Tafsir Ibn Al-Qayyim — الليل 92:1 – البينة 98:8
المحتويات
- الليل 92:1
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:11
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:19
- القدر 97:1
- القدر 97:2
- القدر 97:3
- البينة 98:5
- البينة 98:7
- البينة 98:8
الليل 92:1
(فصل)
ومن ذلك قسمه سبحانه وتعالى ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾
وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنه سعى الإنسان في الدنيا وجزاؤه في العقبى فهو سبحانه يقسم بالليل في جميع أحواله إذ هو من آياته الدالة عليه فأقسم به وقت غشيانه وأتى بصيغة المضارع لأنه يغشى شيئًا بعد شيء وأما النهار فإنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة ولهذا قال في سورة الشمس وضحاها ﴿والنَّهارِ إذا جَلاّها واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ وأقسم به وقت سريانه كما تقدم وأقسم به وقت إدباره وأقسم به إذا عسعس فقيل معناه أدبر فيكون مطابقًا لقوله ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ وقيل معناه أقبل فيكون كقوله ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾
فيكون قد أقسم بإقبال الليل والنهار.
وعلى الأول يكون القسم واقعًا على انصرام الليل ومجيء النهار عقيبه وكلاهما من آيات ربوبيته.
ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى وذلك يتضمن الإقسام بالحيوان كله على اختلاف أصنافه ذكره وأنثاه وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنهار وكل ذلك من آيات ربوبيته، فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرام العلوية كإخراج الذكر والأنثى بواسطة الأجرام السفلية فأخرج من الأرض ذكور الحيوان وإناثه على اختلاف أنواعها كما أخرج من السماء الليل والنهار بواسطة الشمس فيها وأقسم سبحانه بزمان السعي وهو الليل والنهار وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى وسعيه وزمانه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه وأنه سبحانه لا يسوي بين من اختلف سعيه في الجزاء كما لم يسو بين الليل والنهار والذكر والأنثى
ثم أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي المسيء فقال ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾
فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها وحكمة القدر في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى وأن العبد ميسر بأعماله لغاياتها ولا يظلم ربك أحدًا وذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب أحدها إعطاء العبد وحذف مفعول الفعل إرادة للإطلاق والتعميم أي أعطى ما أمر به وسمحت به طبيعته وطاوعته نفسه وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والإخلاص والتوبة والشكر وإعطاءه الإحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده فتكون نفسه نفسًا مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة فالنفس المطيعة هي النافعة المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها، فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منها وسقي دوابهم وأنعامهم وزرعهم فهم ينتفعون بها كيف شاءوا، فهي ميسرة لذلك، وهكذا الرجل المبارك ميسر للنفع حيث حل فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى، كما كانت نفسه ميسرة للعطاء.
السبب الثاني التقوى وهي اجتناب ما نهى الله عنه وهذا من أعظم أسباب التيسير وضده من أسباب التعسير فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم ولو قدر أنها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما هو أنفع له مما ناله بغير التقى فإن طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا، وهو أجل من نعيم أرباب الدنيا بالشهوات واللذات
وقال تعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾
فأخبر أنه ييسر على المتقي ما لا ييسر على غيره وقال تعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾
وهذا أيضًا ييسر عليه بتقواه وقال تعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾
وهذا يتيسر عليه بإزالة ما يخشاه وإعطائه ما يحبه ويرضاه وقال ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾
وهذا يتيسر بالفرقان المتضمن النجاة والنصر والعلم والنور الفارق بين الحق والباطل وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب وذلك غاية التيسير
وقال تعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ والفلاح غاية اليسر كما أن الشقاء غاية العسر وقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فضمن لهم سبحانه بالتقوى ثلاثة أمور: أحدها أعطاهم نصيبين من رحمته نصيبًا في الدنيا ونصيبًا في الآخرة وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين الثاني أعطاهم نورًا يمشون به في الظلمات الثالث مغفرة ذنوبهم وهذا غاية التيسير فقد جعل سبحانه التقوى سببًا لكل يسر وترك التقوى سببًا لكل عسر
السبب الثالث التصديق بالحسنى وفسرت بـ (لا إله إلا الله) وفسرت بالجنة وفسرت بالخلف وهي أقوال السلف واليسرى صفة لموصوف محذوف أي الحالة والخلة اليسرى وهي فعلى من اليسرى والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء فمن فسرها بلا إله إلا الله فقد فسرها بمفرد يأتي بكل جمع فإن التصديق الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشعبها وفروعها كلها وجميع أصول الدين وفروعه من شعب هذه الكلمة فلا يكون العبد مصدقًا بها حقيقة التصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يكون مؤمنًا بالله إله العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله ولا يكون مؤمنًا بأن الله لا إله إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كل موجود سواه ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفية في الحقيقة والخارج ولا يكون مصدقًا بها من نفي الصفات العليا ولا من نفي كلامه وتكليمه ولا من نفى استوائه على عرشه وأنه يرفع إليه الكلم الطيب والعمل الصالح وأنه رفع المسيح إليه وأسرى برسوله إليه وأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا يكون مؤمنًا بهذه الكلمة مصدقًا بها على الحقيقة من نفى عموم خلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء وبعثة الأجساد من القبور ليوم النشور.
ولا يكون مصدقًا بها من زعم أنه يترك خلقه سدى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله، وكذلك التصديق بها يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله فالمصدق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كله وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها وبالقيام بحقها وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها
ومن فسر الحسنى بالجنة فسرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله ومن فسرها بالخلف ذكر نوعًا من الجزاء فهذا جزاء دنيوي والجنة الجزاء في الآخرة فرجع التصديق بالحسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه
والتحقيق أنها تتناول الأمرين
وتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث وهي الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى من العلم والعمل وتضمنته من الهدى ودين الحق فإن النفس لها ثلاث قوى قوة البذل والإعطاء وقوة الكف والامتناع وقوة الإدراك والفهم ففيها قوة العلم والشعور ويتبعها قوة الحب والإرادة وقوة البغض والنفرة فهذه القوى الثلاث عليها مدار صلاحها وسعادتها وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها ففساد قوة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحسنى وفساد قوة الحب والإرادة يوجب له ترك الإعطاء وفساد قوة البغض والنفرة يوجب له ترك الاتقاء فإذا كملت قوة حبه وإرادته بإعطائه ما أمر به وقوة بغضه ونفرته باتقائه ما نهى عنه وقوة علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها فقد زكى نفسه وأعدها لكل حالة يسرى فصارت النفس بذلك ميسرة لليسرى
ولما كان الدين يدور على ثلاث قواعد فعل لمأمور وترك لمحظور وتصديق الخبر وإن شئت قلت الدين طلب وخبر والطلب نوعان طلب فعل وطلب ترك فقد تضمنت هذه الكلمات الثلاث مراتب الدين أجمعها فالاعطاء فعل المأمور والتقوى ترك المحظور والتصديق بالحسنى تصديق الخبر فانتظم ذلك الدين كله وأكمل الناس من كملت له هذه التقوى الثلاث ودخول النقص بحسب نقصانها أو بعضها فمن الناس من يكون قوة إعطائه وبذله أتم من قوة انكفافه وتركه فقوة الترك فيه أضعف من قوة الإعطاء ومن الناس من يكون قوة الترك والانكفاف فيه أتم من قوة الاعطاء والمنع ومن الناس من يكون فيه قوة التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع فقوته العلمية والشعورية أتم من قوته الإرادية وبالعكس فيدخل النقص بحسب ما نقص من قوة هذه القوى الثلاث ويفوته من التيسير لليسرى بحسب ما فاته منها ومن كملت له هذه القوى يسر لكل يسرى
قال ابن عباس ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أي نهيئه لعمل الخير تيسر عليه أعمال الخير وقال مقاتل والكلبي والفراء نيسره للعود إلى العمل الصالح
وحقيقة اليسرى أنها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له وهي ضد العسرى.
وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ولسانه وجوارحه فتصير خصال الخير ميسرة عليه مذللة له منقادة لا تستعصي عليه
ولا تستصعب لأنه مهيأ لها ميسر لفعلها يسلك سبلها ذللًا وتقاد له علمًا وعملًا فإذا خاللته قلت هو الذي قيل فيه:
؎مبارك الطلعة ميمونها ∗∗∗ يصلح للدنيا وللدين
﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ فعطل قوة الإرادة والإعطاء عن فعل ما امر به ﴿اسْتَغْنى﴾ بترك التقوى عن ربه فعطل قوة الانكفاف والترك عن فعل ما نهى عنه ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾
قال عطاء سوف أحول بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي
وقال مقاتل يعسر عليه أن يعطى خيرًا
وقال عكرمة عن ابن عباس نيسره للشر
قال الواحدي وهذا هو القول لأن الشر يؤدي إلى العذاب فهو الخلة العسرى والخير يؤدي إلى اليسر والراحة في الجنة فهو الخلة اليسرى يقول سنهيؤه للشر بأن يجريه على يديه
قال الفراء العرب تقول قد يسرت غنم فلان إذا تهيأت للولادة وكذلك إذا ولدت وغزرت ألبانها أي يسرت ذلك على أصحابها. انتهى.
والتيسير للعسرى يكون بأمرين:
أحدهما أن يحول بينه وبين أسباب الخير فيجري الشر على قلبه ونيته ولسانه وجوارحه.
والثاني أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر كما حال بينه وبين أسبابه
فإن قيل كيف قابل اتقى باستغنى وهل يمكن العبد أن يستغني عن ربه طرفة عين
قيل هذا من أحسن المقابلة فإن المتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته إلى ربه اتقاه ولم يتعرض لسخطه وغضبه ومقته بارتكاب ما نهاه عنه فإن من كان شديد الحاجة والضرورة إلى شخص فإنه يتقي غضبه وسخطه عليه غاية الاتقاء ويجانب ما يكرهه غاية المجانبة ويعتمد فعل ما يحبه ويؤثره فقابل التقوى بالإستغناء تبشيعًا لحال تارك التقوى ومبالغة في ذمه بأن فعل فعل المستغني عن ربه لا فعل الفقير المضطر إليه الذي لا ملجأ له إلا إليه ولا غنى له عن فضله وجوده وبره طرفة عين فلله ما أحلى هذه المقابلة وما أجمع هاتين الآيتين للخيرات كلها وأسبابها، والشرور كلها وأسبابها فسبحان من تعرف إلى خصائص عباده بكلامه وتجلى لهم فيه فهم لا يطلبون أثرًا بعد عين ولا يستبدلون الحق بالباطل والصدق بالمين.
وقد تضمنت هاتان الآيتان فصل الخطاب في مسألة القدر وإزالة كل لبس وإشكال فيها وذلك بين بحمد الله لمن وفق لفهمه ولهذا أجاب بها النبي من أورد عليه السؤال الذي لا يزال الناس يلهجون به في القدر فأجاب بفصل الخطاب وأزال الإشكال ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي أنه قال
" ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة والنار"
قيل يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب قال "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"
ثم قرأ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾
فقد تضمن هذا الحديث الرد على القدرية والجبرية وإثبات القدر والشرع وإثبات الكتاب الأول المتضمن لعلم الله سبحانه الأشياء قبل كونها وإثبات خلق الفعل الجزائي وهو يبطل أصول القدرية الذين يمنعون خلق الفعل مطلقًا ومن أقر منهم بخلق فعل الجزاء دون الإبتداء هدم أصله ونقض قاعدته والنبي ﷺ أخبر بمثل ما أخبر به الرب تعالى أن العبد ميسر لما خلق له لا مجبور فالجبر لفظ بدعى والتيسير لفظ القرآن والسنة.
وفي الحديث دلالة على أن الصحابة كانوا أعلم الناس بأصول الدين فإنهم تلقوها عن أعلم الخلق بالله على الإطلاق وكانوا إذا استشكلوا شيئًا سألوه عنه وكان يجيبهم بما يزيل الأشكال ويبين الصواب فهم العارفون بأصول الدين حقًا لا أهل البدع والأهواء من المتكلمين ومن سلك سبيلهم وفي الحديث استدلال النبي ﷺ على مسائل أصول الدين بالقرآن وإرشاده الصحابة لاستنباطها منه خلافًا لمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم بشيء من أصول الدين ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منه وعبر عن ذلك بقوله الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين.
وفي الحديث بيان أن من الناس من خلق للسعادة ومنهم من خلق للشقاوة خلافًا لمن زعم أنهم كلهم خلقوا للسعادة ولكن اختاروا الشقاوة ولم يخلقوا لها وفيه إثبات الأسباب وأن العبد ميسر للأسباب الموصلة له إلى ما خلق له وفيه دليل على اشتقاق السنة من الكتاب ومطابقتها له فتأمل قوله ﷺ "إعملوا فكل ميسر لما خلق له" ومطابقته لقوله تعالى ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى آخر الآيتين كيف انتظم الشرع والقدر والسبب والمسبب
وهذا الذي أرشد إليه النبي هو الذي فطر الله عليه عباده بل الحيوان البهيم بل مصالح الدنيا وعمارتها بذلك فلو قال كل أحد إن قدر لي كذا وكذا فلا بد أن أناله وإن لم يقدر فلا سبيل إلى نيله فلا أسعى ولا أتحرك لعد من السفهاء الجهال ولم يمكنه طرد ذلك أبدًا وإن أتى به في أمر معين فهل يمكنه أن يطرد ذلك في مصالحه جميعها من طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وهروبه مما يضاد بقاءه وينافي مصالحه أم يجد نفسه غير منفكة ألبتة عن قول النبي إعملوا فكل ميسر لما خلق له فإذا كان هذا في مصالح الدنيا وأسباب منافعها فما الموجب لتعطيله في مصالح الآخرة وأسباب السعادة والفلاح فيها ورب الدنيا والآخرة واحد فكيف يعطل ذلك في شرع الرب وأمره ونهيه ويستعمل في إرادة العبد وأغراضه وشهواته وهل هذا إلا محض الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول ظلوم لنفسه جهول بربه فهذا الذي أرشد إليه النبي وتلا عنده هاتين الآيتين موافقًا لما جعله الله في عقول العقلاء وركب عليه فطر الخلائق حتى الحيوان البهيم وأرسل به جميع رسله وأنزل به جميع كتبه.
ولو اتكل العبد على القدر ولم يعمل لتعطلت الشرائع وتعطلت مصالح العالم وفسد أمر الدنيا والدين وإنما يستروح إلى ذلك معطلوا الشرائع ومن خلع ربقه الأوامر والنواهي من عنقه وذلك ميراث من إخوانهم المشركين الذين دفعوا أمر الله ونهيه وعارضوا شرعه بقضائه وقدره كما حكى الله سبحانه ذلك عنهم في غير موضع من كتابه كقوله تعالى ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ قل قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقال تعالى ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاّ يَخْرُصُونَ﴾
وقال تعالى ﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فإن قيل فالإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى هي من اليسرى بل هي أصل اليسرى من يسرها للعبد أولًا وكذلك أضدادها
قيل الله سبحانه هو الذي يسر للعبد أسباب الخير والشر وخلق خلقه قسمين أهل سعادة فيسرهم لليسرى وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وهؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في موضع لا تصلح له كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا يليق بهما بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك ومن جعل محل المسك والرجيع واحدًا فهو من أسفه السفهاء
فإن قيل فلم جعل هذا لا يليق به إلا الكرامة وهذا لا يليق به إلا الإهانة قيل هذا سؤال جاهل لا يستحق الجواب كأنه يقول لم خلق الله كذا وكذا
فإن قيل وعلى هذا فهل لهذا الجاهل من جواب لعله يشفى من جهله؟
قيل نعم شأن الربوبية خلق الأشياء وأضدادها، وخلق الملزومات ولوازمها.
وذلك هو محض الكمال، فالعلو لازم وملزوم للسفل والليل لازم وملزوم للنهار وكمال هذا الوجود بالحر والبرد والصحو والغيم ومن لوازم الطبيعة الحيوانية الصحة والمرض واختلاف الإرادات والمرادات ووجود اللازم بدون ملزومه ممتنع ولولا خلق المتضادات لما عرف كمال القدرة والمشيئة والحكمة، ولما ظهرت أحكام الأسماء والصفات.
وظهور أحكامها وآثارها لا بد منه إذ هو مقتضى الكمال المقدس والملك التام وإذا أعطيت اسم الملك حقه ولن تستطيع علمت أن الخلق والأمر والثواب والعقاب والعطاء والحرمان أمر لازم لصفة الملك وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولا بد وأن تعطيل هذه الصفة أمر ممتنع فالملك الحق يقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب وأمر العباد ونهيهم وثوابهم وعقابهم وإكرام من يستحق الإكرام وإهانة من يستحق الإهانة كما تستلزم حياة الملك وعلمه وإرادته وقدرته وسمعه وبصره وكلامه ورحمته ورضاه وغضبه واستواءه على سرير ملكه يدبر أمر عباده وهذه الإشارة تكفي اللبيب في مثل هذا الموضع ويطلع منها على أرض مونقة وكنوز من المعرفة وبالله التوفيق.
(فصل آخر)
وأما القسم على أحوال الإنسان فكقوله ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾
ولفظ السعي هو العمل لكن يراد به العمل الذي يهتم به صاحبه ويجتهد فيه بحسب الإمكان فإن كان يفتقر إلى عدو بدنه عدا وإن كان يفتقر إلى جمع أعوانه جمع وإن كان يفتقر إلى تفرغ له وترك غيره فعل ذلك فلفظ السعي في القرآن جاء بهذا الاعتبار ليس هو مرادفًا للفظ العمل كما ظنه طائفة بل هو عمل مخصوص يهتم به صاحبه ويجتهد فيه ولهذا قال في الجمعة ﴿فاسَعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
وهذه أحسن من قراءة من قرأ "فامضوا إلى ذكر الله"
وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال "إذا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوها تَسْعَوْنَ، وأْتُوها تَمْشُونَ عَلَيْكم السَّكِينَةُ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فاتَكم فَأتِمُّوا"
فلم ينه عن السعي إلى الصلاة فإن الله أمر بالسعي إليها بل نهاهم أن يأتوا إليها يسعون فنهاهم عن الإتيان المتصف بسعي صاحبه والإتيان فعل البدن وسعيه عدو البدن وهو منهي عنه.
وأما السعي المأمور به في الآية فهو الذهاب إليها على وجه الاهتمام بها والتفرغ لها عن الأعمال الشاغلة من بيع وغيره والإقبال بالقلب على السعي إليها.
وكذلك قوله في قصة فرعون لما قال له موسى ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى فَكَذَّبَ وعَصى ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ فهذا اهتمام واجتهاد في حشر رعيته ومناداته فيهم.
وكذلك قوله ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ هو عمل بهمة واجتهاد ومنه سمى الساعى على الصدقة والساعي على الأرملة واليتيم.
ومنه قوله ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتني به ليترتب عليه ثواب أو عقاب بخلاف المباحات المعتادة فإنها لم تدخل في هذا السعي قال تعالى ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ومنه قوله تعالى ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ وقوله ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾.
(فائدة)
وَصَحَّ «عَنْهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَسْألَةِ القَدَرِ، وما يَعْمَلُ النّاسُ فِيهِ، أمْرٌ قَدْ قُضِيَ وفُرِغَ مِنهُ أمْ أمْرٌ يُسْتَأْنَفُ؟ فَقالَ بَلْ أمْرٌ قَدْ قُضِيَ وفُرِغَ مِنهُ فَسُئِلَ حِينَئِذٍ: فَفِيمَ العَمَلُ؟
فَأجابَ بِقَوْلِهِ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ
ثُمَّ قَرَأ قَوْله تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ»
ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
الليل 92:12
ثم قال تعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾
قيل معناه إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال
قال قتادة على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته
اختاره أبو إسحاق وهو قول مقاتل وجماعة وهذا المعنى حق ولكن مراد الآية شيء آخر
وقيل المعنى إن علينا للهدى والإضلال
قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي قال الفراء فترك ذكر الإضلال كما قال ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَر﴾ أي والبرد
وهذا أضعف من القول الأول، وإن كان معناه صحيحًا فليس هو معنى الآية وقيل المعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾
وهذا قول مجاهد وهو أصح الأقوال في الآية قال الواحدي علينا للهدى أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته
وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع هاهنا وفي النحل في قوله ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ وفي الحجر في قوله ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئًا وأن الدنيا والآخرة جميعًا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق
والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله.
فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك وتوحيد الطلب يعصم من المعصية وتوحيد الطريق يعصم من البدعة والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة.
الليل 92:13
ثم قال تعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾
قيل معناه إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال
قال قتادة على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته
اختاره أبو إسحاق وهو قول مقاتل وجماعة وهذا المعنى حق ولكن مراد الآية شيء آخر
وقيل المعنى إن علينا للهدى والإضلال
قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي قال الفراء فترك ذكر الإضلال كما قال ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَر﴾ أي والبرد
وهذا أضعف من القول الأول، وإن كان معناه صحيحًا فليس هو معنى الآية وقيل المعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾
وهذا قول مجاهد وهو أصح الأقوال في الآية قال الواحدي علينا للهدى أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته
وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع هاهنا وفي النحل في قوله ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ وفي الحجر في قوله ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئًا وأن الدنيا والآخرة جميعًا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق
والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله.
فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك وتوحيد الطلب يعصم من المعصية وتوحيد الطريق يعصم من البدعة والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة.
الليل 92:14
ولما أقام سبحانه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والإحسان والإخلاص فهذا الصنف هو الذي يجنب عذابه كما قال ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ فهذا المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه وإحسانه
وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ونعمهم وإن حمل منهم شيئًا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على نعمته
ونبه بقوله ﴿تجزى﴾ على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله على هذا الأتقى لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة الإسلام فإنها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجزى بها وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أول وأولى من ذكر في هذه الآية وأنه أحق الأمة بها فإن عليًا رضي الله عنه تربى في بيت النبي ﷺ فلرسول الله عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى.
ونبه سبحانه بقوله ﴿إلاّ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ على أن من ليس لمخلوق عليه نعمة تجزى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى بخلاف من تطور نعم المخلوقين ومننهم فإنه مضطر إلى أن يفعل لأجلهم ويترك لأجلهم ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منة لأحد من الناس لتكون معاملته كلها لله ابتغاء وجهه وطلب مرضاته فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا المطلوب أشرف المطالب فهذا الطريق أقصد الطرق إليه وأقربها وأقومها. وبالله التوفيق.
(فائدة)
قال ابن القيم - بعد كلام -:
وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في النّارِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى - الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥-١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وَلَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ هي نارٌ مَخْصُوصَةٌ مِن جُمْلَةِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، ولَوْ كانَتْ جَمِيعَ جَهَنَّمَ فَهو سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لا يَدْخُلُها بَلْ قالَ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صَلْيِها، عَدَمُ دُخُولِها، فَإنَّ الصَّلْيَ أخَصُّ مِنَ الدُّخُولِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.
ثُمَّ هَذا المُغْتَرُّ لَوْ تَأمَّلَ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها؛ لَعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيها، فَلا يَكُونُ مَضْمُونًا لَهُ أنْ يُجَنَّبَها.
(لطيفة)
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾
جَعَلَ غايَةَ أعْمالِ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ والمُحِبِّينَ: إرادَةَ وجْهِهِ.
الليل 92:15
ولما أقام سبحانه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والإحسان والإخلاص فهذا الصنف هو الذي يجنب عذابه كما قال ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ فهذا المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه وإحسانه
وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ونعمهم وإن حمل منهم شيئًا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على نعمته
ونبه بقوله ﴿تجزى﴾ على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله على هذا الأتقى لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة الإسلام فإنها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجزى بها وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أول وأولى من ذكر في هذه الآية وأنه أحق الأمة بها فإن عليًا رضي الله عنه تربى في بيت النبي ﷺ فلرسول الله عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى.
ونبه سبحانه بقوله ﴿إلاّ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ على أن من ليس لمخلوق عليه نعمة تجزى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى بخلاف من تطور نعم المخلوقين ومننهم فإنه مضطر إلى أن يفعل لأجلهم ويترك لأجلهم ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منة لأحد من الناس لتكون معاملته كلها لله ابتغاء وجهه وطلب مرضاته فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا المطلوب أشرف المطالب فهذا الطريق أقصد الطرق إليه وأقربها وأقومها. وبالله التوفيق.
(فائدة)
قال ابن القيم - بعد كلام -:
وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في النّارِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى - الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥-١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وَلَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ هي نارٌ مَخْصُوصَةٌ مِن جُمْلَةِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، ولَوْ كانَتْ جَمِيعَ جَهَنَّمَ فَهو سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لا يَدْخُلُها بَلْ قالَ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صَلْيِها، عَدَمُ دُخُولِها، فَإنَّ الصَّلْيَ أخَصُّ مِنَ الدُّخُولِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.
ثُمَّ هَذا المُغْتَرُّ لَوْ تَأمَّلَ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها؛ لَعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيها، فَلا يَكُونُ مَضْمُونًا لَهُ أنْ يُجَنَّبَها.
(لطيفة)
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾
جَعَلَ غايَةَ أعْمالِ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ والمُحِبِّينَ: إرادَةَ وجْهِهِ.
الليل 92:16
ولما أقام سبحانه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والإحسان والإخلاص فهذا الصنف هو الذي يجنب عذابه كما قال ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ فهذا المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه وإحسانه
وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ونعمهم وإن حمل منهم شيئًا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على نعمته
ونبه بقوله ﴿تجزى﴾ على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله على هذا الأتقى لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة الإسلام فإنها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجزى بها وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أول وأولى من ذكر في هذه الآية وأنه أحق الأمة بها فإن عليًا رضي الله عنه تربى في بيت النبي ﷺ فلرسول الله عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى.
ونبه سبحانه بقوله ﴿إلاّ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ على أن من ليس لمخلوق عليه نعمة تجزى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى بخلاف من تطور نعم المخلوقين ومننهم فإنه مضطر إلى أن يفعل لأجلهم ويترك لأجلهم ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منة لأحد من الناس لتكون معاملته كلها لله ابتغاء وجهه وطلب مرضاته فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا المطلوب أشرف المطالب فهذا الطريق أقصد الطرق إليه وأقربها وأقومها. وبالله التوفيق.
(فائدة)
قال ابن القيم - بعد كلام -:
وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في النّارِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى - الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥-١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وَلَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ هي نارٌ مَخْصُوصَةٌ مِن جُمْلَةِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، ولَوْ كانَتْ جَمِيعَ جَهَنَّمَ فَهو سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لا يَدْخُلُها بَلْ قالَ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صَلْيِها، عَدَمُ دُخُولِها، فَإنَّ الصَّلْيَ أخَصُّ مِنَ الدُّخُولِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.
ثُمَّ هَذا المُغْتَرُّ لَوْ تَأمَّلَ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها؛ لَعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيها، فَلا يَكُونُ مَضْمُونًا لَهُ أنْ يُجَنَّبَها.
(لطيفة)
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾
جَعَلَ غايَةَ أعْمالِ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ والمُحِبِّينَ: إرادَةَ وجْهِهِ.
الضحى 93:1
(فصل)
ومن ذلك إقسامه سبحانه بـ ﴿والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ على إنعامه على رسوله وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار
فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدًا ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضًا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل وأيضًا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا بل هداهم بضوء النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم.
فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى، وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها.
الضحى 93:2
(فصل)
ومن ذلك إقسامه سبحانه بـ ﴿والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ على إنعامه على رسوله وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار
فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدًا ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضًا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل وأيضًا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا بل هداهم بضوء النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم.
فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى، وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها.
الضحى 93:3
(فصل)
ومن ذلك إقسامه سبحانه بـ ﴿والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ على إنعامه على رسوله وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار
فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدًا ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضًا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل وأيضًا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا بل هداهم بضوء النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم.
فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى، وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها.
الضحى 93:4
(فصل)
ومن ذلك إقسامه سبحانه بـ ﴿والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ على إنعامه على رسوله وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار
فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدًا ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضًا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل وأيضًا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا بل هداهم بضوء النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم.
فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى، وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها.
الضحى 93:5
ثم وعده بما تقر به عينه وتفرح به نفسه وينشرح به صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر وكثرة الاتباع ورفع ذكره وإعلاء كلمته وما يعطيه بعد مماته وما يعطيه في موقف القيامة وما يعطيه في الجنة وأما ما يغتر به الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبة بهم فإنه صلوات الله وسلامة عليه يرضى بما يرضى به ربه تبارك وتعالى وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة ثم يحد لرسوله حدًا يشفع فيهم ورسوله أعرف به وبحقه من أن يقول لا أرضى أن يدخل أحدًا من أمتي النار على أن يدعه فيها بل ربه تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه ولا يشفع في غير من أذن له فيه ورضيه.
(فصل: الِاغْتِرارُ بِالفَهْمِ الفاسِدِ)
وَمِنهم مَن يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فاسِدٍ فَهِمَهُ هو وأضْرابُهُ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، فاتَّكَلُوا عَلَيْهِ كاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥].
قالَ وهو لا يَرْضى أنْ يَكُونَ في النّارِ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، وأبْيَنِ الكَذِبِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ تَعالى يُرْضِيهِ تَعْذِيبُ الظَّلَمَةِ والفَسَقَةِ والخَوَنَةِ والمُصِرِّينَ عَلى الكَبائِرِ، فَحاشا رَسُولَهُ أنْ يَرْضى بِما لا يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]
وَهَذا أيْضًا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، فَإنَّ الشِّرْكَ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ رَأْسُ الذُّنُوبِ وأساسُها، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ التّائِبِينَ، فَإنَّهُ يَغْفِرُ ذَنْبَ كُلِّ تائِبٍ مِن أيِّ ذَنْبٍ كانَ، ولَوْ كانَتِ الآيَةُ في حَقِّ غَيْرِ التّائِبِينَ لَبَطَلَتْ نُصُوصُ الوَعِيدِ كُلُّها.
وَأحادِيثُ إخْراجِ قَوْمٍ مِنَ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ.
وَهَذا إنَّما أتى صاحِبَهُ مِن قِلَّةِ عِلْمِهِ وفَهْمِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا عَمَّمَ وأطْلَقَ، فَعُلِمَ أنَّهُ أرادَ التّائِبِينَ، وفي سُورَةِ النِّساءِ خَصَّصَ وقَيَّدَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَهُ، ولَوْ كانَ هَذا في حَقِّ التّائِبِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، وكاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦٦] فَيَقُولُ: كَرَمُهُ، وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ، وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغَرُورُ، وهو الشَّيْطانُ، ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ، وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الكَرِيمِ وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ، الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ، ولا إهْمالُ حَقِّهِ، فَوَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ الغَرُورَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ.
وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في النّارِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى - الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥-١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وَلَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ هي نارٌ مَخْصُوصَةٌ مِن جُمْلَةِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، ولَوْ كانَتْ جَمِيعَ جَهَنَّمَ فَهو سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لا يَدْخُلُها بَلْ قالَ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صَلْيِها، عَدَمُ دُخُولِها، فَإنَّ الصَّلْيَ أخَصُّ مِنَ الدُّخُولِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.
ثُمَّ هَذا المُغْتَرُّ لَوْ تَأمَّلَ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها؛ لَعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيها، فَلا يَكُونُ مَضْمُونًا لَهُ أنْ يُجَنَّبَها.
وَأمّا قَوْلُهُ في النّارِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، فَقَدْ قالَ في الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ولا يُنافِي إعْدادُ النّارِ لِلْكافِرِينَ أنْ يَدْخُلَها الفُسّاقُ والظَّلَمَةُ، ولا يُنافِي إعْدادُ الجَنَّةِ لِلْمُتَّقِينَ أنْ يَدْخُلَها مَن في قَلْبِهِ أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ، ولَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ.
وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ عَلى صَوْمِ يَوْمِ عاشُوراءَ، أوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ عاشُوراءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ العامِ كُلَّها، ويَبْقى صَوْمُ عَرَفَةَ زِيادَةً في الأجْرِ، ولَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ، أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ، والصَّلَواتِ الخَمْسِ، أعْظَمُ وأجَلُّ مِن صِيامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ويَوْمِ عاشُوراءَ، وهي إنَّما تُكَفِّرُ ما بَيْنَهُما إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ.
فَرَمَضانُ إلى رَمَضانَ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، لا يَقْوَيا عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ، إلّا مَعَ انْضِمامِ تَرْكِ الكَبائِرِ إلَيْها، فَيَقْوى مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ.
فَكَيْفَ يُكَفِّرُ صَوْمُ يَوْمِ تَطَوُّعٍ كُلَّ كَبِيرَةٍ عَمِلَها العَبْدُ وهو مُصِرٌّ عَلَيْها، غَيْرُ تائِبٍ مِنها؟ هَذا مُحالٌ عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ ويَوْمِ عاشُوراءَ مُكَفِّرًا لِجَمِيعِ ذُنُوبِ العامِ عَلى عُمُومِهِ، ويَكُونُ مِن نُصُوصِ الوَعْدِ الَّتِي لَها شُرُوطٌ ومَوانِعُ، ويَكُونُ إصْرارُهُ عَلى الكَبائِرِ مانِعًا مِنَ التَّكْفِيرِ، فَإذا لَمْ يُصِرَّ عَلى الكَبائِرِ لِتَساعُدِ الصَّوْمِ وعَدَمِ الإصْرارِ، وتَعاوُنِهِما عَلى عُمُومِ التَّكْفِيرِ، كَما كانَ رَمَضانُ والصَّلَواتُ الخَمْسُ مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ مُتَساعِدَيْنِ مُتَعاوِنَيْنِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]
فَعُلِمَ أنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِلتَّكْفِيرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَتَساعَدَ هو وسَبَبٌ آخَرُ عَلى التَّكْفِيرِ، ويَكُونُ التَّكْفِيرُ مَعَ اجْتِماعِ السَّبَبَيْنِ أقْوى وأتَمَّ مِنهُ مَعَ انْفِرادِ أحَدِهِما، وكُلَّما قَوِيَتْ أسْبابُ التَّكْفِيرِ كانَ أقْوى وأتَمَّ وأشْمَلَ.
وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ " «أنا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ» يَعْنِي ما كانَ في ظَنِّهِ فَإنِّي فاعِلُهُ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإحْسانِ، فَإنَّ المُحْسِنَ حَسَنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى إحْسانِهِ ولا يُخْلِفَ وعْدَهُ، ويَقْبَلَ تَوْبَتَهُ.
وَأمّا المُسِيءُ المُصِرُّ عَلى الكَبائِرِ والظُّلْمِ والمُخالَفاتِ فَإنَّ وحْشَةَ المَعاصِي والظُّلْمِ والحَرامِ تَمْنَعُهُ مِن حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، وهَذا مَوْجُودٌ في الشّاهِدِ، فَإنَّ العَبْدَ الآبِقَ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ولا يُجامِعُ وحْشَةَ الإساءَةِ إحْسانُ الظَّنِّ أبَدًا، فَإنَّ المُسِيءَ مُسْتَوْحِشٌ بِقَدْرِ إساءَتِهِ، وأحْسَنُ النّاسِ ظَنًّا بِرَبِّهِ أطْوَعُهم لَهُ.
كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأحْسَنَ العَمَلَ وإنَّ الفاجِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ.
وَكَيْفَ يَكُونُ مُحْسِنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ مَن هو شارِدٌ عَنْهُ، حالٌّ مُرْتَحِلٌ في مَساخِطِهِ وما يُغْضِبُهُ، مُتَعَرِّضٌ لِلَعْنَتِهِ قَدْ هانَ حَقُّهُ وأمْرُهُ عَلَيْهِ فَأضاعَهُ، وهانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ فارْتَكَبَهُ وأصَرَّ عَلَيْهِ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ، وعادى أوْلِياءَهُ، ووالى أعْداءَهُ، وجَحَدَ صِفاتَ كَمالِهِ، وأساءَ الظَّنَّ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وظَنَّ بِجَهْلِهِ أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ ضَلالٌ وكُفْرٌ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى ولا يَرْضى ولا يَغْضَبُ؟
وَقَدْ قالَ اللَّهُ في حَقِّ مَن شَكَّ في تَعَلُّقِ سَمْعِهِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، وهو السِّرُّ مِنَ القَوْلِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].
الضحى 93:6
ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه بعد الفقر فكان محتاجًا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم وأن ينهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانه باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيمًا وقال الفراء لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك من لا ناصر له يغلظ في أمره وهو نهى لجميع المكلفين
﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾
قال أكثر المفسرين هو سائل المعروف والصدقة لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرًا فأما أن تطعمه وإما أن ترده ردًا لينًا قال الحسن أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن آدم قال إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره.
والتحقيق أن الآية تتناول النوعين.
(فائدة)
قال تعالى ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى (٧)﴾
وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر الشورى فإذا كان أعقل خلق الله على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠].
فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام وفراش الألباب الاهتداء إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الأنبياء: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾.
(فصل)
قال على بن أبي رباح اللخمي: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذ على مصر وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب فقال لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير فقال عبد الله بن عمرو ويومئذ كان سيدا كريما قد جاء بخير فقال مسلمة ألم يقل الله تعالى ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ووَجَدَكَ ضالًا فَهَدى ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾؟
فقال عبد الله بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيما من أبويه.
وأما العيلة فكل ما كان بأيدى العرب إلى القلة يقول إن العرب كانت كلها مقلة حتى فتح الله عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجا، ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشيء ومضى وتركها وحذر منها ومن فتنتها قال وذلك معنى قوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾
فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته، وهو يحذر منها وتعرض عليه فيأباها وإنما هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر ودخول الناس في الإسلام وظهور الدين إذا كان ذلك محبته ورضاه صلوات الله وسلامه عليه.
وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبد الله بن عباس عن النبي قال:
"رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك فنزلت والضحى والليل إلى قوله ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾
قال "أعطي ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له"
قالوا وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقلل منها فالزهد لا ينافي الغنى، بل زهد الغني أكمل من زهد الفقير فإن الغني زهد عن قدرة والفقير عن عجز وبينهما بعد بعيد، وقد كان رسول الله في حال غناه أزهد الخلق، وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس في الدنيا.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أبي ذر عن النبي قال:
"الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعته ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق بما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك".
وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار وهل يكون زاهدا؟
قال نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت.
وقال بعض السلف الزاهد من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره.
وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من الصبر والشكر، فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما.
فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال، وصبره لما عرض له من الحرام فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب عليه الحلال شكره، والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين فإن هذا ليس بزاهد.
(فصل)
وَسُئِلَ أبُو حَفْصٍ: بِمَ يَقْدَمُ الفَقِيرُ عَلى رَبِّهِ؟ فَقالَ: ما لِلْفَقِيرِ شَيْءٌ يَقْدَمُ بِهِ عَلى رَبِّهِ سِوى فَقْرِهِ.
وَحَقِيقَةُ الفَقْرِ وكَمالُهُ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، وقَدْ سُئِلَ: مَتى يَسْتَحِقُّ الفَقِيرُ اسْمَ الفَقْرِ؟ فَقالَ: إذا لَمْ يَبْقِ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنهُ. فَقِيلَ لَهُ: وكَيْفَ ذاكَ؟ فَقالَ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ. وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَهو لَهُ.
وَهَذِهِ مِن أحْسَنِ العِباراتِ عَنْ مَعْنى الفَقْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ. وهو أنَّ كُلَّهُ يَصِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. لا يَبْقى عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِن نَفْسِهِ وحَظِّهِ وهَواهُ. فَمَتى بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ نَفْسِهِ فَفَقْرُهُ مَدْخُولٌ.
ثُمَّ فُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ، أيْ: إذا كانَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ. وإذا لَمْ يَكُنْ لِنَفَسِهِ فَهو لِلَّهِ.
فَحَقِيقَةُ الفَقْرِ أنْ لا تَكُونَ لِنَفْسِكَ. ولا يَكُونَ لَها مِنكَ شَيْءٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّكَ لِلَّهِ.
وَإذا كُنْتَ لِنَفْسِكَ فَثَمَّ مِلْكٌ واسْتِغْناءٌ مُنافٍ لِلْفَقْرِ.
وَهَذا الفَقْرُ الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ: لا تُنافِيهِ الجِدَةُ ولا الأمْلاكُ. فَقَدْ كانَ رُسُلُ اللَّهِ وأنْبِياؤُهُ في ذُرْوَتِهِ مَعَ جِدَتِهِمْ، ومُلْكِهِمْ، كَإبْراهِيمَ الخَلِيلِ ﷺ كانَ أبا الضِّيفانِ. وكانَتْ لَهُ الأمْوالُ والمَواشِي، وكَذَلِكَ كانَ سُلَيْمانُ وداوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ. وكَذَلِكَ كانَ نَبِيُّنا ﷺ، كانَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]
فَكانُوا أغْنِياءَ في فَقْرِهِمْ. فُقَراءَ في غِناهم.
فالفَقْرُ الحَقِيقِيُّ: دَوامُ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ في كُلِّ حالٍ، وأنْ يَشْهَدَ العَبْدَ - في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ - فاقَةً تامَّةً إلى اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ وجْهٍ.
فالفَقْرُ ذاتِيٌّ لِلْعَبْدِ. وإنَّما يَتَجَدَّدُ لَهُ لِشُهُودِهِ ووُجُودِهِ حالًا، وإلّا فَهو حَقِيقَةٌ.
كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:
؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِيُّ
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الغِنى]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الغِنى العالِي.
وَهُوَ نَوْعانِ: غِنًى بِاللَّهِ، وغِنًى عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وهُما حَقِيقَةُ الفَقْرِ. ولَكِنَّ أرْبابَ الطَّرِيقِ أفْرَدُوا لِلْغِنى مَنزِلَةً.
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ: بابُ الغِنى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨].
وَفِي الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أغْناهُ مِنَ المالِ بَعْدَ فَقْرِهِ: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. لِأنَّهُ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: عائِلًا، والعائِلُ: هو المُحْتاجُ. لَيْسَ ذا العَيْلَةِ. فَأغْناهُ مِنَ المالِ.
والثّانِي: أنَّهُ أرْضاهُ بِما أعْطاهُ. وأغْناهُ بِهِ عَنْ سِواهُ. فَهو غِنى قَلْبٍ ونَفْسٍ، لا غِنى مالٍ. وهو حَقِيقَةُ الغِنى.
والثّالِثُ: - وهو الصَّحِيحُ - أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ: نَوْعَيِ الغِنى؛ فَأغْنى قَلْبَهُ بِهِ. وأغْناهُ مِنَ المالِ.
ثُمَّ قالَ: الغِنى اسْمٌ لِلْمِلْكِ التّامِّ.
يَعْنِي أنَّهُ مَن كانَ مالِكًا مَن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ. وعَلى هَذا: فَلا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الغَنِيَّ بِالحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ. وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ.
[دَرَجاتُ الغِنى]
[الدَّرَجَةُ الأُولى غِنى القَلْبِ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: غِنى القَلْبِ. وهو سَلامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ. ومُسالَمَتُهُ لِلْحُكْمِ. وخَلاصُهُ مِنَ الخُصُومَةِ.
حَقِيقَةُ غِنى القَلْبِ: تُعَلُّقَهُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وحَقِيقَةُ فَقْرِهِ المَذْمُومِ: تُعَلُّقُهُ بِغَيْرِهِ.
فَإذا تَعَلَّقَ بِاللَّهِ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرَها.
سَلامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ أيْ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهِ. لا مِنَ القِيامِ بِهِ. والغِنى عِنْدَ أهْلِ الغَفْلَةِ بِالسَّبَبِ. ولِذَلِكَ قُلُوبُهم مُعَلَّقَةٌ بِهِ. وعِنْدَ العارِفِينَ بِالمُسَبِّبِ. وكَذَلِكَ الصِّناعَةُ والقُوَّةُ.
فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ: هي جِهاتُ الغِنى عِنْدَ النّاسِ. وهي الَّتِي أشارَ إلَيْها النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ:
«إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ. ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»
وَفِي رِوايَةٍ: ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ وهو غِنًى بِالشَّيْءِ. فَصاحِبُها غَنِيٌّ بِها إذا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَيْها. وإنْ كانَ سُكُونُهُ إلى رَبِّهِ: فَهو غَنِيٌّ بِهِ. وكُلُّ ما سَكَنَتِ النَّفْسُ إلَيْهِ فَهي فَقِيرَةٌ إلَيْهِ.
وَأمّا مُسالَمَةُ الحُكْمِ فَعَلى نَوْعَيْنِ.
أحَدُهُما: مُسالَمَةُ الحُكْمِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ. وهي مُعانَقَتُهُ ومُوافَقَتُهُ. ضِدَّ مُحارَبَتِهِ.
والثّانِي: مُسالَمَةُ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ. الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعِهِ، وهو غَيْرُ مَأْمُورٍ بِدَفْعِهِ.
وَفِي مُسالَمَةِ الحُكْمِ نُكْتَةٌ لا بُدَّ مِنها. وهي تَجْرِيدُ إضافَتِهِ ونِسْبَتِهِ إلى مَن صَدَرَ عَنْهُ، بِحَيْثُ لا يَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ.
وَهَذا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ في مُسالَمَةِ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ. وتَوْحِيدَ الإلَهِيَّةِ في مُسالَمَةِ الحُكْمِ الدِّينِيِّ. وهُما حَقِيقَةُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وَأمّا الخَلاصُ مِنَ الخُصُومَةِ فَإنَّما يُحْمَدُ مِنهُ: الخَلاصُ مِنَ الخُصُومَةِ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. وأمّا إذا خاصَمَ بِاللَّهِ ولِلَّهِ: فَهَذا مِن كَمالِ العُبُودِيَّةِ. وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في اسْتِفْتاحِهِ:
«اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ. وبِكَ آمَنتُ. وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. وإلَيْكَ أنَبْتُ. وبِكَ خاصَمْتُ. وإلَيْكَ حاكَمْتُ».
[الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ غِنى النَّفْسِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ. غِنى النَّفْسِ. وهو اسْتِقامَتُها عَلى المَرْغُوبِ. وسَلامَتُها مِنَ الحُظُوظِ. وبَراءَتُها مِنَ المُراءاةِ
جَعَلَ الشَّيْخُ: غِنى النَّفْسِ فَوْقَ غِنى القَلْبِ.
وَمَعْلُومٌ: أنَّ أُمُورَ القَلْبِ أكْمَلُ وأقْوى مِن أُمُورِ النَّفْسِ. لَكِنَّ في هَذا التَّرْتِيبِ نُكْتَةً لَطِيفَةً. وهي أنَّ النَّفْسَ مِن جُنْدِ القَلْبِ ورَعِيَّتِهِ. وهي مِن أشَدِّ جُنْدِهِ خِلافًا عَلَيْهِ، وشِقاقًا لَهُ. ومِن قِبَلِها تَتَشَوَّشُ عَلَيْهِ المَمْلَكَةُ. ويَدْخُلُ عَلَيْهِ الدّاخِلُ. فَإذا حَصَلَ لَهُ كَمالٌ بِالغِنى: لَمْ يَتِمَّ لَهُ إلّا بِغِناها أيْضًا. فَإنَّها مَتى كانَتْ فَقِيرَةً عادَ حُكْمُ فَقْرِها عَلَيْهِ. وتَشَوَّشَ عَلَيْهِ غِناهُ. فَكانَ غِناها تَمامًا لِغِناهُ وكَمالًا لَهُ. وغِناهُ أصْلًا بِغِناها. فَمِنهُ يَصِلُ الغِنى إلَيْها. ومِنها يَصِلُ الفَقْرُ والضَّرَرُ والعَنَتُ إلَيْهِ.
إذا عُرِفَ هَذا، فالشَّيْخُ جَعَلَ غِناها بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
اسْتِقامَتُها عَلى المَرْغُوبِ وهو الحَقُّ تَعالى. واسْتِقامَتُها عَلَيْهِ: اسْتِدامَةُ طَلَبِهِ. وقَطْعُ المَنازِلِ بِالسَّيْرِ إلَيْهِ.
الثّانِي: سَلامَتُها مِنَ الحُظُوظِ وهي تَعَلُّقاتُها الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ بِما سِوى اللَّهِ.
الثّالِثُ: بَراءَتُها مِنَ المُراءاةِ وهي إرادَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِن أعْمالِها وأقْوالِها. فَمُراءاتُها دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ فَقْرِها. وتَعَلُّقُها بِالحُظُوظِ مِن فَقْرِها أيْضًا.
وَعَدَمُ اسْتِقامَتِها عَلى مَطْلُوبِها الحَقَّ: أيْضًا مِن فَقْرِها. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِدَةٍ لِلَّهِ. إذْ لَوْ وجَدَتْهُ لاسْتَقامَتْ عَلى السَّيْرِ إلَيْهِ. ولَقَطَعَتْ تَعَلُّقاتِها وحُظُوظَها مِن غَيْرِهِ. ولَما أرادَتْ بِعَمَلِها غَيْرَهُ.
فَلا تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ إلّا لِمَن قَدْ ظَفِرَ بِنَفْسِهِ، ووَجَدَ مَطْلُوبَهُ. وما لَمْ يَجِدْ رَبَّهُ تَعالى فَلا اسْتِقامَةَ لَهُ. ولا سَلامَةَ لَها مِنَ الحُظُوظِ. ولا بَراءَةَ لَها مِنَ الرِّياءِ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الغِنى بِالحَقِّ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: الغِنى بِالحَقِّ. وهو عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: شُهُودُ ذِكْرِهِ إيّاكَ. والثّانِيَةُ: دَوامُ مَطالَعَةِ أوَّلِيَّتِهِ. والثّالِثَةُ: الفَوْزُ بِوُجُودِهِ.
أمّا شُهُودُ ذِكْرِهِ إيّاكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
وَأمّا مُطالَعَةُ أوَّلِيَّتِهِ فَهو سَبْقُهُ لِلْأشْياءِ جَمِيعًا. فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ.
قالَ بَعْضُهم. ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا وقَدْ رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْتَ: وأيُّ غِنًى يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ مِن مُطالَعَةِ أوَّلِيَّةِ الرَّبِّ، وسَبْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا حاصِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ، مِن غَنِيٍّ أوْ فَقِيرٍ، فَما وجْهُ الغِنى الحاصِلِ بِهِ؟
قُلْتُ: إذا شَهِدَ القَلْبُ سَبْقَهُ لِلْأسْبابِ، وأنَّها كانَتْ في حَيِّزِ العَدَمِ. وهو الَّذِي كَساها حُلَّةَ الوُجُودِ، فَهي مَعْدُومَةٌ بِالذّاتِ. فَقِيرَةٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. وهو المَوْجُودُ بِذاتِهِ. والغَنِيُّ بِذاتِهِ لا بِغَيْرِهِ. فَلَيْسَ الغِنى في الحَقِيقَةِ إلّا بِهِ، كَما أنَّهُ لَيْسَ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُ. فالغِنى بِغَيْرِهِ: عَيْنُ الفَقْرِ. فَإنَّهُ غِنًى بِمَعْدُومٍ فَقِيرٍ. وفَقِيرٌ كَيْفَ يَسْتَغْنِي بِفَقِيرٍ مِثْلِهِ؟
وَأمّا الفَوْزُ بِوُجُودِهِ فَإشارَةُ القَوْمِ كُلِّهِمْ إلى هَذا المَعْنى. وهو نِهايَةُ سَفَرِهِمْ. وفي الأثَرِ الإلَهِيِّ: ابْنَ آدَمَ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإنْ وجَدَتْنِي وجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ. وإنْ فُتُّكَ فاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ. وأنا أحَبُّ إلَيْكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
وَمَن لَمْ يَعْلَمْ مَعْنى وجُودِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والفَوْزَ بِهِ: فَلْيَحْثُ عَلى رَأْسِهِ الرَّمادَ. ولْيَبْكِ عَلى نَفْسِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الضحى 93:7
ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه بعد الفقر فكان محتاجًا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم وأن ينهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانه باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيمًا وقال الفراء لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك من لا ناصر له يغلظ في أمره وهو نهى لجميع المكلفين
﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾
قال أكثر المفسرين هو سائل المعروف والصدقة لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرًا فأما أن تطعمه وإما أن ترده ردًا لينًا قال الحسن أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن آدم قال إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره.
والتحقيق أن الآية تتناول النوعين.
(فائدة)
قال تعالى ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى (٧)﴾
وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر الشورى فإذا كان أعقل خلق الله على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠].
فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام وفراش الألباب الاهتداء إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الأنبياء: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾.
(فصل)
قال على بن أبي رباح اللخمي: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذ على مصر وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب فقال لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير فقال عبد الله بن عمرو ويومئذ كان سيدا كريما قد جاء بخير فقال مسلمة ألم يقل الله تعالى ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ووَجَدَكَ ضالًا فَهَدى ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾؟
فقال عبد الله بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيما من أبويه.
وأما العيلة فكل ما كان بأيدى العرب إلى القلة يقول إن العرب كانت كلها مقلة حتى فتح الله عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجا، ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشيء ومضى وتركها وحذر منها ومن فتنتها قال وذلك معنى قوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾
فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته، وهو يحذر منها وتعرض عليه فيأباها وإنما هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر ودخول الناس في الإسلام وظهور الدين إذا كان ذلك محبته ورضاه صلوات الله وسلامه عليه.
وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبد الله بن عباس عن النبي قال:
"رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك فنزلت والضحى والليل إلى قوله ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾
قال "أعطي ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له"
قالوا وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقلل منها فالزهد لا ينافي الغنى، بل زهد الغني أكمل من زهد الفقير فإن الغني زهد عن قدرة والفقير عن عجز وبينهما بعد بعيد، وقد كان رسول الله في حال غناه أزهد الخلق، وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس في الدنيا.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أبي ذر عن النبي قال:
"الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعته ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق بما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك".
وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار وهل يكون زاهدا؟
قال نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت.
وقال بعض السلف الزاهد من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره.
وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من الصبر والشكر، فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما.
فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال، وصبره لما عرض له من الحرام فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب عليه الحلال شكره، والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين فإن هذا ليس بزاهد.
(فصل)
وَسُئِلَ أبُو حَفْصٍ: بِمَ يَقْدَمُ الفَقِيرُ عَلى رَبِّهِ؟ فَقالَ: ما لِلْفَقِيرِ شَيْءٌ يَقْدَمُ بِهِ عَلى رَبِّهِ سِوى فَقْرِهِ.
وَحَقِيقَةُ الفَقْرِ وكَمالُهُ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، وقَدْ سُئِلَ: مَتى يَسْتَحِقُّ الفَقِيرُ اسْمَ الفَقْرِ؟ فَقالَ: إذا لَمْ يَبْقِ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنهُ. فَقِيلَ لَهُ: وكَيْفَ ذاكَ؟ فَقالَ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ. وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَهو لَهُ.
وَهَذِهِ مِن أحْسَنِ العِباراتِ عَنْ مَعْنى الفَقْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ. وهو أنَّ كُلَّهُ يَصِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. لا يَبْقى عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِن نَفْسِهِ وحَظِّهِ وهَواهُ. فَمَتى بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ نَفْسِهِ فَفَقْرُهُ مَدْخُولٌ.
ثُمَّ فُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ، أيْ: إذا كانَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ. وإذا لَمْ يَكُنْ لِنَفَسِهِ فَهو لِلَّهِ.
فَحَقِيقَةُ الفَقْرِ أنْ لا تَكُونَ لِنَفْسِكَ. ولا يَكُونَ لَها مِنكَ شَيْءٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّكَ لِلَّهِ.
وَإذا كُنْتَ لِنَفْسِكَ فَثَمَّ مِلْكٌ واسْتِغْناءٌ مُنافٍ لِلْفَقْرِ.
وَهَذا الفَقْرُ الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ: لا تُنافِيهِ الجِدَةُ ولا الأمْلاكُ. فَقَدْ كانَ رُسُلُ اللَّهِ وأنْبِياؤُهُ في ذُرْوَتِهِ مَعَ جِدَتِهِمْ، ومُلْكِهِمْ، كَإبْراهِيمَ الخَلِيلِ ﷺ كانَ أبا الضِّيفانِ. وكانَتْ لَهُ الأمْوالُ والمَواشِي، وكَذَلِكَ كانَ سُلَيْمانُ وداوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ. وكَذَلِكَ كانَ نَبِيُّنا ﷺ، كانَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]
فَكانُوا أغْنِياءَ في فَقْرِهِمْ. فُقَراءَ في غِناهم.
فالفَقْرُ الحَقِيقِيُّ: دَوامُ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ في كُلِّ حالٍ، وأنْ يَشْهَدَ العَبْدَ - في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ - فاقَةً تامَّةً إلى اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ وجْهٍ.
فالفَقْرُ ذاتِيٌّ لِلْعَبْدِ. وإنَّما يَتَجَدَّدُ لَهُ لِشُهُودِهِ ووُجُودِهِ حالًا، وإلّا فَهو حَقِيقَةٌ.
كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:
؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِيُّ
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الغِنى]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الغِنى العالِي.
وَهُوَ نَوْعانِ: غِنًى بِاللَّهِ، وغِنًى عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وهُما حَقِيقَةُ الفَقْرِ. ولَكِنَّ أرْبابَ الطَّرِيقِ أفْرَدُوا لِلْغِنى مَنزِلَةً.
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ: بابُ الغِنى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨].
وَفِي الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أغْناهُ مِنَ المالِ بَعْدَ فَقْرِهِ: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. لِأنَّهُ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: عائِلًا، والعائِلُ: هو المُحْتاجُ. لَيْسَ ذا العَيْلَةِ. فَأغْناهُ مِنَ المالِ.
والثّانِي: أنَّهُ أرْضاهُ بِما أعْطاهُ. وأغْناهُ بِهِ عَنْ سِواهُ. فَهو غِنى قَلْبٍ ونَفْسٍ، لا غِنى مالٍ. وهو حَقِيقَةُ الغِنى.
والثّالِثُ: - وهو الصَّحِيحُ - أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ: نَوْعَيِ الغِنى؛ فَأغْنى قَلْبَهُ بِهِ. وأغْناهُ مِنَ المالِ.
ثُمَّ قالَ: الغِنى اسْمٌ لِلْمِلْكِ التّامِّ.
يَعْنِي أنَّهُ مَن كانَ مالِكًا مَن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ. وعَلى هَذا: فَلا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الغَنِيَّ بِالحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ. وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ.
[دَرَجاتُ الغِنى]
[الدَّرَجَةُ الأُولى غِنى القَلْبِ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: غِنى القَلْبِ. وهو سَلامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ. ومُسالَمَتُهُ لِلْحُكْمِ. وخَلاصُهُ مِنَ الخُصُومَةِ.
حَقِيقَةُ غِنى القَلْبِ: تُعَلُّقَهُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وحَقِيقَةُ فَقْرِهِ المَذْمُومِ: تُعَلُّقُهُ بِغَيْرِهِ.
فَإذا تَعَلَّقَ بِاللَّهِ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرَها.
سَلامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ أيْ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهِ. لا مِنَ القِيامِ بِهِ. والغِنى عِنْدَ أهْلِ الغَفْلَةِ بِالسَّبَبِ. ولِذَلِكَ قُلُوبُهم مُعَلَّقَةٌ بِهِ. وعِنْدَ العارِفِينَ بِالمُسَبِّبِ. وكَذَلِكَ الصِّناعَةُ والقُوَّةُ.
فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ: هي جِهاتُ الغِنى عِنْدَ النّاسِ. وهي الَّتِي أشارَ إلَيْها النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ:
«إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ. ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»
وَفِي رِوايَةٍ: ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ وهو غِنًى بِالشَّيْءِ. فَصاحِبُها غَنِيٌّ بِها إذا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَيْها. وإنْ كانَ سُكُونُهُ إلى رَبِّهِ: فَهو غَنِيٌّ بِهِ. وكُلُّ ما سَكَنَتِ النَّفْسُ إلَيْهِ فَهي فَقِيرَةٌ إلَيْهِ.
وَأمّا مُسالَمَةُ الحُكْمِ فَعَلى نَوْعَيْنِ.
أحَدُهُما: مُسالَمَةُ الحُكْمِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ. وهي مُعانَقَتُهُ ومُوافَقَتُهُ. ضِدَّ مُحارَبَتِهِ.
والثّانِي: مُسالَمَةُ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ. الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعِهِ، وهو غَيْرُ مَأْمُورٍ بِدَفْعِهِ.
وَفِي مُسالَمَةِ الحُكْمِ نُكْتَةٌ لا بُدَّ مِنها. وهي تَجْرِيدُ إضافَتِهِ ونِسْبَتِهِ إلى مَن صَدَرَ عَنْهُ، بِحَيْثُ لا يَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ.
وَهَذا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ في مُسالَمَةِ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ. وتَوْحِيدَ الإلَهِيَّةِ في مُسالَمَةِ الحُكْمِ الدِّينِيِّ. وهُما حَقِيقَةُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وَأمّا الخَلاصُ مِنَ الخُصُومَةِ فَإنَّما يُحْمَدُ مِنهُ: الخَلاصُ مِنَ الخُصُومَةِ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. وأمّا إذا خاصَمَ بِاللَّهِ ولِلَّهِ: فَهَذا مِن كَمالِ العُبُودِيَّةِ. وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في اسْتِفْتاحِهِ:
«اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ. وبِكَ آمَنتُ. وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. وإلَيْكَ أنَبْتُ. وبِكَ خاصَمْتُ. وإلَيْكَ حاكَمْتُ».
[الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ غِنى النَّفْسِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ. غِنى النَّفْسِ. وهو اسْتِقامَتُها عَلى المَرْغُوبِ. وسَلامَتُها مِنَ الحُظُوظِ. وبَراءَتُها مِنَ المُراءاةِ
جَعَلَ الشَّيْخُ: غِنى النَّفْسِ فَوْقَ غِنى القَلْبِ.
وَمَعْلُومٌ: أنَّ أُمُورَ القَلْبِ أكْمَلُ وأقْوى مِن أُمُورِ النَّفْسِ. لَكِنَّ في هَذا التَّرْتِيبِ نُكْتَةً لَطِيفَةً. وهي أنَّ النَّفْسَ مِن جُنْدِ القَلْبِ ورَعِيَّتِهِ. وهي مِن أشَدِّ جُنْدِهِ خِلافًا عَلَيْهِ، وشِقاقًا لَهُ. ومِن قِبَلِها تَتَشَوَّشُ عَلَيْهِ المَمْلَكَةُ. ويَدْخُلُ عَلَيْهِ الدّاخِلُ. فَإذا حَصَلَ لَهُ كَمالٌ بِالغِنى: لَمْ يَتِمَّ لَهُ إلّا بِغِناها أيْضًا. فَإنَّها مَتى كانَتْ فَقِيرَةً عادَ حُكْمُ فَقْرِها عَلَيْهِ. وتَشَوَّشَ عَلَيْهِ غِناهُ. فَكانَ غِناها تَمامًا لِغِناهُ وكَمالًا لَهُ. وغِناهُ أصْلًا بِغِناها. فَمِنهُ يَصِلُ الغِنى إلَيْها. ومِنها يَصِلُ الفَقْرُ والضَّرَرُ والعَنَتُ إلَيْهِ.
إذا عُرِفَ هَذا، فالشَّيْخُ جَعَلَ غِناها بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
اسْتِقامَتُها عَلى المَرْغُوبِ وهو الحَقُّ تَعالى. واسْتِقامَتُها عَلَيْهِ: اسْتِدامَةُ طَلَبِهِ. وقَطْعُ المَنازِلِ بِالسَّيْرِ إلَيْهِ.
الثّانِي: سَلامَتُها مِنَ الحُظُوظِ وهي تَعَلُّقاتُها الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ بِما سِوى اللَّهِ.
الثّالِثُ: بَراءَتُها مِنَ المُراءاةِ وهي إرادَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِن أعْمالِها وأقْوالِها. فَمُراءاتُها دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ فَقْرِها. وتَعَلُّقُها بِالحُظُوظِ مِن فَقْرِها أيْضًا.
وَعَدَمُ اسْتِقامَتِها عَلى مَطْلُوبِها الحَقَّ: أيْضًا مِن فَقْرِها. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِدَةٍ لِلَّهِ. إذْ لَوْ وجَدَتْهُ لاسْتَقامَتْ عَلى السَّيْرِ إلَيْهِ. ولَقَطَعَتْ تَعَلُّقاتِها وحُظُوظَها مِن غَيْرِهِ. ولَما أرادَتْ بِعَمَلِها غَيْرَهُ.
فَلا تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ إلّا لِمَن قَدْ ظَفِرَ بِنَفْسِهِ، ووَجَدَ مَطْلُوبَهُ. وما لَمْ يَجِدْ رَبَّهُ تَعالى فَلا اسْتِقامَةَ لَهُ. ولا سَلامَةَ لَها مِنَ الحُظُوظِ. ولا بَراءَةَ لَها مِنَ الرِّياءِ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الغِنى بِالحَقِّ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: الغِنى بِالحَقِّ. وهو عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: شُهُودُ ذِكْرِهِ إيّاكَ. والثّانِيَةُ: دَوامُ مَطالَعَةِ أوَّلِيَّتِهِ. والثّالِثَةُ: الفَوْزُ بِوُجُودِهِ.
أمّا شُهُودُ ذِكْرِهِ إيّاكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
وَأمّا مُطالَعَةُ أوَّلِيَّتِهِ فَهو سَبْقُهُ لِلْأشْياءِ جَمِيعًا. فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ.
قالَ بَعْضُهم. ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا وقَدْ رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْتَ: وأيُّ غِنًى يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ مِن مُطالَعَةِ أوَّلِيَّةِ الرَّبِّ، وسَبْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا حاصِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ، مِن غَنِيٍّ أوْ فَقِيرٍ، فَما وجْهُ الغِنى الحاصِلِ بِهِ؟
قُلْتُ: إذا شَهِدَ القَلْبُ سَبْقَهُ لِلْأسْبابِ، وأنَّها كانَتْ في حَيِّزِ العَدَمِ. وهو الَّذِي كَساها حُلَّةَ الوُجُودِ، فَهي مَعْدُومَةٌ بِالذّاتِ. فَقِيرَةٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. وهو المَوْجُودُ بِذاتِهِ. والغَنِيُّ بِذاتِهِ لا بِغَيْرِهِ. فَلَيْسَ الغِنى في الحَقِيقَةِ إلّا بِهِ، كَما أنَّهُ لَيْسَ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُ. فالغِنى بِغَيْرِهِ: عَيْنُ الفَقْرِ. فَإنَّهُ غِنًى بِمَعْدُومٍ فَقِيرٍ. وفَقِيرٌ كَيْفَ يَسْتَغْنِي بِفَقِيرٍ مِثْلِهِ؟
وَأمّا الفَوْزُ بِوُجُودِهِ فَإشارَةُ القَوْمِ كُلِّهِمْ إلى هَذا المَعْنى. وهو نِهايَةُ سَفَرِهِمْ. وفي الأثَرِ الإلَهِيِّ: ابْنَ آدَمَ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإنْ وجَدَتْنِي وجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ. وإنْ فُتُّكَ فاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ. وأنا أحَبُّ إلَيْكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
وَمَن لَمْ يَعْلَمْ مَعْنى وجُودِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والفَوْزَ بِهِ: فَلْيَحْثُ عَلى رَأْسِهِ الرَّمادَ. ولْيَبْكِ عَلى نَفْسِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الضحى 93:8
ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه بعد الفقر فكان محتاجًا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم وأن ينهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانه باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيمًا وقال الفراء لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك من لا ناصر له يغلظ في أمره وهو نهى لجميع المكلفين
﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾
قال أكثر المفسرين هو سائل المعروف والصدقة لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرًا فأما أن تطعمه وإما أن ترده ردًا لينًا قال الحسن أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن آدم قال إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره.
والتحقيق أن الآية تتناول النوعين.
(فائدة)
قال تعالى ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى (٧)﴾
وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر الشورى فإذا كان أعقل خلق الله على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠].
فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام وفراش الألباب الاهتداء إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الأنبياء: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾.
(فصل)
قال على بن أبي رباح اللخمي: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذ على مصر وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب فقال لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير فقال عبد الله بن عمرو ويومئذ كان سيدا كريما قد جاء بخير فقال مسلمة ألم يقل الله تعالى ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ووَجَدَكَ ضالًا فَهَدى ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾؟
فقال عبد الله بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيما من أبويه.
وأما العيلة فكل ما كان بأيدى العرب إلى القلة يقول إن العرب كانت كلها مقلة حتى فتح الله عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجا، ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشيء ومضى وتركها وحذر منها ومن فتنتها قال وذلك معنى قوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾
فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته، وهو يحذر منها وتعرض عليه فيأباها وإنما هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر ودخول الناس في الإسلام وظهور الدين إذا كان ذلك محبته ورضاه صلوات الله وسلامه عليه.
وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبد الله بن عباس عن النبي قال:
"رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك فنزلت والضحى والليل إلى قوله ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾
قال "أعطي ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له"
قالوا وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقلل منها فالزهد لا ينافي الغنى، بل زهد الغني أكمل من زهد الفقير فإن الغني زهد عن قدرة والفقير عن عجز وبينهما بعد بعيد، وقد كان رسول الله في حال غناه أزهد الخلق، وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس في الدنيا.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أبي ذر عن النبي قال:
"الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعته ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق بما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك".
وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار وهل يكون زاهدا؟
قال نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت.
وقال بعض السلف الزاهد من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره.
وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من الصبر والشكر، فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما.
فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال، وصبره لما عرض له من الحرام فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب عليه الحلال شكره، والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين فإن هذا ليس بزاهد.
(فصل)
وَسُئِلَ أبُو حَفْصٍ: بِمَ يَقْدَمُ الفَقِيرُ عَلى رَبِّهِ؟ فَقالَ: ما لِلْفَقِيرِ شَيْءٌ يَقْدَمُ بِهِ عَلى رَبِّهِ سِوى فَقْرِهِ.
وَحَقِيقَةُ الفَقْرِ وكَمالُهُ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، وقَدْ سُئِلَ: مَتى يَسْتَحِقُّ الفَقِيرُ اسْمَ الفَقْرِ؟ فَقالَ: إذا لَمْ يَبْقِ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنهُ. فَقِيلَ لَهُ: وكَيْفَ ذاكَ؟ فَقالَ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ. وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَهو لَهُ.
وَهَذِهِ مِن أحْسَنِ العِباراتِ عَنْ مَعْنى الفَقْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ. وهو أنَّ كُلَّهُ يَصِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. لا يَبْقى عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِن نَفْسِهِ وحَظِّهِ وهَواهُ. فَمَتى بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ نَفْسِهِ فَفَقْرُهُ مَدْخُولٌ.
ثُمَّ فُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ، أيْ: إذا كانَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ. وإذا لَمْ يَكُنْ لِنَفَسِهِ فَهو لِلَّهِ.
فَحَقِيقَةُ الفَقْرِ أنْ لا تَكُونَ لِنَفْسِكَ. ولا يَكُونَ لَها مِنكَ شَيْءٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّكَ لِلَّهِ.
وَإذا كُنْتَ لِنَفْسِكَ فَثَمَّ مِلْكٌ واسْتِغْناءٌ مُنافٍ لِلْفَقْرِ.
وَهَذا الفَقْرُ الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ: لا تُنافِيهِ الجِدَةُ ولا الأمْلاكُ. فَقَدْ كانَ رُسُلُ اللَّهِ وأنْبِياؤُهُ في ذُرْوَتِهِ مَعَ جِدَتِهِمْ، ومُلْكِهِمْ، كَإبْراهِيمَ الخَلِيلِ ﷺ كانَ أبا الضِّيفانِ. وكانَتْ لَهُ الأمْوالُ والمَواشِي، وكَذَلِكَ كانَ سُلَيْمانُ وداوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ. وكَذَلِكَ كانَ نَبِيُّنا ﷺ، كانَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]
فَكانُوا أغْنِياءَ في فَقْرِهِمْ. فُقَراءَ في غِناهم.
فالفَقْرُ الحَقِيقِيُّ: دَوامُ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ في كُلِّ حالٍ، وأنْ يَشْهَدَ العَبْدَ - في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ - فاقَةً تامَّةً إلى اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ وجْهٍ.
فالفَقْرُ ذاتِيٌّ لِلْعَبْدِ. وإنَّما يَتَجَدَّدُ لَهُ لِشُهُودِهِ ووُجُودِهِ حالًا، وإلّا فَهو حَقِيقَةٌ.
كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:
؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِيُّ
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الغِنى]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الغِنى العالِي.
وَهُوَ نَوْعانِ: غِنًى بِاللَّهِ، وغِنًى عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وهُما حَقِيقَةُ الفَقْرِ. ولَكِنَّ أرْبابَ الطَّرِيقِ أفْرَدُوا لِلْغِنى مَنزِلَةً.
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ: بابُ الغِنى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨].
وَفِي الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أغْناهُ مِنَ المالِ بَعْدَ فَقْرِهِ: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. لِأنَّهُ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: عائِلًا، والعائِلُ: هو المُحْتاجُ. لَيْسَ ذا العَيْلَةِ. فَأغْناهُ مِنَ المالِ.
والثّانِي: أنَّهُ أرْضاهُ بِما أعْطاهُ. وأغْناهُ بِهِ عَنْ سِواهُ. فَهو غِنى قَلْبٍ ونَفْسٍ، لا غِنى مالٍ. وهو حَقِيقَةُ الغِنى.
والثّالِثُ: - وهو الصَّحِيحُ - أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ: نَوْعَيِ الغِنى؛ فَأغْنى قَلْبَهُ بِهِ. وأغْناهُ مِنَ المالِ.
ثُمَّ قالَ: الغِنى اسْمٌ لِلْمِلْكِ التّامِّ.
يَعْنِي أنَّهُ مَن كانَ مالِكًا مَن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ. وعَلى هَذا: فَلا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الغَنِيَّ بِالحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ. وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ.
[دَرَجاتُ الغِنى]
[الدَّرَجَةُ الأُولى غِنى القَلْبِ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: غِنى القَلْبِ. وهو سَلامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ. ومُسالَمَتُهُ لِلْحُكْمِ. وخَلاصُهُ مِنَ الخُصُومَةِ.
حَقِيقَةُ غِنى القَلْبِ: تُعَلُّقَهُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وحَقِيقَةُ فَقْرِهِ المَذْمُومِ: تُعَلُّقُهُ بِغَيْرِهِ.
فَإذا تَعَلَّقَ بِاللَّهِ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرَها.
سَلامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ أيْ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهِ. لا مِنَ القِيامِ بِهِ. والغِنى عِنْدَ أهْلِ الغَفْلَةِ بِالسَّبَبِ. ولِذَلِكَ قُلُوبُهم مُعَلَّقَةٌ بِهِ. وعِنْدَ العارِفِينَ بِالمُسَبِّبِ. وكَذَلِكَ الصِّناعَةُ والقُوَّةُ.
فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ: هي جِهاتُ الغِنى عِنْدَ النّاسِ. وهي الَّتِي أشارَ إلَيْها النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ:
«إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ. ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»
وَفِي رِوايَةٍ: ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ وهو غِنًى بِالشَّيْءِ. فَصاحِبُها غَنِيٌّ بِها إذا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَيْها. وإنْ كانَ سُكُونُهُ إلى رَبِّهِ: فَهو غَنِيٌّ بِهِ. وكُلُّ ما سَكَنَتِ النَّفْسُ إلَيْهِ فَهي فَقِيرَةٌ إلَيْهِ.
وَأمّا مُسالَمَةُ الحُكْمِ فَعَلى نَوْعَيْنِ.
