Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:7 – البقرة 2:13

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:7
  2. البقرة 2:8
  3. البقرة 2:9
  4. البقرة 2:10
  5. البقرة 2:11
  6. البقرة 2:12
  7. البقرة 2:13

البقرة 2:7

نبدأ أولًا في الفاتحة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١ – ٣] إلى آخره. * أولًا: سورة الفاتحة سميت بذلك لأنه افتُتح بها القرآن الكريم، وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة، وقيل: إن أول سورة نزلت كاملة (اقرأ)، وإن الله تعالى كمّلها، ثم جاءت السور، فالله أعلم. هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن؛ في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك، ولهذا سميت أم القرآن، والأمّ هو المرجع، المرجع للشيء يسمى أُمًّا، وهذه السورة لها مميزات تتميز بها عن غيرها؛ منها: أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. ومنها: أنها رقية، إذا قُرئ بها على المريض شفي بإذن الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للذي قرأها على اللديغ قال له: « وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»[[متفق عليه، البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة وصاروا يختمون بها الدعاء ويبتدئون بها الخطب أو الأحوال، وهذا غلط، تجد مثلا إذا دعا ثم دعا ثم دعا قال بعد ذلك: الفاتحة، إيش الفاتحة؟ من أين جاء بها؟ أو بعض الناس يبتدئ بها في خطبه أو في أحواله، وهذا أيضا غلط؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع. يقول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا حاجة إلى الكلام عن البسملة من حيث المعنى ولا من حيث الإعراب؛ لأنها تكررت علينا كثيرًا، لكن الكلام: هل البسملة آية من الفاتحة أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء: فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهرًا في الصلاة الجهرية، ويرى أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءة البسملة لأنها من الفاتحة. ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة، وهذا القول هو الحق، ودليل هذا: النص، وسياق السورة. أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ؛ فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ - إِلَى آخِرِهِ - قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥) (٣٨).]]، وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة. أما من حيث السياق: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق، وإذا أردت أن توزع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وهي الآية التي قال الله فيها: « قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»؛ لأن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ واحدة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الثانية، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الثالثة، وكلها حق لله. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الرابعة، يعني وسط الآن، وهي قسمان: قسم منها حق لله، وقسم حق للعبد. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ للعبد، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ للعبد، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ للعبد. ثم من جهة السياق من حيث اللفظ: لو قلنا: إن البسملة آية لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر، كم؟ على قدر آيتين، لزم أن تكون طويلة على قدر آيتين، شوف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، كم من سطر عندكم؟ سطرين. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ سطر عندي، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أقل من سطر، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كذلك، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كذلك، فكيف يكون هناك تناسب مع أن بعض الآيات أقل من السطر وهذه سطران، فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست منها، كما أنها - أي البسملة - ليست من بقية السور. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحمد) وصف المحمود بالكمال الذاتي والوصفي والفعلي، فهو كامل في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، فهو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولا بد من هذا القيد؛ قال أهل العلم: لأن مجرد الوصف بالكمال بدون محبة ولا تعظيم لا يسمى حمدا، وإنما يسمى مدحا، ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح لكنه يريد أن ينال منه شيئا، تجد بعض الشعراء يقف أمام الخلفاء ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة، لا محبةً فيه ولكنْ محبةً في المال الذي يعطونه أو خوفًا منهم، لكن حمْدنا لربنا عز وجل محبة وتعظيم، فلذلك صار لا بد من القيد في الحمد أنه وصف المحمود بالكمال، إيش؟ مع المحبة والتعظيم. وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ الله عز وجل، هذا اللفظ علم على ربنا عز وجل لا يسمى به غيره، وهو علم تتبعه الأعلام الأخرى، أي تتبعه الأسماء، ولهذا دائما يأتي متبوعا، إلا في مواضع قليلة مثل قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم ١، ٢] فإن هذه الكلمة تابعة لما قبلها، وهو قليل. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب هو ما اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير، فهو الخالق عز وجل، وهو المدبر لجميع الأمور، وهو المالك لكل شيء. و﴿الْعَالَمِينَ﴾ قال العلماء: كل من سوى الله فهو من العالَم، ووُصفوا بذلك لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرحمن صفة للفظ الجلالة، والرحيم صفة أخرى، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة، والرحيم هو ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن وصْفُه، والرحيم فِعْله، ولو أنه جيء بالرحيم وحده وبالرحمن وحده لشمل الوصف والفعل، لكن إذا اقترنا فُسِّر الرحمن بالوصف، والرحيم بالفعل ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد ذكر الربوبية دليل على أن ربوبيته تبارك وتعالى مبنية على الرحمة، الرحمة للخلق، الرحمة الواسعة الواصلة. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] مالك: صفة لرب، ويوم الدين: هو يوم القيامة، والدين هنا بمعنى إيش؟ الجزاء، بمعنى الجزاء، يعني أنه سبحانه وتعالى مالك لذلك اليوم الذي يجازَى فيه الخلائق، فلا مالك غيره في ذلك اليوم. فإن قال قائل: أليس مالك الدين والدنيا؟ فالجواب: بلى، لكن ظهور ملكوته وملكه وسلطانه إنما يكون في ذلك اليوم؛ لأن الله تعالى ينادي ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦]؟ فلا يجيب أحد فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]. في الدنيا يظهر الملوك، بل يظهر ملوك يعتقد شعوبهم أنه لا مالك إلا هم، فالشيوعيون مثلا لا يرون أن هناك ربا للسماوات والأرض، يرون أنها حياة، أرحام تدفع وأرض تبلع، وأن ربهم هو رئيسهم، طيب، إذن خُص ملكه بيوم الدين لأنه يظهر فيه ملكوته وملكه. وفي قراءة سبعية ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [[وهي قراءة: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة. راجع التيسير في القراءات السبع (ص٢٧).]] والملك أخص من المالك؛ لأن الملك هو ذو السلطة المطلقة، ولا يسمى ملك إلا مَن تحته رعية، أما مالك فهو ليس له سلطة مطلقة، ثم هو لا يحتاج إلى أن يكون تحته رعية، ولهذا تجد الفقير الصعلوك يملك بقرته، يملك شاته، لكن في الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة، وهو أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي؛ لأن من الخلق من يكون ملكا ولكن ليس بمالك، يسمى ملكا اسما وليس له من التدبير شيء، ومن الناس من يكون مالكا ولا يكون ملكا، كعامة الناس، لكن الرب عز وجل مالك ملك. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، نعبد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لو طلبنا إعراب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فبماذا تجيبون؟ * طالب: مفعول به مقدم. * الشيخ: أنه مفعول به مقدم، ولماذا انفصل مع إمكان الوصل، يعني يمكن أن يقول: نعبدك، فنقول: لو وصلنا فات أمر مهم، ألا وهو الحصر، فهنا لما قدمناه للحصر لزم أن يُفصل، لو قلت: ك نعبد، ما يستقيم الكلام وليس بلغة عربية. ﴿إِيَّاكَ﴾ يعني لا سواك، ﴿نَعْبُدُ﴾ أي نتذلل له أكمل ذل، ولهذا تجد المؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- يضعون أشرف ما في أجسامهم في موطئ الأقدام ذلّا لله عز وجل، يسجد على التراب، تمتلئ جبهته من التراب، يسجد على موطئ الأقدام،كل هذا ذلّا لله، ولو أن إنسانا قال: أنا أعطيك الدنيا كلها واسجد لي، ما وافق المؤمن أبدا؛ لأن هذا الذل لله عز وجل، والعبادة تتضمن القيام بكل ما أمر الله به، وترْك كل ما نهى الله عنه؛ لأن من لم يكن كذلك فليس بعابد، لو لم يفعل الأمر، يعني لو لم يفعل المأمورَ به فهل يكون عابدا حقا؟ أبدا، ولو لم يترك المنهي عنه ما كان عبدا حقا، العبد الذي يوافق المعبود في مراده الشرعي، إذن فالعبادة تستلزم أن يقوم الإنسان بكل ما أُمر به، وأن يترك كل ما نُهي عنه، ولكن هل قيامك هذا يمكن أن يكون بغير معونة الله؟ لا، لا يمكن، ولهذا قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يعني لا نستعين إلا إياك على العبادة، والله سبحانه وتعالى يجمع بين العبادة والاستعانة أو التوكل في مواطن عدة من القرآن الكريم؛ لأنه لا قيام بالعبادة على الوجه الأكمل إلا بمعونة الله، والتفويض إليه، والتوكل عليه. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] ﴿الصِّرَاطَ﴾ فيها قراءتان: بالسين[[وهي قراءة قنبل عن ابن كثير، والباقون بالصاد الخالصة. راجع التيسير في القراءات السبع (ص٢٧). ]] وبالصاد الخالصة؛ ﴿السِّرَاطَ﴾ و﴿الصِّرَاطَ﴾، والمراد بالصراط هنا: الطريق، والمراد بالهداية: هداية الإرشاد وهداية التوفيق، فأنت بقولك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تسأل الله تعالى علما وعملا، ولهذا جاءت متعدية بنفسها إلى المفعول لا بحرف (إلى) الدال على الغاية، عرفتم؟ فيشمل الهداية إلى الطريق، وهذا بالعلم، والهداية في الطريق، وهذا بالعمل والتوفيق. وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي لا اعوجاج فيه، وهذا الصراط الذي لا اعوجاج فيه بيّن الله تعالى في هذه الآية قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، ففي هذه الآية بيّن الله عز وجل أصناف الناس أنها ثلاثة: الذين أنعم الله عليهم، والمغضوب عليهم، وإيش؟ والضالون، فمن هؤلاء؟ الذين أنعم الله عليهم هم الذين علموا الحق وعملوا به، والذين غضب الله عليهم هم الذين علموا الحق ولم يعملوا به، والضالون هم الذين عملوا بغير علم، جاهلون، يريدون الحق ويريدون العبادة لكنهم جاهلون تعبّدوا لله بغير علم، انظر كيف قدم المغضوب عليهم على الضالين لأن مخالفتهم لطريق الذين أنعم الله عليهم أشد؛ لأنهم خالفوا عن علم، والمخالف عن علم أشد كبرا واستكبارا وعقوبة من الذين خالفوا عن غير علم، وكلتا الطائفتين ضالة، وذلك لأنهم ليسوا على هدى من الله. وفي قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قراءتان كذلك (عليهم) ضم الهاء وكسرها أي ﴿صِرَاطَ الذَّيِنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهُمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قراءة سبعية[[قراءة حمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها. انظر التيسير (ص٢٧).]]، ولكن أكرر ما قلته سابقا أن القراءات التي ليست في المصحف لا ينبغي أن نقرأ بها عند العامة؛ لسببين بل لأسباب ثلاثة، السبب الأول: أن العامة إذا رأوا هذا القرآن العظيم الذي قد ملأ قلوبهم تعظيمُه، إذا رأوه مرة كذا ومرة كذا تنزل منزلته لا شك، تهبط عندهم؛ لأنهم عوام لا يفرقون، فينبغي أن يبقى القرآن الكريم محترما لا يُغيَّر فيه بشيء، ثانيا: أن القارئ يُتهم بأنه لا يعرف، العامي ما الذي يعلم؟! لو يأتي إنسان يقرأ عليه مثلا بقراءة غير التي في مصحفه لكان يهجم عليه وربما يضربه، ربما يطرده من المسجد، القرآن عند العامة محترم جدا، وهو عندنا والحمد لله، لكن إذا أتيت بما لا يعرف العامي فيا ويلك منه، وهذه مفسدة أن الناس يستهينونك ويقولون: هذا ما فيه خير، هذا ما يعرف ولا يقرأ، نعم، الآن لو تقرأ عند العامي ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ﴾ نعم، قال: هذا ما يعرف يضم اسم (...) يقول عليهم، ليش ما قال ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالكسرة. المفسدة الثالثة: أنك إذا قرأت عند العوام وأحسن العامي بك الظن، وقال هذا: إنه لم يقرأ إلا عن علم، ثم حاول أن يقلدك مرة أخرى فقد يخطئ، ثم يقرأ القرآن لا على قراءة المصحف، ولا على قراءة التالي الذي قرأها، وهذه مفسدة، ولهذا قال علِيّ: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله »[[أخرجه البخاري (١٢٧).]]؟ وقال ابن مسعود: إنك لم تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة[[أخرجه مسلم في المقدمة (٥).]]،« عمر بن الخطاب مع هشام بن الحكم ماذا فعل به حين قرأ في سورة الفرقان بقراءة لم يسمعها عمر؟ نعم جبذه وتلّه وخاصمه، وأنكر قراءته، حتى وصلا إلى النبي ﷺ وقال: « اقْرَأْ». فقرأ، فقال: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ». قال لعمر: « اقْرَأْ». فقرأ، قال: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ»[[متفق عليه. البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨ / ٢٧١) من حديث عمر بن الخطاب.]]؛ لأن القرآن في الأول نزل على سبعة أحرف، فإذا كان عمر رضي الله عنه فعل ما فعل بصحابي، فما بالك بعامي يسمعك تقرأ غير قراءتك، نعم؟ يا ويلك منه، والحمد لله، ما دام أن العلماء متفقون على أنه لا يجب أن يقرأ الإنسان بكل قراءة، وأنه لو اقتصر على واحدة من القراءات فلا بأس، هدأ الفتنة وأسبابها، والسورة فيها فوائد عظيمة، وقد شرحها ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين شرحا لا تجده في غيره من الكتب، شرحا عظيما. الحمد لله رب العالمين. * من فوائد الآية الكريمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إثبات الحمد لله عز وجل الكامل، وإثبات استحقاقه واختصاصه بذلك، أما الكامل فمن صيغة (أل) ﴿الْحَمْدُ﴾، وأما الاختصاص والاستحقاق فمن اللام ﴿لِلَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقديم وصف الله تعالى بالألوهية على وصفه بالربوبية، لم يقل: لرب العالمين، ولكنه قال: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا إما لأن (الله) هو الاسم العلم الخاص به والذي تتبعه جميع الأسماء، وإما أن يقال: لأن الألوهية قدمها الله عز وجل على ذكر ربوبيته سبحانه وتعالى؛ لأن الذين جاءت إليهم الرسل ينكرون الألوهية فقط. * ومن فوائدها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وسبق لنا في التفسير أن المراد بالعالَم مَن سوى الله عز وجل، كل المخلوقات النامي وغير النامي، والعاقل وغير العاقل. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ * من فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين: الرحمن والرحيم، وإثبات ما تضمناه من الرحمة التي هي الوصف، والرحمة التي هي الفعل. * ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل مبنية على الرحمة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كأن سائلًا يسأل: ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ وانتقام، أو ربوبية رحمة وإنعام؟ قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أو ﴿مَلِكِ﴾ : إثبات ملك الله عز وجل وملكوته ليوم الدين، وإنما خص ذلك لما ذكرناه في التفسير من أنه في ذلك اليوم تتلاشى جميع الملكيات والملوك أيضا. * ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من فوائدها: إخلاص العبادة لله، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ووجه الإخلاص تقديم المعمول. * ومن فوائدها أيضا: إخلاص الاستعانة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حيث قدم المفعول. فإن قال قائل: كيف يقال: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] إثبات المعونة من غير الله عز وجل؟ قلنا: الاستعانة نوعان: استعانة تفويض، بمعنى أنك تعتمد على الله عز وجل وتتبرأ من حولك وقوتك، وهذا خاص بالله عز وجل، واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به، فهذه ليست عبادة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال؟ قلنا: لا، الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان قادرا عليها، وأما إذا لم يكن قادرا فإنه لا يجوز أن تستعين به، فلو أن أحدا من الناس استعان بقبر فإن هذا حرام، بل هو شرك؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئا، فكيف ينفعك؟! ولو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الولي الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده، فهذا أيضا شرك شركا أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعينك وهو هناك. فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة؟ قلنا: الأولى أن لا تفعل، فالإنسان مأمور أن يعين أخاه، لكن الغير لا ينبغي أن يستعين؛ لأن الاستعانة بغيره من باب السؤال المذموم، لكن أنت إذا رأيت أخاك قد احتاج إلى معونة فأنت مأمور بأن تعينه، ولكن لو استعنته فإنه ليس حراما، ليس حراما عليك، إنما هو ترك للأولى، إلا إذا علمت أن استعانتك به مما يسره وينشرح له صدره، فهنا إذا استعنته تكون محسنا إليه، ولا يعد هذا من المسألة المذمومة، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام« حين دخل بيته ووجد البرمة على النار فيها اللحم، فلما قُدِّم له الطعام قال: « أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، لكن هذا لحم تُصُدِّق به على بريرة، فقال: « هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ»[[متفق عليه، البخاري (٥٢٧٩)، ومسلم (١٥٠٤ / ١٤) من حديث عائشة.]]، أرأيتم بريرة في هذه الحال هل سيكون هذا الأمر شاقا عليها؟ أبدا، بل ستُسَر به وتفرح، فأنت مثلا إذا استعنت بأخيك في حاجة من الحوائج وأنت تعلم أنه يُسَر بهذا ويفرح فإن استعانتك به تكون إحسانا إليه، لكن لو استعنت بشخص يرى أن استعانتك به أثقل عليه من جبل أحد، هل تستعينه؟ لا؛ لأن هذا فيه إحراج عليه، وفيه إذلال لك أيضا. ومن فوائد قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لجوء الإنسان إلى الله عز وجل بعد استعانته على العبادة أن يهديه الصراط المستقيم؛ لأنه لا بد في العبادة من إخلاص يدل عليه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومن استعانة لتقوى على العبادة؛ لقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن اتباع للشريعة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فصارت هذه الآيات الثلاث متضمنة للدين كله: عبادة، والثاني: استعانة، والثالث: اتباع؛ لأن الصراط المستقيم هو الشريعة التي جاءت بها الرسل، وبالنسبة لنا هي الشريعة التي جاء بها مَن؟ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعني هذا أن نتبع الرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن، حيث حُذف حرف الجر من ﴿اهْدِنَا﴾، يعني لم يقل: اهدنا إلى، بل قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾، والفائدة من ذلك لأجل أن يتضمن طلب الهداية التي هي دلالة العلم وهداية التوفيق؛ لأن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية علم وإرشاد، وهداية توفيق وعمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدلالة، والله سبحانه وتعالى قد هدى كل أحد، الثانية فيها التوفيق للهدى واتباع الشريعة، وهذه قد يُحرَمها بعض الناس، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ٤١] ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾ يعنى بيّنّا لهم الحق ودللناهم عليه، ولكنهم لم يوفَّقوا له، فلهذا حُذفت (إلى) ليكون طلب الهداية في هذه الآية شاملا لهداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق والاتباع. * ومن فوائدها: أن الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج، فما كان موافقا للحق فهو مستقيم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وما كان مخالفا له فهو معوج. ثم قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ذكر التفصيل بعد الإجمال ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لأن التفصيل بعد الإجمال فيه فائدة؛ فإن النفس إذا جاءها الكلام مجملا تترقب وتتشوف لإيش؟ للتفصيل والبيان، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ثم فيه أيضا الفائدة الثانية، وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم. * ومن فوائدها أيضا هي وما بعدها: انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم، وقسم آخر غضب الله عليهم، وقسم ضالون؛ فالذين أنعم الله عليهم سبق أنهم الذين علموا الحق واتبعوه، وأما المغضوب عليهم فهم الذين علموا الحق وخالفوه، وأما الضالون فهم الذين جهلوا الحق. وأسباب الضلال والخروج عن الصراط المستقيم إما الجهل أو العناد، فمن الذي سبب خروجهم العناد؟ هم المغضوب عليهم وعلى رأسهم اليهود، والآخرون الذين سبب خروجهم الجهل هم كل من لا يعلم الحق، وعلى رأسهم النصارى، وهذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة، أعني النصارى، أما بعد البعثة فقد علموا الحق، فصاروا هم واليهود سواء، كلهم مغضوب عليهم بل هم أشد؛ لأنهم يؤمنون بالنسخ، أعني النصارى، ولهذا يؤمنون بأن شريعة عيسى ناسخة لشريعة موسى، واليهود لا يؤمنون بذلك فهم على جادة باطلة، وأولئك تناقضوا فآمنوا بنسخ الشرائع في مَن؟ في عيسى بالنسبة لشريعة موسى، ولم يؤمنوا بنسخ الشرائع في شريعة محمد ﷺ بالنسبة لشريعة عيسى، فكانوا متناقضين، وكان طريقهم أخبث من طريق اليهود. وعلى كل حال السورة هذه عظيمة، ولا يمكن لا لي ولا لغيري أن يحيط بمعانيها العظيمة، لكن هذا قطرة من بحر. ثم قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١، ٢]. هذه تسمى سورة البقرة؛ لأنه ذُكرت فيها البقرة، واعلم أن التسمية تكون بأدنى ملابسة، ولذلك تجد بعض السور فيها كلام كثير عن موضوع معين ولا تسمى به السورة، وفيها كلام قليل تسمى به السورة، وتسمية السور منها ما هو توقيفي، ومنها ما هو اجتهادي، فقد سمّى النبي ﷺ، سمى سورة البقرة وآل عمران[[أخرج مسلم في صحيحه (٨٠٤ / ٢٥٢) من حديث أبي أمامة مرفوعا: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران».]] وغيرهما كثيرا، وفي بعضها التسمية توقيفية. أما البسملة فقد سبق الكلام عليها، وبيّنّنا أنها آية مستقلة يؤتى بها في ابتداء كل سورة سوى (براءة). قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (الم) هذه الكلمة مكونة من ثلاثة أحرف هجائية: ألف، ولام، وميم، فما معنى هذه الحروف التي تركبت منها هذه الكلمة؟ كثير من المفسرين يقول: الله أعلم بما أراد، وهذا لا شك أنه تأدُّب مع الله عز وجل، وإمساك عما لا يعلمه الإنسان. ومنهم من جعلها رموزا لأشياء معينة إما من أسماء الله أو غيرها من الحوادث، وهذا لم يَبْن ما قاله على علم، ومنهم من قال: إنها حروف هجائية ليس لها معنى، ولا نعلم لها معنى حسب مقتضى اللغة العربية، والقرآن الكريم نزل باللغة العربية، وعلى هذا فمن حقنا أن نقول: ليس لها معنى، بناء على أن القرآن عربي وأن مثل هذه الحروف المركبة ليس لها معنى، وهذا قول مجاهد رحمه الله، وهو إمام التابعين في التفسير، وهو القول الذي تقتضيه الأدلة، ولكن يبقى النظر لماذا جاء الله بها وهي ليس لها معنى حسب اللغة العربية؟ نقول: إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجزكم أيها العرب لم يأت بجديد من كلامكم، بل أتى بما ترتبون منه كلامكم وتبنونه، أنتم كلامكم حروف: ألف، باء، تاء، ثاء، إلى آخره، هل القرآن جاء بشيء زائد؟ لا، ومع ذلك عجزتم أن تركبوا مثله، أعجزكم. وقد ذكر الله تعالى إعجاز القرآن على أربعة أوجه: إعجاز بكل القرآن، وإعجاز بعشر سور منه، وإعجاز بسورة منه، وإعجاز بمثله، كلها تكررت في القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِين﴾ [الطور ٣٤]، وقد تحدى الله عز وجل الخلق على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو بآية واحدة، كما تحداهم على أن يخلقوا أدنى مخلوقات الله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج ٧٣]. فالقول الراجح في هذه المسألة أعني الحروف الهجائية التي تُبتدأ بها بعض السور أنه ليس لها معنى، ولكن لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الكريم لم يأت بجديد في الحروف التي جاء بها، بل هو جاء بالحروف التي تركّبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم، ولهذا تجد السور المبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي من بعدها ذكر القرآن أو شيء لا يكون إلا بوحي، فمثلا: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جاء بعدها ذكر القرآن، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ١ - ٣] لم يأت فيها ذكر القرآن، ولكن جاء بعدها ما لا يمكن إلا بوحي. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يجوز أن نجعل (الكتاب) خبر (ذا)، ويجوز أن نجعلها نعتا أو عطف بيان، فإن جعلناها خبر (ذا) صار قوله: (لا ريب فيه) جملة مستأنفة، وإن جعلناه بدلا أو عطف بيان صارت (لا ريب فيه) إيش؟ خبر اسم الإشارة، والكتاب المشار إليه هو القرآن، وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٥]، ومكتوب في المصاحف التي بين أيدينا. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا ريب)، ما معنى الريب؟ الشك، هكذا فسره أكثر العلماء، أن الريب هو الشك، لكن شيخ الإسلام رحمه الله[[انظر مجموع الفتاوى (٢٠ / ٤٢٣).]] له رأي في مثل هذه الألفاظ المترادفة؛ يقول: لا يوجد في اللغة العربية كلمة مرادفة لأخرى من كل وجه، لا بد أن يكون بينهما فرق، فالريب هنا ليس مطابقا للشك في إزائه من كل وجه؛ لأن الريب، يقول: شك مع قلق وارتياب، فهو إذن أخص من الشك، لكن لا مانع أن نفسر الكلمة بما هو قريب منها، لا سيما إذا كان المخاطَب لا يتصور الفرق. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا) نافية للجنس، فيشمل أدنى ريب، يعني ما فيه أدنى ريب. وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ الهدى بمعنى الدلالة، القرآن نفسه لا يهدي هداية توفيق، لكنه يهدي هداية دلالة؛ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. في آية أخرى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاس﴾ [البقرة ١٨٥] فأي فرق بين هذا وهذا؟ نقول: أما كونه هدى للناس فهذا هو الأصل، أن القرآن يمكن أن يهتدي به كل أحد، وأما إضافة الهدى إلى المتقين فلأن المتقين هم الذين انتفعوا به فصار هدى لهم، ومَن المتقون؟ الذين قاموا بأوامر الله وتركوا نواهي الله. في هذه الآية الكريمة بيان أن كلام الله عز وجل حروف، خلافا لمن قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس، ونحن نشرح ذلك: أصول الخلاف في هذا القرآن الكريم أو في كلام الله عمومًا: أولا: من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وما يُنقل من كلامه أو يسمع فهو عبارة عنه وليس هو كلام الله، بل عبارة عنه، وهو مخلوق. والثاني قال: إن الله تعالى لا يتكلم، وكلامه مخلوق كسائر مخلوقاته. ومنهم من قال: إن الله يتكلم بحرف وصوت، وليس كلامه هو المعنى فقط، بل كلامه اللفظ والمعنى. وهذا الذي قبله مذهب المعتزلة والجهمية، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، ومذهبهم هو الحق؛ لأن الأدلة تدل عليه، قال الله تعالى في موسى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فلما كان بعيدا قال: ﴿نَادَيْنَاهُ﴾؛ لأن النداء يكون للبعيد، ولما قرب يعني لما قربه الله قال: ﴿قَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، أي: بصوت ليس نداء، وفي الحديث الصحيح:« أَنَّ اللهَ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ[[متفق عليه، البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] »، وهذا أمر لا يشك فيه إنسان، ولولا أن الخلاف وقع فيه ما كنا نتكلم فيه، لكن وقع ولا بد من بيان الحق، المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق من المخلوقات، أصوات يخلقها الله وحروف تكتب فهو كسائر المخلوقات، ولا شك أننا إذا قلنا بهذا أبطلنا الأمر والنهي؛ لأن الأمر يكون صوتا سُمع على هذا الوجه، قولوا: صوت سُمع على هذا الوجه، يعني كأنه صدى، أرأيت الآن الشمس والقمر والجبال مخلوقة على هذا الوجه، هم يقولون: هذا صوت خُلق على هذا الوجه، كصوت الرعد. الأشعرية يقولون: الكلام معنى قائم بنفسه، لكن خلق أصواتا، فإذا قلنا: إن الأوامر والنواهي مخلوقة، بطل الأمر والنهي؛ لأن (قل) خلق الله كلمة على صورة (قل) ولا تفيد أمرا، ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] خلق الله تعالى حروفا على هذا الشكل فلا تفيد نهيا، ولهذا صدق من قال: إن القائلين بخلق القرآن سواء جعلوه عبارة عن كلام الله أو هو كلام الله، إنهم أبطلوا الأمر والنهي والشرائع كلها. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة ١ - ٧] * الشيخ: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ قف. * الطالب: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال ربنا عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾، البسملة سبق لنا الكلام عليها فلا حاجة للإعادة، أما قوله: ﴿الم﴾ فإنها حروف هجائية، وسبق الكلام عليها إذن، ولا حاجة للمناقشة ولا للإعادة. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إن جعلنا ﴿الْكِتَابُ﴾ صفة لـ(ذا) صار ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر. وإن جعلنا ﴿الْكِتَابُ﴾ خبرا؛ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، صارت الجملة استئنافية محلها النصب على الحال، يعني حال كونه منتفيا عنه الريبة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، أي: لا شك، وتفسير الريب بالشك إنما هو للتقريب، ونفي الشك هنا الشك في ثبوته، يعني لا شك في ثبوته، وأنه من عند الله. ثانيا: لا شك فيما تضمنه من الأخبار، فكل خبر في القرآن الكريم فإنه لا شك فيه عند كل مؤمن، بل هو حق ثابت. وقوله: ﴿فِيهِ﴾ قيل: إنها خبر (لا) النافية، وقيل: إنه خبر مقدم لقوله: ﴿هُدًى﴾، ولكن الأولى أن يكون خبرا لـ(لا) النافية. وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ تكون حالا من الكتاب يعني حال كونه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهو هدى للمتقين من الناحيتين: العلمية والعملية، أما العلمية فهي هداية الدلالة، فإن مصدر العلم هو هذا القرآن الكريم، هو الذي يهديك إلى الحق ويدلك عليه، ويهديك إلى الباطل ويبينه لك ويحذرك منه، أما الثاني فهو هداية العمل، فإن المتقين هم الذين اهتدوا به عملا. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ اسم فاعل، والفعل منه (اتقى)، ومعنى اتقى: اتخذ وقاية من عذاب الله، وهذا لا يكون إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وعلى هذا فأشمل الحدود في التقوى أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فهي فعل الأوامر واجتناب النواهي. واعلم أن التقوى تُقرن تارة بالبر، كقوله: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، وتارة تُقرن بالإيمان، كما في هذه الآية: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وتارة تُذكر وحدها، فإن ذُكرت وحدها شملت الدين كله؛ لأن الدين كله وقاية من عذاب الله، وإن اقترنت بالبر صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي، فهي تفسَّر في كل سياق بحسبه. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، هذه من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب، أي يقرّون به ويعترفون به، والمراد بالغيب هنا ما غاب عن الناس مما أخبر الله به ورسوله، سواء كان ذلك فيما يتعلق بصفات الله، أو فيما يتعلق بعباد الله فيما مضى، أو فيما يتعلق بعباد الله في المستقبل، يؤمنون به، فيؤمنون بالله عز وجل بأسمائه وصفاته، بألوهيته، ربوبيته، يؤمنون كذلك بما أخبر الله به من الأمم السابقين، يؤمنون بما أخبر الله به من المستقبل من علم الآخرة؛ لأن كل هذا داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، نعم هل يدخل في الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة؟ نعم؛ لأنهم عالم غيببي. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، أي: يأتون بها قائمة لا اعوجاج فيها، وذلك بالقيام بواجباتها واجتناب محظوراتها، وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل صلاة الفريضة والنافلة؛ لأنها هنا اسم جنس يشمل كل الصلاة. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ (مما رزقناهم) جار ومجرور متعلق بـ(ينفقون)، المعنى: مما أعطيناهم ينفقون، وأول ما يدخل في ذلك الزكاة، إنفاق الزكاة؛ فإنهم يقومون بها، وعلى هذا تكون الآية من جنس الآيات الأخرى التي فيها ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة ٥٥]. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم المتقون الذين اهتدوا بالقرآن. ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿عَلَى هُدًى﴾ أي: على طريق مستقيم من الله عز وجل، هداهم الله تعالى علما وهداهم الله عملا. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، هذا أيضا من صفاتهم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الآية هنا معطوفة على ما سبق عطفَ صفات لا ذوات، والأصل في المعطوفات أن تكون ذواتًا، لكن هنا العطف عطف صفات؛ لأن الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، وعطف الصفات بعضها على بعض أمر لا يُستغرب لا في القرآن ولا في لغة العرب، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى ١ - ٥]، فهذا عطف صفات بعضها على بعض. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، وربما نقول: إنه أشمل من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ [النساء ١١٣] فهو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الكتب كالتوراة والإنجيل. ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ قوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، وأتى بكلمة ﴿هُمْ﴾ للتوكيد، وإلا لو حُذفت وقيل: وبالآخرة يوقنون، استقام الكلام، لكن من أجل التوكيد أُتي بالضمير (هم)، وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، أي: يؤمنون إيمانا لا شك فيه ولا يتطرق إليه الاحتمال؛ لأن اليقين هو العلم القطعي، هذه من صفاتهم. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾، المشار إليه المتقون الذين يؤمنون بما سبق، ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِم﴾ أي: على صراط من الله عز وجل، وقال: ﴿مِنْ رَبِّهِم﴾؛ لإفادة أن منة الله عليهم بهذا منة خاصة، فهي ربوبية خاصة لهم ليست الربوبية العامة. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، كرر ﴿أُولَئِكَ﴾؛ للتنويه بفضلهم وعلو مرتبتهم، وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يقول العلماء إن (هم) هنا ضمير فصل، وهو ضمير لا محل له من الإعراب؛ لأنه إنما أُتِي به للتوكيد، قالوا: وفوائده ثلاثة: الفائدة الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر الذي هو التخصيص، الثالثة: إفادة أن ما بعده خبر وليس صفة، ولهذا سمي ضمير فصل، يعني أن الفلاح محصور فيهم، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. نرجع إلى هذه الآيات نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها ما يدل على عدة فوائد، أولا: بيان أن هذا القرآن الكريم هو من الحروف التي يتكلم بها العرب؛ لقوله: ﴿الم﴾، كما بينّا ذلك واضحا في التفسير. * ومن فوائد هذه الآيات: علو مرتبة القرآن؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فأشار إليه إشارة البعيد مع قربه، فإنه بين أيدينا إشارة إلى علو مرتبته، وهو واللهِ أعلى مراتب القول، إن خير الحديث كتاب الله، كما كان الرسول ﷺ يعلنه في كل جمعة يقول على المنبر: « إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]. * ومن فوائد هذه الآيات: أنه لا يجوز لأحد أن يرتاب في هذا القرآن، وأن القرآن ليس محلا للريبة، المعنى الأول لا يجوز لأحد أن يرتاب في هذا القرآن على تقدير أن النفي هنا بمعنى؟ * طالب: النهي. * الشيخ: النهي، والثاني: أن هذا القرآن ليس محلا للريبة، على تقدير أن (لا) نافية، وقد بيننا لكم في التفسير أن قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيه﴾ فيها قولان للعلماء، القول الأول: أن النفي هنا بمعنى النهي، وأن المعنى: لا ترتابوا فيه. والقول الثاني: أن النفي هنا على بابه، والمعنى أن القرآن لا ريب فيه ولا إشكال فيه، واضح يا جماعة؟ إذن من الفوائد تحريم الارتياب في القرآن وبيان أنه ليس محلا للريبة. * ومن فوائد هذه الآيات: أن القرآن هدى للمتقين، وهو واضح في الآية ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويترتب على هذه الفائدة أنك إذا رأيت الله قد منّ عليك بفهم كتابه والعمل به، فاعلم أنك ممن؟ ممن يا جماعة؟ من المتقين؛ لأن الله قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإذا رأيت من نفسك أن الله من عليك بالعلم والعمل بكتابه فأبشر فإنك من المتقين. ويتفرع أيضا على هذا فائدة أخرى: إذا رأيت الغفلة وعدم الانتفاع بالقرآن فاحذر؛ فإن هذا يدل على نقص تقواك؛ لأنه لو كانت تقواك كاملة لكان هذا القرآن هدى لك، ويتفرع على هذا أيضا: الحث على التقوى، وأنها سبب للاهتداء بالقرآن، وأنك كلما اتقيت الله ازددت انتفاعا بالقرآن واهتداء به. * ومن فوائد الآيات: فضيلة الإيمان بالغيب، وإن شئت فقل: إن الإيمان حقيقة هو الإيمان بالغيب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ لأن الإيمان بالشهادة ما هو إيمان، الإيمان بالشهادة المحسوسة ليس إيمانا، أي نعم، والدليل: أن فرعون كان ينكر رب العالمين، ويقول لموسى: ما رب العالمين؟ ولما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، وفي هذا من الذل ما فيه، كان بالأول يقتل بني إسرائيل إذا لم يوافقوه، والآن صار تبعا لهم، ما قال: آمنت بالله أو برب العالمين، آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فأتى باسم الموصول الدال على التفخيم والتعظيم، ثم بـ ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾؛ ليقول: أنا تابع لهم مؤمن بما يؤمنون به، وهذا غاية ما يكون من الذل، انتبهوا لهذه النقطة. طيب، هل هذا الإيمان الذي جرى من فرعون في تلك الساعة هل هو إيمان نافع؟ لا، ولهذا قيل له: ﴿آلْآنَ﴾؟ ما فيه فائدة، ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، وهذا حق. الإيمان بالشيء الشاهد؛ تشوف هذا الباب تقول: هذا باب، أومن بأن هذا باب؟ نعم؟ هذا إيمان؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لو قلت: أنا أومن بأن حولي رجالا يطلبون العلم، هذا إيمان؟ هو إيمان؟ * الطلبة: ليس إيمانًا. * الشيخ: أما حولي رجالا، صحيح ليس إيمانًا؛ لأنه مشاهد، أما يطلبون العلم، فهو إيمان؛ لأنه مبني على ظني فيما يريدون بطلب العلم، وهل هم حريصون أو يحضرون بالأبدان دون القلوب، أو ما أشبه ذلك، على كل حال اجعلوها إن شاء الله إيمانا، لا تجعلوها إيمانا بالغيب، اجعلوها إيمانا بالمحسوس. من فوائد هذه الآيات الكريمة: فضيلة الصلاة، وأنها أعلى أنواع الأعمال البدنية، ولهذا تأتى دائما بعد الإيمان؛ لقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. * ومن فوائدها: الحث على إقامة الصلاة، وأن الإنسان يأتي بها كاملة على الوجه الذي يرضي الرب عز وجل الذي فرضها على عباده، أما أن يصلي صلاة لا روح فيها، أو صلاة لا تجزئ رسميا أو ما أشبه ذلك، فهذا ليس بمقيم للصلاة، أفهمتم؟ يعني ربما يجيء إنسان يصلي صلاة من أتقن ما يكون ظاهريا، فهذا باعتبار الرسم أقامها، قائم يقوم بخشوع في الرأس، في الركوع يطمئن، وفي السجود يطمئن، لكن قلبه في وادٍ، وجسمه في وادٍ، هل أقامها؟ لا، ما أقامها، هي قشر، قشر منتفخ لكن تطلع ما فيه لب؛ لعدم الخشوع، ولهذا تجد الناس كثيرا منهم يخرج من الصلاة لا يحس بنفسه أنه كره المنكر ولا كره الفحشاء، مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، لكن لا يحس بذلك؛ لأنها قشور صلاة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على الخشوع في الصلاة؛ لأنه الآن أشد ما نجاهد عليه هو هذا، يعني قضية الرسم بأن الإنسان يأتي بالصلاة باطمئنان ظاهري هذا شيء سهل، لكن الكلام على اللب وهو الخشوع هذا أمر صعب، لكن حاول مرة بعد أخرى، كلما جذب الشيطان قلبك رده، وثِق أنه من حين ما تجذبه إلى الصلاة ترده إلى الصلاة سوف يرده، سوف يجد هناك تجاذب، لكن استمر، وإن شاء الله في النهاية يزول، طيب من إقامة الصلاة الطمأنينة فيها التي قد افتقدها بعض الناس، ولا سيما في الركنين ما بين الركوع والسجود، وما بين السجودين، هذان الركنان مظلومان عند بعض الناس، تجده يقول: سمع الله لمن حمده، الله أكبر، إيش قلت؟ اطمأن؟ ما اطمأن، هذا لا صلاة له، لو يصلي إلى يوم الدين ما فيه صلاة؛ لأن «الرسول قال للرجل: « ثُمَّ ارْفَعْ - يعني من الركوع- حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»[[متفق عليه، البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]، وفي لفظ « حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا»[[أخرجه ابن ماجه (١٠٦٠)، وأحمد (١٨٩٩٧).]]، لا بد من الطمأنينة، وعلى كل حال لا حاجة إلى أن نأتي على الصلاة بجميع ما يُخل فيها بعض الناس؛ لأنها معروفة. من فوائد هذه الآيات الكريمة: فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فضيلة إنفاق المال؛ لقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن صدقة الغاصب باطلة، من أين تؤخذ؟ ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به فلا تُقبل صدقته. * ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم البخل؛ لقوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، هل أنت حصّلت المال بكسبك؟ لا، الذي أعطاك المال هو الله، ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: مما كسبوا، قال: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، وحتى ما كسبه الإنسان هو بتيسير الله، وكم من إنسان ضرب أبواب الرزق من كل جانب ولكن لم يوفق، إذن من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإنفاق، لكن هنا أطلق بل هنا أجمل المنفَق فيه؛ قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يعني بيّن المنفَق منه ولم يبيّن المنفَق فيه، نقول: نعم، لكنها بُيّنت في آيات كثيرة، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥] الجواب: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، أي شيء ينفقون؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، كأنه قال: اسألوا عن ماذا تنفقون؟ نعم، اسألوا فيم تنفقون؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، عن إيش؟ قولوا يا جماعة؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: وإيش ينفقون؟ ماذا ينفقون، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فبيّن ما ينفَق فيه؛ لأنه هو المهم، كثير من الناس ربما يخرج نصف ماله لكن في سبيل الطاغوت، والشيء النافع في سبيل الله، أي فيما يرضي الله عز وجل، لكن قد يقال: إن قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، قد يقول قائل: فيه إشارة إلى المنفَق منه، وهو أن يكون الإنفاق خيرا، على كل حال الآية هنا أجمل الله فيها الإنفاق: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فأجمل، فيقال: إن هذا المجمل مبين في نصوص أخرى من القرآن والسنة. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة ٦ - ١٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون﴾، هذه عطف على ما سبق في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، يعني ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ﴾، وقد سبق أن قلنا: إنه يجوز عطف الصفات بعضها على بعض كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]، مع أن الأصل في الصفات أن لا تكون معطوفة. * من فوائد الآية: الثناء على الذين يؤمنون بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أنزل من قبله، وأن هذا من خصال المتقين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ومن فوائد الآية أيضا: الثناء على الموقنين بالآخرة، وقد سبق في التفسير أنه ليس المراد بالإيقان بالآخرة أن تؤمن بأن هناك يوما يُبعث الناس فيه، بل تؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما يقع في ذلك اليوم، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله قال: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت[[ العقيدة الواسطية (ص٩٣).]]. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هذا أيضا بيان حالهم ومآلهم؛ أما حالهم فقال: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على علم وبينة، ففيه دليل على سلامة هؤلاء في منهجهم، لقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن ربوبية الله عز وجل تكون خاصة وعامة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافته إلى هؤلاء فقط، لكنها ربوبية خاصة اقتضت العناية التامة بهم. * ومن فوائدها أيضا: أن مآل هؤلاء هو الفلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن الفلاح خاص بهم؛ لأن هذه الجملة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تفيد الحصر. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾، هذا بيان للقسم الثاني من الناس؛ لأن هذه السورة ذكر الله أصناف الناس وأقسامهم، الأول: المؤمنون الخلّص، والثاني: الكفار الخلص في هذه الآية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كفروا بمن؟ كفروا بكل ما يجب الإيمان به؛ كفروا بالله، كفروا برسله، كفروا بملائكته، كفروا بكتبه، كفروا باليوم الآخر، كفروا بالقدر خيره وشره، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه عام بكل ما يجب الإيمان به، فإذا كفروا به فهؤلاء كفار. طيب وإن كفروا ببعضه؟ فكذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١] وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، هذه جملة مسبوكة بمصدر دون أن يوجد حرف مصدري؛ لأن الجملة التي تُسبك في المصدر يعني تُحوَّل إلى مصدر لا بد أن تقترن بحرف مصدري، مثل: (أنّ) و(أنْ) و(ما) المصدرية و(لو) المصدرية، لكن هذه سُبكت بمصدر مع أنها ليس فيها شيء من أدوات المصدر، لكن إذا جاء السواء ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ فهذه تُسبك بمصدر، فالتقدير: سواء عليهم إنذارك أم عدمه، والمراد بهؤلاء الكفار الذين حقت عليهم كلمة العذاب، فهؤلاء لا يؤمنون سواء أنذرهم أم لم ينذرهم؛ لأنه قد خُتم على قلوبهم ـ والعياذ بالله ـ وليس المراد بهذا أن لا يدعوهم الرسول عليه الصلاة والسلام، بل المراد أن يتسلى إذا لم يؤمنوا فيقال: هؤلاء قد طبع الله على قلوبهم فلا يؤمنون. وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، وقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الإنذار هو الإعلام بتخويف وترهيب، ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذا القسم الثاني. هذه (أم) هنا متصلة أو منقطعة؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: هذه متصلة؛ لأن المتصلة هي التي تأتي بين شيئين متعادلين كما هنا، والمنقطعة التي تأتي بين شيئين منفصلين، هذا فرق معنوي، والفرق اللفظي: المتصلة يصح أن يحل محلها (أو)، والمنقطعة لا يصح أن يحل محلها (أو)، بل يحل محلها (بل)، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ الجملة هذه خبر ثاني، أين الخبر الأول؟ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذه هي الخبر الأول، وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُون﴾ الخبر الثاني. في هذه الآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين يرده الكفار ولا يقبلون دعوته. وفيها أيضا: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد، قد خُتم على قلبه، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] يعني هؤلاء لهم النار وانتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة ولا بالإقبال على الله فإن فيه شبها مِمن؟ من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله. قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الختم بمعنى الطبع، وأصله من الختم الذي هو الخاتم؛ لأنه عند انتهاء القول في الكتابة يُختم القول بالكتابة، يعني أنه انتهى الأمر، فهؤلاء ختم الله على قلوبهم؛ وأيضا يشبه وعاء النفقة إذا خُتم عليه بالشمع الأحمر كما يقولون فإن أمره منتهٍ. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، يعني: وختم على سمعهم، وإذا ختم على القلوب صارت لا تفقه، وعلى السمع صارت لا تسمع سماعا ينفع. قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ هذه جملة مستأنفة، والغشاوة الغطاء، فإذا كان على الأبصار غشاوة صارت لا تبصر، فخُتمت الطرق الثلاثة للهدى، وهي: القلب، والثاني: السمع لما يقال، والثالث: البصر فيما يُرى، فالأبواب الثلاثة كلها سُدت، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ [الجاثية ٢٣] لا أحد. فإن قال قائل: هذا الختم هل له سبب أو هو ابتلاء وامتحان من الله؟ فالجواب: أن له سببا بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥] فإذا رأيت أحدا قد ضل فاعلم أنه هو السبب في ضلال نفسه. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿وَلَهُمْ﴾ أي لهؤلاء الكفار الذين بقوا على كفرهم لهم عذاب عظيم، وهو عذاب النار، وعظمه الله تعالى لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار، أعاذنا الله وإياكم منها بكرمه وجوده. انتهى الكلام على الصنف الثاني من أصناف الخلق وهم الكفار الخلّص الصرحاء. في هذه الآية الكريمة الأخيرة دليل على أن القلوب محل الوعي؛ لقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: فلا يصل إليها الخير. وفيها أيضا من فوائدها: أن طرق الهدى إما بالسمع وإما بالبصر؛ لأن الهدى قد يكون بالسمع وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال، وبالبصر فيما يشاهَد، وهكذا آيات الله عز وجل تكون مقروءة مسموعة، وتكون بيّنة مشهودة. * ومن فوائد هذه الآية: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (مِن) هنا للتبعيض؛ وعلامة (مِن) التي للتبعيض أن يحل محلها (بعض)، فهنا لو في غير القرآن لو قال: وبعض الناس يقول، لكان الكلام مستقيما، إذن (مِن) للتبعيض ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ (مَن) هذه مبتدأ مؤخر، ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، لكن يقول ذلك بلسانه، أما في قلبه فلا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، بمؤمنين في إيش؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ما سمعت. * الطلبة: (...). * الشيخ: طيب، وما هم بمؤمنين في قلوبهم، لكن بلسانهم يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾، بعد ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم﴾ [المنافقون ٤]، فهم يفتنون الناس برؤيتهم وبسماع أقوالهم، لكن لا خير فيهم، ومن أراد أن يعرف صفات المنافقين فعليه بكتاب مدارج السالكين ، ذكر ابن القيم رحمه الله جمع صفاتهم في مقال واحد، فمن أراد أن يراجعها فليراجع. يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ذكر الإيمان بالله؛ لأنه هو المبتدى سبحانه وتعالى، يعني الذي ابتدأت منه الأمور، واليوم الآخر؛ لأنه هو المنتهى، والإنسان إذا آمن بالله وباليوم الآخر استقام، ولهذا يقرن الله تعالى دائما بين الإيمان به واليوم الآخر دون الإيمان بالملائكة والكتب والرسل؛ لأن حقيقة الأمر أن من لم يؤمن باليوم الآخر فإنه لن يؤمن بالله؛ لأنه ماذا يحصّل؟ ماذا ينتظر؟ إذا كان لا يؤمن باليوم الآخر فلن يؤمن بالله. قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ هذا تكذيب لهم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، كقول الله تعالى مكذبا لهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ثم قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٩]، وفي قراءة: ﴿وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ . ﴿يُخَادِعُونَ﴾ المخادعة: مُفَاعَلَة من الخداع، والخداع والمكر والكيد كلها معان متقاربة، ويشملها هذا التعريف: التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا الخداع وهذا المكر، يتوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا هو الخداع، هؤلاء إذا قالوا إنهم مؤمنون قالوا: غنمنا الآن، يقولون: غنمنا؛ لأننا خدعنا محمدا وأصحابه، ولكنهم في الحقيقة هل خدعوا الرسول وأصحابه؟ خدعوا الله، ولهذا قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعلى رأس الذين آمنوا رسول الله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يخدعون أنفسهم في الواقع؛ لأنهم غروها، حيث أظهروا خلاف ما يبطنون، وهم يعلمون أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حق، لكنهم لم يؤمنوا به، بل أنكروه فخدعوا أنفسهم بذلك، فإن قال قائل: ما وجه خداعهم لله والذين آمنوا؟ قلنا: وجه خداعهم أنهم إذا أظهروا الإيمان سَلِمت أموالهم. هذا الخداع وهذا المكر يتوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا هو الخداع، هؤلاء إذا قالوا إنهم مؤمنون، غنمنا الآن، يقولون: غنمنا؛ لأنا خدعنا محمدًا وأصحابه، ولكنهم في الحقيقة هل خدعوا الرسول وأصحابه؟ لا، خدعوا الله؟ ولهذا قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٩]، وعلى رأس الذين آمنوا رسول الله ﷺ. قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، يخدعون أنفسهم في الواقع؛ لأنهم غروها حيث أظهروا خلاف ما يبطنون وهم يعلمون أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حق؛ لكنهم لم يؤمنوا به، بل أنكروه فخدعوا أنفسهم بذلك. فإن قال قائل: ما وجه خداعهم لله والذين آمنوا؟ قلنا: وجه خداعهم أنهم إذا أظهروا الإيمان سلمت أموالهم ورقابهم من القتل، وصار لهم حرمة، فيقولون: خدعنا محمدًا وأصحابه، حيث قالوا إنهم مؤمنون، وليسوا بمؤمنين، لكنهم بقولهم هذا نجوا من المعاملة كما يعامل الكفار. قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي أنهم لا شعور لهم يتبين به أنهم خادعون لأنفسهم؛ لأن على أبصارهم غشاوة، وقلوبهم مختوم عليها وكذلك السمع. * طالب: أحيانًا يعلَّق الفلاح والإيمان والتدبر على القلب في القرآن، وأحيانًا يربط ذلك بالعقل، ما العلاقة؟ * الشيخ: مثل؟ * الطالب: ﴿مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة ٢٦٩]. * الشيخ: أي العقول؟ لكن المراد بالعقول هنا عقول الرشد لا عقول الإدراك. * الطالب: والقلب يا شيخ؟ * الشيخ: والقلب هو محل العقل، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦] ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. * الشيخ: نعم. * طالب: امتنع النبي ﷺ عن قتل المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فالناس في هذا طرفان ووسط، فبعض الناس يتابع الناس في كل شيء، يراقبهم، وبعضهم يقول: ما علي في الناس ما دمت أسير في الدرب الصحيح، ما هو الضابط في مراقبة الناس؟ * الشيخ: الضابط أن الإنسان مؤتمن على دينه، ولا يحمل الإنسان أن يراقب أحدا في دينه أبدًا، اللهم إلا إذا كان هناك شبهة قوية وأراد أن يتأكد، وإلا فلا يجب؛ لأن الأصل أن المسلم محترم، محترم في عرضه، محترم في ماله، محترم في نفسه. * الطالب: لا، بعض الناس يا شيخ إذا قلت له: لا تفعل هكذا، كان الناس يظنون بك كذا وكذا، يقول: أنا ما على في الناس، خل الناس يقولون اللي يقولوه؟ * الشيخ: يعني هو قصده يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ * الطالب: لا، أي شيء حتى في المعاملات العادية. * الشيخ: لا يمنع، الذي ينبغي للإنسان يكون مبتعدا عن هذا الأمر؛ لأن الرسول عليه ﷺ يقول: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» . »[[أخرجه البخاري (٣٤٨٤) من حديث أبي مسعود البدري.]] * الطالب: شيخ قول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠] ألا يؤيد يا شيخ قول من قال من العلماء أنه لا تُقبل من تكررت ردته لقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؟ * الشيخ: نعم، إن أخذ، لكن أحيانًا يمن الله على من يشاء من عباده، فتكرر الردة ويمن الله عليه بالإيمان الصادق، ونحن نقول: الذي تتكرر ردته لا بد أن يحتاط الإنسان له، ليس بمجرد أن يقول إنه آمن وأنه تاب يُرفع عنه القتل، بل ننظر، نعم. * طالب: يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة٣] ما في دليل هنا على كفر تارك الصلاة؟ * الشيخ: إيش وجهه؟ * الطالب: وجهه أن الله عز وجل ذكر: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ لفظ الآية الإيمان (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: بعد ذلك ذكر ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؟ * الشيخ: الزكاة؟ * الطالب: نعم، لفظ الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ شرط (...). * الشيخ: هذا ليس واضحا، عندي فيها أدلة غير هذا. * طالب: غفر الله لكم، سؤال في التفسير الذي مضى، شيخ هل نثبت صفة التهكم لله بقول الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء ١٣٨]؟ * الشيخ: لا، إذا قلنا معنى بشر فيما يسوء جرت اللغة العربية أن المقصود بذلك التهكم بهم، فالرسول لو بشرهم بهذا ليس بشرهم بما يسرهم بل متهكما بهم. * طالب: الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يذكر الاستفهام في القرآن على سبيل التهكم للكفار فهل يصح ذكر..؟ * الشيخ: مقتضى اللغة العربية أن يقال هذا الاستفهام للتهكم، فالله يتهكم بهم. * طالب: (...) * الشيخ: نعم، صيغة فعلية. * طالب: أبو الحسن كان أشعريًّا أم معتزليًّا؟ * الشيخ: كان معتزليًّا، ثم بعد أربعين سنة من الاعتزال اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلّاب مؤسس مذهب الكلابية وأخذ منه بعض الشيء، وبقي على ذلك مدة ليست طويلة، ثم وفقه الله عز وجل إلى أن أخذ بقول الإمام أحمد رحمه الله. * طالب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٣] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: النص على هذا الصنف من الناس وهم المنافقون، ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.﴾ * ومن فوائدها: نفي الوصف على من لم يتحقق فيه من جانب؛ لأنهم يقولون إنهم مؤمنون، ولكن مؤمنون بالظاهر وليسوا مؤمنين بالباطن، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي باطنًا. * ومن فوائدها: أن الاستسلام الظاهر إذا لم يكن مبنيًّا على عقيدة فإنه لغو لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.