Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:45 – البقرة 2:62

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:45
  2. البقرة 2:46
  3. البقرة 2:47
  4. البقرة 2:48
  5. البقرة 2:49
  6. البقرة 2:50
  7. البقرة 2:51
  8. البقرة 2:52
  9. البقرة 2:53
  10. البقرة 2:54
  11. البقرة 2:55
  12. البقرة 2:56
  13. البقرة 2:57
  14. البقرة 2:58
  15. البقرة 2:59
  16. البقرة 2:60
  17. البقرة 2:61
  18. البقرة 2:62

البقرة 2:45

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهينا أظن مما سبق من تفسيره وفوائده؟ يقول الله عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ استعينوا على أموركم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ يعني: عليها ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ وهي العبادة المعروفة، ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة أو الاستعانة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: شاقة ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ أي الذليلين لأمر الله. الاستعانة هي طلب العون، والاستعانة بالصبر أن يصبر الإنسان على المكروه، سواء كان مكروهًا خلقة أو مكروهًا خُلقًا، أو لغير ذلك، المهم أن يصبر ويحبس نفسه، ويحمّلها المشقة حتى يحصل المطلوب، وهذا مجرب أن الإنسان إذا صبر على الشيء أدرك مناله، وإذا ملّ، كسل، فاته خير كثير؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤/٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، كثير من الناس يرى أن بداءته بهذا العمل مفيدة له، فيبدأ، ثم لا يحصل له مقصوده بسرعة فيعجز ويكل ويترك. إذن ضاع عليه وقته الأول، أليس كذلك؟ ضاع عليه زمن، ربما يكون زمنًا كثيرًا، ولا يأمن أنه إذا عدل عن الأول ثم شرع في ثان أن يصيبه مثل ما أصابه أولًا ويتركه، ثم تمضي عليه حياته بلا فائدة، لكن إذا صبر مع كونه يعرف أنه ليس بينه وبين مرامه إلا امتداد الأيام فقط وليس هناك موجب لقطعه فليصبر، لنفرض أن إنسان من طلبة العلم همّ أن يحفظ بلوغ المرام وشرع فيه، واستمر، لكن لحقه الملل فعجز، المدة التي مضت خسارة عليه، إلا ما يبقى في ذهنه أو في ذاكرته مما حفظ فقط، وإلا راح، لكن لو استمر وأكمل حصل المقصود، وعلى هذا فقس. الصلاة قد يقول الإنسان: كيف تكون معينة للإنسان؟ نعم، نقول: تكون معينة، لكنها ليست صلاة، بل الصلاة الحقيقية التي يكون فيها صلاة القلب قبل صلاة الجوارح، أما صلاتنا غالبًا اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب، ولهذا تجد الإنسان من حين أن يُكبّر ينفتح عليه أيش؟ أكوام وأبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها، ولذلك من حين أن يسلّم تنجلي عنه، تذهب، لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة، لا بد أن يسلو بها عن كل الدنيا، لا بد، لا بد أن يسلو عنها عن كل الدنيا بهذه الصلاة؛ لأنه اتصل بمن؟ بالله عز وجل الذي هو محبوبه وأحب شيء إليه، فنسي ما سواه، أما الإنسان الذي يستعين بالصلاة ليتسلى بها لكن قلبه مشغول بغيرها، فهذا لم تنفعه الصلاة من هذه الناحية، أبدًا، ويذكر أن النبي ﷺ« كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ -أي اشتد عليه- فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ»[[أخرجه أبو داود (١٣١٩)، وأحمد (٢٣٢٩٩) من حديث حذيفة.]]، ويدل لذلك اشتغاله صلوات الله وسلامه عليه في العريش يوم بدر، بماذا؟ بالصلاة ومناشدة ربه النصر[[شدة مناشدة النبي ﷺ لله تعالى واستغاثته به يوم بدر أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب، والصلاة في هذا اليوم أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٨٥٧٤، ١٠٣٦٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الصلاة هنا تعم الفرض والنفل، ﴿وَإِنَّهَا﴾ قيل: ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الصلاة، وعلّلوا ذلك قالوا: لأنها أقرب مذكور، والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور. ثانيًا: أن الصلاة إيجاد، إيجاد لشيء لم يكن موجودًا؛ لأنها عمل، والصبر إمساك، والإيجاد أفضل من الإمساك، ولهذا كان الإسلام كله إيجاد، يعني إيجاد شيء، ليس عدم شيء، والصبر كما قلنا إمساك، والإيجاد أشرف وأبلغ، فاستحقت الصلاة أن يكون الضمير عائدًا إليها. ثالثًا: أن قوله: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يمتنع أن يُراد به الصبر على وجه الإطلاق؛ لأن من الكفار من يصبر على إلهه أكثر من صبر المؤمن على ربه، أو على شريعة ربه، وعلى عمله أكثر مما يصبر المؤمن، ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص ٦]، يُصبِّرونهم على آلهتهم، وهذا القول أقرب وأصح. وقيل: إن قوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ يعود على الاستعانة المفهومة من قوله: ﴿اسْتَعِينُوا﴾؛ لأن الفعل (استعينوا) يدل على زمن وحدث، أي: على زمن ومصدر، فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أنتم معي؟ كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا﴾ أيش؟ ﴿هُوَ﴾، أي العدل المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، لكن المعنى الأول أوضح. ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة، ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾، أي: شاقة، ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ أهل الخشوع لله عز وجل والذل له، ولهذا تجد الصلاة ثقيلة على مَن؟ على المنافقين؛ لأنه ليس عندهم إيمان، لكنها خفيفة على المؤمن، بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي (٣٩٣٩)، وأحمد (١٢٢٩٤، ١٤٠٣٧) من حديث أنس، واللفظ المذكور للبيهقي في السنن الكبرى (٧/٧٨)، ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٣٢٢).]] -صلوات الله وسلامه عليه- فإذا جعل الله قرة عينك في الصلاة فأبشر بالخير؛ فإنها علامة خير، وعلامة على أنك من الخاشعين. * من فوائد الآية الكريمة: إرشاد الله تبارك وتعالى عباده إلى أيش؟ إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر والصلاة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الاستعانة بغير الله، لكن فيما يثبت أن به العون، جواز الاستعانة بغير الله فيما يثبت أن به العون، فمثلًا إذا استعنت إنسانًا يحمل معك المتاع إلى البيت، جائز؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، إذا استعنت على واحد يملي عليك المذكرة، يا فلان عاوني على الإملاء، جائز، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩١)، ومسلم (١٠٠٩/٥٦) من حديث أبي هريرة.]]. أما الاستعانة بما لا عون فيه فهي سفه في العقل وضلال في الدين، وقد تكون شركًا، كأن يستعين بميت أو بغائب لا يستطيع أن يعينه؛ لبعده عنه وعدم تمكنه من الوصول إليه، فهذا سفه وضلال، وقد يكون شركًا بالله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصبر، وأن به العون على مكابدة الأمور، وهذا أمر مشاهد لا يحتاج إلى إقامة الدليل عليه؛ لأنه واضح، كلنا يعرف ذلك، أليس كذلك؟ نعم. قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع، وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء؛ الأول: الصبر على طاعة الله، والثاني: الصبر عن معصية الله، والثالث: الصبر على أقدار الله. الصبر على الطاعة هو أشقها وأفضلها؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلًا وكفًّا، يتضمن فعلًا وكفًّا اختياريًّا: فعل الطاعة، كفًّا: كف النفس عن التهاون بها وعدم إقامتها، واضح؟ فهو إيجادي إيجابي، الصبر عن المعصية ليس فيه إلا كف فقط، لكنه أحيانًا يكون شديدًا، يكون شديدًا على النفس، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، جعله في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١/٩١) من حديث أبي هريرة.]]، وإن كان الإمام العادل أفضل، لكن في المرتبة من هذه الحيثية هما سواء؛ لأن قوة الداعي في الشباب وانتفاء المانع فيما إذا كان خاليًا بها يوجب أيش؟ الوقوع في المحظور، لكن قال: إني أخاف الله، هذا ربما يكون هذا الصبر أشق من أن يصلي الإنسان عشرين صلاة، الصبر على هذا ربما يكون الصبر عن هذه المعصية في مثل هذه الحال أشق على الإنسان من عشرين صلاة، لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس، إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو، فأيهما أفضل؟ الصبر على الطاعة أو عن المعصية؟ * طالب: الصبر على الطاعة. * الشيخ: الصبر على الطاعة، طيب، الصبر على أقدار الله هو أدناها، لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة، ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين، قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه أو ابنه أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من ألف صلاة من حيث الانفعال النفسي، ولّا لا؟ لكن لا نتكلم عن هذا، الصبر على أقدار الله ليس منك عمل في الحقيقة؛ لأن ما وقع لا بد أن يقع، صبرت أم لم تصبر، هل إذا جزعت وندمت واشتد حزنك وطار صراخك بالبكاء أيرفع المقدور؟ لا، إذن كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تسلو سُلُوَّ البهائم. أينا لم يُصب بمصيبة قبل عشر سنوات مثلًا أو أقل أو أكثر؟ وهل نسيناها الآن؟ نسيناها ما كأنها جاءت؛ لأنه كما قال السلفي رحمه الله قال: أو تسلو سُلُوّ البهائم. نعم. إذن أنواع الصبر كم؟ ثلاثة، بالترتيب: أولًا: على طاعة الله، ثانيًا: عن معصية الله، ثالثًا: على أقدار الله، طيب، لكن خذ الصبر منهجًا ومسلكًا لك، صابر الأمور واصبر عليها ولا تيأس؛ فإن الإنسان إذا استولى عليه اليأس فاته خير كثير. * من فوائد الآية الكريمة: أن الصلاة مما يُستعان به على الأمور وشؤون الحياة، في قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ﴾، ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه. فإذا قال قائل: أنا دائمًا أصلي ولا أجد معونة. فنقول: إنك لم تُصَلّ، إنك لم تصل، أقمت الصلاة صورة لكن لم تقمها حقيقة، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، وكثير من الناس يدخل في الصلاة ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر، هو ما هو عليه، لا لان قلبه لذكر ولا تحول إلى محبة للعبادة ولا شيء، ونحن نسأل الله أن يعيننا وإياكم، الخلل كثير، ولهذا وعد الله حق لا شك، الصلاة تعين وتنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن صلاة أكثر الناس اليوم، صلاة أيش؟ صورة لا حقيقة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، ويش؟ والصلاة، بالصبر والصلاة. وأما قول العامة: إذا عظمت همومك فخذ من الأرض طولك، تعرفون المعنى؟ يعني: نَم، يعني الإنسان إذا نام أخذ من الأرض طوله، لكن إذا كان قائمًا كم يأخذ من الأرض؟ محل قدميه، محل قدميه فقط، فهذا ليس بصحيح، بل نقول: إذا كثرت همومك وأحزانك فعليك بالصبر والصلاة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، طيب، نأخذ الأسئلة ولَّا نمشي؟ نأخذ الأسئلة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، الصبر على أقدار الله أحيانًا بعض الناس يصبر لكن ما يتضجر ولا يتكلم بشيء، لكن يظهر هذا على تصرفاته، مثلًا يكون متضايق لكن ما يحب يكلم أحد، أو حدث شيء قليل يعني موقف من المواقف أو تصرف فيه يعني أهوج أو ما أشبه ذلك مع أنه ما تكلم بشيء من المصيبة؟ * الشيخ: على كل حال هذا كل إنسان لا بد أن يصاب ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن ١١]، لكن هل إن هذه المصيبة تجعله يفعل أو يقول أو يضمر في قلبه؟ الجواب: لا، يقول: كل هذا منتفي إن شاء الله، المؤمن ما يفعل هذا، لكن ينبغي أن يضبط نفسه عن التضايق، مثلًا قد يكون إنسان مصاب بمصيبة ولا ينبسط إلى الناس كما ينبسط في العادة، هذا شيء طبيعي، الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاءه نعي جعفر جلس في مكان من المسجد يُرى عليه أثر الحزن، وغُلِّب عليه الصلاة والسلام[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٩)، ومسلم (٩٣٥/٣٠) من حديث عائشة.]]، هذا شيء طبيعي، فالذي من مقتضى الطبيعة لا يؤاخَذ الإنسان به ولا ينزله من مرتبته، اللهم إلا أن يسترسل معه، نعم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، من وجد في نفسه فتورًا أحيانًا عن طلب العلم فهمًا أو حفظًا، أو أراد أن يقضي أمرًا دنيويًّا؟ * الشيخ: فهمًا أو حفظًا أو ممارسة، والأخيرة هي البلاء. * الطالب: أو قضاء أمر دنيوي، فهل نأخذ من هذه الآية مشروعية الصلاة حين نحتاج إلى شيء من هذا؟ * الشيخ: إذا أعنته؛ لأنه بصلاته سوف يسأل الله عز وجل أن يسهل أمره. * الطالب: ما معنى إذا أعان (...)؟ * الشيخ: يعينه الله؛ لأن نفس المصلي الآن ما دام مهمومًا ومحزونًا من هذا الشيء سوف يجعل كل دعائه لهذا الشيء، وأقرب ما يكون من ربه وهو ساجد. * الطالب: يعني إذا وجد شيئًا من هذا يذهب يصلي؟ * الشيخ: سمعتَ الكلام؟ «كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة»[[سبق تخريجه.]]. * طالب: أحسن الله إليكم، هل يدخل في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الصلاة المفروضة والنافلة؟ * الشيخ: إي نعم؛ (...) المفروضة مفروضة لا بد أن (...). * طالب: أحسن الله إليك، نعم سؤالي فضيلتك يا شيخ قبل يومين هل يجوز الدعاء بـ: اللهم اجعلني من الصابرين؟ فذكرت أن الصواب أن تقول: اللهم أعني على الصبر، ما الفرق بين هاتين العبارتين؟ * الشيخ: حد قال هذا؟ * الطالب: لا، ليس في الدرس، أثناء ذهابنا إلى المنزل. * الشيخ: ما أذكر، كأنك أنت يمكن فهمت خطأ، إما أنك سألت سؤال وأجبتك عليه وفهمت هذا، لا يا أخي، اللهم اجعلني من الصابرين القانتين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اصبروا إن الله مع الصابرين. * الطالب: يعني يجوز أن.. * الشيخ: لا، فهمنا الجواب عقب اليوم. * طالب: لو مثلًا شخص كان صابرًا على طاعة الله وكان غير صابر على أقداره، هل يسمى صابرًا؟ * الشيخ: لا، على سبيل الإطلاق لا، كما أن من تاب من ذنب دون غيره لا يطلق عليه اسم تائب على الإطلاق، لكن يقال: تائب من كذا، وهذه النقطة ينبغي الإنسان أن يعرفها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، هل نقول مثلًا: الإنسان إذا أصر على معصية مع توبته منها يدخل في ذلك؟ لا؛ لأن الوصف المطلق إنما هو للعمل المطلق، نعم. * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ وَسَمْنا الكبيرة بأنها: لَشاقَّة، هل يُفهم من هذه الآية أن لفظ الكبيرة يخرج عن أصله، عن معناه الحقيقي؟ * الشيخ: أنت من المحدثين؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢/١١١) من حديث ابن عباس.]] أي: شاقًّا عليهم. طالب: لا، ليس في الدرس، أثناء ذهابنا إلى المنزل. * الشيخ: ما أذكر، كأنك أنت يمكن فهمت خطأ، إما أنك سألت سؤال وأجبتك عليه وفهمت هذا، لا يا أخي، اللهم اجعلني من الصابرين القانتين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اصبروا إن الله مع الصابرين. * الطالب: يعني يجوز أن.. * الشيخ: لا، فهمنا الجواب عقب اليوم. * طالب: لو مثلًا شخص كان صابرًا على طاعة الله وكان غير صابر على أقداره، هل يسمى صابرًا؟ * الشيخ: لا، على سبيل الإطلاق لا، كما أن من تاب من ذنب دون غيره لا يطلق عليه اسم تائب على الإطلاق، لكن يقال: تائب من كذا، وهذه النقطة ينبغي الإنسان أن يعرفها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، هل نقول مثلًا: الإنسان إذا أصر على معصية مع توبته منها يدخل في ذلك؟ لا؛ لأن الوصف المطلق إنما هو للعمل المطلق، نعم. * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ وَسَمْنا الكبيرة بأنها: لشاقة، هل يُفهم من هذه الآية أن لفظ (الكبيرة) يخرج عن أصله، عن معناه الحقيقي؟ * الشيخ: أنت من المحدِّثين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس]]، أي شاقًّا عليهم. وفي رواية البخاري: «بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ»[[أخرجه البخاري (٢١٦) بلفظ: «ثُمَّ قَالَ: بَلَى»، و(٦٠٥٥) بلفظ: «وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ».]]، فهو كبير في الإثم غير كبير في الفعل.

البقرة 2:46

طالب: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة ٤٧- ٥٢] * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كل هذه الآيات في بني إسرائيل؛ لأن هذه السورة مدنية، واليهود في المدينة كانوا كثيرًا، ثلاث قبائل حين قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة، فلهذا قص الله من نبئهم في هذه السورة كثيرًا. منها يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ٤٦]، ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أي: يتيقنون، والظن يُستعمل في اللغة العربية بمعنى اليقين، وله أمثلة كثيرة، منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة ١١٨]، ﴿ظَنُّوا﴾ بمعنى أيقنوا، فالظن يُستعمل بمعنى اليقين، كما أن العلم يُستعمل بمعنى الظن، يعني يتعاكسان، فالعلم يستعمل بمعنى الظن كقوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة ١٠]، ﴿إِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ أي: ظننتموهن، وإنما قلنا ذلك؛ لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الله، فلا يمكن الاطلاع عليه إلا بالقرائن، والقرائن لا تفيد إلا الظن، والمهم أن الظن يستعمل بمعنى اليقين، والعلم يستعمل بمعنى الظن، ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، أي: يتيقنون أنهم سيلاقوا الله عز وجل، وذلك في يوم القيامة، كما قال تعالى في عموم الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، فلا بد من ملاقاة الله، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ»، كل إنسان يكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ -يعني عن يساره- فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم.]]، فكل إنسان سيلاقي ربه، لكن لا شك أن المؤمن سوف تناله البشارة في هذه الملاقاة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، إذن الحمد لله نحن نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين، يعني لن نخاف من هذا اللقاء؛ لأن الله يقول: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، معناها لا خوف عليهم، ولهذا يخلو الله بعبده المؤمن ويضع عليه كنفه -يعني ستره- فيقول: «عَمِلْتَ كَذَا، عَمِلْتَ كَذَا، عَمِلْتَ كَذَا؟ فَيُقِرُّ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ﴿إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يعني يوم القيامة، أو إليه راجعون في جميع أمورنا؟ الجواب أن نقول: إذا كانت الآية تحتمل معنى أعم فخذ بالمعنى الأعم؛ لأن كلام الله عز وجل معلوم عنده، ويعلم سبحانه وتعالى ما تتضمنه الكلمة وما يترتب عليها، ولذلك كان لازم كلام الله حقًّا، ولازم كلام النبي حقًّا، ولازم كلام غير الله ورسوله قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا، وقد يلتزم به المتكلم، وقد لا يلتزم به، ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: يوم القيامة، أو إن شئت فقل: راجعون إليه في كل أمورهم. * في هذه الآية الكريمة إثبات ملاقاة الله عز وجل؛ لأن الله مدح الذين يتيقنون بهذا الإثبات، ومنها كما ذهب إليه كثير من العلماء إثبات رؤية الله عز وجل؛ لأن اللقاء لا يكون إلا مع المقابلة، وهذا يعني ثبوت الرؤية، فإن استقام الاستدلال بهذه الآية على رؤية الله فهذا المطلوب، وإن لم يستقم الاستدلال وصار فيه المنازعة فلدينا أدلة أخرى كثيرة تدل على ثبوت رؤية الله عز وجل يوم القيامة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المؤمنين يوقنون أنهم راجعون إلى الله في جميع أمورهم، وهذا يستلزم أمورًا، أولًا: الخوف من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله فسوف تخف منه، كذلك أيضًا يستلزم مراقبة الله عز وجل، والخوف في القلب، والمراقبة في الجوارح، أي أنهم إذا علموا أنهم يرجعون إلى الله فسوف يخشونه في السر والعلانية، وكذلك أيضًا يستلزم الحياء منه أن يفقدك حيث أمرك، وأن يجدك حيث نهاك.

البقرة 2:47

ثم قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وقبلها بآيات ذكّرهم الله بهذا، قال: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، فهل أنعم الله على بني إسرائيل نعمًا؟ نعم، نعمًا كثيرة جدًّا، لكنهم كفروها، ومن أراد مزيد علم في هذا الأمر فليقرأ كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله فإنه بيّن ما أعطى الله هؤلاء من النعم، وكشف أسرارهم وهتك أستارهم رحمه الله. وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿نِعْمَتِيَ﴾ اسم مفرد لكنه مضاف فيفيد العموم، والمراد بتذكّرها ليس أن يذكر الإنسان أن الله أنعم عليه بكذا أو أنعم عليه بكذا، بل المراد أن يقوم بشكر هذه النعمة، وشكر النعمة هو العمل الصالح، والدليل على أن شكر النعمة هو العمل الصالح قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقال في الرسل ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]، فقال: ﴿اعْمَلُوا صَالِحًا﴾ بإزاء قول الله للمؤمنين اشكروا نعمة الله. وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، فيها إظهار المنة لله عليهم؛ حيث إن هذه النعمة من نعم الله عز وجل أنعم بها عليهم، وأيضًا ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وهذا رفعة الجاه وعلو المنزلة، وخصه بالذكر؛ لأنه أعظم النعم؛ فإن المراتب أفضل من العطاء، انظر إلى سورة البينة ذكر الله في الكفار من المشركين وأهل الكتاب، ذكر الله جزاءهم قبل أن يثني عليهم بالسوء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]. أما المؤمنون فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة ٧، ٨]؛ لأن علو المرتبة والمنزلة أعظم من كل نعيم، وهنا قال: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، فعطف هذا الخاص على العام؛ لأن تفضيله إياهم على العالمين من نعمه، لكنه خصه بالذكر بعد التعميم إشارة إلى أهميته، إن الله تعالى فضلهم على العالمين، والعالمون تطلق ويراد بها جميع الخلق، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، المراد بالآية؟ هنا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من المراد بهم؟ * طالب: جميع العالمين. * الشيخ: جميع العالمين، تمام، طيب، وهنا ﴿الْعَالَمِينَ﴾ لا يراد بها كل العالم قطعًا؛ لأن الله قال لهذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]، إذن المراد بالعالمين مَن سبقهم، أو عالمي زمانهم، ففيها احتمالات؛ أما عالم زمانهم فقطعًا أن الله فضلهم على العالمين، وأما هذه الأمة فنقطع بأنها لم تفضل عليهم، وأن هذه الأمة أفضل منهم، وأما مَن سبقهم فمحل تردد، محل تردد، فلدينا الآن ثلاثة احتمالات، الأول: هل فُضِّلوا على هذه الأمة؟ قطعًا لا، ثانيًا: هل فُضلوا على عالم زمانهم من آل فرعون وغيرهم؟ قطعًا نعم، ثالثًا: هل فضلوا على من سبقهم من العالمين؟ هذا عندي محل تردد، يحتمل أن يكون فُضلوا عليهم، ويحتمل أن لا، على كل حال حتى إذا قلنا: فضلوا على عالم زمانهم فهو نعمة كبيرة عليهم أن يشكروا الله عليها. * في هذه الآية الكريمة في خطاب بني إسرائيل بالذات إشارة إلى بلاهتهم، وأنهم لن يصحوا إلا بالخطاب المباشر: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا- من فوائد الآية الكريمة -: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم فيقوموا بشكرها، ومن شكرها أن يتبعوا من؟ محمدًا ﷺ. * ومن فوائدها، فوائد الآية الكريمة: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم ولا بكدهم، ولا إرثًا عن آبائهم، إنما هي بأيش؟ بنعمة الله عليهم، ﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ففيها إظهار المنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الله تعالى إذا فضل أحدًا بعلم أو مال أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، خصّها بالذكر لأهميتها. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضل الناس، وأن الناس درجات، وهذا أمر معلوم، حتى الرسل يفضَّل بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، فبماذا يكون الفضل؟ يكون الفضل أولًا هو منة من الله عز وجل، وقد لا تدرك العقول لماذا فضل الله هؤلاء على هؤلاء، لكن المعنى الشامل أن كل من آتاه الله علمًا وإيمانًا وعملًا صالحًا فإن هذا سبب لتفضيله، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة ١١].