أحَدُهُما: مُسالَمَةُ الحُكْمِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ. وهي مُعانَقَتُهُ ومُوافَقَتُهُ. ضِدَّ مُحارَبَتِهِ.
والثّانِي: مُسالَمَةُ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ. الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعِهِ، وهو غَيْرُ مَأْمُورٍ بِدَفْعِهِ.
وَفِي مُسالَمَةِ الحُكْمِ نُكْتَةٌ لا بُدَّ مِنها. وهي تَجْرِيدُ إضافَتِهِ ونِسْبَتِهِ إلى مَن صَدَرَ عَنْهُ، بِحَيْثُ لا يَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ.
وَهَذا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ في مُسالَمَةِ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ. وتَوْحِيدَ الإلَهِيَّةِ في مُسالَمَةِ الحُكْمِ الدِّينِيِّ. وهُما حَقِيقَةُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وَأمّا الخَلاصُ مِنَ الخُصُومَةِ فَإنَّما يُحْمَدُ مِنهُ: الخَلاصُ مِنَ الخُصُومَةِ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. وأمّا إذا خاصَمَ بِاللَّهِ ولِلَّهِ: فَهَذا مِن كَمالِ العُبُودِيَّةِ. وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في اسْتِفْتاحِهِ:
«اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ. وبِكَ آمَنتُ. وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. وإلَيْكَ أنَبْتُ. وبِكَ خاصَمْتُ. وإلَيْكَ حاكَمْتُ».
[الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ غِنى النَّفْسِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ. غِنى النَّفْسِ. وهو اسْتِقامَتُها عَلى المَرْغُوبِ. وسَلامَتُها مِنَ الحُظُوظِ. وبَراءَتُها مِنَ المُراءاةِ
جَعَلَ الشَّيْخُ: غِنى النَّفْسِ فَوْقَ غِنى القَلْبِ.
وَمَعْلُومٌ: أنَّ أُمُورَ القَلْبِ أكْمَلُ وأقْوى مِن أُمُورِ النَّفْسِ. لَكِنَّ في هَذا التَّرْتِيبِ نُكْتَةً لَطِيفَةً. وهي أنَّ النَّفْسَ مِن جُنْدِ القَلْبِ ورَعِيَّتِهِ. وهي مِن أشَدِّ جُنْدِهِ خِلافًا عَلَيْهِ، وشِقاقًا لَهُ. ومِن قِبَلِها تَتَشَوَّشُ عَلَيْهِ المَمْلَكَةُ. ويَدْخُلُ عَلَيْهِ الدّاخِلُ. فَإذا حَصَلَ لَهُ كَمالٌ بِالغِنى: لَمْ يَتِمَّ لَهُ إلّا بِغِناها أيْضًا. فَإنَّها مَتى كانَتْ فَقِيرَةً عادَ حُكْمُ فَقْرِها عَلَيْهِ. وتَشَوَّشَ عَلَيْهِ غِناهُ. فَكانَ غِناها تَمامًا لِغِناهُ وكَمالًا لَهُ. وغِناهُ أصْلًا بِغِناها. فَمِنهُ يَصِلُ الغِنى إلَيْها. ومِنها يَصِلُ الفَقْرُ والضَّرَرُ والعَنَتُ إلَيْهِ.
إذا عُرِفَ هَذا، فالشَّيْخُ جَعَلَ غِناها بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
اسْتِقامَتُها عَلى المَرْغُوبِ وهو الحَقُّ تَعالى. واسْتِقامَتُها عَلَيْهِ: اسْتِدامَةُ طَلَبِهِ. وقَطْعُ المَنازِلِ بِالسَّيْرِ إلَيْهِ.
الثّانِي: سَلامَتُها مِنَ الحُظُوظِ وهي تَعَلُّقاتُها الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ بِما سِوى اللَّهِ.
الثّالِثُ: بَراءَتُها مِنَ المُراءاةِ وهي إرادَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِن أعْمالِها وأقْوالِها. فَمُراءاتُها دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ فَقْرِها. وتَعَلُّقُها بِالحُظُوظِ مِن فَقْرِها أيْضًا.
وَعَدَمُ اسْتِقامَتِها عَلى مَطْلُوبِها الحَقَّ: أيْضًا مِن فَقْرِها. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِدَةٍ لِلَّهِ. إذْ لَوْ وجَدَتْهُ لاسْتَقامَتْ عَلى السَّيْرِ إلَيْهِ. ولَقَطَعَتْ تَعَلُّقاتِها وحُظُوظَها مِن غَيْرِهِ. ولَما أرادَتْ بِعَمَلِها غَيْرَهُ.
فَلا تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ إلّا لِمَن قَدْ ظَفِرَ بِنَفْسِهِ، ووَجَدَ مَطْلُوبَهُ. وما لَمْ يَجِدْ رَبَّهُ تَعالى فَلا اسْتِقامَةَ لَهُ. ولا سَلامَةَ لَها مِنَ الحُظُوظِ. ولا بَراءَةَ لَها مِنَ الرِّياءِ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الغِنى بِالحَقِّ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: الغِنى بِالحَقِّ. وهو عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: شُهُودُ ذِكْرِهِ إيّاكَ. والثّانِيَةُ: دَوامُ مَطالَعَةِ أوَّلِيَّتِهِ. والثّالِثَةُ: الفَوْزُ بِوُجُودِهِ.
أمّا شُهُودُ ذِكْرِهِ إيّاكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
وَأمّا مُطالَعَةُ أوَّلِيَّتِهِ فَهو سَبْقُهُ لِلْأشْياءِ جَمِيعًا. فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ.
قالَ بَعْضُهم. ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا وقَدْ رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ.
فَإنْ قُلْتَ: وأيُّ غِنًى يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ مِن مُطالَعَةِ أوَّلِيَّةِ الرَّبِّ، وسَبْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا حاصِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ، مِن غَنِيٍّ أوْ فَقِيرٍ، فَما وجْهُ الغِنى الحاصِلِ بِهِ؟
قُلْتُ: إذا شَهِدَ القَلْبُ سَبْقَهُ لِلْأسْبابِ، وأنَّها كانَتْ في حَيِّزِ العَدَمِ. وهو الَّذِي كَساها حُلَّةَ الوُجُودِ، فَهي مَعْدُومَةٌ بِالذّاتِ. فَقِيرَةٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. وهو المَوْجُودُ بِذاتِهِ. والغَنِيُّ بِذاتِهِ لا بِغَيْرِهِ. فَلَيْسَ الغِنى في الحَقِيقَةِ إلّا بِهِ، كَما أنَّهُ لَيْسَ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُ. فالغِنى بِغَيْرِهِ: عَيْنُ الفَقْرِ. فَإنَّهُ غِنًى بِمَعْدُومٍ فَقِيرٍ. وفَقِيرٌ كَيْفَ يَسْتَغْنِي بِفَقِيرٍ مِثْلِهِ؟
وَأمّا الفَوْزُ بِوُجُودِهِ فَإشارَةُ القَوْمِ كُلِّهِمْ إلى هَذا المَعْنى. وهو نِهايَةُ سَفَرِهِمْ. وفي الأثَرِ الإلَهِيِّ: ابْنَ آدَمَ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإنْ وجَدَتْنِي وجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ. وإنْ فُتُّكَ فاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ. وأنا أحَبُّ إلَيْكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
وَمَن لَمْ يَعْلَمْ مَعْنى وجُودِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والفَوْزَ بِهِ: فَلْيَحْثُ عَلى رَأْسِهِ الرَّمادَ. ولْيَبْكِ عَلى نَفْسِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الضحى 93:11
وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾
والله تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته فإن ذلك شكرها بلسان الحال
وقال على بن الجعدي سمعت سفيان الثوري يقول إن داود عليه الصلاة والسلام قال الحمد لله حمدا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله إليه يا داود أتعبت الملائكة
وقال شعبة حدثنا المفضل بن فضالة عن أبي رجاء العطاردي قال خرج علينا عمران بن الحصين وعليه مطرف خز لم نره عليه قبل ولا بعد فقال أن رسول الله قال:
"إذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"
وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي قال:
"كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
وذكر شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال:
"أتيت رسول الله وأنا قشف الهيئة فقال هل لك من مال قال قلت نعم قال من أي المال قلت من كل المال قد آتانى الله من الابل والخيل والرقيق والغنم قال فإذا آتاك الله ما لا فليرى عليك".
وفي بعض المراسيل "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه"
وروى عبد الله بن يزيد المقري عن أبي معمر عن بكير بن عبد الله رفعه:
"من أعطي خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله، ومن أعطي خيرا ولم ير عليه سمي بغيض الله معاديا لنعمة الله"
وقال الفضيل بن عياض "كان يقال من عرف نعمة الله بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة، لقول الله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾
وقال "من شُكْر النعمة أن يحدث بها.
وقد قال تعالى:
"يا ابن آدم إذا كنت تتقلب في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي فاحذرني لأصرعك بين معاصي يا ابن آدم اتقني ونم حيث شئت".
وقال الشعبي: الشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.
وقال أبو قلابة لا تضركم دنيا شكرتموها.
وقال الحسن إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر، فإذا شكروه كان قادرا على أن يزيدهم.
وإذا كفروه كان قادرا على أن يبعث نعمته عليهم عذابا، وقد ذم الله سبحانه الكنود وهو الذي لا يشكر نعمه.
قال الحسن ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ يعد المصائب وينسى النعم.
وقد أخبر النبي ﷺ أن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب قال:
"لو أحسنت إلى إحداههن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" فإذا كان هذا بترك شكر نعمة الزوج وهي في الحقيقة من الله فكيف بمن ترك شكر نعمة الله
؎يا أيها الظالم في فعله ∗∗∗ والظلم مردود على من ظلم
؎إلى متى أنت وحتى متى ∗∗∗ تشكو المصيبات وتنسى النعم
ذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله:
"التحدث بالنعمة شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، والجماعة بركة والفرقة عذاب"
(فصل)
وَفِي هَذا التَّحْدِيثِ المَأْمُورِ بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ذَكَرَ النِّعْمَةَ، والإخْبارَ بِها. وقَوْلُهُ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بِكَذا وكَذا. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي اشْكُرْ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ: مِن جَبْرِ اليُتْمِ، والهُدى بَعْدَ الضَّلالِ، والإغْناءِ بَعْدَ العَيْلَةِ.
والتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ. كَما في حَدِيثِ جابِرٍ مَرْفُوعًا
«مَن صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَلْيَجْزِ بِهِ. فَإنْ لَمْ يَجِدْ ما يَجْزِي بِهِ فَلْيُثْنِ. فَإنَّهُ إذا أثْنى عَلَيْهِ فَقَدْ شَكَرَهُ. وإنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ، ومَن تَحَلّى بِما لَمْ يُعْطَ كانَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».
فَذَكَرَ أقْسامَ الخَلْقِ الثَّلاثَةَ:
شاكِرُ النِّعْمَةِ المُثْنِي بِها، والجاحِدُ لَها والكاتِمُ لَها.
والمُظْهِرُ أنَّهُ مِن أهْلِها، ولَيْسَ مِن أهْلِها. فَهو مُتَحَلٍّ بِما لَمْ يُعْطَهُ.
وَفِي أثَرٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ:
«مَن لَمْ يَشْكُرِ القَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الكَثِيرَ. ومَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. والتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ. وتَرْكُهُ كُفْرٌ. والجَماعَةُ رَحْمَةٌ والفُرْقَةٌ عَذابٌ».
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ المَأْمُورَ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ، وتَبْلِيغُ رِسالَتِهِ، وتَعْلِيمُ الأُمَّةِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي النُّبُوَّةُ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ بَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وحَدِّثْ بِالنُّبُوَّةِ الَّتِي آتاكَ اللَّهُ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: هو القُرْآنُ. أمَرَهُ أنْ يَقْرَأهُ.
والصَّوابُ: أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ. إذْ كَلٌّ مِنهُما نِعْمَةٌ مَأْمُورٌ بِشُكْرِها والتَّحَدُّثِ بِها. وإظْهارِها مِن شُكْرِها.
وقال في (التبيان)
وقوله ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾
قال مجاهد بالقرآن
وقال الكلبي بمعنى أظهرها والقرآن أعظم ما أنعم الله به عليه فأمره أن يقرئه ويعلمه
وروى أبو بشر عن مجاهد حدث بالنبوة التي أعطاك الله
وقال الزجاج بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك وهي أجل النعم
وقال مقاتل أشكر هذه النعمة التي ذكرت في هذه السورة
والتحقيق أن النعم تعم هذا كله فأمره أن لا ينهر سائل المعروف والعلم، وأن يحدث بنعم الله عليه في الدين والدنيا.
[فصل: الفرق بين التحدث بنعم اللّه والفخر بها]
والفرق بين التحدث بنعم اللّه والفخر بها: أن المتحدث بالنعمة مخبر عن صفات وليها، ومحض جوده وإحسانه فهو مثن عليه بإظهارها، والتحدث بها شاكرا له ناشرا لجميع ما أولاه، مقصود بذلك إظهار صفات اللّه ومدحه والثناء وبعث النفس على الطلب منه دون غيره وعلى محبته ورجائه فيكون راغبا إلى اللّه بإظهار نعمه ونشرها والتحدث بها.
وأما الفخر بالنعم: فهو أن يستطيل بها على الناس ويريهم أنه أعز منهم وأكبر، فيركب أعناقهم ويستفيد قلوبهم ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة.
قال النعمان بن بشير: إن للشيطان مصالي وفخوخا، وأن من مصاليه وفخوخه البطش بنعم اللّه، والكبر على عباد اللّه، ويفخر بعطية اللّه، والهون في غير ذات اللّه.
((الجزء الثاني والعشرون))
الشرح 94:1
وسمع قارئا يقرأ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾
فقال: شرح الله صدر رسوله ﷺ أتم الشرح، ووضع عنه وزره كل الوضع، ورفع ذكره كل الرفع،
وجعل لأتباعه حظا من ذلك، إذ كل متبوع فلأتباعه حظ ونصيب من حظ متبوعهم في الخير والشر على حسب اتباعهم له.
فأتبع الناس لرسوله ﷺ أشرحهم صدرا، وأوضعهم وزرا، وأرفعهم ذكرا، وكلما قويت متابعته علما وعملا وحالا وجهادا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدرا، وأرفعهم في العالمين ذكرا.
وأما وضع وزره فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودواب البر والبحر يستغفرون له؟
وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تقبض الصدر وتضيقه، وتخمل الذكر وتضعه، وكذلك ضيق الصدر يضع الذكر و يجلب الوزر، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره، ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرح بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار، ولهذا أكثر من يواقع المحظور إنما يدفع به عن نفسه ما فيها من الهم والغم والضيق، وكثيرا ما تبرد شهوته وإرادته، ومع هذا يحرص على المعاودة تداويا منه بزعمه، كما أفصح عن هذا شيخ الفسوق أبو نواس بقوله
؎وكأس شربت على لذة ∗∗∗ وأخرى تداويت منها بها
فإذا حمل العبد الأوزار أوجب له ذلك ضيق الصدر وخمول الذكر، ثم خمول الذكر يوجب له ضيق الصدر فلا يزال
المعرض عن طاعة الله ورسوله مترددا بين هذه المنازل الثلاث، كما لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روح التوحيد وتجريده ومحبة الله ورسوله وامتثال أمره دائرا بين تلك المنازل الثلاث.
وإذا ثقل الظهر بالأوزار منع القلب من السير إلى الله، والجوارح من النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافة السفر مثقلٌ بالحمل على ظهره؟
وكيف ينهض إلى الله قلب قد ثقلته الأوزار؟
فلو وضعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقا إلى ربه، ولانقلب عسره يسرا، فإن ضيق
الصدر وحمل الوزر وخمول الذكر من أعظم العسر، ومعه يسر يقلبه
إليه، وهو تجريد التوحيد و تجريد الطاعة بمتابعة الرسول.
وهما الأصلان اللذان ختم بهما السورة، فقال: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ (٧) وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ (٨)﴾
فالنصب: التفرغ للعبادة والطاعة. والرغبة إلى الله وحده: تجريد توحيده ه فمتى قام بهذين الأصلين حصل له من شرح
الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر بحسب ما قام به، وبدل عسره يسرا.
(فائدة)
شق صدر النبي ﷺ بتطهير قلبه وحشوه إيمانا وحكمة دليل على أن محل العقل القلب، وهو متصل بالدماغ.
واستدل بعض الفقهاء بغسل قلبه ﷺ في الطست من الذهب على جواز تحلية المصاحف بالذهب والمساجد.
وهو في غايه البعد فإن ذلك كان قبل النبوة، ولم يكن ذلك من ذهب الدنيا، وكان كرامة أكرم بها من فعل الملائكة بأمر الله، وهم ليسوا داخلين تحت تكاليف البشر.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ المُرادِ]
[حَقِيقَةُ المُرادِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ المُرادِ.
أفْرَدَها القَوْمُ بِالذِّكْرِ. وفي الحَقِيقَةِ: فَكُلُّ مُرِيدٍ مُرادٌ. بَلْ لَمْ يَصِرْ مُرِيدًا إلّا بَعْدَ أنْ كانَ مُرادًا. لَكِنَّ القَوْمَ خَصُّوا المُرِيدَ بِالمُبْتَدِئِ، والمُرادَ بِالمُنْتَهِي.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: المُرِيدُ مُتَحَمِّلٌ، والمُرادُ مَحْمُولٌ، وقَدْ كانَ مُوسى ﷺ مُرِيدًا، إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]
وَنَبِيُّنا ﷺ مُرادًا، إذْ قِيلَ لَهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وَسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنِ المُرِيدِ والمُرادِ؟
فَقالَ: المُرِيدُ يَتَوَلّى سِياسَتَهُ العِلْمُ. والمُرادُ: يَتَوَلّى رِعايَتَهُ الحَقُّ. لِأنَّ المُرِيدَ يَسِيرُ، والمُرادَ يَطِيرُ.
فَمَتى يَلْحَقُ السّائِرُ الطّائِرَ؟
الشرح 94:2
وسمع قارئا يقرأ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾
فقال: شرح الله صدر رسوله ﷺ أتم الشرح، ووضع عنه وزره كل الوضع، ورفع ذكره كل الرفع،
وجعل لأتباعه حظا من ذلك، إذ كل متبوع فلأتباعه حظ ونصيب من حظ متبوعهم في الخير والشر على حسب اتباعهم له.
فأتبع الناس لرسوله ﷺ أشرحهم صدرا، وأوضعهم وزرا، وأرفعهم ذكرا، وكلما قويت متابعته علما وعملا وحالا وجهادا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدرا، وأرفعهم في العالمين ذكرا.
وأما وضع وزره فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودواب البر والبحر يستغفرون له؟
وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تقبض الصدر وتضيقه، وتخمل الذكر وتضعه، وكذلك ضيق الصدر يضع الذكر و يجلب الوزر، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره، ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرح بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار، ولهذا أكثر من يواقع المحظور إنما يدفع به عن نفسه ما فيها من الهم والغم والضيق، وكثيرا ما تبرد شهوته وإرادته، ومع هذا يحرص على المعاودة تداويا منه بزعمه، كما أفصح عن هذا شيخ الفسوق أبو نواس بقوله
؎وكأس شربت على لذة ∗∗∗ وأخرى تداويت منها بها
فإذا حمل العبد الأوزار أوجب له ذلك ضيق الصدر وخمول الذكر، ثم خمول الذكر يوجب له ضيق الصدر فلا يزال
المعرض عن طاعة الله ورسوله مترددا بين هذه المنازل الثلاث، كما لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روح التوحيد وتجريده ومحبة الله ورسوله وامتثال أمره دائرا بين تلك المنازل الثلاث.
وإذا ثقل الظهر بالأوزار منع القلب من السير إلى الله، والجوارح من النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافة السفر مثقلٌ بالحمل على ظهره؟
وكيف ينهض إلى الله قلب قد ثقلته الأوزار؟
فلو وضعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقا إلى ربه، ولانقلب عسره يسرا، فإن ضيق
الصدر وحمل الوزر وخمول الذكر من أعظم العسر، ومعه يسر يقلبه
إليه، وهو تجريد التوحيد و تجريد الطاعة بمتابعة الرسول.
وهما الأصلان اللذان ختم بهما السورة، فقال: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ (٧) وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ (٨)﴾
فالنصب: التفرغ للعبادة والطاعة. والرغبة إلى الله وحده: تجريد توحيده ه فمتى قام بهذين الأصلين حصل له من شرح
الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر بحسب ما قام به، وبدل عسره يسرا.
(فائدة)
شق صدر النبي ﷺ بتطهير قلبه وحشوه إيمانا وحكمة دليل على أن محل العقل القلب، وهو متصل بالدماغ.
واستدل بعض الفقهاء بغسل قلبه ﷺ في الطست من الذهب على جواز تحلية المصاحف بالذهب والمساجد.
وهو في غايه البعد فإن ذلك كان قبل النبوة، ولم يكن ذلك من ذهب الدنيا، وكان كرامة أكرم بها من فعل الملائكة بأمر الله، وهم ليسوا داخلين تحت تكاليف البشر.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ المُرادِ]
[حَقِيقَةُ المُرادِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ المُرادِ.
أفْرَدَها القَوْمُ بِالذِّكْرِ. وفي الحَقِيقَةِ: فَكُلُّ مُرِيدٍ مُرادٌ. بَلْ لَمْ يَصِرْ مُرِيدًا إلّا بَعْدَ أنْ كانَ مُرادًا. لَكِنَّ القَوْمَ خَصُّوا المُرِيدَ بِالمُبْتَدِئِ، والمُرادَ بِالمُنْتَهِي.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: المُرِيدُ مُتَحَمِّلٌ، والمُرادُ مَحْمُولٌ، وقَدْ كانَ مُوسى ﷺ مُرِيدًا، إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]
وَنَبِيُّنا ﷺ مُرادًا، إذْ قِيلَ لَهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وَسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنِ المُرِيدِ والمُرادِ؟
فَقالَ: المُرِيدُ يَتَوَلّى سِياسَتَهُ العِلْمُ. والمُرادُ: يَتَوَلّى رِعايَتَهُ الحَقُّ. لِأنَّ المُرِيدَ يَسِيرُ، والمُرادَ يَطِيرُ.
فَمَتى يَلْحَقُ السّائِرُ الطّائِرَ؟
الشرح 94:3
وسمع قارئا يقرأ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾
فقال: شرح الله صدر رسوله ﷺ أتم الشرح، ووضع عنه وزره كل الوضع، ورفع ذكره كل الرفع،
وجعل لأتباعه حظا من ذلك، إذ كل متبوع فلأتباعه حظ ونصيب من حظ متبوعهم في الخير والشر على حسب اتباعهم له.
فأتبع الناس لرسوله ﷺ أشرحهم صدرا، وأوضعهم وزرا، وأرفعهم ذكرا، وكلما قويت متابعته علما وعملا وحالا وجهادا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدرا، وأرفعهم في العالمين ذكرا.
وأما وضع وزره فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودواب البر والبحر يستغفرون له؟
وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تقبض الصدر وتضيقه، وتخمل الذكر وتضعه، وكذلك ضيق الصدر يضع الذكر و يجلب الوزر، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره، ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرح بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار، ولهذا أكثر من يواقع المحظور إنما يدفع به عن نفسه ما فيها من الهم والغم والضيق، وكثيرا ما تبرد شهوته وإرادته، ومع هذا يحرص على المعاودة تداويا منه بزعمه، كما أفصح عن هذا شيخ الفسوق أبو نواس بقوله
؎وكأس شربت على لذة ∗∗∗ وأخرى تداويت منها بها
فإذا حمل العبد الأوزار أوجب له ذلك ضيق الصدر وخمول الذكر، ثم خمول الذكر يوجب له ضيق الصدر فلا يزال
المعرض عن طاعة الله ورسوله مترددا بين هذه المنازل الثلاث، كما لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روح التوحيد وتجريده ومحبة الله ورسوله وامتثال أمره دائرا بين تلك المنازل الثلاث.
وإذا ثقل الظهر بالأوزار منع القلب من السير إلى الله، والجوارح من النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافة السفر مثقلٌ بالحمل على ظهره؟
وكيف ينهض إلى الله قلب قد ثقلته الأوزار؟
فلو وضعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقا إلى ربه، ولانقلب عسره يسرا، فإن ضيق
الصدر وحمل الوزر وخمول الذكر من أعظم العسر، ومعه يسر يقلبه
إليه، وهو تجريد التوحيد و تجريد الطاعة بمتابعة الرسول.
وهما الأصلان اللذان ختم بهما السورة، فقال: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ (٧) وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ (٨)﴾
فالنصب: التفرغ للعبادة والطاعة. والرغبة إلى الله وحده: تجريد توحيده ه فمتى قام بهذين الأصلين حصل له من شرح
الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر بحسب ما قام به، وبدل عسره يسرا.
(فائدة)
شق صدر النبي ﷺ بتطهير قلبه وحشوه إيمانا وحكمة دليل على أن محل العقل القلب، وهو متصل بالدماغ.
واستدل بعض الفقهاء بغسل قلبه ﷺ في الطست من الذهب على جواز تحلية المصاحف بالذهب والمساجد.
وهو في غايه البعد فإن ذلك كان قبل النبوة، ولم يكن ذلك من ذهب الدنيا، وكان كرامة أكرم بها من فعل الملائكة بأمر الله، وهم ليسوا داخلين تحت تكاليف البشر.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ المُرادِ]
[حَقِيقَةُ المُرادِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ المُرادِ.
أفْرَدَها القَوْمُ بِالذِّكْرِ. وفي الحَقِيقَةِ: فَكُلُّ مُرِيدٍ مُرادٌ. بَلْ لَمْ يَصِرْ مُرِيدًا إلّا بَعْدَ أنْ كانَ مُرادًا. لَكِنَّ القَوْمَ خَصُّوا المُرِيدَ بِالمُبْتَدِئِ، والمُرادَ بِالمُنْتَهِي.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: المُرِيدُ مُتَحَمِّلٌ، والمُرادُ مَحْمُولٌ، وقَدْ كانَ مُوسى ﷺ مُرِيدًا، إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]
وَنَبِيُّنا ﷺ مُرادًا، إذْ قِيلَ لَهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وَسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنِ المُرِيدِ والمُرادِ؟
فَقالَ: المُرِيدُ يَتَوَلّى سِياسَتَهُ العِلْمُ. والمُرادُ: يَتَوَلّى رِعايَتَهُ الحَقُّ. لِأنَّ المُرِيدَ يَسِيرُ، والمُرادَ يَطِيرُ.
فَمَتى يَلْحَقُ السّائِرُ الطّائِرَ؟
الشرح 94:4
قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما رفع الله لَهُ ذكره فَلا يذكر إلّا ذكر مَعَه.
وَفِي هَذا الدَّلِيل نظر لِأن ذكره ﷺ مَعَ ذكر ربه هو الشَّهادَة لَهُ بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية
وَهَذا هو الواجِب في الخطْبَة قطعا بل هو ركنها الأعْظَم.
وَقد روى أبُو داوُد وأحمد وغَيرهما من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أنه قالَ "كل خطْبَة لَيْسَ فِيها تشهد فَهي كاليَدِ الجذماء"
(إسْناده قوي)
واليَد الجذماء المقطوعة.
فَمن أوجب الصَّلاة على النَّبِي ﷺ في الخطْبَة دون التَّشَهُّد فَقَوله في غايَة الضعْف
وَقد روى يُونُس عَن شَيبان عَن قَتادَة ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
قالَ رفع الله ذكره في الدُّنْيا والآخِرَة فَلَيْسَ خطيب ولا متشهد ولا صاحب صَلاة إلّا ابتدأها أشهد أن لا إلَه إلّا الله وأشْهد أن مُحَمَّدًا رَسُول الله.
وَقالَ عبد بن حميد أخْبرنِي عَمْرو بن عون عَن هشيم عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحّاك ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذكرك﴾
قالَ إذا ذكرتُ ذكرتَ معي ولا يجوز خطْبَة ولا نِكاح إلّا بذكرك.
وَقالَ عبد الرَّزّاق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن نجيح عَن مُجاهِد ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
قالَ لا أذكر إلّا ذكرت معي ولا يجوز خطْبَة ولا نِكاح إلّا بذكرك
وَقالَ عبد الرازق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجاهِد ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
قالَ لا أذكر إلّا ذكرت معي الأذان أشهد أن لا إلَه إلّا الله وأشْهد أن مُحَمَّدًا رَسُول الله
(إسْناده صَحِيح)
فَهَذا هو المُراد من الآيَة وكَيف لا يجب التَّشَهُّد الَّذِي هو عقد الإسْلام في الخطْبَة وهو أفضل كلماتها وتجب الصَّلاة على النَّبِي ﷺ فِيها.
الشرح 94:5
(فائدة)
المعرَّف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد، بخلاف المنَكَّر.
ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي ﷺ "لن يغلب عسر يسرين"
(مرسل وله طرق تعضده).
فإنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾
فالعسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد، واليسر تكرر بلفظ النكرة فهو يسران.
فالعسر محفوف بيسرين يسر قبله، ويسر بعده، فلن يغلب عسر يسرين.
وقال في (شفاء العليل)
و "لن يغلب عسر يسرين"
وهذا لأن الرحمة غلبت الغضب، والعفو سبق العقوبة، والنعمة تقدمت المحنة، والخير في الصفات والأفعال، والشر في المفعولات لا في الأفعال.
فأوصافه كلها كمال، وأفعاله كلها خيرات، فإن ألم الحيوان لم يعدم بألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم، أو تهيئة لقوة وصحة وكمال، أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما.
فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة إلى جبال الدنيا بكثير.
وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة.
والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سدى، ولم يقدرهما عبثا.
ومن كمال قدرته وحكمته أن جعل كل واحد منهما يثمر الأخرى.
هذا ولوازم الخلقة يستحيل ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق، فلا يكون المخلوق إلا فقيرا محتاجا، ناقص العلم والقدرة، فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيوانا، ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك وإنما جعلها دارا ممتزجا ألمها بلذتها وسرورها بأحزانها وغمومها وصحتها بسقمها، حكمة منه بالغة.
الشرح 94:6
(فائدة)
المعرَّف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد، بخلاف المنَكَّر.
ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي ﷺ "لن يغلب عسر يسرين"
(مرسل وله طرق تعضده).
فإنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾
فالعسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد، واليسر تكرر بلفظ النكرة فهو يسران.
فالعسر محفوف بيسرين يسر قبله، ويسر بعده، فلن يغلب عسر يسرين.
وقال في (شفاء العليل)
و "لن يغلب عسر يسرين"
وهذا لأن الرحمة غلبت الغضب، والعفو سبق العقوبة، والنعمة تقدمت المحنة، والخير في الصفات والأفعال، والشر في المفعولات لا في الأفعال.
فأوصافه كلها كمال، وأفعاله كلها خيرات، فإن ألم الحيوان لم يعدم بألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم، أو تهيئة لقوة وصحة وكمال، أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما.
فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة إلى جبال الدنيا بكثير.
وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة.
والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سدى، ولم يقدرهما عبثا.
ومن كمال قدرته وحكمته أن جعل كل واحد منهما يثمر الأخرى.
هذا ولوازم الخلقة يستحيل ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق، فلا يكون المخلوق إلا فقيرا محتاجا، ناقص العلم والقدرة، فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيوانا، ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك وإنما جعلها دارا ممتزجا ألمها بلذتها وسرورها بأحزانها وغمومها وصحتها بسقمها، حكمة منه بالغة.
الشرح 94:7
قالَ تَعالى: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]. ولَمْ يَقُلْ: وإلى رَسُولِهِ، بَلْ جَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ وحْدَهُ.
كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ - وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
فالرَّغْبَةُ والتَّوَكُّلُ والإنابَةُ والحَسْبُ لِلَّهِ وحْدَهُ، كَما أنَّ العِبادَةَ والتَّقْوى والسُّجُودَ لِلَّهِ وحْدَهُ.
(فصل)
وأما الرغبة في الله وإرادة وجهه، والشوق إلى لقائه فهي رأس مال العبد وملاك أمره، وقوام حياته الطيبة، وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه.
ولذلك خلق وبه أمر وبذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده كما قال الله تعالى ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
وقال تعالى ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾
والراغبون ثلاثة أقسام:
راغب في الله، وراغب فيما عند الله، وراغب عن الله.
فالمحب راغب فيه، والعامل راغب فيما عنده، والراضي بالدنيا من الآخرة راغب عنه.
ومن كانت رغبته في الله كفاه الله كل مهم، وتولاه في جميع أموره ودفع عنه ما لا يستطيع دفعه عن نفسه، ووقاه وقاية الوليد وصانه من جميع الآفات.
ومن آثر الله على غيره آثره الله على غيره.
ومن كان لله كان الله له حيث لا يكون لنفسه، ومن عرف الله لم يكن شيء أحب إليه منه، ولم تبق له رغبة فيما سواه إلا فيما يقربه إليه، ويعينه على سفره إليه.
ومن علامات المعرفة الهيبة فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه كما قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.
الشرح 94:8
قالَ تَعالى: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]. ولَمْ يَقُلْ: وإلى رَسُولِهِ، بَلْ جَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ وحْدَهُ.
كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ - وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
فالرَّغْبَةُ والتَّوَكُّلُ والإنابَةُ والحَسْبُ لِلَّهِ وحْدَهُ، كَما أنَّ العِبادَةَ والتَّقْوى والسُّجُودَ لِلَّهِ وحْدَهُ.
(فصل)
وأما الرغبة في الله وإرادة وجهه، والشوق إلى لقائه فهي رأس مال العبد وملاك أمره، وقوام حياته الطيبة، وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه.
ولذلك خلق وبه أمر وبذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده كما قال الله تعالى ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾
وقال تعالى ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾
والراغبون ثلاثة أقسام:
راغب في الله، وراغب فيما عند الله، وراغب عن الله.
فالمحب راغب فيه، والعامل راغب فيما عنده، والراضي بالدنيا من الآخرة راغب عنه.
ومن كانت رغبته في الله كفاه الله كل مهم، وتولاه في جميع أموره ودفع عنه ما لا يستطيع دفعه عن نفسه، ووقاه وقاية الوليد وصانه من جميع الآفات.
ومن آثر الله على غيره آثره الله على غيره.
ومن كان لله كان الله له حيث لا يكون لنفسه، ومن عرف الله لم يكن شيء أحب إليه منه، ولم تبق له رغبة فيما سواه إلا فيما يقربه إليه، ويعينه على سفره إليه.
ومن علامات المعرفة الهيبة فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه كما قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.
التين 95:1
(فصل)
ومن ذلك إقسامه ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنها أكثر البقاع زيتونًا وتينًا.
وقد قال جماعة من المفسرين إنه سبحانه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لا عجم له، وهو على مقدار اللقمة وهو فاكهة وقوت وغذاء وأدم، ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل الأمزجة، وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل رطبًا ويابسًا وأما الزيتون ففيه من الآيات ما هو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده يخرج ثمرًا يعصر منه هذا الدهن الذي هو مادة النور وصبغ للآكلين وطيب ودواء وفيه من مصالح الخلق ما لا يخفى وشجره باق على ممر السنين المتطاولة وورقه لا يسقط وهذا الذي قالوه حق ولا ينافي أن يكون منبته مرادًا فإن منبت هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الإقسام قد تناول الشجرتين ومنبتهما وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه.
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى بموضع مظهر الكليم ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمه بنبوة محمد وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء
الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة محمد ﷺ وعليهما بعدهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم.
(فصل: في ذكر بعض بشارات التوراة برسول الله ﷺ)
قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وتَجَلّى مِن ساعِيرَ، وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، ومَعَهُ رَبْواتُ الأطْهارُ عَنْ يَمِينِهِ، وهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ: نُبُوَّةِ مُوسى، ونُبُوَّةِ عِيسى، ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَمَجِيئُهُ مِن سَيْناءَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ونَبَأهُ عَلَيْهِ إخْبارٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ.
وَتَجَلِّيهِ مِن ساعِيرَ هو مَظْهَرُ عِيسى المَسِيحِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وساعِيرُ: قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ هُناكَ إلى اليَوْمِ، وهَذِهِ بِشارَةٌ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ.
وَفارانُ: هي مَكَّةُ، وشَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى نُبُوَّةَ مُوسى بِمَجِيءِ الصُّبْحِ، وفَلْقِهِ، ونُبُوَّةَ المَسِيحِ بَعْدَها بِإشْراقِهِ وضِيائِهِ، ونُبُوَّةَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُما ﷺ بِاسْتِعْلانِ الشَّمْسِ وظُهُورِها وظُهُورِ ضَوْئِها في الآفاقِ، ووَقَعَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ بِهِ سَواءً، فَإنَّ اللَّهَ صَدَعَ بِنُبُوَّةِ مُوسى لَيْلَ الكُفْرِ فَأضاءَ فَجْرَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وزادَ الضِّياءُ والإشْراقُ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ، وكَمُلَ الضِّياءُ واسْتَعْلَنَ وطَبَقَ الأرْضَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَذِكْرُ هَذِهِ النُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ البِشارَةُ نَظِيرُ ذِكْرِها في أوَّلِ سُورَةِ التِّينِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ
فَذَكَرَ أمْكِنَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، والتِّينِ والزَّيْتُونِ: المُرادُ بِهِ مَنبَتُهُما وأرْضُهُما، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي هي مَظْهَرُ المَسِيحِ، وطُورِ سِينِينَ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى فَهو مَظْهَرُ نُبُوَّتُهُ، ووَهَذا البَلَدِ الأمِينِ: مَكَّةُ، حَرَمُ اللَّهِ وأمْنُهُ الَّتِي هي مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ نَظِيرُ تِلْكَ الثَّلاثَةِ سَواءٌ.