﴾ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قلب الحقائق وادعى ما لم يكن عليه من الأوصاف ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين، ولهذا جعل النبي ﷺ آية المنافق ثلاثًا، منها: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩/١٠٧) من حديث أبي هريرة.]] * ومن فوائد هذه الآية وما بعدها: أن المنافقين يخادعون الله والذين آمنوا، فيُستفاد من ذلك أن المخادعة من صفات المنافقين. فإن قال قائل: التورية فيها نوع مخادعة، فهل يكون المورّي متصفا بصفات المنافقين؛ لأنه أظهر خلاف ما يريد؟ فالجواب أن يقال: التورية إذا كان لها مقصود صحيح خرجت عن مشابهة المنافقين، وإذا لم يكن لها مقصود صحيح فإنه يُخشى أن يكون الإنسان مشابها للمنافقين، ولهذا حرم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التورية إلا لحاجة أو ضرورة[[انظر: أعلام الموقعين لابن القيم (٣/٢٣٤) ط. دار الجيل.]]، ولكن أكثر العلماء يقولون: إن التورية من غير ظالم لا بأس بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ جواز عطف غير الله على الله بحرف يقتضي المشاركة؛ لقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يقل: ثم الذين آمنوا، ووجه ذلك أن العلة واحدة، فمخادعتهم لله مخادعة للمؤمنين، ومخادعتهم للمؤمنين مخادعة لله عز وجل، بخلاف الأمور الكونية، فيجب أن تذكر ما سوى الله معطوفًا بـ(ثم)؛ لأن الأمور الكونية تتعلق بالربوبية، وما يتعلق بالربوبية فإنّ فعلَنا فيه تابع لفعل الله عز وجل، بخلاف الأمور الشرعية، ولهذا قال الله تعالى في آيات كثيرة، أو نسب الشيء إليه وإلى رسوله بالواو في آيات كثيرة، لكنها في أمور شرعية. * ومن فوائد هذه الآية: أن من خادع الله والمؤمنين فإنما يخادع نفسه؛ لأنهم سوف يعاملونه بالظاهر، ويستمر على هذا الباطل، وهذه لا شك أنه خداع للنفس، حيث يظن أنه على صواب فيستمر في عمله فيخدع نفسه بذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين يخادعون الله والذين آمنوا، وهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم، لكن ليس عندهم شعور في أنفسهم، ولذلك استمروا على هذا، ولو شعروا أنهم يخدعون أنفسهم ما استمروا على ذلك. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ البسملة تقدم لنا الكلام عليها مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، كذا؟ يقدر فعلا متأخرا مناسبا، فإذا قلت: (باسم اللهِ) وأنت تريد أن تأكل كيف تقدر الفعل؟ باسم الله آكل، طيب، قلنا: إنه يجب أن يقدر أن يكون متعلقا بمحذوف، لماذا؟ لماذا لا نقول إنه غير متعلق؟ لأن الجار والمجرور لا بد له من متعلق يتعلق به، لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي لأن الجار والمجرور معمول وبمنزلة المفعول به فلا بد له من عامل، لماذا قدرناه فعلا متأخرا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل. والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركا به ومستعينا إلا باسم الله عز وجل، لماذا قدرناه فعلا؟ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو، الأصل في العمل الأفعال؛ ولذلك لا تعمل الأسماء إلا بشروط، اسم الفاعل يعمل عمل الفعل بشروط، المصدر يعمل عمل الفعل بشروط، اسم المفعول يعمل عمل الفعل بشروط، الفعل يعمل بشروط؟ لا؛ لأنه هو الأصل في العمل، ولهذا نقدره فعلًا، لماذا قدرناه خاصا؟ لأنه أدل على المقصود، أدل على المقصود ممكن أن نقدر: باسم الله أبتدئ، لكن تبتدئ أيش؟ ما ندري، تبتدئ أكل، تبتدئ شرب، تبتدئ وضوء، تبتدئ عمل، ما ندري، إذا قلت: باسم الله آكل وعينت الفعل صار أدل على المقصود؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥) ومسلم (١٩٦٠ / ١)، من حديث جندب بن سفيان. ]] أو قال: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ» فخص الفعل، إذن نقول: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، كمِّل. * طلبة: مناسب. * الشيخ: متأخر.. * الطلبة: مناسب. * الشيخ: فعل مناسب للمقام. أما ﴿اللَّهِ﴾ فهو علم على ذات الله سبحانه وتعالى، على الذات المقدسة لا يكون إلا له، وهو أصل الأسماء، ولهذا تأتي الأسماء تابعة له، بسم الله الرحمن الرحيم، تأتي تابعة له. ﴿الرَّحْمَن﴾ ذو الرحمة الواسعة، ولهذا جاء على صفة على وزن فعلان الذي يدل على الامتلاء والسعة. ﴿الرَّحِيم﴾ الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل، فهنا رحمة هي صفته هذه دل عليها ﴿الرَّحْمَن﴾، ورحمة هي فعله أي إيصال الرحمة إلى المرحوم دل عليها ﴿الرَّحِيم﴾. الرحمن الرحيم اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر أو الحكم الدال عليه ذلك المعنى، ولَّا لا؟ إذن اجتمع في هذين الاسمين كل ما يجب أن يتعلق بالإيمان باسم الله؛ لأن الإيمان باسم الله لا بد أن يكون أن تؤمن بالاسم وأيش بعد؟ والصفة والأثر الذي هو الحكم المترتب على هذا، فنقول: الله رحمن ذو رحمة يرحم، كلها موجودة في القرآن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ كما ترون، ذو الرحمة: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]، يرحم: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. ﴿الرَّحْمَن﴾ اسم دال على الرحمة، وهي رحمة حقيقية دل عليها السمع والعقل، ما أدري كلام اللغة عربي ولَّا غير عربي؟ * الطلبة: عربي. * الشيخ: عربي، دل عليه السمع والعقل، وأيش معنى السمع؟ * الطلبة: النص.. النصوص. * الشيخ: النصوص الكتاب والسنة، العقل: النظر والاعتبار، دلالة السمع على رحمة الله كثيرة ما تحصى، دلالة النظر أن نقول: كم في العالم من نعمة؟ كم في العالم من نعمة؟ وأيش الجواب؟ لا تحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. كذا لا تحصى بأنواعها وأجناسها فضلا عن أفرادها، هذه النعم وأيش تدل عليه؟ تدل على أن المنعم راحم، تدل على أن المنعم راحم، ولولا الرحمة ما حصلت النعمة، وكم في العالم من اندفاع نقمة، أليس كذلك؟ بماذا؟ من آثار الرحمة، لولا الرحمة ما اندفعت النقمة، ومن عجب أن قوما يدعون العقل يقولون: إن الرحمة لا يدل عليها العقل، بل العقل يدل على خلافها، أعوذ بالله، لأيش؟ قال: لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة، وهذا لا يليق بالله عز وجل، شوف الشيطان، لا يليق، صحيح لا يليق؟ نقول: الرحمة بهذا المعنى من هي رحمته؟ * طالب: الإنسان. * الشيخ: رحمة المخلوق، لكن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، ثم إننا نمنع أن تكون الرحمة كما زعمتم حتى في المخلوق، يأتي ملك تام السلطان لا يخشى أحدا إلا الله ويرحم هذا الفقير، هل نقول: رحمته هذه تنافي ما عنده من السلطان والعظمة اللائقة به؟ أبدا ما تنافي، ولا يقال: والله هذا ملك مهين، إنه يرحم الفقراء، ويرحم الضعفاء، لا، بل يعد هذا من كماله، ثم نقول لهم: العقل دل عليه، العقل دل عليه، نمنع قولكم إن العقل لا يدل، ونقول: إن العقل دل عليه، لو تسأل عامي في السوق بعد أن نزل المطر في الليل وخرج الناس يمشون في المطر ونقع المطر وهواء المطر والرطوبة، تلقي عامي تقول: ما شاء الله نزل البارحة مطر، إي وقال: الله، الحمد لله، رحمة الله واسعة، رحمة الله واسعة، وأيش عرفنا إن هذا المطر منين؟ من الرحمة، لكن يقولون: الإرادة ثبتت بالعقل، إرادة الله ثبتت بالعقل، طيب بماذا؟ قالوا: ثبتت بالتخصيص، إنه خص هذا، اجعل هذا سماء، واجعل هذه أرض، وهذه بقرة، وهذه شاة، وهذه بعير، وهذا حمار إلى آخره، الذي خصص هذا من هذا هو الإرادة، إذن فيه إرادة لله دل عليها التخصيص، اسأل طالب علم ما هو عامي؟ قل: كيف تستدل بالعقل على الإرادة على إرادة الله وأيش بيقول لك؟ ما يستطيع، ربما يستطيع يقول: أستدل على إرادة الله، ها الكون هذا كله بإرادة الله، لكن ما يقول كلمة تخصيص ولا يدل على الإرادة، كذا ولَّا لا؟ ومع ذلك الرحمة ما دل عليها العقل عندهم، والإرادة دل عليها العقل، ونحن نقول: إن الإرادة والرحمة كلتاهما دل عليها العقل ولا شك في هذا. البسملة ذكرنا فيما سبق أنها آية من القرآن لا شك، مستقلة، لا تابعة لا للتي قبلها ولا للتي بعدها، مستقلة، لكن يؤتى بها لابتداء السورة، يؤتى بها لابتداء السورة، كل سورة تبتدئ بالبسملة إلا واحدة من السور وهي براءة، فإنه لم يثبت عند الصحابة أن الرسول ﷺ ابتدأها بالبسملة؛ ولذلك جعلوا فاصلا بينها وبين الأنفال ولم يجعلوا بسملة؛ لأنهم ترددوا هل هي من بقية الأنفال أو هي مستقلة، فقالوا: نجعل الفاصل ولا نجعل البسملة، إنما البسملة آية مستقلة تبتدئ بها كل سورة حتى الفاتحة وهي أول السور تبتدئ بها، وهل هي من السورة؟ قلنا: لا، وعلى هذا فما يوجد في المصحف الآن المرقم في الفاتحة خاصة فيها رقم واحد على أنها أول آية من الفاتحة هو قول مرجوح، والراجح أنها ليست آية من الفاتحة، وقد مر علينا بيان رجحان هذا القول. * طالب: شيخ، ندعو الله أن ينصرنا على الكافرين ونحن ما نستطيع أن نقاتلهم ولكن ندعو الله ولا نقاتلهم إما أن يقوينا فنقاتلهم أو ينصرنا عليهم؟ * الشيخ: إي نعم، هو يسأل، يقول: نحن ندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، واحنا ما عندنا سلاح نقاوم به، نقول: النصرة على القوم الكافرين بأن يهيئ الله لنا أسلحة نقاومهم بها، أو يدمر أسلحتهم، تدمير أسلحتهم نصر لنا ولَّا لا. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] خلاف العلماء في كون البسملة آية أو غير آية، ألا يؤدي ذلك إلى حذف البسملة؟ * الشيخ: لا لا، أعوذ بالله! هل حذفت من المصحف؟ حفظت. * طالب: (...) * الشيخ: لا لا نقول: آية بالاتفاق أنها آية، لكن هل هي من السورة اللي بعدها أو لأ، الخلاف في العدد. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران ١ - ٤] * الشيخ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تبع للي قبلها. * طالب: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران٣، ٤]. * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم الكلام على البسملة إعرابا ومعنى ومحلًا، وتقدم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتدئت بها السور. الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور قيل: إنها رموز وإشارات إلى أشياء، وعينها بعض المفسرين، وقيل: إنها حروف لا ندري ما معناها، فالله أعلم بما أراد بها، وقيل: بل هي حروف هجائية ليس لها معنى، وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين، واللسان العربي لا يعطي هذه الحروف الهجائية معنى، وإذا كان لا يعطيها معنى فبمقتضى نزوله به أن لا يكون لها معنى، لكن قال بعض حذاق العلماء: إن لها مغزى؛ أي هذه الحروف لها مغزى وهو: أن هذا القرآن الذي أعجز فصحاء البلاغة العرب العرباء إنما كان بالحروف التي هم يعرفونها، ويركبون كلامهم منها ومع ذلك أعجزهم، يعني لو جاء بلسان غير عربي لقالوا: نعجز عنه، لكن جاء باللسان العربي الذي يُكَوِّنون كلامهم بالحروف التي كان بها هذا القرآن، قال: ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن، وهذا ما قاله الزمخشري وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم. وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، فالله مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ، لكن هذه الجملة جملة أيضًا، لكنها تسمى عند النحويين جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والكبرى: مجموع المبتدأ والخبر. وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ خبران آخران. ﴿الْحَيُّ﴾ خبر ل﴿اللَّهُ﴾ ثان، و﴿الْقَيُّومُ﴾ خبر ثالث. فقوله: ﴿اللَّهُ﴾ علم على الذات المقدسة، علم على الرب عز وجل، وأصله الإله بمعنى المألوه، وحذفت الهمزة تخفيفا كما حذفت الهمزة من خير وشر في مثل قول الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا»[[أخرجه مسلم (٤٤٠ / ١٣٢)، من حديث أبي هريرة. ]] أي أخيرها وأشرها، وكما حذفت الهمزة أيضًا من: الناس، وأصلها: أناس. ﴿اللَّهُ﴾ علم على الذات المقدسة، وهو أعلم المعارف على الإطلاق، هو أعلم المعارف على الإطلاق، ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فعال بمعنى مفعول، كغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود حق إلا هو، فإله اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة ولكنها آلهة وضعت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف ٤٠]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]. وبهذا التقدير للخبر في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يزول الإشكال، وهو أنه كيف ينفى الإله في مثل هذه الجملة ويثبت في مثل قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]؟ والجمع: أن تلك الآلهة أيش؟ باطلة، وأما الإله في: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهو إله حق ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. وقوله: ﴿هو﴾ هذا ضمير وليس اسمًا، بدليل قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد ١٩] هذا علم ولَّا ضمير؟ * الطلبة: علم. * الشيخ: علم، وبدليل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥] وأنا هنا ضمير، فعلى هذا نقول: أنا وهو في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النحل ٢] وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كلاهما ضمير رفع منفصل، كلاهما ضمير رفع منفصل، فكما أن الذاكر لا يقول: لا إله إلا أنا، أو كما أن الذاكر لا يجعل أنا اسما لله فلا يجوز أن يجعل هو اسما لله، وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذين يذكرون الله بلفظ: هو هو، ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل. وقوله: ﴿الْحَيُّ﴾ أل هنا للاستغراق؛ أي الكامل الحياة، وحياة الله عز وجل كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له، حياته لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، هي أيضًا كاملة حال وجودها، لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه، وعلمه، وقدرته، وجميع صفاته. إذا رأينا الآدمي، بل إذا رأينا غير الله عز وجل وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، فحياته مسبوقة بماذا؟ بعدم، ملحوقة بزوال وفناء، هي أيضًا ناقصة في وجودها، هل هو كامل السمع؟ الحي ليس كامل السمع، ولا البصر، ولا العلم، ولا القدرة، كل حي فهو ناقص، إذن حياته ناقصة في الوجود والزمن، ففي الزمن مسبوقة بعدم وملحوقة بزوال، وفي الوجود ناقصة في جميع الصفات. وقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ على وزن فيعول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه، وفي الجمع بين الاسمين الكريمين: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في الجمع بينهما استغراق لجميع ما يوصف الله به لجميع الكمالات، ففي ﴿الْحَيّ﴾ كمال الصفات، وفي ﴿الْقَيُّومُ﴾ كمال الأفعال، وفيهما جميعا كمال الذات. ﴿الْحَيُّ﴾ كمال الصفات، ﴿الْقَيُّومُ﴾ كمال الأفعال، وباجتماعهما كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ١ - ٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وبينا أن القول الراجح في ﴿ألم﴾ وأخواتها. * طالب: ما اختاروا (...) أنها -الحروف المقطعة- لا معنى لها؟ * الشيخ: لا، هو ما قال لا معنى لها. * طالب: ألا تدل على المغزى أن هذا القرآن الذي يعجزكم أنه مكون من هذه الحروف لذلك كلما ذكر الحروف يذكر بعدها شيء من القرآن من ذكره أو (...)؟ * الشيخ: طيب. * الطالب: قلنا إن القرآن نزل باللغة العربية. * الشيخ: لا لا. * طالب: هي لا معنى لها بذاتها، ولكن لها مغزى. * الشيخ: ولكن لها مغزى، طيب. ما هو الدليل على أنه ليس لها معنى في ذاتها؟ * طالب: الدليل أنها دائمًا يعقبها في القرآن.. * الشيخ: الدليل على أنه ليس لها معنى؟ * طالب: أن القرآن بلسان عربي مبين، وهذه الحروف بلسان عربي مبين ليس لها معنى. * الشيخ: صح، الدليل أن القرآن نزل باللسان العربي المبين وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية في ذاتها، إذن ليس لها معنى. طيب ما الدليل على أن لها مغزى؟ * طالب: هذه الحروف يعقبها القرآن. * الشيخ: ذكر القرآن والتحدث عنه. * الطالب: ثاني شيء: يعني إن هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتتحدثون بها يعني القرآن الكريم مركب منها. * الشيخ: كان منها أحسن من كلمة مركب كان منها. قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ ما معناها؟ * طالب: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا معبود بحق؟ لا معبود حق إلا الله. لماذا لا نقول: إن النفي مسلط على ما بعد إلا؟ يعني لا إله إلا الله، ما يوجد إله إلا الله؟ * طالب: لأنه توجد آلهة لكن هي باطلة، يعني نحصرها بحق. * الشيخ: أحسنت، نعم، نقول: لا يمكن أن ننفي الألوهية مطلقا؛ لأن غير الله قد يسمى إلها. ما هو الدليل على إطلاق الإله على غير الله؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم ٨١]. * الشيخ: نعم، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٣٩]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا أنهما يشتملان على اسم الله الأعظم، فلماذا؟ * طالب: لأن لها معنيان: المعنى الزمني لم يسبقه العدم. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهما اسمان يتضمنان الصفات الفعلية والذاتية. * الشيخ: صح، الكمال الذاتي والفعلي، ففي ﴿الْحَيُّ﴾ الكمال الذاتي، و﴿الْقَيُّومُ﴾ الكمال الفعلي؛ لذلك كانا متضمنين لجميع الكمال، الذاتي والفعلي. ﴿الْحَيُّ﴾ تفسيره؟ * طالب: الحي الذي لا يموت ولا.. * الشيخ: يعني ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق؟ * الطالب: بعدم. * الشيخ: ولا يَلحقها؟ * الطالب: زوال. * الشيخ: زوال. ﴿الْقَيُّومُ﴾؟ * طالب: هو القائم بنفسه، والقائم على.. * الشيخ: على غيره، القائم بنفسه والقائم على غيره. الدليل على قيامه بنفسه؟ * طالب: أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إلى أحد. * الشيخ: نعم * طالب: أما الدليل أن كل ما سواه.. * الشيخ: إذن وصف الغنى مثل و﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن ٦] هذا قيامه بنفسه، قيامه على غيره ما هو الدليل؟ * طالب: أن العباد كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ما هو الدليل؟ ما هو التعليل؟ * الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥]. * الشيخ: وغيره، فيه آية صريحة في الموضوع؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد ٣٣] * الشيخ: صحيح، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يعني كمن لا يقوم بنفسه. تصريف القيوم في اللغة العربية؟ تصريف القيوم في اللغة العربية كيف هو؟ * طالب: على وزن فيعول. * الشيخ: على وزن فيعول، وماذا تدل عليه هذه الصيغة؟ * طالب: تدل على (...) سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا، هذه الصيغة؛ لأن أصلها قائم حولت إلى قيوم، فحول فاعل إلى فيعول؟ * طالب: يقوم على غيره ويقوم بنفسه. * طالب آخر: تدل على الكثرة والمبالغة. * الشيخ: المبالغة، صح. * * * قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ٣] ﴿نَزَّلَ﴾ التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان ٣٢]. يعني نزلناه ليس جملة واحدة، فقوله: ﴿نزل﴾ يفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل أيش؟ بالتدريج ليس مرة واحدة، وقوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ الضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول ﷺ؛ ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه. وقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هو هذا القرآن، وهو فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مكتوب، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة ٧٧، ٧٨] اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس ١٢، ١٣]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا.

البقرة 2:8

نبدأ أولًا في الفاتحة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١ – ٣] إلى آخره. * أولًا: سورة الفاتحة سميت بذلك لأنه افتُتح بها القرآن الكريم، وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة، وقيل: إن أول سورة نزلت كاملة (اقرأ)، وإن الله تعالى كمّلها، ثم جاءت السور، فالله أعلم. هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن؛ في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك، ولهذا سميت أم القرآن، والأمّ هو المرجع، المرجع للشيء يسمى أُمًّا، وهذه السورة لها مميزات تتميز بها عن غيرها؛ منها: أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. ومنها: أنها رقية، إذا قُرئ بها على المريض شفي بإذن الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للذي قرأها على اللديغ قال له: « وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»[[متفق عليه، البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة وصاروا يختمون بها الدعاء ويبتدئون بها الخطب أو الأحوال، وهذا غلط، تجد مثلا إذا دعا ثم دعا ثم دعا قال بعد ذلك: الفاتحة، إيش الفاتحة؟ من أين جاء بها؟ أو بعض الناس يبتدئ بها في خطبه أو في أحواله، وهذا أيضا غلط؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع. يقول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا حاجة إلى الكلام عن البسملة من حيث المعنى ولا من حيث الإعراب؛ لأنها تكررت علينا كثيرًا، لكن الكلام: هل البسملة آية من الفاتحة أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء: فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهرًا في الصلاة الجهرية، ويرى أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءة البسملة لأنها من الفاتحة. ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة، وهذا القول هو الحق، ودليل هذا: النص، وسياق السورة. أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ؛ فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ - إِلَى آخِرِهِ - قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥) (٣٨).]]، وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة. أما من حيث السياق: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق، وإذا أردت أن توزع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وهي الآية التي قال الله فيها: « قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»؛ لأن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ واحدة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الثانية، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الثالثة، وكلها حق لله. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الرابعة، يعني وسط الآن، وهي قسمان: قسم منها حق لله، وقسم حق للعبد. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ للعبد، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ للعبد، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ للعبد. ثم من جهة السياق من حيث اللفظ: لو قلنا: إن البسملة آية لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر، كم؟ على قدر آيتين، لزم أن تكون طويلة على قدر آيتين، شوف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، كم من سطر عندكم؟ سطرين. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ سطر عندي، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أقل من سطر، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كذلك، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كذلك، فكيف يكون هناك تناسب مع أن بعض الآيات أقل من السطر وهذه سطران، فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست منها، كما أنها - أي البسملة - ليست من بقية السور. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحمد) وصف المحمود بالكمال الذاتي والوصفي والفعلي، فهو كامل في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، فهو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولا بد من هذا القيد؛ قال أهل العلم: لأن مجرد الوصف بالكمال بدون محبة ولا تعظيم لا يسمى حمدا، وإنما يسمى مدحا، ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح لكنه يريد أن ينال منه شيئا، تجد بعض الشعراء يقف أمام الخلفاء ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة، لا محبةً فيه ولكنْ محبةً في المال الذي يعطونه أو خوفًا منهم، لكن حمْدنا لربنا عز وجل محبة وتعظيم، فلذلك صار لا بد من القيد في الحمد أنه وصف المحمود بالكمال، إيش؟ مع المحبة والتعظيم. وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ الله عز وجل، هذا اللفظ علم على ربنا عز وجل لا يسمى به غيره، وهو علم تتبعه الأعلام الأخرى، أي تتبعه الأسماء، ولهذا دائما يأتي متبوعا، إلا في مواضع قليلة مثل قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم ١، ٢] فإن هذه الكلمة تابعة لما قبلها، وهو قليل. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب هو ما اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير، فهو الخالق عز وجل، وهو المدبر لجميع الأمور، وهو المالك لكل شيء. و﴿الْعَالَمِينَ﴾ قال العلماء: كل من سوى الله فهو من العالَم، ووُصفوا بذلك لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرحمن صفة للفظ الجلالة، والرحيم صفة أخرى، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة، والرحيم هو ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن وصْفُه، والرحيم فِعْله، ولو أنه جيء بالرحيم وحده وبالرحمن وحده لشمل الوصف والفعل، لكن إذا اقترنا فُسِّر الرحمن بالوصف، والرحيم بالفعل ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد ذكر الربوبية دليل على أن ربوبيته تبارك وتعالى مبنية على الرحمة، الرحمة للخلق، الرحمة الواسعة الواصلة. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] مالك: صفة لرب، ويوم الدين: هو يوم القيامة، والدين هنا بمعنى إيش؟ الجزاء، بمعنى الجزاء، يعني أنه سبحانه وتعالى مالك لذلك اليوم الذي يجازَى فيه الخلائق، فلا مالك غيره في ذلك اليوم. فإن قال قائل: أليس مالك الدين والدنيا؟ فالجواب: بلى، لكن ظهور ملكوته وملكه وسلطانه إنما يكون في ذلك اليوم؛ لأن الله تعالى ينادي ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦]؟ فلا يجيب أحد فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]. في الدنيا يظهر الملوك، بل يظهر ملوك يعتقد شعوبهم أنه لا مالك إلا هم، فالشيوعيون مثلا لا يرون أن هناك ربا للسماوات والأرض، يرون أنها حياة، أرحام تدفع وأرض تبلع، وأن ربهم هو رئيسهم، طيب، إذن خُص ملكه بيوم الدين لأنه يظهر فيه ملكوته وملكه. وفي قراءة سبعية ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [[وهي قراءة: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة. راجع التيسير في القراءات السبع (ص٢٧).]] والملك أخص من المالك؛ لأن الملك هو ذو السلطة المطلقة، ولا يسمى ملك إلا مَن تحته رعية، أما مالك فهو ليس له سلطة مطلقة، ثم هو لا يحتاج إلى أن يكون تحته رعية، ولهذا تجد الفقير الصعلوك يملك بقرته، يملك شاته، لكن في الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة، وهو أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي؛ لأن من الخلق من يكون ملكا ولكن ليس بمالك، يسمى ملكا اسما وليس له من التدبير شيء، ومن الناس من يكون مالكا ولا يكون ملكا، كعامة الناس، لكن الرب عز وجل مالك ملك. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، نعبد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لو طلبنا إعراب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فبماذا تجيبون؟ * طالب: مفعول به مقدم. * الشيخ: أنه مفعول به مقدم، ولماذا انفصل مع إمكان الوصل، يعني يمكن أن يقول: نعبدك، فنقول: لو وصلنا فات أمر مهم، ألا وهو الحصر، فهنا لما قدمناه للحصر لزم أن يُفصل، لو قلت: ك نعبد، ما يستقيم الكلام وليس بلغة عربية. ﴿إِيَّاكَ﴾ يعني لا سواك، ﴿نَعْبُدُ﴾ أي نتذلل له أكمل ذل، ولهذا تجد المؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- يضعون أشرف ما في أجسامهم في موطئ الأقدام ذلّا لله عز وجل، يسجد على التراب، تمتلئ جبهته من التراب، يسجد على موطئ الأقدام،كل هذا ذلّا لله، ولو أن إنسانا قال: أنا أعطيك الدنيا كلها واسجد لي، ما وافق المؤمن أبدا؛ لأن هذا الذل لله عز وجل، والعبادة تتضمن القيام بكل ما أمر الله به، وترْك كل ما نهى الله عنه؛ لأن من لم يكن كذلك فليس بعابد، لو لم يفعل الأمر، يعني لو لم يفعل المأمورَ به فهل يكون عابدا حقا؟ أبدا، ولو لم يترك المنهي عنه ما كان عبدا حقا، العبد الذي يوافق المعبود في مراده الشرعي، إذن فالعبادة تستلزم أن يقوم الإنسان بكل ما أُمر به، وأن يترك كل ما نُهي عنه، ولكن هل قيامك هذا يمكن أن يكون بغير معونة الله؟ لا، لا يمكن، ولهذا قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يعني لا نستعين إلا إياك على العبادة، والله سبحانه وتعالى يجمع بين العبادة والاستعانة أو التوكل في مواطن عدة من القرآن الكريم؛ لأنه لا قيام بالعبادة على الوجه الأكمل إلا بمعونة الله، والتفويض إليه، والتوكل عليه. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] ﴿الصِّرَاطَ﴾ فيها قراءتان: بالسين[[وهي قراءة قنبل عن ابن كثير، والباقون بالصاد الخالصة. راجع التيسير في القراءات السبع (ص٢٧). ]] وبالصاد الخالصة؛ ﴿السِّرَاطَ﴾ و﴿الصِّرَاطَ﴾، والمراد بالصراط هنا: الطريق، والمراد بالهداية: هداية الإرشاد وهداية التوفيق، فأنت بقولك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تسأل الله تعالى علما وعملا، ولهذا جاءت متعدية بنفسها إلى المفعول لا بحرف (إلى) الدال على الغاية، عرفتم؟ فيشمل الهداية إلى الطريق، وهذا بالعلم، والهداية في الطريق، وهذا بالعمل والتوفيق. وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي لا اعوجاج فيه، وهذا الصراط الذي لا اعوجاج فيه بيّن الله تعالى في هذه الآية قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، ففي هذه الآية بيّن الله عز وجل أصناف الناس أنها ثلاثة: الذين أنعم الله عليهم، والمغضوب عليهم، وإيش؟ والضالون، فمن هؤلاء؟ الذين أنعم الله عليهم هم الذين علموا الحق وعملوا به، والذين غضب الله عليهم هم الذين علموا الحق ولم يعملوا به، والضالون هم الذين عملوا بغير علم، جاهلون، يريدون الحق ويريدون العبادة لكنهم جاهلون تعبّدوا لله بغير علم، انظر كيف قدم المغضوب عليهم على الضالين لأن مخالفتهم لطريق الذين أنعم الله عليهم أشد؛ لأنهم خالفوا عن علم، والمخالف عن علم أشد كبرا واستكبارا وعقوبة من الذين خالفوا عن غير علم، وكلتا الطائفتين ضالة، وذلك لأنهم ليسوا على هدى من الله. وفي قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قراءتان كذلك (عليهم) ضم الهاء وكسرها أي ﴿صِرَاطَ الذَّيِنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهُمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قراءة سبعية[[قراءة حمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها. انظر التيسير (ص٢٧).]]، ولكن أكرر ما قلته سابقا أن القراءات التي ليست في المصحف لا ينبغي أن نقرأ بها عند العامة؛ لسببين بل لأسباب ثلاثة، السبب الأول: أن العامة إذا رأوا هذا القرآن العظيم الذي قد ملأ قلوبهم تعظيمُه، إذا رأوه مرة كذا ومرة كذا تنزل منزلته لا شك، تهبط عندهم؛ لأنهم عوام لا يفرقون، فينبغي أن يبقى القرآن الكريم محترما لا يُغيَّر فيه بشيء، ثانيا: أن القارئ يُتهم بأنه لا يعرف، العامي ما الذي يعلم؟! لو يأتي إنسان يقرأ عليه مثلا بقراءة غير التي في مصحفه لكان يهجم عليه وربما يضربه، ربما يطرده من المسجد، القرآن عند العامة محترم جدا، وهو عندنا والحمد لله، لكن إذا أتيت بما لا يعرف العامي فيا ويلك منه، وهذه مفسدة أن الناس يستهينونك ويقولون: هذا ما فيه خير، هذا ما يعرف ولا يقرأ، نعم، الآن لو تقرأ عند العامي ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ﴾ نعم، قال: هذا ما يعرف يضم اسم (...) يقول عليهم، ليش ما قال ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالكسرة. المفسدة الثالثة: أنك إذا قرأت عند العوام وأحسن العامي بك الظن، وقال هذا: إنه لم يقرأ إلا عن علم، ثم حاول أن يقلدك مرة أخرى فقد يخطئ، ثم يقرأ القرآن لا على قراءة المصحف، ولا على قراءة التالي الذي قرأها، وهذه مفسدة، ولهذا قال علِيّ: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله »[[أخرجه البخاري (١٢٧).]]؟ وقال ابن مسعود: إنك لم تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة[[أخرجه مسلم في المقدمة (٥).]]،« عمر بن الخطاب مع هشام بن الحكم ماذا فعل به حين قرأ في سورة الفرقان بقراءة لم يسمعها عمر؟ نعم جبذه وتلّه وخاصمه، وأنكر قراءته، حتى وصلا إلى النبي ﷺ وقال: « اقْرَأْ». فقرأ، فقال: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ». قال لعمر: « اقْرَأْ». فقرأ، قال: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ»[[متفق عليه. البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨ / ٢٧١) من حديث عمر بن الخطاب.]]؛ لأن القرآن في الأول نزل على سبعة أحرف، فإذا كان عمر رضي الله عنه فعل ما فعل بصحابي، فما بالك بعامي يسمعك تقرأ غير قراءتك، نعم؟ يا ويلك منه، والحمد لله، ما دام أن العلماء متفقون على أنه لا يجب أن يقرأ الإنسان بكل قراءة، وأنه لو اقتصر على واحدة من القراءات فلا بأس، هدأ الفتنة وأسبابها، والسورة فيها فوائد عظيمة، وقد شرحها ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين شرحا لا تجده في غيره من الكتب، شرحا عظيما. الحمد لله رب العالمين. * من فوائد الآية الكريمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إثبات الحمد لله عز وجل الكامل، وإثبات استحقاقه واختصاصه بذلك، أما الكامل فمن صيغة (أل) ﴿الْحَمْدُ﴾، وأما الاختصاص والاستحقاق فمن اللام ﴿لِلَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقديم وصف الله تعالى بالألوهية على وصفه بالربوبية، لم يقل: لرب العالمين، ولكنه قال: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا إما لأن (الله) هو الاسم العلم الخاص به والذي تتبعه جميع الأسماء، وإما أن يقال: لأن الألوهية قدمها الله عز وجل على ذكر ربوبيته سبحانه وتعالى؛ لأن الذين جاءت إليهم الرسل ينكرون الألوهية فقط. * ومن فوائدها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وسبق لنا في التفسير أن المراد بالعالَم مَن سوى الله عز وجل، كل المخلوقات النامي وغير النامي، والعاقل وغير العاقل. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ * من فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين: الرحمن والرحيم، وإثبات ما تضمناه من الرحمة التي هي الوصف، والرحمة التي هي الفعل. * ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل مبنية على الرحمة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كأن سائلًا يسأل: ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ وانتقام، أو ربوبية رحمة وإنعام؟ قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أو ﴿مَلِكِ﴾ : إثبات ملك الله عز وجل وملكوته ليوم الدين، وإنما خص ذلك لما ذكرناه في التفسير من أنه في ذلك اليوم تتلاشى جميع الملكيات والملوك أيضا. * ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من فوائدها: إخلاص العبادة لله، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ووجه الإخلاص تقديم المعمول. * ومن فوائدها أيضا: إخلاص الاستعانة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حيث قدم المفعول. فإن قال قائل: كيف يقال: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] إثبات المعونة من غير الله عز وجل؟ قلنا: الاستعانة نوعان: استعانة تفويض، بمعنى أنك تعتمد على الله عز وجل وتتبرأ من حولك وقوتك، وهذا خاص بالله عز وجل، واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به، فهذه ليست عبادة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال؟ قلنا: لا، الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان قادرا عليها، وأما إذا لم يكن قادرا فإنه لا يجوز أن تستعين به، فلو أن أحدا من الناس استعان بقبر فإن هذا حرام، بل هو شرك؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئا، فكيف ينفعك؟! ولو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الولي الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده، فهذا أيضا شرك شركا أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعينك وهو هناك. فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة؟ قلنا: الأولى أن لا تفعل، فالإنسان مأمور أن يعين أخاه، لكن الغير لا ينبغي أن يستعين؛ لأن الاستعانة بغيره من باب السؤال المذموم، لكن أنت إذا رأيت أخاك قد احتاج إلى معونة فأنت مأمور بأن تعينه، ولكن لو استعنته فإنه ليس حراما، ليس حراما عليك، إنما هو ترك للأولى، إلا إذا علمت أن استعانتك به مما يسره وينشرح له صدره، فهنا إذا استعنته تكون محسنا إليه، ولا يعد هذا من المسألة المذمومة، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام« حين دخل بيته ووجد البرمة على النار فيها اللحم، فلما قُدِّم له الطعام قال: « أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، لكن هذا لحم تُصُدِّق به على بريرة، فقال: « هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ»[[متفق عليه، البخاري (٥٢٧٩)، ومسلم (١٥٠٤ / ١٤) من حديث عائشة.]]، أرأيتم بريرة في هذه الحال هل سيكون هذا الأمر شاقا عليها؟ أبدا، بل ستُسَر به وتفرح، فأنت مثلا إذا استعنت بأخيك في حاجة من الحوائج وأنت تعلم أنه يُسَر بهذا ويفرح فإن استعانتك به تكون إحسانا إليه، لكن لو استعنت بشخص يرى أن استعانتك به أثقل عليه من جبل أحد، هل تستعينه؟ لا؛ لأن هذا فيه إحراج عليه، وفيه إذلال لك أيضا. ومن فوائد قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لجوء الإنسان إلى الله عز وجل بعد استعانته على العبادة أن يهديه الصراط المستقيم؛ لأنه لا بد في العبادة من إخلاص يدل عليه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومن استعانة لتقوى على العبادة؛ لقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن اتباع للشريعة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فصارت هذه الآيات الثلاث متضمنة للدين كله: عبادة، والثاني: استعانة، والثالث: اتباع؛ لأن الصراط المستقيم هو الشريعة التي جاءت بها الرسل، وبالنسبة لنا هي الشريعة التي جاء بها مَن؟ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعني هذا أن نتبع الرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن، حيث حُذف حرف الجر من ﴿اهْدِنَا﴾، يعني لم يقل: اهدنا إلى، بل قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾، والفائدة من ذلك لأجل أن يتضمن طلب الهداية التي هي دلالة العلم وهداية التوفيق؛ لأن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية علم وإرشاد، وهداية توفيق وعمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدلالة، والله سبحانه وتعالى قد هدى كل أحد، الثانية فيها التوفيق للهدى واتباع الشريعة، وهذه قد يُحرَمها بعض الناس، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ٤١] ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾ يعنى بيّنّا لهم الحق ودللناهم عليه، ولكنهم لم يوفَّقوا له، فلهذا حُذفت (إلى) ليكون طلب الهداية في هذه الآية شاملا لهداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق والاتباع. * ومن فوائدها: أن الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج، فما كان موافقا للحق فهو مستقيم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وما كان مخالفا له فهو معوج. ثم قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ذكر التفصيل بعد الإجمال ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لأن التفصيل بعد الإجمال فيه فائدة؛ فإن النفس إذا جاءها الكلام مجملا تترقب وتتشوف لإيش؟ للتفصيل والبيان، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ثم فيه أيضا الفائدة الثانية، وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم. * ومن فوائدها أيضا هي وما بعدها: انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم، وقسم آخر غضب الله عليهم، وقسم ضالون؛ فالذين أنعم الله عليهم سبق أنهم الذين علموا الحق واتبعوه، وأما المغضوب عليهم فهم الذين علموا الحق وخالفوه، وأما الضالون فهم الذين جهلوا الحق. وأسباب الضلال والخروج عن الصراط المستقيم إما الجهل أو العناد، فمن الذي سبب خروجهم العناد؟ هم المغضوب عليهم وعلى رأسهم اليهود، والآخرون الذين سبب خروجهم الجهل هم كل من لا يعلم الحق، وعلى رأسهم النصارى، وهذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة، أعني النصارى، أما بعد البعثة فقد علموا الحق، فصاروا هم واليهود سواء، كلهم مغضوب عليهم بل هم أشد؛ لأنهم يؤمنون بالنسخ، أعني النصارى، ولهذا يؤمنون بأن شريعة عيسى ناسخة لشريعة موسى، واليهود لا يؤمنون بذلك فهم على جادة باطلة، وأولئك تناقضوا فآمنوا بنسخ الشرائع في مَن؟ في عيسى بالنسبة لشريعة موسى، ولم يؤمنوا بنسخ الشرائع في شريعة محمد ﷺ بالنسبة لشريعة عيسى، فكانوا متناقضين، وكان طريقهم أخبث من طريق اليهود. وعلى كل حال السورة هذه عظيمة، ولا يمكن لا لي ولا لغيري أن يحيط بمعانيها العظيمة، لكن هذا قطرة من بحر. ثم قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١، ٢]. هذه تسمى سورة البقرة؛ لأنه ذُكرت فيها البقرة، واعلم أن التسمية تكون بأدنى ملابسة، ولذلك تجد بعض السور فيها كلام كثير عن موضوع معين ولا تسمى به السورة، وفيها كلام قليل تسمى به السورة، وتسمية السور منها ما هو توقيفي، ومنها ما هو اجتهادي، فقد سمّى النبي ﷺ، سمى سورة البقرة وآل عمران[[أخرج مسلم في صحيحه (٨٠٤ / ٢٥٢) من حديث أبي أمامة مرفوعا: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران».]] وغيرهما كثيرا، وفي بعضها التسمية توقيفية. أما البسملة فقد سبق الكلام عليها، وبيّنّنا أنها آية مستقلة يؤتى بها في ابتداء كل سورة سوى (براءة). قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (الم) هذه الكلمة مكونة من ثلاثة أحرف هجائية: ألف، ولام، وميم، فما معنى هذه الحروف التي تركبت منها هذه الكلمة؟ كثير من المفسرين يقول: الله أعلم بما أراد، وهذا لا شك أنه تأدُّب مع الله عز وجل، وإمساك عما لا يعلمه الإنسان. ومنهم من جعلها رموزا لأشياء معينة إما من أسماء الله أو غيرها من الحوادث، وهذا لم يَبْن ما قاله على علم، ومنهم من قال: إنها حروف هجائية ليس لها معنى، ولا نعلم لها معنى حسب مقتضى اللغة العربية، والقرآن الكريم نزل باللغة العربية، وعلى هذا فمن حقنا أن نقول: ليس لها معنى، بناء على أن القرآن عربي وأن مثل هذه الحروف المركبة ليس لها معنى، وهذا قول مجاهد رحمه الله، وهو إمام التابعين في التفسير، وهو القول الذي تقتضيه الأدلة، ولكن يبقى النظر لماذا جاء الله بها وهي ليس لها معنى حسب اللغة العربية؟ نقول: إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجزكم أيها العرب لم يأت بجديد من كلامكم، بل أتى بما ترتبون منه كلامكم وتبنونه، أنتم كلامكم حروف: ألف، باء، تاء، ثاء، إلى آخره، هل القرآن جاء بشيء زائد؟ لا، ومع ذلك عجزتم أن تركبوا مثله، أعجزكم. وقد ذكر الله تعالى إعجاز القرآن على أربعة أوجه: إعجاز بكل القرآن، وإعجاز بعشر سور منه، وإعجاز بسورة منه، وإعجاز بمثله، كلها تكررت في القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِين﴾ [الطور ٣٤]، وقد تحدى الله عز وجل الخلق على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو بآية واحدة، كما تحداهم على أن يخلقوا أدنى مخلوقات الله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج ٧٣]. فالقول الراجح في هذه المسألة أعني الحروف الهجائية التي تُبتدأ بها بعض السور أنه ليس لها معنى، ولكن لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الكريم لم يأت بجديد في الحروف التي جاء بها، بل هو جاء بالحروف التي تركّبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم، ولهذا تجد السور المبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي من بعدها ذكر القرآن أو شيء لا يكون إلا بوحي، فمثلا: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جاء بعدها ذكر القرآن، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ١ - ٣] لم يأت فيها ذكر القرآن، ولكن جاء بعدها ما لا يمكن إلا بوحي. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يجوز أن نجعل (الكتاب) خبر (ذا)، ويجوز أن نجعلها نعتا أو عطف بيان، فإن جعلناها خبر (ذا) صار قوله: (لا ريب فيه) جملة مستأنفة، وإن جعلناه بدلا أو عطف بيان صارت (لا ريب فيه) إيش؟ خبر اسم الإشارة، والكتاب المشار إليه هو القرآن، وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٥]، ومكتوب في المصاحف التي بين أيدينا. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا ريب)، ما معنى الريب؟ الشك، هكذا فسره أكثر العلماء، أن الريب هو الشك، لكن شيخ الإسلام رحمه الله[[انظر مجموع الفتاوى (٢٠ / ٤٢٣).]] له رأي في مثل هذه الألفاظ المترادفة؛ يقول: لا يوجد في اللغة العربية كلمة مرادفة لأخرى من كل وجه، لا بد أن يكون بينهما فرق، فالريب هنا ليس مطابقا للشك في إزائه من كل وجه؛ لأن الريب، يقول: شك مع قلق وارتياب، فهو إذن أخص من الشك، لكن لا مانع أن نفسر الكلمة بما هو قريب منها، لا سيما إذا كان المخاطَب لا يتصور الفرق. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا) نافية للجنس، فيشمل أدنى ريب، يعني ما فيه أدنى ريب. وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ الهدى بمعنى الدلالة، القرآن نفسه لا يهدي هداية توفيق، لكنه يهدي هداية دلالة؛ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. في آية أخرى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاس﴾ [البقرة ١٨٥] فأي فرق بين هذا وهذا؟ نقول: أما كونه هدى للناس فهذا هو الأصل، أن القرآن يمكن أن يهتدي به كل أحد، وأما إضافة الهدى إلى المتقين فلأن المتقين هم الذين انتفعوا به فصار هدى لهم، ومَن المتقون؟ الذين قاموا بأوامر الله وتركوا نواهي الله. في هذه الآية الكريمة بيان أن كلام الله عز وجل حروف، خلافا لمن قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس، ونحن نشرح ذلك: أصول الخلاف في هذا القرآن الكريم أو في كلام الله عمومًا: أولا: من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وما يُنقل من كلامه أو يسمع فهو عبارة عنه وليس هو كلام الله، بل عبارة عنه، وهو مخلوق. والثاني قال: إن الله تعالى لا يتكلم، وكلامه مخلوق كسائر مخلوقاته. ومنهم من قال: إن الله يتكلم بحرف وصوت، وليس كلامه هو المعنى فقط، بل كلامه اللفظ والمعنى. وهذا الذي قبله مذهب المعتزلة والجهمية، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، ومذهبهم هو الحق؛ لأن الأدلة تدل عليه، قال الله تعالى في موسى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فلما كان بعيدا قال: ﴿نَادَيْنَاهُ﴾؛ لأن النداء يكون للبعيد، ولما قرب يعني لما قربه الله قال: ﴿قَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، أي: بصوت ليس نداء، وفي الحديث الصحيح:« أَنَّ اللهَ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ[[متفق عليه، البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] »، وهذا أمر لا يشك فيه إنسان، ولولا أن الخلاف وقع فيه ما كنا نتكلم فيه، لكن وقع ولا بد من بيان الحق، المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق من المخلوقات، أصوات يخلقها الله وحروف تكتب فهو كسائر المخلوقات، ولا شك أننا إذا قلنا بهذا أبطلنا الأمر والنهي؛ لأن الأمر يكون صوتا سُمع على هذا الوجه، قولوا: صوت سُمع على هذا الوجه، يعني كأنه صدى، أرأيت الآن الشمس والقمر والجبال مخلوقة على هذا الوجه، هم يقولون: هذا صوت خُلق على هذا الوجه، كصوت الرعد. الأشعرية يقولون: الكلام معنى قائم بنفسه، لكن خلق أصواتا، فإذا قلنا: إن الأوامر والنواهي مخلوقة، بطل الأمر والنهي؛ لأن (قل) خلق الله كلمة على صورة (قل) ولا تفيد أمرا، ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] خلق الله تعالى حروفا على هذا الشكل فلا تفيد نهيا، ولهذا صدق من قال: إن القائلين بخلق القرآن سواء جعلوه عبارة عن كلام الله أو هو كلام الله، إنهم أبطلوا الأمر والنهي والشرائع كلها. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة ١ - ٧] * الشيخ: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ قف. * الطالب: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال ربنا عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾، البسملة سبق لنا الكلام عليها فلا حاجة للإعادة، أما قوله: ﴿الم﴾ فإنها حروف هجائية، وسبق الكلام عليها إذن، ولا حاجة للمناقشة ولا للإعادة. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إن جعلنا ﴿الْكِتَابُ﴾ صفة لـ(ذا) صار ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر. وإن جعلنا ﴿الْكِتَابُ﴾ خبرا؛ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، صارت الجملة استئنافية محلها النصب على الحال، يعني حال كونه منتفيا عنه الريبة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، أي: لا شك، وتفسير الريب بالشك إنما هو للتقريب، ونفي الشك هنا الشك في ثبوته، يعني لا شك في ثبوته، وأنه من عند الله. ثانيا: لا شك فيما تضمنه من الأخبار، فكل خبر في القرآن الكريم فإنه لا شك فيه عند كل مؤمن، بل هو حق ثابت. وقوله: ﴿فِيهِ﴾ قيل: إنها خبر (لا) النافية، وقيل: إنه خبر مقدم لقوله: ﴿هُدًى﴾، ولكن الأولى أن يكون خبرا لـ(لا) النافية. وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ تكون حالا من الكتاب يعني حال كونه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهو هدى للمتقين من الناحيتين: العلمية والعملية، أما العلمية فهي هداية الدلالة، فإن مصدر العلم هو هذا القرآن الكريم، هو الذي يهديك إلى الحق ويدلك عليه، ويهديك إلى الباطل ويبينه لك ويحذرك منه، أما الثاني فهو هداية العمل، فإن المتقين هم الذين اهتدوا به عملا. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ اسم فاعل، والفعل منه (اتقى)، ومعنى اتقى: اتخذ وقاية من عذاب الله، وهذا لا يكون إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وعلى هذا فأشمل الحدود في التقوى أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فهي فعل الأوامر واجتناب النواهي. واعلم أن التقوى تُقرن تارة بالبر، كقوله: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، وتارة تُقرن بالإيمان، كما في هذه الآية: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وتارة تُذكر وحدها، فإن ذُكرت وحدها شملت الدين كله؛ لأن الدين كله وقاية من عذاب الله، وإن اقترنت بالبر صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي، فهي تفسَّر في كل سياق بحسبه. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، هذه من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب، أي يقرّون به ويعترفون به، والمراد بالغيب هنا ما غاب عن الناس مما أخبر الله به ورسوله، سواء كان ذلك فيما يتعلق بصفات الله، أو فيما يتعلق بعباد الله فيما مضى، أو فيما يتعلق بعباد الله في المستقبل، يؤمنون به، فيؤمنون بالله عز وجل بأسمائه وصفاته، بألوهيته، ربوبيته، يؤمنون كذلك بما أخبر الله به من الأمم السابقين، يؤمنون بما أخبر الله به من المستقبل من علم الآخرة؛ لأن كل هذا داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، نعم هل يدخل في الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة؟ نعم؛ لأنهم عالم غيببي. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، أي: يأتون بها قائمة لا اعوجاج فيها، وذلك بالقيام بواجباتها واجتناب محظوراتها، وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل صلاة الفريضة والنافلة؛ لأنها هنا اسم جنس يشمل كل الصلاة. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ (مما رزقناهم) جار ومجرور متعلق بـ(ينفقون)، المعنى: مما أعطيناهم ينفقون، وأول ما يدخل في ذلك الزكاة، إنفاق الزكاة؛ فإنهم يقومون بها، وعلى هذا تكون الآية من جنس الآيات الأخرى التي فيها ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة ٥٥]. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم المتقون الذين اهتدوا بالقرآن. ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿عَلَى هُدًى﴾ أي: على طريق مستقيم من الله عز وجل، هداهم الله تعالى علما وهداهم الله عملا. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، هذا أيضا من صفاتهم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الآية هنا معطوفة على ما سبق عطفَ صفات لا ذوات، والأصل في المعطوفات أن تكون ذواتًا، لكن هنا العطف عطف صفات؛ لأن الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، وعطف الصفات بعضها على بعض أمر لا يُستغرب لا في القرآن ولا في لغة العرب، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى ١ - ٥]، فهذا عطف صفات بعضها على بعض. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، وربما نقول: إنه أشمل من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ [النساء ١١٣] فهو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الكتب كالتوراة والإنجيل. ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ قوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، وأتى بكلمة ﴿هُمْ﴾ للتوكيد، وإلا لو حُذفت وقيل: وبالآخرة يوقنون، استقام الكلام، لكن من أجل التوكيد أُتي بالضمير (هم)، وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، أي: يؤمنون إيمانا لا شك فيه ولا يتطرق إليه الاحتمال؛ لأن اليقين هو العلم القطعي، هذه من صفاتهم. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾، المشار إليه المتقون الذين يؤمنون بما سبق، ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِم﴾ أي: على صراط من الله عز وجل، وقال: ﴿مِنْ رَبِّهِم﴾؛ لإفادة أن منة الله عليهم بهذا منة خاصة، فهي ربوبية خاصة لهم ليست الربوبية العامة. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، كرر ﴿أُولَئِكَ﴾؛ للتنويه بفضلهم وعلو مرتبتهم، وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يقول العلماء إن (هم) هنا ضمير فصل، وهو ضمير لا محل له من الإعراب؛ لأنه إنما أُتِي به للتوكيد، قالوا: وفوائده ثلاثة: الفائدة الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر الذي هو التخصيص، الثالثة: إفادة أن ما بعده خبر وليس صفة، ولهذا سمي ضمير فصل، يعني أن الفلاح محصور فيهم، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. نرجع إلى هذه الآيات نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها ما يدل على عدة فوائد، أولا: بيان أن هذا القرآن الكريم هو من الحروف التي يتكلم بها العرب؛ لقوله: ﴿الم﴾، كما بينّا ذلك واضحا في التفسير. * ومن فوائد هذه الآيات: علو مرتبة القرآن؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فأشار إليه إشارة البعيد مع قربه، فإنه بين أيدينا إشارة إلى علو مرتبته، وهو واللهِ أعلى مراتب القول، إن خير الحديث كتاب الله، كما كان الرسول ﷺ يعلنه في كل جمعة يقول على المنبر: « إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]. * ومن فوائد هذه الآيات: أنه لا يجوز لأحد أن يرتاب في هذا القرآن، وأن القرآن ليس محلا للريبة، المعنى الأول لا يجوز لأحد أن يرتاب في هذا القرآن على تقدير أن النفي هنا بمعنى؟ * طالب: النهي. * الشيخ: النهي، والثاني: أن هذا القرآن ليس محلا للريبة، على تقدير أن (لا) نافية، وقد بيننا لكم في التفسير أن قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيه﴾ فيها قولان للعلماء، القول الأول: أن النفي هنا بمعنى النهي، وأن المعنى: لا ترتابوا فيه. والقول الثاني: أن النفي هنا على بابه، والمعنى أن القرآن لا ريب فيه ولا إشكال فيه، واضح يا جماعة؟ إذن من الفوائد تحريم الارتياب في القرآن وبيان أنه ليس محلا للريبة. * ومن فوائد هذه الآيات: أن القرآن هدى للمتقين، وهو واضح في الآية ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويترتب على هذه الفائدة أنك إذا رأيت الله قد منّ عليك بفهم كتابه والعمل به، فاعلم أنك ممن؟ ممن يا جماعة؟ من المتقين؛ لأن الله قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإذا رأيت من نفسك أن الله من عليك بالعلم والعمل بكتابه فأبشر فإنك من المتقين. ويتفرع أيضا على هذا فائدة أخرى: إذا رأيت الغفلة وعدم الانتفاع بالقرآن فاحذر؛ فإن هذا يدل على نقص تقواك؛ لأنه لو كانت تقواك كاملة لكان هذا القرآن هدى لك، ويتفرع على هذا أيضا: الحث على التقوى، وأنها سبب للاهتداء بالقرآن، وأنك كلما اتقيت الله ازددت انتفاعا بالقرآن واهتداء به. * ومن فوائد الآيات: فضيلة الإيمان بالغيب، وإن شئت فقل: إن الإيمان حقيقة هو الإيمان بالغيب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ لأن الإيمان بالشهادة ما هو إيمان، الإيمان بالشهادة المحسوسة ليس إيمانا، أي نعم، والدليل: أن فرعون كان ينكر رب العالمين، ويقول لموسى: ما رب العالمين؟ ولما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، وفي هذا من الذل ما فيه، كان بالأول يقتل بني إسرائيل إذا لم يوافقوه، والآن صار تبعا لهم، ما قال: آمنت بالله أو برب العالمين، آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فأتى باسم الموصول الدال على التفخيم والتعظيم، ثم بـ ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾؛ ليقول: أنا تابع لهم مؤمن بما يؤمنون به، وهذا غاية ما يكون من الذل، انتبهوا لهذه النقطة. طيب، هل هذا الإيمان الذي جرى من فرعون في تلك الساعة هل هو إيمان نافع؟ لا، ولهذا قيل له: ﴿آلْآنَ﴾؟ ما فيه فائدة، ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، وهذا حق. الإيمان بالشيء الشاهد؛ تشوف هذا الباب تقول: هذا باب، أومن بأن هذا باب؟ نعم؟ هذا إيمان؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لو قلت: أنا أومن بأن حولي رجالا يطلبون العلم، هذا إيمان؟ هو إيمان؟ * الطلبة: ليس إيمانًا. * الشيخ: أما حولي رجالا، صحيح ليس إيمانًا؛ لأنه مشاهد، أما يطلبون العلم، فهو إيمان؛ لأنه مبني على ظني فيما يريدون بطلب العلم، وهل هم حريصون أو يحضرون بالأبدان دون القلوب، أو ما أشبه ذلك، على كل حال اجعلوها إن شاء الله إيمانا، لا تجعلوها إيمانا بالغيب، اجعلوها إيمانا بالمحسوس. من فوائد هذه الآيات الكريمة: فضيلة الصلاة، وأنها أعلى أنواع الأعمال البدنية، ولهذا تأتى دائما بعد الإيمان؛ لقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. * ومن فوائدها: الحث على إقامة الصلاة، وأن الإنسان يأتي بها كاملة على الوجه الذي يرضي الرب عز وجل الذي فرضها على عباده، أما أن يصلي صلاة لا روح فيها، أو صلاة لا تجزئ رسميا أو ما أشبه ذلك، فهذا ليس بمقيم للصلاة، أفهمتم؟ يعني ربما يجيء إنسان يصلي صلاة من أتقن ما يكون ظاهريا، فهذا باعتبار الرسم أقامها، قائم يقوم بخشوع في الرأس، في الركوع يطمئن، وفي السجود يطمئن، لكن قلبه في وادٍ، وجسمه في وادٍ، هل أقامها؟ لا، ما أقامها، هي قشر، قشر منتفخ لكن تطلع ما فيه لب؛ لعدم الخشوع، ولهذا تجد الناس كثيرا منهم يخرج من الصلاة لا يحس بنفسه أنه كره المنكر ولا كره الفحشاء، مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، لكن لا يحس بذلك؛ لأنها قشور صلاة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على الخشوع في الصلاة؛ لأنه الآن أشد ما نجاهد عليه هو هذا، يعني قضية الرسم بأن الإنسان يأتي بالصلاة باطمئنان ظاهري هذا شيء سهل، لكن الكلام على اللب وهو الخشوع هذا أمر صعب، لكن حاول مرة بعد أخرى، كلما جذب الشيطان قلبك رده، وثِق أنه من حين ما تجذبه إلى الصلاة ترده إلى الصلاة سوف يرده، سوف يجد هناك تجاذب، لكن استمر، وإن شاء الله في النهاية يزول، طيب من إقامة الصلاة الطمأنينة فيها التي قد افتقدها بعض الناس، ولا سيما في الركنين ما بين الركوع والسجود، وما بين السجودين، هذان الركنان مظلومان عند بعض الناس، تجده يقول: سمع الله لمن حمده، الله أكبر، إيش قلت؟ اطمأن؟ ما اطمأن، هذا لا صلاة له، لو يصلي إلى يوم الدين ما فيه صلاة؛ لأن «الرسول قال للرجل: « ثُمَّ ارْفَعْ - يعني من الركوع- حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»[[متفق عليه، البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]، وفي لفظ « حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا»[[أخرجه ابن ماجه (١٠٦٠)، وأحمد (١٨٩٩٧).]]، لا بد من الطمأنينة، وعلى كل حال لا حاجة إلى أن نأتي على الصلاة بجميع ما يُخل فيها بعض الناس؛ لأنها معروفة. من فوائد هذه الآيات الكريمة: فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فضيلة إنفاق المال؛ لقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن صدقة الغاصب باطلة، من أين تؤخذ؟ ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به فلا تُقبل صدقته. * ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم البخل؛ لقوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، هل أنت حصّلت المال بكسبك؟ لا، الذي أعطاك المال هو الله، ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: مما كسبوا، قال: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، وحتى ما كسبه الإنسان هو بتيسير الله، وكم من إنسان ضرب أبواب الرزق من كل جانب ولكن لم يوفق، إذن من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإنفاق، لكن هنا أطلق بل هنا أجمل المنفَق فيه؛ قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يعني بيّن المنفَق منه ولم يبيّن المنفَق فيه، نقول: نعم، لكنها بُيّنت في آيات كثيرة، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥] الجواب: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، أي شيء ينفقون؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، كأنه قال: اسألوا عن ماذا تنفقون؟ نعم، اسألوا فيم تنفقون؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، عن إيش؟ قولوا يا جماعة؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: وإيش ينفقون؟ ماذا ينفقون، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فبيّن ما ينفَق فيه؛ لأنه هو المهم، كثير من الناس ربما يخرج نصف ماله لكن في سبيل الطاغوت، والشيء النافع في سبيل الله، أي فيما يرضي الله عز وجل، لكن قد يقال: إن قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، قد يقول قائل: فيه إشارة إلى المنفَق منه، وهو أن يكون الإنفاق خيرا، على كل حال الآية هنا أجمل الله فيها الإنفاق: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فأجمل، فيقال: إن هذا المجمل مبين في نصوص أخرى من القرآن والسنة. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة ٦ - ١٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون﴾، هذه عطف على ما سبق في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، يعني ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ﴾، وقد سبق أن قلنا: إنه يجوز عطف الصفات بعضها على بعض كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]، مع أن الأصل في الصفات أن لا تكون معطوفة. * من فوائد الآية: الثناء على الذين يؤمنون بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أنزل من قبله، وأن هذا من خصال المتقين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ومن فوائد الآية أيضا: الثناء على الموقنين بالآخرة، وقد سبق في التفسير أنه ليس المراد بالإيقان بالآخرة أن تؤمن بأن هناك يوما يُبعث الناس فيه، بل تؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما يقع في ذلك اليوم، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله قال: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت[[ العقيدة الواسطية (ص٩٣).]]. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هذا أيضا بيان حالهم ومآلهم؛ أما حالهم فقال: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على علم وبينة، ففيه دليل على سلامة هؤلاء في منهجهم، لقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن ربوبية الله عز وجل تكون خاصة وعامة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافته إلى هؤلاء فقط، لكنها ربوبية خاصة اقتضت العناية التامة بهم. * ومن فوائدها أيضا: أن مآل هؤلاء هو الفلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن الفلاح خاص بهم؛ لأن هذه الجملة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تفيد الحصر. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾، هذا بيان للقسم الثاني من الناس؛ لأن هذه السورة ذكر الله أصناف الناس وأقسامهم، الأول: المؤمنون الخلّص، والثاني: الكفار الخلص في هذه الآية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كفروا بمن؟ كفروا بكل ما يجب الإيمان به؛ كفروا بالله، كفروا برسله، كفروا بملائكته، كفروا بكتبه، كفروا باليوم الآخر، كفروا بالقدر خيره وشره، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه عام بكل ما يجب الإيمان به، فإذا كفروا به فهؤلاء كفار. طيب وإن كفروا ببعضه؟ فكذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١] وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، هذه جملة مسبوكة بمصدر دون أن يوجد حرف مصدري؛ لأن الجملة التي تُسبك في المصدر يعني تُحوَّل إلى مصدر لا بد أن تقترن بحرف مصدري، مثل: (أنّ) و(أنْ) و(ما) المصدرية و(لو) المصدرية، لكن هذه سُبكت بمصدر مع أنها ليس فيها شيء من أدوات المصدر، لكن إذا جاء السواء ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ فهذه تُسبك بمصدر، فالتقدير: سواء عليهم إنذارك أم عدمه، والمراد بهؤلاء الكفار الذين حقت عليهم كلمة العذاب، فهؤلاء لا يؤمنون سواء أنذرهم أم لم ينذرهم؛ لأنه قد خُتم على قلوبهم ـ والعياذ بالله ـ وليس المراد بهذا أن لا يدعوهم الرسول عليه الصلاة والسلام، بل المراد أن يتسلى إذا لم يؤمنوا فيقال: هؤلاء قد طبع الله على قلوبهم فلا يؤمنون. وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، وقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الإنذار هو الإعلام بتخويف وترهيب، ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذا القسم الثاني. هذه (أم) هنا متصلة أو منقطعة؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: هذه متصلة؛ لأن المتصلة هي التي تأتي بين شيئين متعادلين كما هنا، والمنقطعة التي تأتي بين شيئين منفصلين، هذا فرق معنوي، والفرق اللفظي: المتصلة يصح أن يحل محلها (أو)، والمنقطعة لا يصح أن يحل محلها (أو)، بل يحل محلها (بل)، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ الجملة هذه خبر ثاني، أين الخبر الأول؟ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذه هي الخبر الأول، وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُون﴾ الخبر الثاني. في هذه الآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين يرده الكفار ولا يقبلون دعوته. وفيها أيضا: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد، قد خُتم على قلبه، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] يعني هؤلاء لهم النار وانتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة ولا بالإقبال على الله فإن فيه شبها مِمن؟ من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله. قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الختم بمعنى الطبع، وأصله من الختم الذي هو الخاتم؛ لأنه عند انتهاء القول في الكتابة يُختم القول بالكتابة، يعني أنه انتهى الأمر، فهؤلاء ختم الله على قلوبهم؛ وأيضا يشبه وعاء النفقة إذا خُتم عليه بالشمع الأحمر كما يقولون فإن أمره منتهٍ. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، يعني: وختم على سمعهم، وإذا ختم على القلوب صارت لا تفقه، وعلى السمع صارت لا تسمع سماعا ينفع. قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ هذه جملة مستأنفة، والغشاوة الغطاء، فإذا كان على الأبصار غشاوة صارت لا تبصر، فخُتمت الطرق الثلاثة للهدى، وهي: القلب، والثاني: السمع لما يقال، والثالث: البصر فيما يُرى، فالأبواب الثلاثة كلها سُدت، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ [الجاثية ٢٣] لا أحد. فإن قال قائل: هذا الختم هل له سبب أو هو ابتلاء وامتحان من الله؟ فالجواب: أن له سببا بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥] فإذا رأيت أحدا قد ضل فاعلم أنه هو السبب في ضلال نفسه. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿وَلَهُمْ﴾ أي لهؤلاء الكفار الذين بقوا على كفرهم لهم عذاب عظيم، وهو عذاب النار، وعظمه الله تعالى لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار، أعاذنا الله وإياكم منها بكرمه وجوده. انتهى الكلام على الصنف الثاني من أصناف الخلق وهم الكفار الخلّص الصرحاء. في هذه الآية الكريمة الأخيرة دليل على أن القلوب محل الوعي؛ لقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: فلا يصل إليها الخير. وفيها أيضا من فوائدها: أن طرق الهدى إما بالسمع وإما بالبصر؛ لأن الهدى قد يكون بالسمع وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال، وبالبصر فيما يشاهَد، وهكذا آيات الله عز وجل تكون مقروءة مسموعة، وتكون بيّنة مشهودة. * ومن فوائد هذه الآية: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (مِن) هنا للتبعيض؛ وعلامة (مِن) التي للتبعيض أن يحل محلها (بعض)، فهنا لو في غير القرآن لو قال: وبعض الناس يقول، لكان الكلام مستقيما، إذن (مِن) للتبعيض ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ (مَن) هذه مبتدأ مؤخر، ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، لكن يقول ذلك بلسانه، أما في قلبه فلا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، بمؤمنين في إيش؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ما سمعت. * الطلبة: (...). * الشيخ: طيب، وما هم بمؤمنين في قلوبهم، لكن بلسانهم يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾، بعد ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم﴾ [المنافقون ٤]، فهم يفتنون الناس برؤيتهم وبسماع أقوالهم، لكن لا خير فيهم، ومن أراد أن يعرف صفات المنافقين فعليه بكتاب مدارج السالكين ، ذكر ابن القيم رحمه الله جمع صفاتهم في مقال واحد، فمن أراد أن يراجعها فليراجع. يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ذكر الإيمان بالله؛ لأنه هو المبتدى سبحانه وتعالى، يعني الذي ابتدأت منه الأمور، واليوم الآخر؛ لأنه هو المنتهى، والإنسان إذا آمن بالله وباليوم الآخر استقام، ولهذا يقرن الله تعالى دائما بين الإيمان به واليوم الآخر دون الإيمان بالملائكة والكتب والرسل؛ لأن حقيقة الأمر أن من لم يؤمن باليوم الآخر فإنه لن يؤمن بالله؛ لأنه ماذا يحصّل؟ ماذا ينتظر؟ إذا كان لا يؤمن باليوم الآخر فلن يؤمن بالله. قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ هذا تكذيب لهم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، كقول الله تعالى مكذبا لهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ثم قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٩]، وفي قراءة: ﴿وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ . ﴿يُخَادِعُونَ﴾ المخادعة: مُفَاعَلَة من الخداع، والخداع والمكر والكيد كلها معان متقاربة، ويشملها هذا التعريف: التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا الخداع وهذا المكر، يتوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا هو الخداع، هؤلاء إذا قالوا إنهم مؤمنون قالوا: غنمنا الآن، يقولون: غنمنا؛ لأننا خدعنا محمدا وأصحابه، ولكنهم في الحقيقة هل خدعوا الرسول وأصحابه؟ خدعوا الله، ولهذا قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعلى رأس الذين آمنوا رسول الله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يخدعون أنفسهم في الواقع؛ لأنهم غروها، حيث أظهروا خلاف ما يبطنون، وهم يعلمون أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حق، لكنهم لم يؤمنوا به، بل أنكروه فخدعوا أنفسهم بذلك، فإن قال قائل: ما وجه خداعهم لله والذين آمنوا؟ قلنا: وجه خداعهم أنهم إذا أظهروا الإيمان سَلِمت أموالهم. هذا الخداع وهذا المكر يتوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا هو الخداع، هؤلاء إذا قالوا إنهم مؤمنون، غنمنا الآن، يقولون: غنمنا؛ لأنا خدعنا محمدًا وأصحابه، ولكنهم في الحقيقة هل خدعوا الرسول وأصحابه؟ لا، خدعوا الله؟ ولهذا قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٩]، وعلى رأس الذين آمنوا رسول الله ﷺ. قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، يخدعون أنفسهم في الواقع؛ لأنهم غروها حيث أظهروا خلاف ما يبطنون وهم يعلمون أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حق؛ لكنهم لم يؤمنوا به، بل أنكروه فخدعوا أنفسهم بذلك. فإن قال قائل: ما وجه خداعهم لله والذين آمنوا؟ قلنا: وجه خداعهم أنهم إذا أظهروا الإيمان سلمت أموالهم ورقابهم من القتل، وصار لهم حرمة، فيقولون: خدعنا محمدًا وأصحابه، حيث قالوا إنهم مؤمنون، وليسوا بمؤمنين، لكنهم بقولهم هذا نجوا من المعاملة كما يعامل الكفار. قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي أنهم لا شعور لهم يتبين به أنهم خادعون لأنفسهم؛ لأن على أبصارهم غشاوة، وقلوبهم مختوم عليها وكذلك السمع. * طالب: أحيانًا يعلَّق الفلاح والإيمان والتدبر على القلب في القرآن، وأحيانًا يربط ذلك بالعقل، ما العلاقة؟ * الشيخ: مثل؟ * الطالب: ﴿مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة ٢٦٩]. * الشيخ: أي العقول؟ لكن المراد بالعقول هنا عقول الرشد لا عقول الإدراك. * الطالب: والقلب يا شيخ؟ * الشيخ: والقلب هو محل العقل، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦] ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. * الشيخ: نعم. * طالب: امتنع النبي ﷺ عن قتل المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فالناس في هذا طرفان ووسط، فبعض الناس يتابع الناس في كل شيء، يراقبهم، وبعضهم يقول: ما علي في الناس ما دمت أسير في الدرب الصحيح، ما هو الضابط في مراقبة الناس؟ * الشيخ: الضابط أن الإنسان مؤتمن على دينه، ولا يحمل الإنسان أن يراقب أحدا في دينه أبدًا، اللهم إلا إذا كان هناك شبهة قوية وأراد أن يتأكد، وإلا فلا يجب؛ لأن الأصل أن المسلم محترم، محترم في عرضه، محترم في ماله، محترم في نفسه. * الطالب: لا، بعض الناس يا شيخ إذا قلت له: لا تفعل هكذا، كان الناس يظنون بك كذا وكذا، يقول: أنا ما على في الناس، خل الناس يقولون اللي يقولوه؟ * الشيخ: يعني هو قصده يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ * الطالب: لا، أي شيء حتى في المعاملات العادية. * الشيخ: لا يمنع، الذي ينبغي للإنسان يكون مبتعدا عن هذا الأمر؛ لأن الرسول عليه ﷺ يقول: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» . »[[أخرجه البخاري (٣٤٨٤) من حديث أبي مسعود البدري.]] * الطالب: شيخ قول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠] ألا يؤيد يا شيخ قول من قال من العلماء أنه لا تُقبل من تكررت ردته لقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؟ * الشيخ: نعم، إن أخذ، لكن أحيانًا يمن الله على من يشاء من عباده، فتكرر الردة ويمن الله عليه بالإيمان الصادق، ونحن نقول: الذي تتكرر ردته لا بد أن يحتاط الإنسان له، ليس بمجرد أن يقول إنه آمن وأنه تاب يُرفع عنه القتل، بل ننظر، نعم. * طالب: يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة٣] ما في دليل هنا على كفر تارك الصلاة؟ * الشيخ: إيش وجهه؟ * الطالب: وجهه أن الله عز وجل ذكر: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ لفظ الآية الإيمان (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: بعد ذلك ذكر ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؟ * الشيخ: الزكاة؟ * الطالب: نعم، لفظ الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ شرط (...). * الشيخ: هذا ليس واضحا، عندي فيها أدلة غير هذا. * طالب: غفر الله لكم، سؤال في التفسير الذي مضى، شيخ هل نثبت صفة التهكم لله بقول الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء ١٣٨]؟ * الشيخ: لا، إذا قلنا معنى بشر فيما يسوء جرت اللغة العربية أن المقصود بذلك التهكم بهم، فالرسول لو بشرهم بهذا ليس بشرهم بما يسرهم بل متهكما بهم. * طالب: الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يذكر الاستفهام في القرآن على سبيل التهكم للكفار فهل يصح ذكر..؟ * الشيخ: مقتضى اللغة العربية أن يقال هذا الاستفهام للتهكم، فالله يتهكم بهم. * طالب: (...) * الشيخ: نعم، صيغة فعلية. * طالب: أبو الحسن كان أشعريًّا أم معتزليًّا؟ * الشيخ: كان معتزليًّا، ثم بعد أربعين سنة من الاعتزال اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلّاب مؤسس مذهب الكلابية وأخذ منه بعض الشيء، وبقي على ذلك مدة ليست طويلة، ثم وفقه الله عز وجل إلى أن أخذ بقول الإمام أحمد رحمه الله. * طالب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٣] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: النص على هذا الصنف من الناس وهم المنافقون، ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.﴾ * ومن فوائدها: نفي الوصف على من لم يتحقق فيه من جانب؛ لأنهم يقولون إنهم مؤمنون، ولكن مؤمنون بالظاهر وليسوا مؤمنين بالباطن، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي باطنًا. * ومن فوائدها: أن الاستسلام الظاهر إذا لم يكن مبنيًّا على عقيدة فإنه لغو لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.﴾ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قلب الحقائق وادعى ما لم يكن عليه من الأوصاف ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين، ولهذا جعل النبي ﷺ آية المنافق ثلاثًا، منها: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩/١٠٧) من حديث أبي هريرة.]] * ومن فوائد هذه الآية وما بعدها: أن المنافقين يخادعون الله والذين آمنوا، فيُستفاد من ذلك أن المخادعة من صفات المنافقين. فإن قال قائل: التورية فيها نوع مخادعة، فهل يكون المورّي متصفا بصفات المنافقين؛ لأنه أظهر خلاف ما يريد؟ فالجواب أن يقال: التورية إذا كان لها مقصود صحيح خرجت عن مشابهة المنافقين، وإذا لم يكن لها مقصود صحيح فإنه يُخشى أن يكون الإنسان مشابها للمنافقين، ولهذا حرم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التورية إلا لحاجة أو ضرورة[[انظر: أعلام الموقعين لابن القيم (٣/٢٣٤) ط. دار الجيل.]]، ولكن أكثر العلماء يقولون: إن التورية من غير ظالم لا بأس بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ جواز عطف غير الله على الله بحرف يقتضي المشاركة؛ لقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يقل: ثم الذين آمنوا، ووجه ذلك أن العلة واحدة، فمخادعتهم لله مخادعة للمؤمنين، ومخادعتهم للمؤمنين مخادعة لله عز وجل، بخلاف الأمور الكونية، فيجب أن تذكر ما سوى الله معطوفًا بـ(ثم)؛ لأن الأمور الكونية تتعلق بالربوبية، وما يتعلق بالربوبية فإنّ فعلَنا فيه تابع لفعل الله عز وجل، بخلاف الأمور الشرعية، ولهذا قال الله تعالى في آيات كثيرة، أو نسب الشيء إليه وإلى رسوله بالواو في آيات كثيرة، لكنها في أمور شرعية. * ومن فوائد هذه الآية: أن من خادع الله والمؤمنين فإنما يخادع نفسه؛ لأنهم سوف يعاملونه بالظاهر، ويستمر على هذا الباطل، وهذه لا شك أنه خداع للنفس، حيث يظن أنه على صواب فيستمر في عمله فيخدع نفسه بذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين يخادعون الله والذين آمنوا، وهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم، لكن ليس عندهم شعور في أنفسهم، ولذلك استمروا على هذا، ولو شعروا أنهم يخدعون أنفسهم ما استمروا على ذلك. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ البسملة تقدم لنا الكلام عليها مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، كذا؟ يقدر فعلا متأخرا مناسبا، فإذا قلت: (باسم اللهِ) وأنت تريد أن تأكل كيف تقدر الفعل؟ باسم الله آكل، طيب، قلنا: إنه يجب أن يقدر أن يكون متعلقا بمحذوف، لماذا؟ لماذا لا نقول إنه غير متعلق؟ لأن الجار والمجرور لا بد له من متعلق يتعلق به، لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي لأن الجار والمجرور معمول وبمنزلة المفعول به فلا بد له من عامل، لماذا قدرناه فعلا متأخرا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل. والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركا به ومستعينا إلا باسم الله عز وجل، لماذا قدرناه فعلا؟ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو، الأصل في العمل الأفعال؛ ولذلك لا تعمل الأسماء إلا بشروط، اسم الفاعل يعمل عمل الفعل بشروط، المصدر يعمل عمل الفعل بشروط، اسم المفعول يعمل عمل الفعل بشروط، الفعل يعمل بشروط؟ لا؛ لأنه هو الأصل في العمل، ولهذا نقدره فعلًا، لماذا قدرناه خاصا؟ لأنه أدل على المقصود، أدل على المقصود ممكن أن نقدر: باسم الله أبتدئ، لكن تبتدئ أيش؟ ما ندري، تبتدئ أكل، تبتدئ شرب، تبتدئ وضوء، تبتدئ عمل، ما ندري، إذا قلت: باسم الله آكل وعينت الفعل صار أدل على المقصود؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥) ومسلم (١٩٦٠ / ١)، من حديث جندب بن سفيان. ]] أو قال: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ» فخص الفعل، إذن نقول: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، كمِّل. * طلبة: مناسب. * الشيخ: متأخر.. * الطلبة: مناسب. * الشيخ: فعل مناسب للمقام. أما ﴿اللَّهِ﴾ فهو علم على ذات الله سبحانه وتعالى، على الذات المقدسة لا يكون إلا له، وهو أصل الأسماء، ولهذا تأتي الأسماء تابعة له، بسم الله الرحمن الرحيم، تأتي تابعة له. ﴿الرَّحْمَن﴾ ذو الرحمة الواسعة، ولهذا جاء على صفة على وزن فعلان الذي يدل على الامتلاء والسعة. ﴿الرَّحِيم﴾ الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل، فهنا رحمة هي صفته هذه دل عليها ﴿الرَّحْمَن﴾، ورحمة هي فعله أي إيصال الرحمة إلى المرحوم دل عليها ﴿الرَّحِيم﴾. الرحمن الرحيم اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر أو الحكم الدال عليه ذلك المعنى، ولَّا لا؟ إذن اجتمع في هذين الاسمين كل ما يجب أن يتعلق بالإيمان باسم الله؛ لأن الإيمان باسم الله لا بد أن يكون أن تؤمن بالاسم وأيش بعد؟ والصفة والأثر الذي هو الحكم المترتب على هذا، فنقول: الله رحمن ذو رحمة يرحم، كلها موجودة في القرآن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ كما ترون، ذو الرحمة: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]، يرحم: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. ﴿الرَّحْمَن﴾ اسم دال على الرحمة، وهي رحمة حقيقية دل عليها السمع والعقل، ما أدري كلام اللغة عربي ولَّا غير عربي؟ * الطلبة: عربي. * الشيخ: عربي، دل عليه السمع والعقل، وأيش معنى السمع؟ * الطلبة: النص.. النصوص. * الشيخ: النصوص الكتاب والسنة، العقل: النظر والاعتبار، دلالة السمع على رحمة الله كثيرة ما تحصى، دلالة النظر أن نقول: كم في العالم من نعمة؟ كم في العالم من نعمة؟ وأيش الجواب؟ لا تحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. كذا لا تحصى بأنواعها وأجناسها فضلا عن أفرادها، هذه النعم وأيش تدل عليه؟ تدل على أن المنعم راحم، تدل على أن المنعم راحم، ولولا الرحمة ما حصلت النعمة، وكم في العالم من اندفاع نقمة، أليس كذلك؟ بماذا؟ من آثار الرحمة، لولا الرحمة ما اندفعت النقمة، ومن عجب أن قوما يدعون العقل يقولون: إن الرحمة لا يدل عليها العقل، بل العقل يدل على خلافها، أعوذ بالله، لأيش؟ قال: لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة، وهذا لا يليق بالله عز وجل، شوف الشيطان، لا يليق، صحيح لا يليق؟ نقول: الرحمة بهذا المعنى من هي رحمته؟ * طالب: الإنسان. * الشيخ: رحمة المخلوق، لكن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، ثم إننا نمنع أن تكون الرحمة كما زعمتم حتى في المخلوق، يأتي ملك تام السلطان لا يخشى أحدا إلا الله ويرحم هذا الفقير، هل نقول: رحمته هذه تنافي ما عنده من السلطان والعظمة اللائقة به؟ أبدا ما تنافي، ولا يقال: والله هذا ملك مهين، إنه يرحم الفقراء، ويرحم الضعفاء، لا، بل يعد هذا من كماله، ثم نقول لهم: العقل دل عليه، العقل دل عليه، نمنع قولكم إن العقل لا يدل، ونقول: إن العقل دل عليه، لو تسأل عامي في السوق بعد أن نزل المطر في الليل وخرج الناس يمشون في المطر ونقع المطر وهواء المطر والرطوبة، تلقي عامي تقول: ما شاء الله نزل البارحة مطر، إي وقال: الله، الحمد لله، رحمة الله واسعة، رحمة الله واسعة، وأيش عرفنا إن هذا المطر منين؟ من الرحمة، لكن يقولون: الإرادة ثبتت بالعقل، إرادة الله ثبتت بالعقل، طيب بماذا؟ قالوا: ثبتت بالتخصيص، إنه خص هذا، اجعل هذا سماء، واجعل هذه أرض، وهذه بقرة، وهذه شاة، وهذه بعير، وهذا حمار إلى آخره، الذي خصص هذا من هذا هو الإرادة، إذن فيه إرادة لله دل عليها التخصيص، اسأل طالب علم ما هو عامي؟ قل: كيف تستدل بالعقل على الإرادة على إرادة الله وأيش بيقول لك؟ ما يستطيع، ربما يستطيع يقول: أستدل على إرادة الله، ها الكون هذا كله بإرادة الله، لكن ما يقول كلمة تخصيص ولا يدل على الإرادة، كذا ولَّا لا؟ ومع ذلك الرحمة ما دل عليها العقل عندهم، والإرادة دل عليها العقل، ونحن نقول: إن الإرادة والرحمة كلتاهما دل عليها العقل ولا شك في هذا. البسملة ذكرنا فيما سبق أنها آية من القرآن لا شك، مستقلة، لا تابعة لا للتي قبلها ولا للتي بعدها، مستقلة، لكن يؤتى بها لابتداء السورة، يؤتى بها لابتداء السورة، كل سورة تبتدئ بالبسملة إلا واحدة من السور وهي براءة، فإنه لم يثبت عند الصحابة أن الرسول ﷺ ابتدأها بالبسملة؛ ولذلك جعلوا فاصلا بينها وبين الأنفال ولم يجعلوا بسملة؛ لأنهم ترددوا هل هي من بقية الأنفال أو هي مستقلة، فقالوا: نجعل الفاصل ولا نجعل البسملة، إنما البسملة آية مستقلة تبتدئ بها كل سورة حتى الفاتحة وهي أول السور تبتدئ بها، وهل هي من السورة؟ قلنا: لا، وعلى هذا فما يوجد في المصحف الآن المرقم في الفاتحة خاصة فيها رقم واحد على أنها أول آية من الفاتحة هو قول مرجوح، والراجح أنها ليست آية من الفاتحة، وقد مر علينا بيان رجحان هذا القول. * طالب: شيخ، ندعو الله أن ينصرنا على الكافرين ونحن ما نستطيع أن نقاتلهم ولكن ندعو الله ولا نقاتلهم إما أن يقوينا فنقاتلهم أو ينصرنا عليهم؟ * الشيخ: إي نعم، هو يسأل، يقول: نحن ندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، واحنا ما عندنا سلاح نقاوم به، نقول: النصرة على القوم الكافرين بأن يهيئ الله لنا أسلحة نقاومهم بها، أو يدمر أسلحتهم، تدمير أسلحتهم نصر لنا ولَّا لا. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] خلاف العلماء في كون البسملة آية أو غير آية، ألا يؤدي ذلك إلى حذف البسملة؟ * الشيخ: لا لا، أعوذ بالله! هل حذفت من المصحف؟ حفظت. * طالب: (...) * الشيخ: لا لا نقول: آية بالاتفاق أنها آية، لكن هل هي من السورة اللي بعدها أو لأ، الخلاف في العدد. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران ١ - ٤] * الشيخ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تبع للي قبلها. * طالب: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران٣، ٤]. * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم الكلام على البسملة إعرابا ومعنى ومحلًا، وتقدم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتدئت بها السور. الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور قيل: إنها رموز وإشارات إلى أشياء، وعينها بعض المفسرين، وقيل: إنها حروف لا ندري ما معناها، فالله أعلم بما أراد بها، وقيل: بل هي حروف هجائية ليس لها معنى، وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين، واللسان العربي لا يعطي هذه الحروف الهجائية معنى، وإذا كان لا يعطيها معنى فبمقتضى نزوله به أن لا يكون لها معنى، لكن قال بعض حذاق العلماء: إن لها مغزى؛ أي هذه الحروف لها مغزى وهو: أن هذا القرآن الذي أعجز فصحاء البلاغة العرب العرباء إنما كان بالحروف التي هم يعرفونها، ويركبون كلامهم منها ومع ذلك أعجزهم، يعني لو جاء بلسان غير عربي لقالوا: نعجز عنه، لكن جاء باللسان العربي الذي يُكَوِّنون كلامهم بالحروف التي كان بها هذا القرآن، قال: ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن، وهذا ما قاله الزمخشري وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم. وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، فالله مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ، لكن هذه الجملة جملة أيضًا، لكنها تسمى عند النحويين جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والكبرى: مجموع المبتدأ والخبر. وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ خبران آخران. ﴿الْحَيُّ﴾ خبر ل﴿اللَّهُ﴾ ثان، و﴿الْقَيُّومُ﴾ خبر ثالث. فقوله: ﴿اللَّهُ﴾ علم على الذات المقدسة، علم على الرب عز وجل، وأصله الإله بمعنى المألوه، وحذفت الهمزة تخفيفا كما حذفت الهمزة من خير وشر في مثل قول الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا»[[أخرجه مسلم (٤٤٠ / ١٣٢)، من حديث أبي هريرة. ]] أي أخيرها وأشرها، وكما حذفت الهمزة أيضًا من: الناس، وأصلها: أناس. ﴿اللَّهُ﴾ علم على الذات المقدسة، وهو أعلم المعارف على الإطلاق، هو أعلم المعارف على الإطلاق، ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فعال بمعنى مفعول، كغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود حق إلا هو، فإله اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة ولكنها آلهة وضعت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف ٤٠]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]. وبهذا التقدير للخبر في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يزول الإشكال، وهو أنه كيف ينفى الإله في مثل هذه الجملة ويثبت في مثل قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]؟ والجمع: أن تلك الآلهة أيش؟ باطلة، وأما الإله في: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهو إله حق ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. وقوله: ﴿هو﴾ هذا ضمير وليس اسمًا، بدليل قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد ١٩] هذا علم ولَّا ضمير؟ * الطلبة: علم. * الشيخ: علم، وبدليل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥] وأنا هنا ضمير، فعلى هذا نقول: أنا وهو في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النحل ٢] وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كلاهما ضمير رفع منفصل، كلاهما ضمير رفع منفصل، فكما أن الذاكر لا يقول: لا إله إلا أنا، أو كما أن الذاكر لا يجعل أنا اسما لله فلا يجوز أن يجعل هو اسما لله، وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذين يذكرون الله بلفظ: هو هو، ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل. وقوله: ﴿الْحَيُّ﴾ أل هنا للاستغراق؛ أي الكامل الحياة، وحياة الله عز وجل كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له، حياته لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، هي أيضًا كاملة حال وجودها، لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه، وعلمه، وقدرته، وجميع صفاته. إذا رأينا الآدمي، بل إذا رأينا غير الله عز وجل وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، فحياته مسبوقة بماذا؟ بعدم، ملحوقة بزوال وفناء، هي أيضًا ناقصة في وجودها، هل هو كامل السمع؟ الحي ليس كامل السمع، ولا البصر، ولا العلم، ولا القدرة، كل حي فهو ناقص، إذن حياته ناقصة في الوجود والزمن، ففي الزمن مسبوقة بعدم وملحوقة بزوال، وفي الوجود ناقصة في جميع الصفات. وقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ على وزن فيعول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه، وفي الجمع بين الاسمين الكريمين: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في الجمع بينهما استغراق لجميع ما يوصف الله به لجميع الكمالات، ففي ﴿الْحَيّ﴾ كمال الصفات، وفي ﴿الْقَيُّومُ﴾ كمال الأفعال، وفيهما جميعا كمال الذات. ﴿الْحَيُّ﴾ كمال الصفات، ﴿الْقَيُّومُ﴾ كمال الأفعال، وباجتماعهما كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ١ - ٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وبينا أن القول الراجح في ﴿ألم﴾ وأخواتها. * طالب: ما اختاروا (...) أنها -الحروف المقطعة- لا معنى لها؟ * الشيخ: لا، هو ما قال لا معنى لها. * طالب: ألا تدل على المغزى أن هذا القرآن الذي يعجزكم أنه مكون من هذه الحروف لذلك كلما ذكر الحروف يذكر بعدها شيء من القرآن من ذكره أو (...)؟ * الشيخ: طيب. * الطالب: قلنا إن القرآن نزل باللغة العربية. * الشيخ: لا لا. * طالب: هي لا معنى لها بذاتها، ولكن لها مغزى. * الشيخ: ولكن لها مغزى، طيب. ما هو الدليل على أنه ليس لها معنى في ذاتها؟ * طالب: الدليل أنها دائمًا يعقبها في القرآن.. * الشيخ: الدليل على أنه ليس لها معنى؟ * طالب: أن القرآن بلسان عربي مبين، وهذه الحروف بلسان عربي مبين ليس لها معنى. * الشيخ: صح، الدليل أن القرآن نزل باللسان العربي المبين وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية في ذاتها، إذن ليس لها معنى. طيب ما الدليل على أن لها مغزى؟ * طالب: هذه الحروف يعقبها القرآن. * الشيخ: ذكر القرآن والتحدث عنه. * الطالب: ثاني شيء: يعني إن هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتتحدثون بها يعني القرآن الكريم مركب منها. * الشيخ: كان منها أحسن من كلمة مركب كان منها. قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ ما معناها؟ * طالب: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا معبود بحق؟ لا معبود حق إلا الله. لماذا لا نقول: إن النفي مسلط على ما بعد إلا؟ يعني لا إله إلا الله، ما يوجد إله إلا الله؟ * طالب: لأنه توجد آلهة لكن هي باطلة، يعني نحصرها بحق. * الشيخ: أحسنت، نعم، نقول: لا يمكن أن ننفي الألوهية مطلقا؛ لأن غير الله قد يسمى إلها. ما هو الدليل على إطلاق الإله على غير الله؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم ٨١]. * الشيخ: نعم، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٣٩]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا أنهما يشتملان على اسم الله الأعظم، فلماذا؟ * طالب: لأن لها معنيان: المعنى الزمني لم يسبقه العدم. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهما اسمان يتضمنان الصفات الفعلية والذاتية. * الشيخ: صح، الكمال الذاتي والفعلي، ففي ﴿الْحَيُّ﴾ الكمال الذاتي، و﴿الْقَيُّومُ﴾ الكمال الفعلي؛ لذلك كانا متضمنين لجميع الكمال، الذاتي والفعلي. ﴿الْحَيُّ﴾ تفسيره؟ * طالب: الحي الذي لا يموت ولا.. * الشيخ: يعني ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق؟ * الطالب: بعدم. * الشيخ: ولا يَلحقها؟ * الطالب: زوال. * الشيخ: زوال. ﴿الْقَيُّومُ﴾؟ * طالب: هو القائم بنفسه، والقائم على.. * الشيخ: على غيره، القائم بنفسه والقائم على غيره. الدليل على قيامه بنفسه؟ * طالب: أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إلى أحد. * الشيخ: نعم * طالب: أما الدليل أن كل ما سواه.. * الشيخ: إذن وصف الغنى مثل و﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن ٦] هذا قيامه بنفسه، قيامه على غيره ما هو الدليل؟ * طالب: أن العباد كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ما هو الدليل؟ ما هو التعليل؟ * الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥]. * الشيخ: وغيره، فيه آية صريحة في الموضوع؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد ٣٣] * الشيخ: صحيح، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يعني كمن لا يقوم بنفسه. تصريف القيوم في اللغة العربية؟ تصريف القيوم في اللغة العربية كيف هو؟ * طالب: على وزن فيعول. * الشيخ: على وزن فيعول، وماذا تدل عليه هذه الصيغة؟ * طالب: تدل على (...) سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا، هذه الصيغة؛ لأن أصلها قائم حولت إلى قيوم، فحول فاعل إلى فيعول؟ * طالب: يقوم على غيره ويقوم بنفسه. * طالب آخر: تدل على الكثرة والمبالغة. * الشيخ: المبالغة، صح. * * * قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ٣] ﴿نَزَّلَ﴾ التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان ٣٢]. يعني نزلناه ليس جملة واحدة، فقوله: ﴿نزل﴾ يفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل أيش؟ بالتدريج ليس مرة واحدة، وقوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ الضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول ﷺ؛ ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه. وقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هو هذا القرآن، وهو فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مكتوب، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة ٧٧، ٧٨] اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس ١٢، ١٣]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا.

البقرة 2:9

نبدأ أولًا في الفاتحة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١ – ٣] إلى آخره. * أولًا: سورة الفاتحة سميت بذلك لأنه افتُتح بها القرآن الكريم، وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة، وقيل: إن أول سورة نزلت كاملة (اقرأ)، وإن الله تعالى كمّلها، ثم جاءت السور، فالله أعلم. هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن؛ في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك، ولهذا سميت أم القرآن، والأمّ هو المرجع، المرجع للشيء يسمى أُمًّا، وهذه السورة لها مميزات تتميز بها عن غيرها؛ منها: أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. ومنها: أنها رقية، إذا قُرئ بها على المريض شفي بإذن الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للذي قرأها على اللديغ قال له: « وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»[[متفق عليه، البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة وصاروا يختمون بها الدعاء ويبتدئون بها الخطب أو الأحوال، وهذا غلط، تجد مثلا إذا دعا ثم دعا ثم دعا قال بعد ذلك: الفاتحة، إيش الفاتحة؟ من أين جاء بها؟ أو بعض الناس يبتدئ بها في خطبه أو في أحواله، وهذا أيضا غلط؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع. يقول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا حاجة إلى الكلام عن البسملة من حيث المعنى ولا من حيث الإعراب؛ لأنها تكررت علينا كثيرًا، لكن الكلام: هل البسملة آية من الفاتحة أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء: فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهرًا في الصلاة الجهرية، ويرى أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءة البسملة لأنها من الفاتحة. ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة، وهذا القول هو الحق، ودليل هذا: النص، وسياق السورة. أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ؛ فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ - إِلَى آخِرِهِ - قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥) (٣٨).]]، وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة. أما من حيث السياق: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق، وإذا أردت أن توزع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وهي الآية التي قال الله فيها: « قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»؛ لأن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ واحدة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الثانية، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الثالثة، وكلها حق لله. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الرابعة، يعني وسط الآن، وهي قسمان: قسم منها حق لله، وقسم حق للعبد. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ للعبد، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ للعبد، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ للعبد. ثم من جهة السياق من حيث اللفظ: لو قلنا: إن البسملة آية لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر، كم؟ على قدر آيتين، لزم أن تكون طويلة على قدر آيتين، شوف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، كم من سطر عندكم؟ سطرين. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ سطر عندي، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أقل من سطر، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كذلك، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كذلك، فكيف يكون هناك تناسب مع أن بعض الآيات أقل من السطر وهذه سطران، فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست منها، كما أنها - أي البسملة - ليست من بقية السور. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحمد) وصف المحمود بالكمال الذاتي والوصفي والفعلي، فهو كامل في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، فهو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولا بد من هذا القيد؛ قال أهل العلم: لأن مجرد الوصف بالكمال بدون محبة ولا تعظيم لا يسمى حمدا، وإنما يسمى مدحا، ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح لكنه يريد أن ينال منه شيئا، تجد بعض الشعراء يقف أمام الخلفاء ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة، لا محبةً فيه ولكنْ محبةً في المال الذي يعطونه أو خوفًا منهم، لكن حمْدنا لربنا عز وجل محبة وتعظيم، فلذلك صار لا بد من القيد في الحمد أنه وصف المحمود بالكمال، إيش؟ مع المحبة والتعظيم. وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ الله عز وجل، هذا اللفظ علم على ربنا عز وجل لا يسمى به غيره، وهو علم تتبعه الأعلام الأخرى، أي تتبعه الأسماء، ولهذا دائما يأتي متبوعا، إلا في مواضع قليلة مثل قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم ١، ٢] فإن هذه الكلمة تابعة لما قبلها، وهو قليل. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب هو ما اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير، فهو الخالق عز وجل، وهو المدبر لجميع الأمور، وهو المالك لكل شيء. و﴿الْعَالَمِينَ﴾ قال العلماء: كل من سوى الله فهو من العالَم، ووُصفوا بذلك لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرحمن صفة للفظ الجلالة، والرحيم صفة أخرى، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة، والرحيم هو ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن وصْفُه، والرحيم فِعْله، ولو أنه جيء بالرحيم وحده وبالرحمن وحده لشمل الوصف والفعل، لكن إذا اقترنا فُسِّر الرحمن بالوصف، والرحيم بالفعل ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد ذكر الربوبية دليل على أن ربوبيته تبارك وتعالى مبنية على الرحمة، الرحمة للخلق، الرحمة الواسعة الواصلة. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] مالك: صفة لرب، ويوم الدين: هو يوم القيامة، والدين هنا بمعنى إيش؟ الجزاء، بمعنى الجزاء، يعني أنه سبحانه وتعالى مالك لذلك اليوم الذي يجازَى فيه الخلائق، فلا مالك غيره في ذلك اليوم. فإن قال قائل: أليس مالك الدين والدنيا؟ فالجواب: بلى، لكن ظهور ملكوته وملكه وسلطانه إنما يكون في ذلك اليوم؛ لأن الله تعالى ينادي ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦]؟ فلا يجيب أحد فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]. في الدنيا يظهر الملوك، بل يظهر ملوك يعتقد شعوبهم أنه لا مالك إلا هم، فالشيوعيون مثلا لا يرون أن هناك ربا للسماوات والأرض، يرون أنها حياة، أرحام تدفع وأرض تبلع، وأن ربهم هو رئيسهم، طيب، إذن خُص ملكه بيوم الدين لأنه يظهر فيه ملكوته وملكه. وفي قراءة سبعية ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [[وهي قراءة: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة. راجع التيسير في القراءات السبع (ص٢٧).]] والملك أخص من المالك؛ لأن الملك هو ذو السلطة المطلقة، ولا يسمى ملك إلا مَن تحته رعية، أما مالك فهو ليس له سلطة مطلقة، ثم هو لا يحتاج إلى أن يكون تحته رعية، ولهذا تجد الفقير الصعلوك يملك بقرته، يملك شاته، لكن في الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة، وهو أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي؛ لأن من الخلق من يكون ملكا ولكن ليس بمالك، يسمى ملكا اسما وليس له من التدبير شيء، ومن الناس من يكون مالكا ولا يكون ملكا، كعامة الناس، لكن الرب عز وجل مالك ملك. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، نعبد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لو طلبنا إعراب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فبماذا تجيبون؟ * طالب: مفعول به مقدم. * الشيخ: أنه مفعول به مقدم، ولماذا انفصل مع إمكان الوصل، يعني يمكن أن يقول: نعبدك، فنقول: لو وصلنا فات أمر مهم، ألا وهو الحصر، فهنا لما قدمناه للحصر لزم أن يُفصل، لو قلت: ك نعبد، ما يستقيم الكلام وليس بلغة عربية. ﴿إِيَّاكَ﴾ يعني لا سواك، ﴿نَعْبُدُ﴾ أي نتذلل له أكمل ذل، ولهذا تجد المؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- يضعون أشرف ما في أجسامهم في موطئ الأقدام ذلّا لله عز وجل، يسجد على التراب، تمتلئ جبهته من التراب، يسجد على موطئ الأقدام،كل هذا ذلّا لله، ولو أن إنسانا قال: أنا أعطيك الدنيا كلها واسجد لي، ما وافق المؤمن أبدا؛ لأن هذا الذل لله عز وجل، والعبادة تتضمن القيام بكل ما أمر الله به، وترْك كل ما نهى الله عنه؛ لأن من لم يكن كذلك فليس بعابد، لو لم يفعل الأمر، يعني لو لم يفعل المأمورَ به فهل يكون عابدا حقا؟ أبدا، ولو لم يترك المنهي عنه ما كان عبدا حقا، العبد الذي يوافق المعبود في مراده الشرعي، إذن فالعبادة تستلزم أن يقوم الإنسان بكل ما أُمر به، وأن يترك كل ما نُهي عنه، ولكن هل قيامك هذا يمكن أن يكون بغير معونة الله؟ لا، لا يمكن، ولهذا قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يعني لا نستعين إلا إياك على العبادة، والله سبحانه وتعالى يجمع بين العبادة والاستعانة أو التوكل في مواطن عدة من القرآن الكريم؛ لأنه لا قيام بالعبادة على الوجه الأكمل إلا بمعونة الله، والتفويض إليه، والتوكل عليه. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] ﴿الصِّرَاطَ﴾ فيها قراءتان: بالسين[[وهي قراءة قنبل عن ابن كثير، والباقون بالصاد الخالصة. راجع التيسير في القراءات السبع (ص٢٧). ]] وبالصاد الخالصة؛ ﴿السِّرَاطَ﴾ و﴿الصِّرَاطَ﴾، والمراد بالصراط هنا: الطريق، والمراد بالهداية: هداية الإرشاد وهداية التوفيق، فأنت بقولك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تسأل الله تعالى علما وعملا، ولهذا جاءت متعدية بنفسها إلى المفعول لا بحرف (إلى) الدال على الغاية، عرفتم؟ فيشمل الهداية إلى الطريق، وهذا بالعلم، والهداية في الطريق، وهذا بالعمل والتوفيق. وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي لا اعوجاج فيه، وهذا الصراط الذي لا اعوجاج فيه بيّن الله تعالى في هذه الآية قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، ففي هذه الآية بيّن الله عز وجل أصناف الناس أنها ثلاثة: الذين أنعم الله عليهم، والمغضوب عليهم، وإيش؟ والضالون، فمن هؤلاء؟ الذين أنعم الله عليهم هم الذين علموا الحق وعملوا به، والذين غضب الله عليهم هم الذين علموا الحق ولم يعملوا به، والضالون هم الذين عملوا بغير علم، جاهلون، يريدون الحق ويريدون العبادة لكنهم جاهلون تعبّدوا لله بغير علم، انظر كيف قدم المغضوب عليهم على الضالين لأن مخالفتهم لطريق الذين أنعم الله عليهم أشد؛ لأنهم خالفوا عن علم، والمخالف عن علم أشد كبرا واستكبارا وعقوبة من الذين خالفوا عن غير علم، وكلتا الطائفتين ضالة، وذلك لأنهم ليسوا على هدى من الله. وفي قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قراءتان كذلك (عليهم) ضم الهاء وكسرها أي ﴿صِرَاطَ الذَّيِنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهُمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قراءة سبعية[[قراءة حمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها. انظر التيسير (ص٢٧).]]، ولكن أكرر ما قلته سابقا أن القراءات التي ليست في المصحف لا ينبغي أن نقرأ بها عند العامة؛ لسببين بل لأسباب ثلاثة، السبب الأول: أن العامة إذا رأوا هذا القرآن العظيم الذي قد ملأ قلوبهم تعظيمُه، إذا رأوه مرة كذا ومرة كذا تنزل منزلته لا شك، تهبط عندهم؛ لأنهم عوام لا يفرقون، فينبغي أن يبقى القرآن الكريم محترما لا يُغيَّر فيه بشيء، ثانيا: أن القارئ يُتهم بأنه لا يعرف، العامي ما الذي يعلم؟! لو يأتي إنسان يقرأ عليه مثلا بقراءة غير التي في مصحفه لكان يهجم عليه وربما يضربه، ربما يطرده من المسجد، القرآن عند العامة محترم جدا، وهو عندنا والحمد لله، لكن إذا أتيت بما لا يعرف العامي فيا ويلك منه، وهذه مفسدة أن الناس يستهينونك ويقولون: هذا ما فيه خير، هذا ما يعرف ولا يقرأ، نعم، الآن لو تقرأ عند العامي ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ﴾ نعم، قال: هذا ما يعرف يضم اسم (...) يقول عليهم، ليش ما قال ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالكسرة. المفسدة الثالثة: أنك إذا قرأت عند العوام وأحسن العامي بك الظن، وقال هذا: إنه لم يقرأ إلا عن علم، ثم حاول أن يقلدك مرة أخرى فقد يخطئ، ثم يقرأ القرآن لا على قراءة المصحف، ولا على قراءة التالي الذي قرأها، وهذه مفسدة، ولهذا قال علِيّ: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله »[[أخرجه البخاري (١٢٧).]]؟ وقال ابن مسعود: إنك لم تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة[[أخرجه مسلم في المقدمة (٥).]]،« عمر بن الخطاب مع هشام بن الحكم ماذا فعل به حين قرأ في سورة الفرقان بقراءة لم يسمعها عمر؟ نعم جبذه وتلّه وخاصمه، وأنكر قراءته، حتى وصلا إلى النبي ﷺ وقال: « اقْرَأْ». فقرأ، فقال: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ». قال لعمر: « اقْرَأْ». فقرأ، قال: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ»[[متفق عليه. البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨ / ٢٧١) من حديث عمر بن الخطاب.]]؛ لأن القرآن في الأول نزل على سبعة أحرف، فإذا كان عمر رضي الله عنه فعل ما فعل بصحابي، فما بالك بعامي يسمعك تقرأ غير قراءتك، نعم؟ يا ويلك منه، والحمد لله، ما دام أن العلماء متفقون على أنه لا يجب أن يقرأ الإنسان بكل قراءة، وأنه لو اقتصر على واحدة من القراءات فلا بأس، هدأ الفتنة وأسبابها، والسورة فيها فوائد عظيمة، وقد شرحها ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين شرحا لا تجده في غيره من الكتب، شرحا عظيما. الحمد لله رب العالمين. * من فوائد الآية الكريمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إثبات الحمد لله عز وجل الكامل، وإثبات استحقاقه واختصاصه بذلك، أما الكامل فمن صيغة (أل) ﴿الْحَمْدُ﴾، وأما الاختصاص والاستحقاق فمن اللام ﴿لِلَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقديم وصف الله تعالى بالألوهية على وصفه بالربوبية، لم يقل: لرب العالمين، ولكنه قال: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا إما لأن (الله) هو الاسم العلم الخاص به والذي تتبعه جميع الأسماء، وإما أن يقال: لأن الألوهية قدمها الله عز وجل على ذكر ربوبيته سبحانه وتعالى؛ لأن الذين جاءت إليهم الرسل ينكرون الألوهية فقط. * ومن فوائدها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وسبق لنا في التفسير أن المراد بالعالَم مَن سوى الله عز وجل، كل المخلوقات النامي وغير النامي، والعاقل وغير العاقل. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ * من فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين: الرحمن والرحيم، وإثبات ما تضمناه من الرحمة التي هي الوصف، والرحمة التي هي الفعل. * ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل مبنية على الرحمة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كأن سائلًا يسأل: ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ وانتقام، أو ربوبية رحمة وإنعام؟ قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أو ﴿مَلِكِ﴾ : إثبات ملك الله عز وجل وملكوته ليوم الدين، وإنما خص ذلك لما ذكرناه في التفسير من أنه في ذلك اليوم تتلاشى جميع الملكيات والملوك أيضا. * ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من فوائدها: إخلاص العبادة لله، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ووجه الإخلاص تقديم المعمول. * ومن فوائدها أيضا: إخلاص الاستعانة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حيث قدم المفعول. فإن قال قائل: كيف يقال: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] إثبات المعونة من غير الله عز وجل؟ قلنا: الاستعانة نوعان: استعانة تفويض، بمعنى أنك تعتمد على الله عز وجل وتتبرأ من حولك وقوتك، وهذا خاص بالله عز وجل، واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به، فهذه ليست عبادة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال؟ قلنا: لا، الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان قادرا عليها، وأما إذا لم يكن قادرا فإنه لا يجوز أن تستعين به، فلو أن أحدا من الناس استعان بقبر فإن هذا حرام، بل هو شرك؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئا، فكيف ينفعك؟! ولو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الولي الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده، فهذا أيضا شرك شركا أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعينك وهو هناك. فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة؟ قلنا: الأولى أن لا تفعل، فالإنسان مأمور أن يعين أخاه، لكن الغير لا ينبغي أن يستعين؛ لأن الاستعانة بغيره من باب السؤال المذموم، لكن أنت إذا رأيت أخاك قد احتاج إلى معونة فأنت مأمور بأن تعينه، ولكن لو استعنته فإنه ليس حراما، ليس حراما عليك، إنما هو ترك للأولى، إلا إذا علمت أن استعانتك به مما يسره وينشرح له صدره، فهنا إذا استعنته تكون محسنا إليه، ولا يعد هذا من المسألة المذمومة، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام« حين دخل بيته ووجد البرمة على النار فيها اللحم، فلما قُدِّم له الطعام قال: « أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، لكن هذا لحم تُصُدِّق به على بريرة، فقال: « هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ»[[متفق عليه، البخاري (٥٢٧٩)، ومسلم (١٥٠٤ / ١٤) من حديث عائشة.]]، أرأيتم بريرة في هذه الحال هل سيكون هذا الأمر شاقا عليها؟ أبدا، بل ستُسَر به وتفرح، فأنت مثلا إذا استعنت بأخيك في حاجة من الحوائج وأنت تعلم أنه يُسَر بهذا ويفرح فإن استعانتك به تكون إحسانا إليه، لكن لو استعنت بشخص يرى أن استعانتك به أثقل عليه من جبل أحد، هل تستعينه؟ لا؛ لأن هذا فيه إحراج عليه، وفيه إذلال لك أيضا. ومن فوائد قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لجوء الإنسان إلى الله عز وجل بعد استعانته على العبادة أن يهديه الصراط المستقيم؛ لأنه لا بد في العبادة من إخلاص يدل عليه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومن استعانة لتقوى على العبادة؛ لقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن اتباع للشريعة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فصارت هذه الآيات الثلاث متضمنة للدين كله: عبادة، والثاني: استعانة، والثالث: اتباع؛ لأن الصراط المستقيم هو الشريعة التي جاءت بها الرسل، وبالنسبة لنا هي الشريعة التي جاء بها مَن؟ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعني هذا أن نتبع الرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن، حيث حُذف حرف الجر من ﴿اهْدِنَا﴾، يعني لم يقل: اهدنا إلى، بل قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾، والفائدة من ذلك لأجل أن يتضمن طلب الهداية التي هي دلالة العلم وهداية التوفيق؛ لأن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية علم وإرشاد، وهداية توفيق وعمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدلالة، والله سبحانه وتعالى قد هدى كل أحد، الثانية فيها التوفيق للهدى واتباع الشريعة، وهذه قد يُحرَمها بعض الناس، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ٤١] ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾ يعنى بيّنّا لهم الحق ودللناهم عليه، ولكنهم لم يوفَّقوا له، فلهذا حُذفت (إلى) ليكون طلب الهداية في هذه الآية شاملا لهداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق والاتباع. * ومن فوائدها: أن الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج، فما كان موافقا للحق فهو مستقيم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وما كان مخالفا له فهو معوج. ثم قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ذكر التفصيل بعد الإجمال ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لأن التفصيل بعد الإجمال فيه فائدة؛ فإن النفس إذا جاءها الكلام مجملا تترقب وتتشوف لإيش؟ للتفصيل والبيان، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ثم فيه أيضا الفائدة الثانية، وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم. * ومن فوائدها أيضا هي وما بعدها: انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم، وقسم آخر غضب الله عليهم، وقسم ضالون؛ فالذين أنعم الله عليهم سبق أنهم الذين علموا الحق واتبعوه، وأما المغضوب عليهم فهم الذين علموا الحق وخالفوه، وأما الضالون فهم الذين جهلوا الحق. وأسباب الضلال والخروج عن الصراط المستقيم إما الجهل أو العناد، فمن الذي سبب خروجهم العناد؟ هم المغضوب عليهم وعلى رأسهم اليهود، والآخرون الذين سبب خروجهم الجهل هم كل من لا يعلم الحق، وعلى رأسهم النصارى، وهذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة، أعني النصارى، أما بعد البعثة فقد علموا الحق، فصاروا هم واليهود سواء، كلهم مغضوب عليهم بل هم أشد؛ لأنهم يؤمنون بالنسخ، أعني النصارى، ولهذا يؤمنون بأن شريعة عيسى ناسخة لشريعة موسى، واليهود لا يؤمنون بذلك فهم على جادة باطلة، وأولئك تناقضوا فآمنوا بنسخ الشرائع في مَن؟ في عيسى بالنسبة لشريعة موسى، ولم يؤمنوا بنسخ الشرائع في شريعة محمد ﷺ بالنسبة لشريعة عيسى، فكانوا متناقضين، وكان طريقهم أخبث من طريق اليهود. وعلى كل حال السورة هذه عظيمة، ولا يمكن لا لي ولا لغيري أن يحيط بمعانيها العظيمة، لكن هذا قطرة من بحر. ثم قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١، ٢]. هذه تسمى سورة البقرة؛ لأنه ذُكرت فيها البقرة، واعلم أن التسمية تكون بأدنى ملابسة، ولذلك تجد بعض السور فيها كلام كثير عن موضوع معين ولا تسمى به السورة، وفيها كلام قليل تسمى به السورة، وتسمية السور منها ما هو توقيفي، ومنها ما هو اجتهادي، فقد سمّى النبي ﷺ، سمى سورة البقرة وآل عمران[[أخرج مسلم في صحيحه (٨٠٤ / ٢٥٢) من حديث أبي أمامة مرفوعا: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران».]] وغيرهما كثيرا، وفي بعضها التسمية توقيفية. أما البسملة فقد سبق الكلام عليها، وبيّنّنا أنها آية مستقلة يؤتى بها في ابتداء كل سورة سوى (براءة). قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (الم) هذه الكلمة مكونة من ثلاثة أحرف هجائية: ألف، ولام، وميم، فما معنى هذه الحروف التي تركبت منها هذه الكلمة؟ كثير من المفسرين يقول: الله أعلم بما أراد، وهذا لا شك أنه تأدُّب مع الله عز وجل، وإمساك عما لا يعلمه الإنسان. ومنهم من جعلها رموزا لأشياء معينة إما من أسماء الله أو غيرها من الحوادث، وهذا لم يَبْن ما قاله على علم، ومنهم من قال: إنها حروف هجائية ليس لها معنى، ولا نعلم لها معنى حسب مقتضى اللغة العربية، والقرآن الكريم نزل باللغة العربية، وعلى هذا فمن حقنا أن نقول: ليس لها معنى، بناء على أن القرآن عربي وأن مثل هذه الحروف المركبة ليس لها معنى، وهذا قول مجاهد رحمه الله، وهو إمام التابعين في التفسير، وهو القول الذي تقتضيه الأدلة، ولكن يبقى النظر لماذا جاء الله بها وهي ليس لها معنى حسب اللغة العربية؟ نقول: إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجزكم أيها العرب لم يأت بجديد من كلامكم، بل أتى بما ترتبون منه كلامكم وتبنونه، أنتم كلامكم حروف: ألف، باء، تاء، ثاء، إلى آخره، هل القرآن جاء بشيء زائد؟ لا، ومع ذلك عجزتم أن تركبوا مثله، أعجزكم. وقد ذكر الله تعالى إعجاز القرآن على أربعة أوجه: إعجاز بكل القرآن، وإعجاز بعشر سور منه، وإعجاز بسورة منه، وإعجاز بمثله، كلها تكررت في القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِين﴾ [الطور ٣٤]، وقد تحدى الله عز وجل الخلق على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو بآية واحدة، كما تحداهم على أن يخلقوا أدنى مخلوقات الله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج ٧٣]. فالقول الراجح في هذه المسألة أعني الحروف الهجائية التي تُبتدأ بها بعض السور أنه ليس لها معنى، ولكن لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الكريم لم يأت بجديد في الحروف التي جاء بها، بل هو جاء بالحروف التي تركّبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم، ولهذا تجد السور المبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي من بعدها ذكر القرآن أو شيء لا يكون إلا بوحي، فمثلا: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جاء بعدها ذكر القرآن، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ١ - ٣] لم يأت فيها ذكر القرآن، ولكن جاء بعدها ما لا يمكن إلا بوحي. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يجوز أن نجعل (الكتاب) خبر (ذا)، ويجوز أن نجعلها نعتا أو عطف بيان، فإن جعلناها خبر (ذا) صار قوله: (لا ريب فيه) جملة مستأنفة، وإن جعلناه بدلا أو عطف بيان صارت (لا ريب فيه) إيش؟ خبر اسم الإشارة، والكتاب المشار إليه هو القرآن، وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٥]، ومكتوب في المصاحف التي بين أيدينا. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا ريب)، ما معنى الريب؟ الشك، هكذا فسره أكثر العلماء، أن الريب هو الشك، لكن شيخ الإسلام رحمه الله[[انظر مجموع الفتاوى (٢٠ / ٤٢٣).]] له رأي في مثل هذه الألفاظ المترادفة؛ يقول: لا يوجد في اللغة العربية كلمة مرادفة لأخرى من كل وجه، لا بد أن يكون بينهما فرق، فالريب هنا ليس مطابقا للشك في إزائه من كل وجه؛ لأن الريب، يقول: شك مع قلق وارتياب، فهو إذن أخص من الشك، لكن لا مانع أن نفسر الكلمة بما هو قريب منها، لا سيما إذا كان المخاطَب لا يتصور الفرق. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا) نافية للجنس، فيشمل أدنى ريب، يعني ما فيه أدنى ريب. وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ الهدى بمعنى الدلالة، القرآن نفسه لا يهدي هداية توفيق، لكنه يهدي هداية دلالة؛ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. في آية أخرى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاس﴾ [البقرة ١٨٥] فأي فرق بين هذا وهذا؟ نقول: أما كونه هدى للناس فهذا هو الأصل، أن القرآن يمكن أن يهتدي به كل أحد، وأما إضافة الهدى إلى المتقين فلأن المتقين هم الذين انتفعوا به فصار هدى لهم، ومَن المتقون؟ الذين قاموا بأوامر الله وتركوا نواهي الله. في هذه الآية الكريمة بيان أن كلام الله عز وجل حروف، خلافا لمن قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس، ونحن نشرح ذلك: أصول الخلاف في هذا القرآن الكريم أو في كلام الله عمومًا: أولا: من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وما يُنقل من كلامه أو يسمع فهو عبارة عنه وليس هو كلام الله، بل عبارة عنه، وهو مخلوق. والثاني قال: إن الله تعالى لا يتكلم، وكلامه مخلوق كسائر مخلوقاته. ومنهم من قال: إن الله يتكلم بحرف وصوت، وليس كلامه هو المعنى فقط، بل كلامه اللفظ والمعنى. وهذا الذي قبله مذهب المعتزلة والجهمية، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، ومذهبهم هو الحق؛ لأن الأدلة تدل عليه، قال الله تعالى في موسى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فلما كان بعيدا قال: ﴿نَادَيْنَاهُ﴾؛ لأن النداء يكون للبعيد، ولما قرب يعني لما قربه الله قال: ﴿قَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، أي: بصوت ليس نداء، وفي الحديث الصحيح:« أَنَّ اللهَ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ[[متفق عليه، البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] »، وهذا أمر لا يشك فيه إنسان، ولولا أن الخلاف وقع فيه ما كنا نتكلم فيه، لكن وقع ولا بد من بيان الحق، المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق من المخلوقات، أصوات يخلقها الله وحروف تكتب فهو كسائر المخلوقات، ولا شك أننا إذا قلنا بهذا أبطلنا الأمر والنهي؛ لأن الأمر يكون صوتا سُمع على هذا الوجه، قولوا: صوت سُمع على هذا الوجه، يعني كأنه صدى، أرأيت الآن الشمس والقمر والجبال مخلوقة على هذا الوجه، هم يقولون: هذا صوت خُلق على هذا الوجه، كصوت الرعد. الأشعرية يقولون: الكلام معنى قائم بنفسه، لكن خلق أصواتا، فإذا قلنا: إن الأوامر والنواهي مخلوقة، بطل الأمر والنهي؛ لأن (قل) خلق الله كلمة على صورة (قل) ولا تفيد أمرا، ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] خلق الله تعالى حروفا على هذا الشكل فلا تفيد نهيا، ولهذا صدق من قال: إن القائلين بخلق القرآن سواء جعلوه عبارة عن كلام الله أو هو كلام الله، إنهم أبطلوا الأمر والنهي والشرائع كلها. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة ١ - ٧] * الشيخ: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ قف. * الطالب: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال ربنا عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾، البسملة سبق لنا الكلام عليها فلا حاجة للإعادة، أما قوله: ﴿الم﴾ فإنها حروف هجائية، وسبق الكلام عليها إذن، ولا حاجة للمناقشة ولا للإعادة. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إن جعلنا ﴿الْكِتَابُ﴾ صفة لـ(ذا) صار ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر. وإن جعلنا ﴿الْكِتَابُ﴾ خبرا؛ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، صارت الجملة استئنافية محلها النصب على الحال، يعني حال كونه منتفيا عنه الريبة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، أي: لا شك، وتفسير الريب بالشك إنما هو للتقريب، ونفي الشك هنا الشك في ثبوته، يعني لا شك في ثبوته، وأنه من عند الله. ثانيا: لا شك فيما تضمنه من الأخبار، فكل خبر في القرآن الكريم فإنه لا شك فيه عند كل مؤمن، بل هو حق ثابت. وقوله: ﴿فِيهِ﴾ قيل: إنها خبر (لا) النافية، وقيل: إنه خبر مقدم لقوله: ﴿هُدًى﴾، ولكن الأولى أن يكون خبرا لـ(لا) النافية. وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ تكون حالا من الكتاب يعني حال كونه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهو هدى للمتقين من الناحيتين: العلمية والعملية، أما العلمية فهي هداية الدلالة، فإن مصدر العلم هو هذا القرآن الكريم، هو الذي يهديك إلى الحق ويدلك عليه، ويهديك إلى الباطل ويبينه لك ويحذرك منه، أما الثاني فهو هداية العمل، فإن المتقين هم الذين اهتدوا به عملا. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ اسم فاعل، والفعل منه (اتقى)، ومعنى اتقى: اتخذ وقاية من عذاب الله، وهذا لا يكون إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وعلى هذا فأشمل الحدود في التقوى أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فهي فعل الأوامر واجتناب النواهي. واعلم أن التقوى تُقرن تارة بالبر، كقوله: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، وتارة تُقرن بالإيمان، كما في هذه الآية: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وتارة تُذكر وحدها، فإن ذُكرت وحدها شملت الدين كله؛ لأن الدين كله وقاية من عذاب الله، وإن اقترنت بالبر صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي، فهي تفسَّر في كل سياق بحسبه. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، هذه من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب، أي يقرّون به ويعترفون به، والمراد بالغيب هنا ما غاب عن الناس مما أخبر الله به ورسوله، سواء كان ذلك فيما يتعلق بصفات الله، أو فيما يتعلق بعباد الله فيما مضى، أو فيما يتعلق بعباد الله في المستقبل، يؤمنون به، فيؤمنون بالله عز وجل بأسمائه وصفاته، بألوهيته، ربوبيته، يؤمنون كذلك بما أخبر الله به من الأمم السابقين، يؤمنون بما أخبر الله به من المستقبل من علم الآخرة؛ لأن كل هذا داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، نعم هل يدخل في الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة؟ نعم؛ لأنهم عالم غيببي. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، أي: يأتون بها قائمة لا اعوجاج فيها، وذلك بالقيام بواجباتها واجتناب محظوراتها، وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل صلاة الفريضة والنافلة؛ لأنها هنا اسم جنس يشمل كل الصلاة. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ (مما رزقناهم) جار ومجرور متعلق بـ(ينفقون)، المعنى: مما أعطيناهم ينفقون، وأول ما يدخل في ذلك الزكاة، إنفاق الزكاة؛ فإنهم يقومون بها، وعلى هذا تكون الآية من جنس الآيات الأخرى التي فيها ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة ٥٥]. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم المتقون الذين اهتدوا بالقرآن. ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿عَلَى هُدًى﴾ أي: على طريق مستقيم من الله عز وجل، هداهم الله تعالى علما وهداهم الله عملا. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، هذا أيضا من صفاتهم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الآية هنا معطوفة على ما سبق عطفَ صفات لا ذوات، والأصل في المعطوفات أن تكون ذواتًا، لكن هنا العطف عطف صفات؛ لأن الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، وعطف الصفات بعضها على بعض أمر لا يُستغرب لا في القرآن ولا في لغة العرب، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى ١ - ٥]، فهذا عطف صفات بعضها على بعض. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، وربما نقول: إنه أشمل من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ [النساء ١١٣] فهو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الكتب كالتوراة والإنجيل. ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ قوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، وأتى بكلمة ﴿هُمْ﴾ للتوكيد، وإلا لو حُذفت وقيل: وبالآخرة يوقنون، استقام الكلام، لكن من أجل التوكيد أُتي بالضمير (هم)، وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، أي: يؤمنون إيمانا لا شك فيه ولا يتطرق إليه الاحتمال؛ لأن اليقين هو العلم القطعي، هذه من صفاتهم. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾، المشار إليه المتقون الذين يؤمنون بما سبق، ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِم﴾ أي: على صراط من الله عز وجل، وقال: ﴿مِنْ رَبِّهِم﴾؛ لإفادة أن منة الله عليهم بهذا منة خاصة، فهي ربوبية خاصة لهم ليست الربوبية العامة. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، كرر ﴿أُولَئِكَ﴾؛ للتنويه بفضلهم وعلو مرتبتهم، وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يقول العلماء إن (هم) هنا ضمير فصل، وهو ضمير لا محل له من الإعراب؛ لأنه إنما أُتِي به للتوكيد، قالوا: وفوائده ثلاثة: الفائدة الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر الذي هو التخصيص، الثالثة: إفادة أن ما بعده خبر وليس صفة، ولهذا سمي ضمير فصل، يعني أن الفلاح محصور فيهم، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. نرجع إلى هذه الآيات نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها ما يدل على عدة فوائد، أولا: بيان أن هذا القرآن الكريم هو من الحروف التي يتكلم بها العرب؛ لقوله: ﴿الم﴾، كما بينّا ذلك واضحا في التفسير. * ومن فوائد هذه الآيات: علو مرتبة القرآن؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فأشار إليه إشارة البعيد مع قربه، فإنه بين أيدينا إشارة إلى علو مرتبته، وهو واللهِ أعلى مراتب القول، إن خير الحديث كتاب الله، كما كان الرسول ﷺ يعلنه في كل جمعة يقول على المنبر: « إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]. * ومن فوائد هذه الآيات: أنه لا يجوز لأحد أن يرتاب في هذا القرآن، وأن القرآن ليس محلا للريبة، المعنى الأول لا يجوز لأحد أن يرتاب في هذا القرآن على تقدير أن النفي هنا بمعنى؟ * طالب: النهي. * الشيخ: النهي، والثاني: أن هذا القرآن ليس محلا للريبة، على تقدير أن (لا) نافية، وقد بيننا لكم في التفسير أن قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيه﴾ فيها قولان للعلماء، القول الأول: أن النفي هنا بمعنى النهي، وأن المعنى: لا ترتابوا فيه. والقول الثاني: أن النفي هنا على بابه، والمعنى أن القرآن لا ريب فيه ولا إشكال فيه، واضح يا جماعة؟ إذن من الفوائد تحريم الارتياب في القرآن وبيان أنه ليس محلا للريبة. * ومن فوائد هذه الآيات: أن القرآن هدى للمتقين، وهو واضح في الآية ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويترتب على هذه الفائدة أنك إذا رأيت الله قد منّ عليك بفهم كتابه والعمل به، فاعلم أنك ممن؟ ممن يا جماعة؟ من المتقين؛ لأن الله قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإذا رأيت من نفسك أن الله من عليك بالعلم والعمل بكتابه فأبشر فإنك من المتقين. ويتفرع أيضا على هذا فائدة أخرى: إذا رأيت الغفلة وعدم الانتفاع بالقرآن فاحذر؛ فإن هذا يدل على نقص تقواك؛ لأنه لو كانت تقواك كاملة لكان هذا القرآن هدى لك، ويتفرع على هذا أيضا: الحث على التقوى، وأنها سبب للاهتداء بالقرآن، وأنك كلما اتقيت الله ازددت انتفاعا بالقرآن واهتداء به. * ومن فوائد الآيات: فضيلة الإيمان بالغيب، وإن شئت فقل: إن الإيمان حقيقة هو الإيمان بالغيب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ لأن الإيمان بالشهادة ما هو إيمان، الإيمان بالشهادة المحسوسة ليس إيمانا، أي نعم، والدليل: أن فرعون كان ينكر رب العالمين، ويقول لموسى: ما رب العالمين؟ ولما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، وفي هذا من الذل ما فيه، كان بالأول يقتل بني إسرائيل إذا لم يوافقوه، والآن صار تبعا لهم، ما قال: آمنت بالله أو برب العالمين، آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فأتى باسم الموصول الدال على التفخيم والتعظيم، ثم بـ ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾؛ ليقول: أنا تابع لهم مؤمن بما يؤمنون به، وهذا غاية ما يكون من الذل، انتبهوا لهذه النقطة. طيب، هل هذا الإيمان الذي جرى من فرعون في تلك الساعة هل هو إيمان نافع؟ لا، ولهذا قيل له: ﴿آلْآنَ﴾؟ ما فيه فائدة، ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، وهذا حق. الإيمان بالشيء الشاهد؛ تشوف هذا الباب تقول: هذا باب، أومن بأن هذا باب؟ نعم؟ هذا إيمان؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لو قلت: أنا أومن بأن حولي رجالا يطلبون العلم، هذا إيمان؟ هو إيمان؟ * الطلبة: ليس إيمانًا. * الشيخ: أما حولي رجالا، صحيح ليس إيمانًا؛ لأنه مشاهد، أما يطلبون العلم، فهو إيمان؛ لأنه مبني على ظني فيما يريدون بطلب العلم، وهل هم حريصون أو يحضرون بالأبدان دون القلوب، أو ما أشبه ذلك، على كل حال اجعلوها إن شاء الله إيمانا، لا تجعلوها إيمانا بالغيب، اجعلوها إيمانا بالمحسوس. من فوائد هذه الآيات الكريمة: فضيلة الصلاة، وأنها أعلى أنواع الأعمال البدنية، ولهذا تأتى دائما بعد الإيمان؛ لقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. * ومن فوائدها: الحث على إقامة الصلاة، وأن الإنسان يأتي بها كاملة على الوجه الذي يرضي الرب عز وجل الذي فرضها على عباده، أما أن يصلي صلاة لا روح فيها، أو صلاة لا تجزئ رسميا أو ما أشبه ذلك، فهذا ليس بمقيم للصلاة، أفهمتم؟ يعني ربما يجيء إنسان يصلي صلاة من أتقن ما يكون ظاهريا، فهذا باعتبار الرسم أقامها، قائم يقوم بخشوع في الرأس، في الركوع يطمئن، وفي السجود يطمئن، لكن قلبه في وادٍ، وجسمه في وادٍ، هل أقامها؟ لا، ما أقامها، هي قشر، قشر منتفخ لكن تطلع ما فيه لب؛ لعدم الخشوع، ولهذا تجد الناس كثيرا منهم يخرج من الصلاة لا يحس بنفسه أنه كره المنكر ولا كره الفحشاء، مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، لكن لا يحس بذلك؛ لأنها قشور صلاة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على الخشوع في الصلاة؛ لأنه الآن أشد ما نجاهد عليه هو هذا، يعني قضية الرسم بأن الإنسان يأتي بالصلاة باطمئنان ظاهري هذا شيء سهل، لكن الكلام على اللب وهو الخشوع هذا أمر صعب، لكن حاول مرة بعد أخرى، كلما جذب الشيطان قلبك رده، وثِق أنه من حين ما تجذبه إلى الصلاة ترده إلى الصلاة سوف يرده، سوف يجد هناك تجاذب، لكن استمر، وإن شاء الله في النهاية يزول، طيب من إقامة الصلاة الطمأنينة فيها التي قد افتقدها بعض الناس، ولا سيما في الركنين ما بين الركوع والسجود، وما بين السجودين، هذان الركنان مظلومان عند بعض الناس، تجده يقول: سمع الله لمن حمده، الله أكبر، إيش قلت؟ اطمأن؟ ما اطمأن، هذا لا صلاة له، لو يصلي إلى يوم الدين ما فيه صلاة؛ لأن «الرسول قال للرجل: « ثُمَّ ارْفَعْ - يعني من الركوع- حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»[[متفق عليه، البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]، وفي لفظ « حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا»[[أخرجه ابن ماجه (١٠٦٠)، وأحمد (١٨٩٩٧).]]، لا بد من الطمأنينة، وعلى كل حال لا حاجة إلى أن نأتي على الصلاة بجميع ما يُخل فيها بعض الناس؛ لأنها معروفة. من فوائد هذه الآيات الكريمة: فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فضيلة إنفاق المال؛ لقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن صدقة الغاصب باطلة، من أين تؤخذ؟ ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به فلا تُقبل صدقته. * ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم البخل؛ لقوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، هل أنت حصّلت المال بكسبك؟ لا، الذي أعطاك المال هو الله، ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: مما كسبوا، قال: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، وحتى ما كسبه الإنسان هو بتيسير الله، وكم من إنسان ضرب أبواب الرزق من كل جانب ولكن لم يوفق، إذن من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإنفاق، لكن هنا أطلق بل هنا أجمل المنفَق فيه؛ قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يعني بيّن المنفَق منه ولم يبيّن المنفَق فيه، نقول: نعم، لكنها بُيّنت في آيات كثيرة، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥] الجواب: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، أي شيء ينفقون؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، كأنه قال: اسألوا عن ماذا تنفقون؟ نعم، اسألوا فيم تنفقون؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، عن إيش؟ قولوا يا جماعة؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: وإيش ينفقون؟ ماذا ينفقون، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فبيّن ما ينفَق فيه؛ لأنه هو المهم، كثير من الناس ربما يخرج نصف ماله لكن في سبيل الطاغوت، والشيء النافع في سبيل الله، أي فيما يرضي الله عز وجل، لكن قد يقال: إن قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، قد يقول قائل: فيه إشارة إلى المنفَق منه، وهو أن يكون الإنفاق خيرا، على كل حال الآية هنا أجمل الله فيها الإنفاق: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فأجمل، فيقال: إن هذا المجمل مبين في نصوص أخرى من القرآن والسنة. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة ٦ - ١٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون﴾، هذه عطف على ما سبق في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، يعني ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ﴾، وقد سبق أن قلنا: إنه يجوز عطف الصفات بعضها على بعض كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]، مع أن الأصل في الصفات أن لا تكون معطوفة. * من فوائد الآية: الثناء على الذين يؤمنون بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أنزل من قبله، وأن هذا من خصال المتقين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ومن فوائد الآية أيضا: الثناء على الموقنين بالآخرة، وقد سبق في التفسير أنه ليس المراد بالإيقان بالآخرة أن تؤمن بأن هناك يوما يُبعث الناس فيه، بل تؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما يقع في ذلك اليوم، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله قال: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت[[ العقيدة الواسطية (ص٩٣).]]. ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هذا أيضا بيان حالهم ومآلهم؛ أما حالهم فقال: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على علم وبينة، ففيه دليل على سلامة هؤلاء في منهجهم، لقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن ربوبية الله عز وجل تكون خاصة وعامة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافته إلى هؤلاء فقط، لكنها ربوبية خاصة اقتضت العناية التامة بهم. * ومن فوائدها أيضا: أن مآل هؤلاء هو الفلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن الفلاح خاص بهم؛ لأن هذه الجملة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تفيد الحصر. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾، هذا بيان للقسم الثاني من الناس؛ لأن هذه السورة ذكر الله أصناف الناس وأقسامهم، الأول: المؤمنون الخلّص، والثاني: الكفار الخلص في هذه الآية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كفروا بمن؟ كفروا بكل ما يجب الإيمان به؛ كفروا بالله، كفروا برسله، كفروا بملائكته، كفروا بكتبه، كفروا باليوم الآخر، كفروا بالقدر خيره وشره، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه عام بكل ما يجب الإيمان به، فإذا كفروا به فهؤلاء كفار. طيب وإن كفروا ببعضه؟ فكذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١] وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، هذه جملة مسبوكة بمصدر دون أن يوجد حرف مصدري؛ لأن الجملة التي تُسبك في المصدر يعني تُحوَّل إلى مصدر لا بد أن تقترن بحرف مصدري، مثل: (أنّ) و(أنْ) و(ما) المصدرية و(لو) المصدرية، لكن هذه سُبكت بمصدر مع أنها ليس فيها شيء من أدوات المصدر، لكن إذا جاء السواء ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ فهذه تُسبك بمصدر، فالتقدير: سواء عليهم إنذارك أم عدمه، والمراد بهؤلاء الكفار الذين حقت عليهم كلمة العذاب، فهؤلاء لا يؤمنون سواء أنذرهم أم لم ينذرهم؛ لأنه قد خُتم على قلوبهم ـ والعياذ بالله ـ وليس المراد بهذا أن لا يدعوهم الرسول عليه الصلاة والسلام، بل المراد أن يتسلى إذا لم يؤمنوا فيقال: هؤلاء قد طبع الله على قلوبهم فلا يؤمنون. وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، وقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الإنذار هو الإعلام بتخويف وترهيب، ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذا القسم الثاني. هذه (أم) هنا متصلة أو منقطعة؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: هذه متصلة؛ لأن المتصلة هي التي تأتي بين شيئين متعادلين كما هنا، والمنقطعة التي تأتي بين شيئين منفصلين، هذا فرق معنوي، والفرق اللفظي: المتصلة يصح أن يحل محلها (أو)، والمنقطعة لا يصح أن يحل محلها (أو)، بل يحل محلها (بل)، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ الجملة هذه خبر ثاني، أين الخبر الأول؟ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذه هي الخبر الأول، وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُون﴾ الخبر الثاني. في هذه الآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين يرده الكفار ولا يقبلون دعوته. وفيها أيضا: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد، قد خُتم على قلبه، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] يعني هؤلاء لهم النار وانتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة ولا بالإقبال على الله فإن فيه شبها مِمن؟ من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله. قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الختم بمعنى الطبع، وأصله من الختم الذي هو الخاتم؛ لأنه عند انتهاء القول في الكتابة يُختم القول بالكتابة، يعني أنه انتهى الأمر، فهؤلاء ختم الله على قلوبهم؛ وأيضا يشبه وعاء النفقة إذا خُتم عليه بالشمع الأحمر كما يقولون فإن أمره منتهٍ. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، يعني: وختم على سمعهم، وإذا ختم على القلوب صارت لا تفقه، وعلى السمع صارت لا تسمع سماعا ينفع. قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ هذه جملة مستأنفة، والغشاوة الغطاء، فإذا كان على الأبصار غشاوة صارت لا تبصر، فخُتمت الطرق الثلاثة للهدى، وهي: القلب، والثاني: السمع لما يقال، والثالث: البصر فيما يُرى، فالأبواب الثلاثة كلها سُدت، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ [الجاثية ٢٣] لا أحد. فإن قال قائل: هذا الختم هل له سبب أو هو ابتلاء وامتحان من الله؟ فالجواب: أن له سببا بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥] فإذا رأيت أحدا قد ضل فاعلم أنه هو السبب في ضلال نفسه. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿وَلَهُمْ﴾ أي لهؤلاء الكفار الذين بقوا على كفرهم لهم عذاب عظيم، وهو عذاب النار، وعظمه الله تعالى لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار، أعاذنا الله وإياكم منها بكرمه وجوده. انتهى الكلام على الصنف الثاني من أصناف الخلق وهم الكفار الخلّص الصرحاء. في هذه الآية الكريمة الأخيرة دليل على أن القلوب محل الوعي؛ لقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: فلا يصل إليها الخير. وفيها أيضا من فوائدها: أن طرق الهدى إما بالسمع وإما بالبصر؛ لأن الهدى قد يكون بالسمع وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال، وبالبصر فيما يشاهَد، وهكذا آيات الله عز وجل تكون مقروءة مسموعة، وتكون بيّنة مشهودة. * ومن فوائد هذه الآية: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (مِن) هنا للتبعيض؛ وعلامة (مِن) التي للتبعيض أن يحل محلها (بعض)، فهنا لو في غير القرآن لو قال: وبعض الناس يقول، لكان الكلام مستقيما، إذن (مِن) للتبعيض ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ (مَن) هذه مبتدأ مؤخر، ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، لكن يقول ذلك بلسانه، أما في قلبه فلا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، بمؤمنين في إيش؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: ما سمعت. * الطلبة: (...). * الشيخ: طيب، وما هم بمؤمنين في قلوبهم، لكن بلسانهم يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾، بعد ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم﴾ [المنافقون ٤]، فهم يفتنون الناس برؤيتهم وبسماع أقوالهم، لكن لا خير فيهم، ومن أراد أن يعرف صفات المنافقين فعليه بكتاب مدارج السالكين ، ذكر ابن القيم رحمه الله جمع صفاتهم في مقال واحد، فمن أراد أن يراجعها فليراجع. يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ذكر الإيمان بالله؛ لأنه هو المبتدى سبحانه وتعالى، يعني الذي ابتدأت منه الأمور، واليوم الآخر؛ لأنه هو المنتهى، والإنسان إذا آمن بالله وباليوم الآخر استقام، ولهذا يقرن الله تعالى دائما بين الإيمان به واليوم الآخر دون الإيمان بالملائكة والكتب والرسل؛ لأن حقيقة الأمر أن من لم يؤمن باليوم الآخر فإنه لن يؤمن بالله؛ لأنه ماذا يحصّل؟ ماذا ينتظر؟ إذا كان لا يؤمن باليوم الآخر فلن يؤمن بالله. قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ هذا تكذيب لهم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، كقول الله تعالى مكذبا لهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ثم قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٩]، وفي قراءة: ﴿وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ . ﴿يُخَادِعُونَ﴾ المخادعة: مُفَاعَلَة من الخداع، والخداع والمكر والكيد كلها معان متقاربة، ويشملها هذا التعريف: التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا الخداع وهذا المكر، يتوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا هو الخداع، هؤلاء إذا قالوا إنهم مؤمنون قالوا: غنمنا الآن، يقولون: غنمنا؛ لأننا خدعنا محمدا وأصحابه، ولكنهم في الحقيقة هل خدعوا الرسول وأصحابه؟ خدعوا الله، ولهذا قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعلى رأس الذين آمنوا رسول الله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يخدعون أنفسهم في الواقع؛ لأنهم غروها، حيث أظهروا خلاف ما يبطنون، وهم يعلمون أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حق، لكنهم لم يؤمنوا به، بل أنكروه فخدعوا أنفسهم بذلك، فإن قال قائل: ما وجه خداعهم لله والذين آمنوا؟ قلنا: وجه خداعهم أنهم إذا أظهروا الإيمان سَلِمت أموالهم. هذا الخداع وهذا المكر يتوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا هو الخداع، هؤلاء إذا قالوا إنهم مؤمنون، غنمنا الآن، يقولون: غنمنا؛ لأنا خدعنا محمدًا وأصحابه، ولكنهم في الحقيقة هل خدعوا الرسول وأصحابه؟ لا، خدعوا الله؟ ولهذا قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٩]، وعلى رأس الذين آمنوا رسول الله ﷺ. قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، يخدعون أنفسهم في الواقع؛ لأنهم غروها حيث أظهروا خلاف ما يبطنون وهم يعلمون أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حق؛ لكنهم لم يؤمنوا به، بل أنكروه فخدعوا أنفسهم بذلك. فإن قال قائل: ما وجه خداعهم لله والذين آمنوا؟ قلنا: وجه خداعهم أنهم إذا أظهروا الإيمان سلمت أموالهم ورقابهم من القتل، وصار لهم حرمة، فيقولون: خدعنا محمدًا وأصحابه، حيث قالوا إنهم مؤمنون، وليسوا بمؤمنين، لكنهم بقولهم هذا نجوا من المعاملة كما يعامل الكفار. قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي أنهم لا شعور لهم يتبين به أنهم خادعون لأنفسهم؛ لأن على أبصارهم غشاوة، وقلوبهم مختوم عليها وكذلك السمع. * طالب: أحيانًا يعلَّق الفلاح والإيمان والتدبر على القلب في القرآن، وأحيانًا يربط ذلك بالعقل، ما العلاقة؟ * الشيخ: مثل؟ * الطالب: ﴿مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة ٢٦٩]. * الشيخ: أي العقول؟ لكن المراد بالعقول هنا عقول الرشد لا عقول الإدراك. * الطالب: والقلب يا شيخ؟ * الشيخ: والقلب هو محل العقل، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦] ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. * الشيخ: نعم. * طالب: امتنع النبي ﷺ عن قتل المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فالناس في هذا طرفان ووسط، فبعض الناس يتابع الناس في كل شيء، يراقبهم، وبعضهم يقول: ما علي في الناس ما دمت أسير في الدرب الصحيح، ما هو الضابط في مراقبة الناس؟ * الشيخ: الضابط أن الإنسان مؤتمن على دينه، ولا يحمل الإنسان أن يراقب أحدا في دينه أبدًا، اللهم إلا إذا كان هناك شبهة قوية وأراد أن يتأكد، وإلا فلا يجب؛ لأن الأصل أن المسلم محترم، محترم في عرضه، محترم في ماله، محترم في نفسه. * الطالب: لا، بعض الناس يا شيخ إذا قلت له: لا تفعل هكذا، كان الناس يظنون بك كذا وكذا، يقول: أنا ما على في الناس، خل الناس يقولون اللي يقولوه؟ * الشيخ: يعني هو قصده يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ * الطالب: لا، أي شيء حتى في المعاملات العادية. * الشيخ: لا يمنع، الذي ينبغي للإنسان يكون مبتعدا عن هذا الأمر؛ لأن الرسول عليه ﷺ يقول: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» . »[[أخرجه البخاري (٣٤٨٤) من حديث أبي مسعود البدري.]] * الطالب: شيخ قول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠] ألا يؤيد يا شيخ قول من قال من العلماء أنه لا تُقبل من تكررت ردته لقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؟ * الشيخ: نعم، إن أخذ، لكن أحيانًا يمن الله على من يشاء من عباده، فتكرر الردة ويمن الله عليه بالإيمان الصادق، ونحن نقول: الذي تتكرر ردته لا بد أن يحتاط الإنسان له، ليس بمجرد أن يقول إنه آمن وأنه تاب يُرفع عنه القتل، بل ننظر، نعم. * طالب: يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة٣] ما في دليل هنا على كفر تارك الصلاة؟ * الشيخ: إيش وجهه؟ * الطالب: وجهه أن الله عز وجل ذكر: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ لفظ الآية الإيمان (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: بعد ذلك ذكر ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؟ * الشيخ: الزكاة؟ * الطالب: نعم، لفظ الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ شرط (...). * الشيخ: هذا ليس واضحا، عندي فيها أدلة غير هذا. * طالب: غفر الله لكم، سؤال في التفسير الذي مضى، شيخ هل نثبت صفة التهكم لله بقول الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء ١٣٨]؟ * الشيخ: لا، إذا قلنا معنى بشر فيما يسوء جرت اللغة العربية أن المقصود بذلك التهكم بهم، فالرسول لو بشرهم بهذا ليس بشرهم بما يسرهم بل متهكما بهم. * طالب: الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يذكر الاستفهام في القرآن على سبيل التهكم للكفار فهل يصح ذكر..؟ * الشيخ: مقتضى اللغة العربية أن يقال هذا الاستفهام للتهكم، فالله يتهكم بهم. * طالب: (...) * الشيخ: نعم، صيغة فعلية. * طالب: أبو الحسن كان أشعريًّا أم معتزليًّا؟ * الشيخ: كان معتزليًّا، ثم بعد أربعين سنة من الاعتزال اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلّاب مؤسس مذهب الكلابية وأخذ منه بعض الشيء، وبقي على ذلك مدة ليست طويلة، ثم وفقه الله عز وجل إلى أن أخذ بقول الإمام أحمد رحمه الله. * طالب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٣] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: النص على هذا الصنف من الناس وهم المنافقون، ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.﴾ * ومن فوائدها: نفي الوصف على من لم يتحقق فيه من جانب؛ لأنهم يقولون إنهم مؤمنون، ولكن مؤمنون بالظاهر وليسوا مؤمنين بالباطن، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي باطنًا. * ومن فوائدها: أن الاستسلام الظاهر إذا لم يكن مبنيًّا على عقيدة فإنه لغو لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.﴾ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قلب الحقائق وادعى ما لم يكن عليه من الأوصاف ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين، ولهذا جعل النبي ﷺ آية المنافق ثلاثًا، منها: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩/١٠٧) من حديث أبي هريرة.]] * ومن فوائد هذه الآية وما بعدها: أن المنافقين يخادعون الله والذين آمنوا، فيُستفاد من ذلك أن المخادعة من صفات المنافقين. فإن قال قائل: التورية فيها نوع مخادعة، فهل يكون المورّي متصفا بصفات المنافقين؛ لأنه أظهر خلاف ما يريد؟ فالجواب أن يقال: التورية إذا كان لها مقصود صحيح خرجت عن مشابهة المنافقين، وإذا لم يكن لها مقصود صحيح فإنه يُخشى أن يكون الإنسان مشابها للمنافقين، ولهذا حرم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التورية إلا لحاجة أو ضرورة[[انظر: أعلام الموقعين لابن القيم (٣/٢٣٤) ط. دار الجيل.]]، ولكن أكثر العلماء يقولون: إن التورية من غير ظالم لا بأس بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ جواز عطف غير الله على الله بحرف يقتضي المشاركة؛ لقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يقل: ثم الذين آمنوا، ووجه ذلك أن العلة واحدة، فمخادعتهم لله مخادعة للمؤمنين، ومخادعتهم للمؤمنين مخادعة لله عز وجل، بخلاف الأمور الكونية، فيجب أن تذكر ما سوى الله معطوفًا بـ(ثم)؛ لأن الأمور الكونية تتعلق بالربوبية، وما يتعلق بالربوبية فإنّ فعلَنا فيه تابع لفعل الله عز وجل، بخلاف الأمور الشرعية، ولهذا قال الله تعالى في آيات كثيرة، أو نسب الشيء إليه وإلى رسوله بالواو في آيات كثيرة، لكنها في أمور شرعية. * ومن فوائد هذه الآية: أن من خادع الله والمؤمنين فإنما يخادع نفسه؛ لأنهم سوف يعاملونه بالظاهر، ويستمر على هذا الباطل، وهذه لا شك أنه خداع للنفس، حيث يظن أنه على صواب فيستمر في عمله فيخدع نفسه بذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين يخادعون الله والذين آمنوا، وهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم، لكن ليس عندهم شعور في أنفسهم، ولذلك استمروا على هذا، ولو شعروا أنهم يخدعون أنفسهم ما استمروا على ذلك. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ البسملة تقدم لنا الكلام عليها مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، كذا؟ يقدر فعلا متأخرا مناسبا، فإذا قلت: (باسم اللهِ) وأنت تريد أن تأكل كيف تقدر الفعل؟ باسم الله آكل، طيب، قلنا: إنه يجب أن يقدر أن يكون متعلقا بمحذوف، لماذا؟ لماذا لا نقول إنه غير متعلق؟ لأن الجار والمجرور لا بد له من متعلق يتعلق به، لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي لأن الجار والمجرور معمول وبمنزلة المفعول به فلا بد له من عامل، لماذا قدرناه فعلا متأخرا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل. والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركا به ومستعينا إلا باسم الله عز وجل، لماذا قدرناه فعلا؟ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو، الأصل في العمل الأفعال؛ ولذلك لا تعمل الأسماء إلا بشروط، اسم الفاعل يعمل عمل الفعل بشروط، المصدر يعمل عمل الفعل بشروط، اسم المفعول يعمل عمل الفعل بشروط، الفعل يعمل بشروط؟ لا؛ لأنه هو الأصل في العمل، ولهذا نقدره فعلًا، لماذا قدرناه خاصا؟ لأنه أدل على المقصود، أدل على المقصود ممكن أن نقدر: باسم الله أبتدئ، لكن تبتدئ أيش؟ ما ندري، تبتدئ أكل، تبتدئ شرب، تبتدئ وضوء، تبتدئ عمل، ما ندري، إذا قلت: باسم الله آكل وعينت الفعل صار أدل على المقصود؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥) ومسلم (١٩٦٠ / ١)، من حديث جندب بن سفيان. ]] أو قال: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ» فخص الفعل، إذن نقول: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، كمِّل. * طلبة: مناسب. * الشيخ: متأخر.. * الطلبة: مناسب. * الشيخ: فعل مناسب للمقام. أما ﴿اللَّهِ﴾ فهو علم على ذات الله سبحانه وتعالى، على الذات المقدسة لا يكون إلا له، وهو أصل الأسماء، ولهذا تأتي الأسماء تابعة له، بسم الله الرحمن الرحيم، تأتي تابعة له. ﴿الرَّحْمَن﴾ ذو الرحمة الواسعة، ولهذا جاء على صفة على وزن فعلان الذي يدل على الامتلاء والسعة. ﴿الرَّحِيم﴾ الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل، فهنا رحمة هي صفته هذه دل عليها ﴿الرَّحْمَن﴾، ورحمة هي فعله أي إيصال الرحمة إلى المرحوم دل عليها ﴿الرَّحِيم﴾. الرحمن الرحيم اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر أو الحكم الدال عليه ذلك المعنى، ولَّا لا؟ إذن اجتمع في هذين الاسمين كل ما يجب أن يتعلق بالإيمان باسم الله؛ لأن الإيمان باسم الله لا بد أن يكون أن تؤمن بالاسم وأيش بعد؟ والصفة والأثر الذي هو الحكم المترتب على هذا، فنقول: الله رحمن ذو رحمة يرحم، كلها موجودة في القرآن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ كما ترون، ذو الرحمة: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]، يرحم: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. ﴿الرَّحْمَن﴾ اسم دال على الرحمة، وهي رحمة حقيقية دل عليها السمع والعقل، ما أدري كلام اللغة عربي ولَّا غير عربي؟ * الطلبة: عربي. * الشيخ: عربي، دل عليه السمع والعقل، وأيش معنى السمع؟ * الطلبة: النص.. النصوص. * الشيخ: النصوص الكتاب والسنة، العقل: النظر والاعتبار، دلالة السمع على رحمة الله كثيرة ما تحصى، دلالة النظر أن نقول: كم في العالم من نعمة؟ كم في العالم من نعمة؟ وأيش الجواب؟ لا تحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. كذا لا تحصى بأنواعها وأجناسها فضلا عن أفرادها، هذه النعم وأيش تدل عليه؟ تدل على أن المنعم راحم، تدل على أن المنعم راحم، ولولا الرحمة ما حصلت النعمة، وكم في العالم من اندفاع نقمة، أليس كذلك؟ بماذا؟ من آثار الرحمة، لولا الرحمة ما اندفعت النقمة، ومن عجب أن قوما يدعون العقل يقولون: إن الرحمة لا يدل عليها العقل، بل العقل يدل على خلافها، أعوذ بالله، لأيش؟ قال: لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة، وهذا لا يليق بالله عز وجل، شوف الشيطان، لا يليق، صحيح لا يليق؟ نقول: الرحمة بهذا المعنى من هي رحمته؟ * طالب: الإنسان. * الشيخ: رحمة المخلوق، لكن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، ثم إننا نمنع أن تكون الرحمة كما زعمتم حتى في المخلوق، يأتي ملك تام السلطان لا يخشى أحدا إلا الله ويرحم هذا الفقير، هل نقول: رحمته هذه تنافي ما عنده من السلطان والعظمة اللائقة به؟ أبدا ما تنافي، ولا يقال: والله هذا ملك مهين، إنه يرحم الفقراء، ويرحم الضعفاء، لا، بل يعد هذا من كماله، ثم نقول لهم: العقل دل عليه، العقل دل عليه، نمنع قولكم إن العقل لا يدل، ونقول: إن العقل دل عليه، لو تسأل عامي في السوق بعد أن نزل المطر في الليل وخرج الناس يمشون في المطر ونقع المطر وهواء المطر والرطوبة، تلقي عامي تقول: ما شاء الله نزل البارحة مطر، إي وقال: الله، الحمد لله، رحمة الله واسعة، رحمة الله واسعة، وأيش عرفنا إن هذا المطر منين؟ من الرحمة، لكن يقولون: الإرادة ثبتت بالعقل، إرادة الله ثبتت بالعقل، طيب بماذا؟ قالوا: ثبتت بالتخصيص، إنه خص هذا، اجعل هذا سماء، واجعل هذه أرض، وهذه بقرة، وهذه شاة، وهذه بعير، وهذا حمار إلى آخره، الذي خصص هذا من هذا هو الإرادة، إذن فيه إرادة لله دل عليها التخصيص، اسأل طالب علم ما هو عامي؟ قل: كيف تستدل بالعقل على الإرادة على إرادة الله وأيش بيقول لك؟ ما يستطيع، ربما يستطيع يقول: أستدل على إرادة الله، ها الكون هذا كله بإرادة الله، لكن ما يقول كلمة تخصيص ولا يدل على الإرادة، كذا ولَّا لا؟ ومع ذلك الرحمة ما دل عليها العقل عندهم، والإرادة دل عليها العقل، ونحن نقول: إن الإرادة والرحمة كلتاهما دل عليها العقل ولا شك في هذا. البسملة ذكرنا فيما سبق أنها آية من القرآن لا شك، مستقلة، لا تابعة لا للتي قبلها ولا للتي بعدها، مستقلة، لكن يؤتى بها لابتداء السورة، يؤتى بها لابتداء السورة، كل سورة تبتدئ بالبسملة إلا واحدة من السور وهي براءة، فإنه لم يثبت عند الصحابة أن الرسول ﷺ ابتدأها بالبسملة؛ ولذلك جعلوا فاصلا بينها وبين الأنفال ولم يجعلوا بسملة؛ لأنهم ترددوا هل هي من بقية الأنفال أو هي مستقلة، فقالوا: نجعل الفاصل ولا نجعل البسملة، إنما البسملة آية مستقلة تبتدئ بها كل سورة حتى الفاتحة وهي أول السور تبتدئ بها، وهل هي من السورة؟ قلنا: لا، وعلى هذا فما يوجد في المصحف الآن المرقم في الفاتحة خاصة فيها رقم واحد على أنها أول آية من الفاتحة هو قول مرجوح، والراجح أنها ليست آية من الفاتحة، وقد مر علينا بيان رجحان هذا القول. * طالب: شيخ، ندعو الله أن ينصرنا على الكافرين ونحن ما نستطيع أن نقاتلهم ولكن ندعو الله ولا نقاتلهم إما أن يقوينا فنقاتلهم أو ينصرنا عليهم؟ * الشيخ: إي نعم، هو يسأل، يقول: نحن ندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، واحنا ما عندنا سلاح نقاوم به، نقول: النصرة على القوم الكافرين بأن يهيئ الله لنا أسلحة نقاومهم بها، أو يدمر أسلحتهم، تدمير أسلحتهم نصر لنا ولَّا لا. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] خلاف العلماء في كون البسملة آية أو غير آية، ألا يؤدي ذلك إلى حذف البسملة؟ * الشيخ: لا لا، أعوذ بالله! هل حذفت من المصحف؟ حفظت. * طالب: (...) * الشيخ: لا لا نقول: آية بالاتفاق أنها آية، لكن هل هي من السورة اللي بعدها أو لأ، الخلاف في العدد. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران ١ - ٤] * الشيخ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تبع للي قبلها. * طالب: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران٣، ٤]. * الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم الكلام على البسملة إعرابا ومعنى ومحلًا، وتقدم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتدئت بها السور. الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور قيل: إنها رموز وإشارات إلى أشياء، وعينها بعض المفسرين، وقيل: إنها حروف لا ندري ما معناها، فالله أعلم بما أراد بها، وقيل: بل هي حروف هجائية ليس لها معنى، وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين، واللسان العربي لا يعطي هذه الحروف الهجائية معنى، وإذا كان لا يعطيها معنى فبمقتضى نزوله به أن لا يكون لها معنى، لكن قال بعض حذاق العلماء: إن لها مغزى؛ أي هذه الحروف لها مغزى وهو: أن هذا القرآن الذي أعجز فصحاء البلاغة العرب العرباء إنما كان بالحروف التي هم يعرفونها، ويركبون كلامهم منها ومع ذلك أعجزهم، يعني لو جاء بلسان غير عربي لقالوا: نعجز عنه، لكن جاء باللسان العربي الذي يُكَوِّنون كلامهم بالحروف التي كان بها هذا القرآن، قال: ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن، وهذا ما قاله الزمخشري وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم. وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، فالله مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ، لكن هذه الجملة جملة أيضًا، لكنها تسمى عند النحويين جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والكبرى: مجموع المبتدأ والخبر. وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ خبران آخران. ﴿الْحَيُّ﴾ خبر ل﴿اللَّهُ﴾ ثان، و﴿الْقَيُّومُ﴾ خبر ثالث. فقوله: ﴿اللَّهُ﴾ علم على الذات المقدسة، علم على الرب عز وجل، وأصله الإله بمعنى المألوه، وحذفت الهمزة تخفيفا كما حذفت الهمزة من خير وشر في مثل قول الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا»[[أخرجه مسلم (٤٤٠ / ١٣٢)، من حديث أبي هريرة. ]] أي أخيرها وأشرها، وكما حذفت الهمزة أيضًا من: الناس، وأصلها: أناس. ﴿اللَّهُ﴾ علم على الذات المقدسة، وهو أعلم المعارف على الإطلاق، هو أعلم المعارف على الإطلاق، ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فعال بمعنى مفعول، كغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود حق إلا هو، فإله اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة ولكنها آلهة وضعت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف ٤٠]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]. وبهذا التقدير للخبر في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يزول الإشكال، وهو أنه كيف ينفى الإله في مثل هذه الجملة ويثبت في مثل قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]؟ والجمع: أن تلك الآلهة أيش؟ باطلة، وأما الإله في: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهو إله حق ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. وقوله: ﴿هو﴾ هذا ضمير وليس اسمًا، بدليل قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد ١٩] هذا علم ولَّا ضمير؟ * الطلبة: علم. * الشيخ: علم، وبدليل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥] وأنا هنا ضمير، فعلى هذا نقول: أنا وهو في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النحل ٢] وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كلاهما ضمير رفع منفصل، كلاهما ضمير رفع منفصل، فكما أن الذاكر لا يقول: لا إله إلا أنا، أو كما أن الذاكر لا يجعل أنا اسما لله فلا يجوز أن يجعل هو اسما لله، وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذين يذكرون الله بلفظ: هو هو، ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل. وقوله: ﴿الْحَيُّ﴾ أل هنا للاستغراق؛ أي الكامل الحياة، وحياة الله عز وجل كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له، حياته لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، هي أيضًا كاملة حال وجودها، لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه، وعلمه، وقدرته، وجميع صفاته. إذا رأينا الآدمي، بل إذا رأينا غير الله عز وجل وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، فحياته مسبوقة بماذا؟ بعدم، ملحوقة بزوال وفناء، هي أيضًا ناقصة في وجودها، هل هو كامل السمع؟ الحي ليس كامل السمع، ولا البصر، ولا العلم، ولا القدرة، كل حي فهو ناقص، إذن حياته ناقصة في الوجود والزمن، ففي الزمن مسبوقة بعدم وملحوقة بزوال، وفي الوجود ناقصة في جميع الصفات. وقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ على وزن فيعول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه، وفي الجمع بين الاسمين الكريمين: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في الجمع بينهما استغراق لجميع ما يوصف الله به لجميع الكمالات، ففي ﴿الْحَيّ﴾ كمال الصفات، وفي ﴿الْقَيُّومُ﴾ كمال الأفعال، وفيهما جميعا كمال الذات. ﴿الْحَيُّ﴾ كمال الصفات، ﴿الْقَيُّومُ﴾ كمال الأفعال، وباجتماعهما كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ١ - ٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وبينا أن القول الراجح في ﴿ألم﴾ وأخواتها. * طالب: ما اختاروا (...) أنها -الحروف المقطعة- لا معنى لها؟ * الشيخ: لا، هو ما قال لا معنى لها. * طالب: ألا تدل على المغزى أن هذا القرآن الذي يعجزكم أنه مكون من هذه الحروف لذلك كلما ذكر الحروف يذكر بعدها شيء من القرآن من ذكره أو (...)؟ * الشيخ: طيب. * الطالب: قلنا إن القرآن نزل باللغة العربية. * الشيخ: لا لا. * طالب: هي لا معنى لها بذاتها، ولكن لها مغزى. * الشيخ: ولكن لها مغزى، طيب. ما هو الدليل على أنه ليس لها معنى في ذاتها؟ * طالب: الدليل أنها دائمًا يعقبها في القرآن.. * الشيخ: الدليل على أنه ليس لها معنى؟ * طالب: أن القرآن بلسان عربي مبين، وهذه الحروف بلسان عربي مبين ليس لها معنى. * الشيخ: صح، الدليل أن القرآن نزل باللسان العربي المبين وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية في ذاتها، إذن ليس لها معنى. طيب ما الدليل على أن لها مغزى؟ * طالب: هذه الحروف يعقبها القرآن. * الشيخ: ذكر القرآن والتحدث عنه. * الطالب: ثاني شيء: يعني إن هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتتحدثون بها يعني القرآن الكريم مركب منها. * الشيخ: كان منها أحسن من كلمة مركب كان منها. قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ ما معناها؟ * طالب: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا معبود بحق؟ لا معبود حق إلا الله. لماذا لا نقول: إن النفي مسلط على ما بعد إلا؟ يعني لا إله إلا الله، ما يوجد إله إلا الله؟ * طالب: لأنه توجد آلهة لكن هي باطلة، يعني نحصرها بحق. * الشيخ: أحسنت، نعم، نقول: لا يمكن أن ننفي الألوهية مطلقا؛ لأن غير الله قد يسمى إلها. ما هو الدليل على إطلاق الإله على غير الله؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم ٨١]. * الشيخ: نعم، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٣٩]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا أنهما يشتملان على اسم الله الأعظم، فلماذا؟ * طالب: لأن لها معنيان: المعنى الزمني لم يسبقه العدم. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهما اسمان يتضمنان الصفات الفعلية والذاتية. * الشيخ: صح، الكمال الذاتي والفعلي، ففي ﴿الْحَيُّ﴾ الكمال الذاتي، و﴿الْقَيُّومُ﴾ الكمال الفعلي؛ لذلك كانا متضمنين لجميع الكمال، الذاتي والفعلي. ﴿الْحَيُّ﴾ تفسيره؟ * طالب: الحي الذي لا يموت ولا.. * الشيخ: يعني ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق؟ * الطالب: بعدم. * الشيخ: ولا يَلحقها؟ * الطالب: زوال. * الشيخ: زوال. ﴿الْقَيُّومُ﴾؟ * طالب: هو القائم بنفسه، والقائم على.. * الشيخ: على غيره، القائم بنفسه والقائم على غيره. الدليل على قيامه بنفسه؟ * طالب: أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إلى أحد. * الشيخ: نعم * طالب: أما الدليل أن كل ما سواه.. * الشيخ: إذن وصف الغنى مثل و﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن ٦] هذا قيامه بنفسه، قيامه على غيره ما هو الدليل؟ * طالب: أن العباد كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ما هو الدليل؟ ما هو التعليل؟ * الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥]. * الشيخ: وغيره، فيه آية صريحة في الموضوع؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد ٣٣] * الشيخ: صحيح، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يعني كمن لا يقوم بنفسه. تصريف القيوم في اللغة العربية؟ تصريف القيوم في اللغة العربية كيف هو؟ * طالب: على وزن فيعول. * الشيخ: على وزن فيعول، وماذا تدل عليه هذه الصيغة؟ * طالب: تدل على (...) سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا، هذه الصيغة؛ لأن أصلها قائم حولت إلى قيوم، فحول فاعل إلى فيعول؟ * طالب: يقوم على غيره ويقوم بنفسه. * طالب آخر: تدل على الكثرة والمبالغة. * الشيخ: المبالغة، صح. * * * قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ٣] ﴿نَزَّلَ﴾ التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان ٣٢]. يعني نزلناه ليس جملة واحدة، فقوله: ﴿نزل﴾ يفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل أيش؟ بالتدريج ليس مرة واحدة، وقوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ الضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول ﷺ؛ ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه. وقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هو هذا القرآن، وهو فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مكتوب، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة ٧٧، ٧٨] اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس ١٢، ١٣]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا.

البقرة 2:10

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:11

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:12

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:13

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.