Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الزلزلة 99:4 – العصر 103:3

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الزلزلة 99:4
  2. الزلزلة 99:5
  3. الزلزلة 99:7
  4. الزلزلة 99:8
  5. العاديات 100:1
  6. العاديات 100:2
  7. العاديات 100:3
  8. العاديات 100:6
  9. العاديات 100:7
  10. العاديات 100:8
  11. العاديات 100:9
  12. العاديات 100:10
  13. العاديات 100:11
  14. القارعة 101:1
  15. القارعة 101:2
  16. القارعة 101:3
  17. القارعة 101:4
  18. القارعة 101:8
  19. القارعة 101:9
  20. التكاثر 102:1
  21. التكاثر 102:2
  22. التكاثر 102:3
  23. التكاثر 102:4
  24. التكاثر 102:5
  25. التكاثر 102:6
  26. التكاثر 102:7
  27. التكاثر 102:8
  28. العصر 103:1
  29. العصر 103:2
  30. العصر 103:3

الزلزلة 99:4

(فائدة) اعلم أن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيرًا لشهود العبد يوم القيامة، فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها (١) وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها (٢) وقالَ الإنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها (٤) بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها (٥)﴾ فروى الترمذي في جامعه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: «قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ فقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والذاكر لله عز وجل في سائر البقاع مكثر شهوده، ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوه يوم القيامة، يوم قيام الأشهاد وأداء الشهادات فيفرح ويغتبط بشهادتهم. (فصل) وَلما اقْتَضَت حكمته تبارك وتَعالى أن جعل من الأرض السهل والوعر والجِبال والرمل لينْتَفع بِكُل ذَلِك في وجهه، ويحصل مِنهُ ما خلق لَهُ، وكانَت الأرض بِهَذِهِ المثابة لزم من ذَلِك أن صارَت كالأم الَّتِي تحمل في بَطنها أنواع الأولاد من كل صنف، ثمَّ تخرج إلى النّاس والحَيَوان من ذَلِك ما أذن لَها فِيهِ رَبها أن تخرجه إما بعلمهم، وإمّا بِدُونِهِ. ثمَّ يرد إليها ما خرج مِنها. وَجعلها سُبْحانَهُ كفاتا فللأحياء ما داموا على ظهرها، فَإذا ماتُوا استودعتهم في بَطنها، فَكانَت كفاتا لَهُم تضمهم على ظهرها أحياء، وفي بَطنها أمواتا. فَإذا كانَ يَوْم الوَقْت المَعْلُوم وقد أثقلها الحمل، وحان وقت الولادَة ودنو المَخاض أوحى إليها رَبها وفاطرها أن تضع حملها وتخرج أثقالها فَتخرج النّاس من بَطنها إلى ظهرها، وتقول رب هَذا ما استودعتني وتخرج كنوزها بإذنه تَعالى ثمَّ تحدث أخبارها، وتشهد على بنيها بِما عمِلُوا على ظهرها من خير وشر.

الزلزلة 99:5

(فائدة) اعلم أن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيرًا لشهود العبد يوم القيامة، فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها (١) وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها (٢) وقالَ الإنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها (٤) بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها (٥)﴾ فروى الترمذي في جامعه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: «قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ فقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والذاكر لله عز وجل في سائر البقاع مكثر شهوده، ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوه يوم القيامة، يوم قيام الأشهاد وأداء الشهادات فيفرح ويغتبط بشهادتهم. (فصل) وَلما اقْتَضَت حكمته تبارك وتَعالى أن جعل من الأرض السهل والوعر والجِبال والرمل لينْتَفع بِكُل ذَلِك في وجهه، ويحصل مِنهُ ما خلق لَهُ، وكانَت الأرض بِهَذِهِ المثابة لزم من ذَلِك أن صارَت كالأم الَّتِي تحمل في بَطنها أنواع الأولاد من كل صنف، ثمَّ تخرج إلى النّاس والحَيَوان من ذَلِك ما أذن لَها فِيهِ رَبها أن تخرجه إما بعلمهم، وإمّا بِدُونِهِ. ثمَّ يرد إليها ما خرج مِنها. وَجعلها سُبْحانَهُ كفاتا فللأحياء ما داموا على ظهرها، فَإذا ماتُوا استودعتهم في بَطنها، فَكانَت كفاتا لَهُم تضمهم على ظهرها أحياء، وفي بَطنها أمواتا. فَإذا كانَ يَوْم الوَقْت المَعْلُوم وقد أثقلها الحمل، وحان وقت الولادَة ودنو المَخاض أوحى إليها رَبها وفاطرها أن تضع حملها وتخرج أثقالها فَتخرج النّاس من بَطنها إلى ظهرها، وتقول رب هَذا ما استودعتني وتخرج كنوزها بإذنه تَعالى ثمَّ تحدث أخبارها، وتشهد على بنيها بِما عمِلُوا على ظهرها من خير وشر.

الزلزلة 99:7

وَسَمّى النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ جامِعَةً فاذَّةً: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. أي عامة فذة في بابها. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الحُمُرِ؛ فَقالَ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيها إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.

الزلزلة 99:8

وَسَمّى النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ جامِعَةً فاذَّةً: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. أي عامة فذة في بابها. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الحُمُرِ؛ فَقالَ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيها إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.

العاديات 100:1

(فصل) ومن ذلك إقسامه سبحانه بـ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا فالمُورِياتِ قَدْحًا فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبد الله بن عباس هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الإبل السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولا خيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونه ويألفونه وهي إبل الحاج إذا عدت من عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول: ؎فكان لكم أجري جميعًا وأضبحت ∗∗∗ بي البازل الوجناء في الآل تضبح قالوا فهي تعدو ضبحًا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض فتثير النقع وهو الغبار بعدوها فيتوسط جمعًا وهي المزدلفة قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحًا مصدرًا على الأول وحالًا على الثاني قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحًا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنها الخيل وهو قوله تعالى ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والايراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء إنتهى قالوا والضبح في الخيل أظهر منه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منه لاخفاف الإبل قالوا والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل والضمير في به عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا وأعظم ما يثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الإغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا وأما قولكم إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الإختصاص فإن هذا شأن خيل المقاتلة وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل به العز والظفر والنصر على الأعداء فيعدوا طالبة للعدو وهاربة منه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمة عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم كما ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالإبل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص بنصرة الرجال فذكرهم بنعمه بهذا وهذا وخص الإغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنًا أمسك وإلا أغار ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة وعلى هذا فيكون التقدير فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم الذين يغيرون فيورون بالليل نيرانهم لطامعهم وحاجتهم كأنهم أخذوه من قوله تعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ وهذا إن أريد به التمثيل وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد به اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات بعينها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنها عدت فأورت وقال قتادة الموريات هي الخيل تورى نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منه قول عكرمة هي الألسنة تورى نار العداوة بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد هي أفكار الرجال تورى نار المكر والخديعة في الحرب وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد أنها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول تفسير على اللفظ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون وتفسير على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لا بأس به بأربعة شرائط أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه وأن يكون في اللفظ إشعار به وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج قدحًا يعني فالمنجحات أمرًا يريد البالغين بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله فأثرن فوسطن وهما فعلان على العاديات والموريات لما فيه من معنى الفعل وكان ذكر الفعل في أثرن ووسطن أحسن من ذكر الاسم لأنه سبحانه قسم أفعالنا إلى قسمين وسيلة وغاية فالوسيلة هي العدو وما يتبعه من الإيراء والإغارة والغاية هي توسط الجمع وما يتبعه من إثارة النقع فهن عاديات موريات مغيرات حتى يتوسطن الجمع ويثرن النقع فالأول شأنهن الذي أعددن له والثاني فعلهن الذي انتهين إليه والله أعلم. فهذا شأن القسم. وقال في (الفروسية) المُراد بقوله تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا﴾ الثّالِث عشر أن الله سُبْحانَهُ وتَعالى أقسم بِالخَيْلِ في كِتابه وذَلِكَ يدل على شرفها وفضلها عِنْده قالَ تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا﴾ [العاديات: ١-٣] أقسم سُبْحانَهُ بِالخَيْلِ تعدو في سَبيله و (الضبح) صَوت في أجوافها عند جريها ﴿فالموريات قدحا﴾ توري النّار بحوافرها عِنْدَما تصك الحِجارَة ﴿فأثرن بِهِ نقعا﴾ (النَّقْع) الغُبار تثيره الخَيل عند عدوها والضَّمِير في ﴿بِهِ﴾ قيل يعود على القدح وهو ضَعِيف فَإن الغُبار لا يثار بالقدح وقيل عائِد على المغار المَدْلُول عَلَيْهِ بقوله ﴿فالمغيرات﴾ أي أثرن بالمغار غبارا لِكَثْرَة جولاتها فِيهِ ويجوز أن يعود على المغار الَّذِي هو مصدر أي أثرن الغُبار بِسَبَب الإغارة ويجوز أن يعود على العَدو المَفْهُوم من لفظ ﴿العاديات﴾ والضَّمِير في ﴿وَبِه﴾ الثّانِيَة مثل الأولى وقيل عائِد على النَّقْع أي وسطن جمعا ملتبسات بالنقع وعَلى هَذا ف (جمع) هُنا مجمع العَدو وهَذا قَول ابْن مَسْعُود وَقالَ عَليّ المُراد بها إبل الحاج أقسم الله سُبْحانَهُ بها لعدوها في الحَج الَّذِي هو من سَبيله و (جمع) الَّذِي وسطن بِهِ هو مُزْدَلِفَة أغرن بِهِ وقت الصُّبْح والقَوْل الأول أرجح لوجوه أحدها أن المُسْتَعْمل بالضبح إنَّما هو الخَيل ولِهَذا قالَ أهل اللُّغَة الضبح صَوت أنفاس الخَيل إذا عدت قالَ الله تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا﴾ ويُقال أيْضا ضبح الثَّعْلَب الثّانِي وصفها بِأنَّها توري النّار من الحِجارَة عند عدوها وهَذا مشهود في الخَيل لقرع سنابكها في الحَدِيد للصفا فيتولد قدح النّار من بَينهما كَما يتَوَلَّد من الحَدِيد والصوان عند القدح الثّالِث أنه وصفها بالإغارة وهِي وإن اسْتعْملت لِلْإبِلِ كَما كانَت قُرَيْش تَقول أشرقت ثبير كَيْما نغير لَكِن اسْتِعْمالها في إغارة الغَزْو أكثر الرّابِع أنه سُبْحانَهُ وقت الإغارة بالصبح والحجاج عند الصُّبْح لا يغيرون وإنَّما يكونُونَ بموقف مُزْدَلِفَة وقريش إذْ ذاك لم تكن تغير حَتّى تطلع الشَّمْس فَلم تكن تغير بالصبح قُرَيْش ولا غَيرها من العَرَب فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أنه كانَ في الغَزْو لا يُغير حَتّى يصبح فَإذا أصبح فَإن سمع أذانا أمسك وإلّا أغار. الخامِس أنه سُبْحانَهُ عطف توَسط الجمع بِالفاءِ الَّتِي هي للتَّرْتِيب بعد الإغارة وهَذا يَقْتَضِي أنَّها أغارت وقت الصُّبْح فتوسط الجمع بعد الإغارة ومن المَعْلُوم أن إبل الحاج لَها إغارتان إغارة في أول اللَّيْل إلى جمع وإغارة قبل طُلُوع الشَّمْس مِنها إلى منى والإغارة الأولى قبل الصُّبْح ولا يُمكن الجمع بَينهما وبَين وقت الصُّبْح وبَين توَسط جمع وهَذا ظاهر السّادِس أن النَّقْع هو الغُبار وجمع مُزْدَلِفَة وما حوله كُله صفا، وهو واد بَين جبلين لا غُبار بِهِ تثيره الإبِل. والله أعلم بمراده من كَلامه.

العاديات 100:2

(فصل) ومن ذلك إقسامه سبحانه بـ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا فالمُورِياتِ قَدْحًا فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبد الله بن عباس هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الإبل السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولا خيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونه ويألفونه وهي إبل الحاج إذا عدت من عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول: ؎فكان لكم أجري جميعًا وأضبحت ∗∗∗ بي البازل الوجناء في الآل تضبح قالوا فهي تعدو ضبحًا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض فتثير النقع وهو الغبار بعدوها فيتوسط جمعًا وهي المزدلفة قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحًا مصدرًا على الأول وحالًا على الثاني قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحًا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنها الخيل وهو قوله تعالى ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والايراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء إنتهى قالوا والضبح في الخيل أظهر منه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منه لاخفاف الإبل قالوا والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل والضمير في به عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا وأعظم ما يثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الإغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا وأما قولكم إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الإختصاص فإن هذا شأن خيل المقاتلة وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل به العز والظفر والنصر على الأعداء فيعدوا طالبة للعدو وهاربة منه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمة عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم كما ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالإبل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص بنصرة الرجال فذكرهم بنعمه بهذا وهذا وخص الإغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنًا أمسك وإلا أغار ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة وعلى هذا فيكون التقدير فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم الذين يغيرون فيورون بالليل نيرانهم لطامعهم وحاجتهم كأنهم أخذوه من قوله تعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ وهذا إن أريد به التمثيل وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد به اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات بعينها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنها عدت فأورت وقال قتادة الموريات هي الخيل تورى نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منه قول عكرمة هي الألسنة تورى نار العداوة بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد هي أفكار الرجال تورى نار المكر والخديعة في الحرب وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد أنها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول تفسير على اللفظ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون وتفسير على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لا بأس به بأربعة شرائط أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه وأن يكون في اللفظ إشعار به وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج قدحًا يعني فالمنجحات أمرًا يريد البالغين بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله فأثرن فوسطن وهما فعلان على العاديات والموريات لما فيه من معنى الفعل وكان ذكر الفعل في أثرن ووسطن أحسن من ذكر الاسم لأنه سبحانه قسم أفعالنا إلى قسمين وسيلة وغاية فالوسيلة هي العدو وما يتبعه من الإيراء والإغارة والغاية هي توسط الجمع وما يتبعه من إثارة النقع فهن عاديات موريات مغيرات حتى يتوسطن الجمع ويثرن النقع فالأول شأنهن الذي أعددن له والثاني فعلهن الذي انتهين إليه والله أعلم. فهذا شأن القسم. وقال في (الفروسية) المُراد بقوله تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا﴾ الثّالِث عشر أن الله سُبْحانَهُ وتَعالى أقسم بِالخَيْلِ في كِتابه وذَلِكَ يدل على شرفها وفضلها عِنْده قالَ تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا﴾ [العاديات: ١-٣] أقسم سُبْحانَهُ بِالخَيْلِ تعدو في سَبيله و (الضبح) صَوت في أجوافها عند جريها ﴿فالموريات قدحا﴾ توري النّار بحوافرها عِنْدَما تصك الحِجارَة ﴿فأثرن بِهِ نقعا﴾ (النَّقْع) الغُبار تثيره الخَيل عند عدوها والضَّمِير في ﴿بِهِ﴾ قيل يعود على القدح وهو ضَعِيف فَإن الغُبار لا يثار بالقدح وقيل عائِد على المغار المَدْلُول عَلَيْهِ بقوله ﴿فالمغيرات﴾ أي أثرن بالمغار غبارا لِكَثْرَة جولاتها فِيهِ ويجوز أن يعود على المغار الَّذِي هو مصدر أي أثرن الغُبار بِسَبَب الإغارة ويجوز أن يعود على العَدو المَفْهُوم من لفظ ﴿العاديات﴾ والضَّمِير في ﴿وَبِه﴾ الثّانِيَة مثل الأولى وقيل عائِد على النَّقْع أي وسطن جمعا ملتبسات بالنقع وعَلى هَذا ف (جمع) هُنا مجمع العَدو وهَذا قَول ابْن مَسْعُود وَقالَ عَليّ المُراد بها إبل الحاج أقسم الله سُبْحانَهُ بها لعدوها في الحَج الَّذِي هو من سَبيله و (جمع) الَّذِي وسطن بِهِ هو مُزْدَلِفَة أغرن بِهِ وقت الصُّبْح والقَوْل الأول أرجح لوجوه أحدها أن المُسْتَعْمل بالضبح إنَّما هو الخَيل ولِهَذا قالَ أهل اللُّغَة الضبح صَوت أنفاس الخَيل إذا عدت قالَ الله تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا﴾ ويُقال أيْضا ضبح الثَّعْلَب الثّانِي وصفها بِأنَّها توري النّار من الحِجارَة عند عدوها وهَذا مشهود في الخَيل لقرع سنابكها في الحَدِيد للصفا فيتولد قدح النّار من بَينهما كَما يتَوَلَّد من الحَدِيد والصوان عند القدح الثّالِث أنه وصفها بالإغارة وهِي وإن اسْتعْملت لِلْإبِلِ كَما كانَت قُرَيْش تَقول أشرقت ثبير كَيْما نغير لَكِن اسْتِعْمالها في إغارة الغَزْو أكثر الرّابِع أنه سُبْحانَهُ وقت الإغارة بالصبح والحجاج عند الصُّبْح لا يغيرون وإنَّما يكونُونَ بموقف مُزْدَلِفَة وقريش إذْ ذاك لم تكن تغير حَتّى تطلع الشَّمْس فَلم تكن تغير بالصبح قُرَيْش ولا غَيرها من العَرَب فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أنه كانَ في الغَزْو لا يُغير حَتّى يصبح فَإذا أصبح فَإن سمع أذانا أمسك وإلّا أغار. الخامِس أنه سُبْحانَهُ عطف توَسط الجمع بِالفاءِ الَّتِي هي للتَّرْتِيب بعد الإغارة وهَذا يَقْتَضِي أنَّها أغارت وقت الصُّبْح فتوسط الجمع بعد الإغارة ومن المَعْلُوم أن إبل الحاج لَها إغارتان إغارة في أول اللَّيْل إلى جمع وإغارة قبل طُلُوع الشَّمْس مِنها إلى منى والإغارة الأولى قبل الصُّبْح ولا يُمكن الجمع بَينهما وبَين وقت الصُّبْح وبَين توَسط جمع وهَذا ظاهر السّادِس أن النَّقْع هو الغُبار وجمع مُزْدَلِفَة وما حوله كُله صفا، وهو واد بَين جبلين لا غُبار بِهِ تثيره الإبِل. والله أعلم بمراده من كَلامه.