قالَتِ اليَهُودُ: فارانُ هي أرْضُ الشّامِ ولَيْسَتْ أرْضَ الحِجازِ، ولَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ مَن بَهْتِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ، وعِنْدَهم في التَّوْراةِ: أنَّ إسْماعِيلَ لَمّا فارَقَ أباهُ سَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، هَكَذا نَطَقَتِ التَّوْراةُ ولَفْظُها (وَأقامَ إسْماعِيلُ في بَرِّيَّةِ فارانَ وأنْكَحَتْهُ أُمُّهُ امْرَأةً مِن أرْضِ مِصْرَ).
وَلا يَشْكُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ أنَّ فارانَ مَسْكَنٌ لِآلِ إسْماعِيلَ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّوْراةُ نُبُوَّةً تَنْزِلُ بِأرْضِ فارانَ، وتَضَمَّنَتْ نُبُوَّةً تَنْزِلُ عَلى عَظِيمٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وتَضَمَّنَتِ انْتِشارَ أُمَّتِهِ وأتْباعِهِ حَتّى يَمْلَئُوا السَّهْلَ والجَبَلَ، كَما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا شُبْهَةٌ أصْلًا أنَّ هَذِهِ هي نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي نَزَلَتْ بِفارانَ عَلى أشْرَفِ ولَدِ إسْماعِيلَ حَتّى مَلَأ الأرْضَ ضِياءً ونُورًا، ومَلَأ أتْباعُهُ السَّهْلَ والجَبَلَ، ولا يَكْثُرُ عَلى الشَّعْبِ الَّذِي نَطَقَتِ التَّوْراةُ بِأنَّهم عادِمُو الرَّأْيِ والفَطانَةِ أنْ يَنْقَسِمُوا إلى جاهِلٍ بِذَلِكَ وجاحِدٍ مُكابِرٍ مُعانِدٍ.
وَلَفْظُ التَّوْراةِ فِيهِمْ: أنَّهُمُ الشَّعْبُ عادِمُ الرَّأْيِ، ولَيْسَ فِيهِمْ فَطانَةٌ.
وَيُقالُ لِهَؤُلاءِ المُكابِرِينَ: أيُّ نُبُوَّةٍ خَرَجَتْ مِنَ الشّامِ فاسْتَعْلَنَتِ اسْتِعْلانَ ضِياءِ الشَّمْسِ، وظَهَرَتْ فَوْقَ ظُهُورِ النُّبُوَّتَيْنِ قَبْلَها؟! وهَلْ هَذا إلّا بِمَنزِلَةِ مُكابَرَةِ مَن يَرى الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ مِنَ المَشْرِقِ فَيُغالِطُ ويُكابِرُ ويَقُولُ بَلْ طَلَعَتْ مِنَ المَغْرِبِ؟
قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الأوَّلِ: (إنَّ المَلَكَ ظَهَرَ لِهاجَرَ أُمِّ إسْماعِيلَ، فَقالَ: يا هاجَرُ، مِن أيْنَ أقْبَلْتِ؟ وإلى أيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمّا شَرَحَتْ لَهُ الحالَ، قالَ: ارْجِعِي فَإنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وزَرْعَكِ حَتّى لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وها أنْتِ تَحْبَلِينَ وتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إسْماعِيلَ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وخُضُوعَكِ، ووَلَدُكِ يَكُونُ وحْشِيَّ النّاسِ، وتَكُونُ يَدُهُ عَلى الكُلِّ، ويَدُ الكُلِّ مَبْسُوطَةٌ إلَيْهِ بِالخُضُوعِ).
وَهَذِهِ بِشارَةٌ تضمنت أنَّ يَدَ ابْنِها عَلى يَدِ كُلِّ الخَلائِقِ، وأنَّ كَلِمَتَهُ العُلْيا، وأنَّ يَدَ ابْنِها عالِيَةٌ، ويَدَ الخَلْقِ تَحْتَ يَدِهِ، فَمَن هَذا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ: إنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ إنِّي جاعِلٌ ابْنَكَ إسْماعِيلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ إذْ هو مِن زَرْعِكَ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بِمَن جُعِلَ مِن ولَدِهِ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، ولَيْسَ هو سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ.
التين 95:2
(فصل)
ومن ذلك إقسامه ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنها أكثر البقاع زيتونًا وتينًا.
وقد قال جماعة من المفسرين إنه سبحانه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لا عجم له، وهو على مقدار اللقمة وهو فاكهة وقوت وغذاء وأدم، ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل الأمزجة، وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل رطبًا ويابسًا وأما الزيتون ففيه من الآيات ما هو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده يخرج ثمرًا يعصر منه هذا الدهن الذي هو مادة النور وصبغ للآكلين وطيب ودواء وفيه من مصالح الخلق ما لا يخفى وشجره باق على ممر السنين المتطاولة وورقه لا يسقط وهذا الذي قالوه حق ولا ينافي أن يكون منبته مرادًا فإن منبت هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الإقسام قد تناول الشجرتين ومنبتهما وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه.
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى بموضع مظهر الكليم ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمه بنبوة محمد وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء
الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة محمد ﷺ وعليهما بعدهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم.
(فصل: في ذكر بعض بشارات التوراة برسول الله ﷺ)
قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وتَجَلّى مِن ساعِيرَ، وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، ومَعَهُ رَبْواتُ الأطْهارُ عَنْ يَمِينِهِ، وهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ: نُبُوَّةِ مُوسى، ونُبُوَّةِ عِيسى، ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَمَجِيئُهُ مِن سَيْناءَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ونَبَأهُ عَلَيْهِ إخْبارٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ.
وَتَجَلِّيهِ مِن ساعِيرَ هو مَظْهَرُ عِيسى المَسِيحِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وساعِيرُ: قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ هُناكَ إلى اليَوْمِ، وهَذِهِ بِشارَةٌ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ.
وَفارانُ: هي مَكَّةُ، وشَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى نُبُوَّةَ مُوسى بِمَجِيءِ الصُّبْحِ، وفَلْقِهِ، ونُبُوَّةَ المَسِيحِ بَعْدَها بِإشْراقِهِ وضِيائِهِ، ونُبُوَّةَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُما ﷺ بِاسْتِعْلانِ الشَّمْسِ وظُهُورِها وظُهُورِ ضَوْئِها في الآفاقِ، ووَقَعَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ بِهِ سَواءً، فَإنَّ اللَّهَ صَدَعَ بِنُبُوَّةِ مُوسى لَيْلَ الكُفْرِ فَأضاءَ فَجْرَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وزادَ الضِّياءُ والإشْراقُ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ، وكَمُلَ الضِّياءُ واسْتَعْلَنَ وطَبَقَ الأرْضَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَذِكْرُ هَذِهِ النُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ البِشارَةُ نَظِيرُ ذِكْرِها في أوَّلِ سُورَةِ التِّينِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ
فَذَكَرَ أمْكِنَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، والتِّينِ والزَّيْتُونِ: المُرادُ بِهِ مَنبَتُهُما وأرْضُهُما، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي هي مَظْهَرُ المَسِيحِ، وطُورِ سِينِينَ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى فَهو مَظْهَرُ نُبُوَّتُهُ، ووَهَذا البَلَدِ الأمِينِ: مَكَّةُ، حَرَمُ اللَّهِ وأمْنُهُ الَّتِي هي مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ نَظِيرُ تِلْكَ الثَّلاثَةِ سَواءٌ.
قالَتِ اليَهُودُ: فارانُ هي أرْضُ الشّامِ ولَيْسَتْ أرْضَ الحِجازِ، ولَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ مَن بَهْتِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ، وعِنْدَهم في التَّوْراةِ: أنَّ إسْماعِيلَ لَمّا فارَقَ أباهُ سَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، هَكَذا نَطَقَتِ التَّوْراةُ ولَفْظُها (وَأقامَ إسْماعِيلُ في بَرِّيَّةِ فارانَ وأنْكَحَتْهُ أُمُّهُ امْرَأةً مِن أرْضِ مِصْرَ).
وَلا يَشْكُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ أنَّ فارانَ مَسْكَنٌ لِآلِ إسْماعِيلَ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّوْراةُ نُبُوَّةً تَنْزِلُ بِأرْضِ فارانَ، وتَضَمَّنَتْ نُبُوَّةً تَنْزِلُ عَلى عَظِيمٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وتَضَمَّنَتِ انْتِشارَ أُمَّتِهِ وأتْباعِهِ حَتّى يَمْلَئُوا السَّهْلَ والجَبَلَ، كَما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا شُبْهَةٌ أصْلًا أنَّ هَذِهِ هي نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي نَزَلَتْ بِفارانَ عَلى أشْرَفِ ولَدِ إسْماعِيلَ حَتّى مَلَأ الأرْضَ ضِياءً ونُورًا، ومَلَأ أتْباعُهُ السَّهْلَ والجَبَلَ، ولا يَكْثُرُ عَلى الشَّعْبِ الَّذِي نَطَقَتِ التَّوْراةُ بِأنَّهم عادِمُو الرَّأْيِ والفَطانَةِ أنْ يَنْقَسِمُوا إلى جاهِلٍ بِذَلِكَ وجاحِدٍ مُكابِرٍ مُعانِدٍ.
وَلَفْظُ التَّوْراةِ فِيهِمْ: أنَّهُمُ الشَّعْبُ عادِمُ الرَّأْيِ، ولَيْسَ فِيهِمْ فَطانَةٌ.
وَيُقالُ لِهَؤُلاءِ المُكابِرِينَ: أيُّ نُبُوَّةٍ خَرَجَتْ مِنَ الشّامِ فاسْتَعْلَنَتِ اسْتِعْلانَ ضِياءِ الشَّمْسِ، وظَهَرَتْ فَوْقَ ظُهُورِ النُّبُوَّتَيْنِ قَبْلَها؟! وهَلْ هَذا إلّا بِمَنزِلَةِ مُكابَرَةِ مَن يَرى الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ مِنَ المَشْرِقِ فَيُغالِطُ ويُكابِرُ ويَقُولُ بَلْ طَلَعَتْ مِنَ المَغْرِبِ؟
قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الأوَّلِ: (إنَّ المَلَكَ ظَهَرَ لِهاجَرَ أُمِّ إسْماعِيلَ، فَقالَ: يا هاجَرُ، مِن أيْنَ أقْبَلْتِ؟ وإلى أيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمّا شَرَحَتْ لَهُ الحالَ، قالَ: ارْجِعِي فَإنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وزَرْعَكِ حَتّى لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وها أنْتِ تَحْبَلِينَ وتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إسْماعِيلَ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وخُضُوعَكِ، ووَلَدُكِ يَكُونُ وحْشِيَّ النّاسِ، وتَكُونُ يَدُهُ عَلى الكُلِّ، ويَدُ الكُلِّ مَبْسُوطَةٌ إلَيْهِ بِالخُضُوعِ).
وَهَذِهِ بِشارَةٌ تضمنت أنَّ يَدَ ابْنِها عَلى يَدِ كُلِّ الخَلائِقِ، وأنَّ كَلِمَتَهُ العُلْيا، وأنَّ يَدَ ابْنِها عالِيَةٌ، ويَدَ الخَلْقِ تَحْتَ يَدِهِ، فَمَن هَذا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ: إنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ إنِّي جاعِلٌ ابْنَكَ إسْماعِيلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ إذْ هو مِن زَرْعِكَ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بِمَن جُعِلَ مِن ولَدِهِ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، ولَيْسَ هو سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ.
التين 95:3
(فصل)
ومن ذلك إقسامه ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾
فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنها أكثر البقاع زيتونًا وتينًا.
وقد قال جماعة من المفسرين إنه سبحانه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لا عجم له، وهو على مقدار اللقمة وهو فاكهة وقوت وغذاء وأدم، ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل الأمزجة، وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل رطبًا ويابسًا وأما الزيتون ففيه من الآيات ما هو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده يخرج ثمرًا يعصر منه هذا الدهن الذي هو مادة النور وصبغ للآكلين وطيب ودواء وفيه من مصالح الخلق ما لا يخفى وشجره باق على ممر السنين المتطاولة وورقه لا يسقط وهذا الذي قالوه حق ولا ينافي أن يكون منبته مرادًا فإن منبت هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الإقسام قد تناول الشجرتين ومنبتهما وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه.
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى بموضع مظهر الكليم ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمه بنبوة محمد وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء
الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة محمد ﷺ وعليهما بعدهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم.
(فصل: في ذكر بعض بشارات التوراة برسول الله ﷺ)
قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وتَجَلّى مِن ساعِيرَ، وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، ومَعَهُ رَبْواتُ الأطْهارُ عَنْ يَمِينِهِ، وهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ: نُبُوَّةِ مُوسى، ونُبُوَّةِ عِيسى، ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَمَجِيئُهُ مِن سَيْناءَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ونَبَأهُ عَلَيْهِ إخْبارٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ.
وَتَجَلِّيهِ مِن ساعِيرَ هو مَظْهَرُ عِيسى المَسِيحِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وساعِيرُ: قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ هُناكَ إلى اليَوْمِ، وهَذِهِ بِشارَةٌ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ.
وَفارانُ: هي مَكَّةُ، وشَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى نُبُوَّةَ مُوسى بِمَجِيءِ الصُّبْحِ، وفَلْقِهِ، ونُبُوَّةَ المَسِيحِ بَعْدَها بِإشْراقِهِ وضِيائِهِ، ونُبُوَّةَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُما ﷺ بِاسْتِعْلانِ الشَّمْسِ وظُهُورِها وظُهُورِ ضَوْئِها في الآفاقِ، ووَقَعَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ بِهِ سَواءً، فَإنَّ اللَّهَ صَدَعَ بِنُبُوَّةِ مُوسى لَيْلَ الكُفْرِ فَأضاءَ فَجْرَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وزادَ الضِّياءُ والإشْراقُ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ، وكَمُلَ الضِّياءُ واسْتَعْلَنَ وطَبَقَ الأرْضَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَذِكْرُ هَذِهِ النُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ البِشارَةُ نَظِيرُ ذِكْرِها في أوَّلِ سُورَةِ التِّينِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ
فَذَكَرَ أمْكِنَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، والتِّينِ والزَّيْتُونِ: المُرادُ بِهِ مَنبَتُهُما وأرْضُهُما، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي هي مَظْهَرُ المَسِيحِ، وطُورِ سِينِينَ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى فَهو مَظْهَرُ نُبُوَّتُهُ، ووَهَذا البَلَدِ الأمِينِ: مَكَّةُ، حَرَمُ اللَّهِ وأمْنُهُ الَّتِي هي مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ نَظِيرُ تِلْكَ الثَّلاثَةِ سَواءٌ.
قالَتِ اليَهُودُ: فارانُ هي أرْضُ الشّامِ ولَيْسَتْ أرْضَ الحِجازِ، ولَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ مَن بَهْتِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ، وعِنْدَهم في التَّوْراةِ: أنَّ إسْماعِيلَ لَمّا فارَقَ أباهُ سَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، هَكَذا نَطَقَتِ التَّوْراةُ ولَفْظُها (وَأقامَ إسْماعِيلُ في بَرِّيَّةِ فارانَ وأنْكَحَتْهُ أُمُّهُ امْرَأةً مِن أرْضِ مِصْرَ).
وَلا يَشْكُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ أنَّ فارانَ مَسْكَنٌ لِآلِ إسْماعِيلَ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّوْراةُ نُبُوَّةً تَنْزِلُ بِأرْضِ فارانَ، وتَضَمَّنَتْ نُبُوَّةً تَنْزِلُ عَلى عَظِيمٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وتَضَمَّنَتِ انْتِشارَ أُمَّتِهِ وأتْباعِهِ حَتّى يَمْلَئُوا السَّهْلَ والجَبَلَ، كَما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا شُبْهَةٌ أصْلًا أنَّ هَذِهِ هي نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي نَزَلَتْ بِفارانَ عَلى أشْرَفِ ولَدِ إسْماعِيلَ حَتّى مَلَأ الأرْضَ ضِياءً ونُورًا، ومَلَأ أتْباعُهُ السَّهْلَ والجَبَلَ، ولا يَكْثُرُ عَلى الشَّعْبِ الَّذِي نَطَقَتِ التَّوْراةُ بِأنَّهم عادِمُو الرَّأْيِ والفَطانَةِ أنْ يَنْقَسِمُوا إلى جاهِلٍ بِذَلِكَ وجاحِدٍ مُكابِرٍ مُعانِدٍ.
وَلَفْظُ التَّوْراةِ فِيهِمْ: أنَّهُمُ الشَّعْبُ عادِمُ الرَّأْيِ، ولَيْسَ فِيهِمْ فَطانَةٌ.
وَيُقالُ لِهَؤُلاءِ المُكابِرِينَ: أيُّ نُبُوَّةٍ خَرَجَتْ مِنَ الشّامِ فاسْتَعْلَنَتِ اسْتِعْلانَ ضِياءِ الشَّمْسِ، وظَهَرَتْ فَوْقَ ظُهُورِ النُّبُوَّتَيْنِ قَبْلَها؟! وهَلْ هَذا إلّا بِمَنزِلَةِ مُكابَرَةِ مَن يَرى الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ مِنَ المَشْرِقِ فَيُغالِطُ ويُكابِرُ ويَقُولُ بَلْ طَلَعَتْ مِنَ المَغْرِبِ؟
قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الأوَّلِ: (إنَّ المَلَكَ ظَهَرَ لِهاجَرَ أُمِّ إسْماعِيلَ، فَقالَ: يا هاجَرُ، مِن أيْنَ أقْبَلْتِ؟ وإلى أيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمّا شَرَحَتْ لَهُ الحالَ، قالَ: ارْجِعِي فَإنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وزَرْعَكِ حَتّى لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وها أنْتِ تَحْبَلِينَ وتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إسْماعِيلَ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وخُضُوعَكِ، ووَلَدُكِ يَكُونُ وحْشِيَّ النّاسِ، وتَكُونُ يَدُهُ عَلى الكُلِّ، ويَدُ الكُلِّ مَبْسُوطَةٌ إلَيْهِ بِالخُضُوعِ).
وَهَذِهِ بِشارَةٌ تضمنت أنَّ يَدَ ابْنِها عَلى يَدِ كُلِّ الخَلائِقِ، وأنَّ كَلِمَتَهُ العُلْيا، وأنَّ يَدَ ابْنِها عالِيَةٌ، ويَدَ الخَلْقِ تَحْتَ يَدِهِ، فَمَن هَذا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ: إنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ إنِّي جاعِلٌ ابْنَكَ إسْماعِيلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ إذْ هو مِن زَرْعِكَ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بِمَن جُعِلَ مِن ولَدِهِ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، ولَيْسَ هو سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ.
التين 95:4
ولما كان الغالب على بني إسرائيل حكم الحس ذكر ذلك مطابقًا للواقع، ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها على بداية الإنسان ونهايته فقال ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنسان في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
أي في أحسن صورة وشكل واعتدال معتدل القامة مستوى الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم الآيات الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمه وصفات كماله ولهذا يكررها كثيرًا في القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته وعلى المبدأ والمعاد
وتضمن إقسامه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمه وحكمته عنايته بخلقه بأن أرسل منها رسلًا أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه عليهم وينذرونهم بالله ونقمته ويدعونهم إلى كرامته وثوابه
(موعظة)
يا من هو من أرْباب الخِبْرَة هَل عرفت قيمَة نَفسك إنَّما خلقت الأكوان كلها لَك
يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الألطاف كل الأشْياء شَجَرَة، وأنت الثَّمَرَة
وَصُورَة وأنت المَعْنى، وصدف وأنت الدّرّ، ومخيض وأنت الزّبد
منشور اختيارنا لَك واضح الخط ولَكِن استخراجك ضَعِيف
مَتى رمت طلبي فاطلبني عنْدك اطلبني مِنك تجدني قَرِيبا، ولا تطلبني من غَيْرك، فَأنا أقرب إلَيْك مِنهُ
لَو عرفت قدر نَفسك عندنا ما أهنتها بِالمَعاصِي، إنَّما أبعدنا إبْلِيس إذْ لم يسْجد لَك وأنت في صلب أبِيك فوا عجبا كَيفَ صالحته وتَرَكتنا؟!
التين 95:5
ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم المردودون إلى أسفل سافلين، والصحيح أنه النار قاله مجاهد والحسن وأبو العالية
قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه هي النار بعضها أسفل من بعض
وقالت طائفة منهم قتادة وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم أنه أرذل العمر
وهو مروى عن ابن عباس
والصواب القول الأول لوجوه:
أحدها أن أرذل العمر لا يسمى أسفل سافلين لا في لغة ولا عرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان الفجار كما أن عليين مكان الأبرار
الثاني أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدًا فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر
الثالث أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصًا بالكفار حتى يستثنى منهم المؤمنين.
الرابع أن الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال ﴿ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾
فجعلهم قسمين:
قسمًا متوفى قبل الكبر، وقسمًا مردودًا إلى أرذل العمر، ولم يسمه أسفل سافلين.
الخامس أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء، وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجرًا غير ممنون.
السادس أن قول من فسره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم، ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن أمر يعرف بالحس والمشاهدة، وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصير بها عن المعنى اللائق بها.
السابع أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده، فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم، ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون.
وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده، فما لأرذل العمر.
وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه.
الثامن أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنهم إن قالوا إن الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين كابروا الحس.
وإن قالوا إن من النوعين من يرد إلى أرذل العمر احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثناء فمنهم من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل أعمالهم إذا ردوا إلى أرذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة فهذا وإن كان حقًا فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لا من الأجر والعمل ولما علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلف خص بعضهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة القرآن خاصة فقالوا من قرأ القرآن لا يرد إلى أرذل العمر.
وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم، وأنه لا دليل على ما ادعوه.
وهذا لا يعلم بالحس ولا خبر يجب التسليم له يقتضيه. والله أعلم.
التاسع أنه سبحانه ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نعمته العاشر أن نظير هذه الآية قوله تعالى ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا والله أعلم.
وقوله (غير ممنون) أي غير مقطوع ولا منقوص ولا مكدر عليهم وهذا هو الصواب وقالت طائفة غير ممنون به عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء إن المنة تكدر النعمة فتمام النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعًا أتى أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منه المخلوق على المخلوق وأما منه الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها فإنها منة حقيقة قال تعالى ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾
فتكون منة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة
وقال لموسى ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾
وقال أهل الجنة ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾
وقال تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
وقال ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ الآية.
وفي الصحيح أن النبي قال للأنصار
"ألم اجدكم ضلالًا فهداكم الله بي ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي فجعلوا يقولون له الله ورسوله أمن"
فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل المنة كل المنة إلا لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت منه المخلوق لأنها منة بما ليس منه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه فتلك لا يجوز نفيها وكيف يجوز أن يقال إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة وهل هذا إلا من أبطل الباطل
فإن قيل هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ما ذكر وإنما مرادهم أنه لا يمن عليهم به وإن كانت لله فيه المنة عليهم فإنه لا يمن عليهم به بل يقال هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم قيل وهذا أيضًا هو الباطل بعينه فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنا له ولا معاوضة عنه وقد قال أعلم الخلق بالله
"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"
(صحيح)
فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى سائر عباده وكما أنه سبحانه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة عليها فهو المان بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لا حق لأحد عليه بحيث إذا وفاه إياه لم يكن له عليه منة فإن كان في الدنيا باطل فهذا ليس منه في شيء
فإن قيل كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه أن لا يعذبهم، وقد أخبر عن نفسه أن حقًا عليه
نصر المؤمنين؟
قيل لعمر الله هذا من أعظم منته على عباده أن جعل على نفسه حقا بحكم وعده لصادق أن يثيبهم ولا يعذبهم إذا عبدوه ووحدوه فهذا من تمام منته فإنه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته اقتضت أن أحق على نفسه ثواب عابديه وإجابة سائليه:
؎ما للعباد عليه حق واجب ∗∗∗ كلا ولا سعى لديه ضائع
؎إن عذبوا فبعد له أو نعموا ∗∗∗ فبفضله فهو الكريم الواسع
التين 95:6
ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم المردودون إلى أسفل سافلين، والصحيح أنه النار قاله مجاهد والحسن وأبو العالية
قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه هي النار بعضها أسفل من بعض
وقالت طائفة منهم قتادة وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم أنه أرذل العمر
وهو مروى عن ابن عباس
والصواب القول الأول لوجوه:
أحدها أن أرذل العمر لا يسمى أسفل سافلين لا في لغة ولا عرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان الفجار كما أن عليين مكان الأبرار
الثاني أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدًا فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر
الثالث أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصًا بالكفار حتى يستثنى منهم المؤمنين.
الرابع أن الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال ﴿ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾
فجعلهم قسمين:
قسمًا متوفى قبل الكبر، وقسمًا مردودًا إلى أرذل العمر، ولم يسمه أسفل سافلين.
الخامس أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء، وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجرًا غير ممنون.
السادس أن قول من فسره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم، ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن أمر يعرف بالحس والمشاهدة، وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصير بها عن المعنى اللائق بها.
السابع أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده، فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم، ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون.
وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده، فما لأرذل العمر.
وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه.
الثامن أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنهم إن قالوا إن الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين كابروا الحس.
وإن قالوا إن من النوعين من يرد إلى أرذل العمر احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثناء فمنهم من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل أعمالهم إذا ردوا إلى أرذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة فهذا وإن كان حقًا فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لا من الأجر والعمل ولما علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلف خص بعضهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة القرآن خاصة فقالوا من قرأ القرآن لا يرد إلى أرذل العمر.
وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم، وأنه لا دليل على ما ادعوه.
وهذا لا يعلم بالحس ولا خبر يجب التسليم له يقتضيه. والله أعلم.
التاسع أنه سبحانه ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نعمته العاشر أن نظير هذه الآية قوله تعالى ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا والله أعلم.
وقوله (غير ممنون) أي غير مقطوع ولا منقوص ولا مكدر عليهم وهذا هو الصواب وقالت طائفة غير ممنون به عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء إن المنة تكدر النعمة فتمام النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعًا أتى أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منه المخلوق على المخلوق وأما منه الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها فإنها منة حقيقة قال تعالى ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾
فتكون منة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة
وقال لموسى ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾
وقال أهل الجنة ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾
وقال تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
وقال ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ الآية.
وفي الصحيح أن النبي قال للأنصار
"ألم اجدكم ضلالًا فهداكم الله بي ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي فجعلوا يقولون له الله ورسوله أمن"
فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل المنة كل المنة إلا لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت منه المخلوق لأنها منة بما ليس منه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه فتلك لا يجوز نفيها وكيف يجوز أن يقال إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة وهل هذا إلا من أبطل الباطل
فإن قيل هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ما ذكر وإنما مرادهم أنه لا يمن عليهم به وإن كانت لله فيه المنة عليهم فإنه لا يمن عليهم به بل يقال هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم قيل وهذا أيضًا هو الباطل بعينه فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنا له ولا معاوضة عنه وقد قال أعلم الخلق بالله
"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"
(صحيح)
فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى سائر عباده وكما أنه سبحانه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة عليها فهو المان بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لا حق لأحد عليه بحيث إذا وفاه إياه لم يكن له عليه منة فإن كان في الدنيا باطل فهذا ليس منه في شيء
فإن قيل كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه أن لا يعذبهم، وقد أخبر عن نفسه أن حقًا عليه
نصر المؤمنين؟
قيل لعمر الله هذا من أعظم منته على عباده أن جعل على نفسه حقا بحكم وعده لصادق أن يثيبهم ولا يعذبهم إذا عبدوه ووحدوه فهذا من تمام منته فإنه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته اقتضت أن أحق على نفسه ثواب عابديه وإجابة سائليه:
؎ما للعباد عليه حق واجب ∗∗∗ كلا ولا سعى لديه ضائع
؎إن عذبوا فبعد له أو نعموا ∗∗∗ فبفضله فهو الكريم الواسع
التين 95:7
وقوله سبحانه ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾
أصح القولين أن هذا خطاب للإنسان أي فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان فتقول إنك لا تبعث ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقًا جديدًا وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك الأول وأيضًا فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة من ماء مهين كيف يليق به أن يتركك سدى لا يكمل ذلك بالأمر والنهي وبيان ما ينفعك ويضرك ولا تنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذه الدار طريقًا لك إليها فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور قلت لمجاهد ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ عنى به محمدًا فقال معاذ الله إثما عنى به الإنسان
وقال قتادة الضمير للنبي ﷺ واختاره الفراء وهذا موضع يحتاج إلى شرح وبيان
يقال كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقًا قال تعالى ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ وقال ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ فالأول بمعنى وإن ينسبوك إلى الكذب والثاني بمعنى لا يعتقدون أنك كاذب ولكنهم يعاندون ويدفعون الحق بعد معرفته جحودًا وعنادًا هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى الخبر بنفسه وإلى خبره بالباء ونفي فيقال كذبته بكذا وكذبته فيه والأول أكثر استعمالًا ومنه قوله ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ وقوله ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ إذا عرف هذا فقوله ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾
اختلف في (ما) هل هي بمعنى أي شيء يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين على قوله أن يكون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذبًا بالدين وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك جعل الخطاب للنبي قال الفراء كأنه يقول من يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه وقال قتادة فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا بالدين
وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين:
أحدهما إقامة ما مقام من وأمره سهل.
والثاني أن الجار والمجرور يستدعى متعلقًا وهو يكذبك أي فمن يكذبك بالدين فلا يخلوا إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذبًا بالدين أو مكذبا به ولا يصح واحدا منهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته مكذبًا أو مكذبًا وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد كاذبًا بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا يقال كذب كذا وإنما يقال كذب به
وجواب هذا الإشكال أن قوله كذب بكذا معناه كذب المخبر به ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر به فإذا قيل من يكذبك بكذا فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الإخبار به بل الأشكال في قول مجاهد والجمهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي فاعل التكذيب فكيف يقال له ما يكذبك أي يجعلك مكذبًا والمعروف كذبه إذا جعله كاذبا لا مكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لا مفسقا لغيره وجواب هذا الأشكال أن صدق وكذب بالتشديد يراد به معنيان أحدهما النسبة وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم والثاني الداعي والحامل على ذلك وهو يكون للفاعل قال الكسائي يقال ما صدقك بكذا أو ما كذبك بكذا أي ما حملك على التصديق والتكذيب
قلت وهو نظير ما أجرأك على هذا أي ما حملك على الاجتراء عليه وما قدمك وما أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق للعربية وبالله التوفيق
ثم ختم السورة بقوله ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ وهذا تقرير لمضمون السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه وجحد ما جاء به بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعد ما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم ونقله في أطوار التخليق حالًا بعد حال إلى أكمل الأحوال فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنها وأتم معناها. والله أعلم.
التين 95:8
وقوله سبحانه ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾
أصح القولين أن هذا خطاب للإنسان أي فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان فتقول إنك لا تبعث ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقًا جديدًا وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك الأول وأيضًا فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة من ماء مهين كيف يليق به أن يتركك سدى لا يكمل ذلك بالأمر والنهي وبيان ما ينفعك ويضرك ولا تنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذه الدار طريقًا لك إليها فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور قلت لمجاهد ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ عنى به محمدًا فقال معاذ الله إثما عنى به الإنسان
وقال قتادة الضمير للنبي ﷺ واختاره الفراء وهذا موضع يحتاج إلى شرح وبيان
يقال كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقًا قال تعالى ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ وقال ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ فالأول بمعنى وإن ينسبوك إلى الكذب والثاني بمعنى لا يعتقدون أنك كاذب ولكنهم يعاندون ويدفعون الحق بعد معرفته جحودًا وعنادًا هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى الخبر بنفسه وإلى خبره بالباء ونفي فيقال كذبته بكذا وكذبته فيه والأول أكثر استعمالًا ومنه قوله ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ وقوله ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ إذا عرف هذا فقوله ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾
اختلف في (ما) هل هي بمعنى أي شيء يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين على قوله أن يكون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذبًا بالدين وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك جعل الخطاب للنبي قال الفراء كأنه يقول من يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه وقال قتادة فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا بالدين
وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين:
أحدهما إقامة ما مقام من وأمره سهل.
والثاني أن الجار والمجرور يستدعى متعلقًا وهو يكذبك أي فمن يكذبك بالدين فلا يخلوا إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذبًا بالدين أو مكذبا به ولا يصح واحدا منهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته مكذبًا أو مكذبًا وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد كاذبًا بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا يقال كذب كذا وإنما يقال كذب به
وجواب هذا الإشكال أن قوله كذب بكذا معناه كذب المخبر به ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر به فإذا قيل من يكذبك بكذا فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الإخبار به بل الأشكال في قول مجاهد والجمهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي فاعل التكذيب فكيف يقال له ما يكذبك أي يجعلك مكذبًا والمعروف كذبه إذا جعله كاذبا لا مكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لا مفسقا لغيره وجواب هذا الأشكال أن صدق وكذب بالتشديد يراد به معنيان أحدهما النسبة وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم والثاني الداعي والحامل على ذلك وهو يكون للفاعل قال الكسائي يقال ما صدقك بكذا أو ما كذبك بكذا أي ما حملك على التصديق والتكذيب
قلت وهو نظير ما أجرأك على هذا أي ما حملك على الاجتراء عليه وما قدمك وما أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق للعربية وبالله التوفيق
ثم ختم السورة بقوله ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ وهذا تقرير لمضمون السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه وجحد ما جاء به بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعد ما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم ونقله في أطوار التخليق حالًا بعد حال إلى أكمل الأحوال فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنها وأتم معناها. والله أعلم.
العلق 96:1
(فصل)
اعلم أن أول سُورَة أنزلها الله في كِتابه (سُورَة القَلَم) فَذكر فِيها ما من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه ما لم يعلم فَذكر فِيها فَضله بتعليمه وتفضيله الإنْسان بِما علمه إياه وذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم والعلم فَقالَ تَعالى ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالقِراءَةِ الناشئة عَن العلم وذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقالَ ﴿الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم﴾
وَخص الإنسان من بَين المَخْلُوقات لما أودعه من عجائبه وآياته الدّالَّة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكَمال رَحمته وأنه لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ وذكر هُنا مبدا خلقه من علق لكَون العلقَة مبدأ الأطوار الَّتِي انْتَقَلت إليها النُّطْفَة فَهي مبدأ تعلق التخليق.
ثمَّ أعاد الأمر بِالقِراءَةِ مخبرا عَن نَفسه بِأنَّهُ الأكرم وهو الأفعل من الكَرم وهو كَثْرَة الخَيْر ولا أحد أولى بذلك مِنهُ سُبْحانَهُ فَإن الخَيْر كُله بيدَيْهِ، والخَيْر كُله مِنهُ، والنعَم كلها هو موليها، والكمال كُله، والمجد كُله لَهُ، فَهو الأكرم حَقًا.
ثمَّ ذكر تَعْلِيمه عُمُوما وخصوصا فَقالَ ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ فَهَذا يدْخل فِيهِ تَعْلِيم المَلائِكَة والنّاس.
ثمَّ ذكر تَعْلِيم الإنسان خُصُوصا فَقالَ ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على أنه معطي الموجودات كلها بِجَمِيعِ أقسامها، فإن الوُجُود لَهُ مَراتِب أربعة:
أحداها مرتبتها الخارجية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿خلق﴾
المرتبَة الثّانِيَة الذهنية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
المرتبَة الثّالِثَة والرّابِعَة اللفظية والخطية، فالخطية مُصَرح بها في قَوْله ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾
واللفظية من لَوازِم التَّعْلِيم بالقلم فَإن الكِتابَة فرع النُّطْق، والنطق فرع التَّصَوُّر.
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على مَراتِب الوُجُود كلها، وأنه سُبْحانَهُ هو معطيها بخلقه وتعليمه، فَهو الخالِق المعلم، وكل شَيْء في الخارِج فبخلقه وجد، وكل علم في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطّ في البنان فبإقداره وخلقه وتعليمه.
وَهَذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إلَه إلّا هو الرَّحْمَن الرَّحِيم.
والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ تعرف إلى عباده بِما علمهمْ إيّاه بِحِكْمَتِهِ من الخط واللَّفْظ والمعْنى، فَكانَ العلم أحد الأدلة الدّالَّة عَلَيْهِ بل من أعظمها وأظهرها، وكفى بِهَذا شرفا وفضلا لَهُ.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين البَيان النطقي والبَيان الخطي وقد اعْتد بهما سُبْحانَهُ في جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقالَ في أول سُورَة أنزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فَتَأمل كَيفَ جمع في هَذِه الكَلِمات مَراتِب الخلق كلها وكَيف تَضَمَّنت مَراتِب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه فَذكر أولا عُمُوم الخلق وهو إعطاء الوجود الخارِجِي.
ثمَّ ذكر ثانِيًا خُصُوص خلق الإنسان لأنه مَوضِع العبْرَة، والآية فِيهِ عَظِيمَة، ومن شُهُوده عَمّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وذكر مادَّة خلقه ها هُنا من العلقَة وفي سائِر المَواضِع يذكر ما هو سابق عَلَيْها إمّا مادَّة الأصل وهو التُّراب والطين أوْ الصلصال الَّذِي كالفخار أوْ مادَّة الفَرْع وهو الماء المهين.
وَذكر في هَذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقَة فَإنَّهُ كانَ قبلها نُطْفَة فَأول انتقالها إنَّما هو إلى العلقَة.
ثمَّ ذكر ثالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هو من أعظم نعمه على عباده إذْ بِهِ تخلد العُلُوم وتثبت الحُقُوق وتعلم الوَصايا وتحفظ الشَّهادات ويضبط حِساب المُعامَلات الواقِعَة بَين النّاس وبِه تقيد إخبار الماضين للباقين اللاحقين ولَوْلا الكِتابَة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مَذاهِب السّلف وكانَ مُعظم الخلَل الدّاخِل على النّاس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسْيان الَّذِي يمحو صور العلم من قُلُوبهم، فَجعل لَهُم الكتاب وعاء حافِظًا للْعلم من الضّياع كالأوعية الَّتِي تحفظ الأمتعة من الذّهاب والبطلان.
