Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الهمزة 104:1 – الفلق 113:5

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الهمزة 104:1
  2. الهمزة 104:2
  3. الهمزة 104:3
  4. الهمزة 104:4
  5. الهمزة 104:5
  6. الهمزة 104:6
  7. الهمزة 104:7
  8. الفيل 105:1
  9. الفيل 105:2
  10. الفيل 105:3
  11. الفيل 105:4
  12. الفيل 105:5
  13. قريش 106:1
  14. قريش 106:2
  15. قريش 106:3
  16. قريش 106:4
  17. الماعون 107:4
  18. الماعون 107:5
  19. الماعون 107:6
  20. الماعون 107:7
  21. الكوثر 108:1
  22. الكوثر 108:2
  23. الكوثر 108:3
  24. الكافرون 109:1
  25. الكافرون 109:2
  26. الكافرون 109:3
  27. الكافرون 109:4
  28. الكافرون 109:5
  29. الكافرون 109:6
  30. النصر 110:1
  31. النصر 110:2
  32. النصر 110:3
  33. المسد 111:1
  34. المسد 111:2
  35. المسد 111:3
  36. المسد 111:4
  37. المسد 111:5
  38. الإخلاص 112:1
  39. الفلق 113:1
  40. الفلق 113:2
  41. الفلق 113:3
  42. الفلق 113:4
  43. الفلق 113:5

الهمزة 104:1

(فائدة) قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. قوله تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة ومنه سمي الباب وصيدا وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. [فصل: الفرق بين الاحتراز وسوء الظن] والفرق بين الاحتراز وسوء الظن، أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرا فهو يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع منه الشر وكذلك يكون مع المتأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه، فالمحترز كالمتسلح المتدرع الذي قد تأهب للقاء عدوه، وأعد له عدته فهمه في تهيئة أسباب النجاة، ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب. وأما سوء الظن: فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم ويحذرون منه، فالأول يخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم، الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض. (موعظة) ذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثوى فيها قليل، وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا، وأمد أجساما، وأعظم آثارا، فقطعوا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنستْ ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين، أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، وزمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حماة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذلة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بطول الأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشره فمهد لنفسه.

الهمزة 104:2

(فائدة) قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. قوله تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة ومنه سمي الباب وصيدا وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. [فصل: الفرق بين الاحتراز وسوء الظن] والفرق بين الاحتراز وسوء الظن، أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرا فهو يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع منه الشر وكذلك يكون مع المتأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه، فالمحترز كالمتسلح المتدرع الذي قد تأهب للقاء عدوه، وأعد له عدته فهمه في تهيئة أسباب النجاة، ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب. وأما سوء الظن: فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم ويحذرون منه، فالأول يخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم، الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض. (موعظة) ذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثوى فيها قليل، وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا، وأمد أجساما، وأعظم آثارا، فقطعوا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنستْ ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين، أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، وزمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حماة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذلة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بطول الأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشره فمهد لنفسه.

الهمزة 104:3

(فائدة) قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. قوله تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة ومنه سمي الباب وصيدا وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. [فصل: الفرق بين الاحتراز وسوء الظن] والفرق بين الاحتراز وسوء الظن، أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرا فهو يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع منه الشر وكذلك يكون مع المتأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه، فالمحترز كالمتسلح المتدرع الذي قد تأهب للقاء عدوه، وأعد له عدته فهمه في تهيئة أسباب النجاة، ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب. وأما سوء الظن: فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم ويحذرون منه، فالأول يخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم، الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض. (موعظة) ذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثوى فيها قليل، وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا، وأمد أجساما، وأعظم آثارا، فقطعوا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنستْ ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين، أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، وزمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حماة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذلة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بطول الأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشره فمهد لنفسه.

الهمزة 104:4

(فائدة) قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. قوله تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة ومنه سمي الباب وصيدا وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. [فصل: الفرق بين الاحتراز وسوء الظن] والفرق بين الاحتراز وسوء الظن، أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرا فهو يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع منه الشر وكذلك يكون مع المتأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه، فالمحترز كالمتسلح المتدرع الذي قد تأهب للقاء عدوه، وأعد له عدته فهمه في تهيئة أسباب النجاة، ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب. وأما سوء الظن: فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم ويحذرون منه، فالأول يخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم، الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض. (موعظة) ذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثوى فيها قليل، وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا، وأمد أجساما، وأعظم آثارا، فقطعوا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنستْ ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين، أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، وزمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حماة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذلة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بطول الأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشره فمهد لنفسه.

الهمزة 104:5

(فائدة) قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. قوله تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة ومنه سمي الباب وصيدا وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. [فصل: الفرق بين الاحتراز وسوء الظن] والفرق بين الاحتراز وسوء الظن، أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرا فهو يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع منه الشر وكذلك يكون مع المتأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه، فالمحترز كالمتسلح المتدرع الذي قد تأهب للقاء عدوه، وأعد له عدته فهمه في تهيئة أسباب النجاة، ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب. وأما سوء الظن: فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم ويحذرون منه، فالأول يخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم، الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض. (موعظة) ذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثوى فيها قليل، وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا، وأمد أجساما، وأعظم آثارا، فقطعوا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنستْ ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين، أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، وزمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حماة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذلة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بطول الأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشره فمهد لنفسه.

الهمزة 104:6

(فائدة) قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. قوله تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة ومنه سمي الباب وصيدا وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. [فصل: الفرق بين الاحتراز وسوء الظن] والفرق بين الاحتراز وسوء الظن، أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرا فهو يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع منه الشر وكذلك يكون مع المتأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه، فالمحترز كالمتسلح المتدرع الذي قد تأهب للقاء عدوه، وأعد له عدته فهمه في تهيئة أسباب النجاة، ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب. وأما سوء الظن: فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم ويحذرون منه، فالأول يخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم، الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض. (موعظة) ذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثوى فيها قليل، وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا، وأمد أجساما، وأعظم آثارا، فقطعوا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنستْ ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين، أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، وزمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حماة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذلة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بطول الأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشره فمهد لنفسه.

الهمزة 104:7

(فائدة) قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما. قوله تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة ومنه سمي الباب وصيدا وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. [فصل: الفرق بين الاحتراز وسوء الظن] والفرق بين الاحتراز وسوء الظن، أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرا فهو يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع منه الشر وكذلك يكون مع المتأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه، فالمحترز كالمتسلح المتدرع الذي قد تأهب للقاء عدوه، وأعد له عدته فهمه في تهيئة أسباب النجاة، ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب. وأما سوء الظن: فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم ويحذرون منه، فالأول يخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم، الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض. (موعظة) ذكر كاتب الليث عن هقل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثوى فيها قليل، وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا، وأمد أجساما، وأعظم آثارا، فقطعوا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنستْ ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين، أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، وزمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حماة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذلة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بطول الأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشره فمهد لنفسه.

الفيل 105:1

(فصل) لا خِلافَ أنَّهُ ﷺ وُلِدَ بِجَوْفِ مَكَّةَ، وأنَّ مَوْلِدَهُ كانَ عامَ الفِيلِ، وكانَ أمْرُ الفِيلِ تَقْدِمَةً قَدَّمَها اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وبَيْتِهِ، وإلّا فَأصْحابُ الفِيلِ كانُوا نَصارى أهْلَ كِتابٍ، وكانَ دِينُهم خَيْرًا مِن دِينِ أهْلِ مَكَّةَ إذْ ذاكَ؛ لِأنَّهم كانُوا عُبّادَ أوْثانٍ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ نَصْرًا لا صُنْعَ لِلْبَشَرِ فِيهِ، إرْهاصًا وتَقْدِمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَرَجَ مِن مَكَّةَ، وتَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ الحَرامِ. (فائدة) لَما أتى النَّبِيُّ ﷺ بَطْنَ مُحَسِّرٍ، حَرَّكَ ناقَتَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ، وهَذِهِ كانَتْ عادَتَهُ في المَواضِعِ الَّتِي نَزَلَ فِيها بَأْسُ اللَّهِ بِأعْدائِهِ، فَإنَّ هُنالِكَ أصابَ أصْحابَ الفِيلِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الوادِي وادِيَ مُحَسِّرٍ؛ لِأنَّ الفِيلَ حُسِرَ فِيهِ أيْ أُعْيِيَ وانْقَطَعَ عَنِ الذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ في سُلُوكِهِ الحِجْرَ دِيارَ ثَمُودَ، فَإنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وأسْرَعَ السَّيْرَ. وَمُحَسِّرٌ: بَرْزَخٌ بَيْنَ مِنًى وبَيْنَ مُزْدَلِفَةَ، لا مِن هَذِهِ ولا مِن هَذِهِ. وَعُرَنَةُ: بَرْزَخٌ بَيْنَ عَرَفَةَ والمَشْعَرِ الحَرامِ، فَبَيْنَ كُلِّ مَشْعَرَيْنِ بَرْزَخٌ لَيْسَ مِنهُما. فَمِنًى: مِنَ الحَرَمِ، وهي مَشْعَرٌ، ومُحَسِّرٌ: مِنَ الحَرَمِ، ولَيْسَ بِمَشْعَرٍ، ومُزْدَلِفَةُ: حَرَمٌ ومَشْعَرٌ، وعُرَنَةُ لَيْسَتْ مَشْعَرًا، وهي مِنَ الحِلِّ. وعَرَفَةُ: حِلٌّ ومَشْعَرٌ. (فصل) وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ» كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ. (فائدة) تَأمل الحِكْمَة في كَون فرج الدّابَّة، جعل بارزا من ورائِها ليتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها، ولَو جعل في أسفل بَطنها كَما جعل للْمَرْأة لم يتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها إلا على الوَجْه الَّذِي تجامع بِهِ المَرْأة. وَقد ذكر في كتب الحَيَوان أن فروج الفيلة في أسفل بَطنها، فَإذا كانَ وقت الضراب ارْتَفع ونشز وبرز للفحل، فيتمكن من ضرابها. فَلَمّا جعل في الفيلة على خلاف ما هو في سائِر البَهائِم خصت بِهَذِهِ الخاصية عَنْها، ليتهيأ الأمر الَّذِي بِهِ دوام النَّسْل. (فصل) ثمَّ تَأمل شفر الفِيل وما فِيهِ من الحكم الباهرة فَإنَّهُ يقوم لَهُ مقام اليَد في تناول العلف والماء وإيرادهما إلى جَوْفه، ولَوْلا ذَلِك ما اسْتَطاعَ أن يتَناوَل شَيْئا من الأشياء من الأرض، لأنه لَيست لَهُ عنق يمدها كَسائِر الأنعام، فَلَمّا عدم العُنُق أخلف عَلَيْهِ مَكانَهُ الخرطوم الطَّوِيل ليسد مسده، وجعل قادِرًا على سدله ورَفعه وثنيه والتَّصَرُّف بِهِ كَيفَ شاءَ، وجعل وعاء أجوف لين الملمس، فَهو يتَناوَل بِهِ حاجته، ويحمله ما أرادَ إلى جَوْفه، ويحبس فِيهِ ما يُرِيد، ويكيد بِهِ إذا شاءَ، ويُعْطي ويتناول إذا أرادَ. فسل المُعَطل من الَّذِي عوضه؟ وَمن أخلف عَلَيْهِ مَكان العُضْو الَّذِي مَنعه ما يقوم لَهُ مقامه وينوب مَنابه غير الرؤوف الرَّحِيم بخلقه، المتكفل بمصالحهم اللَّطِيف بهم؟ وَكَيف يَتَأتّى ذَلِك مَعَ الإهمال وخلو العالم عَن قيِّمِه وبارئه ومبدعه وفاطره لا إلَه إلّا هو العَزِيز الحَكِيم. فَإن قلت فَما باله لم يخلق ذا عنق كَسائِر الأنعام وما الحِكْمَة في ذَلِك؟ قيل: - والله أعلم بِحِكْمَتِهِ في مصنوعاته - لأن رَأسه وأذنيه أمر هائل عَظِيم وحمل ثقيل فَلَو كانَ ذا عنق كَسائِر الأعناق لانهدت رقبته بثقله، ووهنت بِحمْلِهِ فَجعل رأسه مُلْصقًا بجسمه لِئَلّا يَنالهُ مِنهُ شَيْء من الثّقل والمؤنة، وخلق لَهُ مَكان العُنُق هَذا المشفر الطَّوِيل يتَناوَل بِهِ غذاءه، ولما طالَتْ عنق البَعِير للحكمة في ذَلِك صغر رَأسه بِالنِّسْبَةِ إلى عظم جثته لِئَلّا يُؤْذِيه ثقله ويوهن عُنُقه. فسبحان من فاتَت حكمه عد العادين، وحصر الحاصرين.

الفيل 105:2

(فصل) لا خِلافَ أنَّهُ ﷺ وُلِدَ بِجَوْفِ مَكَّةَ، وأنَّ مَوْلِدَهُ كانَ عامَ الفِيلِ، وكانَ أمْرُ الفِيلِ تَقْدِمَةً قَدَّمَها اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وبَيْتِهِ، وإلّا فَأصْحابُ الفِيلِ كانُوا نَصارى أهْلَ كِتابٍ، وكانَ دِينُهم خَيْرًا مِن دِينِ أهْلِ مَكَّةَ إذْ ذاكَ؛ لِأنَّهم كانُوا عُبّادَ أوْثانٍ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ نَصْرًا لا صُنْعَ لِلْبَشَرِ فِيهِ، إرْهاصًا وتَقْدِمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَرَجَ مِن مَكَّةَ، وتَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ الحَرامِ. (فائدة) لَما أتى النَّبِيُّ ﷺ بَطْنَ مُحَسِّرٍ، حَرَّكَ ناقَتَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ، وهَذِهِ كانَتْ عادَتَهُ في المَواضِعِ الَّتِي نَزَلَ فِيها بَأْسُ اللَّهِ بِأعْدائِهِ، فَإنَّ هُنالِكَ أصابَ أصْحابَ الفِيلِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الوادِي وادِيَ مُحَسِّرٍ؛ لِأنَّ الفِيلَ حُسِرَ فِيهِ أيْ أُعْيِيَ وانْقَطَعَ عَنِ الذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ في سُلُوكِهِ الحِجْرَ دِيارَ ثَمُودَ، فَإنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وأسْرَعَ السَّيْرَ. وَمُحَسِّرٌ: بَرْزَخٌ بَيْنَ مِنًى وبَيْنَ مُزْدَلِفَةَ، لا مِن هَذِهِ ولا مِن هَذِهِ. وَعُرَنَةُ: بَرْزَخٌ بَيْنَ عَرَفَةَ والمَشْعَرِ الحَرامِ، فَبَيْنَ كُلِّ مَشْعَرَيْنِ بَرْزَخٌ لَيْسَ مِنهُما. فَمِنًى: مِنَ الحَرَمِ، وهي مَشْعَرٌ، ومُحَسِّرٌ: مِنَ الحَرَمِ، ولَيْسَ بِمَشْعَرٍ، ومُزْدَلِفَةُ: حَرَمٌ ومَشْعَرٌ، وعُرَنَةُ لَيْسَتْ مَشْعَرًا، وهي مِنَ الحِلِّ. وعَرَفَةُ: حِلٌّ ومَشْعَرٌ. (فصل) وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ» كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ. (فائدة) تَأمل الحِكْمَة في كَون فرج الدّابَّة، جعل بارزا من ورائِها ليتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها، ولَو جعل في أسفل بَطنها كَما جعل للْمَرْأة لم يتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها إلا على الوَجْه الَّذِي تجامع بِهِ المَرْأة. وَقد ذكر في كتب الحَيَوان أن فروج الفيلة في أسفل بَطنها، فَإذا كانَ وقت الضراب ارْتَفع ونشز وبرز للفحل، فيتمكن من ضرابها. فَلَمّا جعل في الفيلة على خلاف ما هو في سائِر البَهائِم خصت بِهَذِهِ الخاصية عَنْها، ليتهيأ الأمر الَّذِي بِهِ دوام النَّسْل. (فصل) ثمَّ تَأمل شفر الفِيل وما فِيهِ من الحكم الباهرة فَإنَّهُ يقوم لَهُ مقام اليَد في تناول العلف والماء وإيرادهما إلى جَوْفه، ولَوْلا ذَلِك ما اسْتَطاعَ أن يتَناوَل شَيْئا من الأشياء من الأرض، لأنه لَيست لَهُ عنق يمدها كَسائِر الأنعام، فَلَمّا عدم العُنُق أخلف عَلَيْهِ مَكانَهُ الخرطوم الطَّوِيل ليسد مسده، وجعل قادِرًا على سدله ورَفعه وثنيه والتَّصَرُّف بِهِ كَيفَ شاءَ، وجعل وعاء أجوف لين الملمس، فَهو يتَناوَل بِهِ حاجته، ويحمله ما أرادَ إلى جَوْفه، ويحبس فِيهِ ما يُرِيد، ويكيد بِهِ إذا شاءَ، ويُعْطي ويتناول إذا أرادَ. فسل المُعَطل من الَّذِي عوضه؟ وَمن أخلف عَلَيْهِ مَكان العُضْو الَّذِي مَنعه ما يقوم لَهُ مقامه وينوب مَنابه غير الرؤوف الرَّحِيم بخلقه، المتكفل بمصالحهم اللَّطِيف بهم؟ وَكَيف يَتَأتّى ذَلِك مَعَ الإهمال وخلو العالم عَن قيِّمِه وبارئه ومبدعه وفاطره لا إلَه إلّا هو العَزِيز الحَكِيم. فَإن قلت فَما باله لم يخلق ذا عنق كَسائِر الأنعام وما الحِكْمَة في ذَلِك؟ قيل: - والله أعلم بِحِكْمَتِهِ في مصنوعاته - لأن رَأسه وأذنيه أمر هائل عَظِيم وحمل ثقيل فَلَو كانَ ذا عنق كَسائِر الأعناق لانهدت رقبته بثقله، ووهنت بِحمْلِهِ فَجعل رأسه مُلْصقًا بجسمه لِئَلّا يَنالهُ مِنهُ شَيْء من الثّقل والمؤنة، وخلق لَهُ مَكان العُنُق هَذا المشفر الطَّوِيل يتَناوَل بِهِ غذاءه، ولما طالَتْ عنق البَعِير للحكمة في ذَلِك صغر رَأسه بِالنِّسْبَةِ إلى عظم جثته لِئَلّا يُؤْذِيه ثقله ويوهن عُنُقه. فسبحان من فاتَت حكمه عد العادين، وحصر الحاصرين.

الفيل 105:3

(فصل) لا خِلافَ أنَّهُ ﷺ وُلِدَ بِجَوْفِ مَكَّةَ، وأنَّ مَوْلِدَهُ كانَ عامَ الفِيلِ، وكانَ أمْرُ الفِيلِ تَقْدِمَةً قَدَّمَها اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وبَيْتِهِ، وإلّا فَأصْحابُ الفِيلِ كانُوا نَصارى أهْلَ كِتابٍ، وكانَ دِينُهم خَيْرًا مِن دِينِ أهْلِ مَكَّةَ إذْ ذاكَ؛ لِأنَّهم كانُوا عُبّادَ أوْثانٍ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ نَصْرًا لا صُنْعَ لِلْبَشَرِ فِيهِ، إرْهاصًا وتَقْدِمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَرَجَ مِن مَكَّةَ، وتَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ الحَرامِ. (فائدة) لَما أتى النَّبِيُّ ﷺ بَطْنَ مُحَسِّرٍ، حَرَّكَ ناقَتَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ، وهَذِهِ كانَتْ عادَتَهُ في المَواضِعِ الَّتِي نَزَلَ فِيها بَأْسُ اللَّهِ بِأعْدائِهِ، فَإنَّ هُنالِكَ أصابَ أصْحابَ الفِيلِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الوادِي وادِيَ مُحَسِّرٍ؛ لِأنَّ الفِيلَ حُسِرَ فِيهِ أيْ أُعْيِيَ وانْقَطَعَ عَنِ الذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ في سُلُوكِهِ الحِجْرَ دِيارَ ثَمُودَ، فَإنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وأسْرَعَ السَّيْرَ. وَمُحَسِّرٌ: بَرْزَخٌ بَيْنَ مِنًى وبَيْنَ مُزْدَلِفَةَ، لا مِن هَذِهِ ولا مِن هَذِهِ. وَعُرَنَةُ: بَرْزَخٌ بَيْنَ عَرَفَةَ والمَشْعَرِ الحَرامِ، فَبَيْنَ كُلِّ مَشْعَرَيْنِ بَرْزَخٌ لَيْسَ مِنهُما. فَمِنًى: مِنَ الحَرَمِ، وهي مَشْعَرٌ، ومُحَسِّرٌ: مِنَ الحَرَمِ، ولَيْسَ بِمَشْعَرٍ، ومُزْدَلِفَةُ: حَرَمٌ ومَشْعَرٌ، وعُرَنَةُ لَيْسَتْ مَشْعَرًا، وهي مِنَ الحِلِّ. وعَرَفَةُ: حِلٌّ ومَشْعَرٌ. (فصل) وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ» كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ. (فائدة) تَأمل الحِكْمَة في كَون فرج الدّابَّة، جعل بارزا من ورائِها ليتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها، ولَو جعل في أسفل بَطنها كَما جعل للْمَرْأة لم يتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها إلا على الوَجْه الَّذِي تجامع بِهِ المَرْأة. وَقد ذكر في كتب الحَيَوان أن فروج الفيلة في أسفل بَطنها، فَإذا كانَ وقت الضراب ارْتَفع ونشز وبرز للفحل، فيتمكن من ضرابها. فَلَمّا جعل في الفيلة على خلاف ما هو في سائِر البَهائِم خصت بِهَذِهِ الخاصية عَنْها، ليتهيأ الأمر الَّذِي بِهِ دوام النَّسْل. (فصل) ثمَّ تَأمل شفر الفِيل وما فِيهِ من الحكم الباهرة فَإنَّهُ يقوم لَهُ مقام اليَد في تناول العلف والماء وإيرادهما إلى جَوْفه، ولَوْلا ذَلِك ما اسْتَطاعَ أن يتَناوَل شَيْئا من الأشياء من الأرض، لأنه لَيست لَهُ عنق يمدها كَسائِر الأنعام، فَلَمّا عدم العُنُق أخلف عَلَيْهِ مَكانَهُ الخرطوم الطَّوِيل ليسد مسده، وجعل قادِرًا على سدله ورَفعه وثنيه والتَّصَرُّف بِهِ كَيفَ شاءَ، وجعل وعاء أجوف لين الملمس، فَهو يتَناوَل بِهِ حاجته، ويحمله ما أرادَ إلى جَوْفه، ويحبس فِيهِ ما يُرِيد، ويكيد بِهِ إذا شاءَ، ويُعْطي ويتناول إذا أرادَ. فسل المُعَطل من الَّذِي عوضه؟ وَمن أخلف عَلَيْهِ مَكان العُضْو الَّذِي مَنعه ما يقوم لَهُ مقامه وينوب مَنابه غير الرؤوف الرَّحِيم بخلقه، المتكفل بمصالحهم اللَّطِيف بهم؟ وَكَيف يَتَأتّى ذَلِك مَعَ الإهمال وخلو العالم عَن قيِّمِه وبارئه ومبدعه وفاطره لا إلَه إلّا هو العَزِيز الحَكِيم. فَإن قلت فَما باله لم يخلق ذا عنق كَسائِر الأنعام وما الحِكْمَة في ذَلِك؟ قيل: - والله أعلم بِحِكْمَتِهِ في مصنوعاته - لأن رَأسه وأذنيه أمر هائل عَظِيم وحمل ثقيل فَلَو كانَ ذا عنق كَسائِر الأعناق لانهدت رقبته بثقله، ووهنت بِحمْلِهِ فَجعل رأسه مُلْصقًا بجسمه لِئَلّا يَنالهُ مِنهُ شَيْء من الثّقل والمؤنة، وخلق لَهُ مَكان العُنُق هَذا المشفر الطَّوِيل يتَناوَل بِهِ غذاءه، ولما طالَتْ عنق البَعِير للحكمة في ذَلِك صغر رَأسه بِالنِّسْبَةِ إلى عظم جثته لِئَلّا يُؤْذِيه ثقله ويوهن عُنُقه. فسبحان من فاتَت حكمه عد العادين، وحصر الحاصرين.

الفيل 105:4

(فصل) لا خِلافَ أنَّهُ ﷺ وُلِدَ بِجَوْفِ مَكَّةَ، وأنَّ مَوْلِدَهُ كانَ عامَ الفِيلِ، وكانَ أمْرُ الفِيلِ تَقْدِمَةً قَدَّمَها اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وبَيْتِهِ، وإلّا فَأصْحابُ الفِيلِ كانُوا نَصارى أهْلَ كِتابٍ، وكانَ دِينُهم خَيْرًا مِن دِينِ أهْلِ مَكَّةَ إذْ ذاكَ؛ لِأنَّهم كانُوا عُبّادَ أوْثانٍ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ نَصْرًا لا صُنْعَ لِلْبَشَرِ فِيهِ، إرْهاصًا وتَقْدِمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَرَجَ مِن مَكَّةَ، وتَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ الحَرامِ. (فائدة) لَما أتى النَّبِيُّ ﷺ بَطْنَ مُحَسِّرٍ، حَرَّكَ ناقَتَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ، وهَذِهِ كانَتْ عادَتَهُ في المَواضِعِ الَّتِي نَزَلَ فِيها بَأْسُ اللَّهِ بِأعْدائِهِ، فَإنَّ هُنالِكَ أصابَ أصْحابَ الفِيلِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الوادِي وادِيَ مُحَسِّرٍ؛ لِأنَّ الفِيلَ حُسِرَ فِيهِ أيْ أُعْيِيَ وانْقَطَعَ عَنِ الذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ في سُلُوكِهِ الحِجْرَ دِيارَ ثَمُودَ، فَإنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وأسْرَعَ السَّيْرَ. وَمُحَسِّرٌ: بَرْزَخٌ بَيْنَ مِنًى وبَيْنَ مُزْدَلِفَةَ، لا مِن هَذِهِ ولا مِن هَذِهِ. وَعُرَنَةُ: بَرْزَخٌ بَيْنَ عَرَفَةَ والمَشْعَرِ الحَرامِ، فَبَيْنَ كُلِّ مَشْعَرَيْنِ بَرْزَخٌ لَيْسَ مِنهُما. فَمِنًى: مِنَ الحَرَمِ، وهي مَشْعَرٌ، ومُحَسِّرٌ: مِنَ الحَرَمِ، ولَيْسَ بِمَشْعَرٍ، ومُزْدَلِفَةُ: حَرَمٌ ومَشْعَرٌ، وعُرَنَةُ لَيْسَتْ مَشْعَرًا، وهي مِنَ الحِلِّ. وعَرَفَةُ: حِلٌّ ومَشْعَرٌ. (فصل) وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ» كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ. (فائدة) تَأمل الحِكْمَة في كَون فرج الدّابَّة، جعل بارزا من ورائِها ليتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها، ولَو جعل في أسفل بَطنها كَما جعل للْمَرْأة لم يتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها إلا على الوَجْه الَّذِي تجامع بِهِ المَرْأة. وَقد ذكر في كتب الحَيَوان أن فروج الفيلة في أسفل بَطنها، فَإذا كانَ وقت الضراب ارْتَفع ونشز وبرز للفحل، فيتمكن من ضرابها. فَلَمّا جعل في الفيلة على خلاف ما هو في سائِر البَهائِم خصت بِهَذِهِ الخاصية عَنْها، ليتهيأ الأمر الَّذِي بِهِ دوام النَّسْل. (فصل) ثمَّ تَأمل شفر الفِيل وما فِيهِ من الحكم الباهرة فَإنَّهُ يقوم لَهُ مقام اليَد في تناول العلف والماء وإيرادهما إلى جَوْفه، ولَوْلا ذَلِك ما اسْتَطاعَ أن يتَناوَل شَيْئا من الأشياء من الأرض، لأنه لَيست لَهُ عنق يمدها كَسائِر الأنعام، فَلَمّا عدم العُنُق أخلف عَلَيْهِ مَكانَهُ الخرطوم الطَّوِيل ليسد مسده، وجعل قادِرًا على سدله ورَفعه وثنيه والتَّصَرُّف بِهِ كَيفَ شاءَ، وجعل وعاء أجوف لين الملمس، فَهو يتَناوَل بِهِ حاجته، ويحمله ما أرادَ إلى جَوْفه، ويحبس فِيهِ ما يُرِيد، ويكيد بِهِ إذا شاءَ، ويُعْطي ويتناول إذا أرادَ. فسل المُعَطل من الَّذِي عوضه؟ وَمن أخلف عَلَيْهِ مَكان العُضْو الَّذِي مَنعه ما يقوم لَهُ مقامه وينوب مَنابه غير الرؤوف الرَّحِيم بخلقه، المتكفل بمصالحهم اللَّطِيف بهم؟ وَكَيف يَتَأتّى ذَلِك مَعَ الإهمال وخلو العالم عَن قيِّمِه وبارئه ومبدعه وفاطره لا إلَه إلّا هو العَزِيز الحَكِيم. فَإن قلت فَما باله لم يخلق ذا عنق كَسائِر الأنعام وما الحِكْمَة في ذَلِك؟ قيل: - والله أعلم بِحِكْمَتِهِ في مصنوعاته - لأن رَأسه وأذنيه أمر هائل عَظِيم وحمل ثقيل فَلَو كانَ ذا عنق كَسائِر الأعناق لانهدت رقبته بثقله، ووهنت بِحمْلِهِ فَجعل رأسه مُلْصقًا بجسمه لِئَلّا يَنالهُ مِنهُ شَيْء من الثّقل والمؤنة، وخلق لَهُ مَكان العُنُق هَذا المشفر الطَّوِيل يتَناوَل بِهِ غذاءه، ولما طالَتْ عنق البَعِير للحكمة في ذَلِك صغر رَأسه بِالنِّسْبَةِ إلى عظم جثته لِئَلّا يُؤْذِيه ثقله ويوهن عُنُقه. فسبحان من فاتَت حكمه عد العادين، وحصر الحاصرين.

الفيل 105:5

(فصل) لا خِلافَ أنَّهُ ﷺ وُلِدَ بِجَوْفِ مَكَّةَ، وأنَّ مَوْلِدَهُ كانَ عامَ الفِيلِ، وكانَ أمْرُ الفِيلِ تَقْدِمَةً قَدَّمَها اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وبَيْتِهِ، وإلّا فَأصْحابُ الفِيلِ كانُوا نَصارى أهْلَ كِتابٍ، وكانَ دِينُهم خَيْرًا مِن دِينِ أهْلِ مَكَّةَ إذْ ذاكَ؛ لِأنَّهم كانُوا عُبّادَ أوْثانٍ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ نَصْرًا لا صُنْعَ لِلْبَشَرِ فِيهِ، إرْهاصًا وتَقْدِمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَرَجَ مِن مَكَّةَ، وتَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ الحَرامِ. (فائدة) لَما أتى النَّبِيُّ ﷺ بَطْنَ مُحَسِّرٍ، حَرَّكَ ناقَتَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ، وهَذِهِ كانَتْ عادَتَهُ في المَواضِعِ الَّتِي نَزَلَ فِيها بَأْسُ اللَّهِ بِأعْدائِهِ، فَإنَّ هُنالِكَ أصابَ أصْحابَ الفِيلِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الوادِي وادِيَ مُحَسِّرٍ؛ لِأنَّ الفِيلَ حُسِرَ فِيهِ أيْ أُعْيِيَ وانْقَطَعَ عَنِ الذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ في سُلُوكِهِ الحِجْرَ دِيارَ ثَمُودَ، فَإنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وأسْرَعَ السَّيْرَ. وَمُحَسِّرٌ: بَرْزَخٌ بَيْنَ مِنًى وبَيْنَ مُزْدَلِفَةَ، لا مِن هَذِهِ ولا مِن هَذِهِ. وَعُرَنَةُ: بَرْزَخٌ بَيْنَ عَرَفَةَ والمَشْعَرِ الحَرامِ، فَبَيْنَ كُلِّ مَشْعَرَيْنِ بَرْزَخٌ لَيْسَ مِنهُما. فَمِنًى: مِنَ الحَرَمِ، وهي مَشْعَرٌ، ومُحَسِّرٌ: مِنَ الحَرَمِ، ولَيْسَ بِمَشْعَرٍ، ومُزْدَلِفَةُ: حَرَمٌ ومَشْعَرٌ، وعُرَنَةُ لَيْسَتْ مَشْعَرًا، وهي مِنَ الحِلِّ. وعَرَفَةُ: حِلٌّ ومَشْعَرٌ. (فصل) وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ» كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ. (فائدة) تَأمل الحِكْمَة في كَون فرج الدّابَّة، جعل بارزا من ورائِها ليتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها، ولَو جعل في أسفل بَطنها كَما جعل للْمَرْأة لم يتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها إلا على الوَجْه الَّذِي تجامع بِهِ المَرْأة. وَقد ذكر في كتب الحَيَوان أن فروج الفيلة في أسفل بَطنها، فَإذا كانَ وقت الضراب ارْتَفع ونشز وبرز للفحل، فيتمكن من ضرابها. فَلَمّا جعل في الفيلة على خلاف ما هو في سائِر البَهائِم خصت بِهَذِهِ الخاصية عَنْها، ليتهيأ الأمر الَّذِي بِهِ دوام النَّسْل. (فصل) ثمَّ تَأمل شفر الفِيل وما فِيهِ من الحكم الباهرة فَإنَّهُ يقوم لَهُ مقام اليَد في تناول العلف والماء وإيرادهما إلى جَوْفه، ولَوْلا ذَلِك ما اسْتَطاعَ أن يتَناوَل شَيْئا من الأشياء من الأرض، لأنه لَيست لَهُ عنق يمدها كَسائِر الأنعام، فَلَمّا عدم العُنُق أخلف عَلَيْهِ مَكانَهُ الخرطوم الطَّوِيل ليسد مسده، وجعل قادِرًا على سدله ورَفعه وثنيه والتَّصَرُّف بِهِ كَيفَ شاءَ، وجعل وعاء أجوف لين الملمس، فَهو يتَناوَل بِهِ حاجته، ويحمله ما أرادَ إلى جَوْفه، ويحبس فِيهِ ما يُرِيد، ويكيد بِهِ إذا شاءَ، ويُعْطي ويتناول إذا أرادَ. فسل المُعَطل من الَّذِي عوضه؟ وَمن أخلف عَلَيْهِ مَكان العُضْو الَّذِي مَنعه ما يقوم لَهُ مقامه وينوب مَنابه غير الرؤوف الرَّحِيم بخلقه، المتكفل بمصالحهم اللَّطِيف بهم؟ وَكَيف يَتَأتّى ذَلِك مَعَ الإهمال وخلو العالم عَن قيِّمِه وبارئه ومبدعه وفاطره لا إلَه إلّا هو العَزِيز الحَكِيم. فَإن قلت فَما باله لم يخلق ذا عنق كَسائِر الأنعام وما الحِكْمَة في ذَلِك؟ قيل: - والله أعلم بِحِكْمَتِهِ في مصنوعاته - لأن رَأسه وأذنيه أمر هائل عَظِيم وحمل ثقيل فَلَو كانَ ذا عنق كَسائِر الأعناق لانهدت رقبته بثقله، ووهنت بِحمْلِهِ فَجعل رأسه مُلْصقًا بجسمه لِئَلّا يَنالهُ مِنهُ شَيْء من الثّقل والمؤنة، وخلق لَهُ مَكان العُنُق هَذا المشفر الطَّوِيل يتَناوَل بِهِ غذاءه، ولما طالَتْ عنق البَعِير للحكمة في ذَلِك صغر رَأسه بِالنِّسْبَةِ إلى عظم جثته لِئَلّا يُؤْذِيه ثقله ويوهن عُنُقه. فسبحان من فاتَت حكمه عد العادين، وحصر الحاصرين.

قريش 106:1

(فصل) قَوْلُ أشْعِيا أيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى: إنِّي أُعْطِي البادِيَةَ كَرامَةَ لُبْنانَ، وبِها الكَنْزُ مالٌ. قالَ: وهُما الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، يُرِيدُ أجْعَلُ الكَرامَةَ الَّتِي كانَتْ هُناكَ بِالوَحْيِ، وظُهُورِ الأنْبِياءِ لِلْبِدايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالحَجِّ. ثُمَّ قالَ: وتَشُقُّ البادِيَةَ مِياهٌ وسَواقٍ في أرْضٍ فَلاةٍ، وتَكُونُ بِالفَيافِي والأماكِنِ العِطاشِ يَنابِيعُ ومِياهٌ، ويَصِيرُ هُناكَ مَحَجَّةٌ وطَرِيقُ الحَرَمِ، لا يَمُرُّ بِهِ أنْجاسُ الأُمَمِ، والجاهِلُ بِهِ لا يَصِلُ هُناكَ، ولا يَكُونُ بِها سِباعٌ ولا أُسُدٌ، ويَكُونُ هُناكَ مَمَرُّ المُخْلِصِينَ. قَوْلُ أشْعِيا في كِتابِهِ أيْضًا عَنْ الحَرَمِ: إنَّ الذِّئْبَ والحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعانِ مَعًا، إشارَةً إلى أمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقاعِ الأرْضِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ البَلَدَ الأمِينَ، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ووَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾. وَقالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلى أهْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ .

قريش 106:2

(فصل) قَوْلُ أشْعِيا أيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى: إنِّي أُعْطِي البادِيَةَ كَرامَةَ لُبْنانَ، وبِها الكَنْزُ مالٌ. قالَ: وهُما الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، يُرِيدُ أجْعَلُ الكَرامَةَ الَّتِي كانَتْ هُناكَ بِالوَحْيِ، وظُهُورِ الأنْبِياءِ لِلْبِدايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالحَجِّ. ثُمَّ قالَ: وتَشُقُّ البادِيَةَ مِياهٌ وسَواقٍ في أرْضٍ فَلاةٍ، وتَكُونُ بِالفَيافِي والأماكِنِ العِطاشِ يَنابِيعُ ومِياهٌ، ويَصِيرُ هُناكَ مَحَجَّةٌ وطَرِيقُ الحَرَمِ، لا يَمُرُّ بِهِ أنْجاسُ الأُمَمِ، والجاهِلُ بِهِ لا يَصِلُ هُناكَ، ولا يَكُونُ بِها سِباعٌ ولا أُسُدٌ، ويَكُونُ هُناكَ مَمَرُّ المُخْلِصِينَ. قَوْلُ أشْعِيا في كِتابِهِ أيْضًا عَنْ الحَرَمِ: إنَّ الذِّئْبَ والحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعانِ مَعًا، إشارَةً إلى أمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقاعِ الأرْضِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ البَلَدَ الأمِينَ، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ووَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾. وَقالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلى أهْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ .

قريش 106:3

(فصل) قَوْلُ أشْعِيا أيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى: إنِّي أُعْطِي البادِيَةَ كَرامَةَ لُبْنانَ، وبِها الكَنْزُ مالٌ. قالَ: وهُما الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، يُرِيدُ أجْعَلُ الكَرامَةَ الَّتِي كانَتْ هُناكَ بِالوَحْيِ، وظُهُورِ الأنْبِياءِ لِلْبِدايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالحَجِّ. ثُمَّ قالَ: وتَشُقُّ البادِيَةَ مِياهٌ وسَواقٍ في أرْضٍ فَلاةٍ، وتَكُونُ بِالفَيافِي والأماكِنِ العِطاشِ يَنابِيعُ ومِياهٌ، ويَصِيرُ هُناكَ مَحَجَّةٌ وطَرِيقُ الحَرَمِ، لا يَمُرُّ بِهِ أنْجاسُ الأُمَمِ، والجاهِلُ بِهِ لا يَصِلُ هُناكَ، ولا يَكُونُ بِها سِباعٌ ولا أُسُدٌ، ويَكُونُ هُناكَ مَمَرُّ المُخْلِصِينَ. قَوْلُ أشْعِيا في كِتابِهِ أيْضًا عَنْ الحَرَمِ: إنَّ الذِّئْبَ والحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعانِ مَعًا، إشارَةً إلى أمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقاعِ الأرْضِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ البَلَدَ الأمِينَ، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ووَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾. وَقالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلى أهْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ .

قريش 106:4

(فصل) قَوْلُ أشْعِيا أيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى: إنِّي أُعْطِي البادِيَةَ كَرامَةَ لُبْنانَ، وبِها الكَنْزُ مالٌ. قالَ: وهُما الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، يُرِيدُ أجْعَلُ الكَرامَةَ الَّتِي كانَتْ هُناكَ بِالوَحْيِ، وظُهُورِ الأنْبِياءِ لِلْبِدايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِالحَجِّ. ثُمَّ قالَ: وتَشُقُّ البادِيَةَ مِياهٌ وسَواقٍ في أرْضٍ فَلاةٍ، وتَكُونُ بِالفَيافِي والأماكِنِ العِطاشِ يَنابِيعُ ومِياهٌ، ويَصِيرُ هُناكَ مَحَجَّةٌ وطَرِيقُ الحَرَمِ، لا يَمُرُّ بِهِ أنْجاسُ الأُمَمِ، والجاهِلُ بِهِ لا يَصِلُ هُناكَ، ولا يَكُونُ بِها سِباعٌ ولا أُسُدٌ، ويَكُونُ هُناكَ مَمَرُّ المُخْلِصِينَ. قَوْلُ أشْعِيا في كِتابِهِ أيْضًا عَنْ الحَرَمِ: إنَّ الذِّئْبَ والحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعانِ مَعًا، إشارَةً إلى أمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقاعِ الأرْضِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ البَلَدَ الأمِينَ، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ووَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾. وَقالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلى أهْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ .

الماعون 107:4

قال الإمام أحمد: "كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقت". (فصل) وَلَيْسَ السَّهْوُ عَنْها تَرْكَها، وإلّا لَمْ يَكُونُوا مُصَلِّينَ، وإنَّما هو السَّهْوُ عَنْ واجِبِها إمّا عَنِ الوَقْتِ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ، وإمّا عَنِ الحُضُورِ والخُشُوعِ، والصَّوابُ أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ لَهم صَلاةً، ووَصَفَهم بِالسَّهْوِ عَنْها فَهو السَّهْوُ عَنْ وقْتِها الواجِبِ، أوْ عَنْ إخْلاصِها وحُضُورِها الواجِبِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِالرِّياءِ، ولَوْ كانَ السَّهْوُ سَهْوَ تَرْكٍ لَما كانَ هُناكَ رِياءٌ. قالُوا: ولَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ السَّهْوُ عَنْ واجِبٍ فَقَطْ، فَهو تَنْبِيهٌ عَلى التَّوَعُّدِ بِالوَيْلِ عَلى سَهْوِ الإخْلاصِ والحُضُورِ بِطَرِيقِ الأوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الوَقْتَ يَسْقُطُ في حالِ العُذْرِ، ويَنْتَقِلُ إلى بَدَلِهِ، والإخْلاصَ والحُضُورَ لا يَسْقُطُ بِحالٍ، ولا بَدَلَ لَهُ. الثّانِي: أنَّ واجِبَ الوَقْتِ يَسْقُطُ لِتَكْمِيلِ مَصْلَحَةِ الحُضُورِ، فَيَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لِلشُّغْلِ المانِعِ مِن فِعْلِ إحْداهُما في وقْتِها بِلا قَلْبٍ ولا حُضُورٍ، كالمُسافِرِ، والمَرِيضِ، وذِي الشُّغْلِ الَّذِي يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الجَمْعِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ وغَيْرُهُ. فَبِالجُمْلَةِ: مَصْلَحَةُ الإخْلاصِ والحُضُورِ، وجَمْعِيَّةُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ في الصَّلاةِ أرْجَحُ في نَظَرِ الشّارِعِ مِن مَصْلَحَةِ سائِرِ واجِباتِها، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يُبْطِلُها بِتَرْكِ تَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ، أوِ اعْتِدالٍ في رُكْنٍ، أوْ تَرْكِ حَرْفٍ، أوْ شَدَّةٍ مِنَ القُرْآنِ، أوْ تَرْكِ تَسْبِيحَةٍ أوْ قَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أوْ قَوْلِ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ أوْ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَحِّحُها مَعَ فَوْتِ لُبِّها، ومَقْصُودِها الأعْظَمِ، ورُوحِها وسِرِّها. فَهَذا ما احْتَجَّتْ بِهِ هَذِهِ الطّائِفَةُ، وهي حُجَجٌ كَما تَراها قُوَّةً وظُهُورًا. وقال في (الصلاة وأحكام تاركها) قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ وقد اختلف السلف في معنى السهو عنها، فقال سعد بن أبي وقاص ومسروق ابن الأجدع وغيرهما هو تركها حتى يخرج وقتها. روي في ذلك حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروذي حدثنا سفيان بن أبي شيبة حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثنا عبد الملك بن عمير بم مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ عن الذين هم عن الصلاة ساهون، قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها". وقال حماد بن زيد حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال "قلت: لأبي يا أبت أرأيت قول الله: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾؟ أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث نفسه؟ قال إنه ليس ذاك ولكنه إضاعة الوقت" (سنن البيهقي). وقال حيوة بن شريح أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ قال هو تاركها ثم سأله عن الماعون قال: منع المال عن حقه. إذا عرف هذا فالوعيد بالويل اطرد في القرآن للكفار كقوله: وويل للمشركين: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إلا في موضعين وهما ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز، وهذا لا يكفر به بمجرده، فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقا بويل الكفار، أو بويل الفساق، فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين: أحدهما: أنه قد صح عن سعد ابن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال لو تركوها لكانوا كفارا ولكن ضيعوا وقتها. الثاني: ما سنذكر من الأدلة على كفره يوضحه: الدليل الخامس: وهو قوله سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال شعبة بن الحجاج حدثنا أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله هو ابن مسعود في هذه الآية قال هو نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر قال محمد بن نصر حدثنا عبد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبار حدثني شرقي بن القطامي قال حدثني لقمان بن عامر الخزاعي قال جئت أبا أمامه الباهلي فقلت: حدثني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ فقال سمعت من رسول الله ﷺ يقول: "لو أن صخرة قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفا ثم تنتهي إلى غي وأثام" قلت: وما غي وأثام قال: "بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل جهنم فهذا الذي ذكره الله في كتابه" ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ و ﴿أثاما﴾ قال محمد بن نصر حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا هشيم بن بشير قال أخبرني زكريا ابن أبي مريم الخزاعي قال سمعت أبا أمامة الباهلي يقول إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفا من حجر يهوي أو قال صخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات عظام سمان فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة قال نعم غي وأثام وقال أيوب بن بشير عن شفي بن ماتع قال إن في جهنم واديا يسمى غيا يسيل دما وقيحا فهو لمن خلق له قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. فوجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو أسفلها فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار. ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فلو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان وأنه يكون تحصيلا للحاصل.

الماعون 107:5

قال الإمام أحمد: "كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقت". (فصل) وَلَيْسَ السَّهْوُ عَنْها تَرْكَها، وإلّا لَمْ يَكُونُوا مُصَلِّينَ، وإنَّما هو السَّهْوُ عَنْ واجِبِها إمّا عَنِ الوَقْتِ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ، وإمّا عَنِ الحُضُورِ والخُشُوعِ، والصَّوابُ أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ لَهم صَلاةً، ووَصَفَهم بِالسَّهْوِ عَنْها فَهو السَّهْوُ عَنْ وقْتِها الواجِبِ، أوْ عَنْ إخْلاصِها وحُضُورِها الواجِبِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِالرِّياءِ، ولَوْ كانَ السَّهْوُ سَهْوَ تَرْكٍ لَما كانَ هُناكَ رِياءٌ. قالُوا: ولَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ السَّهْوُ عَنْ واجِبٍ فَقَطْ، فَهو تَنْبِيهٌ عَلى التَّوَعُّدِ بِالوَيْلِ عَلى سَهْوِ الإخْلاصِ والحُضُورِ بِطَرِيقِ الأوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الوَقْتَ يَسْقُطُ في حالِ العُذْرِ، ويَنْتَقِلُ إلى بَدَلِهِ، والإخْلاصَ والحُضُورَ لا يَسْقُطُ بِحالٍ، ولا بَدَلَ لَهُ. الثّانِي: أنَّ واجِبَ الوَقْتِ يَسْقُطُ لِتَكْمِيلِ مَصْلَحَةِ الحُضُورِ، فَيَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لِلشُّغْلِ المانِعِ مِن فِعْلِ إحْداهُما في وقْتِها بِلا قَلْبٍ ولا حُضُورٍ، كالمُسافِرِ، والمَرِيضِ، وذِي الشُّغْلِ الَّذِي يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الجَمْعِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ وغَيْرُهُ. فَبِالجُمْلَةِ: مَصْلَحَةُ الإخْلاصِ والحُضُورِ، وجَمْعِيَّةُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ في الصَّلاةِ أرْجَحُ في نَظَرِ الشّارِعِ مِن مَصْلَحَةِ سائِرِ واجِباتِها، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يُبْطِلُها بِتَرْكِ تَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ، أوِ اعْتِدالٍ في رُكْنٍ، أوْ تَرْكِ حَرْفٍ، أوْ شَدَّةٍ مِنَ القُرْآنِ، أوْ تَرْكِ تَسْبِيحَةٍ أوْ قَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أوْ قَوْلِ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ أوْ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَحِّحُها مَعَ فَوْتِ لُبِّها، ومَقْصُودِها الأعْظَمِ، ورُوحِها وسِرِّها. فَهَذا ما احْتَجَّتْ بِهِ هَذِهِ الطّائِفَةُ، وهي حُجَجٌ كَما تَراها قُوَّةً وظُهُورًا. وقال في (الصلاة وأحكام تاركها) قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ وقد اختلف السلف في معنى السهو عنها، فقال سعد بن أبي وقاص ومسروق ابن الأجدع وغيرهما هو تركها حتى يخرج وقتها. روي في ذلك حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروذي حدثنا سفيان بن أبي شيبة حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثنا عبد الملك بن عمير بم مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ عن الذين هم عن الصلاة ساهون، قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها". وقال حماد بن زيد حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال "قلت: لأبي يا أبت أرأيت قول الله: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾؟ أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث نفسه؟ قال إنه ليس ذاك ولكنه إضاعة الوقت" (سنن البيهقي). وقال حيوة بن شريح أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ قال هو تاركها ثم سأله عن الماعون قال: منع المال عن حقه. إذا عرف هذا فالوعيد بالويل اطرد في القرآن للكفار كقوله: وويل للمشركين: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إلا في موضعين وهما ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز، وهذا لا يكفر به بمجرده، فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقا بويل الكفار، أو بويل الفساق، فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين: أحدهما: أنه قد صح عن سعد ابن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال لو تركوها لكانوا كفارا ولكن ضيعوا وقتها. الثاني: ما سنذكر من الأدلة على كفره يوضحه: الدليل الخامس: وهو قوله سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال شعبة بن الحجاج حدثنا أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله هو ابن مسعود في هذه الآية قال هو نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر قال محمد بن نصر حدثنا عبد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبار حدثني شرقي بن القطامي قال حدثني لقمان بن عامر الخزاعي قال جئت أبا أمامه الباهلي فقلت: حدثني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ فقال سمعت من رسول الله ﷺ يقول: "لو أن صخرة قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفا ثم تنتهي إلى غي وأثام" قلت: وما غي وأثام قال: "بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل جهنم فهذا الذي ذكره الله في كتابه" ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ و ﴿أثاما﴾ قال محمد بن نصر حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا هشيم بن بشير قال أخبرني زكريا ابن أبي مريم الخزاعي قال سمعت أبا أمامة الباهلي يقول إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفا من حجر يهوي أو قال صخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات عظام سمان فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة قال نعم غي وأثام وقال أيوب بن بشير عن شفي بن ماتع قال إن في جهنم واديا يسمى غيا يسيل دما وقيحا فهو لمن خلق له قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. فوجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو أسفلها فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار. ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فلو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان وأنه يكون تحصيلا للحاصل.

