع أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ وهو يوم القيامة أي إن الله قادر على رجعه إليه حيًا في ذلك اليوم. الخامس أن الضمير في (رجعه) هو الضمير في قوله ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وهذا للإنسان قطعا لا للماء. السادس أنه لا ذكر للإحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه. السابع أن رد الماء إلى الإحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورًا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيًا أو إثباتًا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع. فإن قيل فقد قال تعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما هذا والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها البلى في التراب. الثامن أنه سبحانه دعا الإنسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده? عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله? بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء. التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الإحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلًا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر العاشر أنه سبحانه نبه بقوله ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ على أنه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾.

الطارق 86:7

الدّافِقُ عَلى بابِهِ، لَيْسَ فاعِلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما يَظُنُّهُ بَعْضُهُمْ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ ماءٍ جارٍ وواقِفٍ وساكِنٍ. وَلا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ. واخْتُلِفَ في التَّرائِبِ فَقِيلَ: المُرادُ بِها تَرائِبُهُ أيْضًا، وهي عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقِيلَ: المُرادُ تَرائِبُ المَرْأةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ يَخْرُجُ مِن الصُّلْبِ والتَّرائِبِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ماءُ الرَّجُلِ خارِجًا مِن بَيْنَ هَذَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ كَما قالَ في اللَّبَنِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والنُّطْفَةُ هي ماءُ الرَّجُلِ، كَذَلِكَ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والنُّطْفَةُ الماءُ الصّافِي قَلَّ أوْ كَثُرَ، والنُّطْفَةُ ماءُ الرَّجُلِ، والجَمْعُ نُطَفٌ. وَأيْضًا فَإنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالدَّفْقِ والنَّضْحِ إنّما هو ماءُ الرَّجُلِ، ولا يُقالُ نَضَحَتْ المَرْأةُ الماءَ ولا دَفَقَتْهُ، واَلَّذِي أوْجَبَ لِأصْحابِ القَوْلِ الآخَرِ ذَلِكَ أنَّهم رَأوْا أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: التَّرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ مِن الصَّدْرِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلى ذَلِكَ وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ: ؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ وَهَذا لا يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ التَّرائِبِ بِالمَرْأةِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّرائِبُ عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] الصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الإنْسانِ، أيْ إنّ اللَّهَ عَلى رَدِّهِ إلَيْهِ لَقادِرٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي يُبْلى فِيهِ السَّرائِرُ، ومَن قالَ: " إنّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الماءِ أيْ أنَّ اللَّهَ عَلى رَجْعِهِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصَّدْرِ أوْ حَبْسِهِ عَنْ الخُرُوجِ لَقادِرٌ " فَقَدْ أبْعَدَ، وإنْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ السِّياقَ يَأْباهُ، وطَرِيقَةُ القُرْآنُ - وهي الِاسْتِدْلال بِالمَبْدَإ والنَّشْأةِ الأُولى عَلى المَعادِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ - وأيْضًا فَإنَّهُ قَيَّدَهُ بِالظَّرْفِ، وهو ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَعا الإنْسانَ أنْ يَنْظُرَ في مَبْدَأِ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّهُ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى مَعادِهِ ورُجُوعِهِ إلى رَبِّهِ. وقال في (تحفة المودود) قال الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: التربة، موضع القلادة من الصدر، والجمع: ترائب. وقال أبو عبيدة: الترائب معلق الحلق من الصدر، وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. يريد صلب الرجل وترائب المرأة. وهو موضع قلادتها، وهو قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث، وبذلك أجرى الله العادة في إيجاد ما يوجده من أصلين، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء. ولهذا قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ فإن الولد لا يكون إلا من بين الذكر وصاحبته. ولا ينقض هذا بآدم وحواء أبوينا، ولا بالمسيح، فإن الله سبحانه خلط تراب آدم بالماء حتى صار طينا، ثم أرسل الله الهواء والشمس عليه حتى صار كالفخار، ثم نفخ فيه الروح، وكانت حواء مستلّة منه، وجزءا من أجزائه. والمسيح خلق من ماء مريم، ونفخ الملك. فكانت النفخة له كالأب لغيره. (لطائف وفوائد) روى قيس بن الربيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب". وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم". وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، وكانت من المهاجرات الأول: "لَمْ أسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلمَ يُرَخِّصُ في شَيء مَّمِا يَقُولُ النّاسُ إنّهُ كَذِبٌ إلا في ثَلاثٍ: الرَّجُل يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، والَّرجُلِ يَكْذِبُ لامْرَأتِه، والكَذِبِ في الحَرْبِ". ومعنى الكذب في ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب. وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا، وقد لقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طليعة للمشركين، وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: "ممَّنْ أنْتُمْ؟ فقالَ النَّبُي صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ: نَحْنَ مِن ماءٍ. فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: أحْياءُ اليَمَنِ كَثِيرٌ، لَعَلّهم منهم، وانْصَرَفُوا". وأراد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله "نحن من ماء" قوله تعالى: ﴿خُلقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. ولما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها في عنقك. فقال ما فعلت؟ فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن. فقال: ؎شَهِدْتُ بأنّ وعْدَ اللهِ حَق ∗∗∗ وأنّ النّارَ مَثْوى الكافِرينا ؎وَأنّ العَرْش فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَ ؎وَتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلهِ مُسَوَّمِينا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة. ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض، كيف يكذب؟ ودُعيَ أبو هريرة رضي الله عنه إلى طعام فقال: "إني صائم ثم رأوه يأكل. فقالوا: ألم تقل: إني صائم؟ فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ صِيامُ الدَّهرِ". وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه، قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذي يليه، وإنما أراد يومي الدنيا والآخرة. (فصل) وَإذا تَأمَّلت ما دعى الله سُبْحانَهُ في كِتابه عباده إلى الفِكر فِيهِ أوقعك على العلم بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبوحدانيته وصفات كَماله ونعوت جَلاله من عُمُوم قدرته وعلمه وكَمال حكمته ورَحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاهُ وغضبه وثوابه وعقابه فَبِهَذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته ونَذْكُر لذَلِك امثلة مِمّا ذكرها الله سُبْحانَهُ في كِتابه يسْتَدلّ بها على غَيرها فَمن ذَلِك خلق الإنسان وقد ندب سُبْحانَهُ إلى التفكر فِيهِ والنَّظَر في غير مَوضِع من كِتابه كَقوله تَعالى: ﴿فَلْينْظر الإنْسان مِم خلق﴾ وَقوله تَعالى: ﴿وَفِي أنفسكُم أفلا تبصرون﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وَقالَ تَعالى ﴿أيحسب الإنْسان أن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كانَ علقَة فخلق فسوى فَجعل مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر والأُنْثى ألَيْسَ ذَلِك بِقادِر على أن يحيي المَوْتى﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قَرار مكين إلى قدر مَعْلُوم فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَقالَ ﴿أولم ير الإنْسان أنا خلقناه من نُطْفَة فَإذا هو خصيم مُبين﴾ وَقالَ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤)﴾ وهَذا كثير في القُرْآن يَدْعُو العَبْد إلى النّظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذْ نَفسه وخلقه من أعظم الدَّلائِل على خالقه وفاطره وأقرب شَيْء إلى الإنسان نَفسه وفِيه من العَجائِب الدّالَّة على عَظمَة الله ما تَنْقَضِي الأعمار في الوُقُوف على بعضه وهو غافل عَنهُ معرض عَن التفكر فِيهِ ولَو فكر في نَفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عَن كفره قالَ الله تَعالى ﴿قتل الإنْسان ما أكفره من أي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أماتَهُ فأقبره ثمَّ إذا شاءَ أنشره﴾ فَلم يُكَرر سُبْحانَهُ على أسماعنا وعقولنا ذكر هَذا لنسمع لفظ النُّطْفَة والعلقة والمضغة والتُّراب ولا لنتكلم بها فَقَط ولا لمُجَرّد تعريفنا بذلك بل لأمر وراء ذَلِك كُله هو المَقْصُود بِالخِطابِ واليه جرى ذَلِك الحَدِيث فانْظُر الآن إلى النُّطْفَة بِعَين البصيرة وهِي قَطْرَة من ماء مهين ضَعِيف مستقذر لَو مرت بها ساعَة من الزَّمان فَسدتْ وانتنت كَيفَ استخرجها رب الأرباب العَلِيم القَدِير من بَين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واخْتِلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها وكَيف جمع سُبْحانَهُ بَين الذّكر والأنثى وألقى المحبَّة بَينهما وكَيف قادهما بسلسلة الشَّهْوَة والمحبة إلى الِاجْتِماع الَّذِي هو سَبَب تخليق الوَلَد وتكوينه وكَيف قدر اجْتِماع ذَيْنك الماءين مَعَ بعد كل مِنهُما عَن صاحبه وساقهما من اعماق العُرُوق والأعضاء وجمعهما في مَوضِع واحِد جعل لَهما قرارا مكينا لا يَنالهُ هَواء يُفْسِدهُ ولا برد بِحَمْدِهِ ولا عارض يصل إليه ولا آفَة تتسلط عَلَيْهِ ثمَّ قلب تِلْكَ النُّطْفَة البَيْضاء المشْربَة علقَة حَمْراء تضرب إلى سَواد ثمَّ جعلها مُضْغَة لحم مُخالفَة للعلقة في لَوْنها وحقيقتها وشكلها ثمَّ جعله عظاما مُجَرّدَة لا كسْوَة عَلَيْها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وانْظُر كَيفَ قسم تِلْكَ الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعِظام والعُرُوق والاوتار واليابس واللين وبَين ذَلِك ثمَّ كَيفَ ربط بَعْضها بِبَعْض أقوى رِباط وأشده وأبعده عَن الانحلال وكَيف كساها لَحْمًا رَكبه عَلَيْها وجعله وعاء لَها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة لَهُ مُقِيمَة لَهُ فاللحم قائِم بها وهِي مَحْفُوظَة بِهِ وكَيف صورها فأحسن صورها وشق لَها السّمع والبَصَر والفم والأنف وسائِر المنافذ ومد اليَدَيْنِ والرّجلَيْنِ وبسطهما وقسم رؤسهما بالأصابع ثمَّ قسم الأصابع بالأنامل وركب الأعضاء الباطِنَة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحِد مِنها لَهُ قدر يَخُصُّهُ ومَنفَعَة تخصه ثمَّ انْظُر الحِكْمَة البالِغَة في تركيب العِظام قوأما للبدن وعمادا لَهُ وكَيف قدرها ربه وخالقها بتقادير مُخْتَلفَة وأشكال مُخْتَلفَة فَمِنها الصَّغِير والكَبِير والطويل والقصير والمنحنى والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف وكَيف ركب بَعْضها في بعض فَمِنها ما تركيبه تركيب الذّكر في الأنثى ومِنها ما تركيبه تركيب اتِّصال فَقَط وكَيف اخْتلفت أشكالها باخْتلاف مَنافِعها كالأضراس فَإنَّها لما كانَت آلَة للطحن جعلت عريضة ولما كانَت الأسنان آلَة للْقطع جعلت مستدقة محددة ولما كانَ الإنسان مُحْتاجا إلى الحَرَكَة بجملة بدنه وببعض أعضائه للتردد في حاجته لم يَجْعَل عِظامه عظما واحِدًا بل عظاما مُتعَدِّدَة وجعل بَينها مفاصل حَتّى تتيسر بها الحَرَكَة وكانَ قدر كل واحِد مِنها وشكله على حسب الحَرَكَة المَطْلُوبَة مِنهُ وكَيف شدّ اسر