العاديات 100:3

(فصل) ومن ذلك إقسامه سبحانه بـ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا فالمُورِياتِ قَدْحًا فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبد الله بن عباس هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الإبل السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولا خيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونه ويألفونه وهي إبل الحاج إذا عدت من عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول: ؎فكان لكم أجري جميعًا وأضبحت ∗∗∗ بي البازل الوجناء في الآل تضبح قالوا فهي تعدو ضبحًا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض فتثير النقع وهو الغبار بعدوها فيتوسط جمعًا وهي المزدلفة قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحًا مصدرًا على الأول وحالًا على الثاني قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحًا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنها الخيل وهو قوله تعالى ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والايراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء إنتهى قالوا والضبح في الخيل أظهر منه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منه لاخفاف الإبل قالوا والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل والضمير في به عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا وأعظم ما يثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الإغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا وأما قولكم إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الإختصاص فإن هذا شأن خيل المقاتلة وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل به العز والظفر والنصر على الأعداء فيعدوا طالبة للعدو وهاربة منه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمة عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم كما ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالإبل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص بنصرة الرجال فذكرهم بنعمه بهذا وهذا وخص الإغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنًا أمسك وإلا أغار ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة وعلى هذا فيكون التقدير فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم الذين يغيرون فيورون بالليل نيرانهم لطامعهم وحاجتهم كأنهم أخذوه من قوله تعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ وهذا إن أريد به التمثيل وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد به اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات بعينها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنها عدت فأورت وقال قتادة الموريات هي الخيل تورى نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منه قول عكرمة هي الألسنة تورى نار العداوة بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد هي أفكار الرجال تورى نار المكر والخديعة في الحرب وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد أنها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول تفسير على اللفظ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون وتفسير على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لا بأس به بأربعة شرائط أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه وأن يكون في اللفظ إشعار به وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج قدحًا يعني فالمنجحات أمرًا يريد البالغين بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله فأثرن فوسطن وهما فعلان على العاديات والموريات لما فيه من معنى الفعل وكان ذكر الفعل في أثرن ووسطن أحسن من ذكر الاسم لأنه سبحانه قسم أفعالنا إلى قسمين وسيلة وغاية فالوسيلة هي العدو وما يتبعه من الإيراء والإغارة والغاية هي توسط الجمع وما يتبعه من إثارة النقع فهن عاديات موريات مغيرات حتى يتوسطن الجمع ويثرن النقع فالأول شأنهن الذي أعددن له والثاني فعلهن الذي انتهين إليه والله أعلم. فهذا شأن القسم. وقال في (الفروسية) المُراد بقوله تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا﴾ الثّالِث عشر أن الله سُبْحانَهُ وتَعالى أقسم بِالخَيْلِ في كِتابه وذَلِكَ يدل على شرفها وفضلها عِنْده قالَ تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا﴾ [العاديات: ١-٣] أقسم سُبْحانَهُ بِالخَيْلِ تعدو في سَبيله و (الضبح) صَوت في أجوافها عند جريها ﴿فالموريات قدحا﴾ توري النّار بحوافرها عِنْدَما تصك الحِجارَة ﴿فأثرن بِهِ نقعا﴾ (النَّقْع) الغُبار تثيره الخَيل عند عدوها والضَّمِير في ﴿بِهِ﴾ قيل يعود على القدح وهو ضَعِيف فَإن الغُبار لا يثار بالقدح وقيل عائِد على المغار المَدْلُول عَلَيْهِ بقوله ﴿فالمغيرات﴾ أي أثرن بالمغار غبارا لِكَثْرَة جولاتها فِيهِ ويجوز أن يعود على المغار الَّذِي هو مصدر أي أثرن الغُبار بِسَبَب الإغارة ويجوز أن يعود على العَدو المَفْهُوم من لفظ ﴿العاديات﴾ والضَّمِير في ﴿وَبِه﴾ الثّانِيَة مثل الأولى وقيل عائِد على النَّقْع أي وسطن جمعا ملتبسات بالنقع وعَلى هَذا ف (جمع) هُنا مجمع العَدو وهَذا قَول ابْن مَسْعُود وَقالَ عَليّ المُراد بها إبل الحاج أقسم الله سُبْحانَهُ بها لعدوها في الحَج الَّذِي هو من سَبيله و (جمع) الَّذِي وسطن بِهِ هو مُزْدَلِفَة أغرن بِهِ وقت الصُّبْح والقَوْل الأول أرجح لوجوه أحدها أن المُسْتَعْمل بالضبح إنَّما هو الخَيل ولِهَذا قالَ أهل اللُّغَة الضبح صَوت أنفاس الخَيل إذا عدت قالَ الله تَعالى ﴿والعادِيات ضَبْحًا﴾ ويُقال أيْضا ضبح الثَّعْلَب الثّانِي وصفها بِأنَّها توري النّار من الحِجارَة عند عدوها وهَذا مشهود في الخَيل لقرع سنابكها في الحَدِيد للصفا فيتولد قدح النّار من بَينهما كَما يتَوَلَّد من الحَدِيد والصوان عند القدح الثّالِث أنه وصفها بالإغارة وهِي وإن اسْتعْملت لِلْإبِلِ كَما كانَت قُرَيْش تَقول أشرقت ثبير كَيْما نغير لَكِن اسْتِعْمالها في إغارة الغَزْو أكثر الرّابِع أنه سُبْحانَهُ وقت الإغارة بالصبح والحجاج عند الصُّبْح لا يغيرون وإنَّما يكونُونَ بموقف مُزْدَلِفَة وقريش إذْ ذاك لم تكن تغير حَتّى تطلع الشَّمْس فَلم تكن تغير بالصبح قُرَيْش ولا غَيرها من العَرَب فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أنه كانَ في الغَزْو لا يُغير حَتّى يصبح فَإذا أصبح فَإن سمع أذانا أمسك وإلّا أغار. الخامِس أنه سُبْحانَهُ عطف توَسط الجمع بِالفاءِ الَّتِي هي للتَّرْتِيب بعد الإغارة وهَذا يَقْتَضِي أنَّها أغارت وقت الصُّبْح فتوسط الجمع بعد الإغارة ومن المَعْلُوم أن إبل الحاج لَها إغارتان إغارة في أول اللَّيْل إلى جمع وإغارة قبل طُلُوع الشَّمْس مِنها إلى منى والإغارة الأولى قبل الصُّبْح ولا يُمكن الجمع بَينهما وبَين وقت الصُّبْح وبَين توَسط جمع وهَذا ظاهر السّادِس أن النَّقْع هو الغُبار وجمع مُزْدَلِفَة وما حوله كُله صفا، وهو واد بَين جبلين لا غُبار بِهِ تثيره الإبِل. والله أعلم بمراده من كَلامه.

العاديات 100:6

(فصل) وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الإنسان كنودًا بشهادته على نفسه أو شهادة ربه عليه وكونه بخيلًا لحبه المال والكنود للنعمة وفعله كند يكند كنودًا مثل كفر يكفر كفورًا والأرض الكنود التي لا تنبت شيئًا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة وأصل اللفظ منع الحق والخير ورجل كنود إذا كان مانعًا لما عليه من الحق وعبارات المفسرين تدور على هذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه رحمهم الله تعالى هو الكفور وقيل هو البخيل الذي يمنع رفده وبجيع عبده ولا يعطى في النائبة وقال الحسن هو اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم. وأما قوله ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فقال ابن عباس يريد أن ربه على ذلك لشهيد وقيل إن الإنسان لشهيد على ذلك إن أنكر بلسانه أشهد ربه عليه حاله ويؤيد هذا القول سياق الضمائر فإن قوله ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ للإنسان فافتتح الخبر عن الإنسان بكونه كنودًا ثم ثناه بكونه شهيدا على ذلك ثم ختمه بكونه بخيلًا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتى بعلي فقال ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي مطلع عالم به كقوله ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ ولو أريد شهادة الإنسان لأتى بالباء فقيل وإنه بذلك لشهيد كما قال تعالى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ فلو أراد شهادة الإنسان لقال وإنه على نفسه لشهيد فإن كنوده المشهود به ونفسه هي المشهود عليها ثم قال تعالى ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ والخير هنا المال باتفاق المفسرين والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل هذا قول الأكثرين وقال ابن قتيبة بل المعنى إنه لشديد الحب للخير فتكون اللام في قوله لحب الخير متعلقة بقوله لشديد على حد تعلق قولك إنه لزيد لضارب ومنعت طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات حجة على الجواز فإن قوله لربه معمول لكنود وقوله على ذلك معمول لشهيد ولا وجه للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز إن لزيد لضارب فوصف سبحانه الإنسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير فلا هو شكور للنعم ولا محسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله. وهذا ضد المؤمن الكريم فإنه مخلص لربه محسن إلى خلقه فالمؤمن له الإخلاص والإحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله سبحانه هذين الخلقين المهلكين في غير موضع من كتابه كقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هم يُراؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعُون﴾ فالرياء ضد الإخلاص ومنع الماعون ضد الإحسان وكذلك قوله تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وقوله ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الآية. وكذلك ذكر الخلقين الذميمين في قوله ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ونظيره ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ونظيره ما تقدم في سورة الليل من ذم المستغني البخيل ومدح المعطى المصدق بالحسنى ونظيره قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. (فصل) وَلَوْ عَلِمَ هَذا الظّالِمُ الجاهِلُ أنَّ بَلاءَهُ مِن نَفْسِهِ ومُصابَهُ مِنها، وأنَّها أوْلى بِكُلِّ ذَمٍّ وظُلْمٍ، وأنَّها مَأْوى كُلِّ سُوءٍ، و﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كَفُورٌ جَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ. وَقالَ الحَسَنُ: هو الَّذِي يَعُدُّ المَصائِبَ، ويَنْسى النِّعَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو قَلِيلُ الخَيْرِ، والأرْضُ الكَنُودُ الَّتِي لا نَبْتَ بِها. وَقِيلَ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا مِنَ المَنافِعِ، وقالَ الفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ: الكَنُودُ الَّذِي أنْسَتْهُ الخَصْلَةُ الواحِدَةُ مِنَ الإساءَةِ الخِصالَ الكَثِيرَةَ مِنَ الإحْسانِ. وَلَوْ عَلِمَ هَذا الظّالِمُ الجاهِلُ أنَّهُ هو القاعِدُ عَلى طَرِيقِ مَصالِحِهِ يَقْطَعُها عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَهو الحَجَرُ في طَرِيقِ الماءِ الَّذِي بِهِ حَياتُهُ، وهو السُّكْرُ الَّذِي قَدْ سَدَّ مَجْرى الماءِ إلى بُسْتانِ قَلْبِهِ، ويَسْتَغِيثُ مَعَ ذَلِكَ: العَطَشَ العَطَشَ، وقَدْ وقَفَ في طَرِيقِ الماءِ، ومَنَعَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهو حِجابُ قَلْبِهِ عَنْ سِرِّ غَيْبِهِ، وهو الغَيْمُ المانِعُ لِإشْراقِ شَمْسِ الهُدى عَلى القَلْبِ، فَما عَلَيْهِ أضَرُّ مِنهُ، ولا لَهُ أعْداءٌ أبْلَغُ في نِكايَتِهِ وعَداوَتِهِ مِنهُ. ؎ما تَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ∗∗∗ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ فَتَبًّا لَهُ ظالِمًا في صُورَةِ مَظْلُومٍ، وشاكِيًا والجِنايَةُ مِنهُ، قَدْ جَدَّ في الإعْراضِ وهو يُنادِي: طَرَدُونِي وأبْعَدُونِي، ولّى ظَهْرَهُ البابَ، بَلْ أغْلَقَهُ عَلى نَفْسِهِ وأضاعَ مَفاتِيحَهُ وكَسَرَها، ويَقُولُ: ؎دَعانِي وسَدَّ البابَ دُونِي فَهَلْ إلى ∗∗∗ دُخُولِي سَبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قِصَّتِي يَأْخُذُ الشَّفِيقُ بِحُجْزَتِهِ عَنِ النّارِ، وهو يُجاذِبُهُ ثَوْبَهُ ويَغْلِبُهُ ويَقْتَحِمُها، ويَسْتَغِيثُ: ما حِيلَتِي؟ وقَدْ قَدَّمُونِي إلى الحُفَيْرَةِ وقَذَفُونِي فِيها، واللَّهِ كَمْ صاحَ بِهِ النّاصِحُ: الحَذَرَ الحَذَرَ، إيّاكَ إيّاكَ، وكَمْ أمْسَكَ بِثَوْبِهِ، وكَمْ أراهُ مَصارِعَ المُقْتَحِمِينَ وهو يَأْبى إلّا الِاقْتِحامَ: ؎وَكَمْ سُقْتُ في آثارِكم مِن نَصِيحَةٍ ∗∗∗ وقَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ المُتَنَصِّحُ يا ويْلَهُ ظَهِيرًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ، خَصْمًا لِلَّهِ مَعَ نَفْسِهِ، جَبْرِيُّ المَعاصِي، قَدَرِيُّ الطّاعاتِ، عاجِزُ الرَّأْيِ، مِضْياعٌ لِفُرْصَتِهِ، قاعِدٌ عَنْ مَصالِحِهِ، مُعاتِبٌ لِأقْدارِ رَبِّهِ، يَحْتَجُّ عَلى رَبِّهِ بِما لا يَقْبَلُهُ مِن عَبْدِهِ وامْرَأتِهِ وأمَتِهِ إذا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِ في التَّهاوُنِ في بَعْضِ أمْرِهِ، فَلَوْ أمَرَ أحَدَهم بِأمْرٍ فَفَرَّطَ فِيهِ، أوْ نَهاهُ عَنْ شَيْءٍ فارْتَكَبَهُ، وقالَ: القَدَرُ ساقَنِي إلى ذَلِكَ، لَما قَبِلَ مِنهُ هَذِهِ الحُجَّةَ، ولَبادَرَ إلى عُقُوبَتِهِ. فَإنْ كانَ القَدَرُ حُجَّةً لَكَ أيُّها الظّالِمُ الجاهِلُ في تَرْكِ حَقِّ رَبِّكَ، فَهَلّا كانَ حُجَّةً لِعَبْدِكَ وأمَتِكَ في تَرْكِ بَعْضِ حَقِّكَ؟ بَلْ إذا أساءَ إلَيْكَ مُسِيءٌ، وجَنى عَلَيْكَ جانٍ، واحْتَجَّ بِالقَدَرِ لاشْتَدَّ غَضَبُكَ عَلَيْهِ، وتَضاعَفَ جُرْمُهُ عِنْدَكَ، ورَأيْتَ حُجَّتَهُ داحِضَةً، ثُمَّ تَحْتَجُّ عَلى رَبِّكَ بِهِ، وتَراهُ عُذْرًا لِنَفْسِكَ؟! فَمَن أوْلى بِالظُّلْمِ والجَهْلِ مِمَّنْ هَذِهِ حالُهُ؟ هَذا مَعَ تَواتُرِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ عَلى مَدى الأنْفاسِ، أزاحَ عِلَلَكَ، ومَكَّنَكَ مِنَ التَّزَوُّدِ إلى جَنَّتِهِ، وبَعَثَ إلَيْكَ الدَّلِيلَ، وأعْطاكَ مُؤْنَةَ السَّفَرِ وما تَتَزَوَّدُ بِهِ، وما تُحارِبُ بِهِ قُطّاعَ الطَّرِيقِ عَلَيْكَ، فَأعْطاكَ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ، وعَرَّفَكَ الخَيْرَ والشَّرَّ، والنّافِعَ والضّارَّ وَأرْسَلَ إلَيْكَ رَسُولَهُ، وأنْزَلَ إلَيْكَ كِتابَهُ، ويَسَّرَهُ لِلذِّكْرِ والفَهْمِ والعَمَلِ، وأعانَكَ بِمَدَدٍ مِن جُنْدِهِ الكِرامِ، يُثَبِّتُونَكَ ويَحْرُسُونَكَ، ويُحارِبُونَ عَدُوَّكَ ويَطْرُدُونَهُ عَنْكَ، ويُرِيدُونَ مِنكَ أنْ لا تَمِيلَ إلَيْهِ ولا تُصالِحَهُ، وهم يَكْفُونَكَ مُؤْنَتَهُ، وأنْتَ تَأْبى إلّا مُظاهَرَتَهُ عَلَيْهِمْ، ومُوالاتَهُ دُونَهُمْ، بَلْ تُظاهِرُهُ وتُوالِيهِ دُونَ ولِيِّكَ الحَقِّ الَّذِي هو أوْلى بِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] طَرَدَ إبْلِيسَ عَنْ سَمائِهِ، وأخْرَجَهُ مِن جَنَّتِهِ، وأبْعَدَهُ مِن قُرْبِهِ، إذْ لَمْ يَسْجُدْ لَكَ، وأنْتَ في صُلْبِ أبِيكَ آدَمَ، لِكَرامَتِكَ عَلَيْهِ، فَعاداهُ وأبْعَدَهُ، ثُمَّ والَيْتَ عَدُوَّهُ، ومِلْتَ إلَيْهِ وصالَحْتَهُ، وتَتَظَلَّمُ مَعَ ذَلِكَ، وتَشْتَكِي الطَّرْدَ والإبْعادَ، وتَقُولُ: ؎عَوَّدُونِي الوِصالَ والوَصْلُ عَذْبُ ∗∗∗ ورَمَوْنِي بِالصَّدِّ والصَّدُّ صَعْبُ نَعَمْ، وكَيْفَ لا يَطْرُدُ مَن هَذِهِ مُعامَلَتُهُ؟ وكَيْفَ لا يَبْعُدُ عَنْهُ مَن كانَ هَذا وصْفَهُ؟ وكَيْفَ يَجْعَلُ مِن خاصَّتِهِ وأهْلِ قُرْبِهِ مَن حالُهُ مَعَهُ هَكَذا؟ قَدْ أفْسَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ وكَدَّرَهُ. أمَرَهُ اللَّهُ بِشُكْرِهِ، لا لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَنالَ بِهِ المَزِيدَ مِن فَضْلِهِ، فَجَعَلَ كُفْرَ نِعَمِهِ، والِاسْتِعانَةَ بِها عَلى مَساخِطِهِ مِن أكْبَرِ أسْبابِ صَرْفِها عَنْهُ. وَأمَرَهُ بِذِكْرِهِ لِيُذَكِّرَهُ بِإحْسانِهِ، فَجَعَلَ نِسْيانَهُ سَبَبًا لِنِسْيانِ اللَّهِ لَهُ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أمَرَهُ بِسُؤالِهِ لِيُعْطِيَهُ، فَلَمْ يَسْألْهُ، بَلْ أعْطاهُ أجَلَّ العَطايا بِلا سُؤالٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ، يَشْكُو مَن يَرْحَمُهُ إلى مَن لا يَرْحَمُهُ، ويَتَظَلَّمُ مِمَّنْ لا يَظْلِمُهُ، ويَدَعُ مَن يُعادِيهِ ويَظْلِمُهُ، إنْ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والمالِ والجاهِ اسْتَعانَ بِنِعَمِهِ عَلى مَعاصِيهِ، وإنْ سَلَبَهُ ذَلِكَ ظَلَّ مُتَسَخِّطًا عَلى رَبِّهِ وهو شاكِيهِ، لا يَصْلُحُ لَهُ عَلى عافِيَةٍ، ولا عَلى ابْتِلاءٍ، العافِيَةُ تُلْقِيهِ إلى مَساخِطِهِ، والبَلاءُ يَدْفَعُهُ إلى كُفْرانِهِ وجُحُودِ نِعْمَتِهِ، وشِكايَتِهِ إلى خَلْقِهِ. دَعاهُ إلى بابِهِ فَما وقَفَ عَلَيْهِ ولا طَرَقَهُ، ثُمَّ فَتَحَهُ لَهُ فَما عَرَّجَ عَلَيْهِ ولا ولَجَهُ، أرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ يَدْعُوهُ إلى دارِ كَرامَتِهِ، فَعَصى الرَّسُولَ، وقالَ: لا أبِيعُ ناجِزًا بِغائِبٍ، ونَقْدًا بِنَسِيئَةٍ، ولا أتْرُكُ ما أراهُ لِشَيْءٍ سَمِعْتُ بِهِ، ويَقُولُ: ؎خُذْ ما رَأيْتَ ودَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ ∗∗∗ في طَلْعَةِ الشَّمْسِ ما يُغْنِيكَ عَنْ زُحَلِ فَإنْ وافَقَ حَظَّهُ طاعَةُ الرَّسُولِ أطاعَهُ لِنَيْلِ حَظِّهِ، لا لِرِضى مُرْسِلِهِ، لَمْ يَزَلْ يَتَمَقَّتُ إلَيْهِ بِمَعاصِيهِ، حَتّى أعْرَضَ عَنْهُ، وأغْلَقَ البابَ في وجْهِهِ. وَمَعَ هَذا فَلَمْ يُؤَيِّسْهُ مِن رَحْمَتِهِ، بَلْ قالَ: «مَتى جِئْتَنِي قَبِلْتُكَ، إنْ أتَيْتَنِي لَيْلًا قَبِلْتُكَ، وإنْ أتَيْتَنِي نَهارًا قَبِلْتُكَ، وإنْ تَقَرَّبْتَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنكَ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبْتَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنكَ باعًا، وإنْ مَشَيْتَ إلَيَّ هَرْوَلْتُ إلَيْكَ، ولَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، أتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً، ولَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، ومَن أعْظَمُ مِنِّي جُودًا وكَرَمًا؟ عِبادِي يُبارِزُونَنِي بِالعَظائِمِ، وأنا أكْلَؤُهم عَلى فُرُشِهِمْ، إنِّي والجِنُّ والإنْسُ في نَبَأٍ عَظِيمٍ: أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ سِوايَ، خَيْرِي إلى العِبادِ نازِلٌ، وشَرُّهم إلَيَّ صاعِدٌ، أتَحَبَّبُ إلَيْهِمْ بِنِعَمِي، وأنا الغَنِيُّ عَنْهُمْ، ويَتَبَغَّضُونَ إلَيَّ بِالمَعاصِي، وهم أفْقَرُ شَيْءٍ إلَيَّ. مَن أقْبَلَ إلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِن بَعِيدٍ، ومَن أعْرَضَ عَنِّي نادَيْتُهُ مِن قَرِيبٍ، ومَن تَرَكَ لِأجْلِي أعْطَيْتُهُ فَوْقَ المَزِيدِ، ومَن أرادَ رِضايَ أرَدْتُ ما يُرِيدُ، ومَن تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وقُوَّتِي ألَنْتُ لَهُ الحَدِيدَ. أهْلُ ذِكْرِي أهْلُ مُجالَسَتِي، وأهْلُ شُكْرِي أهْلُ زِيادَتِي، وأهْلُ طاعَتِي أهْلُ كَرامَتِي، وأهْلُ مَعْصِيَتِي لا أُقَنِّطُهم مِن رَحْمَتِي، إنْ تابُوا إلَيَّ فَأنا حَبِيبُهُمْ، فَإنِّي أُحِبُّ التَّوّابِينَ وأُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا إلَيَّ فَأنا طَبِيبُهُمْ، أبْتَلِيهِمْ بِالمَصائِبِ، لِأُطَهِّرَهم مِنَ المَعايِبِ.

