Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:14 – البقرة 2:21

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:14
  2. البقرة 2:15
  3. البقرة 2:16
  4. البقرة 2:17
  5. البقرة 2:18
  6. البقرة 2:19
  7. البقرة 2:20
  8. البقرة 2:21

البقرة 2:14

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:15

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:16

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:17

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:18

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:19

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:20

ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق. وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا. وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط. فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق. والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد. ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم. ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد. وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد. وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد. فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع. * ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة. * طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟ * الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق. * الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟ * الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه. * الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول. * الشيخ: ما يصرح به * الطالب: يعني يقول في قلبه * الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟ * الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق. * الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا. * الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟ * الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم. * طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر. * الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟ * الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟ * الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد. * الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل.. * الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق. * الطالب: هذا كافر؟ * الشيخ: عام. * طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟ * الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟ * الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة. * الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن. * الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟ * الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر. * الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟ * الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه. * طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟ * الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم. * الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟ * الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠] * الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء. إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن. في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات. ﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال. * في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية. * طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١] * الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم. * طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت.. * الشيخ: لا، فسرناها. * الطالب: يعمهون يعني.. * الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم. * طالب: هو يقصد فعل يعمهون. * الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون. * طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني. * الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس. * طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟ * الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم. * الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟ * الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله. * طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان. * الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما. * الطالب: (...) * الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت. انتهى، نبدأ. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠]. * الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. * طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾. * الشيخ: الفوائد أنهي؟ * الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. * الشيخ: نعم. * الطالب: أخذنا الفوائد. * الشيخ: أخذتوها؟ * الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين. * الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة. أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة. ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢]. أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء. والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد. نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟ * الطالب: الكاف. * الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه. * الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا. فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟ * طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟ * الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]. ﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم. * ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى. * ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا. * فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا. أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح. قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن. ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة. ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم. ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب. والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم. وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر. ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل. دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر. ﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤]. ﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون. كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين. طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]]. لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم. * في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. * ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟ * طالب: صحيح. * الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد. * ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير. * ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك. * طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ * الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾. * الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟ * الشيخ: لا، على إطلاقها. * طالب: إذا تكرر..؟ * الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب. * طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟ * الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا. * طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟ * الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع. * طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟ * الشيخ: نعم للمبالغة. * طالب: عبر بالجزء وأراد.. * الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء. * طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟ * الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد. * طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟ * الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف. * طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟ * الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.

البقرة 2:21

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٤]. * الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطاب هنا ورد بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مع أن السورة مدنية، وأكثر من يخاطَب في السور المدنية هم المؤمنون، ولهذا جعل المتكلمون في أصول التفسير جعل من علامة السور المدنية أن الخطاب يكون فيها موجها للمؤمنين بخلاف الآيات المكية؛ لأن أكثر من يخاطب بها من ليس بمؤمن، لكن هذه الآية هي أول آية فيها نداء، أول آية فيها نداء هي هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ولهذا وُجِّه الخطاب بها أو النداء بها إلى جميع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جُعلت في السورة المدينة؟ نقول: الأصل عدم ذلك، ولهذا نرى في بعض عناوين السور: مكية إلا آية كذا وكذا، مدنية إلا آية كذا وكذا، هذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح، وإلا فالأصل أن السور المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية، إلا بدليل ثابت. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، في هذه ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إثبات الألوهية، يعني إثبات توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ ﴿اعْبُدُوا﴾ هذا توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية يسمى توحيد ألوهية باعتبار إضافته إلى الله، وتوحيد عبادة باعتبار إضافته إلى العبد. يقول الله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فما هي العبادة التي أُمرنا بها؟ العبادة التي أُمرنا بها هي التذلل لله عز وجل ذلا تاما مستلزما للمحبة والتعظيم، لا بد، وإلّا لم يكن الإنسان عبدا، أن يتذلل لله تعالى ذلا كاملا، أيش؟ مستلزما للمحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون فعل الأوامر حتى يصل العابد إلى محبوبه، وبالتعظيم يكون الفرار من النواهي لئلا يعذبه ربه العظيم عز وجل، هذا هو معنى العبادة: التذلل لله، أيش؟ ذلا كاملا مستلزما للمحبة والتعظيم، طيب، هذا تفسير العبادة بالنسبة لفعل العبد، قد تفسَّر العبادة بالنسبة لمفعول العبد، بالنسبة لمفعوله، فيقال مثلا: الصلاة عبادة، الزكاة عبادة، الصوم عبادة، وعلى هذا فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. ثم ضرب أمثلة بالصلاة والزكاة وغيرها، وحينئذ نقول: العبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول: التعبد، والمعنى الثاني: المتعبَّد به وهو مفعول العبد؛ يعني ما فعله العبد، واضح يا جماعة؟ طيب، ما المراد بالآية؟ المعنيان أو المعنى الأول؟ الظاهر كلاهما، وهما متلازمان. وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الرب هو الخالق، المالك، أيش؟ المدبر، الخالق المالك المدبر، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفةً كاشفة مبينة للواقع، وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق والثاني غير خالق، بل ربنا هو الخالق، فالصفة هنا إذن صفة كاشفة وليست صفة احترازية، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، والخلق هو الإيجاد من عدم، ولم يخلق الناس إلا الله عز وجل، لا يخلقهم أب ولا أم ولا ملَك ولا أحد، لا يخلقهم إلا الله، وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج٧٣]، فعدم خلق بني آدم من باب أولى، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني: وخلق الذين من قبلكم، ولهذا نجد سبحان الله بنو آدم يتسلسلون، تنظر إلى المسجد أو تنظر إلى مجتمع تجد هذا له سبعون سنة، وهذا له خمسون، وهذا له أربعون، وهذا له ثلاثون، وهذا له عشرون، وهذا له عشر، وهذا له خمس، من أجل أن يعمر الكون، يتعاقبون، فإذا تأملت هذا عرفت كمال سلطان الله عز وجل وكمال حكمته، هؤلاء الذين قبلنا مخلوقون، ونحن من ذريتهم، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، ذرية نوح، نحن من ذريتهم، إذن مَن تفرع على مخلوق فهو مخلوق، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وعلى هذا فقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على؟ * طالب: الضمير. * الشيخ: على الكاف في ﴿خَلَقَكُمْ﴾، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، (لعل) هنا للتعليل؛ أي لتصلوا إلى التقوى، ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله عز وجل في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾ [البقرة ١٩٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا من باب التعدد أنواعا، أو تعديد أنواع من أفعاله عز وجل، جعل الله لنا الأرض فراشا موطأة، يستقر الإنسان عليها استقرارا كاملا، ليست نشزا وليست مؤلمة عند النوم عليها أو السكون عليها أو ما أشبه ذلك، والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة، وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبغير ذلك مما جرى في القرآن، والفراش كما نعلم يكون موطأ للإنسان مهيأ له يستريح فيه. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] السماء جعلها الله بناء، أي بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليست هي السماء الأولى، بل المراد بالسماء في الثانية العلو؛ لأن الماء الذي هو المطر ينزل من السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِه﴾ [النور ٤٣]، فالماء الذي هو المطر لا ينزل من السماء التي هي البناء، وإنما ينزل من السحاب التي في العلو، وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا، والمعنى الثاني: العلو. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، ﴿أَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، وانظر إلى الحكمة والنكتة البديعة، حيث أضاف الأمر إلى نفسه جل وعلا لكن بسبب، فالسبب موصل فقط، وإلا فهل المطر يُخرج النبات؟ لا، المخرج هو الله، لكن السبب المطر، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾، أي: بسببه، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وجمع الثمرات لأنها متنوعة، لو أراد الإنسان أن يحصي أنواعها لعجز فضلا عن أفرادها. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في العبادة، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الخلق والرزق وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من أفعال الربوبية؛ لأن المشركين يقرون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله، يقرون بهذا إقرارا تاما، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا، لكن في العبادة ينكرون هذا، يشركون، يجعلون مع الله إلها آخر، وينكرون على من وحّد الله، حتى قالوا في الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾ [ص ٥]، ونقول: ما شاء الله، من الذي جاء بالشيء العجاب؟ هم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالصواب، لكن هم جاءوا بالشيء العجاب، نسأل الله العافية، إذن ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في أيش؟ * الطلبة: في العبادة. * الشيخ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الربوبية من الخلق والرزق، وغير ذلك، وإقراركم بالخلق والرزق أن الله منفرد به يلزم أن تجعلوا العبادة لله وحده، فإن لم تفعلوا فأنتم متناقضون، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزِم لتوحيد الألوهية، يعني من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ومن أقر بالألوهية فإنه لم يقر بها حتى كان قد أقر بالربوبية، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. * في هذه الآية من الفوائد، أولا: العناية بالعبادة، يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء، والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس، مما يدل على أن العبادة من أهم شيء، وهو كذلك، بل إن الناس ما خُلقوا إلا لأجل العبادة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات ٥٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فإن الرب يستحق عز وجل أن يُعبد ولا يُعبد غيره، والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم الضراء وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى من؟ إلى الله؛ ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [لقمان٣٢]؛ لأن فِطَرهم تحملهم على ذلك ولا بد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله عز وجل هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين والآخرين؛ لقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طريق القرآن أنه إذا ذكر الحكم غالبا ذكر العلة، الحكم: ﴿اعْبُدُوا﴾، والعلة: كونه ربًّا خالقا لنا ولمن قبلنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هل يمكن أن نأخذ من هذه الآية التحذير من البدع؟ ربما نأخذ منها التحذير من البدع، وذلك لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعبادة؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله، كيف نتوضأ، إلا عن طريق الوحي والشرع؛ كيف نصلي، يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام يقرأ ثم ركع ثم سجد، فهذه هي العبادة المطلوبة منا إلا بعد أيش؟ بعد الوحي، وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن الأمر بالعبادة يستلزم الأمر بالاتباع. وهل يستفاد من الآية الحث على طلب العلم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، كيف ذلك؟ إذ لا تُمكن العبادة إلا بالعلم، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة بقوله: باب العلم قبل القول والعمل[[صحيح البخاري (1 / 24).]]. ثم قال تعالى مذكرا عباده: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى وحكمته في جعل الأرض فراشا؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال، لكن من رحمته ولطفه وإحسانه جعلها فراشا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جعل السماء بناء، لكن ما فائدتنا من جعل السماء بناء؟ فائدتنا من جعل السماء بناء أن نعلم بذلك قدرة الله عز وجل؛ لأن هذه السماء المحيطة بكل الأرض من جميع الجوانب نعلم أنها كبيرة جدا واسعة، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون﴾ [الذاريات ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإنزال المطر من السماء؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا، والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة، أليس كذلك؟ نعم، وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال:« ادعُ اللهَ أن يغيثَنَا، فرفَعَ يديْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، وما نزَلَ من الخطبةِ إلا والمطرُ يَتحادَرُ من لحيتِهِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (1014)، ومسلم (897 / 8).]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته بإنزال المطر من السماء، وجه ذلك لو كان الماء الذي تحيا به الأرض، لو كان يجري على الأرض لأضر الناس، ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراض كثيرة، ما هي الأراضي التي تُحرم؟ المرتفعة، لا يأتيها شيء، ولكن من نعمة الله أنه ينزل من السماء، ثم هناك شيء آخر أيضا أنه ينزل رذاذا، يعني قطرة قطرة، ولو نزل كأفواه القِرَب لأضر بالناس، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل على ما تعهدون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الأسباب لا تكون سببا إلا بإرادة الله؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾. * ومن فوائدها فائدة مَسلكية: أن الإنسان ينبغي له أن يضيف الشيء إلى الله مقرونا بالسبب، فمثلا لو أن أحدا من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه، أنقذه من الغرق، فليقل: أنقذني الله بفلان، وله أن يقول: أنقذني فلان، له أن يقول ذلك؛ لأنه فعلا أنقذه، وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان، كم هذه من صيغة؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله، ويدل لهذا أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله عز وجل مقرونا بالسبب «أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام، وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأسلم، لكنه أسلم بعد أن استشار أباه، التفت إليه ينظر إليه يستشيره، قال: أطع أبا القاسم.» الجهل، أذن لولده، بل أمر ولده أن يُسلم وهو لم يسلم في تلك الحال، بعدُ ما ندري، الله أعلم، لكن على كل حال خرج النبي صلي الله عليه وسلم وهو يقول:« «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (1356).]]. شوف التعبير!! «أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»، وهكذا ينبغي لنا نحن، إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى، أيش؟ مقرونا ببيان السبب، طيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: قدرة الله عز وجل وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر، تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء، فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله عز وجل، ففيه القدرة وفيه الفضل، ولذلك قال: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة، نعم، أن الله عز وجل منعم على الإنسان كافرا كان أو مسلما، من أين؟ * طالب: من قوله (...) * الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ وهو يخاطب بالأول الناس عموما، إذن فلله تعالى فضل على الناس كافرهم ومؤمنهم، كل له فضل، لكن فضل الله على المؤمن - جعلني الله وإياكم منهم - دائم متصل بفضل الآخرة، وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم جعل الأنداد لله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهل الأنداد شرك أكبر أو شرك أصغر؟ وهل هي شرك جلي أو شرك خفي؟ هذا له تفصيل في علم التوحيد، إن جعل لله ندا في العبادة بأن عبد غير الله كعبادة الله فهذا، أيش؟ شرك أكبر، وإن جعل له ندا في الربوبية وقال: إن هذا الخلق خلقه اثنان مثلا، فهذا شرك أكبر، وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، ومن ذلك أن يضيف الشيء إلى سببه وإلى الله مقرونا بالواو فهذا شرك أصغر، ما لم يعتقد أن هذا السبب له فعل كفعل الله فيكون شركا أكبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن خاطب أحدا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة، من قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ومن قوله في صدر الآية: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فيه إقامة الحجة على وجوب العبادة له؛ لأنه الخالق وحده. الإعراب في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الجملة حالية في محل نصب. * طالب: فضيلة الشيخ ما الحكمة من كثرة الآيات الدالة على توحيد الربوبية مع أن المخاطبين في هذا القرآن يقرون بتوحيد الربوبية؟ * الشيخ: نعم، إقامة الحجة. * طالب: هم يقولون به. * الشيخ: إي، لكن إذا قالوا به يلزمهم أن يوحّدوا بالألوهية. * طالب: ولكن بعض الدعاة الذين يدعون يكثرون من (...) ودعوة توحيد الربوبية، مع أن الناس عندهم خلل في توحيد الألوهية ويستشهدون بكثرة الآيات في هذا في القرآن. * الشيخ: إي، هذا مثل ما قلت، لو كان يخاطب ناسًا ينكرون الألوهية، يعني ينكرون توحيد الألوهية، فليكثر من ذكر الآيات في الربوبية، لكن إذا كان يتكلم على أناس مقرين بتوحيد الألوهية فينبغي أن يأتي لهم بآيات أخرى آيات في الصفات آيات في أفعال الله. * طالب: هم مسلمون. * الشيخ: ما يخالف، إذا كانوا مسلمين، فالربوبية يمكن يذكرونها من أجل أن يزداد إيمانهم. * طالب: (...) العبادة هي تذلل يستلزم المحبة والتعظيم وهذا يكون لله عز وجل، هل مَن صرف المحبة لوحده أو التعظيم لوحده لغير الله مشرك الشرك الأكبر؟ * الشيخ: إي نعم، إذا أحب أحدا مثل محبة الله أو أعظم فهو مشرك شركا أكبر. * طالب: أو عظّم أحدا؟ * الشيخ: أو عظّم أحدا مثل تعظيم الله أو أشد، حتى لو عظم الكعبة مثل تعظيم الله، أو عظم الرسول عليه الصلاة والسلام مثل تعظيم الله كان مشركا شركا أكبر. * طالب: شيخ ما نقول لهؤلاء الذين عند القبور (...) الأولياء فهم يحبونهم ويعظمونهم لكن ما نعلم هل أحبوهم كحب الله أم لا؟ * الشيخ: نقول هكذا، نقول بالتفصيل، ثم نقول لهذا: هل أنت تحب هذا أشد من حب الله؟ * الطالب: إن حبه وعظمه ولكن يعني..؟ * الشيخ: في أناس الآن يحبون الرسول أكثر من محبة الله، وأنا أذكر أن أناسا من الحُجاج ونحن في جدة في المسجد جاء وقت المنع من السفر إلى المدينة؛ لأنه أظن بعد الرابع من ذي الحجة يمنعونهم من السفر إلى المدينة خوفا عليهم من التأخر، فجعل يبكي بكاء شديدا؛ ليش؟ قال: نور عيني. من نور عينه؟ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا ما جئت إلا لهذا، شايف الحين جاي بيحج، يقول: أنا نور عيني ما جئت إلا له، في ظني أن هذا يمكن محبة الرسول في قلبه أكثر من محبة الله، فمثل هؤلاء يجب أن يبين لهم، يقال: لولا محبة الله ما أحببنا الرسول، ولولا أن محمدا رسول الله ما أحببناه هذا المحبة، ولا قدمنا محبته على أنفسنا وأهلينا وأولادنا، من أين وجب لنا أن نعظم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ من أجل أنه رسول ربنا، ما هو من أجل أنه محمد بن عبد الله، معلوم هذا؟ فهؤلاء العامة يبين لهم، يقال: لا تجعل أحدا مع الله إطلاقا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة١٦٥]. * طالب: شيخ لو حصل في شخص حب وتعظيم (...). * الشيخ: لا لا؛ الإنسان يحب والديه ويعظم والديه، يحب معلمه ويعظم معلمه، يحب إللّي أكبر منه ويعظمه، المهم أن لا يكون هناك غلو. * * * * طالب: ﴿﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٣- ٢٥] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إلى آخره؛ الخطاب لمن جعل لله أندادا؛ لأنه قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. لكن شهادة أن لا إله الله توحيد القصد، والثاني: توحيد المتابعة، فكلاهما توحيد، لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصا لله، والثاني توحيد المتابعة بأن يكون العمل متَّبَعا فيه رسول الله، وأنتم إذا تأملتم القرآن وجدتم هكذا، يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة. مثال آخر: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِين﴾ [المؤمنون٦٨] ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون٦٩] وهذا مطرد في القرآن الكريم، يقول ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، الريب يفسره كثير من الناس بالشك، ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن الريب يُشعر بقلق، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك، وذلك لأن ما جاء به الرسول حق، والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به، بخلاف الشك في الأمور الهينة فلا يقال: ريب، وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقًا واضطرابًا. وقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ هو محمد رسول الله، والله تبارك وتعالى وصف رسوله بالعبودية في المقامات العالية؛ في الدفاع عنه، وفي بيان تكريمه بالمعراج والإسراء، وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن؛ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]، هذا في مقام التحدي والمدافعة، وأفضل أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام هي العبودية والرسالة، ولهذا قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[[أخرجه البخاري (3445)، بلفظ: «فَإِنَّمَا أَنا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْد اللَّهِ وَرَسُولهُ».]]. والعبودية: وهي التذلل للمحبوب والمعظم يتلذذ بها العابد، ولهذا قال الشاعر في وصف محبوبته: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَــــــــــإِنَّهُ أَشـْــــــــرَفُأَسْمَـــــــائِي أي لا تقل: فلان وفلان، قل: يا عبد فلانة؛ لأن هذا هو عنده أشرف أسمائه حيث انتمى إليها - نعوذ بالله من الخذلان- إذن أشرف أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام وصفان: العبودية والرسالة، ﴿عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، (ائتوا): أمر يُقصد به التحدي، يعني إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإنا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة من مثله، يحتمل من مثل محمد عليه الصلاة والسلام، أي من بشر، ويحتمل من مثله أي مثل الذي أنزلنا على عبدنا، أي من جنسه، وكلاهما صحيح؛ إذ لا يمكن لأي بشر أن يأتي بشيء من مثل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام أبدا، بل قد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ الذين تشهدون لهم بالألوهية وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم، وهذا غاية ما يكون من التحدي أن يتحدى العابد، ويش؟ والمعبود، تحدى العابدين والمعبودين أن يأتوا بسورة من مثله. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مما سوى الله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾، والجواب على هذا أنه لا يمكن، مهما أتوا من المعاونين والمساعدين فلن يأتوا بسورة من مثله. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾؛ لما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وهي شرطية قطع أطماعهم بقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: لا تحاولوا أن تفعلوا؛ لأن هذا شيء مستحيل، ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ الفاء هنا واقعة في جواب الشرط وهو ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ يعني: إن لم تفعلوا فتعارضوا القرآن بمثله فالنار مثواكم، اتقوا النار، ولن يجدوا ما يتقون به النار إلا أن يؤمنوا بما أنزل على محمد ﷺ. ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التي) اسم موصول صفة للنار، (وقود): مبتدأ؛ و(الناس) خبر المبتدأ، ﴿وَقُودُهَا﴾ الوقود: ما يوقد به الشيء، كالحطب مثلا في نار الدنيا، في الآخرة وقود النار هم الناس والحجارة، فالنار تحرقهم وتلتهب بهم، نسأل الله العافية. ﴿الْحِجَارَةُ﴾ قال بعض العلماء: إن المراد بها الحجارة المعبودة، يعني: أصنام؛ لأنهم يعبدون أصنام، فأصنامهم هذه تكون معهم في النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، وقيل: إن الحجارة حجارة نارية - والعياذ بالله - يزداد بها حر النار ولا تبرد - نسأل الله العافية - ولكن لا مانع من أن يكون المراد هذا وهذا، الحجارة المعبودة والحجارة الموقودة التي خلقها الله عز وجل لتوقد بها النار. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (أعدت) الضمير المستتر يعود على النار، والمعِد لها هو الله عز وجل، ومعنى الإعداد التهيئة للشيء، وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: لكل كافر، سواء كفر بالرسالة أو كفر بالألوهية أو بغير ذلك. * في هذه الآيات فوائد: أولا بيان دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله ﷺ؛ لقوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾. * الشيخ: اقرأ الآيات كلها وقول: يؤخذ من هذه الآيات، حدد. * طالب: ﴿عَبْدِنَا﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، يعني أن عبدنا ليس ممن يُشك فيه. * الشيخ: نعم. * طالب: مما أنزلنا على عبدنا. * الشيخ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، هذا وجه الدفاع؛ لأن الأمر هنا للتحدي، فالله عز وجل يتحدى هؤلاء أن يأتوا بمعارض لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ لوصفه بالعبودية، والعبودية لله عز وجل هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره، فإذا لم يعبد الله عز وجل الذي هو المستحق للعبادة عبد الشيطان والهوى، كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾، ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام، والكلام ليس أجساما تُخلق وتكون بائنة عن الله عز وجل، فهو وصف المتكلم، وبهذا نعرف أن من ادعى أن القرآن مخلوق وقال: إن الله قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقال: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] وما أشبه ذلك، فقوله مردود عليه، ولا حجة له في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وقوله: ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] وقوله: ﴿جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، كل هذا لا حجة فيه؛ لوجود الفرق بين الأعيان القائمة بنفسها التي يضيفها الله لنفسه وبين الأوصاف التي ليست قائمة بنفسها. * ومن فوائد الآية: علو الله عز وجل؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه وأنه منزَّل من عنده لزم من ذلك علو المتكلم به، وعلو الله عز وجل أمر فطري عقلي، وسبق أن ذكرنا له خمسة أنواع من الأدلة، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. فإن قال قائل: ذكرتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام تشرف بإضافة عبوديته إلى الله عز وجل مع أن كفار الخلق وفجار الخلق عبيد لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن العبودية لها معان متعددة: عبودية عامة وهي العبودية الكونية القدرية، هذه شاملة لكل أحد، ولا يمكن لأحد إلا أن يخضع بهذه العبودية، فالكافر والفاجر عبد لله، بمعنى أن الله يفعل فيه ما يشاء، وعبودية خاصة وهي عبودية الطاعة، وهي خاصة بمن آمن بالله واتبع شريعته، ثم هذه الخاصة يمكن أن نقول: إنها تنقسم أيضا إلى خاصة عامة وخاصة أخص، فعبودية الرسل غير عبودية الصديقين والشهداء والصالحين، الأولى أكمل وأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن معجز حتى بسورة ولو كانت قصيرة؛ لقوله: ﴿بِسُورَةٍ﴾، وقد تحدى الله عز وجل أن يأتوا بسورة مثله، وأن يأتوا بعشر سور مثله، وأخبر أنه لن يأتي أحد بمثل هذا القرآن ولو اجتمع الإنس والجن، وأقل ما نعلم أن يأتوا بحديث مثله، يعني ولو بجملة واحدة، لا يأتون، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، والحديث يطلق على الجملة وإن قلّت، فعلى هذا يكون التحدي على أربعة أوجه: بالقرآن كله، بعشر سور منه، بسورة، بحديث. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم، وهذا أشد ذلا مما لو تُحُدُّوا فقط، كأنه يقول: أنتم وآلهتكم ائتوا بسورة من مثله، وهذا أشد ما يكون ذلا وإذلالا وخزيا وعارا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يعارض أحد كلام الله؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، وفي هذه الجملة حجتان: حجة لقول من قال بالصِّرفة، بمعنى أن البشر بمقتضى طبيعته قادر على أن يأتي بمثل القرآن لكن صُرف عنه، وعلى هذا فأداة التحدي ممكنة، لكن وُجد مانع، وهو أن الله صرفهم عن معارضته بحيث لا يريدونه. والحجة الثانية: أنهم لن يفعلوا بمقتضى طبيعتهم، لا أنهم صُرفوا وباستطاعتهم أن يعارضوا القرآن، وهذا القول هو المتعين؛ لأن القول الأول أو الاحتمال الأول لا يدل على أن القرآن بذاته معجز؛ إذ أنه يمكنهم أن يأتوا بمثله لكن الله صرفهم ولم يلتفتوا إلى هذا ولم يفكروا فيه، ولكن نقول: هذا خطأ، بل الصواب أن الإنسان بنفسه لا يستطيع أن يأتي بمثل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام صفة المتكلم، فكما أن البشر لا يمكن أن يماثل الله تعالى بصفاته فلا يمكن أن يماثل الله بأيش؟ بكلامه أبدا مستحيل، ولهذا كان الذين يدّعون النبوة ويأتون بما يسمونه قرآنا، كانوا مسخرة للعباد وهزوا كما يُذكر عن مسيلمة الكذاب وغيره، إذن فالصواب أن قوله: ﴿لَنْ تَفْعَلُوا﴾ ليس معناه: ستُصرفون عن ذلك ولا تفعلون، بل المعنى أنكم عاجزون بمقتضى طبيعة البشر، ووجه ما قلنا أن الكلام صفة المتكلم، والقرآن كلام الله عز وجل، فكما أن البشر لا يماثلون صفات الله في العلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك، فكذلك لا يمكن أن يماثل الله تعالى بالكلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد أن يعارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضا: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب، فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضا توقد بهم، فيجتمع العذاب عليهم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم هم مادة توقدها، والثاني: أنهم يُحرقون بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم وطرحها في النار على أحد احتمالين في قوله: ﴿الْحِجَارَة﴾، من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده ولا يريد أن يصيبه أذى، فإذا أحرق هؤلاء المعبودين أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم وخزيهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار موجودة الآن؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾، ومعلوم أن هذا التركيب فعل ماض، الجملة فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء، وهذا أمر دلت عليه السنة،« فإن النبي ﷺ عُرضت عليه الجنة والنار، ورأى أهلها يعذَّبون بها، رأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر قُصْبَهُ –أي: أمعاءَه- في النار[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3521، 4623)، ومسلم (2856 / 50، 51).]]، ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعا، فلم تكن أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، ورأى فيها صاحب الْمِحْجَن يعذَّب، وهو رجل معه مِحْجَن –أي: عصا مثنية الرأس- كان يسرق الحجاج بهذا الطريق، إذا مر به الحجاج جذبهم بالمحجن، فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ واللهِ هذا المحجن هو الذي جذب، وإن لم يتفطن أخذه ومشى، فكان يعذَّب » -والعياذ بالله-« بِمحْجَنِهِ في نار جهنم»[[أخرجه مسلم (904 / 10).]]. ثم هل النار باقية أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى ولا تفنى، وذكر بعضهم خلافا عن بعض السلف أنها تفنى، والصواب أنها تبقى أبد الآبدين، والدليل على هذا من كتاب الله عز وجل في ثلاث آيات من القرآن؛ في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ أما الآية التي في سورة النساء فهي قوله: * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. * الشيخ: أحسنت بارك الله فيك. والتي في سورة الأحزاب، المؤخر شاركونا بارك الله فيكم. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥] * الشيخ: أحسنت، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. والتي في سورة الجن؟ * طالب: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. * الشيخ: ما يكفي، هات الآية من أولها. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [الجن: ٢٣]. * الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وليس بعد كلام الله كلام، حتى إني أذكر تعليقا لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله على كتاب شفاء العليل لابن القيم، ذكر أن هذا من باب (لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة)، كيف أن المؤلف رحمه الله يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ وهو صحيح غريب على ابن القيم رحمه الله أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى، وعلى كل حال كما قال شيخنا في هذه المسألة: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة. وهذه من كبوات ابن القيم رحمه الله، والصواب الذي لا شك فيه وهو عندي مقطوع به أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان المخلَّد فيها يخلَّد تخليدا أبديا لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبديا فلا بد أن تكون النار أيضا أبدية، وأما قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٧] فهي كقوله في أصحاب الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٨]، لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم وثوابهم فضلا ومنة بيّن أن هذا الفضل غير منقطع فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل والسلطة المطلقة للرب عز وجل قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود١٠٧]، وليس المعنى أن ربك فعال لما يريد أنه سوف يخرجهم من النار، أو سوف يُفني النار، لا، المعنى أنهم إنما بقوا فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله بمقتضى فعل الله عز وجل الذي له السلطة الكاملة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار دار للكافرين؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وأما من دخلها من العصاة فإنهم لا يبقون فيها، فهم فيها كالزوار وكالضيوف، لا بد أن يخرجوا منها، فلا تسمى النار دارا لهم، بل هي دار للكافر فقط، أما المؤمن العاصي إذا لم يعف الله عنه فإنه يعذَّب فيها ما شاء الله ثم يخرج منها، إما بشفاعة أو بمنة من الله وفضل، وأما أهل النار الذين هم أهلها فقد أعدت لهم فلا يخرجون منها، أجارنا الله وإياكم منها. * الطلبة: آمين. * الشيخ: ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الوعيد لأهل النار قال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن قبل أن نتجاوز الآية التي نحن بصدد تفسيرها، إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ هذه واحدة، ثانيا: حكى الله عزوجل عن الأنبياء والرسل ومن عاندهم حكى عنهم أقوالا، وهذه الحكاية تحكي قول من حُكِيت عنه، فيكون قول هؤلاء معجزا، مثلا فرعون قال لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، هذا يحكيه الله عن فرعون، فيكون القول قول من؟ قول فرعون، فكيف كان قول فرعون معجزًا، والإعجاز إنما هو قول الله عز وجل؟ فالجواب عن الأول: بماذا كان معجزًا؟ أنه كان معجز بجميع وجوه الإعجاز، من حيث الأسلوب والبلاغة والفصاحة وعدم الملل في قراءته، الإنسان يقرأ القرآن صباحا ومساء، وربما يختمه في اليومين والثلاثة ولا يمله إطلاقا، لكن لو كرر متنًا من المتون كما يكرر القرآن ملّ. ثانيا: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى، وهذا لمن تدبر حقيقة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذِّبين للرسول ﷺ ذكر وعد المؤمنين به، فقال: ﴿وَبَشِّر﴾، والبشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وسميت بذلك لتغير بشرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يسره استنار وجهه وطابت نفسه وانشرح صدره، وقد تستعمل البشارة في الإخبار بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] إما تهكُّمًا بهم، وإما لأنه يحصل لهم من البشارة بهذا ما يحصل للمبشَّرين بالخير، لكن الأول أقرب وذلك لأنهم لا يؤمنون بما يبشَّرون به من العذاب، فيكون هذا من باب التهكم بهم؛ كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ والخطاب في قوله: ﴿بَشِّرِ﴾ إما للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يعني بشِّر أيها المخاطب من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات. وقوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الذين آمنوا بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به ورسوله، وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أصول الإيمان بأنها: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (8 / 1).]]. لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها، بل لا بد من قبول وإذعان، وإلا لما صح الإيمان. وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهو ثمرة الإيمان أن الإنسان يعمل الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي بُنيت على أساسين هما: الإخلاص لله والاتباع لرسول الله ﷺ، فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (2985 / 46).]]. وما لم يكن على الاتباع فهو مردود أيضا لا يُقبل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718 / 17، 18) واللفظ لمسلم. ]]، إذن فالصالح أيش؟ ما كان خالصًا لله متَّبَعا فيه شريعة الله، ويُذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: ما كان خالصًا صوابًا[[تفسير البغوي (8 / 176)]]. قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذا المبشَّر به؛ ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ عند من؟ عند الله عز وجل ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، جنات توافق ما في الدنيا في الاسم، لكنها تخالفه في الحقيقة والكُنه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ولهذا لا يجوز أبدا بأي حال من الأحوال أن نتصور بأن هذه الجنات تشبه جنات الدنيا، مهما كان الأمر، يعني مهما كان في الدنيا من الغابات والأشجار والثمار وغيرها فإنه لا يمكن أن يكون ما وعد الله به المتقين مماثلا لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824 / 2).]]. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل (تجري)، و ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: من تحت أشجارها وقصورها، وليس من أسفل من سطحها، لا؛ لأنها من أسفل من سطحها لا فائدة منها، لكنها تجري من تحت هذه الأشجار والقصور، وما أحسن جري هذه الأنهار إذا كانت من تحت الأشجار والقصور، يجد الإنسان فيها لذة قبل أن يتناولها، وهذه الأنهار بيّنها الله تعالى أنها أربعة أنواع كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، يخلقها الله عز وجل بدون نحل وبدون بقر وبدون إبل، وكذلك الخمر، والماء ليس من الأمطار والعيون، بل هو خلقه الله عز وجل ابتداء، أسأل الله أن لا يحرمني وإياكم منها إنه على كل شيء قدير. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾، ﴿رُزِقُوا﴾ أي: أُعطوا، ﴿مِنْهَا﴾ أي: من هذه الثمار، ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ أي: عطاء، ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ لأنه يشبه ما سبقه، يشبهه في الحجم، يشبهه في اللون، يشبهه في الملمس، كل هذه أشياء حسية يظنها الإنسان مشابهة لما سبق في لونها، ويش؟ وحجمها وملمسها، لكن في المذاق لا، تختلف اختلافا عظيما، ولهذا قال: ﴿أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، تختلف، وما أجمل وألذ للإنسان إذا رأى هذه الفاكهة يراها وكأنها شيء واحد، فإذا ذاقها وإذا الطعم يختلف اختلافا عظيما تجده يجد في نفسه حركة لهذه الفاكهة ولذة وتعجبًا، كيف يكون هذا المتباين العظيم والشكل واحد؟ ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ولهذا الآن لو قُدِّم لك فاكهة ألوانها سواء وأحجامها سواء وملمسها سواء، ثم إذا ذقتها وإذا هذه حلو خالص، وهذه مُز، يعني حلو مقرون بالحموضة، وهذه حامضة، تجد شيء لذة أكثر مما لو كانت على حد سواء، أو كان مختلفا. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ﴿أُتُوا﴾ من (آتى) ولَّا من (أتى)؟ الثاني ولَّا الأول؟ * الطلبة: الأول الأول. * الشيخ: من آتى ولَّا من أتى؟ * الطلبة: من آتى، الأول. * الشيخ: لا، الثاني، ﴿أُتُوا بِهِ﴾؛ لأنه لو كان من الأول لقال: أوتوا به، لكن: ﴿أُتُوا بِهِ﴾ يعني جيء به إليهم به متشابها، متشابها في أيش؟ قلنا: في ثلاثة أشياء، هذا الذي يحضرنا الآن، والله أعلم بما يكون، في اللون والحجم والملمس، لكن في المذاق لا؛ لأنه لو اتفق في المذاق لصار هذا هو هذا لا فرق، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ سبحان الله إذا ذكر الله الفاكهة ذكر الأزواج، تأملها في جميع الآيات، ليش؟ لأنهم يكونون هم وأزواجهم يتفكهون في هذا العطاء وهذا الرزق، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٥، ٥٦] فتجد أن الله تعالى يقرن هذا بهذا؛ لأن كله تفكُّه، لكن هذا تفكُّه من نوع، وهذا تفكه من نوع آخر، هذا تفكه في المذاق والمطعم، وهذا تفكه آخر من نوعٍ ثانٍ؛ لأن بذلك تتم النعمة. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾، ﴿أَزْوَاجٌ﴾ جمع، هل المعنى لكل واحد أزواج؟ ولَّا لكل فرد زوجة لكن لما كانوا جمعا قوبل الجمع بالجمع؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأول؛ لأن الإنسان في الآخرة له أزواج متعددة، والأزواج جمع زوج، ويطلق الزوج على الذكر والأنثى، ولهذا يقال: (زوج) للمرأة وللرجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢]، لكن في اصطلاح الفرضيين صاروا يُلحقون التاء للأنثى، فَرْقًا بينها وبين الرجل عند قسمة الميراث. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، طيب، إذا كانت المرأة ماتت وهي صغيرة لم تتزوج يكون لها زوج في الآخرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم يكون لها زوج في الآخرة، إما من أهل الدنيا، وإما ممن ينشئهم الله عز وجل؛ لأنه يبقي في الجنة فضلٌ عن من دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما فيُدخلهم الجنة بفضله ورحمته. وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ يشمل طهارة الظاهر والباطن، فهي مطهرة من الأذى، القذر، لا بول ولا غائط، ولا حيض ولا نفاس ولا استحاضة، ولا عرق ولا بخر، مطهرة من كل شيء ظاهر، حسي، مطهرة أيضا من الأقذار الباطنة كالغل والحقد والكراهية والبغضاء وغير ذلك، مطهرة من كل شيء، من كل قذر وأذى ظاهري أو باطني، بخلاف أزواج الدنيا، لكن أزواج الدنيا مناسبة تماما لأزواجهم الذكور؛ لأنها إذا لم تطهر من هذا فزوجها؟ زوجها مثلها، لكن في الآخرة الكل مطهَّر. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا تمام النعمة أنهم خالدون في هذه الجنات لا يبغون عنها حِولا ولا يُحوَّلون منها، وكما جاء في الحديث: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَمْرَضُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا»[[أخرجه مسلم (2837 / 22) بلفظ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا.]]. فيتم بذلك نعيمهم، لكن أعلى نعيم يكون لأهل الجنة هو النظر إلى وجه الله سبحان الله وتعالى، هذا أعلى نعيم، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه أحمد في المسند (18935، 18941)، والنسائي في السنن الكبرى (11170).]]. * في هذه الآية فوائد، منها: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله: ﴿بَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولقول الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢]، ﴿بَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام. (طيب) لكن إذا كان يسر الإنسان معصية الله، فهل تبشّره؟ يعني إنسان حصل له سرقة، سَرَق، تيجي تبشره تقول: ما شاء الله، هنّأك الله بما سرقت؟ أبدًا، طيب، إنما البشارة بما يسر وليس له عاقبة سيئة، وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة كما لو أدرك رمضان فقلت: هنّأك الله بهذا الشهر؟ الجواب نعم، وكذلك أيضا لو أتم الصوم فقلت: هنّأك الله بهذا العيد وتقبّل منك عبادتك، وما أشبه ذلك، فإنه لا بأس به، وقد كان هذا من عادة السلف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين الوصفين: الإيمان والعمل الصالح. فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. قلنا: إن التواصي بالحق والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحيانا يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل وسبب من الأسباب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملا سيئا فإنه لا يبشَّر بهذا بالجنات؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن من عمل عملا سيئا فإن كان مجتهدا فأخطأ فله أجر ويسلم من الإثم، وإن كان غير مجتهد ولا باذلًا جهده فإنه يكون آثما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716 / 15) بلفظ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات أكبر بكثير مما عملوا وأعظم؛ لأنه مهما آمنوا وعملوا فالعمر محدود وينتهي، لكن الجزاء أيش؟ الجزاء لا ينتهي أبدا، هم مخلَّدون فيه أبد الآباد، كذلك أيضا الأعمال التي يقدمونها هي قد يشوبها كسل، قد يشوبها تعب، قد يشوبها أشياء تنقِّصُها، لكن إذا منّ الله عليهم فدخلوا الجنة فالنعيم كامل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقد يقال: إن هذا لا دلالة فيه؛ لأن (جنات) جمع مقابلة لجمع، وهو قوله: ﴿لَهُمْ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾، لكن السنة بل القرآن جاء بأن الجنات أنواع؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] فهي أنواع، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (4878)، ومسلم (296 / 180) بلفظ: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بخلق هذه الأنهار من غير سبب معلوم في الدنيا؛ لأن الماء عندنا في الدنيا معروف أسبابه، الأنهار المائية معروف أسبابها، كذلك اللبن معروف من أين ينتج، العسل معروف، والرابع؟ الخمر معروف، لكن في الجنة لا، ينشئه الله عز وجل، أنهار تجري، وقد جاء في الأثر «أنها تجري من غير أخدود»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (34954) عن مسروق، قال: أنهار الجنة تجري في غير أخدود.]]؛ يعني لم يُحفر لها حُفَر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها، بل النهر يجري ويتصرف به الإنسان بما شاء، يوجهه حيث شاء - سبحان الله - قال ابن القيم رحمه الله: أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْـــــــحَانَ مُمْسِكِهَـــــا عَــــــنِالْفَيَضَــــــانِ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نعيم أهل الجنة أنهم يؤتَون بالرزق متشابها و ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا من تمام النعيم والتلذذ بما يأكلون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم، وعلى هذا فيثبت الجماع أو لا؟ يثبت، ولكن إذا ثبت الجماع هل يحصل الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؟ الجواب: لا، ولهذا ليس في الجنة منيّ ولا منية، والمني الذي خلقه الله عز وجل إنما خلقه لبقاء النسل؛ لأن هذا المني مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين فيخرج بإذن الله تعالى ولدًا، لكن في الآخرة في الجنة لا، لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى منهم أحد، ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم ويخدمهم، الولدان تطوف عليهم بأكواب وأباريق وكأس من معين، ثم هم لا يحتاجون أيضا إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها، بل كما قال الله تعالى فيها: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن ٥٤]، حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة فيحس أنه يحبها مثلا، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها، الله أكبر، ولا تستغرب هذا، يعني نحن في الدنيا نشاهد مثل هذا الشيء، بمعنى نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سبب أو بغير صلات محسوسة، لكن في الآخرة أبلغ وأبلغ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى مَن فيها، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وأنكر ذلك من أنكره من أهل الفلسفة الذين قالوا: إن الله يمتنع عليه دوام الفعل في الأزل وفي الأبد - والعياذ بالله - فجعلوا الله معطَّلا في الابتداء ومعطلا في الانتهاء، حتى قال بعضهم والعياذ بالله: إن الجنة تفنى بمن فيها والإنسان رافع لقمته إلى فمه، فيحل الفناء ويبقى رافعًا اللقمة، بياكل تبقى اللقمة ويده فانية، كما قال ابن القيم في النونية: إن العلاف أتى بضحكة مجانية[[النونية (1 / 9): وتلطف العلاف من أتباعه... فأتى بضحكة جاهل مجان]] كذلك الإنسان مع أهله مع زوجته يجامعها فيأتي وقت الفناء، ويبقى معها أبد الآبدين، فانية، نسأل الله العافية. على كل حال الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك، على القول المتعين، ما هو الراجح؟ أنها لا تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل؛ وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرا، وما كنا نظن أن أحدا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم عفا الله عنه حاول أن يرجِّح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذا الجواد وغلطا عظيما. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب إلى تقوية هذا المذهب، وإن كان لم يصرِّح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن. الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك على القول المتعين، ما هو الراجح أنها تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل، وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرًا وما كنا نظن أن أحدًا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم -عفا الله عنه- حاول أن يرجح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذه الجواد وغلطًا عظيمًا. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب هذا إلى تقوية هذا المذهب وإن كان لم يصرح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، كيف يصح لنا أو يستقيم لنا أن نقول: إن النار تفنى، والله تعالى يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ما الفائدة من قوله: ﴿أَبَدًا﴾؟ على كل حال مذهب أهل السنة والجماعة الذي يكاد يكون إجماعًا هو أن النار لا تفنى، كما أن الجنة لا تفنى بالاتفاق الواضح. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لو أمضى عمره بطاعة الله عز وجل راكعًا ساجدًا قائمًا لكان ذلك قليلًا بالنسبة لهذا الثواب العظيم الذي يحصل له في يوم يشقى فيه من يشقى من عباد الله، ويكون في نار الجحيم والعياذ بالله، فنسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. جزاكم الله خيرًا. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال المخالف: إن المقصود بقوله عز وجل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أن ذلك في الشرائع، وإلا فالحجة قائمة في التوحيد وفي أصول الدين بالميثاق والفطرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف ١٧٢، ١٧٣] فهنا أثبت أنه الميثاق..؟ * الشيخ: الميثاق الذي أُخِذ عليهم أن يؤمنوا بما جاءت به الرسل، فلا بد من الرسل، والآية عامة ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] عامة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة.