Tafsir Ibn Al-Qayyim — النازعات 79:40 – الانفطار 82:14
المحتويات
- النازعات 79:40
- النازعات 79:41
- النازعات 79:42
- النازعات 79:43
- النازعات 79:44
- عبس 80:8
- عبس 80:9
- عبس 80:10
- عبس 80:21
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:28
- عبس 80:29
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- التكوير 81:1
- التكوير 81:2
- التكوير 81:3
- التكوير 81:5
- التكوير 81:7
- التكوير 81:8
- التكوير 81:9
- التكوير 81:15
- التكوير 81:16
- التكوير 81:17
- التكوير 81:18
- التكوير 81:19
- التكوير 81:20
- التكوير 81:21
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
النازعات 79:40
قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾
وَهُوَ مَقامُ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ بِالِاطِّلاعِ والقُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ.
فَخَوْفُهُ مِن هَذا المَقامِ يُوجِبُ لَهُ خُشُوعَ القَلْبِ لا مَحالَةَ، وكُلَّما كانَ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لَهُ كانَ أشَدَّ خُشُوعًا، وإنَّما يُفارِقُ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنِ اطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ.
والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ مَقامُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عِنْدَ لِقائِهِ.
فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ.
وَعَلى الثّانِي وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المُخَوِّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
وأما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى وأما هوى يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهُوي بالضم، ويقال الهوى أيضا على نفس المحبوب
قال الشاعر:
؎إن التي زعمت فؤادك ملها ∗∗∗ خلقت هواك كما خلقت هوى لها
ويقال هذا هوى فلان وفلانة هواه أي مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم كما قال الله تعالى ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾
ويقال إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيدا ومنه قول النبي ﷺ
"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"
وفي الصحيحين عن عروة قال
"كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهم للنبي فقالت عائشة رضي الله عنها أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل
فلما نزلت ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قلت يا رسول الله ﷺ ما أرى ربك إلا يسارع في هواك".
وفي قصة أسارى بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت.
وذكر الحديث وفي السنن
"أن أعرابيا قال للنبي ﷺجئت أسألك عن الهوى، فقال المرء مع من أحب".
(موعظة)
من عرف ربه اشْتغل بِهِ عَن هوى نَفسه.
أنْفَع العَمَل أن تغيب فِيهِ عَن النّاس بالإخلاص، وعَن نَفسك بِشُهُود المنّة، فَلا ترى فِيهِ نَفسك ولا ترى الخلق.
دخل النّاس النّار من ثَلاثَة أبْواب:
باب شُبْهَة أورثت شكا في دين الله، وباب شَهْوَة أورثت تَقْدِيم الهوى على طاعَته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه.
أصُول الخَطايا كلها ثَلاثَة:
الكبر وهو الَّذِي أصار إبْلِيس إلى ما أصاره.
والحرص وهو الَّذِي أخرج آدم من الجنَّة.
والحسد وهو الَّذِي جرأ أحدا بني آدم على أخِيه.
فَمن وقِي شَرّ هَذِه الثَّلاثَة فقد وقي الشَّرّ.
فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحِرْص، والبَغي والظُّلم من الحَسَد.
(فائدة)
قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم.
فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح.
ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك.
قال تعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١].
فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى.
والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة، وإلى هذا مرة.
وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة.
(موعظة)
قالَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ: راحَةُ الجِسْمِ في قِلَّةِ الطَّعامِ، وراحَةُ الرُّوحِ في قِلَّةِ الآثامِ، وراحَةُ اللِّسانِ في قِلَّةِ الكَلامِ.
والذُّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنزِلَةِ السُّمُومِ، إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أضْعَفَتْهُ، ولا بُدَّ وإذا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُقاوَمَةِ الأمْراضِ، قالَ طَبِيبُ القُلُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ:
؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها
؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها
فالهَوى أكْبَرُ أدْوائِها، ومُخالَفَتُهُ أعْظَمُ أدْوِيَتِها، والنَّفْسُ في الأصْلِ خُلِقَتْ جاهِلَةً ظالِمَةً، فَهي لِجَهْلِها تَظُنُّ شِفاءَها في اتِّباعِ هَواها، وإنَّما فِيهِ تَلَفُها وعَطَبُها ولِظُلْمِها لا تَقْبَلُ مِنَ الطِّبِيبِ النّاصِحِ، بَلْ تَضَعُ الدّاءَ مَوْضِعَ الدَّواءِ، فَتَعْتَمِدُهُ وتَضَعُ الدَّواءَ مَوْضِعَ الدّاءِ، فَتَجْتَنِبُهُ فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ إيثارِها لِلدّاءِ، واجْتِنابِها لِلدَّواءِ، أنْواعٌ مِنَ الأسْقامِ والعِلَلِ الَّتِي تُعْيِي الأطِبّاءَ ويَتَعَذَّرُ مَعَها الشِّفاءُ.
والمُصِيبَةُ العُظْمى أنَّها تُرَكِّبُ ذَلِكَ عَلى القَدَرِ فَتُبَرِّئُ نَفْسَها، وتَلُومُ رَبَّها بِلِسانِ الحالِ دائِمًا، ويَقْوى اللَّوْمُ حَتّى يُصَرِّحَ بِهِ اللِّسانُ.
(فائدة)
الفَرَحُ بِالمَعْصِيَةِ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ الرَّغْبَةِ فِيها، والجَهْلِ بِقَدْرِ مَن عَصاهُ، والجَهْلِ بِسُوءِ عاقِبَتِها وعِظَمِ خَطَرِها، فَفَرَحُهُ بِها غَطّى عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وفَرَحُهُ بِها أشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِن مُواقَعَتِها، والمُؤْمِنُ لا تَتِمُّ لَهُ لَذَّةٌ بِمَعْصِيَةٍ أبَدًا، ولا يَكْمُلُ بِها فَرَحُهُ، بَلْ لا يُباشِرُها إلّا والحُزْنُ مُخالِطٌ لِقَلْبِهِ، ولَكِنَّ سُكْرَ الشَّهْوَةِ يَحْجُبُهُ عَنِ الشُّعُورِ بِهِ، ومَتى خَلّى قَلْبَهُ مِن هَذا الحُزْنِ، واشْتَدَّتْ غِبْطَتُهُ وسُرُورُهُ فَلْيَتَّهِمْ إيمانَهُ، ولْيَبْكِ عَلى مَوْتِ قَلْبِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَأحْزَنَهُ ارْتِكابُهُ لِلذَّنْبِ، وغاظَهُ وصَعُبَ عَلَيْهِ، ولا يُحِسُّ القَلْبُ بِذَلِكَ، فَحَيْثُ لَمْ يُحِسَّ بِهِ فَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامٌ.
وَهَذِهِ النُّكْتَةُ في الذَّنْبِ قَلَّ مَن يَهْتَدِي إلَيْها أوْ يَنْتَبِهُ لَها، وهي مَوْضِعٌ مَخُوفٌ جِدًّا، مُتَرامٍ إلى هَلاكٍ إنْ لَمْ يُتَدارَكْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: خَوْفٍ مِنَ المُوافاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ونَدَمٍ عَلى ما فاتَهُ مِنَ اللَّهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَشْمِيرٍ لِلْجِدِّ في اسْتِدْراكِهِ.
(فصل: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه)
هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب، فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب.
وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبة الحاجة:
"الحمدُ لله نَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهدِيهِ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أعْمالِنا".
وفي المسند والترمذي من حديث حُصين بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال له:
"يا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ؟ قال: سَبْعَةٌ، سِتَّةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ، قالَ: فَمنِ الَّذِي تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟
قالَ: الَّذِي في السَّماءِ.
قالَ: أسْلِمْ حَتّى أُعَلّمَكَ كَلماتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بها، فأسْلَمَ.
فَقالَ: قُلِ: اللهُمَّ ألْهِمْني رُشْدِي، وقِنِي شَرَّ نَفْسِي".
وقد استعاذ ﷺ من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال.
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أي أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال.
والثاني: أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها.
فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها.
وعلى الثاني: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها.
ويدخل العمل السيئ في شر النفس. فهل المعنى: ما يسوءنى من جزاء عملى، أو من عملى السيئ؟ وقد يترجح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هي استعاذة من جزائه وموجبه، وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه.
وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها.
فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم.
قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى:
﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١].
فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة.
فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثلاث أنفس؟: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة.
فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققي الصوفية.
والثاني قول كثير من أهل التصوف.
والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها. فإذا اعتبرت بنفسها فهي واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة، وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس قائمة بذاتها مساوية للأخرى في الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها.
وحيث ذكر سبحانه النفس، وأضافها إلى صاحبها، فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، وهكذا في سائر الأحاديث، ولم يجئ في موضع واحد "نفوسك" و "نفوسه" ولا "أنفسك" و"أنفسه" وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله:
﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]
أو عند إضافتها إلى الجمع، كقوله ﷺ:
"إنّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللهِ".
ولو كانت في الإنسان ثلاث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو في موضع واحد.
فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة.
﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمِئنَّةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةَ﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨].
قال ابن عباس: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾
يقول: المصدقة.
وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"
وقال الحسن: "المطمئنة بما قال الله. والمصدقة بما قال"
وقال مجاهد: "هى المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه".
وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسْبِه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين.
وإذا كانت بضد ذلك فهي أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغي، واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها. فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة.
فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل والظلم.
وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهي في الأصل جاهلة. والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله.
وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تقاس بها، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك.
(فصل)
وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين.
قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم".
وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه".
وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسئ نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته".
وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضى قدما لا يعاتب نفسه".
فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم.
وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة.
والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم.
والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه.
والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه.
وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "الكَيسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" دان نفسه: أي حاسبها.
وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".
وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه".
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه.
وقال الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".
وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك".
وقال ميمون بن مهران أيضًا: "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاصٍ، ومن شريك شحيح".
وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب" وقد روى هذا مرفوعًا من كلام النبي ﷺ. رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره.
وكان الأحنف بن قيس يجئ إلى المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكي.
وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة".
وقال الحسن: "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك. وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بينى وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله".
قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا".
وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا، ثم بمطالعة ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التي حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأس مال، فكيف يطمع في الربح؟ وهذه الجوارح السبعة وهي العين، والأذن، والفم، واللسان والفرج، واليد، والرجل: هي مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويحفظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلٌم إن السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادى يَقُولُوا الّتى هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]
وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨].
فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة حتى تُذهب رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحَسَّ بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة في المستقبل، ولا مطمع له في فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن، والاستبدال بغيره، فإنه لا بد له منه فليجتهد في مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله.
ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا.
ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدا ً﴾ [آل عمران: ٣٠].
(فصل)
ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده.
فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.
قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر.
وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار،
وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح.
فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له، ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله، ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، وما يحجم عنه.
(فصل)
النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي.
وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله.
فيحاسب نفسه: هل وفّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟
الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله.
الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.
(فصل)
وأضر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمُشِّى الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله قال: "كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتي، ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرج مغشيا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: "يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى"".
وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة، وقال تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمعِينَ عَمّا كانُوا يعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣]
وقال تعالى ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبينَ﴾ [الأعراف: ٦-٧]
وقال تعالى ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَن صِدْقِهمْ﴾ [الأحزاب: ٨].
فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟
قال مقاتل: "يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين، يعني النبيين، عن تبليغ الرسالة". وقال مجاهد: "يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل، يعني: هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل، هل بلغوا عن الله تعالى؟ ".
والتحقيق: أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل، والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن تبليغ رسالاته ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين، كما قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟
وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه".
والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه.
فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى:
﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦].
فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.
وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨].
يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟
قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد".
والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها.
(فصل)
وفي محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى.
وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا".
وقال مُطرِّف بن عبد الله: "لولا ما أعلم من نفسي لقَليْتُ الناس".
وقال مصرف في دعائه بعرفة: "اللهم لا ترد الناس لأجلى".
وقال بكر بن عبد الله المزني: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم، لولا أني كنت فيهم".
وقال أيوب السختياني: "إذا ذكر الصالحون كنتُ عنهم بمعزل".
ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: "يا أبا عبد الله، أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة، أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إني لأرجو لك ذلك".
وذكر زيد عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد: أن أباه أخبره قال: "خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي الجيش: صِلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا، فدخلت على أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت في شجرة فتراه التفت أو عده جروا؟ فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم ثم قال: أيها السبع، اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيرا، أقول: تصدع الجبال منه. قال فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس، فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ومثلى يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبى من الفترة شيء الله به عالم".
وقال يونس بن عبيد: "إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة".
وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلي".
وذكر ابن أبي الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: "كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة.
فأتِيَ في منامه. فقيل له: إن فلانا الإسكافي خير منك- ليلة بعد ليلة- فأتى الإسكافي، فسأله عن عمله. فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففضل على الراهب بإزرائه على نفسه".
وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء؛ فأثنوا عليه فقال: "لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا".
وقال أبو حفص: "من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها".
فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.
فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتا لها.
قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا علي بن الحسين المقدمي: حدثنا عامر ابن صالح عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "اللهم اغفر لي ظلمى وكفرى، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: إن الإنسان لظلوم كفار".
قال: وحدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى قال: "سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل:
﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الذين اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا، فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالَخْيَراتِ بِإذْنِ اللهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
فقالت: يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم، فجعلت نفسها معنا".
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن علي أم سلمة رضي الله عنها، فقالت:
"سَمِعْتُ الَّنبيَّ صلي اللهُ وسلم يقول: إنَّ مِن أصْحابى لمَن لا يَرانِي بَعْدَ أنْ أمُوتَ أبَدا فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحمنِ مِن عِنْدِها مَذْعُورًا، حَتّى دَخَلَ عَلَي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَقالَ لهُ: اسْمَعْ ما تَقُولُ أُمُّكَ، فَقامَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتّى أتاها فَدَخَلَ عَلَيها فَسَألها، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكِ بِاللهِ، أمِنهم أنا؟ قالَتْ: لا، ولَنْ أُبَرئَ بَعْدَكَ أحَدًا".
فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البرئ من ذلك دون سائر الصحابة.
ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل.
ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: "إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم: إن فلانا صديق".
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: "أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة. ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه. واعترف بذنبه فأتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك".
قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، أبو هلال، عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: "سلونى، فإني لين القلب، صغير عند نفسي".
وذكر أحمد أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال "كان داود عليه السلام ينظر أغمص حلقة في بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا رب مسكين بين ظهراني مساكين".
وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السلام: "يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك انهدموا".
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: "أن رجلا من بني إسرائيل تعبد ستين سنة في طلب حاجة. فلم يظفر بها. فقال في نفسه: والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك، فأتى في منامه، فقيل له: أرأيت ازدراءك على نفسك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين".
ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدا.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر في حقي عليه".
فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزدراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي الله، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسي، وأن يشكر فلا يكفر.
فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.
فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.
وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.
فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر في ذلك؛ فإنه يُسَيِّر القلبَ إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعًا منكسرًا كسرًا فيه جبره، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه. وذليلًا ذلًا فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى.
وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران الجونى عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: "إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى بالذم، وناجنى حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق".
(ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه)
أن لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلا كائنا ما كان، ومن أدلَّ بعمله لم يصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: "إني لأقوم في صلاتى؛ فأبكى حتى يكاد ينبت البقل من دموعى؛ فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل بعملك. فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه. فقال له: أوصنى، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبي إلا أن يحوطهم، وينصحهم".
ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله:
؎وَقَدْ قِيلَ: كُنْ كالكَلْبِ يُقْصِيهِ ∗∗∗ أهْلُهُوَلا يَأْتلى في نُصْحِهِمْ مُتَبَتِّلا
وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريرى قال: "بلغنى أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب إلي الله تعالى حاجته، فلم ير نجاحا، فبات ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا نفس، مالك لا [تقضى] حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أتيت ولكن من قِبَل نفسي أتِيت، فبات ليلته مزريًا، وألزم نفسه الملامة، فقضيت حاجته".
النازعات 79:41
قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾
وَهُوَ مَقامُ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ بِالِاطِّلاعِ والقُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ.
فَخَوْفُهُ مِن هَذا المَقامِ يُوجِبُ لَهُ خُشُوعَ القَلْبِ لا مَحالَةَ، وكُلَّما كانَ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لَهُ كانَ أشَدَّ خُشُوعًا، وإنَّما يُفارِقُ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنِ اطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ.
والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ مَقامُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عِنْدَ لِقائِهِ.
فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ.
وَعَلى الثّانِي وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المُخَوِّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
وأما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى وأما هوى يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهُوي بالضم، ويقال الهوى أيضا على نفس المحبوب
قال الشاعر:
؎إن التي زعمت فؤادك ملها ∗∗∗ خلقت هواك كما خلقت هوى لها
ويقال هذا هوى فلان وفلانة هواه أي مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم كما قال الله تعالى ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾
ويقال إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيدا ومنه قول النبي ﷺ
"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"
وفي الصحيحين عن عروة قال
"كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهم للنبي فقالت عائشة رضي الله عنها أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل
فلما نزلت ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قلت يا رسول الله ﷺ ما أرى ربك إلا يسارع في هواك".
وفي قصة أسارى بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت.
وذكر الحديث وفي السنن
"أن أعرابيا قال للنبي ﷺجئت أسألك عن الهوى، فقال المرء مع من أحب".
(موعظة)
من عرف ربه اشْتغل بِهِ عَن هوى نَفسه.
أنْفَع العَمَل أن تغيب فِيهِ عَن النّاس بالإخلاص، وعَن نَفسك بِشُهُود المنّة، فَلا ترى فِيهِ نَفسك ولا ترى الخلق.
دخل النّاس النّار من ثَلاثَة أبْواب:
باب شُبْهَة أورثت شكا في دين الله، وباب شَهْوَة أورثت تَقْدِيم الهوى على طاعَته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه.
أصُول الخَطايا كلها ثَلاثَة:
الكبر وهو الَّذِي أصار إبْلِيس إلى ما أصاره.
والحرص وهو الَّذِي أخرج آدم من الجنَّة.
والحسد وهو الَّذِي جرأ أحدا بني آدم على أخِيه.
فَمن وقِي شَرّ هَذِه الثَّلاثَة فقد وقي الشَّرّ.
فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحِرْص، والبَغي والظُّلم من الحَسَد.
(فائدة)
قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم.
فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح.
ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك.
قال تعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١].
فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى.
والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة، وإلى هذا مرة.
وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة.
(موعظة)
قالَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ: راحَةُ الجِسْمِ في قِلَّةِ الطَّعامِ، وراحَةُ الرُّوحِ في قِلَّةِ الآثامِ، وراحَةُ اللِّسانِ في قِلَّةِ الكَلامِ.
والذُّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنزِلَةِ السُّمُومِ، إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أضْعَفَتْهُ، ولا بُدَّ وإذا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُقاوَمَةِ الأمْراضِ، قالَ طَبِيبُ القُلُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ:
؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها
؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها
فالهَوى أكْبَرُ أدْوائِها، ومُخالَفَتُهُ أعْظَمُ أدْوِيَتِها، والنَّفْسُ في الأصْلِ خُلِقَتْ جاهِلَةً ظالِمَةً، فَهي لِجَهْلِها تَظُنُّ شِفاءَها في اتِّباعِ هَواها، وإنَّما فِيهِ تَلَفُها وعَطَبُها ولِظُلْمِها لا تَقْبَلُ مِنَ الطِّبِيبِ النّاصِحِ، بَلْ تَضَعُ الدّاءَ مَوْضِعَ الدَّواءِ، فَتَعْتَمِدُهُ وتَضَعُ الدَّواءَ مَوْضِعَ الدّاءِ، فَتَجْتَنِبُهُ فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ إيثارِها لِلدّاءِ، واجْتِنابِها لِلدَّواءِ، أنْواعٌ مِنَ الأسْقامِ والعِلَلِ الَّتِي تُعْيِي الأطِبّاءَ ويَتَعَذَّرُ مَعَها الشِّفاءُ.
والمُصِيبَةُ العُظْمى أنَّها تُرَكِّبُ ذَلِكَ عَلى القَدَرِ فَتُبَرِّئُ نَفْسَها، وتَلُومُ رَبَّها بِلِسانِ الحالِ دائِمًا، ويَقْوى اللَّوْمُ حَتّى يُصَرِّحَ بِهِ اللِّسانُ.
(فائدة)
الفَرَحُ بِالمَعْصِيَةِ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ الرَّغْبَةِ فِيها، والجَهْلِ بِقَدْرِ مَن عَصاهُ، والجَهْلِ بِسُوءِ عاقِبَتِها وعِظَمِ خَطَرِها، فَفَرَحُهُ بِها غَطّى عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وفَرَحُهُ بِها أشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِن مُواقَعَتِها، والمُؤْمِنُ لا تَتِمُّ لَهُ لَذَّةٌ بِمَعْصِيَةٍ أبَدًا، ولا يَكْمُلُ بِها فَرَحُهُ، بَلْ لا يُباشِرُها إلّا والحُزْنُ مُخالِطٌ لِقَلْبِهِ، ولَكِنَّ سُكْرَ الشَّهْوَةِ يَحْجُبُهُ عَنِ الشُّعُورِ بِهِ، ومَتى خَلّى قَلْبَهُ مِن هَذا الحُزْنِ، واشْتَدَّتْ غِبْطَتُهُ وسُرُورُهُ فَلْيَتَّهِمْ إيمانَهُ، ولْيَبْكِ عَلى مَوْتِ قَلْبِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَأحْزَنَهُ ارْتِكابُهُ لِلذَّنْبِ، وغاظَهُ وصَعُبَ عَلَيْهِ، ولا يُحِسُّ القَلْبُ بِذَلِكَ، فَحَيْثُ لَمْ يُحِسَّ بِهِ فَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامٌ.
وَهَذِهِ النُّكْتَةُ في الذَّنْبِ قَلَّ مَن يَهْتَدِي إلَيْها أوْ يَنْتَبِهُ لَها، وهي مَوْضِعٌ مَخُوفٌ جِدًّا، مُتَرامٍ إلى هَلاكٍ إنْ لَمْ يُتَدارَكْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: خَوْفٍ مِنَ المُوافاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ونَدَمٍ عَلى ما فاتَهُ مِنَ اللَّهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَشْمِيرٍ لِلْجِدِّ في اسْتِدْراكِهِ.