البقرة 2:48

ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، ﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ أي: اتخذوا وقاية من هذا اليوم، والمراد به عذاب ذلك اليوم، يعني اتقوا العذاب الذي يكون في ذلك اليوم، ويعني به يوم القيامة. ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تدفع عنها شيئًا، و(نفس) نكرة في سياق أيش؟ في سياق النفي؛ لأن (نفس) فاعل (تجزي)، فهي في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، إذن لا يمكن لأي نفس أن تجزي عن نفس شيئًا، أي أن تدفع عنها شيئًا، لا أب عن أولاده، ولا أبناء عن آبائهم، ولا صديق عن صديقه، ولا أحد عن أحد إطلاقًا، حتى النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٦ / ٣٥١) من حديث أبي هريرة.]]، ويريد بذلك الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ أيضا نكرة في سياق النفي، وإذا كانت النكرة في سياق النفي فإنها تشمل أن يجلب له نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، فيوم القيامة لا أحد يجلب لأحد نفعًا ولا يدفع عنه ضررًا مهما كان، ولا يرد علينا أن من الناس من يأخذ من حسنات ظالمه فينتفع بها، نقول: لأن هذا الظالم هو الذي أهدر حسناته بظلمه لعباد الله. ﴿وَلَا يُقْبَلُ﴾، وفي قراءة: ﴿وَلَا تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، فعلى قراءة: ﴿تُقْبَلُ﴾ الأمر فيها واضح، ليش؟ لأنه مؤنث، الفاعل مؤنث، والفعل إذا كان فاعله مؤنثًا يكون مؤنثًا، وعلى قراءة الياء نقول: المسوِّغ لكونه بغير التأنيث شيئان؛ الشيء الأول: أن التأنيث غير حقيقي، والشيء الثاني: الفصل بين الفعل والفاعل، أو نائب الفاعل، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله: وَإِنَّمَــــــــا تَـــــلْزَمُ فِــــــــعْلَمُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ ثم ذكر أنه يجوز التذكير مع الفصل، إذا قلت: قامت هند، وجب التأنيث؟ الشمس طلعت، يجب التأنيث. ابن مالك اسمع ماذا يقول: وَإِنَّمَــــــــــــا تَـــــــــلْزَمُفِـــــــــــعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِل...................... إذن يجب التأنيث، وإذا قلت: قالت لقومها هند، يجوز التذكير والتأنيث؟ نعم، يجوز التذكير والتأنيث؛ لوجود الفصل، وإذا قلت: سارت السيارة، يجوز التذكير والتأنيث؛ لأن التأنيث غير حقيقي، انتهي الشرح، عندكم أسئلة ولّا نمشي؟ * طالب: السؤال في الدرس السابق، التفسير. * الشيخ: السابق سابق إلا إذا كان هذا السؤال وقع عندك في ذاك الوقت. * الطالب: إي وقع عندي في ذاك الوقت، قلنا: إن الميت لا يُسب ولا يلعن؛ لعدم الفائدة فيه، بعض الناس شرّع بدعًا في الدين وتمسك به بعض الناس، يعني فمن لازم مَن يرد على هذه المبتدعة اللي يتكلم في هذا الرجل بسوء وقد يلعنه لسوء عمله، هل له، يعني، وجه؟ * الشيخ: هذا سؤال مبهم في مبهم، نعم، ألّف رجل وقال رجل أيش؟ أعطني شيء محدود. * الطالب: بعض الناس شرع بدعًا مثلًا بدعة وبعض الناس يمسكون بهذه البدعة. * الشيخ: وأيش البدعة هذه؟ * الطالب: بدعة يقولون الصلاة التيجانية يسمونها الصلاة التيجانية. * الشيخ: الفاتحة. * الطالب: مثل (...) أصحابها، واحد يضطر الآن أنه يلعنهم. * الشيخ: يلعن الذي أسس البدعة هذه. * الطالب: هذا ما تقول فيه؟ * الشيخ: ما أراه، نفس الشيء اللي قلنا، هو إذا كان مستحقًّا للعنة فقد لعنه الله، سواء لعنت أم لا، لكن لك أن تلعن مثلًا المبدأ، تقول: هذا مبدأ ملعون، أو الطائفة عمومًا، الطائفة عمومًا لا بأس، تقول مثلًا: الطائفة هذه ملعونة، اليهود ملعونون، النصارى ملعونون، وما أشبه ذلك. * طالب: قال الله تعالى في القرآن: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]، قوله ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران ٦١]، فهل هذا على إطلاقه، وأن الإنسان إذا كذب وتحقق كذبه فهو يحتمل أن يُلعن والظالم كذلك أو أن في المسألة تفصيل؟ * الشيخ: يجوز على سبيل العموم، تقول: لعنة الله على الظالمين، أما ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فهذا خاص في المباهلة. * طالب: إذا منعنا من لعن المعيَّن فلنمتنع من تكفير المعين لمن كان أصلهم مسلمًا كغلاة الفلاسفة والملاحدة؛ لأنه إذا حكمنا بكفرهم عينًا فقد حكمنا لهم بالنار. * الشيخ: لا، أصل إذا حكمنا بكفرهم عينًا فلا يلزم أن نلعنهم، لماذا؟ لكن أما أن نبدعهم ونضللهم لا بد أن نبدعهم ونضللهم، ونكفّرهم عينًا، إي نعم، لكن بشرط أن تقوم عليهم الحجة، ونحن لا ندري عن هؤلاء الفلاسفة، هل نُوظِروا، هل بُيِّن لهم الحق، ثم هم الآن قد ماتوا. * طالب: كثيرًا منهم يا شيخ نُقِل في تراجمهم، فمثلًا ابن كثير قال في ترجمة ابن سينا أنه قيل (...) في آخر حياته ولعله تاب يعني يحتمل هذا الاحتمال أليس ذلك يكون مانعًا لنا من تكفيرهم لما يثبت عنهم أقوال كفرية؟ * الشيخ: على كل حال كما قلت، نقول: من قال بكذا فهو كافر. * طالب: (...) ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة ١٣] إنها منسوخة، وكثير من (...) المفسرون مثل هذا المعنى بآية السيف، فماذا نقول في غير هذا..؟ * الشيخ: ما تكلمنا على هذا، قلنا: إن بعض المفسرين قالوا: هذه منسوخة بآية السيف، وبيّنّا أن هذا غلط، وقلنا: المائدة من آخر ما نزل. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٤٩- ٥٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مذكِّرًا بني إسرائيل بما أنعم الله به عليهم، قال: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾، أي: واذكروا إذ نجيناكم، أي: اذكروا هذا الوقت الذي كان فيه نجاتكم، و﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾ أي: خلَّصناكم. * طالب: وقفنا عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. * الشيخ: متأكد؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، أي: لا يقبل من النفس أن يُشفع لها، والشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة، التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، فشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أهل الموقف أن يُقضى بينهم من باب دفع المضرة؛ لأنهم يلحقهم من الهم والغم ما لا يطيقون، وشفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوها من باب جلب المنافع، والشفاعة تدور على هذا، يوم القيامة لا يُقبل من نفس شفاعة. ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي: لا يؤخذ منها ما يعادل نفسها، بمعنى لا يؤخذ منها فداء، فهي لا يشفع لها ولا يمكن أن تقدم فداء، وأنتم تعلمون الآن أن الإنسان لو أُخِذ بذنب ثم أتى بفداء فإنه ربما يُقبل منه، ولو طلب من ذي جاه أن يشفع له ربما يُقبل منه، لكن يوم القيامة ما فيه لا شفاعة ولا عدل. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا يُمنعون من عذاب الله، وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ فيها التفات من الخطاب إلى الغيبة؛ لأنه قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾، ولم يقل: ولا أنتم تُنصرون، بل قال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وجعل الضمير جمعا؛ لأن ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ نكرة في سياق النفي فهي للعموم. في هذه الآية: التحذير من يوم القيامة، وهذا يقع في القرآن كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تجزي نفس عن نفس شيئًا بخلاف الدنيا فإنه قد يجزي أحد عن أحد، لكن يوم القيامة لا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنها لا تُقبل الشفاعة في النفس المجرمة، وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨]، ولكن هل هذا على إطلاقه؟ نقول: أما أهل البدع فقالوا: إنه على إطلاقه، وأن المجرم لا تنفع فيه الشفاعة، وهؤلاء هم المعتزلة، والثاني الخوارج، والصواب أن الذي لا تنفع فيه الشفاعة هو الكافر، الكافر لا تنفع فيه الشفاعة، أما غير الكافر فقد دلت النصوص على أن الشفاعة قد تُقبل، وعلى هذا فيكون العموم في قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ مخصوصًا بماذا؟ بما دلت عليه النصوص الأخرى من كون العصاة يُشفع لهم، وأحاديث الشفاعة في هذا متواترة، كما تُلِي عليكم كثيرًا: مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ ∗∗∗ وَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبْ ؎وَرُؤْيَةٌ شَفَـــــــــــاعَةٌوَالْــــــــــــحَوْضُ ∗∗∗ وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ الشاهد قوله: شفاعة. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات الشفاعة، وأن منها ما يُقبل ومنها ما لا يقبل. فإن قال قائل: إثباتكم الشفاعة قد ينافي قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة ٢٥٤]، فنفى الشفاعة، وهي نكرة في سياق النفي تَعُم، قلنا: الحمد لله، ليس هذا أول نص يدخله التخصيص، أي لا شفاعة بدون إذن الله، ويقيد ذلك النصوص الكثيرة الدالة على أن الشفاعة ثابتة بإذن الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه في يوم القيامة ما في فداء، لا يمكن أن يقدم الإنسان فداء يُعدل به؛ لقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات ٢٥، ٢٦]، فلا أحد ينصر أحدًا يوم القيامة، لا الآلهة ولا الأسياد ولا الأشرار ولا غيرهم.

البقرة 2:49

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، يعني: اذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، والخطاب لمن؟ لبني إسرائيل، بدليل قوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، و﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾ أي خلصناكم منهم، وأنقذناكم من عدوانهم وسيطرتهم. وقوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، يعني أتباعه وحاشيته وزبانيته الذين يأتمرون بأمره فيُقَتِّلون أبناء بني إسرائيل ويستحيون نساءهم، وهل المراد كل أتباعه أو أتباعه الذين يعاملونه معاملة القريب؟ الظاهر والله أعلم أنهم كل أتباعه، وأن رجال فرعون يفعلون ذلك، وكذلك آل فرعون أتباعه يعتدون على بني إسرائيل في مصر. ثم قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، أي: يصيبونكم به، وسوء العذاب من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي العذاب السيئ أو الأسوأ، ثم بيّن هذا المجمل بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، وفي آية أخرى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم ٦]، وفي آية ثالثة: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأعراف ١٤١]، فتكون العقوبات، بل فيكون العدوان من آل فرعون على بني إسرائيل على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: القتل بأي سبب، برمي حجر، بخنق، بكسر ظهر، وما أشبه ذلك. الثاني: التذبيح، أن يأتوا بالإنسان من بني إسرائيل ويذبحونه بالسكين كما تُذبح الشاة. الثالث: أن يجمعوا بين سوء العذاب والذبح، يعني مثل أن يضربوهم، يعصروا بطونهم، يجرحوا شفاههم، وما أشبه ذلك، ثم بعد ذلك الذبح، فيجمعون لهم بين الأمرين، ولا تستغرب هذا، وقع في هذه الأمة، وأعني أمة الدعوة، ما هو أعظم من ذلك وشر من ذلك، لكن المهم أن التعذيب والإجرام الذي يحصل من آل فرعون على بني إسرائيل هو هذه الأمور الثلاثة: ذبح، وقتل، وجمع بين الذبح وسوء العذاب. وقوله: ﴿أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، لماذا سُلِّطوا على الأبناء وأبقوا النساء، ﴿يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يعني يستبقونهن، وإلا فحياتهن موجودة من قبل، لكن يستحيونهن أي يُبقوهن على قيد الحياة، وأما الأبناء فيقتلونهم، لماذا؟ قال بعض الإسرائيليين: إنه قد قيل لآل فرعون إنه يولد من بني إسرائيل ولد يكون زوال ملككم على يده، فجعلوا يقتلون الأبناء خوفًا من أن يظهر ذلك الولد، فقال الله عز وجل بقوله القدري: إن هذا الولد سيتربى في حضن فرعون؛ لأنه لما ولدته أمه أوحى الله إليها أن أرضعيه، فأرضعته اللِّبَأ الذي لا بد لكل مولود من رضاعه، وقال لها: ﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٧]، ابنها، لما خافت عليه امتثلت أمر الله، جعلته في تابوت وألقته في اليم أي في البحر، وهذا من كمال إيمانها، ولكن قال: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٧]، فوقع في أيدي آل فرعون، ﴿الْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]. واللام هنا للعاقبة وليست للتعليل؛ لأن آل فرعون ما التقطوه لهذا الغرض، إنما التقطوه فصار عدوًّا وحزنًا، ثم ذكر الله عز وجل القصة ولسنا بصدد سياقها؛ لأنها معروفة وليست معنا في هذه الليلة، المهم أن هذا ما قاله بعض العلماء بأخبار منقولة عن بني إسرائيل؛ لماذا؟ ما الذي قالوه؟ * طالب: (...). * الشيخ: ليش يذبّحون أبناءهم ويستحيون النساء؟ * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، فقالوا: نقتل الأبناء لأجل أن لا يخرج هذا الابن، ولكن هناك قول آخر قد يكون أشد وقعًا، وهو أنهم يذبّحون الأبناء ويستحيون النساء من أجل أن يكون لهم تمام السيطرة، فتضعف الأمة وتُضطر النساء إلى آل فرعون، وهذا غاية ما يكون من الإذلال، أن يستبيح أعراض حرمك من كان عدوًّا لك، وهذا غاية الإذلال، ولو صح ما قيل عن بني إسرائيل لقلنا: يمكن أن يكون المراد هذا وهذا، لكان يمكن أن يراد هذا وهذا. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ بلاء أي: اختبار، وقوله: ﴿فِي ذَلِكُمْ﴾ أتى بالجمع (ذلكم) مع أن اسم الإشارة مفرد (ذا)، فلماذا؟ نقول: لأن اسم الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف المتصلة به بحسب المخاطب، انتبه للقاعدة، اسم الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف المتصلة به بحسب المخاطب، فإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا واحد تقول: ذانك، قال الله تعالى: ﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص ٣٢]، وإذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين ما تقول؟ * طالب: ذلكما. * الشيخ: تقول: ذلكما، كما قال يوسف: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧]، هنا ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾ المشار إليه؟ * طالب: واحد. * الشيخ: واحد، يشير إلى العذاب، والمخاطب؟ * طلبة: جماعة. * الشيخ: جماعة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، فقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾، أي: اختبار ومحنة من ربكم الذي له ملك السماوات والأرض والمتصرف فيكم كما يشاء، ولهذا قال: ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، لم يقل: من الله، قال: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، إشارة إلى أنه إذا كان هو الرب فله أن يفعل فينا ما يشاء. ﴿عَظِيمٌ﴾ أي مستعظَم مستكبَر، وصدق الله عز وجل، هو بلاء عظيم -نسأل الله أن يقينا شر الفتن- يعني يسلَّط عليك عدوًّا يذبحك كما يذبح الخراف، ويستبقي النساء ينتهك حرمتهن ويستذلّهن ويجعلهن عنده من الخدم، بينما هي ملكة في بيتها قبل أن يُذبح قيّمها، هذا بلاء عظيم، نسأل الله السلامة. * طالب: أحسن الله إليك، الآن ماذا يقال عن قتلهم على كلام بني إسرائيل أنه (...)؟ بسبب إيمانهم بعض الناس يقول: إن بني إسرائيل كلهم مؤمنون. * الشيخ: ليس بصحيح؛ لأنه ما بينهم وبينهم حرب. * طالب: ما معني الوحي الإلهامي؟ * الشيخ: الوحي الإلهامي هو الذي ليس بشرع، يعني لمصلحة من يوحَى إليه، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل ٦٨]، ألهمها؛ لأن أصل الإلهام في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، هذا أصله في اللغة، فإذا ألهم الله مثلًا هذا النحل ليس معناه أنه أرسل جبريل ليوحِي إليه، وإنما جعل له فهمًا وألهمه مصالحه. * طالب: شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب؟ * الشيخ: هذه خاصة بالرسول وخاصة بأبي طالب أيضًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يشفع لأبيه لكن شفع لعمه كما ذكرنا سابقًا، قلنا: الشفاعة لعمه لا لأنه عمه ولكن لما حصل منه من نصرة الإسلام والدفاع عنه، والله عز وجل شكور حليم، أذن لنبيه أن يشفع في هذا الرجل خاصة. * طالب: أحسن الله إليك، كيف يكون إذا وعدها الله أم موسى عليه السلام بقوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، كيف يكون هذا إلهام هي صراحة غيب؟ * الشيخ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، يعني ألقى الله في فهمها وفي عقلها أن تفعل هذا، وكذلك في قلبها ألهمها هذا اليقين أنه يرده إليها ويجعله من المرسلين. * طالب: قلنا: لام الفعل ﴿لِيَكُونَ﴾ اللام هذا يقولون: لام الجحود. * الشيخ: ويش؟ * الطالب: ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العاقبة. * الشيخ: وين؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، لام الجحود بارك الله فيك هي التي سبقها كون منفي. * الطالب: هذه تسمى لام العاقبة. * الشيخ: هذه لام العاقبة فقط، واضح؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: الذكاء معروف ولّا ما هو معروف؟ طيب من لم يعرف الذكاء فليس بذكي، الذكاء معروف ولاّ لا؟ الزكاء زكاء النفس يعني ما أعطوا أنفسهم زكاءها من التزكية، وأُعطوا فهومًا ولم يُعطوا علومًا؛ لأنه ما عندهم علم، ولذلك لا تكاد تجد في كتب أهل الكلام آية من كتاب الله يستدلون بها ولا حديثًا عن رسول الله. ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة ٤٩]، هذه الآية يذكر الله بها بني إسرائيل، فيقول: إذ نجيناكم من آل فرعون. قال: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، أي: فيما وقع ابتلاء من الله عز وجل عظيم، والله سبحانه وتعالى يبتلي من شاء إما بالخير وإما بالشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء ٣٥]، والمؤمن والحمد لله -جعلنا الله وإياكم من المؤمنين- المؤمن إذا ابتلي بهذا أو بهذا صار على أعلى المقامات، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وكان خيرًا له في الحالين، لكن من الناس من إذا ابتلي بالضراء انتكس - والعياذ بالله - كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج ١١]، يعني على طرف، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١]، فالله تعالى يبتلي الإنسان بهذا وبهذا، فعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن الله تعالى قد يبتلي وهو سبحانه وتعالى أحكم بعباده. وقوله: ﴿عَظِيمٌ﴾، عظّمه الله عز وجل؛ لأنه حقيقة عظيم، أن يسلَّط عليهم عدو يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم وتبقى النساء أرامل ويبقى الرجال المدافعون عنهن مُتلَفين بالذبح تارة وبالقتل تارة. * في هذه الآية من الفوائد: خطاب آخر الأمة بما كان نعمة في أولها؛ لقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾، ومعلوم أن الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقع هذا الإنجاء عليهم مباشرة، لكنه وقع على آبائهم وأسلافهم، فيكون ما حصل لأول الأمة من الخير حاصلًا لآخر هذه الأمة، وعلى هذا فلنا أن نقول: نحن انتصرنا في بدر، وانتصرنا في حنين، وانتصرنا في غزوة الفتح؛ لأن نصر مَن سلفنا نصر لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على متأخري الأمة شكر الله على نعمته على أول الأمة؛ لأن الله تعالى يذكّرهم بهذا ليقوموا بشكره. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يسلط بعض الناس على بعض، حيث سلط فرعون على بني إسرائيل، وهذه سنة الله في الأولين والآخرين، ولهذا «لما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، قال: «هَذِهِ أَيْسَرُ»، أو قال: «هَذِهِ أَهْوَنُ»[[أخرجه البخاري (٤٦٢٨) من حديث جابر.]]، ولا شك أنها أيسر وأهون؛ لأن الإنسان فيما يُبتلى به من بأس الغير قد يدافع عن نفسه ويكون الانتصار له، لكن إذا جاء من الله من فوق أو من تحت ما يستطيع؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «هَذِهِ أَيْسَرُ» أو قال: «هَذِهِ أَهْوَنُ». * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان شدة حنق فرعون على بني إسرائيل، حيث استعمل فيهم هذه العقوبة، وهي أيش؟ ذبح الأبناء واستبقاء النساء، وهذه لا شك أنها نكاية عظيمة، لا بالأموات ولا بالأحياء، نسأل الله السلامة والعافية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى يبتلي الإنسان بما يكره ليعلم جل وعلا من يصبر ومن لا يصبر، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد ٣١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من مقتضى ربوبية العامة أن يبتلي الإنسان بما يكره، الربوبية الخاصة يذكر الله تعالى فيها ما يحبه المرء، والعامة تكون فيما يكرهه العبد وفيما يحبه العبد؛ لقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: عظم هذا البلاء الذي أصاب بني إسرائيل وكذلك لو أصاب غيرهم، فإنه من البلاء العظيم، الإنسان، الأم تشهد ابنها يُقتل أمامها أو يُذبح كما تذبح الشاة، وكذلك البنت تشاهد أباها يفعل به هكذا لا شك أنه بلاء عظيم.

البقرة 2:50

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، يعني اذكروا نعمة أخرى حين نجاكم من آل فرعون، فرق الله بهم البحر، وفرق بمعنى فصل، وذلك حين انفلق، فلق البحر لهم، يعني فصله وفلقه حتى مروا منه فنجوا، ﴿إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، ومتى كان هذا؟ كان هذا حين أُمِر موسى عليه الصلاة والسلام أن يسري بمن معه من المؤمنين خوفًا من آل فرعون؛ لأن فرعون لما رأى ما رأى من صنيع السحرة جمع الناس وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء ٥٤ - ٥٦]، وجمع الناس وخرج من مصر، وأوحى الله تعالى إلى موسى أن يسري بعباده المؤمنين ليلًا إلى نحو الشرق، فخرج بهم، فاتبعهم فرعون بجنوده، ولما وصلوا إلى البحر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦١، ٦٢]، انظر الفرق بين قوة التوكل من موسى وضعفه من المؤمنين مع أنهم مؤمنون، ولكن عند الشدائد قد يضيع الحزم، ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، كأنه يقول: إن الله لم يأمرني أن أخرج إلا ليهديني، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه، في لحظة انفلق البحر، كم كان من طريق؟ كان اثني عشر طريقًا، وفي لحظة يبس البحر، سبحان الله، في لحظة، وصار المنفلِق صار كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل العظيم، حتى قال بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يطمئن بنو إسرائيل، فجعل في كل قطعة من هذا الماء الذي صار كالجبال جعل فيها ثقبة، فرجة، حتى يشهد بعضهم بعضًا ويطمئن بعضهم إلى بعض، المهم لما تكامل موسى وقومه خارجين دخل فرعون فأمر الله تعالى أن ينطبق البحر عليهم فانطبق، ولهذا يذكّرهم مرة بهذه النعمة، ﴿إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، أي: فلقناه لكم حتى عبَرتموه، ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ يعني خلّصناكم من الغرق، ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، والغرق معروف، وآل فرعون هنا أول من يدخل فيهم فرعون، ولكنه عبّر بالآل عن فرعون؛ لئلا يظن ظان أن الغرق أو أن العقوبة اختصت بفرعون فقط، فقال: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾، وهذا أخصر من فرعون وآله؛ لأن العبارة إما أن يقال: وأغرقنا فرعون، أو أغرقنا آل فرعون، أو أغرقنا فرعون وآله، أما آل فرعون فمن المعلوم أنهم إنما أُغرقوا لتبعهم فرعون، وهل يمكن أن يُغرق الفرع دون الأصل؟ غير ممكن، ولهذا قال الله تعالى عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، أغرق الله آل فرعون حتى هلكوا عن آخرهم، وحين أدرك فرعون الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩١، ٩٢]، أي لمن يبقى بعدك، ولم يبق إلا بنو إسرائيل؛ لأن آل فرعون كلهم غرقوا، وإنما نجاه الله عز وجل ببدنه ليطمئن بنو إسرائيل على غرقه؛ لأن بني إسرائيل كانوا قد رهبوا منه رهبة عظيمة، فأراهم الله عز وجل بدنه حتى يتيقنوا أنه قد غرق؛ إذ لو لم يروا بدنه لكان يأتيهم كل احتمال أنه نجا وأنه سيخرج، فأراهم الله تعالى بدنه غارقًا للاطمئنان. وقوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، الجملة هنا حالية، أي: والحال أنكم تنظرون، وهذا من أكبر النعم أن يهلك الله عدوك وأنت تنظر إليه؛ لأنه سوف يزداد فرحك وسرورك أن ترى عدوك يمزَّق كل ممزق وأنت قد نجيت من هذا، ولهذا ذكّرهم الله هذه النعمة وهي أن عدوهم أُغرق وهم ينظرون. * ففي هذه الآية الكريمة أيضًا من فوائدها: تذكير بني إسرائيل بما أنعم الله تعالى به عليهم حين فرق بهم البحر، ووجه توجيه الخطاب إلى من كانوا موجودين في عهد الرسول أن إنعام الله على الأمة في أولها إنعام عليها في آخرها، هذا وجه، وجه آخر أيضًا أذكره الآن وهو ينسحب على ما سبق: أن هؤلاء الموجودين ذرية السابقين، ولو هلك السابقون ما وُجد الآخِرون، فيكون إنجاء الأولين إنجاء لهم في الواقع لكنه غير مباشر، فصار خطاب هؤلاء بالنعم السابقة من الإنجاء من الغرق أو من قتل فرعون له وجهان: الوجه الأول: أن ما حصل لأول الأمة فهو لآخرهم، الوجه الثاني: أن هؤلاء ذرية السابقين، ولو هلك السابقون ما بقي هؤلاء، فيكون في بقائهم بقاء هؤلاء المتأخرين. * من فوائد هذة الآيات الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل. وأنت قد نجوت من هذا، ولهذا ذكرهم الله هذه النعمة وهي: أن عدوهم أغرق وهم ينظرون. * ففي هذه الآية الكريمة أيضًا من فوائدها: تذكير بني إسرائيل بما أنعم الله تعالى به عليهم حين فرق بهم البحر. ووجه توجيه الخطاب إلى من كانوا موجودين في عهد الرسول أن إنعام الله على الأمة في أولها إنعام عليها في آخرها، هذا وجه، وجه آخر أيضًا أذكره الآن وهو ينسحب على ما سبق: أن هؤلاء الموجودين ذرية السابقين، ولو هلك السابقون ما وجد الآخرون، فيكون إنجاء الأولين إنجاء لهم في الواقع لكنه غير مباشر، فصار خطاب هؤلاء بالنعم السابقة من الإنجاء -من الغرق أو من قتل فرعون- له وجهان: الوجه الأول: أن ما حصل لأول الأمة؟ * طالب: نعمة على آخرها. * الشيخ: فهو لآخرها. الوجه الثاني: أن هؤلاء ذرية السابقين، ولو هلك السابقون ما بقي هؤلاء، فيكون في بقائهم بقاء هؤلاء المتأخرين. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وجه ذلك: أن هذا الجوهر السيال -وهو الماء- بمجرد أن ضرب موسى عصاه به تمزق، وأنتم تعلمون البحر الأحمر، كم طوله؟ يعني: طوله طبعًا طويل، لكن عرضه مثلا من أفريقيا إلى آسيا عرضه طويل، أنا لا أعرف، لكنه لا شك تجري فيه السفن، وبلحظة واحدة ضربة واحدة انفلق كل البحر وصار طريقًا يبسًا، ففيه دليل على كمال قدرة الله عز وجل. * ومن فوائدها: الرد على علماء الطبيعة وقولهم: إن الأشياء تجري على طبائعها، وإن الماء سيال هو سيال، يجمد عند البرودة يجمد، نقول لهم: الله سبحانه وتعالى خلق للماء طبائع، وهو سبحانه وتعالى قادر على أن يغير هذه الطبائع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيء المعلوم يصح أن يؤتى به مبهمًا، لقوله: ﴿الْبَحْرَ﴾؛ لأن (أل) في البحر للعهد الذهني، وإلا معلوم أننا لو قلنا: إنها للعموم لكان الذهن يذهب كل مذهب أيّ بحر هو؟ لكن لما كان معلومًا لم يحتج إلى تخصيص، اكتفاء بأيش؟ بأل التي للعهد الذهني. * يتفرع على هذه الفائدة: أنه لو قال شخص: والله لأكلمن القاضي اليوم بما جرى في البلد، ثم ذهب إلى رجل من القضاة ما هو من القضاة الشرعيين، يعني: من القبيلة التي تعرف بالقاضي، وذهب وأخبر أحدهم بما جرى، هل يكون بارًّا بالحلف باليمين أو حانثًا؟ * الطلبة: حانثًا. * الشيخ: حانثًا، يكون حانثًا؛ لأن ظاهر اللفظ أن (أل) للعهد الذهني. لكن اعلموا أن اليمين تقيد بالنية، ويحسن هنا أن نستطرد لهذا الموضوع، يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ، ثم إلى سبب اليمين وما هيجه، السبب، ثم بعد ذلك إلى التعيين، ثم إلى ما يحتمله اللفظ، أربع مراتب، الأيمان يرجع فيها قبل كل شيء إلى النية، ثم؟ * الطلبة: السبب. * الشيخ: ثم التعيين، ثم ما يحتمله اللفظ، وإنما قدمت النية؛ لأن الله نص عليها ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، فجعل المرجع إلى ما اعتقده الإنسان، وفي الآية الثانية قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]. فلو أن رجلا قال: والله، لا أبيتن الليلة إلا على وتد، والله لا أنام الليلة إلا على وتد، قلنا: أيش الكلام هذا؟ لا ينام على الأوتاد إلا الطيور، تعرفون الوتد؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: عبارة عن. * طالب: قطعة حطب. * الشيخ: إي نعم، عن خشبة تدق في الجدار، تثبت في الجدار عشان تعلق عليها الثياب، نعم هو قال: والله لا أنام الليلة إلا على وتد، إذن هذا يا ولد كيف تنام على وتد؟ أنت طير من الطيور؟ فذهب إلى جبل حوله ونام عليه، بر بيمينه أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأيش؟ لأنه هذا هو اللي نوى، وإن كان ظاهر اللفظ خلافه، لكن هذا هو اللي نوى، واضح؟ وقال: والله لا أنام الليلة إلا على فراشي، ثم خرج إلى خارج البلد ونام على الأرض، لأيش ما فرشت؟ يقول: أنا نويت أن الأرض فراشي؛ لأن الله يقول: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة ٢٢]، المهم إذا احتملها اللفظ يرجع إلى النية. لو قال: والله لأشترين اليوم خبزًا، فذهب واشترى سيارة، وانتهى اليوم ولم يشتر خبزة واحدة، قلنا: الآن عليك كفارة حنث، قال: أنا نويت بالخبز السيارة، يصلح؟ * الطلبة: ما يصلح. * الشيخ: لأيش؟ * الطلبة: لا يحتملها اللفظ. * الشيخ: لا يحتملها اللفظ، هذا لا يحتملها اللفظ إطلاقًا، فلا يقبل. بعد ذلك السبب، وهذه أيضًا مهمة، وتقع كثيرًا من بعض الناس في مسألة الطلاق، يقول مثلا لزوجته: إن كلمت أخاك فأنت طالق، بناءً على أنه قيل له: إن أخا زوجتك هو الذي يفسدها عليك، فقال بناءً على هذا: إن كلمت أخاك فأنت طالق، ثم تبين أن أخاها بريء من ذلك، فلا تطلق، لو كلمته لا تطلق، لماذا؟ لأن السبب تبين خلاف ما بنى عليه الطلاق. ومثل ذلك لو قال: والله، لا أدخل هذا البلد، بناءً على أن أمير البلد يطلبه، يبحث عنه، نعم. قال: والله ما أدخلها، ثم تبين أن أمير البلد لا يطلبه، يدخل البلد أو لا؟ * الطلبة: يدخل. * الشيخ: السبب؟ لأنه مبني على أيش؟ على سبب لم يكن. التعيين، التعيين مثل أن يكون عنده طلي صغير، أيش الطلي؟ * الطلبة: الخروف. * الشيخ: لا، ما هو الخروف، صغار الخرفان، قال: والله لا آكل لحم هذا الحمل، كبر الطلي وصار خروفًا، صار كبشًا، وأكله، يحنث أو لا يحنث؟ * الطلبة: لا يحنث. * الشيخ: التعيين يا إخوان؟ عين قال: هذا، فيحنث إلا إذا نوى: ما دام على هذه الصفة. مثال آخر قال: والله لا ألبس هذا القميص، ويعين، ثم حوله وجعله سراويل، يلبسه أو لا؟ لو لبسه كفّر؛ لأنه عين قال: هذا القميص، إلا إذا نوى ما دام قميصًا فلا. واضح؟ بعد هذا نرجع إلى أيش؟ * طالب: ما يحتمله اللفظ. * الشيخ: إلى ما يحتمله اللفظ، اللفظ له معنى في اللغة، ومعنى في الشرع، ومعنى في العرف، أحيانًا تتطابق الثلاثة، وأحيانًا تختلف، إذا تطابقت الثلاثة واضح: السماء، الأرض، الصلاة، لا الصلاة تختلف اللغة والشرع، إذا تطابقت فالأمر واضح، لكن إذا اختلفت في الأيمان فماذا نقدم؟ هل نقدم العرف أو نقدم اللغة أو نقدم الشرع؟ * طالب: الشرع. * الشيخ: لا، نقدم العرف، فإذا قال: والله لأهبن لفلان شاة، ثم وهبه عنزًا، يكون بر بيمينه أو لم يبر؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: العرف عندنا أنه لم يبر؛ لأن الشاة عندنا أنثى الضأن، وهذه أنثى ماعز، فلا يبر، إلا إذا قال: أنا قصدت بالشاة مدلولها اللغوي، فحينئذٍ يكون قد بر؛ لأنه أراد المدلول اللغوي. فكذلك أيضًا قال: والله لا أصلي على فلان، فذهب وصلى عليه، يحنث أو لا يحنث؟ * طالب: يحنث. * الشيخ: يحنث، لكن لو قال الرجل: أنا أردت الدعا، لا أدعو له، وأردت أيضًا لا أدعو له في غير الصلاة عليه، نقول: النية مقدمة على كل شيء. المهم أن مراتب الأيمان خمس؟ * الطلبة: أربعة. * الشيخ: أربعة. * الشيخ: الأول؟ * الطلبة: النية. * الشيخ: ثم؟ * الطلبة: السبب. * الشيخ: السبب، سبب اليمين، ثم؟ * الطلبة: التعيين. * الشيخ: التعيين، ثم؟ * الطلبة: ما يحتمله اللفظ. * الشيخ: ما يحتمله اللفظ، نعم.