فنعمة الله عَز وجل بتعليم القَلَم بعد القُرْآن من أجل النعم والتعليم بِهِ، وإن كانَ مِمّا يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحِيلَة فَإنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله إليه عَطِيَّة وهبها الله مِنهُ، وفضل أعطاه الله إيّاه، وزِيادَة في خلقه وفضله.
فَهُوَ الَّذِي علمه الكِتابَة، وإن كانَ هو المتعلم فَفعله فعل مُطاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم، فَإن علمه فتعلم كَما أنه علمه الكَلام فَتكلم.
هَذا ومن أعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ، واللِّسان الَّذِي يترجم بِهِ، والبنان الَّذِي يخط بِهِ، ومن هيأ ذهنه لقبُول هَذا التَّعْلِيم دون سائِر الحَيَوانات، ومن الَّذِي أنطق لِسانه، وحرك بنانه، ومن الَّذِي دعم البنان بالكف، ودعم الكَفّ بالساعد، فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْها في التَّعَلُّم بالقلم.
فقف وقْفَة في حال الكِتابَة، وتَأمل حالك وقد أمسكت القَلَم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد من بَينهما أنواع الحكم وأصناف العُلُوم، وفنون المراسلات والخطب والنّظم والنثر، وجوابات المسائِل.
فَمن الَّذِي أجرى فلك المعانِي على قَلْبك، ورسمها في ذهنك، ثمَّ أجرى العبارات الدّالَّة عَلَيْها على لسانك، ثمَّ حرك بها بنانك حَتّى صارَت نقشا عجيبا مَعْناهُ أعجب من صورته، فتقضي بِهِ مآربك، وتبلغ بِهِ حاجَة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية والجهات المتباعدة، فَيقوم مقامك، ويترجم عَنْك، ويتَكَلَّم على لسانك، ويقوم مقام رَسُولك، ويجدي عَلَيْك ما لا يجدي من ترسله سوى من ﴿علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾
والتعليم بالقلم يتسلزم المَراتِب الثَّلاثَة مرتبَة الوُجُود الذهْنِي، والوجود اللَّفْظِيّ، والوجود الرسمي.
فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على أنه سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لهَذِهِ المَراتِب.
وَدلّ قَوْله ﴿خلق﴾ على أنه يعْطي الوُجُود العَيْنِيّ، فدلت هَذِه الآيات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على أن مَراتِب الوُجُود بأسرها مُسندَة إليه تَعالى خلقا وتعليما، وذكر خلقين وتعليمين خلقا عاما، وخلقا خاصّا، وتعليما خاصّا وتعليما عاما، وذكر من صِفاته هاهُنا اسْم (الأكرم) الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمال، فَلهُ كل كَمال وصفا، ومِنه كل خير فعلا، فَهو الأكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله، وهَذا الخلق والتعليم إنَّما نَشأ من كرمه وبره وإحسانه، لا من حاجَة دَعَتْهُ إلى ذَلِك وهو الغَنِيّ الحميد.
[فَصْلٌ: في مَبْعَثِهِ ﷺ وأوَّلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ]
بَعَثَهُ اللَّهُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ وهي سِنُّ الكَمالِ. قِيلَ: ولَها تُبْعَثُ الرُّسُلُ، وأمّا ما يُذْكَرُ عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ ولَهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً فَهَذا لا يُعْرَفُ لَهُ أثَرٌ مُتَّصِلٌ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ.
«وَأوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيا، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا
جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ».
قِيلَ: وكانَ ذَلِكَ سِتَّةَ أشْهُرٍ، ومُدَّةُ النُّبُوَّةِ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، فَهَذِهِ الرُّؤْيا جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالنُّبُوَّةِ، فَجاءَهُ المَلَكُ وهو بِغارِ حِراءٍ، وكانَ يُحِبُّ الخَلْوَةَ فِيهِ، فَأوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
هَذا قَوْلُ عائشة والجُمْهُورِ.
وَقالَ جابر: أوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾.
والصَّحِيحُ قَوْلُ عائشة لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ما أنا بِقارِئٍ، صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا.
الثّانِي: الأمْرُ بِالقِراءَةِ في التَّرْتِيبِ قَبْلَ الأمْرِ بِالإنْذارِ، فَإنَّهُ إذا قَرَأ في نَفْسِهِ أُنْذِرَ بِما قَرَأهُ، فَأمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإنْذارِ بِما قَرَأهُ ثانِيًا.
الثّالِثُ: أنَّ حَدِيثَ جابر، وقَوْلَهُ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
قَوْلُ جابر، وعائشة أخْبَرَتْ عَنْ خَبَرِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ حَدِيثَ جابر الَّذِي احْتَجَّ بِهِ صَرِيحٌ في أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المَلَكِ عَلَيْهِ أوَّلًا قَبْلَ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
فَإنَّهُ قالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ، فَرَجَعْتُ إلى أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
وَقَدْ أخْبَرَ أنَّ المَلَكَ الَّذِي جاءَهُ بِحِراءٍ أنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
فَدَلَّ حَدِيثُ جابر عَلى تَأخُّرِ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ والحُجَّةُ في رِوايَتِهِ لا في رَأْيِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فائدة)
وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾
وقوله: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِسانًا وشَفَتَيْنِ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾
وقوله: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾
وقوله: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآيات.
ثم قال: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾
فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني.
فهذا خلقه، وهذا هداه وتعليمه.
العلق 96:2
(فصل)
اعلم أن أول سُورَة أنزلها الله في كِتابه (سُورَة القَلَم) فَذكر فِيها ما من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه ما لم يعلم فَذكر فِيها فَضله بتعليمه وتفضيله الإنْسان بِما علمه إياه وذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم والعلم فَقالَ تَعالى ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالقِراءَةِ الناشئة عَن العلم وذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقالَ ﴿الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم﴾
وَخص الإنسان من بَين المَخْلُوقات لما أودعه من عجائبه وآياته الدّالَّة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكَمال رَحمته وأنه لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ وذكر هُنا مبدا خلقه من علق لكَون العلقَة مبدأ الأطوار الَّتِي انْتَقَلت إليها النُّطْفَة فَهي مبدأ تعلق التخليق.
ثمَّ أعاد الأمر بِالقِراءَةِ مخبرا عَن نَفسه بِأنَّهُ الأكرم وهو الأفعل من الكَرم وهو كَثْرَة الخَيْر ولا أحد أولى بذلك مِنهُ سُبْحانَهُ فَإن الخَيْر كُله بيدَيْهِ، والخَيْر كُله مِنهُ، والنعَم كلها هو موليها، والكمال كُله، والمجد كُله لَهُ، فَهو الأكرم حَقًا.
ثمَّ ذكر تَعْلِيمه عُمُوما وخصوصا فَقالَ ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ فَهَذا يدْخل فِيهِ تَعْلِيم المَلائِكَة والنّاس.
ثمَّ ذكر تَعْلِيم الإنسان خُصُوصا فَقالَ ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على أنه معطي الموجودات كلها بِجَمِيعِ أقسامها، فإن الوُجُود لَهُ مَراتِب أربعة:
أحداها مرتبتها الخارجية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿خلق﴾
المرتبَة الثّانِيَة الذهنية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
المرتبَة الثّالِثَة والرّابِعَة اللفظية والخطية، فالخطية مُصَرح بها في قَوْله ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾
واللفظية من لَوازِم التَّعْلِيم بالقلم فَإن الكِتابَة فرع النُّطْق، والنطق فرع التَّصَوُّر.
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على مَراتِب الوُجُود كلها، وأنه سُبْحانَهُ هو معطيها بخلقه وتعليمه، فَهو الخالِق المعلم، وكل شَيْء في الخارِج فبخلقه وجد، وكل علم في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطّ في البنان فبإقداره وخلقه وتعليمه.
وَهَذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إلَه إلّا هو الرَّحْمَن الرَّحِيم.
والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ تعرف إلى عباده بِما علمهمْ إيّاه بِحِكْمَتِهِ من الخط واللَّفْظ والمعْنى، فَكانَ العلم أحد الأدلة الدّالَّة عَلَيْهِ بل من أعظمها وأظهرها، وكفى بِهَذا شرفا وفضلا لَهُ.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين البَيان النطقي والبَيان الخطي وقد اعْتد بهما سُبْحانَهُ في جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقالَ في أول سُورَة أنزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فَتَأمل كَيفَ جمع في هَذِه الكَلِمات مَراتِب الخلق كلها وكَيف تَضَمَّنت مَراتِب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه فَذكر أولا عُمُوم الخلق وهو إعطاء الوجود الخارِجِي.
ثمَّ ذكر ثانِيًا خُصُوص خلق الإنسان لأنه مَوضِع العبْرَة، والآية فِيهِ عَظِيمَة، ومن شُهُوده عَمّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وذكر مادَّة خلقه ها هُنا من العلقَة وفي سائِر المَواضِع يذكر ما هو سابق عَلَيْها إمّا مادَّة الأصل وهو التُّراب والطين أوْ الصلصال الَّذِي كالفخار أوْ مادَّة الفَرْع وهو الماء المهين.
وَذكر في هَذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقَة فَإنَّهُ كانَ قبلها نُطْفَة فَأول انتقالها إنَّما هو إلى العلقَة.
ثمَّ ذكر ثالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هو من أعظم نعمه على عباده إذْ بِهِ تخلد العُلُوم وتثبت الحُقُوق وتعلم الوَصايا وتحفظ الشَّهادات ويضبط حِساب المُعامَلات الواقِعَة بَين النّاس وبِه تقيد إخبار الماضين للباقين اللاحقين ولَوْلا الكِتابَة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مَذاهِب السّلف وكانَ مُعظم الخلَل الدّاخِل على النّاس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسْيان الَّذِي يمحو صور العلم من قُلُوبهم، فَجعل لَهُم الكتاب وعاء حافِظًا للْعلم من الضّياع كالأوعية الَّتِي تحفظ الأمتعة من الذّهاب والبطلان.
فنعمة الله عَز وجل بتعليم القَلَم بعد القُرْآن من أجل النعم والتعليم بِهِ، وإن كانَ مِمّا يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحِيلَة فَإنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله إليه عَطِيَّة وهبها الله مِنهُ، وفضل أعطاه الله إيّاه، وزِيادَة في خلقه وفضله.
فَهُوَ الَّذِي علمه الكِتابَة، وإن كانَ هو المتعلم فَفعله فعل مُطاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم، فَإن علمه فتعلم كَما أنه علمه الكَلام فَتكلم.
هَذا ومن أعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ، واللِّسان الَّذِي يترجم بِهِ، والبنان الَّذِي يخط بِهِ، ومن هيأ ذهنه لقبُول هَذا التَّعْلِيم دون سائِر الحَيَوانات، ومن الَّذِي أنطق لِسانه، وحرك بنانه، ومن الَّذِي دعم البنان بالكف، ودعم الكَفّ بالساعد، فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْها في التَّعَلُّم بالقلم.
فقف وقْفَة في حال الكِتابَة، وتَأمل حالك وقد أمسكت القَلَم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد من بَينهما أنواع الحكم وأصناف العُلُوم، وفنون المراسلات والخطب والنّظم والنثر، وجوابات المسائِل.
فَمن الَّذِي أجرى فلك المعانِي على قَلْبك، ورسمها في ذهنك، ثمَّ أجرى العبارات الدّالَّة عَلَيْها على لسانك، ثمَّ حرك بها بنانك حَتّى صارَت نقشا عجيبا مَعْناهُ أعجب من صورته، فتقضي بِهِ مآربك، وتبلغ بِهِ حاجَة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية والجهات المتباعدة، فَيقوم مقامك، ويترجم عَنْك، ويتَكَلَّم على لسانك، ويقوم مقام رَسُولك، ويجدي عَلَيْك ما لا يجدي من ترسله سوى من ﴿علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾
والتعليم بالقلم يتسلزم المَراتِب الثَّلاثَة مرتبَة الوُجُود الذهْنِي، والوجود اللَّفْظِيّ، والوجود الرسمي.
فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على أنه سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لهَذِهِ المَراتِب.
وَدلّ قَوْله ﴿خلق﴾ على أنه يعْطي الوُجُود العَيْنِيّ، فدلت هَذِه الآيات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على أن مَراتِب الوُجُود بأسرها مُسندَة إليه تَعالى خلقا وتعليما، وذكر خلقين وتعليمين خلقا عاما، وخلقا خاصّا، وتعليما خاصّا وتعليما عاما، وذكر من صِفاته هاهُنا اسْم (الأكرم) الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمال، فَلهُ كل كَمال وصفا، ومِنه كل خير فعلا، فَهو الأكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله، وهَذا الخلق والتعليم إنَّما نَشأ من كرمه وبره وإحسانه، لا من حاجَة دَعَتْهُ إلى ذَلِك وهو الغَنِيّ الحميد.
[فَصْلٌ: في مَبْعَثِهِ ﷺ وأوَّلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ]
بَعَثَهُ اللَّهُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ وهي سِنُّ الكَمالِ. قِيلَ: ولَها تُبْعَثُ الرُّسُلُ، وأمّا ما يُذْكَرُ عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ ولَهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً فَهَذا لا يُعْرَفُ لَهُ أثَرٌ مُتَّصِلٌ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ.
«وَأوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيا، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا
جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ».
قِيلَ: وكانَ ذَلِكَ سِتَّةَ أشْهُرٍ، ومُدَّةُ النُّبُوَّةِ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، فَهَذِهِ الرُّؤْيا جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالنُّبُوَّةِ، فَجاءَهُ المَلَكُ وهو بِغارِ حِراءٍ، وكانَ يُحِبُّ الخَلْوَةَ فِيهِ، فَأوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
هَذا قَوْلُ عائشة والجُمْهُورِ.
وَقالَ جابر: أوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾.
والصَّحِيحُ قَوْلُ عائشة لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ما أنا بِقارِئٍ، صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا.
الثّانِي: الأمْرُ بِالقِراءَةِ في التَّرْتِيبِ قَبْلَ الأمْرِ بِالإنْذارِ، فَإنَّهُ إذا قَرَأ في نَفْسِهِ أُنْذِرَ بِما قَرَأهُ، فَأمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإنْذارِ بِما قَرَأهُ ثانِيًا.
الثّالِثُ: أنَّ حَدِيثَ جابر، وقَوْلَهُ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
قَوْلُ جابر، وعائشة أخْبَرَتْ عَنْ خَبَرِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ حَدِيثَ جابر الَّذِي احْتَجَّ بِهِ صَرِيحٌ في أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المَلَكِ عَلَيْهِ أوَّلًا قَبْلَ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
فَإنَّهُ قالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ، فَرَجَعْتُ إلى أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
وَقَدْ أخْبَرَ أنَّ المَلَكَ الَّذِي جاءَهُ بِحِراءٍ أنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
فَدَلَّ حَدِيثُ جابر عَلى تَأخُّرِ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ والحُجَّةُ في رِوايَتِهِ لا في رَأْيِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فائدة)
وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾
وقوله: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِسانًا وشَفَتَيْنِ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾
وقوله: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾
وقوله: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآيات.
ثم قال: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾
فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني.
فهذا خلقه، وهذا هداه وتعليمه.
العلق 96:3
(فصل)
اعلم أن أول سُورَة أنزلها الله في كِتابه (سُورَة القَلَم) فَذكر فِيها ما من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه ما لم يعلم فَذكر فِيها فَضله بتعليمه وتفضيله الإنْسان بِما علمه إياه وذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم والعلم فَقالَ تَعالى ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالقِراءَةِ الناشئة عَن العلم وذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقالَ ﴿الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم﴾
وَخص الإنسان من بَين المَخْلُوقات لما أودعه من عجائبه وآياته الدّالَّة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكَمال رَحمته وأنه لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ وذكر هُنا مبدا خلقه من علق لكَون العلقَة مبدأ الأطوار الَّتِي انْتَقَلت إليها النُّطْفَة فَهي مبدأ تعلق التخليق.
ثمَّ أعاد الأمر بِالقِراءَةِ مخبرا عَن نَفسه بِأنَّهُ الأكرم وهو الأفعل من الكَرم وهو كَثْرَة الخَيْر ولا أحد أولى بذلك مِنهُ سُبْحانَهُ فَإن الخَيْر كُله بيدَيْهِ، والخَيْر كُله مِنهُ، والنعَم كلها هو موليها، والكمال كُله، والمجد كُله لَهُ، فَهو الأكرم حَقًا.
ثمَّ ذكر تَعْلِيمه عُمُوما وخصوصا فَقالَ ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ فَهَذا يدْخل فِيهِ تَعْلِيم المَلائِكَة والنّاس.
ثمَّ ذكر تَعْلِيم الإنسان خُصُوصا فَقالَ ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على أنه معطي الموجودات كلها بِجَمِيعِ أقسامها، فإن الوُجُود لَهُ مَراتِب أربعة:
أحداها مرتبتها الخارجية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿خلق﴾
المرتبَة الثّانِيَة الذهنية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
المرتبَة الثّالِثَة والرّابِعَة اللفظية والخطية، فالخطية مُصَرح بها في قَوْله ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾
واللفظية من لَوازِم التَّعْلِيم بالقلم فَإن الكِتابَة فرع النُّطْق، والنطق فرع التَّصَوُّر.
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على مَراتِب الوُجُود كلها، وأنه سُبْحانَهُ هو معطيها بخلقه وتعليمه، فَهو الخالِق المعلم، وكل شَيْء في الخارِج فبخلقه وجد، وكل علم في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطّ في البنان فبإقداره وخلقه وتعليمه.
وَهَذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إلَه إلّا هو الرَّحْمَن الرَّحِيم.
والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ تعرف إلى عباده بِما علمهمْ إيّاه بِحِكْمَتِهِ من الخط واللَّفْظ والمعْنى، فَكانَ العلم أحد الأدلة الدّالَّة عَلَيْهِ بل من أعظمها وأظهرها، وكفى بِهَذا شرفا وفضلا لَهُ.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين البَيان النطقي والبَيان الخطي وقد اعْتد بهما سُبْحانَهُ في جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقالَ في أول سُورَة أنزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فَتَأمل كَيفَ جمع في هَذِه الكَلِمات مَراتِب الخلق كلها وكَيف تَضَمَّنت مَراتِب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه فَذكر أولا عُمُوم الخلق وهو إعطاء الوجود الخارِجِي.
ثمَّ ذكر ثانِيًا خُصُوص خلق الإنسان لأنه مَوضِع العبْرَة، والآية فِيهِ عَظِيمَة، ومن شُهُوده عَمّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وذكر مادَّة خلقه ها هُنا من العلقَة وفي سائِر المَواضِع يذكر ما هو سابق عَلَيْها إمّا مادَّة الأصل وهو التُّراب والطين أوْ الصلصال الَّذِي كالفخار أوْ مادَّة الفَرْع وهو الماء المهين.
وَذكر في هَذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقَة فَإنَّهُ كانَ قبلها نُطْفَة فَأول انتقالها إنَّما هو إلى العلقَة.
ثمَّ ذكر ثالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هو من أعظم نعمه على عباده إذْ بِهِ تخلد العُلُوم وتثبت الحُقُوق وتعلم الوَصايا وتحفظ الشَّهادات ويضبط حِساب المُعامَلات الواقِعَة بَين النّاس وبِه تقيد إخبار الماضين للباقين اللاحقين ولَوْلا الكِتابَة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مَذاهِب السّلف وكانَ مُعظم الخلَل الدّاخِل على النّاس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسْيان الَّذِي يمحو صور العلم من قُلُوبهم، فَجعل لَهُم الكتاب وعاء حافِظًا للْعلم من الضّياع كالأوعية الَّتِي تحفظ الأمتعة من الذّهاب والبطلان.
فنعمة الله عَز وجل بتعليم القَلَم بعد القُرْآن من أجل النعم والتعليم بِهِ، وإن كانَ مِمّا يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحِيلَة فَإنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله إليه عَطِيَّة وهبها الله مِنهُ، وفضل أعطاه الله إيّاه، وزِيادَة في خلقه وفضله.
فَهُوَ الَّذِي علمه الكِتابَة، وإن كانَ هو المتعلم فَفعله فعل مُطاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم، فَإن علمه فتعلم كَما أنه علمه الكَلام فَتكلم.
هَذا ومن أعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ، واللِّسان الَّذِي يترجم بِهِ، والبنان الَّذِي يخط بِهِ، ومن هيأ ذهنه لقبُول هَذا التَّعْلِيم دون سائِر الحَيَوانات، ومن الَّذِي أنطق لِسانه، وحرك بنانه، ومن الَّذِي دعم البنان بالكف، ودعم الكَفّ بالساعد، فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْها في التَّعَلُّم بالقلم.
فقف وقْفَة في حال الكِتابَة، وتَأمل حالك وقد أمسكت القَلَم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد من بَينهما أنواع الحكم وأصناف العُلُوم، وفنون المراسلات والخطب والنّظم والنثر، وجوابات المسائِل.
فَمن الَّذِي أجرى فلك المعانِي على قَلْبك، ورسمها في ذهنك، ثمَّ أجرى العبارات الدّالَّة عَلَيْها على لسانك، ثمَّ حرك بها بنانك حَتّى صارَت نقشا عجيبا مَعْناهُ أعجب من صورته، فتقضي بِهِ مآربك، وتبلغ بِهِ حاجَة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية والجهات المتباعدة، فَيقوم مقامك، ويترجم عَنْك، ويتَكَلَّم على لسانك، ويقوم مقام رَسُولك، ويجدي عَلَيْك ما لا يجدي من ترسله سوى من ﴿علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾
والتعليم بالقلم يتسلزم المَراتِب الثَّلاثَة مرتبَة الوُجُود الذهْنِي، والوجود اللَّفْظِيّ، والوجود الرسمي.
فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على أنه سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لهَذِهِ المَراتِب.
وَدلّ قَوْله ﴿خلق﴾ على أنه يعْطي الوُجُود العَيْنِيّ، فدلت هَذِه الآيات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على أن مَراتِب الوُجُود بأسرها مُسندَة إليه تَعالى خلقا وتعليما، وذكر خلقين وتعليمين خلقا عاما، وخلقا خاصّا، وتعليما خاصّا وتعليما عاما، وذكر من صِفاته هاهُنا اسْم (الأكرم) الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمال، فَلهُ كل كَمال وصفا، ومِنه كل خير فعلا، فَهو الأكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله، وهَذا الخلق والتعليم إنَّما نَشأ من كرمه وبره وإحسانه، لا من حاجَة دَعَتْهُ إلى ذَلِك وهو الغَنِيّ الحميد.
[فَصْلٌ: في مَبْعَثِهِ ﷺ وأوَّلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ]
بَعَثَهُ اللَّهُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ وهي سِنُّ الكَمالِ. قِيلَ: ولَها تُبْعَثُ الرُّسُلُ، وأمّا ما يُذْكَرُ عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ ولَهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً فَهَذا لا يُعْرَفُ لَهُ أثَرٌ مُتَّصِلٌ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ.
«وَأوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيا، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا
جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ».
قِيلَ: وكانَ ذَلِكَ سِتَّةَ أشْهُرٍ، ومُدَّةُ النُّبُوَّةِ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، فَهَذِهِ الرُّؤْيا جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالنُّبُوَّةِ، فَجاءَهُ المَلَكُ وهو بِغارِ حِراءٍ، وكانَ يُحِبُّ الخَلْوَةَ فِيهِ، فَأوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
هَذا قَوْلُ عائشة والجُمْهُورِ.
وَقالَ جابر: أوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾.
والصَّحِيحُ قَوْلُ عائشة لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ما أنا بِقارِئٍ، صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا.
الثّانِي: الأمْرُ بِالقِراءَةِ في التَّرْتِيبِ قَبْلَ الأمْرِ بِالإنْذارِ، فَإنَّهُ إذا قَرَأ في نَفْسِهِ أُنْذِرَ بِما قَرَأهُ، فَأمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإنْذارِ بِما قَرَأهُ ثانِيًا.
الثّالِثُ: أنَّ حَدِيثَ جابر، وقَوْلَهُ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
قَوْلُ جابر، وعائشة أخْبَرَتْ عَنْ خَبَرِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ حَدِيثَ جابر الَّذِي احْتَجَّ بِهِ صَرِيحٌ في أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المَلَكِ عَلَيْهِ أوَّلًا قَبْلَ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
فَإنَّهُ قالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ، فَرَجَعْتُ إلى أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
وَقَدْ أخْبَرَ أنَّ المَلَكَ الَّذِي جاءَهُ بِحِراءٍ أنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
فَدَلَّ حَدِيثُ جابر عَلى تَأخُّرِ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ والحُجَّةُ في رِوايَتِهِ لا في رَأْيِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فائدة)
وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾
وقوله: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِسانًا وشَفَتَيْنِ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾
وقوله: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾
وقوله: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآيات.
ثم قال: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾
فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني.
فهذا خلقه، وهذا هداه وتعليمه.
العلق 96:4
(فصل)
اعلم أن أول سُورَة أنزلها الله في كِتابه (سُورَة القَلَم) فَذكر فِيها ما من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه ما لم يعلم فَذكر فِيها فَضله بتعليمه وتفضيله الإنْسان بِما علمه إياه وذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم والعلم فَقالَ تَعالى ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالقِراءَةِ الناشئة عَن العلم وذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقالَ ﴿الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم﴾
وَخص الإنسان من بَين المَخْلُوقات لما أودعه من عجائبه وآياته الدّالَّة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكَمال رَحمته وأنه لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ وذكر هُنا مبدا خلقه من علق لكَون العلقَة مبدأ الأطوار الَّتِي انْتَقَلت إليها النُّطْفَة فَهي مبدأ تعلق التخليق.
ثمَّ أعاد الأمر بِالقِراءَةِ مخبرا عَن نَفسه بِأنَّهُ الأكرم وهو الأفعل من الكَرم وهو كَثْرَة الخَيْر ولا أحد أولى بذلك مِنهُ سُبْحانَهُ فَإن الخَيْر كُله بيدَيْهِ، والخَيْر كُله مِنهُ، والنعَم كلها هو موليها، والكمال كُله، والمجد كُله لَهُ، فَهو الأكرم حَقًا.
ثمَّ ذكر تَعْلِيمه عُمُوما وخصوصا فَقالَ ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ فَهَذا يدْخل فِيهِ تَعْلِيم المَلائِكَة والنّاس.
ثمَّ ذكر تَعْلِيم الإنسان خُصُوصا فَقالَ ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على أنه معطي الموجودات كلها بِجَمِيعِ أقسامها، فإن الوُجُود لَهُ مَراتِب أربعة:
أحداها مرتبتها الخارجية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿خلق﴾
المرتبَة الثّانِيَة الذهنية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
المرتبَة الثّالِثَة والرّابِعَة اللفظية والخطية، فالخطية مُصَرح بها في قَوْله ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾
واللفظية من لَوازِم التَّعْلِيم بالقلم فَإن الكِتابَة فرع النُّطْق، والنطق فرع التَّصَوُّر.
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على مَراتِب الوُجُود كلها، وأنه سُبْحانَهُ هو معطيها بخلقه وتعليمه، فَهو الخالِق المعلم، وكل شَيْء في الخارِج فبخلقه وجد، وكل علم في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطّ في البنان فبإقداره وخلقه وتعليمه.
وَهَذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إلَه إلّا هو الرَّحْمَن الرَّحِيم.
والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ تعرف إلى عباده بِما علمهمْ إيّاه بِحِكْمَتِهِ من الخط واللَّفْظ والمعْنى، فَكانَ العلم أحد الأدلة الدّالَّة عَلَيْهِ بل من أعظمها وأظهرها، وكفى بِهَذا شرفا وفضلا لَهُ.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين البَيان النطقي والبَيان الخطي وقد اعْتد بهما سُبْحانَهُ في جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقالَ في أول سُورَة أنزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فَتَأمل كَيفَ جمع في هَذِه الكَلِمات مَراتِب الخلق كلها وكَيف تَضَمَّنت مَراتِب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه فَذكر أولا عُمُوم الخلق وهو إعطاء الوجود الخارِجِي.
ثمَّ ذكر ثانِيًا خُصُوص خلق الإنسان لأنه مَوضِع العبْرَة، والآية فِيهِ عَظِيمَة، ومن شُهُوده عَمّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وذكر مادَّة خلقه ها هُنا من العلقَة وفي سائِر المَواضِع يذكر ما هو سابق عَلَيْها إمّا مادَّة الأصل وهو التُّراب والطين أوْ الصلصال الَّذِي كالفخار أوْ مادَّة الفَرْع وهو الماء المهين.
وَذكر في هَذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقَة فَإنَّهُ كانَ قبلها نُطْفَة فَأول انتقالها إنَّما هو إلى العلقَة.
ثمَّ ذكر ثالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هو من أعظم نعمه على عباده إذْ بِهِ تخلد العُلُوم وتثبت الحُقُوق وتعلم الوَصايا وتحفظ الشَّهادات ويضبط حِساب المُعامَلات الواقِعَة بَين النّاس وبِه تقيد إخبار الماضين للباقين اللاحقين ولَوْلا الكِتابَة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مَذاهِب السّلف وكانَ مُعظم الخلَل الدّاخِل على النّاس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسْيان الَّذِي يمحو صور العلم من قُلُوبهم، فَجعل لَهُم الكتاب وعاء حافِظًا للْعلم من الضّياع كالأوعية الَّتِي تحفظ الأمتعة من الذّهاب والبطلان.
فنعمة الله عَز وجل بتعليم القَلَم بعد القُرْآن من أجل النعم والتعليم بِهِ، وإن كانَ مِمّا يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحِيلَة فَإنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله إليه عَطِيَّة وهبها الله مِنهُ، وفضل أعطاه الله إيّاه، وزِيادَة في خلقه وفضله.
فَهُوَ الَّذِي علمه الكِتابَة، وإن كانَ هو المتعلم فَفعله فعل مُطاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم، فَإن علمه فتعلم كَما أنه علمه الكَلام فَتكلم.
هَذا ومن أعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ، واللِّسان الَّذِي يترجم بِهِ، والبنان الَّذِي يخط بِهِ، ومن هيأ ذهنه لقبُول هَذا التَّعْلِيم دون سائِر الحَيَوانات، ومن الَّذِي أنطق لِسانه، وحرك بنانه، ومن الَّذِي دعم البنان بالكف، ودعم الكَفّ بالساعد، فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْها في التَّعَلُّم بالقلم.
فقف وقْفَة في حال الكِتابَة، وتَأمل حالك وقد أمسكت القَلَم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد من بَينهما أنواع الحكم وأصناف العُلُوم، وفنون المراسلات والخطب والنّظم والنثر، وجوابات المسائِل.
فَمن الَّذِي أجرى فلك المعانِي على قَلْبك، ورسمها في ذهنك، ثمَّ أجرى العبارات الدّالَّة عَلَيْها على لسانك، ثمَّ حرك بها بنانك حَتّى صارَت نقشا عجيبا مَعْناهُ أعجب من صورته، فتقضي بِهِ مآربك، وتبلغ بِهِ حاجَة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية والجهات المتباعدة، فَيقوم مقامك، ويترجم عَنْك، ويتَكَلَّم على لسانك، ويقوم مقام رَسُولك، ويجدي عَلَيْك ما لا يجدي من ترسله سوى من ﴿علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾
والتعليم بالقلم يتسلزم المَراتِب الثَّلاثَة مرتبَة الوُجُود الذهْنِي، والوجود اللَّفْظِيّ، والوجود الرسمي.
فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على أنه سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لهَذِهِ المَراتِب.
وَدلّ قَوْله ﴿خلق﴾ على أنه يعْطي الوُجُود العَيْنِيّ، فدلت هَذِه الآيات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على أن مَراتِب الوُجُود بأسرها مُسندَة إليه تَعالى خلقا وتعليما، وذكر خلقين وتعليمين خلقا عاما، وخلقا خاصّا، وتعليما خاصّا وتعليما عاما، وذكر من صِفاته هاهُنا اسْم (الأكرم) الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمال، فَلهُ كل كَمال وصفا، ومِنه كل خير فعلا، فَهو الأكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله، وهَذا الخلق والتعليم إنَّما نَشأ من كرمه وبره وإحسانه، لا من حاجَة دَعَتْهُ إلى ذَلِك وهو الغَنِيّ الحميد.
[فَصْلٌ: في مَبْعَثِهِ ﷺ وأوَّلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ]
بَعَثَهُ اللَّهُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ وهي سِنُّ الكَمالِ. قِيلَ: ولَها تُبْعَثُ الرُّسُلُ، وأمّا ما يُذْكَرُ عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ ولَهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً فَهَذا لا يُعْرَفُ لَهُ أثَرٌ مُتَّصِلٌ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ.
«وَأوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيا، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا
جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ».
قِيلَ: وكانَ ذَلِكَ سِتَّةَ أشْهُرٍ، ومُدَّةُ النُّبُوَّةِ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، فَهَذِهِ الرُّؤْيا جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالنُّبُوَّةِ، فَجاءَهُ المَلَكُ وهو بِغارِ حِراءٍ، وكانَ يُحِبُّ الخَلْوَةَ فِيهِ، فَأوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
هَذا قَوْلُ عائشة والجُمْهُورِ.
وَقالَ جابر: أوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾.
والصَّحِيحُ قَوْلُ عائشة لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ما أنا بِقارِئٍ، صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا.
الثّانِي: الأمْرُ بِالقِراءَةِ في التَّرْتِيبِ قَبْلَ الأمْرِ بِالإنْذارِ، فَإنَّهُ إذا قَرَأ في نَفْسِهِ أُنْذِرَ بِما قَرَأهُ، فَأمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإنْذارِ بِما قَرَأهُ ثانِيًا.
الثّالِثُ: أنَّ حَدِيثَ جابر، وقَوْلَهُ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
قَوْلُ جابر، وعائشة أخْبَرَتْ عَنْ خَبَرِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ حَدِيثَ جابر الَّذِي احْتَجَّ بِهِ صَرِيحٌ في أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المَلَكِ عَلَيْهِ أوَّلًا قَبْلَ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
فَإنَّهُ قالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ، فَرَجَعْتُ إلى أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
وَقَدْ أخْبَرَ أنَّ المَلَكَ الَّذِي جاءَهُ بِحِراءٍ أنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
فَدَلَّ حَدِيثُ جابر عَلى تَأخُّرِ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ والحُجَّةُ في رِوايَتِهِ لا في رَأْيِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فائدة)
وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾
وقوله: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِسانًا وشَفَتَيْنِ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾
وقوله: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾
وقوله: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآيات.
ثم قال: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾
فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني.
فهذا خلقه، وهذا هداه وتعليمه.
العلق 96:5
(فصل)
اعلم أن أول سُورَة أنزلها الله في كِتابه (سُورَة القَلَم) فَذكر فِيها ما من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه ما لم يعلم فَذكر فِيها فَضله بتعليمه وتفضيله الإنْسان بِما علمه إياه وذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم والعلم فَقالَ تَعالى ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالقِراءَةِ الناشئة عَن العلم وذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقالَ ﴿الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم﴾
وَخص الإنسان من بَين المَخْلُوقات لما أودعه من عجائبه وآياته الدّالَّة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكَمال رَحمته وأنه لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ وذكر هُنا مبدا خلقه من علق لكَون العلقَة مبدأ الأطوار الَّتِي انْتَقَلت إليها النُّطْفَة فَهي مبدأ تعلق التخليق.
ثمَّ أعاد الأمر بِالقِراءَةِ مخبرا عَن نَفسه بِأنَّهُ الأكرم وهو الأفعل من الكَرم وهو كَثْرَة الخَيْر ولا أحد أولى بذلك مِنهُ سُبْحانَهُ فَإن الخَيْر كُله بيدَيْهِ، والخَيْر كُله مِنهُ، والنعَم كلها هو موليها، والكمال كُله، والمجد كُله لَهُ، فَهو الأكرم حَقًا.
ثمَّ ذكر تَعْلِيمه عُمُوما وخصوصا فَقالَ ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ فَهَذا يدْخل فِيهِ تَعْلِيم المَلائِكَة والنّاس.
ثمَّ ذكر تَعْلِيم الإنسان خُصُوصا فَقالَ ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على أنه معطي الموجودات كلها بِجَمِيعِ أقسامها، فإن الوُجُود لَهُ مَراتِب أربعة:
أحداها مرتبتها الخارجية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿خلق﴾
المرتبَة الثّانِيَة الذهنية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
المرتبَة الثّالِثَة والرّابِعَة اللفظية والخطية، فالخطية مُصَرح بها في قَوْله ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾
واللفظية من لَوازِم التَّعْلِيم بالقلم فَإن الكِتابَة فرع النُّطْق، والنطق فرع التَّصَوُّر.
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على مَراتِب الوُجُود كلها، وأنه سُبْحانَهُ هو معطيها بخلقه وتعليمه، فَهو الخالِق المعلم، وكل شَيْء في الخارِج فبخلقه وجد، وكل علم في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطّ في البنان فبإقداره وخلقه وتعليمه.
وَهَذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إلَه إلّا هو الرَّحْمَن الرَّحِيم.
والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ تعرف إلى عباده بِما علمهمْ إيّاه بِحِكْمَتِهِ من الخط واللَّفْظ والمعْنى، فَكانَ العلم أحد الأدلة الدّالَّة عَلَيْهِ بل من أعظمها وأظهرها، وكفى بِهَذا شرفا وفضلا لَهُ.
(تَنْبِيه)
ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين البَيان النطقي والبَيان الخطي وقد اعْتد بهما سُبْحانَهُ في جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقالَ في أول سُورَة أنزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فَتَأمل كَيفَ جمع في هَذِه الكَلِمات مَراتِب الخلق كلها وكَيف تَضَمَّنت مَراتِب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه فَذكر أولا عُمُوم الخلق وهو إعطاء الوجود الخارِجِي.