(فصل: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه)
هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب، فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب.
وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبة الحاجة:
"الحمدُ لله نَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهدِيهِ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أعْمالِنا".
وفي المسند والترمذي من حديث حُصين بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال له:
"يا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ؟ قال: سَبْعَةٌ، سِتَّةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ، قالَ: فَمنِ الَّذِي تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟
قالَ: الَّذِي في السَّماءِ.
قالَ: أسْلِمْ حَتّى أُعَلّمَكَ كَلماتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بها، فأسْلَمَ.
فَقالَ: قُلِ: اللهُمَّ ألْهِمْني رُشْدِي، وقِنِي شَرَّ نَفْسِي".
وقد استعاذ ﷺ من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال.
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أي أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال.
والثاني: أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها.
فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها.
وعلى الثاني: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها.
ويدخل العمل السيئ في شر النفس. فهل المعنى: ما يسوءنى من جزاء عملى، أو من عملى السيئ؟ وقد يترجح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هي استعاذة من جزائه وموجبه، وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه.
وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها.
فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم.
قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى:
﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا * فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١].
فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة.
فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثلاث أنفس؟: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة.
فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققي الصوفية.
والثاني قول كثير من أهل التصوف.
والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها. فإذا اعتبرت بنفسها فهي واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة، وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس قائمة بذاتها مساوية للأخرى في الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها.
وحيث ذكر سبحانه النفس، وأضافها إلى صاحبها، فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، وهكذا في سائر الأحاديث، ولم يجئ في موضع واحد "نفوسك" و "نفوسه" ولا "أنفسك" و"أنفسه" وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله:
﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]
أو عند إضافتها إلى الجمع، كقوله ﷺ:
"إنّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللهِ".
ولو كانت في الإنسان ثلاث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو في موضع واحد.
فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة.
﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمِئنَّةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةَ﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨].
قال ابن عباس: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾
يقول: المصدقة.
وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"
وقال الحسن: "المطمئنة بما قال الله. والمصدقة بما قال"
وقال مجاهد: "هى المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه".
وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسْبِه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين.
وإذا كانت بضد ذلك فهي أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغي، واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها. فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة.
فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل والظلم.
وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهي في الأصل جاهلة. والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله.
وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تقاس بها، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك.
(فصل)
وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين.
قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هي النفس اللئوم".
وقال مجاهد: "هى التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه".
وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسئ نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته".
وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضى قدما لا يعاتب نفسه".
فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم.
وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة.
والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم.
والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه.
والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه.
وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "الكَيسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" دان نفسه: أي حاسبها.
وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".
وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه".
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه.
وقال الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".
وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك".
وقال ميمون بن مهران أيضًا: "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاصٍ، ومن شريك شحيح".
وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب" وقد روى هذا مرفوعًا من كلام النبي ﷺ. رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره.
وكان الأحنف بن قيس يجئ إلى المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكي.
وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة".
وقال الحسن: "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك. وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بينى وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله".
قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا".
وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا، ثم بمطالعة ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التي حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأس مال، فكيف يطمع في الربح؟ وهذه الجوارح السبعة وهي العين، والأذن، والفم، واللسان والفرج، واليد، والرجل: هي مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويحفظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلٌم إن السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادى يَقُولُوا الّتى هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]
وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨].
فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة حتى تُذهب رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحَسَّ بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة في المستقبل، ولا مطمع له في فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن، والاستبدال بغيره، فإنه لا بد له منه فليجتهد في مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله.
ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا.
ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدا ً﴾ [آل عمران: ٣٠].
(فصل)
ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده.
فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.
قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر.
وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار،
وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح.
فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له، ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله، ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، وما يحجم عنه.
(فصل)
النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي.
وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله.
فيحاسب نفسه: هل وفّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟
الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله.
الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.
(فصل)
وأضر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمُشِّى الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله قال: "كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتي، ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرج مغشيا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: "يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى"".
وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة، وقال تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمعِينَ عَمّا كانُوا يعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣]
وقال تعالى ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبينَ﴾ [الأعراف: ٦-٧]
وقال تعالى ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَن صِدْقِهمْ﴾ [الأحزاب: ٨].
فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟
قال مقاتل: "يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين، يعني النبيين، عن تبليغ الرسالة". وقال مجاهد: "يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل، يعني: هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل، هل بلغوا عن الله تعالى؟ ".
والتحقيق: أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل، والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن تبليغ رسالاته ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين، كما قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟
وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه".
والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه.
فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى:
﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦].
فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.
وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨].
يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟
قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد".
والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها.
(فصل)
وفي محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى.
وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا".
وقال مُطرِّف بن عبد الله: "لولا ما أعلم من نفسي لقَليْتُ الناس".
وقال مصرف في دعائه بعرفة: "اللهم لا ترد الناس لأجلى".
وقال بكر بن عبد الله المزني: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم، لولا أني كنت فيهم".
وقال أيوب السختياني: "إذا ذكر الصالحون كنتُ عنهم بمعزل".
ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: "يا أبا عبد الله، أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة، أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله، إني لأرجو لك ذلك".
وذكر زيد عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد: أن أباه أخبره قال: "خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي الجيش: صِلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا، فدخلت على أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت في شجرة فتراه التفت أو عده جروا؟ فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم ثم قال: أيها السبع، اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيرا، أقول: تصدع الجبال منه. قال فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس، فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ومثلى يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبى من الفترة شيء الله به عالم".
وقال يونس بن عبيد: "إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة".
وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلي".
وذكر ابن أبي الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: "كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة.
فأتِيَ في منامه. فقيل له: إن فلانا الإسكافي خير منك- ليلة بعد ليلة- فأتى الإسكافي، فسأله عن عمله. فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففضل على الراهب بإزرائه على نفسه".
وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء؛ فأثنوا عليه فقال: "لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا".
وقال أبو حفص: "من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها".
فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.
فالنعمة التي لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتا لها.
قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا علي بن الحسين المقدمي: حدثنا عامر ابن صالح عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "اللهم اغفر لي ظلمى وكفرى، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: إن الإنسان لظلوم كفار".
قال: وحدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى قال: "سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل:
﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الذين اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا، فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ بِالَخْيَراتِ بِإذْنِ اللهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
فقالت: يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم، فجعلت نفسها معنا".
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن علي أم سلمة رضي الله عنها، فقالت:
"سَمِعْتُ الَّنبيَّ صلي اللهُ وسلم يقول: إنَّ مِن أصْحابى لمَن لا يَرانِي بَعْدَ أنْ أمُوتَ أبَدا فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحمنِ مِن عِنْدِها مَذْعُورًا، حَتّى دَخَلَ عَلَي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَقالَ لهُ: اسْمَعْ ما تَقُولُ أُمُّكَ، فَقامَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتّى أتاها فَدَخَلَ عَلَيها فَسَألها، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكِ بِاللهِ، أمِنهم أنا؟ قالَتْ: لا، ولَنْ أُبَرئَ بَعْدَكَ أحَدًا".
فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البرئ من ذلك دون سائر الصحابة.
ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل.
ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: "إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم: إن فلانا صديق".
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: "أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة. ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه. واعترف بذنبه فأتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك".
قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، أبو هلال، عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: "سلونى، فإني لين القلب، صغير عند نفسي".
وذكر أحمد أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال "كان داود عليه السلام ينظر أغمص حلقة في بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا رب مسكين بين ظهراني مساكين".
وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السلام: "يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك انهدموا".
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: "أن رجلا من بني إسرائيل تعبد ستين سنة في طلب حاجة. فلم يظفر بها. فقال في نفسه: والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك، فأتى في منامه، فقيل له: أرأيت ازدراءك على نفسك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين".
ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدا.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر في حقي عليه".
فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزدراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي الله، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسي، وأن يشكر فلا يكفر.
فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.
فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.
وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.
فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر في ذلك؛ فإنه يُسَيِّر القلبَ إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعًا منكسرًا كسرًا فيه جبره، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه. وذليلًا ذلًا فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى.
وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران الجونى عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: "إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى بالذم، وناجنى حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق".
(ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه)
أن لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلا كائنا ما كان، ومن أدلَّ بعمله لم يصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: "إني لأقوم في صلاتى؛ فأبكى حتى يكاد ينبت البقل من دموعى؛ فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل بعملك. فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه. فقال له: أوصنى، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبي إلا أن يحوطهم، وينصحهم".
ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله:
؎وَقَدْ قِيلَ: كُنْ كالكَلْبِ يُقْصِيهِ ∗∗∗ أهْلُهُوَلا يَأْتلى في نُصْحِهِمْ مُتَبَتِّلا
وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريرى قال: "بلغنى أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب إلي الله تعالى حاجته، فلم ير نجاحا، فبات ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا نفس، مالك لا [تقضى] حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أتيت ولكن من قِبَل نفسي أتِيت، فبات ليلته مزريًا، وألزم نفسه الملامة، فقضيت حاجته".
النازعات 79:42
(فائدة)
السر في حذف الألف من (ما) الاستفهامية عند حرف الجر أنهم أرادوا مشاكلة اللفظ للمعنى فحذفوا الألف لأن معنى قولهم (فيم) ترغب في أي شيء، وإلام تذهب إلى أي شيء وحتام لا ترجع حتى أي غاية تستمر ونحوه.
فحذفوا الألف مع الجار ولم يحذفوها في حال النصب والرفع كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد، فإذا اتصل بها حرف الجر أو اسم مضاف اعتمدت عليه لأن الخافض والمخفوض بمنزلة كلمة واحدة وربما حذفوا الألف في غير موضع الخفض.
ولكن إذا حذفوا الخبر فيقولون مه يا زيد.
أي ما الخبر وما الأمر؟
فلما كثر الحذف في المعنى كثر في اللفظ، ولكن لا بد من هاء السكت لتقف عليها.
ومنه قولهم (مهيم) كان الأصل ما هذا يا امرؤ.
فاقتصروا من كل كلمة على حرف، وهذا غاية الاختصار والحذف.
والذي شجعهم على ذلك أمنهم من اللبس لدلالة حال المسئول والمسئول عنه على المحذوف فهم المخاطب من قوله (مهيم) ما يفهم من تلك الكلمات الأربع.
ونظير هذا قولهم (أيش) في أي شيء، و (م الله) في يمين الله.
النازعات 79:43
(فائدة)
السر في حذف الألف من (ما) الاستفهامية عند حرف الجر أنهم أرادوا مشاكلة اللفظ للمعنى فحذفوا الألف لأن معنى قولهم (فيم) ترغب في أي شيء، وإلام تذهب إلى أي شيء وحتام لا ترجع حتى أي غاية تستمر ونحوه.
فحذفوا الألف مع الجار ولم يحذفوها في حال النصب والرفع كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد، فإذا اتصل بها حرف الجر أو اسم مضاف اعتمدت عليه لأن الخافض والمخفوض بمنزلة كلمة واحدة وربما حذفوا الألف في غير موضع الخفض.
ولكن إذا حذفوا الخبر فيقولون مه يا زيد.
أي ما الخبر وما الأمر؟
فلما كثر الحذف في المعنى كثر في اللفظ، ولكن لا بد من هاء السكت لتقف عليها.
ومنه قولهم (مهيم) كان الأصل ما هذا يا امرؤ.
فاقتصروا من كل كلمة على حرف، وهذا غاية الاختصار والحذف.
والذي شجعهم على ذلك أمنهم من اللبس لدلالة حال المسئول والمسئول عنه على المحذوف فهم المخاطب من قوله (مهيم) ما يفهم من تلك الكلمات الأربع.
ونظير هذا قولهم (أيش) في أي شيء، و (م الله) في يمين الله.
النازعات 79:44
(فائدة)
السر في حذف الألف من (ما) الاستفهامية عند حرف الجر أنهم أرادوا مشاكلة اللفظ للمعنى فحذفوا الألف لأن معنى قولهم (فيم) ترغب في أي شيء، وإلام تذهب إلى أي شيء وحتام لا ترجع حتى أي غاية تستمر ونحوه.
فحذفوا الألف مع الجار ولم يحذفوها في حال النصب والرفع كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد، فإذا اتصل بها حرف الجر أو اسم مضاف اعتمدت عليه لأن الخافض والمخفوض بمنزلة كلمة واحدة وربما حذفوا الألف في غير موضع الخفض.
ولكن إذا حذفوا الخبر فيقولون مه يا زيد.
أي ما الخبر وما الأمر؟
فلما كثر الحذف في المعنى كثر في اللفظ، ولكن لا بد من هاء السكت لتقف عليها.
ومنه قولهم (مهيم) كان الأصل ما هذا يا امرؤ.
فاقتصروا من كل كلمة على حرف، وهذا غاية الاختصار والحذف.
والذي شجعهم على ذلك أمنهم من اللبس لدلالة حال المسئول والمسئول عنه على المحذوف فهم المخاطب من قوله (مهيم) ما يفهم من تلك الكلمات الأربع.
ونظير هذا قولهم (أيش) في أي شيء، و (م الله) في يمين الله.
عبس 80:8
(فائدة)
[الذُّهُولُ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النِّسْيانِ]
فَمِثالُ الذُّهُولِ أنْ يَحْلِفَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا هو مُعْتادٌ لِفِعْلِهِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ والغَفْلَةُ فَيَفْعَلَهُ.
والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ النّاسِي أنَّ النّاسِيَ يَكُونُ قَدْ غابَ عَنْهُ اليَمِينُ بِالكُلِّيَّةِ فَيَفْعَلُ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ ذاكِرًا لَهُ عامِدًا لِفِعْلِهِ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وأمّا الغافِلُ والذّاهِلُ واللّاهِي فَلَيْسَ بِناسٍ لِيَمِينِهِ، ولَكِنَّهُ لَها عَنْها أوْ ذَهَلَ كَما يَذْهَلُ الرَّجُلُ عَنْ الشَّيْءِ في يَدِهِ أوْ حِجْرِهِ بِحَدِيثٍ أوْ نَظَرٍ إلى شَيْءٍ أوْ نَحْوِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى - وهو يَخْشى - فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ٨-١٠].
يُقالُ: لَهي عَنْ الشَّيْءِ يَلْهى كَغَشِيَ يَغْشى إذا غَفَلَ، ولَها بِهِ يَلْهُو، إذا لَعِبَ؛ وفي الحَدِيثِ «فَلَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ كانَ في يَدَيْهِ» أيْ اشْتَغَلَ بِهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الآخَرُ «إذا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فالهُ عَنْهُ».
وَسُئِلَ الحَسَنُ عَمّا يَجِدُهُ الرَّجُلُ مِن البِلَّةِ بَعْدَ الوُضُوءِ والِاسْتِنْجاءِ، فَقالَ " الهَ عَنْهُ "
وَكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَها عَنْ حَدِيثِهِ.
وَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِرَجُلٍ بَعَثَهُ بِمالٍ إلى أبِي عُبَيْدَةَ ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ: " تَلَهَّ عَنْهُ ثُمَّ انْظُرْ ماذا يَصْنَعُ بِهِ ".
وَمِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎وَقالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْت آمُلُهُ ∗∗∗ لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
أيْ لا أشْغَلُك عَنْ شَأْنِك وأمْرِك.
وَفِي المُسْنَدِ:
«سَألْت رَبِّي أنْ لا يُعَذِّبَ اللّاهِينَ مِن أُمَّتِي»
وَهم البُلْهُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الذُّنُوبَ.
وَقِيلَ: هم الأطْفالُ الَّذِينَ لَمْ يَقْتَرِفُوا ذَنْبًا.
عبس 80:9
(فائدة)
[الذُّهُولُ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النِّسْيانِ]
فَمِثالُ الذُّهُولِ أنْ يَحْلِفَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا هو مُعْتادٌ لِفِعْلِهِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ والغَفْلَةُ فَيَفْعَلَهُ.
والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ النّاسِي أنَّ النّاسِيَ يَكُونُ قَدْ غابَ عَنْهُ اليَمِينُ بِالكُلِّيَّةِ فَيَفْعَلُ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ ذاكِرًا لَهُ عامِدًا لِفِعْلِهِ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وأمّا الغافِلُ والذّاهِلُ واللّاهِي فَلَيْسَ بِناسٍ لِيَمِينِهِ، ولَكِنَّهُ لَها عَنْها أوْ ذَهَلَ كَما يَذْهَلُ الرَّجُلُ عَنْ الشَّيْءِ في يَدِهِ أوْ حِجْرِهِ بِحَدِيثٍ أوْ نَظَرٍ إلى شَيْءٍ أوْ نَحْوِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى - وهو يَخْشى - فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ٨-١٠].
يُقالُ: لَهي عَنْ الشَّيْءِ يَلْهى كَغَشِيَ يَغْشى إذا غَفَلَ، ولَها بِهِ يَلْهُو، إذا لَعِبَ؛ وفي الحَدِيثِ «فَلَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ كانَ في يَدَيْهِ» أيْ اشْتَغَلَ بِهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الآخَرُ «إذا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فالهُ عَنْهُ».
وَسُئِلَ الحَسَنُ عَمّا يَجِدُهُ الرَّجُلُ مِن البِلَّةِ بَعْدَ الوُضُوءِ والِاسْتِنْجاءِ، فَقالَ " الهَ عَنْهُ "
وَكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَها عَنْ حَدِيثِهِ.
وَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِرَجُلٍ بَعَثَهُ بِمالٍ إلى أبِي عُبَيْدَةَ ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ: " تَلَهَّ عَنْهُ ثُمَّ انْظُرْ ماذا يَصْنَعُ بِهِ ".
وَمِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎وَقالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْت آمُلُهُ ∗∗∗ لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
أيْ لا أشْغَلُك عَنْ شَأْنِك وأمْرِك.
وَفِي المُسْنَدِ:
«سَألْت رَبِّي أنْ لا يُعَذِّبَ اللّاهِينَ مِن أُمَّتِي»
وَهم البُلْهُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الذُّنُوبَ.
وَقِيلَ: هم الأطْفالُ الَّذِينَ لَمْ يَقْتَرِفُوا ذَنْبًا.
عبس 80:10
(فائدة)
[الذُّهُولُ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النِّسْيانِ]
فَمِثالُ الذُّهُولِ أنْ يَحْلِفَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا هو مُعْتادٌ لِفِعْلِهِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ والغَفْلَةُ فَيَفْعَلَهُ.
والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ النّاسِي أنَّ النّاسِيَ يَكُونُ قَدْ غابَ عَنْهُ اليَمِينُ بِالكُلِّيَّةِ فَيَفْعَلُ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ ذاكِرًا لَهُ عامِدًا لِفِعْلِهِ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وأمّا الغافِلُ والذّاهِلُ واللّاهِي فَلَيْسَ بِناسٍ لِيَمِينِهِ، ولَكِنَّهُ لَها عَنْها أوْ ذَهَلَ كَما يَذْهَلُ الرَّجُلُ عَنْ الشَّيْءِ في يَدِهِ أوْ حِجْرِهِ بِحَدِيثٍ أوْ نَظَرٍ إلى شَيْءٍ أوْ نَحْوِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى - وهو يَخْشى - فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ٨-١٠].
يُقالُ: لَهي عَنْ الشَّيْءِ يَلْهى كَغَشِيَ يَغْشى إذا غَفَلَ، ولَها بِهِ يَلْهُو، إذا لَعِبَ؛ وفي الحَدِيثِ «فَلَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ كانَ في يَدَيْهِ» أيْ اشْتَغَلَ بِهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الآخَرُ «إذا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فالهُ عَنْهُ».
وَسُئِلَ الحَسَنُ عَمّا يَجِدُهُ الرَّجُلُ مِن البِلَّةِ بَعْدَ الوُضُوءِ والِاسْتِنْجاءِ، فَقالَ " الهَ عَنْهُ "
وَكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَها عَنْ حَدِيثِهِ.
وَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِرَجُلٍ بَعَثَهُ بِمالٍ إلى أبِي عُبَيْدَةَ ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ: " تَلَهَّ عَنْهُ ثُمَّ انْظُرْ ماذا يَصْنَعُ بِهِ ".
وَمِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎وَقالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْت آمُلُهُ ∗∗∗ لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
أيْ لا أشْغَلُك عَنْ شَأْنِك وأمْرِك.
وَفِي المُسْنَدِ:
«سَألْت رَبِّي أنْ لا يُعَذِّبَ اللّاهِينَ مِن أُمَّتِي»
وَهم البُلْهُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الذُّنُوبَ.
وَقِيلَ: هم الأطْفالُ الَّذِينَ لَمْ يَقْتَرِفُوا ذَنْبًا.
عبس 80:21
(فائدة)
ذكر أحمد بن مروان المالكي عن ابن عباس أنه سئل عن ميت مات ولم يوجد له كفن؟
قال: "يكب على وجهه ولا يستقبل بوجهه القبلة"
قلت: هذا بعيد الصحة من عبد الله بن عباس بل هو باطل، والصواب أنه يستر بحاجز من تراب ويوضع في لحده على جنبه مستقبل القبلة كما ينام العريان الذي نشر عليه ملاءة أو غيرها وإذا كان عليه حاجز من تراب وهو مستقبل القبلة كان بمنزلة من عليه ثيابه.
عبس 80:24
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
عبس 80:25
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
عبس 80:26
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
عبس 80:27
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
عبس 80:28
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
عبس 80:29
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
عبس 80:30
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
عبس 80:31
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
عبس 80:32
جَعَلَ سُبْحانَهُ نَظَرَهُ في إخْراجِ طَعامِهِ مِن الأرْضِ دَلِيلًا عَلى إخْراجِهِ هو مِنها بَعْدَ مَوْتِهِ، اسْتِدْلالًا بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ.
التكوير 81:1
(لطيفة)
قرأ قارئ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وفي الحاضرين أبو الوفا ابن عقيل.
فقال له قائل: يا سيدي، هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية وسيّر الجبال، ودكّ الأرض، وفطّر السماء، ونثر النجوم، وكوّرت الشمس؟
فقال: إنما بني لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه: لحسن التأمل والتذكر.
فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خرّبها، لانتقال الساكن منها.
فأراد أن يعلمهم بأن الكون كان معموا بهم. وفي إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وبيان المقدرة بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد، وزنادقة المنجمين، وعبّاد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت، وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت، ومحالّها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم، وظهر أن العالم مربوب محدث، مدبّر، له رب يصرفه كيف يشاء، تكذيبا لملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدم.
فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار، ودلالة على عظيم عزته وقدرته، وسلطانه، وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره، وإذعانها لمشيئته. فتبارك الله رب العالمين.
التكوير 81:2
(لطيفة)
قرأ قارئ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وفي الحاضرين أبو الوفا ابن عقيل.
فقال له قائل: يا سيدي، هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية وسيّر الجبال، ودكّ الأرض، وفطّر السماء، ونثر النجوم، وكوّرت الشمس؟
فقال: إنما بني لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه: لحسن التأمل والتذكر.
فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خرّبها، لانتقال الساكن منها.
فأراد أن يعلمهم بأن الكون كان معموا بهم. وفي إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وبيان المقدرة بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد، وزنادقة المنجمين، وعبّاد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت، وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت، ومحالّها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم، وظهر أن العالم مربوب محدث، مدبّر، له رب يصرفه كيف يشاء، تكذيبا لملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدم.
فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار، ودلالة على عظيم عزته وقدرته، وسلطانه، وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره، وإذعانها لمشيئته. فتبارك الله رب العالمين.
التكوير 81:3
(لطيفة)
قرأ قارئ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وفي الحاضرين أبو الوفا ابن عقيل.
فقال له قائل: يا سيدي، هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية وسيّر الجبال، ودكّ الأرض، وفطّر السماء، ونثر النجوم، وكوّرت الشمس؟
فقال: إنما بني لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه: لحسن التأمل والتذكر.
فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خرّبها، لانتقال الساكن منها.
فأراد أن يعلمهم بأن الكون كان معموا بهم. وفي إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وبيان المقدرة بعد بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد، وزنادقة المنجمين، وعبّاد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت، وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت، ومحالّها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم، وظهر أن العالم مربوب محدث، مدبّر، له رب يصرفه كيف يشاء، تكذيبا لملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدم.
فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار، ودلالة على عظيم عزته وقدرته، وسلطانه، وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره، وإذعانها لمشيئته. فتبارك الله رب العالمين.
التكوير 81:5
(فائدة)
الدليل على حشر الوحوش وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
الثالث: حديث مانع صدقه الإبل والبقر والغنم وأنها تجيء يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها وهو متفق على صحته.
الرابع: حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه " أن النبي ﷺ رأى شاتين ينتطحان فقال: يا أبا ذر أتدري فيم ينتطحان؟ قال: قلت لا، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما"
رواه أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مسنده
الخامس: الآثار الواردة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ويَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾
وأن الله تعالى يجمع الوحوش ثم يقتص من بعضها لبعض ثم يقول لها: كوني ترابا فتكون ترابا فعندها يقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾.
التكوير 81:7
أي قرن بَين كل شكل وشكله في النَّعيم والعَذاب.
قالَ عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ في هَذِه الآيَة الصّالح مَعَ الصّالح في الجنَّة والفاجر مَعَ الفاجِر في النّار
وَقالَهُ الحسن وقَتادَة والأكْثَرُونَ.
وَقيل زوجت أنفس المُؤمنِينَ بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين.
وَهُوَ راجع إلى القَوْل الأول.
وقال في (زاد المعاد)
وَقالَ تَعالى: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾
أيْ: قَرَنَ كُلَّ صاحِبِ عَمَلٍ بِشَكْلِهِ ونَظِيرِهِ، فَقَرَنَ بَيْنَ المُتَحابَّيْنِ في اللَّهِ في الجَنَّةِ، وقَرَنَ بَيْنَ المُتَحابَّيْنِ في طاعَةِ الشَّيْطانِ في الجَحِيمِ، فالمَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ شاءَ أوْ أبى، وفي "مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ"، وغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
«لا يُحِبُّ المَرْءُ قَوْمًا إلّا حُشِرَ مَعَهُمْ».
وقال في (إغاثة اللهفان)
وقال تعالى: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾
فقرن كل شكل إلى شكله، وجعل معه قرينا وزوجا: البر مع البر، والفاجر مع الفاجر.
والمقصود: أن من أحب شيئا سوى الله عز وجل فالضرر حاصل له بمحبوبه: إن وجد وإن فقد، فإنه إن فقده عذب بفراقه، وتألم على قدر تعلق قلبه به، وإن وجده كان ما يحصل له من الألم قبل حصوله، ومن النكد في حال حصوله، ومن الحسرة عليه بعد فوته، أضعاف أضعاف ما في حصوله له من اللذة.
وقال في (طريق الهجرتين)
روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية فقال: يقرن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء في النار.
وقال الحسن وقتادة: يلحق كل بشيعته، اليهودي باليهودي، والنصراني بالنصراني.
وقال الربيع: يحشر الرجل مع صاحب عمله.
وفى الآية ثلاثة أقوال أُخر:
أحدها: أن تزويج النفوس اقترانها بأجسادها وردها إليها.
الثاني: تزويجها اقترانها بأعمالها.
الثالث: أنه تزويج المؤمنين الحور العين، وتزويج الكفار بالشياطين.
والقول الأول أظهر الأقوال، والله أعلم.
التكوير 81:8
هَذا السُّؤالُ إنَّما هو إقامَةٌ لِحُجَّتِهِ سُبْحانَهُ عَلى تَعْذِيبِ مَن وأدَها: إذْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقِّها.
[فَصْلٌ: في احتجاجِ من يرى أنّ أوْلادَ المُشْرِكِينَ في النّارِ]
عَنْ عامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ قالَ:
«قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمَّنا كانَتْ تَصِلُ الرَّحِمَ، وتُقْرِي الضَّيْفَ، وتُطْعِمُ الطَّعامَ، وإنَّها كانَتْ وأدَتْ في الجاهِلِيَّةِ فَماتَتْ قَبْلَ الإسْلامِ، فَهَلْ يَنْفَعُها عَمَلٌ إنْ عَمِلْنا عَنْها؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لا يَنْفَعُ الإسْلامُ إلّا مَن أدْرَكَ، أُمُّكم وما وأدَتْ في النّارِ» ".
وَرَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ عامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:
«الوائِدَةُ والمَوْءُودَةُ في النّارِ»
وَهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كُلَّهم في النّارِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ هَذا الجِنْسِ في النّارِ، وهَذا حَقٌّ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَقَدْ رَدَّ بَعْضُهم عَلى الحَدِيثِ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِنَصِّ القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ - بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
سَواءٌ كانَ المَعْنى أنَّها تُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ لِمَن وأدَها، أوْ تُطْلَبُ مِمَّنْ وأدَها كَما تُطْلَبُ الأمانَةُ مِمَّنِ اؤْتُمِنَ عَلَيْها.
وَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، فَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَها تُقْتَلُ بِهِ في الدُّنْيا، قِتْلَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ تُقْتَلُ في النّارِ قَتَلاتٍ دائِمَةً، ولا ذَنْبَ لَها؟ فاللَّهُ أعْدَلُ، وأرْحَمُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قَتَلَها بِلا ذَنْبٍ، فَكَيْفَ يُعَذِّبُها تَبارَكَ وتَعالى بِلا ذَنْبٍ؟ وهَذا المَعْنى حَقٌّ لا يُعارِضُ نَصَّ القُرْآنِ، فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أنَّ المَوْءُودَةَ في النّارِ بِلا ذَنْبٍ، فَهَذا لا يَفْعَلُهُ اللَّهُ قَطْعًا، وإنَّما يُدْخِلُها النّارَ بِحُجَّتِهِ الَّتِي يُقِيمُها يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَكَّبَ في الأطْفالِ العَقْلَ، وامْتَحَنَهُمْ، وأخْرَجَتِ المِحْنَةُ مِنهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ النّارَ.
[فَصْلٌ: في حُكْمِهِ ﷺ في العَزْلِ]
ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ «أبي سعيد قالَ أصَبْنا سَبْيًا، فَكُنّا نَعْزِلُ فَسَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: " وإنَّكم لَتَفْعَلُونَ؟ " قالَها ثَلاثًا. " ما مِن نَسَمَةٍ كائِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا وهي كائِنَةٌ».
وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي جارِيَةً وأنا أعْزِلُ عَنْها، وأنا أكْرَهُ أنْ تَحْمِلَ، وأنا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليَهُودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ المَوْءُودَةُ الصُّغْرى، قالَ: " كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَهُ ما اسْتَطَعْتَ أنْ تَصْرِفَهُ».
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ جابر قالَ: «كُنّا نَعْزِلُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُرْآنُ يَنْزِلُ».
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْهُ
«كُنّا نَعْزِلُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنا».
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " أيْضًا: عَنْهُ قالَ: «سَألَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ إنَّ عِنْدِي جارِيَةً، وأنا أعْزِلُ عَنْها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ شَيْئًا أرادَهُ اللَّهُ".
قالَ: فَجاءَ الرَّجُلُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ الجارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُها لَكَ حَمَلَتْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ».
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " أيْضًا: عَنْ (أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أعْزِلُ عَنِ امْرَأتِي، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلى ولَدِها، أوْ قالَ عَلى أوْلادِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَوْ كانَ ضارًّا ضَرَّ فارِسَ والرُّومَ».
وَفِي " مُسْنَدِ أحمد " و" سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ " مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ:
«نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْزَلَ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها».
وَقالَ أبو داود: سَمِعْتُ أبا عبد الله ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ المحرر بن أبي هريرة، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُعْزَلُ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها» فَقالَ ما أنْكَرَهُ.
فَهَذِهِ الأحادِيثُ صَرِيحَةٌ في جَوازِ العَزْلِ، وقَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ علي وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وأبي أيوب وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وجابر وابْنِ عَبّاسٍ والحسن بن علي وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. قالَ ابْنُ حَزْمٍ: وجاءَتِ الإباحَةُ لِلْعَزْلِ صَحِيحَةً عَنْ جابر وابْنِ عَبّاسٍ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهَذا هو الصَّحِيحُ.
وَحَرَّمَهُ جَماعَةٌ مِنهم أبو محمد ابن حزم وغَيْرُهُ.
وَفَرَّقَتْ طائِفَةٌ بَيْنَ أنْ تَأْذَنَ لَهُ الحُرَّةُ، فَيُباحُ أوْ لا تَأْذَنُ فَيَحْرُمُ، وإنْ كانَتْ زَوْجَتُهُ أمَةً أُبِيحَ بِإذْنِ سَيِّدِها، ولَمْ يُبَحْ بِدُونِ إذْنِهِ، وهَذا مَنصُوصُ أحمد، ومِن أصْحابِهِ مَن قالَ: لا يُباحُ بِحالٍ. ومِنهم مَن قالَ: يُباحُ بِكُلِّ حالٍ. ومِنهم مَن قالَ: يُباحُ بِإذْنِ الزَّوْجَةِ حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً ولا يُباحُ بِدُونِ إذْنِها حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً.
فَمَن أباحَهُ مُطْلَقًا احْتَجَّ بِما ذَكَرْنا مِنَ الأحادِيثِ، وبِأنَّ حَقَّ المَرْأةِ في ذَوْقِ العُسَيْلَةِ لا في الإنْزالِ، ومَن حَرَّمَهُ مُطْلَقًا احْتَجَّ بِما رَواهُ مسلم في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ (جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالَ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أُناسٍ فَسَألُوهُ عَنِ العَزْلِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ " وهي ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]»
قالُوا: وهَذا ناسِخٌ لِأخْبارِ الإباحَةِ فَإنَّهُ ناقِلٌ عَنِ الأصْلِ وأحادِيثُ الإباحَةِ عَلى وفْقِ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، وأحْكامُ الشَّرْعِ ناقِلَةٌ عَنِ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ. قالُوا: وقَوْلُ جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كُنّا نَعْزِلُ والقُرْآنُ يَنْزِلُ فَلَوْ كانَ شَيْئًا يَنْهى عَنْهُ لَنَهى عَنْهُ القُرْآنُ».
فَيُقالُ: قَدْ نَهى عَنْهُ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ بِقَوْلِهِ «إنَّهُ المَوْءُودَةُ الصُّغْرى» والوَأْدُ كُلُّهُ حَرامٌ. قالُوا: وقَدْ فَهِمَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ النَّهْيَ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا ذُكِرَ العَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا عَلَيْكم ألّا تَفْعَلُوا ذاكم فَإنَّما هو القَدَرُ».
قالَ ابن عون: فَحَدَّثْتُ بِهِ الحسن فَقالَ: واللَّهِ لَكَأنَّ هَذا زَجْرٌ. قالُوا: ولِأنَّ فِيهِ قَطْعَ النَّسْلِ المَطْلُوبِ مِنَ النِّكاحِ وسُوءَ العِشْرَةِ وقَطْعَ اللَّذَّةِ عِنْدَ اسْتِدْعاءِ الطَّبِيعَةِ لَها.
قالُوا: ولِهَذا كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَعْزِلُ، وقالَ: (لَوْ عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا مِن ولَدِي يَعْزِلُ لَنَكَّلْتُهُ)، وكانَ علي يَكْرَهُ العَزْلَ ذَكَرَهُ شعبة عَنْ عاصم عَنْ زر عَنْهُ. وصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في العَزْلِ: هو المَوْءُودَةُ الصُّغْرى. وصَحَّ عَنْ أبي أمامة أنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقالَ: (ما كُنْتُ أرى مُسْلِمًا يَفْعَلُهُ) وقالَ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ضَرَبَ عمر عَلى العَزْلِ بَعْضَ بَنِيهِ).
وَقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: (كانَ عمر وعثمان يَنْهَيانِ عَنِ العَزْلِ).
وَلَيْسَ في هَذا ما يُعارِضُ أحادِيثَ الإباحَةِ مَعَ صَراحَتِها وصِحَّتِها، أمّا حَدِيثُ جدامة بنت وهب، فَإنَّهُ وإنْ كانَ رَواهُ مسلم، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ قالَ أبو داود: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أبان، حَدَّثَنا يحيى أنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حَدَّثَهُ أنَّ رفاعة حَدَّثَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
«أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي جارِيَةً وأنا أعْزِلُ عَنْها، وأنا أكْرَهُ أنْ تَحْمِلَ، وأنا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليَهُودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ المَوْءُودَةُ الصُّغْرى.
قالَ: " كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَهُ ما اسْتَطَعْتَ أنْ تَصْرِفَهُ».
وَحَسْبُكَ بِهَذا الإسْنادِ صِحَّةً فَكُلُّهم ثِقاتٌ حُفّاظٌ وقَدْ أعَلَّهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ مُضْطَرِبٌ فَإنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ومِن هَذِهِ الطَّرِيقِ أخْرَجَهُ الترمذي والنَّسائِيُّ.
وَقِيلَ: فِيهِ عَنْ أبي مطيع بن رفاعة، وقِيلَ: عَنْ أبي رفاعة وقِيلَ عَنْ أبي سلمة عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وهَذا لا يَقْدَحُ في الحَدِيثِ، فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ يحيى، عَنْ محمد بن عبد الرحمن، عَنْ جابر، وعِنْدَهُ عَنِ ابْنِ ثَوْبانَ، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وعِنْدَهُ عَنِ ابْنِ ثَوْبانَ، عَنْ رفاعة عَنْ أبي سعيد. ويَبْقى الِاخْتِلافُ في اسْمِ أبي رفاعة، هَلْ هو أبو رافع، أوِ ابن رفاعة أوْ أبو مطيع؟ وهَذا لا يَضُرُّ مَعَ العِلْمِ بِحالِ رفاعة.
وَلا رَيْبَ أنَّ أحادِيثَ جابر صَرِيحَةٌ صَحِيحَةٌ في جَوازِ العَزْلِ.
وَقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ونَحْنُ نَرْوِي عَنْ عَدَدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم رَخَّصُوا في ذَلِكَ ولَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا. قالَ البيهقي: وقَدْ رُوِّينا الرُّخْصَةَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وأبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالك والشّافِعِيِّ وأهْلِ الكُوفَةِ وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ جدامة بِأنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّنْزِيهِ وضَعَّفَتْهُ طائِفَةٌ، وقالُوا: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَّبَ اليَهُودَ في ذَلِكَ ثُمَّ يُخْبِرُ بِهِ كَخَبَرِهِمْ؟! هَذا مِنَ المُحالِ البَيِّنِ، ورَدَّتْ عَلَيْهِ طائِفَةٌ أُخْرى، وقالُوا: حَدِيثُ تَكْذِيبِهِمْ فِيهِ اضْطِرابٌ وحَدِيثُ جدامة في " الصَّحِيحِ ".
وَجَمَعَتْ طائِفَةٌ أُخْرى بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، وقالَتْ: إنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُ: إنَّ العَزْلَ لا يَكُونُ مَعَهُ حَمْلٌ أصْلًا، فَكَذَّبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ:
«لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَهُ لَما اسْتَطَعْتَ أنْ تَصْرِفَهُ»
وَقَوْلُهُ: «إنَّهُ الوَأْدُ الخَفِيُّ»
فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَمْنَعِ الحَمْلَ بِالكُلِّيَّةِ كَتَرْكِ الوَطْءِ فَهو مُؤَثِّرٌ في تَقْلِيلِهِ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحَدِيثانِ صَحِيحانِ، ولَكِنْ حَدِيثُ التَّحْرِيمِ ناسِخٌ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ أبي محمد ابن حزم وغَيْرِهِ. قالُوا: لِأنَّهُ ناقِلٌ عَنِ الأصْلِ، والأحْكامُ كانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ عَلى الإباحَةِ، ودَعْوى هَؤُلاءِ تَحْتاجُ إلى تارِيخٍ مُحَقَّقٍ يُبَيِّنُ تَأخُّرَ أحَدِ الحَدِيثَيْنِ عَنِ الآخَرِ وأنّى لَهم بِهِ وقَدِ اتَّفَقَ عمر وعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلى أنَّها لا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى تَمُرَّ عَلَيْها التّاراتُ السَّبْعُ، فَرَوى القاضِي أبُو يَعْلى وغَيْرُهُ بِإسْنادِهِ عَنْ عبيد بن رفاعة عَنْ أبِيهِ قالَ: (جَلَسَ إلى عمر علي والزبير وسعد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَذاكَرُوا العَزْلَ، فَقالُوا: لا بَأْسَ بِهِ فَقالَ: رَجُلٌ إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّها المَوْءُودَةُ الصُّغْرى، فَقالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا تَكُونُ مَوْءُودَةٌ حَتّى تَمُرَّ عَلَيْها التّاراتُ السَّبْعُ حَتّى تَكُونَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ تَكُونَ نُطْفَةً، ثُمَّ تَكُونَ عَلَقَةً، ثُمَّ تَكُونَ مُضْغَةً، ثُمَّ تَكُونَ عِظامًا، ثُمَّ تَكُونَ لَحْمًا، ثُمَّ تَكُونَ خَلْقًا آخَرَ، فَقالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَدَقْتَ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ)
وَبِهَذا احْتَجَّ مَنِ احْتَجَّ عَلى جَوازِ الدُّعاءِ لِلرَّجُلِ بِطُولِ البَقاءِ.
وَأمّا مَن جَوَّزَهُ بِإذْنِ الحُرَّةِ فَقالَ لِلْمَرْأةِ حَقٌّ في الوَلَدِ كَما لِلرَّجُلِ حَقٌّ فِيهِ، ولِهَذا كانَتْ أحَقَّ بِحَضانَتِهِ، قالُوا: ولَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ السُّرِّيَّةِ فِيهِ؛ لِأنَّها لا حَقَّ لَها في القَسْمِ ولِهَذا لا تُطالِبُهُ بِالفَيْئَةِ. ولَوْ كانَ لَها حَقٌّ في الوَطْءِ لَطُولِبَ المُؤْلِي مِنها بِالفَيْئَةِ.
قالُوا: وأمّا زَوْجَتُهُ الرَّقِيقَةُ فَلَهُ أنْ يَعْزِلَ عَنْها بِغَيْرِ إذْنِها صِيانَةً لِوَلَدِهِ عَنِ الرِّقِّ ولَكِنْ يُعْتَبَرُ إذْنُ سَيِّدِها؛ لِأنَّ لَهُ حَقًّا في الوَلَدِ، فاعْتُبِرَ إذْنُهُ في العَزْلِ كالحُرَّةِ، ولِأنَّ بَدَلَ البُضْعِ يَحْصُلُ لِلسَّيِّدِ كَما يَحْصُلُ لِلْحُرَّةِ، فَكانَ إذْنُهُ في العَزْلِ كَإذْنِ الحُرَّةِ.
قالَ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ في رِوايَةِ أبي طالب في الأمَةِ إذا نَكَحَها: يَسْتَأْذِنُ أهْلَها يَعْنِي في العَزْلِ؛ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الوَلَدَ والمَرْأةُ لَها حَقٌّ، تُرِيدُ الوَلَدَ ومِلْكُ يَمِينِهِ لا يَسْتَأْذِنُها.
وَقالَ في رِوايَةِ صالح وابن منصور وحنبل وأبي الحارث والفضل ابن زياد والمروذي: يَعْزِلُ عَنِ الحُرَّةِ بِإذْنِها، والأمَةِ بِغَيْرِ إذْنِها، يَعْنِي: أمَتَهُ.
وَقالَ في رِوايَةِ ابن هانئ: إذا عَزَلَ عَنْها لَزِمَهُ الوَلَدُ، قَدْ يَكُونُ الوَلَدُ مَعَ العَزْلِ.
وَقَدْ قالَ بَعْضُ مَن قالَ: ما لِي ولَدٌ إلّا مِنَ العَزْلِ.
وَقالَ في رِوايَةِ المروذي: في العَزْلِ عَنْ أُمِّ الوَلَدِ إنْ شاءَ، فَإنْ قالَتْ: لا يَحِلُّ لَكَ؟ لَيْسَ لَها ذَلِكَ.
التكوير 81:9
هَذا السُّؤالُ إنَّما هو إقامَةٌ لِحُجَّتِهِ سُبْحانَهُ عَلى تَعْذِيبِ مَن وأدَها: إذْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقِّها.