الماعون 107:6

قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ إنه القدر، والفأس، والقصعة. فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى. (موعظة) لا تحد وما لك بعير. لا تمد القوس وما لها وتر كم بذل نفسه مراء ليمدحه الخلق فذهبت نفسه فانقلب المدح ذما. ولو بذلها لله لبقيت ما بقي الدهر. [سورة الماعون] عمل الرائي بصلة كلها قشور المرائي يحشو جراب الزوادة رملا يثقله في الطريق وما ينفعه. ريح الرياء جيفة تجافاها مشام القلوب لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تشبهه وقالت لك نسج ولي نسج فقالت دودة القز ولكن نسيجي أردية الملوك ونسجك شبكة الذباب وعند مس الحاجة يتبين الفرق ؎إذا اشتبكت دموع في خدود ∗∗∗ تبين من بكا ممن تباكا شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة، وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين، فتقول للصنوبرة إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين، ويقال لي شجرة ولك شجرة. فقالت لها الصنوبرة مهلا حتى تهب رياح الخريف فإن ثبت لها تم فخرك. كان التصوف والفقر في مواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب كان خرقة فصار حرفة. غير زيك أيها المرائي فإنه يصبح بك خذوني. السيف والدرع لتزين هيئتك، فضيحة البهرج تبين عند المحك. لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل الركب، أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الركب، أو شاهدت ساقة المستغفرين في آخر الركب لعلمت أنك قد انقطعت تحت شجر أم غيلان. واحسرتا لمنقطع دون الركب يعد المنازل. [فَصْلٌ: في البذل والعطاء] فَإذا قُدِّرَ أنَّ قَوْمًا اضْطُرُّوا إلى السُّكْنى في بَيْتِ إنْسانٍ، ولا يَجِدُونَ سِواهُ، أوْ النُّزُولِ في خانٍ مَمْلُوكٍ، أوْ اسْتِعارَةِ ثِيابٍ يَسْتَدْفِئُونَ بِها، أوْ رَحًى لِلطَّحْنِ، أوْ دَلْوٍ لِنَزْعِ الماءِ، أوْ قِدْرٍ، أوْ فَأْسٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ: وجَبَ عَلى صاحِبِهِ بَذْلُهُ بِلا نِزاعٍ، لَكِنْ هَلْ لَهُ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ أجْرًا؟ فِيهِ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ، وهُما وجْهانِ لِأصْحابِ أحْمَدَ. وَمَن جَوَّزَ لَهُ أخْذَ الأُجْرَةِ حَرَّمَ عَلَيْهِ أنْ يَطْلُبَ زِيادَةً عَلى أُجْرَةِ المِثْلِ. قالَ شَيْخُنا: والصَّحِيحُ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ ذَلِكَ مَجّانًا، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هم يُراءُونَ (٦) ويَمْنَعُونَ الماعُونَ (٧)﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما مِن الصَّحابَةِ: " هو إعارَةُ القِدْرِ والدَّلْوِ والفَأْسِ ونَحْوِهِمْ ". وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وذَكَرَ الخَيْلَ - قالَ: «هِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ، ولِرَجُلٍ سِتْرٌ، وعَلى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأمّا الَّذِي هي لَهُ أجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا الَّذِي هي لَهُ سِتْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا، ولَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها، ولا في ظُهُورِها». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ أيْضًا: «مِن حَقِّ الإبِلِ: إعارَةُ دَلْوِها، وإطْراقُ فَحْلِها». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ: «أنَّهُ نَهى عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ» أيْ عَنْ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ، والنّاسُ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فَأوْجَبَ بَذْلَهُ مَجّانًا، ومَنَعَ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لا يَمْنَعَنَّ جارٌ جارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ في جِدارِهِ». وَلَوْ احْتاجَ إلى إجْراءِ مائِهِ في أرْضِ غَيْرِهِ، مِن غَيْرِ ضَرَرٍ لِصاحِبِ الأرْضِ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلى ذَلِكَ؟ رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ، والإجْبارُ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِ مِن الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -. وَقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِن الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: " إنّ زَكاةَ الحُلِيِّ عارِيَّتُهُ، فَإذا لَمْ يُعِرْهُ فَلا بُدَّ مِن زَكاتِهِ "، وهَذا وجْهٌ في مَذْهَبِ أحْمَدَ. قُلْتُ: وهو الرّاجِحُ، وإنَّهُ لا يَخْلُو الحُلِيُّ مِن زَكاةٍ أوْ عارِيَّةٍ. والمَنافِعُ الَّتِي يَجِبُ بَذْلُها نَوْعانِ، مِنها: ما هو حَقُّ المالِ، كَما ذَكَرْنا في الخَيْلِ، والإبِلِ، والحُلِيِّ، ومِنها: ما يَجِبُ لِحاجَةِ النّاسِ. وَأيْضًا: فَإنَّ بَذْلَ مَنافِعِ البَدَنِ تَجِبُ عِنْدَ الحاجَةِ، كَتَعْلِيمِ العِلْمِ، وإفْتاءِ النّاسِ، والحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وأداءِ الشَّهادَةِ، والجِهادِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَنافِعِ الأبْدانِ. وكَذَلِكَ مَن أمْكَنَهُ إنْجاءُ إنْسانٍ مِن مَهْلَكَةٍ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُخَلِّصَهُ، فَإنْ تَرَكَ ذَلِكَ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - أثِمَ وضَمِنَهُ. فَلا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ بَذْلِ مَنافِعِ الأمْوالِ لِلْمُحْتاجِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولِلْفُقَهاءِ في أخْذِ الجُعْلِ عَلى الشَّهادَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ، وهي أرْبَعَةُ أوْجُهٍ في مَذْهَبِ أحْمَدَ، أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ مُطْلَقًا والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الحاجَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا أنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ. والرّابِعُ: أنَّهُ يَجُوزُ، فَإنْ أخَذَهُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ لَمْ يَأْخُذْهُ عِنْدَ الأداءِ. والمَقْصُودُ: أنَّ ما قَدَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن الثَّمَنِ في سِرايَةِ العِتْقِ: هو لِأجْلِ تَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ، وهو حَقُّ اللَّهِ، وما احْتاجَ إلَيْهِ النّاسُ، حاجَةً عامَّةً، فالحَقُّ فِيهِ لِلَّهِ، وذَلِكَ في الحُقُوقِ والحُدُودِ. فَأمّا الحُقُوقُ: فَمِثْلُ حُقُوقِ المَساجِدِ ومالِ الفَيْءِ والوَقْفِ عَلى أهْلِ الحاجاتِ وأمْوالِ الصَّدَقاتِ، والمَنافِعِ العامَّةِ. وَأمّا الحُدُودُ: فَمِثْلُ حَدِّ المُحارَبَةِ، والسَّرِقَةِ، والزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ المُسْكِرِ. وَحاجَةُ المُسْلِمِينَ إلى الطَّعامِ واللِّباسِ وغَيْرِ ذَلِكَ: مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ، لَيْسَ الحَقُّ فِيها لِواحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَتَقْدِيرُ الثَّمَنِ فِيها بِثَمَنِ المِثْلِ عَلى مَن وجَبَ عَلَيْهِ البَيْعُ أوْلى مِن تَقْدِيرِهِ لِتَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ، لَكِنَّ تَكْمِيلَ الحُرِّيَّةِ وجَبَ عَلى الشَّرِيكِ المُعْتَقِ، ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ فِيها الثَّمَنُ لَتَضَرَّرَ بِطَلَبِ الشَّرِيكِ الآخَرِ، فَإنَّهُ يَطْلُبُ ما شاءَ، وهُنا عُمُومُ النّاسِ يَشْتَرُونَ الطَّعامَ والثِّيابَ لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ، فَلَوْ مُكِّنَ مَن عِنْدَهُ سِلَعٌ يَحْتاجُ النّاسُ إلَيْها أنْ يَبِيعَ بِما شاءَ: كانَ ضَرَرُ النّاسِ أعْظَمَ؛ ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ: إذا اضْطُرَّ الإنْسانُ إلى طَعامِ الغَيْرِ: وجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لَهُ بِثَمَنِ المِثْلِ. وَأبْعَدُ الأئِمَّةِ عَنْ إيجابِ المُعاوَضَةِ وتَقْدِيرِها هو الشّافِعِيُّ: ومَعَ هَذا فَإنَّهُ يُوجِبُ عَلى مَن اضْطُرَّ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ: أنْ يَبْذُلَهُ لَهُ بِثَمَنِ المِثْلِ، وتَنازَعَ أصْحابُهُ في جَوازِ تَسْعِيرِ الطَّعامِ، إذا كانَ بِالنّاسِ إلَيْهِ حاجَةٌ، ولَهم فِيهِ وجْهانِ. وَقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: لا يَنْبَغِي لِلسُّلْطانِ أنْ يُسَعِّرَ عَلى النّاسِ، إلّا إذا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ ضَرَرِ العامَّةِ، فَإذا رُفِعَ إلى القاضِي: أمَرَ المُحْتَكِرَ بِبَيْعِ ما فَضَلَ مِن قُوتِهِ وقُوتِ أهْلِهِ، عَلى اعْتِبارِ السِّعْرِ في ذَلِكَ، ونَهاهُ عَنْ الِاحْتِكارِ، فَإنْ أبى حَبَسَهُ وعَزَّرَهُ عَلى مُقْتَضى رَأْيِهِ، زَجْرًا لَهُ، ودَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النّاسِ. قالُوا: فَإنْ تَعَدّى أرْبابُ الطَّعامِ، وتَجاوَزُوا القِيمَةَ تَعَدِّيًا فاحِشًا، وعَجَزَ القاضِي عَنْ صِيانَةِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ إلّا بِالتَّسْعِيرِ: سَعَّرَهُ حِينَئِذٍ بِمَشُورَةِ أهْلِ الرَّأْيِ والبَصِيرَةِ. وَهَذا عَلى أصْلِ أبِي حَنِيفَةَ ظاهِرٌ، حَيْثُ لا يَرى الحَجْرَ عَلى الحُرِّ. ومَن باعَ مِنهم بِما قَدَّرَهُ الإمامُ: صَحَّ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ. قالُوا: وهَلْ يَبِيعُ القاضِي عَلى المُحْتَكِرِ طَعامَهُ مِن غَيْرِ رِضاهُ؟ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في بَيْعِ مالِ الدَّيْنِ، وقِيلَ: يَبِيعُ هاهُنا بِالِاتِّفاقِ، لِأنَّ أبا حَنِيفَةَ يَرى الحَجْرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ العامِّ، والسِّعْرُ لَمّا غَلا عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وطَلَبُوا مِنهُ التَّسْعِيرَ فامْتَنَعَ، لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ كانَ هُناكَ مَن عِنْدَهُ طَعامٌ امْتَنَعَ مِن بَيْعِهِ، بَلْ عامَّةُ مَن كانَ يَبِيعُ الطَّعامَ إنّما هم جالِبُونَ يَبِيعُونَهُ إذا هَبَطُوا السُّوقَ، ولَكِنْ «نَهى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبادٍ» أيْ أنْ يَكُونَ لَهُ سِمْسارٌ. وَقالَ: «دَعُوا النّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ» فَنَهى الحاضِرَ العالَمَ بِالسِّعْرِ أنْ يَتَوَكَّلَ لِلْبادِي الجالِبِ لِلسِّلْعَةِ، لِأنَّهُ إذا تَوَكَّلَ لَهُ - مَعَ خِبْرَتِهِ بِحاجَةِ النّاسِ - أغْلى الثَّمَنَ عَلى المُشْتَرِي فَنَهاهُ عَنْ التَّوَكُّلِ لَهُ، مَعَ أنَّ جِنْسَ الوَكالَةِ مُباحٌ، لِما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ السِّعْرِ عَلى النّاسِ، ونَهى عَنْ تَلَقِّي الجَلْبِ، وجَعَلَ لِلْبائِعِ إذا هَبَطَ السُّوقَ الخِيارَ؛ ولِهَذا كانَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّهُ نَهى عَنْ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن ضُرِّ البائِعِ هُنا، فَإذا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَ السِّعْرَ، وتَلَقّاهُ المُتَلَقِّي قَبْلَ إتْيانِهِ إلى السُّوقِ اشْتَراهُ المُشْتَرِي بِدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ فَغَبَنَهُ، فَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَذا البائِعِ الخِيارَ. ثُمَّ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ كَما تَقَدَّمَ، إحْداهُما: أنَّ الخِيارَ يَثْبُتُ لَهُ مُطْلَقًا، سَواءٌ غَبَنَ أمْ لَمْ يَغْبِنْ، وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ إنّما يَثْبُتُ لَهُ عِنْدَ الغَبْنِ، وهي ظاهِرُ المَذْهَبِ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ نَهى عَنْ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن ضَرَرِ المُشْتَرِي إذا تَلَقّاهُ المُتَلَقِّي، فاشْتَرى مِنهُ، ثُمَّ باعَهُ وفي الجُمْلَةِ: فَقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ البَيْعِ والشِّراءِ الَّذِي جِنْسُهُ حَلالٌ، حَتّى يَعْلَمَ البائِعُ بِالسِّعْرِ، وهو ثَمَنُ المِثْلِ، ويَعْلَمَ المُشْتَرِي بِالسِّلْعَةِ. وَصاحِبُ القِياسِ الفاسِدِ يَقُولُ: لِلْمُشْتَرِي أنْ يَشْتَرِيَ حَيْثُ شاءَ، وقَدْ اشْتَرى مِن البائِعِ، كَما يَقُولُ: فَلَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ لِلْبائِعِ الحاضِرِ وغَيْرِ الحاضِرِ، ولَكِنَّ الشّارِعَ راعى المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَإنَّ الجالِبَ إذا لَمْ يَعْرِفْ السِّعْرَ كانَ جاهِلًا بِثَمَنِ المِثْلِ، فَيَكُونُ المُشْتَرِي غارًّا لَهُ. وألْحَقَ مالِكٌ وأحْمَدُ بِذَلِكَ كُلَّ مُسْتَرْسِلٍ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجالِبِ الجاهِلِ بِالسِّعْرِ. فَتَبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ: ألّا يَبِيعَ مِثْلَ هَؤُلاءِ إلّا بِالسِّعْرِ المَعْرُوفِ، وهو ثَمَنُ المِثْلِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُحْتاجِينَ إلى الِابْتِياعِ مِنهُ، لَكِنْ لِكَوْنِهِمْ جاهِلِينَ بِالقِيمَةِ، أوْ غَيْرَ مُماكِسِينَ، والبَيْعُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضا، والرِّضا يَتْبَعُ العِلْمَ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ غَبْنٌ فَقَدْ يَرْضى، وقَدْ لا يَرْضى، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ غَبْنٌ ورَضِيَ، فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَفِي " السُّنَنِ ": «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ في أرْضِ غَيْرِهِ، وكانَ صاحِبُ الأرْضِ يَتَضَرَّرُ بِدُخُولِ صاحِبِ الشَّجَرَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَقْبَلَ بَدَلَها، أوْ يَتَبَرَّعَ لَهُ بِها، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأذِنَ لِصاحِبِ الأرْضِ أنْ يَقْلَعَها، وقالَ لِصاحِبِ الشَّجَرَةِ: إنّما أنْتَ مُضارٌّ». وصاحِبُ القِياسِ الفاسِدِ يَقُولُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَبِيعَ شَجَرَتَهُ، ولا يَتَبَرَّعُ بِها، ولا يَجُوزُ لِصاحِبِ الأرْضِ أنْ يَقْلَعَها، لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وإجْبارٌ عَلى المُعاوَضَةِ عَلَيْهِ، وصاحِبُ الشَّرْعِ أوْجَبَ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِها أنْ يَبِيعَها، لِما في ذَلِكَ مِن مَصْلَحَةِ صاحِبِ الأرْضِ بِخَلاصِهِ مِن تَأذِّيه بِدُخُولِ صاحِبِ الشَّجَرَةِ، ومَصْلَحَةِ صاحِبِ الشَّجَرَةِ بِأخْذِ القِيمَةِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ضَرَرٌ يَسِيرٌ، فَضَرَرُ صاحِبِ الأرْضِ بِبَقائِها في بُسْتانِهِ أعْظَمُ، فَإنَّ الشّارِعَ الحَكِيمَ يَدْفَعُ أعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ بِأيْسَرِهِما، فَهَذا هو الفِقْهُ والقِياسُ والمَصْلَحَةُ، وإنْ أباهُ مَن أباهُ. والمَقْصُودُ: أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ البَيْعِ عِنْدَ حاجَةِ المُشْتَرِي، وأيْنَ هَذا مِن حاجَةِ عُمُومِ النّاسِ إلى الطَّعامِ وغَيْرِهِ؟ والحُكْمُ في المُعاوَضَةِ عَلى المَنافِعِ إذا احْتاجَ النّاسُ إلَيْها - كَمَنافِعِ الدُّورِ، والطَّحْنِ، والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ - حُكْمُ المُعاوَضَةِ عَلى الأعْيانِ. وجِماعُ الأمْرِ: أنَّ مَصْلَحَةَ النّاسِ إذا لَمْ تَتِمَّ إلّا بِالتَّسْعِيرِ. سَعَّرَ عَلَيْهِمْ تَسْعِيرَ عَدْلٍ، لا وكْسَ ولا شَطَطَ، وإذا انْدَفَعَتْ حاجَتُهم وقامَتْ مَصْلَحَتُهم بِدُونِهِ: لَمْ يَفْعَلْ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فصل: في الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور] وهي قول السائل: ما الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور؟ جوابها من وجهين: مجمل ومفصل: أما المجمل: فإنهم يعذبون على جهلهم باللّه وإضاعتهم لأمره وارتكابهم لمعاصيه، فلا يعذب اللّه روحا عرفته وأحبته وامتثلت لأمره واجتنبت نهيه، ولا بدنا كانت فيه أبدا، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة وأثر غضب اللّه وسخطه على عبده، فمن أغضب اللّه وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب اللّه وسخطه عليه، فمستقبل ومستكثر، ومصدق ومكذب. وأما الجواب المفصل: فقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما: يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك الآخر الاستبراء من البول، فهذا ترك الطهارة الواجبة، وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه وإن كان صادقا، وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة والكذب والزور والبهتان أعظم عذابا، كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على أن من ترك الصلاة والتي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها فهذا مغتاب، وذلك نمام، وقد تقدم حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه في الذي ضرب سوطا امتلأ القبر عليه به نارا. لكونه على صلاة واحدة بغير طهور، ومر على مظلوم فلم ينصره. وقد تقدم حديث سمرة في صحيح البخاري في تعذيب من يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، وتعذيب من يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به بالنهار. وتعذيب الزناة والزواني، وتعذيب آكل الربا، كما شاهدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في البرزخ. وتقدم حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه الذي فيه رضخ رءوس أقوام بالصخر لتثاقل رءوسهم عن الصلاة، والذين يسرحون بين الضريع والزقوم لتركهم زكاة أموالهم، والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم، والذين تقرض شفاههم بمقاريض من حديد لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب. وتقدم حديث أبي سعيد، وعقوبة أرباب تلك الجرائم، فمنهم من بطونهم أمثال البيوت وهم على سابلة آل فرعون وهم أكلة الربا، ومنهم من تفتح أفواههم فيلقمون الجمر حتى يخرج من أسافلهم وهم أكلة أموال اليتامى، ومنهم المعلقات بثديهم وهن الزواني، ومنهم من تقطع جنوبهم ويطعمون لحومهم وهم المغتابون، ومنهم من لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم وهم الذين يغمزون أعراض الناس. وقد أخبرنا صلى اللّه عليه وآله وسلم عن صاحب الشملة التي غلها من المغنم أنها تشتعل عليه نارا في قبره هذا وله فيها حق، فكيف بمن ظلم غيره ما لا حق له فيه؟ فعذاب القبر من معاصي القلب والعين والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد والرجل والبدن كله، فالنمام والكذاب والمغتاب وشاهد الزور وقاذف المحصن والموضع في الفتنة والداعي إلى البدعة، والقائل على اللّه ورسوله ما لا علم له به، والمجازف في كلامه، وآكل الربا، وآكل أموال اليتامى، وآكل السحت من الرشوة والبرطيل، ونحوهما، وآكل مال أخيه المسلم بغير حق أو مال المعاهد، وشارب المسكر، وآكل لقمة الشجرة الملعونة، والزاني، واللوطي، والسارق، والخائن، والغادر، والمخادع، والماكر، وآخذ الربا ومعطيه وكاتبه وشاهداه، والمحلل والمحلل له، والمحتال على إسقاط فرائض اللّه وارتكاب محارمه، ومؤذي المسلمين، ومتتبع عوراتهم، والحاكم بغير ما أنزل اللّه، والمفتي بخلاف ما شرعه اللّه، والمعين على الإثم والعدوان، وقاتل النفس التي حرم اللّه، والملحد في حرم اللّه، والمعطل لحقائق أسماء اللّه وصفاته الملحد فيها، والمقدم رأيه وذوقه وسياسته على سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، والنائحة، والمستمع إليها، ونواحوا جهنم: وهم المغنون الغناء الذي حرمه اللّه ورسوله والمستمع إليهم، والذين يبنون المساجد على القبور ويوقدون عليها القناديل والسرج، والمطففون في استيفاء ما لهم إذا أخذوه وهضم ما عليهم إذا بدلوه والجبارون، والمتكبرون، والمراءون، والهمازون والممارون والطاعنون على السلف، والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان الظلمة الذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، والذي إذا خوفته باللّه وذكرته به لم يرعو ولم ينزجر، فإذا خوفته بمخلوق مثله خاف وارعوى وكف عما هو فيه، والذي يهدي بكلام اللّه ورسوله فلا يهتدي ولا يرفع به رأسا، فإذا بلغه عمن يحسن به الظن ممن يصيب ويخطئ عض عليه بالنواجذ ولم يخالفه، والذي يقرأ عليه القرآن فلا يؤثر فيه وربما استقل به، فإذا سمع قراءةالشيطان ورقية الزنا ومادة النفاق طاب سره وتواجد وهاج من قلبه دواعي الطرب، وود أن المغني لا يسكت، والذي يحلف باللّه ويكذب، فإذا حلف بالبندق أو برئ من شيخه أو قريبه أو سراويل الفتوة أو حياة من يحبه ويعظمه من المخلوقين لم يكذب ولو هدد وعوقب، والذي يفتخر بالمعصية ويتكثر بها بين إخوانه وأضرابه وهو المجاهر، والذي لا تأمنه على مالك وحرمتك، والفاحش اللسان البذيء الذي تركه الخلق اتقاء شره وفشله، والذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وينقرها ولا يذكر اللّه فيها إلا قليلا، ولا يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ولا يحج مع قدرته على الحج، ولا يؤدي ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها، ولا يتورع من لحظة ولا لفظة ولا أكلة ولا خطوة، ولا يبالي بما حصل المال من حلال أو حرام، ولا يصل رحمه، ولا يرحم المسكين ولا الأرملة ولا اليتيم ولا الحيوان البهيم، بل يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، ويرائي العاملين ويمنع الماعون ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه وبذنوبهم عن ذنبه. فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها وقلتها وصغيرها وكبيرها. ولما كان أكثر الناس كذلك، كان أكثر أصحاب القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات، وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات، وفي باطنها الدواهي والحيات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها، تاللّه لقد وعظت فما تركت لواعظ مقالا، ونادت يا عمار الدنيا لقد عمرتم دارا موشكة بكم زوالا، وخربتم دارا أنتم مسرعون إليها انتقالا، عمرتم بيوتا لغيركم منافعها وسكناها، وخربتم بيوتا ليس لكم مساكن سواها، هذه دار الاستباق ومستودع الأعمال وبذر الزرع، وهذه محل للعبر، فإما روضة رياض من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

الماعون 107:7

قيل في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ إنه القدر، والفأس، والقصعة. فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى. (موعظة) لا تحد وما لك بعير. لا تمد القوس وما لها وتر كم بذل نفسه مراء ليمدحه الخلق فذهبت نفسه فانقلب المدح ذما. ولو بذلها لله لبقيت ما بقي الدهر. [سورة الماعون] عمل الرائي بصلة كلها قشور المرائي يحشو جراب الزوادة رملا يثقله في الطريق وما ينفعه. ريح الرياء جيفة تجافاها مشام القلوب لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تشبهه وقالت لك نسج ولي نسج فقالت دودة القز ولكن نسيجي أردية الملوك ونسجك شبكة الذباب وعند مس الحاجة يتبين الفرق ؎إذا اشتبكت دموع في خدود ∗∗∗ تبين من بكا ممن تباكا شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة، وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين، فتقول للصنوبرة إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين، ويقال لي شجرة ولك شجرة. فقالت لها الصنوبرة مهلا حتى تهب رياح الخريف فإن ثبت لها تم فخرك. كان التصوف والفقر في مواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب كان خرقة فصار حرفة. غير زيك أيها المرائي فإنه يصبح بك خذوني. السيف والدرع لتزين هيئتك، فضيحة البهرج تبين عند المحك. لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل الركب، أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الركب، أو شاهدت ساقة المستغفرين في آخر الركب لعلمت أنك قد انقطعت تحت شجر أم غيلان. واحسرتا لمنقطع دون الركب يعد المنازل. [فَصْلٌ: في البذل والعطاء] فَإذا قُدِّرَ أنَّ قَوْمًا اضْطُرُّوا إلى السُّكْنى في بَيْتِ إنْسانٍ، ولا يَجِدُونَ سِواهُ، أوْ النُّزُولِ في خانٍ مَمْلُوكٍ، أوْ اسْتِعارَةِ ثِيابٍ يَسْتَدْفِئُونَ بِها، أوْ رَحًى لِلطَّحْنِ، أوْ دَلْوٍ لِنَزْعِ الماءِ، أوْ قِدْرٍ، أوْ فَأْسٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ: وجَبَ عَلى صاحِبِهِ بَذْلُهُ بِلا نِزاعٍ، لَكِنْ هَلْ لَهُ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ أجْرًا؟ فِيهِ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ، وهُما وجْهانِ لِأصْحابِ أحْمَدَ. وَمَن جَوَّزَ لَهُ أخْذَ الأُجْرَةِ حَرَّمَ عَلَيْهِ أنْ يَطْلُبَ زِيادَةً عَلى أُجْرَةِ المِثْلِ. قالَ شَيْخُنا: والصَّحِيحُ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ ذَلِكَ مَجّانًا، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هم يُراءُونَ (٦) ويَمْنَعُونَ الماعُونَ (٧)﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما مِن الصَّحابَةِ: " هو إعارَةُ القِدْرِ والدَّلْوِ والفَأْسِ ونَحْوِهِمْ ". وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وذَكَرَ الخَيْلَ - قالَ: «هِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ، ولِرَجُلٍ سِتْرٌ، وعَلى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأمّا الَّذِي هي لَهُ أجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا الَّذِي هي لَهُ سِتْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا، ولَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها، ولا في ظُهُورِها». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ أيْضًا: «مِن حَقِّ الإبِلِ: إعارَةُ دَلْوِها، وإطْراقُ فَحْلِها». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ: «أنَّهُ نَهى عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ» أيْ عَنْ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ، والنّاسُ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فَأوْجَبَ بَذْلَهُ مَجّانًا، ومَنَعَ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لا يَمْنَعَنَّ جارٌ جارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ في جِدارِهِ». وَلَوْ احْتاجَ إلى إجْراءِ مائِهِ في أرْضِ غَيْرِهِ، مِن غَيْرِ ضَرَرٍ لِصاحِبِ الأرْضِ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلى ذَلِكَ؟ رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ، والإجْبارُ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِ مِن الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -. وَقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِن الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: " إنّ زَكاةَ الحُلِيِّ عارِيَّتُهُ، فَإذا لَمْ يُعِرْهُ فَلا بُدَّ مِن زَكاتِهِ "، وهَذا وجْهٌ في مَذْهَبِ أحْمَدَ. قُلْتُ: وهو الرّاجِحُ، وإنَّهُ لا يَخْلُو الحُلِيُّ مِن زَكاةٍ أوْ عارِيَّةٍ. والمَنافِعُ الَّتِي يَجِبُ بَذْلُها نَوْعانِ، مِنها: ما هو حَقُّ المالِ، كَما ذَكَرْنا في الخَيْلِ، والإبِلِ، والحُلِيِّ، ومِنها: ما يَجِبُ لِحاجَةِ النّاسِ. وَأيْضًا: فَإنَّ بَذْلَ مَنافِعِ البَدَنِ تَجِبُ عِنْدَ الحاجَةِ، كَتَعْلِيمِ العِلْمِ، وإفْتاءِ النّاسِ، والحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وأداءِ الشَّهادَةِ، والجِهادِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَنافِعِ الأبْدانِ. وكَذَلِكَ مَن أمْكَنَهُ إنْجاءُ إنْسانٍ مِن مَهْلَكَةٍ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُخَلِّصَهُ، فَإنْ تَرَكَ ذَلِكَ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - أثِمَ وضَمِنَهُ. فَلا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ بَذْلِ مَنافِعِ الأمْوالِ لِلْمُحْتاجِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولِلْفُقَهاءِ في أخْذِ الجُعْلِ عَلى الشَّهادَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ، وهي أرْبَعَةُ أوْجُهٍ في مَذْهَبِ أحْمَدَ، أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ مُطْلَقًا والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الحاجَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا أنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ. والرّابِعُ: أنَّهُ يَجُوزُ، فَإنْ أخَذَهُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ لَمْ يَأْخُذْهُ عِنْدَ الأداءِ. والمَقْصُودُ: أنَّ ما قَدَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن الثَّمَنِ في سِرايَةِ العِتْقِ: هو لِأجْلِ تَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ، وهو حَقُّ اللَّهِ، وما احْتاجَ إلَيْهِ النّاسُ، حاجَةً عامَّةً، فالحَقُّ فِيهِ لِلَّهِ، وذَلِكَ في الحُقُوقِ والحُدُودِ. فَأمّا الحُقُوقُ: فَمِثْلُ حُقُوقِ المَساجِدِ ومالِ الفَيْءِ والوَقْفِ عَلى أهْلِ الحاجاتِ وأمْوالِ الصَّدَقاتِ، والمَنافِعِ العامَّةِ. وَأمّا الحُدُودُ: فَمِثْلُ حَدِّ المُحارَبَةِ، والسَّرِقَةِ، والزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ المُسْكِرِ. وَحاجَةُ المُسْلِمِينَ إلى الطَّعامِ واللِّباسِ وغَيْرِ ذَلِكَ: مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ، لَيْسَ الحَقُّ فِيها لِواحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَتَقْدِيرُ الثَّمَنِ فِيها بِثَمَنِ المِثْلِ عَلى مَن وجَبَ عَلَيْهِ البَيْعُ أوْلى مِن تَقْدِيرِهِ لِتَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ، لَكِنَّ تَكْمِيلَ الحُرِّيَّةِ وجَبَ عَلى الشَّرِيكِ المُعْتَقِ، ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ فِيها الثَّمَنُ لَتَضَرَّرَ بِطَلَبِ الشَّرِيكِ الآخَرِ، فَإنَّهُ يَطْلُبُ ما شاءَ، وهُنا عُمُومُ النّاسِ يَشْتَرُونَ الطَّعامَ والثِّيابَ لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ، فَلَوْ مُكِّنَ مَن عِنْدَهُ سِلَعٌ يَحْتاجُ النّاسُ إلَيْها أنْ يَبِيعَ بِما شاءَ: كانَ ضَرَرُ النّاسِ أعْظَمَ؛ ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ: إذا اضْطُرَّ الإنْسانُ إلى طَعامِ الغَيْرِ: وجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لَهُ بِثَمَنِ المِثْلِ. وَأبْعَدُ الأئِمَّةِ عَنْ إيجابِ المُعاوَضَةِ وتَقْدِيرِها هو الشّافِعِيُّ: ومَعَ هَذا فَإنَّهُ يُوجِبُ عَلى مَن اضْطُرَّ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ: أنْ يَبْذُلَهُ لَهُ بِثَمَنِ المِثْلِ، وتَنازَعَ أصْحابُهُ في جَوازِ تَسْعِيرِ الطَّعامِ، إذا كانَ بِالنّاسِ إلَيْهِ حاجَةٌ، ولَهم فِيهِ وجْهانِ. وَقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: لا يَنْبَغِي لِلسُّلْطانِ أنْ يُسَعِّرَ عَلى النّاسِ، إلّا إذا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ ضَرَرِ العامَّةِ، فَإذا رُفِعَ إلى القاضِي: أمَرَ المُحْتَكِرَ بِبَيْعِ ما فَضَلَ مِن قُوتِهِ وقُوتِ أهْلِهِ، عَلى اعْتِبارِ السِّعْرِ في ذَلِكَ، ونَهاهُ عَنْ الِاحْتِكارِ، فَإنْ أبى حَبَسَهُ وعَزَّرَهُ عَلى مُقْتَضى رَأْيِهِ، زَجْرًا لَهُ، ودَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النّاسِ. قالُوا: فَإنْ تَعَدّى أرْبابُ الطَّعامِ، وتَجاوَزُوا القِيمَةَ تَعَدِّيًا فاحِشًا، وعَجَزَ القاضِي عَنْ صِيانَةِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ إلّا بِالتَّسْعِيرِ: سَعَّرَهُ حِينَئِذٍ بِمَشُورَةِ أهْلِ الرَّأْيِ والبَصِيرَةِ. وَهَذا عَلى أصْلِ أبِي حَنِيفَةَ ظاهِرٌ، حَيْثُ لا يَرى الحَجْرَ عَلى الحُرِّ. ومَن باعَ مِنهم بِما قَدَّرَهُ الإمامُ: صَحَّ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ. قالُوا: وهَلْ يَبِيعُ القاضِي عَلى المُحْتَكِرِ طَعامَهُ مِن غَيْرِ رِضاهُ؟ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في بَيْعِ مالِ الدَّيْنِ، وقِيلَ: يَبِيعُ هاهُنا بِالِاتِّفاقِ، لِأنَّ أبا حَنِيفَةَ يَرى الحَجْرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ العامِّ، والسِّعْرُ لَمّا غَلا عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وطَلَبُوا مِنهُ التَّسْعِيرَ فامْتَنَعَ، لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ كانَ هُناكَ مَن عِنْدَهُ طَعامٌ امْتَنَعَ مِن بَيْعِهِ، بَلْ عامَّةُ مَن كانَ يَبِيعُ الطَّعامَ إنّما هم جالِبُونَ يَبِيعُونَهُ إذا هَبَطُوا السُّوقَ، ولَكِنْ «نَهى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبادٍ» أيْ أنْ يَكُونَ لَهُ سِمْسارٌ. وَقالَ: «دَعُوا النّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ» فَنَهى الحاضِرَ العالَمَ بِالسِّعْرِ أنْ يَتَوَكَّلَ لِلْبادِي الجالِبِ لِلسِّلْعَةِ، لِأنَّهُ إذا تَوَكَّلَ لَهُ - مَعَ خِبْرَتِهِ بِحاجَةِ النّاسِ - أغْلى الثَّمَنَ عَلى المُشْتَرِي فَنَهاهُ عَنْ التَّوَكُّلِ لَهُ، مَعَ أنَّ جِنْسَ الوَكالَةِ مُباحٌ، لِما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ السِّعْرِ عَلى النّاسِ، ونَهى عَنْ تَلَقِّي الجَلْبِ، وجَعَلَ لِلْبائِعِ إذا هَبَطَ السُّوقَ الخِيارَ؛ ولِهَذا كانَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّهُ نَهى عَنْ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن ضُرِّ البائِعِ هُنا، فَإذا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَ السِّعْرَ، وتَلَقّاهُ المُتَلَقِّي قَبْلَ إتْيانِهِ إلى السُّوقِ اشْتَراهُ المُشْتَرِي بِدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ فَغَبَنَهُ، فَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَذا البائِعِ الخِيارَ. ثُمَّ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ كَما تَقَدَّمَ، إحْداهُما: أنَّ الخِيارَ يَثْبُتُ لَهُ مُطْلَقًا، سَواءٌ غَبَنَ أمْ لَمْ يَغْبِنْ، وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ إنّما يَثْبُتُ لَهُ عِنْدَ الغَبْنِ، وهي ظاهِرُ المَذْهَبِ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ نَهى عَنْ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن ضَرَرِ المُشْتَرِي إذا تَلَقّاهُ المُتَلَقِّي، فاشْتَرى مِنهُ، ثُمَّ باعَهُ وفي الجُمْلَةِ: فَقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ البَيْعِ والشِّراءِ الَّذِي جِنْسُهُ حَلالٌ، حَتّى يَعْلَمَ البائِعُ بِالسِّعْرِ، وهو ثَمَنُ المِثْلِ، ويَعْلَمَ المُشْتَرِي بِالسِّلْعَةِ. وَصاحِبُ القِياسِ الفاسِدِ يَقُولُ: لِلْمُشْتَرِي أنْ يَشْتَرِيَ حَيْثُ شاءَ، وقَدْ اشْتَرى مِن البائِعِ، كَما يَقُولُ: فَلَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ لِلْبائِعِ الحاضِرِ وغَيْرِ الحاضِرِ، ولَكِنَّ الشّارِعَ راعى المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَإنَّ الجالِبَ إذا لَمْ يَعْرِفْ السِّعْرَ كانَ جاهِلًا بِثَمَنِ المِثْلِ، فَيَكُونُ المُشْتَرِي غارًّا لَهُ. وألْحَقَ مالِكٌ وأحْمَدُ بِذَلِكَ كُلَّ مُسْتَرْسِلٍ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجالِبِ الجاهِلِ بِالسِّعْرِ. فَتَبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ: ألّا يَبِيعَ مِثْلَ هَؤُلاءِ إلّا بِالسِّعْرِ المَعْرُوفِ، وهو ثَمَنُ المِثْلِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُحْتاجِينَ إلى الِابْتِياعِ مِنهُ، لَكِنْ لِكَوْنِهِمْ جاهِلِينَ بِالقِيمَةِ، أوْ غَيْرَ مُماكِسِينَ، والبَيْعُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضا، والرِّضا يَتْبَعُ العِلْمَ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ غَبْنٌ فَقَدْ يَرْضى، وقَدْ لا يَرْضى، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ غَبْنٌ ورَضِيَ، فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَفِي " السُّنَنِ ": «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ في أرْضِ غَيْرِهِ، وكانَ صاحِبُ الأرْضِ يَتَضَرَّرُ بِدُخُولِ صاحِبِ الشَّجَرَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَقْبَلَ بَدَلَها، أوْ يَتَبَرَّعَ لَهُ بِها، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأذِنَ لِصاحِبِ الأرْضِ أنْ يَقْلَعَها، وقالَ لِصاحِبِ الشَّجَرَةِ: إنّما أنْتَ مُضارٌّ». وصاحِبُ القِياسِ الفاسِدِ يَقُولُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَبِيعَ شَجَرَتَهُ، ولا يَتَبَرَّعُ بِها، ولا يَجُوزُ لِصاحِبِ الأرْضِ أنْ يَقْلَعَها، لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وإجْبارٌ عَلى المُعاوَضَةِ عَلَيْهِ، وصاحِبُ الشَّرْعِ أوْجَبَ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِها أنْ يَبِيعَها، لِما في ذَلِكَ مِن مَصْلَحَةِ صاحِبِ الأرْضِ بِخَلاصِهِ مِن تَأذِّيه بِدُخُولِ صاحِبِ الشَّجَرَةِ، ومَصْلَحَةِ صاحِبِ الشَّجَرَةِ بِأخْذِ القِيمَةِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ضَرَرٌ يَسِيرٌ، فَضَرَرُ صاحِبِ الأرْضِ بِبَقائِها في بُسْتانِهِ أعْظَمُ، فَإنَّ الشّارِعَ الحَكِيمَ يَدْفَعُ أعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ بِأيْسَرِهِما، فَهَذا هو الفِقْهُ والقِياسُ والمَصْلَحَةُ، وإنْ أباهُ مَن أباهُ. والمَقْصُودُ: أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ البَيْعِ عِنْدَ حاجَةِ المُشْتَرِي، وأيْنَ هَذا مِن حاجَةِ عُمُومِ النّاسِ إلى الطَّعامِ وغَيْرِهِ؟ والحُكْمُ في المُعاوَضَةِ عَلى المَنافِعِ إذا احْتاجَ النّاسُ إلَيْها - كَمَنافِعِ الدُّورِ، والطَّحْنِ، والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ - حُكْمُ المُعاوَضَةِ عَلى الأعْيانِ. وجِماعُ الأمْرِ: أنَّ مَصْلَحَةَ النّاسِ إذا لَمْ تَتِمَّ إلّا بِالتَّسْعِيرِ. سَعَّرَ عَلَيْهِمْ تَسْعِيرَ عَدْلٍ، لا وكْسَ ولا شَطَطَ، وإذا انْدَفَعَتْ حاجَتُهم وقامَتْ مَصْلَحَتُهم بِدُونِهِ: لَمْ يَفْعَلْ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فصل: في الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور] وهي قول السائل: ما الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور؟ جوابها من وجهين: مجمل ومفصل: أما المجمل: فإنهم يعذبون على جهلهم باللّه وإضاعتهم لأمره وارتكابهم لمعاصيه، فلا يعذب اللّه روحا عرفته وأحبته وامتثلت لأمره واجتنبت نهيه، ولا بدنا كانت فيه أبدا، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة وأثر غضب اللّه وسخطه على عبده، فمن أغضب اللّه وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب اللّه وسخطه عليه، فمستقبل ومستكثر، ومصدق ومكذب. وأما الجواب المفصل: فقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما: يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك الآخر الاستبراء من البول، فهذا ترك الطهارة الواجبة، وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه وإن كان صادقا، وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة والكذب والزور والبهتان أعظم عذابا، كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على أن من ترك الصلاة والتي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها فهذا مغتاب، وذلك نمام، وقد تقدم حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه في الذي ضرب سوطا امتلأ القبر عليه به نارا. لكونه على صلاة واحدة بغير طهور، ومر على مظلوم فلم ينصره. وقد تقدم حديث سمرة في صحيح البخاري في تعذيب من يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، وتعذيب من يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به بالنهار. وتعذيب الزناة والزواني، وتعذيب آكل الربا، كما شاهدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في البرزخ. وتقدم حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه الذي فيه رضخ رءوس أقوام بالصخر لتثاقل رءوسهم عن الصلاة، والذين يسرحون بين الضريع والزقوم لتركهم زكاة أموالهم، والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم، والذين تقرض شفاههم بمقاريض من حديد لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب. وتقدم حديث أبي سعيد، وعقوبة أرباب تلك الجرائم، فمنهم من بطونهم أمثال البيوت وهم على سابلة آل فرعون وهم أكلة الربا، ومنهم من تفتح أفواههم فيلقمون الجمر حتى يخرج من أسافلهم وهم أكلة أموال اليتامى، ومنهم المعلقات بثديهم وهن الزواني، ومنهم من تقطع جنوبهم ويطعمون لحومهم وهم المغتابون، ومنهم من لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم وهم الذين يغمزون أعراض الناس. وقد أخبرنا صلى اللّه عليه وآله وسلم عن صاحب الشملة التي غلها من المغنم أنها تشتعل عليه نارا في قبره هذا وله فيها حق، فكيف بمن ظلم غيره ما لا حق له فيه؟ فعذاب القبر من معاصي القلب والعين والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد والرجل والبدن كله، فالنمام والكذاب والمغتاب وشاهد الزور وقاذف المحصن والموضع في الفتنة والداعي إلى البدعة، والقائل على اللّه ورسوله ما لا علم له به، والمجازف في كلامه، وآكل الربا، وآكل أموال اليتامى، وآكل السحت من الرشوة والبرطيل، ونحوهما، وآكل مال أخيه المسلم بغير حق أو مال المعاهد، وشارب المسكر، وآكل لقمة الشجرة الملعونة، والزاني، واللوطي، والسارق، والخائن، والغادر، والمخادع، والماكر، وآخذ الربا ومعطيه وكاتبه وشاهداه، والمحلل والمحلل له، والمحتال على إسقاط فرائض اللّه وارتكاب محارمه، ومؤذي المسلمين، ومتتبع عوراتهم، والحاكم بغير ما أنزل اللّه، والمفتي بخلاف ما شرعه اللّه، والمعين على الإثم والعدوان، وقاتل النفس التي حرم اللّه، والملحد في حرم اللّه، والمعطل لحقائق أسماء اللّه وصفاته الملحد فيها، والمقدم رأيه وذوقه وسياسته على سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، والنائحة، والمستمع إليها، ونواحوا جهنم: وهم المغنون الغناء الذي حرمه اللّه ورسوله والمستمع إليهم، والذين يبنون المساجد على القبور ويوقدون عليها القناديل والسرج، والمطففون في استيفاء ما لهم إذا أخذوه وهضم ما عليهم إذا بدلوه والجبارون، والمتكبرون، والمراءون، والهمازون والممارون والطاعنون على السلف، والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان الظلمة الذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، والذي إذا خوفته باللّه وذكرته به لم يرعو ولم ينزجر، فإذا خوفته بمخلوق مثله خاف وارعوى وكف عما هو فيه، والذي يهدي بكلام اللّه ورسوله فلا يهتدي ولا يرفع به رأسا، فإذا بلغه عمن يحسن به الظن ممن يصيب ويخطئ عض عليه بالنواجذ ولم يخالفه، والذي يقرأ عليه القرآن فلا يؤثر فيه وربما استقل به، فإذا سمع قراءةالشيطان ورقية الزنا ومادة النفاق طاب سره وتواجد وهاج من قلبه دواعي الطرب، وود أن المغني لا يسكت، والذي يحلف باللّه ويكذب، فإذا حلف بالبندق أو برئ من شيخه أو قريبه أو سراويل الفتوة أو حياة من يحبه ويعظمه من المخلوقين لم يكذب ولو هدد وعوقب، والذي يفتخر بالمعصية ويتكثر بها بين إخوانه وأضرابه وهو المجاهر، والذي لا تأمنه على مالك وحرمتك، والفاحش اللسان البذيء الذي تركه الخلق اتقاء شره وفشله، والذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وينقرها ولا يذكر اللّه فيها إلا قليلا، ولا يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ولا يحج مع قدرته على الحج، ولا يؤدي ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها، ولا يتورع من لحظة ولا لفظة ولا أكلة ولا خطوة، ولا يبالي بما حصل المال من حلال أو حرام، ولا يصل رحمه، ولا يرحم المسكين ولا الأرملة ولا اليتيم ولا الحيوان البهيم، بل يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، ويرائي العاملين ويمنع الماعون ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه وبذنوبهم عن ذنبه. فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها وقلتها وصغيرها وكبيرها. ولما كان أكثر الناس كذلك، كان أكثر أصحاب القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات، وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات، وفي باطنها الدواهي والحيات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها، تاللّه لقد وعظت فما تركت لواعظ مقالا، ونادت يا عمار الدنيا لقد عمرتم دارا موشكة بكم زوالا، وخربتم دارا أنتم مسرعون إليها انتقالا، عمرتم بيوتا لغيركم منافعها وسكناها، وخربتم بيوتا ليس لكم مساكن سواها، هذه دار الاستباق ومستودع الأعمال وبذر الزرع، وهذه محل للعبر، فإما روضة رياض من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

الكوثر 108:1

«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الكَوْثَرِ، فَقالَ: هو نَهْرٌ أعْطانِيهِ رَبِّي في الجَنَّةِ، هو أشَدُّ بَياضًا مِن اللَّبَنِ، وأحْلى مِن العَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أعْناقُها كَأعْناقِ الجُزُرِ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّها لَناعِمَةٌ، قالَ: أُكُلُها أنْعَمُ مِنها» . (فصل) وفي صحيح البخاري من حديث همام عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ والمجوف فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال فضرب الملك بيده فإذا طينة مسك أذفر" وفي صحيح مسلم من حديث المختار بن فلفل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي عز وجل " وقال محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: "دخلت الجنة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت يدي إلى ما يجري فيه من الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت لمن هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاك الله عز وجل" قال الترمذي حدثنا هناد حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ: "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج" قال هذا حديث حسن صحيح وقال أبو نعيم الفضل حدثنا أبو جعفر هو الرازي حدثنا ابن أبي نجيح عن مجاهدا ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَر﴾ قال الخير الكثير. وقال أنس بن مالك: نهر في الجنة. وقالت عائشة: "هو نهر في الجنة ليس يدخل أحد إصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر" وهذا معناه والله أعلم أن خرير ذلك النهر يشبه الخرير الذي سمعه حين يدخل إصبعيه في أذنيه. (فصل) اعلمْ أنَّ وُرُودَ النّاسِ الحَوْضَ وشُرْبَهم مِنهُ يَوْمَ العَطَشِ الأكْبَرِ بِحَسَبِ وُرُودِهِمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وشُرْبِهِمْ مِنها، فَمَن ورَدَها في هَذِهِ الدّارِ وشَرِبَ مِنها وتَضَلَّعَ ورَدَ هُناكَ حَوْضَهُ وشَرِبَ مِنهُ وتَضَلَّعَ، فَلَهُ ﷺ حَوْضانِ عَظِيمانِ: حَوْضٌ في الدُّنْيا وهو سُنَّتُهُ وما جاءَ بِهِ، وحَوْضٌ في الآخِرَةِ، فالشّارِبُونَ مِن هَذا الحَوْضِ في الدُّنْيا هُمُ الشّارِبُونَ مِن حَوْضِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَشارِبٌ ومَحْرُومٌ ومُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ والَّذِينَ يَذُودُهم هو والمَلائِكَةُ عَنْ حَوْضِهِ يَوْمَ القِيامَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَذُودُونَ أنْفُسَهم وأتْباعَهم عَنْ سُنَّتِهِ ويُؤْثِرُونَ عَلَيْها غَيْرَها فَمَن ظَمِأ مِن سُنَّتِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِنها شُرْبٌ فَهو في الآخِرَةِ أشَدُّ ظَمَأً وأحَرُّ كَبِدًا وإنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا فُلانُ أشَرِبْتَ فَيَقُولُ: نَعَمْ واللَّهِ فَيَقُولُ: لَكِنِّي واللَّهِ ما شَرِبْتُ، واعَطَشاهُ. فَرِدْ أيُّها الظَّمْآنُ والوِرْدُ مُمْكِنٌ فَإنْ لَمْ تَرِدْ فاعْلَمْ بِأنَّكَ هالِكُ وإنْ لَمْ يَكُنْ رِضْوانُ يَسْقِيكَ شَرْبَةً سَيَسْقِيكَها إذْ أنْتَ ظَمْآنُ مالِكُ وإنْ لَمْ تَرِدْ في هَذِهِ الدّارِ حَوْضَهُ سَتُصْرَفُ عَنْهُ يَوْمَ يَلْقاكَ آنِكُ. (فائدة) «وَسَألَهُ ﷺ أنَسٌ أنْ يَشْفَعَ لَهُ، فَقالَ إنِّي فاعِلٌ قالَ: فَأيْنَ أطْلُبُكَ يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ اطْلُبْنِي أوَّلَ ما تَطْلُبُنِي عَلى الصِّراطِ قُلْتُ: فَإذا لَمْ ألْقَكَ عَلى الصِّراطِ؟ قالَ فَأنا عَلى المِيزانِ قُلْتُ: فَإنْ لَمْ ألْقَكَ عِنْدَ المِيزانِ، قالَ فَأنا عِنْدَ الحَوْضِ، لا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلاثَ مَواطِنَ يَوْمَ القِيامَةِ» ذَكَرَهُما أحْمَدُ. (فصل) وَقَوْلُهُ «فَتَطَّلِعُونَ عَلى حَوْضِ نَبِيِّكُمْ» ظاهِرُ هَذا أنَّ الحَوْضَ مِن وراءِ الجِسْرِ فَكَأنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِ حَتّى يَقْطَعُوا الجِسْرَ، ولِلسَّلَفِ في ذَلِكَ قَوْلانِ حَكاهُما القرطبي في " تَذْكِرَتِهِ " والغَزالِيُّ وغَلَّطا مَن قالَ: إنَّهُ بَعْدَ الجِسْرِ، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «بَيْنا أنا قائِمٌ عَلى الحَوْضِ إذا زُمْرَةٌ حَتّى إذا عَرَفْتُهم خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيْنِي وبَيْنِهِمْ، فَقالَ لَهُمْ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إلى أيْنَ؟ فَقالَ: إلى النّارِ واللَّهِ، قُلْتُ: ما شَأْنُهُمْ؟ قالَ: إنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ، فَلا أراهُ يَخْلُصُ مِنهم إلّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ». قالَ: فَهَذا الحَدِيثُ مَعَ صِحِّتِهِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الحَوْضَ يَكُونُ في المَوْقِفِ قَبْلَ الصِّراطِ؛ لِأنَّ الصِّراطَ إنَّما هو جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلى جَهَنَّمَ، فَمَن جازَهُ سَلِمَ مِنَ النّارِ. قُلْتُ: ولَيْسَ بَيْنَ أحادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعارُضٌ ولا تَناقُضٌ ولا اخْتِلافٌ وحَدِيثُهُ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ إنْ أرادُوا أنَّ الحَوْضَ لا يُرى ولا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بَعْدَ قَطْعِ الصِّراطِ، فَحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ هَذا وغَيْرُهُ يَرُدُّ قَوْلَهم. وَإنْ أرادُوا أنَّ المُؤْمِنِينَ إذا جازُوا الصِّراطَ وقَطَعُوهُ بَدا لَهُمُ الحَوْضُ فَشَرِبُوا مِنهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ لقيط هَذا، وهو لا يُناقِضُ كَوْنَهُ قَبْلَ الصِّراطِ، فَإنَّ قَوْلَهُ طُولُهُ شَهْرٌ، وعَرْضُهُ شَهْرٌ، فَإذا كانَ بِهَذا الطُّولِ والسَّعَةِ، فَما الَّذِي يُحِيلُ امْتِدادَهُ إلى وراءِ الجِسْرِ، فَيَرِدُهُ المُؤْمِنُونَ قَبْلَ الصِّراطِ وبَعْدَهُ، فَهَذا في حَيِّزِ الإمْكانِ، ووُقُوعُهُ مَوْقُوفٌ عَلى خَبَرِ الصّادِقِ واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ «- واللَّهِ عَلى أظْمَأ - ناهِلَةٍ قَطُّ» النّاهِلَةُ العِطاشُ الوارِدُونَ الماءَ أيْ يَرِدُونَهُ أظْمَأ ما هم إلَيْهِ، وهَذا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الصِّراطِ، فَإنَّهُ جِسْرُ النّارِ وقَدْ ورَدُوها كُلُّهُمْ، فَلَمّا قَطَعُوهُ اشْتَدَّ ظَمَؤُهم إلى الماءِ فَوَرَدُوا حَوْضَهُ ﷺ كَما ورَدُوهُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ.