ثمَّ ذكر ثانِيًا خُصُوص خلق الإنسان لأنه مَوضِع العبْرَة، والآية فِيهِ عَظِيمَة، ومن شُهُوده عَمّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وذكر مادَّة خلقه ها هُنا من العلقَة وفي سائِر المَواضِع يذكر ما هو سابق عَلَيْها إمّا مادَّة الأصل وهو التُّراب والطين أوْ الصلصال الَّذِي كالفخار أوْ مادَّة الفَرْع وهو الماء المهين.
وَذكر في هَذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقَة فَإنَّهُ كانَ قبلها نُطْفَة فَأول انتقالها إنَّما هو إلى العلقَة.
ثمَّ ذكر ثالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هو من أعظم نعمه على عباده إذْ بِهِ تخلد العُلُوم وتثبت الحُقُوق وتعلم الوَصايا وتحفظ الشَّهادات ويضبط حِساب المُعامَلات الواقِعَة بَين النّاس وبِه تقيد إخبار الماضين للباقين اللاحقين ولَوْلا الكِتابَة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مَذاهِب السّلف وكانَ مُعظم الخلَل الدّاخِل على النّاس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسْيان الَّذِي يمحو صور العلم من قُلُوبهم، فَجعل لَهُم الكتاب وعاء حافِظًا للْعلم من الضّياع كالأوعية الَّتِي تحفظ الأمتعة من الذّهاب والبطلان.
فنعمة الله عَز وجل بتعليم القَلَم بعد القُرْآن من أجل النعم والتعليم بِهِ، وإن كانَ مِمّا يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحِيلَة فَإنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله إليه عَطِيَّة وهبها الله مِنهُ، وفضل أعطاه الله إيّاه، وزِيادَة في خلقه وفضله.
فَهُوَ الَّذِي علمه الكِتابَة، وإن كانَ هو المتعلم فَفعله فعل مُطاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم، فَإن علمه فتعلم كَما أنه علمه الكَلام فَتكلم.
هَذا ومن أعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ، واللِّسان الَّذِي يترجم بِهِ، والبنان الَّذِي يخط بِهِ، ومن هيأ ذهنه لقبُول هَذا التَّعْلِيم دون سائِر الحَيَوانات، ومن الَّذِي أنطق لِسانه، وحرك بنانه، ومن الَّذِي دعم البنان بالكف، ودعم الكَفّ بالساعد، فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْها في التَّعَلُّم بالقلم.
فقف وقْفَة في حال الكِتابَة، وتَأمل حالك وقد أمسكت القَلَم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد من بَينهما أنواع الحكم وأصناف العُلُوم، وفنون المراسلات والخطب والنّظم والنثر، وجوابات المسائِل.
فَمن الَّذِي أجرى فلك المعانِي على قَلْبك، ورسمها في ذهنك، ثمَّ أجرى العبارات الدّالَّة عَلَيْها على لسانك، ثمَّ حرك بها بنانك حَتّى صارَت نقشا عجيبا مَعْناهُ أعجب من صورته، فتقضي بِهِ مآربك، وتبلغ بِهِ حاجَة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية والجهات المتباعدة، فَيقوم مقامك، ويترجم عَنْك، ويتَكَلَّم على لسانك، ويقوم مقام رَسُولك، ويجدي عَلَيْك ما لا يجدي من ترسله سوى من ﴿علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾
والتعليم بالقلم يتسلزم المَراتِب الثَّلاثَة مرتبَة الوُجُود الذهْنِي، والوجود اللَّفْظِيّ، والوجود الرسمي.
فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على أنه سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لهَذِهِ المَراتِب.
وَدلّ قَوْله ﴿خلق﴾ على أنه يعْطي الوُجُود العَيْنِيّ، فدلت هَذِه الآيات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على أن مَراتِب الوُجُود بأسرها مُسندَة إليه تَعالى خلقا وتعليما، وذكر خلقين وتعليمين خلقا عاما، وخلقا خاصّا، وتعليما خاصّا وتعليما عاما، وذكر من صِفاته هاهُنا اسْم (الأكرم) الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمال، فَلهُ كل كَمال وصفا، ومِنه كل خير فعلا، فَهو الأكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله، وهَذا الخلق والتعليم إنَّما نَشأ من كرمه وبره وإحسانه، لا من حاجَة دَعَتْهُ إلى ذَلِك وهو الغَنِيّ الحميد.
[فَصْلٌ: في مَبْعَثِهِ ﷺ وأوَّلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ]
بَعَثَهُ اللَّهُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ وهي سِنُّ الكَمالِ. قِيلَ: ولَها تُبْعَثُ الرُّسُلُ، وأمّا ما يُذْكَرُ عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ ولَهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً فَهَذا لا يُعْرَفُ لَهُ أثَرٌ مُتَّصِلٌ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ.
«وَأوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيا، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا
جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ».
قِيلَ: وكانَ ذَلِكَ سِتَّةَ أشْهُرٍ، ومُدَّةُ النُّبُوَّةِ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، فَهَذِهِ الرُّؤْيا جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالنُّبُوَّةِ، فَجاءَهُ المَلَكُ وهو بِغارِ حِراءٍ، وكانَ يُحِبُّ الخَلْوَةَ فِيهِ، فَأوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
هَذا قَوْلُ عائشة والجُمْهُورِ.
وَقالَ جابر: أوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾.
والصَّحِيحُ قَوْلُ عائشة لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ما أنا بِقارِئٍ، صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا.
الثّانِي: الأمْرُ بِالقِراءَةِ في التَّرْتِيبِ قَبْلَ الأمْرِ بِالإنْذارِ، فَإنَّهُ إذا قَرَأ في نَفْسِهِ أُنْذِرَ بِما قَرَأهُ، فَأمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإنْذارِ بِما قَرَأهُ ثانِيًا.
الثّالِثُ: أنَّ حَدِيثَ جابر، وقَوْلَهُ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
قَوْلُ جابر، وعائشة أخْبَرَتْ عَنْ خَبَرِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ حَدِيثَ جابر الَّذِي احْتَجَّ بِهِ صَرِيحٌ في أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المَلَكِ عَلَيْهِ أوَّلًا قَبْلَ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
فَإنَّهُ قالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ، فَرَجَعْتُ إلى أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾
وَقَدْ أخْبَرَ أنَّ المَلَكَ الَّذِي جاءَهُ بِحِراءٍ أنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
فَدَلَّ حَدِيثُ جابر عَلى تَأخُّرِ نُزُولِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ والحُجَّةُ في رِوايَتِهِ لا في رَأْيِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فائدة)
وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ﴾
وقوله: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِسانًا وشَفَتَيْنِ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾
وقوله: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾
وقوله: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآيات.
ثم قال: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾
فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني.
فهذا خلقه، وهذا هداه وتعليمه.
العلق 96:6
قال تعالى: ﴿كَلاّ إنّ الإنسانَ لَيَطْغىَ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾
ولم يقل: إن استغنى، بل جعل الطغيان ناشئًا عن رؤية غنى نفسه، ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل بل قال: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنىَ وكَذّبَ بِالحُسْنىَ فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرىَ﴾ [الليل: ٨-١٠]
وهذا - والله أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه، وذكر في سورة الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى، وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره من طاعته، فعل المملوك الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين، ولا يجد بدًا من امتثال أوامره، ولذلك ذكر معه بخله وهو تركه إعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال وأداءِ المال، وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى وهي التي وعد بها أهل الإحسان بقوله: ﴿لّلّذِينَ أحْسَنُواْ الحُسْنىَ وزِيادَةٌ﴾.
العلق 96:7
قال تعالى: ﴿كَلاّ إنّ الإنسانَ لَيَطْغىَ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾
ولم يقل: إن استغنى، بل جعل الطغيان ناشئًا عن رؤية غنى نفسه، ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل بل قال: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنىَ وكَذّبَ بِالحُسْنىَ فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرىَ﴾ [الليل: ٨-١٠]
وهذا - والله أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه، وذكر في سورة الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى، وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره من طاعته، فعل المملوك الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين، ولا يجد بدًا من امتثال أوامره، ولذلك ذكر معه بخله وهو تركه إعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال وأداءِ المال، وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى وهي التي وعد بها أهل الإحسان بقوله: ﴿لّلّذِينَ أحْسَنُواْ الحُسْنىَ وزِيادَةٌ﴾.
العلق 96:8
قال تعالى: ﴿كَلاّ إنّ الإنسانَ لَيَطْغىَ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾
ولم يقل: إن استغنى، بل جعل الطغيان ناشئًا عن رؤية غنى نفسه، ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل بل قال: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنىَ وكَذّبَ بِالحُسْنىَ فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرىَ﴾ [الليل: ٨-١٠]
وهذا - والله أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه، وذكر في سورة الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى، وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره من طاعته، فعل المملوك الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين، ولا يجد بدًا من امتثال أوامره، ولذلك ذكر معه بخله وهو تركه إعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال وأداءِ المال، وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى وهي التي وعد بها أهل الإحسان بقوله: ﴿لّلّذِينَ أحْسَنُواْ الحُسْنىَ وزِيادَةٌ﴾.
العلق 96:14
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الحَياءِ]
[الحَياءُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الحَياءِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾
وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
وَقالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ - وهو يَعِظُ أخاهُ في الحَياءِ - فَقالَ: دَعْهُ. فَإنَّ الحَياءَ مِنَ الإيمانِ».
وَفِيهِما عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
«الحَياءُ لا يَأْتِي إلّا بِخَيْرٍ».
وَفِيهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. أنَّهُ قالَ:
«الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً - أوْ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً - فَأفْضَلُها: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ. والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ».
وَفِيهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
«كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ حَياءً مِنَ العَذْراءِ في خِدْرِها. فَإذا رَأى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْناهُ في وجْهِهِ».
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ».
وَفِي هَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أمْرُ تَهْدِيدٍ. ومَعْناهُ الخَبَرُ، أيْ مَن لَمْ يَسْتَحِ صَنَعَ ما شاءَ.
والثّانِي: أنَّهُ أمْرُ إباحَةٍ. أيِ انْظُرْ إلى الفِعْلِ الَّذِي تُرِيدُ أنْ تَفْعَلَهُ. فَإنْ كانَ مِمّا لا يُسْتَحْيا مَنهُ فافْعَلْهُ.
والأوَّلُ أصَحُّ. وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا
«اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَياءِ. قالُوا: إنّا نَسْتَحِي يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: لَيْسَ ذَلِكُمْ، ولَكِنَّ مَنِ اسْتَحْيا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَياءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وما وعى. ولْيَحْفَظِ البَطْنَ وما حَوى. ولْيَذْكُرِ المَوْتَ والبِلى. ومَن أرادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيا. فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَياءِ».
[فَصْلٌ: تَعْرِيفُ الحَياءِ]
والحَياءُ مِنَ الحَياةِ. ومِنهُ الحَيا لِلْمَطَرِ، لَكِنَّهُ مَقْصُورٌ، وعَلى حَسَبِ حَياةِ القَلْبِ يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ خُلُقِ الحَياءِ. وقِلَّةُ الحَياءِ مِن مَوْتِ القَلْبِ والرُّوحِ.
فَكُلَّما كانَ القَلْبُ أحْيى كانَ الحَياءُ أتَمَّ.
قالَ الجُنَيْدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: الحَياءُ رُؤْيَةُ الآلاءِ. ورُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُما حالَةٌ تُسَمّى الحَياءُ.
وَحَقِيقَتُهُ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلى تَرْكِ القَبائِحِ. ويَمْنَعُ مِنَ التَّفْرِيطِ في حَقِّ صاحِبِ الحَقِّ.
وَمِن كَلامِ بَعْضِ الحُكَماءِ: أحْيُوا الحَياءَ بِمُجالَسَةِ مَن يُسْتَحْيا مِنهُ. وعِمارَةُ القَلْبِ: بِالهَيْبَةِ والحَياءِ. فَإذا ذَهَبا مِنَ القَلْبِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَيْرٌ.
وَقالَ ذُو النُّونِ: الحَياءُ وُجُودُ الهَيْبَةِ في القَلْبِ مَعَ وحْشَةِ ما سَبَقَ مِنكَ إلى رَبِّكَ، والحُبُّ يُنْطِقُ والحَياءُ يُسْكِتُ. والخَوْفُ يُقْلِقُ.
وَقالَ السَّرِيُّ: إنَّ الحَياءَ والأُنْسَ يَطْرُقانِ القَلْبَ. فَإنْ وجَدُوا فِيهِ الزُّهْدَ والوَرَعَ وإلّا رَحَلا.
وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ، «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ابْنَ آدَمَ. إنَّكَ ما اسْتَحْيَيْتَ مِنِّي أنْسَيْتُ النّاسَ عُيُوبَكَ. وأنْسَيْتُ بِقاعَ الأرْضِ ذُنُوبَكَ. ومَحَوْتُ مِن أُمِّ الكِتابِ زَلّاتِكَ. وإلّا ناقَشْتُكَ الحِسابَ يَوْمَ القِيامَةِ».
وَفِي أثَرٍ آخَرَ: «أوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عِظْ نَفْسَكَ. فَإنِ اتَّعَظَتْ، وإلّا فاسْتَحِي مِنِّي أنْ تَعِظَ النّاسَ».
وَقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: خَمْسٌ مِن عَلاماتِ الشِّقْوَةِ: القَسْوَةُ في القَلْبِ. وجُمُودُ العَيْنِ. وقِلَّةُ الحَياءِ. والرَّغْبَةُ في الدُّنْيا. وطُولُ الأمَلِ.
وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ: «ما أنْصَفَنِي عَبْدِي. يَدْعُونِي فَأسْتَحْيِي أنْ أرُدَّهُ. ويَعْصِينِي ولا يَسْتَحْيِي مِنِّي».
وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: مَنِ اسْتَحْيا مِنَ اللَّهِ مُطِيعًا اسْتَحْيا اللَّهُ مِنهُ وهو مُذْنِبٌ.
وَهَذا الكَلامُ يَحْتاجُ إلى شَرْحٍ.
وَمَعْناهُ: أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ خُلُقُ الحَياءِ مِنَ اللَّهِ حَتّى في حالِ طاعَتِهِ. فَقَلْبُهُ مُطْرَقٌ بَيْنَ يَدَيْهِ إطْراقَ مُسْتَحٍ خَجِلٍ: فَإنَّهُ إذا واقَعَ ذَنْبًا اسْتَحْيا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن نَظَرِهِ إلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ. فَيَسْتَحْيِي أنْ يَرى مِن ولِيِّهِ ومَن يُكْرَمُ عَلَيْهِ: ما يَشِينُهُ عِنْدَهُ. وفي الشّاهِدِ شاهِدٌ بِذَلِكَ. فَإنَّ الرَّجُلَ إذا اطَّلَعَ عَلى أخَصِّ النّاسِ بِهِ، وأحَبِّهِمْ إلَيْهِ، وأقْرَبِهِمْ مِنهُ - مِن صاحِبٍ، أوْ ولَدٍ، أوْ مَن يُحِبُّهُ - وهو يَخُونُهُ. فَإنَّهُ يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ حَياءٌ عَجِيبٌ. حَتّى كَأنَّهُ هو الجانِي. وهَذا غايَةُ الكَرَمِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ هَذا الحَياءِ أنَّهُ يُمَثِّلُ نَفْسَهُ في حالِ طاعَتِهِ كَأنَّهُ يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. فَيَسْتَحْيِي مِنهُ في تِلْكَ الحالِ. ولِهَذا شُرِعَ الِاسْتِغْفارُ عُقَيْبَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، والقُرَبُ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِها العَبْدُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَقِيلَ: إنَّهُ يُمَثِّلُ نَفْسَهُ خائِنًا، فَيَلْحَقُهُ الحَياءُ. كَما إذا شاهَدَ رَجُلًا مَضْرُوبًا وهو صَدِيقٌ لَهُ، أوْ مَن قَدْ أُحْصِرَ عَلى المِنبَرِ عَنِ الكَلامِ، فَإنَّهُ يَخْجَلُ أيْضًا. تَمْثِيلًا لِنَفْسِهِ بِتِلْكَ الحالِ.
وَهَذا قَدْ يَقَعُ. ولَكِنَّ حَياءَ مَنِ اطَّلَعَ عَلى مَحْبُوبِهِ وهو يَخُونُهُ لَيْسَ مِن هَذا. فَإنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ هو فارِغُ البالِ مِنهُ، لَمْ يَلْحَقْهُ هَذا الحَياءُ ولا قَرِيبٌ مِنهُ. وإنَّما يَلْحَقُهُ مَقْتُهُ وسُقُوطُهُ مِن عَيْنِهِ. وإنَّما سَبَبُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - شِدَّةُ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ ونَفْسِهِ بِهِ. فَيُنْزِلُ الوَهْمُ فِعْلَهُ بِمَنزِلَةِ فِعْلِهِ هو. ولا سِيَّما إنْ قُدِّرَ حُصُولُ المُكاشَفَةِ بَيْنَهُما. فَإنَّ عِنْدَ حُصُولِها يَهِيجُ خُلُقُ الحَياءِ مِنهُ تَكَرُّمًا. فَعِنْدَ تَقْدِيرِها يَنْبَعِثُ ذَلِكَ الحَياءُ. هَذا في حَقِّ الشّاهِدِ.
وَأمّا حَياءُ الرَّبِّ تَعالى مِن عَبْدِهِ: فَذاكَ نَوْعٌ آخَرُ. لا تُدْرِكُهُ الأفْهامُ. ولا تَكَيَّفُهُ العُقُولُ. فَإنَّهُ حَياءُ كَرَمٍ وبِرٍّ وُجُودٍ وجَلالٍ. فَإنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِن عَبْدِهِ إذا رَفَعَ إلَيْهِ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا. ويَسْتَحْيِي أنْ يُعَذِّبَ ذا شَيْبَةٍ شابَتْ في الإسْلامِ.
وَكانَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ يَقُولُ: سُبْحانَ مَن يُذْنِبُ عَبْدُهُ ويَسْتَحْيِي هو. وفي أثَرٍ: «مَنِ اسْتَحْيا مِنَ اللَّهِ اسْتَحْيا اللَّهُ مِنهُ».
[أقْسامُ الحَياءِ]
وَقَدْ قَسَّمَ الحَياءَ عَلى عَشَرَةِ أوْجُهٍ: حَياءُ جِنايَةٍ. وحَياءُ تَقْصِيرٍ. وحَياءُ إجْلالٍ. وحَياءُ كَرَمٍ. وحَياءُ حِشْمَةٍ. وحَياءُ اسْتِصْغارٍ لِلنَّفْسِ واحْتِقارٍ لَها. وحَياءُ مَحَبَّةٍ. وحَياءُ عُبُودِيَّةٍ. وحَياءُ شَرَفٍ وعِزَّةٍ. وحَياءُ المُسْتَحْيِي مِن نَفْسِهِ.
فَأمّا حَياءُ الجِنايَةِ: فَمِنهُ حَياءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَّ هارِبًا في الجَنَّةِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: «أفِرارًا مِنِّي يا آدَمُ؟ قالَ: لا يا رَبِّ. بَلْ حَياءً مِنكَ».
وَحَياءُ التَّقْصِيرِ: كَحَياءِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالُوا: سُبْحانَكَ! ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ.
وَحَياءُ الإجْلالِ: هو حَياءُ المَعْرِفَةِ. وعَلى حَسَبِ مَعْرِفَةِ العَبْدِ بِرَبِّهِ يَكُونُ حَياؤُهُ مِنهُ.
وَحَياءُ الكَرَمِ: كَحَياءِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ دَعاهم إلى ولِيمَةِ زَيْنَبَ، وطَوَّلُوا الجُلُوسَ عِنْدَهُ. فَقامَ واسْتَحْيا أنْ يَقُولَ لَهُمُ: انْصَرِفُوا.
وَحَياءُ الحِشْمَةِ: كَحَياءِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَذْيِ لِمَكانِ ابْنَتِهِ مِنهُ.
وَحَياءُ الِاسْتِحْقارِ واسْتِصْغارِ النَّفْسِ: كَحَياءِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ حِينَ يَسْألُهُ حَوائِجَهُ، احْتِقارًا لِشَأْنِ نَفْسِهِ، واسْتِصْغارًا لَها. وفي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ: «إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ، إنَّهُ لَتُعْرَضُ لِيَ الحاجَةُ مِنَ الدُّنْيا. فَأسْتَحْيِي أنْ أسْألَكَ هي يا رَبِّ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: سَلْنِي حَتّى مِلْحَ عَجِينَتِكَ. وعَلَفَ شاتِكَ».
وَقَدْ يَكُونُ لِهَذا النَّوْعِ سَبَبانِ.
أحَدُهُما: اسْتِحْقارُ السّائِلِ نَفْسَهُ. واسْتِعْظامُ ذُنُوبِهِ وخَطاياهُ.
الثّانِي: اسْتِعْظامُ مَسْئُولِهِ.
وَأمّا حَياءُ المَحَبَّةِ: فَهو حَياءُ المُحِبِّ مِن مَحْبُوبِهِ، حَتّى إنَّهُ إذا خَطَرَ عَلى قَلْبِهِ في غَيْبَتِهِ هاجَ الحَياءُ مِن قَلْبِهِ، وأحَسَّ بِهِ في وجْهِهِ. ولا يَدْرِي ما سَبَبُهُ. وكَذَلِكَ يَعْرِضُ لِلْمُحِبِّ عِنْدَ مُلاقاتِهِ مَحْبُوبِهِ ومُفاجَأتِهِ لَهُ رَوْعَةٌ شَدِيدَةٌ. ومِنهُ قَوْلُهُمْ: جَمالٌ رائِعٌ. وسَبَبُ هَذا الحَياءِ والرَّوْعَةِ مِمّا لا يَعْرِفُهُ أكْثَرُ النّاسِ. ولا رَيْبَ أنَّ لِلْمَحَبَّةِ سُلْطانًا قاهِرًا لِلْقَلْبِ أعْظَمَ مِن سُلْطانِ مَن يَقْهَرُ البَدَنَ. فَأيْنَ مَن يَقْهَرُ قَلْبَكَ ورُوحَكَ إلى مَن يَقْهَرُ بَدَنَكَ؟ ولِذَلِكَ تَعَجَّبَتِ المُلُوكُ والجَبابِرَةُ مِن قَهْرِهِمْ لِلْخَلْقِ وقَهْرِ المَحْبُوبِ لَهُمْ، وذُلِّهِمْ لَهُ. فَإذا فاجَأ المَحْبُوبُ مُحِبَّهُ. ورَآهُ بَغْتَةً: أحَسَّ القَلْبُ بِهُجُومِ سُلْطانِهِ عَلَيْهِ. فاعْتَراهُ رَوْعَةٌ وخَوْفٌ.
وَسَألْنا يَوْمًا شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ؟ فَذَكَرْتُ أنا هَذا الجَوابَ. فَتَبَسَّمَ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَأمّا الحَياءُ الَّذِي يَعْتَرِيهِ مِنهُ، وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِ - كَأمَتِهِ وزَوْجَتِهِ - فَسَبَبُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ هَذا السُّلْطانَ لَمّا زالَ خَوْفُهُ عَنِ القَلْبِ بَقِيَتْ هَيْبَتُهُ واحْتِشامُهُ. فَتَوَلَّدَ مِنها الحَياءُ. وأمّا حُصُولُ ذَلِكَ لَهُ في غَيْبَةِ المَحْبُوبِ: فَظاهِرٌ. لِاسْتِيلائِهِ عَلى قَلْبِهِ. فَوَهْمُهُ يُغالِطُهُ عَلَيْهِ ويُكابِرُهُ، حَتّى كَأنَّهُ مَعَهُ.
وَأمّا حَياءُ العُبُودِيَّةِ: فَهو حَياءٌ مُمْتَزِجٌ مِن مَحَبَّةٍ وخَوْفٍ، ومُشاهَدَةِ عَدَمِ صَلاحِ عُبُودِيَّتِهِ لِمَعْبُودِهِ، وأنَّ قَدْرَهُ أعْلى وأجَلُّ مِنها. فَعُبُودِيَّتُهُ لَهُ تُوجِبُ اسْتِحْياءَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ.
وَأمّا حَياءُ الشَّرَفِ والعِزَّةِ: فَحَياءُ النَّفْسِ العَظِيمَةِ الكَبِيرَةِ إذا صَدَرَ مِنها ما هو دُونَ قَدْرِها مِن بَذْلٍ أوْ عَطاءٍ وإحْسانٍ. فَإنَّهُ يَسْتَحْيِي مَعَ بَذْلِهِ حَياءَ شَرَفِ نَفْسٍ وعِزَّةٍ. وهَذا لَهُ سَبَبانِ.
أحَدُهُما هَذا. والثّانِي: اسْتِحْياؤُهُ مِنَ الآخِذِ، حَتّى كَأنَّهُ هو الآخِذُ السّائِلُ. حَتّى إنَّ بَعْضَ أهْلِ الكَرَمِ لا تُطاوِعُهُ نَفْسُهُ بِمُواجَهَتِهِ لِمَن يُعْطِيهِ حَياءً مِنهُ. وهَذا يَدْخُلُ في حَياءِ التَّلَوُّمِ. لِأنَّهُ يَسْتَحْيِي مِن خَجْلَةِ الآخِذِ.
وَأمّا حَياءُ المَرْءِ مِن نَفْسِهِ: فَهو حَياءُ النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ العَزِيزَةِ الرَّفِيعَةِ مِن رِضاها لِنَفْسِها بِالنَّقْصِ، وقَناعَتِها بِالدُّونِ. فَيَجِدُ نَفْسَهُ مُسْتَحِيًا مِن نَفْسِهِ، حَتّى كَأنَّ لَهُ نَفْسَيْنِ، يَسْتَحْيِي بِإحْداهُما مِنَ الأُخْرى.
وَهَذا أكْمَلُ ما يَكُونُ مِنَ الحَياءِ فَإنَّ العَبْدَ إذا اسْتَحْيى مِن نَفْسِهِ. فَهو بِأنْ يَسْتَحْيِيَ مِن غَيْرِهِ أجْدَرُ.
[فَصْلٌ: الحَياءُ أوَّلُ مَدارِجِ أهْلِ الخُصُوصِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الحَياءُ: مِن أوَّلِ مَدارِجِ أهْلِ الخُصُوصِ. يَتَوَلَّدُ مِن تَعْظِيمٍ مَنُوطٍ بِوُدٍّ.
إنَّما جَعَلَ الحَياءَ مِن أوَّلِ مَدارِجِ أهْلِ الخُصُوصِ: لِما فِيهِ مِن مُلاحَظَةِ حُضُورِ مَن يَسْتَحْيِي مِنهُ. وأوَّلُ سُلُوكِ أهْلِ الخُصُوصِ: أنْ يَرَوُا الحَقَّ سُبْحانَهُ حاضِرًا مَعَهُمْ، وعَلَيْهِ بِناءُ سُلُوكِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِن تَعْظِيمٍ مَنُوطٍ بِوُدٍّ.
يَعْنِي: أنَّ الحَياءَ حالَةٌ حاصِلَةٌ مِنِ امْتِزاجِ التَّعْظِيمِ بِالمَوَدَّةِ. فَإذا اقْتَرَنا تَوَلَّدَ بَيْنَهُما الحَياءُ.
والجُنَيْدُ يَقُولُ: إنَّ تَوَلُّدَهُ مِن مُشاهَدَةِ النِّعَمِ. ورُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ.
وَمِنهم مَن يَقُولُ: تُوَلُّدُهُ مِن شُعُورِ القَلْبِ بِما يَسْتَحْيِي مِنهُ. فَيَتَوَلَّدُ مِن هَذا الشُّعُورِ والنُّفْرَةِ حالَةٌ تُسَمّى الحَياءَ.
وَلا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ. فَإنَّ لِلْحَياءِ عِدَّةَ أسْبابٍ. قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها فَكَلٌّ أشارَ إلى بَعْضِها. واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ دَرَجاتُ الحَياءِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى حَياءٌ يَتَوَلَّدُ مِن عِلْمِ العَبْدِ بِنَظَرِ الحَقِّ إلَيْهِ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: حَياءٌ يَتَوَلَّدُ مِن عِلْمِ العَبْدِ بِنَظَرِ الحَقِّ إلَيْهِ. فَيَجْذِبُهُ إلى تَحَمُّلِ هَذِهِ المُجاهَدَةِ. ويَحْمِلُهُ عَلى اسْتِقْباحِ الجِنايَةِ. ويُسْكِتُهُ عَنِ الشَّكْوى.
يَعْنِي: أنَّ العَبْدَ مَتى عَلِمَ أنَّ الرَّبَّ تَعالى ناظِرٌ إلَيْهِ أوْرَثَهُ هَذا العِلْمُ حَياءً مِنهُ. يَجْذِبُهُ إلى احْتِمالِ أعْباءِ الطّاعَةِ، مِثْلَ العَبْدِ إذا عَمِلَ الشُّغْلَ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ نَشِيطًا فِيهِ، مُحْتَمِلًا لِأعْبائِهِ. ولا سِيَّما مَعَ الإحْسانِ مِن سَيِّدِهِ إلَيْهِ، ومَحَبَّتِهِ لِسَيِّدِهِ.
بِخِلافِ ما إذا كانَ غائِبًا عَنْ سَيِّدِهِ.
والرَّبُّ تَعالى لا يَغِيبُ نَظَرُهُ عَنْ عَبْدِهِ. ولَكِنْ يَغِيبُ نَظَرُ القَلْبِ والتِفاتُهُ إلى نَظَرِهِ سُبْحانَهُ إلى العَبِيدِ.
فَإنَّ القَلْبَ إذا غابَ نَظَرُهُ، وقَلَّ التِفاتُهُ إلى نَظَرِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى إلَيْهِ: تَوَلَّدَ مِن ذَلِكَ قِلَّةُ الحَياءِ والقِحَةُ.
وَكَذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلى اسْتِقْباحِ جِنايَتِهِ. وهَذا الِاسْتِقْباحُ الحاصِلُ بِالحَياءِ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى اسْتِقْباحِ مُلاحَظَةِ الوَعِيدِ. وهو فَوْقَهُ.
وَأرْفَعُ مِنهُ دَرَجَةً: الِاسْتِقْباحُ الحاصِلُ عَنِ المَحَبَّةِ. فاسْتِقْباحُ المُحِبِّ أتَمُّ مِنِ اسْتِقْباحِ الخائِفِ.
وَلِذَلِكَ فَإنَّ هَذا الحَياءَ يَكُفُّ العَبْدَ أنْ يَشْتَكِيَ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَيَكُونَ قَدْ شَكا اللَّهَ إلى خَلْقِهِ. ولا يَمْنَعُ الشَّكْوى إلَيْهِ سُبْحانَهُ. فَإنَّ الشَّكْوى إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقْرٌ، وذِلَّةٌ، وفاقَةٌ، وعُبُودِيَّةٌ. فالحَياءُ مِنهُ في مِثْلِ ذَلِكَ لا يُنافِيها.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ حَياءٌ يَتَوَلَّدُ مِنَ النَّظَرِ في عِلْمِ القُرْبِ]
فَصْلٌ
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: حَياءٌ يَتَوَلَّدُ مِنَ النَّظَرِ في عِلْمِ القُرْبِ. فَيَدْعُوهُ إلى رُكُوبِ المَحَبَّةِ. ويَرْبُطُهُ بِرُوحِ الأُنْسِ. ويُكَرِّهُ إلَيْهِ مُلابَسَةَ الخَلْقِ.
النَّظَرُ في عِلْمِ القُرْبِ: تَحَقُّقُ القَلْبِ بِالمَعِيَّةِ الخاصَّةِ مَعَ اللَّهِ. فَإنَّ المَعِيَّةَ نَوْعانِ: عامَّةٌ. وهِيَ: مَعِيَّةُ العِلْمِ والإحاطَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧].
وَخاصَّةٌ: وهي مَعِيَّةُ القُرْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فَهَذِهِ مَعِيَّةُ قُرْبٍ. تَتَضَمَّنُ المُوالاةَ، والنَّصْرَ، والحِفْظَ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُصاحَبَةٌ مِنهُ لِلْعَبْدِ. لَكِنَّ هَذِهِ مُصاحَبَةُ اطِّلاعٍ وإحاطَةٍ. وهَذِهِ مُصاحَبَةُ مُوالاةٍ ونَصْرٍ وإعانَةٍ. فَ " مَعَ " في لُغَةِ العَرَبِ تُفِيدُ الصُّحْبَةَ اللّائِقَةَ، لا تُشْعِرُ بِامْتِزاجٍ ولا اخْتِلاطٍ، ولا مُجاوَرَةٍ، ولا مُجانَبَةٍ. فَمَن ظَنَّ مِنها شَيْئًا مِن هَذا فَمِن سُوءِ فَهْمِهِ أُتِيَ.
وَأمّا القُرْبُ: فَلا يَقَعُ القُرْآنُ إلّا خاصًّا. وهو نَوْعانِ: قُرْبُهُ مِن داعِيهِ بِالإجابَةِ. وقُرْبُهُ مِن عابِدِهِ بِالإثابَةِ.
فالأوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وَلِهَذا نَزَلَتْ جَوابًا لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وقَدْ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: رَبُّنا قَرِيبٌ فَنُناجِيَهُ؟ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيَهُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
والثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. وأقْرَبُ ما يَكُونُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ في جَوْفِ اللَّيْلِ».
فَهَذا قُرْبُهُ مِن أهْلِ طاعَتِهِ.
وَفِي الصَّحِيحِ: عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ. فارْتَفَعَتْ أصْواتُنا بِالتَّكْبِيرِ. فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم. إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا. إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ. أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ».
فَهَذا قُرْبٌ خاصٌّ بِالدّاعِي دُعاءَ العِبادَةِ والثَّناءِ والحَمْدِ. وهَذا القُرْبُ لا يُنافِي كَمالَ مُبايَنَةِ الرَّبِّ لِخَلْقِهِ، واسْتِواءَهُ عَلى عَرْشِهِ. بَلْ يُجامِعُهُ ويُلازِمُهُ. فَإنَّهُ لَيْسَ كَقُرْبِ الأجْسامِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ. تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ولَكِنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ. والعَبْدُ في الشّاهِدِ يَجِدُ رُوحَهُ قَرِيبَةً جِدًّا مِن مَحْبُوبٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مَفاوِزُ تَتَقَطَّعُ فِيها أعْناقُ المَطِيِّ. ويَجِدُهُ أقْرَبَ إلَيْهِ مِن جَلِيسِهِ. كَما قِيلَ.
؎ألا رُبَّ مَن يَدْنُو ويَزْعُمُ أنَّهُ ∗∗∗ يُحِبُّكَ والنّائِي أحَبُّ وأقْرَبُ
وَأهْلُ السُّنَّةِ أوْلِياءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَرَثَتُهُ وأحِبّاؤُهُ، الَّذِينَ هو عِنْدَهم أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ. وأحَبُّ إلَيْهِمْ مِنها: يَجِدُونَ نُفُوسَهم أقْرَبَ إلَيْهِ. وهم في الأقْطارِ النّائِيَةِ عَنْهُ مِن جِيرانِ حُجْرَتِهِ في المَدِينَةِ، والمُحِبُّونَ المُشْتاقُونَ لِلْكَعْبَةِ والبَيْتِ الحَرامِ يَجِدُونَ قُلُوبَهم وأرْواحَهم أقْرَبَ إلَيْها مِن جِيرانِها ومَن حَوْلَها. هَذا مَعَ عَدَمِ تَأتِّي القُرْبِ مِنها.
فَكَيْفَ بِمَن يَقْرُبُ مِن خَلْقِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وهو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ. وأهْلُ الذَّوْقِ لا يَلْتَفِتُونَ في ذَلِكَ إلى شُبْهَةِ مُعَطِّلٍ بَعِيدٍ مِنَ اللَّهِ، خَلِيٍّ مِن مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ.
والقَصْدُ: أنَّ هَذا القُرْبَ يَدْعُو صاحِبَهُ إلى رُكُوبِ المَحَبَّةِ. وكُلَّما ازْدادَ حُبًّا ازْدادَ قُرْبًا.
فالمَحَبَّةُ بَيْنَ قُرْبَيْنِ: قُرْبٍ قَبْلَها، وقُرْبٍ بَعْدَها، وبَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ: مَعْرِفَةٍ قَبْلَها حَمَلَتْ عَلَيْها، ودَعَتْ إلَيْها، ودَلَّتْ عَلَيْها. ومَعْرِفَةٍ بَعْدَها. هي مِن نَتائِجِها وآثارِها.
وَأمّا رَبْطُهُ بِرُوحِ الأُنْسِ: فَهو تَعَلُّقُ قَلْبِهِ بِرُوحِ الأُنْسِ بِاللَّهِ، تَعَلُّقًا لازِمًا لا يُفارِقُهُ. بَلْ يَجْعَلُ بَيْنَ القَلْبِ والأُنْسِ رابِطَةً لازِمَةٍ. ولا رَيْبَ أنَّ هَذا يُكَرِّهُ إلَيْهِ مُلابَسَةَ الخَلْقِ. بَلْ يَجِدُ الوَحْشَةَ في مُلابَسَتِهِمْ بِقَدْرِ أُنْسِهِ بِرَبِّهِ، وقُرَّةِ عَيْنِهِ بِحُبِّهِ وقُرْبِهِ مِنهُ. فَإنَّهُ لَيْسَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ. فَإنْ لابَسَهم لابَسَهم بِرَسْمِهِ دُونَ سِرِّهِ ورُوحِهِ وقَلْبِهِ. فَقَلْبُهُ ورُوحُهُ في مَلَأٍ، وبَدَنُهُ ورَسْمُهُ في مَلَأٍ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ حَياءٌ يَتَوَلَّدُ مِن شُهُودِ الحَضْرَةِ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: حَياءٌ يَتَوَلَّدُ مِن شُهُودِ الحَضْرَةِ. وهي الَّتِي لا تَشُوبُها هَيْبَةٌ. ولا تُقارِنُها تَفْرِقَةٌ. ولا يُوقَفُ لَها عَلى غايَةٍ.