العاديات 100:7

(فصل) وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الإنسان كنودًا بشهادته على نفسه أو شهادة ربه عليه وكونه بخيلًا لحبه المال والكنود للنعمة وفعله كند يكند كنودًا مثل كفر يكفر كفورًا والأرض الكنود التي لا تنبت شيئًا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة وأصل اللفظ منع الحق والخير ورجل كنود إذا كان مانعًا لما عليه من الحق وعبارات المفسرين تدور على هذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه رحمهم الله تعالى هو الكفور وقيل هو البخيل الذي يمنع رفده وبجيع عبده ولا يعطى في النائبة وقال الحسن هو اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم. وأما قوله ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فقال ابن عباس يريد أن ربه على ذلك لشهيد وقيل إن الإنسان لشهيد على ذلك إن أنكر بلسانه أشهد ربه عليه حاله ويؤيد هذا القول سياق الضمائر فإن قوله ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ للإنسان فافتتح الخبر عن الإنسان بكونه كنودًا ثم ثناه بكونه شهيدا على ذلك ثم ختمه بكونه بخيلًا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتى بعلي فقال ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي مطلع عالم به كقوله ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ ولو أريد شهادة الإنسان لأتى بالباء فقيل وإنه بذلك لشهيد كما قال تعالى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ فلو أراد شهادة الإنسان لقال وإنه على نفسه لشهيد فإن كنوده المشهود به ونفسه هي المشهود عليها ثم قال تعالى ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ والخير هنا المال باتفاق المفسرين والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل هذا قول الأكثرين وقال ابن قتيبة بل المعنى إنه لشديد الحب للخير فتكون اللام في قوله لحب الخير متعلقة بقوله لشديد على حد تعلق قولك إنه لزيد لضارب ومنعت طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات حجة على الجواز فإن قوله لربه معمول لكنود وقوله على ذلك معمول لشهيد ولا وجه للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز إن لزيد لضارب فوصف سبحانه الإنسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير فلا هو شكور للنعم ولا محسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله. وهذا ضد المؤمن الكريم فإنه مخلص لربه محسن إلى خلقه فالمؤمن له الإخلاص والإحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله سبحانه هذين الخلقين المهلكين في غير موضع من كتابه كقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هم يُراؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعُون﴾ فالرياء ضد الإخلاص ومنع الماعون ضد الإحسان وكذلك قوله تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وقوله ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الآية. وكذلك ذكر الخلقين الذميمين في قوله ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ونظيره ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ونظيره ما تقدم في سورة الليل من ذم المستغني البخيل ومدح المعطى المصدق بالحسنى ونظيره قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. (فصل) وَلَوْ عَلِمَ هَذا الظّالِمُ الجاهِلُ أنَّ بَلاءَهُ مِن نَفْسِهِ ومُصابَهُ مِنها، وأنَّها أوْلى بِكُلِّ ذَمٍّ وظُلْمٍ، وأنَّها مَأْوى كُلِّ سُوءٍ، و﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كَفُورٌ جَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ. وَقالَ الحَسَنُ: هو الَّذِي يَعُدُّ المَصائِبَ، ويَنْسى النِّعَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو قَلِيلُ الخَيْرِ، والأرْضُ الكَنُودُ الَّتِي لا نَبْتَ بِها. وَقِيلَ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا مِنَ المَنافِعِ، وقالَ الفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ: الكَنُودُ الَّذِي أنْسَتْهُ الخَصْلَةُ الواحِدَةُ مِنَ الإساءَةِ الخِصالَ الكَثِيرَةَ مِنَ الإحْسانِ. وَلَوْ عَلِمَ هَذا الظّالِمُ الجاهِلُ أنَّهُ هو القاعِدُ عَلى طَرِيقِ مَصالِحِهِ يَقْطَعُها عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَهو الحَجَرُ في طَرِيقِ الماءِ الَّذِي بِهِ حَياتُهُ، وهو السُّكْرُ الَّذِي قَدْ سَدَّ مَجْرى الماءِ إلى بُسْتانِ قَلْبِهِ، ويَسْتَغِيثُ مَعَ ذَلِكَ: العَطَشَ العَطَشَ، وقَدْ وقَفَ في طَرِيقِ الماءِ، ومَنَعَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهو حِجابُ قَلْبِهِ عَنْ سِرِّ غَيْبِهِ، وهو الغَيْمُ المانِعُ لِإشْراقِ شَمْسِ الهُدى عَلى القَلْبِ، فَما عَلَيْهِ أضَرُّ مِنهُ، ولا لَهُ أعْداءٌ أبْلَغُ في نِكايَتِهِ وعَداوَتِهِ مِنهُ. ؎ما تَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ∗∗∗ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ فَتَبًّا لَهُ ظالِمًا في صُورَةِ مَظْلُومٍ، وشاكِيًا والجِنايَةُ مِنهُ، قَدْ جَدَّ في الإعْراضِ وهو يُنادِي: طَرَدُونِي وأبْعَدُونِي، ولّى ظَهْرَهُ البابَ، بَلْ أغْلَقَهُ عَلى نَفْسِهِ وأضاعَ مَفاتِيحَهُ وكَسَرَها، ويَقُولُ: ؎دَعانِي وسَدَّ البابَ دُونِي فَهَلْ إلى ∗∗∗ دُخُولِي سَبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قِصَّتِي يَأْخُذُ الشَّفِيقُ بِحُجْزَتِهِ عَنِ النّارِ، وهو يُجاذِبُهُ ثَوْبَهُ ويَغْلِبُهُ ويَقْتَحِمُها، ويَسْتَغِيثُ: ما حِيلَتِي؟ وقَدْ قَدَّمُونِي إلى الحُفَيْرَةِ وقَذَفُونِي فِيها، واللَّهِ كَمْ صاحَ بِهِ النّاصِحُ: الحَذَرَ الحَذَرَ، إيّاكَ إيّاكَ، وكَمْ أمْسَكَ بِثَوْبِهِ، وكَمْ أراهُ مَصارِعَ المُقْتَحِمِينَ وهو يَأْبى إلّا الِاقْتِحامَ: ؎وَكَمْ سُقْتُ في آثارِكم مِن نَصِيحَةٍ ∗∗∗ وقَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ المُتَنَصِّحُ يا ويْلَهُ ظَهِيرًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ، خَصْمًا لِلَّهِ مَعَ نَفْسِهِ، جَبْرِيُّ المَعاصِي، قَدَرِيُّ الطّاعاتِ، عاجِزُ الرَّأْيِ، مِضْياعٌ لِفُرْصَتِهِ، قاعِدٌ عَنْ مَصالِحِهِ، مُعاتِبٌ لِأقْدارِ رَبِّهِ، يَحْتَجُّ عَلى رَبِّهِ بِما لا يَقْبَلُهُ مِن عَبْدِهِ وامْرَأتِهِ وأمَتِهِ إذا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِ في التَّهاوُنِ في بَعْضِ أمْرِهِ، فَلَوْ أمَرَ أحَدَهم بِأمْرٍ فَفَرَّطَ فِيهِ، أوْ نَهاهُ عَنْ شَيْءٍ فارْتَكَبَهُ، وقالَ: القَدَرُ ساقَنِي إلى ذَلِكَ، لَما قَبِلَ مِنهُ هَذِهِ الحُجَّةَ، ولَبادَرَ إلى عُقُوبَتِهِ. فَإنْ كانَ القَدَرُ حُجَّةً لَكَ أيُّها الظّالِمُ الجاهِلُ في تَرْكِ حَقِّ رَبِّكَ، فَهَلّا كانَ حُجَّةً لِعَبْدِكَ وأمَتِكَ في تَرْكِ بَعْضِ حَقِّكَ؟ بَلْ إذا أساءَ إلَيْكَ مُسِيءٌ، وجَنى عَلَيْكَ جانٍ، واحْتَجَّ بِالقَدَرِ لاشْتَدَّ غَضَبُكَ عَلَيْهِ، وتَضاعَفَ جُرْمُهُ عِنْدَكَ، ورَأيْتَ حُجَّتَهُ داحِضَةً، ثُمَّ تَحْتَجُّ عَلى رَبِّكَ بِهِ، وتَراهُ عُذْرًا لِنَفْسِكَ؟! فَمَن أوْلى بِالظُّلْمِ والجَهْلِ مِمَّنْ هَذِهِ حالُهُ؟ هَذا مَعَ تَواتُرِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ عَلى مَدى الأنْفاسِ، أزاحَ عِلَلَكَ، ومَكَّنَكَ مِنَ التَّزَوُّدِ إلى جَنَّتِهِ، وبَعَثَ إلَيْكَ الدَّلِيلَ، وأعْطاكَ مُؤْنَةَ السَّفَرِ وما تَتَزَوَّدُ بِهِ، وما تُحارِبُ بِهِ قُطّاعَ الطَّرِيقِ عَلَيْكَ، فَأعْطاكَ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ، وعَرَّفَكَ الخَيْرَ والشَّرَّ، والنّافِعَ والضّارَّ وَأرْسَلَ إلَيْكَ رَسُولَهُ، وأنْزَلَ إلَيْكَ كِتابَهُ، ويَسَّرَهُ لِلذِّكْرِ والفَهْمِ والعَمَلِ، وأعانَكَ بِمَدَدٍ مِن جُنْدِهِ الكِرامِ، يُثَبِّتُونَكَ ويَحْرُسُونَكَ، ويُحارِبُونَ عَدُوَّكَ ويَطْرُدُونَهُ عَنْكَ، ويُرِيدُونَ مِنكَ أنْ لا تَمِيلَ إلَيْهِ ولا تُصالِحَهُ، وهم يَكْفُونَكَ مُؤْنَتَهُ، وأنْتَ تَأْبى إلّا مُظاهَرَتَهُ عَلَيْهِمْ، ومُوالاتَهُ دُونَهُمْ، بَلْ تُظاهِرُهُ وتُوالِيهِ دُونَ ولِيِّكَ الحَقِّ الَّذِي هو أوْلى بِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] طَرَدَ إبْلِيسَ عَنْ سَمائِهِ، وأخْرَجَهُ مِن جَنَّتِهِ، وأبْعَدَهُ مِن قُرْبِهِ، إذْ لَمْ يَسْجُدْ لَكَ، وأنْتَ في صُلْبِ أبِيكَ آدَمَ، لِكَرامَتِكَ عَلَيْهِ، فَعاداهُ وأبْعَدَهُ، ثُمَّ والَيْتَ عَدُوَّهُ، ومِلْتَ إلَيْهِ وصالَحْتَهُ، وتَتَظَلَّمُ مَعَ ذَلِكَ، وتَشْتَكِي الطَّرْدَ والإبْعادَ، وتَقُولُ: ؎عَوَّدُونِي الوِصالَ والوَصْلُ عَذْبُ ∗∗∗ ورَمَوْنِي بِالصَّدِّ والصَّدُّ صَعْبُ نَعَمْ، وكَيْفَ لا يَطْرُدُ مَن هَذِهِ مُعامَلَتُهُ؟ وكَيْفَ لا يَبْعُدُ عَنْهُ مَن كانَ هَذا وصْفَهُ؟ وكَيْفَ يَجْعَلُ مِن خاصَّتِهِ وأهْلِ قُرْبِهِ مَن حالُهُ مَعَهُ هَكَذا؟ قَدْ أفْسَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ وكَدَّرَهُ. أمَرَهُ اللَّهُ بِشُكْرِهِ، لا لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَنالَ بِهِ المَزِيدَ مِن فَضْلِهِ، فَجَعَلَ كُفْرَ نِعَمِهِ، والِاسْتِعانَةَ بِها عَلى مَساخِطِهِ مِن أكْبَرِ أسْبابِ صَرْفِها عَنْهُ. وَأمَرَهُ بِذِكْرِهِ لِيُذَكِّرَهُ بِإحْسانِهِ، فَجَعَلَ نِسْيانَهُ سَبَبًا لِنِسْيانِ اللَّهِ لَهُ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أمَرَهُ بِسُؤالِهِ لِيُعْطِيَهُ، فَلَمْ يَسْألْهُ، بَلْ أعْطاهُ أجَلَّ العَطايا بِلا سُؤالٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ، يَشْكُو مَن يَرْحَمُهُ إلى مَن لا يَرْحَمُهُ، ويَتَظَلَّمُ مِمَّنْ لا يَظْلِمُهُ، ويَدَعُ مَن يُعادِيهِ ويَظْلِمُهُ، إنْ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والمالِ والجاهِ اسْتَعانَ بِنِعَمِهِ عَلى مَعاصِيهِ، وإنْ سَلَبَهُ ذَلِكَ ظَلَّ مُتَسَخِّطًا عَلى رَبِّهِ وهو شاكِيهِ، لا يَصْلُحُ لَهُ عَلى عافِيَةٍ، ولا عَلى ابْتِلاءٍ، العافِيَةُ تُلْقِيهِ إلى مَساخِطِهِ، والبَلاءُ يَدْفَعُهُ إلى كُفْرانِهِ وجُحُودِ نِعْمَتِهِ، وشِكايَتِهِ إلى خَلْقِهِ. دَعاهُ إلى بابِهِ فَما وقَفَ عَلَيْهِ ولا طَرَقَهُ، ثُمَّ فَتَحَهُ لَهُ فَما عَرَّجَ عَلَيْهِ ولا ولَجَهُ، أرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ يَدْعُوهُ إلى دارِ كَرامَتِهِ، فَعَصى الرَّسُولَ، وقالَ: لا أبِيعُ ناجِزًا بِغائِبٍ، ونَقْدًا بِنَسِيئَةٍ، ولا أتْرُكُ ما أراهُ لِشَيْءٍ سَمِعْتُ بِهِ، ويَقُولُ: ؎خُذْ ما رَأيْتَ ودَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ ∗∗∗ في طَلْعَةِ الشَّمْسِ ما يُغْنِيكَ عَنْ زُحَلِ فَإنْ وافَقَ حَظَّهُ طاعَةُ الرَّسُولِ أطاعَهُ لِنَيْلِ حَظِّهِ، لا لِرِضى مُرْسِلِهِ، لَمْ يَزَلْ يَتَمَقَّتُ إلَيْهِ بِمَعاصِيهِ، حَتّى أعْرَضَ عَنْهُ، وأغْلَقَ البابَ في وجْهِهِ. وَمَعَ هَذا فَلَمْ يُؤَيِّسْهُ مِن رَحْمَتِهِ، بَلْ قالَ: «مَتى جِئْتَنِي قَبِلْتُكَ، إنْ أتَيْتَنِي لَيْلًا قَبِلْتُكَ، وإنْ أتَيْتَنِي نَهارًا قَبِلْتُكَ، وإنْ تَقَرَّبْتَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنكَ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبْتَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنكَ باعًا، وإنْ مَشَيْتَ إلَيَّ هَرْوَلْتُ إلَيْكَ، ولَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، أتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً، ولَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، ومَن أعْظَمُ مِنِّي جُودًا وكَرَمًا؟ عِبادِي يُبارِزُونَنِي بِالعَظائِمِ، وأنا أكْلَؤُهم عَلى فُرُشِهِمْ، إنِّي والجِنُّ والإنْسُ في نَبَأٍ عَظِيمٍ: أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ سِوايَ، خَيْرِي إلى العِبادِ نازِلٌ، وشَرُّهم إلَيَّ صاعِدٌ، أتَحَبَّبُ إلَيْهِمْ بِنِعَمِي، وأنا الغَنِيُّ عَنْهُمْ، ويَتَبَغَّضُونَ إلَيَّ بِالمَعاصِي، وهم أفْقَرُ شَيْءٍ إلَيَّ. مَن أقْبَلَ إلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِن بَعِيدٍ، ومَن أعْرَضَ عَنِّي نادَيْتُهُ مِن قَرِيبٍ، ومَن تَرَكَ لِأجْلِي أعْطَيْتُهُ فَوْقَ المَزِيدِ، ومَن أرادَ رِضايَ أرَدْتُ ما يُرِيدُ، ومَن تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وقُوَّتِي ألَنْتُ لَهُ الحَدِيدَ. أهْلُ ذِكْرِي أهْلُ مُجالَسَتِي، وأهْلُ شُكْرِي أهْلُ زِيادَتِي، وأهْلُ طاعَتِي أهْلُ كَرامَتِي، وأهْلُ مَعْصِيَتِي لا أُقَنِّطُهم مِن رَحْمَتِي، إنْ تابُوا إلَيَّ فَأنا حَبِيبُهُمْ، فَإنِّي أُحِبُّ التَّوّابِينَ وأُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا إلَيَّ فَأنا طَبِيبُهُمْ، أبْتَلِيهِمْ بِالمَصائِبِ، لِأُطَهِّرَهم مِنَ المَعايِبِ.