البقرة 2:51

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٥١ - ٥٤]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ وكان الله تعالى وعده قبل ذلك ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وعده الله تعالى لمناجاته هذه المدة، وأناب أخاه هارون على قومه، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف ١٤٢]، فكان هارون خليفة موسى في قومه حين ذهب لميعاد الله عز وجل، ثم إن بني إسرائيل -لعتوهم وعنادهم- اتخذوا عجلا من الذهب، اتخذوه إلهًا، وكان صاحب هذه الفكرة رجلا يقال له: السامري، صنعوا من الحلي الذي قيل: إنهم أخذوه من حلي آل فرعون، صنعوا منه ثورًا عجلا، وجعلوا له جوفًا تدخل منه الريح من الدبر وتخرج من الفم، فإذا دخلت الريح سمعوا له صوتًا كخوار الثور، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى، موسى ذهب يطلب إلهه فضل؛ ولهذا مضت ثلاثون ليلة وزادت يطلب هذا الإله ولكنه نسي وضل وتاه، وهذا إلهكم وإله موسى، فجعل هارون يذكرهم بذلك ويقول: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠]، وهو نبي، ولكنهم أصروا استكبارًا وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]، وأصروا على عبادة العجل، رجع موسى عليه الصلاة والسلام ووجدهم على حالٍ ليست مرضية، على خلاف ما تركهم عليه وغضب، ألقى الألواح، وهي التوراة التي كتبها الله عز وجل بيده، ألقاها من شدة الغضب، وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه بشدة ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه ٩٢، ٩٣]، وكان هذا من شدة الغضب، وإلا في حال الرضا لا بد أن يسأل أولا: كيف ضلوا؟ قبل أن يقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾، لكن الإنسان بشر يعتريه ما يعتريه من الحال البشرية، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه ٩٤]، شوف هو خشي من موسى عليه الصلاة والسلام أن يقول: فرقت بين بني إسرائيل؛ لأنه لو قال أو زاد في وعظهم لانقسموا قسمين: قسمًا يكون مع هارون، وقسمًا آخر مع السامري، فكأنه عليه الصلاة والسلام ترك ذلك خوفًا من هذا، ومع ذلك هم أيضًا مصرون على ما هم عليه، اتخذوه إلهًا حتى عبدوه، والقصة مبسوطة في سورة طه. اتخذوه إلهًا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ الأول، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: ثم اتخذتم العجل إلهًا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ تفيد أنهم لم يتخذوه من أول وهلة، بل هناك مسافة وهي -كما قلت لكم- أنه لما مضت المدة التي حددها موسى عليه الصلاة والسلام، ثم زاد الله تعالى فيها، قالوا: هذا الإله ولكنه نسي. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ الواو هنا للحال، حال من فاعل ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ يعني: والحال أنكم ظالمون، ليس لكم عذر، وكيف يكون لهم عذر ونبيهم هارون يقول: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠]. وبعد هذا -الفعلة القبيحة الشنيعة- قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وانظر إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ هل هم ظالمون لأنفسهم؟ أو ظالمون لغيرهم؟ ظالمون لأنفسهم؛ فإن كل عاصٍ ظالم لنفسه، فإن تعدت مضرة معصيته إلى غيره صار ظالمًا لنفسه ولغيره. ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ أي: تجاوزنا عن هذا الفعل، ورفعنا عنكم العقوبة، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لأجل أن تشكروا، ولعل هنا للتعليل، وكما أسلفنا من قبل ترد لعل لعدة معان منها: التعليل، وذلك كثير في القرآن الكريم، ومنها: الرجاء، ومنها: التمني، ومنها: الإشفاق والخوف، ومنها: التوقع، وكل هذا يعرف بالسياق. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر هو العمل الصالح، هكذا جاء في القرآن، دليله: قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥).]]. وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح، وهو كذلك لا شك فيه. واعلم أن الشكر لا يكون إلا في مقابلة إحسان، بخلاف الحمد، الحمد يكون لكمال المحمود ولإفضال المحمود، فسببه أعم من الشكر، ولكن الشكر أعم من الحمد من حيث تعلقه بالقلب واللسان والجوارح، كما قال القائل: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّــــــيثَلَاثَـــــــــةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا* في هاتين الآيتين فوائد منها: بيان عيوب بني إسرائيل، وذلك أنهم اتخذوا العجل إلهًا حين غاب نبيهم. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾، والوعد يكون بين متواعدين في الغالب بالقول، ثم إن هذا الميعاد اللي حصل كلمه الله عز وجل، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام من شدة شفقته على رؤية الله قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣]. * ومنها: بيان سفه الأمة الغضبية -اليهود- حين اتخذوا العجل إلهًا، والعجيب أنهم هم الذين صنعوا العجل بأيديهم ثم اتخذوه إلهًا، ولكن لا تستغرب؛ فإن من يضلل الله فلا هادي له، والجاهليون من العرب يفعلون مثل هذا أو أشد، يقال: إنهم يصنعون من التمر إلهًا وإذا جاعوا؟ إذا جاعوا أكلوه، ما يدعونه إنه يأتيهم برزق، يعرفون أنه لن يملك ذلك، لكن يأكلونه، ويقولون: إنهم إذا نزلوا أرضًا أخذوا أربعة أحجار، واختاروا أحسنها أن يكون إلهًا، والثلاثة الباقية يجعلونها أثافي للقدر ينصبون القدر عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس لبني إسرائيل عذر في اتخاذهم العجل إلهًا؛ لأن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية أنهم لو اتخذوا العجل إلهًا بدون ظلم لم يلاموا؟ أو يقال: إن هذا بيان لحالهم فقط؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن هذا بيان لحالهم وأنهم اتخذوه إلهًا من غير عذر، ويحتمل أن يكون دليلًا على أنه إذا كان الإنسان معذورًا فإنه لا يؤاخذ، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]. وعلى هذا فيكون في الآية دليل على أن من عمل عملا سيئًا -الشرك فما دونه- وهو معذور فإنه لا عقوبة له، ثم إن كان منتسبًا إلى الإسلام حكم له بظاهره بأنه مسلم، وإن كان منتسبًا إلى دين آخر ولم يبلغه دين الإسلام، فيعامل في الدنيا حسب دينه الذي هو عليه، وأمره في الآخرة إلى من؟ إلى الله عز وجل، فصار هذا هو التفصيل في مسألة العذر بالجهل. إذا كان يتسمى بالإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويحج ويعتمر، ويقول: إنه مسلم، لكن فيه شيء من الشرك بغير علم، عاش في هذه البلد التي فيها هذا الشرك ولا علم أن هذا شرك، فهذا يعامل معاملة أيش؟ المسلمين على ظاهر حاله، وكذلك أيضًا في الآخرة لا يؤاخذه الله؛ لأنه معذور. وأما من كان معذورًا لكنه لا ينتسب للإسلام، على دين معين، فهذا يعامل في الدنيا معاملة الكافرين، يعني: أهل ذلك الدين، وفي الآخرة يقال: أمره إلى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الثانية: بيان تفضل الله تعالى على بني إسرائيل، أنه بعد أن فعلوا ما فعلوا من هذا الشرك المبني على الضلال في الدين والسفه في العقل عفا الله عنهم؛ ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يعفو عن الذنوب جميعًا بدون استثناء، لكن بعد التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣]. لكن لو قال قائل: ليس في الآية الكريمة ما يدل على أنهم تابوا، فيقال: دلت الآية الأخرى على أنهم تابوا إلى الله عز وجل، وأنابوا إلى الله، وأنه أخذتهم ظلة، وأمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، فلما علم الله منهم صدق الرجوع إليه، وأنهم امتثلوا حتى القتل، عفا الله عنهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أنعم الله عليه نعمة دينية وجب عليه شكرها، كالنعمة الدنيوية؛ لقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وأيهما أعظم منة؟ الدينية لا شك أنها أعظم منة، فإذا من الله عليك بنعمة دينية، فاعتبرها من أكبر النعم وقم بشكرها، وشكر النعم الدينية من جنسها، فمثلا مَن منّ الله عليه بعلم، فإن من شكر نعمة الله عليه أن؟ أن يعلم، وينشر علمه، وكذلك مَن منّ الله عليه بمال، فإنه من شكر نعمة الله عليه بهذا المال أن يتصدق منه وينفع الفقراء ويصل الرحم ويبر بوالديه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل لأفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ولا شك عندنا في هذا: أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها مبنية على علل ومصالح، لكن منها ما يعلم، ومنها ما لا يعلم، وأما من قال: إن أفعال الله تعالى وأحكامه ليست مبنية على حكمة ولا تعلل بعلة، فلا شك أنه ضال في دينه، سفيه في عقله.

البقرة 2:52

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٥١ - ٥٤]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ وكان الله تعالى وعده قبل ذلك ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وعده الله تعالى لمناجاته هذه المدة، وأناب أخاه هارون على قومه، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف ١٤٢]، فكان هارون خليفة موسى في قومه حين ذهب لميعاد الله عز وجل، ثم إن بني إسرائيل -لعتوهم وعنادهم- اتخذوا عجلا من الذهب، اتخذوه إلهًا، وكان صاحب هذه الفكرة رجلا يقال له: السامري، صنعوا من الحلي الذي قيل: إنهم أخذوه من حلي آل فرعون، صنعوا منه ثورًا عجلا، وجعلوا له جوفًا تدخل منه الريح من الدبر وتخرج من الفم، فإذا دخلت الريح سمعوا له صوتًا كخوار الثور، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى، موسى ذهب يطلب إلهه فضل؛ ولهذا مضت ثلاثون ليلة وزادت يطلب هذا الإله ولكنه نسي وضل وتاه، وهذا إلهكم وإله موسى، فجعل هارون يذكرهم بذلك ويقول: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠]، وهو نبي، ولكنهم أصروا استكبارًا وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]، وأصروا على عبادة العجل، رجع موسى عليه الصلاة والسلام ووجدهم على حالٍ ليست مرضية، على خلاف ما تركهم عليه وغضب، ألقى الألواح، وهي التوراة التي كتبها الله عز وجل بيده، ألقاها من شدة الغضب، وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه بشدة ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه ٩٢، ٩٣]، وكان هذا من شدة الغضب، وإلا في حال الرضا لا بد أن يسأل أولا: كيف ضلوا؟ قبل أن يقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾، لكن الإنسان بشر يعتريه ما يعتريه من الحال البشرية، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه ٩٤]، شوف هو خشي من موسى عليه الصلاة والسلام أن يقول: فرقت بين بني إسرائيل؛ لأنه لو قال أو زاد في وعظهم لانقسموا قسمين: قسمًا يكون مع هارون، وقسمًا آخر مع السامري، فكأنه عليه الصلاة والسلام ترك ذلك خوفًا من هذا، ومع ذلك هم أيضًا مصرون على ما هم عليه، اتخذوه إلهًا حتى عبدوه، والقصة مبسوطة في سورة طه. اتخذوه إلهًا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ الأول، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: ثم اتخذتم العجل إلهًا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ تفيد أنهم لم يتخذوه من أول وهلة، بل هناك مسافة وهي -كما قلت لكم- أنه لما مضت المدة التي حددها موسى عليه الصلاة والسلام، ثم زاد الله تعالى فيها، قالوا: هذا الإله ولكنه نسي. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ الواو هنا للحال، حال من فاعل ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ يعني: والحال أنكم ظالمون، ليس لكم عذر، وكيف يكون لهم عذر ونبيهم هارون يقول: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠]. وبعد هذا -الفعلة القبيحة الشنيعة- قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وانظر إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ هل هم ظالمون لأنفسهم؟ أو ظالمون لغيرهم؟ ظالمون لأنفسهم؛ فإن كل عاصٍ ظالم لنفسه، فإن تعدت مضرة معصيته إلى غيره صار ظالمًا لنفسه ولغيره. ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ أي: تجاوزنا عن هذا الفعل، ورفعنا عنكم العقوبة، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لأجل أن تشكروا، ولعل هنا للتعليل، وكما أسلفنا من قبل ترد لعل لعدة معان منها: التعليل، وذلك كثير في القرآن الكريم، ومنها: الرجاء، ومنها: التمني، ومنها: الإشفاق والخوف، ومنها: التوقع، وكل هذا يعرف بالسياق. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر هو العمل الصالح، هكذا جاء في القرآن، دليله: قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥).]]. وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح، وهو كذلك لا شك فيه. واعلم أن الشكر لا يكون إلا في مقابلة إحسان، بخلاف الحمد، الحمد يكون لكمال المحمود ولإفضال المحمود، فسببه أعم من الشكر، ولكن الشكر أعم من الحمد من حيث تعلقه بالقلب واللسان والجوارح، كما قال القائل: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّــــــيثَلَاثَـــــــــةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا* في هاتين الآيتين فوائد منها: بيان عيوب بني إسرائيل، وذلك أنهم اتخذوا العجل إلهًا حين غاب نبيهم. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾، والوعد يكون بين متواعدين في الغالب بالقول، ثم إن هذا الميعاد اللي حصل كلمه الله عز وجل، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام من شدة شفقته على رؤية الله قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣]. * ومنها: بيان سفه الأمة الغضبية -اليهود- حين اتخذوا العجل إلهًا، والعجيب أنهم هم الذين صنعوا العجل بأيديهم ثم اتخذوه إلهًا، ولكن لا تستغرب؛ فإن من يضلل الله فلا هادي له، والجاهليون من العرب يفعلون مثل هذا أو أشد، يقال: إنهم يصنعون من التمر إلهًا وإذا جاعوا؟ إذا جاعوا أكلوه، ما يدعونه إنه يأتيهم برزق، يعرفون أنه لن يملك ذلك، لكن يأكلونه، ويقولون: إنهم إذا نزلوا أرضًا أخذوا أربعة أحجار، واختاروا أحسنها أن يكون إلهًا، والثلاثة الباقية يجعلونها أثافي للقدر ينصبون القدر عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس لبني إسرائيل عذر في اتخاذهم العجل إلهًا؛ لأن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية أنهم لو اتخذوا العجل إلهًا بدون ظلم لم يلاموا؟ أو يقال: إن هذا بيان لحالهم فقط؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن هذا بيان لحالهم وأنهم اتخذوه إلهًا من غير عذر، ويحتمل أن يكون دليلًا على أنه إذا كان الإنسان معذورًا فإنه لا يؤاخذ، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]. وعلى هذا فيكون في الآية دليل على أن من عمل عملا سيئًا -الشرك فما دونه- وهو معذور فإنه لا عقوبة له، ثم إن كان منتسبًا إلى الإسلام حكم له بظاهره بأنه مسلم، وإن كان منتسبًا إلى دين آخر ولم يبلغه دين الإسلام، فيعامل في الدنيا حسب دينه الذي هو عليه، وأمره في الآخرة إلى من؟ إلى الله عز وجل، فصار هذا هو التفصيل في مسألة العذر بالجهل. إذا كان يتسمى بالإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويحج ويعتمر، ويقول: إنه مسلم، لكن فيه شيء من الشرك بغير علم، عاش في هذه البلد التي فيها هذا الشرك ولا علم أن هذا شرك، فهذا يعامل معاملة أيش؟ المسلمين على ظاهر حاله، وكذلك أيضًا في الآخرة لا يؤاخذه الله؛ لأنه معذور. وأما من كان معذورًا لكنه لا ينتسب للإسلام، على دين معين، فهذا يعامل في الدنيا معاملة الكافرين، يعني: أهل ذلك الدين، وفي الآخرة يقال: أمره إلى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الثانية: بيان تفضل الله تعالى على بني إسرائيل، أنه بعد أن فعلوا ما فعلوا من هذا الشرك المبني على الضلال في الدين والسفه في العقل عفا الله عنهم؛ ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يعفو عن الذنوب جميعًا بدون استثناء، لكن بعد التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣]. لكن لو قال قائل: ليس في الآية الكريمة ما يدل على أنهم تابوا، فيقال: دلت الآية الأخرى على أنهم تابوا إلى الله عز وجل، وأنابوا إلى الله، وأنه أخذتهم ظلة، وأمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، فلما علم الله منهم صدق الرجوع إليه، وأنهم امتثلوا حتى القتل، عفا الله عنهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أنعم الله عليه نعمة دينية وجب عليه شكرها، كالنعمة الدنيوية؛ لقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وأيهما أعظم منة؟ الدينية لا شك أنها أعظم منة، فإذا من الله عليك بنعمة دينية، فاعتبرها من أكبر النعم وقم بشكرها، وشكر النعم الدينية من جنسها، فمثلا مَن منّ الله عليه بعلم، فإن من شكر نعمة الله عليه أن؟ أن يعلم، وينشر علمه، وكذلك مَن منّ الله عليه بمال، فإنه من شكر نعمة الله عليه بهذا المال أن يتصدق منه وينفع الفقراء ويصل الرحم ويبر بوالديه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل لأفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ولا شك عندنا في هذا: أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها مبنية على علل ومصالح، لكن منها ما يعلم، ومنها ما لا يعلم، وأما من قال: إن أفعال الله تعالى وأحكامه ليست مبنية على حكمة ولا تعلل بعلة، فلا شك أنه ضال في دينه، سفيه في عقله.

البقرة 2:53

ثم قال عز وجل -مبينًا نعمة أخرى من أكبر النعم-: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾ أي: أعطيناه، وآتينا بالمد تنصب مفعولين، بخلاف أتينا؛ فإنها لا تنصب إلا مفعولا واحدًا؛ لأن آتى بالمد بمعنى أعطى، وأتى بمعنى جاء، يقول: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أعطيناه، وأل في الكتاب للعهد، أيّ العهود؟ الذهني، يعني: الكتاب المعروف عندكم وهو التوراة، وسمي كتابًا لأنه مكتوب، فقد كتب الله التوراة بيده جل وعلا. ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ الواو حرف عطف، والفرقان معطوف على الكتاب، وهل هو غيره؟ أو هو ولكنه من باب عطف الصفة على الموصوف؟ الجواب: الثاني، فالفرقان هو نفس الكتاب، فإن التوراة فرقان، فرق الله بها بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين أولياء الله وأعداء الله، إلى آخر ما يكون به التمييز والفرق، فعلى هذا يكون عطفها من باب عطف الصفة على الموصوف، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى ١ - ٣]، والذي قدر فهدى هو الله عز وجل، لكن هذا من باب عطف الصفة على الصفة. يقول جل وعلا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ لعل هذه للتعليل كما سبق، و﴿تَهْتَدُونَ﴾ أي: تسلكون مسلك الهداية، والمراد بالهداية هنا التي ذكرها الله عز وجل: هداية الإرشاد وهداية التوفيق؛ وذلك لأن ما أوتيه موسى علم، فمن اهتدى به فقد علم، وكذلك علم يثمر عملا لمن وفق، فنفسر الهداية هنا بأيش؟ بهداية العلم وهداية التوفيق، العلمية والعملية. * في الآية الكريمة دليل على فوائد: * أولا: أن موسى نبي، بل رسول؛ لأن الله آتاه الكتاب، وكل من آتاه الله الكتاب فهو رسول، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]. * ومنها: الثناء على التوراة؛ حيث سماها الله تعالى فرقانًا. * ومنها: الحكمة في إيتاء الكتاب والفرقان لموسى وهو الهداية. * ومنها: أن العلم سبب للهداية، لأجل التعليل في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، لكن هل السبب لا بد أن يكون مسببه أو قد يوجد مانع؟ قد يوجد مانع، وعلى هذا فلا يرد علينا أن يقول قائل: إننا نجد في العلماء من لم يهتد، نقول: لوجود مانع، وإلا فالأصل أن العلم سبب الهداية، وأن الهداية تقع بالعلم، لكن قد يكون هناك عوارض وصوارف توجب أن لا ينتفع الإنسان بما أعطاه الله تعالى من العلم كما هو معروف. و﴿تَهْتَدُونَ﴾ المراد بها هنا هداية العلم، أو العلم والتوفيق؟ العلم في كل حال، والتوفيق لمن شاء الله، (...) للهداية لكن من الناس من يهتدي ومنهم من لا يهتدي.

البقرة 2:54

ثم ذكر نعمة أخرى أيضًا فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ يعني: واذكروا إذ قال موسى لقومه، والقوم بمعنى القبيلة، والفقهاء يقولون: إن القوم من الجد الرابع فما دونه، هؤلاء القوم في اللغة العربية. قال: ﴿لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ ناداهم بوصف القومية تحببًا وتوددًا وإظهارًا لأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه، ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أكد الجملة لبيان حقيقة ما هم عليه و﴿ظَلَمْتُمْ﴾ بمعنى: نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن الظلم في الأصل بمعنى النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني: تنقص، هذا هو الأصل، ولكن قد يراد به أكثر من النقص، إنما هنا ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نقصتموها حقها، وذلك بمخالفة التوحيد. فقال: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ الباء هنا للسببية، أي: بسبب اتخاذكم العجل، واتخاذ مصدر، وفعلها اتخذ، وهو مضاف إلى فاعله، الكاف فاعل، و﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني؟ * طالب: إلهًا. * الشيخ: محذوف، تقديره؟ * طالب: إلهًا. * الشيخ: إلهًا، ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلهًا تعبدونه من دون الله. والعجل هذا سبق أنه عجل من ذهب صورة، وأن الذي فتن الناس بها رجل يقال له: السامري، اتخذوه إلهًا والعياذ بالله، فأرشدهم موسى ﷺ إلى الخلاص من هذا الظلم العظيم قال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ﴿تُوبُوا﴾ أمر بمعنى ارجعوا؛ لأن التوبة والأوبة معناها الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والتوبة تكون بالإقبال على الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، إذا كان الظلم بترك واجب، فالتوبة بفعله، وإذا كان الظلم بفعل معصية، فالتوبة بتركها والإقلاع منها. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ما قال: إلى الله، ولا قال: إلى ربكم؛ لإظهار لومهم وتوبيخهم؛ لأن البارئ بمعنى الخالق المعتني، خالق معتني، فكأنه يقول: كيف تتخذون العجل إلهًا وتَدَعون خالقكم الذي يعتني بكم، وهذا كقول إلياس لقومه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات ١٢٥]، ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أي خالقكم، أيش بعد؟ * طالب: المعتني بكم. * الشيخ: المعتني بكم. ﴿فَاقْتُلُوا﴾ الفاء هنا تفسيرية؛ لأن قوله: ﴿اقْتُلُوا﴾ تفسير للمجمل في قوله: ﴿تُوبُوا﴾، وعلى هذا فالفاء للتفسير، أي: فتوبوا بهذا الوصف. ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل بعضكم بعضًا، وليس المعنى أن كل واحد يقتل نفسه بالإجماع، ما أحد من المفسرين قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كل واحد يقتل نفسه، وإنما المعنى: يقتل بعضكم بعضًا، يقتل الإنسان ولده والده أخاه، المهم أنكم تستعدون وتتخذون سلاحًا -خناجر وسكاكين وسيوف- وكل واحد منكم يهجم على الآخر ويقتله، فهمتم؟ اختلف المفسرون هل هذا القتل وقع في ظلمة أو وقع جهارًا بدون ظلمة؟ فقيل: إنه لما أمروا بذلك، قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضًا، فينظر الإنسان إلى ابنه فيقتله، وإلى أبيه فيقتله، وإلى أخيه، وإلى صديقه، هذا شيء ما يمكن، فألقى الله عليهم ظلمة وصار يقتل بعضهم بعض ولا يدري من قتل. وقيل: بل إنهم قتلوا جهرًا بدون ظلمة، وإن هذا أبلغ في الدلالة على صحة توبتهم، إن الإنسان يقتل أي واحد أمامه، وأنه لما رأى موسى ﷺ أنهم سينتهون؛ لأنه إذا صار بعضهم يقتل بعضًا من يبقى؟ * طالب: يبقى واحد. * الشيخ: يبقى واحد، فلما رأى أنهم سينتهون ابتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنهم الإصر، فأمروا بالكف، وقيل: بل سقطت منهم أسلحتهم، سقطت من أيديهم، والله أعلم، المهم أن ظاهر القرآن إنه ما حصل شيء، يعني: ما حصل ظلمة ولا شيء، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى. وذهب بعضهم إلى أن المراد: يقتل البريء منكم المجرم، يعني: الذين دعوا إلى عبادة العجل وعكفوا عليه يُقتلون، والذين تبرؤا منه يَقتلون، والله أعلم، لكن الظاهر الأول؛ لأن قتل البريء للمجرم ما فيه دلالة على صدق التوبة من المجرمين؛ لأن الإنسان قد يُقتل وهو مصر على الذنب، ولا يدل ذلك على توبته، قال عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * طالب: قال عليه الصلاة والسلام في الحديث؟ * الشيخ: إي، قال موسى. * طالب: إي. * الشيخ: نعم، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه القتل، وهنا قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: ذلك؟ لماذا؟ * طالب: جماعة. * طالب: لأنهم قوم. * طالب: شبه جماعة. * الشيخ: لأنه شبه جماعة لا. * طالب: خبر جماعة. * الشيخ: خطأ، انتبه، قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: ذلك، ولا يشير إلى جماعة. * طالب: يخاطب جماعة ويشير إلى واحد. * الشيخ: صحيح يخاطب جماعة ويشير إلى واحد وهو القتل، المشار إليه واحد، مفرد مذكر وهو القتل، والمخاطب؟ * طالب: جماعة. * الشيخ: جماعة، وهم قومه. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: من عدم التوبة، أو من عدم القتل، وهذا من التفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فهمتم؟ والتفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء هذا وارد في اللغة العربية، لكن بعضهم يقول: إنه يسلب منه التفضيل هنا، ويكون دليلًا على وجود الخير في هذا الأمر بدون تقدير المفضل عليه، فمثلا هنا يقول قائل: لو لم يقتلوا أنفسهم هل في ذلك خير؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما فيه خير؛ فلماذا قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟ نقول فيها جوابان: أحدهما: أن هذا من باب التفضيل بما ليس في الطرف المفضل عليه منه شيء، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، خير مستقرًّا من أهل النار، مع أن أهل النار ليس في مستقرهم خير. وبعضهم يقول: إنه هنا ليس اسم تفضيل لمثل هذا، بل فيه وصف هذا الشيء في الخيرية فقط، وليس من باب المفضل والمفضل عليه في شيء، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. ثم قال الله تعالى -ما نقول: قال ﷺ، نقول: قال الله تعالى-: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا محط ذكر النعمة ولَّا لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لأن الأول: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ ذكر الذنب والتوبة منه، لكن النعمة بأي شيء؟ * طالب: بالتوبة. * الشيخ: بتوبة الله عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. وتوبة الله على عبده معناه: أنه يرضى عنه بعد الغضب، ويقبل إليه بعد التولي عنه والإعراض عنه، إيه ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا من كلام الله. * طالب: (...) وعد منه ﷺ. * الشيخ: لا، اذكر نعمة الله إذ قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فهي من كلام الله. وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيش معني تاب؟ أقبل إليكم بعد أن كان معرضًا عنكم، أو أن المعنى: تاب، أي: قبل التوبة، قبل التوبة منكم، ومن لازم قبول التوبة منهم أن يقبل الله إليهم. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ هو ضمير فصل، ويسميه بعض النحويين ضمير عماد؛ لاعتماد الخبر عليه، وضمير فصل؛ لأنه فصل بين الصفة والخبر. وقد ذكرنا أن فيه ثلاث فوائد، من يذكرها؟ ضمير الفصل فيه ثلاث فوائد ذكرناها سابقًا، وأيش؟ * طالب: الفصل. * الشيخ: إي نعم. * طالب: تعيين الخبر لما بعده. * الشيخ: إيه يعني: فصل، تعيينها لما بعدها خبر (...)، لا بأس، والثالث؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد، نعم. وقوله: ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة، ولم يقل: التائب، نعم؛ لأن التائب تدل على مطلق الفعل، لكن التواب تدل على كثرته، تدل على كثرته، والله سبحانه وتعالى كثير التوبة لكثرة توبته على عبده، وكثير التوبة لكثرة من يتوب عليهم من الناس، فهو يتوب بالمرات المتعددة على عبده، ويتوب للأشخاص الكثيرين الذين يكثر توبتهم؛ لهذا جاءت الصيغة التواب. وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة الواصلة للمرحوم؛ لأنها هنا صفة مشبهة لكن تدل على الفعل، يعني: أنه سبحانه وتعالى رحيم، يعني: راحم بالفعل. توبة الله سبحانه وتعالى، وصف الله بالتوبة، ينبغي أن يعلم بأن توبة الله على العبد نوعان: توبة سابقة على توبة العبد، وتوبة لاحقة، أما توبته على السابقة على توبة العبد، فهي توفيقه للتوبة، وأما توبته اللاحقة بعد توبة العبد، فهي قبول التوبة؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة ١١٧] إلى أن قال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة ١١٨]، قبله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨] ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم. * طالب: سؤال بخصوص العجل، هل كان هذا العجل يعني فيه نوع حياة؟ * الشيخ: لا، الله بين: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف ١٤٨]، والحياة ما فيه حياة؛ لأن الله قال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف ١٤٨] ما فيه روح. * طالب: قول السامري: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه ٩٦] تفسيرها (...) صح؟ * الشيخ: الله أعلم، من الإسرائيليات اللي ما تصدق ولا تكذب، لكن ظاهر القرآن إنه ما فيه إلا مجرد صوت فقط، صوت كصوت العجل، أما أن يكون فيه روح فلا؛ لأن وصفه بالجسد دليل على أنه لا روح فيه؛ لأنه لو أطلق وقيل: عجلا، لظن الظان أن فيه روح، فخرج دفع هذا الوهم بقوله: ﴿جَسَدًا﴾. * طالب: والقبضة. * الشيخ: نعم. * طالب: هذه القبضة؟ * الشيخ: القبضة ما تعرف شو أثرت فيه، هل أثرت حسنًا بأن جملته وطلته مثلا أو أن هذه القبضة صار فيها تأثير بالصوت صوت هذا العجل، وكثير من المفسرين يقولون: إن هذا الصوت ما هو الطبيعي في هذا الشيء، وأن الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، فيكون لها صوت. * طالب: شيخ، التوبة بالنسبة للعبد وأيش الفرق بينها وبين التوبة بالنسبة لله (...)؟ * الشيخ: لا فرق بينهما، كله الرجوع، إلا إذا قلنا: إن التوبة من الله معناها قبول توبة العبد، إي نعم، يكون معناها غير الرجوع، أما إذا قلنا: إن الله تاب عليهم، بمعنى رجع عن إعراضه عنهم بالإقبال عليهم، فيكون معناها واحد. قال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ يعني: واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ، لكن إنعامه على الأمة أولها إنعام على آخرها، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى﴾ لن تفيد النفي، لكنها تقتضي التأبيد ولَّا ما تقتضيه؟ * طالب: ما تقتضي. * الشيخ: ما تقتضي التأبيد، إلا إذا قيدت به، ولكنها لها ثلاث حالات: تارة تقيد بما يدل على الغاية، كقوله هنا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾، ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]، هذه واضحة إذا قيدت بما يدل على الغاية إنها لا تدل على التأبيد ولا تحتمل التأبيد، ولَّا لا؟ وتارة تقيد بما يدل على التأبيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٩٥]. والثالث: أن تأتي مطلقة: لن يقوم فلان. نعم، فهذه إن دلت القرينة على أنها تقتضي التأبيد فهي للتأبيد، وإن دلت القرينة على أنها لا تقتضي فهي محتملته، فمثلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤] هذي أيش (...)؟ * طالب: تأبيد. * الشيخ: تأبيد، ما فيها أبدًا. * طالب: القرينة. * الشيخ: لكن القرينة تقتضي ذلك، إذن هذا حكم لن؛ ولهذا قال ابن مالك في الكافية: وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ∗∗∗ فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا قوله: اردد؛ لأن المعتزلة بل الأشعرية يقولون: لن للتأبيد؛ ولأجل ذلك استدلوا بقول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣] أن الله لن يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن قولهم بلا شك مردود. إذن ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به، ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، نرى بمعنى نبصر؛ ولهذا ما تنصب إلا مفعولا واحدًا؛ لأنها رؤية بصرية، فاعلها؟ * طالب: نحن. * الشيخ: وين؟ مستتر جوازًا تقديره: نحن. ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، نعم، ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع فاعله مستتر وجوبًا تقديره: نحن، نحن قلنا لكم: إذا كان الضمير تقديره: أنا أو أنت أو نحن، فهو واجب، وإذا صار هو أو هي فهو مستتر جوازًا، لكن (...) هذه مسائل بدهية ما هي صعبة، يعني من المسائل النحوية الصعبة، هذه يمكن اللي في الابتدائي يعرفها، وما يرضينا منكم هذا. كل ما كان الضمير تقديره: أنا أو نحن أو أنت فهو؟ مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي، فهو مستتر جوازًا. هذا تقديره: نحن، فيكون مستترًا وجوبًا. وقوله: ﴿جَهْرَةً﴾ هذه حال أو هي مفعول مطلق، أي: رؤية جهرة، متى قالوا ذلك؟ قيل: إنهم قالوا ذلك حينما اختار منهم موسى ﷺ سبعين رجلًا... شوف الآيات معكم الآن، أنتم فهمتم القولين الآن ولَّا لا؟ فهمتم القولين؟ أم ما فهمتم القولين؟ القول الأول يقولون: إن موسى عليه الصلاة والسلام اختار من قومه سبعين رجلًا لميقات الله لموعده، وذهب بهم ولما صار يكلم الله ويكلمه الله قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يقولون هذا القول حينما كان موسى خارجًا لميقات الله، وقال بعض العلماء: بل إنه لما جاء بالتوراة لما رجع من ميقات الله وأنزل عليه التوراة وجاء بها قالوا: لا، ما هي من الله ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.* الطالب: السياق يؤيد الثاني. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الأخير. * الشيخ: الأخيرة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، ثم ذكر قصة العجل وهذه كانت بعد مجيء موسى بالتوراة، ثم بعد ذلك ذكر: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فظاهر السياق يدل على أن هذا القول كان حينما جاء بالتوراة وقال: هذه من عند الله، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لكن (...). ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف ١٥٥] هذا ما يدل على القول الأول؟ إن هذا كان عندما كان يناجي الله؟ أي: بعضهم أيده بها بهذه الآية القول الأول، ولكن الحقيقة ما فيه تأييد له؛ لأن هذه يقول: ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ رُجِفَ بهم (...) الصاعقة، صعقوا وماتوا، ولكن موسى خاف أن يموت، وأن يحصل ما حصل في الأول، أو خاف أن يموت، وإن كان الثاني بعده، فالظاهر لي أن هذا لا يترجح، لا يترجح القول الأول بهذه الآية لاختلاف العقوبتين، العقوبة هذه أيش؟ الصاعقة، وتلك: الرجفة، الله أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ لما قالوا هذا أخذتهم الصاعقة، الصاعقة يعني الموت الذي صعقوا به. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضكم إلى بعض، ينظر بعضكم إلى بعض حتى تساقطوا، والجملة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ حال، حال من أين؟ من الكاف في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ الصاعقة، يعني: والحال أنكم تنظرون، ينظر بعضكم إلى بعض حتى هلكتم جميعًا. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾ أصل البعث في اللغة: الإخراج، ويطلق على الإحياء كما في هذه الآية، ويدل على أن المراد به الإحياء هنا قوله: ﴿بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ هل هو موت حقيقي؟ الجواب: نعم، وليس نومًا؛ لأن النوم يسمى وفاة ولا يسمى موتًا ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ٦٠] ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢]. وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا، ويكون ذلك كفارة لهم؛ ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لعلكم تشكرون، أي: تشكرون الله سبحانه وتعالى، و(لعل) هنا للتعليل وليست للترجي؛ لأن الترجي في جانب الله سبحانه وتعالى لا يجوز، إذ إن الترجي - كما هو معروف في اللغة العربية - طلب ما فيه عسر، والله تعالى لا يعسر عليه شيء، ولكنها كلما جاءت في كتاب الله فهي للتعليل ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة، فيها إحياء الله تعالى الموتى، والثانية: في قصة صاحب البقرة، والثالثة: في ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣]، والرابعة: في قصة الذي ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخامسة: قصة إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] إلى آخره، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦] لأن هذه القصص الخمس وغيرها كإخراج عيسى الموتى من قبورهم هذه تعتبر أمرًا نادرًا يؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى، أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨] ويقولون: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان ٣٦] نقول: إن هؤلاء مموِّهون، فالرسل ما قالت لهم: إنكم الآن تبعثون، متى؟ يوم القيامة، ولينتظروا فسيكون هذا بلا ريب. * الطالب: شيخ في قول الله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر ١١] نفس الجواب اللي قاله هنا؟ * الشيخ: أي نفس الجواب، أنه ما يقع من بعض الناس الذي أميتوا مرتين أو ثلاثا وأحيوا ثلاثًا، هذا يكون خلاف العام. قوله تعالى ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * يستفاد من ذلك: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من نعمه وآلائه ولَّا لا؟ وهي من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق، بل ولا حق المخلوق؛ فلذلك نزلت الكتب تبيانًا للناس. * يستفاد منها أيضًا: أن موسى عليه الصلاة والسلام نبي؛ لأن الله آتاه الكتاب. * يستفاد منه: فضيلة التوراة؛ لأنه أطلق عليها اسم الكتاب، و(أل) هذه للعهد أيش؟ الذهني لأنه ما سبق لها ذكر، فدل هذا على أنها معروفة بين بني إسرائيل، وأنه إذا أطلق الكتاب فهو للتوراة، ومن وجه آخر أيضًا أن الله تعالى سماها الفرقان كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين من أعظم الكتب، يعني: أفضل الكتب بعد القرآن التوراة؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩] يعني: من التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فدل هذا على أن التوراة أنها مشاركة للقرآن في كونها فرقانًا؛ ولذلك كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة ٤٤]. * ويستفاد من هذا رابعًا: بيان عتو بني إسرائيل، بيان عتو بني إسرائيل وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقانًا، ثم هم يكفرون هذا الكفر يدل على زيادة عتوهم وطغيانهم؛ إذ من نزل عليه كتاب يكون فرقانًا كان يجب عليه بمقتضى ذلك أيش؟ أن يكون مؤمنًا مذعنًا خلافًا لهم. * وفيها أيضًا دليل: على أن الله تبارك وتعالى ينزل الكتب ويجعلها فرقانًا لغاية حميدة جدًّا وهي * الفائدة الخامسة وهي: الهداية؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * الفائدة السادسة: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء، ما يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وما أشبه ذلك، بل إنها من الكتب المنزلة من السماء، فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد والعباد وما أشبه ذلك، نقول لكاتبيها وقارئيها: خير لكم أن تبدوا للناس كتاب الله وتبسطوه وتشرحوه وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعًا للخلق؛ لأنه ما فيه طريق للهداية إلى الله إلا الكتب المنزلة من عنده. * وفيه أيضًا من الفوائد اللغوية: جواز عطف الصفة على الموصوف؛ لقوله: ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ وقد مر علينا هذا ذكرنا له مثالًا آخر في القرآن، بل فيه أمثلة مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى ١ - ٤] وهذا جائز بشرط أن لا يوهم خلاف المقصود، فإن أوهم خلاف المقصود بحيث يتوهم المخاطَب أن الثاني غير الأول، فإنه يمتنع وتحذف حرف العطف؛ لئلا يظن أن الثاني هو الأول، كما أنه يجب أحيانًا أن يكون بالعطف إذا أوهم أن هذه الصفة لغير الأول، إذا أوهم أن الصفة هذه لغير الأول وجب حرف العطف، مثلًا تقول: مررت بزيد الضارب عَمْرًا والكريم، ولا تقول: الكريم، مررت بزيد الضارب المجرم الكريم وأيش تقول؟ تقول: والكريم تأتي بالواو؛ لأنك لو تقول: الضارب المجرم الكريم، أوهم أن الكريم وصف للمجرم، فتقول: الضارب المجرم والكريمِ، يعني وهو أيضًا الكريم، لا ما هو ضاربًا الكريم، هو كريم، ما هو الضارب المجرم والكريم، لا، فالمهم صار الآن عطف الصفة على الموصوف جائزًا، وقد يجب أحيانًا وقد يمتنع أحيانًا، متى يمتنع؟ إذا أوهم التعدد بحيث يظن أن الثاني لا يعود للأول، ويجب العطف إذا أوهم خلاف المقصود فإنه يجب العطف؛ لئلا يظن أن هذا الوصف تابع للثاني لا للأول، كم من فائدة في الآية هذه؟ * الطلبة: سبع. * الشيخ: * الفائدة الثامنة: إثبات الأسباب، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ آتاه الكتاب لأجل أن يهتدوا، فإذن الهداية لها سبب، الأسباب لا شك في ثبوتها، ولا أحد ينكر الأسباب أبدًا. * ويستفاد من هذا أيضًا: أن الإتيان المضاف إلى الله سبحانه وتعالى يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، فإيتاء الكتب شرعي ولا كوني؟ شرعي، وإيتاء المال كوني ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص ٧٦] فالإتيان كوني. * طالب: شيخ، إيتان ولا إيتاء؟ * الشيخ: نعم، الإيتاء. الإيتاء نوعان: شرعي وكوني؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء ٢]. * وفيها أيضًا: ذكر فضل موسى وتقدم، وأنه نبي، فضله وأنه نبي.ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤] إلى آخره. * يستفاد من هذا: أنه ينبغي للداعية أن يستعمل الأسلوب الذي يجلب إليه، و(...) الناس عليه؛ لقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾، فإن هذا لا شك أن فيه من التلطف والتودد والتحبب ما هو ظاهر. * وفيه أيضًا: دليل على أن اتخاذ الأصنام مع الله أنه ظلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الفائدة الثالثة: أن المعاصي ظلم للنفوس، ووجه ذلك أن النفس أمانة عندك إن رعيتها بأحسن الرعاية فقد أديت حقها، وإن رعيتها بأسوأ الرعاية فقد ظلمتها؛ ولهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه: البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٨). ورواه أبو داود (١٣٦٩)، واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.]]. * وفيه أيضًا الفائدة الرابعة: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ لم يقل: إلى الله؛ لأن ذكر البارئ هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهًا، فإن الذي يستحق أن يكون الإله من؟ البارئ؛ لأنه الخالق. وفيه دليل على الفائدة الخامسة، أظن، * الفائدة الخامسة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا﴾. * والفائدة السادسة: أن التوبة على الفور، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَتُوبُوا﴾؛ لأن الفاء للترتيب والتعقيب. * وفيه دليل أيضًا على إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ﴾ فإن الباء هنا للسببية. * وفيه دليل على أنه ينبغي للداعية كشف الأمور وبيانها؛ لأنه ما قال: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وأجمل بل بين في قوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ وهو ما يسمى عندنا بالعرف: وضع النقط على الحروف؛ لأنه قال: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ صحيح ظلم، لكن إذا نص وبين وكشف المبهم فهو أولى وأحسن. * طالب: إذا كان ينفر البيان؟ * الشيخ: إذا كان ينفر فإنه قد يعرض للفاضل ما يجعل المفضول أفضل منه. * وفيه أيضًا دليل على سفاهة بني إسرائيل، من أي وجه؟ من اتخاذهم العجل إلهًا، العجل هم الذين صنعوه بأنفسهم، ويعرفون أن العجل المخلوق اللي أفضل منه، ما يصح إلهًا، وهم جعلوا هذا الجسد جعلوه إلهًا، عجلًا جسدًا ما فيه روح، ومع ذلك اتخذوه إلهًا، فهذا دليل على سفاهتهم، سفاهة عقولهم. * وفيه دليل على ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال والآصار؛ حيث كانت توبتهم بأن يقتل بعضهم بعضًا؛ لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لو وقعت هذه في أمة محمد، فما هو الطريق للتخلص منها؟ أن يتوبوا إلى الله ويرجعوا من هذا الذنب، ويقبلوا على توحيده وعبادته ويتخلصوا منه نهائيًّا، ولا يشرع لهم أن يقتلوا أنفسهم في هذه الأمة. * وفيه أيضًا دليل على أن القتل قد يكون خيرًا للإنسان إذا أدى إلى ما هو أفضل منه؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، وتعلمون أن القصاص إضافة قتل نفس أخرى إلى المقتول أولا؟ ولكن عاقبته حميدة؛ ولهذا صار جائزًا وسائغًا، وقال الله تعالى فيه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٧٩]. * وفيه أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. * وفيها إثبات اسمين من أسماء الله وهما: التواب والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي: التوبة والرحمة، وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما لا كل على انفراد، باقترانهما؛ لأنه لما اقترنا تولدت أو نتج من اجتماعهما صفة ثالثة، وهي: دفع المضار وجلب المنافع، من أين؟ * طالب: التواب. * الشيخ: لأن التواب به دفع المضار، والرحيم به جلب المنافع. * وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله، فيتعرض لتوبة الله ورحمته، فيتوب إلى ربه سبحانه وتعالى ويرجوه الرحمة، وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَل الْجَنَّةَ»[[متفق عليه: البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥، ٦) من حديث أبي هريرة.]] فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان لله بمقتضاها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: جسد، يعني جسد بمعنى ما فيه روح، الجسد معناه كل شيء له جثة هو جسد. * فيه أيضًا دليل على أن الأمة كنفس واحدة، من أين تؤخذ؟ ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لأنه قد سبق أن قلنا: ما أمروا بأن يقتل كل واحد منهم نفسه، بل يقتل بعضهم بعضًا. * وفيه أيضًا دليل على تفاضل الأعمال؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، وأن الأعمال تتفاضل عند الله سبحانه وتعالى فبعضها خير من بعض. * طالب: فيها قراءات ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ ﴿بَارِئِكُمْ﴾؟ * الشيخ: عندي فيها قراءات: ﴿بَارِيكُمْ﴾ هذه قراءة، و﴿اتَّخَتُّمُ﴾ وين ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ؟ * الطالب: الإظهار والإدغام. * الشيخ: ما هي بعندي. * الطالب: ﴿بَارِئِكُمْ﴾. * الشيخ: إي باريكم فيها قراءة: ﴿بَارِيكُمْ﴾ وفيها قراءة: ﴿بَارِئِكُمْ﴾ إسكان الياء أو الهمزة نعم، أما ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ما فيها، ما عندي. * الطالب: عندي قراءة. * الشيخ: وين هي؟ * الطالب: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ باتخاتكم﴾ . * الشيخ: ما عندي، وأيش الكتاب اللي عندك؟ * الطالب: الحجة لابن خالويه. * الشيخ: وأيش هو؟ قوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ تقرأ بالإظهار والإدغام. الإدغام ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ الذال بالتاء، تقول: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ، يعني تظهر الذال ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾، أو تدغم الذال تقول: ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ الحجة لمن أظهر: أنه أتى بالكلمة على أصلها، واغتنم الثواب على كل حرف منها. والحجة لمن أدغم: أن الظاء والثاء، والذال مخرجهن من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العلى، فوجب الإدغام لمقاربة المخرج والمجانسة. الإدغام بالذال ما هي بالهمزة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا ما يظهر؛ لأنه مشدد الحرفين. * الطالب: وهمزة الوصل (...)؟ * الشيخ: الظاهر أن همزة الوصل تروح (...) إلا عند الابتداء. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة ٥٥، ٥٦] هنا يذكرهم الله تبارك وتعالى بنعمته عليهم، لكن لا بكونهم قالوا هذا القول ثم صعقوا، ولكن بأنهم بعثوا من بعد الموت. * ففيه: أنه عند تذكير النعم ينبغي استيعاب الأمر استيعاب الموضوع لتتبين النعم ومواقعها. * وفيه أيضًا دليل على سفاهة هؤلاء، أي سفاهة بني إسرائيل، وما أكثر ما يدل على سفاهتهم، فهم المؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فسبق لنا أن العلماء اختلفوا متى قالوا هذا. * وفيه أيضًا دليل على أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ لأن الفاء تدل على السببية. * وفيه: أقول: إنه من سأل ما لا يمكن حري بالعقوبة لا سيما مثل حال هؤلاء الذين قالوا ذلك عن تشكك، ففرق بين قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣] وبين قول هؤلاء: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فموسى قال ذلك شوقًا إلى الله عز وجل، وليتلذذ بالرؤية إليه، أما هؤلاء فقالوه تشككًا، يعني: ما نحن مؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة، ففرق بين الطلبين. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى في أخذ الصاعقة لهؤلاء في آن واحد. * وفيه دليل على أن ألم العقوبة وقعها عند النظر أشد؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فإن الإنسان إذا رأى أن الناس يتساقطون في العقوبة -والعياذ بالله- يكون ذلك أشد وقعًا عليه. * وفيه دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى حيث أحياهم بعد الموت؛ لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. * وفيه دليل على وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقد مر علينا كثيرًا بأن الشكر هو القيام بأي شيء؟ بطاعة المنعم، إقرارًا بالقلب واعترافًا باللسان وعملًا بالأركان، فيعترف بقلبه أنها من الله، لا يقول: إنما أوتيته على علم عندي، كذلك أيضًا يتحدث بها بلسانه افتخارًا ولّا اعتبارًا؟ اعتبارًا لا افتخارًا، وكذلك أيضًا يكون في طاعة الله سبحانه وتعالى في جوارحه، وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