تِلْكَ المفاصل والأعضاء وربط بَعْضها بِبَعْض بأوتار ورباطات انبتها من أحد طرفِي العظم والصق أحد طرفِي العظم بالطرف الآخر كالرباط لَهُ ثمَّ جعل في أحد طرفِي العظم زَوائِد خارِجَة عَنهُ وفي الآخر نقرا غائصة فِيهِ مُوافقَة لشكل تِلْكَ الزَّوائِد ليدْخل فِيها وينطبق عَلَيْها فَإذا أرادَ العَبْد أن يُحَرك جُزْء من بدنه لم يمْتَنع عَلَيْهِ ولَوْلا المفاصل لتعذر ذَلِك عَلَيْهِ وتَأمل كَيْفيَّة خلق الراس وكَثْرَة ما فِيهِ من العِظام حَتّى قيل إنَّها خَمْسَة وخَمْسُونَ عظما مُخْتَلفَة الأشكال والمقادير والمَنافِع وكَيف رَكبه سُبْحانَهُ وتَعالى {على البدن وجعله عالِيا علو الرّاكِب على مركوبه ولما كانَ عالِيا على البدن جعل فِيهِ الحَواس الخمس وآلات الإدراك كلها من السّمع والبَصَر والشم والذوق واللمس وجعل حاسة البَصَر في مقدمه ليَكُون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وركب كل عين من سبع طَبَقات لكل طبقَة وصف مَخْصُوص ومِقْدار مَخْصُوص ومَنفَعَة مَخْصُوصَة لَو فقدت طبقَة من تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع أوْ زالَت عَن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عَن الأبصار ثمَّ اركز سُبْحانَهُ داخل تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع خلقا عجيبا وهو إنْسان العين بِقدر العدسة يبصر بِهِ ما بَين المشرق والمغْرب والأرض والسَّماء وجعلهمن العين بِمَنزِلَة القلب من الأعضاء فهوملكها وتلك الطَّبَقات والأجفان والأهداب خدم لَهُ وحجاب وحراس فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ فانْظُر كَيفَ حسن شكل العَينَيْنِ وهيئتها ومقدارهما ثمَّ جملهما بالأجفان غطاء لَهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عَن العين الأذى والقذا والغُبار ويكنانهما من البارِد المؤذي والحار المؤذي ثمَّ غرس في أطراف تِلْكَ الأجفان الأهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وراء الجمال والزينة ثمَّ أودعهما ذَلِك النُّور الباصر والضوء الباهر الَّذِي يخرق ما بَين السَّماء والأرض ثمَّ يخرق السَّماء مجاوزا لرؤية ما فَوْقها من الكَواكِب وقد أودع سُبْحانَهُ هَذا السِّرّ العجيب في هَذا المِقْدار الصَّغِير بِحَيْثُ تنطبع فِيهِ صُورَة السَّماوات مَعَ اتساع أكنافها وتباعد أقطارها وشق لَهُ السّمع وخلق الأذن أحسن خلقه وأبلغها في حُصُول المَقْصُود مِنها فَجَعلها مجوفة كالصدفة لِتجمع الصَّوْت فتؤديه إلى الصماخ وليحس بدبيب الحَيَوان فِيها فيبادر إلى اخراجه وجعل فِيها غضونا وتجاويف واعوجاجات تمسك الهَواء والصَّوْت الدّاخِل فتكسر حِدته ثمَّ تُؤَدِّيه إلى الصماخ ومن حِكْمَة ذَلِك أن يطول بِهِ الطَّرِيق على الحَيَوان فَلا يصل إلى الصماخ حَتّى يَسْتَيْقِظ أوْ ينتبه لإمساكه وفِيه أيضا حكم غير ذَلِك ثمَّ اقْتَضَت حِكْمَة الرب الخالِق سُبْحانَهُ أن جعل ماء الأذن مرا في غايَة المرارة فَلا يُجاوِزهُ الحَيَوان ولا يقطعهُ داخِلا إلى باطِن الأذن بل إذا وصل إليه اعْمَلْ الحِيلَة في رُجُوعه وجعل ماء العَينَيْنِ ملحا ليحفظها فَإنَّها شحمة قابِلَة للْفَساد فَكانَت ملوحة مائِها صِيانة لَها وحفظا وجعل ماء الفَم عذبا حلوا ليدرك بِهِ طعوم الأشياء على ما هي عَلَيْهِ إذْ لَو كانَ على غير هَذِه الصّفة لاحالها إلى طَبِيعَته كَما أن من عرض لفمه المرارة اسْتمرّ طعم الأشياء الَّتِي لَيست بِمرَّة كَما قيل ؎وَمن يَك ذا فَم مر مَرِيض ∗∗∗ يجد مرا بِهِ الماء الزلالا وَنصب سُبْحانَهُ قَصَبَة الأنف في الوَجْه فَأحْسن شكله وهيأته ووَضعه وفتح فِيهِ المنخرين وحجز بَينهما بحاجز وأودع فيهما حاسة الشم الَّتِي تدْرك بها أنواع الروائح الطّيبَة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق بِهِ الهَواء فيوصله إلى القلب فيتروح بِهِ ويتغذي بِهِ ثمَّ لم يَجْعَل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما جعل في الأذن لِئَلّا يمسك الرّائِحَة فيضعفها ويقطع مجْراها وجعله سُبْحانَهُ مصبا تنحدر إليه فضلات الدِّماغ فتجتمع فِيهِ ثمَّ تخرج مِنهُ واقتضت حكمته أن جعل اعلاه ادق من أسفله لأن أسفله إذا كانَ واسِعًا اجْتمعت فِيهِ تِلْكَ الفضلات فَخرجت بسهولة ولأنه يَأْخُذ من الهَواء ملأهُ ثمَّ يتصاعد في مجْراه قَلِيلا حَتّى يصل إلى القلب وصُولا لا يضرّهُ ولا يزعجه ثمَّ فصل بَين المنخرين بحاجز بَينهما حِكْمَة مِنهُ ورَحْمَة فَإنَّهُ لما كانَ قَصَبَة ومجرى ساترا لما يتحدر فِيهِ من فضلات الراس ومجرى النَّفس الصاعد مِنهُ جعل في وسطه حاجزا لِئَلّا يفْسد بِما يجرى فِيهِ فَيمْنَع نشقه للنَّفس بل إمّا أن تعتمد الفضلات نازلة من أحد المنفذين في الغالِب فَيبقى الآخر للتنفس وإمّا أن يجرى فيهما فينقسم فَلا ينسد الأنف جملَة بل يبْقى فِيهِ مدْخل للتنفس وأيضا فَإنَّهُ لما كانَ عضوا واحِدًا وحاسة واحِدَة ولم يكن عضوين وحاستين كالأذنين والعينين اللَّتَيْنِ اقْتَضَت الحِكْمَة تعددهما فَإنَّهُ رُبما أصيبت أحداهما اوعرضت لَها آفَة تمنعها من كمالها فَتكون الأخرى سالِمَة فَلا تتعطل مَنفَعَة هَذا الحس جملَة وكانَ وجود أنفين في الوَجْه شَيْئا ظاهرا فنصب فِيهِ انفا واحِدًا وجعل فِيهِ منفذين حجز بَينهما بحاجز يجرى مجْرى تعدد العَينَيْنِ والأذنين في المَنفَعَة وهو واحِد فَتَبارَكَ الله رب العالمين وأحسن الخالِقِينَ وشق سُبْحانَهُ للْعَبد الفَم في أحسن مَوضِع واليقه بِهِ وأودع فِيهِ من المَنافِع وآلات الذَّوْق والكَلام وآلات الطَّحْن والقطع ما يبهر العُقُول عجائبه فأودعه اللِّسان الَّذِي هو أحد آياته الدّالَّة عَلَيْهِ وجعله ترجمانا لملك الأعضاء مُبينًا مُؤديا عَنهُ كَما جعل الأذن رَسُولا مُؤديا مبلغا إليه فَهي رَسُوله وبريده الَّذِي يُؤَدِّي إليه الإخبار واللِّسان بريده ورَسُوله الَّذِي يُؤَدِّي عَنهُ ما يُرِيد واقتضت حكمته سُبْحانَهُ أن جعل هَذا الرَّسُول مصونا مَحْفُوظًا مَسْتُورا غير بارز مَكْشُوف كالأذن والعين والأنف لأن تِلْكَ الأعضاء لما كانَت تُؤدِّي من الخارِج إليه جعلت بارزة ظاهِرَة ولما كانَ اللِّسان مُؤديا مِنهُ إلى الخارِج جعل لَهُ سترا مصونا لعدم الفائِدَة في إبرازه لأنه لا يَأْخُذ من الخارِج إلى القلب وأيْضًا فَلِأنَّهُ لما كانَ أشرف الأعضاء بعدالقلب ومنزلته مِنهُ منزلَة ترجمانه ووزيره ضرب عَلَيْهِ سرادق تستره وتصونه وجعل في ذَلِك السرادق كالقلب في الصَّدْر وأيضا فَإنَّهُ من الطف الأعضاء والينها وأشدها رُطُوبَة وهو لا يتَصَرَّف إلّا بِواسِطَة الرُّطُوبَة المحيطة بِهِ فَلَو كانَ بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانِع لَهُ من التَّصَرُّف ولغير ذَلِك من الحكم والفوائد ثمَّ زين سُبْحانَهُ الفَم بِما فِيهِ من الأسنان الَّتِي هن جمال لَهُ وزينة وبها قوام العَبْد وغذاؤه وجعل بَعْضها ارحاء للطحن وبَعضها آلَة للْقطع فاحكم أصولها وحدد رؤسها وبيض لَوْنها ورتب صفوفها مُتَساوِيَة الرؤس متناسقة التَّرْتِيب كَأنَّها الدّرّ المنظوم بَياضًا وصفاء وحسنا وأحاط سُبْحانَهُ على ذَلِك حائطين وأودعهما من المَنافِع والحكم ما أودعهما وهما الشفتان فَحسن لونهما وشكلهما ووَضعهما وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا لَهُ وجعلهما إتماما لمخارج حُرُوف الكَلام ونِهايَة لَهُ كَما جعل اقصى الحلق بداية لَهُ واللِّسان وما جاوره وسطا ولِهَذا كانَ أكثر العَمَل فِيها لَهُ إذْ هو الواسِطَة واقتضت حكمته أن جعل الشفتين لَحْمًا صرفا لا عظم فِيهِ ولا عصب ليتَمَكَّن بهما من مص الشَّراب ويسهل عَلَيْهِ فتحهما وطبقهما وخص الفك الأسفل بِالتَّحْرِيكِ لأن تَحْرِيك الاخف أحسن ولأنه يشْتَمل على الأعضاء الشَّرِيفَة فَلم يخاطر بها في الحَرَكَة وخلق سُبْحانَهُ الحَناجِر مُخْتَلفَة الأشكال في الضّيق والسعَة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول والقصر فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اخْتِلاف ولا يكاد يشْتَبه صوتان إلّا نادرا ولِهَذا كانَ الصَّحِيح قبُول شَهادَة الأعمى لتمييزه بَين الاشخاص بأصواتهم كَما يُمَيّز البَصِير بَينهم بصورهم والاشتباه العارِض بَين الأصوات كالاشتباه العارِض بَين الصُّور وزين سُبْحانَهُ الرَّأْس بالشعر وجعله لباسا لَهُ لاحتياجه إليه وزين الوَجْه بِما أنبت فِيهِ من الشُّعُور المُخْتَلفَة الأشكال والمقادير فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس إلى العَينَيْنِ وقوسهما وأحسن خطهما وزين أجفاف العَينَيْنِ بالأهداب وزين الوَجْه أيضا باللحية وجعلها كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بِما أنبت فَوْقهما من الشّارِب وتحتهما من العنفقة وكَذَلِكَ خلقه سُبْحانَهُ لِلْيَدَيْنِ اللَّتَيْنِ هما آلَة العَبْد وسلاحه ورَأس مال معاشه فطولهما يحيث يصلان إلى ما شاءَ من بدنه وعرض الكَفّ ليتَمَكَّن بِهِ من القَبْض والبسط وقسم فِيهِ الأصابع الخمس وقسم كل أصبع بِثَلاث أنامل والإبهام بِاثْنَتَيْنِ ووضع الأصابع الأربعة في جانب والابهام في جانب لتدور الابهام على الجَمِيع فَجاءَت على أحسن وضع صلحت بِهِ للقبض والبسط ومباشرة الأعمال ولَو اجْتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق أفكارهم وضعا آخر للأصابع سوى ما وضعت عَلَيْهِ لم يَجدوا إليه سَبِيلا فَتَبارَكَ من لَو شاءَ لسواها وجعلها طبقًا واحِدًا كالصفيحة فَلم يتَمَكَّن العَبْد بذلك من مصالحة وأنواع تَصَرُّفاته ودقيق الصَّنائِع والخط وغير ذَلِك فَإن بسط أصابعه كانَت طبقًا يضع عَلَيْهِ ما يُرِيد وأن ضمها وقَبضها كانَت دبوسا وآلَة للضرب وأن جعلها بَين الضَّم والبسط كانَت مغرفة لَهُ يتَناوَل بها وتمسك فِيها ما يتَناوَلهُ وركب الأظفار على رؤسها زِينَة لَها وعمادا ووقاية وليلتقط بها الأشياء الدقيقة الَّتِي لا ينالها جسم الأصابع وجعلها سِلاحا لغيره من الحَيَوان والطير وآلَة لمعاشه وليحك الإنسان بها بدنه عند الحاجة فالظفر الَّذِي هو أقل الأشياء وأحقرها لَو عَدمه الإنسان ثمَّ ظَهرت بِهِ حكة لاشتدت حاجته إليه ولم يقم مقامه شَيْء في حك بدنه ثمَّ هدى اليَد إلى مَوضِع الحك حَتّى تمتد إليه ولَو في النّوم والغفلة من غير حاجَة إلى طلب ولَو اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ لم يعثر على مَوضِع الحك إلا بعد تَعب ومشقة ثمَّ انْظُر إلى الحِكْمَة البالِغَة في جعل عِظام أسفل البدن غَلِيظَة قَوِيَّة لأنها أساس لَهُ وعِظام أعاليه دونها في الثخانة والصلابة لأنها مَحْمُولَة ثمَّ انْظُر كَيفَ جعل الرَّقَبَة مركبا للرأس وركبها من سبع خَرَزات مجوفات مستديرات ثمَّ طبق بَعْضها على بعض وركب كل خرزة تركيبا محكما متقنا حَتّى صارَت كَأنَّها خرزة واحِدَة ثمَّ ركب الرَّقَبَة على الظّهْر والصدر ثمَّ ركب الظّهْر من أعْلاهُ إلى مُنْتَهى عظم العَجز من أربع وعشْرين خرزة مركبة بَعْضها في بعض هي مجمع اضلاعه والَّتِي تمسكها أن تنْحَل وتنفصل ثمَّ وصل تِلْكَ العِظام بَعْضها بِبَعْض فوصل عِظام الظّهْر بعظام الصَّدْر وعِظام الكَتِفَيْنِ بعظام العضدين والعضدين بالذراعين والذراعين بالكف والأصابع وانْظُر كَيفَ كسا العِظام العريضة كعظام الظّهْر والراس كسْوَة من اللَّحْم تناسبها والعِظام الدقيقة كسْوَة تناسبها كالأصابع والمتوسطة كَذَلِك كعظام الذراعين والعضدين فَهو مركب على ثَلاثمِائَة وسِتِّينَ عظما مِائَتان وثَمانِية وأرْبَعُونَ مفاصل وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل فَلَو زادَت عظما واحِدًا لَكانَ مضرَّة على الإنسان يحْتاج إلى قلعة ولَو نقصت عظما واحِدًا كانَ نُقْصانا يحْتاج إلى جبره فالطبيب ينظر في هَذِه العِظام وكَيْفِيَّة تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها والعارف ينظر فِيها ليستدل بها على عَظمَة باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه وكم بَين النظرين ثمَّ أنه سُبْحانَهُ ربط تِلْكَ الأعضاء والأجزاء بالرباطات فَشد بها أسرها وجعلها كالاوتاد تمسكها وتحفظها حَتّى بلغ عَددها إلى خَمْسمِائَة وتِسْعَة وعشْرين رِباطًا وهِي مُخْتَلفَة في الغلظ والدقة والطول والقصر والاستقامة والانحناء بِحَسب اخْتِلاف مواضعها ومحالها فَجعل مِنها أربعة وعشْرين رِباطًا آلَة لتحريك العين وفتحها وضمّها وإبصارها لَو نقضت مِنهُنَّ رِباطًا واحِدًا اخْتَلَّ أمر العين وهَكَذا لكل عُضْو من الأعضاء رباطات هن لَهُ كالآلات الَّتِي بها يَتَحَرَّك ويتصرف ويفْعل كل ذَلِك صنع الرب الحَكِيم وتَقْدِير العَزِيز العَلِيم في قَطْرَة ماء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين ومن عجائب خلقه أنه جعل في الراس ثَلاث خَزائِن نافِذا بَعْضها إلى بعض خزانَة في مقدمه وخزانة في وسطه وخزانة في آخِره وأودع تِلْكَ الخزائن من أسراره ما أودعها من الذّكر والفكر والتعقل ومن عجائب خلقه ما فِيهِ من الأمور الباطِنَة الَّتِي