العاديات 100:8

(فصل) وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الإنسان كنودًا بشهادته على نفسه أو شهادة ربه عليه وكونه بخيلًا لحبه المال والكنود للنعمة وفعله كند يكند كنودًا مثل كفر يكفر كفورًا والأرض الكنود التي لا تنبت شيئًا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة وأصل اللفظ منع الحق والخير ورجل كنود إذا كان مانعًا لما عليه من الحق وعبارات المفسرين تدور على هذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه رحمهم الله تعالى هو الكفور وقيل هو البخيل الذي يمنع رفده وبجيع عبده ولا يعطى في النائبة وقال الحسن هو اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم. وأما قوله ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فقال ابن عباس يريد أن ربه على ذلك لشهيد وقيل إن الإنسان لشهيد على ذلك إن أنكر بلسانه أشهد ربه عليه حاله ويؤيد هذا القول سياق الضمائر فإن قوله ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ للإنسان فافتتح الخبر عن الإنسان بكونه كنودًا ثم ثناه بكونه شهيدا على ذلك ثم ختمه بكونه بخيلًا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتى بعلي فقال ﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي مطلع عالم به كقوله ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ ولو أريد شهادة الإنسان لأتى بالباء فقيل وإنه بذلك لشهيد كما قال تعالى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ فلو أراد شهادة الإنسان لقال وإنه على نفسه لشهيد فإن كنوده المشهود به ونفسه هي المشهود عليها ثم قال تعالى ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ والخير هنا المال باتفاق المفسرين والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل هذا قول الأكثرين وقال ابن قتيبة بل المعنى إنه لشديد الحب للخير فتكون اللام في قوله لحب الخير متعلقة بقوله لشديد على حد تعلق قولك إنه لزيد لضارب ومنعت طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات حجة على الجواز فإن قوله لربه معمول لكنود وقوله على ذلك معمول لشهيد ولا وجه للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز إن لزيد لضارب فوصف سبحانه الإنسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير فلا هو شكور للنعم ولا محسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله. وهذا ضد المؤمن الكريم فإنه مخلص لربه محسن إلى خلقه فالمؤمن له الإخلاص والإحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله سبحانه هذين الخلقين المهلكين في غير موضع من كتابه كقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هم يُراؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعُون﴾ فالرياء ضد الإخلاص ومنع الماعون ضد الإحسان وكذلك قوله تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وقوله ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الآية. وكذلك ذكر الخلقين الذميمين في قوله ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ونظيره ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ونظيره ما تقدم في سورة الليل من ذم المستغني البخيل ومدح المعطى المصدق بالحسنى ونظيره قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. (فصل) وَلَوْ عَلِمَ هَذا الظّالِمُ الجاهِلُ أنَّ بَلاءَهُ مِن نَفْسِهِ ومُصابَهُ مِنها، وأنَّها أوْلى بِكُلِّ ذَمٍّ وظُلْمٍ، وأنَّها مَأْوى كُلِّ سُوءٍ، و﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كَفُورٌ جَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ. وَقالَ الحَسَنُ: هو الَّذِي يَعُدُّ المَصائِبَ، ويَنْسى النِّعَمَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو قَلِيلُ الخَيْرِ، والأرْضُ الكَنُودُ الَّتِي لا نَبْتَ بِها. وَقِيلَ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا مِنَ المَنافِعِ، وقالَ الفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ: الكَنُودُ الَّذِي أنْسَتْهُ الخَصْلَةُ الواحِدَةُ مِنَ الإساءَةِ الخِصالَ الكَثِيرَةَ مِنَ الإحْسانِ. وَلَوْ عَلِمَ هَذا الظّالِمُ الجاهِلُ أنَّهُ هو القاعِدُ عَلى طَرِيقِ مَصالِحِهِ يَقْطَعُها عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَهو الحَجَرُ في طَرِيقِ الماءِ الَّذِي بِهِ حَياتُهُ، وهو السُّكْرُ الَّذِي قَدْ سَدَّ مَجْرى الماءِ إلى بُسْتانِ قَلْبِهِ، ويَسْتَغِيثُ مَعَ ذَلِكَ: العَطَشَ العَطَشَ، وقَدْ وقَفَ في طَرِيقِ الماءِ، ومَنَعَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهو حِجابُ قَلْبِهِ عَنْ سِرِّ غَيْبِهِ، وهو الغَيْمُ المانِعُ لِإشْراقِ شَمْسِ الهُدى عَلى القَلْبِ، فَما عَلَيْهِ أضَرُّ مِنهُ، ولا لَهُ أعْداءٌ أبْلَغُ في نِكايَتِهِ وعَداوَتِهِ مِنهُ. ؎ما تَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ∗∗∗ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ فَتَبًّا لَهُ ظالِمًا في صُورَةِ مَظْلُومٍ، وشاكِيًا والجِنايَةُ مِنهُ، قَدْ جَدَّ في الإعْراضِ وهو يُنادِي: طَرَدُونِي وأبْعَدُونِي، ولّى ظَهْرَهُ البابَ، بَلْ أغْلَقَهُ عَلى نَفْسِهِ وأضاعَ مَفاتِيحَهُ وكَسَرَها، ويَقُولُ: ؎دَعانِي وسَدَّ البابَ دُونِي فَهَلْ إلى ∗∗∗ دُخُولِي سَبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قِصَّتِي يَأْخُذُ الشَّفِيقُ بِحُجْزَتِهِ عَنِ النّارِ، وهو يُجاذِبُهُ ثَوْبَهُ ويَغْلِبُهُ ويَقْتَحِمُها، ويَسْتَغِيثُ: ما حِيلَتِي؟ وقَدْ قَدَّمُونِي إلى الحُفَيْرَةِ وقَذَفُونِي فِيها، واللَّهِ كَمْ صاحَ بِهِ النّاصِحُ: الحَذَرَ الحَذَرَ، إيّاكَ إيّاكَ، وكَمْ أمْسَكَ بِثَوْبِهِ، وكَمْ أراهُ مَصارِعَ المُقْتَحِمِينَ وهو يَأْبى إلّا الِاقْتِحامَ: ؎وَكَمْ سُقْتُ في آثارِكم مِن نَصِيحَةٍ ∗∗∗ وقَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ المُتَنَصِّحُ يا ويْلَهُ ظَهِيرًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ، خَصْمًا لِلَّهِ مَعَ نَفْسِهِ، جَبْرِيُّ المَعاصِي، قَدَرِيُّ الطّاعاتِ، عاجِزُ الرَّأْيِ، مِضْياعٌ لِفُرْصَتِهِ، قاعِدٌ عَنْ مَصالِحِهِ، مُعاتِبٌ لِأقْدارِ رَبِّهِ، يَحْتَجُّ عَلى رَبِّهِ بِما لا يَقْبَلُهُ مِن عَبْدِهِ وامْرَأتِهِ وأمَتِهِ إذا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِ في التَّهاوُنِ في بَعْضِ أمْرِهِ، فَلَوْ أمَرَ أحَدَهم بِأمْرٍ فَفَرَّطَ فِيهِ، أوْ نَهاهُ عَنْ شَيْءٍ فارْتَكَبَهُ، وقالَ: القَدَرُ ساقَنِي إلى ذَلِكَ، لَما قَبِلَ مِنهُ هَذِهِ الحُجَّةَ، ولَبادَرَ إلى عُقُوبَتِهِ. فَإنْ كانَ القَدَرُ حُجَّةً لَكَ أيُّها الظّالِمُ الجاهِلُ في تَرْكِ حَقِّ رَبِّكَ، فَهَلّا كانَ حُجَّةً لِعَبْدِكَ وأمَتِكَ في تَرْكِ بَعْضِ حَقِّكَ؟ بَلْ إذا أساءَ إلَيْكَ مُسِيءٌ، وجَنى عَلَيْكَ جانٍ، واحْتَجَّ بِالقَدَرِ لاشْتَدَّ غَضَبُكَ عَلَيْهِ، وتَضاعَفَ جُرْمُهُ عِنْدَكَ، ورَأيْتَ حُجَّتَهُ داحِضَةً، ثُمَّ تَحْتَجُّ عَلى رَبِّكَ بِهِ، وتَراهُ عُذْرًا لِنَفْسِكَ؟! فَمَن أوْلى بِالظُّلْمِ والجَهْلِ مِمَّنْ هَذِهِ حالُهُ؟ هَذا مَعَ تَواتُرِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ عَلى مَدى الأنْفاسِ، أزاحَ عِلَلَكَ، ومَكَّنَكَ مِنَ التَّزَوُّدِ إلى جَنَّتِهِ، وبَعَثَ إلَيْكَ الدَّلِيلَ، وأعْطاكَ مُؤْنَةَ السَّفَرِ وما تَتَزَوَّدُ بِهِ، وما تُحارِبُ بِهِ قُطّاعَ الطَّرِيقِ عَلَيْكَ، فَأعْطاكَ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ، وعَرَّفَكَ الخَيْرَ والشَّرَّ، والنّافِعَ والضّارَّ وَأرْسَلَ إلَيْكَ رَسُولَهُ، وأنْزَلَ إلَيْكَ كِتابَهُ، ويَسَّرَهُ لِلذِّكْرِ والفَهْمِ والعَمَلِ، وأعانَكَ بِمَدَدٍ مِن جُنْدِهِ الكِرامِ، يُثَبِّتُونَكَ ويَحْرُسُونَكَ، ويُحارِبُونَ عَدُوَّكَ ويَطْرُدُونَهُ عَنْكَ، ويُرِيدُونَ مِنكَ أنْ لا تَمِيلَ إلَيْهِ ولا تُصالِحَهُ، وهم يَكْفُونَكَ مُؤْنَتَهُ، وأنْتَ تَأْبى إلّا مُظاهَرَتَهُ عَلَيْهِمْ، ومُوالاتَهُ دُونَهُمْ، بَلْ تُظاهِرُهُ وتُوالِيهِ دُونَ ولِيِّكَ الحَقِّ الَّذِي هو أوْلى بِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] طَرَدَ إبْلِيسَ عَنْ سَمائِهِ، وأخْرَجَهُ مِن جَنَّتِهِ، وأبْعَدَهُ مِن قُرْبِهِ، إذْ لَمْ يَسْجُدْ لَكَ، وأنْتَ في صُلْبِ أبِيكَ آدَمَ، لِكَرامَتِكَ عَلَيْهِ، فَعاداهُ وأبْعَدَهُ، ثُمَّ والَيْتَ عَدُوَّهُ، ومِلْتَ إلَيْهِ وصالَحْتَهُ، وتَتَظَلَّمُ مَعَ ذَلِكَ، وتَشْتَكِي الطَّرْدَ والإبْعادَ، وتَقُولُ: ؎عَوَّدُونِي الوِصالَ والوَصْلُ عَذْبُ ∗∗∗ ورَمَوْنِي بِالصَّدِّ والصَّدُّ صَعْبُ نَعَمْ، وكَيْفَ لا يَطْرُدُ مَن هَذِهِ مُعامَلَتُهُ؟ وكَيْفَ لا يَبْعُدُ عَنْهُ مَن كانَ هَذا وصْفَهُ؟ وكَيْفَ يَجْعَلُ مِن خاصَّتِهِ وأهْلِ قُرْبِهِ مَن حالُهُ مَعَهُ هَكَذا؟ قَدْ أفْسَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ وكَدَّرَهُ. أمَرَهُ اللَّهُ بِشُكْرِهِ، لا لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَنالَ بِهِ المَزِيدَ مِن فَضْلِهِ، فَجَعَلَ كُفْرَ نِعَمِهِ، والِاسْتِعانَةَ بِها عَلى مَساخِطِهِ مِن أكْبَرِ أسْبابِ صَرْفِها عَنْهُ. وَأمَرَهُ بِذِكْرِهِ لِيُذَكِّرَهُ بِإحْسانِهِ، فَجَعَلَ نِسْيانَهُ سَبَبًا لِنِسْيانِ اللَّهِ لَهُ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أمَرَهُ بِسُؤالِهِ لِيُعْطِيَهُ، فَلَمْ يَسْألْهُ، بَلْ أعْطاهُ أجَلَّ العَطايا بِلا سُؤالٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ، يَشْكُو مَن يَرْحَمُهُ إلى مَن لا يَرْحَمُهُ، ويَتَظَلَّمُ مِمَّنْ لا يَظْلِمُهُ، ويَدَعُ مَن يُعادِيهِ ويَظْلِمُهُ، إنْ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والمالِ والجاهِ اسْتَعانَ بِنِعَمِهِ عَلى مَعاصِيهِ، وإنْ سَلَبَهُ ذَلِكَ ظَلَّ مُتَسَخِّطًا عَلى رَبِّهِ وهو شاكِيهِ، لا يَصْلُحُ لَهُ عَلى عافِيَةٍ، ولا عَلى ابْتِلاءٍ، العافِيَةُ تُلْقِيهِ إلى مَساخِطِهِ، والبَلاءُ يَدْفَعُهُ إلى كُفْرانِهِ وجُحُودِ نِعْمَتِهِ، وشِكايَتِهِ إلى خَلْقِهِ. دَعاهُ إلى بابِهِ فَما وقَفَ عَلَيْهِ ولا طَرَقَهُ، ثُمَّ فَتَحَهُ لَهُ فَما عَرَّجَ عَلَيْهِ ولا ولَجَهُ، أرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ يَدْعُوهُ إلى دارِ كَرامَتِهِ، فَعَصى الرَّسُولَ، وقالَ: لا أبِيعُ ناجِزًا بِغائِبٍ، ونَقْدًا بِنَسِيئَةٍ، ولا أتْرُكُ ما أراهُ لِشَيْءٍ سَمِعْتُ بِهِ، ويَقُولُ: ؎خُذْ ما رَأيْتَ ودَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ ∗∗∗ في طَلْعَةِ الشَّمْسِ ما يُغْنِيكَ عَنْ زُحَلِ فَإنْ وافَقَ حَظَّهُ طاعَةُ الرَّسُولِ أطاعَهُ لِنَيْلِ حَظِّهِ، لا لِرِضى مُرْسِلِهِ، لَمْ يَزَلْ يَتَمَقَّتُ إلَيْهِ بِمَعاصِيهِ، حَتّى أعْرَضَ عَنْهُ، وأغْلَقَ البابَ في وجْهِهِ. وَمَعَ هَذا فَلَمْ يُؤَيِّسْهُ مِن رَحْمَتِهِ، بَلْ قالَ: «مَتى جِئْتَنِي قَبِلْتُكَ، إنْ أتَيْتَنِي لَيْلًا قَبِلْتُكَ، وإنْ أتَيْتَنِي نَهارًا قَبِلْتُكَ، وإنْ تَقَرَّبْتَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنكَ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبْتَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنكَ باعًا، وإنْ مَشَيْتَ إلَيَّ هَرْوَلْتُ إلَيْكَ، ولَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، أتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً، ولَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، ومَن أعْظَمُ مِنِّي جُودًا وكَرَمًا؟ عِبادِي يُبارِزُونَنِي بِالعَظائِمِ، وأنا أكْلَؤُهم عَلى فُرُشِهِمْ، إنِّي والجِنُّ والإنْسُ في نَبَأٍ عَظِيمٍ: أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ سِوايَ، خَيْرِي إلى العِبادِ نازِلٌ، وشَرُّهم إلَيَّ صاعِدٌ، أتَحَبَّبُ إلَيْهِمْ بِنِعَمِي، وأنا الغَنِيُّ عَنْهُمْ، ويَتَبَغَّضُونَ إلَيَّ بِالمَعاصِي، وهم أفْقَرُ شَيْءٍ إلَيَّ. مَن أقْبَلَ إلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِن بَعِيدٍ، ومَن أعْرَضَ عَنِّي نادَيْتُهُ مِن قَرِيبٍ، ومَن تَرَكَ لِأجْلِي أعْطَيْتُهُ فَوْقَ المَزِيدِ، ومَن أرادَ رِضايَ أرَدْتُ ما يُرِيدُ، ومَن تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وقُوَّتِي ألَنْتُ لَهُ الحَدِيدَ. أهْلُ ذِكْرِي أهْلُ مُجالَسَتِي، وأهْلُ شُكْرِي أهْلُ زِيادَتِي، وأهْلُ طاعَتِي أهْلُ كَرامَتِي، وأهْلُ مَعْصِيَتِي لا أُقَنِّطُهم مِن رَحْمَتِي، إنْ تابُوا إلَيَّ فَأنا حَبِيبُهُمْ، فَإنِّي أُحِبُّ التَّوّابِينَ وأُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا إلَيَّ فَأنا طَبِيبُهُمْ، أبْتَلِيهِمْ بِالمَصائِبِ، لِأُطَهِّرَهم مِنَ المَعايِبِ.