البقرة 2:55

ثم ذكر نعمة أخرى أيضًا فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ يعني: واذكروا إذ قال موسى لقومه، والقوم بمعنى القبيلة، والفقهاء يقولون: إن القوم من الجد الرابع فما دونه، هؤلاء القوم في اللغة العربية. قال: ﴿لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ ناداهم بوصف القومية تحببًا وتوددًا وإظهارًا لأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه، ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أكد الجملة لبيان حقيقة ما هم عليه و﴿ظَلَمْتُمْ﴾ بمعنى: نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن الظلم في الأصل بمعنى النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني: تنقص، هذا هو الأصل، ولكن قد يراد به أكثر من النقص، إنما هنا ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نقصتموها حقها، وذلك بمخالفة التوحيد. فقال: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ الباء هنا للسببية، أي: بسبب اتخاذكم العجل، واتخاذ مصدر، وفعلها اتخذ، وهو مضاف إلى فاعله، الكاف فاعل، و﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني؟ * طالب: إلهًا. * الشيخ: محذوف، تقديره؟ * طالب: إلهًا. * الشيخ: إلهًا، ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلهًا تعبدونه من دون الله. والعجل هذا سبق أنه عجل من ذهب صورة، وأن الذي فتن الناس بها رجل يقال له: السامري، اتخذوه إلهًا والعياذ بالله، فأرشدهم موسى ﷺ إلى الخلاص من هذا الظلم العظيم قال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ﴿تُوبُوا﴾ أمر بمعنى ارجعوا؛ لأن التوبة والأوبة معناها الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والتوبة تكون بالإقبال على الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، إذا كان الظلم بترك واجب، فالتوبة بفعله، وإذا كان الظلم بفعل معصية، فالتوبة بتركها والإقلاع منها. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ما قال: إلى الله، ولا قال: إلى ربكم؛ لإظهار لومهم وتوبيخهم؛ لأن البارئ بمعنى الخالق المعتني، خالق معتني، فكأنه يقول: كيف تتخذون العجل إلهًا وتَدَعون خالقكم الذي يعتني بكم، وهذا كقول إلياس لقومه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات ١٢٥]، ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أي خالقكم، أيش بعد؟ * طالب: المعتني بكم. * الشيخ: المعتني بكم. ﴿فَاقْتُلُوا﴾ الفاء هنا تفسيرية؛ لأن قوله: ﴿اقْتُلُوا﴾ تفسير للمجمل في قوله: ﴿تُوبُوا﴾، وعلى هذا فالفاء للتفسير، أي: فتوبوا بهذا الوصف. ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل بعضكم بعضًا، وليس المعنى أن كل واحد يقتل نفسه بالإجماع، ما أحد من المفسرين قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كل واحد يقتل نفسه، وإنما المعنى: يقتل بعضكم بعضًا، يقتل الإنسان ولده والده أخاه، المهم أنكم تستعدون وتتخذون سلاحًا -خناجر وسكاكين وسيوف- وكل واحد منكم يهجم على الآخر ويقتله، فهمتم؟ اختلف المفسرون هل هذا القتل وقع في ظلمة أو وقع جهارًا بدون ظلمة؟ فقيل: إنه لما أمروا بذلك، قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضًا، فينظر الإنسان إلى ابنه فيقتله، وإلى أبيه فيقتله، وإلى أخيه، وإلى صديقه، هذا شيء ما يمكن، فألقى الله عليهم ظلمة وصار يقتل بعضهم بعض ولا يدري من قتل. وقيل: بل إنهم قتلوا جهرًا بدون ظلمة، وإن هذا أبلغ في الدلالة على صحة توبتهم، إن الإنسان يقتل أي واحد أمامه، وأنه لما رأى موسى ﷺ أنهم سينتهون؛ لأنه إذا صار بعضهم يقتل بعضًا من يبقى؟ * طالب: يبقى واحد. * الشيخ: يبقى واحد، فلما رأى أنهم سينتهون ابتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنهم الإصر، فأمروا بالكف، وقيل: بل سقطت منهم أسلحتهم، سقطت من أيديهم، والله أعلم، المهم أن ظاهر القرآن إنه ما حصل شيء، يعني: ما حصل ظلمة ولا شيء، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى. وذهب بعضهم إلى أن المراد: يقتل البريء منكم المجرم، يعني: الذين دعوا إلى عبادة العجل وعكفوا عليه يُقتلون، والذين تبرؤا منه يَقتلون، والله أعلم، لكن الظاهر الأول؛ لأن قتل البريء للمجرم ما فيه دلالة على صدق التوبة من المجرمين؛ لأن الإنسان قد يُقتل وهو مصر على الذنب، ولا يدل ذلك على توبته، قال عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * طالب: قال عليه الصلاة والسلام في الحديث؟ * الشيخ: إي، قال موسى. * طالب: إي. * الشيخ: نعم، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه القتل، وهنا قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: ذلك؟ لماذا؟ * طالب: جماعة. * طالب: لأنهم قوم. * طالب: شبه جماعة. * الشيخ: لأنه شبه جماعة لا. * طالب: خبر جماعة. * الشيخ: خطأ، انتبه، قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: ذلك، ولا يشير إلى جماعة. * طالب: يخاطب جماعة ويشير إلى واحد. * الشيخ: صحيح يخاطب جماعة ويشير إلى واحد وهو القتل، المشار إليه واحد، مفرد مذكر وهو القتل، والمخاطب؟ * طالب: جماعة. * الشيخ: جماعة، وهم قومه. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: من عدم التوبة، أو من عدم القتل، وهذا من التفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فهمتم؟ والتفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء هذا وارد في اللغة العربية، لكن بعضهم يقول: إنه يسلب منه التفضيل هنا، ويكون دليلًا على وجود الخير في هذا الأمر بدون تقدير المفضل عليه، فمثلا هنا يقول قائل: لو لم يقتلوا أنفسهم هل في ذلك خير؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما فيه خير؛ فلماذا قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟ نقول فيها جوابان: أحدهما: أن هذا من باب التفضيل بما ليس في الطرف المفضل عليه منه شيء، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، خير مستقرًّا من أهل النار، مع أن أهل النار ليس في مستقرهم خير. وبعضهم يقول: إنه هنا ليس اسم تفضيل لمثل هذا، بل فيه وصف هذا الشيء في الخيرية فقط، وليس من باب المفضل والمفضل عليه في شيء، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. ثم قال الله تعالى -ما نقول: قال ﷺ، نقول: قال الله تعالى-: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا محط ذكر النعمة ولَّا لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لأن الأول: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ ذكر الذنب والتوبة منه، لكن النعمة بأي شيء؟ * طالب: بالتوبة. * الشيخ: بتوبة الله عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. وتوبة الله على عبده معناه: أنه يرضى عنه بعد الغضب، ويقبل إليه بعد التولي عنه والإعراض عنه، إيه ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا من كلام الله. * طالب: (...) وعد منه ﷺ. * الشيخ: لا، اذكر نعمة الله إذ قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فهي من كلام الله. وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيش معني تاب؟ أقبل إليكم بعد أن كان معرضًا عنكم، أو أن المعنى: تاب، أي: قبل التوبة، قبل التوبة منكم، ومن لازم قبول التوبة منهم أن يقبل الله إليهم. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ هو ضمير فصل، ويسميه بعض النحويين ضمير عماد؛ لاعتماد الخبر عليه، وضمير فصل؛ لأنه فصل بين الصفة والخبر. وقد ذكرنا أن فيه ثلاث فوائد، من يذكرها؟ ضمير الفصل فيه ثلاث فوائد ذكرناها سابقًا، وأيش؟ * طالب: الفصل. * الشيخ: إي نعم. * طالب: تعيين الخبر لما بعده. * الشيخ: إيه يعني: فصل، تعيينها لما بعدها خبر (...)، لا بأس، والثالث؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد، نعم. وقوله: ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة، ولم يقل: التائب، نعم؛ لأن التائب تدل على مطلق الفعل، لكن التواب تدل على كثرته، تدل على كثرته، والله سبحانه وتعالى كثير التوبة لكثرة توبته على عبده، وكثير التوبة لكثرة من يتوب عليهم من الناس، فهو يتوب بالمرات المتعددة على عبده، ويتوب للأشخاص الكثيرين الذين يكثر توبتهم؛ لهذا جاءت الصيغة التواب. وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة الواصلة للمرحوم؛ لأنها هنا صفة مشبهة لكن تدل على الفعل، يعني: أنه سبحانه وتعالى رحيم، يعني: راحم بالفعل. توبة الله سبحانه وتعالى، وصف الله بالتوبة، ينبغي أن يعلم بأن توبة الله على العبد نوعان: توبة سابقة على توبة العبد، وتوبة لاحقة، أما توبته على السابقة على توبة العبد، فهي توفيقه للتوبة، وأما توبته اللاحقة بعد توبة العبد، فهي قبول التوبة؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة ١١٧] إلى أن قال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة ١١٨]، قبله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨] ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم. * طالب: سؤال بخصوص العجل، هل كان هذا العجل يعني فيه نوع حياة؟ * الشيخ: لا، الله بين: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف ١٤٨]، والحياة ما فيه حياة؛ لأن الله قال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف ١٤٨] ما فيه روح. * طالب: قول السامري: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه ٩٦] تفسيرها (...) صح؟ * الشيخ: الله أعلم، من الإسرائيليات اللي ما تصدق ولا تكذب، لكن ظاهر القرآن إنه ما فيه إلا مجرد صوت فقط، صوت كصوت العجل، أما أن يكون فيه روح فلا؛ لأن وصفه بالجسد دليل على أنه لا روح فيه؛ لأنه لو أطلق وقيل: عجلا، لظن الظان أن فيه روح، فخرج دفع هذا الوهم بقوله: ﴿جَسَدًا﴾. * طالب: والقبضة. * الشيخ: نعم. * طالب: هذه القبضة؟ * الشيخ: القبضة ما تعرف شو أثرت فيه، هل أثرت حسنًا بأن جملته وطلته مثلا أو أن هذه القبضة صار فيها تأثير بالصوت صوت هذا العجل، وكثير من المفسرين يقولون: إن هذا الصوت ما هو الطبيعي في هذا الشيء، وأن الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، فيكون لها صوت. * طالب: شيخ، التوبة بالنسبة للعبد وأيش الفرق بينها وبين التوبة بالنسبة لله (...)؟ * الشيخ: لا فرق بينهما، كله الرجوع، إلا إذا قلنا: إن التوبة من الله معناها قبول توبة العبد، إي نعم، يكون معناها غير الرجوع، أما إذا قلنا: إن الله تاب عليهم، بمعنى رجع عن إعراضه عنهم بالإقبال عليهم، فيكون معناها واحد. قال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ يعني: واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ، لكن إنعامه على الأمة أولها إنعام على آخرها، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى﴾ لن تفيد النفي، لكنها تقتضي التأبيد ولَّا ما تقتضيه؟ * طالب: ما تقتضي. * الشيخ: ما تقتضي التأبيد، إلا إذا قيدت به، ولكنها لها ثلاث حالات: تارة تقيد بما يدل على الغاية، كقوله هنا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾، ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]، هذه واضحة إذا قيدت بما يدل على الغاية إنها لا تدل على التأبيد ولا تحتمل التأبيد، ولَّا لا؟ وتارة تقيد بما يدل على التأبيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٩٥]. والثالث: أن تأتي مطلقة: لن يقوم فلان. نعم، فهذه إن دلت القرينة على أنها تقتضي التأبيد فهي للتأبيد، وإن دلت القرينة على أنها لا تقتضي فهي محتملته، فمثلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤] هذي أيش (...)؟ * طالب: تأبيد. * الشيخ: تأبيد، ما فيها أبدًا. * طالب: القرينة. * الشيخ: لكن القرينة تقتضي ذلك، إذن هذا حكم لن؛ ولهذا قال ابن مالك في الكافية: وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ∗∗∗ فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا قوله: اردد؛ لأن المعتزلة بل الأشعرية يقولون: لن للتأبيد؛ ولأجل ذلك استدلوا بقول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣] أن الله لن يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن قولهم بلا شك مردود. إذن ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به، ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، نرى بمعنى نبصر؛ ولهذا ما تنصب إلا مفعولا واحدًا؛ لأنها رؤية بصرية، فاعلها؟ * طالب: نحن. * الشيخ: وين؟ مستتر جوازًا تقديره: نحن. ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، نعم، ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع فاعله مستتر وجوبًا تقديره: نحن، نحن قلنا لكم: إذا كان الضمير تقديره: أنا أو أنت أو نحن، فهو واجب، وإذا صار هو أو هي فهو مستتر جوازًا، لكن (...) هذه مسائل بدهية ما هي صعبة، يعني من المسائل النحوية الصعبة، هذه يمكن اللي في الابتدائي يعرفها، وما يرضينا منكم هذا. كل ما كان الضمير تقديره: أنا أو نحن أو أنت فهو؟ مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي، فهو مستتر جوازًا. هذا تقديره: نحن، فيكون مستترًا وجوبًا. وقوله: ﴿جَهْرَةً﴾ هذه حال أو هي مفعول مطلق، أي: رؤية جهرة، متى قالوا ذلك؟ قيل: إنهم قالوا ذلك حينما اختار منهم موسى ﷺ سبعين رجلًا... شوف الآيات معكم الآن، أنتم فهمتم القولين الآن ولَّا لا؟ فهمتم القولين؟ أم ما فهمتم القولين؟ القول الأول يقولون: إن موسى عليه الصلاة والسلام اختار من قومه سبعين رجلًا لميقات الله لموعده، وذهب بهم ولما صار يكلم الله ويكلمه الله قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يقولون هذا القول حينما كان موسى خارجًا لميقات الله، وقال بعض العلماء: بل إنه لما جاء بالتوراة لما رجع من ميقات الله وأنزل عليه التوراة وجاء بها قالوا: لا، ما هي من الله ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.* الطالب: السياق يؤيد الثاني. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الأخير. * الشيخ: الأخيرة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، ثم ذكر قصة العجل وهذه كانت بعد مجيء موسى بالتوراة، ثم بعد ذلك ذكر: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فظاهر السياق يدل على أن هذا القول كان حينما جاء بالتوراة وقال: هذه من عند الله، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لكن (...). ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف ١٥٥] هذا ما يدل على القول الأول؟ إن هذا كان عندما كان يناجي الله؟ أي: بعضهم أيده بها بهذه الآية القول الأول، ولكن الحقيقة ما فيه تأييد له؛ لأن هذه يقول: ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ رُجِفَ بهم (...) الصاعقة، صعقوا وماتوا، ولكن موسى خاف أن يموت، وأن يحصل ما حصل في الأول، أو خاف أن يموت، وإن كان الثاني بعده، فالظاهر لي أن هذا لا يترجح، لا يترجح القول الأول بهذه الآية لاختلاف العقوبتين، العقوبة هذه أيش؟ الصاعقة، وتلك: الرجفة، الله أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ لما قالوا هذا أخذتهم الصاعقة، الصاعقة يعني الموت الذي صعقوا به. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضكم إلى بعض، ينظر بعضكم إلى بعض حتى تساقطوا، والجملة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ حال، حال من أين؟ من الكاف في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ الصاعقة، يعني: والحال أنكم تنظرون، ينظر بعضكم إلى بعض حتى هلكتم جميعًا. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾ أصل البعث في اللغة: الإخراج، ويطلق على الإحياء كما في هذه الآية، ويدل على أن المراد به الإحياء هنا قوله: ﴿بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ هل هو موت حقيقي؟ الجواب: نعم، وليس نومًا؛ لأن النوم يسمى وفاة ولا يسمى موتًا ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ٦٠] ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢]. وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا، ويكون ذلك كفارة لهم؛ ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لعلكم تشكرون، أي: تشكرون الله سبحانه وتعالى، و(لعل) هنا للتعليل وليست للترجي؛ لأن الترجي في جانب الله سبحانه وتعالى لا يجوز، إذ إن الترجي - كما هو معروف في اللغة العربية - طلب ما فيه عسر، والله تعالى لا يعسر عليه شيء، ولكنها كلما جاءت في كتاب الله فهي للتعليل ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة، فيها إحياء الله تعالى الموتى، والثانية: في قصة صاحب البقرة، والثالثة: في ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣]، والرابعة: في قصة الذي ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخامسة: قصة إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] إلى آخره، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦] لأن هذه القصص الخمس وغيرها كإخراج عيسى الموتى من قبورهم هذه تعتبر أمرًا نادرًا يؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى، أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨] ويقولون: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان ٣٦] نقول: إن هؤلاء مموِّهون، فالرسل ما قالت لهم: إنكم الآن تبعثون، متى؟ يوم القيامة، ولينتظروا فسيكون هذا بلا ريب. * الطالب: شيخ في قول الله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر ١١] نفس الجواب اللي قاله هنا؟ * الشيخ: أي نفس الجواب، أنه ما يقع من بعض الناس الذي أميتوا مرتين أو ثلاثا وأحيوا ثلاثًا، هذا يكون خلاف العام. قوله تعالى ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * يستفاد من ذلك: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من نعمه وآلائه ولَّا لا؟ وهي من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق، بل ولا حق المخلوق؛ فلذلك نزلت الكتب تبيانًا للناس. * يستفاد منها أيضًا: أن موسى عليه الصلاة والسلام نبي؛ لأن الله آتاه الكتاب. * يستفاد منه: فضيلة التوراة؛ لأنه أطلق عليها اسم الكتاب، و(أل) هذه للعهد أيش؟ الذهني لأنه ما سبق لها ذكر، فدل هذا على أنها معروفة بين بني إسرائيل، وأنه إذا أطلق الكتاب فهو للتوراة، ومن وجه آخر أيضًا أن الله تعالى سماها الفرقان كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين من أعظم الكتب، يعني: أفضل الكتب بعد القرآن التوراة؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩] يعني: من التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فدل هذا على أن التوراة أنها مشاركة للقرآن في كونها فرقانًا؛ ولذلك كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة ٤٤]. * ويستفاد من هذا رابعًا: بيان عتو بني إسرائيل، بيان عتو بني إسرائيل وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقانًا، ثم هم يكفرون هذا الكفر يدل على زيادة عتوهم وطغيانهم؛ إذ من نزل عليه كتاب يكون فرقانًا كان يجب عليه بمقتضى ذلك أيش؟ أن يكون مؤمنًا مذعنًا خلافًا لهم. * وفيها أيضًا دليل: على أن الله تبارك وتعالى ينزل الكتب ويجعلها فرقانًا لغاية حميدة جدًّا وهي * الفائدة الخامسة وهي: الهداية؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * الفائدة السادسة: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء، ما يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وما أشبه ذلك، بل إنها من الكتب المنزلة من السماء، فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد والعباد وما أشبه ذلك، نقول لكاتبيها وقارئيها: خير لكم أن تبدوا للناس كتاب الله وتبسطوه وتشرحوه وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعًا للخلق؛ لأنه ما فيه طريق للهداية إلى الله إلا الكتب المنزلة من عنده. * وفيه أيضًا من الفوائد اللغوية: جواز عطف الصفة على الموصوف؛ لقوله: ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ وقد مر علينا هذا ذكرنا له مثالًا آخر في القرآن، بل فيه أمثلة مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى ١ - ٤] وهذا جائز بشرط أن لا يوهم خلاف المقصود، فإن أوهم خلاف المقصود بحيث يتوهم المخاطَب أن الثاني غير الأول، فإنه يمتنع وتحذف حرف العطف؛ لئلا يظن أن الثاني هو الأول، كما أنه يجب أحيانًا أن يكون بالعطف إذا أوهم أن هذه الصفة لغير الأول، إذا أوهم أن الصفة هذه لغير الأول وجب حرف العطف، مثلًا تقول: مررت بزيد الضارب عَمْرًا والكريم، ولا تقول: الكريم، مررت بزيد الضارب المجرم الكريم وأيش تقول؟ تقول: والكريم تأتي بالواو؛ لأنك لو تقول: الضارب المجرم الكريم، أوهم أن الكريم وصف للمجرم، فتقول: الضارب المجرم والكريمِ، يعني وهو أيضًا الكريم، لا ما هو ضاربًا الكريم، هو كريم، ما هو الضارب المجرم والكريم، لا، فالمهم صار الآن عطف الصفة على الموصوف جائزًا، وقد يجب أحيانًا وقد يمتنع أحيانًا، متى يمتنع؟ إذا أوهم التعدد بحيث يظن أن الثاني لا يعود للأول، ويجب العطف إذا أوهم خلاف المقصود فإنه يجب العطف؛ لئلا يظن أن هذا الوصف تابع للثاني لا للأول، كم من فائدة في الآية هذه؟ * الطلبة: سبع. * الشيخ: * الفائدة الثامنة: إثبات الأسباب، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ آتاه الكتاب لأجل أن يهتدوا، فإذن الهداية لها سبب، الأسباب لا شك في ثبوتها، ولا أحد ينكر الأسباب أبدًا. * ويستفاد من هذا أيضًا: أن الإتيان المضاف إلى الله سبحانه وتعالى يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، فإيتاء الكتب شرعي ولا كوني؟ شرعي، وإيتاء المال كوني ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص ٧٦] فالإتيان كوني. * طالب: شيخ، إيتان ولا إيتاء؟ * الشيخ: نعم، الإيتاء. الإيتاء نوعان: شرعي وكوني؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء ٢]. * وفيها أيضًا: ذكر فضل موسى وتقدم، وأنه نبي، فضله وأنه نبي.ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤] إلى آخره. * يستفاد من هذا: أنه ينبغي للداعية أن يستعمل الأسلوب الذي يجلب إليه، و(...) الناس عليه؛ لقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾، فإن هذا لا شك أن فيه من التلطف والتودد والتحبب ما هو ظاهر. * وفيه أيضًا: دليل على أن اتخاذ الأصنام مع الله أنه ظلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الفائدة الثالثة: أن المعاصي ظلم للنفوس، ووجه ذلك أن النفس أمانة عندك إن رعيتها بأحسن الرعاية فقد أديت حقها، وإن رعيتها بأسوأ الرعاية فقد ظلمتها؛ ولهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه: البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٨). ورواه أبو داود (١٣٦٩)، واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.]]. * وفيه أيضًا الفائدة الرابعة: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ لم يقل: إلى الله؛ لأن ذكر البارئ هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهًا، فإن الذي يستحق أن يكون الإله من؟ البارئ؛ لأنه الخالق. وفيه دليل على الفائدة الخامسة، أظن، * الفائدة الخامسة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا﴾. * والفائدة السادسة: أن التوبة على الفور، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَتُوبُوا﴾؛ لأن الفاء للترتيب والتعقيب. * وفيه دليل أيضًا على إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ﴾ فإن الباء هنا للسببية. * وفيه دليل على أنه ينبغي للداعية كشف الأمور وبيانها؛ لأنه ما قال: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وأجمل بل بين في قوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ وهو ما يسمى عندنا بالعرف: وضع النقط على الحروف؛ لأنه قال: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ صحيح ظلم، لكن إذا نص وبين وكشف المبهم فهو أولى وأحسن. * طالب: إذا كان ينفر البيان؟ * الشيخ: إذا كان ينفر فإنه قد يعرض للفاضل ما يجعل المفضول أفضل منه. * وفيه أيضًا دليل على سفاهة بني إسرائيل، من أي وجه؟ من اتخاذهم العجل إلهًا، العجل هم الذين صنعوه بأنفسهم، ويعرفون أن العجل المخلوق اللي أفضل منه، ما يصح إلهًا، وهم جعلوا هذا الجسد جعلوه إلهًا، عجلًا جسدًا ما فيه روح، ومع ذلك اتخذوه إلهًا، فهذا دليل على سفاهتهم، سفاهة عقولهم. * وفيه دليل على ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال والآصار؛ حيث كانت توبتهم بأن يقتل بعضهم بعضًا؛ لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لو وقعت هذه في أمة محمد، فما هو الطريق للتخلص منها؟ أن يتوبوا إلى الله ويرجعوا من هذا الذنب، ويقبلوا على توحيده وعبادته ويتخلصوا منه نهائيًّا، ولا يشرع لهم أن يقتلوا أنفسهم في هذه الأمة. * وفيه أيضًا دليل على أن القتل قد يكون خيرًا للإنسان إذا أدى إلى ما هو أفضل منه؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، وتعلمون أن القصاص إضافة قتل نفس أخرى إلى المقتول أولا؟ ولكن عاقبته حميدة؛ ولهذا صار جائزًا وسائغًا، وقال الله تعالى فيه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٧٩]. * وفيه أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. * وفيها إثبات اسمين من أسماء الله وهما: التواب والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي: التوبة والرحمة، وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما لا كل على انفراد، باقترانهما؛ لأنه لما اقترنا تولدت أو نتج من اجتماعهما صفة ثالثة، وهي: دفع المضار وجلب المنافع، من أين؟ * طالب: التواب. * الشيخ: لأن التواب به دفع المضار، والرحيم به جلب المنافع. * وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله، فيتعرض لتوبة الله ورحمته، فيتوب إلى ربه سبحانه وتعالى ويرجوه الرحمة، وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَل الْجَنَّةَ»[[متفق عليه: البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥، ٦) من حديث أبي هريرة.]] فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان لله بمقتضاها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: جسد، يعني جسد بمعنى ما فيه روح، الجسد معناه كل شيء له جثة هو جسد. * فيه أيضًا دليل على أن الأمة كنفس واحدة، من أين تؤخذ؟ ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لأنه قد سبق أن قلنا: ما أمروا بأن يقتل كل واحد منهم نفسه، بل يقتل بعضهم بعضًا. * وفيه أيضًا دليل على تفاضل الأعمال؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، وأن الأعمال تتفاضل عند الله سبحانه وتعالى فبعضها خير من بعض. * طالب: فيها قراءات ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ ﴿بَارِئِكُمْ﴾؟ * الشيخ: عندي فيها قراءات: ﴿بَارِيكُمْ﴾ هذه قراءة، و﴿اتَّخَتُّمُ﴾ وين ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ؟ * الطالب: الإظهار والإدغام. * الشيخ: ما هي بعندي. * الطالب: ﴿بَارِئِكُمْ﴾. * الشيخ: إي باريكم فيها قراءة: ﴿بَارِيكُمْ﴾ وفيها قراءة: ﴿بَارِئِكُمْ﴾ إسكان الياء أو الهمزة نعم، أما ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ما فيها، ما عندي. * الطالب: عندي قراءة. * الشيخ: وين هي؟ * الطالب: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ باتخاتكم﴾ . * الشيخ: ما عندي، وأيش الكتاب اللي عندك؟ * الطالب: الحجة لابن خالويه. * الشيخ: وأيش هو؟ قوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ تقرأ بالإظهار والإدغام. الإدغام ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ الذال بالتاء، تقول: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ، يعني تظهر الذال ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾، أو تدغم الذال تقول: ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ الحجة لمن أظهر: أنه أتى بالكلمة على أصلها، واغتنم الثواب على كل حرف منها. والحجة لمن أدغم: أن الظاء والثاء، والذال مخرجهن من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العلى، فوجب الإدغام لمقاربة المخرج والمجانسة. الإدغام بالذال ما هي بالهمزة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا ما يظهر؛ لأنه مشدد الحرفين. * الطالب: وهمزة الوصل (...)؟ * الشيخ: الظاهر أن همزة الوصل تروح (...) إلا عند الابتداء. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة ٥٥، ٥٦] هنا يذكرهم الله تبارك وتعالى بنعمته عليهم، لكن لا بكونهم قالوا هذا القول ثم صعقوا، ولكن بأنهم بعثوا من بعد الموت. * ففيه: أنه عند تذكير النعم ينبغي استيعاب الأمر استيعاب الموضوع لتتبين النعم ومواقعها. * وفيه أيضًا دليل على سفاهة هؤلاء، أي سفاهة بني إسرائيل، وما أكثر ما يدل على سفاهتهم، فهم المؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فسبق لنا أن العلماء اختلفوا متى قالوا هذا. * وفيه أيضًا دليل على أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ لأن الفاء تدل على السببية. * وفيه: أقول: إنه من سأل ما لا يمكن حري بالعقوبة لا سيما مثل حال هؤلاء الذين قالوا ذلك عن تشكك، ففرق بين قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣] وبين قول هؤلاء: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فموسى قال ذلك شوقًا إلى الله عز وجل، وليتلذذ بالرؤية إليه، أما هؤلاء فقالوه تشككًا، يعني: ما نحن مؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة، ففرق بين الطلبين. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى في أخذ الصاعقة لهؤلاء في آن واحد. * وفيه دليل على أن ألم العقوبة وقعها عند النظر أشد؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فإن الإنسان إذا رأى أن الناس يتساقطون في العقوبة -والعياذ بالله- يكون ذلك أشد وقعًا عليه. * وفيه دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى حيث أحياهم بعد الموت؛ لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. * وفيه دليل على وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقد مر علينا كثيرًا بأن الشكر هو القيام بأي شيء؟ بطاعة المنعم، إقرارًا بالقلب واعترافًا باللسان وعملًا بالأركان، فيعترف بقلبه أنها من الله، لا يقول: إنما أوتيته على علم عندي، كذلك أيضًا يتحدث بها بلسانه افتخارًا ولّا اعتبارًا؟ اعتبارًا لا افتخارًا، وكذلك أيضًا يكون في طاعة الله سبحانه وتعالى في جوارحه، وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