لا تشاهد كالقلب والكبد والطحال والرئة والأمعاء والمثانة وسائِر ما في بَطْنه من الآلات العجيبة والقوى المتعددة المُخْتَلفَة المَنافِع فَأما القلب فَهو الملك المُسْتَعْمل لجَمِيع آلات البدن والمستخدم لَها فَهو محفوف بها محشود مخدوم مُسْتَقر في الوسط وهو أشرف أعضاء البدن وبِه قوام الحَياة وهو منبع الرّوح الحيواني والحرارة الغريزية وهو مَعْدن العقل والعلم والحلم والشجاعة والكَرم والصَّبْر والِاحْتِمال والحب والإرادة والرِّضا والغَضَب وسائِر صِفات الكَمال فَجَمِيع الأعضاء الظّاهِرَة والباطنة وقواها إنما هي جند من اجناد القلب فَإن العين طليعته ورائده الَّذِي يكْشف لَهُ المرئيات فَإن رَأتْ شَيْئا أدته إليه ولشدة الارتباط الَّذِي بَينها وبَينه إذا اسْتَقر فِيهِ شَيْء ظهر فِيها فَهي مرآته المترجمة للنّاظِر ما فِيهِ كَما أن اللِّسان ترجمانه المُؤَدِّي للسمع ما فِيهِ ولِهَذا كثيرا ما يقرن سُبْحانَهُ في كِتابه بَين هَذِه الثَّلاث كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وقَوله ﴿وَجَعَلنا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ وقَوله ﴿صم بكم عمي﴾ وقد تقدم ذَلِك وكَذَلِكَ يقرن بَين القلب والبَصَر كَقَوْلِه ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ وقَوله في حق رَسُوله مُحَمَّد ما كذب الفُؤاد وما رأى ثمَّ قالَ ﴿ما زاغ البَصَر وما طَغى﴾ وَكَذَلِكَ الأذن هي رَسُوله المُؤَدي إليه وكَذَلِكَ اللِّسان ترجمانه وبِالجُمْلَةِ فسائر الأعضاء خدمه وجُنُوده وقالَ النَّبِي إلا أن في الجَسَد مُضْغَة إذا صلحت صلح لَها سائِر الجَسَد وإذا فَسدتْ فسد لَها سائِر الجَسَد إلّا وهِي القلب وقالَ أبو هُرَيْرَة القلب ملك والأعضاء جُنُوده فإن طابَ الملك طابت جُنُوده وإذا خبث الملك خبثت جُنُوده وجعلت الرئة لَهُ كالمروحة تروح عَلَيْهِ دائِما لأنه أشد الأعضاء حرارة بل هو منبع الحَرارَة. وأما الدِّماغ وهو المخ فَإنَّهُ جعل بارِدًا واخْتلف في حِكْمَة ذاك فَقالَت طائِفَة إنَّما كانَ الدِّماغ بارِد التبريد الحَرارَة الَّتِي في القلب ليردها عَن الافراط إلى الِاعْتِدال وردت طائِفَة هَذا وقالَت لَو كانَ كَذَلِك لم يكن الدِّماغ بَعيدا عَن القلب بل كانَ يَنْبَغِي أن يُحِيط بِهِ كالرئة أوْ يكون قَرِيبا مِنهُ في الصَّدْر ليكسر حرارته قالَت الفرْقَة الأولى بعدالدماغ من القلب لا يمْنَع ما ذَكرْناهُ من الحِكْمَة لأنه لَو قرب مِنهُ لغلبته حرارة القلب بقوتها فَجعل البعد بَينهما بِحَيْثُ لا يتفاسدان وتعتدل كَيْفيَّة كل واحِد مِنهُما بكيفية الآخر وهَذا بِخِلاف الرئة فَإنَّها آلَة للترويح على القلب لم تجْعَل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أُخْرى وقالَت بل المخ حار لكنه فاتر الحَرارَة وفِيه تبريد بالخاصية فَإنَّهُ مبدأ للذهن ولِهَذا كانَ الذِّهْن يحْتاج إلى مَوضِع ساكن قار صاف عَن الاقذار والكدر خال من الجلبة والزجل ولذَلِك يكون جودة الفِكر والتذكر واستخراج الصَّواب عند سُكُون البدن وفتور حركاته وقلة شواغله ومزعجاته ولذَلِك لم يصلح لَها القلب وكانَ الدِّماغ معتدلا في ذَلِك صالحا لَهُ ولذَلِك تجود هَذِه الأفعال في اللَّيْل وفي المَواضِع الخالية وتفسد عند التهاب نار الغَضَب والشهوة وعند الهم الشَّديد ومَعَ التَّعَب والحركات القوية البَدَنِيَّة والنفسانية وهَذا بحث مُتَّصِل بقاعدة أخرى وهِي أن الحَواس والعقل هَل مبدؤها القلب والدماغ فَقالَت طائِفَة مبدؤها كلها القلب وهِي مرتبطة بِهِ وبَينه وبَين الحَواس منافذ وطرق قالُوا وكل واحِد من هَذِه الأعضاء الَّتِي هي آلات الحَواس لَهُ اتِّصال بِالقَلْبِ بأعصاب وغير ذَلِك وهَذِه الأعصاب تخرج من القلب إلى أن تَأتي إلى كل واحِد من هَذِه الأجسام الَّتِي فِيها هَذِه الحَواس قالُوا فالعين إذا أبصرت شَيْئا أدته بالالة الَّتِي فِيها إلى القلب لأن هَذِه الالة مُتَّصِلَة مِنها إلى القلب والسمع إذا احس صَوتا اداه إلى القلب وكَذَلِكَ كل حاسة ثمَّ اوردوا على أنفسهم سؤالا فَقالُوا أن قيل كَيفَ يجوز أن يكون عُضْو واحِد على ضروب من الامتزاج يمده عدَّة حواس مُخْتَلفَة وأجسام هَذِه الحَواس مُخْتَلفَة وقُوَّة كل حاسة مُخالفَة لقُوَّة الحاسة الأخرى وأجابوا عَن ذَلِك بِأن جَمِيع العُرُوق الَّتِي في البدن كلها مُتَّصِلَة بِالقَلْبِ إمّا بِنَفسِها وإمّا بِواسِطَة فَما من عرق ولا عُضْو الأوله اتِّصال بِالقَلْبِ اتِّصالًا قَرِيبا أوْ بَعيدا قالُوا وينبعث مِنهُ في تِلْكَ العُرُوق والمجاري إلى كل عُضْو ما بناسبه ويشاكله فينبعث مِنهُ إلى العَينَيْنِ ما يكون مِنهُ حس البَصَر وإلى الأذنين ما يدْرك بِهِ المسموعات وإلى اللَّحْم ما يكون مِنهُ حس اللَّمْس وإلى الأنف ما يكون بِهِ حس الشم وإلى اللِّسان ما يكون بِهِ حس الذَّوْق وإلى كل ذِي قُوَّة ما يمد قوته ويحفظها فَهو المعد لهَذِهِ الأعضاء والحواس والقوى ولِهَذا كانَ الراي الصَّحِيح أنه أول الأعضاء تكوينا قالُوا ولا ريب أن مبدأ القُوَّة العاقِلَة مِنهُ وإن كانَ قد خالف في ذَلِك آخَرُونَ وقالُوا بل العقل في الرَّأْس فالصَّواب أن مبدأه ومنشأه من القلب وفروعه وثمرته في الراس والقُرْآن قد دلّ على هَذا بقوله ﴿أفلم يَسِيرُوا في الأرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بها﴾ وقالَ ﴿إن في ذَلِك لذكرى لمن كانَ لَهُ قلب﴾ وَلم يرد بِالقَلْبِ هُنا مُضْغَة اللَّحْم المُشْتَركَة بَين الحَيَوانات بل المُراد ما فِيهِ من العقل واللب ونازعهم في ذَلِك طائِفَة أخرى وقالُوا مبدأ هَذِه الحَواس إنَّما هو الدِّماغ وانكروا أن يكون بَين القلب والعين والأذن والأنف أعصاب أوْ عروف وقالُوا هَذا كذب على الخلقَة والصَّواب التَّوَسُّط بَين الفَرِيقَيْنِ وهو أن القلب تنبعث مِنهُ قُوَّة إلى هَذِه الحَواس وهِي قُوَّة معنوية لا تحْتاج في وصولها إليه إلى مجار مَخْصُوصَة وأعصاب تكون حاملة لَها فَإن وُصُول القوى إلى هَذِه الحَواس والأعضاء لا يتَوَقَّف الأعلى قبُولها واستعداها وامداد القلب لا على مجار وأعصاب وبِهَذا يَزُول الالتباس في هَذا المقام الَّذِي طال فِيهِ الكَلام وكثر فِيهِ النزاع والخِصام والله أعْلَم وبِه التَّوْفِيق للصَّواب. والمَقْصُود التَّنْبِيه على أقل القَلِيل من وُجُوه الحِكْمَة الَّتِي في خلق الإنسان، والأمر أضعاف أضعاف ما يخْطر بالبال أوْ يجرى فِيهِ المقال وإنَّما فائِدَة ذكر هَذِه الشذرة الَّتِي هي كل شَيْء بِالنِّسْبَةِ إلى ما وراءَها التَّنْبِيه وإذا نظر العَبْد إلى غذائه فَقَط في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فِيهِ العبر والعجائب كَيفَ جعلت لَهُ آلَة يتَناوَل بها ثمَّ باب يدْخل مِنهُ ثمَّ آلَة تقطعه صغارًا ثمَّ طاحون يطحنه ثمَّ أعين بِماء يعجنه ثمَّ جعل لَهُ مجْرى وطريقا إلى جانب النَّفس ينزل هَذا ويصعد هَذا فَلا يَلْتَقِيانِ مَعَ غايَة القرب ثمَّ جعل لَهُ حوايا وطرقا توصله إلى المعدة فَهي خزانته ومَوْضِع اجتماعه ولها بابانِ باب أعلى يدْخل مِنهُ الطَّعام وباب أسفل يخرج مِنهُ تفله والباب الأعلى أوسع من الأسفل إذْ الأعلى مدْخل للحاصل والأسفل مصرف للضار مِنهُ والأسفل منطبق دائِما ليستقر الطَّعام في مَوْضِعه فَإذا انْتهى الهضم فَإن ذَلِك الباب ينفتح إلى انْقِضاء الدّفع ويُسمى البواب لذَلِك والأعلى يُسمى فَم المعدة والطَّعام ينزل إلى المعدة متكيمسا فَإذا اسْتَقر فِيها إنماع وذاب ويحيط بالمعدة من داخلها وخارجها حرارة نارية بل رُبما تزيد على حرارة النّار ينضج بها الطَّعام فِيها كَما ينضج الطَّعام في القدر بالنّار المحيطة بِهِ ولذَلِك يذيب ما هو مستحجر كالحصا وغَيره حَتّى يتْركهُ مائِعا فَإذا أذابته علا صَفوه إلى فَوق ورس كدره إلى أسفل ومن المعدة عروق مُتَّصِلَة بِسائِر البدن يبْعَث فِيها مَعْلُوم كل عُضْو وقوامه بِحَسب استعداه وقبوله فيبعث أشرف ما في ذَلِك والطفه واخفه إلى الأرواح فيبعث إلى البَصَر بصرا وإلى السّمع سمعا وإلى الشم شما وإلى كل حاسة بحسبها فَهَذا الطف ما يتَوَلَّد عَن الغذاء ثمَّ ينبعث مِنهُ إلى الدِّماغ ما يُناسِبه في اللطافة والاعتدال ثمَّ ينبعث من الباقِي إلى الأعضاء في تِلْكَ المجاري بحسبها وينبعث مِنهُ إلى العِظام والشعر والأظفار ما يغذيها ويحفظها فَيكون الغذاء داخِلا إلى المعدة من طرق ومجار وخارجا مِنها إلى الأعضاء من طرق ومجار هَذا وارِد إليها وهَذا صادر عَنْها حِكْمَة بالِغَة ونعمة سابغة ولما كانَ الغذاء إذا اسْتَحالَ في المعدة اسْتَحالَ دَمًا ومرَّة سَوْداء ومرَّة صفراء وبلغما اقْتَضَت حكمته سُبْحانَهُ وتَعالى {إن جعل لكل واحِد من هَذِه الأخلاط مصرفا ينصب إليه ويجتمع فِيهِ ولا ينبعث إلى الأعضاء الشَّرِيفَة إلا أكمله فَوضع المرارة مصبا للمرة الصَّفْراء ووضع الطحال مقرا للمرة السَّوْداء والكبد تمتص أشرف ما في ذَلِك وهو الدَّم ثمَّ تبعثه إلى جَمِيع البدن من عرق واحِد يَنْقَسِم على مجار كَثِيرَة يُوصل إلى كل واحِد من الشُّعُور والأعصاب والعِظام والعُرُوق ما يكون بِهِ قوامه ثمَّ إذا نظرت إلى ما فِيهِ من القوى الباطِنَة والظّاهِرَة المُخْتَلفَة في أنفسها ومنافعها رأيت العجب العجاب كقوة سَمعه وبصره وشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه ورضاهُ وغضبه وغير ذَلِك من القوى المُتَعَلّقَة بالإدراك والإرادة وكَذَلِكَ القوى المتصرفة في غذائه كالقوة المنضجة لَهُ وكالقوة الماسكة لَهُ والدافعة لَهُ إلى الأعضاء والقُوَّة الهاضمة لَهُ بعد أخذ الأعضاء حاجَتها مِنهُ إلى غير ذَلِك من عجائب خلقته الظّاهِرَة والباطنة. (فصل) فارْجِع الآن إلى النُّطْفَة وتَأمل حالها أولا وما صارَت إليه ثانِيًا، وأنه لَو اجْتمع الإنس والجِنّ على أن يخلقوا لَها سمعا أوْ بصرا أوْ عقلا أوْ قدرَة أوْ علما أوْ روحا بل عظما واحِدًا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها بل شَعْرَة واحِدَة لعجزوا عَن ذَلِك بل ذَلِك كُله آثار صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء في قَطْرَة من ماء مهين. فَمن هَذا صنعه في قَطْرَة ماء فَكيف صنعه في ملكوت السَّماوات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها وتفاوت مشارقها ومَغارِبها فَلا ذرة فِيها تنفك عَن حِكْمَة بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع العَجائِب من بدن الإنسان بل لا نِسْبَة لجَمِيع ما في الأرض إلى عجائب السَّماوات قالَ الله تَعالى ﴿أأنتم أشد خلقا أم السَّماء بناها رفع سمكها فسواها﴾. وقال في التبيان) ثم نبه سبحانه الإنسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق ومندفق، فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم، وعيشة راضية. وقيل هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل: - وهو الصواب - إنه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلًا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية، فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية ونبه سبحانه بكونه دافقًا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعًا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في الاحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد. الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الإحليل. الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد، ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه. الرابع أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ وهو يوم القيامة أي إن الله قادر على رجعه إليه حيًا في ذلك اليوم. الخامس أن الضمير في (رجعه) هو الضمير في قوله ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وهذا للإنسان قطعا لا للماء. السادس أنه لا ذكر للإحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه. السابع أن رد الماء إلى الإحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورًا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيًا أو إثباتًا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع. فإن قيل فقد قال تعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما هذا والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها البلى في التراب. الثامن أنه سبحانه دعا الإنسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده? عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله? بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء. التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الإحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلًا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر العاشر أنه سبحانه نبه بقوله ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ على أنه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾.