العاديات 100:9

ثم خوف سبحانه الإنسان الذي هذا وصفه حين يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانه بين القبور والصدور كما جمع بينهما النبي في قوله ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا فإن الإنسان يواري صدره ما فيه من الخير والشر ويواري قبره جسمه فيخرج الرب جسمه من قبره وسره من صدره فيصير جسمه بارزًا على الأرض وسره باديا على وجهه كما قال تعالى ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ وقال ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾. (فصل) ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانه كونه خبيرًا بهم ذلك اليوم وهو خبير بهم في كل وقت إيذانا بالجزاء وأنه يجازيهم في ذلك اليوم بما يعلمه منهم فذكر العلم والمراد لازمه والله سبحانه وتعالى أعلم. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾ وأطلق في باقيها نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين.

العاديات 100:10

ثم خوف سبحانه الإنسان الذي هذا وصفه حين يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانه بين القبور والصدور كما جمع بينهما النبي في قوله ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا فإن الإنسان يواري صدره ما فيه من الخير والشر ويواري قبره جسمه فيخرج الرب جسمه من قبره وسره من صدره فيصير جسمه بارزًا على الأرض وسره باديا على وجهه كما قال تعالى ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ وقال ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾. (فصل) ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانه كونه خبيرًا بهم ذلك اليوم وهو خبير بهم في كل وقت إيذانا بالجزاء وأنه يجازيهم في ذلك اليوم بما يعلمه منهم فذكر العلم والمراد لازمه والله سبحانه وتعالى أعلم. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾ وأطلق في باقيها نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين.

العاديات 100:11

ثم خوف سبحانه الإنسان الذي هذا وصفه حين يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانه بين القبور والصدور كما جمع بينهما النبي في قوله ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا فإن الإنسان يواري صدره ما فيه من الخير والشر ويواري قبره جسمه فيخرج الرب جسمه من قبره وسره من صدره فيصير جسمه بارزًا على الأرض وسره باديا على وجهه كما قال تعالى ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ وقال ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾. (فصل) ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانه كونه خبيرًا بهم ذلك اليوم وهو خبير بهم في كل وقت إيذانا بالجزاء وأنه يجازيهم في ذلك اليوم بما يعلمه منهم فذكر العلم والمراد لازمه والله سبحانه وتعالى أعلم. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾ وأطلق في باقيها نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين.

القارعة 101:1

(فائدة) وأما وقوعها [أي] نفيا لما قبلها نحو: مررت برجل أي رجل. فأي تدرجت إلى الصفة من الاستفهام كان الأصل أي رجل هو على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل. وإنما دخله التفخيم لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة لوصفه فكأنه مما يستفهم عنه بجهل كنهه فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوع لما يجهل. وكذلك جاء: ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾، ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ أي أنها لا يحاط بوصفها فلما ثبت هذا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قرب من الوصف حتى أدخلوه في باب النعت، وأخروه في الإعراب عما قبله.

القارعة 101:2

(فائدة) وأما وقوعها [أي] نفيا لما قبلها نحو: مررت برجل أي رجل. فأي تدرجت إلى الصفة من الاستفهام كان الأصل أي رجل هو على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل. وإنما دخله التفخيم لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة لوصفه فكأنه مما يستفهم عنه بجهل كنهه فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوع لما يجهل. وكذلك جاء: ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾، ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ أي أنها لا يحاط بوصفها فلما ثبت هذا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قرب من الوصف حتى أدخلوه في باب النعت، وأخروه في الإعراب عما قبله.

القارعة 101:3

(فائدة) وأما وقوعها [أي] نفيا لما قبلها نحو: مررت برجل أي رجل. فأي تدرجت إلى الصفة من الاستفهام كان الأصل أي رجل هو على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل. وإنما دخله التفخيم لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة لوصفه فكأنه مما يستفهم عنه بجهل كنهه فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوع لما يجهل. وكذلك جاء: ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾، ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ أي أنها لا يحاط بوصفها فلما ثبت هذا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قرب من الوصف حتى أدخلوه في باب النعت، وأخروه في الإعراب عما قبله.

القارعة 101:4

قال الإمام أحمد: الفراش الذي يطير عند السراج فيحترق.

القارعة 101:8

(موعظة) قالوا: وأيضًا فالظالم لنفسه هو الذي خفت موازينه ورجحت سيئاته، والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج كقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفّتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الّذِينَ خَسِرُواْ أنْفُسَهُم بِما كانُواْ بِآياتِنا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩] وقوله: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم؟ وقالَ الصِّدِّيقُ في وصِيَّتِهِ لِعُمَرَ: (واعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ حَقًّا بِاللَّيْلِ لا يَقْبَلُهُ بِالنَّهارِ ولَهُ حَقٌّ بِالنَّهارِ لا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ وثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في دارِ الدُّنْيا وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في دارِ الدُّنْيا خِفَّتُهُ عَلَيْهِمْ وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا. .).

القارعة 101:9

(موعظة) قالوا: وأيضًا فالظالم لنفسه هو الذي خفت موازينه ورجحت سيئاته، والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج كقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفّتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الّذِينَ خَسِرُواْ أنْفُسَهُم بِما كانُواْ بِآياتِنا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩] وقوله: ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم؟ وقالَ الصِّدِّيقُ في وصِيَّتِهِ لِعُمَرَ: (واعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ حَقًّا بِاللَّيْلِ لا يَقْبَلُهُ بِالنَّهارِ ولَهُ حَقٌّ بِالنَّهارِ لا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ وثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في دارِ الدُّنْيا وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في دارِ الدُّنْيا خِفَّتُهُ عَلَيْهِمْ وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا. .).

التكاثر 102:1

أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح - وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد - «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢». وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني». وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾؟ وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت - الحديث» وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم». فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ؎ولست بالأكثر منهم غنى ∗∗∗ وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». (فائدة) كل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال. ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا. وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. (فصل) ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. (فصل) وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار. (فائِدَة) قَوْله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد والوَعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها. فَقَوله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ﴾ أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فِيهِ، فَإن الإلهاء عَن الشَّيْء هو الِاشْتِغال عَنهُ فَإن كانَ بِقصد فَهو مَحل التَّكْلِيف، وإن كانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه في الخميصة: إنَّها ألهتني آنِفا عَن صَلاتي. كانَ صاحبه مَعْذُورًا وهو نوع من النسْيان. وَفِي الحَدِيث فلها عَن الصَّبِي أي ذهل عَنهُ، ويُقال لَها بالشَّيْء. أي اشْتغل بِهِ ولها عَنهُ إذا انْصَرف عَنهُ، واللَّهْو للقلب، واللعب للجوارح، ولِهَذا يجمع بَينهما، ولِهَذا كانَ قَوْله ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أبلغ في الذَّم من (شغلكم) فَإن العامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِما يعْمل، وقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هو ذُهُول وإعراض والتَّكاثُر تفاعل من الكَثْرَة أي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض، وأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إرادَة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طاعَة الله ورَسُوله، وما يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهو داخل في هَذا التكاثر، فالتكاثر في كل شَيْء من مال أو جاه أو رياسة أو نسْوَة أو حَدِيث أو علم ولا سيّما إذا لم يحْتَج إلَيْهِ والتَّكاثُر في الكتب والتصانيف وكَثْرَة المسائِل وتفريعها وتوليدها والتَّكاثُر أن يطْلب الرجل أن يكون أكثر من غَيره وهَذا مَذْمُوم إلّا فِيما يقرّب إلى الله فالتكاثر فِيهِ مُنافَسَة في الخيرات ومسابقة إلَيْها. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أنه انْتهى إلى النَّبِي وهو يقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ "يَقُول ابْن آدم مالِي وهل لَك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" (فائدة) المَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧] فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ. (فصل) قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) الدَّراهِم أرْبَعَة دَراهِم: اكْتسب بِطاعَة الله وأخرج في حق الله فَذاك خير الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وأخرج في مَعْصِيّة الله فَذاك شَرّ الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وأخرج في أذى مُسلم فَهو كَذَلِك. وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وأنْفق في شَهْوَة مُباحَة فَذاك لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. هَذِه أصُول الدَّراهِم ويتفرّع عَلَيْها دراهم أخر مِنها دِرْهَم اكْتسب بِحَق وأنْفق في باطِل. وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وأنْفق في حق فإنفاقه كفّارته. وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أن ينْفق في طاعَة. وكما يتَعَلَّق الثَّواب والعِقاب والمدح والذم بِإخْراج الدِّرْهَم، فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه. وَكَذَلِكَ يسْأل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أيْن اكْتَسبهُ وفِيما أنفقهُ. (فائدة) وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه.