الكوثر 108:2

قالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْله تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ إنّهُ وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ في الصَّلاةِ تَحْتَ صَدْرِهِ، وذَكَرَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ هَكَذا، ووَضَعَ اليُمْنى عَلى اليُسْرى في الصَّلاةِ، وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: مِن أخْلاقِ النَّبِيِّينَ وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ في الصَّلاةِ. وقال آخرون في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ إن المراد به ضع يدك على نحرك. وتكايس غيره وقال المعنى استقبل القبلة بنحرك. فهضموا معنى هذه الآية التي جمعت بين العبادتين العظيمتين الصلاة والنسك. [فَصْلٌ: هَدْيُهُ في الأضاحِي] فَصْلٌ وأمّا هَدْيُهُ في الأضاحِي فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ الأُضْحِيَّةَ، وكانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وكانَ يَنْحَرُهُما بَعْدَ صَلاةِ العِيدِ، وأخْبَرَ أنَّ «مَن ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأهْلِهِ» هَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وهَدْيُهُ لا الِاعْتِبارُ بِوَقْتِ الصَّلاةِ والخُطْبَةِ، بَلْ بِنَفْسِ فِعْلِها، وهَذا هو الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ «وَأمَرَهم أنْ يَذْبَحُوا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ والثَّنِيَّ مِمّا سِواهُ» وَهِيَ المُسِنَّةُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ أيّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» لَكِنَّ الحَدِيثَ مُنْقَطِعٌ لا يَثْبُتُ وصْلُهُ. وَأمّا نَهْيُهُ عَنِ ادِّخارِ لُحُومِ الأضاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ أيّامَ الذَّبْحِ ثَلاثَةٌ فَقَطْ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلى نَهْيِ الذّابِحِ أنْ يَدَّخِرَ شَيْئًا فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن يَوْمِ ذَبْحِهِ، فَلَوْ أخَّرَ الذَّبْحَ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ لَجازَ لَهُ الِادِّخارُ وقْتَ النَّهْيِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والَّذِينَ حَدَّدُوهُ بِالثَّلاثِ فَهِمُوا مِن نَهْيِهِ عَنِ الِادِّخارِ فَوْقَ ثَلاثٍ أنَّ أوَّلَها مِن يَوْمِ النَّحْرِ، قالُوا: وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا في وقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الأكْلُ، قالُوا: ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الأكْلِ فَبَقِيَ وقْتُ الذَّبْحِ بِحالِهِ. فَيُقالُ لَهُمْ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ إلّا عَنِ الِادِّخارِ فَوْقَ ثَلاثٍ لَمْ يَنْهَ عَنِ التَّضْحِيَةِ بَعْدَ ثَلاثٍ، فَأيْنَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ؟ ولا تَلازُمَ بَيْنَ ما نَهى عَنْهُ، وبَيْنَ اخْتِصاصِ الذَّبْحِ بِثَلاثٍ لِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَسُوغُ الذَّبْحُ في اليَوْمِ الثّانِي والثّالِثِ، فَيَجُوزُ لَهُ الِادِّخارُ إلى تَمامِ الثَّلاثِ مِن يَوْمِ الذَّبْحِ، ولا يَتِمُّ لَكُمُ الِاسْتِدْلالُ حَتّى يَثْبُتَ النَّهْيُ عَنِ الذَّبْحِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، ولا سَبِيلَ لَكم إلى هَذا. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ ذَبَحَ في آخِرِ جُزْءٍ مِن يَوْمِ النَّحْرِ لَساغَ لَهُ حِينَئِذٍ الِادِّخارُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بَعْدَهُ بِمُقْتَضى الحَدِيثِ، وقَدْ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيّامُ النَّحْرِ يَوْمُ الأضْحى، وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ وهو مَذْهَبُ إمامِ أهْلِ البَصْرَةِ الحسن، وإمامِ أهْلِ مَكَّةَ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وإمامِ أهْلِ الشّامِ الأوْزاعِيِّ، وإمامِ فُقَهاءِ أهْلِ الحَدِيثِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ واخْتارَهُ ابن المنذر؛ ولِأنَّ الثَّلاثَةَ تَخْتَصُّ بِكَوْنِها أيّامَ مِنًى، وأيّامَ الرَّمْيِ وأيّامَ التَّشْرِيقِ، ويَحْرُمُ صِيامُها، فَهي إخْوَةٌ في هَذِهِ الأحْكامِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقُ في جَوازِ الذَّبْحِ بِغَيْرِ نَصٍّ ولا إجْماعٍ. ورُوِيَ مِن وجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَشُدُّ أحَدُهُما الآخَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ مِنًى مَنحَرٌ، وكُلُّ أيّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» رُوِيَ مِن حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وفِيهِ انْقِطاعٌ، ومِن حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عطاء عن جابر. قالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ: أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ. وَفِي هَذِهِ المَسْألَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ هَذا أحَدُها. والثّانِي: أنَّ وقْتَ الذَّبْحِ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، وهَذا مَذْهَبُ أحمد ومالك، وأبي حنيفة رَحِمَهُمُ اللَّهُ، قالَ أحمد: هو قَوْلُ غَيْرِ واحِدٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَكَرَهُ الأثرم عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. الثّالِثُ: أنَّ وقْتَ النَّحْرِ يَوْمٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، لِأنَّهُ اخْتُصَّ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ فَدَلَّ عَلى اخْتِصاصِ حُكْمِها بِهِ، ولَوْ جازَ في الثَّلاثَةِ لَقِيلَ لَها: أيّامُ النَّحْرِ كَما قِيلَ لَها: أيّامُ الرَّمْيِ وأيّامُ مِنًى، وأيّامُ التَّشْرِيقِ، ولِأنَّ العِيدَ يُضافُ إلى النَّحْرِ، وهو يَوْمٌ واحِدٌ كَما يُقالُ عِيدُ الفِطْرِ. الرّابِعُ: قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ في الأمْصارِ وثَلاثَةُ أيّامٍ في مِنًى؛ لِأنَّها هُناكَ أيّامُ أعْمالِ المَناسِكِ مِنَ الرَّمْيِ والطَّوافِ والحَلْقِ فَكانَتْ أيّامًا لِلذَّبْحِ بِخِلافِ أهْلِ الأمْصارِ. [فَصْلٌ: مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالأُضْحِيَّةِ] فَصْلٌ وَمِن هَدْيِهِ ﷺ أنَّ «مَن أرادَ التَّضْحِيَةَ ودَخَلَ يَوْمُ العَشْرِ، فَلا يَأْخُذْ مِن شَعْرِهِ وبَشَرِهِ شَيْئًا» ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ في " صَحِيحِ مسلم ". وَأمّا الدّارَقُطْنِيُّ فَقالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى أم سلمة. وَكانَ مِن هَدْيِهِ ﷺ اخْتِيارُ الأُضْحِيَّةِ واسْتِحْسانُها، وسَلامَتُها مِنَ العُيُوبِ، «وَنَهى أنْ يُضَحّى بِعَضْباءِ الأُذُنِ والقَرْنِ» أيْ مَقْطُوعَةِ الأُذُنِ ومَكْسُورَةِ القَرْنِ، النِّصْفُ فَما زادَ، ذَكَرَهُ أبو داود، «وَأمَرَ أنْ تُسْتَشْرَفَ العَيْنُ والأُذُنُ» أيْ: يُنْظَرُ إلى سَلامَتِها، وأنْ لا يُضَحّى بِعَوْراءَ، ولا مُقابَلَةٍ، ولا مُدابَرَةٍ، ولا شَرْقاءَ، ولا خَرْقاءَ. والمُقابَلَةُ هي الَّتِي قُطِعَ مُقَدَّمُ أُذُنِها، والمُدابَرَةُ الَّتِي قُطِعَ مُؤَخَّرُ أُذُنِها، والشَّرْقاءُ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُها، والخَرْقاءُ الَّتِي خُرِقَتْ أُذُنُها. ذَكَرَهُ أبو داود. وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا «أرْبَعٌ لا تُجْزِئُ في الأضاحِي: العَوْراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، والكَسِيرَةُ الَّتِي لا تُنْقِي، والعَجْفاءُ الَّتِي لا تُنْقِي» أيْ مِن هُزالِها لا مُخَّ فِيها. وَذَكَرَ أيْضًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهى عَنِ المُصْفَرَّةِ والمُسْتَأْصَلَةِ، والبَخْقاءِ، والمُشَيَّعَةِ، والكَسْراءِ» فالمُصْفَرَّةُ الَّتِي تُسْتَأْصَلُ أُذُنُها حَتّى يَبْدُوَ صِماخُها، والمُسْتَأْصَلَةُ الَّتِي اسْتُوصِلَ قَرْنُها مِن أصْلِهِ، والبَخْقاءُ الَّتِي بُخِقَتْ عَيْنُها، والمُشَيَّعَةُ الَّتِي لا تَتْبَعُ الغَنَمَ عَجَفًا وضَعْفًا، والكَسْراءُ الكَسِيرَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ. [كانَ ﷺ يُضَحِّي بِالمُصَلّى] وَكانَ مِن هَدْيِهِ ﷺ أنْ يُضَحِّي بِالمُصَلّى، ذَكَرَهُ أبو داود «عَنْ جابر أنَّهُ شَهِدَ مَعَهُ الأضْحى بِالمُصَلّى، فَلَمّا قَضى خُطْبَتَهُ نَزَلَ مِن مِنبَرِهِ، وأُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ بِيَدِهِ، وقالَ: (بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ، هَذا عَنِّي وعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِن أُمَّتِي». وفي " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يَذْبَحُ ويَنْحَرُ بِالمُصَلّى». (فَصْلٌ: في حكم اجْتِماع العَقِيقَة والأُضْحِيَّة) قالَ الخلال باب ما رُوِيَ أن الأُضْحِية تجزئ عَن العَقِيقَة أخبرنا عبد الملك المَيْمُونِيّ أنه قالَ لأبي عبد الله يجوز أن يضحى عَن الصَّبِي مَكان العَقِيقَة قالَ لا أدْرِي ثمَّ قالَ غير واحِد يَقُول بِهِ. قلت من التّابِعين؟ قالَ نعم. وَأخْبرنِي عبد الملك في مَوضِع آخر قالَ ذكر أبُو عبد الله أن بَعضهم قالَ فَإن ضحى أجْزَأ عَن العَقِيقَة وَأخْبرنا عصمَة ابْن عِصام حَدثنا حَنْبَل أن أبا عبد الله قالَ أرْجُو أن تجزئ الأُضْحِية عَن العَقِيقَة إن شاءَ الله تَعالى لمن لم يعق وَأخْبرنِي عصمَة بن عِصام في مَوضِع آخر قالَ حَدثنا حَنْبَل أن أبا عبد الله قالَ فَإن ضحى عَنهُ أجْزَأت عَنهُ الضحية من العقوق قالَ ورَأيْت أبا عبد الله اشْترى أضْحِية ذَبحها عَنهُ وعَن أهله وكانَ ابْنه عبد الله ضغيرا فذبحها أراهُ أرادَ بذلك العَقِيقَة والأُضْحِيَّة وقسم اللَّحْم وأكل مِنها. أخبرنا عبد الله بن أحْمد قالَ سَألت أبي عَن العَقِيقَة يَوْم الأضْحى تجزئ أن تكون أضْحِية وعقيقة قالَ إمّا أضْحِية وإمّا عقيقة على ما سمى وهَذا يَقْتَضِي ثَلاث رِوايات عَن أبي عبد الله إحْداها إجزاؤها عَنْهُما والثّانيِة وُقُوعها عَن أحدهما والثّالِثَة التَّوَقُّف ووجه عدم وُقُوعها عَنْهُما أنَّهُما ذبحان بسببين مُخْتَلفين فَلا يقوم الذّبْح الواحِد عَنْهُما كَدم المُتْعَة ودم الفِدْيَة ووجه الإجْزاء حُصُول المَقْصُود مِنها بِذبح واحِد فَإن الأُضْحِية عَن المَوْلُود مَشْرُوعَة كالعقيقة عَنهُ فَإذا ضحى ونوى أن تكون عقيقة وأضحية وقع ذَلِك عَنْهُما كَما لَو صلى رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي بهما تَحِيَّة المَسْجِد وسنة المَكْتُوبَة أو صلى بعد الطّواف فرضا أو سنة مَكْتُوبَة وقع عَنهُ وعَن رَكْعَتي الطّواف، وكَذَلِكَ لَو ذبح المُتَمَتّع والقارن شاة يَوْم النَّحْر أجزَأهُ عَن دم المُتْعَة وعَن الأُضْحِية والله أعلم.

الكوثر 108:3

(فصل) قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي عَدِيٍّ، عَنْ داوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ: " ألا تَرى إلى هَذا الصُّنْبُرِ المُنْبَتِرِ عَنْ قَوْمِهِ، يَزْعُمُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنّا ونَحْنُ أهْلُ الحَجِيجِ وأهْلُ السَّدانَةِ وأهْلُ السِّقايَةِ، قالَ: أنْتُمْ خَيْرٌ، قالَ: فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ قالَ: وأُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] إلى قَوْلِهِ: ﴿نَصِيرًا﴾. [فَصْلٌ: سِرُّ تَخْصِيصِ أبِي بُرْدَةَ بِإجْزاءِ تَضْحِيَتِهِ بِعِناقٍ] وَأمّا تَخْصِيصُهُ أبا بُرْدَةَ بْنَ نِيارٍ بِإجْزاءِ التَّضْحِيَةِ بِالعِناقِ دُونَ مَن بَعْدَهُ فَلِمُوجِبٍ أيْضًا، وهو أنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ مُتَأوِّلًا غَيْرَ عالِمٍ بِعَدَمِ الإجْزاءِ، فَلَمّا أخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ بِأُضْحِيَّةٍ وإنَّما هي شاةُ لَحْمٍ أرادَ إعادَةَ الأُضْحِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلّا عِناقٌ هي أحَبُّ إلَيْهِ مِن شاتَيْ لَحْمٍ؛ فَرَخَّصَ لَهُ في التَّضْحِيَةِ بِها؛ لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ ذَبْحٌ تَأوَّلَ فِيهِ، وكانَ مَعْذُورًا بِتَأْوِيلِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ اسْتِقْرارِ الحُكْمِ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الحُكْمُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ يُجْزِئُ إلّا ما وافَقَ الشَّرْعَ المُسْتَقِرَّ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الكافرون 109:1

(فصل) وأما قوله عز وجل: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فإن «ما» على بابها لأنها واقعة على معبوده ﷺ على الإطلاق، لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به. فقوله: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أي لا أنتم تعبدون معبودي. ومعبوده هو كان ﷺ عارفا به دونهم، وهم جاهلون به. هذا جواب بعضهم. وقال آخرون: إن «ما» هنا مصدرية. لا موصولة، أي لا تعبدون عبادتي. ويلزم من تبرئتهم من عبادته تبرئتهم من المعبود، لأن العبادة متعلقة به، وليس هذا بشيء. إذ المقصود: براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى. فالمقصود المعبود لا العبادة. وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته ﷺ حسدا له، وأنفة من أتباعه. فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لاتباعه ﷺ، وحرصا على مخالفته في العبادة. وعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ «ما» لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية. وقيل في ذلك وجه رابع، وهو: قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ فكذلك ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ومعبودهم لا يعقل. ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فاستوى اللفظان، وإن اختلف المعنيان، ولهذا لا يجيء في الأفراد مثل هذا، بل لا يجيء إلا «من» كقوله ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾، ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾، ﴿أمَّنْ يَبْدَؤُا الخَلْقَ﴾ إلى أمثال ذلك. وعندي فيه وجه خامس، أقرب من هذا وهو: أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى ب «ما» الدالة على هذا المعنى. كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق. ولو أتى بلفظة «من» لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفا، لا أنه هو جهة العبادة. ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد، وبين أن يكون تعريفا محضا أو وصفا مقتضيا لعبادته. فتأمله فإنه بديع جدا. وهذا معنى قوله النحاة: إن «ما» تأتي لصفات من يعلم. ونظيره فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ لما كان المراد الوصف، وأن السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح، وقصده - وهو الطيب - فتنكح المرأة الموصوفة به: أتى ب «ما» دون «من»، وهذا باب لا ينخرم، وهو من ألطف مسالك العربية. وإذا قد أفضى الكلام بنا إلى هنا، فلنذكر فائدة ثانية على ذلك، وهي تكرير الأفعال في هذه السورة. ثم فائدة ثالثة، وهي كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين، وأتى في حقهم بالماضي. ثم فائدة رابعة، وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم بلفظ الفعل المستقبل، وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل. ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب «لا» دون «لن». ثم فائدة سادسة، وهي: أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله». فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض، وما سر ذلك؟ وفائدة سابعة، وهي: ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم عن معبوده؟ وفائدة ثامنة، وهي: أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا، والذين هادوا، كقوله: يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ ولم يجئ: يا أيُّها الكافِرُونَ إلا في هذا الموضع، فما وجه هذا الاختصاص؟

الكافرون 109:2

(فصل) وأما قوله عز وجل: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فإن «ما» على بابها لأنها واقعة على معبوده ﷺ على الإطلاق، لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به. فقوله: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أي لا أنتم تعبدون معبودي. ومعبوده هو كان ﷺ عارفا به دونهم، وهم جاهلون به. هذا جواب بعضهم. وقال آخرون: إن «ما» هنا مصدرية. لا موصولة، أي لا تعبدون عبادتي. ويلزم من تبرئتهم من عبادته تبرئتهم من المعبود، لأن العبادة متعلقة به، وليس هذا بشيء. إذ المقصود: براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى. فالمقصود المعبود لا العبادة. وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته ﷺ حسدا له، وأنفة من أتباعه. فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لاتباعه ﷺ، وحرصا على مخالفته في العبادة. وعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ «ما» لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية. وقيل في ذلك وجه رابع، وهو: قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ فكذلك ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ومعبودهم لا يعقل. ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فاستوى اللفظان، وإن اختلف المعنيان، ولهذا لا يجيء في الأفراد مثل هذا، بل لا يجيء إلا «من» كقوله ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾، ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾، ﴿أمَّنْ يَبْدَؤُا الخَلْقَ﴾ إلى أمثال ذلك. وعندي فيه وجه خامس، أقرب من هذا وهو: أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى ب «ما» الدالة على هذا المعنى. كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق. ولو أتى بلفظة «من» لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفا، لا أنه هو جهة العبادة. ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد، وبين أن يكون تعريفا محضا أو وصفا مقتضيا لعبادته. فتأمله فإنه بديع جدا. وهذا معنى قوله النحاة: إن «ما» تأتي لصفات من يعلم. ونظيره فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ لما كان المراد الوصف، وأن السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح، وقصده - وهو الطيب - فتنكح المرأة الموصوفة به: أتى ب «ما» دون «من»، وهذا باب لا ينخرم، وهو من ألطف مسالك العربية. وإذا قد أفضى الكلام بنا إلى هنا، فلنذكر فائدة ثانية على ذلك، وهي تكرير الأفعال في هذه السورة. ثم فائدة ثالثة، وهي كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين، وأتى في حقهم بالماضي. ثم فائدة رابعة، وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم بلفظ الفعل المستقبل، وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل. ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب «لا» دون «لن». ثم فائدة سادسة، وهي: أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله». فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض، وما سر ذلك؟ وفائدة سابعة، وهي: ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم عن معبوده؟ وفائدة ثامنة، وهي: أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا، والذين هادوا، كقوله: يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ ولم يجئ: يا أيُّها الكافِرُونَ إلا في هذا الموضع، فما وجه هذا الاختصاص؟

الكافرون 109:3

(فصل) وأما قوله عز وجل: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فإن «ما» على بابها لأنها واقعة على معبوده ﷺ على الإطلاق، لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به. فقوله: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أي لا أنتم تعبدون معبودي. ومعبوده هو كان ﷺ عارفا به دونهم، وهم جاهلون به. هذا جواب بعضهم. وقال آخرون: إن «ما» هنا مصدرية. لا موصولة، أي لا تعبدون عبادتي. ويلزم من تبرئتهم من عبادته تبرئتهم من المعبود، لأن العبادة متعلقة به، وليس هذا بشيء. إذ المقصود: براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى. فالمقصود المعبود لا العبادة. وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته ﷺ حسدا له، وأنفة من أتباعه. فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لاتباعه ﷺ، وحرصا على مخالفته في العبادة. وعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ «ما» لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية. وقيل في ذلك وجه رابع، وهو: قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ فكذلك ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ومعبودهم لا يعقل. ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فاستوى اللفظان، وإن اختلف المعنيان، ولهذا لا يجيء في الأفراد مثل هذا، بل لا يجيء إلا «من» كقوله ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾، ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾، ﴿أمَّنْ يَبْدَؤُا الخَلْقَ﴾ إلى أمثال ذلك. وعندي فيه وجه خامس، أقرب من هذا وهو: أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى ب «ما» الدالة على هذا المعنى. كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق. ولو أتى بلفظة «من» لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفا، لا أنه هو جهة العبادة. ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد، وبين أن يكون تعريفا محضا أو وصفا مقتضيا لعبادته. فتأمله فإنه بديع جدا. وهذا معنى قوله النحاة: إن «ما» تأتي لصفات من يعلم. ونظيره فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ لما كان المراد الوصف، وأن السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح، وقصده - وهو الطيب - فتنكح المرأة الموصوفة به: أتى ب «ما» دون «من»، وهذا باب لا ينخرم، وهو من ألطف مسالك العربية. وإذا قد أفضى الكلام بنا إلى هنا، فلنذكر فائدة ثانية على ذلك، وهي تكرير الأفعال في هذه السورة. ثم فائدة ثالثة، وهي كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين، وأتى في حقهم بالماضي. ثم فائدة رابعة، وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم بلفظ الفعل المستقبل، وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل. ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب «لا» دون «لن». ثم فائدة سادسة، وهي: أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله». فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض، وما سر ذلك؟ وفائدة سابعة، وهي: ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم عن معبوده؟ وفائدة ثامنة، وهي: أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا، والذين هادوا، كقوله: يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ ولم يجئ: يا أيُّها الكافِرُونَ إلا في هذا الموضع، فما وجه هذا الاختصاص؟

الكافرون 109:4

(فصل) وأما قوله عز وجل: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فإن «ما» على بابها لأنها واقعة على معبوده ﷺ على الإطلاق، لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به. فقوله: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أي لا أنتم تعبدون معبودي. ومعبوده هو كان ﷺ عارفا به دونهم، وهم جاهلون به. هذا جواب بعضهم. وقال آخرون: إن «ما» هنا مصدرية. لا موصولة، أي لا تعبدون عبادتي. ويلزم من تبرئتهم من عبادته تبرئتهم من المعبود، لأن العبادة متعلقة به، وليس هذا بشيء. إذ المقصود: براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى. فالمقصود المعبود لا العبادة. وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته ﷺ حسدا له، وأنفة من أتباعه. فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لاتباعه ﷺ، وحرصا على مخالفته في العبادة. وعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ «ما» لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية. وقيل في ذلك وجه رابع، وهو: قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ فكذلك ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ومعبودهم لا يعقل. ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فاستوى اللفظان، وإن اختلف المعنيان، ولهذا لا يجيء في الأفراد مثل هذا، بل لا يجيء إلا «من» كقوله ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾، ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾، ﴿أمَّنْ يَبْدَؤُا الخَلْقَ﴾ إلى أمثال ذلك. وعندي فيه وجه خامس، أقرب من هذا وهو: أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى ب «ما» الدالة على هذا المعنى. كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق. ولو أتى بلفظة «من» لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفا، لا أنه هو جهة العبادة. ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد، وبين أن يكون تعريفا محضا أو وصفا مقتضيا لعبادته. فتأمله فإنه بديع جدا. وهذا معنى قوله النحاة: إن «ما» تأتي لصفات من يعلم. ونظيره فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ لما كان المراد الوصف، وأن السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح، وقصده - وهو الطيب - فتنكح المرأة الموصوفة به: أتى ب «ما» دون «من»، وهذا باب لا ينخرم، وهو من ألطف مسالك العربية. وإذا قد أفضى الكلام بنا إلى هنا، فلنذكر فائدة ثانية على ذلك، وهي تكرير الأفعال في هذه السورة. ثم فائدة ثالثة، وهي كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين، وأتى في حقهم بالماضي. ثم فائدة رابعة، وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم بلفظ الفعل المستقبل، وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل. ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب «لا» دون «لن». ثم فائدة سادسة، وهي: أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله». فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض، وما سر ذلك؟ وفائدة سابعة، وهي: ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم عن معبوده؟ وفائدة ثامنة، وهي: أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا، والذين هادوا، كقوله: يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ ولم يجئ: يا أيُّها الكافِرُونَ إلا في هذا الموضع، فما وجه هذا الاختصاص؟

الكافرون 109:5

(فصل) وأما قوله عز وجل: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فإن «ما» على بابها لأنها واقعة على معبوده ﷺ على الإطلاق، لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به. فقوله: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أي لا أنتم تعبدون معبودي. ومعبوده هو كان ﷺ عارفا به دونهم، وهم جاهلون به. هذا جواب بعضهم. وقال آخرون: إن «ما» هنا مصدرية. لا موصولة، أي لا تعبدون عبادتي. ويلزم من تبرئتهم من عبادته تبرئتهم من المعبود، لأن العبادة متعلقة به، وليس هذا بشيء. إذ المقصود: براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى. فالمقصود المعبود لا العبادة. وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته ﷺ حسدا له، وأنفة من أتباعه. فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لاتباعه ﷺ، وحرصا على مخالفته في العبادة. وعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ «ما» لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية. وقيل في ذلك وجه رابع، وهو: قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ فكذلك ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ومعبودهم لا يعقل. ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فاستوى اللفظان، وإن اختلف المعنيان، ولهذا لا يجيء في الأفراد مثل هذا، بل لا يجيء إلا «من» كقوله ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾، ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾، ﴿أمَّنْ يَبْدَؤُا الخَلْقَ﴾ إلى أمثال ذلك. وعندي فيه وجه خامس، أقرب من هذا وهو: أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى ب «ما» الدالة على هذا المعنى. كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق. ولو أتى بلفظة «من» لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفا، لا أنه هو جهة العبادة. ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد، وبين أن يكون تعريفا محضا أو وصفا مقتضيا لعبادته. فتأمله فإنه بديع جدا. وهذا معنى قوله النحاة: إن «ما» تأتي لصفات من يعلم. ونظيره فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ لما كان المراد الوصف، وأن السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح، وقصده - وهو الطيب - فتنكح المرأة الموصوفة به: أتى ب «ما» دون «من»، وهذا باب لا ينخرم، وهو من ألطف مسالك العربية. وإذا قد أفضى الكلام بنا إلى هنا، فلنذكر فائدة ثانية على ذلك، وهي تكرير الأفعال في هذه السورة. ثم فائدة ثالثة، وهي كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين، وأتى في حقهم بالماضي. ثم فائدة رابعة، وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم بلفظ الفعل المستقبل، وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل. ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب «لا» دون «لن». ثم فائدة سادسة، وهي: أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله». فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض، وما سر ذلك؟ وفائدة سابعة، وهي: ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم عن معبوده؟ وفائدة ثامنة، وهي: أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا، والذين هادوا، كقوله: يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ ولم يجئ: يا أيُّها الكافِرُونَ إلا في هذا الموضع، فما وجه هذا الاختصاص؟

الكافرون 109:6

وفائدة تاسعة، وهي: أن في قوله: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ معنى زائد على النفي المتقدم، فإنه يدل على اختصاص كل بدينه ومعبوده، وقد فهم هذا من النفي فما أفاد التقسيم المذكور؟ وفائدة عاشرة، وهي: تقديم ذكرهم ومعبودهم في هذا التقسيم والاختصاص، وتقديم ذكر شأنه وفعله في أول السورة. وفائدة حادية عشرة، وهي: أن هذه السورة قد اشتملت على جنسين من الأخبار: أحدهما: براءته من معبودهم، وبراءتهم من معبوده، وهذا لازم أبدا. الثاني: إخباره بأن له دينه ولهم دينهم. فهل هذا متاركة وسكوت عنهم، فيدخله النسخ بالسيف، أو التخصيص ببعض الكفار، أم الآية باقية على عمومها وحكمها، غير منسوخة ولا مخصوصة؟ فهذه عشر مسائل في هذه السورة. فقد ذكرنا منها مسألة واحدة، وهي وقوع «ما» فيها بدل «مَن». فلنذكر المسائل التسع مستمدين من فضل الله، مستعينين بحوله وقوته، متبرئين إليه من الخطأ، فما كان من صواب فمنه وحده لا شريك له، وما كان من خطأ فمنا ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه. فأما المسألة الثانية، وهي: فائدة تكرار الأفعال. فقيل فيها وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ نفي للحال والمستقبل. وقوله: ﴿أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ مقابله، أي لا تفعلون ذلك. وقوله: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي، ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي فقال «ما عبدتم» فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم. وقوله: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ مقابله، أي لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائما. وعلى هذا فلا تكرار أصلا. وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضيا وحالا ومستقبلا عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأخصره وأبينه، وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها. فلنقتصر عليه ولا نتعداه إلى غيره. فإن الوجوه التي قيلت في مواضعها، فعليك بها. وأما المسألة الثالثة، وهي: تكرير الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم. ففي ذلك سر، وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله لنبيه عن الزيغ والانحراف عن عبادة معبوده، والاستبدال به غيره، وأن معبوده الحق واحد في الحال والمآل على الدوام، لا يرضى به بدلا، ولا يبغي عنه حولا، بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم. فهم بصدد أن يعبدوا اليوم معبودا، وغدا غيره. فقال: لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ يعني الآن ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ أي الآن أيضا. ثم قال: ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون، وأشبهت «ما» هنا رائحة الشرط، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وهو مستقبل في المعنى، كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، كأنه يقول: مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا. فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط، وقد عمل فيها الفعل، ولا جواب لها وهي موصولة. فما أبعد الشرط منها؟ قلنا: لم نقل: إنها نفسها شرط، ولكن فيها رائحة منه، وطرف من معناه لوقوعها على غير معين وإبهامها في المعبودات وعمومها، وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديا على صفحاته. فإذا قلت لرجل مّا - تخالفه في كل ما يفعل -: أنا لا أفعل ما تفعل. ألست ترى معنى الشرط قائما في كلامك وقصدك، وأن روح هذا الكلام: مهما فعلت من شيء فإني لا أفعله؟ وتأمل ذلك من مثل قوله تعالى: ﴿قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ كيف تجد معنى الشرطية فيه؟ حتى وقع الفعل بعد «من» بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل، وأن المعنى: من كان في المهد صبيا كيف نكلمه؟ وهذا هو المعنى الذي حام حوله من قال من المفسرين والمعربين: أن «كان» نبيا. بمعنى «يكون» لكنهم لم يأتوا إليه من بابه، بل ألقوه عطلا من تقدير وتنزيل، وعزب فهم غيرهم عن هذا، للطفه ودقته. فقالوا: «كان» زائدة. والوجه ما أخبرتك به، فخذه عفوا، لك غنمه، وعلي غرمه. هل على «من» في الآية قد عمل فيها الفعل وليس لها جواب، ومعنى الشرطية قائم فيها فكذلك في قوله: ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وهذا كله مفهوم من كلام فحول النحاة كالزجاج وغيره. فإذا ثبت هذا فقد صحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله: ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ بخلاف قوله: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ لبعد «ما» فيها عن معنى الشرط، تنبيها من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبود سواه، وأن يتنقل في المعبودات تنقل الكافرين. وأما المسألة الرابعة هي: أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل تارة وباسم الفاعل أخرى. فذلك - والله أعلم - لحكمة بديعة وهي: أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت. فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل في الثاني: أن هذا ليس وصفي ولا شأني، فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا لي. فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي. وأما في حقهم فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت دون الفعل. أي إن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتف عنكم، فليس هذا الوصف ثابتا لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة، ولم يشرك معه فيها أحدا، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه. وإن عبدوه في بعض الأحيان، فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره، كما قال أهل الكهف وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ أي اعتزلتم معبوديهم، إلّا الله، فإنكم لم تعتزلوه. وكذا قال المشركون عن معبوديهم ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى فهم كانوا يعبدون معه غيره، فلم ينف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفى الوصف لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتا على عبادة الله موصوفا بها. فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد لله، وأنه عبده المستقيم على عبادته: إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدا في عبادته، وأنه إن عبده وأشرك معه غيره، فليس عابدا لله، ولا عبدا له. وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة، التي هي إحدى سورتي الإخلاص، التي تعدل ربع القرآن، كما جاء في بعض السنن. وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا يدركه إلا من منحه الله فهما من عنده. فله الحمد والمنة. وأما المسألة الخامسة، وهي: أن النفي في هذه السورة أتى بأداة «لا» دون «لن» فلما تقدم تحقيقه عن قرب أن النفي «بلا» أبلغ منه «بلن» وأنها أدل على دوام النفي وطوله من «لن» وأنها للطول والمد الذي في لفظها طال النفي بها واشتد، وأن هذا ضد ما فهمته الجهمية والمعتزلة من أن «لن» إنما تنفي المستقبل ولا تنفي الحال المستمر النفي في الاستقبال، وقد تقدم تقرير ذلك بما لا تكاد تجده في غير هذا التعليق، فالإتيان «بلا» متعين هنا. والله أعلم. وأما المسألة السادسة، وهي: اشتمال هذه السورة على النفي المحض، فهذا هو خاصة هذه السورة العظيمة، فإنها سورة البراءة من الشرك، كما جاء في وصفها: أنها براءة من الشرك. فمقصودها الأعظم: هو البراءة المطلوبة. وهذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحا. فقوله: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ براءة محضة ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ إثبات أن له معبودا يعبده وحده، وأنتم بريئون من عبادته، فتضمنت النفي والإثبات، وطابقت قول إبراهيم إمام الحنفاء ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وطابقت قول الفئة الموحدة ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ فانتظمت حقيقة «لا إله إلا الله» ولهذا كان النبي ﷺ يقرنها بسورة ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ في سنة الفجر وسنة المغرب. فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولَمْ يُولَدْ فيكون له أصل ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ فيكون له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها. فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد. والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود. وسورة قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ مشتملة على هذا التوحيد. فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب. وفي السنن «أنه كان يوتر بهما» فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار. ومن هنا تخريج جواب المسألة السابعة. وهي: تقديم براءته من معبودهم، ثم أتبعها ببراءتهم من معبوده فتأمله. وأما المسألة الثامنة. وهي: إثباته هنا بلفظ ﴿يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ دون يا أيها الذين كفروا فسّره - والله أعلم - إرادة الدلالة على أن من كان الكفر وصفا ثابتا له لازما لا يفارقه، فهو حقيق أن يتبرأ الله منه، ويكون هو أيضا بريئا من الله، فحقيق بالموحد البراءة منه، فكان في معرض البراءة التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله، التي هي غاية الكفر، وهو الكفر الثابت اللازم، في غاية المناسبة، فكأنه يقول: كما أن الكفر لازم لكم ثابت لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة لي دائما أبدا، ولهذا أتى فيها بالنفي الدال على الاستمرار في مقابلة الكفر الثابت المستمر. وهذا واضح. وأما المسألة التاسعة. وهي: ما هي الفائدة في قوله: لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ وهل أفاد هذا معنى زائدا على ما تقدم؟ فيقال: في ذلك من الحكمة - والله أعلم - أن النفي الأول أفاد البراءة وأنه لا يتصور منه، ولا ينبغي له: أن يعبد معبوديهم، وهم أيضا لا يكونون عابدين لمعبوده، وأفاد آخر السورة إثبات ما تضمنه النفي من جهتهم من الشرك والكفر الذي هو حظهم وقسمهم ونصيبهم، فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضا فقال له: لا تدخل في حدى، ولا أدخل في حدك، لك أرضك، ولي أرضي. فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت أنا اقتسمنا خطتنا بيننا، فأصابنا التوحيد والإيمان، فهو نصيبنا وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه، وأصابكم الشرك بالله والكفر به، فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصون به لا نشرككم فيه، فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه. وهذه المعاني ونحوها إذا تجلت للقلوب. رافلة في حللها، فإنها تسبي القلوب وتأخذ بمجامعها، ومن لم يصادف من قلبه حياة فهي خود تزفّ إلى ضرير مقعد، فالحمد لله على مواهبه التي لا منتهي لها، ونسأله إتمام نعمته. وأما المسألة العاشرة. وهي: تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه ونصيبه، وفي أول السورة قدم ما يختص به على ما يختص بهم. فهذا من أسرار الكلام، وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها، فإن السورة ما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم، ورضى كل بقسمه، وكان المحق هو صاحب القسمة، وقد أبرز النصيبين وميّز القسمين، وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون، الذي لا أردأ منه ولا أدون، وأنه هو قد استولى على القسم الأشرف والحظ الأعظم، بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما وشفاء، فرضي مقاسمة بالسم، فإنه يقول له: لا تشاركني في قسمي، ولا أشاركك في قسمك، لك قسمك، ولي قسمي. فتقدم ذكر قسمه هنا أحسن وأبلغ، كأنه يقول: هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقدم وزعمت أنه أشرف القسمين، وأحقهما بالتقديم، فكان في تقديم ذكر قسمه من التهكم بهم، والنداء على سوء اختيارهم، وقبح ما رضوه لأنفسهم من الحسن والبيان، ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه، والحاكم في هذا هو الذوق. والفطن يكتفي بأدنى إشارة، وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان. ووجه ثان. وهو: أن مقصود السورة براءته ﷺ من دينهم ومعبودهم، هذا هو لبها ومغزاها، وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد الثاني، مكملا لبراءته ومحققا لها، فلما كان المقصود براءته من دينهم بدأ به في أول السورة. ثم جاء قوله: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ مطابقا لهذا المعنى، أي لا أشارككم في دينكم، ولا أوافقكم عليه، بل هو دين باطل تختصون أنتم به ولا أشارككم فيه أبدا. فطابق آخر السورة أولها، فتأمل. وأما المسألة الحادية عشرة. وهي: أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه، هل هو إقرار؟ فيكون منسوخا، أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص؟ فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة، وقد غلط في السورة خلائق وظنوها منسوخة بآية السيف، لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نص محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم. ومنشأ الغلط: ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم، ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف، فقالوا: هو منسوخ. وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم من لا كتاب لهم. فقالوا: هذا مخصوص بأهل الكتاب. ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرا لهم أو إقرارا على دينهم أبدا، فلم يزل رسول الله ﷺ من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم، وعيب دينهم، وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد لهم كل وقت، وفي كل ناد، وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم. وعيب دينهم، ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مضيا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: إن الآية اقتضت تقريره لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل، إنما الآية اقتضت براءته المحضة كما تقدم، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدا، فإنه دين باطل، فهو مختص بكم، لا نشارككم فيه، ولا أنتم تشاركوننا في ديننا الحق. وهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار؟ حتى يدعو النسخ أو التخصيص؟ أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ؟ بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده. وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع رسول الله ﷺ أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته، إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته: لكم دينكم ولنا ديننا. لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم، بل يقولون لهم هذا: براءة منهم ومن بدعتهم. وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان. فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة، والنبذة المثيرة إلى عظمة هذه السورة، وجلالتها ومقصودها، وبديع نظمها من غير استعانة بتفسير، ولا تتبع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه، بل هي استجلاء مما علمه الله وألهمه، بفضله وكرمه، والله يعلم أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى قائلها، وبالغت في استحسانها. وعسى الله، المانّ بفضله الواسع العطاء الذي عطاؤه على غير قياس المخلوقين: أن يعين على تعليق تفسير على هذا النمط وهذا الأسلوب. وقد كتبت على مواضع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا النمط وقت مقامي بمكة وبالبيت المقدس. والله المرجو إتمام نعمته. (فصل: هل الكُفْرُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ) قالَ الَّذِينَ جَعَلُوا الكُفْرَ مِلَّةً واحِدَةً: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ - لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ - ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ - ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ - ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ - لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١-٦] فَجَعَلَ لَهم دِينًا واحِدًا كَما جَعَلَ لِلْيَهُودِ، والنَّصارى مِلَّةً واحِدَةً. وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «النّاسُ حَيِّزٌ، وأنا وأصْحابِي حَيِّزٌ» واللَّهُ تَعالى قَسَّمَ خَلْقَهُ إلى كُفّارٍ ومُؤْمِنِينَ، فَهَؤُلاءِ سُعَداءُ وهَؤُلاءِ أشْقِياءُ، والكُفْرُ وإنِ اخْتَلَفَتْ شُعَبُهُ فَيَجْمَعُهُ خَصْلَتانِ: الأُولى: تَكْذِيبُ الرَّسُولِ في خَبَرِهِ. والثّانِيَةُ: عَدَمُ الِانْقِيادِ لِأمْرِهِ. كَما أنَّ الإيمانَ يَرْجِعُ إلى أصْلَيْنِ: الأُولى: طاعَةُ الرَّسُولِ فِيما أمَرَ. والثّانِيَةُ: تَصْدِيقُهُ بِما أخْبَرَ. قالَ الآخَرُونَ: اشْتِراكُهم في الكُفْرِ العامِّ لا يُوجِبُ تَساوِيهِمْ في مِلَلِهِ، فَإنَّهم كُلَّهم يَشْتَرِكُونَ في الجَحِيمِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ في الكُفْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، لا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِلَّةَ اليَهُودِ هي مِلَّةُ النَّصارى، بَلْ إضافَةُ المِلَّةِ إلى جَمِيعِهِمْ لا يَقْتَضِي اشْتِراكُهم في عَيْنِ المِلَّةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، لا يَقْتَضِي اشْتِراكَهم في دِينٍ واحِدٍ بِحَيْثُ يَدِينُ هَؤُلاءِ بِعَيْنِ ما يَدِينُ بِهِ هَؤُلاءِ، بَلِ المَعْنى: لِكُلٍّ مِنكم دِينُهُ ومِلَّتُهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يَذْكُرُ الحَقَّ والهُدى والإسْلامَ، ويَجْعَلُهُ واحِدًا، ويَذْكُرُ الباطِلَ والضَّلالَ والكُفْرَ ويَجْعَلُهُ مُتَعَدِّدًا قالَ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وَقالَ تَعالى: ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ - فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٢-٥٣] وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، وقالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، وقالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلى كُلِّ سَبِيلٍ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾».