[فَصْلٌ: في احتجاجِ من يرى أنّ أوْلادَ المُشْرِكِينَ في النّارِ]
عَنْ عامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ قالَ:
«قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمَّنا كانَتْ تَصِلُ الرَّحِمَ، وتُقْرِي الضَّيْفَ، وتُطْعِمُ الطَّعامَ، وإنَّها كانَتْ وأدَتْ في الجاهِلِيَّةِ فَماتَتْ قَبْلَ الإسْلامِ، فَهَلْ يَنْفَعُها عَمَلٌ إنْ عَمِلْنا عَنْها؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لا يَنْفَعُ الإسْلامُ إلّا مَن أدْرَكَ، أُمُّكم وما وأدَتْ في النّارِ» ".
وَرَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ عامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:
«الوائِدَةُ والمَوْءُودَةُ في النّارِ»
وَهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كُلَّهم في النّارِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ هَذا الجِنْسِ في النّارِ، وهَذا حَقٌّ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَقَدْ رَدَّ بَعْضُهم عَلى الحَدِيثِ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِنَصِّ القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ - بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
سَواءٌ كانَ المَعْنى أنَّها تُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ لِمَن وأدَها، أوْ تُطْلَبُ مِمَّنْ وأدَها كَما تُطْلَبُ الأمانَةُ مِمَّنِ اؤْتُمِنَ عَلَيْها.
وَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، فَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَها تُقْتَلُ بِهِ في الدُّنْيا، قِتْلَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ تُقْتَلُ في النّارِ قَتَلاتٍ دائِمَةً، ولا ذَنْبَ لَها؟ فاللَّهُ أعْدَلُ، وأرْحَمُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قَتَلَها بِلا ذَنْبٍ، فَكَيْفَ يُعَذِّبُها تَبارَكَ وتَعالى بِلا ذَنْبٍ؟ وهَذا المَعْنى حَقٌّ لا يُعارِضُ نَصَّ القُرْآنِ، فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أنَّ المَوْءُودَةَ في النّارِ بِلا ذَنْبٍ، فَهَذا لا يَفْعَلُهُ اللَّهُ قَطْعًا، وإنَّما يُدْخِلُها النّارَ بِحُجَّتِهِ الَّتِي يُقِيمُها يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَكَّبَ في الأطْفالِ العَقْلَ، وامْتَحَنَهُمْ، وأخْرَجَتِ المِحْنَةُ مِنهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ النّارَ.
[فَصْلٌ: في حُكْمِهِ ﷺ في العَزْلِ]
ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ «أبي سعيد قالَ أصَبْنا سَبْيًا، فَكُنّا نَعْزِلُ فَسَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: " وإنَّكم لَتَفْعَلُونَ؟ " قالَها ثَلاثًا. " ما مِن نَسَمَةٍ كائِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا وهي كائِنَةٌ».
وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي جارِيَةً وأنا أعْزِلُ عَنْها، وأنا أكْرَهُ أنْ تَحْمِلَ، وأنا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليَهُودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ المَوْءُودَةُ الصُّغْرى، قالَ: " كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَهُ ما اسْتَطَعْتَ أنْ تَصْرِفَهُ».
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ جابر قالَ: «كُنّا نَعْزِلُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُرْآنُ يَنْزِلُ».
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْهُ
«كُنّا نَعْزِلُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنا».
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " أيْضًا: عَنْهُ قالَ: «سَألَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ إنَّ عِنْدِي جارِيَةً، وأنا أعْزِلُ عَنْها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ شَيْئًا أرادَهُ اللَّهُ".
قالَ: فَجاءَ الرَّجُلُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ الجارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُها لَكَ حَمَلَتْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ».
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " أيْضًا: عَنْ (أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أعْزِلُ عَنِ امْرَأتِي، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ " فَقالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلى ولَدِها، أوْ قالَ عَلى أوْلادِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَوْ كانَ ضارًّا ضَرَّ فارِسَ والرُّومَ».
وَفِي " مُسْنَدِ أحمد " و" سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ " مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ:
«نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْزَلَ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها».
وَقالَ أبو داود: سَمِعْتُ أبا عبد الله ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ المحرر بن أبي هريرة، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُعْزَلُ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها» فَقالَ ما أنْكَرَهُ.
فَهَذِهِ الأحادِيثُ صَرِيحَةٌ في جَوازِ العَزْلِ، وقَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ علي وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وأبي أيوب وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وجابر وابْنِ عَبّاسٍ والحسن بن علي وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. قالَ ابْنُ حَزْمٍ: وجاءَتِ الإباحَةُ لِلْعَزْلِ صَحِيحَةً عَنْ جابر وابْنِ عَبّاسٍ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهَذا هو الصَّحِيحُ.
وَحَرَّمَهُ جَماعَةٌ مِنهم أبو محمد ابن حزم وغَيْرُهُ.
وَفَرَّقَتْ طائِفَةٌ بَيْنَ أنْ تَأْذَنَ لَهُ الحُرَّةُ، فَيُباحُ أوْ لا تَأْذَنُ فَيَحْرُمُ، وإنْ كانَتْ زَوْجَتُهُ أمَةً أُبِيحَ بِإذْنِ سَيِّدِها، ولَمْ يُبَحْ بِدُونِ إذْنِهِ، وهَذا مَنصُوصُ أحمد، ومِن أصْحابِهِ مَن قالَ: لا يُباحُ بِحالٍ. ومِنهم مَن قالَ: يُباحُ بِكُلِّ حالٍ. ومِنهم مَن قالَ: يُباحُ بِإذْنِ الزَّوْجَةِ حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً ولا يُباحُ بِدُونِ إذْنِها حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً.
فَمَن أباحَهُ مُطْلَقًا احْتَجَّ بِما ذَكَرْنا مِنَ الأحادِيثِ، وبِأنَّ حَقَّ المَرْأةِ في ذَوْقِ العُسَيْلَةِ لا في الإنْزالِ، ومَن حَرَّمَهُ مُطْلَقًا احْتَجَّ بِما رَواهُ مسلم في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ (جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالَ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أُناسٍ فَسَألُوهُ عَنِ العَزْلِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ " وهي ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]»
قالُوا: وهَذا ناسِخٌ لِأخْبارِ الإباحَةِ فَإنَّهُ ناقِلٌ عَنِ الأصْلِ وأحادِيثُ الإباحَةِ عَلى وفْقِ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، وأحْكامُ الشَّرْعِ ناقِلَةٌ عَنِ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ. قالُوا: وقَوْلُ جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كُنّا نَعْزِلُ والقُرْآنُ يَنْزِلُ فَلَوْ كانَ شَيْئًا يَنْهى عَنْهُ لَنَهى عَنْهُ القُرْآنُ».
فَيُقالُ: قَدْ نَهى عَنْهُ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ بِقَوْلِهِ «إنَّهُ المَوْءُودَةُ الصُّغْرى» والوَأْدُ كُلُّهُ حَرامٌ. قالُوا: وقَدْ فَهِمَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ النَّهْيَ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا ذُكِرَ العَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا عَلَيْكم ألّا تَفْعَلُوا ذاكم فَإنَّما هو القَدَرُ».
قالَ ابن عون: فَحَدَّثْتُ بِهِ الحسن فَقالَ: واللَّهِ لَكَأنَّ هَذا زَجْرٌ. قالُوا: ولِأنَّ فِيهِ قَطْعَ النَّسْلِ المَطْلُوبِ مِنَ النِّكاحِ وسُوءَ العِشْرَةِ وقَطْعَ اللَّذَّةِ عِنْدَ اسْتِدْعاءِ الطَّبِيعَةِ لَها.
قالُوا: ولِهَذا كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَعْزِلُ، وقالَ: (لَوْ عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا مِن ولَدِي يَعْزِلُ لَنَكَّلْتُهُ)، وكانَ علي يَكْرَهُ العَزْلَ ذَكَرَهُ شعبة عَنْ عاصم عَنْ زر عَنْهُ. وصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في العَزْلِ: هو المَوْءُودَةُ الصُّغْرى. وصَحَّ عَنْ أبي أمامة أنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقالَ: (ما كُنْتُ أرى مُسْلِمًا يَفْعَلُهُ) وقالَ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ضَرَبَ عمر عَلى العَزْلِ بَعْضَ بَنِيهِ).
وَقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: (كانَ عمر وعثمان يَنْهَيانِ عَنِ العَزْلِ).
وَلَيْسَ في هَذا ما يُعارِضُ أحادِيثَ الإباحَةِ مَعَ صَراحَتِها وصِحَّتِها، أمّا حَدِيثُ جدامة بنت وهب، فَإنَّهُ وإنْ كانَ رَواهُ مسلم، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ قالَ أبو داود: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أبان، حَدَّثَنا يحيى أنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حَدَّثَهُ أنَّ رفاعة حَدَّثَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
«أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي جارِيَةً وأنا أعْزِلُ عَنْها، وأنا أكْرَهُ أنْ تَحْمِلَ، وأنا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليَهُودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ المَوْءُودَةُ الصُّغْرى.
قالَ: " كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَهُ ما اسْتَطَعْتَ أنْ تَصْرِفَهُ».
وَحَسْبُكَ بِهَذا الإسْنادِ صِحَّةً فَكُلُّهم ثِقاتٌ حُفّاظٌ وقَدْ أعَلَّهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ مُضْطَرِبٌ فَإنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ومِن هَذِهِ الطَّرِيقِ أخْرَجَهُ الترمذي والنَّسائِيُّ.
وَقِيلَ: فِيهِ عَنْ أبي مطيع بن رفاعة، وقِيلَ: عَنْ أبي رفاعة وقِيلَ عَنْ أبي سلمة عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وهَذا لا يَقْدَحُ في الحَدِيثِ، فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ يحيى، عَنْ محمد بن عبد الرحمن، عَنْ جابر، وعِنْدَهُ عَنِ ابْنِ ثَوْبانَ، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وعِنْدَهُ عَنِ ابْنِ ثَوْبانَ، عَنْ رفاعة عَنْ أبي سعيد. ويَبْقى الِاخْتِلافُ في اسْمِ أبي رفاعة، هَلْ هو أبو رافع، أوِ ابن رفاعة أوْ أبو مطيع؟ وهَذا لا يَضُرُّ مَعَ العِلْمِ بِحالِ رفاعة.
وَلا رَيْبَ أنَّ أحادِيثَ جابر صَرِيحَةٌ صَحِيحَةٌ في جَوازِ العَزْلِ.
وَقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ونَحْنُ نَرْوِي عَنْ عَدَدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم رَخَّصُوا في ذَلِكَ ولَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا. قالَ البيهقي: وقَدْ رُوِّينا الرُّخْصَةَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وأبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالك والشّافِعِيِّ وأهْلِ الكُوفَةِ وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ جدامة بِأنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّنْزِيهِ وضَعَّفَتْهُ طائِفَةٌ، وقالُوا: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَّبَ اليَهُودَ في ذَلِكَ ثُمَّ يُخْبِرُ بِهِ كَخَبَرِهِمْ؟! هَذا مِنَ المُحالِ البَيِّنِ، ورَدَّتْ عَلَيْهِ طائِفَةٌ أُخْرى، وقالُوا: حَدِيثُ تَكْذِيبِهِمْ فِيهِ اضْطِرابٌ وحَدِيثُ جدامة في " الصَّحِيحِ ".
وَجَمَعَتْ طائِفَةٌ أُخْرى بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، وقالَتْ: إنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُ: إنَّ العَزْلَ لا يَكُونُ مَعَهُ حَمْلٌ أصْلًا، فَكَذَّبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ:
«لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَهُ لَما اسْتَطَعْتَ أنْ تَصْرِفَهُ»
وَقَوْلُهُ: «إنَّهُ الوَأْدُ الخَفِيُّ»
فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَمْنَعِ الحَمْلَ بِالكُلِّيَّةِ كَتَرْكِ الوَطْءِ فَهو مُؤَثِّرٌ في تَقْلِيلِهِ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحَدِيثانِ صَحِيحانِ، ولَكِنْ حَدِيثُ التَّحْرِيمِ ناسِخٌ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ أبي محمد ابن حزم وغَيْرِهِ. قالُوا: لِأنَّهُ ناقِلٌ عَنِ الأصْلِ، والأحْكامُ كانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ عَلى الإباحَةِ، ودَعْوى هَؤُلاءِ تَحْتاجُ إلى تارِيخٍ مُحَقَّقٍ يُبَيِّنُ تَأخُّرَ أحَدِ الحَدِيثَيْنِ عَنِ الآخَرِ وأنّى لَهم بِهِ وقَدِ اتَّفَقَ عمر وعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلى أنَّها لا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى تَمُرَّ عَلَيْها التّاراتُ السَّبْعُ، فَرَوى القاضِي أبُو يَعْلى وغَيْرُهُ بِإسْنادِهِ عَنْ عبيد بن رفاعة عَنْ أبِيهِ قالَ: (جَلَسَ إلى عمر علي والزبير وسعد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَذاكَرُوا العَزْلَ، فَقالُوا: لا بَأْسَ بِهِ فَقالَ: رَجُلٌ إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّها المَوْءُودَةُ الصُّغْرى، فَقالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا تَكُونُ مَوْءُودَةٌ حَتّى تَمُرَّ عَلَيْها التّاراتُ السَّبْعُ حَتّى تَكُونَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ تَكُونَ نُطْفَةً، ثُمَّ تَكُونَ عَلَقَةً، ثُمَّ تَكُونَ مُضْغَةً، ثُمَّ تَكُونَ عِظامًا، ثُمَّ تَكُونَ لَحْمًا، ثُمَّ تَكُونَ خَلْقًا آخَرَ، فَقالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَدَقْتَ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ)
وَبِهَذا احْتَجَّ مَنِ احْتَجَّ عَلى جَوازِ الدُّعاءِ لِلرَّجُلِ بِطُولِ البَقاءِ.
وَأمّا مَن جَوَّزَهُ بِإذْنِ الحُرَّةِ فَقالَ لِلْمَرْأةِ حَقٌّ في الوَلَدِ كَما لِلرَّجُلِ حَقٌّ فِيهِ، ولِهَذا كانَتْ أحَقَّ بِحَضانَتِهِ، قالُوا: ولَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ السُّرِّيَّةِ فِيهِ؛ لِأنَّها لا حَقَّ لَها في القَسْمِ ولِهَذا لا تُطالِبُهُ بِالفَيْئَةِ. ولَوْ كانَ لَها حَقٌّ في الوَطْءِ لَطُولِبَ المُؤْلِي مِنها بِالفَيْئَةِ.
قالُوا: وأمّا زَوْجَتُهُ الرَّقِيقَةُ فَلَهُ أنْ يَعْزِلَ عَنْها بِغَيْرِ إذْنِها صِيانَةً لِوَلَدِهِ عَنِ الرِّقِّ ولَكِنْ يُعْتَبَرُ إذْنُ سَيِّدِها؛ لِأنَّ لَهُ حَقًّا في الوَلَدِ، فاعْتُبِرَ إذْنُهُ في العَزْلِ كالحُرَّةِ، ولِأنَّ بَدَلَ البُضْعِ يَحْصُلُ لِلسَّيِّدِ كَما يَحْصُلُ لِلْحُرَّةِ، فَكانَ إذْنُهُ في العَزْلِ كَإذْنِ الحُرَّةِ.
قالَ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ في رِوايَةِ أبي طالب في الأمَةِ إذا نَكَحَها: يَسْتَأْذِنُ أهْلَها يَعْنِي في العَزْلِ؛ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الوَلَدَ والمَرْأةُ لَها حَقٌّ، تُرِيدُ الوَلَدَ ومِلْكُ يَمِينِهِ لا يَسْتَأْذِنُها.
وَقالَ في رِوايَةِ صالح وابن منصور وحنبل وأبي الحارث والفضل ابن زياد والمروذي: يَعْزِلُ عَنِ الحُرَّةِ بِإذْنِها، والأمَةِ بِغَيْرِ إذْنِها، يَعْنِي: أمَتَهُ.
وَقالَ في رِوايَةِ ابن هانئ: إذا عَزَلَ عَنْها لَزِمَهُ الوَلَدُ، قَدْ يَكُونُ الوَلَدُ مَعَ العَزْلِ.
وَقَدْ قالَ بَعْضُ مَن قالَ: ما لِي ولَدٌ إلّا مِنَ العَزْلِ.
وَقالَ في رِوايَةِ المروذي: في العَزْلِ عَنْ أُمِّ الوَلَدِ إنْ شاءَ، فَإنْ قالَتْ: لا يَحِلُّ لَكَ؟ لَيْسَ لَها ذَلِكَ.
التكوير 81:15
وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل الصفات فقال:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ (١٥) الجَوارِ الكُنَّسِ (١٦) واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ (١٧) والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ (١٨) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ (٢١)﴾
فهذا جبريل، فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي.
فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه.
قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك.
ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها عليهم.
فهو قوي على تنفيذ ما يؤمر به، غير عاجز عنه، إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى.
قال ابن جرير في "تفسيره": عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح: أمين على أن يدخل سبعين سُرادقًا من نور بغير إذن.
ووصفه بالأمانة يقتضي صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان.
فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله.
ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: ﴿إنّكَ اليَوْمَ لَدَيَنا مَكِين أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنة شعيب في موسى عليهما السلام: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
(فصل)
قال في (التبيان)
ومن ذلك قوله سبحانه ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾
أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها.
هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب.
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسًا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها.
والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة.
وهذا قول الفراء.
وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها.
وهذا قول الزجاج.
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيًا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحًا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه:
أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.
الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان.
الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقًا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.
الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء.
قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس
ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها، ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل، وأكثر الناس لا يعرفونه، وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق.
وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر.
الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم.
السادس أنه لو كان جمعًا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر، فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعًا لواحد من الظباء والبقر، وتعين أن يكون جمعًا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها.
السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية.
ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها.
ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وقوله ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في قراءة رسول الله ونحو ذلك.
الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان، والليل والصبح في قسم واحد.
وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش.
التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾
وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها.
العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين، وزينة للقلوب، وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن. والله أعلم.
(فصل)
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر.
هذا قول علي وابن عباس وأصحابه.
قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد.
فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ مقابل لليل إذا عسعس.
قالوا ولهذا أقسم الله ب ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وبالضحى.
قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلي النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى ﴿كَلاّ والقَمَرِ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح
قالوا: والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل، فهذا أعظم في الدلالة والعبرة، بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما، ولأن بينهما زمنًا طويلًا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ.
فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم.
(فصل)
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو هاهنا جبريل قطعًا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري تارة، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده
وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا، وأن كلًا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغًا وقول الله الذي تكلم به حقًا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلمًا بالقرآن وهو كلامه حقًا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريمًا ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وفي ذلك تنبيه على أمور:
أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئًا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه
الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره.
الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.
الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويًا أمينًا معظمًا ذا مكانة عنده مطاعًا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية.
وقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه
وفي قوله ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبًا من ذي العرش سبحانه
وفي قوله ﴿مطاع ثم﴾ إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد، وفيه إشارة أيضًا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعًا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلًا من الرسولين مطاع في محله وقومه.
وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع.
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه.
ثم نزه رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة.
ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر:
؎أجود بمضنون التلاد وإنني ∗∗∗ بسرك عمن سالني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلًا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا القرآن والوحي
وقال الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده، ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله.
وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم.
وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقًا به مقيمًا عليه مبديًا له في كل مجمع ومعيدًا مناديًا به على صدقه مجلبًا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة:
؎أما وكتاب الله لا عن شناءة ∗∗∗ هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص.
وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين:
أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا.
قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبًا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية.
فلهذا قال سبحانه ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه، كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾
فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علمًا
لا يمارى فيه ولا يشك بل علمًا ضروريًا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون؟
قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم.
قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ وقال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب.
ونظير هذا قوله ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئًا إلا كان باطلًا ولا يفعلون شيئًا إلا كان ضائعًا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه (ذكرٌ للعالمين)
وفي موضع آخر (تذكرة للمتقين)
وفي موضع آخر لرسوله ولقومه، وفي موضع آخر ذكر مطلق، وفي موضع آخر ذكر مبارك، وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر.
وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرًا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده
ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه، وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسًا واحدًا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرًا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره.
وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة
وقوله سبحانه ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرًا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرًا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله.
وقوله ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط
بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببًا فيه.
وقوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين.
فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك.
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل، فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك، والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة، والاقتران العادي حاصل مع الجميع.
وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر، وقال المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعًا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقوله ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر ألبتة.
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن ألبتة كما أن ما شاء كان ولا بد.
ولكن هاهنا أمرًا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له.
وقد دل على هذا قوله تعالى ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقوله ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ﴿رب العالمين﴾ ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها. وبالله التوفيق.
التكوير 81:16
وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل الصفات فقال:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ (١٥) الجَوارِ الكُنَّسِ (١٦) واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ (١٧) والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ (١٨) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ (٢١)﴾
فهذا جبريل، فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي.
فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه.
قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك.
ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها عليهم.
فهو قوي على تنفيذ ما يؤمر به، غير عاجز عنه، إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى.
قال ابن جرير في "تفسيره": عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح: أمين على أن يدخل سبعين سُرادقًا من نور بغير إذن.
ووصفه بالأمانة يقتضي صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان.
فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله.
ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: ﴿إنّكَ اليَوْمَ لَدَيَنا مَكِين أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنة شعيب في موسى عليهما السلام: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
(فصل)
قال في (التبيان)
ومن ذلك قوله سبحانه ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾
أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها.
هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب.
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسًا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها.
والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة.
وهذا قول الفراء.
وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها.
وهذا قول الزجاج.
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيًا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحًا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه:
أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.
الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان.
الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقًا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.
الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء.
قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس
ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها، ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل، وأكثر الناس لا يعرفونه، وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق.
وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر.
الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم.
السادس أنه لو كان جمعًا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر، فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعًا لواحد من الظباء والبقر، وتعين أن يكون جمعًا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها.
السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية.
ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها.
ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وقوله ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في قراءة رسول الله ونحو ذلك.
الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان، والليل والصبح في قسم واحد.
وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش.
التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾
وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها.
العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين، وزينة للقلوب، وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن. والله أعلم.
(فصل)
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر.
هذا قول علي وابن عباس وأصحابه.
قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد.
فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ مقابل لليل إذا عسعس.
قالوا ولهذا أقسم الله ب ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وبالضحى.
قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلي النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى ﴿كَلاّ والقَمَرِ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح
قالوا: والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل، فهذا أعظم في الدلالة والعبرة، بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما، ولأن بينهما زمنًا طويلًا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ.
فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم.
(فصل)
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو هاهنا جبريل قطعًا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري تارة، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده
وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا، وأن كلًا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغًا وقول الله الذي تكلم به حقًا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلمًا بالقرآن وهو كلامه حقًا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريمًا ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وفي ذلك تنبيه على أمور:
أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئًا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه
الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره.
الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.
الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويًا أمينًا معظمًا ذا مكانة عنده مطاعًا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية.
وقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه
وفي قوله ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبًا من ذي العرش سبحانه
وفي قوله ﴿مطاع ثم﴾ إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد، وفيه إشارة أيضًا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعًا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلًا من الرسولين مطاع في محله وقومه.
وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع.
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه.
ثم نزه رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة.
ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر:
؎أجود بمضنون التلاد وإنني ∗∗∗ بسرك عمن سالني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلًا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا القرآن والوحي
وقال الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده، ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله.
وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم.
وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقًا به مقيمًا عليه مبديًا له في كل مجمع ومعيدًا مناديًا به على صدقه مجلبًا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة:
؎أما وكتاب الله لا عن شناءة ∗∗∗ هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص.
وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين:
أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا.
قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبًا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية.
فلهذا قال سبحانه ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه، كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾
فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علمًا
لا يمارى فيه ولا يشك بل علمًا ضروريًا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون؟
قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم.
قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ وقال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب.
ونظير هذا قوله ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئًا إلا كان باطلًا ولا يفعلون شيئًا إلا كان ضائعًا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه (ذكرٌ للعالمين)
وفي موضع آخر (تذكرة للمتقين)
وفي موضع آخر لرسوله ولقومه، وفي موضع آخر ذكر مطلق، وفي موضع آخر ذكر مبارك، وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر.
وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرًا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده
ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه، وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسًا واحدًا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرًا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره.
وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة
وقوله سبحانه ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرًا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرًا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله.
وقوله ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط
بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببًا فيه.
وقوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين.
فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك.
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل، فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك، والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة، والاقتران العادي حاصل مع الجميع.
وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر، وقال المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعًا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقوله ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر ألبتة.
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن ألبتة كما أن ما شاء كان ولا بد.
ولكن هاهنا أمرًا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له.
وقد دل على هذا قوله تعالى ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقوله ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ﴿رب العالمين﴾ ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها. وبالله التوفيق.
التكوير 81:17
وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل الصفات فقال:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ (١٥) الجَوارِ الكُنَّسِ (١٦) واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ (١٧) والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ (١٨) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ (٢١)﴾
فهذا جبريل، فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي.
فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه.
قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك.
ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها عليهم.
فهو قوي على تنفيذ ما يؤمر به، غير عاجز عنه، إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى.
قال ابن جرير في "تفسيره": عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح: أمين على أن يدخل سبعين سُرادقًا من نور بغير إذن.
ووصفه بالأمانة يقتضي صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان.
فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله.
ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: ﴿إنّكَ اليَوْمَ لَدَيَنا مَكِين أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنة شعيب في موسى عليهما السلام: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
(فصل)
قال في (التبيان)
ومن ذلك قوله سبحانه ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾
أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها.
هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب.
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسًا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها.
والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة.
وهذا قول الفراء.
وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها.
وهذا قول الزجاج.
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيًا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحًا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه:
أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.
الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان.
الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقًا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.
الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء.
قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس
ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها، ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل، وأكثر الناس لا يعرفونه، وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق.
وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر.
الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم.
السادس أنه لو كان جمعًا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر، فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعًا لواحد من الظباء والبقر، وتعين أن يكون جمعًا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها.
السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية.
ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها.
ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وقوله ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في قراءة رسول الله ونحو ذلك.
الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان، والليل والصبح في قسم واحد.
وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش.
التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾
وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها.
العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين، وزينة للقلوب، وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن. والله أعلم.
(فصل)
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر.
هذا قول علي وابن عباس وأصحابه.
قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد.
فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ مقابل لليل إذا عسعس.
قالوا ولهذا أقسم الله ب ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وبالضحى.
قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلي النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى ﴿كَلاّ والقَمَرِ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح
قالوا: والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل، فهذا أعظم في الدلالة والعبرة، بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما، ولأن بينهما زمنًا طويلًا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ.
فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم.
(فصل)
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو هاهنا جبريل قطعًا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري تارة، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده
وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا، وأن كلًا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغًا وقول الله الذي تكلم به حقًا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلمًا بالقرآن وهو كلامه حقًا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريمًا ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وفي ذلك تنبيه على أمور:
أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئًا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه
الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره.
الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.
الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويًا أمينًا معظمًا ذا مكانة عنده مطاعًا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية.
وقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه
وفي قوله ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبًا من ذي العرش سبحانه
وفي قوله ﴿مطاع ثم﴾ إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد، وفيه إشارة أيضًا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعًا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلًا من الرسولين مطاع في محله وقومه.
وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع.
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه.
ثم نزه رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة.
ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر:
؎أجود بمضنون التلاد وإنني ∗∗∗ بسرك عمن سالني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلًا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا القرآن والوحي
وقال الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده، ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله.
وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم.
وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقًا به مقيمًا عليه مبديًا له في كل مجمع ومعيدًا مناديًا به على صدقه مجلبًا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة:
؎أما وكتاب الله لا عن شناءة ∗∗∗ هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص.
وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين:
أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا.
قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبًا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية.
فلهذا قال سبحانه ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه، كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾
فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علمًا
لا يمارى فيه ولا يشك بل علمًا ضروريًا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون؟
قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم.
قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ وقال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب.
ونظير هذا قوله ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئًا إلا كان باطلًا ولا يفعلون شيئًا إلا كان ضائعًا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه (ذكرٌ للعالمين)
وفي موضع آخر (تذكرة للمتقين)
وفي موضع آخر لرسوله ولقومه، وفي موضع آخر ذكر مطلق، وفي موضع آخر ذكر مبارك، وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر.
وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرًا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده
ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه، وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسًا واحدًا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرًا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره.
وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة
وقوله سبحانه ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرًا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرًا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله.
وقوله ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط
بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببًا فيه.
وقوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين.
فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك.
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل، فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك، والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة، والاقتران العادي حاصل مع الجميع.
وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر، وقال المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعًا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقوله ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر ألبتة.
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن ألبتة كما أن ما شاء كان ولا بد.
ولكن هاهنا أمرًا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له.
وقد دل على هذا قوله تعالى ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقوله ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ﴿رب العالمين﴾ ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها. وبالله التوفيق.
التكوير 81:18
وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل الصفات فقال:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ (١٥) الجَوارِ الكُنَّسِ (١٦) واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ (١٧) والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ (١٨) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ (٢١)﴾
فهذا جبريل، فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي.
فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه.
قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك.
ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها عليهم.
فهو قوي على تنفيذ ما يؤمر به، غير عاجز عنه، إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى.
قال ابن جرير في "تفسيره": عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح: أمين على أن يدخل سبعين سُرادقًا من نور بغير إذن.
ووصفه بالأمانة يقتضي صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان.
فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله.
ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: ﴿إنّكَ اليَوْمَ لَدَيَنا مَكِين أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنة شعيب في موسى عليهما السلام: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
(فصل)
قال في (التبيان)
ومن ذلك قوله سبحانه ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾
أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها.
هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب.
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسًا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها.
والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة.
وهذا قول الفراء.
وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها.
وهذا قول الزجاج.
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيًا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحًا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه:
أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.
الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان.
الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقًا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.
الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء.
قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس
ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها، ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل، وأكثر الناس لا يعرفونه، وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق.
وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر.
الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم.
السادس أنه لو كان جمعًا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر، فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعًا لواحد من الظباء والبقر، وتعين أن يكون جمعًا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها.
السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية.
ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها.
ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وقوله ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في قراءة رسول الله ونحو ذلك.
الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان، والليل والصبح في قسم واحد.
وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش.
التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾
وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها.
العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين، وزينة للقلوب، وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن. والله أعلم.
(فصل)
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر.
هذا قول علي وابن عباس وأصحابه.
قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد.
فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ مقابل لليل إذا عسعس.
قالوا ولهذا أقسم الله ب ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وبالضحى.
قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلي النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى ﴿كَلاّ والقَمَرِ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح
قالوا: والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل، فهذا أعظم في الدلالة والعبرة، بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما، ولأن بينهما زمنًا طويلًا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ.
فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم.
(فصل)
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو هاهنا جبريل قطعًا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري تارة، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده
وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا، وأن كلًا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغًا وقول الله الذي تكلم به حقًا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلمًا بالقرآن وهو كلامه حقًا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريمًا ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وفي ذلك تنبيه على أمور:
أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئًا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه
الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره.
الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.
الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويًا أمينًا معظمًا ذا مكانة عنده مطاعًا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية.
وقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه
وفي قوله ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبًا من ذي العرش سبحانه
وفي قوله ﴿مطاع ثم﴾ إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد، وفيه إشارة أيضًا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعًا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلًا من الرسولين مطاع في محله وقومه.
وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع.
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه.
ثم نزه رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة.
ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر:
؎أجود بمضنون التلاد وإنني ∗∗∗ بسرك عمن سالني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلًا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا القرآن والوحي
وقال الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده، ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله.
وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم.
وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقًا به مقيمًا عليه مبديًا له في كل مجمع ومعيدًا مناديًا به على صدقه مجلبًا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة:
؎أما وكتاب الله لا عن شناءة ∗∗∗ هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص.
وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين:
أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا.
قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبًا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية.
فلهذا قال سبحانه ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه، كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾
فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علمًا
لا يمارى فيه ولا يشك بل علمًا ضروريًا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون؟
قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم.
قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ وقال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب.
ونظير هذا قوله ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئًا إلا كان باطلًا ولا يفعلون شيئًا إلا كان ضائعًا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه (ذكرٌ للعالمين)
وفي موضع آخر (تذكرة للمتقين)
وفي موضع آخر لرسوله ولقومه، وفي موضع آخر ذكر مطلق، وفي موضع آخر ذكر مبارك، وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر.
وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرًا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده
ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه، وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسًا واحدًا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرًا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره.
وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة
وقوله سبحانه ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرًا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرًا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله.
وقوله ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط
بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببًا فيه.
وقوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين.
فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك.
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل، فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك، والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة، والاقتران العادي حاصل مع الجميع.
وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر، وقال المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعًا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقوله ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر ألبتة.
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن ألبتة كما أن ما شاء كان ولا بد.
ولكن هاهنا أمرًا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له.
وقد دل على هذا قوله تعالى ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقوله ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ﴿رب العالمين﴾ ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها. وبالله التوفيق.
التكوير 81:19
وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل الصفات فقال:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ (١٥) الجَوارِ الكُنَّسِ (١٦) واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ (١٧) والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ (١٨) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ (٢١)﴾
فهذا جبريل، فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي.
فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه.
قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك.
ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها عليهم.
فهو قوي على تنفيذ ما يؤمر به، غير عاجز عنه، إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى.
قال ابن جرير في "تفسيره": عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح: أمين على أن يدخل سبعين سُرادقًا من نور بغير إذن.
ووصفه بالأمانة يقتضي صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان.
فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله.
ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: ﴿إنّكَ اليَوْمَ لَدَيَنا مَكِين أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنة شعيب في موسى عليهما السلام: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
(فصل)
قال في (التبيان)
ومن ذلك قوله سبحانه ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾
أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها.
هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب.
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسًا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها.
والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة.
وهذا قول الفراء.
وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها.
وهذا قول الزجاج.
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيًا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحًا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه:
أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.
الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان.
الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقًا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.
الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء.
قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس
ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها، ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل، وأكثر الناس لا يعرفونه، وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق.
وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر.
الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم.
السادس أنه لو كان جمعًا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر، فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعًا لواحد من الظباء والبقر، وتعين أن يكون جمعًا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها.
السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية.
ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها.
ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وقوله ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في قراءة رسول الله ونحو ذلك.
الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان، والليل والصبح في قسم واحد.
وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش.
التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾
وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها.
العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين، وزينة للقلوب، وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن. والله أعلم.
(فصل)
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر.
هذا قول علي وابن عباس وأصحابه.
قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد.
فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ مقابل لليل إذا عسعس.
قالوا ولهذا أقسم الله ب ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وبالضحى.
قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلي النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى ﴿كَلاّ والقَمَرِ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح
قالوا: والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل، فهذا أعظم في الدلالة والعبرة، بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما، ولأن بينهما زمنًا طويلًا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ.
فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم.
(فصل)
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو هاهنا جبريل قطعًا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري تارة، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده
وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا، وأن كلًا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغًا وقول الله الذي تكلم به حقًا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلمًا بالقرآن وهو كلامه حقًا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريمًا ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وفي ذلك تنبيه على أمور:
أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئًا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه
الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره.
الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.
الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويًا أمينًا معظمًا ذا مكانة عنده مطاعًا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية.
وقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه
وفي قوله ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبًا من ذي العرش سبحانه
وفي قوله ﴿مطاع ثم﴾ إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد، وفيه إشارة أيضًا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعًا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلًا من الرسولين مطاع في محله وقومه.
وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع.
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه.
ثم نزه رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة.
ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر:
؎أجود بمضنون التلاد وإنني ∗∗∗ بسرك عمن سالني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلًا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا القرآن والوحي
وقال الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده، ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله.
وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم.
وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقًا به مقيمًا عليه مبديًا له في كل مجمع ومعيدًا مناديًا به على صدقه مجلبًا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة:
؎أما وكتاب الله لا عن شناءة ∗∗∗ هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص.
وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين:
أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا.
قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبًا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية.
فلهذا قال سبحانه ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه، كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾
فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علمًا
لا يمارى فيه ولا يشك بل علمًا ضروريًا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون؟
قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم.
قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ وقال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب.
ونظير هذا قوله ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئًا إلا كان باطلًا ولا يفعلون شيئًا إلا كان ضائعًا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه (ذكرٌ للعالمين)
وفي موضع آخر (تذكرة للمتقين)
وفي موضع آخر لرسوله ولقومه، وفي موضع آخر ذكر مطلق، وفي موضع آخر ذكر مبارك، وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر.
وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرًا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده
ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه، وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسًا واحدًا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرًا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره.
وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة
وقوله سبحانه ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرًا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرًا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله.
وقوله ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط
بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببًا فيه.
وقوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين.
فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك.
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل، فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك، والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة، والاقتران العادي حاصل مع الجميع.
وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر، وقال المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعًا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقوله ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر ألبتة.
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن ألبتة كما أن ما شاء كان ولا بد.
ولكن هاهنا أمرًا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له.
وقد دل على هذا قوله تعالى ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقوله ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ﴿رب العالمين﴾ ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها. وبالله التوفيق.
التكوير 81:20
وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل الصفات فقال:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ (١٥) الجَوارِ الكُنَّسِ (١٦) واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ (١٧) والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ (١٨) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ (٢١)﴾
فهذا جبريل، فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي.
فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه.
قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك.
ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها عليهم.
فهو قوي على تنفيذ ما يؤمر به، غير عاجز عنه، إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى.
قال ابن جرير في "تفسيره": عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح: أمين على أن يدخل سبعين سُرادقًا من نور بغير إذن.
ووصفه بالأمانة يقتضي صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان.
فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله.
ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: ﴿إنّكَ اليَوْمَ لَدَيَنا مَكِين أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنة شعيب في موسى عليهما السلام: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
(فصل)
قال في (التبيان)
ومن ذلك قوله سبحانه ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾
أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها.
هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب.
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسًا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها.
والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة.
وهذا قول الفراء.
وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها.
وهذا قول الزجاج.
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيًا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحًا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه:
أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.
الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان.
الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقًا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.
الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء.
قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس
ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها، ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل، وأكثر الناس لا يعرفونه، وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق.
وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر.
الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم.
السادس أنه لو كان جمعًا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر، فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعًا لواحد من الظباء والبقر، وتعين أن يكون جمعًا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها.
السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية.
ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها.
ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وقوله ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في قراءة رسول الله ونحو ذلك.
الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان، والليل والصبح في قسم واحد.
وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش.
التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾
وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها.
العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين، وزينة للقلوب، وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن. والله أعلم.
(فصل)
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر.
هذا قول علي وابن عباس وأصحابه.
قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد.
فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ مقابل لليل إذا عسعس.
قالوا ولهذا أقسم الله ب ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وبالضحى.
قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلي النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى ﴿كَلاّ والقَمَرِ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح
قالوا: والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل، فهذا أعظم في الدلالة والعبرة، بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما، ولأن بينهما زمنًا طويلًا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ.
فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم.
(فصل)
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو هاهنا جبريل قطعًا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري تارة، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده
وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا، وأن كلًا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغًا وقول الله الذي تكلم به حقًا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلمًا بالقرآن وهو كلامه حقًا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريمًا ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وفي ذلك تنبيه على أمور:
أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئًا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه
الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره.
الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.
الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويًا أمينًا معظمًا ذا مكانة عنده مطاعًا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية.
وقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه
وفي قوله ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبًا من ذي العرش سبحانه
وفي قوله ﴿مطاع ثم﴾ إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد، وفيه إشارة أيضًا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعًا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلًا من الرسولين مطاع في محله وقومه.
وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع.
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه.
ثم نزه رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة.
ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر:
؎أجود بمضنون التلاد وإنني ∗∗∗ بسرك عمن سالني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلًا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا القرآن والوحي
وقال الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده، ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله.
وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم.
وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقًا به مقيمًا عليه مبديًا له في كل مجمع ومعيدًا مناديًا به على صدقه مجلبًا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة:
؎أما وكتاب الله لا عن شناءة ∗∗∗ هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص.
وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين:
أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا.
قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبًا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية.
فلهذا قال سبحانه ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه، كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾
فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علمًا
لا يمارى فيه ولا يشك بل علمًا ضروريًا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون؟
قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم.
قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ وقال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب.
ونظير هذا قوله ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئًا إلا كان باطلًا ولا يفعلون شيئًا إلا كان ضائعًا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه (ذكرٌ للعالمين)
وفي موضع آخر (تذكرة للمتقين)
وفي موضع آخر لرسوله ولقومه، وفي موضع آخر ذكر مطلق، وفي موضع آخر ذكر مبارك، وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر.
وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرًا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده
ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه، وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسًا واحدًا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرًا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره.
وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة
وقوله سبحانه ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرًا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرًا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله.
وقوله ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط
بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببًا فيه.
وقوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين.
فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك.
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل، فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك، والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة، والاقتران العادي حاصل مع الجميع.
وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر، وقال المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعًا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقوله ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر ألبتة.
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن ألبتة كما أن ما شاء كان ولا بد.
ولكن هاهنا أمرًا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له.
وقد دل على هذا قوله تعالى ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقوله ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ﴿رب العالمين﴾ ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها. وبالله التوفيق.
التكوير 81:21
وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل الصفات فقال:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ (١٥) الجَوارِ الكُنَّسِ (١٦) واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ (١٧) والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ (١٨) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ (٢١)﴾
فهذا جبريل، فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي.
فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه.
قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك.
ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها عليهم.
فهو قوي على تنفيذ ما يؤمر به، غير عاجز عنه، إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى.
قال ابن جرير في "تفسيره": عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح: أمين على أن يدخل سبعين سُرادقًا من نور بغير إذن.
ووصفه بالأمانة يقتضي صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان.
فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله.
ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: ﴿إنّكَ اليَوْمَ لَدَيَنا مَكِين أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنة شعيب في موسى عليهما السلام: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
(فصل)
قال في (التبيان)
ومن ذلك قوله سبحانه ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾
أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها.
هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب.
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسًا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها.
والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة.
وهذا قول الفراء.
وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها.
وهذا قول الزجاج.
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيًا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحًا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه:
أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.
الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان.
الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقًا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.
الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء.
قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس
ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها، ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل، وأكثر الناس لا يعرفونه، وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق.
وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر.
الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم.
السادس أنه لو كان جمعًا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر، فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعًا لواحد من الظباء والبقر، وتعين أن يكون جمعًا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها.
السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية.
ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها.
ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وقوله ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ في قراءة رسول الله ونحو ذلك.
الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان، والليل والصبح في قسم واحد.
وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش.
التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾
وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها.
العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين، وزينة للقلوب، وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن. والله أعلم.
(فصل)
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر.
هذا قول علي وابن عباس وأصحابه.
قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد.
فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ مقابل لليل إذا عسعس.
قالوا ولهذا أقسم الله ب ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وبالضحى.
قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلي النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى ﴿كَلاّ والقَمَرِ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح
قالوا: والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل، فهذا أعظم في الدلالة والعبرة، بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما، ولأن بينهما زمنًا طويلًا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ.
فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم.
(فصل)
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو هاهنا جبريل قطعًا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري تارة، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده
وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا، وأن كلًا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغًا وقول الله الذي تكلم به حقًا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلمًا بالقرآن وهو كلامه حقًا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريمًا ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وفي ذلك تنبيه على أمور:
أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئًا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه
الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره.
الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.
الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويًا أمينًا معظمًا ذا مكانة عنده مطاعًا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية.
وقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه
وفي قوله ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبًا من ذي العرش سبحانه
وفي قوله ﴿مطاع ثم﴾ إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد، وفيه إشارة أيضًا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعًا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلًا من الرسولين مطاع في محله وقومه.
وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع.
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه.
ثم نزه رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة.
ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر:
؎أجود بمضنون التلاد وإنني ∗∗∗ بسرك عمن سالني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلًا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا القرآن والوحي
وقال الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده، ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله.
وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم.
وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقًا به مقيمًا عليه مبديًا له في كل مجمع ومعيدًا مناديًا به على صدقه مجلبًا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة:
؎أما وكتاب الله لا عن شناءة ∗∗∗ هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص.
وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين:
أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا.
قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبًا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية.
فلهذا قال سبحانه ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه، كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾
فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علمًا
لا يمارى فيه ولا يشك بل علمًا ضروريًا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون؟
قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم.
قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ وقال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب.
ونظير هذا قوله ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئًا إلا كان باطلًا ولا يفعلون شيئًا إلا كان ضائعًا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه (ذكرٌ للعالمين)
وفي موضع آخر (تذكرة للمتقين)
وفي موضع آخر لرسوله ولقومه، وفي موضع آخر ذكر مطلق، وفي موضع آخر ذكر مبارك، وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر.
وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرًا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده
ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه، وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسًا واحدًا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرًا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره.
وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة
وقوله سبحانه ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرًا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرًا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله.
وقوله ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط
بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببًا فيه.
وقوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين.
فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله ﴿وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك.
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل، فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك، والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة، والاقتران العادي حاصل مع الجميع.
وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر، وقال المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعًا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وقوله ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر ألبتة.
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن ألبتة كما أن ما شاء كان ولا بد.
ولكن هاهنا أمرًا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له.
وقد دل على هذا قوله تعالى ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقوله ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ﴿رب العالمين﴾ ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها. وبالله التوفيق.
الانفطار 82:6
قال ابن القيم - بعد كلام -:
وَكاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦٦]
فَيَقُولُ: كَرَمُهُ، وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ، وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغَرُورُ، وهو الشَّيْطانُ، ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ، وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الكَرِيمِ وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ، الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ، ولا إهْمالُ حَقِّهِ، فَوَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ الغَرُورَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ.
الانفطار 82:10
[فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تُباعِدُ بَيْنَ العَبْدِ والمَلِكِ]
فَصْلٌ
المَعْصِيَةُ تُباعِدُ بَيْنَ العَبْدِ والمَلِكِ ومِن عُقُوباتِها: أنَّها تُباعِدُ عَنِ العَبْدِ ولِيَّهُ وأنْفَعَ الخَلْقِ لَهُ وأنْصَحَهم لَهُ، ومَن سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ مِنهُ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ وأغَشَّ الخَلْقِ لَهُ، وأعْظَمَهم ضَرَرًا لَهُ، وهو الشَّيْطانُ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَصى اللَّهَ تَباعَدَ مِنهُ المَلَكُ بِقَدْرِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، حَتّى إنَّهُ يَتَباعَدُ مِنهُ بِالكِذْبَةِ الواحِدَةِ مَسافَةً بَعِيدَةً.
وَفِي بَعْضِ الآثارِ: إذا كَذَبَ العَبْدُ تَباعَدَ مِنهُ المَلَكُ مِيلًا مِن نَتَنِ رِيحِهِ، فَإذا كانَ هَذا تَباعُدَ المَلَكِ مِنهُ مِن كِذْبَةٍ واحِدَةٍ، فَماذا يَكُونُ مِقْدارُ بُعْدِهِ مِنهُ مِمّا هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، وأفْحَشُ مِنهُ؟
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا رُكِبَ الذَّكَرُ عَجَّتِ الأرْضُ إلى اللَّهِ وهَرَبَتِ المَلائِكَةُ إلى رَبِّها، وشَكَتْ إلَيْهِ عَظِيمَ ما رَأتْ.
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ابْتَدَرَهُ المَلَكُ والشَّيْطانُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ وحَمِدَهُ وهَلَّلَهُ، طُرِدَ الشَّيْطانُ وتَوَلّاهُ المَلَكُ، وإنِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ذَهَبَ المَلَكُ عَنْهُ وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ.
وَلا يَزالُ المَلَكُ يَقْرُبُ مِنَ العَبْدِ حَتّى يَصِيرَ الحُكْمُ والطّاعَةُ والغَلَبَةُ لَهُ، فَتَتَوَلّاهُ المَلائِكَةُ في حَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وعِنْدَ بَعْثِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠-٣١].
وَإذا تَوَلّاهُ المَلَكُ تَوَلّاهُ أنْصَحُ الخَلْقِ وأنْفَعُهم وأبَرُّهُمْ، فَثَبَّتَهُ وعَلَّمَهُ، وقَوّى جَنانَهُ، وأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].
فَيَقُولُ المَلَكُ عِنْدَ المَوْتِ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ وأبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، ويُثَبِّتُهُ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وعِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ عِنْدَ المَسْألَةِ.
فَلَيْسَ أحَدٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ مِن صُحْبَةِ المَلَكِ لَهُ، وهو ولِيُّهُ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وفي قَبْرِهِ، ومُؤْنِسُهُ في وحْشَتِهِ، وصاحِبُهُ في خَلْوَتِهِ، ومُحَدِّثُهُ في سِرِّهِ، ويُحارِبُ عَنْهُ عَدُوَّهُ، ويُدافِعُ عَنْهُ ويُعِينُهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُهُ بِالخَيْرِ ويُبَشِّرُهُ بِهِ، ويُحِثُّهُ عَلى التَّصْدِيقِ بِالحَقِّ، كَما جاءَ في الأثَرِ الَّذِي يُرْوى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «إنَّ لِلْمَلَكِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، ولِلشَّيْطانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ المَلَكِ: إيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطانِ: إيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ».
وَإذا اشْتَدَّ قُرْبُ المَلَكِ مِنَ العَبْدِ تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلى لِسانِهِ القَوْلَ السَّدِيدَ، وإذا بَعُدَ مِنهُ وقَرُبَ الشَّيْطانُ، تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلَيْهِ قَوْلَ الزُّورِ والفُحْشِ، حَتّى يُرى الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ المَلَكُ والرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ الشَّيْطانُ
وَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أحَدُهم يَسْمَعُ الكَلِمَةَ الصّالِحَةَ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: ما ألْقاهُ عَلى لِسانِكَ إلّا المَلَكُ، ويَسْمَعُ ضِدَّها فَيَقُولُ: ما ألْقاها عَلى لِسانِكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالمَلَكُ يُلْقِي بِالقَلْبِ الحَقَّ ويُلْقِيهِ عَلى اللِّسانِ، والشَّيْطانُ يُلْقِي الباطِلَ في القَلْبِ ويُجْرِيهِ عَلى اللِّسانِ.
فَمِن عُقُوبَةِ المَعاصِي أنَّها تُبْعِدُ مِنَ العَبْدِ ولِيَّهُ الَّذِي سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ ومُجاوَرَتِهِ ومُوالاتِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ الَّذِي شَقاؤُهُ وهَلاكُهُ وفَسادُهُ في قُرْبِهِ ومُوالاتِهِ، حَتّى إنَّ المَلَكَ لَيُنافِحُ عَنِ العَبْدِ، ويَرُدُّ عَنْهُ إذا سَفِهَ عَلَيْهِ السَّفِيهُ وسَبَّهُ، كَما اخْتَصَمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلانِ، فَجَعَلَ أحَدُهُما يَسُبُّ الآخَرَ وهو ساكِتٌ، فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يَرُدُّ بِها عَلى صاحِبِهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ قُمْتَ، فَقالَ: «كانَ المَلَكُ يُنافِحُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ جاءَ الشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأجْلِسَ».
وَإذا دَعا العَبْدُ المُسْلِمُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ أمَّنَ المَلَكُ عَلى دُعائِهِ، وقالَ: «وَلَكَ بِمِثْلٍ».
وَإذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ الفاتِحَةِ أمَّنَتِ المَلائِكَةُ عَلى دُعائِهِ.
وَإذا أذْنَبَ العَبْدُ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِسَبِيلِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ.
وَإذا نامَ العَبْدُ عَلى وُضُوءٍ باتَ في شِعارِ مَلَكٍ.
فَمَلَكُ المُؤْمِنِ يَرُدُّ عَنْهُ ويُحارِبُ ويُدافِعُ عَنْهُ، ويُعَلِّمُهُ ويُثَبِّتُهُ ويُشَجِّعُهُ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُسِيءَ جِوارَهُ ويُبالِغَ في أذاهُ وطَرْدِهِ عَنْهُ وإبْعادِهِ، فَإنَّهُ ضَيْفُهُ وجارُهُ.
وَإذا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والإحْسانُ إلى الجارِ مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، فَما الظَّنُّ بِإكْرامِ أكْرَمِ الأضْيافِ، وخَيْرِ الجِيرانِ وأبَرِّهِمْ؟ وإذا آذى العَبْدُ المَلَكَ بِأنْواعِ المَعاصِي والظُّلْمِ والفَواحِشِ دَعا عَلَيْهِ رَبَّهُ، وقالَ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما يَدْعُو لَهُ إذا أكْرَمَهُ بِالطّاعَةِ والإحْسانِ.
قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ مَعَكم مَن لا يُفارِقُكُمْ، فاسْتَحْيُوا مِنهم وأكْرِمُوهم.
وَلا ألْأمَ مِمَّنْ لا يَسْتَحِي مِنَ الكَرِيمِ العَظِيمِ القَدْرِ، ولا يُجِلُّهُ ولا يُوَقِّرُهُ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ - كِرامًا كاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]
أيِ اسْتَحْيُوا مِن هَؤُلاءِ الحافِظِينَ الكِرامِ وأكْرِمُوهُمْ، وأجِلُّوهم أنْ يَرَوْا مِنكم ما تَسْتَحْيُونَ أنْ يَراكم عَلَيْهِ مَن هو مِثْلُكُمْ، والمَلائِكَةُ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ بَنُو آدَمَ، وإذا كانَ ابْنُ آدَمَ يَتَأذّى مِمَّنْ يَفْجُرُ ويَعْصِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنْ كانَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَما الظَّنُّ بِأذى المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
(فصل)
إذا عرف هذا فكل حركة في العالم العلوي والسفلي فسببها المحبة والإرادة، وغايتها المحبة والإرادة.
فإن الحركات ثلاث: إرادية، وطبعية، وقسرية.
فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادة لها، فحركته إرادية، وإن لم يكن له شعور بحركته، أوله بها شعور وهو غير مريد لها، فحركته إما على وفق طبعه، أو على خلافه، فالأولى طبعية، والثانية قسرية.
أظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرا مباينا للمتحرك، أو قوة فيه، فالأول الحركة فيه قسرية، والثاني، إما أن يكون له به شعور أم لا، فالأول: الحركة فيه إرادية، والثاني طبعية.
فالحركة متى لازمت الشعور والإرادة فهي إرادية، ومتى انتفى عنها الأمران، فإن كانت بقوة في المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت من غير قوة في المحرك فهي القسرية.
وكل حركة في السماوات والأرض: من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرا﴾، وقال ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾.
وهي الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل عليهم السلام، وأما المكذبون للرسل، المنكرون للصانع، فيقولون: هي النجوم.
وقد أشبعنا الرد على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى بالمفتاح.
وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكِّل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها. ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه، وملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها، وعمل الأنهار فيها ملائكة فالملائكة أعظم جنود الله تعالى.
ومنهم:
﴿والمُرْسَلاَتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ١-٥] ومنهم ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرا﴾ [النازعات:١-٥] ومنهم ﴿والصّافّاتِ صَفا فالزّاجِراتِ زَجْرًا فالتّالِياتِ ذِكْرا﴾ [الصافات:١-٣].
ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى.
ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره:
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلا لَمِن ارْتَضى وهْمْ مِن خَشْيَتهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧-٢٨] ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهمْ ويَفْعَلُونَ ما يؤمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويفْعَلُونَ ما يُؤْمَرْونَ﴾ [التحريم: ٦].
ولا تتنزل إلا بأمره، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه، فهم:
﴿عِبادٌ مُكرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].
منهم الصافون، ومنهم المسبحون. ليس منهم إلا من له مقام معلوم، لا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه، ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده سبحانه:
﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَستَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الليْلَ والنَّهارَ لا يفْتُروُنَ﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠].
ورؤساؤهم الأملاك الثلاث: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "الّلهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكم بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لَمِا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ".
فتوسل إليه سبحانه بربوبيته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة الموكلين بالحياة.
فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم.
فسأله رسوله بربوبيته لهؤلاء أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، لما في ذلك من الحياة النافعة.
والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة، فهي تدبر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة، لكونهم هم المباشرين للتدبير، كقوله:
﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥].
ويضيف التدبير إليه كقوله: ﴿إنَّ رَبَّكُم اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [يونس: ٣] قوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماء والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحى مِنَ المَيِّتِ ويخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحى ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ، فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١]. فهو المدبر أمرًا وإذنًا ومشيئةً، والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالًا.
وهذا كما أضاف التوفي إليهم تارة، كقوله تعالى: ﴿تَوَفّتْهُ رُسُلنا﴾ [الأنعام: ٦١].
وإليه تارة، كقوله: ﴿اللهُ يَتَوَفّى الأنْفسَ﴾ [الزمر: ٤٢] ونظائره.
والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر فإنهم موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره. وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ، وبعد البعث. وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب. وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة، وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه ليحذره، وما يحبه ليقوى قلبه، ويزداد شكرا، وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر، ويحذرونه منه.
فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه مادام في طاعة ربه، ويصلون عليه مادام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند موته، ويوم بعثه. وهم الذين يزهدونه في الدنيا، ويرغبونه في الآخرة. وهم الذين يذكرونه إذا نسي. وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع. وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته.
فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من عنده في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر قد أطت بهم السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، أو راكع أو ساجد ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليه.
والقرآن مملوء بذكر الملائكة، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم. كقوله تعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ للمَلائِكَةِ إنِّي جاعٍلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَل فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بحَمْدِكَ ونُقّدِّسُ لَكَ قّالَ إنِّي أعْلَمُ مالاَ تَعْلَمُونَ وعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هؤلاء إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلاّ ما عَلّمْتَنا إنّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيم قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بأسمائهم فَلمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلُم غَيْبَ السَّمواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وإذْ قُلْنا لِلْملائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ إلى آخر القصة [البقرة: ٣٠-٣٨]
وقوله: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبهِّمْ﴾ [القدر: ٤].
وما بين هاتين السورتين في سور القرآن. بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحا، أو تلويحا، أو إشارة.
وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر.
ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمس التي هي أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
الانفطار 82:11
[فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تُباعِدُ بَيْنَ العَبْدِ والمَلِكِ]
فَصْلٌ
المَعْصِيَةُ تُباعِدُ بَيْنَ العَبْدِ والمَلِكِ ومِن عُقُوباتِها: أنَّها تُباعِدُ عَنِ العَبْدِ ولِيَّهُ وأنْفَعَ الخَلْقِ لَهُ وأنْصَحَهم لَهُ، ومَن سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ مِنهُ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ وأغَشَّ الخَلْقِ لَهُ، وأعْظَمَهم ضَرَرًا لَهُ، وهو الشَّيْطانُ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَصى اللَّهَ تَباعَدَ مِنهُ المَلَكُ بِقَدْرِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، حَتّى إنَّهُ يَتَباعَدُ مِنهُ بِالكِذْبَةِ الواحِدَةِ مَسافَةً بَعِيدَةً.
وَفِي بَعْضِ الآثارِ: إذا كَذَبَ العَبْدُ تَباعَدَ مِنهُ المَلَكُ مِيلًا مِن نَتَنِ رِيحِهِ، فَإذا كانَ هَذا تَباعُدَ المَلَكِ مِنهُ مِن كِذْبَةٍ واحِدَةٍ، فَماذا يَكُونُ مِقْدارُ بُعْدِهِ مِنهُ مِمّا هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، وأفْحَشُ مِنهُ؟
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا رُكِبَ الذَّكَرُ عَجَّتِ الأرْضُ إلى اللَّهِ وهَرَبَتِ المَلائِكَةُ إلى رَبِّها، وشَكَتْ إلَيْهِ عَظِيمَ ما رَأتْ.
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ابْتَدَرَهُ المَلَكُ والشَّيْطانُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ وحَمِدَهُ وهَلَّلَهُ، طُرِدَ الشَّيْطانُ وتَوَلّاهُ المَلَكُ، وإنِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ذَهَبَ المَلَكُ عَنْهُ وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ.
وَلا يَزالُ المَلَكُ يَقْرُبُ مِنَ العَبْدِ حَتّى يَصِيرَ الحُكْمُ والطّاعَةُ والغَلَبَةُ لَهُ، فَتَتَوَلّاهُ المَلائِكَةُ في حَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وعِنْدَ بَعْثِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠-٣١].
وَإذا تَوَلّاهُ المَلَكُ تَوَلّاهُ أنْصَحُ الخَلْقِ وأنْفَعُهم وأبَرُّهُمْ، فَثَبَّتَهُ وعَلَّمَهُ، وقَوّى جَنانَهُ، وأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].
فَيَقُولُ المَلَكُ عِنْدَ المَوْتِ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ وأبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، ويُثَبِّتُهُ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وعِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ عِنْدَ المَسْألَةِ.
فَلَيْسَ أحَدٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ مِن صُحْبَةِ المَلَكِ لَهُ، وهو ولِيُّهُ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وفي قَبْرِهِ، ومُؤْنِسُهُ في وحْشَتِهِ، وصاحِبُهُ في خَلْوَتِهِ، ومُحَدِّثُهُ في سِرِّهِ، ويُحارِبُ عَنْهُ عَدُوَّهُ، ويُدافِعُ عَنْهُ ويُعِينُهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُهُ بِالخَيْرِ ويُبَشِّرُهُ بِهِ، ويُحِثُّهُ عَلى التَّصْدِيقِ بِالحَقِّ، كَما جاءَ في الأثَرِ الَّذِي يُرْوى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «إنَّ لِلْمَلَكِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، ولِلشَّيْطانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ المَلَكِ: إيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطانِ: إيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ».
وَإذا اشْتَدَّ قُرْبُ المَلَكِ مِنَ العَبْدِ تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلى لِسانِهِ القَوْلَ السَّدِيدَ، وإذا بَعُدَ مِنهُ وقَرُبَ الشَّيْطانُ، تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلَيْهِ قَوْلَ الزُّورِ والفُحْشِ، حَتّى يُرى الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ المَلَكُ والرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ الشَّيْطانُ
وَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أحَدُهم يَسْمَعُ الكَلِمَةَ الصّالِحَةَ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: ما ألْقاهُ عَلى لِسانِكَ إلّا المَلَكُ، ويَسْمَعُ ضِدَّها فَيَقُولُ: ما ألْقاها عَلى لِسانِكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالمَلَكُ يُلْقِي بِالقَلْبِ الحَقَّ ويُلْقِيهِ عَلى اللِّسانِ، والشَّيْطانُ يُلْقِي الباطِلَ في القَلْبِ ويُجْرِيهِ عَلى اللِّسانِ.
فَمِن عُقُوبَةِ المَعاصِي أنَّها تُبْعِدُ مِنَ العَبْدِ ولِيَّهُ الَّذِي سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ ومُجاوَرَتِهِ ومُوالاتِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ الَّذِي شَقاؤُهُ وهَلاكُهُ وفَسادُهُ في قُرْبِهِ ومُوالاتِهِ، حَتّى إنَّ المَلَكَ لَيُنافِحُ عَنِ العَبْدِ، ويَرُدُّ عَنْهُ إذا سَفِهَ عَلَيْهِ السَّفِيهُ وسَبَّهُ، كَما اخْتَصَمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلانِ، فَجَعَلَ أحَدُهُما يَسُبُّ الآخَرَ وهو ساكِتٌ، فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يَرُدُّ بِها عَلى صاحِبِهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ قُمْتَ، فَقالَ: «كانَ المَلَكُ يُنافِحُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ جاءَ الشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأجْلِسَ».
وَإذا دَعا العَبْدُ المُسْلِمُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ أمَّنَ المَلَكُ عَلى دُعائِهِ، وقالَ: «وَلَكَ بِمِثْلٍ».
وَإذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ الفاتِحَةِ أمَّنَتِ المَلائِكَةُ عَلى دُعائِهِ.
وَإذا أذْنَبَ العَبْدُ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِسَبِيلِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ.
وَإذا نامَ العَبْدُ عَلى وُضُوءٍ باتَ في شِعارِ مَلَكٍ.
فَمَلَكُ المُؤْمِنِ يَرُدُّ عَنْهُ ويُحارِبُ ويُدافِعُ عَنْهُ، ويُعَلِّمُهُ ويُثَبِّتُهُ ويُشَجِّعُهُ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُسِيءَ جِوارَهُ ويُبالِغَ في أذاهُ وطَرْدِهِ عَنْهُ وإبْعادِهِ، فَإنَّهُ ضَيْفُهُ وجارُهُ.
وَإذا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والإحْسانُ إلى الجارِ مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، فَما الظَّنُّ بِإكْرامِ أكْرَمِ الأضْيافِ، وخَيْرِ الجِيرانِ وأبَرِّهِمْ؟ وإذا آذى العَبْدُ المَلَكَ بِأنْواعِ المَعاصِي والظُّلْمِ والفَواحِشِ دَعا عَلَيْهِ رَبَّهُ، وقالَ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما يَدْعُو لَهُ إذا أكْرَمَهُ بِالطّاعَةِ والإحْسانِ.
قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ مَعَكم مَن لا يُفارِقُكُمْ، فاسْتَحْيُوا مِنهم وأكْرِمُوهم.
وَلا ألْأمَ مِمَّنْ لا يَسْتَحِي مِنَ الكَرِيمِ العَظِيمِ القَدْرِ، ولا يُجِلُّهُ ولا يُوَقِّرُهُ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ - كِرامًا كاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]
أيِ اسْتَحْيُوا مِن هَؤُلاءِ الحافِظِينَ الكِرامِ وأكْرِمُوهُمْ، وأجِلُّوهم أنْ يَرَوْا مِنكم ما تَسْتَحْيُونَ أنْ يَراكم عَلَيْهِ مَن هو مِثْلُكُمْ، والمَلائِكَةُ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ بَنُو آدَمَ، وإذا كانَ ابْنُ آدَمَ يَتَأذّى مِمَّنْ يَفْجُرُ ويَعْصِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنْ كانَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَما الظَّنُّ بِأذى المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
(فصل)
إذا عرف هذا فكل حركة في العالم العلوي والسفلي فسببها المحبة والإرادة، وغايتها المحبة والإرادة.