التكاثر 102:2

أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح - وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد - «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢». وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني». وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾؟ وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت - الحديث» وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم». فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ؎ولست بالأكثر منهم غنى ∗∗∗ وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». (فائدة) كل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال. ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا. وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. (فصل) ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. (فصل) وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار. (فائِدَة) قَوْله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد والوَعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها. فَقَوله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ﴾ أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فِيهِ، فَإن الإلهاء عَن الشَّيْء هو الِاشْتِغال عَنهُ فَإن كانَ بِقصد فَهو مَحل التَّكْلِيف، وإن كانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه في الخميصة: إنَّها ألهتني آنِفا عَن صَلاتي. كانَ صاحبه مَعْذُورًا وهو نوع من النسْيان. وَفِي الحَدِيث فلها عَن الصَّبِي أي ذهل عَنهُ، ويُقال لَها بالشَّيْء. أي اشْتغل بِهِ ولها عَنهُ إذا انْصَرف عَنهُ، واللَّهْو للقلب، واللعب للجوارح، ولِهَذا يجمع بَينهما، ولِهَذا كانَ قَوْله ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أبلغ في الذَّم من (شغلكم) فَإن العامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِما يعْمل، وقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هو ذُهُول وإعراض والتَّكاثُر تفاعل من الكَثْرَة أي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض، وأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إرادَة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طاعَة الله ورَسُوله، وما يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهو داخل في هَذا التكاثر، فالتكاثر في كل شَيْء من مال أو جاه أو رياسة أو نسْوَة أو حَدِيث أو علم ولا سيّما إذا لم يحْتَج إلَيْهِ والتَّكاثُر في الكتب والتصانيف وكَثْرَة المسائِل وتفريعها وتوليدها والتَّكاثُر أن يطْلب الرجل أن يكون أكثر من غَيره وهَذا مَذْمُوم إلّا فِيما يقرّب إلى الله فالتكاثر فِيهِ مُنافَسَة في الخيرات ومسابقة إلَيْها. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أنه انْتهى إلى النَّبِي وهو يقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ "يَقُول ابْن آدم مالِي وهل لَك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" (فائدة) المَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧] فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ. (فصل) قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) الدَّراهِم أرْبَعَة دَراهِم: اكْتسب بِطاعَة الله وأخرج في حق الله فَذاك خير الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وأخرج في مَعْصِيّة الله فَذاك شَرّ الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وأخرج في أذى مُسلم فَهو كَذَلِك. وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وأنْفق في شَهْوَة مُباحَة فَذاك لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. هَذِه أصُول الدَّراهِم ويتفرّع عَلَيْها دراهم أخر مِنها دِرْهَم اكْتسب بِحَق وأنْفق في باطِل. وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وأنْفق في حق فإنفاقه كفّارته. وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أن ينْفق في طاعَة. وكما يتَعَلَّق الثَّواب والعِقاب والمدح والذم بِإخْراج الدِّرْهَم، فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه. وَكَذَلِكَ يسْأل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أيْن اكْتَسبهُ وفِيما أنفقهُ. (فائدة) وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه.

التكاثر 102:3

أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح - وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد - «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢». وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني». وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾؟ وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت - الحديث» وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم». فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ؎ولست بالأكثر منهم غنى ∗∗∗ وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». (فائدة) كل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال. ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا. وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. (فصل) ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. (فصل) وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار. (فائِدَة) قَوْله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد والوَعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها. فَقَوله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ﴾ أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فِيهِ، فَإن الإلهاء عَن الشَّيْء هو الِاشْتِغال عَنهُ فَإن كانَ بِقصد فَهو مَحل التَّكْلِيف، وإن كانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه في الخميصة: إنَّها ألهتني آنِفا عَن صَلاتي. كانَ صاحبه مَعْذُورًا وهو نوع من النسْيان. وَفِي الحَدِيث فلها عَن الصَّبِي أي ذهل عَنهُ، ويُقال لَها بالشَّيْء. أي اشْتغل بِهِ ولها عَنهُ إذا انْصَرف عَنهُ، واللَّهْو للقلب، واللعب للجوارح، ولِهَذا يجمع بَينهما، ولِهَذا كانَ قَوْله ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أبلغ في الذَّم من (شغلكم) فَإن العامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِما يعْمل، وقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هو ذُهُول وإعراض والتَّكاثُر تفاعل من الكَثْرَة أي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض، وأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إرادَة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طاعَة الله ورَسُوله، وما يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهو داخل في هَذا التكاثر، فالتكاثر في كل شَيْء من مال أو جاه أو رياسة أو نسْوَة أو حَدِيث أو علم ولا سيّما إذا لم يحْتَج إلَيْهِ والتَّكاثُر في الكتب والتصانيف وكَثْرَة المسائِل وتفريعها وتوليدها والتَّكاثُر أن يطْلب الرجل أن يكون أكثر من غَيره وهَذا مَذْمُوم إلّا فِيما يقرّب إلى الله فالتكاثر فِيهِ مُنافَسَة في الخيرات ومسابقة إلَيْها. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أنه انْتهى إلى النَّبِي وهو يقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ "يَقُول ابْن آدم مالِي وهل لَك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" (فائدة) المَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧] فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ. (فصل) قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) الدَّراهِم أرْبَعَة دَراهِم: اكْتسب بِطاعَة الله وأخرج في حق الله فَذاك خير الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وأخرج في مَعْصِيّة الله فَذاك شَرّ الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وأخرج في أذى مُسلم فَهو كَذَلِك. وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وأنْفق في شَهْوَة مُباحَة فَذاك لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. هَذِه أصُول الدَّراهِم ويتفرّع عَلَيْها دراهم أخر مِنها دِرْهَم اكْتسب بِحَق وأنْفق في باطِل. وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وأنْفق في حق فإنفاقه كفّارته. وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أن ينْفق في طاعَة. وكما يتَعَلَّق الثَّواب والعِقاب والمدح والذم بِإخْراج الدِّرْهَم، فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه. وَكَذَلِكَ يسْأل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أيْن اكْتَسبهُ وفِيما أنفقهُ. (فائدة) وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه.

التكاثر 102:4

أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح - وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد - «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢». وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني». وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾؟ وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت - الحديث» وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم». فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ؎ولست بالأكثر منهم غنى ∗∗∗ وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». (فائدة) كل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال. ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا. وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. (فصل) ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. (فصل) وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار. (فائِدَة) قَوْله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد والوَعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها. فَقَوله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ﴾ أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فِيهِ، فَإن الإلهاء عَن الشَّيْء هو الِاشْتِغال عَنهُ فَإن كانَ بِقصد فَهو مَحل التَّكْلِيف، وإن كانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه في الخميصة: إنَّها ألهتني آنِفا عَن صَلاتي. كانَ صاحبه مَعْذُورًا وهو نوع من النسْيان. وَفِي الحَدِيث فلها عَن الصَّبِي أي ذهل عَنهُ، ويُقال لَها بالشَّيْء. أي اشْتغل بِهِ ولها عَنهُ إذا انْصَرف عَنهُ، واللَّهْو للقلب، واللعب للجوارح، ولِهَذا يجمع بَينهما، ولِهَذا كانَ قَوْله ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أبلغ في الذَّم من (شغلكم) فَإن العامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِما يعْمل، وقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هو ذُهُول وإعراض والتَّكاثُر تفاعل من الكَثْرَة أي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض، وأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إرادَة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طاعَة الله ورَسُوله، وما يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهو داخل في هَذا التكاثر، فالتكاثر في كل شَيْء من مال أو جاه أو رياسة أو نسْوَة أو حَدِيث أو علم ولا سيّما إذا لم يحْتَج إلَيْهِ والتَّكاثُر في الكتب والتصانيف وكَثْرَة المسائِل وتفريعها وتوليدها والتَّكاثُر أن يطْلب الرجل أن يكون أكثر من غَيره وهَذا مَذْمُوم إلّا فِيما يقرّب إلى الله فالتكاثر فِيهِ مُنافَسَة في الخيرات ومسابقة إلَيْها. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أنه انْتهى إلى النَّبِي وهو يقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ "يَقُول ابْن آدم مالِي وهل لَك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" (فائدة) المَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧] فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ. (فصل) قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) الدَّراهِم أرْبَعَة دَراهِم: اكْتسب بِطاعَة الله وأخرج في حق الله فَذاك خير الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وأخرج في مَعْصِيّة الله فَذاك شَرّ الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وأخرج في أذى مُسلم فَهو كَذَلِك. وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وأنْفق في شَهْوَة مُباحَة فَذاك لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. هَذِه أصُول الدَّراهِم ويتفرّع عَلَيْها دراهم أخر مِنها دِرْهَم اكْتسب بِحَق وأنْفق في باطِل. وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وأنْفق في حق فإنفاقه كفّارته. وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أن ينْفق في طاعَة. وكما يتَعَلَّق الثَّواب والعِقاب والمدح والذم بِإخْراج الدِّرْهَم، فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه. وَكَذَلِكَ يسْأل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أيْن اكْتَسبهُ وفِيما أنفقهُ. (فائدة) وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه.

التكاثر 102:5

أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح - وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد - «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢». وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني». وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾؟ وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت - الحديث» وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم». فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ؎ولست بالأكثر منهم غنى ∗∗∗ وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». (فائدة) كل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال. ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا. وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. (فصل) ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. (فصل) وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار. (فائِدَة) قَوْله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد والوَعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها. فَقَوله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ﴾ أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فِيهِ، فَإن الإلهاء عَن الشَّيْء هو الِاشْتِغال عَنهُ فَإن كانَ بِقصد فَهو مَحل التَّكْلِيف، وإن كانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه في الخميصة: إنَّها ألهتني آنِفا عَن صَلاتي. كانَ صاحبه مَعْذُورًا وهو نوع من النسْيان. وَفِي الحَدِيث فلها عَن الصَّبِي أي ذهل عَنهُ، ويُقال لَها بالشَّيْء. أي اشْتغل بِهِ ولها عَنهُ إذا انْصَرف عَنهُ، واللَّهْو للقلب، واللعب للجوارح، ولِهَذا يجمع بَينهما، ولِهَذا كانَ قَوْله ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أبلغ في الذَّم من (شغلكم) فَإن العامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِما يعْمل، وقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هو ذُهُول وإعراض والتَّكاثُر تفاعل من الكَثْرَة أي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض، وأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إرادَة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طاعَة الله ورَسُوله، وما يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهو داخل في هَذا التكاثر، فالتكاثر في كل شَيْء من مال أو جاه أو رياسة أو نسْوَة أو حَدِيث أو علم ولا سيّما إذا لم يحْتَج إلَيْهِ والتَّكاثُر في الكتب والتصانيف وكَثْرَة المسائِل وتفريعها وتوليدها والتَّكاثُر أن يطْلب الرجل أن يكون أكثر من غَيره وهَذا مَذْمُوم إلّا فِيما يقرّب إلى الله فالتكاثر فِيهِ مُنافَسَة في الخيرات ومسابقة إلَيْها. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أنه انْتهى إلى النَّبِي وهو يقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ "يَقُول ابْن آدم مالِي وهل لَك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" (فائدة) المَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧] فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ. (فصل) قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) الدَّراهِم أرْبَعَة دَراهِم: اكْتسب بِطاعَة الله وأخرج في حق الله فَذاك خير الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وأخرج في مَعْصِيّة الله فَذاك شَرّ الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وأخرج في أذى مُسلم فَهو كَذَلِك. وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وأنْفق في شَهْوَة مُباحَة فَذاك لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. هَذِه أصُول الدَّراهِم ويتفرّع عَلَيْها دراهم أخر مِنها دِرْهَم اكْتسب بِحَق وأنْفق في باطِل. وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وأنْفق في حق فإنفاقه كفّارته. وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أن ينْفق في طاعَة. وكما يتَعَلَّق الثَّواب والعِقاب والمدح والذم بِإخْراج الدِّرْهَم، فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه. وَكَذَلِكَ يسْأل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أيْن اكْتَسبهُ وفِيما أنفقهُ. (فائدة) وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه.

التكاثر 102:6

أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح - وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد - «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢». وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني». وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾؟ وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت - الحديث» وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم». فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ؎ولست بالأكثر منهم غنى ∗∗∗ وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». (فائدة) كل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال. ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا. وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. (فصل) ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. (فصل) وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار. (فائِدَة) قَوْله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد والوَعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها. فَقَوله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ﴾ أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فِيهِ، فَإن الإلهاء عَن الشَّيْء هو الِاشْتِغال عَنهُ فَإن كانَ بِقصد فَهو مَحل التَّكْلِيف، وإن كانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه في الخميصة: إنَّها ألهتني آنِفا عَن صَلاتي. كانَ صاحبه مَعْذُورًا وهو نوع من النسْيان. وَفِي الحَدِيث فلها عَن الصَّبِي أي ذهل عَنهُ، ويُقال لَها بالشَّيْء. أي اشْتغل بِهِ ولها عَنهُ إذا انْصَرف عَنهُ، واللَّهْو للقلب، واللعب للجوارح، ولِهَذا يجمع بَينهما، ولِهَذا كانَ قَوْله ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أبلغ في الذَّم من (شغلكم) فَإن العامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِما يعْمل، وقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هو ذُهُول وإعراض والتَّكاثُر تفاعل من الكَثْرَة أي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض، وأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إرادَة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طاعَة الله ورَسُوله، وما يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهو داخل في هَذا التكاثر، فالتكاثر في كل شَيْء من مال أو جاه أو رياسة أو نسْوَة أو حَدِيث أو علم ولا سيّما إذا لم يحْتَج إلَيْهِ والتَّكاثُر في الكتب والتصانيف وكَثْرَة المسائِل وتفريعها وتوليدها والتَّكاثُر أن يطْلب الرجل أن يكون أكثر من غَيره وهَذا مَذْمُوم إلّا فِيما يقرّب إلى الله فالتكاثر فِيهِ مُنافَسَة في الخيرات ومسابقة إلَيْها. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أنه انْتهى إلى النَّبِي وهو يقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ "يَقُول ابْن آدم مالِي وهل لَك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" (فائدة) المَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧] فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ. (فصل) قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) الدَّراهِم أرْبَعَة دَراهِم: اكْتسب بِطاعَة الله وأخرج في حق الله فَذاك خير الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وأخرج في مَعْصِيّة الله فَذاك شَرّ الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وأخرج في أذى مُسلم فَهو كَذَلِك. وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وأنْفق في شَهْوَة مُباحَة فَذاك لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. هَذِه أصُول الدَّراهِم ويتفرّع عَلَيْها دراهم أخر مِنها دِرْهَم اكْتسب بِحَق وأنْفق في باطِل. وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وأنْفق في حق فإنفاقه كفّارته. وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أن ينْفق في طاعَة. وكما يتَعَلَّق الثَّواب والعِقاب والمدح والذم بِإخْراج الدِّرْهَم، فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه. وَكَذَلِكَ يسْأل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أيْن اكْتَسبهُ وفِيما أنفقهُ. (فائدة) وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه.

التكاثر 102:7

أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح - وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد - «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢». وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني». وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾؟ وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت - الحديث» وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم». فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ؎ولست بالأكثر منهم غنى ∗∗∗ وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». (فائدة) كل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال. ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا. وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. (فصل) ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. (فصل) وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار. (فائِدَة) قَوْله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد والوَعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها. فَقَوله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ﴾ أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فِيهِ، فَإن الإلهاء عَن الشَّيْء هو الِاشْتِغال عَنهُ فَإن كانَ بِقصد فَهو مَحل التَّكْلِيف، وإن كانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه في الخميصة: إنَّها ألهتني آنِفا عَن صَلاتي. كانَ صاحبه مَعْذُورًا وهو نوع من النسْيان. وَفِي الحَدِيث فلها عَن الصَّبِي أي ذهل عَنهُ، ويُقال لَها بالشَّيْء. أي اشْتغل بِهِ ولها عَنهُ إذا انْصَرف عَنهُ، واللَّهْو للقلب، واللعب للجوارح، ولِهَذا يجمع بَينهما، ولِهَذا كانَ قَوْله ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أبلغ في الذَّم من (شغلكم) فَإن العامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِما يعْمل، وقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هو ذُهُول وإعراض والتَّكاثُر تفاعل من الكَثْرَة أي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض، وأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إرادَة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طاعَة الله ورَسُوله، وما يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهو داخل في هَذا التكاثر، فالتكاثر في كل شَيْء من مال أو جاه أو رياسة أو نسْوَة أو حَدِيث أو علم ولا سيّما إذا لم يحْتَج إلَيْهِ والتَّكاثُر في الكتب والتصانيف وكَثْرَة المسائِل وتفريعها وتوليدها والتَّكاثُر أن يطْلب الرجل أن يكون أكثر من غَيره وهَذا مَذْمُوم إلّا فِيما يقرّب إلى الله فالتكاثر فِيهِ مُنافَسَة في الخيرات ومسابقة إلَيْها. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أنه انْتهى إلى النَّبِي وهو يقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ "يَقُول ابْن آدم مالِي وهل لَك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" (فائدة) المَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧] فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ. (فصل) قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) الدَّراهِم أرْبَعَة دَراهِم: اكْتسب بِطاعَة الله وأخرج في حق الله فَذاك خير الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وأخرج في مَعْصِيّة الله فَذاك شَرّ الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وأخرج في أذى مُسلم فَهو كَذَلِك. وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وأنْفق في شَهْوَة مُباحَة فَذاك لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. هَذِه أصُول الدَّراهِم ويتفرّع عَلَيْها دراهم أخر مِنها دِرْهَم اكْتسب بِحَق وأنْفق في باطِل. وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وأنْفق في حق فإنفاقه كفّارته. وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أن ينْفق في طاعَة. وكما يتَعَلَّق الثَّواب والعِقاب والمدح والذم بِإخْراج الدِّرْهَم، فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه. وَكَذَلِكَ يسْأل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أيْن اكْتَسبهُ وفِيما أنفقهُ. (فائدة) وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه.