شُهُودُ الحَضْرَةِ: انْجِذابُ الرُّوحِ والقَلْبِ مِنَ الكائِناتِ، وعُكُوفُهُ عَلى رَبِّ البَرِيّاتِ، فَهو في حَضْرَةِ قُرْبِهِ مُشاهِدًا لَها. وإذا وصَلَ القَلْبُ إلَيْها غَشِيَتْهُ الهَيْبَةُ وزالَتْ عَنْهُ التَّفْرِقَةُ. إذْ ما مَعَ اللَّهِ سِواهُ. فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِ في تِلْكَ الحالِ سِوى اللَّهِ وحْدَهُ. وهَذا مَقامُ الجَمْعِيَّةِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: ولا يُوقَفُ لَها عَلى غايَةٍ.
فَيَعْنِي أنَّ كُلَّ مَن وصَلَ إلى مَطْلُوبِهِ، وظَفِرَ بِهِ: وصَلَ إلى الغايَةِ، إلّا صاحِبَ هَذا المَشْهَدِ. فَإنَّهُ لا يَقِفُ بِحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى غايَةٍ. فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ. بَلْ إذا شَهِدَ تِلْكَ الرَّوابِيَ. ووَقَفَ عَلى تِلْكَ الرُّبُوعِ، وعايَنَ الحَضْرَةَ الَّتِي هي غايَةُ الغاياتِ، شارَفَ أمْرًا لا غايَةَ لَهُ ولا نِهايَةَ. والغاياتُ والنِّهاياتُ كُلُّها إلَيْهِ تَنْتَهِي ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢]
فانْتَهَتْ إلَيْهِ الغاياتُ والنِّهاياتُ. ولَيْسَ لَهُ سُبْحانَهُ غايَةٌ ولا نِهايَةٌ. لا في وُجُودِهِ، ولا في مَزِيدِ جُودِهِ.
إذْ هو الأوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ. والآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ.
وَلا نِهايَةَ لِحَمْدِهِ وعَطائِهِ. بَلْ كُلَّما ازْدادَ لَهُ العَبْدُ شُكْرًا زادَهُ فَضْلًا. وكُلَّما ازْدادَ لَهُ طاعَةً زادَهُ لِمَجْدِهِ مَثُوبَةً. وكُلَّما ازْدادَ مِنهُ قُرْبًا لاحَ لَهُ مِن جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ ما لَمْ يُشاهِدْهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وهَكَذا أبَدًا لا يَقِفُ عَلى غايَةٍ ولا نِهايَةٍ. ولِهَذا جاءَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ في مَزِيدٍ دائِمٍ بِلا انْتِهاءٍ فَإنَّ نَعِيمَهم مُتَّصِلٌ مِمَّنْ لا نِهايَةَ لِفَضْلِهِ ولا لِعَطائِهِ، ولا لِمَزِيدِهِ ولا لِأوْصافِهِ. فَتَبارَكَ اللَّهُ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤].
«يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم قامُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَألُونِي فَأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مَسْألَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمّا عِنْدِي إلّا كَما يُنْقِصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحْرَ».
العلق 96:15
(فائدة)
ما الفائدة في إبدال النكرة من المعرفة وتبيينها بها فإن كانت الفائدة في النكرة فلم ذكرت المعرفة وإن كانت في المعرفة فما بال ذكر النكرة؟
قيل: هذا فيه نكتة بديعة وهي أن الحكم قد يعلق بالنكرة السابقة فتذكر ويكون الكلام في معرض أمر معين من الجنس مدحا أو ذما فلو اقتصر على ذكر المعرفة لاختص الحكم به ولو ذكرت النكرة وحدها لخرج الكلام عن التعرض لذلك المعين فلما أريد الجنس أتى بالنكرة ووضعت إشعارا بتعليق الحكم بالوصف ولما أتي بالمعرفة كان تنبيها على دخول ذلك المعين قطعا ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾
فإن الآية كما قيل: نزلت في أبي جهل ثم تعلق حكمها بكل من اتصف به فقال: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ تعيينا ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ لعدمه وتنبيها ولذلك اشترط في النكرة في هذا الباب أن تكون منعوتة لتحصيل الفائدة المذكورة وليتبين المراد.
العلق 96:16
(فائدة)
ما الفائدة في إبدال النكرة من المعرفة وتبيينها بها فإن كانت الفائدة في النكرة فلم ذكرت المعرفة وإن كانت في المعرفة فما بال ذكر النكرة؟
قيل: هذا فيه نكتة بديعة وهي أن الحكم قد يعلق بالنكرة السابقة فتذكر ويكون الكلام في معرض أمر معين من الجنس مدحا أو ذما فلو اقتصر على ذكر المعرفة لاختص الحكم به ولو ذكرت النكرة وحدها لخرج الكلام عن التعرض لذلك المعين فلما أريد الجنس أتى بالنكرة ووضعت إشعارا بتعليق الحكم بالوصف ولما أتي بالمعرفة كان تنبيها على دخول ذلك المعين قطعا ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾
فإن الآية كما قيل: نزلت في أبي جهل ثم تعلق حكمها بكل من اتصف به فقال: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ تعيينا ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ لعدمه وتنبيها ولذلك اشترط في النكرة في هذا الباب أن تكون منعوتة لتحصيل الفائدة المذكورة وليتبين المراد.
العلق 96:19
قال ابن القيم - بعد كلام -:
وَلا رَيْبَ أنَّ العَبْدَ يَقْرُبُ مِن رَبِّهِ، والرَّبَّ يَقْرُبُ مِن عَبْدِهِ، فَأمّا قُرْبُ العَبْدِ فَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾
وَقَوْلِهِ في الأثَرِ الإلَهِيِّ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا»
وَكَقَوْلِهِ: «وَما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي»
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أقْرَبُ ما يَكُونُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ في جَوْفِ اللَّيْلِ الأخِيرِ»
وَفِي الحَدِيثِ أيْضًا «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ»
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمّا ارْتَفَعَتْ أصْواتُهم بِالتَّكْبِيرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في السَّفَرِ فَقالَ
«يا أيُّها النّاسُ، ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ».
القدر 97:1
قال النبي ﷺ لعائشة وقد سألته ما تدعو به إن وافقت ليلة القدر:
«قَوْلِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي»
(صحيح).
وقال ﷺ كَقَوْلِهِ:
«مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ»
(نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ يَحْسُنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْها)
وَهِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ وألَحَّ عَلَيْهِ، حَتّى قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ في آخِرِ مَسْألَتِهِ: التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، ولا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ هَذا ثُمَّ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ وحَدَّثَ، قالَ: فاهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ فَقُلْت: أقْسَمْت عَلَيْك يا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّي عَلَيْك لَتُحَدِّثَنِي في أيِّ العَشْرِ هِيَ، قالَ: فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضَبًا ما غَضِبَ عَلَيَّ مِن قَبْلُ ولا مِن بَعْدُ، ثُمَّ قالَ: التَمِسُوها في السَّبْعِ الأواخِرِ، ولا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدُ».
وقال في (إعلام الموقعين)
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، أفِي رَمَضانَ أوْ في غَيْرِهِ؟ قالَ: بَلْ في رَمَضانَ فَقِيلَ: تَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ ما كانُوا فَإذا قُبِضُوا رُفِعَتْ أمْ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ قالَ: بَلْ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقِيلَ: في أيِّ رَمَضانَ هِيَ؟
قالَ التَمِسُوها في العَشْرِ الأُوَلِ، أوْ في العَشْرِ الأُخَرِ فَقِيلَ: في أيِّ العِشْرِينَ؟
قالَ: ابْتَغَوْها في العَشْرِ الأواخِرِ، لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَقالَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لِما أخْبَرْتَنِي في أيِّ العَشْرِ هِيَ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: التَمِسُوها في السَّبْعِ الأواخِرِ، لا تَسْألَنَّ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها» ذَكَرَهُ أحْمَدُ، والسّائِلُ أبُو ذَرٍّ، وعِنْدَ أبِي داوُد «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: في كُلِّ رَمَضانَ».
«وَسُئِلَ عَنْها أيْضًا فَقالَ: كَمْ اللَّيْلَةُ؟ فَقالَ السّائِلُ: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ، فَقالَ: هي اللَّيْلَةُ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: أوْ القابِلَةُ يُرِيدُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ»، ذَكَرَهُ أبُو داوُد.
«وَسَألَ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: مَتى نَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ؟ فَقالَ: التَمِسُوها هَذِهِ اللَّيْلَةَ وذَلِكَ مَساءُ لَيْلَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ».
«وَسَألَتْهُ ﷺ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إنْ وافَقْتُها فَبِمَ أدْعُو؟ قالَ قُولِي اللَّهُمَّ إنّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي»
حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(فائدة)
قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ.
وَهَذا القائِلُ إنْ أرادَ أنَّها كانَتْ مَعْلُومَةً، فَرُفِعَ عِلْمُها عَنِ الأُمَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: لَمْ يُرْفَعْ عِلْمُها عَنْ كُلِّ الأُمَّةِ وإنْ رُفِعَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وإنْ أرادَ أنَّ حَقِيقَتَها وكَوْنَها ساعَةَ إجابَةٍ رُفِعَتْ، فَقَوْلٌ باطِلٌ مُخالِفٌ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
روى شُعْبَة عَن الحكم عَن مُجاهِد في قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧]
قالَ هو الوَلَد وقالَهُ الحكم وعِكْرِمَة والحسن البَصْرِيّ والسُّديّ والضَّحّاك
وَأرْفَع ما فِيهِ ما رَواهُ مُحَمَّد بن سعد عَن أبِيه حَدثنِي عمي حَدثنِي أبي عَن أبِيه عَن ابْن عَبّاس قالَ هو الوَلَد وقالَ ابْن زيد هو الجِماع وقالَ قَتادَة ابْتَغوا الرُّخْصَة الَّتِي كتب الله لكم وعَن ابْن عَبّاس رِوايَة أُخْرى قالَ لَيْلَة القدر.
والتَّحْقِيق أن يُقال لما خفف الله عَن الأمة بِإباحَة الجِماع لَيْلَة الصَّوْم إلى طُلُوع الفجْر وكانَ المجامع يغلب عَلَيْهِ حكم الشَّهْوَة وقَضاء الوطر حَتّى لا يكاد يخْطر بِقَلْبِه غير ذَلِك أرشدهم سُبْحانَهُ إلى أن يطلبوا رِضاهُ في مثل هَذِه اللَّذَّة ولا يباشروها بِحكم مُجَرّد الشَّهْوَة بل يَبْتَغُوا بها ما كتب الله لَهُم من الأجر والولد الَّذِي يخرج من أصلابهم يعبد الله لا يُشْرك بِهِ شَيْئا ويبتغوا ما أباحَ الله لَهُم من الرُّخْصَة بِحكم محبته لقبُول رخصه فَإن الله يحب أن يُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَما يكره أن تُؤْتى مَعْصِيَته ومِمّا كتب لَهُم لَيْلَة القدر وأمرُوا أن يبتغوها لَكِن يبْقى أن يُقال فَما تعلق ذَلِك بِإباحَة مُباشرَة أزواجهم فَيُقال فِيهِ إرشاد إلى أن لا يشغلهم ما أُبِيح لَهُم من المُباشرَة عَن طلب هَذِه اللَّيْلَة الَّتِي هي خير من ألف شهر فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُول اقضوا وطركم من نساءكم لَيْلَة الصّيام ولا يشغلكم ذَلِك عَن ابْتِغاء ما كتب الله لكم من هَذِه اللَّيْلَة الَّتِي فَضلكم الله بها. والله أعلم.
(مسألة)
فَإنْ قُلْتَ: أيُّ العَشْرَيْنِ أفْضَلُ؟ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، أوِ العَشْرُ الأخِيرُ مِن رَمَضانَ؟
وَأيُّ اللَّيْلَتَيْنِ أفْضَلُ؟ لَيْلَةُ القَدْرِ، أوْ لَيْلَةُ الإسْراءِ؟
قُلْتُ: أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ فالصَّوابُ فِيهِ أنْ يُقالَ: لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ أفْضَلُ مِن لَيالِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أفْضَلُ مِن أيّامِ عَشْرِ رَمَضانَ، وبِهَذا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الِاشْتِباهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لَيالِيَ العَشْرِ مِن رَمَضانَ إنَّما فُضِّلَتْ بِاعْتِبارِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وهي مِنَ اللَّيالِي، وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ إنَّما فُضِّلَ بِاعْتِبارِ أيّامِهِ، إذْ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
وَأمّا السُّؤالُ الثّانِي، فَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ رَجُلٍ قالَ: لَيْلَةُ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ.
وَقالَ آخَرُ: بَلْ لَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ فَأيُّهُما المُصِيبُ؟
فَأجابَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا القائِلُ بِأنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، فَإنْ أرادَ بِهِ أنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ ونَظائِرُها مِن كُلِّ عامٍ أفْضَلَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ قِيامُها والدُّعاءُ فِيها أفْضَلَ
مِنهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهَذا باطِلٌ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهو مَعْلُومُ الفَسادِ بِالِاطِّرادِ مِن دِينِ الإسْلامِ.
هَذا إذا كانَتْ لَيْلَةُ الإسْراءِ تُعْرَفُ عَيْنُها، فَكَيْفَ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ لا عَلى شَهْرِها ولا عَلى عَشْرِها ولا عَلى عَيْنِها، بَلِ النُّقُولُ في ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لَيْسَ فِيها ما يُقْطَعُ بِهِ، ولا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ تَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لَيْلَةُ الإسْراءِ بِقِيامٍ ولا غَيْرِهِ، بِخِلافِ لَيْلَةِ القَدْرِ، فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ»
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»
وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ، وأنَّهُ أنْزَلَ فِيها القُرْآنَ.
وَإنْ أرادَ أنَّ اللَّيْلَةَ المُعَيَّنَةَ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ وحَصَلَ لَهُ فِيها ما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ في غَيْرِها مِن غَيْرِ أنْ يُشْرَعَ تَخْصِيصُها بِقِيامٍ ولا عِبادَةٍ، فَهَذا صَحِيحٌ، ولَيْسَ إذا أعْطى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَضِيلَةً في مَكانٍ أوْ زَمانٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّمانُ والمَكانُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ.
هَذا إذا قُدِّرَ أنَّهُ قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إنْعامَ اللَّهِ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ كانَ أعْظَمَ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لَيْلَةَ القَدْرِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بِها.
والكَلامُ في مِثْلِ هَذا يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ومَقادِيرِ النِّعَمِ الَّتِي لا تُعْرَفُ إلّا بِوَحْيٍ، ولا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيها بِلا عِلْمٍ، ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ جَعَلَ لِلَيْلَةِ الإسْراءِ فَضِيلَةً عَلى غَيْرِها، لا سِيَّما عَلى لَيْلَةِ القَدْرِ، ولا كانَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ يَقْصِدُونَ تَخْصِيصَ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ولا يَذْكُرُونَها، ولِهَذا لا يُعْرَفُ أيَّ لَيْلَةٍ كانَتْ، وإنْ كانَ الإسْراءُ مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ ﷺ، ومَعَ هَذا فَلَمْ يُشْرَعْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الزَّمانِ ولا ذَلِكَ المَكانِ بِعِبادَةٍ شَرْعِيَّةٍ، بَلْ غارُ حِراءٍ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وكانَ يَتَحَرّاهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقْصِدْهُ هو ولا أحَدٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُدَّةَ مُقامِهِ بِمَكَّةَ، ولا خُصَّ اليَوْمُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الوَحْيُ بِعِبادَةٍ ولا غَيْرِها، ولا خُصَّ المَكانُ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِالوَحْيِ ولا الزَّمانُ بِشَيْءٍ، ومَن خَصَّ الأمْكِنَةَ والأزْمِنَةَ مِن عِنْدِهِ بِعِباداتٍ لِأجْلِ هَذا وأمْثالِهِ كانَ مِن جِنْسِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ جَعَلُوا زَمانَ أحْوالِ المَسِيحِ مَواسِمَ وعِباداتٍ، كَيَوْمِ المِيلادِ، ويَوْمِ التَّعْمِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ.
وَقَدْ «رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَماعَةً يَتَبادَرُونَ مَكانًا يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقالَ: ما هَذا؟، قالُوا: مَكانٌ صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَتَّخِذُوا آثارَ أنْبِيائِكم مَساجِدَ؟! إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِهَذا، فَمَن أدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وإلّا فَلْيَمْضِ».
وَقَدْ قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولَيْلَةُ القَدْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الإسْراءِ، فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ في حَقِّ الأُمَّةِ أفْضَلُ لَهُمْ، ولَيْلَةُ الإسْراءِ في حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيُّهُما أفْضَلُ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، أوْ يَوْمُ عَرَفَةَ؟ فَقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ ولا تَغْرُبُ عَلى يَوْمٍ أفْضَلَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ» وفِيهِ أيْضًا حَدِيثُ أوس بن أوس «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ».
(فائدة)
كانَ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وتَرَكَهُ مَرَّةً، فَقَضاهُ في شَوّالٍ.
واعْتَكَفَ مَرَّةً في العَشْرِ الأوَّلِ، ثُمَّ الأوْسَطِ، ثُمَّ العَشْرِ الأخِيرِ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّها في العَشْرِ الأخِيرِ، فَداوَمَ عَلى اعْتِكافِهِ حَتّى لَحِقَ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَكانَ يَأْمُرُ بِخِباءٍ فَيُضْرَبُ لَهُ في المَسْجِدِ يَخْلُو فِيهِ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
(فصل: في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر)
قال تعالى: ﴿حم والكِتابِ المُبِينِ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ وهذه هي ليلة القدر قطعا لقوله تعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾
ومن زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط
قال سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ليلة القدر ليلة الحكم وقال سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير يؤذن للحجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم وقال ابن علية ثنا ربيعة بن كلثوم قال قال رجل للحسن وأنا أسمع أرأيت ليلة القدر في كل رمضان هي قال نعم والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان وأنها لليلة القدر يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها.
وذكر يوسف بن مهران عن ابن عباس قال يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج، يقال يحج فلان ويحج فلان.
وذكر عن سعيد بن جبير في هذه الآية أنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى.
وقال مقاتل يقدر الله في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده إلى السنة القابلة
وقال أبو عبد الرحمن السلمي يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر.
وهذا هو الصحيح أن القدر مصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير.
وقالت طائفة ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة من قولهم لفلان قدر في الناس، فإن أراد صاحب هذا القول أن لها قدرا وشرفا مع ما يكون فيها من التقدير فقد أصاب.
وإن أراد أن معنى القدر فيها هو الشرف والخطر، فقد غلط إن الله سبحانه أخبر أن فيها يفرق.
أي يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم.
القدر 97:2
قال النبي ﷺ لعائشة وقد سألته ما تدعو به إن وافقت ليلة القدر:
«قَوْلِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي»
(صحيح).
وقال ﷺ كَقَوْلِهِ:
«مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ»
(نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ يَحْسُنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْها)
وَهِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ وألَحَّ عَلَيْهِ، حَتّى قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ في آخِرِ مَسْألَتِهِ: التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، ولا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ هَذا ثُمَّ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ وحَدَّثَ، قالَ: فاهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ فَقُلْت: أقْسَمْت عَلَيْك يا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّي عَلَيْك لَتُحَدِّثَنِي في أيِّ العَشْرِ هِيَ، قالَ: فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضَبًا ما غَضِبَ عَلَيَّ مِن قَبْلُ ولا مِن بَعْدُ، ثُمَّ قالَ: التَمِسُوها في السَّبْعِ الأواخِرِ، ولا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدُ».
وقال في (إعلام الموقعين)
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، أفِي رَمَضانَ أوْ في غَيْرِهِ؟ قالَ: بَلْ في رَمَضانَ فَقِيلَ: تَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ ما كانُوا فَإذا قُبِضُوا رُفِعَتْ أمْ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ قالَ: بَلْ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقِيلَ: في أيِّ رَمَضانَ هِيَ؟
قالَ التَمِسُوها في العَشْرِ الأُوَلِ، أوْ في العَشْرِ الأُخَرِ فَقِيلَ: في أيِّ العِشْرِينَ؟
قالَ: ابْتَغَوْها في العَشْرِ الأواخِرِ، لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَقالَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لِما أخْبَرْتَنِي في أيِّ العَشْرِ هِيَ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: التَمِسُوها في السَّبْعِ الأواخِرِ، لا تَسْألَنَّ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها» ذَكَرَهُ أحْمَدُ، والسّائِلُ أبُو ذَرٍّ، وعِنْدَ أبِي داوُد «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: في كُلِّ رَمَضانَ».
«وَسُئِلَ عَنْها أيْضًا فَقالَ: كَمْ اللَّيْلَةُ؟ فَقالَ السّائِلُ: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ، فَقالَ: هي اللَّيْلَةُ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: أوْ القابِلَةُ يُرِيدُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ»، ذَكَرَهُ أبُو داوُد.
«وَسَألَ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: مَتى نَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ؟ فَقالَ: التَمِسُوها هَذِهِ اللَّيْلَةَ وذَلِكَ مَساءُ لَيْلَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ».
«وَسَألَتْهُ ﷺ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إنْ وافَقْتُها فَبِمَ أدْعُو؟ قالَ قُولِي اللَّهُمَّ إنّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي»
حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(فائدة)
قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ.
وَهَذا القائِلُ إنْ أرادَ أنَّها كانَتْ مَعْلُومَةً، فَرُفِعَ عِلْمُها عَنِ الأُمَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: لَمْ يُرْفَعْ عِلْمُها عَنْ كُلِّ الأُمَّةِ وإنْ رُفِعَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وإنْ أرادَ أنَّ حَقِيقَتَها وكَوْنَها ساعَةَ إجابَةٍ رُفِعَتْ، فَقَوْلٌ باطِلٌ مُخالِفٌ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
روى شُعْبَة عَن الحكم عَن مُجاهِد في قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧]
قالَ هو الوَلَد وقالَهُ الحكم وعِكْرِمَة والحسن البَصْرِيّ والسُّديّ والضَّحّاك
وَأرْفَع ما فِيهِ ما رَواهُ مُحَمَّد بن سعد عَن أبِيه حَدثنِي عمي حَدثنِي أبي عَن أبِيه عَن ابْن عَبّاس قالَ هو الوَلَد وقالَ ابْن زيد هو الجِماع وقالَ قَتادَة ابْتَغوا الرُّخْصَة الَّتِي كتب الله لكم وعَن ابْن عَبّاس رِوايَة أُخْرى قالَ لَيْلَة القدر.
والتَّحْقِيق أن يُقال لما خفف الله عَن الأمة بِإباحَة الجِماع لَيْلَة الصَّوْم إلى طُلُوع الفجْر وكانَ المجامع يغلب عَلَيْهِ حكم الشَّهْوَة وقَضاء الوطر حَتّى لا يكاد يخْطر بِقَلْبِه غير ذَلِك أرشدهم سُبْحانَهُ إلى أن يطلبوا رِضاهُ في مثل هَذِه اللَّذَّة ولا يباشروها بِحكم مُجَرّد الشَّهْوَة بل يَبْتَغُوا بها ما كتب الله لَهُم من الأجر والولد الَّذِي يخرج من أصلابهم يعبد الله لا يُشْرك بِهِ شَيْئا ويبتغوا ما أباحَ الله لَهُم من الرُّخْصَة بِحكم محبته لقبُول رخصه فَإن الله يحب أن يُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَما يكره أن تُؤْتى مَعْصِيَته ومِمّا كتب لَهُم لَيْلَة القدر وأمرُوا أن يبتغوها لَكِن يبْقى أن يُقال فَما تعلق ذَلِك بِإباحَة مُباشرَة أزواجهم فَيُقال فِيهِ إرشاد إلى أن لا يشغلهم ما أُبِيح لَهُم من المُباشرَة عَن طلب هَذِه اللَّيْلَة الَّتِي هي خير من ألف شهر فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُول اقضوا وطركم من نساءكم لَيْلَة الصّيام ولا يشغلكم ذَلِك عَن ابْتِغاء ما كتب الله لكم من هَذِه اللَّيْلَة الَّتِي فَضلكم الله بها. والله أعلم.
(مسألة)
فَإنْ قُلْتَ: أيُّ العَشْرَيْنِ أفْضَلُ؟ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، أوِ العَشْرُ الأخِيرُ مِن رَمَضانَ؟
وَأيُّ اللَّيْلَتَيْنِ أفْضَلُ؟ لَيْلَةُ القَدْرِ، أوْ لَيْلَةُ الإسْراءِ؟
قُلْتُ: أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ فالصَّوابُ فِيهِ أنْ يُقالَ: لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ أفْضَلُ مِن لَيالِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أفْضَلُ مِن أيّامِ عَشْرِ رَمَضانَ، وبِهَذا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الِاشْتِباهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لَيالِيَ العَشْرِ مِن رَمَضانَ إنَّما فُضِّلَتْ بِاعْتِبارِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وهي مِنَ اللَّيالِي، وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ إنَّما فُضِّلَ بِاعْتِبارِ أيّامِهِ، إذْ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
وَأمّا السُّؤالُ الثّانِي، فَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ رَجُلٍ قالَ: لَيْلَةُ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ.
وَقالَ آخَرُ: بَلْ لَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ فَأيُّهُما المُصِيبُ؟
فَأجابَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا القائِلُ بِأنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، فَإنْ أرادَ بِهِ أنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ ونَظائِرُها مِن كُلِّ عامٍ أفْضَلَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ قِيامُها والدُّعاءُ فِيها أفْضَلَ
مِنهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهَذا باطِلٌ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهو مَعْلُومُ الفَسادِ بِالِاطِّرادِ مِن دِينِ الإسْلامِ.
هَذا إذا كانَتْ لَيْلَةُ الإسْراءِ تُعْرَفُ عَيْنُها، فَكَيْفَ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ لا عَلى شَهْرِها ولا عَلى عَشْرِها ولا عَلى عَيْنِها، بَلِ النُّقُولُ في ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لَيْسَ فِيها ما يُقْطَعُ بِهِ، ولا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ تَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لَيْلَةُ الإسْراءِ بِقِيامٍ ولا غَيْرِهِ، بِخِلافِ لَيْلَةِ القَدْرِ، فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ»
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»
وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ، وأنَّهُ أنْزَلَ فِيها القُرْآنَ.
وَإنْ أرادَ أنَّ اللَّيْلَةَ المُعَيَّنَةَ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ وحَصَلَ لَهُ فِيها ما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ في غَيْرِها مِن غَيْرِ أنْ يُشْرَعَ تَخْصِيصُها بِقِيامٍ ولا عِبادَةٍ، فَهَذا صَحِيحٌ، ولَيْسَ إذا أعْطى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَضِيلَةً في مَكانٍ أوْ زَمانٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّمانُ والمَكانُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ.
هَذا إذا قُدِّرَ أنَّهُ قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إنْعامَ اللَّهِ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ كانَ أعْظَمَ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لَيْلَةَ القَدْرِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بِها.
والكَلامُ في مِثْلِ هَذا يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ومَقادِيرِ النِّعَمِ الَّتِي لا تُعْرَفُ إلّا بِوَحْيٍ، ولا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيها بِلا عِلْمٍ، ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ جَعَلَ لِلَيْلَةِ الإسْراءِ فَضِيلَةً عَلى غَيْرِها، لا سِيَّما عَلى لَيْلَةِ القَدْرِ، ولا كانَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ يَقْصِدُونَ تَخْصِيصَ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ولا يَذْكُرُونَها، ولِهَذا لا يُعْرَفُ أيَّ لَيْلَةٍ كانَتْ، وإنْ كانَ الإسْراءُ مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ ﷺ، ومَعَ هَذا فَلَمْ يُشْرَعْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الزَّمانِ ولا ذَلِكَ المَكانِ بِعِبادَةٍ شَرْعِيَّةٍ، بَلْ غارُ حِراءٍ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وكانَ يَتَحَرّاهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقْصِدْهُ هو ولا أحَدٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُدَّةَ مُقامِهِ بِمَكَّةَ، ولا خُصَّ اليَوْمُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الوَحْيُ بِعِبادَةٍ ولا غَيْرِها، ولا خُصَّ المَكانُ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِالوَحْيِ ولا الزَّمانُ بِشَيْءٍ، ومَن خَصَّ الأمْكِنَةَ والأزْمِنَةَ مِن عِنْدِهِ بِعِباداتٍ لِأجْلِ هَذا وأمْثالِهِ كانَ مِن جِنْسِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ جَعَلُوا زَمانَ أحْوالِ المَسِيحِ مَواسِمَ وعِباداتٍ، كَيَوْمِ المِيلادِ، ويَوْمِ التَّعْمِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ.
وَقَدْ «رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَماعَةً يَتَبادَرُونَ مَكانًا يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقالَ: ما هَذا؟، قالُوا: مَكانٌ صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَتَّخِذُوا آثارَ أنْبِيائِكم مَساجِدَ؟! إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِهَذا، فَمَن أدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وإلّا فَلْيَمْضِ».
وَقَدْ قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولَيْلَةُ القَدْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الإسْراءِ، فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ في حَقِّ الأُمَّةِ أفْضَلُ لَهُمْ، ولَيْلَةُ الإسْراءِ في حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيُّهُما أفْضَلُ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، أوْ يَوْمُ عَرَفَةَ؟ فَقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ ولا تَغْرُبُ عَلى يَوْمٍ أفْضَلَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ» وفِيهِ أيْضًا حَدِيثُ أوس بن أوس «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ».
(فائدة)
كانَ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وتَرَكَهُ مَرَّةً، فَقَضاهُ في شَوّالٍ.
واعْتَكَفَ مَرَّةً في العَشْرِ الأوَّلِ، ثُمَّ الأوْسَطِ، ثُمَّ العَشْرِ الأخِيرِ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّها في العَشْرِ الأخِيرِ، فَداوَمَ عَلى اعْتِكافِهِ حَتّى لَحِقَ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَكانَ يَأْمُرُ بِخِباءٍ فَيُضْرَبُ لَهُ في المَسْجِدِ يَخْلُو فِيهِ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
(فصل: في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر)
قال تعالى: ﴿حم والكِتابِ المُبِينِ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ وهذه هي ليلة القدر قطعا لقوله تعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾
ومن زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط
قال سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ليلة القدر ليلة الحكم وقال سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير يؤذن للحجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم وقال ابن علية ثنا ربيعة بن كلثوم قال قال رجل للحسن وأنا أسمع أرأيت ليلة القدر في كل رمضان هي قال نعم والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان وأنها لليلة القدر يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها.
وذكر يوسف بن مهران عن ابن عباس قال يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج، يقال يحج فلان ويحج فلان.
وذكر عن سعيد بن جبير في هذه الآية أنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى.
وقال مقاتل يقدر الله في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده إلى السنة القابلة
وقال أبو عبد الرحمن السلمي يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر.
وهذا هو الصحيح أن القدر مصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير.
وقالت طائفة ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة من قولهم لفلان قدر في الناس، فإن أراد صاحب هذا القول أن لها قدرا وشرفا مع ما يكون فيها من التقدير فقد أصاب.
وإن أراد أن معنى القدر فيها هو الشرف والخطر، فقد غلط إن الله سبحانه أخبر أن فيها يفرق.
أي يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم.
القدر 97:3
قال النبي ﷺ لعائشة وقد سألته ما تدعو به إن وافقت ليلة القدر:
«قَوْلِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي»
(صحيح).
وقال ﷺ كَقَوْلِهِ:
«مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ»
(نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ يَحْسُنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْها)
وَهِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ وألَحَّ عَلَيْهِ، حَتّى قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ في آخِرِ مَسْألَتِهِ: التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، ولا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ هَذا ثُمَّ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ وحَدَّثَ، قالَ: فاهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ فَقُلْت: أقْسَمْت عَلَيْك يا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّي عَلَيْك لَتُحَدِّثَنِي في أيِّ العَشْرِ هِيَ، قالَ: فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضَبًا ما غَضِبَ عَلَيَّ مِن قَبْلُ ولا مِن بَعْدُ، ثُمَّ قالَ: التَمِسُوها في السَّبْعِ الأواخِرِ، ولا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدُ».
وقال في (إعلام الموقعين)
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، أفِي رَمَضانَ أوْ في غَيْرِهِ؟ قالَ: بَلْ في رَمَضانَ فَقِيلَ: تَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ ما كانُوا فَإذا قُبِضُوا رُفِعَتْ أمْ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ قالَ: بَلْ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقِيلَ: في أيِّ رَمَضانَ هِيَ؟
قالَ التَمِسُوها في العَشْرِ الأُوَلِ، أوْ في العَشْرِ الأُخَرِ فَقِيلَ: في أيِّ العِشْرِينَ؟
قالَ: ابْتَغَوْها في العَشْرِ الأواخِرِ، لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَقالَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لِما أخْبَرْتَنِي في أيِّ العَشْرِ هِيَ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: التَمِسُوها في السَّبْعِ الأواخِرِ، لا تَسْألَنَّ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها» ذَكَرَهُ أحْمَدُ، والسّائِلُ أبُو ذَرٍّ، وعِنْدَ أبِي داوُد «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: في كُلِّ رَمَضانَ».
«وَسُئِلَ عَنْها أيْضًا فَقالَ: كَمْ اللَّيْلَةُ؟ فَقالَ السّائِلُ: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ، فَقالَ: هي اللَّيْلَةُ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: أوْ القابِلَةُ يُرِيدُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ»، ذَكَرَهُ أبُو داوُد.
«وَسَألَ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: مَتى نَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ؟ فَقالَ: التَمِسُوها هَذِهِ اللَّيْلَةَ وذَلِكَ مَساءُ لَيْلَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ».
«وَسَألَتْهُ ﷺ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إنْ وافَقْتُها فَبِمَ أدْعُو؟ قالَ قُولِي اللَّهُمَّ إنّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي»
حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(فائدة)
قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ.
وَهَذا القائِلُ إنْ أرادَ أنَّها كانَتْ مَعْلُومَةً، فَرُفِعَ عِلْمُها عَنِ الأُمَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: لَمْ يُرْفَعْ عِلْمُها عَنْ كُلِّ الأُمَّةِ وإنْ رُفِعَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وإنْ أرادَ أنَّ حَقِيقَتَها وكَوْنَها ساعَةَ إجابَةٍ رُفِعَتْ، فَقَوْلٌ باطِلٌ مُخالِفٌ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
روى شُعْبَة عَن الحكم عَن مُجاهِد في قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧]
قالَ هو الوَلَد وقالَهُ الحكم وعِكْرِمَة والحسن البَصْرِيّ والسُّديّ والضَّحّاك
وَأرْفَع ما فِيهِ ما رَواهُ مُحَمَّد بن سعد عَن أبِيه حَدثنِي عمي حَدثنِي أبي عَن أبِيه عَن ابْن عَبّاس قالَ هو الوَلَد وقالَ ابْن زيد هو الجِماع وقالَ قَتادَة ابْتَغوا الرُّخْصَة الَّتِي كتب الله لكم وعَن ابْن عَبّاس رِوايَة أُخْرى قالَ لَيْلَة القدر.
والتَّحْقِيق أن يُقال لما خفف الله عَن الأمة بِإباحَة الجِماع لَيْلَة الصَّوْم إلى طُلُوع الفجْر وكانَ المجامع يغلب عَلَيْهِ حكم الشَّهْوَة وقَضاء الوطر حَتّى لا يكاد يخْطر بِقَلْبِه غير ذَلِك أرشدهم سُبْحانَهُ إلى أن يطلبوا رِضاهُ في مثل هَذِه اللَّذَّة ولا يباشروها بِحكم مُجَرّد الشَّهْوَة بل يَبْتَغُوا بها ما كتب الله لَهُم من الأجر والولد الَّذِي يخرج من أصلابهم يعبد الله لا يُشْرك بِهِ شَيْئا ويبتغوا ما أباحَ الله لَهُم من الرُّخْصَة بِحكم محبته لقبُول رخصه فَإن الله يحب أن يُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَما يكره أن تُؤْتى مَعْصِيَته ومِمّا كتب لَهُم لَيْلَة القدر وأمرُوا أن يبتغوها لَكِن يبْقى أن يُقال فَما تعلق ذَلِك بِإباحَة مُباشرَة أزواجهم فَيُقال فِيهِ إرشاد إلى أن لا يشغلهم ما أُبِيح لَهُم من المُباشرَة عَن طلب هَذِه اللَّيْلَة الَّتِي هي خير من ألف شهر فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُول اقضوا وطركم من نساءكم لَيْلَة الصّيام ولا يشغلكم ذَلِك عَن ابْتِغاء ما كتب الله لكم من هَذِه اللَّيْلَة الَّتِي فَضلكم الله بها. والله أعلم.
(مسألة)
فَإنْ قُلْتَ: أيُّ العَشْرَيْنِ أفْضَلُ؟ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، أوِ العَشْرُ الأخِيرُ مِن رَمَضانَ؟
وَأيُّ اللَّيْلَتَيْنِ أفْضَلُ؟ لَيْلَةُ القَدْرِ، أوْ لَيْلَةُ الإسْراءِ؟
قُلْتُ: أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ فالصَّوابُ فِيهِ أنْ يُقالَ: لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ أفْضَلُ مِن لَيالِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أفْضَلُ مِن أيّامِ عَشْرِ رَمَضانَ، وبِهَذا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الِاشْتِباهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لَيالِيَ العَشْرِ مِن رَمَضانَ إنَّما فُضِّلَتْ بِاعْتِبارِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وهي مِنَ اللَّيالِي، وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ إنَّما فُضِّلَ بِاعْتِبارِ أيّامِهِ، إذْ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
وَأمّا السُّؤالُ الثّانِي، فَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ رَجُلٍ قالَ: لَيْلَةُ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ.