الطارق 86:8

الدّافِقُ عَلى بابِهِ، لَيْسَ فاعِلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما يَظُنُّهُ بَعْضُهُمْ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ ماءٍ جارٍ وواقِفٍ وساكِنٍ. وَلا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ. واخْتُلِفَ في التَّرائِبِ فَقِيلَ: المُرادُ بِها تَرائِبُهُ أيْضًا، وهي عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقِيلَ: المُرادُ تَرائِبُ المَرْأةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ يَخْرُجُ مِن الصُّلْبِ والتَّرائِبِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ماءُ الرَّجُلِ خارِجًا مِن بَيْنَ هَذَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ كَما قالَ في اللَّبَنِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والنُّطْفَةُ هي ماءُ الرَّجُلِ، كَذَلِكَ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والنُّطْفَةُ الماءُ الصّافِي قَلَّ أوْ كَثُرَ، والنُّطْفَةُ ماءُ الرَّجُلِ، والجَمْعُ نُطَفٌ. وَأيْضًا فَإنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالدَّفْقِ والنَّضْحِ إنّما هو ماءُ الرَّجُلِ، ولا يُقالُ نَضَحَتْ المَرْأةُ الماءَ ولا دَفَقَتْهُ، واَلَّذِي أوْجَبَ لِأصْحابِ القَوْلِ الآخَرِ ذَلِكَ أنَّهم رَأوْا أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: التَّرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ مِن الصَّدْرِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلى ذَلِكَ وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ: ؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ وَهَذا لا يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ التَّرائِبِ بِالمَرْأةِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّرائِبُ عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] الصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الإنْسانِ، أيْ إنّ اللَّهَ عَلى رَدِّهِ إلَيْهِ لَقادِرٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي يُبْلى فِيهِ السَّرائِرُ، ومَن قالَ: " إنّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الماءِ أيْ أنَّ اللَّهَ عَلى رَجْعِهِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصَّدْرِ أوْ حَبْسِهِ عَنْ الخُرُوجِ لَقادِرٌ " فَقَدْ أبْعَدَ، وإنْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ السِّياقَ يَأْباهُ، وطَرِيقَةُ القُرْآنُ - وهي الِاسْتِدْلال بِالمَبْدَإ والنَّشْأةِ الأُولى عَلى المَعادِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ - وأيْضًا فَإنَّهُ قَيَّدَهُ بِالظَّرْفِ، وهو ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَعا الإنْسانَ أنْ يَنْظُرَ في مَبْدَأِ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّهُ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى مَعادِهِ ورُجُوعِهِ إلى رَبِّهِ. وقال في (تحفة المودود) قال الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: التربة، موضع القلادة من الصدر، والجمع: ترائب. وقال أبو عبيدة: الترائب معلق الحلق من الصدر، وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. يريد صلب الرجل وترائب المرأة. وهو موضع قلادتها، وهو قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث، وبذلك أجرى الله العادة في إيجاد ما يوجده من أصلين، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء. ولهذا قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ فإن الولد لا يكون إلا من بين الذكر وصاحبته. ولا ينقض هذا بآدم وحواء أبوينا، ولا بالمسيح، فإن الله سبحانه خلط تراب آدم بالماء حتى صار طينا، ثم أرسل الله الهواء والشمس عليه حتى صار كالفخار، ثم نفخ فيه الروح، وكانت حواء مستلّة منه، وجزءا من أجزائه. والمسيح خلق من ماء مريم، ونفخ الملك. فكانت النفخة له كالأب لغيره. (لطائف وفوائد) روى قيس بن الربيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب". وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم". وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، وكانت من المهاجرات الأول: "لَمْ أسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلمَ يُرَخِّصُ في شَيء مَّمِا يَقُولُ النّاسُ إنّهُ كَذِبٌ إلا في ثَلاثٍ: الرَّجُل يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، والَّرجُلِ يَكْذِبُ لامْرَأتِه، والكَذِبِ في الحَرْبِ". ومعنى الكذب في ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب. وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا، وقد لقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طليعة للمشركين، وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: "ممَّنْ أنْتُمْ؟ فقالَ النَّبُي صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ: نَحْنَ مِن ماءٍ. فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: أحْياءُ اليَمَنِ كَثِيرٌ، لَعَلّهم منهم، وانْصَرَفُوا". وأراد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله "نحن من ماء" قوله تعالى: ﴿خُلقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. ولما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها في عنقك. فقال ما فعلت؟ فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن. فقال: ؎شَهِدْتُ بأنّ وعْدَ اللهِ حَق ∗∗∗ وأنّ النّارَ مَثْوى الكافِرينا ؎وَأنّ العَرْش فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَ ؎وَتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلهِ مُسَوَّمِينا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة. ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض، كيف يكذب؟ ودُعيَ أبو هريرة رضي الله عنه إلى طعام فقال: "إني صائم ثم رأوه يأكل. فقالوا: ألم تقل: إني صائم؟ فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ صِيامُ الدَّهرِ". وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه، قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذي يليه، وإنما أراد يومي الدنيا والآخرة. (فصل) وَإذا تَأمَّلت ما دعى الله سُبْحانَهُ في كِتابه عباده إلى الفِكر فِيهِ أوقعك على العلم بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبوحدانيته وصفات كَماله ونعوت جَلاله من عُمُوم قدرته وعلمه وكَمال حكمته ورَحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاهُ وغضبه وثوابه وعقابه فَبِهَذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته ونَذْكُر لذَلِك امثلة مِمّا ذكرها الله سُبْحانَهُ في كِتابه يسْتَدلّ بها على غَيرها فَمن ذَلِك خلق الإنسان وقد ندب سُبْحانَهُ إلى التفكر فِيهِ والنَّظَر في غير مَوضِع من كِتابه كَقوله تَعالى: ﴿فَلْينْظر الإنْسان مِم خلق﴾ وَقوله تَعالى: ﴿وَفِي أنفسكُم أفلا تبصرون﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وَقالَ تَعالى ﴿أيحسب الإنْسان أن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كانَ علقَة فخلق فسوى فَجعل مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر والأُنْثى ألَيْسَ ذَلِك بِقادِر على أن يحيي المَوْتى﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قَرار مكين إلى قدر مَعْلُوم فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَقالَ ﴿أولم ير الإنْسان أنا خلقناه من نُطْفَة فَإذا هو خصيم مُبين﴾ وَقالَ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤)﴾ وهَذا كثير في القُرْآن يَدْعُو العَبْد إلى النّظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذْ نَفسه وخلقه من أعظم الدَّلائِل على خالقه وفاطره وأقرب شَيْء إلى الإنسان نَفسه وفِيه من العَجائِب الدّالَّة على عَظمَة الله ما تَنْقَضِي الأعمار في الوُقُوف على بعضه وهو غافل عَنهُ معرض عَن التفكر فِيهِ ولَو فكر في نَفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عَن كفره قالَ الله تَعالى ﴿قتل الإنْسان ما أكفره من أي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أماتَهُ فأقبره ثمَّ إذا شاءَ أنشره﴾ فَلم يُكَرر سُبْحانَهُ على أسماعنا وعقولنا ذكر هَذا لنسمع لفظ النُّطْفَة والعلقة والمضغة والتُّراب ولا لنتكلم بها فَقَط ولا لمُجَرّد تعريفنا بذلك بل لأمر وراء ذَلِك كُله هو المَقْصُود بِالخِطابِ واليه جرى ذَلِك الحَدِيث فانْظُر الآن إلى النُّطْفَة بِعَين البصيرة وهِي قَطْرَة من ماء مهين ضَعِيف مستقذر لَو مرت بها ساعَة من الزَّمان فَسدتْ وانتنت كَيفَ استخرجها رب الأرباب العَلِيم القَدِير من بَين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واخْتِلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها وكَيف جمع سُبْحانَهُ بَين الذّكر والأنثى وألقى المحبَّة بَينهما وكَيف قادهما بسلسلة الشَّهْوَة والمحبة إلى الِاجْتِماع الَّذِي هو سَبَب تخليق الوَلَد وتكوينه وكَيف قدر اجْتِماع ذَيْنك الماءين مَعَ بعد كل مِنهُما عَن صاحبه وساقهما من اعماق العُرُوق والأعضاء وجمعهما في مَوضِع واحِد جعل لَهما قرارا مكينا لا يَنالهُ هَواء يُفْسِدهُ ولا برد بِحَمْدِهِ ولا عارض يصل إليه ولا آفَة تتسلط عَلَيْهِ ثمَّ قلب تِلْكَ النُّطْفَة البَيْضاء المشْربَة علقَة حَمْراء تضرب إلى سَواد ثمَّ جعلها مُضْغَة لحم مُخالفَة للعلقة في لَوْنها وحقيقتها وشكلها ثمَّ جعله عظاما مُجَرّدَة لا كسْوَة عَلَيْها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وانْظُر كَيفَ قسم تِلْكَ الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعِظام والعُرُوق والاوتار واليابس واللين وبَين ذَلِك ثمَّ كَيفَ ربط بَعْضها بِبَعْض أقوى رِباط وأشده وأبعده عَن الانحلال وكَيف كساها لَحْمًا رَكبه عَلَيْها وجعله وعاء لَها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة لَهُ مُقِيمَة لَهُ فاللحم قائِم بها وهِي مَحْفُوظَة بِهِ وكَيف صورها فأحسن صورها وشق لَها السّمع والبَصَر والفم والأنف وسائِر المنافذ ومد اليَدَيْنِ والرّجلَيْنِ وبسطهما وقسم رؤسهما بالأصابع ثمَّ قسم الأصابع بالأنامل وركب الأعضاء الباطِنَة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحِد مِنها لَهُ قدر يَخُصُّهُ ومَنفَعَة تخصه ثمَّ انْظُر الحِكْمَة البالِغَة في تركيب العِظام قوأما للبدن وعمادا لَهُ وكَيف قدرها ربه وخالقها بتقادير مُخْتَلفَة وأشكال مُخْتَلفَة فَمِنها الصَّغِير والكَبِير والطويل والقصير والمنحنى والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف وكَيف ركب بَعْضها في بعض فَمِنها ما تركيبه تركيب الذّكر في الأنثى ومِنها ما تركيبه تركيب اتِّصال فَقَط وكَيف اخْتلفت أشكالها باخْتلاف مَنافِعها كالأضراس فَإنَّها لما كانَت آلَة للطحن جعلت عريضة ولما كانَت الأسنان آلَة للْقطع جعلت مستدقة محددة ولما كانَ الإنسان مُحْتاجا إلى الحَرَكَة بجملة بدنه وببعض أعضائه للتردد في حاجته لم يَجْعَل عِظامه عظما واحِدًا بل عظاما مُتعَدِّدَة وجعل بَينها مفاصل حَتّى تتيسر بها الحَرَكَة وكانَ قدر كل واحِد مِنها وشكله على حسب الحَرَكَة المَطْلُوبَة مِنهُ وكَيف شدّ اسر تِلْكَ المفاصل والأعضاء وربط بَعْضها بِبَعْض بأوتار ورباطات انبتها من أحد طرفِي العظم والصق أحد طرفِي العظم بالطرف الآخر كالرباط لَهُ ثمَّ جعل في أحد طرفِي العظم زَوائِد خارِجَة عَنهُ وفي الآخر نقرا غائصة فِيهِ مُوافقَة لشكل تِلْكَ الزَّوائِد ليدْخل فِيها وينطبق عَلَيْها فَإذا أرادَ العَبْد أن يُحَرك جُزْء من بدنه لم يمْتَنع عَلَيْهِ ولَوْلا المفاصل لتعذر ذَلِك عَلَيْهِ وتَأمل كَيْفيَّة خلق الراس وكَثْرَة ما فِيهِ من العِظام حَتّى قيل إنَّها خَمْسَة وخَمْسُونَ عظما مُخْتَلفَة الأشكال والمقادير والمَنافِع وكَيف رَكبه سُبْحانَهُ وتَعالى {على البدن وجعله عالِيا علو الرّاكِب على مركوبه ولما كانَ عالِيا على البدن جعل فِيهِ الحَواس الخمس وآلات الإدراك كلها من السّمع والبَصَر والشم والذوق واللمس وجعل حاسة البَصَر في مقدمه ليَكُون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وركب كل عين من سبع طَبَقات لكل طبقَة وصف مَخْصُوص ومِقْدار مَخْصُوص ومَنفَعَة مَخْصُوصَة لَو فقدت طبقَة من تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع أوْ زالَت عَن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عَن الأبصار ثمَّ اركز سُبْحانَهُ داخل تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع خلقا عجيبا وهو إنْسان العين بِقدر العدسة يبصر بِهِ ما بَين المشرق والمغْرب والأرض والسَّماء وجعلهمن العين بِمَنزِلَة القلب من الأعضاء فهوملكها وتلك الطَّبَقات والأجفان والأهداب خدم لَهُ وحجاب وحراس فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ فانْظُر كَيفَ حسن شكل العَينَيْنِ وهيئتها ومقدارهما ثمَّ جملهما بالأجفان غطاء لَهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عَن العين الأذى والقذا والغُبار ويكنانهما من البارِد المؤذي والحار المؤذي ثمَّ غرس في أطراف تِلْكَ الأجفان الأهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وراء الجمال والزينة ثمَّ أودعهما ذَلِك النُّور الباصر والضوء الباهر الَّذِي يخرق ما بَين السَّماء والأرض ثمَّ يخرق السَّماء مجاوزا لرؤية ما فَوْقها من الكَواكِب وقد أودع سُبْحانَهُ هَذا السِّرّ العجيب في هَذا المِقْدار الصَّغِير بِحَيْثُ تنطبع فِيهِ صُورَة السَّماوات مَعَ اتساع أكنافها وتباعد أقطارها وشق لَهُ السّمع وخلق الأذن أحسن خلقه وأبلغها في حُصُول المَقْصُود مِنها فَجَعلها مجوفة كالصدفة لِتجمع الصَّوْت فتؤديه إلى الصماخ وليحس بدبيب الحَيَوان فِيها فيبادر إلى اخراجه وجعل فِيها غضونا وتجاويف واعوجاجات تمسك الهَواء والصَّوْت الدّاخِل فتكسر حِدته ثمَّ تُؤَدِّيه إلى الصماخ ومن حِكْمَة ذَلِك أن يطول بِهِ الطَّرِيق على الحَيَوان فَلا يصل إلى الصماخ حَتّى يَسْتَيْقِظ أوْ ينتبه لإمساكه وفِيه أيضا حكم غير ذَلِك ثمَّ اقْتَضَت حِكْمَة الرب الخالِق سُبْحانَهُ أن جعل ماء الأذن مرا في غايَة المرارة فَلا يُجاوِزهُ الحَيَوان ولا يقطعهُ داخِلا إلى باطِن الأذن بل إذا وصل إليه اعْمَلْ الحِيلَة في رُجُوعه وجعل ماء العَينَيْنِ ملحا ليحفظها فَإنَّها شحمة قابِلَة للْفَساد فَكانَت ملوحة مائِها صِيانة لَها وحفظا وجعل ماء الفَم عذبا حلوا ليدرك بِهِ طعوم الأشياء على ما هي عَلَيْهِ إذْ لَو كانَ على غير هَذِه الصّفة لاحالها إلى طَبِيعَته كَما أن من عرض لفمه المرارة اسْتمرّ طعم الأشياء الَّتِي لَيست بِمرَّة كَما قيل ؎وَمن يَك ذا فَم مر مَرِيض ∗∗∗ يجد مرا بِهِ الماء الزلالا وَنصب سُبْحانَهُ قَصَبَة الأنف في الوَجْه فَأحْسن شكله وهيأته ووَضعه وفتح فِيهِ المنخرين وحجز بَينهما بحاجز وأودع فيهما حاسة الشم الَّتِي تدْرك بها أنواع الروائح الطّيبَة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق بِهِ الهَواء فيوصله إلى القلب فيتروح بِهِ ويتغذي بِهِ ثمَّ لم يَجْعَل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما جعل في الأذن لِئَلّا يمسك الرّائِحَة فيضعفها ويقطع مجْراها وجعله سُبْحانَهُ مصبا تنحدر إليه فضلات الدِّماغ فتجتمع فِيهِ ثمَّ تخرج مِنهُ واقتضت حكمته أن جعل اعلاه ادق من أسفله لأن أسفله إذا كانَ واسِعًا اجْتمعت فِيهِ تِلْكَ الفضلات فَخرجت بسهولة ولأنه يَأْخُذ من الهَواء ملأهُ ثمَّ يتصاعد في مجْراه قَلِيلا حَتّى يصل إلى القلب وصُولا لا يضرّهُ ولا يزعجه ثمَّ فصل بَين المنخرين بحاجز بَينهما حِكْمَة مِنهُ ورَحْمَة فَإنَّهُ لما كانَ قَصَبَة ومجرى ساترا لما يتحدر فِيهِ من فضلات الراس ومجرى النَّفس الصاعد مِنهُ جعل في وسطه حاجزا لِئَلّا يفْسد بِما يجرى فِيهِ فَيمْنَع نشقه للنَّفس بل إمّا أن تعتمد الفضلات نازلة من أحد المنفذين في الغالِب فَيبقى الآخر للتنفس وإمّا أن يجرى فيهما فينقسم فَلا ينسد الأنف جملَة بل يبْقى فِيهِ مدْخل للتنفس وأيضا فَإنَّهُ لما كانَ عضوا واحِدًا وحاسة واحِدَة ولم يكن عضوين وحاستين كالأذنين والعينين اللَّتَيْنِ اقْتَضَت الحِكْمَة تعددهما فَإنَّهُ رُبما أصيبت أحداهما اوعرضت لَها آفَة تمنعها من كمالها فَتكون الأخرى سالِمَة فَلا تتعطل مَنفَعَة هَذا الحس جملَة وكانَ وجود أنفين في الوَجْه شَيْئا ظاهرا فنصب فِيهِ انفا واحِدًا وجعل فِيهِ منفذين حجز بَينهما بحاجز يجرى مجْرى تعدد العَينَيْنِ والأذنين في المَنفَعَة وهو واحِد فَتَبارَكَ الله رب العالمين وأحسن الخالِقِينَ وشق سُبْحانَهُ للْعَبد الفَم في أحسن مَوضِع واليقه بِهِ وأودع فِيهِ من المَنافِع وآلات الذَّوْق والكَلام وآلات الطَّحْن والقطع ما يبهر العُقُول عجائبه فأودعه اللِّسان الَّذِي هو أحد آياته الدّالَّة عَلَيْهِ وجعله ترجمانا لملك الأعضاء مُبينًا مُؤديا عَنهُ كَما جعل الأذن رَسُولا مُؤديا مبلغا إليه فَهي رَسُوله وبريده الَّذِي يُؤَدِّي إليه الإخبار واللِّسان بريده ورَسُوله الَّذِي يُؤَدِّي عَنهُ ما يُرِيد واقتضت حكمته سُبْحانَهُ أن جعل هَذا الرَّسُول مصونا مَحْفُوظًا مَسْتُورا غير بارز مَكْشُوف كالأذن والعين والأنف لأن تِلْكَ الأعضاء لما كانَت تُؤدِّي من الخارِج إليه جعلت بارزة ظاهِرَة ولما كانَ اللِّسان مُؤديا مِنهُ إلى الخارِج جعل لَهُ سترا مصونا لعدم الفائِدَة في إبرازه لأنه لا يَأْخُذ من الخارِج إلى القلب وأيْضًا فَلِأنَّهُ لما كانَ أشرف الأعضاء بعدالقلب ومنزلته مِنهُ منزلَة ترجمانه ووزيره ضرب عَلَيْهِ سرادق تستره وتصونه وجعل في ذَلِك السرادق كالقلب في الصَّدْر وأيضا فَإنَّهُ من الطف الأعضاء والينها وأشدها رُطُوبَة وهو لا يتَصَرَّف إلّا بِواسِطَة الرُّطُوبَة المحيطة بِهِ فَلَو كانَ بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانِع لَهُ من التَّصَرُّف ولغير ذَلِك من الحكم والفوائد ثمَّ زين سُبْحانَهُ الفَم بِما فِيهِ من الأسنان الَّتِي هن جمال لَهُ وزينة وبها قوام العَبْد وغذاؤه وجعل بَعْضها ارحاء للطحن وبَعضها آلَة للْقطع فاحكم أصولها وحدد رؤسها وبيض لَوْنها ورتب صفوفها مُتَساوِيَة الرؤس متناسقة التَّرْتِيب كَأنَّها الدّرّ المنظوم بَياضًا وصفاء وحسنا وأحاط سُبْحانَهُ على ذَلِك حائطين وأودعهما من المَنافِع والحكم ما أودعهما وهما الشفتان فَحسن لونهما وشكلهما