التكاثر 102:8

أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ في الحديث الصحيح - وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد - «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «١» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «٢». وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني». وقال: هذا حديث صحيح. وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾؟ وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك: قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت - الحديث» وهو في صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما. وقد يكون كافرا. ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي ﷺ، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم». فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين. فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد. أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده. وبالله التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ؎ولست بالأكثر منهم غنى ∗∗∗ وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة. وهو جارّ إلى غاية القلة. فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». (فائدة) كل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال. ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا. وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. (فصل) ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟ فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. (فصل) وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار. (فائِدَة) قَوْله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد والوَعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها. فَقَوله تَعالى ﴿ألْهاكُمُ﴾ أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فِيهِ، فَإن الإلهاء عَن الشَّيْء هو الِاشْتِغال عَنهُ فَإن كانَ بِقصد فَهو مَحل التَّكْلِيف، وإن كانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه في الخميصة: إنَّها ألهتني آنِفا عَن صَلاتي. كانَ صاحبه مَعْذُورًا وهو نوع من النسْيان. وَفِي الحَدِيث فلها عَن الصَّبِي أي ذهل عَنهُ، ويُقال لَها بالشَّيْء. أي اشْتغل بِهِ ولها عَنهُ إذا انْصَرف عَنهُ، واللَّهْو للقلب، واللعب للجوارح، ولِهَذا يجمع بَينهما، ولِهَذا كانَ قَوْله ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أبلغ في الذَّم من (شغلكم) فَإن العامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِما يعْمل، وقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هو ذُهُول وإعراض والتَّكاثُر تفاعل من الكَثْرَة أي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض، وأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إرادَة لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طاعَة الله ورَسُوله، وما يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهو داخل في هَذا التكاثر، فالتكاثر في كل شَيْء من مال أو جاه أو رياسة أو نسْوَة أو حَدِيث أو علم ولا سيّما إذا لم يحْتَج إلَيْهِ والتَّكاثُر في الكتب والتصانيف وكَثْرَة المسائِل وتفريعها وتوليدها والتَّكاثُر أن يطْلب الرجل أن يكون أكثر من غَيره وهَذا مَذْمُوم إلّا فِيما يقرّب إلى الله فالتكاثر فِيهِ مُنافَسَة في الخيرات ومسابقة إلَيْها. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير أنه انْتهى إلى النَّبِي وهو يقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ "يَقُول ابْن آدم مالِي وهل لَك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت" (فائدة) المَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧] فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ. (فصل) قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف في حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إنّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. (فصل) الدَّراهِم أرْبَعَة دَراهِم: اكْتسب بِطاعَة الله وأخرج في حق الله فَذاك خير الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بِمَعْصِيَة الله وأخرج في مَعْصِيّة الله فَذاك شَرّ الدَّراهِم. وَدِرْهَم اكْتسب بأذى مُسلم وأخرج في أذى مُسلم فَهو كَذَلِك. وَدِرْهَم اكْتسب بمباح وأنْفق في شَهْوَة مُباحَة فَذاك لا لَهُ ولا عَلَيْهِ. هَذِه أصُول الدَّراهِم ويتفرّع عَلَيْها دراهم أخر مِنها دِرْهَم اكْتسب بِحَق وأنْفق في باطِل. وَدِرْهَم اكْتسب بباطل وأنْفق في حق فإنفاقه كفّارته. وَدِرْهَم اكْتسب من شُبْهَة فكفّارته أن ينْفق في طاعَة. وكما يتَعَلَّق الثَّواب والعِقاب والمدح والذم بِإخْراج الدِّرْهَم، فَكَذَلِك يتَعَلَّق باكتسابه. وَكَذَلِكَ يسْأل عَنهُ مستخرجه ومصروفه من أيْن اكْتَسبهُ وفِيما أنفقهُ. (فائدة) وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه.

العصر 103:1

(فصل) ومن ذلك إقسامه بالعصر على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم والعصر المقسم به قيل هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل هو آخر ساعة من ساعاته وقيل المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرًا أمر معروف في لغتهم قال: ؎ولن يلبث العصران يوم وليلة ∗∗∗ إذا طلبا أن يدركا ما تيمما ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة، والآية فيه فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة، وأخذ أحدهما من صاحبه تارة، واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد، وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد، وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرًا وشرًا تأبى أن يسوى بينهم، وأن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الإنسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الإنسان إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين وتأمل حكمة القرآن لما قال ﴿إنَّ الإنسان لَفي خُسْرٍ﴾ فإنه ضيق الاستثناء وخصصه فقال ﴿إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ولما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ وسع الاستثناء وعممه فقال ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولم يقل وتواصوا فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين، فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضًا على الأعيان، وقد تكون فرضًا على الكفاية وقد تكون مستحبة والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ذو خسر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لقد فرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تفريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك ولما قال في سورة والتين ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ قال ﴿إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح، وانقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الإنسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين: علم بالحق، وصبر عليه، فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الإنساني من العلم النافع والعمل الصالح والإحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك. وقوله تعالى ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين كقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين والصبر نوعان نوع على المقدور كالمصائب، ونوع على المشروع. وهذا النوع أيضا نوعان صبر على الأوامر، وصبر عن النواهي. فذاك صبر على الإرادة والفعل، وهذا صبر عن الإرادة والفعل. فأما النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار قال النبي ﷺ في حق ابنته "مرها فلتصبر ولتحتسب" وقال تعالى ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ وقال ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ فالصبر بدون الإيمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى، وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور. وقال تعالى ﴿فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا فمن قل يقينه قل صبره ومن قل صبره خف واستخف فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف. والله المستعان. (فصل) وسمع قارئا يقرأ: ﴿والعَصْرِ (١) إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ (٢) إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ فقال: لو أن الناس أخذوا كلهم بهذه السورة لوسعتهم أو كفتهم، كما قال الشافعي رضي الله عنه: "لو فكر الناس في سورة والعصر لكفتهم " فإنه سبحانه قسم نوع الإنسان فيها قسمين: خاسرا ورابحا، فالرابح من نصح نفسه بالإيمان والعمل الصالح، ونصح الخلق بالوصية بالحق المتضمنة لتعليمه وإرشاده، والوصية بالصبر المتضمنة لصبره هو أيضا، فتضمنت السورة النصيحتين والتكميلين وغاية كمال القوتين، بأخصر لفظ و وجزه وأهذبه و حسنه ديباجة وألطفه موقعا. أما النصيحتان فنصيحة العبد نفسه، ونصيحته أخاه بالوصية بالحق والصبر عليه. وأما التكميلان فهو تكميله نفسه وتكميله أخاه. وأما كمال القوتين فإن النفس لها قوتان: قوة العلم والنظر، وكمالها بالإيمان، وقوة الإرادة والحب والعمل، وكمالها بالعمل الصالح، ولا يتم ذلك لها إلا بالصبر. فصار هاهنا ستة امور: ثلاثة يفعلها في نفسه ويأمر بها غيره، تكميل قوته العلمية بالإيمان، والعملية بالأعمال الصا لحة، والدوام على ذلك بالصبر عليه، وأمره لغيره بهذه الثلاثة، فيكون مؤتمرا بها آمرا بها متصفا بها معلما لها داعيا إليها، فهذا هو الرابح كل الربح، وما فاته من الربح بحسبه وحصل له نوع من الخسران، والله المستعان وعليه التكلان. وقال في (مفتاح دار السعادة) قوله تَعالى: ﴿والعصر إن الإنْسان لفي خسر إلّا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصبرِ﴾ قالَ الشّافِعِي رضى الله عَنهُ "لَو فكر النّاس كلهم في هَذِه السُّورَة لكفتهم" وَبَيان ذَلِك أن المَراتِب أربعة وباستكمالها يحصل للشَّخْص غايَة كَماله: إحداها معرفَة الحق الثّانِيَة عمله بِهِ الثّالِثَة تَعْلِيمه من لا يُحسنهُ الرّابِعَة صبره على تعلمه والعَمَل بِهِ وتعليمه. فَذكر تَعالى المَراتِب الأربعة في هَذِه السُّورَة، وأقسم سُبْحانَهُ في هَذِه السُّورَة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات، وهم الَّذين عرفُوا الحق وصَدقُوا بِهِ، فَهَذِهِ مرتبَة. (وَعمِلُوا الصّالِحات) وهم الَّذين عمِلُوا بِما علموه من الحق فَهَذِهِ مرتبَة أخرى. (وَتَواصَوْا بِالحَقِّ) وصّى بِهِ بَعضهم بَعْضًا تَعْلِيما وإرشادا، فَهَذِهِ مرتبَة ثالِثَة. (وَتَواصَوْا بِالصبرِ) صَبَرُوا على الحق، ووصى بَعضهم بَعْضًا بِالصبرِ عَلَيْهِ والثبات فَهَذِهِ مرتبَة رابِعَة. وهذا نهاية الكَمال فَإن الكَمال أن يكون الشَّخْص كامِلا في نَفسه مكملا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية فصلاح القُوَّة العلمية بالإيمان وصَلاح القُوَّة العملية بِعَمَل الصّالِحات، وتكميله غَيره بتعليمه إياه وصَبره عَلَيْهِ، وتوصيته بِالصبرِ على العلم والعَمَل. فَهَذِهِ السُّورَة على اختصارها هي من أجْمَعْ سور القُرْآن للخير بحذافيره، والحَمْد لله الَّذِي جعل كِتابه كافِيا عَن كل ما سواهُ، شافيا من كل داء، هاديا إلى كل خير. وقال في (إغاثة اللهفان) أقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذي هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة، على أن كل واحد في خسر، إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوته العملية بالعمل بطاعته. فهذا كماله في نفسه، ثم كمل غيره بوصيته له بذلك، وأمره إياه به، وبملاك ذلك، وهو الصبر. فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك، ووصيته له بالصبر عليه. وقال في (المدارج) أقْسَمَ سُبْحانَهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ خاسِرٌ إلّا مَن كَمَّلَ قُوَّتَهُ العِلْمِيَّةَ بِالإيمانِ، وقُوَّتَهُ العَمَلِيَّةَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وكَمَّلَ غَيْرَهُ بِالتَّوْصِيَةِ بِالحَقِّ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، فالحَقُّ هو الإيمانُ والعَمَلُ، ولا يَتِمّانِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِما، والتَّواصِي بِهِما كانَ حَقِيقًا بِالإنْسانِ أنْ يُنْفِقَ ساعاتِ عُمْرِهِ بَلْ أنْفاسَهُ فِيما يَنالُ بِهِ المَطالِبَ العالِيَةَ، ويَخْلُصُ بِهِ مِنَ الخُسْرانِ المُبِينِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِالإقْبالِ عَلى القُرْآنِ وتَفَهُّمِهِ وتَدَبُّرِهِ واسْتِخْراجِ كُنُوزِهِ وإثارَةِ دَفائِنِهِ، وصَرْفِ العِنايَةِ إلَيْهِ، والعُكُوفِ بِالهِمَّةِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ الكَفِيلُ بِمَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، والمُوَصِّلُ لَهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، فالحَقِيقَةُ والطَّرِيقَةُ، والأذْواقُ والمَواجِيدُ الصَّحِيحَةُ، كُلُّها لا تُقْتَبَسُ إلّا مِن مِشْكاتِهِ، ولا تُسْتَثْمَرُ إلّا مِن شَجَراتِهِ. وقال في (عدة الصابرين) إنه سبحانه حكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن، ولم يكن من أهل الحق والصبر. وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى ﴿والعصر أن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ولهذا قال الشافعي لو فكر الناس كلهم في هذه الآية لوسعتهم. وذلك أن العبد كماله في تكميل قوتيه قوة العلم وقوة العمل، وهما الإيمان، والعمل الصالح. وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه فهو محتاج إلى تكميل غيره، وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وأخية ذلك وقاعدته وساقه الذي يقوم عليه إنما هو الصبر. (فائدة) اعلم أن الدين مبني على أصلين: الحق والصبر، وهما المذكوران في قوله تعالى ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس، وكان هذا هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه، فكان الصبر نصف الإيمان والله سبحانه وتعالى أعلم. (فصل) الِاجْتِماع بالإخوان قِسْمانِ: أحدهما اجْتِماع على مؤانسة الطَّبْع، وشغل الوَقْت فَهَذا مضرّته أرجح من منفعَته، وأقل ما فِيهِ أنه يفْسد القلب ويضيع الوَقْت. الثّانِي الِاجْتِماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بِالحَقِّ والصَّبْر فَهَذا من أعظم الغَنِيمَة وأنفعها، ولَكِن فِيهِ ثَلاث آفات: إحداها: تزين بَعضهم لبَعض. الثّانِيَة الكَلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثّالِثَة أن يصير ذَلِك شَهْوَة وعادَة يَنْقَطِع بها عَن المَقْصُود. وَبِالجُمْلَةِ فالاجتماع والخلطة لقاح إما للنَّفس الأمارة، وإما للقلب والنَّفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح، فَمن طلب لقاحه طابت ثَمَرَته. وَهَكَذا الأرْواح الطيّبة لقاحها من الملك، والخبيثة لقاحها من الشَّيْطان، وقد جعل الله سُبْحانَهُ بِحِكْمَتِهِ الطَّيِّبات للطيبين والطيبين للطيبات.