النصر 110:1

(فائدة) ذَكَرَ البيهقي مِن حَدِيثِ موسى بن عبيدة الربذي، عَنْ صدقة بن يسار عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في وسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وعُرِفَ أنَّهُ الوَداعُ، فَأمَرَ بِراحِلَتِهِ القَصْواءِ فَرُحِلَتْ، واجْتَمَعَ النّاسُ فَقالَ: " يا أيُّها النّاسُ "، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيثَ في خُطْبَتِهِ. (فصل) وَقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِلصَّحابَةِ: ما تَقُولُونَ فِي: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ السُّورَة؟ قالُوا: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إذا فَتَحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ، فَقالَ لِابْنِ عَبّاسٍ ما تَقُولُ أنْتَ؟ قالَ: هو أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أعْلَمَهُ إيّاهُ، فَقالَ: ما أعْلَمُ مِنها غَيْرَ ما تَعْلَمُ، وهَذا مِن أدَقِّ الفَهْمِ وألْطَفِهِ، ولا يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَنْ يُعَلِّقَ الِاسْتِغْفارَ بِعَمَلِهِ، بَلْ عَلَّقَهُ بِما يُحْدِثُهُ هو - سُبْحانَهُ - مِن نِعْمَةِ فَتْحِهِ عَلى رَسُولِهِ ودُخُولِ النّاسِ في دِينِهِ، وهَذا لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلِاسْتِغْفارِ، فَعَلِمَ أنَّ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ غَيْرُهُ، وهو حُضُورُ الأجَلِ الَّذِي مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ والِاسْتِغْفارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَلْقى رَبَّهُ طاهِرًا مُطَهَّرًا مِن كُلِّ ذَنْبٍ فَيَقْدَمَ عَلَيْهِ مَسْرُورًا راضِيًا مَرْضِيًّا عَنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ وهو ﷺ كانَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ دائِمًا. فَعَلِمَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الفَتْحِ ودُخُولُ النّاسِ في هَذا الدِّينِ أمْرٌ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ، وذَلِكَ مُقَدَّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ انْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. وأنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِن عُبُودِيَّةِ التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ الَّتِي تُرَقِّيهِ إلى ذَلِكَ المَقامِ بَقِيَّةٌ فَأمَرَهُ بِتَوْفِيَتِها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - شَرَعَ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ في خَواتِيمِ الأعْمالِ، فَشَرَعَها في خاتِمَةِ الحَجِّ وقِيامِ اللَّيْلِ. «وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا سَلَّمَ مِن الصَّلاةِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا» وَشُرِعَ لِلْمُتَوَضِّئِ بَعْدَ كَمالِ وُضُوئِهِ أنْ يَقُولَ "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِن المُتَطَهِّرِينَ" فَعُلِمَ أنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ عَقِيبَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَأمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِغْفارِ عَقِيبَ تَوْفِيَتِهِ ما عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ حِينَ دَخَلَ النّاسُ في دِينِهِ أفْواجًا، فَكَأنَّ التَّبْلِيغَ عِبادَةٌ قَدْ أكْمَلَها وأدّاها، فَشُرِعَ لَهُ الِاسْتِغْفارُ عَقِيبَها. والمَقْصُودُ تَفاوُتُ النّاسِ في مَراتِبِ الفَهْمِ في النُّصُوصِ، وأنَّ مِنهم مَن يَفْهَمُ مِن الآيَةِ حُكْمًا أوْ حُكْمَيْنِ، ومِنهم مَن يَفْهَمُ مِنها عَشَرَةَ أحْكامٍ أوْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ومِنهم مَن يَقْتَصِرُ في الفَهْمِ عَلى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ دُونَ سِياقِهِ ودُونَ إيمائِهِ وإشارَتِهِ وتَنْبِيهِهِ واعْتِبارِهِ، وأخَصُّ مِن هَذا وألْطَفُ ضَمُّهُ إلى نَصٍّ آخَرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَيَفْهَمُ مِن اقْتِرانِهِ بِهِ قَدْرًا زائِدًا عَلى ذَلِكَ اللَّفْظِ بِمُفْرَدِهِ، وهَذا بابٌ عَجِيبٌ مِن فَهْمِ القُرْآنِ لا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلّا النّادِرُ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَإنَّ الذِّهْنَ قَدْ لا يَشْعُرُ بِارْتِباطِ هَذا بِهَذا وتَعَلُّقِهِ بِهِ. وَهَذا كَما فَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أنَّ المَرْأةَ قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ. وَكَما فَهِمَ الصِّدِّيقُ مِن آيَةِ الفَرائِضِ في أوَّلِ السُّورَةِ وآخِرِها أنَّ الكَلالَةَ مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، وأسْقَطَ الإخْوَةَ بِالجَدِّ، وقَدْ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ إلى هَذا الفَهْمِ حَيْثُ سَألَهُ عَنْ الكَلالَةِ وراجَعَهُ السُّؤالَ فِيها مِرارًا، فَقالَ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ. وَإنَّما أُشْكِلَ عَلى عُمَرَ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فَدَلَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ما يُبَيِّنُ لَهُ المُرادَ مِنها وهي الآيَةُ الأُولى الَّتِي نَزَلَتْ في الصَّيْفِ، فَإنَّهُ ورَّثَ فِيها ولَدَ الأُمِّ في الكَلالَةِ السُّدُسَ، ولا رَيْبَ أنَّ الكَلالَةَ فِيها مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، وإنْ عَلا. وقال في (المدارج) الفَهْمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، ونُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ، يَعْرِفُ بِهِ، ويُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ ولا يَعْرِفُهُ، فَيَفْهَمُ مِنَ النَّصِّ ما لا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، مَعَ اسْتِوائِهِما في حِفْظِهِ، وفَهْمِ أصْلِ مَعْناهُ. فالفَهْمُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عُنْوانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، ومَنشُورُ الوِلايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وفِيهِ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ العُلَماءِ، حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدٍ، فانْظُرْ إلى فَهْمِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ سَألَهُ عُمَرُ، ومَن حَضَرَ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ وَما خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ مِن فَهْمِهِ مِنها أنَّها نَعْيُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ إلى نَفْسِهِ وإعْلامُهُ بِحُضُورِ أجَلِهِ، ومُوافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وخَفائِهِ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ وابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذاكَ أحْدَثُهم سِنًّا، وأيْنَ تَجِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإعْلامَ بِأجَلِهِ، لَوْلا الفَهْمُ الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هَذا حَتّى يَصِلَ إلى مَراتِبَ تَتَقاصَرُ عَنْها أفْهامُ أكْثَرِ النّاسِ، فَيُحْتاجُ مَعَ النَّصِّ إلى غَيْرِهِ، ولا يَقَعُ الِاسْتِغْناءُ بِالنُّصُوصِ في حَقِّهِ، وأمّا في حَقِّ صاحِبِ الفَهْمِ فَلا يُحْتاجُ مَعَ النُّصُوصِ إلى غَيْرِها. (فائدة) وَقالَ في سُورَةِ أجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هي آخَرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ - إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما صَلّى صَلاةً بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ إلّا قالَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» فالتَّوْبَةُ هي نِهايَةُ كُلِّ سالِكٍ وكُلِّ ولِيٍّ لِلَّهِ، وهي الغايَةُ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها العارِفُونَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ، وما يَنْبَغِي لَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢-٧٣] فَجَعَلَ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ غايَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. (فصل) وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يا أيُّها النّاسُ، تُوبُوا إلى اللَّهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأتُوبُ إلَيْهِ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً» وكانَ أصْحابُهُ يَعُدُّونَ لَهُ في المَجْلِسِ الواحِدِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الغَفُورُ» مِائَةَ مَرَّةٍ، وما صَلّى صَلاةً قَطُّ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلى آخِرِها، إلّا قالَ فِيها «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ». فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى أعْلَمِ الخَلْقِ بِاللَّهِ وحُقُوقِهِ وعَظْمَتِهِ، وما يَسْتَحِقُّهُ جَلالُهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وأعْرَفِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ وحُقُوقِها وأقْوَمِهِمْ بِها. (فصل) لما خرج رَسُول الله من حصر العَدو دخل في حصر النَّصْر فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطْراف فطار ذكره في الآفاق فَصارَ الخلق مَعَه ثَلاثَة أقسام: مُؤمن بِهِ، ومسالم لَهُ، وخائف مِنهُ، ألْقى بذر الصَّبْر في مزرعة ﴿فاصْبِرْ كَما صَبر أولو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ فَإذا أغْصان النَّبات تهتز بخزامى والحُرُماتُ قصاص فَدخل مَكَّة دُخُولا ما دخله أحد قبله ولا بعده حوله المُهاجِرُونَ والأنْصار لا يبين مِنهُم إلّا الحدق والصَّحابَة على مَراتِبهمْ والمَلائِكَة فَوق رؤوسهم وجِبْرِيل يتَرَدَّد بَينه وبَين ربه وقد أباحَ لَهُ حرمه الَّذِي لم يحله لأحد سواهُ فَلَمّا قايس بَين هَذا اليَوْم وبَين يَوْم ﴿وَإذْ يمكر الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يخرجوك﴾ فأخرجوه ﴿ثانِي اثْنَيْنِ﴾ دخل وذقنه تمس قربوس سَرْجه خضوعا وذلا لمن ألبسهُ ثوب هَذا العِزّ الَّذِي رفعت إلَيْهِ فِيهِ الخليقة رؤوسها، ومدت إلَيْهِ المُلُوك أعناقها فَدخل مَكَّة مالِكًا مؤيدا منصورا. وَعلا كَعْب بِلال فَوق الكَعْبَة بعد أن كانَ يجر في الرمضاء على جمر الفِتْنَة فنشر بَزًّا طُوي عَن القَوْم من يَوْم قَوْله "أحد أحد" وَرفع صَوته بِالأذانِ، فأجابته القَبائِل من كل ناحيَة فَأقْبَلُوا يؤمُّونَ الصَّوْت فَدَخَلُوا في دين الله أفْواجًا، وكانُوا قبل ذَلِك يأْتونَ آحادا، فَلَمّا جلس الرَّسُول على مِنبَر العِزّ، وما نزل عَنهُ قطّ. مدت المُلُوك أعناقها بالخضوع إلَيْهِ فَمنهمْ من سلم إلَيْهِ مَفاتِيح البِلاد، ومِنهُم من سَألَهُ المُوادَعَة والصُّلْح، ومِنهُم من أقرّ بالجزية والصغار، ومِنهُم من أخذ في الجمع والتَّأهُّب للحرب ولم يدر أنه لم يزدْ على جمع الغَنائِم وسوق الأُسارى إلَيْهِ. فَلَمّا تَكامل نَصره وبلّغ الرسالَة وأدّى الأمانَة وجاءه منشور ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تقدم من ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وَبعده توقيع ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ الله أفْواجًا﴾ جاءَهُ رَسُول ربه يُخبرهُ بَين المقام في الدُّنْيا، وبَين لِقائِه فاخْتارَ لِقاء ربه شوقا إلَيْهِ، فتزينت الجنان ليَوْم قدوم روحه الكَرِيمَة، لا كزينة المَدِينَة يَوْم قدوم الملِك. إذا كانَ عرش الرَّحْمَن قد اهتز لمَوْت بعض أتْباعه فَرحا واستبشارا بقدوم روحه، فَكيف بِروح سيّد الخَلائق؟! فيا منتسبا إلى غير هَذا الجناب، ويا واقِفًا بِغَيْر هَذا الباب ستعلم يَوْم الحَشْر أي سريرة تكون عَلَيْها ﴿يَوْمَ تبلى السرائر﴾. [فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة] فَصْلٌ وَفِيها البَيانُ الصَّرِيحُ بِأنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، ولا يُعْرَفُ في ذَلِكَ خِلافٌ إلّا عَنِ الشّافِعِيِّ وأحمد في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وسِياقُ القِصَّةِ أوْضَحُ شاهِدٍ لِمَن تَأمَّلَهُ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ، ولَمّا اسْتَهْجَنَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ القَوْلَ بِأنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، حَكى قَوْلَ الشّافِعِيِّ أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً في " وسِيطِهِ "، وقالَ: هَذا مَذْهَبُهُ. قالَ أصْحابُ الصُّلْحِ: لَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً، لَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الغانِمِينَ كَما قَسَمَ خَيْبَرَ، وكَما قَسَمَ سائِرَ الغَنائِمِ مِنَ المَنقُولاتِ، فَكانَ يُخَمِّسُها ويَقْسِمُها، قالُوا: ولَمّا اسْتَأْمَنَ أبو سفيان لِأهْلِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمَ فَأمَّنَهم كانَ هَذا عَقْدَ صُلْحٍ مَعَهُمْ، قالُوا: ولَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمَلَكَ الغانِمُونَ رِباعَها ودُورَها، وكانُوا أحَقَّ بِها مِن أهْلِها، وجازَ إخْراجُهم مِنها، فَحَيْثُ لَمْ يَحْكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيها بِهَذا الحُكْمِ بَلْ لَمْ يَرُدَّ عَلى المُهاجِرِينَ دُورَهُمُ الَّتِي أُخْرِجُوا مِنها، وهي بِأيْدِي الَّذِينَ أخْرَجُوهم وأقَرَّهم عَلى بَيْعِ الدُّورِ وشِرائِها وإجارَتِها وسُكْناها، والِانْتِفاعِ بِها، وهَذا مُنافٍ لِأحْكامِ فُتُوحِ العَنْوَةِ، وقَدْ صَرَّحَ بِإضافَةِ الدُّورِ إلى أهْلِها، فَقالَ: «مَن دَخَلَ دارَ أبي سفيان فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ دارَهُ فَهو آمِنٌ». قالَ أرْبابُ العَنْوَةِ: لَوْ كانَ قَدْ صالَحَهم لَمْ يَكُنْ لِأمانِهِ المُقَيَّدِ بِدُخُولِ كُلِّ واحِدٍ دارَهُ وإغْلاقِهِ بابَهُ وإلْقائِهِ سِلاحَهُ فائِدَةٌ، ولَمْ يُقاتِلْهم خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ حَتّى قَتَلَ مِنهم جَماعَةً، ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، ولَما قَتَلَ مقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل ومَن ذُكِرَ مَعَهُما، فَإنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ لَوْ كانَ قَدْ وقَعَ لاسْتُثْنِيَ فِيهِ هَؤُلاءِ قَطْعًا، ولَنُقِلَ هَذا وهَذا، ولَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يُقاتِلْهم وقَدْ قالَ: «فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الإذْنَ المُخْتَصَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّما هو الإذْنُ في القِتالِ، لا في الصُّلْحِ، فَإنَّ الإذْنَ في الصُّلْحِ عامٌّ. وَأيْضًا فَلَوْ كانَ فَتْحُها صُلْحًا، لَمْ يَقُلْ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّها لَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَإنَّها إذا فُتِحَتْ صُلْحًا، كانَتْ باقِيَةً عَلى حُرْمَتِها، ولَمْ تَخْرُجْ بِالصُّلْحِ عَنِ الحُرْمَةِ، وقَدْ أخْبَرَ بِأنَّها في تِلْكَ السّاعَةِ لَمْ تَكُنْ حَرامًا، وأنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ ساعَةِ الحَرْبِ عادَتْ إلى حُرْمَتِها الأُولى. وَأيْضًا فَإنَّها لَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يُعَبِّئْ جَيْشَهُ: خَيّالَتَهم ورَجّالَتَهم مَيْمَنَةً ومَيْسَرَةً، ومَعَهُمُ السِّلاحُ، وقالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: «اهْتِفْ لِي بِالأنْصارِ "، فَهَتَفَ بِهِمْ فَجاءُوا، فَأطافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ " أتَرَوْنَ إلى أوْباشِ قُرَيْشٍ وأتْباعِهِمْ "، ثُمَّ قالَ بِيَدَيْهِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى: " احْصُدُوهم حَصْدًا حَتّى تُوافُونِي عَلى الصَّفا "، حَتّى قالَ أبو سفيان: يا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْراءُ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» وَهَذا مُحالٌ أنْ يَكُونَ مَعَ الصُّلْحِ، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ صُلْحٌ - وكَلّا - فَإنَّهُ يَنْتَقِضُ بِدُونِ هَذا. وَأيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ صُلْحًا، وإنَّما فُتِحَتْ بِإيجافِ الخَيْلِ والرِّكابِ، ولَمْ يَحْبِسِ اللَّهُ خَيْلَ رَسُولِهِ ورِكابَهُ عَنْها، كَما حَبَسَها يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ يَوْمَ الصُّلْحِ حَقًّا، فَإنَّ القَصْواءَ لَمّا بَرَكَتْ بِهِ قالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ قالَ: «ما خَلَأتْ، وما ذاكَ لَها بِخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ» ثُمَّ قالَ: «واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرْمَةً مِن حُرُماتِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهُمُوها». وَكَذَلِكَ جَرى عَقْدُ الصُّلْحِ بِالكِتابِ والشُّهُودِ، ومَحْضَرِ مَلَإٍ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، فَجَرى مِثْلُ هَذا الصُّلْحِ في يَوْمِ الفَتْحِ ولا يُكْتَبُ ولا يُشْهَدُ عَلَيْهِ، ولا يَحْضُرُهُ أحَدٌ، ولا يُنْقَلُ كَيْفِيَّتُهُ والشُّرُوطُ فِيهِ، هَذا مِنَ المُمْتَنِعِ البَيِّنِ امْتِناعُهُ. وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ» كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ. قالُوا: وأمّا قَوْلُكُمْ: إنَّها لَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَقُسِمَتْ بَيْنَ الغانِمِينَ، فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأرْضَ داخِلَةٌ في الغَنائِمِ الَّتِي قَسَمَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ الغانِمِينَ بَعْدَ تَخْمِيسِها، وجُمْهُورُ الصَّحابَةِ والأئِمَّةِ بَعْدَهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وأنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الغَنائِمِ الَّتِي تَجِبُ قِسْمَتُها، وهَذِهِ كانَتْ سِيرَةَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، فَإنَّ بلالا وأصْحابَهُ لَمّا طَلَبُوا مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمُ الأرْضَ الَّتِي افْتَتَحُوها عَنْوَةً، وهي الشّامُ وما حَوْلَها، وقالُوا لَهُ خُذْ خُمُسَها واقْسِمْها، فَقالَ عمر: هَذا غَيْرُ المالِ، ولَكِنْ أحْبِسُهُ فَيْئًا يَجْرِي عَلَيْكم وعَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ بلال وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: اقْسِمْها بَيْنَنا، فَقالَ عمر: (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالًا وذَوِيهِ) فَما حالَ الحَوْلُ ومِنهم عَيْنٌ تَطْرِفُ، ثُمَّ وافَقَ سائِرُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ جَرى في فُتُوحِ مِصْرَ والعِراقِ، وأرْضِ فارِسَ، وسائِرِ البِلادِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمْ يَقْسِمْ مِنها الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ قَرْيَةً واحِدَةً. وَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ اسْتَطابَ نُفُوسَهم ووَقَفَها بِرِضاهُمْ، فَإنَّهم قَدْ نازَعُوهُ في ذَلِكَ، وهو يَأْبى عَلَيْهِمْ، ودَعا عَلى بلال وأصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وكانَ الَّذِي رَآهُ وفَعَلَهُ عَيْنَ الصَّوابِ ومَحْضَ التَّوْفِيقِ، إذْ لَوْ قُسِمَتْ لَتَوارَثَها ورَثَةُ أُولَئِكَ وأقارِبُهُمْ، فَكانَتِ القَرْيَةُ والبَلَدُ تَصِيرُ إلى امْرَأةٍ واحِدَةٍ، أوْ صَبِيٍّ صَغِيرٍ، والمُقاتِلَةُ لا شَيْءَ بِأيْدِيهِمْ، فَكانَ في ذَلِكَ أعْظَمُ الفَسادِ وأكْبَرُهُ، وهَذا هو الَّذِي خافَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنهُ، فَوَفَّقَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِتَرْكِ قِسْمَةِ الأرْضِ، وجَعَلَها وقْفًا عَلى المُقاتِلَةِ، تَجْرِي عَلَيْهِمْ فَيْئًا حَتّى يَغْزُوَ مِنها آخِرُ المُسْلِمِينَ، وظَهَرَتْ بَرَكَةُ رَأْيِهِ ويُمْنُهُ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ، ووافَقَهُ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ. واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إبْقائِها بِلا قِسْمَةٍ، فَظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ وأكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلى أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ فِيها تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ، لا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ، فَإنْ كانَ الأصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ قِسْمَتَها قَسَمَها، وإنْ كانَ الأصْلَحُ أنْ يَقِفَها عَلى جَماعَتِهِمْ وقَفَها، وإنْ كانَ الأصْلَحُ قِسْمَةَ البَعْضِ ووَقْفَ البَعْضِ فَعَلَهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، فَإنَّهُ قَسَمَ أرْضَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وتَرَكَ قِسْمَةَ مَكَّةَ، وقَسَمَ بَعْضَ خَيْبَرَ، وتَرَكَ بَعْضَها لِما يَنُوبُهُ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وَعَنْ أحمد رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّها تَصِيرُ وقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ والِاسْتِيلاءِ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يُنْشِئَ الإمامُ وقْفَها، وهي مَذْهَبُ مالك. وَعَنْهُ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ: أنَّهُ يَقْسِمُها بَيْنَ الغانِمِينَ كَما يَقْسِمُ بَيْنَهُمُ المَنقُولَ، إلّا أنْ يَتْرُكُوا حُقُوقَهم مِنها، وهي مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وَقالَ أبو حنيفة: الإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِسْمَةِ وبَيْنَ أنْ يُقِرَّ أرْبابَها فِيها بِالخَراجِ، وبَيْنَ أنْ يُجْلِيَهم عَنْها ويُنْفِذَ إلَيْها قَوْمًا آخَرِينَ يَضْرِبُ عَلَيْهِمُ الخَراجَ. وَلَيْسَ هَذا الَّذِي فَعَلَ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، فَإنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الغَنائِمِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِتَخْمِيسِها وقِسْمَتِها، ولِهَذا قالَ عمر: إنَّها غَيْرُ المالِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ إباحَةَ الغَنائِمِ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ، بَلْ هو مِن خَصائِصِها، كَما قالَ ﷺ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي» وَقَدْ أحَلَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأرْضَ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي الكُفّارِ لِمَن قَبْلَنا مِن أتْباعِ الرُّسُلِ، إذا اسْتَوْلَوْا عَلَيْها عَنْوَةً، كَما أحَلَّها لِقَوْمِ مُوسى، فَلِهَذا قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] فَمُوسى وقَوْمُهُ قاتَلُوا الكُفّارَ، واسْتَوْلَوْا عَلى دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا الغَنائِمَ، ثُمَّ نَزَلَتِ النّارُ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْها، وسَكَنُوا الأرْضَ والدِّيارَ ولَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ، فَعُلِمَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الغَنائِمِ، وأنَّها لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ.

النصر 110:2

(فائدة) ذَكَرَ البيهقي مِن حَدِيثِ موسى بن عبيدة الربذي، عَنْ صدقة بن يسار عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في وسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وعُرِفَ أنَّهُ الوَداعُ، فَأمَرَ بِراحِلَتِهِ القَصْواءِ فَرُحِلَتْ، واجْتَمَعَ النّاسُ فَقالَ: " يا أيُّها النّاسُ "، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيثَ في خُطْبَتِهِ. (فصل) وَقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِلصَّحابَةِ: ما تَقُولُونَ فِي: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ السُّورَة؟ قالُوا: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إذا فَتَحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ، فَقالَ لِابْنِ عَبّاسٍ ما تَقُولُ أنْتَ؟ قالَ: هو أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أعْلَمَهُ إيّاهُ، فَقالَ: ما أعْلَمُ مِنها غَيْرَ ما تَعْلَمُ، وهَذا مِن أدَقِّ الفَهْمِ وألْطَفِهِ، ولا يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَنْ يُعَلِّقَ الِاسْتِغْفارَ بِعَمَلِهِ، بَلْ عَلَّقَهُ بِما يُحْدِثُهُ هو - سُبْحانَهُ - مِن نِعْمَةِ فَتْحِهِ عَلى رَسُولِهِ ودُخُولِ النّاسِ في دِينِهِ، وهَذا لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلِاسْتِغْفارِ، فَعَلِمَ أنَّ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ غَيْرُهُ، وهو حُضُورُ الأجَلِ الَّذِي مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ والِاسْتِغْفارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَلْقى رَبَّهُ طاهِرًا مُطَهَّرًا مِن كُلِّ ذَنْبٍ فَيَقْدَمَ عَلَيْهِ مَسْرُورًا راضِيًا مَرْضِيًّا عَنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ وهو ﷺ كانَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ دائِمًا. فَعَلِمَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الفَتْحِ ودُخُولُ النّاسِ في هَذا الدِّينِ أمْرٌ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ، وذَلِكَ مُقَدَّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ انْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. وأنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِن عُبُودِيَّةِ التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ الَّتِي تُرَقِّيهِ إلى ذَلِكَ المَقامِ بَقِيَّةٌ فَأمَرَهُ بِتَوْفِيَتِها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - شَرَعَ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ في خَواتِيمِ الأعْمالِ، فَشَرَعَها في خاتِمَةِ الحَجِّ وقِيامِ اللَّيْلِ. «وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا سَلَّمَ مِن الصَّلاةِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا» وَشُرِعَ لِلْمُتَوَضِّئِ بَعْدَ كَمالِ وُضُوئِهِ أنْ يَقُولَ "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِن المُتَطَهِّرِينَ" فَعُلِمَ أنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ عَقِيبَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَأمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِغْفارِ عَقِيبَ تَوْفِيَتِهِ ما عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ حِينَ دَخَلَ النّاسُ في دِينِهِ أفْواجًا، فَكَأنَّ التَّبْلِيغَ عِبادَةٌ قَدْ أكْمَلَها وأدّاها، فَشُرِعَ لَهُ الِاسْتِغْفارُ عَقِيبَها. والمَقْصُودُ تَفاوُتُ النّاسِ في مَراتِبِ الفَهْمِ في النُّصُوصِ، وأنَّ مِنهم مَن يَفْهَمُ مِن الآيَةِ حُكْمًا أوْ حُكْمَيْنِ، ومِنهم مَن يَفْهَمُ مِنها عَشَرَةَ أحْكامٍ أوْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ومِنهم مَن يَقْتَصِرُ في الفَهْمِ عَلى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ دُونَ سِياقِهِ ودُونَ إيمائِهِ وإشارَتِهِ وتَنْبِيهِهِ واعْتِبارِهِ، وأخَصُّ مِن هَذا وألْطَفُ ضَمُّهُ إلى نَصٍّ آخَرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَيَفْهَمُ مِن اقْتِرانِهِ بِهِ قَدْرًا زائِدًا عَلى ذَلِكَ اللَّفْظِ بِمُفْرَدِهِ، وهَذا بابٌ عَجِيبٌ مِن فَهْمِ القُرْآنِ لا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلّا النّادِرُ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَإنَّ الذِّهْنَ قَدْ لا يَشْعُرُ بِارْتِباطِ هَذا بِهَذا وتَعَلُّقِهِ بِهِ. وَهَذا كَما فَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أنَّ المَرْأةَ قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ. وَكَما فَهِمَ الصِّدِّيقُ مِن آيَةِ الفَرائِضِ في أوَّلِ السُّورَةِ وآخِرِها أنَّ الكَلالَةَ مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، وأسْقَطَ الإخْوَةَ بِالجَدِّ، وقَدْ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ إلى هَذا الفَهْمِ حَيْثُ سَألَهُ عَنْ الكَلالَةِ وراجَعَهُ السُّؤالَ فِيها مِرارًا، فَقالَ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ. وَإنَّما أُشْكِلَ عَلى عُمَرَ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فَدَلَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ما يُبَيِّنُ لَهُ المُرادَ مِنها وهي الآيَةُ الأُولى الَّتِي نَزَلَتْ في الصَّيْفِ، فَإنَّهُ ورَّثَ فِيها ولَدَ الأُمِّ في الكَلالَةِ السُّدُسَ، ولا رَيْبَ أنَّ الكَلالَةَ فِيها مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، وإنْ عَلا. وقال في (المدارج) الفَهْمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، ونُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ، يَعْرِفُ بِهِ، ويُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ ولا يَعْرِفُهُ، فَيَفْهَمُ مِنَ النَّصِّ ما لا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، مَعَ اسْتِوائِهِما في حِفْظِهِ، وفَهْمِ أصْلِ مَعْناهُ. فالفَهْمُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عُنْوانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، ومَنشُورُ الوِلايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وفِيهِ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ العُلَماءِ، حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدٍ، فانْظُرْ إلى فَهْمِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ سَألَهُ عُمَرُ، ومَن حَضَرَ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ وَما خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ مِن فَهْمِهِ مِنها أنَّها نَعْيُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ إلى نَفْسِهِ وإعْلامُهُ بِحُضُورِ أجَلِهِ، ومُوافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وخَفائِهِ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ وابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذاكَ أحْدَثُهم سِنًّا، وأيْنَ تَجِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإعْلامَ بِأجَلِهِ، لَوْلا الفَهْمُ الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هَذا حَتّى يَصِلَ إلى مَراتِبَ تَتَقاصَرُ عَنْها أفْهامُ أكْثَرِ النّاسِ، فَيُحْتاجُ مَعَ النَّصِّ إلى غَيْرِهِ، ولا يَقَعُ الِاسْتِغْناءُ بِالنُّصُوصِ في حَقِّهِ، وأمّا في حَقِّ صاحِبِ الفَهْمِ فَلا يُحْتاجُ مَعَ النُّصُوصِ إلى غَيْرِها. (فائدة) وَقالَ في سُورَةِ أجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هي آخَرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ - إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما صَلّى صَلاةً بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ إلّا قالَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» فالتَّوْبَةُ هي نِهايَةُ كُلِّ سالِكٍ وكُلِّ ولِيٍّ لِلَّهِ، وهي الغايَةُ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها العارِفُونَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ، وما يَنْبَغِي لَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢-٧٣] فَجَعَلَ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ غايَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. (فصل) وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يا أيُّها النّاسُ، تُوبُوا إلى اللَّهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأتُوبُ إلَيْهِ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً» وكانَ أصْحابُهُ يَعُدُّونَ لَهُ في المَجْلِسِ الواحِدِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الغَفُورُ» مِائَةَ مَرَّةٍ، وما صَلّى صَلاةً قَطُّ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلى آخِرِها، إلّا قالَ فِيها «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ». فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى أعْلَمِ الخَلْقِ بِاللَّهِ وحُقُوقِهِ وعَظْمَتِهِ، وما يَسْتَحِقُّهُ جَلالُهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وأعْرَفِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ وحُقُوقِها وأقْوَمِهِمْ بِها. (فصل) لما خرج رَسُول الله من حصر العَدو دخل في حصر النَّصْر فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطْراف فطار ذكره في الآفاق فَصارَ الخلق مَعَه ثَلاثَة أقسام: مُؤمن بِهِ، ومسالم لَهُ، وخائف مِنهُ، ألْقى بذر الصَّبْر في مزرعة ﴿فاصْبِرْ كَما صَبر أولو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ فَإذا أغْصان النَّبات تهتز بخزامى والحُرُماتُ قصاص فَدخل مَكَّة دُخُولا ما دخله أحد قبله ولا بعده حوله المُهاجِرُونَ والأنْصار لا يبين مِنهُم إلّا الحدق والصَّحابَة على مَراتِبهمْ والمَلائِكَة فَوق رؤوسهم وجِبْرِيل يتَرَدَّد بَينه وبَين ربه وقد أباحَ لَهُ حرمه الَّذِي لم يحله لأحد سواهُ فَلَمّا قايس بَين هَذا اليَوْم وبَين يَوْم ﴿وَإذْ يمكر الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يخرجوك﴾ فأخرجوه ﴿ثانِي اثْنَيْنِ﴾ دخل وذقنه تمس قربوس سَرْجه خضوعا وذلا لمن ألبسهُ ثوب هَذا العِزّ الَّذِي رفعت إلَيْهِ فِيهِ الخليقة رؤوسها، ومدت إلَيْهِ المُلُوك أعناقها فَدخل مَكَّة مالِكًا مؤيدا منصورا. وَعلا كَعْب بِلال فَوق الكَعْبَة بعد أن كانَ يجر في الرمضاء على جمر الفِتْنَة فنشر بَزًّا طُوي عَن القَوْم من يَوْم قَوْله "أحد أحد" وَرفع صَوته بِالأذانِ، فأجابته القَبائِل من كل ناحيَة فَأقْبَلُوا يؤمُّونَ الصَّوْت فَدَخَلُوا في دين الله أفْواجًا، وكانُوا قبل ذَلِك يأْتونَ آحادا، فَلَمّا جلس الرَّسُول على مِنبَر العِزّ، وما نزل عَنهُ قطّ. مدت المُلُوك أعناقها بالخضوع إلَيْهِ فَمنهمْ من سلم إلَيْهِ مَفاتِيح البِلاد، ومِنهُم من سَألَهُ المُوادَعَة والصُّلْح، ومِنهُم من أقرّ بالجزية والصغار، ومِنهُم من أخذ في الجمع والتَّأهُّب للحرب ولم يدر أنه لم يزدْ على جمع الغَنائِم وسوق الأُسارى إلَيْهِ. فَلَمّا تَكامل نَصره وبلّغ الرسالَة وأدّى الأمانَة وجاءه منشور ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تقدم من ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وَبعده توقيع ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ الله أفْواجًا﴾ جاءَهُ رَسُول ربه يُخبرهُ بَين المقام في الدُّنْيا، وبَين لِقائِه فاخْتارَ لِقاء ربه شوقا إلَيْهِ، فتزينت الجنان ليَوْم قدوم روحه الكَرِيمَة، لا كزينة المَدِينَة يَوْم قدوم الملِك. إذا كانَ عرش الرَّحْمَن قد اهتز لمَوْت بعض أتْباعه فَرحا واستبشارا بقدوم روحه، فَكيف بِروح سيّد الخَلائق؟! فيا منتسبا إلى غير هَذا الجناب، ويا واقِفًا بِغَيْر هَذا الباب ستعلم يَوْم الحَشْر أي سريرة تكون عَلَيْها ﴿يَوْمَ تبلى السرائر﴾. [فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة] فَصْلٌ وَفِيها البَيانُ الصَّرِيحُ بِأنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، ولا يُعْرَفُ في ذَلِكَ خِلافٌ إلّا عَنِ الشّافِعِيِّ وأحمد في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وسِياقُ القِصَّةِ أوْضَحُ شاهِدٍ لِمَن تَأمَّلَهُ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ، ولَمّا اسْتَهْجَنَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ القَوْلَ بِأنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، حَكى قَوْلَ الشّافِعِيِّ أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً في " وسِيطِهِ "، وقالَ: هَذا مَذْهَبُهُ. قالَ أصْحابُ الصُّلْحِ: لَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً، لَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الغانِمِينَ كَما قَسَمَ خَيْبَرَ، وكَما قَسَمَ سائِرَ الغَنائِمِ مِنَ المَنقُولاتِ، فَكانَ يُخَمِّسُها ويَقْسِمُها، قالُوا: ولَمّا اسْتَأْمَنَ أبو سفيان لِأهْلِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمَ فَأمَّنَهم كانَ هَذا عَقْدَ صُلْحٍ مَعَهُمْ، قالُوا: ولَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمَلَكَ الغانِمُونَ رِباعَها ودُورَها، وكانُوا أحَقَّ بِها مِن أهْلِها، وجازَ إخْراجُهم مِنها، فَحَيْثُ لَمْ يَحْكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيها بِهَذا الحُكْمِ بَلْ لَمْ يَرُدَّ عَلى المُهاجِرِينَ دُورَهُمُ الَّتِي أُخْرِجُوا مِنها، وهي بِأيْدِي الَّذِينَ أخْرَجُوهم وأقَرَّهم عَلى بَيْعِ الدُّورِ وشِرائِها وإجارَتِها وسُكْناها، والِانْتِفاعِ بِها، وهَذا مُنافٍ لِأحْكامِ فُتُوحِ العَنْوَةِ، وقَدْ صَرَّحَ بِإضافَةِ الدُّورِ إلى أهْلِها، فَقالَ: «مَن دَخَلَ دارَ أبي سفيان فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ دارَهُ فَهو آمِنٌ». قالَ أرْبابُ العَنْوَةِ: لَوْ كانَ قَدْ صالَحَهم لَمْ يَكُنْ لِأمانِهِ المُقَيَّدِ بِدُخُولِ كُلِّ واحِدٍ دارَهُ وإغْلاقِهِ بابَهُ وإلْقائِهِ سِلاحَهُ فائِدَةٌ، ولَمْ يُقاتِلْهم خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ حَتّى قَتَلَ مِنهم جَماعَةً، ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، ولَما قَتَلَ مقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل ومَن ذُكِرَ مَعَهُما، فَإنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ لَوْ كانَ قَدْ وقَعَ لاسْتُثْنِيَ فِيهِ هَؤُلاءِ قَطْعًا، ولَنُقِلَ هَذا وهَذا، ولَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يُقاتِلْهم وقَدْ قالَ: «فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الإذْنَ المُخْتَصَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّما هو الإذْنُ في القِتالِ، لا في الصُّلْحِ، فَإنَّ الإذْنَ في الصُّلْحِ عامٌّ. وَأيْضًا فَلَوْ كانَ فَتْحُها صُلْحًا، لَمْ يَقُلْ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّها لَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَإنَّها إذا فُتِحَتْ صُلْحًا، كانَتْ باقِيَةً عَلى حُرْمَتِها، ولَمْ تَخْرُجْ بِالصُّلْحِ عَنِ الحُرْمَةِ، وقَدْ أخْبَرَ بِأنَّها في تِلْكَ السّاعَةِ لَمْ تَكُنْ حَرامًا، وأنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ ساعَةِ الحَرْبِ عادَتْ إلى حُرْمَتِها الأُولى. وَأيْضًا فَإنَّها لَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يُعَبِّئْ جَيْشَهُ: خَيّالَتَهم ورَجّالَتَهم مَيْمَنَةً ومَيْسَرَةً، ومَعَهُمُ السِّلاحُ، وقالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: «اهْتِفْ لِي بِالأنْصارِ "، فَهَتَفَ بِهِمْ فَجاءُوا، فَأطافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ " أتَرَوْنَ إلى أوْباشِ قُرَيْشٍ وأتْباعِهِمْ "، ثُمَّ قالَ بِيَدَيْهِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى: " احْصُدُوهم حَصْدًا حَتّى تُوافُونِي عَلى الصَّفا "، حَتّى قالَ أبو سفيان: يا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْراءُ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» وَهَذا مُحالٌ أنْ يَكُونَ مَعَ الصُّلْحِ، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ صُلْحٌ - وكَلّا - فَإنَّهُ يَنْتَقِضُ بِدُونِ هَذا. وَأيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ صُلْحًا، وإنَّما فُتِحَتْ بِإيجافِ الخَيْلِ والرِّكابِ، ولَمْ يَحْبِسِ اللَّهُ خَيْلَ رَسُولِهِ ورِكابَهُ عَنْها، كَما حَبَسَها يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ يَوْمَ الصُّلْحِ حَقًّا، فَإنَّ القَصْواءَ لَمّا بَرَكَتْ بِهِ قالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ قالَ: «ما خَلَأتْ، وما ذاكَ لَها بِخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ» ثُمَّ قالَ: «واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرْمَةً مِن حُرُماتِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهُمُوها». وَكَذَلِكَ جَرى عَقْدُ الصُّلْحِ بِالكِتابِ والشُّهُودِ، ومَحْضَرِ مَلَإٍ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، فَجَرى مِثْلُ هَذا الصُّلْحِ في يَوْمِ الفَتْحِ ولا يُكْتَبُ ولا يُشْهَدُ عَلَيْهِ، ولا يَحْضُرُهُ أحَدٌ، ولا يُنْقَلُ كَيْفِيَّتُهُ والشُّرُوطُ فِيهِ، هَذا مِنَ المُمْتَنِعِ البَيِّنِ امْتِناعُهُ. وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ» كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ. قالُوا: وأمّا قَوْلُكُمْ: إنَّها لَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَقُسِمَتْ بَيْنَ الغانِمِينَ، فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأرْضَ داخِلَةٌ في الغَنائِمِ الَّتِي قَسَمَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ الغانِمِينَ بَعْدَ تَخْمِيسِها، وجُمْهُورُ الصَّحابَةِ والأئِمَّةِ بَعْدَهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وأنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الغَنائِمِ الَّتِي تَجِبُ قِسْمَتُها، وهَذِهِ كانَتْ سِيرَةَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، فَإنَّ بلالا وأصْحابَهُ لَمّا طَلَبُوا مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمُ الأرْضَ الَّتِي افْتَتَحُوها عَنْوَةً، وهي الشّامُ وما حَوْلَها، وقالُوا لَهُ خُذْ خُمُسَها واقْسِمْها، فَقالَ عمر: هَذا غَيْرُ المالِ، ولَكِنْ أحْبِسُهُ فَيْئًا يَجْرِي عَلَيْكم وعَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ بلال وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: اقْسِمْها بَيْنَنا، فَقالَ عمر: (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالًا وذَوِيهِ) فَما حالَ الحَوْلُ ومِنهم عَيْنٌ تَطْرِفُ، ثُمَّ وافَقَ سائِرُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ جَرى في فُتُوحِ مِصْرَ والعِراقِ، وأرْضِ فارِسَ، وسائِرِ البِلادِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمْ يَقْسِمْ مِنها الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ قَرْيَةً واحِدَةً. وَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ اسْتَطابَ نُفُوسَهم ووَقَفَها بِرِضاهُمْ، فَإنَّهم قَدْ نازَعُوهُ في ذَلِكَ، وهو يَأْبى عَلَيْهِمْ، ودَعا عَلى بلال وأصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وكانَ الَّذِي رَآهُ وفَعَلَهُ عَيْنَ الصَّوابِ ومَحْضَ التَّوْفِيقِ، إذْ لَوْ قُسِمَتْ لَتَوارَثَها ورَثَةُ أُولَئِكَ وأقارِبُهُمْ، فَكانَتِ القَرْيَةُ والبَلَدُ تَصِيرُ إلى امْرَأةٍ واحِدَةٍ، أوْ صَبِيٍّ صَغِيرٍ، والمُقاتِلَةُ لا شَيْءَ بِأيْدِيهِمْ، فَكانَ في ذَلِكَ أعْظَمُ الفَسادِ وأكْبَرُهُ، وهَذا هو الَّذِي خافَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنهُ، فَوَفَّقَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِتَرْكِ قِسْمَةِ الأرْضِ، وجَعَلَها وقْفًا عَلى المُقاتِلَةِ، تَجْرِي عَلَيْهِمْ فَيْئًا حَتّى يَغْزُوَ مِنها آخِرُ المُسْلِمِينَ، وظَهَرَتْ بَرَكَةُ رَأْيِهِ ويُمْنُهُ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ، ووافَقَهُ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ. واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إبْقائِها بِلا قِسْمَةٍ، فَظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ وأكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلى أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ فِيها تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ، لا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ، فَإنْ كانَ الأصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ قِسْمَتَها قَسَمَها، وإنْ كانَ الأصْلَحُ أنْ يَقِفَها عَلى جَماعَتِهِمْ وقَفَها، وإنْ كانَ الأصْلَحُ قِسْمَةَ البَعْضِ ووَقْفَ البَعْضِ فَعَلَهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، فَإنَّهُ قَسَمَ أرْضَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وتَرَكَ قِسْمَةَ مَكَّةَ، وقَسَمَ بَعْضَ خَيْبَرَ، وتَرَكَ بَعْضَها لِما يَنُوبُهُ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وَعَنْ أحمد رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّها تَصِيرُ وقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ والِاسْتِيلاءِ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يُنْشِئَ الإمامُ وقْفَها، وهي مَذْهَبُ مالك. وَعَنْهُ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ: أنَّهُ يَقْسِمُها بَيْنَ الغانِمِينَ كَما يَقْسِمُ بَيْنَهُمُ المَنقُولَ، إلّا أنْ يَتْرُكُوا حُقُوقَهم مِنها، وهي مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وَقالَ أبو حنيفة: الإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِسْمَةِ وبَيْنَ أنْ يُقِرَّ أرْبابَها فِيها بِالخَراجِ، وبَيْنَ أنْ يُجْلِيَهم عَنْها ويُنْفِذَ إلَيْها قَوْمًا آخَرِينَ يَضْرِبُ عَلَيْهِمُ الخَراجَ. وَلَيْسَ هَذا الَّذِي فَعَلَ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، فَإنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الغَنائِمِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِتَخْمِيسِها وقِسْمَتِها، ولِهَذا قالَ عمر: إنَّها غَيْرُ المالِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ إباحَةَ الغَنائِمِ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ، بَلْ هو مِن خَصائِصِها، كَما قالَ ﷺ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي» وَقَدْ أحَلَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأرْضَ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي الكُفّارِ لِمَن قَبْلَنا مِن أتْباعِ الرُّسُلِ، إذا اسْتَوْلَوْا عَلَيْها عَنْوَةً، كَما أحَلَّها لِقَوْمِ مُوسى، فَلِهَذا قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] فَمُوسى وقَوْمُهُ قاتَلُوا الكُفّارَ، واسْتَوْلَوْا عَلى دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا الغَنائِمَ، ثُمَّ نَزَلَتِ النّارُ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْها، وسَكَنُوا الأرْضَ والدِّيارَ ولَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ، فَعُلِمَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الغَنائِمِ، وأنَّها لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ.