البقرة 2:56

ثم ذكر نعمة أخرى أيضًا فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ يعني: واذكروا إذ قال موسى لقومه، والقوم بمعنى القبيلة، والفقهاء يقولون: إن القوم من الجد الرابع فما دونه، هؤلاء القوم في اللغة العربية. قال: ﴿لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ ناداهم بوصف القومية تحببًا وتوددًا وإظهارًا لأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه، ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أكد الجملة لبيان حقيقة ما هم عليه و﴿ظَلَمْتُمْ﴾ بمعنى: نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن الظلم في الأصل بمعنى النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني: تنقص، هذا هو الأصل، ولكن قد يراد به أكثر من النقص، إنما هنا ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نقصتموها حقها، وذلك بمخالفة التوحيد. فقال: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ الباء هنا للسببية، أي: بسبب اتخاذكم العجل، واتخاذ مصدر، وفعلها اتخذ، وهو مضاف إلى فاعله، الكاف فاعل، و﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني؟ * طالب: إلهًا. * الشيخ: محذوف، تقديره؟ * طالب: إلهًا. * الشيخ: إلهًا، ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلهًا تعبدونه من دون الله. والعجل هذا سبق أنه عجل من ذهب صورة، وأن الذي فتن الناس بها رجل يقال له: السامري، اتخذوه إلهًا والعياذ بالله، فأرشدهم موسى ﷺ إلى الخلاص من هذا الظلم العظيم قال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ﴿تُوبُوا﴾ أمر بمعنى ارجعوا؛ لأن التوبة والأوبة معناها الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والتوبة تكون بالإقبال على الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، إذا كان الظلم بترك واجب، فالتوبة بفعله، وإذا كان الظلم بفعل معصية، فالتوبة بتركها والإقلاع منها. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ما قال: إلى الله، ولا قال: إلى ربكم؛ لإظهار لومهم وتوبيخهم؛ لأن البارئ بمعنى الخالق المعتني، خالق معتني، فكأنه يقول: كيف تتخذون العجل إلهًا وتَدَعون خالقكم الذي يعتني بكم، وهذا كقول إلياس لقومه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات ١٢٥]، ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أي خالقكم، أيش بعد؟ * طالب: المعتني بكم. * الشيخ: المعتني بكم. ﴿فَاقْتُلُوا﴾ الفاء هنا تفسيرية؛ لأن قوله: ﴿اقْتُلُوا﴾ تفسير للمجمل في قوله: ﴿تُوبُوا﴾، وعلى هذا فالفاء للتفسير، أي: فتوبوا بهذا الوصف. ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل بعضكم بعضًا، وليس المعنى أن كل واحد يقتل نفسه بالإجماع، ما أحد من المفسرين قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كل واحد يقتل نفسه، وإنما المعنى: يقتل بعضكم بعضًا، يقتل الإنسان ولده والده أخاه، المهم أنكم تستعدون وتتخذون سلاحًا -خناجر وسكاكين وسيوف- وكل واحد منكم يهجم على الآخر ويقتله، فهمتم؟ اختلف المفسرون هل هذا القتل وقع في ظلمة أو وقع جهارًا بدون ظلمة؟ فقيل: إنه لما أمروا بذلك، قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضًا، فينظر الإنسان إلى ابنه فيقتله، وإلى أبيه فيقتله، وإلى أخيه، وإلى صديقه، هذا شيء ما يمكن، فألقى الله عليهم ظلمة وصار يقتل بعضهم بعض ولا يدري من قتل. وقيل: بل إنهم قتلوا جهرًا بدون ظلمة، وإن هذا أبلغ في الدلالة على صحة توبتهم، إن الإنسان يقتل أي واحد أمامه، وأنه لما رأى موسى ﷺ أنهم سينتهون؛ لأنه إذا صار بعضهم يقتل بعضًا من يبقى؟ * طالب: يبقى واحد. * الشيخ: يبقى واحد، فلما رأى أنهم سينتهون ابتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنهم الإصر، فأمروا بالكف، وقيل: بل سقطت منهم أسلحتهم، سقطت من أيديهم، والله أعلم، المهم أن ظاهر القرآن إنه ما حصل شيء، يعني: ما حصل ظلمة ولا شيء، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى. وذهب بعضهم إلى أن المراد: يقتل البريء منكم المجرم، يعني: الذين دعوا إلى عبادة العجل وعكفوا عليه يُقتلون، والذين تبرؤا منه يَقتلون، والله أعلم، لكن الظاهر الأول؛ لأن قتل البريء للمجرم ما فيه دلالة على صدق التوبة من المجرمين؛ لأن الإنسان قد يُقتل وهو مصر على الذنب، ولا يدل ذلك على توبته، قال عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * طالب: قال عليه الصلاة والسلام في الحديث؟ * الشيخ: إي، قال موسى. * طالب: إي. * الشيخ: نعم، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه القتل، وهنا قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: ذلك؟ لماذا؟ * طالب: جماعة. * طالب: لأنهم قوم. * طالب: شبه جماعة. * الشيخ: لأنه شبه جماعة لا. * طالب: خبر جماعة. * الشيخ: خطأ، انتبه، قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: ذلك، ولا يشير إلى جماعة. * طالب: يخاطب جماعة ويشير إلى واحد. * الشيخ: صحيح يخاطب جماعة ويشير إلى واحد وهو القتل، المشار إليه واحد، مفرد مذكر وهو القتل، والمخاطب؟ * طالب: جماعة. * الشيخ: جماعة، وهم قومه. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: من عدم التوبة، أو من عدم القتل، وهذا من التفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فهمتم؟ والتفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء هذا وارد في اللغة العربية، لكن بعضهم يقول: إنه يسلب منه التفضيل هنا، ويكون دليلًا على وجود الخير في هذا الأمر بدون تقدير المفضل عليه، فمثلا هنا يقول قائل: لو لم يقتلوا أنفسهم هل في ذلك خير؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما فيه خير؛ فلماذا قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟ نقول فيها جوابان: أحدهما: أن هذا من باب التفضيل بما ليس في الطرف المفضل عليه منه شيء، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، خير مستقرًّا من أهل النار، مع أن أهل النار ليس في مستقرهم خير. وبعضهم يقول: إنه هنا ليس اسم تفضيل لمثل هذا، بل فيه وصف هذا الشيء في الخيرية فقط، وليس من باب المفضل والمفضل عليه في شيء، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. ثم قال الله تعالى -ما نقول: قال ﷺ، نقول: قال الله تعالى-: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا محط ذكر النعمة ولَّا لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لأن الأول: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ ذكر الذنب والتوبة منه، لكن النعمة بأي شيء؟ * طالب: بالتوبة. * الشيخ: بتوبة الله عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. وتوبة الله على عبده معناه: أنه يرضى عنه بعد الغضب، ويقبل إليه بعد التولي عنه والإعراض عنه، إيه ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا من كلام الله. * طالب: (...) وعد منه ﷺ. * الشيخ: لا، اذكر نعمة الله إذ قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فهي من كلام الله. وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيش معني تاب؟ أقبل إليكم بعد أن كان معرضًا عنكم، أو أن المعنى: تاب، أي: قبل التوبة، قبل التوبة منكم، ومن لازم قبول التوبة منهم أن يقبل الله إليهم. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ هو ضمير فصل، ويسميه بعض النحويين ضمير عماد؛ لاعتماد الخبر عليه، وضمير فصل؛ لأنه فصل بين الصفة والخبر. وقد ذكرنا أن فيه ثلاث فوائد، من يذكرها؟ ضمير الفصل فيه ثلاث فوائد ذكرناها سابقًا، وأيش؟ * طالب: الفصل. * الشيخ: إي نعم. * طالب: تعيين الخبر لما بعده. * الشيخ: إيه يعني: فصل، تعيينها لما بعدها خبر (...)، لا بأس، والثالث؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد، نعم. وقوله: ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة، ولم يقل: التائب، نعم؛ لأن التائب تدل على مطلق الفعل، لكن التواب تدل على كثرته، تدل على كثرته، والله سبحانه وتعالى كثير التوبة لكثرة توبته على عبده، وكثير التوبة لكثرة من يتوب عليهم من الناس، فهو يتوب بالمرات المتعددة على عبده، ويتوب للأشخاص الكثيرين الذين يكثر توبتهم؛ لهذا جاءت الصيغة التواب. وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة الواصلة للمرحوم؛ لأنها هنا صفة مشبهة لكن تدل على الفعل، يعني: أنه سبحانه وتعالى رحيم، يعني: راحم بالفعل. توبة الله سبحانه وتعالى، وصف الله بالتوبة، ينبغي أن يعلم بأن توبة الله على العبد نوعان: توبة سابقة على توبة العبد، وتوبة لاحقة، أما توبته على السابقة على توبة العبد، فهي توفيقه للتوبة، وأما توبته اللاحقة بعد توبة العبد، فهي قبول التوبة؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة ١١٧] إلى أن قال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة ١١٨]، قبله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨] ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم. * طالب: سؤال بخصوص العجل، هل كان هذا العجل يعني فيه نوع حياة؟ * الشيخ: لا، الله بين: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف ١٤٨]، والحياة ما فيه حياة؛ لأن الله قال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف ١٤٨] ما فيه روح. * طالب: قول السامري: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه ٩٦] تفسيرها (...) صح؟ * الشيخ: الله أعلم، من الإسرائيليات اللي ما تصدق ولا تكذب، لكن ظاهر القرآن إنه ما فيه إلا مجرد صوت فقط، صوت كصوت العجل، أما أن يكون فيه روح فلا؛ لأن وصفه بالجسد دليل على أنه لا روح فيه؛ لأنه لو أطلق وقيل: عجلا، لظن الظان أن فيه روح، فخرج دفع هذا الوهم بقوله: ﴿جَسَدًا﴾. * طالب: والقبضة. * الشيخ: نعم. * طالب: هذه القبضة؟ * الشيخ: القبضة ما تعرف شو أثرت فيه، هل أثرت حسنًا بأن جملته وطلته مثلا أو أن هذه القبضة صار فيها تأثير بالصوت صوت هذا العجل، وكثير من المفسرين يقولون: إن هذا الصوت ما هو الطبيعي في هذا الشيء، وأن الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، فيكون لها صوت. * طالب: شيخ، التوبة بالنسبة للعبد وأيش الفرق بينها وبين التوبة بالنسبة لله (...)؟ * الشيخ: لا فرق بينهما، كله الرجوع، إلا إذا قلنا: إن التوبة من الله معناها قبول توبة العبد، إي نعم، يكون معناها غير الرجوع، أما إذا قلنا: إن الله تاب عليهم، بمعنى رجع عن إعراضه عنهم بالإقبال عليهم، فيكون معناها واحد. قال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ يعني: واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ، لكن إنعامه على الأمة أولها إنعام على آخرها، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى﴾ لن تفيد النفي، لكنها تقتضي التأبيد ولَّا ما تقتضيه؟ * طالب: ما تقتضي. * الشيخ: ما تقتضي التأبيد، إلا إذا قيدت به، ولكنها لها ثلاث حالات: تارة تقيد بما يدل على الغاية، كقوله هنا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾، ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]، هذه واضحة إذا قيدت بما يدل على الغاية إنها لا تدل على التأبيد ولا تحتمل التأبيد، ولَّا لا؟ وتارة تقيد بما يدل على التأبيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٩٥]. والثالث: أن تأتي مطلقة: لن يقوم فلان. نعم، فهذه إن دلت القرينة على أنها تقتضي التأبيد فهي للتأبيد، وإن دلت القرينة على أنها لا تقتضي فهي محتملته، فمثلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤] هذي أيش (...)؟ * طالب: تأبيد. * الشيخ: تأبيد، ما فيها أبدًا. * طالب: القرينة. * الشيخ: لكن القرينة تقتضي ذلك، إذن هذا حكم لن؛ ولهذا قال ابن مالك في الكافية: وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ∗∗∗ فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا قوله: اردد؛ لأن المعتزلة بل الأشعرية يقولون: لن للتأبيد؛ ولأجل ذلك استدلوا بقول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣] أن الله لن يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن قولهم بلا شك مردود. إذن ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به، ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، نرى بمعنى نبصر؛ ولهذا ما تنصب إلا مفعولا واحدًا؛ لأنها رؤية بصرية، فاعلها؟ * طالب: نحن. * الشيخ: وين؟ مستتر جوازًا تقديره: نحن. ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، نعم، ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع فاعله مستتر وجوبًا تقديره: نحن، نحن قلنا لكم: إذا كان الضمير تقديره: أنا أو أنت أو نحن، فهو واجب، وإذا صار هو أو هي فهو مستتر جوازًا، لكن (...) هذه مسائل بدهية ما هي صعبة، يعني من المسائل النحوية الصعبة، هذه يمكن اللي في الابتدائي يعرفها، وما يرضينا منكم هذا. كل ما كان الضمير تقديره: أنا أو نحن أو أنت فهو؟ مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي، فهو مستتر جوازًا. هذا تقديره: نحن، فيكون مستترًا وجوبًا. وقوله: ﴿جَهْرَةً﴾ هذه حال أو هي مفعول مطلق، أي: رؤية جهرة، متى قالوا ذلك؟ قيل: إنهم قالوا ذلك حينما اختار منهم موسى ﷺ سبعين رجلًا... شوف الآيات معكم الآن، أنتم فهمتم القولين الآن ولَّا لا؟ فهمتم القولين؟ أم ما فهمتم القولين؟ القول الأول يقولون: إن موسى عليه الصلاة والسلام اختار من قومه سبعين رجلًا لميقات الله لموعده، وذهب بهم ولما صار يكلم الله ويكلمه الله قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يقولون هذا القول حينما كان موسى خارجًا لميقات الله، وقال بعض العلماء: بل إنه لما جاء بالتوراة لما رجع من ميقات الله وأنزل عليه التوراة وجاء بها قالوا: لا، ما هي من الله ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.* الطالب: السياق يؤيد الثاني. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الأخير. * الشيخ: الأخيرة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، ثم ذكر قصة العجل وهذه كانت بعد مجيء موسى بالتوراة، ثم بعد ذلك ذكر: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فظاهر السياق يدل على أن هذا القول كان حينما جاء بالتوراة وقال: هذه من عند الله، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لكن (...). ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف ١٥٥] هذا ما يدل على القول الأول؟ إن هذا كان عندما كان يناجي الله؟ أي: بعضهم أيده بها بهذه الآية القول الأول، ولكن الحقيقة ما فيه تأييد له؛ لأن هذه يقول: ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ رُجِفَ بهم (...) الصاعقة، صعقوا وماتوا، ولكن موسى خاف أن يموت، وأن يحصل ما حصل في الأول، أو خاف أن يموت، وإن كان الثاني بعده، فالظاهر لي أن هذا لا يترجح، لا يترجح القول الأول بهذه الآية لاختلاف العقوبتين، العقوبة هذه أيش؟ الصاعقة، وتلك: الرجفة، الله أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ لما قالوا هذا أخذتهم الصاعقة، الصاعقة يعني الموت الذي صعقوا به. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضكم إلى بعض، ينظر بعضكم إلى بعض حتى تساقطوا، والجملة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ حال، حال من أين؟ من الكاف في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ الصاعقة، يعني: والحال أنكم تنظرون، ينظر بعضكم إلى بعض حتى هلكتم جميعًا. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾ أصل البعث في اللغة: الإخراج، ويطلق على الإحياء كما في هذه الآية، ويدل على أن المراد به الإحياء هنا قوله: ﴿بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ هل هو موت حقيقي؟ الجواب: نعم، وليس نومًا؛ لأن النوم يسمى وفاة ولا يسمى موتًا ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ٦٠] ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢]. وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا، ويكون ذلك كفارة لهم؛ ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لعلكم تشكرون، أي: تشكرون الله سبحانه وتعالى، و(لعل) هنا للتعليل وليست للترجي؛ لأن الترجي في جانب الله سبحانه وتعالى لا يجوز، إذ إن الترجي - كما هو معروف في اللغة العربية - طلب ما فيه عسر، والله تعالى لا يعسر عليه شيء، ولكنها كلما جاءت في كتاب الله فهي للتعليل ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة، فيها إحياء الله تعالى الموتى، والثانية: في قصة صاحب البقرة، والثالثة: في ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣]، والرابعة: في قصة الذي ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخامسة: قصة إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] إلى آخره، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦] لأن هذه القصص الخمس وغيرها كإخراج عيسى الموتى من قبورهم هذه تعتبر أمرًا نادرًا يؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى، أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨] ويقولون: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان ٣٦] نقول: إن هؤلاء مموِّهون، فالرسل ما قالت لهم: إنكم الآن تبعثون، متى؟ يوم القيامة، ولينتظروا فسيكون هذا بلا ريب. * الطالب: شيخ في قول الله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر ١١] نفس الجواب اللي قاله هنا؟ * الشيخ: أي نفس الجواب، أنه ما يقع من بعض الناس الذي أميتوا مرتين أو ثلاثا وأحيوا ثلاثًا، هذا يكون خلاف العام. قوله تعالى ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * يستفاد من ذلك: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من نعمه وآلائه ولَّا لا؟ وهي من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق، بل ولا حق المخلوق؛ فلذلك نزلت الكتب تبيانًا للناس. * يستفاد منها أيضًا: أن موسى عليه الصلاة والسلام نبي؛ لأن الله آتاه الكتاب. * يستفاد منه: فضيلة التوراة؛ لأنه أطلق عليها اسم الكتاب، و(أل) هذه للعهد أيش؟ الذهني لأنه ما سبق لها ذكر، فدل هذا على أنها معروفة بين بني إسرائيل، وأنه إذا أطلق الكتاب فهو للتوراة، ومن وجه آخر أيضًا أن الله تعالى سماها الفرقان كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين من أعظم الكتب، يعني: أفضل الكتب بعد القرآن التوراة؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩] يعني: من التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فدل هذا على أن التوراة أنها مشاركة للقرآن في كونها فرقانًا؛ ولذلك كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة ٤٤]. * ويستفاد من هذا رابعًا: بيان عتو بني إسرائيل، بيان عتو بني إسرائيل وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقانًا، ثم هم يكفرون هذا الكفر يدل على زيادة عتوهم وطغيانهم؛ إذ من نزل عليه كتاب يكون فرقانًا كان يجب عليه بمقتضى ذلك أيش؟ أن يكون مؤمنًا مذعنًا خلافًا لهم. * وفيها أيضًا دليل: على أن الله تبارك وتعالى ينزل الكتب ويجعلها فرقانًا لغاية حميدة جدًّا وهي * الفائدة الخامسة وهي: الهداية؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * الفائدة السادسة: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء، ما يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وما أشبه ذلك، بل إنها من الكتب المنزلة من السماء، فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد والعباد وما أشبه ذلك، نقول لكاتبيها وقارئيها: خير لكم أن تبدوا للناس كتاب الله وتبسطوه وتشرحوه وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعًا للخلق؛ لأنه ما فيه طريق للهداية إلى الله إلا الكتب المنزلة من عنده. * وفيه أيضًا من الفوائد اللغوية: جواز عطف الصفة على الموصوف؛ لقوله: ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ وقد مر علينا هذا ذكرنا له مثالًا آخر في القرآن، بل فيه أمثلة مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى ١ - ٤] وهذا جائز بشرط أن لا يوهم خلاف المقصود، فإن أوهم خلاف المقصود بحيث يتوهم المخاطَب أن الثاني غير الأول، فإنه يمتنع وتحذف حرف العطف؛ لئلا يظن أن الثاني هو الأول، كما أنه يجب أحيانًا أن يكون بالعطف إذا أوهم أن هذه الصفة لغير الأول، إذا أوهم أن الصفة هذه لغير الأول وجب حرف العطف، مثلًا تقول: مررت بزيد الضارب عَمْرًا والكريم، ولا تقول: الكريم، مررت بزيد الضارب المجرم الكريم وأيش تقول؟ تقول: والكريم تأتي بالواو؛ لأنك لو تقول: الضارب المجرم الكريم، أوهم أن الكريم وصف للمجرم، فتقول: الضارب المجرم والكريمِ، يعني وهو أيضًا الكريم، لا ما هو ضاربًا الكريم، هو كريم، ما هو الضارب المجرم والكريم، لا، فالمهم صار الآن عطف الصفة على الموصوف جائزًا، وقد يجب أحيانًا وقد يمتنع أحيانًا، متى يمتنع؟ إذا أوهم التعدد بحيث يظن أن الثاني لا يعود للأول، ويجب العطف إذا أوهم خلاف المقصود فإنه يجب العطف؛ لئلا يظن أن هذا الوصف تابع للثاني لا للأول، كم من فائدة في الآية هذه؟ * الطلبة: سبع. * الشيخ: * الفائدة الثامنة: إثبات الأسباب، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ آتاه الكتاب لأجل أن يهتدوا، فإذن الهداية لها سبب، الأسباب لا شك في ثبوتها، ولا أحد ينكر الأسباب أبدًا. * ويستفاد من هذا أيضًا: أن الإتيان المضاف إلى الله سبحانه وتعالى يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، فإيتاء الكتب شرعي ولا كوني؟ شرعي، وإيتاء المال كوني ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص ٧٦] فالإتيان كوني. * طالب: شيخ، إيتان ولا إيتاء؟ * الشيخ: نعم، الإيتاء. الإيتاء نوعان: شرعي وكوني؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء ٢]. * وفيها أيضًا: ذكر فضل موسى وتقدم، وأنه نبي، فضله وأنه نبي.ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤] إلى آخره. * يستفاد من هذا: أنه ينبغي للداعية أن يستعمل الأسلوب الذي يجلب إليه، و(...) الناس عليه؛ لقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾، فإن هذا لا شك أن فيه من التلطف والتودد والتحبب ما هو ظاهر. * وفيه أيضًا: دليل على أن اتخاذ الأصنام مع الله أنه ظلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الفائدة الثالثة: أن المعاصي ظلم للنفوس، ووجه ذلك أن النفس أمانة عندك إن رعيتها بأحسن الرعاية فقد أديت حقها، وإن رعيتها بأسوأ الرعاية فقد ظلمتها؛ ولهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه: البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٨). ورواه أبو داود (١٣٦٩)، واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.]]. * وفيه أيضًا الفائدة الرابعة: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ لم يقل: إلى الله؛ لأن ذكر البارئ هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهًا، فإن الذي يستحق أن يكون الإله من؟ البارئ؛ لأنه الخالق. وفيه دليل على الفائدة الخامسة، أظن، * الفائدة الخامسة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا﴾. * والفائدة السادسة: أن التوبة على الفور، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَتُوبُوا﴾؛ لأن الفاء للترتيب والتعقيب. * وفيه دليل أيضًا على إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ﴾ فإن الباء هنا للسببية. * وفيه دليل على أنه ينبغي للداعية كشف الأمور وبيانها؛ لأنه ما قال: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وأجمل بل بين في قوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ وهو ما يسمى عندنا بالعرف: وضع النقط على الحروف؛ لأنه قال: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ صحيح ظلم، لكن إذا نص وبين وكشف المبهم فهو أولى وأحسن. * طالب: إذا كان ينفر البيان؟ * الشيخ: إذا كان ينفر فإنه قد يعرض للفاضل ما يجعل المفضول أفضل منه. * وفيه أيضًا دليل على سفاهة بني إسرائيل، من أي وجه؟ من اتخاذهم العجل إلهًا، العجل هم الذين صنعوه بأنفسهم، ويعرفون أن العجل المخلوق اللي أفضل منه، ما يصح إلهًا، وهم جعلوا هذا الجسد جعلوه إلهًا، عجلًا جسدًا ما فيه روح، ومع ذلك اتخذوه إلهًا، فهذا دليل على سفاهتهم، سفاهة عقولهم. * وفيه دليل على ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال والآصار؛ حيث كانت توبتهم بأن يقتل بعضهم بعضًا؛ لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لو وقعت هذه في أمة محمد، فما هو الطريق للتخلص منها؟ أن يتوبوا إلى الله ويرجعوا من هذا الذنب، ويقبلوا على توحيده وعبادته ويتخلصوا منه نهائيًّا، ولا يشرع لهم أن يقتلوا أنفسهم في هذه الأمة. * وفيه أيضًا دليل على أن القتل قد يكون خيرًا للإنسان إذا أدى إلى ما هو أفضل منه؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، وتعلمون أن القصاص إضافة قتل نفس أخرى إلى المقتول أولا؟ ولكن عاقبته حميدة؛ ولهذا صار جائزًا وسائغًا، وقال الله تعالى فيه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٧٩]. * وفيه أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. * وفيها إثبات اسمين من أسماء الله وهما: التواب والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي: التوبة والرحمة، وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما لا كل على انفراد، باقترانهما؛ لأنه لما اقترنا تولدت أو نتج من اجتماعهما صفة ثالثة، وهي: دفع المضار وجلب المنافع، من أين؟ * طالب: التواب. * الشيخ: لأن التواب به دفع المضار، والرحيم به جلب المنافع. * وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله، فيتعرض لتوبة الله ورحمته، فيتوب إلى ربه سبحانه وتعالى ويرجوه الرحمة، وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَل الْجَنَّةَ»[[متفق عليه: البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥، ٦) من حديث أبي هريرة.]] فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان لله بمقتضاها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: جسد، يعني جسد بمعنى ما فيه روح، الجسد معناه كل شيء له جثة هو جسد. * فيه أيضًا دليل على أن الأمة كنفس واحدة، من أين تؤخذ؟ ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لأنه قد سبق أن قلنا: ما أمروا بأن يقتل كل واحد منهم نفسه، بل يقتل بعضهم بعضًا. * وفيه أيضًا دليل على تفاضل الأعمال؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، وأن الأعمال تتفاضل عند الله سبحانه وتعالى فبعضها خير من بعض. * طالب: فيها قراءات ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ ﴿بَارِئِكُمْ﴾؟ * الشيخ: عندي فيها قراءات: ﴿بَارِيكُمْ﴾ هذه قراءة، و﴿اتَّخَتُّمُ﴾ وين ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ؟ * الطالب: الإظهار والإدغام. * الشيخ: ما هي بعندي. * الطالب: ﴿بَارِئِكُمْ﴾. * الشيخ: إي باريكم فيها قراءة: ﴿بَارِيكُمْ﴾ وفيها قراءة: ﴿بَارِئِكُمْ﴾ إسكان الياء أو الهمزة نعم، أما ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ما فيها، ما عندي. * الطالب: عندي قراءة. * الشيخ: وين هي؟ * الطالب: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ باتخاتكم﴾ . * الشيخ: ما عندي، وأيش الكتاب اللي عندك؟ * الطالب: الحجة لابن خالويه. * الشيخ: وأيش هو؟ قوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ تقرأ بالإظهار والإدغام. الإدغام ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ الذال بالتاء، تقول: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ، يعني تظهر الذال ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾، أو تدغم الذال تقول: ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ الحجة لمن أظهر: أنه أتى بالكلمة على أصلها، واغتنم الثواب على كل حرف منها. والحجة لمن أدغم: أن الظاء والثاء، والذال مخرجهن من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العلى، فوجب الإدغام لمقاربة المخرج والمجانسة. الإدغام بالذال ما هي بالهمزة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا ما يظهر؛ لأنه مشدد الحرفين. * الطالب: وهمزة الوصل (...)؟ * الشيخ: الظاهر أن همزة الوصل تروح (...) إلا عند الابتداء. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة ٥٥، ٥٦] هنا يذكرهم الله تبارك وتعالى بنعمته عليهم، لكن لا بكونهم قالوا هذا القول ثم صعقوا، ولكن بأنهم بعثوا من بعد الموت. * ففيه: أنه عند تذكير النعم ينبغي استيعاب الأمر استيعاب الموضوع لتتبين النعم ومواقعها. * وفيه أيضًا دليل على سفاهة هؤلاء، أي سفاهة بني إسرائيل، وما أكثر ما يدل على سفاهتهم، فهم المؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فسبق لنا أن العلماء اختلفوا متى قالوا هذا. * وفيه أيضًا دليل على أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ لأن الفاء تدل على السببية. * وفيه: أقول: إنه من سأل ما لا يمكن حري بالعقوبة لا سيما مثل حال هؤلاء الذين قالوا ذلك عن تشكك، ففرق بين قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣] وبين قول هؤلاء: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فموسى قال ذلك شوقًا إلى الله عز وجل، وليتلذذ بالرؤية إليه، أما هؤلاء فقالوه تشككًا، يعني: ما نحن مؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة، ففرق بين الطلبين. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى في أخذ الصاعقة لهؤلاء في آن واحد. * وفيه دليل على أن ألم العقوبة وقعها عند النظر أشد؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فإن الإنسان إذا رأى أن الناس يتساقطون في العقوبة -والعياذ بالله- يكون ذلك أشد وقعًا عليه. * وفيه دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى حيث أحياهم بعد الموت؛ لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. * وفيه دليل على وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقد مر علينا كثيرًا بأن الشكر هو القيام بأي شيء؟ بطاعة المنعم، إقرارًا بالقلب واعترافًا باللسان وعملًا بالأركان، فيعترف بقلبه أنها من الله، لا يقول: إنما أوتيته على علم عندي، كذلك أيضًا يتحدث بها بلسانه افتخارًا ولّا اعتبارًا؟ اعتبارًا لا افتخارًا، وكذلك أيضًا يكون في طاعة الله سبحانه وتعالى في جوارحه، وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