ووَضعهما وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا لَهُ وجعلهما إتماما لمخارج حُرُوف الكَلام ونِهايَة لَهُ كَما جعل اقصى الحلق بداية لَهُ واللِّسان وما جاوره وسطا ولِهَذا كانَ أكثر العَمَل فِيها لَهُ إذْ هو الواسِطَة واقتضت حكمته أن جعل الشفتين لَحْمًا صرفا لا عظم فِيهِ ولا عصب ليتَمَكَّن بهما من مص الشَّراب ويسهل عَلَيْهِ فتحهما وطبقهما وخص الفك الأسفل بِالتَّحْرِيكِ لأن تَحْرِيك الاخف أحسن ولأنه يشْتَمل على الأعضاء الشَّرِيفَة فَلم يخاطر بها في الحَرَكَة وخلق سُبْحانَهُ الحَناجِر مُخْتَلفَة الأشكال في الضّيق والسعَة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول والقصر فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اخْتِلاف ولا يكاد يشْتَبه صوتان إلّا نادرا ولِهَذا كانَ الصَّحِيح قبُول شَهادَة الأعمى لتمييزه بَين الاشخاص بأصواتهم كَما يُمَيّز البَصِير بَينهم بصورهم والاشتباه العارِض بَين الأصوات كالاشتباه العارِض بَين الصُّور وزين سُبْحانَهُ الرَّأْس بالشعر وجعله لباسا لَهُ لاحتياجه إليه وزين الوَجْه بِما أنبت فِيهِ من الشُّعُور المُخْتَلفَة الأشكال والمقادير فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس إلى العَينَيْنِ وقوسهما وأحسن خطهما وزين أجفاف العَينَيْنِ بالأهداب وزين الوَجْه أيضا باللحية وجعلها كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بِما أنبت فَوْقهما من الشّارِب وتحتهما من العنفقة وكَذَلِكَ خلقه سُبْحانَهُ لِلْيَدَيْنِ اللَّتَيْنِ هما آلَة العَبْد وسلاحه ورَأس مال معاشه فطولهما يحيث يصلان إلى ما شاءَ من بدنه وعرض الكَفّ ليتَمَكَّن بِهِ من القَبْض والبسط وقسم فِيهِ الأصابع الخمس وقسم كل أصبع بِثَلاث أنامل والإبهام بِاثْنَتَيْنِ ووضع الأصابع الأربعة في جانب والابهام في جانب لتدور الابهام على الجَمِيع فَجاءَت على أحسن وضع صلحت بِهِ للقبض والبسط ومباشرة الأعمال ولَو اجْتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق أفكارهم وضعا آخر للأصابع سوى ما وضعت عَلَيْهِ لم يَجدوا إليه سَبِيلا فَتَبارَكَ من لَو شاءَ لسواها وجعلها طبقًا واحِدًا كالصفيحة فَلم يتَمَكَّن العَبْد بذلك من مصالحة وأنواع تَصَرُّفاته ودقيق الصَّنائِع والخط وغير ذَلِك فَإن بسط أصابعه كانَت طبقًا يضع عَلَيْهِ ما يُرِيد وأن ضمها وقَبضها كانَت دبوسا وآلَة للضرب وأن جعلها بَين الضَّم والبسط كانَت مغرفة لَهُ يتَناوَل بها وتمسك فِيها ما يتَناوَلهُ وركب الأظفار على رؤسها زِينَة لَها وعمادا ووقاية وليلتقط بها الأشياء الدقيقة الَّتِي لا ينالها جسم الأصابع وجعلها سِلاحا لغيره من الحَيَوان والطير وآلَة لمعاشه وليحك الإنسان بها بدنه عند الحاجة فالظفر الَّذِي هو أقل الأشياء وأحقرها لَو عَدمه الإنسان ثمَّ ظَهرت بِهِ حكة لاشتدت حاجته إليه ولم يقم مقامه شَيْء في حك بدنه ثمَّ هدى اليَد إلى مَوضِع الحك حَتّى تمتد إليه ولَو في النّوم والغفلة من غير حاجَة إلى طلب ولَو اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ لم يعثر على مَوضِع الحك إلا بعد تَعب ومشقة ثمَّ انْظُر إلى الحِكْمَة البالِغَة في جعل عِظام أسفل البدن غَلِيظَة قَوِيَّة لأنها أساس لَهُ وعِظام أعاليه دونها في الثخانة والصلابة لأنها مَحْمُولَة ثمَّ انْظُر كَيفَ جعل الرَّقَبَة مركبا للرأس وركبها من سبع خَرَزات مجوفات مستديرات ثمَّ طبق بَعْضها على بعض وركب كل خرزة تركيبا محكما متقنا حَتّى صارَت كَأنَّها خرزة واحِدَة ثمَّ ركب الرَّقَبَة على الظّهْر والصدر ثمَّ ركب الظّهْر من أعْلاهُ إلى مُنْتَهى عظم العَجز من أربع وعشْرين خرزة مركبة بَعْضها في بعض هي مجمع اضلاعه والَّتِي تمسكها أن تنْحَل وتنفصل ثمَّ وصل تِلْكَ العِظام بَعْضها بِبَعْض فوصل عِظام الظّهْر بعظام الصَّدْر وعِظام الكَتِفَيْنِ بعظام العضدين والعضدين بالذراعين والذراعين بالكف والأصابع وانْظُر كَيفَ كسا العِظام العريضة كعظام الظّهْر والراس كسْوَة من اللَّحْم تناسبها والعِظام الدقيقة كسْوَة تناسبها كالأصابع والمتوسطة كَذَلِك كعظام الذراعين والعضدين فَهو مركب على ثَلاثمِائَة وسِتِّينَ عظما مِائَتان وثَمانِية وأرْبَعُونَ مفاصل وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل فَلَو زادَت عظما واحِدًا لَكانَ مضرَّة على الإنسان يحْتاج إلى قلعة ولَو نقصت عظما واحِدًا كانَ نُقْصانا يحْتاج إلى جبره فالطبيب ينظر في هَذِه العِظام وكَيْفِيَّة تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها والعارف ينظر فِيها ليستدل بها على عَظمَة باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه وكم بَين النظرين ثمَّ أنه سُبْحانَهُ ربط تِلْكَ الأعضاء والأجزاء بالرباطات فَشد بها أسرها وجعلها كالاوتاد تمسكها وتحفظها حَتّى بلغ عَددها إلى خَمْسمِائَة وتِسْعَة وعشْرين رِباطًا وهِي مُخْتَلفَة في الغلظ والدقة والطول والقصر والاستقامة والانحناء بِحَسب اخْتِلاف مواضعها ومحالها فَجعل مِنها أربعة وعشْرين رِباطًا آلَة لتحريك العين وفتحها وضمّها وإبصارها لَو نقضت مِنهُنَّ رِباطًا واحِدًا اخْتَلَّ أمر العين وهَكَذا لكل عُضْو من الأعضاء رباطات هن لَهُ كالآلات الَّتِي بها يَتَحَرَّك ويتصرف ويفْعل كل ذَلِك صنع الرب الحَكِيم وتَقْدِير العَزِيز العَلِيم في قَطْرَة ماء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين ومن عجائب خلقه أنه جعل في الراس ثَلاث خَزائِن نافِذا بَعْضها إلى بعض خزانَة في مقدمه وخزانة في وسطه وخزانة في آخِره وأودع تِلْكَ الخزائن من أسراره ما أودعها من الذّكر والفكر والتعقل ومن عجائب خلقه ما فِيهِ من الأمور الباطِنَة الَّتِي لا تشاهد كالقلب والكبد والطحال والرئة والأمعاء والمثانة وسائِر ما في بَطْنه من الآلات العجيبة والقوى المتعددة المُخْتَلفَة المَنافِع فَأما القلب فَهو الملك المُسْتَعْمل لجَمِيع آلات البدن والمستخدم لَها فَهو محفوف بها محشود مخدوم مُسْتَقر في الوسط وهو أشرف أعضاء البدن وبِه قوام الحَياة وهو منبع الرّوح الحيواني والحرارة الغريزية وهو مَعْدن العقل والعلم والحلم والشجاعة والكَرم والصَّبْر والِاحْتِمال والحب والإرادة والرِّضا والغَضَب وسائِر صِفات الكَمال فَجَمِيع الأعضاء الظّاهِرَة والباطنة وقواها إنما هي جند من اجناد القلب فَإن العين طليعته ورائده الَّذِي يكْشف لَهُ المرئيات فَإن رَأتْ شَيْئا أدته إليه ولشدة الارتباط الَّذِي بَينها وبَينه إذا اسْتَقر فِيهِ شَيْء ظهر فِيها فَهي مرآته المترجمة للنّاظِر ما فِيهِ كَما أن اللِّسان ترجمانه المُؤَدِّي للسمع ما فِيهِ ولِهَذا كثيرا ما يقرن سُبْحانَهُ في كِتابه بَين هَذِه الثَّلاث كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وقَوله ﴿وَجَعَلنا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ وقَوله ﴿صم بكم عمي﴾ وقد تقدم ذَلِك وكَذَلِكَ يقرن بَين القلب والبَصَر كَقَوْلِه ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ وقَوله في حق رَسُوله مُحَمَّد ما كذب الفُؤاد وما رأى ثمَّ قالَ ﴿ما زاغ البَصَر وما طَغى﴾ وَكَذَلِكَ الأذن هي رَسُوله المُؤَدي إليه وكَذَلِكَ اللِّسان ترجمانه وبِالجُمْلَةِ فسائر الأعضاء خدمه وجُنُوده وقالَ النَّبِي إلا أن في الجَسَد مُضْغَة إذا صلحت صلح لَها سائِر الجَسَد وإذا فَسدتْ فسد لَها سائِر الجَسَد إلّا وهِي القلب وقالَ أبو هُرَيْرَة القلب ملك والأعضاء جُنُوده فإن طابَ الملك طابت جُنُوده وإذا خبث الملك خبثت جُنُوده وجعلت الرئة لَهُ كالمروحة تروح عَلَيْهِ دائِما لأنه أشد الأعضاء حرارة بل هو منبع الحَرارَة. وأما الدِّماغ وهو المخ فَإنَّهُ جعل بارِدًا واخْتلف في حِكْمَة ذاك فَقالَت طائِفَة إنَّما كانَ الدِّماغ بارِد التبريد الحَرارَة الَّتِي في القلب ليردها عَن الافراط إلى الِاعْتِدال وردت طائِفَة هَذا وقالَت لَو كانَ كَذَلِك لم يكن الدِّماغ بَعيدا عَن القلب بل كانَ يَنْبَغِي أن يُحِيط بِهِ كالرئة أوْ يكون قَرِيبا مِنهُ في الصَّدْر ليكسر حرارته قالَت الفرْقَة الأولى بعدالدماغ من القلب لا يمْنَع ما ذَكرْناهُ من الحِكْمَة لأنه لَو قرب مِنهُ لغلبته حرارة القلب بقوتها فَجعل البعد بَينهما بِحَيْثُ لا يتفاسدان وتعتدل كَيْفيَّة كل واحِد مِنهُما بكيفية الآخر وهَذا بِخِلاف الرئة فَإنَّها آلَة للترويح على القلب لم تجْعَل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أُخْرى وقالَت بل المخ حار لكنه فاتر الحَرارَة وفِيه تبريد بالخاصية فَإنَّهُ مبدأ للذهن ولِهَذا كانَ الذِّهْن يحْتاج إلى مَوضِع ساكن قار صاف عَن الاقذار والكدر خال من الجلبة والزجل ولذَلِك يكون جودة الفِكر والتذكر واستخراج الصَّواب عند سُكُون البدن وفتور حركاته وقلة شواغله ومزعجاته ولذَلِك لم يصلح لَها القلب وكانَ الدِّماغ معتدلا في ذَلِك صالحا لَهُ ولذَلِك تجود هَذِه الأفعال في اللَّيْل وفي المَواضِع الخالية وتفسد عند التهاب نار الغَضَب والشهوة وعند الهم الشَّديد ومَعَ التَّعَب والحركات القوية البَدَنِيَّة والنفسانية وهَذا بحث مُتَّصِل بقاعدة أخرى وهِي أن الحَواس والعقل هَل مبدؤها القلب والدماغ فَقالَت طائِفَة مبدؤها كلها القلب وهِي مرتبطة بِهِ وبَينه وبَين الحَواس منافذ وطرق قالُوا وكل واحِد من هَذِه الأعضاء الَّتِي هي آلات الحَواس لَهُ اتِّصال بِالقَلْبِ بأعصاب وغير ذَلِك وهَذِه الأعصاب تخرج من القلب إلى أن تَأتي إلى كل واحِد من هَذِه الأجسام الَّتِي فِيها هَذِه الحَواس قالُوا فالعين إذا أبصرت شَيْئا أدته بالالة الَّتِي فِيها إلى القلب لأن هَذِه الالة مُتَّصِلَة مِنها إلى القلب والسمع إذا احس صَوتا اداه إلى القلب وكَذَلِكَ كل حاسة ثمَّ اوردوا على أنفسهم سؤالا فَقالُوا أن قيل كَيفَ يجوز أن يكون عُضْو واحِد على ضروب من الامتزاج يمده عدَّة حواس مُخْتَلفَة وأجسام هَذِه الحَواس مُخْتَلفَة وقُوَّة كل حاسة مُخالفَة لقُوَّة الحاسة الأخرى وأجابوا عَن ذَلِك بِأن جَمِيع العُرُوق الَّتِي في البدن كلها مُتَّصِلَة بِالقَلْبِ إمّا بِنَفسِها وإمّا بِواسِطَة فَما من عرق ولا عُضْو الأوله اتِّصال بِالقَلْبِ اتِّصالًا قَرِيبا أوْ بَعيدا قالُوا وينبعث مِنهُ في تِلْكَ العُرُوق والمجاري إلى كل عُضْو ما بناسبه ويشاكله فينبعث مِنهُ إلى العَينَيْنِ ما يكون مِنهُ حس البَصَر وإلى الأذنين ما يدْرك بِهِ المسموعات وإلى اللَّحْم ما يكون مِنهُ حس اللَّمْس وإلى الأنف ما يكون بِهِ حس الشم وإلى اللِّسان ما يكون بِهِ حس الذَّوْق وإلى كل ذِي قُوَّة ما يمد قوته ويحفظها فَهو المعد لهَذِهِ الأعضاء والحواس والقوى ولِهَذا كانَ الراي الصَّحِيح أنه أول الأعضاء تكوينا قالُوا ولا ريب أن مبدأ القُوَّة العاقِلَة مِنهُ وإن كانَ قد خالف في ذَلِك آخَرُونَ وقالُوا بل العقل في الرَّأْس فالصَّواب أن مبدأه ومنشأه من القلب وفروعه وثمرته في الراس والقُرْآن قد دلّ على هَذا بقوله ﴿أفلم يَسِيرُوا في الأرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بها﴾ وقالَ ﴿إن في ذَلِك لذكرى لمن كانَ لَهُ قلب﴾ وَلم يرد بِالقَلْبِ هُنا مُضْغَة اللَّحْم المُشْتَركَة بَين الحَيَوانات بل المُراد ما فِيهِ من العقل واللب ونازعهم في ذَلِك طائِفَة أخرى وقالُوا مبدأ هَذِه الحَواس إنَّما هو الدِّماغ وانكروا أن يكون بَين القلب والعين والأذن والأنف أعصاب أوْ عروف وقالُوا هَذا كذب على الخلقَة والصَّواب التَّوَسُّط بَين الفَرِيقَيْنِ وهو أن القلب تنبعث مِنهُ قُوَّة إلى هَذِه الحَواس وهِي قُوَّة معنوية لا تحْتاج في وصولها إليه إلى مجار مَخْصُوصَة وأعصاب تكون حاملة لَها فَإن وُصُول القوى إلى هَذِه الحَواس والأعضاء لا يتَوَقَّف الأعلى قبُولها واستعداها وامداد القلب لا على مجار وأعصاب وبِهَذا يَزُول الالتباس في هَذا المقام الَّذِي طال فِيهِ الكَلام وكثر فِيهِ النزاع والخِصام والله أعْلَم وبِه التَّوْفِيق للصَّواب. والمَقْصُود التَّنْبِيه على أقل القَلِيل من وُجُوه الحِكْمَة الَّتِي في خلق الإنسان، والأمر أضعاف أضعاف ما يخْطر بالبال أوْ يجرى فِيهِ المقال وإنَّما فائِدَة ذكر هَذِه الشذرة الَّتِي هي كل شَيْء بِالنِّسْبَةِ إلى ما وراءَها التَّنْبِيه وإذا نظر العَبْد إلى غذائه فَقَط في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فِيهِ العبر والعجائب كَيفَ جعلت لَهُ آلَة يتَناوَل بها ثمَّ باب يدْخل مِنهُ ثمَّ آلَة تقطعه صغارًا ثمَّ طاحون يطحنه ثمَّ أعين بِماء يعجنه ثمَّ جعل لَهُ مجْرى وطريقا إلى جانب النَّفس ينزل هَذا ويصعد هَذا فَلا يَلْتَقِيانِ مَعَ غايَة القرب ثمَّ جعل لَهُ حوايا وطرقا توصله إلى المعدة فَهي خزانته ومَوْضِع اجتماعه ولها بابانِ باب أعلى يدْخل مِنهُ الطَّعام وباب أسفل يخرج مِنهُ تفله والباب الأعلى أوسع من الأسفل إذْ الأعلى مدْخل للحاصل والأسفل مصرف للضار مِنهُ والأسفل منطبق دائِما ليستقر الطَّعام في مَوْضِعه فَإذا انْتهى الهضم فَإن ذَلِك الباب ينفتح إلى انْقِضاء الدّفع ويُسمى البواب لذَلِك والأعلى يُسمى فَم المعدة والطَّعام ينزل إلى المعدة متكيمسا فَإذا اسْتَقر فِيها إنماع وذاب ويحيط بالمعدة من داخلها وخارجها حرارة نارية بل رُبما تزيد على حرارة النّار ينضج بها الطَّعام فِيها كَما ينضج الطَّعام في القدر بالنّار المحيطة بِهِ ولذَلِك يذيب ما هو مستحجر كالحصا وغَيره حَتّى يتْركهُ مائِعا فَإذا أذابته علا صَفوه إلى فَوق ورس كدره إلى أسفل ومن المعدة عروق مُتَّصِلَة بِسائِر البدن يبْعَث فِيها مَعْلُوم كل عُضْو وقوامه بِحَسب استعداه وقبوله فيبعث أشرف ما في ذَلِك والطفه واخفه إلى الأرواح فيبعث إلى البَصَر بصرا وإلى السّمع سمعا وإلى الشم شما وإلى كل حاسة بحسبها فَهَذا الطف ما يتَوَلَّد عَن الغذاء ثمَّ ينبعث مِنهُ إلى الدِّماغ ما يُناسِبه في اللطافة والاعتدال ثمَّ ينبعث من الباقِي إلى الأعضاء في تِلْكَ المجاري بحسبها وينبعث مِنهُ إلى العِظام والشعر والأظفار ما يغذيها ويحفظها فَيكون الغذاء داخِلا إلى المعدة من طرق ومجار وخارجا مِنها إلى الأعضاء من طرق ومجار هَذا وارِد إليها وهَذا صادر عَنْها حِكْمَة بالِغَة ونعمة سابغة ولما كانَ الغذاء إذا اسْتَحالَ في المعدة اسْتَحالَ دَمًا ومرَّة سَوْداء ومرَّة صفراء وبلغما اقْتَضَت حكمته سُبْحانَهُ وتَعالى {إن جعل لكل واحِد من هَذِه الأخلاط مصرفا ينصب إليه ويجتمع فِيهِ ولا ينبعث إلى الأعضاء الشَّرِيفَة إلا أكمله فَوضع المرارة مصبا للمرة الصَّفْراء ووضع الطحال مقرا للمرة السَّوْداء والكبد تمتص أشرف ما في ذَلِك وهو الدَّم ثمَّ تبعثه إلى جَمِيع البدن من عرق واحِد يَنْقَسِم على مجار كَثِيرَة يُوصل إلى كل واحِد من الشُّعُور والأعصاب والعِظام والعُرُوق ما يكون بِهِ قوامه ثمَّ إذا نظرت إلى ما فِيهِ من القوى الباطِنَة والظّاهِرَة المُخْتَلفَة في أنفسها ومنافعها رأيت العجب العجاب كقوة سَمعه وبصره وشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه ورضاهُ وغضبه وغير ذَلِك من القوى المُتَعَلّقَة بالإدراك والإرادة وكَذَلِكَ القوى المتصرفة في غذائه كالقوة المنضجة لَهُ وكالقوة الماسكة لَهُ والدافعة لَهُ إلى الأعضاء والقُوَّة الهاضمة لَهُ بعد أخذ الأعضاء حاجَتها مِنهُ إلى غير ذَلِك من عجائب خلقته الظّاهِرَة والباطنة. (فصل) فارْجِع الآن إلى النُّطْفَة وتَأمل حالها أولا وما صارَت إليه ثانِيًا، وأنه لَو اجْتمع الإنس والجِنّ على أن يخلقوا لَها سمعا أوْ بصرا أوْ عقلا أوْ قدرَة أوْ علما أوْ روحا بل عظما واحِدًا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها بل شَعْرَة واحِدَة لعجزوا عَن ذَلِك بل ذَلِك كُله آثار صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء في قَطْرَة من ماء مهين. فَمن هَذا صنعه في قَطْرَة ماء فَكيف صنعه في ملكوت السَّماوات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها وتفاوت مشارقها ومَغارِبها فَلا ذرة فِيها تنفك عَن حِكْمَة بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع العَجائِب من بدن الإنسان بل لا نِسْبَة لجَمِيع ما في الأرض إلى عجائب السَّماوات قالَ الله تَعالى ﴿أأنتم أشد خلقا أم السَّماء بناها رفع سمكها فسواها﴾. وقال في التبيان) ثم نبه سبحانه الإنسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق ومندفق، فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم، وعيشة راضية. وقيل هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل: - وهو الصواب - إنه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلًا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية، فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية ونبه سبحانه بكونه دافقًا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعًا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في الاحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد. الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الإحليل. الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد، ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه. الرابع أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ وهو يوم القيامة أي إن الله قادر على رجعه إليه حيًا في ذلك اليوم. الخامس أن الضمير في (رجعه) هو الضمير في قوله ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وهذا للإنسان قطعا لا للماء. السادس أنه لا ذكر للإحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه. السابع أن رد الماء إلى الإحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورًا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيًا أو إثباتًا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع. فإن قيل فقد قال تعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما هذا والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها البلى في التراب. الثامن أنه سبحانه دعا الإنسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده? عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله? بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء. التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الإحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلًا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر العاشر أنه سبحانه نبه بقوله ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ على أنه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾.