النصر 110:3

(فائدة) ذَكَرَ البيهقي مِن حَدِيثِ موسى بن عبيدة الربذي، عَنْ صدقة بن يسار عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في وسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وعُرِفَ أنَّهُ الوَداعُ، فَأمَرَ بِراحِلَتِهِ القَصْواءِ فَرُحِلَتْ، واجْتَمَعَ النّاسُ فَقالَ: " يا أيُّها النّاسُ "، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيثَ في خُطْبَتِهِ. (فصل) وَقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِلصَّحابَةِ: ما تَقُولُونَ فِي: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ السُّورَة؟ قالُوا: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إذا فَتَحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ، فَقالَ لِابْنِ عَبّاسٍ ما تَقُولُ أنْتَ؟ قالَ: هو أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أعْلَمَهُ إيّاهُ، فَقالَ: ما أعْلَمُ مِنها غَيْرَ ما تَعْلَمُ، وهَذا مِن أدَقِّ الفَهْمِ وألْطَفِهِ، ولا يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَنْ يُعَلِّقَ الِاسْتِغْفارَ بِعَمَلِهِ، بَلْ عَلَّقَهُ بِما يُحْدِثُهُ هو - سُبْحانَهُ - مِن نِعْمَةِ فَتْحِهِ عَلى رَسُولِهِ ودُخُولِ النّاسِ في دِينِهِ، وهَذا لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلِاسْتِغْفارِ، فَعَلِمَ أنَّ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ غَيْرُهُ، وهو حُضُورُ الأجَلِ الَّذِي مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ والِاسْتِغْفارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَلْقى رَبَّهُ طاهِرًا مُطَهَّرًا مِن كُلِّ ذَنْبٍ فَيَقْدَمَ عَلَيْهِ مَسْرُورًا راضِيًا مَرْضِيًّا عَنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ وهو ﷺ كانَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ دائِمًا. فَعَلِمَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الفَتْحِ ودُخُولُ النّاسِ في هَذا الدِّينِ أمْرٌ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ، وذَلِكَ مُقَدَّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ انْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. وأنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِن عُبُودِيَّةِ التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ الَّتِي تُرَقِّيهِ إلى ذَلِكَ المَقامِ بَقِيَّةٌ فَأمَرَهُ بِتَوْفِيَتِها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - شَرَعَ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ في خَواتِيمِ الأعْمالِ، فَشَرَعَها في خاتِمَةِ الحَجِّ وقِيامِ اللَّيْلِ. «وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا سَلَّمَ مِن الصَّلاةِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا» وَشُرِعَ لِلْمُتَوَضِّئِ بَعْدَ كَمالِ وُضُوئِهِ أنْ يَقُولَ "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِن المُتَطَهِّرِينَ" فَعُلِمَ أنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ عَقِيبَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَأمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِغْفارِ عَقِيبَ تَوْفِيَتِهِ ما عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ حِينَ دَخَلَ النّاسُ في دِينِهِ أفْواجًا، فَكَأنَّ التَّبْلِيغَ عِبادَةٌ قَدْ أكْمَلَها وأدّاها، فَشُرِعَ لَهُ الِاسْتِغْفارُ عَقِيبَها. والمَقْصُودُ تَفاوُتُ النّاسِ في مَراتِبِ الفَهْمِ في النُّصُوصِ، وأنَّ مِنهم مَن يَفْهَمُ مِن الآيَةِ حُكْمًا أوْ حُكْمَيْنِ، ومِنهم مَن يَفْهَمُ مِنها عَشَرَةَ أحْكامٍ أوْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ومِنهم مَن يَقْتَصِرُ في الفَهْمِ عَلى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ دُونَ سِياقِهِ ودُونَ إيمائِهِ وإشارَتِهِ وتَنْبِيهِهِ واعْتِبارِهِ، وأخَصُّ مِن هَذا وألْطَفُ ضَمُّهُ إلى نَصٍّ آخَرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَيَفْهَمُ مِن اقْتِرانِهِ بِهِ قَدْرًا زائِدًا عَلى ذَلِكَ اللَّفْظِ بِمُفْرَدِهِ، وهَذا بابٌ عَجِيبٌ مِن فَهْمِ القُرْآنِ لا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلّا النّادِرُ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَإنَّ الذِّهْنَ قَدْ لا يَشْعُرُ بِارْتِباطِ هَذا بِهَذا وتَعَلُّقِهِ بِهِ. وَهَذا كَما فَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أنَّ المَرْأةَ قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ. وَكَما فَهِمَ الصِّدِّيقُ مِن آيَةِ الفَرائِضِ في أوَّلِ السُّورَةِ وآخِرِها أنَّ الكَلالَةَ مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، وأسْقَطَ الإخْوَةَ بِالجَدِّ، وقَدْ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ إلى هَذا الفَهْمِ حَيْثُ سَألَهُ عَنْ الكَلالَةِ وراجَعَهُ السُّؤالَ فِيها مِرارًا، فَقالَ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ. وَإنَّما أُشْكِلَ عَلى عُمَرَ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فَدَلَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ما يُبَيِّنُ لَهُ المُرادَ مِنها وهي الآيَةُ الأُولى الَّتِي نَزَلَتْ في الصَّيْفِ، فَإنَّهُ ورَّثَ فِيها ولَدَ الأُمِّ في الكَلالَةِ السُّدُسَ، ولا رَيْبَ أنَّ الكَلالَةَ فِيها مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، وإنْ عَلا. وقال في (المدارج) الفَهْمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، ونُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ، يَعْرِفُ بِهِ، ويُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ ولا يَعْرِفُهُ، فَيَفْهَمُ مِنَ النَّصِّ ما لا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، مَعَ اسْتِوائِهِما في حِفْظِهِ، وفَهْمِ أصْلِ مَعْناهُ. فالفَهْمُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عُنْوانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، ومَنشُورُ الوِلايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وفِيهِ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ العُلَماءِ، حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدٍ، فانْظُرْ إلى فَهْمِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ سَألَهُ عُمَرُ، ومَن حَضَرَ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ وَما خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ مِن فَهْمِهِ مِنها أنَّها نَعْيُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ إلى نَفْسِهِ وإعْلامُهُ بِحُضُورِ أجَلِهِ، ومُوافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وخَفائِهِ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ وابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذاكَ أحْدَثُهم سِنًّا، وأيْنَ تَجِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإعْلامَ بِأجَلِهِ، لَوْلا الفَهْمُ الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هَذا حَتّى يَصِلَ إلى مَراتِبَ تَتَقاصَرُ عَنْها أفْهامُ أكْثَرِ النّاسِ، فَيُحْتاجُ مَعَ النَّصِّ إلى غَيْرِهِ، ولا يَقَعُ الِاسْتِغْناءُ بِالنُّصُوصِ في حَقِّهِ، وأمّا في حَقِّ صاحِبِ الفَهْمِ فَلا يُحْتاجُ مَعَ النُّصُوصِ إلى غَيْرِها. (فائدة) وَقالَ في سُورَةِ أجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هي آخَرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ - إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما صَلّى صَلاةً بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ إلّا قالَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» فالتَّوْبَةُ هي نِهايَةُ كُلِّ سالِكٍ وكُلِّ ولِيٍّ لِلَّهِ، وهي الغايَةُ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها العارِفُونَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ، وما يَنْبَغِي لَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢-٧٣] فَجَعَلَ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ غايَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. (فصل) وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يا أيُّها النّاسُ، تُوبُوا إلى اللَّهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأتُوبُ إلَيْهِ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً» وكانَ أصْحابُهُ يَعُدُّونَ لَهُ في المَجْلِسِ الواحِدِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الغَفُورُ» مِائَةَ مَرَّةٍ، وما صَلّى صَلاةً قَطُّ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلى آخِرِها، إلّا قالَ فِيها «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ». فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى أعْلَمِ الخَلْقِ بِاللَّهِ وحُقُوقِهِ وعَظْمَتِهِ، وما يَسْتَحِقُّهُ جَلالُهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وأعْرَفِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ وحُقُوقِها وأقْوَمِهِمْ بِها. (فصل) لما خرج رَسُول الله من حصر العَدو دخل في حصر النَّصْر فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطْراف فطار ذكره في الآفاق فَصارَ الخلق مَعَه ثَلاثَة أقسام: مُؤمن بِهِ، ومسالم لَهُ، وخائف مِنهُ، ألْقى بذر الصَّبْر في مزرعة ﴿فاصْبِرْ كَما صَبر أولو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ فَإذا أغْصان النَّبات تهتز بخزامى والحُرُماتُ قصاص فَدخل مَكَّة دُخُولا ما دخله أحد قبله ولا بعده حوله المُهاجِرُونَ والأنْصار لا يبين مِنهُم إلّا الحدق والصَّحابَة على مَراتِبهمْ والمَلائِكَة فَوق رؤوسهم وجِبْرِيل يتَرَدَّد بَينه وبَين ربه وقد أباحَ لَهُ حرمه الَّذِي لم يحله لأحد سواهُ فَلَمّا قايس بَين هَذا اليَوْم وبَين يَوْم ﴿وَإذْ يمكر الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يخرجوك﴾ فأخرجوه ﴿ثانِي اثْنَيْنِ﴾ دخل وذقنه تمس قربوس سَرْجه خضوعا وذلا لمن ألبسهُ ثوب هَذا العِزّ الَّذِي رفعت إلَيْهِ فِيهِ الخليقة رؤوسها، ومدت إلَيْهِ المُلُوك أعناقها فَدخل مَكَّة مالِكًا مؤيدا منصورا. وَعلا كَعْب بِلال فَوق الكَعْبَة بعد أن كانَ يجر في الرمضاء على جمر الفِتْنَة فنشر بَزًّا طُوي عَن القَوْم من يَوْم قَوْله "أحد أحد" وَرفع صَوته بِالأذانِ، فأجابته القَبائِل من كل ناحيَة فَأقْبَلُوا يؤمُّونَ الصَّوْت فَدَخَلُوا في دين الله أفْواجًا، وكانُوا قبل ذَلِك يأْتونَ آحادا، فَلَمّا جلس الرَّسُول على مِنبَر العِزّ، وما نزل عَنهُ قطّ. مدت المُلُوك أعناقها بالخضوع إلَيْهِ فَمنهمْ من سلم إلَيْهِ مَفاتِيح البِلاد، ومِنهُم من سَألَهُ المُوادَعَة والصُّلْح، ومِنهُم من أقرّ بالجزية والصغار، ومِنهُم من أخذ في الجمع والتَّأهُّب للحرب ولم يدر أنه لم يزدْ على جمع الغَنائِم وسوق الأُسارى إلَيْهِ. فَلَمّا تَكامل نَصره وبلّغ الرسالَة وأدّى الأمانَة وجاءه منشور ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تقدم من ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وَبعده توقيع ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ الله أفْواجًا﴾ جاءَهُ رَسُول ربه يُخبرهُ بَين المقام في الدُّنْيا، وبَين لِقائِه فاخْتارَ لِقاء ربه شوقا إلَيْهِ، فتزينت الجنان ليَوْم قدوم روحه الكَرِيمَة، لا كزينة المَدِينَة يَوْم قدوم الملِك. إذا كانَ عرش الرَّحْمَن قد اهتز لمَوْت بعض أتْباعه فَرحا واستبشارا بقدوم روحه، فَكيف بِروح سيّد الخَلائق؟! فيا منتسبا إلى غير هَذا الجناب، ويا واقِفًا بِغَيْر هَذا الباب ستعلم يَوْم الحَشْر أي سريرة تكون عَلَيْها ﴿يَوْمَ تبلى السرائر﴾. [فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة] فَصْلٌ وَفِيها البَيانُ الصَّرِيحُ بِأنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، ولا يُعْرَفُ في ذَلِكَ خِلافٌ إلّا عَنِ الشّافِعِيِّ وأحمد في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وسِياقُ القِصَّةِ أوْضَحُ شاهِدٍ لِمَن تَأمَّلَهُ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ، ولَمّا اسْتَهْجَنَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ القَوْلَ بِأنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، حَكى قَوْلَ الشّافِعِيِّ أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً في " وسِيطِهِ "، وقالَ: هَذا مَذْهَبُهُ. قالَ أصْحابُ الصُّلْحِ: لَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً، لَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الغانِمِينَ كَما قَسَمَ خَيْبَرَ، وكَما قَسَمَ سائِرَ الغَنائِمِ مِنَ المَنقُولاتِ، فَكانَ يُخَمِّسُها ويَقْسِمُها، قالُوا: ولَمّا اسْتَأْمَنَ أبو سفيان لِأهْلِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمَ فَأمَّنَهم كانَ هَذا عَقْدَ صُلْحٍ مَعَهُمْ، قالُوا: ولَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمَلَكَ الغانِمُونَ رِباعَها ودُورَها، وكانُوا أحَقَّ بِها مِن أهْلِها، وجازَ إخْراجُهم مِنها، فَحَيْثُ لَمْ يَحْكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيها بِهَذا الحُكْمِ بَلْ لَمْ يَرُدَّ عَلى المُهاجِرِينَ دُورَهُمُ الَّتِي أُخْرِجُوا مِنها، وهي بِأيْدِي الَّذِينَ أخْرَجُوهم وأقَرَّهم عَلى بَيْعِ الدُّورِ وشِرائِها وإجارَتِها وسُكْناها، والِانْتِفاعِ بِها، وهَذا مُنافٍ لِأحْكامِ فُتُوحِ العَنْوَةِ، وقَدْ صَرَّحَ بِإضافَةِ الدُّورِ إلى أهْلِها، فَقالَ: «مَن دَخَلَ دارَ أبي سفيان فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ دارَهُ فَهو آمِنٌ». قالَ أرْبابُ العَنْوَةِ: لَوْ كانَ قَدْ صالَحَهم لَمْ يَكُنْ لِأمانِهِ المُقَيَّدِ بِدُخُولِ كُلِّ واحِدٍ دارَهُ وإغْلاقِهِ بابَهُ وإلْقائِهِ سِلاحَهُ فائِدَةٌ، ولَمْ يُقاتِلْهم خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ حَتّى قَتَلَ مِنهم جَماعَةً، ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، ولَما قَتَلَ مقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل ومَن ذُكِرَ مَعَهُما، فَإنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ لَوْ كانَ قَدْ وقَعَ لاسْتُثْنِيَ فِيهِ هَؤُلاءِ قَطْعًا، ولَنُقِلَ هَذا وهَذا، ولَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يُقاتِلْهم وقَدْ قالَ: «فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الإذْنَ المُخْتَصَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّما هو الإذْنُ في القِتالِ، لا في الصُّلْحِ، فَإنَّ الإذْنَ في الصُّلْحِ عامٌّ. وَأيْضًا فَلَوْ كانَ فَتْحُها صُلْحًا، لَمْ يَقُلْ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّها لَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَإنَّها إذا فُتِحَتْ صُلْحًا، كانَتْ باقِيَةً عَلى حُرْمَتِها، ولَمْ تَخْرُجْ بِالصُّلْحِ عَنِ الحُرْمَةِ، وقَدْ أخْبَرَ بِأنَّها في تِلْكَ السّاعَةِ لَمْ تَكُنْ حَرامًا، وأنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ ساعَةِ الحَرْبِ عادَتْ إلى حُرْمَتِها الأُولى. وَأيْضًا فَإنَّها لَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يُعَبِّئْ جَيْشَهُ: خَيّالَتَهم ورَجّالَتَهم مَيْمَنَةً ومَيْسَرَةً، ومَعَهُمُ السِّلاحُ، وقالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: «اهْتِفْ لِي بِالأنْصارِ "، فَهَتَفَ بِهِمْ فَجاءُوا، فَأطافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ " أتَرَوْنَ إلى أوْباشِ قُرَيْشٍ وأتْباعِهِمْ "، ثُمَّ قالَ بِيَدَيْهِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى: " احْصُدُوهم حَصْدًا حَتّى تُوافُونِي عَلى الصَّفا "، حَتّى قالَ أبو سفيان: يا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْراءُ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» وَهَذا مُحالٌ أنْ يَكُونَ مَعَ الصُّلْحِ، فَإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ صُلْحٌ - وكَلّا - فَإنَّهُ يَنْتَقِضُ بِدُونِ هَذا. وَأيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ صُلْحًا، وإنَّما فُتِحَتْ بِإيجافِ الخَيْلِ والرِّكابِ، ولَمْ يَحْبِسِ اللَّهُ خَيْلَ رَسُولِهِ ورِكابَهُ عَنْها، كَما حَبَسَها يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كانَ يَوْمَ الصُّلْحِ حَقًّا، فَإنَّ القَصْواءَ لَمّا بَرَكَتْ بِهِ قالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ قالَ: «ما خَلَأتْ، وما ذاكَ لَها بِخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ» ثُمَّ قالَ: «واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرْمَةً مِن حُرُماتِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهُمُوها». وَكَذَلِكَ جَرى عَقْدُ الصُّلْحِ بِالكِتابِ والشُّهُودِ، ومَحْضَرِ مَلَإٍ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، فَجَرى مِثْلُ هَذا الصُّلْحِ في يَوْمِ الفَتْحِ ولا يُكْتَبُ ولا يُشْهَدُ عَلَيْهِ، ولا يَحْضُرُهُ أحَدٌ، ولا يُنْقَلُ كَيْفِيَّتُهُ والشُّرُوطُ فِيهِ، هَذا مِنَ المُمْتَنِعِ البَيِّنِ امْتِناعُهُ. وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ» كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ. قالُوا: وأمّا قَوْلُكُمْ: إنَّها لَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَقُسِمَتْ بَيْنَ الغانِمِينَ، فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأرْضَ داخِلَةٌ في الغَنائِمِ الَّتِي قَسَمَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ الغانِمِينَ بَعْدَ تَخْمِيسِها، وجُمْهُورُ الصَّحابَةِ والأئِمَّةِ بَعْدَهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وأنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الغَنائِمِ الَّتِي تَجِبُ قِسْمَتُها، وهَذِهِ كانَتْ سِيرَةَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، فَإنَّ بلالا وأصْحابَهُ لَمّا طَلَبُوا مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمُ الأرْضَ الَّتِي افْتَتَحُوها عَنْوَةً، وهي الشّامُ وما حَوْلَها، وقالُوا لَهُ خُذْ خُمُسَها واقْسِمْها، فَقالَ عمر: هَذا غَيْرُ المالِ، ولَكِنْ أحْبِسُهُ فَيْئًا يَجْرِي عَلَيْكم وعَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ بلال وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: اقْسِمْها بَيْنَنا، فَقالَ عمر: (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالًا وذَوِيهِ) فَما حالَ الحَوْلُ ومِنهم عَيْنٌ تَطْرِفُ، ثُمَّ وافَقَ سائِرُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ جَرى في فُتُوحِ مِصْرَ والعِراقِ، وأرْضِ فارِسَ، وسائِرِ البِلادِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمْ يَقْسِمْ مِنها الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ قَرْيَةً واحِدَةً. وَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ اسْتَطابَ نُفُوسَهم ووَقَفَها بِرِضاهُمْ، فَإنَّهم قَدْ نازَعُوهُ في ذَلِكَ، وهو يَأْبى عَلَيْهِمْ، ودَعا عَلى بلال وأصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وكانَ الَّذِي رَآهُ وفَعَلَهُ عَيْنَ الصَّوابِ ومَحْضَ التَّوْفِيقِ، إذْ لَوْ قُسِمَتْ لَتَوارَثَها ورَثَةُ أُولَئِكَ وأقارِبُهُمْ، فَكانَتِ القَرْيَةُ والبَلَدُ تَصِيرُ إلى امْرَأةٍ واحِدَةٍ، أوْ صَبِيٍّ صَغِيرٍ، والمُقاتِلَةُ لا شَيْءَ بِأيْدِيهِمْ، فَكانَ في ذَلِكَ أعْظَمُ الفَسادِ وأكْبَرُهُ، وهَذا هو الَّذِي خافَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنهُ، فَوَفَّقَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِتَرْكِ قِسْمَةِ الأرْضِ، وجَعَلَها وقْفًا عَلى المُقاتِلَةِ، تَجْرِي عَلَيْهِمْ فَيْئًا حَتّى يَغْزُوَ مِنها آخِرُ المُسْلِمِينَ، وظَهَرَتْ بَرَكَةُ رَأْيِهِ ويُمْنُهُ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ، ووافَقَهُ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ. واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إبْقائِها بِلا قِسْمَةٍ، فَظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ وأكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلى أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ فِيها تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ، لا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ، فَإنْ كانَ الأصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ قِسْمَتَها قَسَمَها، وإنْ كانَ الأصْلَحُ أنْ يَقِفَها عَلى جَماعَتِهِمْ وقَفَها، وإنْ كانَ الأصْلَحُ قِسْمَةَ البَعْضِ ووَقْفَ البَعْضِ فَعَلَهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، فَإنَّهُ قَسَمَ أرْضَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وتَرَكَ قِسْمَةَ مَكَّةَ، وقَسَمَ بَعْضَ خَيْبَرَ، وتَرَكَ بَعْضَها لِما يَنُوبُهُ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. وَعَنْ أحمد رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّها تَصِيرُ وقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ والِاسْتِيلاءِ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يُنْشِئَ الإمامُ وقْفَها، وهي مَذْهَبُ مالك. وَعَنْهُ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ: أنَّهُ يَقْسِمُها بَيْنَ الغانِمِينَ كَما يَقْسِمُ بَيْنَهُمُ المَنقُولَ، إلّا أنْ يَتْرُكُوا حُقُوقَهم مِنها، وهي مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وَقالَ أبو حنيفة: الإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِسْمَةِ وبَيْنَ أنْ يُقِرَّ أرْبابَها فِيها بِالخَراجِ، وبَيْنَ أنْ يُجْلِيَهم عَنْها ويُنْفِذَ إلَيْها قَوْمًا آخَرِينَ يَضْرِبُ عَلَيْهِمُ الخَراجَ. وَلَيْسَ هَذا الَّذِي فَعَلَ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، فَإنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الغَنائِمِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِتَخْمِيسِها وقِسْمَتِها، ولِهَذا قالَ عمر: إنَّها غَيْرُ المالِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ إباحَةَ الغَنائِمِ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ، بَلْ هو مِن خَصائِصِها، كَما قالَ ﷺ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي» وَقَدْ أحَلَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأرْضَ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي الكُفّارِ لِمَن قَبْلَنا مِن أتْباعِ الرُّسُلِ، إذا اسْتَوْلَوْا عَلَيْها عَنْوَةً، كَما أحَلَّها لِقَوْمِ مُوسى، فَلِهَذا قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] فَمُوسى وقَوْمُهُ قاتَلُوا الكُفّارَ، واسْتَوْلَوْا عَلى دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا الغَنائِمَ، ثُمَّ نَزَلَتِ النّارُ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْها، وسَكَنُوا الأرْضَ والدِّيارَ ولَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ، فَعُلِمَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الغَنائِمِ، وأنَّها لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ.

المسد 111:1

(فائدة) وَكَذَلِكَ تَكْنِيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لعبد العزى بأبي لهب؛ لَمّا كانَ مَصِيرُهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ كانَتْ هَذِهِ الكُنْيَةُ ألْيَقَ بِهِ وأوْفَقَ، وهو بِها أحَقُّ وأخْلَقُ. قال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ قال الإمام أحمد: "ما كسب: ولده" قوله تعالى ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وامْرَأتُهُ﴾ فـ (امْرَأتُهُ) رفع عطفا على الضمير في (سَيَصْلى). قوله تعالى: ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ فَسَمّاها " امْرَأتَهُ " بِعَقْدِ النِّكاحِ الواقِعِ في الشِّرْكِ. وَقالَ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، فَسَمّاها " امْرَأتَهُ ". والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - غالِبُهم إنَّما وُلِدُوا مِن نِكاحٍ كانَ قَبْلَ الإسْلامِ في حالِ الشِّرْكِ، وهم يُنْسَبُونَ إلى آبائِهِمِ انْتِسابًا لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وقَدْ أسْلَمَ الجَمُّ الغَفِيرُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِنهم أنْ يُجَدِّدَ عَقْدَهُ عَلى امْرَأتِهِ. فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَةُ الكُفّارِ باطِلَةً لَأمَرَهم بِتَجْدِيدِ أنْكِحَتِهِمْ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو أصْحابَهُ لِآبائِهِمْ، وهَذا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيا، فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَرْجُمْهُما؛ لِأنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ لا يُحَصِّنُ الزَّوْجَ. وَأيْضًا، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أنْ يَخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا، ويُفارِقَ البَواقِيَ، وأمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أُخْتانِ أنْ يُمْسِكَ إحْداهُما، ويُفارِقَ الأُخْرى، ولَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَأْمُرْ بِالإمْساكِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، ولا رَتَّبَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أحْكامِ النِّكاحِ، ولَمْ يَنُصَّ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ الإسْلامِ عَلى بُطْلانِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقُولَ ذَلِكَ.

المسد 111:2

(فائدة) وَكَذَلِكَ تَكْنِيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لعبد العزى بأبي لهب؛ لَمّا كانَ مَصِيرُهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ كانَتْ هَذِهِ الكُنْيَةُ ألْيَقَ بِهِ وأوْفَقَ، وهو بِها أحَقُّ وأخْلَقُ. قال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ قال الإمام أحمد: "ما كسب: ولده" قوله تعالى ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وامْرَأتُهُ﴾ فـ (امْرَأتُهُ) رفع عطفا على الضمير في (سَيَصْلى). قوله تعالى: ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ فَسَمّاها " امْرَأتَهُ " بِعَقْدِ النِّكاحِ الواقِعِ في الشِّرْكِ. وَقالَ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، فَسَمّاها " امْرَأتَهُ ". والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - غالِبُهم إنَّما وُلِدُوا مِن نِكاحٍ كانَ قَبْلَ الإسْلامِ في حالِ الشِّرْكِ، وهم يُنْسَبُونَ إلى آبائِهِمِ انْتِسابًا لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وقَدْ أسْلَمَ الجَمُّ الغَفِيرُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِنهم أنْ يُجَدِّدَ عَقْدَهُ عَلى امْرَأتِهِ. فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَةُ الكُفّارِ باطِلَةً لَأمَرَهم بِتَجْدِيدِ أنْكِحَتِهِمْ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو أصْحابَهُ لِآبائِهِمْ، وهَذا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيا، فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَرْجُمْهُما؛ لِأنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ لا يُحَصِّنُ الزَّوْجَ. وَأيْضًا، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أنْ يَخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا، ويُفارِقَ البَواقِيَ، وأمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أُخْتانِ أنْ يُمْسِكَ إحْداهُما، ويُفارِقَ الأُخْرى، ولَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَأْمُرْ بِالإمْساكِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، ولا رَتَّبَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أحْكامِ النِّكاحِ، ولَمْ يَنُصَّ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ الإسْلامِ عَلى بُطْلانِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقُولَ ذَلِكَ.

المسد 111:3

(فائدة) وَكَذَلِكَ تَكْنِيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لعبد العزى بأبي لهب؛ لَمّا كانَ مَصِيرُهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ كانَتْ هَذِهِ الكُنْيَةُ ألْيَقَ بِهِ وأوْفَقَ، وهو بِها أحَقُّ وأخْلَقُ. قال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ قال الإمام أحمد: "ما كسب: ولده" قوله تعالى ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وامْرَأتُهُ﴾ فـ (امْرَأتُهُ) رفع عطفا على الضمير في (سَيَصْلى). قوله تعالى: ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ فَسَمّاها " امْرَأتَهُ " بِعَقْدِ النِّكاحِ الواقِعِ في الشِّرْكِ. وَقالَ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، فَسَمّاها " امْرَأتَهُ ". والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - غالِبُهم إنَّما وُلِدُوا مِن نِكاحٍ كانَ قَبْلَ الإسْلامِ في حالِ الشِّرْكِ، وهم يُنْسَبُونَ إلى آبائِهِمِ انْتِسابًا لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وقَدْ أسْلَمَ الجَمُّ الغَفِيرُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِنهم أنْ يُجَدِّدَ عَقْدَهُ عَلى امْرَأتِهِ. فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَةُ الكُفّارِ باطِلَةً لَأمَرَهم بِتَجْدِيدِ أنْكِحَتِهِمْ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو أصْحابَهُ لِآبائِهِمْ، وهَذا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيا، فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَرْجُمْهُما؛ لِأنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ لا يُحَصِّنُ الزَّوْجَ. وَأيْضًا، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أنْ يَخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا، ويُفارِقَ البَواقِيَ، وأمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أُخْتانِ أنْ يُمْسِكَ إحْداهُما، ويُفارِقَ الأُخْرى، ولَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَأْمُرْ بِالإمْساكِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، ولا رَتَّبَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أحْكامِ النِّكاحِ، ولَمْ يَنُصَّ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ الإسْلامِ عَلى بُطْلانِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقُولَ ذَلِكَ.

المسد 111:4

(فائدة) وَكَذَلِكَ تَكْنِيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لعبد العزى بأبي لهب؛ لَمّا كانَ مَصِيرُهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ كانَتْ هَذِهِ الكُنْيَةُ ألْيَقَ بِهِ وأوْفَقَ، وهو بِها أحَقُّ وأخْلَقُ. قال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ قال الإمام أحمد: "ما كسب: ولده" قوله تعالى ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وامْرَأتُهُ﴾ فـ (امْرَأتُهُ) رفع عطفا على الضمير في (سَيَصْلى). قوله تعالى: ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ فَسَمّاها " امْرَأتَهُ " بِعَقْدِ النِّكاحِ الواقِعِ في الشِّرْكِ. وَقالَ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، فَسَمّاها " امْرَأتَهُ ". والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - غالِبُهم إنَّما وُلِدُوا مِن نِكاحٍ كانَ قَبْلَ الإسْلامِ في حالِ الشِّرْكِ، وهم يُنْسَبُونَ إلى آبائِهِمِ انْتِسابًا لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وقَدْ أسْلَمَ الجَمُّ الغَفِيرُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِنهم أنْ يُجَدِّدَ عَقْدَهُ عَلى امْرَأتِهِ. فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَةُ الكُفّارِ باطِلَةً لَأمَرَهم بِتَجْدِيدِ أنْكِحَتِهِمْ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو أصْحابَهُ لِآبائِهِمْ، وهَذا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيا، فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَرْجُمْهُما؛ لِأنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ لا يُحَصِّنُ الزَّوْجَ. وَأيْضًا، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أنْ يَخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا، ويُفارِقَ البَواقِيَ، وأمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أُخْتانِ أنْ يُمْسِكَ إحْداهُما، ويُفارِقَ الأُخْرى، ولَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَأْمُرْ بِالإمْساكِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، ولا رَتَّبَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أحْكامِ النِّكاحِ، ولَمْ يَنُصَّ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ الإسْلامِ عَلى بُطْلانِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقُولَ ذَلِكَ.

المسد 111:5

(فائدة) وَكَذَلِكَ تَكْنِيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لعبد العزى بأبي لهب؛ لَمّا كانَ مَصِيرُهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ كانَتْ هَذِهِ الكُنْيَةُ ألْيَقَ بِهِ وأوْفَقَ، وهو بِها أحَقُّ وأخْلَقُ. قال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ قال الإمام أحمد: "ما كسب: ولده" قوله تعالى ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وامْرَأتُهُ﴾ فـ (امْرَأتُهُ) رفع عطفا على الضمير في (سَيَصْلى). قوله تعالى: ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ فَسَمّاها " امْرَأتَهُ " بِعَقْدِ النِّكاحِ الواقِعِ في الشِّرْكِ. وَقالَ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، فَسَمّاها " امْرَأتَهُ ". والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - غالِبُهم إنَّما وُلِدُوا مِن نِكاحٍ كانَ قَبْلَ الإسْلامِ في حالِ الشِّرْكِ، وهم يُنْسَبُونَ إلى آبائِهِمِ انْتِسابًا لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وقَدْ أسْلَمَ الجَمُّ الغَفِيرُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِنهم أنْ يُجَدِّدَ عَقْدَهُ عَلى امْرَأتِهِ. فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَةُ الكُفّارِ باطِلَةً لَأمَرَهم بِتَجْدِيدِ أنْكِحَتِهِمْ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو أصْحابَهُ لِآبائِهِمْ، وهَذا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيا، فَلَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَرْجُمْهُما؛ لِأنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ لا يُحَصِّنُ الزَّوْجَ. وَأيْضًا، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أنْ يَخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا، ويُفارِقَ البَواقِيَ، وأمَرَ مَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أُخْتانِ أنْ يُمْسِكَ إحْداهُما، ويُفارِقَ الأُخْرى، ولَوْ كانَتْ أنْكِحَتُهم فاسِدَةً لَمْ يَأْمُرْ بِالإمْساكِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، ولا رَتَّبَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أحْكامِ النِّكاحِ، ولَمْ يَنُصَّ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ الإسْلامِ عَلى بُطْلانِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقُولَ ذَلِكَ.

الإخلاص 112:1

(لطيفة) وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فهو توحيد منه لنفسه، وأمر للمخاطب بتوحيده. فإذا قال العبد ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ كان قد وحد الله بما وحد به نفسه وأتى بلفظة قل تحقيقا لهذا المعنى وأنه مبلغ محض قائل لما أمر بقوله والله أعلم. وهذا بخلاف قوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فإن الله لا يستعيذ من أحد وذلك عليه محال، بخلاف قوله: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فإنه خبر عن توحيده وهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد فتأمل هذه النكتة البديعة والله المستعان. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ لكمال صمديته ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ لتفرده بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره. (فصل) وَلَمّا سَألَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَقِيقَةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ: مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ وَلِذَلِكَ لَمّا سَألَ فِرْعَوْنُ مُوسى عَنْ حَقِيقَةِ رَبِّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] أجابَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾. إذْ لا وُصُولَ لِلْبَشَرِ إلى حَقِيقَةِ ذاتِهِ، فَدَلَّهم عَلى نَفْسِهِ بِصِفاتِهِ الثُّبُوتِيَّةِ؛ مِن كَوْنِهِ صَمَدًا، وصِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلثُّبُوتِ؛ مِن كَوْنِهِ " لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ " لَمْ يَجْعَلْ لَهم سَبِيلًا إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والكُنْهِ. (فصل) «وَسَألَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ سُورَةَ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَقالَ: حُبُّكَ إيّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ». وَفِي لفظ آخر «أخبروه أن الله يُحِبهُ» «وَقالَ لَهُ ﷺ رَجُلٌ: لَيْسَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ ما أتَزَوَّجُ بِهِ، قالَ: أوَلَيْسَ مَعَكَ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾؟ قالَ: بَلى، قالَ: ثُلُثُ القُرْآنِ قالَ ألَيْسَ مَعَكَ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾؟ قالَ: بَلى، قالَ: رُبْعُ القُرْآنِ قالَ ألَيْسَ مَعَكَ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾؟ قالَ: بَلى، قالَ: رُبْعُ القُرْآنِ قالَ ألَيْسَ مَعَكَ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾؟ قالَ: بَلى، قالَ: رُبْعُ القُرْآنِ. ألَيْسَ مَعَكَ آيَةُ الكُرْسِيِّ؟ قالَ: بَلى، قالَ: رُبْعُ القُرْآنِ قالَ: تَزَوَّجْ، تَزَوَّجْ، تَزَوَّجْ، ثَلاثَ مَرّاتٍ» ذَكَرَهُ أحْمَدُ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أحَدٌ، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَهَذا تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ، وشَهادَةِ الدّاعِي لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وثُبُوتِ صِفاتِهِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِاسْمِ الصَّمَدِ وهو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " العالِمُ الَّذِي كَمُلَ عِلْمُهُ، القادِرُ الَّذِي كَمُلَتْ قُدْرَتُهُ " وَفِي رِوايَةٍ عَنْهُ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ السُّؤْدُدِ " وَقالَ أبُو وائِلٍ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهى سُؤْدَدُهُ " وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وبِنَفْيِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ " وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، والتَّوَسُّلُ بِالإيمانِ بِذَلِكَ، والشَّهادَةُ بِهِ هو الِاسْمُ الأعْظَمُ. (فائدة) من مَواطِن الصَّلاة عَلَيْهِ ﷺ عند دُخُول المنزل ذكره الحافِظ أبُو مُوسى المَدِينِيّ وروى فِيهِ من حَدِيث أبي صالح بن المُهلب عَن أبي بكر بن عمران حَدثنِي مُحَمَّد بن العَبّاس بن الوَلِيد حَدثنِي عَمْرو بن سعيد حَدثنا ابْن أبي ذِئْب حَدثنِي مُحَمَّد بن عجلان عَن أبي حازِم عَن سهل بن سعد قالَ جاءَ رجل إلى النَّبِي ﷺ فَشَكا إلَيْهِ الفقر وضيق العَيْش أو المعاش فَقالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ "إذا دخلت مَنزِلك فَسلم إن كانَ فِيهِ أحد أو لم يكن فِيهِ أحد، ثمَّ سلم عَليّ واقرأ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ مرّة واحِدَة" فَفعل الرجل، فأدر الله عَلَيْهِ الرزق حَتّى أفاض على جِيرانه وقراباته. (فصل) وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ: أيُّ الصَّلاتَيْنِ آكَدُ سُنَّةُ الفَجْرِ أوِ الوِتْرُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: ولا يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ بِاخْتِلافِ الفُقَهاءِ في وُجُوبِ الوِتْرِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا أيْضًا في وُجُوبِ سُنَّةِ الفَجْرِ، وسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: سُنَّةُ الفَجْرِ تَجْرِي مَجْرى بِدايَةِ العَمَلِ، والوِتْرُ خاتَمَتُهُ. ولِذَلِكَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي سُنَّةَ الفَجْرِ والوِتْرَ بِسُورَتَيِ الإخْلاصِ وهُما الجامِعَتانِ لِتَوْحِيدِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَوْحِيدِ المَعْرِفَةِ والإرادَةِ، وتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والقَصْدِ، انْتَهى. فَسُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والمَعْرِفَةِ، وما يَجِبُ إثْباتُهُ لِلرَّبِّ تَعالى مِنَ الأحَدِيَّةِ المُنافِيَةِ لِمُطْلَقِ المُشارَكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والصَّمَدِيَّةِ المُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لا يَلْحَقُها نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ والوالِدِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ الصَّمَدِيَّةِ، وغِناهُ وأحَدِيَّتِهِ، ونَفْيِ الكُفْءِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ والتَّنْظِيرِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتَ كُلِّ كَمالٍ لَهُ، ونَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، ونَفْيَ إثْباتِ شَبِيهٍ أوْ مَثِيلٍ لَهُ في كَمالِهِ، ونَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وهَذِهِ الأُصُولُ هي مَجامِعُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ الِاعْتِقادِيِّ الَّذِي يُبايِنُ صاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلالِ والشِّرْكِ، ولِذَلِكَ كانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَدارُهُ عَلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، والإنْشاءُ ثَلاثَةٌ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإباحَةٌ. والخَبَرُ نَوْعانِ: خَبَرٌ عَنِ الخالِقِ تَعالى وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ، وخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ. فَأخْلَصَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ الخَبَرَ عَنْهُ، وعَنْ أسْمائِهِ، وصِفاتِهِ، فَعَدَلَتْ ثُلُثَ القُرْآنِ، وخَلَّصَتْ قارِئَها المُؤْمِنَ بِها مِنَ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ، كَما خَلَّصَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ الإرادِيِّ القَصْدِيِّ. ولَمّا كانَ العِلْمُ قَبْلَ العَمَلِ وهو إمامُهُ وقائِدُهُ وسائِقُهُ، والحاكِمُ عَلَيْهِ ومُنْزِلُهُ مَنازِلَهُ، كانَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. والأحادِيثُ بِذَلِكَ تَكادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ، والحَدِيثُ بِذَلِكَ في الترمذي مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَرْفَعُهُ «﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ». رَواهُ الحاكم في "المُسْتَدْرَكِ" وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ. وَلَمّا كانَ الشِّرْكُ العَمَلِيُّ الإرادِيُّ أغْلَبَ عَلى النُّفُوسِ لِأجْلِ مُتابَعَتِها هَواها، وكَثِيرٌ مِنها تَرْتَكِبُهُ مَعَ عِلْمِها بِمَضَرَّتِهِ وبُطْلانِهِ، لِما لَها فِيهِ مِن نَيْلِ الأغْراضِ، وإزالَتُهُ وقَلْعُهُ مِنها أصْعَبُ، وأشَدُّ مِن قَلْعِ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ وإزالَتِهِ، لِأنَّ هَذا يَزُولُ بِالعِلْمِ والحُجَّةِ، ولا يُمْكِنُ صاحِبُهُ أنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ، بِخِلافِ شِرْكِ الإرادَةِ والقَصْدِ، فَإنَّ صاحِبَهُ يَرْتَكِبُ ما يَدُلُّهُ العِلْمُ عَلى بُطْلانِهِ وضَرَرِهِ لِأجْلِ غَلَبَةِ هَواهُ، واسْتِيلاءِ سُلْطانِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلى نَفْسِهِ، فَجاءَ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّكْرارِ في سُورَةِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ المُتَضَمِّنَةِ لِإزالَةِ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ، ما لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ في سُورَةِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ وَلَمّا كانَ القُرْآنُ شَطْرَيْنِ: شَطْرًا في الدُّنْيا وأحْكامِها، ومُتَعَلَّقاتِها، والأُمُورِ الواقِعَةِ فِيها مِن أفْعالِ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِها، وشَطْرًا في الآخِرَةِ وما يَقَعُ فِيها، وكانَتْ سُورَةُ ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ قَدْ أُخْلِصَتْ مِن أوَّلِها وآخِرِها لِهَذا الشَّطْرِ، فَلَمْ يُذْكُرْ فِيها إلّا الآخِرَةُ وما يَكُونُ فِيها مِن أحْوالِ الأرْضِ وسُكّانِها، كانَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ، فَأحْرى بِهَذا الحَدِيثِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا - واللَّهُ أعْلَمُ - ولِهَذا كانَ يَقْرَأُ بِهاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ في رَكْعَتَيِ الطَّوافِ ولِأنَّهُما سُورَتا الإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ، كانَ يَفْتَتِحُ بِهِما عَمَلَ النَّهارِ، ويَخْتِمُهُ بِهِما، ويَقْرَأُ بِهِما في الحَجِّ الَّذِي هو شِعارُ التَّوْحِيدِ. [فَصْلٌ في التَّوْحِيدَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِما مَدارُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى] وَمِلاكُ النَّجاةِ والسَّعادَةِ والفَوْزِ بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِما مَدارُ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وبِتَحْقِيقِهِما بَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى رَسُولَهُ ﷺ، وإلَيْهِما رَغَّبَ الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ " كُلُّهم " مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ. أحَدُهُما التَّوْحِيدُ العِلْمِيُّ الخَبَرِيُّ الِاعْتِقادِيُّ المُتَضَمِّنُ إثْباتَ صِفاتِ الكَمالِ لِلَّهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ فِيها عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ. والتَّوْحِيدُ الثّانِي: عِبادَتُهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وتَجْرِيدُ مَحَبَّتِهِ، والإخْلاصُ لَهُ، وخَوْفُهُ ورَجاؤُهُ، والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، والرِّضى بِهِ رَبًّا وإلَهًا ووَلِيًّا وأنْ لا يَجْعَلَ لَهُ عَدْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. وَقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ التَّوْحِيدِ في سُورَتَيِ الإخْلاصِ وَهُما: سُورَةُ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ المُتَضَمِّنَةُ لِلتَّوْحِيدِ العَمَلِيِّ الإرادِيِّ، وسُورَةُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ المُتَضَمِّنَةُ لِلتَّوْحِيدِ الخَبَرِيِّ العِلْمِيِّ. فَسُورَةُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فِيها بَيانُ ما يَجِبُ لِلَّهِ تَعالى مِن صِفاتِ الكَمالِ، وبَيانُ ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ مِنَ النَّقائِصِ والأمْثالِ، وسُورَةُ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فِيها إيجابُ عِبادَتِهِ وحْدَهُ (لا شَرِيكَ لَهُ) والتَّبَرِّي مِن عِبادَةِ كُلِّ ما سِواهُ ولا يَتِمُّ أحَدُ التَّوْحِيدَيْنِ إلّا بِالآخَرِ ولِهَذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بِهاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ في سُنَّةِ الفَجْرِ والمَغْرِبِ والوِتْرِ اللَّتَيْنِ هُما فاتِحَةُ العَمَلِ وخاتِمَتُهُ لِيَكُونَ مَبْدَأُ النَّهارِ تَوْحِيدًا وخاتِمَتُهُ تَوْحِيدًا. فالتَّوْحِيدُ العِلْمِيُّ الخَبَرِيُّ لَهُ ضِدّانِ التَّعْطِيلُ والتَّشْبِيهُ والتَّمْثِيلُ فَمَن نَفى صِفاتِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ وعَطَّلَها كَذَّبَ تَعْطِيلُهُ تَوْحِيدَهُ، ومَن شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ ومَثَّلَهُ بِهِمْ كَذَّبَ تَشْبِيهُهُ وتَمْثِيلُهُ تَوْحِيدَهُ. والتَّوْحِيدُ الإرادِيُّ العَمَلِيُّ لَهُ ضِدّانِ: الإعْراضُ عَنْ مَحَبَّتِهِ والإنابَةِ إلَيْهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوِ الإشْراكُ بِهِ في ذَلِكَ واتِّخاذُ أوْلِيائِهِ شُفَعاءَ مِن دُونِهِ. وَقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ التَّوْحِيدَيْنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ فَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١] وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ هو الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦١]. وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٤]. (فائدة) اعلم أن من أشرف المعارف تسليط صفات السلب على أسماء الله تعالى. وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا أن تكون متضمنة لثبوت كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية. والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله، وكذلك الإخبار عنه بالسلوب هو لتضمنها ثبوتا كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ فإنه متضمن لكمال حياته وقيوميته. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ متضمن لكمال قدرته. وكذلك قوله: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ متضمن لكمال علمه. وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ متضمن لكمال صمديته وغناه. وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ متضمن لتفرده بكماله وأنه لا نظير له. (فصل) قال ابن القيم - بعد كلام -: فانظر إلى الجهمية وأتباعهم، جاءوا إلى التشبيه المذموم فأعرضوا عنه صفحا، وجاءوا إلى الكمال والمدح فجعلوه تشبيها وتمثيلا، عكس ما يثبته القرآن، وجاء به من كل وجه. ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواَ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]. هو سلب عن المخلوق مكافأته ومماثلته للخالق سبحانه، ولم يقل: ولم يكن هو كفوا لأحد، فينفي عن نفسه مشابهته للمخلوق ومكافأته له، إذ كان ذلك أبين وأظهر من أن يحتاج إلى نفيه. وسر ذلك: أن المقصود أن المخلوق لا يماثله سبحانه في شيء من صفاته وخصائصه. وأما كونه سبحانه هو لا يماثل المخلوق لا يماثل المخلوق، ولا يشابهه، ولا هو ندّ له ولا كفؤ، فليس فيه مدح له. فإنه لو مدح بعض الملوك أو غيرهم بأنه لا يشبه الحيوانات، ولا الحجارة، ولا الخشب، ونحو ذلك، لم يعد هذا مدحا، ولا ثناء عليه، ولا كمالا له بخلاف ما إذا قيل: لا تجعل للملِك ندا ولا كفؤا، ولا شبيها من رعيته، تعظمه كتعظيمه، وتطيعه كطاعته، فإنه ليس في رعيته من يساميه. ولا يماثله، ولا يكافئه: كان هذا غاية المدح. (لطيفة) قال ابن القيم: وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يومًا: سئل بعض أهل العلم أيهما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنسًا فالصابون والماء الحار أنفع له. فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟ ومن هذا الباب أن سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن ومع هذا فلا تقوم مقام آيات المواريث والطلاق والخلع والعدد ونحوها، بل هذه الآيات في وقتها وعند الحاجة إليها أنفع من تلاوة سورة الإخلاص. ولما كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء، وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه، كانت أفضل من كل من القراءة والذكر والدعاء بمفرده، لجمعها ذلك كله مع عبودية سائر الأعضاء. فهذا أصل نافع جدًا يفتح للعبد باب معرفة مراتب الأعمال وتنزيلها منازلها، لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيربح إبليس الفضل الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها إن كان ذلك وقته، فتفوته مصلحته بالكلية، لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا. وهذا يحتاج إلى معرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها، وفقه في إعطاء كل عمل منها حقه، وتنزله في مرتبته، وتفويته لما هو أهم منه، أو تفويت ما هو أولى منه وأفضل لإمكان تداركه والعود إليه، وهذا المفضول إن فات لا يمكن تداركه فالاشتغال به أولى - وهذا كترك القراءة لرد السلام وتشميت العاطس ــ وإن كان القرآن أفضل، لأنه يمكنه الاشتغال بهذا المفضول والعود إلى الفاضل، بخلاف ما إذا اشتغل بالقراءة فاتته مصلحة رد السلام وتشميت العاطس، وهكذا سائر الأعمال إذا تزاحمت. والله تعالى الموفق. [فَصْلٌ: هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ لَدْغَةِ العَقْرَبِ بِالرُّقْيَةِ] رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في " مُسْنَدِهِ "، مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، إذْ سَجَدَ فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ في أُصْبُعِهِ فانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: " لَعَنَ اللَّهُ العَقْرَبَ ما تَدَعُ نَبِيًّا ولا غَيْرَهُ "، قالَ: ثُمَّ دَعا بِإناءٍ فِيهِ ماءٌ ومِلْحٌ فَجَعَلَ يَضَعُ مَوْضِعَ اللَّدْغَةِ في الماءِ والمِلْحِ، ويَقْرَأُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ حَتّى سَكَنَتْ». فَفِي هَذا الحَدِيثِ العِلاجُ بِالدَّواءِ المُرَكَّبِ مِنَ الأمْرَيْنِ: الطَّبِيعِيِّ والإلَهِيِّ، فَإنَّ في سُورَةِ الإخْلاصِ مِن كَمالِ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ الِاعْتِقادِيِّ، وإثْباتِ الأحَدِيَّةِ لِلَّهِ، المُسْتَلْزِمَةِ نَفْيَ كُلِّ شَرِكَةٍ عَنْهُ، وإثْباتِ الصَّمَدِيَّةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِإثْباتِ كُلِّ كَمالٍ لَهُ مَعَ كَوْنِ الخَلائِقِ تَصْمُدُ إلَيْهِ في حَوائِجِها، أيْ: تَقْصِدُهُ الخَلِيقَةُ وتَتَوَجَّهُ إلَيْهِ عُلْوِيُّها وسُفْلِيُّها، ونَفْيِ الوالِدِ والوَلَدِ، والكُفْءِ عَنْهُ المُتَضَمَّنِ لِنَفْيِ الأصْلِ والفَرْعِ والنَّظِيرِ والمُماثِلِ مِما اخْتَصَّتْ بِهِ وصارَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فَفي اسْمِهِ الصَّمَدِ إثْباتُ كُلِّ الكَمالِ، وفي نَفْيِ الكُفْءِ التَّنْزِيهُ عَنِ الشَّبِيهِ والمِثالِ. وفي الأحَدِ نَفْيُ كُلِّ شَرِيكٍ لِذِي الجَلالِ، وهَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ هي مَجامِعُ التَّوْحِيدِ. وَفِي المُعَوِّذَتَيْنِ الِاسْتِعاذَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَإنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِن شَرِّ ما خَلَقَ تَعُمُّ كُلَّ شَرٍّ يُسْتَعاذُ مِنهُ، سَواءٌ كانَ في الأجْسامِ، أوِ الأرْواحِ. والِاسْتِعاذَةَ مِن شَرِّ الغاسِقِ وهو اللَّيْلُ، وآيَتِهِ وهو القَمَرُ إذا غابَ، تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعاذَةَ مِن شَرِّ ما يَنْتَشِرُ فِيهِ مِنَ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ، الَّتِي كانَ نُورُ النَّهارِ يَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ الِانْتِشارِ، فَلَمّا أظْلَمَ اللَّيْلُ عَلَيْها وغابَ القَمَرُ انْتَشَرَتْ وعاثَتْ. والِاسْتِعاذَةَ مِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعاذَةَ مِن شَرِّ السَّواحِرِ وسِحْرِهِنَّ. والِاسْتِعاذَةَ مِن شَرِّ الحاسِدِ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعاذَةَ مِنَ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ المُؤْذِيَةِ بِحَسَدِها ونَظَرِها. والسُّورَةُ الثّانِيَةُ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعاذَةَ مِن شَرِّ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ فَقَدْ جَمَعَتِ السُّورَتانِ الِاسْتِعاذَةَ مِن كُلِّ شَرٍّ، ولَهُما شَأْنٌ عَظِيمٌ في الِاحْتِراسِ والتَّحَصُّنِ مِنَ الشُّرُورِ قَبْلَ وُقُوعِها، ولِهَذا أوْصى النَّبِيُّ ﷺ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ بِقِراءَتِهِما عَقِبَ كُلِّ صَلاةٍ، ذَكَرَهُ الترمذي في " جامِعِهِ " وفي هَذا سِرٌّ عَظِيمٌ في اسْتِدْفاعِ الشُّرُورِ مِنَ الصَّلاةِ إلى الصَّلاةِ. وقالَ: ما تَعَوَّذَ المُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِما. وقَدْ ذَكَرَ أنَّهُ ﷺ سُحِرَ في إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، وأنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِما، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً مِنهُما انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، حَتّى انْحَلَّتِ العُقَدُ كُلُّها، وكَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ.