البقرة 2:57

ثم أخذ الله سبحانه وتعالى في تعداد نعمه عليهم في قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ الآية الكريمة يقول الله تعالى: ظللنا الغمام، فظاهرها أن المظلل الغمام كما تقول: ظللت زيدًا بالكساء؛ ولهذا ذهب بعض المعربين إلى أن تقدير الآية الكريمة: وظللنا عليكم بالغمام، أنت الآن تقول: ظللت فلانًا، هو مظلل ولا مظلل به؟ مظلل، هنا قال: ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ ولكن عندي أنه لا يحتاج إلى تقدير، وأن الذي بين المعنى تمامًا هو قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ لو قال: ظللنا الغمام فقط لكان قد يتوهم متوهم أن الغمام مظلل، ولكن هو قال: ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ أي جعلناه ظلًّا عليكم، وكان ذلك في التيه حين تاهوا، وقد بقوا في التيه بين مصر والشام كم؟ أربعين سنة يتيهون في الأرض، ولكن الله تبارك وتعالى رحمهم، هم ما عندهم ماء ولا عندهم مأوى ولا شيء، لكن الله سبحانه وتعالى رحمهم فظلل عليهم الغمام، والغمام هو السحاب الرقيق الأبيض، وقيل: السحاب مطلقًا، وقيل: السحاب البارد، الذي يكون به الجو باردًا يتولد منه الرطوبة، فيبرد الجو، وهذا هو الظاهر. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ المن يقولون: إنه شيء يشبه العسل ينزل عليهم بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فإذا قاموا أكلوا منه، وأما السلوى فإنه طائر، طائر ناعم يسمى السُّمَانَى أو هو شبيه به، وقال لنا مشائخنا: إنه هو الصُّفارى، الصُّفارى معروفة، طائر معروف من أحسن ما يكون من الطيور وألذه وهو صغير (...). * الشيخ: هل هذا الموت حقيقي أو نوم؟ * طالب: حقيقي. * الشيخ: نعم، حقيقي. * الطالب: لأن النوم يسمى وفاة. * الشيخ: يسمى الوفاة، نعم، ما هي القصص التي فيها إحياء الموتى في غير هذه القصة؟ * طالب: قصة صاحب البقرة، خمس قصص، هذه واحدة، قصة إبراهيم مع الطير، ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. * الشيخ: ﴿أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩]. * طالب: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣]. * الشيخ: أحسنت. * طالب: قصة صاحب البقرة. * الشيخ: خمس قصص في هذه السورة فيها إحياء الله تعالى الموتى في هذه الدنيا. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾، أيش معناها؟ * طالب: الغمام: قيل سحاب أبيض يظل عنهم الشمس، يبرد الجو. * الشيخ: وأيش معنى ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾؟ * الطالب: هذا منة من الله. * الشيخ: إي، وأيش معناها؟ * الطالب: جعل الغمام يظلهم. * الشيخ: جعل الغمام يظلهم تمام، ولهذا بعضهم يقول: إن تقدير الآية: وظللنا عليكم بالغمام، ولكن الصحيح: أنه على ما هو عليه، إن الغمام مفعول ظللنا، المعنى جعلناه ظلًّا عليكم، هذا المعنى. قوله: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ما هو المن؟ * طالب: ما أعرف. * الشيخ: ما تعرفهم؟ * طالب: قيل: إنه شراب يشبه العسل. * الشيخ: نعم. * الطالب: والسلوى هو طائر. * الشيخ: نعم، من أحسن الطيور وألذها ويسمى عندنا يسمى صفارى. * الطلبة: سمانى. * الشيخ: إيه، السمانى عندنا يسمى صفارى؛ لأن الطائر أصفر، لطيف اللحم وطيب. أما المن فإنه شيء ينزل مثل العسل، يقولون: إنه ينزل على الأشجار بين الفجر وطلوع الشمس، يأخذون منه، ويأكلون منه ويجنونه، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْكَمْأَةَ مِنَ الْمَنِّ»[[متفق عليه. البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩ / ١٥٧ - ١٦٢) من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]] لأنها تحصل بلا تعب، وظاهر الحديث أن المراد بالمن كل ما يحصل لهم بدون تعب، سواء جعل ذلك الشيء المعين الذي كالعسل أو غيره، وعلى هذا فيكون هذا التفسير يكون أعم من تخصيصه بهذا الذي يشبه العسل؛ لأن قول الرسول ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ» (مِن) هذه للتبعيض، معناه المن أعم من هذا، فكون الرسول يجعل هذا من المن يدل على أن المن أعم وأوسع، وقد قال بعضهم: إنه كل ما يحصل بدون تعب، وعلى هذا يدخل فيه الفقع الذي هو الكمأة، ويدخل فيها العراجين ولَّا ما يدخل؟ يدخل؛ لأنه طعام من أحسن الأطعمة. * طالب: وأيش العراجين؟ * الشيخ: العراجين، إن شاء الله إذا كثرت في البر. * طالب: موجودة الآن، السنة دي موجودة. * الشيخ: موجودة، نعم، موجودة هذه السنة بكثرة، وأحسن أنكم تشفونها حتى لا يتوهم أحد أنها فئران ولا شيء. * طالب: أنا ما عرفته، يا شيخ. * طالب آخر: وأنا أيضًا ما عرفته. * الشيخ: العراجين هذا نبات أبيض مثل الأصابع يخرج من (...)، لكن هذا أبيض مثل الثياب ينبت بالنافول، وبالجرد، لكنه إذا طبخ مع الطعام من أحسن شيء يكون، يعني تفضله أحيانًا على اللحم، وأحيانًا يجدوه في مكان كبير يعني كثير، أحيانًا يجتمع الجميع في ها الأيام واحد أعطاني نوع منه كبير، وقال: إنه وجده في مكان يحسبونه معظمي، يحسبونه عظام من كثرته. * طالب: لكن العرجون اللي في تفسير الآية؟ * الشيخ: لا، لا العرجون اللي في القرآن المراد به العرجوت يسموه الناس العرجوت حب النخل. * طالب: حق النخل (...). * الشيخ: إن شاء الله إذا كثر، هو الآن قل الظاهر؛ لأن هو يبس شوي إذا كثر إن شاء الله نشوف أحد نمشي إحنا وإياه ونفرجه عليها. * الطالب: شيخ؟ سؤال على شكل اعتراض (...) في قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقولون: هل من الحكمة أن يشرع أمة تقتل نفسها؟ وهل فيها نتاج بشرية من قديم؟ * الشيخ: نعم نقول، أما بالنسبة لهذه الملة فلا، بالنسبة لملة الإسلام لا ليس بمشروع، وأما بالنسبة للأمم السابقة فإنهم قد يعذبون بنوع من هذا؛ لأن تكليف الله أنهم يقتلون أنفسهم مثل تكليف الله لإبراهيم أن يذبح ابنه، المقصود الاختبار وإذا كان الله تعالى يشاء أن يهلكهم بفعله، بزلازل أو صواعق أو غيره فأراد أن يهلكهم بأفعالهم ليكون هذا أشد للاختبار وأعظم. * الطالب: يكون بعيدًا عن أن العقل يدرك هذا الشيء أو يقر به؟ * الشيخ: لا، يقر به جدًّا، حتى مثلًا بعض الأحيان السيد يقول لعبده: افعل كذا، يريد أن يعذبه ليمتحن صدقه في طاعته، ليس ببعيد. * الطالب: إن بعض المفسرين العصريين أنكروا، أنه غير مقبول شرعًا ولا عقلًا أن يأمرهم بقتل أنفسهم؟ * الشيخ: هذا من الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لِيَتَبَوَّؤُوا مَقْعَدَهُمْ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠، ٢٩٥١)، وقال: حديث حسن.]] لأنهم يفسرون القرآن بآرائهم، هم يفسرون القرآن بآرائهم فيقبلون ما وافق رأيهم الفاسد، وينكرون ما لم يقبلوا. ثم قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿كُلُوا﴾ الأمر هنا للإباحة، الأمر للإباحة، يعني أننا أبحنا لكم هذا الذي أنزلنا عليكم من المن والسلوى. وقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ هذه (من) لبيان الجنس وليست للتبعيض؛ لأنهم أبيح لهم أن يأكلوا جميع الطيبات والطيب ضد الخبيث، والخبيث قد يكون خبيثًا لذاته، وقد يكون خبيثًا لكسبه، فالخبيث لذاته كالميتة والخنزير والخمر وما أشبهه، هذا خبيث لذاته كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥] أي: نجس خبيث، هذا محرم لذاته محرم على جميع الناس، على كل الناس، على مالكيه وغيرهم، والنوع الثاني: محرم لكسبه، كالمأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب أو ما أشبه ذلك، فهذا محرم على مكتسبه، وليس محرمًا على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح، المحرم لكسبه يكون محرمًا على كاسبه، وليس محرمًا على غيره، إذا اكتسبه منه بطريق مباح، ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت، فدل ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب، المحرم لكسبه لا يحرم على غير الكاسب (...). ولكنها مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، لكنه قدمها لإفادة الحصر، يعني: لا يظلمون بهذا إلا أنفسهم، أما الله تبارك وتعالى فإنهم لا يظلمونه؛ لأنه سبحانه وبحمده لا يتضرر بمعصيتهم، كما لا ينتفع أيضًا بطاعتهم. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ يعني: واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا: ادخلوا هذه القرية. ﴿ادْخُلُوا﴾ أمر كوني ولَّا شرعي؟ كوني وشرعي؛ لأنهم أمروا بأن يدخلوها سجدًا وأمروا بأن يدخلوا القرية في القتال، وأبيحت لهم أيضًا، دخلوها فعلًا. وقوله: ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ اختلف المفسرون في تعيين هذه القرية، والصواب أن المراد بها بيت المقدس؛ لأن موسى قال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]. وقوله: ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية مأخوذة من القَرْيِ وهو التجمع، وسميت البلاد قرية لتجمع الناس بها، ومفهوم القرية في اللغة العربية غير مفهومها في العرف؛ لأن مفهوم القرية في العرف البلد الصغير والكبير يسمى مدينة، ولكنه في اللغة العربية وهي لغة القرآن لا فرق، فالله تعالى سمى مكة أم القرى، مع أن غير مكة فيها مدن عظيمة، مدن عظيمة جدًّا وسماها أم القرى، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣] والمراد بالقرية التي أخرجته؟ مكة، يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾ هذه معناها أنها كبيرة وعظيمة، ومع ذلك سماها الله تعالى قرية. هذه القرية ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، ادخلوا فكلوا منها، الأمر هنا في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ قلنا: إنه أمر كوني يصير ﴿فَكُلُوا﴾ الأمر للإباحة، يعني: فأبحنا لكم أن تأكلوا منها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ قوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ يعني: في أي مكان كنتم من البلد في وسطها أو أطرافها تأكلون ما تشاؤون. وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ أي: طمأنينة وهنيئًا لا أحد يعارضكم في ذلك ولا يمانعكم، ولا يقال: إن هذا مثلًا يخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه: البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]] نقول: لأنها ما هي غنائم هذه، ولكنه أبيح لهم أن يأكلوا من هذه الأرض سواء كان بطريق الشراء، أو بطريق المعاملة المزارعة أو ما أشبه ذلك (...). ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾ أي باب؟ باب القرية، الباب يعني باب القرية؛ لأن القرى يجعل لها أبواب تحميها من الداخل والخارج. وقوله: ﴿الْبَابَ﴾ هذه (أل) للعهد، أي عهد هو؟ * طالب: ذهني. * الشيخ: ذهني؛ لأنه ما سبق ذكره وليس حضوريّا؛ لأنه ليس بحاضر فيكون ذهنيًّا ويكون مفهومًا من قوله: ﴿الْقَرْيَةَ﴾؛ لأن القرية لها باب. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ منصوب على أنه حال من الواو في ﴿ادْخُلُوا﴾. ما المراد بهذا السجود؟ قيل: المراد به الخضوع، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج ١٨] إلى آخره، فالمراد به الخضوع. وقيل: المراد به الركوع كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف ١٠٠]، وقيل: المراد به السجود حقيقة؛ لأنه ظاهر اللفظ، وعلى هذا القول لا يُسَلَّم بأن معنى الآية: ﴿للَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أن معناها مطلق الخضوع، بل هو سجود، ولكل أحد سجود يناسبه، وكذلك أيضًا لا يسلم بأن قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: ركعوا له بل إنما هم سجدوا حقيقة؛ لأن قوله: ﴿خَرُّوا﴾ يدل على ذلك، وعليه إذا قلنا بأن المراد بقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ أي: سجود حقيقة على الأرض يكون فيه إشكال؛ لأن دخولهم في هذه الحال متعذر إذ إن الإنسان إذا كان ساجدًا ما يستطيع يدخل، هو ثابت في مكانه أليس كذلك؟ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ كيف يدخلون الباب سجدًا؟ فيقال: الجواب على ذلك بسيط: هذه الحال ليست حالًا مقارنة، بل هي حال في المستقبل؛ لأن الحال تارة تكون مقارنة للفعل، وتارة تكون متأخرة عنه، فالمراد: إذا دخلتم الباب فاسجدوا لله تعالى شكرًا على هذه النعمة؛ ولهذا «لما فتح الرسول ﷺ مكة صلى ثماني ركعات ضحى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦ / ٧١) من حديث أم هانئ.]]، من العلماء من قال: إنها سنة الضحى، ومنهم من قال: إنها سنة الفتح، وجعل هذا الفتح له سنة، إن الإنسان إذا دخل يصلي، وهذا أقرب؛ لأننا إذا قلنا بأن المراد بالسجود حقيقته لم نخرج عن ظاهر اللفظ، والواجب علينا في تفسير القرآن وفي شرح الحديث أن نأخذ بأيش؟ بظاهر اللفظ ما لم يمنع منه مانع، إن منع منه مانع وإلا فالواجب الأخذ بظاهره، إذن سجدًا ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ يعني: فإذا دخلتموه فاسجدوا حالًا بدون تأخير. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ يعني: قولوا هذه الكلمة، يعني حطة، وحطة اسم هيئة من الحط وهو التنزيل، ومنه قولكم: حُطَّ رَحْلُه أو حَطَّ رَحْلَه أي: أنزله، ومنه ما ورد في حديث الدعاء في سجود التلاوة «وَاحْطُطْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا»[[أخرجه الترمذي (٥٧٩)، وابن ماجه (١٠٥٣)، وابن خزيمة (٥٦٣).]] فهم قيل لهم حطة أي فعلة من الحط، وهو التنزيل، والمراد: احطط عنا ذنوبنا فهي بمعنى: قولوا ربنا اغفر لنا، يعني اطلبوا المغفرة من الله سبحانه وتعالى إذا دخلتم وسجدتم، فهمتم ولَّا لا؟ إذن معنى حطة: احطط عنا ذنوبنا. * طالب: شيخ سجود الشكر هل فيه صلاة ولا؟ * الشيخ: لا، مستقل. * الطالب: سجدة ولا سجدتين؟ * الشيخ: لا، سجدة واحدة. ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: احطط عنا ذنوبنا، وهو عبارة عن الاستغفار، وأيش إعراب (حطة)؟ * طالب: مفعول به. * الشيخ: طيب، مش المفروض تكون منصوبة؟ يقولون: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: سؤالنا حطة، أو مسألتنا حطة أي: مسألتنا أن تحط ذنوبنا، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تُغْفَرْ لَكُمْ﴾ وفي قراءة ثالثة: ﴿يُغْفَرْ لَكُمْ﴾ ففيها ثلاث قراءات: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فيها: ﴿تُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ، فيها: ﴿يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ وكلها قراءات صحيحة بأيها قرأت أجزأك. وقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ستر الذنب يعني معناه: أن الله يستر ذنبك ويتجاوز عنك فلا يعاقبك عليه، هذه هي المغفرة؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وأيش هو المغفر؟ ما يوقى به الرأس في الحرب كذا؟ * طالب: خوذة تسمى يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، تسمى خوذة، هذا المغفر؛ لأنه يستر ويقي، ومن فسر المغفرة بمجرد الستر فليس بصحيح؛ لأن الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه: البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] يعني: أتجاوز وأسترها أيضًا. وقوله: ﴿خَطَايَاكُمْ﴾ جمع خطيئة، الخطايا جمع خَطِيَّة كمطايا جمع مَطِيَّة، والخطية ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد، هذه الخطيئة، ما يرتكبه من المعاصي عن عمد، وأما ما يرتكبه عن غير عمد فيسمى إخطاء؛ ولهذا فرق بين مخطئ وخاطئ، الخاطئ ملوم، والمخطئ معذور، قال الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٥، ١٦] وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] أخطأنا فهو مخطئ، أخطأ فهو مخطئ، وخَطِئ فهو خاطئ، فالخطية والخطيئة ما يرتكبه الإنسان من مخالفة عن عمد، فإن كان عن جهل فهو إخطاء وليس خطيئة، شوف الآن لو فعلوا ذلك غفرت لهم خطاياهم، زيادة على ذلك: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا فوق مغفرة الخطايا، فضل. وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يقومون بالإحسان، والإحسان فسره رسول الله ﷺ: «بِأَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه: البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] فمن عبد الله على هذا الوجه فهو محسن ولا شك أنهم لو قاموا بما أمروا به لكانوا محسنين، ولكن ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ شوف، ما قالوا: حطة بدلوها ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني: قوله: ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾ هذا في الحقيقة فيه إشكال؛ لأنهم هم بدلوا القول غير الذي قيل لهم ولَّا بدلوا القول الذي قيل لهم؟ * طالب: قالوا غير الذي قيل لهم. * الشيخ: بدلوا القول الذي قيل لهم ولَّا بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم؟ * الطالب: قولًا غير الذي قيل لهم، قالوا غير الذي قيل لهم. * الشيخ: إي، لكن كلمة (بدَّل)، تقول: بدلت الشاة بالخروف؟ * طالب: بدلوا القول الذي قيل لهم. * الشيخ: إي، وهنا يقول: ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. * الطالب: نفسه. * الشيخ: لا، ما هو بنفسه، هنا فرق ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. * طالب: يعني: قالوا غير الذي قيل لهم؟ * الشيخ: هو معني قالوا معروفة، لكن نريد نأخذ المعنى من اللفظ، نشوف الآن هل في الآية قلب ولَّا فيها تضمين؟ إذا أخذنا بظاهر اللفظ يصير: بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم، مع أنهم بدلوا هم القول الذي قيل لهم، بدلوه بقول آخر، إذن اختلف الناس في تخريج هذه الآية فقيل: إن معنى (بدَّل) أي: قالوا، فقال الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم تبديلًا يعني معناه قصدهم التبديل والمخالفة، لا أنهم أخطؤوا أو نسوا أو ما أشبه ذلك، يصير هنا التبديل من أحسن ما يكون؛ لأنه تضمن أنهم قالوا قولًا غير الذي قيل لهم ولَّا لا؟ وقالوه بقصد أيش؟ التبديل والمخالفة، بقصد التبديل والمخالفة، وهذا أشد مما لو قالوه نسيانًا أو ما أشبه ذلك، وإنما قالوه تبديلًا، يصير هنا، ضمن (بدَّل) معنى (قال)، ولكن عبر بالتبديل عن القول؛ لأجل أن يتبين أن هؤلاء الذين قالوا غير الذين قيل لهم غرضهم بذلك التبديل، أي المخالفة. وقال بعضهم: إن الآية فيها حذف والتقدير: فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، فيكون في الآية حذف، تقدير: فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، ولكن ما دام يمكن تخريج الآية بدون حذف فهو أولى من تخريجها على أمر فيه حذف. يكون هنا (بدَّل) بمعنى (قال)، ولكنه عبر عن القول بالتبديل إشارة إلى أي شيء؟ * طالب: إلى المخالفة. * الشيخ: قالوا ذلك من أجل المخالفة والتبديل والتغيير. وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾ ما قال: فبدلوا، أو فبدلتم بل أظهر في موضع الإضمار، وللإظهار في موضع الإضمار فوائد، أما فهمتم؟ ما قال: فبدلتم (...) فبدلتم، أو قال: فبدلوا، بل قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أظهر في موضع الإضمار، وللإظهار في موضع الإضمار فوائد، من يعرفها؟ مرت علينا. * طالب: التشنيع. * الشيخ: كيف التشنيع؟ * الطالب: شدة، أو قبح هذا الفعل. * الشيخ: يعني صدق اتصاف هؤلاء بهذا الوصف، يعني معناه أن أي مكان في موضع الإظهار فإن له فوائد: * الفائدة الأولى: تحقق أو تحقيق اتصاف محل المضمر بهذا الوصف، يعني معنى ذلك أن هؤلاء يكونوا ظالمين، معناه الحكم على هؤلاء بالظلم هذه فائدة، إذن فائدتها الحكم على مرجع الضمير بهذا الوصف الذي أُظهِر. واضح؟ * ثانيًا: أن هذا مقياس لغيرهم أيضًا، فكل من بدل قولًا غير الذي قيل له، فهو ظالم فيؤخذ منه تعميم الحكم بعموم علة الوصف واضح هذا لفائدتين، قد يكون هناك فوائد أخرى يمكن تيجي في آخر الآية. * الطالب: بس التبديل (...) أصلًا نحن مأمورين بالإسلام طبعًا أو مأمورين بالصلاة واحد يترك الصلاة، يكون يعني كل شيء اللي يكون طريقه غير طريق الإسلام، هذا التبديل؟ * الشيخ: هذا التبديل، ما الذي قالوا بدل أمر الله لهم بأن يقولوا: حطة؟ قالوا كما ثبت في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام «حِنْطَةٌ فِي شِعِيرَةٍ»[[متفق عليه: البخاري (٤٤٧٩)، ومسلم (٣٠١٥ / ١). وأحمد (٨١١٠) من حديث أبي هريرة ولفظه: «فِي شَعَرَةٍ».]] بدلًا من أن يطلب منهم أن يسألوا الله مغفرة الذنوب، قالوا: لا، نبغي طعامًا، نبغي أكل حنطة في شعيرة، إذن فرق بين هذا وهذا، الله أمرهم أن يستغفروا من ذنوبهم التي ارتكبوها، وهؤلاء طلبوا أمرًا يملؤون به بطونهم، دخول الباب سجدًا، يقول ابن عباس وغيره: إنهم دخلوا زحفًا على أدبارِهم[[في الحديث السابق: فدخلوا يزحفون على أستاههم.]] -أعوذ بالله- استهزاء بالله سبحانه وتعالى الذي أمرهم أن يدخلوا سجدًا شكرًا لله على نعمة الفتح، قالوا: لا ولا ندخل ولا نمشي، نمشي على أدبارنا -أعوذ بالله- يعني يزحفون زحفًا. وبعضهم ذكر: إنهم رجعوا على الوراء أيضًا ما مشوا مستقبلين، وأما القول فبدلوه أيضًا، فبدلوا القول والفعل، بدلوا القول والفعل. وقد حصل هذا لبعض هذه الأمة كان صوت العرب إبان حرب الأيام الستة -كما تقول اليهود- كان يقول: غدًا تغني أم كلثوم في تل أبيب، يعني: شكرًا لله على هذه النعمة، إن المغنية تروح تغني البلاد المفتوحة، لكن في الحقيقة غنت طائرات اليهود على طائرات هذا القائل، فصار الأمر بالعكس والحقيقة أنها مثل سوء، لأن هذا يشبه قول أبي جهل: لا نرجع حتى نبلغ بدرًا ونسقي الخمور وتضرب علينا الخيام[[انظر إمتاع الأسماع (١ / ٩٠-٩١)، الدرر في اختصار المغازي والسير (ص١١٣)، الفصول في سيرة الرسول ﷺ (ص٣٠) الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء (٢ / ١٦).]]، شوف يعني أهداف العرب الآن من هذه الحرب مع اليهود، كيف هي؟ مجرد أمر دنيوي فقط أن يغلبوا ويستولوا، لكن لإقامة دين الله، لا؛ لأن الذي يقيم دين الله إذا فتح بلاد الله يخلي المغنيات يغنين في يوم فتح؟ الرسول عليه الصلاة والسلام «دخل عام الفتح وهو مطأطئ الرأس حتى إن عليه الصلاة والسلام، إن هذه العنفقة تكاد تمس الرحل من شدة خفض رأسه عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ القرآن: » ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فيه فرق بين هذا وهذا، إي نعم، فأقول: إن من هذه الأمة من فعل مثل هؤلاء اليهود ما دخلوا خاضعين ساجدين، ولا قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران ١٤٧]، ولكنهم قالوا: ندخل نغني تصحبنا القيان يغنين علينا، وهذا مصداق قول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ».[[أخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ».]] ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾: نعمة الله تبارك تعالى بما هيأه لعباده من الظل، فإن الظل عن الحر من نعم الله على العبد؛ لقوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل ٨١] تكنكم عن الحر وعن البرد أيضًا. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل الغمام ظلًّا على هؤلاء وأنه هو الذي يسوق الغمام ويدبره تبارك وتعالى كما يشاء. * وفيها أيضًا بيان نعمة الله على بني إسرائيل بإنزال المن والسلوى طعام وشراب يأتيهم بدون تعب وبدون مشقة؛ ولهذا وصف بالمن. * وفيه أيضًا دليل على أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله هيأ لهم هذه الطيور لم يهيأ لهم ظباء ولا أرانب وإنما هيأ لهم الطيور، وهو أيضًا لحم أهل الجنة ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة ٢١]. * وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فإن الإنسان ما ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم، وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباحه الله له، وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة، فالإنسان ما ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي، والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه، وقد يكون لسبب يتعلق بدينه، وقد يكون لسبب يتعلق بغيره، قد يمتنع الإنسان من اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله فيكون تركه له من باب الحمية، قد يترك الإنسان اللحم؛ لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يذهب طيباته في حياته الدنيا، قد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره مثل ما يذكر عن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة عام الجدب المشهور[[انظر الآحاد والمثاني (١ / ١٣٨) (١١٣).]] أنه كان لا يأكل الخبز إلا بالنبيذ ما يأكله باللحم؛ لأنه ما يمكن، يقول: ما يمكن أن أشبع من اللحم، والأمة جائعة، فيكون ذلك لغيره، المهم أنه إذا امتنع من الطيبات بسبب شرعي فليس بمذموم، وإن امتنع منها تعففًا فإنه مذموم. * وفيه أيضًا دليل على أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * وفيه من الفوائد أن العاصي لا يظلم الله وإنما يظلم نفسه، لكن يصح أن نقول: هذا الرجل ظالم لنفسه في حق الله، وفي حق الناس ما نقول: ظالم لله، ظالم لنفسه في حق الله، وفي حق الناس. * فيها أيضًا فوائد: أن كل ما حصل مما نأكل فهو من رزق الله كقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. * وفيه أن المباح من الرزق هو الطيب؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾، وأن الخبيث لم يأمر الله تعالى بأكله، بل إنه حرمه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ * فيه إثبات القول لله عز وجل، وهذا القول على لسان من؟ موسى، ففيه إثبات القول وأن الله يقول، وهو قول صحيح حقيقي ولَّا مجازي؟ حقيقي بصوت وبحرف، لكن صوته سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء من أصوات المخلوقين، ولا يمكن للإنسان أن يتخيله هذا الصوت لأنه عظيم. * وفيه أيضًا دليل على أن الله تعالى أباح لبني إسرائيل دخول بيت المقدس؛ لقوله: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾. * وفيه أيضًا وعد الله لهم بدخولها، من أين يؤخذ الوعد؟ من الأمر بالدخول يعني كأنه يقول: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا. * وفيه أيضًا دليل على جواز أكلهم -أي بني إسرائيل- من هذه القرية التي دخلوها، ولكن بعوض ولَّا بغير عوض؟ * الطلبة: بعوض * الشيخ: إي نعم، ما يباح لهم الغنائم كما يباح لنا، ولكن معناه أن لكم أن تأكلوا منها حيث شئتم رغدًا هنيئًا لم يحجر عليكم، إنما ليس على سبيل الغنيمة، ويمكن أن يقال لهم أن يأكلوا ولا يملكوا، ولا يتملكوا، ويصير هذا ليس من باب الغنيمة مثلما إني إذا مررت في الشريعة الإسلامية إذا مررت ببستان فلي أن آكل، ولكن ما أتملك، الخصوصية التي اختصت بهذه الأمة هي ملك الغنيمة، أما أن ينتفعوا من ثمار البلاد التي دخلوها فهو جائز لهم حتى في شريعتهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الذل والخضوع؛ لقوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وقد كان الرسول ﷺ حين فتح مكة دخلها مطأطئًا رأسه، ولما قال: سعد بن عبادة رضي الله عنه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كَذَبَ سَعْدٌ بَلِ الْيَوْمَ تُعَظَّمُ الْكَعْبَةُ»[[البخاري (٤٢٨٠) من حديث عروة، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (٥ / ٣٩).]]، «ثم أخذ الراية منه وأعطاها ابنه قيس بن عبادة » تعزيرًا له لما قال هذه الكلمة، وإن كان قد قالها بحسن قصد لكن بغير فهم، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن اليوم هذا ما هو بتستحل الكعبة، بل هو تعظيم الكعبة؛ لأنه تطهيرها من الأصنام، وتحويل البلاد إلى بلاد إسلامية بعد أن كانت بلاد كفر، فهل هذا فيه استحلال الكعبة؟ أبدًا، بل فيه تعظيم الكعبة، لكن فيه استحلال الطغاة المعتدين على الكعبة ولَّا لا؟ إي نعم، هذا صحيح. * وفي هذا دليل على لؤم بني إسرائيل، ومضادتهم لله ورسله؛ لأنهم لم يدخلوا الباب سجدًا، بل دخلوا يزحفون على أستاههم، يرجعون وراء، يزحفون هم يرجعون وراء -أعوذ بالله- استكبارًا واستهزاء، وقالوا: بدل حطة أيش؟ حنطة في شعرة أو في شعيرة، نبغي بس شيء نملأ بطوننا، ما نبغي مغفرة ذنوبنا، والعياذ بالله. * وفيه دليل على قبح التأويل والتحريف؛ لأن هؤلاء حرفوا، وقد شبه ابن القيم رحمه الله (لام) استولى عند الجهمية بـ(نون) اليهود في (حنطة)، المعتزلة والجهمية والأشعرية أيضًا قالوا: استوى أي استولى، فاللام في (استوى) عندهم التي زيدت مثل النون التي زيدت في (حطة)، قالوا: حنطة، قالوا: حنطة وهذا صحيح، فهم حرفوا في الحقيقة، بنو إسرائيل حرفوا اللفظ والمعنى، وأولئك حرفوا المعنى؛ لأنهم ما يستطيعون أن يحرفوا اللفظ؛ إذ إنهم لو حرفوا لفظ القرآن لقامت عليهم الأمة وعرف ضلالهم؛ إذن فيه بيان قبح التحريف، تحريف الكلم عن مواضعه سواء كان لفظيًّا أو معنويًّا. * وفيه أيضًا أن الجهاد مع الخضوع لله عز وجل والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، وللاستزادة أيضًا من الفضل لقوله؟ ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أن الإحسان سبب للزيادة، سواء كان إحسانًا في عبادة الله أو إحسانًا إلى عباد الله؛ فإن الإحسان سبب للزيادة، وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: «اللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة.]] «وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»[[متفق عليه: البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠ / ٥٨) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة ٥٩]. قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فيه دليل على تحريم التبديل في كلمات الله وهو تحريفها، من أين يؤخذ؟ من وصفهم بالظلم ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾. * وفيه دليل على ذكر بعض الشيء ويستدل عليه ويستغنى به عن ذكر الثاني، يعني مثلًا هنا هل بنو إسرائيل خالفوا في القول؟ أو في القول والفعل؟ الآية الكريمة يقول﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بالقول فقط، وسكت عن الفعل، لكنه قد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّهُمْ دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَي أَسْتَاهِهِمْ»[[متفق عليه: البخاري (٣٤٠٣)، ومسلم (٣٠١٥ / ١).]] فيكون قد بدلوا القول والفعل، فإذن يمكن أن يقال: بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم بمعنى جعلوا قول الله عز وجل اللي فيه الأمر بالسجود، والأمر بسؤالهم الحطة بدلو هذا القول كله يعني يكون المراد ما هو بنفس القول اللي هو قسيم الفعل، ولكن بدلوا قول الله بقول آخر، كأنه قيل لهم قول غير الذي قيل لهم، فإذن يكون التبديل تبديل القول فقط ولَّا تبديل الفعل فقط ولَّا الفعل والقول؟ * الطلبة: الفعل والقول. * الشيخ: لا لا، ما هو موجب في القرآن القول، إحنا نقول: موجب القرآن القول، إن قلنا: إن قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: بدلوا بالقول قولًا بمعنى اعتاضوا عما يقولون هم، اعتاضوا عما يقولون قولًا آخر؛ حينئذ لو فسرنا الآية بهذا التفسير يكون سكت عن الفعل الذي جعلوه بدلًا عما أمروا به، أما إذا قلنا: إن معنى قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني: معناه حولوا كل ما قيل لهم إلى قول آخر، يعني كأنهم أمروا بأن يزحفوا على أستاههم، وأن يقولوا: حنطة في شعرة، فكأنهم بدلوا أصل القول الذي قيل بقول آخر امتثلوه، وعلى هذا فتكون الآية شاملة لتبديل القول والفعل، شاملة لتبديل القول (...)، ولا يبقى فيها إشكال، وفي الحقيقة حتى لو فرض أننا فسرناها بالأول، وأنهم قالوا غير ما قيل لهم، فإن الحديث صحيح في ذلك وصريح أنهم أيضًا بدلوا الفعل. * الطالب: ذكر بعض الشيء يستغنى عن الآخر؟ * الشيخ: هذا إذا قلنا: إن القول الذي بدلوه يعني القول الواقع منهم، أما إذا قلنا: إنهم بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم أي جعلوا أمر الله لهم أمرًا لشيء آخر، وهو ما فعلوه، يعني كأنهم حرفوا أمر الله أي قول الله، فحينئذ ما يصير من باب ذكر أحد الطرفين استغناء به عن ذكر الآخر، والله أعلم بما أراد في كلامه. قال الله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا﴾ الفاء للسببية، فهمتم؟ يعني فبسبب ما حصل منهم من التبديل أنزلنا. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي عليهم، وهذا من باب الإظهار في مقام الإضمار، وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن له ثلاث فوائد؟ * طالب: ما حضرت. * الشيخ: ذكرنا فائدة الإظهار في موضع الإضمار؟ * طالب: الإظهار في مقام الإضمار: التنبيه (...). * طالب: أولًا الحكم على هؤلاء، أو تخصيص هؤلاء بالحكم. * الشيخ: لا الحكم عليهم بما دل عليه هذا الظاهر، وهم أنهم ظلموا، هذه واحد. * الطالب: الثاني: أن هذا الوصف عموم الوصف بعموم الحكم، عموم الحكم بعموم الوصف. * الشيخ: يعني معناها أنه من أجل أن يكون.. * الطالب: عاما لهم ولغيرهم. * الشيخ: من أجل أن يكون عامًّا لهم ولغيرهم، ثالثًا، ما ذكرنا إلا هذه؟ * الطالب: التنبيه. * الشيخ: لا، التنبيه هذا ذكرناه -بارك الله فيكم- فيما إذا حصل التفات، التفات إذا ظهر من الغيبة للحضور أو بالعكس. * الطالب: وهذا (...) للتأكيد؟ * الشيخ: ربما يحصل فيها انتباه عندما أن الإنسان يكون نسق الكلام على أنه يؤتى بالضمير، ثم يؤتى بالاسم الظاهر، قد يكون هذا لفت نظر، أن الإنسان ينتبه، يقال: لأيش جاء الظاهر مع أن سياق الكلام يقتضي الضمير، ربما يكون كذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: لكن على كل حال المسألة يراد بها العموم؛ لأجل أن يعم هذا الحكم من شابههم. * الطالب: في الوصف. * الشيخ: والثاني: الحكم عليهم بما يقتضيه هذا الاسم الظاهر أي أنهم ظلموا. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ أي: عذابًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، قال فرعون لموسى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف ١٣٤] يعني: العذاب وهو غير الرجس؛ لأن الرجس النجس القذر، والرجز العذاب. وقوله: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي عذابًا منها، مثل أيش ينزل من العذاب من السماء؟ كالحجارة، الصواعق، البرد وغيرها. * طالب: الرياح. * الشيخ: نعم. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، ولا يلزم أن تكون السماء المحفوظة؛ لأن كل ما علاك فهو سماء ما لم يوجد قرينة، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء ٣٢]. قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الباء هنا للسببية أي: بسبب، و(ما) مصدرية أي بكونهم فسقوا، إذا كانت مصدرية فقد مر علينا أن حرف المصدر يحول ما بعده من الفعل بل من الجملة إلى مصدر، وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كانوا فيما مضى أو المقصود بها (...).