العصر 103:2

(فصل) ومن ذلك إقسامه بالعصر على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم والعصر المقسم به قيل هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل هو آخر ساعة من ساعاته وقيل المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرًا أمر معروف في لغتهم قال: ؎ولن يلبث العصران يوم وليلة ∗∗∗ إذا طلبا أن يدركا ما تيمما ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة، والآية فيه فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة، وأخذ أحدهما من صاحبه تارة، واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد، وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد، وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرًا وشرًا تأبى أن يسوى بينهم، وأن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الإنسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الإنسان إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين وتأمل حكمة القرآن لما قال ﴿إنَّ الإنسان لَفي خُسْرٍ﴾ فإنه ضيق الاستثناء وخصصه فقال ﴿إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ولما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ وسع الاستثناء وعممه فقال ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولم يقل وتواصوا فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين، فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضًا على الأعيان، وقد تكون فرضًا على الكفاية وقد تكون مستحبة والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ذو خسر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لقد فرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تفريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك ولما قال في سورة والتين ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ قال ﴿إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح، وانقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الإنسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين: علم بالحق، وصبر عليه، فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الإنساني من العلم النافع والعمل الصالح والإحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك. وقوله تعالى ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين كقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين والصبر نوعان نوع على المقدور كالمصائب، ونوع على المشروع. وهذا النوع أيضا نوعان صبر على الأوامر، وصبر عن النواهي. فذاك صبر على الإرادة والفعل، وهذا صبر عن الإرادة والفعل. فأما النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار قال النبي ﷺ في حق ابنته "مرها فلتصبر ولتحتسب" وقال تعالى ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ وقال ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ فالصبر بدون الإيمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى، وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور. وقال تعالى ﴿فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا فمن قل يقينه قل صبره ومن قل صبره خف واستخف فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف. والله المستعان. (فصل) وسمع قارئا يقرأ: ﴿والعَصْرِ (١) إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ (٢) إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ فقال: لو أن الناس أخذوا كلهم بهذه السورة لوسعتهم أو كفتهم، كما قال الشافعي رضي الله عنه: "لو فكر الناس في سورة والعصر لكفتهم " فإنه سبحانه قسم نوع الإنسان فيها قسمين: خاسرا ورابحا، فالرابح من نصح نفسه بالإيمان والعمل الصالح، ونصح الخلق بالوصية بالحق المتضمنة لتعليمه وإرشاده، والوصية بالصبر المتضمنة لصبره هو أيضا، فتضمنت السورة النصيحتين والتكميلين وغاية كمال القوتين، بأخصر لفظ و وجزه وأهذبه و حسنه ديباجة وألطفه موقعا. أما النصيحتان فنصيحة العبد نفسه، ونصيحته أخاه بالوصية بالحق والصبر عليه. وأما التكميلان فهو تكميله نفسه وتكميله أخاه. وأما كمال القوتين فإن النفس لها قوتان: قوة العلم والنظر، وكمالها بالإيمان، وقوة الإرادة والحب والعمل، وكمالها بالعمل الصالح، ولا يتم ذلك لها إلا بالصبر. فصار هاهنا ستة امور: ثلاثة يفعلها في نفسه ويأمر بها غيره، تكميل قوته العلمية بالإيمان، والعملية بالأعمال الصا لحة، والدوام على ذلك بالصبر عليه، وأمره لغيره بهذه الثلاثة، فيكون مؤتمرا بها آمرا بها متصفا بها معلما لها داعيا إليها، فهذا هو الرابح كل الربح، وما فاته من الربح بحسبه وحصل له نوع من الخسران، والله المستعان وعليه التكلان. وقال في (مفتاح دار السعادة) قوله تَعالى: ﴿والعصر إن الإنْسان لفي خسر إلّا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصبرِ﴾ قالَ الشّافِعِي رضى الله عَنهُ "لَو فكر النّاس كلهم في هَذِه السُّورَة لكفتهم" وَبَيان ذَلِك أن المَراتِب أربعة وباستكمالها يحصل للشَّخْص غايَة كَماله: إحداها معرفَة الحق الثّانِيَة عمله بِهِ الثّالِثَة تَعْلِيمه من لا يُحسنهُ الرّابِعَة صبره على تعلمه والعَمَل بِهِ وتعليمه. فَذكر تَعالى المَراتِب الأربعة في هَذِه السُّورَة، وأقسم سُبْحانَهُ في هَذِه السُّورَة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات، وهم الَّذين عرفُوا الحق وصَدقُوا بِهِ، فَهَذِهِ مرتبَة. (وَعمِلُوا الصّالِحات) وهم الَّذين عمِلُوا بِما علموه من الحق فَهَذِهِ مرتبَة أخرى. (وَتَواصَوْا بِالحَقِّ) وصّى بِهِ بَعضهم بَعْضًا تَعْلِيما وإرشادا، فَهَذِهِ مرتبَة ثالِثَة. (وَتَواصَوْا بِالصبرِ) صَبَرُوا على الحق، ووصى بَعضهم بَعْضًا بِالصبرِ عَلَيْهِ والثبات فَهَذِهِ مرتبَة رابِعَة. وهذا نهاية الكَمال فَإن الكَمال أن يكون الشَّخْص كامِلا في نَفسه مكملا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية فصلاح القُوَّة العلمية بالإيمان وصَلاح القُوَّة العملية بِعَمَل الصّالِحات، وتكميله غَيره بتعليمه إياه وصَبره عَلَيْهِ، وتوصيته بِالصبرِ على العلم والعَمَل. فَهَذِهِ السُّورَة على اختصارها هي من أجْمَعْ سور القُرْآن للخير بحذافيره، والحَمْد لله الَّذِي جعل كِتابه كافِيا عَن كل ما سواهُ، شافيا من كل داء، هاديا إلى كل خير. وقال في (إغاثة اللهفان) أقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذي هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة، على أن كل واحد في خسر، إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوته العملية بالعمل بطاعته. فهذا كماله في نفسه، ثم كمل غيره بوصيته له بذلك، وأمره إياه به، وبملاك ذلك، وهو الصبر. فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك، ووصيته له بالصبر عليه. وقال في (المدارج) أقْسَمَ سُبْحانَهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ خاسِرٌ إلّا مَن كَمَّلَ قُوَّتَهُ العِلْمِيَّةَ بِالإيمانِ، وقُوَّتَهُ العَمَلِيَّةَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وكَمَّلَ غَيْرَهُ بِالتَّوْصِيَةِ بِالحَقِّ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، فالحَقُّ هو الإيمانُ والعَمَلُ، ولا يَتِمّانِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِما، والتَّواصِي بِهِما كانَ حَقِيقًا بِالإنْسانِ أنْ يُنْفِقَ ساعاتِ عُمْرِهِ بَلْ أنْفاسَهُ فِيما يَنالُ بِهِ المَطالِبَ العالِيَةَ، ويَخْلُصُ بِهِ مِنَ الخُسْرانِ المُبِينِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِالإقْبالِ عَلى القُرْآنِ وتَفَهُّمِهِ وتَدَبُّرِهِ واسْتِخْراجِ كُنُوزِهِ وإثارَةِ دَفائِنِهِ، وصَرْفِ العِنايَةِ إلَيْهِ، والعُكُوفِ بِالهِمَّةِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ الكَفِيلُ بِمَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، والمُوَصِّلُ لَهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، فالحَقِيقَةُ والطَّرِيقَةُ، والأذْواقُ والمَواجِيدُ الصَّحِيحَةُ، كُلُّها لا تُقْتَبَسُ إلّا مِن مِشْكاتِهِ، ولا تُسْتَثْمَرُ إلّا مِن شَجَراتِهِ. وقال في (عدة الصابرين) إنه سبحانه حكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن، ولم يكن من أهل الحق والصبر. وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى ﴿والعصر أن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ولهذا قال الشافعي لو فكر الناس كلهم في هذه الآية لوسعتهم. وذلك أن العبد كماله في تكميل قوتيه قوة العلم وقوة العمل، وهما الإيمان، والعمل الصالح. وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه فهو محتاج إلى تكميل غيره، وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وأخية ذلك وقاعدته وساقه الذي يقوم عليه إنما هو الصبر. (فائدة) اعلم أن الدين مبني على أصلين: الحق والصبر، وهما المذكوران في قوله تعالى ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس، وكان هذا هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه، فكان الصبر نصف الإيمان والله سبحانه وتعالى أعلم. (فصل) الِاجْتِماع بالإخوان قِسْمانِ: أحدهما اجْتِماع على مؤانسة الطَّبْع، وشغل الوَقْت فَهَذا مضرّته أرجح من منفعَته، وأقل ما فِيهِ أنه يفْسد القلب ويضيع الوَقْت. الثّانِي الِاجْتِماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بِالحَقِّ والصَّبْر فَهَذا من أعظم الغَنِيمَة وأنفعها، ولَكِن فِيهِ ثَلاث آفات: إحداها: تزين بَعضهم لبَعض. الثّانِيَة الكَلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثّالِثَة أن يصير ذَلِك شَهْوَة وعادَة يَنْقَطِع بها عَن المَقْصُود. وَبِالجُمْلَةِ فالاجتماع والخلطة لقاح إما للنَّفس الأمارة، وإما للقلب والنَّفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح، فَمن طلب لقاحه طابت ثَمَرَته. وَهَكَذا الأرْواح الطيّبة لقاحها من الملك، والخبيثة لقاحها من الشَّيْطان، وقد جعل الله سُبْحانَهُ بِحِكْمَتِهِ الطَّيِّبات للطيبين والطيبين للطيبات.

العصر 103:3

(فصل) ومن ذلك إقسامه بالعصر على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم والعصر المقسم به قيل هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل هو آخر ساعة من ساعاته وقيل المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرًا أمر معروف في لغتهم قال: ؎ولن يلبث العصران يوم وليلة ∗∗∗ إذا طلبا أن يدركا ما تيمما ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة، والآية فيه فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة، وأخذ أحدهما من صاحبه تارة، واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد، وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد، وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرًا وشرًا تأبى أن يسوى بينهم، وأن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الإنسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الإنسان إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين وتأمل حكمة القرآن لما قال ﴿إنَّ الإنسان لَفي خُسْرٍ﴾ فإنه ضيق الاستثناء وخصصه فقال ﴿إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ولما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ وسع الاستثناء وعممه فقال ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولم يقل وتواصوا فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين، فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضًا على الأعيان، وقد تكون فرضًا على الكفاية وقد تكون مستحبة والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ذو خسر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لقد فرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تفريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك ولما قال في سورة والتين ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ قال ﴿إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح، وانقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الإنسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين: علم بالحق، وصبر عليه، فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الإنساني من العلم النافع والعمل الصالح والإحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك. وقوله تعالى ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين كقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين والصبر نوعان نوع على المقدور كالمصائب، ونوع على المشروع. وهذا النوع أيضا نوعان صبر على الأوامر، وصبر عن النواهي. فذاك صبر على الإرادة والفعل، وهذا صبر عن الإرادة والفعل. فأما النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار قال النبي ﷺ في حق ابنته "مرها فلتصبر ولتحتسب" وقال تعالى ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ وقال ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ فالصبر بدون الإيمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى، وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور. وقال تعالى ﴿فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا فمن قل يقينه قل صبره ومن قل صبره خف واستخف فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف. والله المستعان. (فصل) وسمع قارئا يقرأ: ﴿والعَصْرِ (١) إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ (٢) إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ فقال: لو أن الناس أخذوا كلهم بهذه السورة لوسعتهم أو كفتهم، كما قال الشافعي رضي الله عنه: "لو فكر الناس في سورة والعصر لكفتهم " فإنه سبحانه قسم نوع الإنسان فيها قسمين: خاسرا ورابحا، فالرابح من نصح نفسه بالإيمان والعمل الصالح، ونصح الخلق بالوصية بالحق المتضمنة لتعليمه وإرشاده، والوصية بالصبر المتضمنة لصبره هو أيضا، فتضمنت السورة النصيحتين والتكميلين وغاية كمال القوتين، بأخصر لفظ و وجزه وأهذبه و حسنه ديباجة وألطفه موقعا. أما النصيحتان فنصيحة العبد نفسه، ونصيحته أخاه بالوصية بالحق والصبر عليه. وأما التكميلان فهو تكميله نفسه وتكميله أخاه. وأما كمال القوتين فإن النفس لها قوتان: قوة العلم والنظر، وكمالها بالإيمان، وقوة الإرادة والحب والعمل، وكمالها بالعمل الصالح، ولا يتم ذلك لها إلا بالصبر. فصار هاهنا ستة امور: ثلاثة يفعلها في نفسه ويأمر بها غيره، تكميل قوته العلمية بالإيمان، والعملية بالأعمال الصا لحة، والدوام على ذلك بالصبر عليه، وأمره لغيره بهذه الثلاثة، فيكون مؤتمرا بها آمرا بها متصفا بها معلما لها داعيا إليها، فهذا هو الرابح كل الربح، وما فاته من الربح بحسبه وحصل له نوع من الخسران، والله المستعان وعليه التكلان. وقال في (مفتاح دار السعادة) قوله تَعالى: ﴿والعصر إن الإنْسان لفي خسر إلّا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصبرِ﴾ قالَ الشّافِعِي رضى الله عَنهُ "لَو فكر النّاس كلهم في هَذِه السُّورَة لكفتهم" وَبَيان ذَلِك أن المَراتِب أربعة وباستكمالها يحصل للشَّخْص غايَة كَماله: إحداها معرفَة الحق الثّانِيَة عمله بِهِ الثّالِثَة تَعْلِيمه من لا يُحسنهُ الرّابِعَة صبره على تعلمه والعَمَل بِهِ وتعليمه. فَذكر تَعالى المَراتِب الأربعة في هَذِه السُّورَة، وأقسم سُبْحانَهُ في هَذِه السُّورَة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات، وهم الَّذين عرفُوا الحق وصَدقُوا بِهِ، فَهَذِهِ مرتبَة. (وَعمِلُوا الصّالِحات) وهم الَّذين عمِلُوا بِما علموه من الحق فَهَذِهِ مرتبَة أخرى. (وَتَواصَوْا بِالحَقِّ) وصّى بِهِ بَعضهم بَعْضًا تَعْلِيما وإرشادا، فَهَذِهِ مرتبَة ثالِثَة. (وَتَواصَوْا بِالصبرِ) صَبَرُوا على الحق، ووصى بَعضهم بَعْضًا بِالصبرِ عَلَيْهِ والثبات فَهَذِهِ مرتبَة رابِعَة. وهذا نهاية الكَمال فَإن الكَمال أن يكون الشَّخْص كامِلا في نَفسه مكملا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية فصلاح القُوَّة العلمية بالإيمان وصَلاح القُوَّة العملية بِعَمَل الصّالِحات، وتكميله غَيره بتعليمه إياه وصَبره عَلَيْهِ، وتوصيته بِالصبرِ على العلم والعَمَل. فَهَذِهِ السُّورَة على اختصارها هي من أجْمَعْ سور القُرْآن للخير بحذافيره، والحَمْد لله الَّذِي جعل كِتابه كافِيا عَن كل ما سواهُ، شافيا من كل داء، هاديا إلى كل خير. وقال في (إغاثة اللهفان) أقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذي هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة، على أن كل واحد في خسر، إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوته العملية بالعمل بطاعته. فهذا كماله في نفسه، ثم كمل غيره بوصيته له بذلك، وأمره إياه به، وبملاك ذلك، وهو الصبر. فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك، ووصيته له بالصبر عليه. وقال في (المدارج) أقْسَمَ سُبْحانَهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ خاسِرٌ إلّا مَن كَمَّلَ قُوَّتَهُ العِلْمِيَّةَ بِالإيمانِ، وقُوَّتَهُ العَمَلِيَّةَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وكَمَّلَ غَيْرَهُ بِالتَّوْصِيَةِ بِالحَقِّ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، فالحَقُّ هو الإيمانُ والعَمَلُ، ولا يَتِمّانِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِما، والتَّواصِي بِهِما كانَ حَقِيقًا بِالإنْسانِ أنْ يُنْفِقَ ساعاتِ عُمْرِهِ بَلْ أنْفاسَهُ فِيما يَنالُ بِهِ المَطالِبَ العالِيَةَ، ويَخْلُصُ بِهِ مِنَ الخُسْرانِ المُبِينِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِالإقْبالِ عَلى القُرْآنِ وتَفَهُّمِهِ وتَدَبُّرِهِ واسْتِخْراجِ كُنُوزِهِ وإثارَةِ دَفائِنِهِ، وصَرْفِ العِنايَةِ إلَيْهِ، والعُكُوفِ بِالهِمَّةِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ الكَفِيلُ بِمَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، والمُوَصِّلُ لَهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، فالحَقِيقَةُ والطَّرِيقَةُ، والأذْواقُ والمَواجِيدُ الصَّحِيحَةُ، كُلُّها لا تُقْتَبَسُ إلّا مِن مِشْكاتِهِ، ولا تُسْتَثْمَرُ إلّا مِن شَجَراتِهِ. وقال في (عدة الصابرين) إنه سبحانه حكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن، ولم يكن من أهل الحق والصبر. وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى ﴿والعصر أن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ولهذا قال الشافعي لو فكر الناس كلهم في هذه الآية لوسعتهم. وذلك أن العبد كماله في تكميل قوتيه قوة العلم وقوة العمل، وهما الإيمان، والعمل الصالح. وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه فهو محتاج إلى تكميل غيره، وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وأخية ذلك وقاعدته وساقه الذي يقوم عليه إنما هو الصبر. (فائدة) اعلم أن الدين مبني على أصلين: الحق والصبر، وهما المذكوران في قوله تعالى ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس، وكان هذا هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه، فكان الصبر نصف الإيمان والله سبحانه وتعالى أعلم. (فصل) الِاجْتِماع بالإخوان قِسْمانِ: أحدهما اجْتِماع على مؤانسة الطَّبْع، وشغل الوَقْت فَهَذا مضرّته أرجح من منفعَته، وأقل ما فِيهِ أنه يفْسد القلب ويضيع الوَقْت. الثّانِي الِاجْتِماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بِالحَقِّ والصَّبْر فَهَذا من أعظم الغَنِيمَة وأنفعها، ولَكِن فِيهِ ثَلاث آفات: إحداها: تزين بَعضهم لبَعض. الثّانِيَة الكَلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثّالِثَة أن يصير ذَلِك شَهْوَة وعادَة يَنْقَطِع بها عَن المَقْصُود. وَبِالجُمْلَةِ فالاجتماع والخلطة لقاح إما للنَّفس الأمارة، وإما للقلب والنَّفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح، فَمن طلب لقاحه طابت ثَمَرَته. وَهَكَذا الأرْواح الطيّبة لقاحها من الملك، والخبيثة لقاحها من الشَّيْطان، وقد جعل الله سُبْحانَهُ بِحِكْمَتِهِ الطَّيِّبات للطيبين والطيبين للطيبات.