الفلق 113:1

روى مسلم في صحيحه من حديث قيس بن حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: أعوذ برب الفلق. أعوذ برب الناس». وفي لفظ آخر من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن عقبة: أن رسول الله ﷺ قال له «ألا أخبرك بأفضل ما تعوّذ به المتعوذون؟ قلت: بلى. قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس». وفي الترمذي: حدثنا قتيبة أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة» وقال: هذا حديث غريب. وفي الترمذي والنسائي وسنن أبي داود. عن عبد الله بن حبيب قال: «خرجنا في ليلة مطر وظلمة، نطلب النبي ﷺ ليصلّي لنا، فأدركناه، فقال: قل. فلم أقل شيئا. ثم قال: قل. فلم أقل شيئا. ثم قال: قل. قلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل: قل هو الله أحد والمعوذتين، حين تمسي وحين تصبح، ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضا: من حديث الجريري عن أبي هريرة عن أبي سعيد قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان. فلما نزلتا أخذهما وترك ما سواهما» قال: وفي الباب عن أنس. وهذا حديث غريب. وفي الصحيحين عن عائشة «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه. وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به». قلت: هكذا رواه يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة. ذكره البخاري. ورواه مالك عن الزهري عن عروة عنها «أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث. فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيده، رجاء بركتها» وكذلك قال معمر عن الزهري عن عروة عنها «أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها. فسألت ابن شهاب: كيف كان ينفث؟ قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه» ذكره البخاري أيضا. وهذا هو الصواب: أن عائشة كانت تفعل ذلك. والنبي ﷺ لم يأمرها ولم يمنعها من ذلك. وأما أن يكون استرقى وطلب منها أن ترقيه فلا ولعل بعض الرواة رواه بالمعنى. فظن أنها لما فعلت ذلك وأقرها النبي ﷺ: أنه كان يأمرها. وفرق بين الأمرين. ولا يلزم من كون النبي ﷺ قد أقرها على رقيته أن يكون هو مسترقيا. فليس أحدهما بمعنى الآخر. ولعل الذي كان يأمرها به: إنما هو المسح على نفسه بيده. فيكون هو الراقي لنفسه ويده لما ضعفت عن التنقل على سائر بدنه أمرها أن تنقلها على بدنه. ويكون هذا غير قراءتها هي عليه، ومسحها على بدنه. فكانت تفعل هذا وهذا. والذي أمرها به إنما هو نقل يده لا رقيته. والله أعلم. والمقصود: الكلام على هاتين السورتين. وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما. وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرا خاصا في دفع السحر والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس، فنقول والله المستعان: قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول. وهي أصول الاستعاذة. أحدها: نفس الاستعاذة. والثانية: المستعاذ به. والثالثة: المستعاذ منه. فبمعرفة ذلك تعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين. فنعقد لهما ثلاثة فصول: الفصل الأول: في الاستعاذة. والثاني: في المستعاذ به. والثالث في المستعاذ منه. (الفصل الأول) اعلم أن لفظة «عاذ» وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والنجاة. وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذا، كما يسمى: ملجأ ووزرا. وفي الحديث «أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ فوضع يده عليها، قالت: أعوذ بالله منك. فقال لها. لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك». فمعنى «أعوذ» ألتجئ وأعتصم، وأتحرز. وفي أصله قولان. أحدها: أنه مأخوذ من الستر. والثاني: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة. فأما من قال: إنه من الستر فقال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها «عوّذ» بضم العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها: سموه عوّذا. فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجنّ به منه. ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلّص منه «عوّذ» لأنه اعتصم به، واستمسك به. فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه. والقولان حق. والاستعاذة تنتظمهما معا. فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك به، معتصم به. قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفا وقصده به، فهرب منه. فعرض له أبوه في طريق هربه. فإنه يلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك. فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه. وبعد، فمعنى الاستعاذة القائم بقلب المؤمن وراء هذه العبارات. وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصام، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه: أمر لا تحيط به العبارة. ونظير هذا: التعبير عن معنى محبته وخشيته، وإجلاله ومهابته. فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، ولا تدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الوصف والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنّين لم تخلق له شهوة أصلا، فمهما قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به، لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه. فإذا وصفتها لمن خلقت الشهوة فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق. وأصل هذا الفعل: «أعوذ» بتسكين العين وضم الواو، ثم أعلّ بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو. فقالوا: أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله، فقالوا في اسم الفاعل: عائذ. وأصله: عاوذ. فوقعت الواو بعد ألف فاعل، فقلبوها همزة، كما قالوا: قائم، وخائف. وقالوا في المصدر: عياذا بالله. وأصله: عواذا كلوذ، فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها، ولم تحصنها حركتها. لأنها قد ضعفت بإعلالها في العمل. وقالوا: مستعيذ. وأصله: مستعوذ، كمستخرج، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، فلما كسرت العين قبلت قبلها كسرة، فقلبت ياء على أصل الباب. فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل، كقوله: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ولم تدخل في الماضي والمضارع، بل الأكثر أن يقال: أعوذ بالله، وتعوّذت، دون أستعيذ، واستعذت؟ قلت: السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: أستعيذ بالله، أي أطلب العياذ به. كما إذا قلت: أستخير الله: أي أطلب خيرته، وأستغفره. أي أطلب مغفرته. وأستقيله. أي أطلب إقالته. فدخلت في الفعل إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ. فإذا قال المأمور: أعوذ بالله. فقد امتثل ما طلب منه. لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام. وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام، وبين طلب ذلك. فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما بالله، أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله. وهذا بخلاف ما إذا قيل: استغفر الله. فقال: أستغفر الله. فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من الله. فإذا قال: أستغفر الله، كان ممتثلا. لأن المعنى: أطلب من الله أن يغفر لي. وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين والتاء، فيقول: أستعيذ بالله. أي أطلب منه أن يعيذني. ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه. فالأول: مخبر عن حاله وعياذه بربه. وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه. والثاني: طالب سائل من ربه أن يعيذه. كأنه يقول: أطلب منك أن تعيذني. فحال الأول أكمل. ولهذا جاء عن النبي ﷺ في امتثال هذا الأمر «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». و «أعوذ بكلمات الله التامات». و «أعوذ بعزة الله وقدرته» دون: أستعيذ، بل الذي علمه الله إياه أن يقول: أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ دون أستعيذ. فتأمل هذه الحكمة البديعة. فإن قلت: فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به، فقال: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ ومعلوم أنه إذا قيل: قل الحمد لله، وقل: سبحان الله فإن امتثاله أن يقول: الحمد لله، وسبحان الله، ولا يقول: قل سبحان الله. قلت: هذا هو السؤال الذي أورده أبيّ بن كعب على النبي ﷺ بعينه، وأجابه عنه رسول الله ﷺ. فقد قال البخاري في صحيحه. حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم وعبدة عن زرّ بن حبيش قال: «سألت أبيّ بن كعب عن المعوذتين؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ؟ فقال. قيل لي، فقلت. فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ» ثم قال: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش. وحدثنا عاصم عن زر قال «سألت أبيّ بن كعب. قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال: إني سألت رسول الله ﷺ؟ فقال: قيل لي، فقلت: قل. فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ». قلت: مفعول القول محذوف، وتقديره: قيل لي قل، أو قيل لي هذا اللفظ. فقلت كما قيل لي. وتحت هذا من السر: أن النبي ﷺ ليس له في القرآن إلا إبلاغه، لا أنه هو أنشأه من قبل نفسه، بل هو المبلغ له عن الله. وقد قال الله له: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ فكان مقتضى البلاغ التام أن يقول: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ كما قال الله. وهذا هو المعنى الذي أشار النبي ﷺ إليه بقوله «قيل لي، فقلت» أي إني لست مبتدئا، بل أنا مبلغ، أقول كما يقال لي، وأبلغ كلام ربي كما أنزله إليّ. فصلوات الله وسلامه عليه، لقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وقال كما قيل له. فكفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول: هذا القرآن العربي وهذا النظم كلامه ابتدأ هو به. ففي هذا الحديث أبين الرد لهذا القول، وأنه ﷺ بلغ القول الذي أمر بتبليغه على وجهه ولفظه، حتى إنه لما قيل له «قل» قال هو «قل» لأنه مبلغ محض. وما على الرسول إلا البلاغ. (الفصل الثاني) في المستعاذ. وهو الله وحده، رب الفلق. ورب الناس، ملك الناس، إله الناس. الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين، ويعصمهم. ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره. وقد أخبر تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه: أن استعاذته زادته طغيانا ورهقا. فقال حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ جاء في التفسير: أنه «كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قفر، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. فيبيت في أمن وجوار منهم، حتى يصبح» أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقا أي طغيانا وإثما وشرا. يقولون: سدنا الانس والجن. و «الرهق» في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم. فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانا لما كان محظورا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن. واحتج أهل السنة على المعتزلة، في أن كلمات الله غير مخلوقة: بأن النبي ﷺ استعاذ بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات» وهو ﷺ لا يستعيذ بمخلوق أبدا. ونظير ذلك: قوله: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق. وكذلك قوله: «أعوذ بعزة الله وقدرته» وقوله: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» وما استعاذ به النبي ﷺ غير مخلوق، فإنه لا يستعيذ إلا بالله، أو بصفة من صفاته. وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب، والملك، والإله. وجاءت الربوبية فيهما مضافة إلى الفلق، وإلى الناس. ولا بد من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة. ويقتضى دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها. وقد قررنا في مواضع متعددة: أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى. فيسأل لكل مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه. وقد قال النبي ﷺ في هاتين السورتين «أنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» فلا بد أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيا للمطلوب. وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه. وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث. وهو الشيء المستعاذ منه. فتتبين المناسبة المذكورة. فنقول: (الفصل الثالث) في أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين. الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها. فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه. ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها. وهو أعظم الشرين وأدومهما، وأشدهما اتصالا بصاحبه. وإما شر واقع به من غيره. وذلك الغير إما مكلف أو غير مكلف، والمكلف إما نظيره، وهو الإنسان، أو ليس نظيره، وهو الجني. وغير المكلف: مثل الهوام وذوات الحمة «١» وغيرها. فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه، وأدله على المراد، وأعمه استعاذة، بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما. فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة. أحدها: شر المخلوقات التي لها شر عموما. الثاني: شر الغاسق إذا وقب. الثالث: شر النفاثات في العقد. الرابع شر الحاسد إذا حسد. فنتكلم على هذه الشرور الأربعة ومواقعها واتصالها بالعبد، والتحرز منها قبل وقوعها، وبماذا تدفع بعد وقوعها؟ وقبل الكلام في ذلك لا بد من بيان الشر: ما هو؟ وما حقيقته؟ فنقول: الشر. يقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضى إليه. وليس له مسمى سوى ذلك. فالشرور: هي الآلام وأسبابها. فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم: هي شرور، وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض ولذة، لكنها شرور. لأنها أسباب للآلام، ومفضية إليها، كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها. فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار، والخنق بالحبل، وغير ذلك من الأسباب التي تكون مفضية إلى مسبباتها، ولا بد، ما لم يمنع من السبية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه وأشد اقتضاء لضده، كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظم الحسنات الماحية وكثرتها. فيزيد في كميتها أو كيفيتها على أسباب العذاب. فيدفع الأقوى الأضعف. وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة، كأسباب الصحة والمرض، وأسباب الضعف والقوة. والمقصود: أن هذه الأسباب التي فيها لذة مّا هي شر، وإن نالت بها النفس مسرة عاجلة. وهي بمنزلة طعام لذيذ شهي لكنه مسموم، إذا تناوله الآكل لذّ لأكله وطاب له مساغه، وبعد قليل يفعل به ما يفعل. فهكذا المعاصي والذنوب ولا بد، حتى لو لم يخبر الشارع بذلك لكان الواقع والتجربة والخاصة والعامة من أكبر شهوده. وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته؟ فإن الله إذا أنعم على عبد نعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾. ﴿ذلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾. ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم، وجد سبب ذلك جميعه: إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله. وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم من نعمه. وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب، كما قيل: ؎إذا كنت في نعمة فارعها ∗∗∗ فإن المعاصي تزيل النعم فما حفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته. ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره. ولا زالت عن العبد نعمة بمثل معصيته لربه. فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس. ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له. والمقصود: أن هذه الأسباب شرور ولا بد. وأما كون مسبباتها شرورا: فلأنها آلام نفسية وبدنية. فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والحسرات. ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حق التفطن لأعطاه حقه من الحذر والجد في الهرب. ولكن قد ضرب على قلبه حجاب الغفلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فلو تيقظ حق التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا، حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من الله. وإنما يظهر له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم، والإشراف والاطلاع على عالم البقاء فحينئذ يقول: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ و ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾. ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها، كانت استعاذات النبي ﷺ جميعها مدارها على هذين الأصلين. فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضى إليه، فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع. وأمر بالاستعاذة منهن وهي: «عذاب القبر، وعذاب النار» فهذان أعظم المؤلمات «وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال» وهذان سبب العذاب المؤلم. فالفتنة سبب العذاب. وذكر الفتنة خصوصا. وذكر نوعي الفتنة. لأنها إما في الحياة وإما بعد الموت. ففتنة الحياة: قد يتراخى عنها العذاب مدة، وأما فتنة بعد الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ. فعادت الاستعاذة إلى الاستعاذة من الألم والعذاب وأسبابها. وهذا من آكد أدعية الصلاة، حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يدع به في التشهد الأخير. وأوجبه ابن حزم في كل تشهد. فإن لم يأت به فيه بطلت صلاته. ومن ذلك قوله ﷺ «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال» فاستعاذ من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان. فالهم والحزن قرينان، وهما من آلام الروح ومعذّباتها. والفرق بينهما: أن الهم توقع الشر في المستقبل. والحزن: هو التألم على حصول المكروه في الماضي، أو فوات المحبوب، وكلاهما تألم وعذاب يرد على الروح. فإن تعلق بالماضي سمي حزنا. وإن تعلق بالمستقبل سمى همّا. والعجز والكسل قرينان، وهما من أسباب الألم. لأنهما يستلزمان فوات المحبوب. فالعجز يستلزم عدم القدرة. والكسل يستلزم عدم إرادته. فتتألم الروح لفواته بحسب تعلقها به، والتذاذها بإدراكه لو حصل. والجبن والبخل قرينان. لأنهما عدم النفع بالمال والبدن. وهما من أسباب الألم. لأن الجبان تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة، لا تنال إلا بالبذل والشجاعة. والبخل يحول بينه وبينها. فهذان الخلقان من أعظم أسباب الآلام. وضلع الدين، وقهر الرجال: قرينان. وهما مؤلمان للنفس معذبان لها. أحدهما: قهر بحق، وهو ضلع الدين. والثاني: قهر بباطل، وهو غلبة الرجال. وأيضا: فضلع الدين. قهر بسبب من العبد في الغالب. وغلبة الرجال قهر بغير اختياره. ومن ذلك تعوذه ﷺ «من المأثم والمغرم» فإنهما يسببان الألم العاجل. ومن ذلك قوله: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» فالسخط: سبب الألم، والعقوبة: هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام وأقوى أسبابها. (فصل) والشر المستعاذ منه نوعان. أحدهما: موجود، يطلب رفعه. والثاني: معدوم، يطلب بقاؤه على العدم، وأن لا يوجد. كما أن الخير المطلق نوعان. أحدهما: موجود فيطلب دوامه وثباته وأن لا يسلبه. والثاني: معدوم فيطلب وجوده وحصوله. فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين. وعليها مدار طلباتهم. وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران في قولهم: رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ: أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم. فَآمَنّا، رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا فهذا الطلب لدفع الشر الموجود. فإن الذنوب والسيئات شر، كما تقدم بيانه. ثم قال: وَتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه. فهذان قسمان. ثم قال: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه. ثم قال: ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم، وهو خزي يوم القيامة. فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة ودوام الإسلام إلى الموت. ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة، وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله، وأن لا يخزيهم يوم القيامة. فإذا عرف هذا. فقوله ﷺ في تشهد الخطبة «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا» يتناول الاستعاذة من شر النفس، الذي هو معدوم لكنه فيها بالقوة. فيسأل دفعه وأن لا يوجد. وأما قوله: «من سيئات أعمالنا» ففيه قولان. أحدهما: أنه استعاذة من الأعمال السيئة التي قد وجدت. فيكون الحديث قد تناول نوعي الاستعاذة من الشر المعدوم الذي لم يوجد، ومن الشر الموجود. فطلب دفع الأول ورفع الثاني. والقول الثاني: أن سيئات الأعمال هي عقوباتها وموجباتها السيئة التي تسوء صاحبها. وعلى هذا يكون من استعاذة الدفع أيضا دفع المسبب. والأول دفع السبب. فيكون قد استعاذ من حصول الألم وأسبابه. وعلى الأول: تكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى جنسه. فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها. وعلى الأول: تكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى جنسه. فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها. وعلى الثاني: تكون من باب إضافة المسبب إلى سببه، والمعلول إلى علته. كأنه قال: من عقوبة عملي. والقولان محتملان. فتأمل أيهما أليق بالحديث وأولى به. فإن مع كل واحد منهما نوعا من الترجيح. فيترجح الأول بأن منشأ الأعمال السيئة من شر النفس. فشر النفس يولد الأعمال السيئة، فاستعاذ من صفة النفس، ومن الأعمال التي تحدث عن تلك الصفة. وهذان جماع الشر، وأسباب كل ألم. فمتى عوفي منهما عوفي من الشر بحذافيره. ويترجح الثاني: بأن سيئات الأعمال هي العقوبات التي تسوء العامل، وأسبابها شر النفس، فاستعاذ من العقوبات والآلام وأسبابها. والقولان في الحقيقة متلازمان. والاستعاذة من أحدهما تستلزم الاستعاذة من الآخر. (فصل) ولما كان الشر له سبب: هو مصدره، وله مورد ومنتهى. وكان السبب إما من ذات العبد، وإما من خارج. ومورده ومنتهاه إما نفسه وإما غيره: كان هنا أربعة أمور: شر مصدره من نفسه، ويعود على نفسه تارة، وعلى غيره أخرى. وشر مصدره من غيره، وهو السبب فيه. ويعود على نفسه تارة، وعلى غيره أخرى - جمع النبي ﷺ هذه المقامات الأربعة في الدعاء الذي علمه الصديق رضي الله عنه: أن يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه «اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ربّ كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن اقترف على نفسي سوءا، أو أجرّه إلى مسلم» فذكر مصدري الشر، وهما النفس والشيطان وذكر مورديه ونهايتيه وهما عوده على النفس، أو على أخيه المسلم. فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز لفظ وأحضره وأجمعه وأبينه. (فصل) فإذا عرف هذا فلنتكلم على الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين. الشر الأول: العام في قوله مِن شَرِّ ما خَلَقَ و «ما» هاهنا موصولة ليس إلا. والشر مسند في الآية إلى المخلوق المفعول، لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو فعله وتكوينه، فإنه لا شرفيه بوجه ما. فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى. فإن ذاته لها الكمال المطلق، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق والجلال التام، ولا عيب فيها ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة، لا شر فيها أصلا، ولو فعل الشر سبحانه لاشتق له منه اسم، ولم تكن أسماؤه كلها حسنى، ولعاد إليه منه حكم، تعالى ربنا وتقدس عن ذلك. وما يفعله من العدل بعباده، وعقوبة من يستق العقوبة منهم: هو خير محض إذ هو محض العدل والحكمة، وإنما يكون شرا بالنسبة إليهم. فالشر وقع في تعلقه بهم وقيامه بهم، لا في فعله القائم به تعالى. ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة فإنه خالق الخير والشر. ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على بال. أحدهما: أن ما هو شر، أو متضمن للشر، فإنه لا يكون إلا مفعولا منفصلا لا يكون وصفا له، ولا فعلا من أفعاله. الثاني: أن كونه شرا هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب وتكوينه به، وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه. فله وجهان، هو من أحدهما خير، وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقا وتكوينا ومشيئة، لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها، وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها، فضلا عن حقيقتها، فيكفيهم الإيمان المجمل بأن الله سبحانه هو الغني الحميد، وفاعل الشر لا يفعله إلا لحاجته المنافية لغناه، أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده. فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلا. وإن كان هو الخالق للخير والشر. فقد عرفت أن كونه شرا هو أمر إضافي، وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى خالقه ومبدعه. فلا تغفل عن هذا الموضع فإنه يفتح لك بابا عظيما من معرفة الرب ومحبته. ويزيل عنك شبهات حارت فيها عقول أكثر الفضلاء. وقد بسطت هذا في كتاب «التحفة المكية» وكتاب «الفتح القدسي» وغيرهما. وإذا أشكل عليك هذا فأنا أوضحه لك بأمثلة. أحدهما: أن السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم، ودفع الضرر عنهم، وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرا وحكما، لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عموما بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضرّ بهم. فهو محمود على حكمه بذلك، وأمره به مشكور عليه يستحق عليه الحمد من عباده، والثناء عليه والمحبة له. وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرماتهم، وجلد من يصول عليهم في أعراضهم. فإذا كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم فكيف عقوبة من يصول على أديانهم، ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث الله به رسله وجعله سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به؟ أفليس في عقوبة هذا الصائل خير محض، وحكمة وعدل، وإحسان إلى العبيد؟ وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي. فالشر: ما قام به من تلك العقوبة. وأما ما نسب إلى الرب منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة. فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم. والسر الذي يطلعك على مسألة القدر ويفتح لك الطريق إلى الله، ومعرفة حكمته ورحمته، وإحسانه إلى خلقه، وأنه سبحانه: كما أنه البر الرحيم الودود المحسن، فهو الحكيم الملك العدل، فلا تناقض حكمته رحمته. بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا أن يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته. ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله: إن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء، ولا فرق أصلا، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة. وتأمل القرآن من أوله إلى آخره كيف تجده كفيلا بالرد على هذه المقالة، وإنكارها أشد الإنكار، وتنزيه الرب نفسه عنها، كقوله تعالى: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وقوله: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وقوله: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ فأنكر سبحانه على من ظن به هذا الظن السيئ، ونزه نفسه عنه. فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة: أن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزته وإلهيته لا إله إلا هو، تعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرا. وقد فطر الله عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة والإحسان، ومكافأة الصنع الجميل بمثلة وزيادة. فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار، واستهجنته أعظم الاستهجان. وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام في موضع العقوبة والانتقام، كما إذا جاء إلى من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ودمائهم، فأكرمه غاية الإكرام، ورفعه وكرمه. فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا، وتشهد على سفه من فعله. هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها. فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة، وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها، وأحقها بالعقوبة؟ وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها، ولم تلق، ولظهرت مناقضة الحكمة، كما قال الشاعر: ؎نعمة الله لا تعاب، ولكن ∗∗∗ ربما استقبحت على أقوام فهكذا نعم الله لا تليق ولا تحسن ولا تجمل بأعدائه الصادين عن سبيله الساعين في خلاف مرضاته، الذين يرضون إذا غضب، ويغضبون إذا رضي، ويعطلون ما حكم به، ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره، والحكم لغيره، والطاعة لغيره. فهم مضادون له في كل ما يريد، يحبون ما يبغضه، ويدعون إليه. ويبغضون ما يحبه وينفرون عنه، ويوالون أعداءه وأبغض الخلق إليه، ويظاهرونهم عليه وعلى رسوله: كما قال تعالى: ٢٥: ٥٥ وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا وقال: ١٨: ٥٠ وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ، فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ. أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي، وهم لَكم عَدُوٌّ؟ فتأمل ما تحت هذا الخطاب الذي يسلب الأرواح حلاوة وعقابا وجلالة وتهديدا كيف صدره باخبارنا: أنه أمر إبليس بالسجود لأبينا فأبى ذلك، فطرده ولعنه، وعاداه من أجل إبائه عن السجود لأبينا، ثم أنتم توالونه من دوني. وقد لعنته وطردته، إذ لم يسجد لأبيكم، وجعلته عدوا لكم ولأبيكم، فواليتموه وتركتموني. أفليس هذا من أعظم الغبن، وأشد الحسرة عليكم؟ ويوم القيامة يقول تعالى «أليس عدلا مني أن أولّي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا؟». فليعلمن أولياء الشيطان: كيف حالهم يوم القيامة: إذا ذهبوا مع أوليائهم، وبقي أولياء الرحمن لم يذهبوا مع أحد فيتجلى لهم ويقول «ألا تذهبون حيث ذهب الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم، وإنما ننتظر ربنا الذي كنا نتولاه ونعبده. فيقول: هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، إنه لا مثل له. فيتجلى لهم ويكشف عن ساق، فيخرون له سجدا». فيا قرة عيون أوليائه بتلك الموالاة، ويا فرحهم إذا ذهب الناس مع أوليائهم، وبقوا مع مولاهم الحق. فسيعلم المشركون به الصادون عن سبيله أنهم ما كانوا أولياءه ٨: ٣٤ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ. ولكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ. ولا تستطل هذا البسط فما أحوج القلوب إلى معرفته وتعقله، ونزولها منه منازلها في الدنيا لتنزل في جوار ربها في الآخرة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. (فصل) إذا عرفت هذا عرفت معنى قوله ﷺ في الحديث الصحيح «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك» وأن معناه أجل وأعظم من قول من قال: والشر لا يتقرب به إليك، وقول من قال: والشر لا يصعد إليك، وأن هذا الذي قالوه - وإن تضمن تنزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب به إليه - فلا يتضمن تنزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر. بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدق. فإنه يتضمن تنزيهه في ذاته تبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بوجه ما، لا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه. وإن دخل في مخلوقاته كقوله: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ. مِن شَرِّ ما خَلَقَ. وتأمل طريقة القرآن في إضافة الشر تارة إلى سببه ومن قام به. كقوله: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وقوله: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ وقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ وقوله: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ وهو في القرآن أكثر من أن يذكر هاهنا عشر معشاره. وإنما المقصود التمثيل. وتارة بحذف فاعله. كقوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ فحذفوا فاعل الشر ومريده، وصرحوا بمريد الرشد. ونظيره في الفاتحة: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فذكر النعمة مضافة إليه سبحانه، والضلال منسوبا إلى من قام به، والغضب محذوفا فاعله. ومثله قول الخضر في السفينة ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ وفي الغلامين ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما، ويَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ ومثله قوله: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ فنسب هذا التزيين المحبوب إليه. وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ فحذف الفاعل المزين. ومثله قول الخليل ﷺ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ. والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ. وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ. والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فنسب إلى ربه كل كمال من هذه الأفعال، ونسب إلى نفسه النقص منها، وهو المرض والخطيئة. وهذا كثير في القرآن ذكرنا منه أمثلة كثيرة في كتاب الفوائد المكية وبينا هناك السر في مجيء ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ ﴿والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ والفرق بين الموضعين، وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعا في سياق المدح. وحيث حذفه كان من أوتيه واقعا في سياق الذم أو منقسما. وذلك من أسرار القرآن. ومثله ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وقال: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ وقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدْنى﴾. وبالجملة: فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة، وعدل. والشر ليس إليه. (فصل) وقد دخل في قوله تعالى: «من شر ما خلق» الاستعاذة من كل شر في أي مخلوق قام به الشر: من حيوان، أو غيره، إنسيا كان أو جنيا، أو هامة أو دابة أو ريحا، أو صاعقة، أي نوع كان من أنواع البلاء. فإن قلت: فهل في «ما» هاهنا عموم؟ قلت: فيها عموم تقييدي وصفي، لا عموم إطلاقي. والمعنى: من شر كل مخلوق فيه شر. فعمومها من هذا الوجه. وليس المراد الاستعاذة من شر كل ما خلقه الله. فإن الجنة وما فيها ليس فيها شر. وكذلك الملائكة والأنبياء فإنهم خير محض. والخير كله حصل على أيديهم، فالاستعاذة من شر ما خلق: تعم شر كل مخلوق فيه شر. وكل شر في الدنيا والآخرة، وشر شياطين الإنس والجن وشر السباع والهوام، وشر النار والهواء، وغير ذلك. وفي الصحيح: عن النبي ﷺ أنه قال: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم يضره شيء، حتى يرتحل منه» رواه مسلم. وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدبّ عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد». وفي الحديث الآخر «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر: من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما نزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن». [فَصْلٌ: شُرُوطُ الدُّعاءِ المُسْتَجابِ] والأدْعِيَةُ والتَّعَوُّذاتُ بِمَنزِلَةِ السِّلاحِ، والسِّلاحُ بِضارِبِهِ، لا بِحَدِّهِ فَقَطْ، فَمَتى كانَ السِّلاحُ سِلاحًا تامًّا لا آفَةَ بِهِ، والسّاعِدُ ساعِدُ قَوِيٍّ، والمانِعُ مَفْقُودٌ؛ حَصَلَتْ بِهِ النِّكايَةُ في العَدُوِّ، ومَتى تَخَلَّفَ واحِدٌ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ تَخَلَّفَ التَّأْثِيرُ، فَإنْ كانَ الدُّعاءُ في نَفْسِهِ غَيْرَ صالِحٍ، أوِ الدّاعِي لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ قَلْبِهِ ولِسانِهِ في الدُّعاءِ، أوْ كانَ ثَمَّ مانِعٌ مِنَ الإجابَةِ، لَمْ يَحْصُلِ الأثَرُ.

الفلق 113:2

روى مسلم في صحيحه من حديث قيس بن حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: أعوذ برب الفلق. أعوذ برب الناس». وفي لفظ آخر من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن عقبة: أن رسول الله ﷺ قال له «ألا أخبرك بأفضل ما تعوّذ به المتعوذون؟ قلت: بلى. قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس». وفي الترمذي: حدثنا قتيبة أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة» وقال: هذا حديث غريب. وفي الترمذي والنسائي وسنن أبي داود. عن عبد الله بن حبيب قال: «خرجنا في ليلة مطر وظلمة، نطلب النبي ﷺ ليصلّي لنا، فأدركناه، فقال: قل. فلم أقل شيئا. ثم قال: قل. فلم أقل شيئا. ثم قال: قل. قلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل: قل هو الله أحد والمعوذتين، حين تمسي وحين تصبح، ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضا: من حديث الجريري عن أبي هريرة عن أبي سعيد قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان. فلما نزلتا أخذهما وترك ما سواهما» قال: وفي الباب عن أنس. وهذا حديث غريب. وفي الصحيحين عن عائشة «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه. وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به». قلت: هكذا رواه يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة. ذكره البخاري. ورواه مالك عن الزهري عن عروة عنها «أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث. فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيده، رجاء بركتها» وكذلك قال معمر عن الزهري عن عروة عنها «أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها. فسألت ابن شهاب: كيف كان ينفث؟ قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه» ذكره البخاري أيضا. وهذا هو الصواب: أن عائشة كانت تفعل ذلك. والنبي ﷺ لم يأمرها ولم يمنعها من ذلك. وأما أن يكون استرقى وطلب منها أن ترقيه فلا ولعل بعض الرواة رواه بالمعنى. فظن أنها لما فعلت ذلك وأقرها النبي ﷺ: أنه كان يأمرها. وفرق بين الأمرين. ولا يلزم من كون النبي ﷺ قد أقرها على رقيته أن يكون هو مسترقيا. فليس أحدهما بمعنى الآخر. ولعل الذي كان يأمرها به: إنما هو المسح على نفسه بيده. فيكون هو الراقي لنفسه ويده لما ضعفت عن التنقل على سائر بدنه أمرها أن تنقلها على بدنه. ويكون هذا غير قراءتها هي عليه، ومسحها على بدنه. فكانت تفعل هذا وهذا. والذي أمرها به إنما هو نقل يده لا رقيته. والله أعلم. والمقصود: الكلام على هاتين السورتين. وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما. وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرا خاصا في دفع السحر والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس، فنقول والله المستعان: قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول. وهي أصول الاستعاذة. أحدها: نفس الاستعاذة. والثانية: المستعاذ به. والثالثة: المستعاذ منه. فبمعرفة ذلك تعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين. فنعقد لهما ثلاثة فصول: الفصل الأول: في الاستعاذة. والثاني: في المستعاذ به. والثالث في المستعاذ منه. (الفصل الأول) اعلم أن لفظة «عاذ» وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والنجاة. وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذا، كما يسمى: ملجأ ووزرا. وفي الحديث «أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ فوضع يده عليها، قالت: أعوذ بالله منك. فقال لها. لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك». فمعنى «أعوذ» ألتجئ وأعتصم، وأتحرز. وفي أصله قولان. أحدها: أنه مأخوذ من الستر. والثاني: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة. فأما من قال: إنه من الستر فقال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها «عوّذ» بضم العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها: سموه عوّذا. فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجنّ به منه. ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلّص منه «عوّذ» لأنه اعتصم به، واستمسك به. فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه. والقولان حق. والاستعاذة تنتظمهما معا. فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك به، معتصم به. قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفا وقصده به، فهرب منه. فعرض له أبوه في طريق هربه. فإنه يلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك. فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه. وبعد، فمعنى الاستعاذة القائم بقلب المؤمن وراء هذه العبارات. وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصام، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه: أمر لا تحيط به العبارة. ونظير هذا: التعبير عن معنى محبته وخشيته، وإجلاله ومهابته. فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، ولا تدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الوصف والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنّين لم تخلق له شهوة أصلا، فمهما قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به، لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه. فإذا وصفتها لمن خلقت الشهوة فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق. وأصل هذا الفعل: «أعوذ» بتسكين العين وضم الواو، ثم أعلّ بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو. فقالوا: أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله، فقالوا في اسم الفاعل: عائذ. وأصله: عاوذ. فوقعت الواو بعد ألف فاعل، فقلبوها همزة، كما قالوا: قائم، وخائف. وقالوا في المصدر: عياذا بالله. وأصله: عواذا كلوذ، فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها، ولم تحصنها حركتها. لأنها قد ضعفت بإعلالها في العمل. وقالوا: مستعيذ. وأصله: مستعوذ، كمستخرج، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، فلما كسرت العين قبلت قبلها كسرة، فقلبت ياء على أصل الباب. فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل، كقوله: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ولم تدخل في الماضي والمضارع، بل الأكثر أن يقال: أعوذ بالله، وتعوّذت، دون أستعيذ، واستعذت؟ قلت: السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: أستعيذ بالله، أي أطلب العياذ به. كما إذا قلت: أستخير الله: أي أطلب خيرته، وأستغفره. أي أطلب مغفرته. وأستقيله. أي أطلب إقالته. فدخلت في الفعل إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ. فإذا قال المأمور: أعوذ بالله. فقد امتثل ما طلب منه. لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام. وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام، وبين طلب ذلك. فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما بالله، أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله. وهذا بخلاف ما إذا قيل: استغفر الله. فقال: أستغفر الله. فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من الله. فإذا قال: أستغفر الله، كان ممتثلا. لأن المعنى: أطلب من الله أن يغفر لي. وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين والتاء، فيقول: أستعيذ بالله. أي أطلب منه أن يعيذني. ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه. فالأول: مخبر عن حاله وعياذه بربه. وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه. والثاني: طالب سائل من ربه أن يعيذه. كأنه يقول: أطلب منك أن تعيذني. فحال الأول أكمل. ولهذا جاء عن النبي ﷺ في امتثال هذا الأمر «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». و «أعوذ بكلمات الله التامات». و «أعوذ بعزة الله وقدرته» دون: أستعيذ، بل الذي علمه الله إياه أن يقول: أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ دون أستعيذ. فتأمل هذه الحكمة البديعة. فإن قلت: فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به، فقال: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ ومعلوم أنه إذا قيل: قل الحمد لله، وقل: سبحان الله فإن امتثاله أن يقول: الحمد لله، وسبحان الله، ولا يقول: قل سبحان الله. قلت: هذا هو السؤال الذي أورده أبيّ بن كعب على النبي ﷺ بعينه، وأجابه عنه رسول الله ﷺ. فقد قال البخاري في صحيحه. حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم وعبدة عن زرّ بن حبيش قال: «سألت أبيّ بن كعب عن المعوذتين؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ؟ فقال. قيل لي، فقلت. فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ» ثم قال: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش. وحدثنا عاصم عن زر قال «سألت أبيّ بن كعب. قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال: إني سألت رسول الله ﷺ؟ فقال: قيل لي، فقلت: قل. فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ». قلت: مفعول القول محذوف، وتقديره: قيل لي قل، أو قيل لي هذا اللفظ. فقلت كما قيل لي. وتحت هذا من السر: أن النبي ﷺ ليس له في القرآن إلا إبلاغه، لا أنه هو أنشأه من قبل نفسه، بل هو المبلغ له عن الله. وقد قال الله له: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ فكان مقتضى البلاغ التام أن يقول: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ كما قال الله. وهذا هو المعنى الذي أشار النبي ﷺ إليه بقوله «قيل لي، فقلت» أي إني لست مبتدئا، بل أنا مبلغ، أقول كما يقال لي، وأبلغ كلام ربي كما أنزله إليّ. فصلوات الله وسلامه عليه، لقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وقال كما قيل له. فكفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول: هذا القرآن العربي وهذا النظم كلامه ابتدأ هو به. ففي هذا الحديث أبين الرد لهذا القول، وأنه ﷺ بلغ القول الذي أمر بتبليغه على وجهه ولفظه، حتى إنه لما قيل له «قل» قال هو «قل» لأنه مبلغ محض. وما على الرسول إلا البلاغ. (الفصل الثاني) في المستعاذ. وهو الله وحده، رب الفلق. ورب الناس، ملك الناس، إله الناس. الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين، ويعصمهم. ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره. وقد أخبر تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه: أن استعاذته زادته طغيانا ورهقا. فقال حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ جاء في التفسير: أنه «كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قفر، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. فيبيت في أمن وجوار منهم، حتى يصبح» أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقا أي طغيانا وإثما وشرا. يقولون: سدنا الانس والجن. و «الرهق» في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم. فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانا لما كان محظورا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن. واحتج أهل السنة على المعتزلة، في أن كلمات الله غير مخلوقة: بأن النبي ﷺ استعاذ بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات» وهو ﷺ لا يستعيذ بمخلوق أبدا. ونظير ذلك: قوله: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق. وكذلك قوله: «أعوذ بعزة الله وقدرته» وقوله: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» وما استعاذ به النبي ﷺ غير مخلوق، فإنه لا يستعيذ إلا بالله، أو بصفة من صفاته. وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب، والملك، والإله. وجاءت الربوبية فيهما مضافة إلى الفلق، وإلى الناس. ولا بد من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة. ويقتضى دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها. وقد قررنا في مواضع متعددة: أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى. فيسأل لكل مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه. وقد قال النبي ﷺ في هاتين السورتين «أنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» فلا بد أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيا للمطلوب. وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه. وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث. وهو الشيء المستعاذ منه. فتتبين المناسبة المذكورة. فنقول: (الفصل الثالث) في أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين. الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها. فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه. ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها. وهو أعظم الشرين وأدومهما، وأشدهما اتصالا بصاحبه. وإما شر واقع به من غيره. وذلك الغير إما مكلف أو غير مكلف، والمكلف إما نظيره، وهو الإنسان، أو ليس نظيره، وهو الجني. وغير المكلف: مثل الهوام وذوات الحمة «١» وغيرها. فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه، وأدله على المراد، وأعمه استعاذة، بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما. فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة. أحدها: شر المخلوقات التي لها شر عموما. الثاني: شر الغاسق إذا وقب. الثالث: شر النفاثات في العقد. الرابع شر الحاسد إذا حسد. فنتكلم على هذه الشرور الأربعة ومواقعها واتصالها بالعبد، والتحرز منها قبل وقوعها، وبماذا تدفع بعد وقوعها؟ وقبل الكلام في ذلك لا بد من بيان الشر: ما هو؟ وما حقيقته؟ فنقول: الشر. يقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضى إليه. وليس له مسمى سوى ذلك. فالشرور: هي الآلام وأسبابها. فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم: هي شرور، وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض ولذة، لكنها شرور. لأنها أسباب للآلام، ومفضية إليها، كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها. فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار، والخنق بالحبل، وغير ذلك من الأسباب التي تكون مفضية إلى مسبباتها، ولا بد، ما لم يمنع من السبية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه وأشد اقتضاء لضده، كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظم الحسنات الماحية وكثرتها. فيزيد في كميتها أو كيفيتها على أسباب العذاب. فيدفع الأقوى الأضعف. وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة، كأسباب الصحة والمرض، وأسباب الضعف والقوة. والمقصود: أن هذه الأسباب التي فيها لذة مّا هي شر، وإن نالت بها النفس مسرة عاجلة. وهي بمنزلة طعام لذيذ شهي لكنه مسموم، إذا تناوله الآكل لذّ لأكله وطاب له مساغه، وبعد قليل يفعل به ما يفعل. فهكذا المعاصي والذنوب ولا بد، حتى لو لم يخبر الشارع بذلك لكان الواقع والتجربة والخاصة والعامة من أكبر شهوده. وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته؟ فإن الله إذا أنعم على عبد نعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾. ﴿ذلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾. ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم، وجد سبب ذلك جميعه: إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله. وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم من نعمه. وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب، كما قيل: ؎إذا كنت في نعمة فارعها ∗∗∗ فإن المعاصي تزيل النعم فما حفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته. ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره. ولا زالت عن العبد نعمة بمثل معصيته لربه. فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس. ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له. والمقصود: أن هذه الأسباب شرور ولا بد. وأما كون مسبباتها شرورا: فلأنها آلام نفسية وبدنية. فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والحسرات. ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حق التفطن لأعطاه حقه من الحذر والجد في الهرب. ولكن قد ضرب على قلبه حجاب الغفلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فلو تيقظ حق التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا، حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من الله. وإنما يظهر له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم، والإشراف والاطلاع على عالم البقاء فحينئذ يقول: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ و ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾. ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها، كانت استعاذات النبي ﷺ جميعها مدارها على هذين الأصلين. فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضى إليه، فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع. وأمر بالاستعاذة منهن وهي: «عذاب القبر، وعذاب النار» فهذان أعظم المؤلمات «وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال» وهذان سبب العذاب المؤلم. فالفتنة سبب العذاب. وذكر الفتنة خصوصا. وذكر نوعي الفتنة. لأنها إما في الحياة وإما بعد الموت. ففتنة الحياة: قد يتراخى عنها العذاب مدة، وأما فتنة بعد الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ. فعادت الاستعاذة إلى الاستعاذة من الألم والعذاب وأسبابها. وهذا من آكد أدعية الصلاة، حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يدع به في التشهد الأخير. وأوجبه ابن حزم في كل تشهد. فإن لم يأت به فيه بطلت صلاته. ومن ذلك قوله ﷺ «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال» فاستعاذ من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان. فالهم والحزن قرينان، وهما من آلام الروح ومعذّباتها. والفرق بينهما: أن الهم توقع الشر في المستقبل. والحزن: هو التألم على حصول المكروه في الماضي، أو فوات المحبوب، وكلاهما تألم وعذاب يرد على الروح. فإن تعلق بالماضي سمي حزنا. وإن تعلق بالمستقبل سمى همّا. والعجز والكسل قرينان، وهما من أسباب الألم. لأنهما يستلزمان فوات المحبوب. فالعجز يستلزم عدم القدرة. والكسل يستلزم عدم إرادته. فتتألم الروح لفواته بحسب تعلقها به، والتذاذها بإدراكه لو حصل. والجبن والبخل قرينان. لأنهما عدم النفع بالمال والبدن. وهما من أسباب الألم. لأن الجبان تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة، لا تنال إلا بالبذل والشجاعة. والبخل يحول بينه وبينها. فهذان الخلقان من أعظم أسباب الآلام. وضلع الدين، وقهر الرجال: قرينان. وهما مؤلمان للنفس معذبان لها. أحدهما: قهر بحق، وهو ضلع الدين. والثاني: قهر بباطل، وهو غلبة الرجال. وأيضا: فضلع الدين. قهر بسبب من العبد في الغالب. وغلبة الرجال قهر بغير اختياره. ومن ذلك تعوذه ﷺ «من المأثم والمغرم» فإنهما يسببان الألم العاجل. ومن ذلك قوله: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» فالسخط: سبب الألم، والعقوبة: هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام وأقوى أسبابها. (فصل) والشر المستعاذ منه نوعان. أحدهما: موجود، يطلب رفعه. والثاني: معدوم، يطلب بقاؤه على العدم، وأن لا يوجد. كما أن الخير المطلق نوعان. أحدهما: موجود فيطلب دوامه وثباته وأن لا يسلبه. والثاني: معدوم فيطلب وجوده وحصوله. فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين. وعليها مدار طلباتهم. وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران في قولهم: رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ: أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم. فَآمَنّا، رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا فهذا الطلب لدفع الشر الموجود. فإن الذنوب والسيئات شر، كما تقدم بيانه. ثم قال: وَتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه. فهذان قسمان. ثم قال: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه. ثم قال: ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم، وهو خزي يوم القيامة. فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة ودوام الإسلام إلى الموت. ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة، وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله، وأن لا يخزيهم يوم القيامة. فإذا عرف هذا. فقوله ﷺ في تشهد الخطبة «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا» يتناول الاستعاذة من شر النفس، الذي هو معدوم لكنه فيها بالقوة. فيسأل دفعه وأن لا يوجد. وأما قوله: «من سيئات أعمالنا» ففيه قولان. أحدهما: أنه استعاذة من الأعمال السيئة التي قد وجدت. فيكون الحديث قد تناول نوعي الاستعاذة من الشر المعدوم الذي لم يوجد، ومن الشر الموجود. فطلب دفع الأول ورفع الثاني. والقول الثاني: أن سيئات الأعمال هي عقوباتها وموجباتها السيئة التي تسوء صاحبها. وعلى هذا يكون من استعاذة الدفع أيضا دفع المسبب. والأول دفع السبب. فيكون قد استعاذ من حصول الألم وأسبابه. وعلى الأول: تكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى جنسه. فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها. وعلى الأول: تكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى جنسه. فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها. وعلى الثاني: تكون من باب إضافة المسبب إلى سببه، والمعلول إلى علته. كأنه قال: من عقوبة عملي. والقولان محتملان. فتأمل أيهما أليق بالحديث وأولى به. فإن مع كل واحد منهما نوعا من الترجيح. فيترجح الأول بأن منشأ الأعمال السيئة من شر النفس. فشر النفس يولد الأعمال السيئة، فاستعاذ من صفة النفس، ومن الأعمال التي تحدث عن تلك الصفة. وهذان جماع الشر، وأسباب كل ألم. فمتى عوفي منهما عوفي من الشر بحذافيره. ويترجح الثاني: بأن سيئات الأعمال هي العقوبات التي تسوء العامل، وأسبابها شر النفس، فاستعاذ من العقوبات والآلام وأسبابها. والقولان في الحقيقة متلازمان. والاستعاذة من أحدهما تستلزم الاستعاذة من الآخر. (فصل) ولما كان الشر له سبب: هو مصدره، وله مورد ومنتهى. وكان السبب إما من ذات العبد، وإما من خارج. ومورده ومنتهاه إما نفسه وإما غيره: كان هنا أربعة أمور: شر مصدره من نفسه، ويعود على نفسه تارة، وعلى غيره أخرى. وشر مصدره من غيره، وهو السبب فيه. ويعود على نفسه تارة، وعلى غيره أخرى - جمع النبي ﷺ هذه المقامات الأربعة في الدعاء الذي علمه الصديق رضي الله عنه: أن يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه «اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ربّ كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن اقترف على نفسي سوءا، أو أجرّه إلى مسلم» فذكر مصدري الشر، وهما النفس والشيطان وذكر مورديه ونهايتيه وهما عوده على النفس، أو على أخيه المسلم. فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز لفظ وأحضره وأجمعه وأبينه. (فصل) فإذا عرف هذا فلنتكلم على الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين. الشر الأول: العام في قوله مِن شَرِّ ما خَلَقَ و «ما» هاهنا موصولة ليس إلا. والشر مسند في الآية إلى المخلوق المفعول، لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو فعله وتكوينه، فإنه لا شرفيه بوجه ما. فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى. فإن ذاته لها الكمال المطلق، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق والجلال التام، ولا عيب فيها ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة، لا شر فيها أصلا، ولو فعل الشر سبحانه لاشتق له منه اسم، ولم تكن أسماؤه كلها حسنى، ولعاد إليه منه حكم، تعالى ربنا وتقدس عن ذلك. وما يفعله من العدل بعباده، وعقوبة من يستق العقوبة منهم: هو خير محض إذ هو محض العدل والحكمة، وإنما يكون شرا بالنسبة إليهم. فالشر وقع في تعلقه بهم وقيامه بهم، لا في فعله القائم به تعالى. ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة فإنه خالق الخير والشر. ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على بال. أحدهما: أن ما هو شر، أو متضمن للشر، فإنه لا يكون إلا مفعولا منفصلا لا يكون وصفا له، ولا فعلا من أفعاله. الثاني: أن كونه شرا هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب وتكوينه به، وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه. فله وجهان، هو من أحدهما خير، وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقا وتكوينا ومشيئة، لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها، وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها، فضلا عن حقيقتها، فيكفيهم الإيمان المجمل بأن الله سبحانه هو الغني الحميد، وفاعل الشر لا يفعله إلا لحاجته المنافية لغناه، أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده. فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلا. وإن كان هو الخالق للخير والشر. فقد عرفت أن كونه شرا هو أمر إضافي، وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى خالقه ومبدعه. فلا تغفل عن هذا الموضع فإنه يفتح لك بابا عظيما من معرفة الرب ومحبته. ويزيل عنك شبهات حارت فيها عقول أكثر الفضلاء. وقد بسطت هذا في كتاب «التحفة المكية» وكتاب «الفتح القدسي» وغيرهما. وإذا أشكل عليك هذا فأنا أوضحه لك بأمثلة. أحدهما: أن السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم، ودفع الضرر عنهم، وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرا وحكما، لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عموما بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضرّ بهم. فهو محمود على حكمه بذلك، وأمره به مشكور عليه يستحق عليه الحمد من عباده، والثناء عليه والمحبة له. وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرماتهم، وجلد من يصول عليهم في أعراضهم. فإذا كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم فكيف عقوبة من يصول على أديانهم، ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث الله به رسله وجعله سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به؟ أفليس في عقوبة هذا الصائل خير محض، وحكمة وعدل، وإحسان إلى العبيد؟ وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي. فالشر: ما قام به من تلك العقوبة. وأما ما نسب إلى الرب منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة. فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم. والسر الذي يطلعك على مسألة القدر ويفتح لك الطريق إلى الله، ومعرفة حكمته ورحمته، وإحسانه إلى خلقه، وأنه سبحانه: كما أنه البر الرحيم الودود المحسن، فهو الحكيم الملك العدل، فلا تناقض حكمته رحمته. بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا أن يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته. ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله: إن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء، ولا فرق أصلا، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة. وتأمل القرآن من أوله إلى آخره كيف تجده كفيلا بالرد على هذه المقالة، وإنكارها أشد الإنكار، وتنزيه الرب نفسه عنها، كقوله تعالى: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وقوله: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وقوله: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ فأنكر سبحانه على من ظن به هذا الظن السيئ، ونزه نفسه عنه. فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة: أن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزته وإلهيته لا إله إلا هو، تعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرا. وقد فطر الله عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة والإحسان، ومكافأة الصنع الجميل بمثلة وزيادة. فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار، واستهجنته أعظم الاستهجان. وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام في موضع العقوبة والانتقام، كما إذا جاء إلى من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ودمائهم، فأكرمه غاية الإكرام، ورفعه وكرمه. فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا، وتشهد على سفه من فعله. هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها. فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة، وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها، وأحقها بالعقوبة؟ وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها، ولم تلق، ولظهرت مناقضة الحكمة، كما قال الشاعر: ؎نعمة الله لا تعاب، ولكن ∗∗∗ ربما استقبحت على أقوام فهكذا نعم الله لا تليق ولا تحسن ولا تجمل بأعدائه الصادين عن سبيله الساعين في خلاف مرضاته، الذين يرضون إذا غضب، ويغضبون إذا رضي، ويعطلون ما حكم به، ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره، والحكم لغيره، والطاعة لغيره. فهم مضادون له في كل ما يريد، يحبون ما يبغضه، ويدعون إليه. ويبغضون ما يحبه وينفرون عنه، ويوالون أعداءه وأبغض الخلق إليه، ويظاهرونهم عليه وعلى رسوله: كما قال تعالى: ٢٥: ٥٥ وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا وقال: ١٨: ٥٠ وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ، فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ. أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي، وهم لَكم عَدُوٌّ؟ فتأمل ما تحت هذا الخطاب الذي يسلب الأرواح حلاوة وعقابا وجلالة وتهديدا كيف صدره باخبارنا: أنه أمر إبليس بالسجود لأبينا فأبى ذلك، فطرده ولعنه، وعاداه من أجل إبائه عن السجود لأبينا، ثم أنتم توالونه من دوني. وقد لعنته وطردته، إذ لم يسجد لأبيكم، وجعلته عدوا لكم ولأبيكم، فواليتموه وتركتموني. أفليس هذا من أعظم الغبن، وأشد الحسرة عليكم؟ ويوم القيامة يقول تعالى «أليس عدلا مني أن أولّي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا؟». فليعلمن أولياء الشيطان: كيف حالهم يوم القيامة: إذا ذهبوا مع أوليائهم، وبقي أولياء الرحمن لم يذهبوا مع أحد فيتجلى لهم ويقول «ألا تذهبون حيث ذهب الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم، وإنما ننتظر ربنا الذي كنا نتولاه ونعبده. فيقول: هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، إنه لا مثل له. فيتجلى لهم ويكشف عن ساق، فيخرون له سجدا». فيا قرة عيون أوليائه بتلك الموالاة، ويا فرحهم إذا ذهب الناس مع أوليائهم، وبقوا مع مولاهم الحق. فسيعلم المشركون به الصادون عن سبيله أنهم ما كانوا أولياءه ٨: ٣٤ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ. ولكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ. ولا تستطل هذا البسط فما أحوج القلوب إلى معرفته وتعقله، ونزولها منه منازلها في الدنيا لتنزل في جوار ربها في الآخرة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. (فصل) إذا عرفت هذا عرفت معنى قوله ﷺ في الحديث الصحيح «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك» وأن معناه أجل وأعظم من قول من قال: والشر لا يتقرب به إليك، وقول من قال: والشر لا يصعد إليك، وأن هذا الذي قالوه - وإن تضمن تنزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب به إليه - فلا يتضمن تنزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر. بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدق. فإنه يتضمن تنزيهه في ذاته تبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بوجه ما، لا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه. وإن دخل في مخلوقاته كقوله: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ. مِن شَرِّ ما خَلَقَ. وتأمل طريقة القرآن في إضافة الشر تارة إلى سببه ومن قام به. كقوله: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وقوله: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ وقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ وقوله: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ وهو في القرآن أكثر من أن يذكر هاهنا عشر معشاره. وإنما المقصود التمثيل. وتارة بحذف فاعله. كقوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ فحذفوا فاعل الشر ومريده، وصرحوا بمريد الرشد. ونظيره في الفاتحة: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فذكر النعمة مضافة إليه سبحانه، والضلال منسوبا إلى من قام به، والغضب محذوفا فاعله. ومثله قول الخضر في السفينة ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ وفي الغلامين ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما، ويَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ ومثله قوله: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ فنسب هذا التزيين المحبوب إليه. وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ فحذف الفاعل المزين. ومثله قول الخليل ﷺ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ. والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ. وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ. والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فنسب إلى ربه كل كمال من هذه الأفعال، ونسب إلى نفسه النقص منها، وهو المرض والخطيئة. وهذا كثير في القرآن ذكرنا منه أمثلة كثيرة في كتاب الفوائد المكية وبينا هناك السر في مجيء ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ ﴿والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ والفرق بين الموضعين، وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعا في سياق المدح. وحيث حذفه كان من أوتيه واقعا في سياق الذم أو منقسما. وذلك من أسرار القرآن. ومثله ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وقال: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ وقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدْنى﴾. وبالجملة: فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة، وعدل. والشر ليس إليه. (فصل) وقد دخل في قوله تعالى: «من شر ما خلق» الاستعاذة من كل شر في أي مخلوق قام به الشر: من حيوان، أو غيره، إنسيا كان أو جنيا، أو هامة أو دابة أو ريحا، أو صاعقة، أي نوع كان من أنواع البلاء. فإن قلت: فهل في «ما» هاهنا عموم؟ قلت: فيها عموم تقييدي وصفي، لا عموم إطلاقي. والمعنى: من شر كل مخلوق فيه شر. فعمومها من هذا الوجه. وليس المراد الاستعاذة من شر كل ما خلقه الله. فإن الجنة وما فيها ليس فيها شر. وكذلك الملائكة والأنبياء فإنهم خير محض. والخير كله حصل على أيديهم، فالاستعاذة من شر ما خلق: تعم شر كل مخلوق فيه شر. وكل شر في الدنيا والآخرة، وشر شياطين الإنس والجن وشر السباع والهوام، وشر النار والهواء، وغير ذلك. وفي الصحيح: عن النبي ﷺ أنه قال: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم يضره شيء، حتى يرتحل منه» رواه مسلم. وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدبّ عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد». وفي الحديث الآخر «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر: من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما نزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن». [فَصْلٌ: شُرُوطُ الدُّعاءِ المُسْتَجابِ] والأدْعِيَةُ والتَّعَوُّذاتُ بِمَنزِلَةِ السِّلاحِ، والسِّلاحُ بِضارِبِهِ، لا بِحَدِّهِ فَقَطْ، فَمَتى كانَ السِّلاحُ سِلاحًا تامًّا لا آفَةَ بِهِ، والسّاعِدُ ساعِدُ قَوِيٍّ، والمانِعُ مَفْقُودٌ؛ حَصَلَتْ بِهِ النِّكايَةُ في العَدُوِّ، ومَتى تَخَلَّفَ واحِدٌ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ تَخَلَّفَ التَّأْثِيرُ، فَإنْ كانَ الدُّعاءُ في نَفْسِهِ غَيْرَ صالِحٍ، أوِ الدّاعِي لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ قَلْبِهِ ولِسانِهِ في الدُّعاءِ، أوْ كانَ ثَمَّ مانِعٌ مِنَ الإجابَةِ، لَمْ يَحْصُلِ الأثَرُ.