فإن الحركات ثلاث: إرادية، وطبعية، وقسرية.
فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادة لها، فحركته إرادية، وإن لم يكن له شعور بحركته، أوله بها شعور وهو غير مريد لها، فحركته إما على وفق طبعه، أو على خلافه، فالأولى طبعية، والثانية قسرية.
أظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرا مباينا للمتحرك، أو قوة فيه، فالأول الحركة فيه قسرية، والثاني، إما أن يكون له به شعور أم لا، فالأول: الحركة فيه إرادية، والثاني طبعية.
فالحركة متى لازمت الشعور والإرادة فهي إرادية، ومتى انتفى عنها الأمران، فإن كانت بقوة في المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت من غير قوة في المحرك فهي القسرية.
وكل حركة في السماوات والأرض: من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرا﴾، وقال ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾.
وهي الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل عليهم السلام، وأما المكذبون للرسل، المنكرون للصانع، فيقولون: هي النجوم.
وقد أشبعنا الرد على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى بالمفتاح.
وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكِّل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها. ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه، وملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها، وعمل الأنهار فيها ملائكة فالملائكة أعظم جنود الله تعالى.
ومنهم:
﴿والمُرْسَلاَتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ١-٥] ومنهم ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرا﴾ [النازعات:١-٥] ومنهم ﴿والصّافّاتِ صَفا فالزّاجِراتِ زَجْرًا فالتّالِياتِ ذِكْرا﴾ [الصافات:١-٣].
ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى.
ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره:
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلا لَمِن ارْتَضى وهْمْ مِن خَشْيَتهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧-٢٨] ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهمْ ويَفْعَلُونَ ما يؤمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويفْعَلُونَ ما يُؤْمَرْونَ﴾ [التحريم: ٦].
ولا تتنزل إلا بأمره، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه، فهم:
﴿عِبادٌ مُكرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].
منهم الصافون، ومنهم المسبحون. ليس منهم إلا من له مقام معلوم، لا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه، ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده سبحانه:
﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَستَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الليْلَ والنَّهارَ لا يفْتُروُنَ﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠].
ورؤساؤهم الأملاك الثلاث: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "الّلهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكم بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لَمِا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ".
فتوسل إليه سبحانه بربوبيته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة الموكلين بالحياة.
فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم.
فسأله رسوله بربوبيته لهؤلاء أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، لما في ذلك من الحياة النافعة.
والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة، فهي تدبر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة، لكونهم هم المباشرين للتدبير، كقوله:
﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥].
ويضيف التدبير إليه كقوله: ﴿إنَّ رَبَّكُم اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [يونس: ٣] قوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماء والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحى مِنَ المَيِّتِ ويخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحى ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ، فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١]. فهو المدبر أمرًا وإذنًا ومشيئةً، والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالًا.
وهذا كما أضاف التوفي إليهم تارة، كقوله تعالى: ﴿تَوَفّتْهُ رُسُلنا﴾ [الأنعام: ٦١].
وإليه تارة، كقوله: ﴿اللهُ يَتَوَفّى الأنْفسَ﴾ [الزمر: ٤٢] ونظائره.
والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر فإنهم موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره. وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ، وبعد البعث. وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب. وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة، وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه ليحذره، وما يحبه ليقوى قلبه، ويزداد شكرا، وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر، ويحذرونه منه.
فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه مادام في طاعة ربه، ويصلون عليه مادام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند موته، ويوم بعثه. وهم الذين يزهدونه في الدنيا، ويرغبونه في الآخرة. وهم الذين يذكرونه إذا نسي. وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع. وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته.
فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من عنده في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر قد أطت بهم السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، أو راكع أو ساجد ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليه.
والقرآن مملوء بذكر الملائكة، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم. كقوله تعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ للمَلائِكَةِ إنِّي جاعٍلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَل فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بحَمْدِكَ ونُقّدِّسُ لَكَ قّالَ إنِّي أعْلَمُ مالاَ تَعْلَمُونَ وعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هؤلاء إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلاّ ما عَلّمْتَنا إنّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيم قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بأسمائهم فَلمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلُم غَيْبَ السَّمواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وإذْ قُلْنا لِلْملائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ إلى آخر القصة [البقرة: ٣٠-٣٨]
وقوله: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبهِّمْ﴾ [القدر: ٤].
وما بين هاتين السورتين في سور القرآن. بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحا، أو تلويحا، أو إشارة.
وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر.
ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمس التي هي أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
الانفطار 82:12
[فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تُباعِدُ بَيْنَ العَبْدِ والمَلِكِ]
فَصْلٌ
المَعْصِيَةُ تُباعِدُ بَيْنَ العَبْدِ والمَلِكِ ومِن عُقُوباتِها: أنَّها تُباعِدُ عَنِ العَبْدِ ولِيَّهُ وأنْفَعَ الخَلْقِ لَهُ وأنْصَحَهم لَهُ، ومَن سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ مِنهُ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ وأغَشَّ الخَلْقِ لَهُ، وأعْظَمَهم ضَرَرًا لَهُ، وهو الشَّيْطانُ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَصى اللَّهَ تَباعَدَ مِنهُ المَلَكُ بِقَدْرِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، حَتّى إنَّهُ يَتَباعَدُ مِنهُ بِالكِذْبَةِ الواحِدَةِ مَسافَةً بَعِيدَةً.
وَفِي بَعْضِ الآثارِ: إذا كَذَبَ العَبْدُ تَباعَدَ مِنهُ المَلَكُ مِيلًا مِن نَتَنِ رِيحِهِ، فَإذا كانَ هَذا تَباعُدَ المَلَكِ مِنهُ مِن كِذْبَةٍ واحِدَةٍ، فَماذا يَكُونُ مِقْدارُ بُعْدِهِ مِنهُ مِمّا هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، وأفْحَشُ مِنهُ؟
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا رُكِبَ الذَّكَرُ عَجَّتِ الأرْضُ إلى اللَّهِ وهَرَبَتِ المَلائِكَةُ إلى رَبِّها، وشَكَتْ إلَيْهِ عَظِيمَ ما رَأتْ.
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ابْتَدَرَهُ المَلَكُ والشَّيْطانُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ وحَمِدَهُ وهَلَّلَهُ، طُرِدَ الشَّيْطانُ وتَوَلّاهُ المَلَكُ، وإنِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ذَهَبَ المَلَكُ عَنْهُ وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ.
وَلا يَزالُ المَلَكُ يَقْرُبُ مِنَ العَبْدِ حَتّى يَصِيرَ الحُكْمُ والطّاعَةُ والغَلَبَةُ لَهُ، فَتَتَوَلّاهُ المَلائِكَةُ في حَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وعِنْدَ بَعْثِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠-٣١].
وَإذا تَوَلّاهُ المَلَكُ تَوَلّاهُ أنْصَحُ الخَلْقِ وأنْفَعُهم وأبَرُّهُمْ، فَثَبَّتَهُ وعَلَّمَهُ، وقَوّى جَنانَهُ، وأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].
فَيَقُولُ المَلَكُ عِنْدَ المَوْتِ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ وأبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، ويُثَبِّتُهُ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وعِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ عِنْدَ المَسْألَةِ.
فَلَيْسَ أحَدٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ مِن صُحْبَةِ المَلَكِ لَهُ، وهو ولِيُّهُ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وفي قَبْرِهِ، ومُؤْنِسُهُ في وحْشَتِهِ، وصاحِبُهُ في خَلْوَتِهِ، ومُحَدِّثُهُ في سِرِّهِ، ويُحارِبُ عَنْهُ عَدُوَّهُ، ويُدافِعُ عَنْهُ ويُعِينُهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُهُ بِالخَيْرِ ويُبَشِّرُهُ بِهِ، ويُحِثُّهُ عَلى التَّصْدِيقِ بِالحَقِّ، كَما جاءَ في الأثَرِ الَّذِي يُرْوى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «إنَّ لِلْمَلَكِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، ولِلشَّيْطانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ المَلَكِ: إيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطانِ: إيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ».
وَإذا اشْتَدَّ قُرْبُ المَلَكِ مِنَ العَبْدِ تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلى لِسانِهِ القَوْلَ السَّدِيدَ، وإذا بَعُدَ مِنهُ وقَرُبَ الشَّيْطانُ، تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلَيْهِ قَوْلَ الزُّورِ والفُحْشِ، حَتّى يُرى الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ المَلَكُ والرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ الشَّيْطانُ
وَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أحَدُهم يَسْمَعُ الكَلِمَةَ الصّالِحَةَ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: ما ألْقاهُ عَلى لِسانِكَ إلّا المَلَكُ، ويَسْمَعُ ضِدَّها فَيَقُولُ: ما ألْقاها عَلى لِسانِكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالمَلَكُ يُلْقِي بِالقَلْبِ الحَقَّ ويُلْقِيهِ عَلى اللِّسانِ، والشَّيْطانُ يُلْقِي الباطِلَ في القَلْبِ ويُجْرِيهِ عَلى اللِّسانِ.
فَمِن عُقُوبَةِ المَعاصِي أنَّها تُبْعِدُ مِنَ العَبْدِ ولِيَّهُ الَّذِي سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ ومُجاوَرَتِهِ ومُوالاتِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ الَّذِي شَقاؤُهُ وهَلاكُهُ وفَسادُهُ في قُرْبِهِ ومُوالاتِهِ، حَتّى إنَّ المَلَكَ لَيُنافِحُ عَنِ العَبْدِ، ويَرُدُّ عَنْهُ إذا سَفِهَ عَلَيْهِ السَّفِيهُ وسَبَّهُ، كَما اخْتَصَمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلانِ، فَجَعَلَ أحَدُهُما يَسُبُّ الآخَرَ وهو ساكِتٌ، فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يَرُدُّ بِها عَلى صاحِبِهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ قُمْتَ، فَقالَ: «كانَ المَلَكُ يُنافِحُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ جاءَ الشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأجْلِسَ».
وَإذا دَعا العَبْدُ المُسْلِمُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ أمَّنَ المَلَكُ عَلى دُعائِهِ، وقالَ: «وَلَكَ بِمِثْلٍ».
وَإذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ الفاتِحَةِ أمَّنَتِ المَلائِكَةُ عَلى دُعائِهِ.
وَإذا أذْنَبَ العَبْدُ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِسَبِيلِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ.
وَإذا نامَ العَبْدُ عَلى وُضُوءٍ باتَ في شِعارِ مَلَكٍ.
فَمَلَكُ المُؤْمِنِ يَرُدُّ عَنْهُ ويُحارِبُ ويُدافِعُ عَنْهُ، ويُعَلِّمُهُ ويُثَبِّتُهُ ويُشَجِّعُهُ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُسِيءَ جِوارَهُ ويُبالِغَ في أذاهُ وطَرْدِهِ عَنْهُ وإبْعادِهِ، فَإنَّهُ ضَيْفُهُ وجارُهُ.
وَإذا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والإحْسانُ إلى الجارِ مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، فَما الظَّنُّ بِإكْرامِ أكْرَمِ الأضْيافِ، وخَيْرِ الجِيرانِ وأبَرِّهِمْ؟ وإذا آذى العَبْدُ المَلَكَ بِأنْواعِ المَعاصِي والظُّلْمِ والفَواحِشِ دَعا عَلَيْهِ رَبَّهُ، وقالَ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما يَدْعُو لَهُ إذا أكْرَمَهُ بِالطّاعَةِ والإحْسانِ.
قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ مَعَكم مَن لا يُفارِقُكُمْ، فاسْتَحْيُوا مِنهم وأكْرِمُوهم.
وَلا ألْأمَ مِمَّنْ لا يَسْتَحِي مِنَ الكَرِيمِ العَظِيمِ القَدْرِ، ولا يُجِلُّهُ ولا يُوَقِّرُهُ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ - كِرامًا كاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]
أيِ اسْتَحْيُوا مِن هَؤُلاءِ الحافِظِينَ الكِرامِ وأكْرِمُوهُمْ، وأجِلُّوهم أنْ يَرَوْا مِنكم ما تَسْتَحْيُونَ أنْ يَراكم عَلَيْهِ مَن هو مِثْلُكُمْ، والمَلائِكَةُ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ بَنُو آدَمَ، وإذا كانَ ابْنُ آدَمَ يَتَأذّى مِمَّنْ يَفْجُرُ ويَعْصِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنْ كانَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَما الظَّنُّ بِأذى المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
(فصل)
إذا عرف هذا فكل حركة في العالم العلوي والسفلي فسببها المحبة والإرادة، وغايتها المحبة والإرادة.
فإن الحركات ثلاث: إرادية، وطبعية، وقسرية.
فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادة لها، فحركته إرادية، وإن لم يكن له شعور بحركته، أوله بها شعور وهو غير مريد لها، فحركته إما على وفق طبعه، أو على خلافه، فالأولى طبعية، والثانية قسرية.
أظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرا مباينا للمتحرك، أو قوة فيه، فالأول الحركة فيه قسرية، والثاني، إما أن يكون له به شعور أم لا، فالأول: الحركة فيه إرادية، والثاني طبعية.
فالحركة متى لازمت الشعور والإرادة فهي إرادية، ومتى انتفى عنها الأمران، فإن كانت بقوة في المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت من غير قوة في المحرك فهي القسرية.
وكل حركة في السماوات والأرض: من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرا﴾، وقال ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾.
وهي الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل عليهم السلام، وأما المكذبون للرسل، المنكرون للصانع، فيقولون: هي النجوم.
وقد أشبعنا الرد على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى بالمفتاح.
وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكِّل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها. ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه، وملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها، وعمل الأنهار فيها ملائكة فالملائكة أعظم جنود الله تعالى.
ومنهم:
﴿والمُرْسَلاَتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ١-٥] ومنهم ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرا﴾ [النازعات:١-٥] ومنهم ﴿والصّافّاتِ صَفا فالزّاجِراتِ زَجْرًا فالتّالِياتِ ذِكْرا﴾ [الصافات:١-٣].
ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى.
ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره:
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلا لَمِن ارْتَضى وهْمْ مِن خَشْيَتهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧-٢٨] ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهمْ ويَفْعَلُونَ ما يؤمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويفْعَلُونَ ما يُؤْمَرْونَ﴾ [التحريم: ٦].
ولا تتنزل إلا بأمره، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه، فهم:
﴿عِبادٌ مُكرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].
منهم الصافون، ومنهم المسبحون. ليس منهم إلا من له مقام معلوم، لا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه، ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده سبحانه:
﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَستَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الليْلَ والنَّهارَ لا يفْتُروُنَ﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠].
ورؤساؤهم الأملاك الثلاث: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "الّلهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكم بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لَمِا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ".
فتوسل إليه سبحانه بربوبيته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة الموكلين بالحياة.
فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم.
فسأله رسوله بربوبيته لهؤلاء أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، لما في ذلك من الحياة النافعة.
والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة، فهي تدبر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة، لكونهم هم المباشرين للتدبير، كقوله:
﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥].
ويضيف التدبير إليه كقوله: ﴿إنَّ رَبَّكُم اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [يونس: ٣] قوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماء والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحى مِنَ المَيِّتِ ويخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحى ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ، فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١]. فهو المدبر أمرًا وإذنًا ومشيئةً، والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالًا.
وهذا كما أضاف التوفي إليهم تارة، كقوله تعالى: ﴿تَوَفّتْهُ رُسُلنا﴾ [الأنعام: ٦١].
وإليه تارة، كقوله: ﴿اللهُ يَتَوَفّى الأنْفسَ﴾ [الزمر: ٤٢] ونظائره.
والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر فإنهم موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره. وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ، وبعد البعث. وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب. وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة، وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه ليحذره، وما يحبه ليقوى قلبه، ويزداد شكرا، وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر، ويحذرونه منه.
فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه مادام في طاعة ربه، ويصلون عليه مادام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند موته، ويوم بعثه. وهم الذين يزهدونه في الدنيا، ويرغبونه في الآخرة. وهم الذين يذكرونه إذا نسي. وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع. وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته.
فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من عنده في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر قد أطت بهم السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، أو راكع أو ساجد ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليه.
والقرآن مملوء بذكر الملائكة، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم. كقوله تعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ للمَلائِكَةِ إنِّي جاعٍلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَل فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بحَمْدِكَ ونُقّدِّسُ لَكَ قّالَ إنِّي أعْلَمُ مالاَ تَعْلَمُونَ وعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هؤلاء إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلاّ ما عَلّمْتَنا إنّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيم قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بأسمائهم فَلمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلُم غَيْبَ السَّمواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وإذْ قُلْنا لِلْملائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ إلى آخر القصة [البقرة: ٣٠-٣٨]
وقوله: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبهِّمْ﴾ [القدر: ٤].
وما بين هاتين السورتين في سور القرآن. بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحا، أو تلويحا، أو إشارة.
وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر.
ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمس التي هي أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
الانفطار 82:13
وَلا تَحْسَبُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ - وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ مَقْصُورٌ عَلى نَعِيمِ الآخِرَةِ وجَحِيمِها فَقَطْ بَلْ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ كَذَلِكَ - أعْنِي دارَ الدُّنْيا، ودارَ البَرْزَخِ، ودارَ القَرارِ - فَهَؤُلاءِ في نَعِيمٍ، وهَؤُلاءِ في جَحِيمٍ، وهَلِ النَّعِيمُ إلّا نَعِيمُ القَلْبِ؟
وَهَلِ العَذابُ إلّا عَذابُ القَلْبِ؟
وَأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ والهَمِّ والحُزْنِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، وإعْراضِهِ عَنِ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، وتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وانْقِطاعِهِ عَنِ اللَّهِ، بِكُلِّ وادٍ مِنهُ شُعْبَةٌ؟
وَكُلُّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ بِهِ وأحَبَّهُ مِن دُونِ اللَّهِ فَإنَّهُ يَسُومُهُ سُوءَ العَذابِ.
فَكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في هَذِهِ الدّارِ، فَهو يُعَذَّبُ بِهِ قَبْلَ حُصُولِهِ حَتّى يَحْصُلَ، فَإذا حَصَلَ عُذِّبَ بِهِ حالَ حُصُولِهِ بِالخَوْفِ مِن سَلْبِهِ وفَواتِهِ، والتَّنْغِيصِ والتَّنْكِيدِ عَلَيْهِ، وأنْواعٍ مِنَ العَذابِ في هَذِهِ المُعارَضاتِ، فَإذا سُلِبَهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ عَذابُهُ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ في هَذِهِ الدّارِ.
وَأمّا في البَرْزَخِ: فَعَذابٌ يُقارِنُهُ ألَمُ الفِراقِ الَّذِي لا يَرْجُو عَوْدَةً وألَمُ فَواتِ ما فاتَهُ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ بِاشْتِغالِهِ بِضِدِّهِ، وألَمُ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ، وألَمُ الحَسْرَةِ الَّتِي تَقْطَعُ الأكْبادَ، فالهَمُّ والغَمُّ والحُزْنُ تَعْمَلُ في نُفُوسِهِمْ نَظِيرَ ما يَعْمَلُ الهَوامُّ والدِّيدانُ في أبْدانِهِمْ، بَلْ عَمَلُها في النُّفُوسِ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، حَتّى يَرُدَّها اللَّهُ إلى أجْسادِها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ العَذابُ إلى نَوْعٍ هو أدْهى وأمَرُّ، فَأيْنَ هَذا مِن نَعِيمِ مَن يَرْقُصُ قَلْبُهُ طَرَبًا وفَرَحًا وأُنْسًا بِرَبِّهِ، واشْتِياقًا إلَيْهِ، وارْتِياحًا بِحُبِّهِ، وطُمَأْنِينَةً بِذِكْرِهِ؟ حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم في حالِ نَزْعِهِ: واطَرَباهُ.
وَيَقُولُ الآخَرُ: مَساكِينُ أهْلُ الدُّنْيا، خَرَجُوا مِنها وما ذاقُوا لَذِيذَ العَيْشِ فِيها، وما ذاقُوا أطْيَبَ ما فِيها.
وَيَقُولُ الآخَرُ: لَوْ عَلِمَ المُلُوكُ وأبْناءُ المُلُوكِ ما نَحْنُ فِيهِ لَجالَدُونا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ.
وَيَقُولُ الآخَرُ: إنَّ في الدُّنْيا جَنَّةً مَن لَمْ يَدْخُلْها لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الآخِرَةِ.
فَيا مَن باعَ حَظَّهُ الغالِي بِأبْخَسِ الثَّمَنِ، وغُبِنَ كُلَّ الغَبْنِ في هَذا العَقْدِ وهو يَرى أنَّهُ قَدْ غُبِنَ، إذا لَمْ يَكُنْ لَكَ خِبْرَةٌ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ فَسَلِ المُقَوِّمِينَ، فَيا عَجَبًا مِن بِضاعَةٍ مَعَكَ اللَّهُ مُشْتَرِيها وثَمَنُها جَنَّةُ المَأْوى، والسَّفِيرُ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ عَقْدُ التَّبايُعِ وضَمِنَ الثَّمَنَ عَنِ المُشْتَرِي هو الرَّسُولُ ﷺ، وقَدْ بِعْتَها بِغايَةِ الهَوانِ، كَما قالَ القائِلُ:
؎إذا كانَ هَذا فِعْلُ عَبْدٍ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ فَمَن ذا لَهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ يُكْرِمُ
﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [الحج: ١٨].
وقال أيضا في (الجواب الكافي)
وَلا تَظُنَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ - وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ المَعادِ فَقَطْ، بَلْ هَؤُلاءِ في نَعِيمٍ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ، وهَؤُلاءِ في جَحِيمٍ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ.
وَأيُّ لَذَّةٍ ونَعِيمٍ في الدُّنْيا أطْيَبُ مِن بِرِّ القَلْبِ، وسَلامَةِ الصَّدْرِ، ومَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى ومَحَبَّتِهِ، والعَمَلِ عَلى مُوافَقَتِهِ؟ وهَلِ العَيْشُ في الحَقِيقَةِ إلّا عَيْشُ القَلْبِ السَّلِيمِ؟ وقَدْ أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ، فَقالَ: ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ - إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٤].
وقال في (المدارج)
قُلُوبُ أهْلِ البِدَعِ، والمُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ، وأهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ، وأهْلِ المَعاصِي في جَحِيمٍ قَبْلَ الجَحِيمِ الأكْبَرِ، وقُلُوبُ الأبْرارِ في نَعِيمٍ قَبْلَ النَّعِيمِ الأكْبَرِ ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]
هَذا في دُورِهِمُ الثَّلاثِ، لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالدّارِ الآخِرَةِ، وإنْ كانَ تَمامُهُ وكَمالُهُ وظُهُورُهُ: إنَّما هو في الدّارِ الآخِرَةِ، وفي البَرْزَخِ دُونَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] وقالَ تَعالى ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧١]
وَفِي هَذِهِ الدّارِ دُونَ ما في البَرْزَخِ، ولَكِنْ يَمْنَعُ مِنَ الإحْساسِ بِهِ الِاسْتِغْراقُ في سَكْرَةِ الشَّهَواتِ، وطَرْحُ ذَلِكَ عَنِ القَلْبِ، وعَدَمُ التَّفَكُّرِ فِيهِ.
والعَبْدُ قَدْ يُصِيبُهُ ألَمٌ حِسِّيٌّ فَيَطْرَحُهُ عَنْ قَلْبِهِ، ويَقْطَعُ التِفاتَهُ عَنْهُ، ويَجْعَلُ إقْبالَهُ عَلى غَيْرِهِ، لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِ جُمْلَةً، فَلَوْ زالَ عَنْهُ ذَلِكَ الِالتِفاتُ، لَصاحَ مِن شِدَّةِ الألَمِ، فَما الظَّنُّ بِعَذابِ القُلُوبِ وآلامِها؟!.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْحَسَناتِ والطّاعاتِ آثارًا مَحْبُوبَةً لَذِيذَةً طَيِّبَةً، لَذَّتُها فَوْقَ لَذَّةِ المَعْصِيَةِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، لا نِسْبَةَ لَها إلَيْها، وجَعَلَ لِلسَّيِّئاتِ والمَعاصِي آلامًا وآثارًا مَكْرُوهَةً، وحَزازاتٍ تُرْبِي عَلى لَذَّةِ تَناوُلِها بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا في القَلْبِ، وضِياءً في الوَجْهِ، وقُوَّةً في البَدَنِ، وزِيادَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوادًا في الوَجْهِ، وظُلْمَةً في القَلْبِ ووَهَنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وهَذا يَعْرِفُهُ صاحِبُ البَصِيرَةِ، ويَشْهَدُهُ مِن نَفْسِهِ ومِن غَيْرِهِ.
فَما حَصَلَ لِلْعَبْدِ حالٌ مَكْرُوهَةٌ قَطُّ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقال أيضا في (إغاثة اللهفان)
وقوله: ﴿إنَّ الأبْرارَ لفي نَعِيمٍ وإنّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤].
فوعد أهل الهدى والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة، ووعيد أهل الضلال والفجور بالشقاء في الدار الآخرة مما اتفقت عليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم، وتضمنته الكتب.
ولكن نذكر هاهنا نكتة نافعة. وهي: أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من أهل الإيمان في الدنيا من المصائب، وما ينال كثيرا من الكفار والفجار والظلمة في الدنيا من الرياسة والمال، وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار، وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة في الدنيا قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين.
فإذا سمع في القرآن قوله تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]
وقوله ﴿وَإنّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]
وقوله ﴿كَتَبَ الله لأغْلِبن أنا ورُسُلِى﴾ [المجادلة: ٢١]
وقوله ﴿والعاقِبةُ لِلْمُتّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨، القصص: ٨٣].
ونحو هذه الآيات، وهو ممن يصدق بالقرآن، حمل ذلك على أن حصوله في الدار الآخرة فقط وقال: أما الدنيا فإنا نرى الكفار والمنافقين يغلبون فيها ويظهرون، ويكون لهم النصر والظفر.
والقرآن لا يرد بخلاف الحس، ويعتمد على هذا الظن إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين، أو الفجرة الظالمين: وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى. فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق، فيقول: أنا على الحق. وأنا مغلوب: فصاحب الحق في هذه الدنيا مغلوب مقهور، والدولة فيها الباطل.
فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين، قال: هذا في الآخرة فقط.
وإذا قيل له: كيف يفعل الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه، وأهل الحق؟
فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح، قال: يفعل الله في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد:
﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
وإن كان ممن يعلل الأفعال، قال: فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب الآخرة وعلو الدرجات، وتوفية الأجر بغير حساب.
ولكل أحد مع نفسه في هذا المقام مباحثات وإيرادات وإشكالات وأجوبة، بحسب حاصله وبضاعته، من المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحكمته، والجهل بذلك، فالقلوب تغلى بما فيها، كالقدر إذا استجمعت غليانا.
فلقد بلغنا وشاهدنا من كثير من هؤلاء من التظلم للرب تعالى واتهامه، ما لا يصدر إلا من عدو، فكان الجهم يخرج بأصحابه، فيقفهم على الجذمى وأهل البلاء، ويقول انظروا، أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟ إنكارا لرحمته، كما أنكر حكمته.
فليس الله عند جهم وأتباعه حكيما ولا رحيما.
وقال آخر من كبار القوم: ما على الخلق أضر من الخالق.
وكان بعضهم يتمثل:
؎إذا كانَ هذا فِعْلُهُ مُحِبِّة ∗∗∗ فما تَراهُ في أعادِيهِ يَصْنَعُ؟
وأنت تشاهد كثيرا من الناس إذا أصابه نوع من البلاء يقول: يا ربي ما كان ذنبي، حتى فعلت بي هذا؟
وقال لي غير واحد: إذا تبت إليه وأنبت وعملت صالحا ضيق على رزقى، ونكد على معيشتى، وإذا رجعت إلى معصيته، وأعطيت نفسي مرادها، جاءني الرزق والعون ونحو هذا.
فقلت لبعضهم: هذا امتحان منه، ليرى صدقك وصبرك، هل أنت صادق في مجيئك إليه وإقبالك عليه، فتصبر على بلائه، فتكون لك العاقبة، أم أنت كاذب فترجع على عقبك؟
وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحائدة عن الصواب مبنية على مقدمتين.
إحداهما: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه، وتارك ما نهي عنه، واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأنه تارك للمأمور، مرتكب للمحظور، وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه.
والمقدمة الثانية: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه، بل يعيش عمره مظلوما مقهورا مستضاما، مع قيامه بما أمر به ظاهرا وباطنا، وانتهائه عما نهي عنه باطنا وظاهرا، فهو عند نفسه قائم بشرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وهو تحت قهر أهل الظلم، والفجور والعدوان.
فلا إله إلا الله، كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل، ومتدين لا بصيرة له، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين.
فإنه من المعلوم: أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب في الدنيا لما لا بد له منه: من جلب النفع، ودفع الضر، بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح. فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى، والاستقامة على التوحيد، ومتابعة السنة ينافى ذلك.
وأنه يعادي جميع أهل الأرض لما لا يقدر عليه من البلاء، وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة، لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال دينه، وتجرده لله ورسوله، فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين، بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين، بل قد يدخل مع الظالمين، بل مع المنافقين، وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من فروعه وأعماله، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"بادِرُوا بِالأعْمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ الّليْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُمسِي كافِرًا، ويُمْسِي كافِرًا ويُصْبِحُ مُؤْمِنًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا".
وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه، من حصول ضرر لا يحتمله، وفوات منفعة لابد له منها، لم يقدم على احتمال هذا الضرر، ولا تفويت تلك المنفعة.
فسبحان الله، كم صدت هذه الفتنة الكثير من الخلق، بل أكثرهم عن القيام بحقيقة الدين.
وأصلها ناشئ من جهلين كبيرين: جهل بحقيقة الدين، وجهل بحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس، وكمالها، وبه ابتهاجها والتذاذها، فيتولد من بين هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين، وعن طلب حقيقة النعيم.
ومعلوم أن كمال العبد هو بأن يكون عارفا بالنعيم الذي يطلبه، والعمل الذي يوصل إليه، وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العمل، ومحبة صادقة لذلك النعيم، وإلا فالعلم بالمطلوب وطريقه لا يحصله إن لم يقترن بذلك العمل، والإرادة الجازمة لا توجب وجود المراد إلا إذا لازمها الصبر.
فصارت سعادة العبد وكمال لذته ونعيمه موقوفا على هذه المقامات الخمسة علمه بالنعيم المطلوب ومحبته له، وعلمه بالطريق الموصل إليه وعمله به، وصبره على ذلك.
الانفطار 82:14
وَلا تَحْسَبُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ - وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ مَقْصُورٌ عَلى نَعِيمِ الآخِرَةِ وجَحِيمِها فَقَطْ بَلْ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ كَذَلِكَ - أعْنِي دارَ الدُّنْيا، ودارَ البَرْزَخِ، ودارَ القَرارِ - فَهَؤُلاءِ في نَعِيمٍ، وهَؤُلاءِ في جَحِيمٍ، وهَلِ النَّعِيمُ إلّا نَعِيمُ القَلْبِ؟
وَهَلِ العَذابُ إلّا عَذابُ القَلْبِ؟
وَأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ والهَمِّ والحُزْنِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، وإعْراضِهِ عَنِ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، وتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وانْقِطاعِهِ عَنِ اللَّهِ، بِكُلِّ وادٍ مِنهُ شُعْبَةٌ؟
وَكُلُّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ بِهِ وأحَبَّهُ مِن دُونِ اللَّهِ فَإنَّهُ يَسُومُهُ سُوءَ العَذابِ.
فَكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في هَذِهِ الدّارِ، فَهو يُعَذَّبُ بِهِ قَبْلَ حُصُولِهِ حَتّى يَحْصُلَ، فَإذا حَصَلَ عُذِّبَ بِهِ حالَ حُصُولِهِ بِالخَوْفِ مِن سَلْبِهِ وفَواتِهِ، والتَّنْغِيصِ والتَّنْكِيدِ عَلَيْهِ، وأنْواعٍ مِنَ العَذابِ في هَذِهِ المُعارَضاتِ، فَإذا سُلِبَهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ عَذابُهُ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ في هَذِهِ الدّارِ.
وَأمّا في البَرْزَخِ: فَعَذابٌ يُقارِنُهُ ألَمُ الفِراقِ الَّذِي لا يَرْجُو عَوْدَةً وألَمُ فَواتِ ما فاتَهُ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ بِاشْتِغالِهِ بِضِدِّهِ، وألَمُ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ، وألَمُ الحَسْرَةِ الَّتِي تَقْطَعُ الأكْبادَ، فالهَمُّ والغَمُّ والحُزْنُ تَعْمَلُ في نُفُوسِهِمْ نَظِيرَ ما يَعْمَلُ الهَوامُّ والدِّيدانُ في أبْدانِهِمْ، بَلْ عَمَلُها في النُّفُوسِ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، حَتّى يَرُدَّها اللَّهُ إلى أجْسادِها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ العَذابُ إلى نَوْعٍ هو أدْهى وأمَرُّ، فَأيْنَ هَذا مِن نَعِيمِ مَن يَرْقُصُ قَلْبُهُ طَرَبًا وفَرَحًا وأُنْسًا بِرَبِّهِ، واشْتِياقًا إلَيْهِ، وارْتِياحًا بِحُبِّهِ، وطُمَأْنِينَةً بِذِكْرِهِ؟ حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم في حالِ نَزْعِهِ: واطَرَباهُ.
وَيَقُولُ الآخَرُ: مَساكِينُ أهْلُ الدُّنْيا، خَرَجُوا مِنها وما ذاقُوا لَذِيذَ العَيْشِ فِيها، وما ذاقُوا أطْيَبَ ما فِيها.
وَيَقُولُ الآخَرُ: لَوْ عَلِمَ المُلُوكُ وأبْناءُ المُلُوكِ ما نَحْنُ فِيهِ لَجالَدُونا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ.
وَيَقُولُ الآخَرُ: إنَّ في الدُّنْيا جَنَّةً مَن لَمْ يَدْخُلْها لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الآخِرَةِ.
فَيا مَن باعَ حَظَّهُ الغالِي بِأبْخَسِ الثَّمَنِ، وغُبِنَ كُلَّ الغَبْنِ في هَذا العَقْدِ وهو يَرى أنَّهُ قَدْ غُبِنَ، إذا لَمْ يَكُنْ لَكَ خِبْرَةٌ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ فَسَلِ المُقَوِّمِينَ، فَيا عَجَبًا مِن بِضاعَةٍ مَعَكَ اللَّهُ مُشْتَرِيها وثَمَنُها جَنَّةُ المَأْوى، والسَّفِيرُ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ عَقْدُ التَّبايُعِ وضَمِنَ الثَّمَنَ عَنِ المُشْتَرِي هو الرَّسُولُ ﷺ، وقَدْ بِعْتَها بِغايَةِ الهَوانِ، كَما قالَ القائِلُ:
؎إذا كانَ هَذا فِعْلُ عَبْدٍ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ فَمَن ذا لَهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ يُكْرِمُ
﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [الحج: ١٨].
وقال أيضا في (الجواب الكافي)
وَلا تَظُنَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ - وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ المَعادِ فَقَطْ، بَلْ هَؤُلاءِ في نَعِيمٍ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ، وهَؤُلاءِ في جَحِيمٍ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ.
وَأيُّ لَذَّةٍ ونَعِيمٍ في الدُّنْيا أطْيَبُ مِن بِرِّ القَلْبِ، وسَلامَةِ الصَّدْرِ، ومَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى ومَحَبَّتِهِ، والعَمَلِ عَلى مُوافَقَتِهِ؟ وهَلِ العَيْشُ في الحَقِيقَةِ إلّا عَيْشُ القَلْبِ السَّلِيمِ؟ وقَدْ أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ، فَقالَ: ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ - إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٤].
وقال في (المدارج)
قُلُوبُ أهْلِ البِدَعِ، والمُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ، وأهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ، وأهْلِ المَعاصِي في جَحِيمٍ قَبْلَ الجَحِيمِ الأكْبَرِ، وقُلُوبُ الأبْرارِ في نَعِيمٍ قَبْلَ النَّعِيمِ الأكْبَرِ ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]
هَذا في دُورِهِمُ الثَّلاثِ، لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالدّارِ الآخِرَةِ، وإنْ كانَ تَمامُهُ وكَمالُهُ وظُهُورُهُ: إنَّما هو في الدّارِ الآخِرَةِ، وفي البَرْزَخِ دُونَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] وقالَ تَعالى ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧١]
وَفِي هَذِهِ الدّارِ دُونَ ما في البَرْزَخِ، ولَكِنْ يَمْنَعُ مِنَ الإحْساسِ بِهِ الِاسْتِغْراقُ في سَكْرَةِ الشَّهَواتِ، وطَرْحُ ذَلِكَ عَنِ القَلْبِ، وعَدَمُ التَّفَكُّرِ فِيهِ.
والعَبْدُ قَدْ يُصِيبُهُ ألَمٌ حِسِّيٌّ فَيَطْرَحُهُ عَنْ قَلْبِهِ، ويَقْطَعُ التِفاتَهُ عَنْهُ، ويَجْعَلُ إقْبالَهُ عَلى غَيْرِهِ، لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِ جُمْلَةً، فَلَوْ زالَ عَنْهُ ذَلِكَ الِالتِفاتُ، لَصاحَ مِن شِدَّةِ الألَمِ، فَما الظَّنُّ بِعَذابِ القُلُوبِ وآلامِها؟!.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْحَسَناتِ والطّاعاتِ آثارًا مَحْبُوبَةً لَذِيذَةً طَيِّبَةً، لَذَّتُها فَوْقَ لَذَّةِ المَعْصِيَةِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، لا نِسْبَةَ لَها إلَيْها، وجَعَلَ لِلسَّيِّئاتِ والمَعاصِي آلامًا وآثارًا مَكْرُوهَةً، وحَزازاتٍ تُرْبِي عَلى لَذَّةِ تَناوُلِها بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا في القَلْبِ، وضِياءً في الوَجْهِ، وقُوَّةً في البَدَنِ، وزِيادَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوادًا في الوَجْهِ، وظُلْمَةً في القَلْبِ ووَهَنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وهَذا يَعْرِفُهُ صاحِبُ البَصِيرَةِ، ويَشْهَدُهُ مِن نَفْسِهِ ومِن غَيْرِهِ.
فَما حَصَلَ لِلْعَبْدِ حالٌ مَكْرُوهَةٌ قَطُّ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقال أيضا في (إغاثة اللهفان)
وقوله: ﴿إنَّ الأبْرارَ لفي نَعِيمٍ وإنّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤].
فوعد أهل الهدى والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة، ووعيد أهل الضلال والفجور بالشقاء في الدار الآخرة مما اتفقت عليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم، وتضمنته الكتب.
ولكن نذكر هاهنا نكتة نافعة. وهي: أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من أهل الإيمان في الدنيا من المصائب، وما ينال كثيرا من الكفار والفجار والظلمة في الدنيا من الرياسة والمال، وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار، وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة في الدنيا قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين.
فإذا سمع في القرآن قوله تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]
وقوله ﴿وَإنّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]
وقوله ﴿كَتَبَ الله لأغْلِبن أنا ورُسُلِى﴾ [المجادلة: ٢١]
وقوله ﴿والعاقِبةُ لِلْمُتّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨، القصص: ٨٣].
ونحو هذه الآيات، وهو ممن يصدق بالقرآن، حمل ذلك على أن حصوله في الدار الآخرة فقط وقال: أما الدنيا فإنا نرى الكفار والمنافقين يغلبون فيها ويظهرون، ويكون لهم النصر والظفر.
والقرآن لا يرد بخلاف الحس، ويعتمد على هذا الظن إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين، أو الفجرة الظالمين: وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى. فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق، فيقول: أنا على الحق. وأنا مغلوب: فصاحب الحق في هذه الدنيا مغلوب مقهور، والدولة فيها الباطل.
فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين، قال: هذا في الآخرة فقط.
وإذا قيل له: كيف يفعل الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه، وأهل الحق؟
فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح، قال: يفعل الله في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد:
﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
وإن كان ممن يعلل الأفعال، قال: فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب الآخرة وعلو الدرجات، وتوفية الأجر بغير حساب.
ولكل أحد مع نفسه في هذا المقام مباحثات وإيرادات وإشكالات وأجوبة، بحسب حاصله وبضاعته، من المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحكمته، والجهل بذلك، فالقلوب تغلى بما فيها، كالقدر إذا استجمعت غليانا.
فلقد بلغنا وشاهدنا من كثير من هؤلاء من التظلم للرب تعالى واتهامه، ما لا يصدر إلا من عدو، فكان الجهم يخرج بأصحابه، فيقفهم على الجذمى وأهل البلاء، ويقول انظروا، أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟ إنكارا لرحمته، كما أنكر حكمته.
فليس الله عند جهم وأتباعه حكيما ولا رحيما.
وقال آخر من كبار القوم: ما على الخلق أضر من الخالق.
وكان بعضهم يتمثل:
؎إذا كانَ هذا فِعْلُهُ مُحِبِّة ∗∗∗ فما تَراهُ في أعادِيهِ يَصْنَعُ؟
وأنت تشاهد كثيرا من الناس إذا أصابه نوع من البلاء يقول: يا ربي ما كان ذنبي، حتى فعلت بي هذا؟
وقال لي غير واحد: إذا تبت إليه وأنبت وعملت صالحا ضيق على رزقى، ونكد على معيشتى، وإذا رجعت إلى معصيته، وأعطيت نفسي مرادها، جاءني الرزق والعون ونحو هذا.
فقلت لبعضهم: هذا امتحان منه، ليرى صدقك وصبرك، هل أنت صادق في مجيئك إليه وإقبالك عليه، فتصبر على بلائه، فتكون لك العاقبة، أم أنت كاذب فترجع على عقبك؟
وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحائدة عن الصواب مبنية على مقدمتين.
إحداهما: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه، وتارك ما نهي عنه، واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأنه تارك للمأمور، مرتكب للمحظور، وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه.
والمقدمة الثانية: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه، بل يعيش عمره مظلوما مقهورا مستضاما، مع قيامه بما أمر به ظاهرا وباطنا، وانتهائه عما نهي عنه باطنا وظاهرا، فهو عند نفسه قائم بشرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وهو تحت قهر أهل الظلم، والفجور والعدوان.
فلا إله إلا الله، كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل، ومتدين لا بصيرة له، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين.
فإنه من المعلوم: أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب في الدنيا لما لا بد له منه: من جلب النفع، ودفع الضر، بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح. فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى، والاستقامة على التوحيد، ومتابعة السنة ينافى ذلك.
وأنه يعادي جميع أهل الأرض لما لا يقدر عليه من البلاء، وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة، لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال دينه، وتجرده لله ورسوله، فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين، بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين، بل قد يدخل مع الظالمين، بل مع المنافقين، وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من فروعه وأعماله، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"بادِرُوا بِالأعْمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ الّليْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُمسِي كافِرًا، ويُمْسِي كافِرًا ويُصْبِحُ مُؤْمِنًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا".
وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه، من حصول ضرر لا يحتمله، وفوات منفعة لابد له منها، لم يقدم على احتمال هذا الضرر، ولا تفويت تلك المنفعة.
فسبحان الله، كم صدت هذه الفتنة الكثير من الخلق، بل أكثرهم عن القيام بحقيقة الدين.
وأصلها ناشئ من جهلين كبيرين: جهل بحقيقة الدين، وجهل بحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس، وكمالها، وبه ابتهاجها والتذاذها، فيتولد من بين هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين، وعن طلب حقيقة النعيم.
ومعلوم أن كمال العبد هو بأن يكون عارفا بالنعيم الذي يطلبه، والعمل الذي يوصل إليه، وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العمل، ومحبة صادقة لذلك النعيم، وإلا فالعلم بالمطلوب وطريقه لا يحصله إن لم يقترن بذلك العمل، والإرادة الجازمة لا توجب وجود المراد إلا إذا لازمها الصبر.
فصارت سعادة العبد وكمال لذته ونعيمه موقوفا على هذه المقامات الخمسة علمه بالنعيم المطلوب ومحبته له، وعلمه بالطريق الموصل إليه وعمله به، وصبره على ذلك.