الطارق 86:9

قوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أي تختبر. وقال مقاتل تظهر وتبدو وبلوت الشيء إذا اختبرته ليظهر لك باطنه وما خفي منه. والسرائر: جمع سريرة وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله. فالإيمان من السرائر وشرائعه من السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها، وما كان لله مما لم يكن له قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينًا في الوجوه وشينًا فيها" والمعنى تختبر السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم. وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحًا فتبدو سريرته على وجهه نورًا وإشراقًا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعًا لسريرته لا اعتبار بصورته فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا. وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها قال الشاعر: ؎فان لها في مضمر القلب والحشا ∗∗∗ سريرة حب يوم تبلى السرائر. ثم أخبر سبحانه عن حال الإنسان في يوم القيامة أنه غير ممتنع من عذاب الله لا بقوة منه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا وقع في شدة فإما أن يدفعها بقوته أو قوة من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ونظيره قوله سبحان ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾.

الطارق 86:10

قوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أي تختبر. وقال مقاتل تظهر وتبدو وبلوت الشيء إذا اختبرته ليظهر لك باطنه وما خفي منه. والسرائر: جمع سريرة وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله. فالإيمان من السرائر وشرائعه من السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها، وما كان لله مما لم يكن له قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينًا في الوجوه وشينًا فيها" والمعنى تختبر السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم. وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحًا فتبدو سريرته على وجهه نورًا وإشراقًا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعًا لسريرته لا اعتبار بصورته فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا. وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها قال الشاعر: ؎فان لها في مضمر القلب والحشا ∗∗∗ سريرة حب يوم تبلى السرائر. ثم أخبر سبحانه عن حال الإنسان في يوم القيامة أنه غير ممتنع من عذاب الله لا بقوة منه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا وقع في شدة فإما أن يدفعها بقوته أو قوة من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ونظيره قوله سبحان ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾.

الطارق 86:11

ثم أقسم سبحانه بـ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ فأقسم بالسماء ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام وقال أبو إسحاق الرجع المطر لأنه يجيء ويرجع ويتكرر وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالًا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعًا أي تعطيه مرة بعد مرة والخير كله من قبل السماء يجي لما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسر الرجع به وحسن تفسيره به ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع بالنبات، لأنه يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته.

الطارق 86:12

ثم أقسم سبحانه بـ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ فأقسم بالسماء ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام وقال أبو إسحاق الرجع المطر لأنه يجيء ويرجع ويتكرر وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالًا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعًا أي تعطيه مرة بعد مرة والخير كله من قبل السماء يجي لما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسر الرجع به وحسن تفسيره به ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع بالنبات، لأنه يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته.

الطارق 86:13

وأقسم على كون القرآن حقًا وصدقًا فقال ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ كما أقسم في أول السورة على حال الإنسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فيميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب وأيضًا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلًا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونه حقًا ليس بالباطل وجدًا ليس بالهزل، ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له وهو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ فالإنسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة.

الطارق 86:14

وأقسم على كون القرآن حقًا وصدقًا فقال ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ كما أقسم في أول السورة على حال الإنسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فيميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب وأيضًا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلًا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونه حقًا ليس بالباطل وجدًا ليس بالهزل، ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له وهو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ فالإنسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة.

الطارق 86:15

وأقسم على كون القرآن حقًا وصدقًا فقال ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ كما أقسم في أول السورة على حال الإنسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فيميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب وأيضًا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلًا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونه حقًا ليس بالباطل وجدًا ليس بالهزل، ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له وهو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ فالإنسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة.

الطارق 86:16

وأقسم على كون القرآن حقًا وصدقًا فقال ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ كما أقسم في أول السورة على حال الإنسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فيميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب وأيضًا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلًا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونه حقًا ليس بالباطل وجدًا ليس بالهزل، ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له وهو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ فالإنسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة.

الطارق 86:17

ثم قال ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا (١٧)﴾ أي أنظرهم قليلًا ولا تستعجل لهم والرب تعالى هو الذي يمهلهم وإنما خرج الخطاب للرسول على جهة التهديد والوعيد لهم أو على معنى انتظر بهم قليلًا ورويدًا في كلامهم يكون اسم فعل فينصب بها الاسم نحو رويدًا زيدا أي خله وأمهله وارفق به الثاني أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول نحو رويد زيد أي إمهال زيد نحو ضرب الرقاب الثالث أن يكون نعتًا منصوبًا نحو قولك ساروا رويدًا تقول العرب ضعه رويدًا أي وضعًا رويدا وفي حديث عائشة في خروج النبي بالليل من عندها إلى البقيع فخرج رويدًا وأجاف الباب رويدا ويجوز في هذا الوجه وجهان: أحدهما: أن يكون حالًا. والثاني أن يكون نعتًا لمصدر محذوف فإن أظهرت المنعوت تعين الوجه الثاني و (رويدًا) في هذه الآية هو من هذا النوع الثالث. والله أعلم.

الأعلى 87:1

ذكر أمورا أربعة: الخلق والتسوية والتَّقْدِير والهِدايَة. فسوى خلقه وأتقنه وأحكمه، ثمَّ قدر لَهُ أسباب مَصالِحه في معاشه وتقلباته وتصرفاته، وهداه إليها. والهِدايَة: تَعْلِيم فَذكر أنه الَّذِي خلق وعلم، كَما ذكر نَظِير ذَلِك في أول سُورَة أنزلها على رَسُوله ﷺ. وَقد تقدم ذَلِك. وَقالَ تَعالى حِكايَة عَن عدوه فِرْعَوْن أنه قالَ لمُوسى ﴿فَمن رَبكُما يا مُوسى قالَ رَبنا الَّذِي أعطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى﴾ وَهَذِه المرتبَة أسبق مَراتِب الهِدايَة وأعمها. وقال في (شفاء العليل) ذكر سبحانه أربعة أمور عامة الخلق والتسوية والتقدير والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير. قال عطاء "خلق فسوى أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال فالخلق الإيجاد والتسوية إتقانه وإحسان خلقه" وقال الكلبي "خلق كل ذي روح فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلين" وقال مقاتل" خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلق" وقال أبو إسحاق "خلق الإنسان مستويا" وهذا تمثيل وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ وقال: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماوات﴾ فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير. فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب دخول الشر في القضاء عند قول النبي ﷺ: "والشر ليس إليك" والمقصود أن كل مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له. (فصل) وأما التقدير والهداية فقال مقاتل "قدر خلق الذكر والأنثى فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها" وقال ابن عباس والكلبي وكذلك قال عطاء "قدر من النسل ما أراد ثم هدى الذكر للأنثى" واختار هذا القول صاحب النظم فقال: "معنى هدى هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها" لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيآت، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك. وقال مقاتل أيضا: "هداه لمعيشته ومرعاه" وقال السدي: "قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج" وقال مجاهد: "هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة" وقال الفراء: "التقدير فهدى وأضل فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر" قلت: الآية أعم من هذا كله وأضعف الأقوال فيها قول الفراء إذا المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته. وهو نظير قوله: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه. وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه، طيره ودوابه، فصيحه وأعجمه. وكذلك قول من قال أنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضا وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله. وكذلك قول من قال هداه للمرعى فإن ذلك من الهداية فإن الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه، والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت؟ والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه؟ وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وهذه الحجة عليهم في الحقيقة لأن النبي امتثل هذا الأمر وقال سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم ولو كان الأمر كما زعموا لقال سبحان اسم ربي العظيم ثم إن الأمة كلهم لا يجوز لأحد منهم أن يقول عبدت اسم ربي ولا سجدت لاسم ربي ولا ركعت لاسم ربي ولا باسم ربي ارحمني وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به بالاسم فقد قيل فيه إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم فقد تعظم ما هو من سببه ومتعلق به كما يقال سلام على والباب السامي والمجلس الكريم ونحوه وهذا جواب غير مرض لوجهين أحدهما أن رسول الله ﷺ لم يفهم هذا المعنى وإنما قال سبحان ربي فلم يعرج على ما ذكرتموه. الثاني أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل وسائر ما يطلق على المسمى فيقال الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله ونحوه وهذا مما لم يقله أحد بل الجواب الصحيح أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان والتسبيح نوع من الذكر فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما فصار معنى الآيتين سبح ربك بقلبك ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه. والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله، لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة فقال: "المعنى سبح ناطقا باسم ربك" متكلما به وكذا: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ المعنى سبح ربك ذاكرا اسمه وهذه الفائدة تساوي رحلة لكن لمن يعرف قدرها فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته حجة ثالثة قالوا قال تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وإنما عبدوا مسمياتها. والجواب: أنه كما قلتم إنما عبدوا المسميات ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة كاللات والعزى وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها وليس لها من الألوهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها وهذا كمن سمى قشور البصل لحما وأكلها فيقال ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه وكمن سمى التراب خبزا وأكله يقال: ما أكلت إلا اسم الخبز بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه وما الحكمة ثم إلا مجرد الاسم فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى. فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ولم تدخل في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾؟ قيل التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد دون معنى آخر ويراد به ذلك مع الصلاة وهو ذكر وتنزيه مع عمل ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا فإذا أريد التسبيح المجرد فلا معنى للباء لأنه لا يتعدى بحرف جر لا تقول سبحت بالله وإذا أردت المقرون بالفعل وهو الصلاة أدخلت الباء تنبيها على ذلك المراد كأنك قلت سبح مفتتحا باسم ربك أو ناطقا باسم ربك كما تقول صل مفتتحا أو ناطقا باسمه ولهذا السر والله أعلم دخلت اللام في قوله تعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة ولم يقل في موضع سبح الله ما في السماوات والأرض كما قال ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾ [الرعد: ١٥] وتأمل قوله تعالى ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فكيف قال ويسبحونه لما ذكر السجود باسمه الخاص فصار التسبيح ذكرهم له وتنزيههم إياه.