الفلق 113:3

(فصل) الشر الثاني: شر الغاسق إذا وقب. فهذا خاص بعد عام. وقد قال أكثر المفسرين: إنه الليل. قال ابن عباس: الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق، ودخل في كل شيء وأظلم والغسق: الظلمة. يقال: غسق الليل، وأغسق: إذا أظلم. ومنه قوله تعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وكذلك قال الحسن ومجاهد: الغاسق إذا وقب: الليل إذا أقبل ودخل. والوقوب: الدخول، وهو دخول الليل بغروب الشمس. وقال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار. وفي تسمية الليل غاسقا قول آخر: أنه من البرد، والليل أبرد من النهار، والغسق: البرد. وعليه حمل ابن عباس قوله تعالى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وقوله: {لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا قال: هو الزمهرير يحرقهم ببرده. كما تحرقهم النار بحرها. وكذلك قال مجاهد ومقاتل: هو الذي انتهى برده. ولا تنافي بين القولين. فإن الليل بارد مظلم. فمن ذكر برده فقط، أو ظلمته فقط: اقتصر على أحد وصفيه. والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة. فإن الشر الذي يناسب الظلمة أولى بالاستعاذة من البرد الذي في الليل. ولهذا استعاذ برب الفلق الذي هو الصبح والنور: من شر الغاسق، الذي هو الظلمة. فناسب الوصف المستعاذ به المعنى المطلوب بالاستعاذة. كما سنزيده تقريرا عن قريب إن شاء الله. فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الترمذي من حديث ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن عائشة قالت: «أخذ النبي ﷺ بيدي، فنظر إلى القمر، فقال: يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا. فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» قال الترمذي: هذا حسن صحيح. وهذا أولى من كل تفسير. فيتعين المصير إليه؟ قيل: هذا التفسير حق، ولا يناقض التفسير الأول، بل يوافقه، ويشهد لصحته. فإن الله تعالى قال: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ فالقمر هو آية الليل، وسلطانه فيه. فهو أيضا غاسق إذا وقب، كما أن الليل غاسق إذا وقب، والنبي ﷺ أخبر عن القمر بأنه غاسق إذا وقب. وهذا خبر صدق. وهو أصدق الخبر، ولم ينف عن الليل اسم الغاسق إذا وقب. وتخصيص النبي ﷺ له بالذكر لا ينفي شمول الاسم لغيره. ونظير هذا: قوله في المسجد الذي أسس على التقوى - وقد سئل عنه - فقال: «هو مسجدي هذا» ومعلوم أن هذا لا ينفي كون مسجد قباء مؤسسا على التقوى مثل ذاك. ونظيره أيضا: قوله في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين «اللهم هؤلاء أهل بيتي» فإن هذا لا ينفي دخول غيرهم من أهل بيته في لفظ أهل البيت، ولكن هؤلاء أحق من دخول في لفظ أهل بيته. ونظير هذا: قوله: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئا، ولا يعطن له فيتصدّق عليه» وهذا لا ينفي اسم المسكنة عن الطواف، بل ينفي اختصاص الاسم به، وتناول المسكين لغير السائل أولى من تناوله له. ونظير هذا: قوله: «ليس الشديد بالصّرعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب» فإنه لا يقتضي نفي الاسم عن الذي يصرع الرجال، ولكن يقتضي أن ثبوته للذي يملك نفسه عند الغضب أولى. ونظيره: الغسق، والوقوب، وأمثال ذلك. فكذلك قوله في القمر «هذا هو الغاسق إذا وقب» لا ينفي أن يكون الليل غاسقا، بل كلاهما غاسق. فإن قيل: فما تقولون في القول الذي ذهب إليه بعضهم: أن المراد به القمر إذا خسف واسودّ. وقوله: «وقب» أي دخل في الخسوف، أو غاب خاسفا؟ قيل: هذا القول ضعيف. ولا نعلم به سلفا. والنبي ﷺ لما أشار إلى القمر، وقال: «هذا الغاسق إذا وقب» لم يكن خاسفا إذ ذاك. وإنما كان مستنيرا، ولو كان خاسفا لذكرته عائشة. وإنما قالت «نظر إلى القمر، وقال: «هذا هو الغاسق» ولو كان خاسفا لم يصح أن يحذف ذلك الوصف منه. فإن ما أطلق عليه اسم الغاسق باعتبار صفة لا يجوز أن يطلق عليه بدونها، لما فيه من التلبيس. وأيضا: فإن اللغة لا تساعد على هذا. فلا نعلم أحدا قال: الغاسق: القمر في حال خسوفه. وأيضا: فإن الوقوب لا يقول أحد من أهل اللغة: إنه الخسوف، وإنما هو الدخول، من قولهم: وقبت العين: إذا غارت، وركية وقباء: غار ماؤها. فدخل في أعماق التراب. ومنه الوقب للثقب الذي يدخل فيه المحور. وتقول العرب وقب يقب وقوبا إذا دخل. فإن قيل: فما تقولون في القول الذي ذهب إليه بعضهم: أن الغاسق هو الثريا إذا سقطت، فإن الأسقام تكثر عند سقوطها وغروبها، وترتفع عند طلوعها؟ قيل: إن أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل. وإن أراد: أن اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما: فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه. وأما أن يختص به اللفظ به فباطل. فصل والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل وشر القمر إذا وقب هو: أن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة. وفيه تنتشر الشياطين. وفي الصحيح «أن النبي ﷺ أخبر أن الشمس إذا غربت انتشرت الشياطين» ولهذا قال: «فاكفتوا صبيانكم، واحبسوا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء» وفي حديث آخر «فإن الله يبث من خلقه ما يشاء». والليل هو محل الظلام. وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار. فإن النهار نور، والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة، وعلى أهل الظلمة. وروى أن سائلا سأل مسيلمة: كيف يأتيك؟ فقال: في ظلماء حندس. وسئل النبي ﷺ «كيف يأتيك؟ فقال: في مثل ضوء النهار» فاستدل بهذا على نبوته، وأن الذي يأتيه ملك من عند الله، وأن الذي يأتي مسيلمة شيطان. ولهذا كان سلطان السحر وعظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار، فالسحر الليلي عندهم: هو السحر القوي التأثير. ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال الشياطين وبيوتهم ومأواهم، والشياطين تجول فيها، وتتحكم كما يتحكم ساكن البيت فيه. وكلما كان القلب أظلم كان للشيطان أطوع، وهو فيه أثبت وأمكن. (فصل) ومن هاهنا: تعلم السر في الاستعاذة برب الفلق في هذا الموضع. فإن الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام، وعسكر المفسدين في الليل. فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كنّ أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها. فأمر الله عباده أن يستعيذوا برب النور الذي يقهر الظلمة ويزيلها، ويقهر عسكرها وجيشها. ولهذا ذكر سبحانه في كل كتاب: أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور، ويدع الكفار في ظلمات كفرهم. قال الله تعالى: ٢: ٢٥٧ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ. والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ، يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ وقال تعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ وقال في أعمال الكفار ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها. ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾. فالإيمان كله نور، ومآله إلى نور، ومستقره في القلب المضيء المستنير، والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة. والكفر والشرك كله ظلمة، ومآله إلى الظلمات ومستقره في القلوب المظلمة، والمقترن بأهله الأرواح المظلمة. فتأمل الاستعاذة برب الفلق من شر الظلمة، ومن شر ما يحدث فيها ونزّل هذا المعنى على الواقع يشهد بأن القرآن، بل هاتان السورتان، من أعظم أعلام النبوة، وبراهين صدق رسالة محمد ﷺ، ومضادته لما جاء به الشياطين من كل وجه، وأن ما جاء به ما تنزلت به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون فما فعلوه، ولا يليق بهم، ولا يتأتى منهم، ولا يقدرون عليه. وفي هذا أبين جواب وأشفاه لما يورده أعداء الرسول عليه من الأسئلة الباطلة التي قصّر المتكلمون غاية التقصير في دفعها، وما شفوا في جوابها. وإنما الله سبحانه هو الذي شفى وكفى في جوابها. فلم يحوجنا إلى متكلم، ولا إلى أصولي، ولا إلى نظّار. فله الحمد والمنّة، لا نحصي ثناء عليه. (فصل) واعلم أن الخلق كله فلق. وذلك أن «فلقا» فعل بمعنى مفعول، كقبض وسلب، وقنص: بمعنى مقبوض ومسلوب ومقنوص. والله عز وجل ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ و ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ وفالق الأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأجنّة، والظلام عن الإصباح. ويسمى الصبح المتصدع عن الظلمة: فلقا وفرقا. يقال: هو أبيض من فرق الصبح وفلقه. وكما أن في خلقه فلقا وفرقا. فكذلك أمره كله فرقان، يفرق بين الحق والباطل. فيفرق ظلام الباطل بالحق، كما يفرق ظلام الليل بالإصباح. ولهذا سمى كتابه «الفرقان» ونصره فرقانا، لتضمنه الفرق بين أوليائه وأعدائه. ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقا. فظهرت حكمة الاستعاذة برب الفلق في هذه المواضع. وظهر بهذا إعجاز القرآن، وعظمته وجلالته، وأن العباد لا يقدرون قدره، وأنه تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

الفلق 113:4

(فصل) الشر الثالث: شر النّفاثات في العقد. وهذا الشر هو شر السحر. فإن النفاثات في العقد: هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر. والنفث: هو النفخ مع ريق. وهو دون التّفل. وهو مرتبة بينهما. والنفث: فعل الساحر. فإذا تكيّف نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك. وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور. فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري. لا الأمري الشرعي. فإن قيل: فالسحر يكون من الذكور والإناث، فلم خص الاستعاذة من الإناث دون الذكور؟ قيل في جوابه: إن هذا خرج على السبب الواقع، وهو أن بنات لبيد ابن الأعصم سحرن النبي ﷺ. هذا جواب أبي عبيدة وغيره. وليس هذا بسديد. فإن الذي سحر النبي ﷺ هو لبيد بن الأعصم، لا بناته، كما جاء في الصحيح. والجواب المحقق: أن النفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس النفاثات لا النساء النفاثات. لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة وسلطانه إنما يظهر منها. فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث، دون التذكير. والله أعلم. ففي الصحيح: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة «أن النبي ﷺ طبّ، حتى إنه ليخيّل إليه أنه صنع شيئا وما صنعه، وإنه دعا ربه، ثم قال: أشعرت أن الله قد أفتاني فيما أستفتيه فيه؟ فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر: مطبوب. قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاطة، وجفّ طلع ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في ذروان، بئر في بني زريق. قالت عائشة رضي الله عنها فأتاها رسول الله ﷺ، ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحنّاء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين. قالت: فقلت له: يا رسول الله، هلّا أخرجته؟ قال: أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرا. فأمر بها، فدفنت» قال البخاري: وقال الليث وابن عيينة عن هشام «في مشط ومشاقة». ويقال: إن المشاطة: ما يخرج من الشعر إذا مشط، والمشاقة: من مشاقة الكتان. قلت: هكذا في هذه الرواية: أنه لم يخرجه، اكتفاء بمعافاة الله له. وشفائه إياه. وقد روى البخاري من حديث ابن عيينة قال: «أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة عن عروة. فسألت هشاما عنه؟ فحدثنا عن أبيه عن عائشة: كان رسول الله ﷺ سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا. فقال: يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي. فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، رجل من بني زريق حليف ليهود. وكان منافقا. قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال في جفّ طلع ذكر، تحت راعوفة في بئر ذروان. قال: فأتي البئر حتى استخرجه. فقال: هذه البئر التي أريتها، وكأنّ ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين. قال: فاستخرج. قالت. فقلت: أفلا - أي تنشّرت -؟ قال: أمّا الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا». ففي هذا الحديث: أنه استخرجه. وترجم البخاري عليه: باب هل يستخرج السحر. وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طبّ، ويؤخذ عن امرأته أيحلّ عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح. فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه. فهذان الحديثان قد يظن في الظاهر تعارضهما. فإن حديث عيسى عن هشام عن أبيه: الأول فيه: أنه لم يستخرجه. وحديث ابن جريج عن هشام فيه «أنه استخرجه» ولا تنافي بينهما. فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه، ثم دفنه بعد أن شفي. وقول عائشة «هلا استخرجته؟» أي هلا أخرجته للناس حتى يروه ويعاينوه؟ فأخبرها بالمانع له من ذلك، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك، فيقع الإنكار، ويغضب للساحر قومه، فيحدث الشر. وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة. فأمر بها فدفنت، ولم يستخرجها للناس. فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة. والذي يدل عليه: أنه ﷺ إنما جاء إلى البئر ليستخرجها منه ولم يجيء لينظر إليها ثم ينصرف، إذ لا غرض له في ذلك. والله أعلم. وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقّى بالقبول بينهم. لا يختلفون في صحته. وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار. وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا، حمل فيه على هشام. وكان غاية ما أحسن القول فيه: أن قال: غلط، واشتبه عليه الأمر، ولم يكن من هذا شيء. قال: لأن النبي ﷺ لا يجوز أن يسحر. فإنه يكون تصديقا لقول الكفار ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. قالوا: وهذا كما قال فرعون لموسى ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ وكما قال قوم صالح له ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ وكما قال قوم شعيب له ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾. قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا. فإن ذلك ينافي حماية الله لهم، وعصمتهم من الشياطين. وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم. فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه. فما للمتكلمين وما لهذا الشأن؟ وقد رواه غير هشام عن عائشة. وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة. والقصة مشهورة عن أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء. وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حباب عن زيد بن أرقم قال «سحر النبيّ ﷺ رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياما. قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، وعقد لذلك عقدا. فأرسل رسول الله ﷺ عليا. فاستخرجها، فجاء بها، فجعل كلّما حلّ عقدة وجد لذلك خفّة. فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال. فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط» وقال ابن عباس وعائشة «كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ﷺ. فدنت إليه اليهود. فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي ﷺ، وعدّة أسنان من مشطه. فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وتولّى ذلك لبيد بن الأعصم: رجل من اليهود. فنزلت هاتان السورتان فيه». قال البغوي: وقيل «كانت مغروزة بالأبر. فأنزل الله عز وجل هاتين السورتين. وهما أحد عشر آية: سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات فكلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها. فقام النبي ﷺ كأنما أنشط من عقال» قال: وروى أنه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه ثلاثة أيام فنزلت المعوذتان. قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه الله منه. ولا نقص في ذلك، ولا عيب بوجه ما. فإن المرض يجوز على الأنبياء. وكذلك الإغماء. فقد أغمى عليه ﷺ في مرضه، ووقع حين انفكّت قدمه وجحش شقّه وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته. ونيل كرامته. وأشد الناس بلاء الأنبياء. فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به: من القتل، والضرب، والشتم، والحبس. فليس ببدع أن يبتلى النبي ﷺ من بعض أعدائه بنوع من السحر، كما ابتلى بالذي رماه فشجّه. وابتلى بالذي ألقى على ظهره السّلا وهو ساجد، وغير ذلك. فلا نقص عليهم. ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم، وعلو درجاتهم عند الله. قالوا: وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري «أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم. فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك» فعوّذه جبريل من شر كل نفس وعين حاسد، لما اشتكى. فدل على أن هذا التعويذ مزيل لشاكيته ﷺ، وإلّا فلا يعوذه من شيء وشكايته من غيره. وقالوا: وأما الآيات التي استدللتم بها فلا حجة لكم فيها. أما قوله تعالى عن الكفار: إنهم قالوا: إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا وقول قوم صالح وشعيب لهما إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ فقيل: المراد به من له سحر، وهي الرّثة، أي إنه بشر مثلهم، يأكل ويشرب، ليس بملك، وليس المراد به السحر. وهذا جواب غير مرض. وهو في غاية البعد. فإن الكفار لم يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور، ولا يعرف هذا في لغة من اللغات. وحيث أرادوا هذا المعنى أتوا بصريح لفظ البشر، فقالوا: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ و ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ و ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾. وأما المسحور فلم يريدوا به ذا السّحر، وهي الرئة. وأيّ مناسبة لذكر الرئة في هذا الموضع؟ ثم كيف يقول فرعون لموسى ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أفتراه ما علم أن له سحرا، وأنه بشر؟ ثم كيف يجيبه موسى بقوله: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ولو أراد بالمسحور: أنه بشر لصدّقه موسى، وقال: نعم، أنا بشر أرسلني الله إليك، كما قالت الرسل لقومهم لما قالوا لهم ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فقالوا: ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ولم ينكروا ذلك. فهذا الجواب في غاية الضعف. وأجابت طائفة، منهم ابن جرير وغيره: بأن المسحور هنا هو معلّم السحر الذي قد علمه إياه غيره. فالمسحور عنده: بمعنى ساحر، أي عالم بالسحر. وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة. وهو أن من علّم السحر يقال له مسحور. ولا يكاد هذا يعرف في الاستعمال، ولا في اللغة. وإنما المسحور من سحره غيره، كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه. وأما من علّم السحر فإنه يقال له: ساحر، بمعنى أنه عالم بالسحر، وإن لم يسحر غيره. كما قال قوم فرعون لموسى ﴿إنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ففرعون قذفه بكونه مسحورا، وقومه قذفوه بكونه ساحرا. فالصواب: هو الجواب الثالث. وهو جواب صاحب الكشاف وغيره: أن «المسحور» على بابه. وهو من سحر حتى جنّ. فقالوا: مسحور، مثل مجنون أي زائل العقل، لا يعقل ما يقول. فإن المسحور الذي لا يتّبع: هو الذي فسد عقله، بحيث لا يدرى ما يقول. فهو كالمجنون. ولهذا قالوا فيه ٤٤: ١٤ مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس، فإنه لا يمنع ذلك من اتّباعه. وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان، وإنما قذفوهم بما يحذّرون به سفهاءهم من أتباعهم. وهو أنهم قد سحروا، حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون، بمنزلة المجانين. ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ مثّلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى. فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيّره طريقا يسلكه، فلا يقدر عليه. فإنه أيّ طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة. فهو متحير في أمره، لا يهتدي سبيلا، ولا يقدر على سلوكها. فهكذا حال أعداء رسول الله ﷺ معه، حتى ضربوا له أمثالا، برّأه الله منها. وهو أبعد الله عنها. وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان. وأما قولكم: إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله لهم فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم، فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا ورضوا، وتأسّوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعدّ لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعدوانهم، فيعجل تطهير الأرض منهم. فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم. وله الحكمة البالغة، والنعمة السابغة لا إله غيره، ولا رب سواه. وقد دل قوله: مِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر، وأن له حقيقة. وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم. وقالوا: إنه لا تأثير للسحر ألبتة لا في مرض، ولا قتل، ولا حل، ولا عقد. قالوا: وإنما ذلك تخييل لأعين الناظرين، لا حقيقة له سوى ذلك. وهذا خلاف ما تواترت به الآراء عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء، وأهل التفسير والحديث. وما يعرفه عامة العقلاء. والسحر الذي يؤثر مرضا وثقلا وعقدا وحبا وبغضا ونزيفا وغير ذلك من الآثار موجود، تعرفه عامة الناس. وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به منه، وقوله تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرا، كما يقوله هؤلاء. لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يستعاذ منه. وأيضا فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغيير في إحساسهم، فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم؟ وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير الواقع في صفة أخرى من صفات النفس والبدن؟ فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركا، والمتصل منفصلا، والميت حيا، فما المحيل لأن يغير صفات نفسه، حتى يجعل المحبوب إليه بغيضا، والبغيض محبوبا، وغير ذلك من التأثيرات. وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ فبين سبحانه أن أعينهم سحرت. وذلك إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي، وهو الحبال والعصيّ، مثل أن يكون السحرة استغاثت بأرواح حركتها، وهي الشياطين. فظنوا أنها تحركت بأنفسها. وهذا كما إذا جرّ من لا تراه حصيرا أو بساطا فترى الحصير والبساط ينجر، ولا ترى الجار له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين، فقلبتها كتقليب الحية. فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها، والشياطين هم الذين يقلبونها. وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي. حتى رأى الحبال والعصي تتحرك، وهي ساكنة في أنفسها. ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستغاثته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها. وأما ما يقوله المنكرون: من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ومشيها، مثل الزئبق وغيره، حتى سعت. فهذا باطل من وجوه كثيرة. فإنه لو كان كذلك لم يكن هذا خيالا، بل حركة حقيقية. ولم يكن ذلك سحرا لأعين الناس، ولا يسمى ذلك سحرا، بل صناعة من الصناعات المشتركة. وقد قال تعالى: ٢٠: ٦٦ فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ولو كانت تحركت بنوع حيلة - كما يقوله المنكرون - لم يكن هذا من السحر في شيء. ومثل هذا لا يخفى. [فصل هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ السِّحْرِ الَّذِي سَحَرَتْهُ اليَهُودُ بِهِ] فَصْلٌ في هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ السِّحْرِ الَّذِي سَحَرَتْهُ اليَهُودُ بِهِ قَدْ أنْكَرَ هَذا طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ وقالُوا: لا يَجُوزُ هَذا عَلَيْهِ، وظَنُّوهُ نَقْصًا وعَيْبًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هو مِن جِنْسِ ما كانَ يَعْتَرِيهِ ﷺ مِنَ الأسْقامِ والأوْجاعِ، وهو مَرَضٌ مِنَ الأمْراضِ، وإصابَتُهُ بِهِ كَإصابَتِهِ بِالسُّمِّ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، وقَدْ ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّها قالَتْ: «سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى إنْ كانَ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَأْتِي نِساءَهُ ولَمْ يَأْتِهِنَّ» وَذَلِكَ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ. قالَ القاضِي عِياضٌ: والسِّحْرُ مَرَضٌ مِنَ الأمْراضِ، وعارِضٌ مِنَ العِلَلِ، يَجُوزُ عَلَيْهِ ﷺ كَأنْواعِ الأمْراضِ مِمّا لا يُنْكَرُ، ولا يَقْدَحُ في نُبُوَّتِهِ، وأمّا كَوْنُهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ ولَمْ يَفْعَلْهُ، فَلَيْسَ في هَذا ما يُدْخِلُ عَلَيْهِ داخِلَةً في شَيْءٍ مِن صِدْقِهِ، لِقِيامِ الدَّلِيلِ والإجْماعِ عَلى عِصْمَتِهِ مِن هَذا، وإنَّما هَذا فِيما يَجُوزُ طُرُوُّهُ عَلَيْهِ في أمْرِ دُنْياهُ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِسَبَبِها، ولا فُضِّلَ مِن أجْلِها، وهو فِيها عُرْضَةٌ لِلْآفاتِ كَسائِرِ البَشَرِ، فَغَيْرُ بَعِيدٍ أنَّهُ يُخَيَّلَ إلَيْهِ مِن أُمُورِها ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، ثُمَّ يَنْجَلِي عَنْهُ كَما كانَ. والمَقْصُودُ: ذِكْرُ هَدْيِهِ في عِلاجِ هَذا المَرَضِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ نَوْعانِ: أحَدُهُما - وهو أبْلَغُهُما - اسْتِخْراجُهُ وإبْطالُهُ، كَما صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَيْهِ فاسْتَخْرَجَهُ مِن بِئْرٍ، فَكانَ في مُشْطٍ ومُشاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، فَلَمّا اسْتَخْرَجَهُ ذَهَبَ ما بِهِ حَتّى كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ، فَهَذا مِن أبْلَغِ ما يُعالَجُ بِهِ المَطْبُوبُ، وهَذا بِمَنزِلَةِ إزالَةِ المادَّةِ الخَبِيثَةِ وقَلْعِها مِنَ الجَسَدِ بِالِاسْتِفْراغِ. والنَّوْعُ الثّانِي: الِاسْتِفْراغُ في المَحَلِّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ أذى السِّحْرِ، فَإنَّ لِلسِّحْرِ تَأْثِيرًا في الطَّبِيعَةِ، وهَيَجانَ أخْلاطِها وتَشْوِيشَ مِزاجِها، فَإذا ظَهَرَ أثَرُهُ في عُضْوٍ، وأمْكَنَ اسْتِفْراغُ المادَّةِ الرَّدِيئَةِ مِن ذَلِكَ العُضْوِ، نَفَعَ جِدًّا. وَقَدْ ذَكَرَ أبو عبيد في كِتابِ " غَرِيبِ الحَدِيثِ " لَهُ بِإسْنادِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ عَلى رَأْسِهِ بِقَرْنٍ حِينَ طُبَّ». قالَ أبو عبيد: مَعْنى طُبَّ: أيْ سُحِرَ. وَقَدْ أشْكَلَ هَذا عَلى مَن قَلَّ عِلْمُهُ، وقالَ ما لِلْحِجامَةِ والسِّحْرِ، وما الرّابِطَةُ بَيْنَ هَذا الدّاءِ وهَذا الدَّواءِ، ولَوْ وجَدَ هَذا القائِلُ أبقراط أوِ ابْنَ سِينا أوْ غَيْرَهُما قَدْ نَصَّ عَلى هَذا العِلاجِ، لَتَلَقّاهُ بِالقَبُولِ والتَّسْلِيمِ، وقالَ: قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ مَن لا يُشَكَّ في مَعْرِفَتِهِ وفَضْلِهِ. فاعْلَمْ أنَّ مادَّةَ السِّحْرِ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ ﷺ انْتَهَتْ إلى رَأْسِهِ إلى إحْدى قُواهُ الَّتِي فِيهِ بِحَيْثُ كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ ولَمْ يَفْعَلْهُ، وهَذا تَصَرُّفٌ مِنَ السّاحِرِ في الطَّبِيعَةِ والمادَّةِ الدَّمَوِيَّةِ بِحَيْثُ غَلَبَتْ تِلْكَ المادَّةُ عَلى البَطْنِ المُقَدَّمِ مِنهُ، فَغَيَّرَتْ مِزاجَهُ عَنْ طَبِيعَتِهِ الأصْلِيَّةِ. والسِّحْرُ: هو مُرَكَّبٌ مِن تَأْثِيراتِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ، وانْفِعالِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ عَنْها، وهو أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ، ولا سِيَّما في المَوْضِعِ الَّذِي انْتَهى السِّحْرُ إلَيْهِ، واسْتِعْمالُ الحِجامَةِ عَلى ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي تَضَرَّرَتْ أفْعالُهُ بِالسِّحْرِ مِن أنْفَعِ المُعالَجَةِ إذا اسْتُعْمِلَتْ عَلى القانُونِ الَّذِي يَنْبَغِي. قالَ أبقراط: الأشْياءُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تُسْتَفْرَغَ يَجِبُ أنْ تُسْتَفْرَغَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي هي إلَيْها أمْيَلُ بِالأشْياءِ الَّتِي تَصْلُحُ لِاسْتِفْراغِها. وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أُصِيبَ بِهَذا الدّاءِ، وكانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ ولَمْ يَفْعَلْهُ، ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ عَنْ مادَّةٍ دَمَوِيَّةٍ أوْ غَيْرِها مالَتْ إلى جِهَةِ الدِّماغِ، وغَلَبَتْ عَلى البَطْنِ المُقَدَّمِ مِنهُ، فَأزالَتْ مِزاجَهُ عَنِ الحالَةِ الطَّبِيعِيَّةِ لَهُ، وكانَ اسْتِعْمالُ الحِجامَةِ إذْ ذاكَ مِن أبْلَغِ الأدْوِيَةِ، وأنْفَعِ المُعالَجَةِ فاحْتَجَمَ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ السِّحْرِ، فَلَمّا جاءَهُ الوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأخْبَرَهُ أنَّهُ قَدْ سُحِرَ، عَدَلَ إلى العِلاجِ الحَقِيقِيِّ وهو اسْتِخْراجُ السِّحْرِ وإبْطالُهُ، فَسَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَدَلَّهُ عَلى مَكانِهِ، فاسْتَخْرَجَهُ، فَقامَ كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ، وكانَ غايَةُ هَذا السِّحْرِ فِيهِ إنَّما هو في جَسَدِهِ، وظاهِرِ جَوارِحِهِ لا عَلى عَقْلِهِ وقَلْبِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ ما يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن إتْيانِ النِّساءِ، بَلْ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِثْلُ هَذا قَدْ يَحْدُثُ مِن بَعْضِ الأمْراضِ، واللَّهُ أعْلَمُ. [فصل عِلاجُ السِّحْرِ بِالأذْكارِ والآياتِ] فَصْلٌ ومِن أنْفَعِ عِلاجاتِ السِّحْرِ الأدْوِيَةُ الإلَهِيَّةُ، بَلْ هي أدْوِيَتُهُ النّافِعَةُ بِالذّاتِ، فَإنَّهُ مِن تَأْثِيراتِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ السُّفْلِيَّةِ، ودَفْعُ تَأْثِيرِها يَكُونُ بِما يُعارِضُها ويُقاوِمُها مِنَ الأذْكارِ والآياتِ والدَّعَواتِ الَّتِي تُبْطِلُ فِعْلَها وتَأْثِيرَها، وكُلَّما كانَتْ أقْوى وأشَدَّ كانَتْ أبْلَغَ في النُّشْرَةِ، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التِقاءِ جَيْشَيْنِ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عُدَّتُهُ وسِلاحُهُ، فَأيُّهُما غَلَبَ الآخَرَ قَهَرَهُ، وكانَ الحُكْمُ لَهُ، فالقَلْبُ إذا كانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ مَغْمُورًا بِذِكْرِهِ، ولَهُ مِنَ التَّوَجُّهاتِ والدَّعَواتِ والأذْكارِ والتَّعَوُّذاتِ وِرْدٌ لا يُخِلُّ بِهِ يُطابِقُ فِيهِ قَلْبُهُ لِسانَهُ، كانَ هَذا مِن أعْظَمِ الأسْبابِ الَّتِي تَمْنَعُ إصابَةَ السِّحْرِ لَهُ، ومِن أعْظَمِ العِلاجاتِ لَهُ بَعْدَ ما يُصِيبُهُ. وَعِنْدَ السَّحَرَةِ: أنَّ سِحْرَهم إنَّما يَتِمُّ تَأْثِيرُهُ في القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ المُنْفَعِلَةِ، والنُّفُوسِ الشَّهْوانِيَّةِ الَّتِي هي مُعَلَّقَةٌ بِالسُّفْلِيّاتِ، ولِهَذا فَإنَّ غالِبَ ما يُؤَثِّرُ في النِّساءِ والصِّبْيانِ والجُهّالِ وأهْلِ البَوادِي، ومَن ضَعُفَ حَظُّهُ مِنَ الدِّينِ والتَّوَكُّلِ والتَّوْحِيدِ، ومَن لا نَصِيبَ لَهُ مِنَ الأوْرادِ الإلَهِيَّةِ والدَّعَواتِ والتَّعَوُّذاتِ النَّبَوِيَّةِ. وَبِالجُمْلَةِ: فَسُلْطانُ تَأْثِيرِهِ في القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ المُنْفَعِلَةِ الَّتِي يَكُونُ مَيْلُها إلى السُّفْلِيّاتِ، قالُوا: والمَسْحُورُ هو الَّذِي يُعِينُ عَلى نَفْسِهِ، فَإنّا نَجِدُ قَلْبَهُ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ كَثِيرُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، فَيَتَسَلَّطُ عَلى قَلْبِهِ بِما فِيهِ مِنَ المَيْلِ والِالتِفاتِ، والأرْواحُ الخَبِيثَةُ إنَّما تَتَسَلَّطُ عَلى أرْواحٍ تَلْقاها مُسْتَعِدَّةً لِتَسَلُّطِها عَلَيْها بِمَيْلِها إلى ما يُناسِبُ تِلْكَ الأرْواحَ الخَبِيثَةَ، وبِفَراغِها مِنَ القُوَّةِ الإلَهِيَّةِ، وعَدَمِ أخْذِها لِلْعُدَّةِ الَّتِي تُحارِبُها بِها، فَتَجِدُها فارِغَةً لا عُدَّةَ مَعَها، وفِيها مَيْلٌ إلى ما يُناسِبُها، فَتَتَسَلَّطُ عَلَيْها، ويَتَمَكَّنُ تَأْثِيرُها فِيها بِالسِّحْرِ وغَيْرِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الفلق 113:5