وَقالَ آخَرُ: بَلْ لَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ فَأيُّهُما المُصِيبُ؟
فَأجابَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا القائِلُ بِأنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، فَإنْ أرادَ بِهِ أنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ ونَظائِرُها مِن كُلِّ عامٍ أفْضَلَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ قِيامُها والدُّعاءُ فِيها أفْضَلَ
مِنهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهَذا باطِلٌ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهو مَعْلُومُ الفَسادِ بِالِاطِّرادِ مِن دِينِ الإسْلامِ.
هَذا إذا كانَتْ لَيْلَةُ الإسْراءِ تُعْرَفُ عَيْنُها، فَكَيْفَ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ لا عَلى شَهْرِها ولا عَلى عَشْرِها ولا عَلى عَيْنِها، بَلِ النُّقُولُ في ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لَيْسَ فِيها ما يُقْطَعُ بِهِ، ولا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ تَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لَيْلَةُ الإسْراءِ بِقِيامٍ ولا غَيْرِهِ، بِخِلافِ لَيْلَةِ القَدْرِ، فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ»
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»
وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ، وأنَّهُ أنْزَلَ فِيها القُرْآنَ.
وَإنْ أرادَ أنَّ اللَّيْلَةَ المُعَيَّنَةَ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ وحَصَلَ لَهُ فِيها ما لَمْ يَحْصُلْ لَهُ في غَيْرِها مِن غَيْرِ أنْ يُشْرَعَ تَخْصِيصُها بِقِيامٍ ولا عِبادَةٍ، فَهَذا صَحِيحٌ، ولَيْسَ إذا أعْطى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَضِيلَةً في مَكانٍ أوْ زَمانٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزَّمانُ والمَكانُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ.
هَذا إذا قُدِّرَ أنَّهُ قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إنْعامَ اللَّهِ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ كانَ أعْظَمَ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لَيْلَةَ القَدْرِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بِها.
والكَلامُ في مِثْلِ هَذا يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ومَقادِيرِ النِّعَمِ الَّتِي لا تُعْرَفُ إلّا بِوَحْيٍ، ولا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيها بِلا عِلْمٍ، ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ جَعَلَ لِلَيْلَةِ الإسْراءِ فَضِيلَةً عَلى غَيْرِها، لا سِيَّما عَلى لَيْلَةِ القَدْرِ، ولا كانَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ يَقْصِدُونَ تَخْصِيصَ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ولا يَذْكُرُونَها، ولِهَذا لا يُعْرَفُ أيَّ لَيْلَةٍ كانَتْ، وإنْ كانَ الإسْراءُ مِن أعْظَمِ فَضائِلِهِ ﷺ، ومَعَ هَذا فَلَمْ يُشْرَعْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الزَّمانِ ولا ذَلِكَ المَكانِ بِعِبادَةٍ شَرْعِيَّةٍ، بَلْ غارُ حِراءٍ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وكانَ يَتَحَرّاهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقْصِدْهُ هو ولا أحَدٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُدَّةَ مُقامِهِ بِمَكَّةَ، ولا خُصَّ اليَوْمُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الوَحْيُ بِعِبادَةٍ ولا غَيْرِها، ولا خُصَّ المَكانُ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِالوَحْيِ ولا الزَّمانُ بِشَيْءٍ، ومَن خَصَّ الأمْكِنَةَ والأزْمِنَةَ مِن عِنْدِهِ بِعِباداتٍ لِأجْلِ هَذا وأمْثالِهِ كانَ مِن جِنْسِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ جَعَلُوا زَمانَ أحْوالِ المَسِيحِ مَواسِمَ وعِباداتٍ، كَيَوْمِ المِيلادِ، ويَوْمِ التَّعْمِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ.
وَقَدْ «رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَماعَةً يَتَبادَرُونَ مَكانًا يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقالَ: ما هَذا؟، قالُوا: مَكانٌ صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَتَّخِذُوا آثارَ أنْبِيائِكم مَساجِدَ؟! إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِهَذا، فَمَن أدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وإلّا فَلْيَمْضِ».
وَقَدْ قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولَيْلَةُ القَدْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الإسْراءِ، فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ في حَقِّ الأُمَّةِ أفْضَلُ لَهُمْ، ولَيْلَةُ الإسْراءِ في حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيُّهُما أفْضَلُ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، أوْ يَوْمُ عَرَفَةَ؟ فَقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ ولا تَغْرُبُ عَلى يَوْمٍ أفْضَلَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ» وفِيهِ أيْضًا حَدِيثُ أوس بن أوس «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ».
(فائدة)
كانَ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وتَرَكَهُ مَرَّةً، فَقَضاهُ في شَوّالٍ.
واعْتَكَفَ مَرَّةً في العَشْرِ الأوَّلِ، ثُمَّ الأوْسَطِ، ثُمَّ العَشْرِ الأخِيرِ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّها في العَشْرِ الأخِيرِ، فَداوَمَ عَلى اعْتِكافِهِ حَتّى لَحِقَ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَكانَ يَأْمُرُ بِخِباءٍ فَيُضْرَبُ لَهُ في المَسْجِدِ يَخْلُو فِيهِ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
(فصل: في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر)
قال تعالى: ﴿حم والكِتابِ المُبِينِ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ وهذه هي ليلة القدر قطعا لقوله تعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾
ومن زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط
قال سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ليلة القدر ليلة الحكم وقال سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير يؤذن للحجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم وقال ابن علية ثنا ربيعة بن كلثوم قال قال رجل للحسن وأنا أسمع أرأيت ليلة القدر في كل رمضان هي قال نعم والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان وأنها لليلة القدر يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها.
وذكر يوسف بن مهران عن ابن عباس قال يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج، يقال يحج فلان ويحج فلان.
وذكر عن سعيد بن جبير في هذه الآية أنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى.
وقال مقاتل يقدر الله في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده إلى السنة القابلة
وقال أبو عبد الرحمن السلمي يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر.
وهذا هو الصحيح أن القدر مصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير.
وقالت طائفة ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة من قولهم لفلان قدر في الناس، فإن أراد صاحب هذا القول أن لها قدرا وشرفا مع ما يكون فيها من التقدير فقد أصاب.
وإن أراد أن معنى القدر فيها هو الشرف والخطر، فقد غلط إن الله سبحانه أخبر أن فيها يفرق.
أي يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم.
البينة 98:5
فَمَن لَمْ يُخْلِصْ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ، بَلِ الَّذِي أتى بِهِ شَيْءٌ غَيْرُ المَأْمُورِ بِهِ، فَلا يَصِحُّ ولا يُقْبَلُ مِنهُ، ويَقُولُ اللَّهُ:
«أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي فَهو لِلَّذِي أشْرَكَ بِهِ، وأنا مِنهُ بَرِيءٌ».
[فَصْلٌ: إخْلاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعالى]
قَوْلُهُ: " فَمَن خَلَصَتْ نِيَّتُهُ في الحَقِّ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ كَفاهُ اللَّهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، ومَن تَزَيَّنَ بِما لَيْسَ فِيهِ شانَهُ اللَّهُ " هَذا شَقِيقُ كَلامِ النُّبُوَّةِ، وهو جَدِيرٌ بِأنْ يَخْرُجَ مِن مِشْكاةِ المُحَدِّثِ المُلْهَمِ، وهاتانِ الكَلِمَتانِ مِن كُنُوزِ العِلْمِ، ومِن أحْسَنِ الإنْفاقِ مِنهُما نَفْعُ غَيْرِهِ، وانْتَفَعَ غايَةَ الِانْتِفاعِ: فَأمّا الكَلِمَةُ الأُولى فَهي مَنبَعُ الخَيْرِ وأصْلِهِ، والثّانِيَةُ أصْلُ الشَّرِّ وفَصْلُهُ؛ فَإنَّ العَبْدَ إذا خَلَصَتْ نِيَّتُهُ لِلَّهِ تَعالى وكانَ قَصْدُهُ وهَمُّهُ وعَمَلُهُ لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ كانَ اللَّهُ مَعَهُ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا واَلَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ، ورَأْسُ التَّقْوى والإحْسانِ خُلُوصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ في إقامَةِ الحَقِّ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا غالِبَ لَهُ، فَمَن كانَ مَعَهُ فَمَن ذا الَّذِي يَغْلِبُهُ أوْ يَنالُهُ بِسُوءٍ؟ فَإنْ كانَ اللَّهُ مَعَ العَبْدِ فَمَن يَخافُ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَمَن يَرْجُو؟ وبِمَن يَثِقُ؟ ومَن يَنْصُرُهُ مِن بَعْدِهِ؟
فَإذا قامَ العَبْدُ بِالحَقِّ عَلى غَيْرِهِ وعَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، وكانَ قِيامُهُ بِاللَّهِ ولِلَّهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ، ولَوْ كادَتْهُ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ لَكَفاهُ اللَّهُ مُؤْنَتَها، وجَعَلَ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا؛ وإنَّما يُؤْتى العَبْدُ مِن تَفْرِيطِهِ وتَقْصِيرِهِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، أوْ في اثْنَيْنِ مِنها، أوْ في واحِدٍ؛ فَمَن كانَ قِيامُهُ في باطِلٍ لَمْ يُنْصَرْ، وإنْ نُصِرَ نَصْرًا عارِضًا فَلا عاقِبَةَ لَهُ وهو مَذْمُومٌ مَخْذُولٌ، وإنْ قامَ في حَقٍّ لَكِنْ لَمْ يَقُمْ فِيهِ لِلَّهِ وإنَّما قامَ لِطَلَبِ المَحْمَدَةِ والشَّكُورِ والجَزاءِ مِن الخَلْقِ أوْ التَّوَصُّلِ إلى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كانَ هو المَقْصُودُ أوَّلًا، والقِيامُ في الحَقِّ وسِيلَةٌ إلَيْهِ، فَهَذا لَمْ تُضْمَن لَهُ النُّصْرَةُ؛ فَإنَّ اللَّهَ إنّما ضَمِنَ النُّصْرَةَ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ، وقاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، لا لِمَن كانَ قِيامُهُ لِنَفْسِهِ ولِهَواهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِن المُتَّقِينَ ولا مِن المُحْسِنِينَ، وإنْ نُصِرَ فَبِحَسَبِ ما مَعَهُ مِن الحَقِّ؛ فَإنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ إلّا الحَقَّ، وإذا كانَتْ الدَّوْلَةُ لِأهْلِ الباطِلِ فَبِحَسَبِ ما مَعَهم مِن الصَّبْرِ، والصَّبْرُ مَنصُورٌ أبَدًا فَإنْ كانَ صاحِبُهُ مُحِقًّا كانَ مَنصُورًا لَهُ العاقِبَةُ، وإنْ كانَ مُبْطِلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عاقِبَةٌ، وإذا قامَ العَبْدُ في الحَقِّ لِلَّهِ ولَكِنْ قامَ بِنَفْسِهِ وقُوَّتِهِ ولَمْ يَقُمْ بِاللَّهِ مُسْتَعِينًا بِهِ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ مُفَوِّضًا إلَيْهِ بَرِيًّا مِن الحَوْلِ والقُوَّةِ إلّا بِهِ فَلَهُ مِن الخِذْلانِ وضَعْفِ النُّصْرَةِ بِحَسَبِ ما قامَ بِهِ مِن ذَلِكَ، ونُكْتَةُ المَسْألَةِ أنَّ تَجْرِيدَ التَّوْحِيدَيْنِ في أمْرِ اللَّهِ لا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ، وصاحِبُهُ مُؤَيَّدٌ مَنصُورٌ ولَوْ تَوالَتْ عَلَيْهِ زُمَرُ الأعْداءِ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا داوُد أنْبَأْنا شُعْبَةُ عَنْ واقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: مَن أسْخَطَ النّاسَ بِرِضاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَفاهُ اللَّهُ النّاسَ، ومَن أرْضى النّاسَ بِسُخْطِ اللَّهِ وكَّلَهُ إلى النّاسِ.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الإخْلاصِ]
وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الإخْلاصِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٢-٣].
وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي - فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤-١٥].
وَقالَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ - لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣]. وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: هو أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ.
قالُوا: يا أبا عَلِيٍّ، ما أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ؟ فَقالَ: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا، ولَمْ يَكُنْ صَوابًا. لَمْ يُقْبَلْ. وإذا كانَ صَوابًا ولَمْ يَكُنْ خالِصًا: لَمْ يُقْبَلْ. حَتّى يَكُونَ خالِصًا صَوابًا، والخالِصُ: أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، والصَّوابُ أنْ يَكُونَ عَلى السُّنَّةِ.
ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وَقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
فَإسْلامُ الوَجْهِ: إخْلاصُ القَصْدِ والعَمَلِ لِلَّهِ. والإحْسانُ فِيهِ: مُتابَعَةُ رَسُولِهِ ﷺ وسُنَّتِهِ.
وَقالَ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وَهِيَ الأعْمالُ الَّتِي كانَتْ عَلى غَيْرِ السُّنَّةِ. أوْ أُرِيدَ بِها غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى إلّا ازْدَدْتَ بِهِ خَيْرًا، ودَرَجَةً ورِفْعَةً. وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، ومُناصَحَةُ وُلاةِ الأمْرِ، ولُزُومُ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ. فَإنَّ دَعْوَتَهم تُحِيطُ مِن ورائِهِمْ»
أيْ لا يَبْقى فِيهِ غِلٌّ، ولا يَحْمِلُ الغِلَّ مَعَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. بَلْ تَنْفِي عَنْهُ غِلَّهُ. وتُنَقِّيهِ مِنهُ. وتُخْرِجُهُ عَنْهُ. فَإنَّ القَلْبَ يَغِلُّ عَلى الشِّرْكِ أعْظَمَ غِلٍّ. وكَذَلِكَ يَغِلُّ عَلى الغِشِّ. وعَلى خُرُوجِهِ عَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ بِالبِدْعَةِ والضَّلالَةِ. فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ تَمْلَؤُهُ غِلًّا ودَغَلًا. ودَواءُ هَذا الغِلِّ، واسْتِخْراجُ أخْلاطِهِ بِتَجْرِيدِ الإخْلاصِ والنُّصْحِ، ومُتابَعَةِ السُّنَّةِ.
«وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ رِياءً، ويُقاتِلُ شَجاعَةً. ويُقاتِلُ حَمِيَّةً: أيُّ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقالَ: مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ».
وَأخْبَرَ عَنْ أوَّلِ ثَلاثَةٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النّارُ: قارِئُ القُرْآنِ، والمُجاهِدُ، والمُتَصَدِّقُ بِمالِهِ، الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، فُلانٌ شُجاعٌ، فُلانٌ مُتَصَدِّقٌ، ولَمْ تَكُنْ أعْمالُهم خالِصَةً لِلَّهِ.
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإلَهِيِّ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ. مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهو لِلَّذِي أشْرَكَ بِهِ. وأنا مِنهُ بَرِيءٌ».
وَفِي أثَرٍ آخَرَ: يَقُولُ «لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ اذْهَبْ فَخُذْ أجْرَكَ مِمَّنْ عَمِلْتَ لَهُ. لا أجْرَ لَكَ عِنْدَنا».
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسامِكُمْ، ولا إلى صُوَرِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ». وقالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وَفِي أثَرٍ مَرْوِيٍّ إلَهِيٍّ: «الإخْلاصُ سِرٌّ مِن سِرِّي، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَن أحْبَبْتُهُ مِن عِبادِي».
وَقَدْ تَنَوَّعَتْ عِبارَتُهم في الإخْلاصِ والصِّدْقِ، والقَصْدُ واحِدٌ.
فَقِيلَ: هو إفْرادُ الحَقِّ سُبْحانَهُ بِالقَصْدِ في الطّاعَةِ.
وَقِيلَ: تَصْفِيَةُ الفِعْلِ عَنْ مُلاحَظَةِ المَخْلُوقِينَ.
وَقِيلَ: التَّوَقِّي مِن مُلاحَظَةِ الخَلْقِ حَتّى عَنْ نَفْسِكَ. والصِّدْقُ التَّنَقِّي مِن مُطالَعَةِ النَّفْسِ. فالمُخْلِصُ لا رِياءَ لَهُ، والصّادِقُ لا إعْجابَ لَهُ. ولا يَتِمُّ الإخْلاصُ إلّا بِالصِّدْقِ، ولا الصِّدْقُ إلّا بِالإخْلاصِ. ولا يَتِمّانِ إلّا بِالصَّبْرِ.
وَقِيلَ: مَن شَهِدَ في إخْلاصِهِ الإخْلاصَ، احْتاجَ إخْلاصُهُ إلى إخْلاصٍ. فَنُقْصانُ كُلِّ مُخْلِصٍ في إخْلاصِهِ: بِقَدْرِ رُؤْيَةِ إخْلاصِهِ. فَإذا سَقَطَ عَنْ نَفْسِهِ رُؤْيَةُ الإخْلاصِ، صارَ مُخْلِصًا مُخْلَصًا.
وَقِيلَ: الإخْلاصُ اسْتِواءُ أعْمالِ العَبْدِ في الظّاهِرِ والباطِنِ. والرِّياءُ: أنْ يَكُونَ ظاهِرَهُ خَيْرًا مِن باطِنِهِ. والصِّدْقُ في الإخْلاصِ: أنْ يَكُونَ باطِنُهُ أعْمَرَ مِن ظاهِرِهِ.
وَقِيلَ: الإخْلاصُ نِسْيانُ رُؤْيَةِ الخَلْقِ بِدَوامِ النَّظَرِ إلى الخالِقِ. ومَن تَزَيَّنَ لِلنّاسِ بِما لَيْسَ فِيهِ سَقَطَ مِن عَيْنِ اللَّهِ.
وَمِن كَلامِ الفُضَيْلِ: تَرْكُ العَمَلِ مِن أجْلِ النّاسِ: رِياءٌ. والعَمَلُ مِن أجْلِ النّاسِ: شِرْكٌ. والإخْلاصُ: أنْ يُعافِيَكَ اللَّهُ مِنهُما.
قالَ الجُنَيْدُ: الإخْلاصُ سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ. لا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ فَيَكْتُبُهُ، ولا شَيْطانٌ فَيُفْسِدُهُ. ولا هَوًى فَيُمِيلُهُ.
وَقِيلَ لِسَهْلٍ: أيُّ شَيْءٍ أشَدُّ عَلى النَّفْسِ؟ فَقالَ: الإخْلاصُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَها فِيهِ نَصِيبٌ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: الإخْلاصُ أنْ لا تَطْلُبَ عَلى عَمَلِكَ شاهِدًا غَيْرَ اللَّهِ، ولا مُجازِيًا سِواهُ.
وَقالَ مَكْحُولٌ: ما أخْلَصَ عَبْدٌ قَطُّ أرْبَعِينَ يَوْمًا إلّا ظَهَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ.
وَقالَ يُوسُفُ بْنُ الحُسَيْنِ: أعَزُّ شَيْءٍ في الدُّنْيا: الإخْلاصُ. وكَمْ أجْتَهِدُ في إسْقاطِ الرِّياءِ عَنْ قَلْبِي. فَكَأنَّهُ يَنْبُتُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ.
وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: إذا أخْلَصَ العَبْدُ انْقَطَعَتْ عَنْهُ كَثْرَةُ الوَساوِسِ والرِّياءِ.
[فَصْلٌ دَرَجاتُ الإخْلاصِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى إخْراجُ رُؤْيَةِ العَمَلِ عَنِ العَمَلِ والخَلاصُ مِن طَلَبِ العِوَضِ عَلى العَمَلِ]
فَصْلٌ
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الإخْلاصُ: تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِن كُلِّ شَوْبٍ.
أيْ لا يُمازِجُ عَمَلَهُ ما يَشُوبُهُ مِن شَوائِبَ إراداتُ النَّفْسِ إمّا طَلَبُ التَّزَيُّنِ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإمّا طَلَبُ مَدْحِهِمْ، والهَرَبُ مِن ذَمِّهِمْ، أوْ طَلَبُ تَعْظِيمِهِمْ، أوْ طَلَبُ أمْوالِهِمْ أوْ خِدْمَتِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ وقَضائِهِمْ حَوائِجَهُ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِلَلِ والشَّوائِبِ، الَّتِي عَقْدُ مُتَفَرِّقاتِها هو إرادَةُ ما سِوى اللَّهِ بِعَمَلِهِ، كائِنًا ما كانَ.
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: إخْراجُ رُؤْيَةِ العَمَلِ عَنِ العَمَلِ، والخَلاصُ مِن طَلَبِ العِوَضِ عَلى العَمَلِ، والنُّزُولُ عَنِ الرِّضا بِالعَمَلِ.
يَعْرِضُ لِلْعامِلِ في عَمَلِهِ ثَلاثُ آفاتٍ: رُؤْيَتُهُ ومُلاحَظَتُهُ، وطَلَبُ العِوَضِ عَلَيْهِ، ورِضاهُ بِهِ وسُكُونُهُ إلَيْهِ.
فَفِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ يَتَخَلَّصُ مِن هَذِهِ البَلِيَّةِ. فالَّذِي يُخَلِّصُهُ مِن رُؤْيَةِ عَمَلِهِ مُشاهَدَتُهُ لِمِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وفَضْلِهِ وتَوْفِيقِهِ لَهُ، وأنَّهُ بِاللَّهِ لا بِنَفْسِهِ، وأنَّهُ إنَّما أوْجَبَ عَمَلَهُ مَشِيئَةُ اللَّهِ لا مَشِيئَتُهُ هُوَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
فَهُنا يَنْفَعُهُ شُهُودُ الجَبْرِ، وأنَّهُ آلَةٌ مَحْضَةٌ، وأنَّ فِعْلَهُ كَحَرَكاتِ الأشْجارِ، وهُبُوبِ الرِّياحِ، وأنَّ المُحَرِّكَ لَهُ غَيْرُهُ، والفاعِلُ فِيهِ سِواهُ، وأنَّهُ مَيِّتٌ - والمَيِّتُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا - وأنَّهُ لَوْ خُلِّيَ ونَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ مِن فِعْلِهِ الصّالِحِ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ. فَإنَّ النَّفْسَ جاهِلَةٌ ظالِمَةٌ، طَبْعُها الكَسَلُ، وإيثارُ الشَّهَواتِ والبَطالَةِ. وهي مَنبَعُ كُلِّ شَرٍّ، ومَأْوى كُلِّ سُوءٍ. وما كانَ هَكَذا لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ خَيْرٌ، ولا هو مِن شَأْنِهِ.
فالخَيْرُ الَّذِي يَصْدُرُ مِنها إنَّما هو مِنَ اللَّهِ وبِهِ. لا مِنَ العَبْدِ، ولا بِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٢١]، وقالَ أهْلُ الجَنَّةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقالَ تَبارَكَ وتَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤].
وَقالَ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] الآيَةَ.
فَكُلُّ خَيْرٍ في العَبْدِ فَهو مُجَرَّدُ فَضْلِ اللَّهِ ومِنَّتِهِ، وإحْسانِهِ ونِعْمَتِهِ. وهو المَحْمُودُ عَلَيْهِ. فَرُؤْيَةُ العَبْدِ لِأعْمالِهِ في الحَقِيقَةِ، كَرُؤْيَتِهِ لِصِفاتِهِ الخِلْقِيَّةِ: مِن سَمْعِهِ وبَصَرِهِ، وإدْراكِهِ وقُوَّتِهِ، بَلْ مِن صِحَّتِهِ، وسَلامَةِ أعْضائِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. فالكُلُّ مُجَرَّدُ عَطاءِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ وفَضْلِهِ.
فالَّذِي يُخَلِّصُ العَبْدَ مِن هَذِهِ الآفَةِ: مَعْرِفَةُ رَبِّهِ، ومَعْرِفَةُ نَفْسِهِ.
والَّذِي يُخَلِّصُهُ مِن طَلَبِ العِوَضِ عَلى العَمَلِ: عِلْمُهُ بِأنَّهُ عَبْدٌ مَحْضٌ. والعَبْدُ لا يَسْتَحِقُّ عَلى خِدْمَتِهِ لِسَيِّدِهِ عِوَضًا ولا أُجْرَةً؛ إذْ هو يَخْدِمُهُ بِمُقْتَضى عُبُودِيَّتِهِ. فَما يَنالُهُ مِن سَيِّدِهِ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ تَفَضُّلٌ مِنهُ، وإحْسانٌ إلَيْهِ، وإنْعامٌ عَلَيْهِ، لا مُعارَضَةٌ؛ إذِ الأُجْرَةُ إنَّما يَسْتَحِقُّها الحُرُّ، أوْ عَبْدُ الغَيْرِ. فَأمّا عَبْدُ نَفْسِهِ فَلا.
والَّذِي يُخَلِّصُهُ مِن رِضاهُ بِعَمَلِهِ وسُكُونِهِ إلَيْهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: مُطالَعَةُ عُيُوبِهِ وآفاتِهِ، وتَقْصِيرِهِ فِيهِ، وما فِيهِ مِن حَظِّ النَّفْسِ، ونَصِيبِ الشَّيْطانِ. فَقَلَّ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ إلّا ولِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ، وإنْ قَلَّ. ولِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ.
«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التِفاتِ الرَّجُلِ في صَلاتِهِ؟ فَقالَ: هو اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطانُ مِن صَلاةِ العَبْدِ».
فَإذا كانَ هَذا التِفاتَ طَرْفِهِ أوْ لَحْظِهِ؛ فَكَيْفَ التِفاتُ قَلْبِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ؟ هَذا أعْظَمُ نَصِيبِ الشَّيْطانِ مِنَ العُبُودِيَّةِ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا يَجْعَلُ أحَدُكم لِلشَّيْطانِ حَظًّا مِن صَلاتِهِ، يَرى أنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أنْ لا يَنْصَرِفَ إلّا عَنْ يَمِينِهِ. فَجَعَلَ هَذا القَدْرَ اليَسِيرَ النَّزْرِ حَظًّا ونَصِيبًا لِلشَّيْطانِ مِن صَلاةِ العَبْدِ. فَما الظَّنُّ بِما فَوْقَهُ؟
وَأمّا حَظُّ النَّفْسِ مِنَ العَمَلِ فَلا يَعْرِفُهُ إلّا أهْلُ البَصائِرِ الصّادِقُونَ.
الثّانِي: عِلْمُهُ بِما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ مِن حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ، وآدابِها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وشُرُوطِها، وأنَّ العَبْدَ أضْعَفُ وأعْجَزُ وأقَلُّ مِن أنْ يُوَفِّيَها حَقًّا، وأنْ يَرْضى بِها لِرَبِّهِ. فالعارِفُ لا يَرْضى بِشَيْءٍ مِن عَمَلِهِ لِرَبِّهِ، ولا يَرْضى نَفْسَهُ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. ويَسْتَحْيِي مِن مُقابَلَةِ اللَّهِ بِعَمَلِهِ.
فَسُوءُ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ وعَمَلِهِ وبُغْضُهُ لَها، وكَراهَتُهُ لِأنْفاسِهِ وصُعُودِها إلى اللَّهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرِّضا بِعَمَلِهِ، والرِّضا عَنْ نَفْسِهِ.
وَكانَ بَعْضُ السَّلَفُ يُصَلِّي في اليَوْمِ واللَّيْلَةَ أرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَقْبِضُ عَلى لِحْيَتِهِ ويَهُزُّها. ويَقُولُ لِنَفْسِهِ: يا مَأْوى كُلِّ سُوءٍ، وهَلْ رَضِيتُكَ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؟
وَقالَ بَعْضُهُمْ: آفَةُ العَبْدِ رِضاهُ عَنْ نَفْسِهِ. ومَن نَظَرَ إلى نَفْسِهِ بِاسْتِحْسانِ شَيْءٍ مِنها فَقَدْ أهْلَكَها. ومَن لَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ عَلى دَوامِ الأوْقاتِ فَهو مَغْرُورٌ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ]
فَصْلٌ
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ، وتَوْفِيرِ الجُهْدِ بِالِاحْتِماءِ مِنَ الشُّهُودِ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ في نُورِ التَّوْفِيقِ مِن عَيْنِ الجُودِ.
هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورِ " خَجَلُهُ " مِن عَمَلِهِ، وهو شِدَّةُ حَيائِهِ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ العَمَلَ صالِحًا لَهُ، مَعَ بَذْلِ مَجْهُودِهِ فِيهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويُصَلِّي، ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ».
وَقالَ بَعْضُهُمْ: إنِّي لَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأقُومُ عَنْهُما بِمَنزِلَةِ السّارِقِ أوِ الزّانِي، الَّذِي يَراهُ النّاسُ، حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فالمُؤْمِنُ: جَمَعَ إحْسانًا في مَخافَةٍ وسُوءَ ظَنٍّ بِنَفْسِهِ. والمَغْرُورُ: حَسَنُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ إساءَتِهِ.
الثّانِي: تَوْفِيرُ الجُهْدِ بِاحْتِمائِهِ مِنَ الشُّهُودِ، أيْ يَأْتِي بِجُهْدِ الطّاقَةِ في تَصْحِيحِ العَمَلِ، مُحْتَمِيًا عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ وبِكَ.
الثّالِثُ: أنْ تَحْتَمِيَ بِنُورِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يُنَوِّرُ اللَّهُ بِهِ بَصِيرَةَ العَبْدِ. فَتَرى في ضَوْءِ ذَلِكَ النُّورِ أنَّ عَمَلَكَ مِن عَيْنِ جُودِهِ لا بِكَ، ولا مِنكَ.
فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ عَلى خَمْسَةِ أشْياءَ: عَمَلٌ، واجْتِهادٌ فِيهِ، وخَجَلٌ، وحَياءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيانَةٌ عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ، ورُؤْيَتُهُ مِن عَيْنِ جُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومِنهُ.
[الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ إخْلاصُ العَمَلِ بِالخَلاصِ مِنَ العَمَلِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: إخْلاصُ العَمَلِ بِالخَلاصِ مِنَ العَمَلِ، تَدَعُهُ يَسِيرُ سَيْرَ العِلْمِ. وتَسِيرُ أنْتَ مُشاهِدًا لِلْحُكْمِ، حُرًّا مِن رِقِّ الرَّسْمِ.
قَدْ فَسَّرَ الشَّيْخُ مُرادَهُ بِإخْلاصِ العَمَلِ مِنَ العَمَلِ بِقَوْلِهِ: تَدَعُهُ يَسِيرُ سَيْرَ العِلْمِ وتَسِيرُ أنْتَ مُشاهِدًا لِلْحُكْمِ.
وَمَعْنى كَلامِهِ: أنَّكَ تَجْعَلُ عَمَلَكَ تابِعًا لِعِلْمٍ، مُوافِقًا لَهُ، مُؤْتَمًّا بِهِ. تَسِيرُ بِسَيْرِهِ وتَقِفُ بِوُقُوفِهِ، وتَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ. نازِلًا مَنازِلَهُ، مُرْتَوِيًا مِن مَوارِدِهِ، ناظِرًا إلى الحُكْمِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ، مُتَقَيِّدًا بِهِ، فِعْلًا وتَرْكًا، وطَلَبًا وهَرَبًا. ناظِرًا إلى تَرَتُّبِ الثَّوابِ والعِقابِ عَلَيْهِ سَبَبًا وكَسْبًا. ومَعَ ذَلِكَ فَتَسِيرُ أنْتَ بِقَلْبِكَ، مُشاهِدًا لِلْحُكْمِ الكَوْنِيِّ القَضائِيِّ، الَّذِي تَنْطَوِي فِيهِ الأسْبابُ والمُسَبَّباتُ، والحَرَكاتُ والسَّكَناتُ. ولا يَبْقى هُناكَ غَيْرُ مَحْضِ المَشِيئَةِ، وتَفَرُّدِ الرَّبِّ وحْدَهُ بِالأفْعالِ، ومَصْدَرِها عَنْ إرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ. فَيَكُونُ قائِمًا بِالأمْرِ والنَّهْيِ فِعْلًا وتَرْكًا، سائِرًا بِسَيْرِهِ، وبِالقَضاءِ والقَدَرِ، إيمانًا وشُهُودًا وحَقِيقَةً. فَهو ناظِرٌ إلى الحَقِيقَةِ. قائِمٌ بِالشَّرِيعَةِ.
وَهَذانِ الأمْرانِ هُما عُبُودِيَّةُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ - وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨-٢٩] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا - وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩-٣٠].
فَتَرْكُ العَمَلِ يَسِيرُ سَيْرَ العِلْمِ: مَشْهَدُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، وسَيْرُ صاحِبِهِ
مُشاهِدًا لِلْحُكْمِ: مَشْهَدُ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
وَأمّا قَوْلُهُ: حُرًّا مِن رِقِّ الرَّسْمِ، فالحُرِّيَّةُ الَّتِي يُشِيرُونَ إلَيْها: هي عَدَمُ الدُّخُولِ تَحْتَ عُبُودِيَّةِ الخَلْقِ والنَّفْسِ، والدُّخُولُ تَحْتَ رِقِّ عُبُودِيَّةِ الحَقِّ وحْدَهُ.
وَمُرادُهم بِالرَّسْمِ: ما سِوى اللَّهِ، فَكُلُّهُ رُسُومٌ. فَإنَّ الرُّسُومَ هي الآثارُ. ورُسُومُ المَنازِلِ والدِّيارِ: هي الآثارُ الَّتِي تَبْقى بَعْدَ سُكّانِها. والمَخْلُوقاتُ بِأسْرِها في مَنزِلِ الحَقِيقَةِ رُسُومٌ وآثارٌ لِلْقُدْرَةِ؛ أيْ فَتُخَلِّصُ نَفْسَكَ مِن عُبُودِيَّةِ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، وتَكُونُ بِقَلْبِكَ مَعَ القادِرِ الحَقِّ وحْدَهُ. لا مَعَ آثارِ قُدْرَتِهِ الَّتِي هي رُسُومٌ. فَلا تَشْتَغِلُ بِغَيْرِهِ لِتَشْغَلَها بِعُبُودِيَّتِهِ. ولا تَطْلُبُ بِعُبُودِيَّتِكَ لَهُ حالًا ولا مَقامًا. ولا مُكاشَفَةً، ولا شَيْئًا سِواهُ.
فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أُمُورٍ: بَذْلُ الجُهْدِ، وتَحْكِيمُ العِلْمِ، والنَّظَرُ إلى الحَقِيقَةِ، والتَّخَلُّصُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.
[فَصْلٌ حَقِيقَةُ الإخْلاصِ تَوْحِيدُ المَطْلُوبِ]
فَصْلٌ
الإخْلاصُ عَدَمُ انْقِسامِ المَطْلُوبِ. والصِّدْقُ عَدَمُ انْقِسامِ الطَّلَبِ.
فَحَقِيقَةُ الإخْلاصِ: تَوْحِيدُ المَطْلُوبِ. وحَقِيقَةُ الصِّدْقِ: تَوْحِيدُ الطَّلَبِ والإرادَةِ. ولا يُثْمِرانِ إلّا بِالِاسْتِسْلامِ المَحْضِ لِلْمُتابَعَةِ.
فَهَذِهِ الأرْكانُ الثَّلاثَةُ: هي أرْكانُ السَّيْرِ، وأُصُولُ الطَّرِيقِ الَّتِي مَن لَمْ يَبْنِ عَلَيْها سُلُوكَهُ وسَيْرَهُ فَهو مَقْطُوعٌ. وإنْ ظَنَّ أنَّهُ سائِرٌ، فَسَيْرُهُ إمّا إلى عَكْسِ جِهَةِ مَقْصُودِهِ، وإمّا سَيْرُ المُقْعَدِ والمُقَيَّدِ، وإمّا سَيْرُ صاحِبِ الدّابَّةِ الجَمُوحِ. كُلَّما مَشَتْ خُطْوَةً إلى قُدّامٍ رَجَعَتْ عَشَرَةً إلى الخَلْفِ.
فَإنْ عَدَمَ الإخْلاصَ والمُتابَعَةَ: انْعَكَسَ سَيْرُهُ إلى خَلْفٍ. وإنْ لَمْ يَبْذُلْ جُهْدَهُ ويُوَحِّدْ طَلَبَهُ: سارَ سَيْرَ المُقَيَّدِ.
وَإنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الثَّلاثَةُ: فَذَلِكَ الَّذِي لا يُجارى في مِضْمارِ سَيْرِهِ. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيِهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.
البينة 98:7
فالعَبْدُ المُؤْمِنُ الصّالِحُ مِن خَيْرِ البَرِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرَدُّ شَهادَتُهُ؟ وقَدْ عَدَّلَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، كَما في الحَدِيثِ المَعْرُوفِ المَرْفُوعِ:
«يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغالِينَ، وانْتِحالَ المُبْطِلِينَ، وتَأْوِيلَ الجاهِلِينَ»
والعَبْدُ يَكُونُ مِن حَمَلَةِ العِلْمِ، فَهو عَدْلٌ بِنَصِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وَأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا رُوِيَ عَنْهُ الحَدِيثُ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ عَلى واحِدٍ مِن النّاسِ؟
البينة 98:8
وَأمّا الرِّضا عَنْهُ: فَهو رِضا العَبْدِ بِما يَفْعَلُهُ بِهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ إلّا في الثَّوابِ والجَزاءِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧]
فَهَذا بِرِضاها عَنْهُ لِما حَصَلَ لَها مِن كَرامَتِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨].
والرِّضا بِهِ: أصْلُ الرِّضا عَنْهُ، والرِّضا عَنْهُ: ثَمَرَةُ الرِّضا بِهِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرِّضا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ. والرِّضا عَنْهُ: مُتَعَلِّقٌ بِثَوابِهِ وجَزائِهِ.
وَأيْضًا: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ ذَوْقَ طَعْمِ الإيمانِ بِمَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا. ولَمْ يُعَلِّقْهُ بِمَن رَضِيَ عَنْهُ، كَما قالَ ﷺ «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا.». فَجَعَلَ الرِّضا بِهِ قَرِينَ الرِّضا بِدِينِهِ ونَبِيِّهِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ الإسْلامِ، الَّتِي لا يَقُومُ إلّا بِها وعَلَيْها.