الأعلى 87:2

ذكر أمورا أربعة: الخلق والتسوية والتَّقْدِير والهِدايَة. فسوى خلقه وأتقنه وأحكمه، ثمَّ قدر لَهُ أسباب مَصالِحه في معاشه وتقلباته وتصرفاته، وهداه إليها. والهِدايَة: تَعْلِيم فَذكر أنه الَّذِي خلق وعلم، كَما ذكر نَظِير ذَلِك في أول سُورَة أنزلها على رَسُوله ﷺ. وَقد تقدم ذَلِك. وَقالَ تَعالى حِكايَة عَن عدوه فِرْعَوْن أنه قالَ لمُوسى ﴿فَمن رَبكُما يا مُوسى قالَ رَبنا الَّذِي أعطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى﴾ وَهَذِه المرتبَة أسبق مَراتِب الهِدايَة وأعمها. وقال في (شفاء العليل) ذكر سبحانه أربعة أمور عامة الخلق والتسوية والتقدير والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير. قال عطاء "خلق فسوى أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال فالخلق الإيجاد والتسوية إتقانه وإحسان خلقه" وقال الكلبي "خلق كل ذي روح فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلين" وقال مقاتل" خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلق" وقال أبو إسحاق "خلق الإنسان مستويا" وهذا تمثيل وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ وقال: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماوات﴾ فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير. فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب دخول الشر في القضاء عند قول النبي ﷺ: "والشر ليس إليك" والمقصود أن كل مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له. (فصل) وأما التقدير والهداية فقال مقاتل "قدر خلق الذكر والأنثى فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها" وقال ابن عباس والكلبي وكذلك قال عطاء "قدر من النسل ما أراد ثم هدى الذكر للأنثى" واختار هذا القول صاحب النظم فقال: "معنى هدى هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها" لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيآت، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك. وقال مقاتل أيضا: "هداه لمعيشته ومرعاه" وقال السدي: "قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج" وقال مجاهد: "هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة" وقال الفراء: "التقدير فهدى وأضل فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر" قلت: الآية أعم من هذا كله وأضعف الأقوال فيها قول الفراء إذا المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته. وهو نظير قوله: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه. وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه، طيره ودوابه، فصيحه وأعجمه. وكذلك قول من قال أنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضا وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله. وكذلك قول من قال هداه للمرعى فإن ذلك من الهداية فإن الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه، والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت؟ والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه؟ وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وهذه الحجة عليهم في الحقيقة لأن النبي امتثل هذا الأمر وقال سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم ولو كان الأمر كما زعموا لقال سبحان اسم ربي العظيم ثم إن الأمة كلهم لا يجوز لأحد منهم أن يقول عبدت اسم ربي ولا سجدت لاسم ربي ولا ركعت لاسم ربي ولا باسم ربي ارحمني وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به بالاسم فقد قيل فيه إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم فقد تعظم ما هو من سببه ومتعلق به كما يقال سلام على والباب السامي والمجلس الكريم ونحوه وهذا جواب غير مرض لوجهين أحدهما أن رسول الله ﷺ لم يفهم هذا المعنى وإنما قال سبحان ربي فلم يعرج على ما ذكرتموه. الثاني أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل وسائر ما يطلق على المسمى فيقال الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله ونحوه وهذا مما لم يقله أحد بل الجواب الصحيح أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان والتسبيح نوع من الذكر فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما فصار معنى الآيتين سبح ربك بقلبك ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه. والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله، لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة فقال: "المعنى سبح ناطقا باسم ربك" متكلما به وكذا: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ المعنى سبح ربك ذاكرا اسمه وهذه الفائدة تساوي رحلة لكن لمن يعرف قدرها فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته حجة ثالثة قالوا قال تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وإنما عبدوا مسمياتها. والجواب: أنه كما قلتم إنما عبدوا المسميات ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة كاللات والعزى وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها وليس لها من الألوهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها وهذا كمن سمى قشور البصل لحما وأكلها فيقال ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه وكمن سمى التراب خبزا وأكله يقال: ما أكلت إلا اسم الخبز بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه وما الحكمة ثم إلا مجرد الاسم فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى. فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ولم تدخل في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾؟ قيل التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد دون معنى آخر ويراد به ذلك مع الصلاة وهو ذكر وتنزيه مع عمل ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا فإذا أريد التسبيح المجرد فلا معنى للباء لأنه لا يتعدى بحرف جر لا تقول سبحت بالله وإذا أردت المقرون بالفعل وهو الصلاة أدخلت الباء تنبيها على ذلك المراد كأنك قلت سبح مفتتحا باسم ربك أو ناطقا باسم ربك كما تقول صل مفتتحا أو ناطقا باسمه ولهذا السر والله أعلم دخلت اللام في قوله تعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة ولم يقل في موضع سبح الله ما في السماوات والأرض كما قال ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾ [الرعد: ١٥] وتأمل قوله تعالى ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فكيف قال ويسبحونه لما ذكر السجود باسمه الخاص فصار التسبيح ذكرهم له وتنزيههم إياه.

الأعلى 87:3

ذكر أمورا أربعة: الخلق والتسوية والتَّقْدِير والهِدايَة. فسوى خلقه وأتقنه وأحكمه، ثمَّ قدر لَهُ أسباب مَصالِحه في معاشه وتقلباته وتصرفاته، وهداه إليها. والهِدايَة: تَعْلِيم فَذكر أنه الَّذِي خلق وعلم، كَما ذكر نَظِير ذَلِك في أول سُورَة أنزلها على رَسُوله ﷺ. وَقد تقدم ذَلِك. وَقالَ تَعالى حِكايَة عَن عدوه فِرْعَوْن أنه قالَ لمُوسى ﴿فَمن رَبكُما يا مُوسى قالَ رَبنا الَّذِي أعطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى﴾ وَهَذِه المرتبَة أسبق مَراتِب الهِدايَة وأعمها. وقال في (شفاء العليل) ذكر سبحانه أربعة أمور عامة الخلق والتسوية والتقدير والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير. قال عطاء "خلق فسوى أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال فالخلق الإيجاد والتسوية إتقانه وإحسان خلقه" وقال الكلبي "خلق كل ذي روح فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلين" وقال مقاتل" خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلق" وقال أبو إسحاق "خلق الإنسان مستويا" وهذا تمثيل وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ وقال: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماوات﴾ فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير. فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب دخول الشر في القضاء عند قول النبي ﷺ: "والشر ليس إليك" والمقصود أن كل مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له. (فصل) وأما التقدير والهداية فقال مقاتل "قدر خلق الذكر والأنثى فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها" وقال ابن عباس والكلبي وكذلك قال عطاء "قدر من النسل ما أراد ثم هدى الذكر للأنثى" واختار هذا القول صاحب النظم فقال: "معنى هدى هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها" لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيآت، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك. وقال مقاتل أيضا: "هداه لمعيشته ومرعاه" وقال السدي: "قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج" وقال مجاهد: "هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة" وقال الفراء: "التقدير فهدى وأضل فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر" قلت: الآية أعم من هذا كله وأضعف الأقوال فيها قول الفراء إذا المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته. وهو نظير قوله: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه. وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه، طيره ودوابه، فصيحه وأعجمه. وكذلك قول من قال أنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضا وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله. وكذلك قول من قال هداه للمرعى فإن ذلك من الهداية فإن الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه، والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت؟ والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه؟ وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وهذه الحجة عليهم في الحقيقة لأن النبي امتثل هذا الأمر وقال سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم ولو كان الأمر كما زعموا لقال سبحان اسم ربي العظيم ثم إن الأمة كلهم لا يجوز لأحد منهم أن يقول عبدت اسم ربي ولا سجدت لاسم ربي ولا ركعت لاسم ربي ولا باسم ربي ارحمني وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به بالاسم فقد قيل فيه إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم فقد تعظم ما هو من سببه ومتعلق به كما يقال سلام على والباب السامي والمجلس الكريم ونحوه وهذا جواب غير مرض لوجهين أحدهما أن رسول الله ﷺ لم يفهم هذا المعنى وإنما قال سبحان ربي فلم يعرج على ما ذكرتموه. الثاني أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل وسائر ما يطلق على المسمى فيقال الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله ونحوه وهذا مما لم يقله أحد بل الجواب الصحيح أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان والتسبيح نوع من الذكر فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما فصار معنى الآيتين سبح ربك بقلبك ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه. والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله، لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة فقال: "المعنى سبح ناطقا باسم ربك" متكلما به وكذا: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ المعنى سبح ربك ذاكرا اسمه وهذه الفائدة تساوي رحلة لكن لمن يعرف قدرها فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته حجة ثالثة قالوا قال تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وإنما عبدوا مسمياتها. والجواب: أنه كما قلتم إنما عبدوا المسميات ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة كاللات والعزى وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها وليس لها من الألوهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها وهذا كمن سمى قشور البصل لحما وأكلها فيقال ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه وكمن سمى التراب خبزا وأكله يقال: ما أكلت إلا اسم الخبز بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه وما الحكمة ثم إلا مجرد الاسم فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى. فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ولم تدخل في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾؟ قيل التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد دون معنى آخر ويراد به ذلك مع الصلاة وهو ذكر وتنزيه مع عمل ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا فإذا أريد التسبيح المجرد فلا معنى للباء لأنه لا يتعدى بحرف جر لا تقول سبحت بالله وإذا أردت المقرون بالفعل وهو الصلاة أدخلت الباء تنبيها على ذلك المراد كأنك قلت سبح مفتتحا باسم ربك أو ناطقا باسم ربك كما تقول صل مفتتحا أو ناطقا باسمه ولهذا السر والله أعلم دخلت اللام في قوله تعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة ولم يقل في موضع سبح الله ما في السماوات والأرض كما قال ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾ [الرعد: ١٥] وتأمل قوله تعالى ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فكيف قال ويسبحونه لما ذكر السجود باسمه الخاص فصار التسبيح ذكرهم له وتنزيههم إياه.

الأعلى 87:10

فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم، ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.

الأعلى 87:11

فإن الجزاء من جنس العمل فإنه في الدنيا لما لم يحيى الحياة النافعة الحقيقية التي خلق لها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتا عديم الإحساس كانت حياته في الآخرة كذلك. فإن مقصود الحياة حصول ما ينتفع به ويلتذ به، والحي لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه، ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء، ولا مع الأموات. إذا عرف هذا فالشر من لوازم هذه الحياة، وعدمها شر، وهو ليس بشيء حتى يكون مخلوقا، والله خالق كل شيء. فإذا أمسك عن عبد هذه الحياة كان إمساكها خيرا بالنسبة إليه سبحانه، وإن كان شرا بالإضافة إلى العبد لفوات ما يلتذ ويتنعم به، فالسيئات من طبيعة النفس، ولم يمد بهذه الحياة التي تحول بينها وبينها. فصار الشر كله من النفس، والخير كله من الله، والجميع بقضائه وقدره وحكمته. وبالله التوفيق.

الأعلى 87:12

فإن الجزاء من جنس العمل فإنه في الدنيا لما لم يحيى الحياة النافعة الحقيقية التي خلق لها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتا عديم الإحساس كانت حياته في الآخرة كذلك. فإن مقصود الحياة حصول ما ينتفع به ويلتذ به، والحي لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه، ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء، ولا مع الأموات. إذا عرف هذا فالشر من لوازم هذه الحياة، وعدمها شر، وهو ليس بشيء حتى يكون مخلوقا، والله خالق كل شيء. فإذا أمسك عن عبد هذه الحياة كان إمساكها خيرا بالنسبة إليه سبحانه، وإن كان شرا بالإضافة إلى العبد لفوات ما يلتذ ويتنعم به، فالسيئات من طبيعة النفس، ولم يمد بهذه الحياة التي تحول بينها وبينها. فصار الشر كله من النفس، والخير كله من الله، والجميع بقضائه وقدره وحكمته. وبالله التوفيق.

الأعلى 87:13

فإن الجزاء من جنس العمل فإنه في الدنيا لما لم يحيى الحياة النافعة الحقيقية التي خلق لها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتا عديم الإحساس كانت حياته في الآخرة كذلك. فإن مقصود الحياة حصول ما ينتفع به ويلتذ به، والحي لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه، ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء، ولا مع الأموات. إذا عرف هذا فالشر من لوازم هذه الحياة، وعدمها شر، وهو ليس بشيء حتى يكون مخلوقا، والله خالق كل شيء. فإذا أمسك عن عبد هذه الحياة كان إمساكها خيرا بالنسبة إليه سبحانه، وإن كان شرا بالإضافة إلى العبد لفوات ما يلتذ ويتنعم به، فالسيئات من طبيعة النفس، ولم يمد بهذه الحياة التي تحول بينها وبينها. فصار الشر كله من النفس، والخير كله من الله، والجميع بقضائه وقدره وحكمته. وبالله التوفيق.

الأعلى 87:14

قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ المقصود تقرير هذه الجملة، لا الإضراب عن قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾. (فائِدَة) لا تتمّ الرَّغْبَة في الآخِرَة إلّا بالزهد في الدُّنْيا، ولا يَسْتَقِيم الزّهْد في الدُّنْيا إلّا بعد نظرين صَحِيحَيْنِ: نظر في الدُّنْيا وسُرْعَة زَوالها وفنائها واضمحلالها، ونقصها وخسّتها، وألم المُزاحمَة عَلَيْها والحرص عَلَيْها، وما في ذَلِك من الغصَص والنغص والأنكاد. وَآخر ذَلِك الزَّوال والانقطاع مَعَ ما يعقب من الحَسْرَة والأسف. فطالبها لا يَنْفَكّ من هم قبل حُصُولها، وهم حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فَواتها فَهَذا أحد النظرين. النّظر الثّانِي: النّظر في الآخِرَة وإقبالها ومجيئها ولا بُد ودوامها وبقائها وشرف ما فِيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الَّذِي بَينه وبَين ما هُنا فهي كَمال الله سُبْحانَهُ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبقى﴾ فَهِيَ خيرات كامِلَة دائمة وهَذِه خيالات ناقِصَة مُنْقَطِعَة مضمحلة فَإذا تمّ لَهُ هَذانِ النظران آثر ما يَقْتَضِي العقل إيثاره وزهد فِيما يَقْتَضِي الزّهْد فِيهِ فَكل أحد مطبوع على أن لا يتْرك النَّفْع العاجل واللذة الحاضِرَة إلى النَّفْع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلى إذا تبين لَهُ فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعْلى الأفْضَل، فَإذا آثر الفاني النّاقِص كانَ ذَلِك إمّا لعدم تبين الفضل لَهُ، وإمّا لعدم رغبته في الأفْضَل. وكل واحِد من الأمريْنِ يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة، فَإن الرّاغِب في الدُّنْيا الحَرِيص عَلَيْهِ المُؤثر لَها إمّا أن يصدّق بِأن ما هُناكَ أشرف وأفضل وأبقى وإمّا أن لا يصدّق بذلك كانَ عادما للْإيمان رَأْسا وإن صدّق بذلك ولم يؤثره كانَ فاسد العقل سيئ الِاخْتِيار لنَفسِهِ وهَذا تَقْسِيم حاضر ضَرُورِيّ لا يَنْفَكّ العَبْد من أحد القسمَيْنِ مِنهُ فإيثار الدُّنْيا على الآخِرَة إمّا من فَساد في الإيمان، وإمّا من فَساد في العقل. وَما أكثر ما يكون مِنهُما، ولِهَذا نبذها رَسُول الله وراء ظَهره هو وأصْحابه وصرفوا عَنْها قُلُوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجورها ولم يميلوا إلَيْها وعدّوها سجنا لا جنّة فزهدوا فِيها حَقِيقَة الزّهْد ولَو أرادوها لنالوا مِنها كل مَحْبُوب لوصلوا مِنها إلى كل مَرْغُوب فقد عرضت عَلَيْهِ مَفاتِيح كنوزها فردّها وفاضت على أصْحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخِرَة بها وعَلمُوا أنَّها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنَّها دار عبور لا دار سرُور وأنَّها سَحابَة صيف تنقشع عَن قَلِيل وخيال طيف ما استتم الزِّيارَة حَتّى آذن بالرحيل قالَ النَّبِي "ما لِي وللدنيا إنَّما أنا كراكب قالَ في ظلّ شَجَرَة ثمَّ راح وتركها " وَقالَ: "ما الدُّنْيا في الآخِرَة إلّا كَما يدْخل أحدكُم إصبعه في اليم فَلْينْظر بِما ترجع" وَقالَ خالِقها سُبْحانَهُ ﴿إنَّما مثل حَياة الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ واللَّهُ يَدْعُو إلى دار السَّلام ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَأخْبر عَن خسة الدُّنْيا وزهَّد فِيها وأخْبر عَن دار السَّلام ودعا إلَيْها. (فصل) اللَّذَّة المحرّمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد انْقِضائِها، فَإذا اشتدّت الداعية مِنك إلَيْها ففكر في انقطاعها وبَقاء قبحها وألمها، ثمَّ وازن بَين الأمريْنِ وانْظُر ما بَينهما من التَّفاوُت. والتعب بِالطّاعَةِ ممزوج بالحسنِ مثمر للذة والراحة، فَإذا ثقلت على النَّفس ففكر في انْقِطاع تعبها وبَقاء حسنها ولذتها وسرورها، ووازن بَين الأمريْنِ وآثر الرّاجِح على المَرْجُوح. فَإن تألّمت بِالسَّبَبِ فانْظُر إلى ما في المُسَبّب من الفرحة والسُّرُور واللذة يهن عَلَيْك مقاساته. وَإن تألمت بترك اللَّذَّة المُحرمَة فانْظُر إلى الألَم الَّذِي يعقبه ووازن بَين الألمين، وخاصيّة العقل تَحْصِيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحْتِمال أصْغَر الألمين لدفع أعلاهما. وَهَذا يحْتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يخْتار بِهِ الأولى، والأنفع بِهِ لَهُ مِنها، فَمن وفّر قسمه من العقل والعلم واخْتارَ الأفْضَل وآثره ومن نقص حَظه مِنهُما أو من أحدهما اخْتار خِلافه. وَمن فكّر في الدُّنْيا والآخِرَة علم أنه لا ينال واحِدًا مِنهُما إلّا بمشّقة، فليتحمّل المشقّة لخيرهما وأبقاهما.