فصل الشر الرابع: شر الحاسد إذا حسد. وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود. فنفس حسده شر متصل بالمحسود من نفسه وعينه وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه. فإن الله تعالى قال: ﴿وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ فحقق الشر منه عند صدور الحسد. والقرآن ليس فيه لفظة مهملة. ومعلوم أن الحاسد لا يسمى حاسدا إلا إذا قام به الحسد، كالضارب، والشاتم، والقاتل ونحو ذلك. ولكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود، لاه عنه، فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعث نار الحسد من قلبه إليه، وتوجهت إليه سهام الحسد من قبله. فيتأذى المحسود بمجرد ذلك. فإن لم يستعذ بالله ويتحصن به، ويكون له أوراد من الأذكار والدعوات والتوجه إلى الله والإقبال عليه، بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على الله، وإلا ناله شر الحاسد ولا بد. فقوله تعالى: ﴿إذا حَسَدَ﴾ بيان لأن شره إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بالفعل. وأيضا لو كان ذلك بحيلة - كما قال هؤلاء - لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها من الزيبق. وبيان ذلك المحال ولم يحتج إلى إلقاء العصا لابتلاعها. وأيضا: فمثل هذه الحيلة لا يحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة، بل يكفي فيها حذاق الصاع. ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة، وخضوعه لهم، ووعدهم بالتقريب والجزاء. وأيضا: فإنه لا يقال في ذلك ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فإن الصناعات يشترك الناس في تعلمها وتعليمها. وبالجملة: فبطلان هذا أظهر أن يتكلف رده، فلنرجع إلى المقصود. وقد تقدم في حديث أبي سعيد الصحيح: رقية جبريل النبي ﷺ وفيها «بسم الله أرقيك. من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك» فهذا فيه الاستعاذة من شر عين الحاسد. ومعلوم أن عينه لا تؤثر بمجردها، إذا لو نظر إليه نظر لاه ساه عنه، كما ينظر إلى الأرض والجبل وغيره، لم يؤثر فيه شيئا، وإنما إذا نظر إليه نظر من قد تكيّفت نفسه الخبثة وانسمّت، واحتدت فصارت نفسا غضبية خبيثة حاسدة أثرت بها تلك النظرة فأثرت في المحسود تأثيرا بحسب صفة ضعفه، وقوة نفس الحاسد. فربما أعطبه وأهلكه، بمنزلة من فوّق سهما نحو رجل عريان فأصاب منه مقتلا. وربما صرعه وأمرضه. والتجارب عند الخاصة والعامة بهذا أكثر من أن تذكر. وهذه العين إنما تأثيرها بواسطة النفس الخبيثة. وهي في ذلك بمنزلة الحيّة التي إنما يؤثر سمها إذا عضّت واحتدت فإنها تتكيف بكيفية الغضب والخبث، فتحدث فيها تلك الكيفية السمّ، فتؤثر في اللديغ، وربما قويت تلك الكيفية واشتدت في نوع منها حتى تؤثر بمجرد نظرة. فتطمس البصر، وتسقط الحبل. كما ذكره النبي ﷺ في الأبتر، وذي الطّفيتين منها. فقال «اقتلوهما فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل» فإذا كان هذا في الحيات فما الظن في النفوس الشريرة الغضبية الحاسدة، إذا تكيفت بكيفيتها الغضبية، وانسمت وتوجهت إلى المحسود بكيفيتها؟ فلله كم من قتيل؟ وكم من سليب؟ وكم من معافى عاد مضنى على فراشه، يقول طبيبه: لا أعلم داءه ما هو؟ فصدق. ليس هذا الداء من علم الطبائع. هذا من علم الأرواح وصفاتها. وكيفياتها ومعرفة تأثيراتها في الأجسام والطبائع، وانفعال الأجسام عنها. وهذا علم لا يعرفه إلا خواص الناس، والمحجوبون منكرون له. ولا يعلم تأثير ذلك وارتباطه بالطبيعة وانفعالها عنه إلا من له نصيب من ذوقه. وهل الأجسام إلا كالخشب الملقى؟ وهل الانفعال والتأثير، وحدوث ما يحدث عنها من الأفعال العجيبة، والآثار الغريبة إلا من الأرواح، والأجسام آلتها بمنزلة الصانع؟ فالصنعة في الحقيقة له، والآلات وسائط في وصول أثره إلى الصنع. ومن له أدنى فطنة وتأمل لأحوال العالم وقد لطفت روحه، وشاهدت أحوال الأرواح وتأثيرتها، وتحريكها الأجسام وانفعالها عنها. وكل ذلك بتقدير العزيز العليم، خالق الأسباب والمسببات - رأى عجائب في الكون، وآيات دالة على وحدانية الله، وعظمة ربوبيته، وأن ثم عالما آخر تجرى عليه أحكام أخر، تشهد آثارها. وأسبابها غيب عن الأبصار. فتبارك الله رب العالمين. وأحسن الخالقين الذي أتقن ما صنع، وأحسن كل شيء خلقه. ولا نسبة لعالم الأجسام إلى عالم الأرواح، بل هو أعظم وأوسع، وعجائبه أبهر وآياته أعجب. وتأمل هذا الهيكل الإنساني إذا فارقته الروح، كيف يصير بمنزلة الخشبة أو القطعة من اللحم؟ فأين ذهبت تلك العلوم والمعارف والعقل، وتلك الصنائع الغريبة، وتلك الأفعال العجيبة، وتلك الأفكار والتدبيرات؟ كيف ذهبت كلها مع الروح، وبقي الهيكل سواء هو والتراب؟ وهل يخاطبك من الإنسان أو يراك أو يحبك أو يواليك، أو يعاديك، ويخفّ عليك أو يثقل، ويؤنسك أو يوحشك إلا ذلك الأمر الذي هو وراء الهيكل المشاهد بالبصر؟ فرب رجل عظيم الهيولى كبير الجثة. خفيف على قلبك، حلو عندك. وآخر لطيف الخلقة، صغير الجثة، أثقل على قلبك من جبل. وما ذاك إلا للطافة روح ذاك وخفتها وحلاوتها، وكثافة هذا وغلظ روحه ومرارتها. وبالجملة: فالعلق والوصل التي بين الأشخاص والمنافرات والبعد: إنما هي للأرواح أصلا والأشباح تبعا. (فصل) والعاين والحاسد يشتركان في شيء، ويفترقان في شيء. فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه، وتتوجه نحو من يريد أذاه. فالعائن: تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته. والحاسد: يحصل له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضا. ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده، من جماد أو حيوان، أو زرع أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه. وربما أصابت عينه نفسه. فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق، مع تكيف نفسه بتلك الكيفية: تؤثر في العين. وقد قال غير واحد من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ إنه الإصابة بالعين. أرادوا أن يصيبوا بها رسول الله ﷺ. فنظر إليه قوم من العائنين، وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حجته. وكان طائفة منهم تمر به الناقة والبقرة السمينة فيعينها، ثم يقول لخادمه: خذ المكتل والدرهم وائتنا بشيء من لحمها. فما تبرح حتى تقع. فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل، ثم يرفع جانب خبائه، فتمر به الإبل، فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه. فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها طائفة. فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله ﷺ بالعين، ويفعل به كفعله في غيره. فعصم الله رسوله وحفظه. وأنزل عليه وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ هذا قول طائفة. وقالت طائفة أخرى، منهم ابن قتيبة: ليس المراد: أنهم يصيبونك بالعين، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه. وإنما أراد: أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، يكاد يسقطك. قال الزجاج: يعني من شدة العداوة يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في الكلام. يقول القائل: نظر إليّ نظرا كاد يصرعني. قال: ويدل على صحة هذا المعنى: أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن، وهم كانوا يكرهون ذلك أشدّ الكراهية، فيحدّون إليه النظر بالبغضاء. قلت: النظر الذي يؤثر في المنظور: قد يكون سببه شدة العداوة والحسد فيؤثر نظره فيه، كما تؤثر نفسه بالحسد، ويقوى تأثير النفس عند المقابلة. فإن العدو إذا غاب عن عدوه فقد يشغل نفسه عنه. فإذا عاينه قبلا اجتمعت الهمة عليه، وتوجهت النفس بكليتها إليه. فيتأثر بنظره، حتى إن من الناس من يسقط، ومنهم من يحمّ، ومنهم من يحمل إلى بيته. وقد شاهد الناس من ذلك كثيرا. وقد يكون سببه الإعجاب. وهو الذي يسمونه: بإصابة العين. وهو أن الناظر يرى الشيء رؤية إعجاب به أو استعظام، فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في المعين. وهذا هو الذي يعرفه الناس من رؤية المعين. فإنهم يستحسنون الشيء ويعجبون منه، فيصاب بذلك. قال عبد الرزاق: عن معمر عن هشام بن قتيبة قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «العين حق. ونهى عن الوشم». وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة عن عامر عن عبيد بن رفاعة «أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين، أفنسترقي لهم؟ قال: نعم. فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين». فالكفار كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العداوة. فهو نظر يكاد يزلقه. لولا حفظ الله وعصمته. فهذا أشد من نظر العائن، بل هو جنس من نظر العائن فمن قال: إنه من الإصابة بالعين أراد: هذا المعنى. ومن قال: ليس به. أراد: أن نظرهم لم يكن نظر استحسان وإعجاب. فالقرآن حق. وقد روى الترمذي من حديث أبي سعيد «أن النبي ﷺ كان يتعوذ من عين الإنسان» فلولا أن العين شر لم يتعوذ منها. وفي الترمذي من حديث على بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير حدثني حابس بن حبة التميمي حدثني أبي: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «لا شيء في الهام. والعين حق». وفيه أيضا من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال «كان رسول الله ﷺ يقول: لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» وفي الباب عن عبد الله بن عمرو. وهذا حديث صحيح. والمقصود: أن العائن حاسد خاص. وهو أضر من الحاسد. ولهذا - والله أعلم - إنما جاء في السورة ذكر الحساد دون العائن. لأنه أعم. فكل عائن حاسد ولا بد. وليس كل حاسد عائنا. فإذا استعاذ من شر الحاسد دخل فيه العائن. وهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته. وأصل الحسد: هو بغض نعمة الله على المحسود، وتمني زوالها. فالحاسد عدو النعم. وهذا الشر هو من نفسه وطبعها. ليس هو شيئا اكتسبه من غيرها، بل هو من خبثها وشرها، بخلاف السحر. فإنه إنما يكون باكتساب أمور أخرى، واستعانة بالأرواح الشيطانية. فلهذا - والله أعلم - قرن في السورة بين شر الحاسد وشر الساحر. لأن الاستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن. فالحسد من شياطين الإنس والجن، والسحر من النوعين. وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن، وهو الوسوسة في القلب. فذكره في السورة الأخرى، كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله. فالحاسد والساحر يؤذيان المحسود والمسحور بلا عمل منه. بل هو أذى من أمر عنه. ففرق بينهما في الذكر في سورة الفلق. والوسواس إنما يؤذي العبد من داخل بواسطة مساكنته له، وقبوله منه. ولهذا يعاقب العبد على الشر الذي يؤذيه به الشيطان من الوساوس التي تقترن بها الأفعال، والعزم الجازم. لأن ذلك بسعيه وإرادته، بخلاف شر الحاسد والساحر فإنه لا يعاقب عليه. إذ لا يضاف إلى كسبه ولا إرادته. فلهذا أفرد شر الشيطان في سورة، وقرن بين شر الساحر والحاسد في سورة. وكثيرا ما يجتمع في القرآن الحسد والسحر للمناسبة. ولهذا كان اليهود أسحر الناس وأحسدهم. فإنهم لشدة خبثهم: فيهم من السحر والحسد ما ليس في غيرهم. وقد وصفهم الله في كتابه بهذا وهذا. فقال: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. والكلام على أسرار هذه الآية وأحكامها وما تضمنته من القواعد والرد على من أنكر السحر، وما تضمنته من الفرقان بين السحر وبين المعجزات الذي أنكره من أنكر السحر خشية الالتباس. وقد تضمنت الآية أعظم الفرقان بينهما - في موضع غير هذا. وإذ المقصود الكلام على أسرار هاتين السورتين وشدة حاجة الخلق إليهما، وأنه لا يقوم غيرهما مقامهما. وأما وصفهم بالحسد فكثير في القرآن. كقوله تعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وفي قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾. والشيطان يقارن الساحر والحاسد، ويحادثهما ويصاحبهما. ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان. لأن الحاسد شبيه بإبليس، وهو في الحقيقة من أتباعه. لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس، وزوال نعم الله عنهم، كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسدا. فالحاسد من جند إبليس. وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه. وربما يعبده من دون الله، حتى يقضي له حاجته، وربما يسجد له. وفي كتب السحر والسر المكتوم من هذا عجائب. ولهذا كلما كان الساحر أكفر وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ. وكان سحر عباد الأصنام أقوى من أهل الكتاب، وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين إلى الإسلام. وهم الذين سحروا رسول الله ﷺ. وفي الموطأة عن كعب قال: «كلمات أحفظهن من التوراة، لولاها لجعلتني يهود حمارا: أعوذ بوجه الله العظيم، الذي لا شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى، ما علمت منها وما لم أعلم: من شر ما خلق، وذرأ، وبرأ». والمقصود: أن الساحر والحاسد كل منهما قصده الشر، لكن الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود، والشيطان يقترن به ويعينه، ويزين له حسده، ويأمره بموجبه. والساحر بعلمه، وكسبه، واستعانته بالشياطين. (فصل) وقوله: ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ يعم الحاسد من الجن والإنس. فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله. كما حسد إبليس أبانا آدم، وهو عدو لذريته، كما قال تعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ولكن الوسواس أخص بشياطين الجن، والحسد أخص بشياطين الإنس. والوسواس يعمهما، كما سيأتي بيانهما. والحسد يعمهما أيضا. فكلا الشيطانين حاسد موسوس. فالاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعا. فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم. وتضمنت شرورا أربعة يستعاذ منها: شرا عاما. وهو شر ما خلق. وشر الغاسق إذا وقب. فهذان نوعان. ثم ذكر شر الساحر والحاسد، وهما نوعان أيضا. لأنهما من شر النفس الشريرة. وأحدهما يستعين بالشيطان ويعبده، وهو الساحر. وقلّما يتأتى السحر بدون نوع عبادة للشيطان، وتقرب إليه: إما بذبح باسمه، أو بذبح يقصد به هو، فيكون ذبحا لغير الله، وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق. والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان. فهو عبادة له، وإن سماه بما سماه به. فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه. فمن سجد لمخلوق، وقال: ليس هذا بسجود له، هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة، كما أقبّلها بالنعم، أو هذا إكرام: لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودا لغير الله فليسمه بما يشاء. وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به، وتقرب إليه بما يحب. فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، بل يسميه استخداما، وصدق. هو استخدام من الشيطان له. فيصير من خدم الشيطان وعابديه. وبذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة. فإن الشيطان لا يخضع له ولا يعبده، كما يفعل هو به. والمقصود: أن هذا عبادة منه للشيطان. وإنما سماه استخداما. قال تعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا: سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. فهؤلاء وأشباههم عباد الجن والشياطين. وهم أولياؤهم في الدنيا والآخرة. ولبئس المولى، ولبئس العشير. فهذا أحد النوعين. والنوع الثاني: من يعينه الشيطان، وإن لم يستعن هو به. وهو الحاسد. لأنه نائبة وخليفته. لأن كليهما عدو نعم الله، ومنغصها على عباده. (فصل) وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله «إذا حسد» لأن الرجل قد يكون عنده حسد، ولكن يخفيه، ولا يرتب عليه أذى بوجه ما، لا بقلبه، ولا بلسانه، ولا بيده، بل يجد في قلبه شيئا من ذلك ولا يعامل أخاه إلا بما يحب الله. فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه الله. وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك لإخوة يوسف. لكن الفرق بين القوة التي في قلبه من ذلك وهو لا يطيعها ولا يأتمر بها، بل يعصيها طاعة الله وخوفا وحياء منه، وإجلالا له. أن يكره نعمه على عباده، فيرى ذلك مخالفة لله وبغضا لما يحب الله، ومحبة لما يبغضه. فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك، ويلزمها بالدعاء للمحسود، وتمنى زيادة الخير له، بخلاف ما إذا حقق ذلك وحسده، ورتب على حسده مقتضاة: من الأذى بالقلب، واللسان والجوارح فهذا الحسد المذموم. هذا كله حسد تمنى الزوال. وللحسد ثلاث مراتب: إحداها هذه. والثانية: تمنى استصحاب عدم النعمة. فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو شتات قلبه عن الله، أو قلة دينه. فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب. فهذا حسد على شيء مقدر. والأول حسد على شيء محقق. وكلاهما حاسد، عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله تعالى، وعند الناس. ولا يسود أبدا، ولا يواسى فإن الناس لا يسوّدون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم. فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسوّدونه باختيارهم أبدا إلا قهرا يعدونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم الله بها. فهم يبغضونه وهو يبغضهم. والحسد الثالث: حسد الغبطة، وهو تمنى أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه. فهذا لا بأس به، ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة، وقد قال تعالى: ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، وسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة. فهو يقضى بها ويعلمها الناس» فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه كبر نفسه، وحب خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، وأن يكون من سبّاقهم وعليتهم ومصلّيهم لا من فساكلهم «١» فتحدث له من هذه الهمة المنافسة والمسابقة والمسارعة، مع محبته لمن يغبطه، وتمنى دوام نعمة الله عليه. فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما. فهذه السورة من أكبر أدوية الحسد. فإنها تتضمن التوكل على الله، والالتجاء إليه، والاستعاذة به من شر حاسد النعمة. فهو مستعيذ بولي النعم وموليها. كأنه يقول: يا من أولاني نعمته وأسداها إليّ أنا عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني، ويزيلها عني. وهو حسب من توكل عليه، وكافى من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستعير. وهو نعم المولى ونعم النصير. فمن تولاه واستنصر به، وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه، تولاه وحفظه وحرسه وصانه. ومن خافه واتقاه أمّنه مما يخاف ويحذر. وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته. فإن الله بالغ أمره. وقد جعل الله لكل شيء قدرا. لا يتقدم عنه ولا يتأخر. ومن لم يخفه أخافه من كل شيء، وما خاف أحد غير الله إلا لنقص خوفه من الله. قال تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقال: ﴿إنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي يخوفكم بأوليائه، ويعظمهم في صدوركم. فلا تخافوهم، وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم. (فصل) ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب. أحدها: التعوذ بالله من شره، والتحصن به واللجأ إليه. وهو المقصود بهذه السورة، والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه، والسمع هنا المراد به: سمع الإجابة، لا السمع العام. فهو مثل قوله: «سمع الله لمن حمده» وقول الخليل ﷺ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ومرة يقرنه بالعلم، ومرة بالبصر، لاقتضاء حال المستعيذ ذلك. فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه، ويعلم كيده وشره. فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ ذلك. فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه، ويعلم كيده وشره. فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي مجيب عليم بكيد عدوه، يراه ويبصره، لينبسط أمل المستعيذ، ويقبل بقلبه على الدعاء. وتأمل حكمة القرآن، كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ «السميع العليم» في الأعراف وحم السجدة. وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ «السميع البصير» في سورة حم المؤمن. فقال: ٤٠: ٥٦ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ، إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر. وأما نزغ الشيطان فوساوس، وخطرات يلقيها في القلب، يتعلق بها العلم. فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها. وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر، ويدرك بالرؤية. والله أعلم. السبب الثاني: تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه. فمن اتقى الله تولّى الله حفظه، ولم يكله إلى غيره. قال تعالى: ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك» فمن حفظ الله حفظه الله، ووجده أمامه أينما توجه. ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف؟ ومن يحذر؟ السبب الثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا. فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، والتوكل على الله ولا يستطل تأخيره وبغيه. فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندا وقوة للمبغى عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه. وهو لا يشعر. فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه. ولو رأى المبغي عليه ذلك لسرّه بغيه عليه. ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي، دون آخره ومآله. وقد قال تعالى: ﴿وَمَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ فإذا كان الله قد ضمن له النصر، مع أنه قد استوفى حقه أولا، فكيف بمن لم يستوف شيئا من حقه، بل بغى عليه وهو صابر؟ وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم. وقد سبقت سنة الله: أنه لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا. السبب الرابع: التوكل على الله. فمن يتوكل على الله فهو حسبه. والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم. وهو من أقوى الأسباب في ذلك. فإن الله حسبه، أي كافيه. ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد، والجوع والعطش، وإما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا. وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له، وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه. قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه، وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجا من ذلك، وكفاه ونصره. وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده، وعظم منفعته، وشدة حاجة العبد إليه في «كتاب الفتح القدسي» وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة، وأنه من مقامات العوام. وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة. وبينا أنه من أجلّ مقامات العارفين، وأنه كلما علا مقام العبد كانت حاجته إلى التوكل أعظم وأشد، وأنه على قدر إيمان العبد يكون توكله. وإنما المقصود هنا ذكر الأسباب التي يندفع بها شر الحاسد، والعائن، والساحر، والباغي. السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له. فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه. وهذا من أنفع الأدوية، وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره. فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه، بل انعزل عنه لم يقدر عليه. فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه، حصل الشر وهكذا الأرواح سواء. فإذا علق روحه وشبّثها به، وروح الحاسد الباغي متعلقة به يقظة ومناما، لا يفتر عنه، وهو يتمنى أن يتماسك الروحان ويتشبثا. فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى عدم القرار. ودام الشر، حتى يهلك أحدهما. فإذا جبذ روحه منه، وصانها عن الفكر فيه والتعلق به، وأن لا يخطره بباله. فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر، والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به. بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضا. فإن الحسد كالنار، فإذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضا. وهذا باب عظيم النفع لا يلقّاه إلّا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العلية، وبين الكيس الفطن وبينه حتى يذوق حلاوته وطيبه ونعيمه كأنه يرى من أعظم عذاب القلب والروح اشتغاله بعدوه، وتعلق روحه به، ولا يرى شيئا آلم لروحه من ذلك، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوادعة اللينة، التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها. فوثقت بالله، وسكنت إليه، واطمأنت به، وعلمت أن ضمانه حق، ووعده صدق، وأنه لا أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلا. فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم، وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها، أو نصر مخلوق مثلها لها، ولا يقوى على هذا إلا بالسبب السادس: وهو الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه، وأمانيها تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئا فشيئا، حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية. فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه وتملقه وترضيه، واستعطافه وذكره، كما يذكر المحب التام المحبة محبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه. فلا يستطيع قلبه انصرافا عن ذكره، ولا روحه انصرافا عن محبته. فإذا صار كذلك فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معمورا بالفكر في حاسده والباغي عليه، والطريق إلى الانتقام منه، والتدبير عليه؟ هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله، وطلب مرضاته. بل إذا مسّه طيف من ذلك واجتاز ببابه من خارج، ناداه حرس قلبه: إياك وحمى الملك. اذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حلّ فيها، ونزل بها. مالك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليزك وأدار عليه الحرس، وأحاطه بالسور، قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس: أنه قال: ٣٨: ٨٢، ٨٣ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ، إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ فقال تعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ وقال: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقال في حق الصديق يوسف ﷺ: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾. فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن، وصار داخل اليزك، لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصّن به. ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾. السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه. فإن الله تعالى يقول: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وقال لخير الخلق، وهم أصحاب نبيه دونه ﷺ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾. فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها. وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره. وفي الدعاء المشهور «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم. واستغفرك لما لا أعلم». فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه. فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب. ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه، فقال له: قف حتى أدخل البيت، ثم أخرج إليك. فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب، وأناب إلى ربه. ثم خرج إليه فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به عليّ. وسنذكر إن شاء الله تعالى أنه ليس في الوجود شر إلّا الذنوب وموجباتها. فإذا عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها. فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنقع له من التوبة النصوح. وعلامة سعادته: أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فيشتغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها. فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به، بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه. والله يتولى نصرته وحفظه، والدفع عنه ولا بد. فما أسعده من عبد، وما أبركها من نازلة نزلت به. وما أحسن أثرها عليه، ولكن التوفيق والرشد بيد الله. لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. فما كل أحد يوفق لهذا. لا معرفة به، ولا إرادة له، ولا قدرة عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه. فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء، ودفع العين، وشر الحاسد. ولو لم يكن في هذا إلا بتجارب الأمم قديما وحديثا لكفى به. فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد. وكانت له فيه العاقبة الحميدة. فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جنّة واقية، وحصن حصين. وبالجملة: فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها. ومن أقوى الأسباب: حسد الحاسد والعائن. فإنه لا يفتر ولا يني، ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود. فحينئذ يبرد أنينه، وتتطفئ ناره، لا أطفأها الله. فما حرس العبد نعمة الله بمثل شكرها، ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله. وهو كفران النعمة. وهو باب إلى كفران المنعم. فالمحسن المتصدق يستخدم جندا وعسكرا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه. فمن لم يكن له جند ولا عسكر، وله عدو. فإنه يوشك أن يظفر به عدوه، وإن تأخرت مدة الظفر. والله المستعان. السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس، وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله - وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه. فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا، وله نصيحة، وعليه شفقة. وما أظنك تصدّق بأن هذا يكون، فضلا عن أن تتعاطاه. فاسمع الآن قوله عز وجل: {وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ} وقال: ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا، ويَدْرَؤُنَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ. ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾. وتأمل حال النبي ﷺ إذ ضربه قومه حتى أدموه. فجعل يسلت الدم عنه، ويقول «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان، قابل بها إساءتهم العظيمة إليه؟ أحدها: عفوه عنهم. والثاني: استغفاره لهم. والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون. والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه. فقال «اغفر لقومي» كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به. هذا ولدي: هذا غلامي. هذا صاحبي، فهبه لي. واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس، ويطيبه إليها وينعمها به. اعلم أن لك ذنوبا بينك وبين الله، تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك. ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة، حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله. فإذا كنت ترجو هذا من ربك، وتحب أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم؟ ليعاملك الله تلك المعاملة. فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك، جزاء وفاقا. فانتقم بعد ذلك، أو اعف، وأحسن أو اترك. فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يفعل معك. فمن تصور هذا المعنى، وشغل به فكره. هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه. وهذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة. كما قال النبي ﷺ للذي شكا إليه قرابته، وأنه يحسن إليهم، وهم يسيئون إليه. فقال «لا يزال معك من الله ظهير، ما دمت على ذلك». هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلهم معه على خصمه. فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير، وهو مسيء إليه. وجد قلبه وداءه وهمته مع المحسن على المسيء. وذلك أمر فطري، فطر الله عليه عباده. فهو بهذا الإحسان، قد استخدم عسكرا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعا ولا خبزا. هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملكه بإحسانه، فيستعبده وينقاد له، ويذل له، ويبقى الناس إليه. وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره، إن أقام على إساءته إليه. فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة. والله هو الموفق والمعين. بيده الخير كله، لا إله غيره، وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه. وفي الجملة: ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد عاجلة وآجلة. سنذكرها في موضع آخر إن شاء الله تعالى. السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها، وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه. فهو الذي يحسن عبده بها. وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه. قال تعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك». فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمنا بالله فالله يدافع عنه ولا بد. وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه. فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج، مزج له. وإن كان مرة الله عليه جملة. ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة. فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء. ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء. هذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى الله وإقباله عليه، وتوكله عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه. ولا يرجو إلا إياه. ومتى علّق قلبه بغيره ورجاه وخافه: وكل إليه وخذل من جهته، فمن خاف شيئا غير الله سلّط عليه. ومن رجا شيئا سوى الله خذل من جهته وحرم خيره. هذه سنة الله في خلقه. ولن تجد لسنة الله تبديلا. (فصل) فقد عرفت بعض ما اشتملت عليه هذه السورة من القواعد النافعة المهمة التي لا غنى للعبد عنها في دينه ودنياه، ودلت على أن نفوس الحاسدين وأعينهم لها تأثير، وعلى أن الأرواح الشيطانية لها تأثير بواسطة السحر والنّفث في العقد. وقد افترق العالم في هذا المقام أربع فرق. ففرقة: أنكرت تأثير هذا وهذا. وهم فرقتان. فرقة: اعترفت بوجود النفوس الناطقة والجن، وأنكرت تأثيرهما ألبتة. وهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقوى والتأثيرات. وفرقة أنكرت وجودهما بالكلية. وقالت: لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل المحسوس، وصفاته وأعراضه فقط. ولا وجود للجن والشياطين سوى أعراض قائمة به. وهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى الإسلام. وهو قول شذاذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف، وشهدوا عليهم بالبدعة والضلالة. الفرقة الثانية: أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن، وأقرت بوجود الجن والشياطين، وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم. الفرقة الثالثة: بالعكس، أقرت وجود النفس الناطقة المفارقة البدن، وأنكرت وجود الجن والشياطين. وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها. وهذا قول كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم. وهؤلاء يقولون إن ما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة فهو من تأثيرات النفس، ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس وحدها، بغير واسطة شيطان منفصل، وابن سينا وأتباعه على هذا القول، حتى إنهم يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب. ويقولون إنما هي من تأثيرات النفس في هيولى العالم. وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل. ليسوا من أتباع الرسل جملة. الفرقة الرابعة: وهم أتباع الرسل، وأهل الحق: أقروا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن، وأقروا بوجود الجن والشياطين، وأثبتوا ما أثبته الله تعالى من صفاتهما، وشرهما، واستعاذوا بالله منه. وعلموا أنه لا يعيذهم منه، ولا يجيرهم إلّا الله. فهؤلاء أهل الحق. ومن عداهم مفرط في الباطل، أو معه باطل وحق. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فهذا ما يسر الله من الكلام على سورة الفلق. [فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ المُصابِ بِالعَيْنِ] فَصْلٌ فُصُولٌ في هَدْيِهِ ﷺ في العِلاجِ بِالأدْوِيَةِ الرُّوحانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ المُفْرَدَةِ، والمُرَكَّبَةِ مِنها، ومِنَ الأدْوِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ المُصابِ بِالعَيْنِ رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ». وَفِي " صَحِيحِهِ " أيْضًا عَنْ أنس، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «رَخَّصَ في الرُّقْيَةِ مِنَ الحُمَةِ والعَيْنِ والنَّمْلَةِ» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «العَيْنُ حَقٌّ». وَفِي سُنَنِ أبي داود " عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «كانَ يُؤْمَرُ العائِنُ فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنهُ المَعِينُ». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة قالَتْ: «أمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ، أوْ أمَرَ أنْ نَسْتَرْقِيَ مِنَ العَيْنِ». وَذَكَرَ الترمذي، مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عروة بن عامر، عَنْ عبيد بن رفاعة الزرقي «أنَّ أسماء بنت عميس، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَنِي جَعْفَرٍ تُصِيبُهُمُ العَيْنُ أفَأسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقالَ: " نَعَمْ فَلَوْ كانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ القَضاءَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ» قالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: «رَأى عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ، فَقالَ: واللَّهِ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ولا جِلْدَ مُخَبَّأةٍ، قالَ: فَلُبِطَ سهل، فَأتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامرا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وقالَ: " عَلامَ يَقْتُلُ أحَدُكم أخاهُ ألا بَرَّكْتَ اغْتَسِلْ لَهُ "، فَغَسَلَ لَهُ عامر: وجْهَهُ ويَدَيْهِ، ومِرْفَقَيْهِ، ورُكْبَتَيْهِ، وأطْرافَ رِجْلَيْهِ، وداخِلَةَ إزارِهِ في قَدَحٍ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ، فَراحَ مَعَ النّاسِ». وَرَوى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أيْضًا عَنْ محمد بن أبي أمامة بن سهل، عَنْ أبِيهِ هَذا الحَدِيثَ وقالَ فِيهِ: " «إنَّ العَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأْ لَهُ "فَتَوَضَّأ لَهُ». وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنِ ابن طاووس، عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا: «العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ، لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذا اسْتُغْسِلَ أحَدُكم فَلْيَغْتَسِلْ» وَوَصْلُهُ صَحِيحٌ. قالَ الزُّهْرِيُّ: يُؤْمَرُ الرَّجُلُ العائِنُ بِقَدَحٍ، فَيُدْخِلُ كَفَّهُ فِيهِ، فَيَتَمَضْمَضُ، ثُمَّ يَمُجُّهُ في القَدَحِ، ويَغْسِلُ وجْهَهُ في القَدَحِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُسْرى فَيَصُبُّ عَلى رُكْبَتِهِ اليُمْنى في القَدَحِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنى فَيَصُبُّ عَلى رُكْبَتِهِ اليُسْرى، ثُمَّ يَغْسِلُ داخِلَةَ إزارِهِ، ولا يُوضَعُ القَدَحُ في الأرْضِ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ الَّذِي تُصِيبُهُ العَيْنُ مِن خَلْفِهِ صَبَّةً واحِدَةً. والعَيْنُ عَيْنانِ عَيْنٌ إنْسِيَّةٌ، وعَيْنٌ جِنِّيَّةٌ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أم سلمة، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في بَيْتِها جارِيَةً في وجْهِها سَفْعَةٌ، فَقالَ: «اسْتَرْقُوا لَها، فَإنَّ بِها النَّظْرَةَ». قالَ الحسين بن مسعود الفراء: وقَوْلُهُ " سَفْعَةٌ " أيْ نَظْرَةٌ يَعْنِي: مِنَ الجِنِّ، يَقُولُ بِها عَيْنٌ أصابَتْها مِن نَظَرِ الجِنِّ أنْفَذُ مِن أسِنَّةِ الرِّماحِ. وَيُذْكَرُ عَنْ جابر يَرْفَعُهُ «إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ». وَعَنْ أبي سعيد، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «كانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الجانِّ، ومِن عَيْنِ الإنْسانِ». فَأبْطَلَتْ طائِفَةٌ مِمَّنْ قَلَّ نَصِيبُهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ أمْرَ العَيْنِ، وقالُوا: إنَّما ذَلِكَ أوْهامٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهَؤُلاءِ مِن أجْهَلِ النّاسِ بِالسَّمْعِ والعَقْلِ، ومِن أغْلَظِهِمْ حِجابًا، وأكْثَفِهِمْ طِباعًا، وأبْعَدِهِمْ مَعْرِفَةً عَنِ الأرْواحِ والنُّفُوسِ. وصِفاتِها وأفْعالِها وتَأْثِيراتِها، وعُقَلاءُ الأُمَمِ عَلى اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ ونِحَلِهِمْ لا تَدْفَعُ أمْرَ العَيْنِ، ولا تُنْكِرُهُ، وإنِ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ وجِهَةِ تَأْثِيرِ العَيْنِ. فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ العائِنَ إذا تَكَيَّفَتْ نَفْسُهُ بِالكَيْفِيَّةِ الرَّدِيئَةِ انْبَعَثَ مِن عَيْنِهِ قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالمَعِينِ، فَيَتَضَرَّرُ. قالُوا: ولا يُسْتَنْكَرُ هَذا، كَما لا يُسْتَنْكَرُ انْبِعاثُ قُوَّةٍ سُمِّيَّةٍ مِنَ الأفْعى تَتَّصِلُ بِالإنْسانِ، فَيَهْلَكُ، وهَذا أمْرٌ قَدِ اشْتُهِرَ عَنْ نَوْعٍ مِنَ الأفاعِي أنَّها إذا وقَعَ بَصَرُها عَلى الإنْسانِ هَلَكَ، فَكَذَلِكَ العائِنُ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: لا يُسْتَبْعَدُ أنْ يَنْبَعِثَ مِن عَيْنِ بَعْضِ النّاسِ جَواهِرُ لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، فَتَتَّصِلُ بِالمَعِينِ، وتَتَخَلَّلُ مَسامَّ جِسْمِهِ، فَيَحْصُلُ لَهُ الضَّرَرُ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: قَدْ أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِخَلْقِ ما يَشاءُ مِنَ الضَّرَرِ عِنْدَ مُقابَلَةِ عَيْنِ العائِنِ لِمَن يَعِينُهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ قُوَّةٌ، ولا سَبَبٌ، ولا تَأْثِيرٌ أصْلًا، وهَذا مَذْهَبُ مُنْكِرِي الأسْبابِ والقُوى والتَّأْثِيراتِ في العالَمِ، وهَؤُلاءِ قَدْ سَدُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بابَ العِلَلِ والتَّأْثِيراتِ، والأسْبابِ وخالَفُوا العُقَلاءَ أجْمَعِينَ. وَلا رَيْبَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ في الأجْسامِ والأرْواحِ قُوًى وطَبائِعَ مُخْتَلِفَةً، وجَعَلَ في كَثِيرٍ مِنها خَواصَّ وكَيْفِيّاتٍ مُؤَثِّرَةً ولا يُمْكِنُ لِعاقِلٍ إنْكارُ تَأْثِيرِ الأرْواحِ في الأجْسامِ، فَإنَّهُ أمْرٌ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ. وَأنْتَ تَرى الوَجْهَ كَيْفَ يَحْمَرُّ حُمْرَةً شَدِيدَةً، إذا نَظَرَ إلَيْهِ مِن يَحْتَشِمُهُ ويَسْتَحِي مِنهُ، ويَصْفَرُّ صُفْرَةً شَدِيدَةً عِنْدَ نَظَرِ مَن يَخافُهُ إلَيْهِ، وقَدْ شاهَدَ النّاسُ مَن يَسْقَمُ مِنَ النَّظَرِ وتَضْعُفُ قُواهُ، وهَذا كُلُّهُ بِواسِطَةِ تَأْثِيرِ الأرْواحِ، ولِشِدَّةِ ارْتِباطِها بِالعَيْنِ يُنْسَبُ الفِعْلُ إلَيْها، ولَيْسَتْ هي الفاعِلَةَ، وإنَّما التَّأْثِيرُ لِلرُّوحِ، والأرْواحُ مُخْتَلِفَةٌ في طَبائِعِها وقُواها وكَيْفِيّاتِها وخَواصِّها، فَرُوحُ الحاسِدِ مُؤْذِيَةٌ لِلْمَحْسُودِ أذًى بَيِّنًا. وَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِن شَرِّهِ، وتَأْثِيرُ الحاسِدِ في أذى المَحْسُودِ أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن هو خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإنْسانِيَّةِ، وهو أصْلُ الإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَإنَّ النَّفْسَ الخَبِيثَةَ الحاسِدَةَ تَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ خَبِيثَةٍ، وتُقابِلُ المَحْسُودَ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ بِتِلْكَ الخاصِّيَّةِ، وأشْبَهُ الأشْياءِ بِهَذا الأفْعى، فَإنَّ السُّمَّ كامِنٌ فِيها بِالقُوَّةِ، فَإذا قابَلَتْ عَدُوَّها انْبَعَثَتْ مِنها قُوَّةٌ غَضَبِيَّةٌ، وتَكَيَّفَتْ بِكَيْفِيَّةٍ خَبِيثَةٍ مُؤْذِيَةٍ. فَمِنها: ما تَشْتَدُّ كَيْفِيَّتُها وتَقْوى حَتّى تُؤَثِّرَ في إسْقاطِ الجَنِينِ. وَمِنها: ما تُؤَثِّرُ في طَمْسِ البَصَرِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الأبْتَرِ وذِي الطُّفْيَتَيْنِ مِنَ الحَيّاتِ: «إنَّهُما يَلْتَمِسانِ البَصَرَ، ويُسْقِطانِ الحَبَلَ». وَمِنها: ما تُؤَثِّرُ في الإنْسانِ كَيْفِيَّتُها بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ مِن غَيْرِ اتِّصالٍ بِهِ، لِشِدَّةِ خُبْثِ تِلْكَ النَّفْسِ، وكَيْفِيَّتِها الخَبِيثَةِ المُؤَثِّرَةِ، والتَّأْثِيرُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلى الِاتِّصالاتِ الجِسْمِيَّةِ، كَما يَظُنُّهُ مَن قَلَّ عِلْمُهُ ومَعْرِفَتُهُ بِالطَّبِيعَةِ والشَّرِيعَةِ، بَلِ التَّأْثِيرُ يَكُونُ تارَةً بِالِاتِّصالِ، وتارَةً بِالمُقابَلَةِ، وتارَةً بِالرُّؤْيَةِ، وتارَةً بِتَوَجُّهِ الرُّوحِ نَحْوَ مَن يُؤَثِّرُ فِيهِ، وتارَةً بِالأدْعِيَةِ، والرُّقى، والتَّعَوُّذاتِ، وتارَةً بِالوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، ونَفْسُ العائِنِ لا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُها عَلى الرُّؤْيَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أعْمى، فَيُوصَفُ لَهُ الشَّيْءُ فَتُؤَثِّرُ نَفْسُهُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَرَهُ، وكَثِيرٌ مِنَ العائِنِينَ يُؤَثِّرُ في المَعِينِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وقَدْ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم:٥١]. وَقالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ - مِن شَرِّ ما خَلَقَ - ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ - ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ - ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١-٥]. فَكُلُّ عائِنٍ حاسِدٌ، ولَيْسَ كُلُّ حاسِدٍ عائِنًا، فَلَمّا كانَ الحاسِدُ أعَمَّ مِنَ العائِنِ، كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ مِنهُ اسْتِعاذَةً مِنَ العائِنِ، وهي سِهامٌ تَخْرُجُ مِن نَفْسِ الحاسِدِ والعائِنِ نَحْوَ المَحْسُودِ والمَعِينِ تُصِيبُهُ تارَةً، وتُخْطِئُهُ تارَةً، فَإنْ صادَفَتْهُ مَكْشُوفًا لا وِقايَةَ عَلَيْهِ، أثَّرَتْ فِيهِ، ولا بُدَّ وإنْ صادَفَتْهُ حَذِرًا شاكِيَ السِّلاحِ لا مَنفَذَ فِيهِ لِلسِّهامِ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ، ورُبَّما رُدَّتِ السِّهامُ عَلى صاحِبِها، وهَذا بِمَثابَةِ الرَّمْيِ الحِسِّيِّ سَواءً، فَهَذا مِنَ النُّفُوسِ والأرْواحِ وذاكَ مِنَ الأجْسامِ والأشْباحِ. وَأصْلُهُ مِن إعْجابِ العائِنِ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ تَتْبَعُهُ كَيْفِيَّةُ نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ، ثُمَّ تَسْتَعِينُ عَلى تَنْفِيذِ سُمِّها بِنَظْرَةٍ إلى المَعِينِ، وقَدْ يَعِينُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ، وقَدْ يَعِينُ بِغَيْرِ إرادَتِهِ، بَلْ بِطَبْعِهِ، وهَذا أرْدَأُ ما يَكُونُ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وقَدْ قالَ أصْحابُنا وغَيْرُهم مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّ مَن عُرِفَ بِذَلِكَ، حَبَسَهُ الإمامُ، وأجْرى لَهُ ما يُنْفِقُ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ، وهَذا هو الصَّوابُ قَطْعًا. [فَصْلٌ: عِلاجُ المَعْيُونِ بِالتَّعَوُّذاتِ والرُّقى] فَصْلٌ والمَقْصُودُ: العِلاجُ النَّبَوِيُّ لِهَذِهِ العِلَّةِ، وهو أنْواعٌ، وقَدْ رَوى أبو داود في " سُنَنِهِ " عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: «مَرَرْنا بِسَيْلٍ، فَدَخَلْتُ، فاغْتَسَلْتُ فِيهِ، فَخَرَجْتُ مَحْمُومًا، فَنُمِيَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: " مُرُوا أبا ثابت يَتَعَوَّذُ " قالَ: فَقُلْتُ: يا سَيِّدِي! والرُّقى صالِحَةٌ؟ فَقالَ: لا رُقْيَةَ إلّا في نَفْسٍ أوْ حُمَةٍ أوْ لَدْغَةٍ». والنَّفْسُ: العَيْنُ، يُقالُ: أصابَتْ فُلانًا نَفْسٌ، أيْ: عَيْنٌ. والنّافِسُ: العائِنُ. واللَّدْغَةُ - بِدالٍ مُهْمَلَةٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ - وهي ضَرْبَةُ العَقْرَبِ ونَحْوَها. فَمِنَ التَّعَوُّذاتِ والرُّقى الإكْثارُ مِن قِراءَةِ المُعَوِّذَتَيْنِ، وفاتِحَةِ الكِتابِ، وآيَةِ الكُرْسِيِّ، ومِنها التَّعَوُّذاتُ النَّبَوِيَّةُ. نَحْوَ: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ». وَنَحْوَ: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ». وَنَحْوَ: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ الَّتِي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجِرٌ، مِن شَرِّ ما خَلَقَ وذَرَأ وبَرَأ، ومِن شَرِّ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِن شَرِّ ما يَعْرُجُ فِيها، ومِن شَرِّ ما ذَرَأ في الأرْضِ، ومِن شَرِّ ما يَخْرُجُ مِنها، ومِن شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ومِن شَرِّ طَوارِقِ اللَّيْلِ إلّا طارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يا رَحْمَنُ». وَمِنها: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ، ومِن شَرِّ عِبادِهِ، ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونِ». وَمِنها: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، وكَلِماتِكَ التّامّاتِ مِن شَرِّ ما أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أنْتَ تَكْشِفُ المَأْثَمَ والمَغْرَمَ، اللَّهُمَّ إنَّهُ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، ولا يُخْلَفُ وعْدُكُ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ». وَمِنها: «أعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ العَظِيمِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ، وبِكَلِماتِهِ التّامّاتِ الَّتِي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجِرٌ، وأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى ما عَلِمْتُ مِنها، وما لَمْ أعْلَمْ، مِن شَرِّ ما خَلَقَ، وذَرَأ، وبَرَأ، ومِن شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ لا أُطِيقُ شَرَّهُ، ومِن شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». وَمِنها: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وأنْتَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ نَفْسِي، وشَرِّ الشَّيْطانِ وشِرْكِهِ، ومِن شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». وَإنْ شاءَ قالَ: «تَحَصَّنْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، إلَهِي وإلَهِ كُلِّ شَيْءٍ، واعْتَصَمْتُ بِرَبِّي ورَبِّ كُلِّ شَيْءٍ، وتَوَكَّلْتُ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، واسْتَدْفَعْتُ الشَّرَّ بِلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ العِبادِ، حَسَبِيَ الخالِقُ مِنَ المَخْلُوقِ، حَسَبِيَ الرّازِقُ مِنَ المَرْزُوقِ، حَسْبِيَ الَّذِي هو حَسْبِي، حَسْبِيَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، حَسْبِيَ اللَّهُ وكَفى، سَمِعَ اللَّهُ لِمَن دَعا، لَيْسَ وراءَ اللَّهِ مَرْمى، حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ». وَمَن جَرَّبَ هَذِهِ الدَّعَواتِ والعُوَذَ؛ عَرَفَ مِقْدارَ مَنفَعَتِها، وشِدَّةَ الحاجَةِ إلَيْها وهي تَمْنَعُ وُصُولَ أثَرِ العائِنِ، وتَدْفَعُهُ بَعْدَ وُصُولِهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ إيمانِ قائِلِها، وقُوَّةِ نَفْسِهِ، واسْتِعْدادِهِ، وقُوَّةِ تَوَكُّلِهِ، وثَباتِ قَلْبِهِ، فَإنَّها سِلاحٌ والسِّلاحُ بِضارِبِهِ. [فَصْلٌ: ما يَقُولُهُ العائِنُ خَشْيَةً مِن ضَرَرِ عَيْنِهِ] فَصْلٌ وَإذا كانَ العائِنُ يَخْشى ضَرَرَ عَيْنِهِ وإصابَتَها لِلْمَعِينِ، فَلْيَدْفَعْ شَرَّها بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ بارِكْ عَلَيْهِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، لَمّا عانَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: " ألا بَرَّكْتَ " أيْ: قُلْتَ اللَّهُمَّ بارِكْ عَلَيْهِ. وَمِمّا يُدْفَعُ بِهِ إصابَةُ العَيْنِ قَوْلُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ كانَ إذا رَأى شَيْئًا يُعْجِبُهُ، أوْ دَخَلَ حائِطًا مِن حِيطانِهِ، قالَ: ما شاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وَمِنها: رُقْيَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَواها مسلم في " صَحِيحِهِ " «بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِن شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أوْ عَيْنِ حاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ». وَرَأى جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ أنْ تُكْتَبَ لَهُ الآياتُ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ يَشْرَبَها. قالَ مجاهد: لا بَأْسَ أنْ يَكْتُبَ القُرْآنَ، ويَغْسِلَهُ، ويَسْقِيَهُ المَرِيضَ، ومِثْلُهُ عَنْ أبي قلابة. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّهُ أمَرَ أنْ يُكْتَبَ لِامْرَأةٍ تَعَسَّرَ عَلَيْها وِلادُها أثَرٌ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ وتُسْقى» وَقالَ أيوب: «رَأيْتُ أبا قلابة كَتَبَ كِتابًا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِماءٍ وسَقاهُ رَجُلًا كانَ بِهِ وجَعٌ». [فَصْلٌ: اسْتِغْسالُ العائِنِ لِلْمَعِينِ والرَّدُّ عَلى مَن أنْكَرَهُ مِنَ الأطِبّاءِ] فَصْلٌ وَمِنها: أنْ يُؤْمَرَ العائِنُ بِغَسْلِ مَغابِنِهِ وأطْرافِهِ وداخِلَةِ إزارِهِ، وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ فَرْجُهُ. والثّانِي: أنَّهُ طَرَفُ إزارِهِ الدّاخِلِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلى رَأْسِ المَعِينِ مِن خَلْفِهِ بَغْتَةً، وهَذا مِمّا لا يَنالُهُ عِلاجُ الأطِبّاءِ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ مَن أنْكَرَهُ، أوْ سَخِرَ مِنهُ، أوْ شَكَّ فِيهِ، أوْ فَعَلَهُ مُجَرِّبًا لا يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ. وَإذا كانَ في الطَّبِيعَةِ خَواصُّ لا تَعْرِفُ الأطِبّاءُ عِلَلَها ألْبَتَّةَ، بَلْ هي عِنْدَهم خارِجَةٌ عَنْ قِياسِ الطَّبِيعَةِ تَفْعَلُ بِالخاصِّيَّةِ، فَما الَّذِي يُنْكِرُهُ زَنادِقَتُهم وجَهَلَتُهم مِنَ الخَواصِّ الشَّرْعِيَّةِ، هَذا مَعَ أنَّ في المُعالَجَةِ بِهَذا الِاسْتِغْسالِ ما تَشْهَدُ لَهُ العُقُولُ الصَّحِيحَةُ، وتُقِرُّ لِمُناسَبَتِهِ، فاعْلَمْ أنَّ تِرْياقَ سُمِّ الحَيَّةِ في لَحْمِها، وأنَّ عِلاجَ تَأْثِيرِ النَّفْسِ الغَضَبِيَّةِ في تَسْكِينِ غَضَبِها، وإطْفاءِ نارِهِ بِوَضْعِ يَدِكَ عَلَيْهِ، والمَسْحِ عَلَيْهِ، وتَسْكِينِ غَضَبِهِ، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِن نارٍ، وقَدْ أرادَ أنْ يَقْذِفَكَ بِها، فَصَبَبْتَ عَلَيْها الماءَ، وهي في يَدِهِ حَتّى طُفِئَتْ، ولِذَلِكَ أُمِرَ العائِنُ أنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ بارِكْ عَلَيْهِ»؛ لِيَدْفَعَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ الخَبِيثَةَ بِالدُّعاءِ الَّذِي هو إحْسانٌ إلى المَعِينِ، فَإنَّ دَواءَ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ الخَبِيثَةُ تَظْهَرُ في المَواضِعِ الرَّقِيقَةِ مِنَ الجَسَدِ؛ لِأنَّها تَطْلُبُ النُّفُوذَ، فَلا تَجِدُ أرَقَّ مِنَ المَغابِنِ وداخِلَةِ الإزارِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ كِنايَةً عَنِ الفَرَجِ، فَإذا غُسِلَتْ بِالماءِ، بَطَلَ تَأْثِيرُها وعَمَلُها، وأيْضًا فَهَذِهِ المَواضِعُ لِلْأرْواحِ الشَّيْطانِيَّةِ بِها اخْتِصاصٌ. والمَقْصُودُ: أنَّ غَسْلَها بِالماءِ يُطْفِئُ تِلْكَ النّارِيَّةِ، ويَذْهَبُ بِتِلْكَ السُّمِّيَّةِ. وَفِيهِ أمْرٌ آخَرُ، وهو وُصُولُ أثَرِ الغَسْلِ إلى القَلْبِ مِن أرَقِّ المَواضِعِ وأسْرَعِها تَنْفِيذًا، فَيُطْفِئُ تِلْكَ النّارِيَّةَ والسُّمِّيَّةَ بِالماءِ، فَيُشْفى المَعِينُ، وهَذا كَما أنَّ ذَواتِ السُّمُومِ إذا قُتِلَتْ بَعْدَ لَسْعِها، خَفَّ أثَرُ اللَّسْعَةِ عَنِ المَلْسُوعِ، ووَجَدَ راحَةً، فَإنَّ أنْفُسَها تَمُدُّ أذاها بَعْدَ لَسْعِها، وتُوَصِّلُهُ إلى المَلْسُوعِ. فَإذا قُتِلَتْ خَفَّ الألَمُ، وهَذا مُشاهَدٌ. وإنْ كانَ مِن أسْبابِهِ فَرَحُ المَلْسُوعِ، واشْتِفاءُ نَفْسِهِ بِقَتْلِ عَدُوِّهِ، فَتَقْوى الطَّبِيعَةُ عَلى الألَمِ فَتَدْفَعُهُ. وَبِالجُمْلَةِ غَسْلُ العائِنِ يُذْهِبُ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنهُ، وإنَّما يَنْفَعُ غَسْلُهُ عِنْدَ تَكَيُّفِ نَفْسِهِ بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ظَهَرَتْ مُناسَبَةُ الغَسْلِ فَما مُناسَبَةُ صَبِّ ذَلِكَ الماءِ عَلى المَعِينِ؟ قِيلَ هو في غايَةِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ الماءَ ماءٌ طُفِئَ بِهِ تِلْكَ النّارِيَّةُ، وأبْطَلَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ الرَّدِيئَةَ مِنَ الفاعِلِ، فَكَما طُفِئَتْ بِهِ النّارِيَّةُ القائِمَةُ بِالفاعِلِ طُفِئَتْ بِهِ، وأُبْطِلَتْ عَنِ المَحَلِّ المُتَأثِّرِ، بَعْدَ مُلابَسَتِهِ لِلْمُؤَثِّرِ العائِنِ، والماءُ الَّذِي يُطْفَأُ بِهِ الحَدِيدُ، يَدْخُلُ في أدْوِيَةٍ عِدَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ ذَكَرَها الأطِبّاءُ، فَهَذا الَّذِي طُفِئَ بِهِ نارِيَّةُ العائِنِ، لا يُسْتَنْكَرُ أنْ يَدْخُلَ في دَواءٍ يُناسِبُ هَذا الدّاءَ. وبِالجُمْلَةِ: فَطِبُّ الطَّبائِعِيَّةِ، وعِلاجُهم بِالنِّسْبَةِ إلى العِلاجِ النَّبَوِيِّ، كَطِبِّ الطُّرُقِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى طِبِّهِمْ، بَلْ أقَلُّ، فَإنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ أعْظَمُ، وأعْظَمُ مِنَ التَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ الطُّرُقِيَّةِ بِما لا يُدْرِكُ الإنْسانُ مِقْدارَهُ، فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ عَقْدُ الإخاءِ الَّذِي بَيْنَ الحِكْمَةِ والشَّرْعِ، وعَدَمُ مُناقَضَةِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الصَّوابِ، ويَفْتَحُ لِمَن أدامَ قَرْعَ بابِ التَّوْفِيقِ مِنهُ كُلَّ بابٍ، ولَهُ النِّعْمَةُ السّابِغَةُ، والحُجَّةُ البالِغَةُ. [فَصْلٌ: لِلِاحْتِرازِ مِنَ الإصابَةِ بِالعَيْنِ سَتْرُ مَحاسِنِ مَن يُخافُ عَلَيْهِ العَيْنُ] فَصْلٌ وَمِن عِلاجِ ذَلِكَ أيْضًا والِاحْتِرازِ مِنهُ سَتْرُ مَحاسِنِ مَن يُخافُ عَلَيْهِ العَيْنُ بِما يَرُدُّها عَنْهُ، كَما ذَكَرَ البغوي في كِتابِ " شَرْحِ السُّنَّةِ ": أنَّ عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأى صَبِيًّا مَلِيحًا فَقالَ: «دَسِّمُوا نُونَتَهُ؛ لِئَلّا تُصِيبَهُ العَيْنُ» ثُمَّ قالَ في تَفْسِيرِهِ ومَعْنى: دَسِّمُوا نُونَتَهُ أيْ: سَوِّدُوا نُونَتَهُ، والنُّونَةُ: النُّقْرَةُ الَّتِي تَكُونُ في ذَقَنِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ. وَقالَ الخطابي في " غَرِيبِ الحَدِيثِ " لَهُ عَنْ عثمان: إنَّهُ رَأى صَبِيًّا تَأْخُذُهُ العَيْنُ فَقالَ: «دَسِّمُوا نُونَتَهُ» فَقالَ أبو عمرو: سَألْتُ أحْمَدَ بْنَ يَحْيى عَنْهُ فَقالَ: أرادَ بِالنُّونَةِ النُّقْرَةَ الَّتِي في ذَقَنِهِ. والتَّدْسِيمُ: التَّسْوِيدُ. أرادَ: سَوِّدُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ مِن ذَقَنِهِ لِيَرُدَّ العَيْنَ. قالَ: ومِن هَذا حَدِيثُ عائشة أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «خَطَبَ ذاتَ يَوْمٍ وعَلى رَأْسِهِ عِمامَةٌ دَسْماءُ» أيْ: سَوْداءُ. أرادَ الِاسْتِشْهادَ عَلى اللَّفْظَةِ ومِن هَذا أخَذَ الشّاعِرُ قَوْلَهُ: ؎ما كانَ أحْوَجَ ذا الكَمالِ إلى ∗∗∗ عَيْبٍ يُوَقِّيهِ مِنَ العَيْنِ [فَصْلٌ: ذِكْرُ رُقْيَةٍ تَرُدُّ العَيْنَ] فَصْلٌ وَمِنَ الرُّقى الَّتِي تَرُدُّ العَيْنَ ما ذُكِرَ عَنْ أبي عبد الله الساجي أنَّهُ كانَ في بَعْضِ أسْفارِهِ لِلْحَجِّ أوِ الغَزْوِ عَلى ناقَةٍ فارِهَةٍ، وكانَ في الرُّفْقَةِ رَجُلٌ عائِنٌ، قَلَّما نَظَرَ إلى شَيْءٍ إلّا أتْلَفَهُ، فَقِيلَ لأبي عبد الله: احْفَظْ ناقَتَكَ مِنَ العائِنِ، فَقالَ: لَيْسَ لَهُ إلى ناقَتِي سَبِيلٌ، فَأُخْبِرَ العائِنُ بِقَوْلِهِ؛ فَتَحَيَّنَ غَيْبَةَ أبي عبد الله، فَجاءَ إلى رَحْلِهِ، فَنَظَرَ إلى النّاقَةِ فاضْطَرَبَتْ، وسَقَطَتْ؛ فَجاءَ أبو عبد الله فَأُخْبِرَ أنَّ العائِنَ قَدْ عانَها وهي كَما تَرى، فَقالَ: دِلُّونِي عَلَيْهِ فَدُلَّ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ حَبْسٌ حابِسٌ، وحَجَرٌ يابِسٌ، وشِهابٌ قابِسٌ، رَدَدْتُ عَيْنَ العائِنِ عَلَيْهِ وعَلى أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ - ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣،: ٤] فَخَرَجَتْ حَدَقَتا العائِنِ، وقامَتِ النّاقَةُ لا بَأْسَ بِها.