الأعلى 87:15

قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ المقصود تقرير هذه الجملة، لا الإضراب عن قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾. (فائِدَة) لا تتمّ الرَّغْبَة في الآخِرَة إلّا بالزهد في الدُّنْيا، ولا يَسْتَقِيم الزّهْد في الدُّنْيا إلّا بعد نظرين صَحِيحَيْنِ: نظر في الدُّنْيا وسُرْعَة زَوالها وفنائها واضمحلالها، ونقصها وخسّتها، وألم المُزاحمَة عَلَيْها والحرص عَلَيْها، وما في ذَلِك من الغصَص والنغص والأنكاد. وَآخر ذَلِك الزَّوال والانقطاع مَعَ ما يعقب من الحَسْرَة والأسف. فطالبها لا يَنْفَكّ من هم قبل حُصُولها، وهم حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فَواتها فَهَذا أحد النظرين. النّظر الثّانِي: النّظر في الآخِرَة وإقبالها ومجيئها ولا بُد ودوامها وبقائها وشرف ما فِيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الَّذِي بَينه وبَين ما هُنا فهي كَمال الله سُبْحانَهُ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبقى﴾ فَهِيَ خيرات كامِلَة دائمة وهَذِه خيالات ناقِصَة مُنْقَطِعَة مضمحلة فَإذا تمّ لَهُ هَذانِ النظران آثر ما يَقْتَضِي العقل إيثاره وزهد فِيما يَقْتَضِي الزّهْد فِيهِ فَكل أحد مطبوع على أن لا يتْرك النَّفْع العاجل واللذة الحاضِرَة إلى النَّفْع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلى إذا تبين لَهُ فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعْلى الأفْضَل، فَإذا آثر الفاني النّاقِص كانَ ذَلِك إمّا لعدم تبين الفضل لَهُ، وإمّا لعدم رغبته في الأفْضَل. وكل واحِد من الأمريْنِ يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة، فَإن الرّاغِب في الدُّنْيا الحَرِيص عَلَيْهِ المُؤثر لَها إمّا أن يصدّق بِأن ما هُناكَ أشرف وأفضل وأبقى وإمّا أن لا يصدّق بذلك كانَ عادما للْإيمان رَأْسا وإن صدّق بذلك ولم يؤثره كانَ فاسد العقل سيئ الِاخْتِيار لنَفسِهِ وهَذا تَقْسِيم حاضر ضَرُورِيّ لا يَنْفَكّ العَبْد من أحد القسمَيْنِ مِنهُ فإيثار الدُّنْيا على الآخِرَة إمّا من فَساد في الإيمان، وإمّا من فَساد في العقل. وَما أكثر ما يكون مِنهُما، ولِهَذا نبذها رَسُول الله وراء ظَهره هو وأصْحابه وصرفوا عَنْها قُلُوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجورها ولم يميلوا إلَيْها وعدّوها سجنا لا جنّة فزهدوا فِيها حَقِيقَة الزّهْد ولَو أرادوها لنالوا مِنها كل مَحْبُوب لوصلوا مِنها إلى كل مَرْغُوب فقد عرضت عَلَيْهِ مَفاتِيح كنوزها فردّها وفاضت على أصْحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخِرَة بها وعَلمُوا أنَّها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنَّها دار عبور لا دار سرُور وأنَّها سَحابَة صيف تنقشع عَن قَلِيل وخيال طيف ما استتم الزِّيارَة حَتّى آذن بالرحيل قالَ النَّبِي "ما لِي وللدنيا إنَّما أنا كراكب قالَ في ظلّ شَجَرَة ثمَّ راح وتركها " وَقالَ: "ما الدُّنْيا في الآخِرَة إلّا كَما يدْخل أحدكُم إصبعه في اليم فَلْينْظر بِما ترجع" وَقالَ خالِقها سُبْحانَهُ ﴿إنَّما مثل حَياة الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ واللَّهُ يَدْعُو إلى دار السَّلام ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَأخْبر عَن خسة الدُّنْيا وزهَّد فِيها وأخْبر عَن دار السَّلام ودعا إلَيْها. (فصل) اللَّذَّة المحرّمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد انْقِضائِها، فَإذا اشتدّت الداعية مِنك إلَيْها ففكر في انقطاعها وبَقاء قبحها وألمها، ثمَّ وازن بَين الأمريْنِ وانْظُر ما بَينهما من التَّفاوُت. والتعب بِالطّاعَةِ ممزوج بالحسنِ مثمر للذة والراحة، فَإذا ثقلت على النَّفس ففكر في انْقِطاع تعبها وبَقاء حسنها ولذتها وسرورها، ووازن بَين الأمريْنِ وآثر الرّاجِح على المَرْجُوح. فَإن تألّمت بِالسَّبَبِ فانْظُر إلى ما في المُسَبّب من الفرحة والسُّرُور واللذة يهن عَلَيْك مقاساته. وَإن تألمت بترك اللَّذَّة المُحرمَة فانْظُر إلى الألَم الَّذِي يعقبه ووازن بَين الألمين، وخاصيّة العقل تَحْصِيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحْتِمال أصْغَر الألمين لدفع أعلاهما. وَهَذا يحْتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يخْتار بِهِ الأولى، والأنفع بِهِ لَهُ مِنها، فَمن وفّر قسمه من العقل والعلم واخْتارَ الأفْضَل وآثره ومن نقص حَظه مِنهُما أو من أحدهما اخْتار خِلافه. وَمن فكّر في الدُّنْيا والآخِرَة علم أنه لا ينال واحِدًا مِنهُما إلّا بمشّقة، فليتحمّل المشقّة لخيرهما وأبقاهما.

الأعلى 87:16

قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ المقصود تقرير هذه الجملة، لا الإضراب عن قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾. (فائِدَة) لا تتمّ الرَّغْبَة في الآخِرَة إلّا بالزهد في الدُّنْيا، ولا يَسْتَقِيم الزّهْد في الدُّنْيا إلّا بعد نظرين صَحِيحَيْنِ: نظر في الدُّنْيا وسُرْعَة زَوالها وفنائها واضمحلالها، ونقصها وخسّتها، وألم المُزاحمَة عَلَيْها والحرص عَلَيْها، وما في ذَلِك من الغصَص والنغص والأنكاد. وَآخر ذَلِك الزَّوال والانقطاع مَعَ ما يعقب من الحَسْرَة والأسف. فطالبها لا يَنْفَكّ من هم قبل حُصُولها، وهم حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فَواتها فَهَذا أحد النظرين. النّظر الثّانِي: النّظر في الآخِرَة وإقبالها ومجيئها ولا بُد ودوامها وبقائها وشرف ما فِيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الَّذِي بَينه وبَين ما هُنا فهي كَمال الله سُبْحانَهُ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبقى﴾ فَهِيَ خيرات كامِلَة دائمة وهَذِه خيالات ناقِصَة مُنْقَطِعَة مضمحلة فَإذا تمّ لَهُ هَذانِ النظران آثر ما يَقْتَضِي العقل إيثاره وزهد فِيما يَقْتَضِي الزّهْد فِيهِ فَكل أحد مطبوع على أن لا يتْرك النَّفْع العاجل واللذة الحاضِرَة إلى النَّفْع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلى إذا تبين لَهُ فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعْلى الأفْضَل، فَإذا آثر الفاني النّاقِص كانَ ذَلِك إمّا لعدم تبين الفضل لَهُ، وإمّا لعدم رغبته في الأفْضَل. وكل واحِد من الأمريْنِ يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة، فَإن الرّاغِب في الدُّنْيا الحَرِيص عَلَيْهِ المُؤثر لَها إمّا أن يصدّق بِأن ما هُناكَ أشرف وأفضل وأبقى وإمّا أن لا يصدّق بذلك كانَ عادما للْإيمان رَأْسا وإن صدّق بذلك ولم يؤثره كانَ فاسد العقل سيئ الِاخْتِيار لنَفسِهِ وهَذا تَقْسِيم حاضر ضَرُورِيّ لا يَنْفَكّ العَبْد من أحد القسمَيْنِ مِنهُ فإيثار الدُّنْيا على الآخِرَة إمّا من فَساد في الإيمان، وإمّا من فَساد في العقل. وَما أكثر ما يكون مِنهُما، ولِهَذا نبذها رَسُول الله وراء ظَهره هو وأصْحابه وصرفوا عَنْها قُلُوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجورها ولم يميلوا إلَيْها وعدّوها سجنا لا جنّة فزهدوا فِيها حَقِيقَة الزّهْد ولَو أرادوها لنالوا مِنها كل مَحْبُوب لوصلوا مِنها إلى كل مَرْغُوب فقد عرضت عَلَيْهِ مَفاتِيح كنوزها فردّها وفاضت على أصْحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخِرَة بها وعَلمُوا أنَّها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنَّها دار عبور لا دار سرُور وأنَّها سَحابَة صيف تنقشع عَن قَلِيل وخيال طيف ما استتم الزِّيارَة حَتّى آذن بالرحيل قالَ النَّبِي "ما لِي وللدنيا إنَّما أنا كراكب قالَ في ظلّ شَجَرَة ثمَّ راح وتركها " وَقالَ: "ما الدُّنْيا في الآخِرَة إلّا كَما يدْخل أحدكُم إصبعه في اليم فَلْينْظر بِما ترجع" وَقالَ خالِقها سُبْحانَهُ ﴿إنَّما مثل حَياة الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ واللَّهُ يَدْعُو إلى دار السَّلام ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَأخْبر عَن خسة الدُّنْيا وزهَّد فِيها وأخْبر عَن دار السَّلام ودعا إلَيْها. (فصل) اللَّذَّة المحرّمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد انْقِضائِها، فَإذا اشتدّت الداعية مِنك إلَيْها ففكر في انقطاعها وبَقاء قبحها وألمها، ثمَّ وازن بَين الأمريْنِ وانْظُر ما بَينهما من التَّفاوُت. والتعب بِالطّاعَةِ ممزوج بالحسنِ مثمر للذة والراحة، فَإذا ثقلت على النَّفس ففكر في انْقِطاع تعبها وبَقاء حسنها ولذتها وسرورها، ووازن بَين الأمريْنِ وآثر الرّاجِح على المَرْجُوح. فَإن تألّمت بِالسَّبَبِ فانْظُر إلى ما في المُسَبّب من الفرحة والسُّرُور واللذة يهن عَلَيْك مقاساته. وَإن تألمت بترك اللَّذَّة المُحرمَة فانْظُر إلى الألَم الَّذِي يعقبه ووازن بَين الألمين، وخاصيّة العقل تَحْصِيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحْتِمال أصْغَر الألمين لدفع أعلاهما. وَهَذا يحْتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يخْتار بِهِ الأولى، والأنفع بِهِ لَهُ مِنها، فَمن وفّر قسمه من العقل والعلم واخْتارَ الأفْضَل وآثره ومن نقص حَظه مِنهُما أو من أحدهما اخْتار خِلافه. وَمن فكّر في الدُّنْيا والآخِرَة علم أنه لا ينال واحِدًا مِنهُما إلّا بمشّقة، فليتحمّل المشقّة لخيرهما وأبقاهما.

الأعلى 87:17

قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ المقصود تقرير هذه الجملة، لا الإضراب عن قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾. (فائِدَة) لا تتمّ الرَّغْبَة في الآخِرَة إلّا بالزهد في الدُّنْيا، ولا يَسْتَقِيم الزّهْد في الدُّنْيا إلّا بعد نظرين صَحِيحَيْنِ: نظر في الدُّنْيا وسُرْعَة زَوالها وفنائها واضمحلالها، ونقصها وخسّتها، وألم المُزاحمَة عَلَيْها والحرص عَلَيْها، وما في ذَلِك من الغصَص والنغص والأنكاد. وَآخر ذَلِك الزَّوال والانقطاع مَعَ ما يعقب من الحَسْرَة والأسف. فطالبها لا يَنْفَكّ من هم قبل حُصُولها، وهم حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فَواتها فَهَذا أحد النظرين. النّظر الثّانِي: النّظر في الآخِرَة وإقبالها ومجيئها ولا بُد ودوامها وبقائها وشرف ما فِيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الَّذِي بَينه وبَين ما هُنا فهي كَمال الله سُبْحانَهُ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبقى﴾ فَهِيَ خيرات كامِلَة دائمة وهَذِه خيالات ناقِصَة مُنْقَطِعَة مضمحلة فَإذا تمّ لَهُ هَذانِ النظران آثر ما يَقْتَضِي العقل إيثاره وزهد فِيما يَقْتَضِي الزّهْد فِيهِ فَكل أحد مطبوع على أن لا يتْرك النَّفْع العاجل واللذة الحاضِرَة إلى النَّفْع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلى إذا تبين لَهُ فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعْلى الأفْضَل، فَإذا آثر الفاني النّاقِص كانَ ذَلِك إمّا لعدم تبين الفضل لَهُ، وإمّا لعدم رغبته في الأفْضَل. وكل واحِد من الأمريْنِ يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة، فَإن الرّاغِب في الدُّنْيا الحَرِيص عَلَيْهِ المُؤثر لَها إمّا أن يصدّق بِأن ما هُناكَ أشرف وأفضل وأبقى وإمّا أن لا يصدّق بذلك كانَ عادما للْإيمان رَأْسا وإن صدّق بذلك ولم يؤثره كانَ فاسد العقل سيئ الِاخْتِيار لنَفسِهِ وهَذا تَقْسِيم حاضر ضَرُورِيّ لا يَنْفَكّ العَبْد من أحد القسمَيْنِ مِنهُ فإيثار الدُّنْيا على الآخِرَة إمّا من فَساد في الإيمان، وإمّا من فَساد في العقل. وَما أكثر ما يكون مِنهُما، ولِهَذا نبذها رَسُول الله وراء ظَهره هو وأصْحابه وصرفوا عَنْها قُلُوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجورها ولم يميلوا إلَيْها وعدّوها سجنا لا جنّة فزهدوا فِيها حَقِيقَة الزّهْد ولَو أرادوها لنالوا مِنها كل مَحْبُوب لوصلوا مِنها إلى كل مَرْغُوب فقد عرضت عَلَيْهِ مَفاتِيح كنوزها فردّها وفاضت على أصْحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخِرَة بها وعَلمُوا أنَّها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنَّها دار عبور لا دار سرُور وأنَّها سَحابَة صيف تنقشع عَن قَلِيل وخيال طيف ما استتم الزِّيارَة حَتّى آذن بالرحيل قالَ النَّبِي "ما لِي وللدنيا إنَّما أنا كراكب قالَ في ظلّ شَجَرَة ثمَّ راح وتركها " وَقالَ: "ما الدُّنْيا في الآخِرَة إلّا كَما يدْخل أحدكُم إصبعه في اليم فَلْينْظر بِما ترجع" وَقالَ خالِقها سُبْحانَهُ ﴿إنَّما مثل حَياة الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ واللَّهُ يَدْعُو إلى دار السَّلام ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَأخْبر عَن خسة الدُّنْيا وزهَّد فِيها وأخْبر عَن دار السَّلام ودعا إلَيْها. (فصل) اللَّذَّة المحرّمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد انْقِضائِها، فَإذا اشتدّت الداعية مِنك إلَيْها ففكر في انقطاعها وبَقاء قبحها وألمها، ثمَّ وازن بَين الأمريْنِ وانْظُر ما بَينهما من التَّفاوُت. والتعب بِالطّاعَةِ ممزوج بالحسنِ مثمر للذة والراحة، فَإذا ثقلت على النَّفس ففكر في انْقِطاع تعبها وبَقاء حسنها ولذتها وسرورها، ووازن بَين الأمريْنِ وآثر الرّاجِح على المَرْجُوح. فَإن تألّمت بِالسَّبَبِ فانْظُر إلى ما في المُسَبّب من الفرحة والسُّرُور واللذة يهن عَلَيْك مقاساته. وَإن تألمت بترك اللَّذَّة المُحرمَة فانْظُر إلى الألَم الَّذِي يعقبه ووازن بَين الألمين، وخاصيّة العقل تَحْصِيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحْتِمال أصْغَر الألمين لدفع أعلاهما. وَهَذا يحْتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يخْتار بِهِ الأولى، والأنفع بِهِ لَهُ مِنها، فَمن وفّر قسمه من العقل والعلم واخْتارَ الأفْضَل وآثره ومن نقص حَظه مِنهُما أو من أحدهما اخْتار خِلافه. وَمن فكّر في الدُّنْيا والآخِرَة علم أنه لا ينال واحِدًا مِنهُما إلّا بمشّقة، فليتحمّل المشقّة لخيرهما وأبقاهما.