البقرة 2:58

ثم أخذ الله سبحانه وتعالى في تعداد نعمه عليهم في قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ الآية الكريمة يقول الله تعالى: ظللنا الغمام، فظاهرها أن المظلل الغمام كما تقول: ظللت زيدًا بالكساء؛ ولهذا ذهب بعض المعربين إلى أن تقدير الآية الكريمة: وظللنا عليكم بالغمام، أنت الآن تقول: ظللت فلانًا، هو مظلل ولا مظلل به؟ مظلل، هنا قال: ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ ولكن عندي أنه لا يحتاج إلى تقدير، وأن الذي بين المعنى تمامًا هو قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ لو قال: ظللنا الغمام فقط لكان قد يتوهم متوهم أن الغمام مظلل، ولكن هو قال: ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ أي جعلناه ظلًّا عليكم، وكان ذلك في التيه حين تاهوا، وقد بقوا في التيه بين مصر والشام كم؟ أربعين سنة يتيهون في الأرض، ولكن الله تبارك وتعالى رحمهم، هم ما عندهم ماء ولا عندهم مأوى ولا شيء، لكن الله سبحانه وتعالى رحمهم فظلل عليهم الغمام، والغمام هو السحاب الرقيق الأبيض، وقيل: السحاب مطلقًا، وقيل: السحاب البارد، الذي يكون به الجو باردًا يتولد منه الرطوبة، فيبرد الجو، وهذا هو الظاهر. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ المن يقولون: إنه شيء يشبه العسل ينزل عليهم بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فإذا قاموا أكلوا منه، وأما السلوى فإنه طائر، طائر ناعم يسمى السُّمَانَى أو هو شبيه به، وقال لنا مشائخنا: إنه هو الصُّفارى، الصُّفارى معروفة، طائر معروف من أحسن ما يكون من الطيور وألذه وهو صغير (...). * الشيخ: هل هذا الموت حقيقي أو نوم؟ * طالب: حقيقي. * الشيخ: نعم، حقيقي. * الطالب: لأن النوم يسمى وفاة. * الشيخ: يسمى الوفاة، نعم، ما هي القصص التي فيها إحياء الموتى في غير هذه القصة؟ * طالب: قصة صاحب البقرة، خمس قصص، هذه واحدة، قصة إبراهيم مع الطير، ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. * الشيخ: ﴿أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩]. * طالب: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣]. * الشيخ: أحسنت. * طالب: قصة صاحب البقرة. * الشيخ: خمس قصص في هذه السورة فيها إحياء الله تعالى الموتى في هذه الدنيا. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾، أيش معناها؟ * طالب: الغمام: قيل سحاب أبيض يظل عنهم الشمس، يبرد الجو. * الشيخ: وأيش معنى ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾؟ * الطالب: هذا منة من الله. * الشيخ: إي، وأيش معناها؟ * الطالب: جعل الغمام يظلهم. * الشيخ: جعل الغمام يظلهم تمام، ولهذا بعضهم يقول: إن تقدير الآية: وظللنا عليكم بالغمام، ولكن الصحيح: أنه على ما هو عليه، إن الغمام مفعول ظللنا، المعنى جعلناه ظلًّا عليكم، هذا المعنى. قوله: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ما هو المن؟ * طالب: ما أعرف. * الشيخ: ما تعرفهم؟ * طالب: قيل: إنه شراب يشبه العسل. * الشيخ: نعم. * الطالب: والسلوى هو طائر. * الشيخ: نعم، من أحسن الطيور وألذها ويسمى عندنا يسمى صفارى. * الطلبة: سمانى. * الشيخ: إيه، السمانى عندنا يسمى صفارى؛ لأن الطائر أصفر، لطيف اللحم وطيب. أما المن فإنه شيء ينزل مثل العسل، يقولون: إنه ينزل على الأشجار بين الفجر وطلوع الشمس، يأخذون منه، ويأكلون منه ويجنونه، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْكَمْأَةَ مِنَ الْمَنِّ»[[متفق عليه. البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩ / ١٥٧ - ١٦٢) من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]] لأنها تحصل بلا تعب، وظاهر الحديث أن المراد بالمن كل ما يحصل لهم بدون تعب، سواء جعل ذلك الشيء المعين الذي كالعسل أو غيره، وعلى هذا فيكون هذا التفسير يكون أعم من تخصيصه بهذا الذي يشبه العسل؛ لأن قول الرسول ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ» (مِن) هذه للتبعيض، معناه المن أعم من هذا، فكون الرسول يجعل هذا من المن يدل على أن المن أعم وأوسع، وقد قال بعضهم: إنه كل ما يحصل بدون تعب، وعلى هذا يدخل فيه الفقع الذي هو الكمأة، ويدخل فيها العراجين ولَّا ما يدخل؟ يدخل؛ لأنه طعام من أحسن الأطعمة. * طالب: وأيش العراجين؟ * الشيخ: العراجين، إن شاء الله إذا كثرت في البر. * طالب: موجودة الآن، السنة دي موجودة. * الشيخ: موجودة، نعم، موجودة هذه السنة بكثرة، وأحسن أنكم تشفونها حتى لا يتوهم أحد أنها فئران ولا شيء. * طالب: أنا ما عرفته، يا شيخ. * طالب آخر: وأنا أيضًا ما عرفته. * الشيخ: العراجين هذا نبات أبيض مثل الأصابع يخرج من (...)، لكن هذا أبيض مثل الثياب ينبت بالنافول، وبالجرد، لكنه إذا طبخ مع الطعام من أحسن شيء يكون، يعني تفضله أحيانًا على اللحم، وأحيانًا يجدوه في مكان كبير يعني كثير، أحيانًا يجتمع الجميع في ها الأيام واحد أعطاني نوع منه كبير، وقال: إنه وجده في مكان يحسبونه معظمي، يحسبونه عظام من كثرته. * طالب: لكن العرجون اللي في تفسير الآية؟ * الشيخ: لا، لا العرجون اللي في القرآن المراد به العرجوت يسموه الناس العرجوت حب النخل. * طالب: حق النخل (...). * الشيخ: إن شاء الله إذا كثر، هو الآن قل الظاهر؛ لأن هو يبس شوي إذا كثر إن شاء الله نشوف أحد نمشي إحنا وإياه ونفرجه عليها. * الطالب: شيخ؟ سؤال على شكل اعتراض (...) في قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقولون: هل من الحكمة أن يشرع أمة تقتل نفسها؟ وهل فيها نتاج بشرية من قديم؟ * الشيخ: نعم نقول، أما بالنسبة لهذه الملة فلا، بالنسبة لملة الإسلام لا ليس بمشروع، وأما بالنسبة للأمم السابقة فإنهم قد يعذبون بنوع من هذا؛ لأن تكليف الله أنهم يقتلون أنفسهم مثل تكليف الله لإبراهيم أن يذبح ابنه، المقصود الاختبار وإذا كان الله تعالى يشاء أن يهلكهم بفعله، بزلازل أو صواعق أو غيره فأراد أن يهلكهم بأفعالهم ليكون هذا أشد للاختبار وأعظم. * الطالب: يكون بعيدًا عن أن العقل يدرك هذا الشيء أو يقر به؟ * الشيخ: لا، يقر به جدًّا، حتى مثلًا بعض الأحيان السيد يقول لعبده: افعل كذا، يريد أن يعذبه ليمتحن صدقه في طاعته، ليس ببعيد. * الطالب: إن بعض المفسرين العصريين أنكروا، أنه غير مقبول شرعًا ولا عقلًا أن يأمرهم بقتل أنفسهم؟ * الشيخ: هذا من الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لِيَتَبَوَّؤُوا مَقْعَدَهُمْ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠، ٢٩٥١)، وقال: حديث حسن.]] لأنهم يفسرون القرآن بآرائهم، هم يفسرون القرآن بآرائهم فيقبلون ما وافق رأيهم الفاسد، وينكرون ما لم يقبلوا. ثم قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿كُلُوا﴾ الأمر هنا للإباحة، الأمر للإباحة، يعني أننا أبحنا لكم هذا الذي أنزلنا عليكم من المن والسلوى. وقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ هذه (من) لبيان الجنس وليست للتبعيض؛ لأنهم أبيح لهم أن يأكلوا جميع الطيبات والطيب ضد الخبيث، والخبيث قد يكون خبيثًا لذاته، وقد يكون خبيثًا لكسبه، فالخبيث لذاته كالميتة والخنزير والخمر وما أشبهه، هذا خبيث لذاته كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥] أي: نجس خبيث، هذا محرم لذاته محرم على جميع الناس، على كل الناس، على مالكيه وغيرهم، والنوع الثاني: محرم لكسبه، كالمأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب أو ما أشبه ذلك، فهذا محرم على مكتسبه، وليس محرمًا على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح، المحرم لكسبه يكون محرمًا على كاسبه، وليس محرمًا على غيره، إذا اكتسبه منه بطريق مباح، ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت، فدل ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب، المحرم لكسبه لا يحرم على غير الكاسب (...). ولكنها مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، لكنه قدمها لإفادة الحصر، يعني: لا يظلمون بهذا إلا أنفسهم، أما الله تبارك وتعالى فإنهم لا يظلمونه؛ لأنه سبحانه وبحمده لا يتضرر بمعصيتهم، كما لا ينتفع أيضًا بطاعتهم. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ يعني: واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا: ادخلوا هذه القرية. ﴿ادْخُلُوا﴾ أمر كوني ولَّا شرعي؟ كوني وشرعي؛ لأنهم أمروا بأن يدخلوها سجدًا وأمروا بأن يدخلوا القرية في القتال، وأبيحت لهم أيضًا، دخلوها فعلًا. وقوله: ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ اختلف المفسرون في تعيين هذه القرية، والصواب أن المراد بها بيت المقدس؛ لأن موسى قال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]. وقوله: ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية مأخوذة من القَرْيِ وهو التجمع، وسميت البلاد قرية لتجمع الناس بها، ومفهوم القرية في اللغة العربية غير مفهومها في العرف؛ لأن مفهوم القرية في العرف البلد الصغير والكبير يسمى مدينة، ولكنه في اللغة العربية وهي لغة القرآن لا فرق، فالله تعالى سمى مكة أم القرى، مع أن غير مكة فيها مدن عظيمة، مدن عظيمة جدًّا وسماها أم القرى، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣] والمراد بالقرية التي أخرجته؟ مكة، يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾ هذه معناها أنها كبيرة وعظيمة، ومع ذلك سماها الله تعالى قرية. هذه القرية ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، ادخلوا فكلوا منها، الأمر هنا في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ قلنا: إنه أمر كوني يصير ﴿فَكُلُوا﴾ الأمر للإباحة، يعني: فأبحنا لكم أن تأكلوا منها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ قوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ يعني: في أي مكان كنتم من البلد في وسطها أو أطرافها تأكلون ما تشاؤون. وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ أي: طمأنينة وهنيئًا لا أحد يعارضكم في ذلك ولا يمانعكم، ولا يقال: إن هذا مثلًا يخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه: البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]] نقول: لأنها ما هي غنائم هذه، ولكنه أبيح لهم أن يأكلوا من هذه الأرض سواء كان بطريق الشراء، أو بطريق المعاملة المزارعة أو ما أشبه ذلك (...). ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾ أي باب؟ باب القرية، الباب يعني باب القرية؛ لأن القرى يجعل لها أبواب تحميها من الداخل والخارج. وقوله: ﴿الْبَابَ﴾ هذه (أل) للعهد، أي عهد هو؟ * طالب: ذهني. * الشيخ: ذهني؛ لأنه ما سبق ذكره وليس حضوريّا؛ لأنه ليس بحاضر فيكون ذهنيًّا ويكون مفهومًا من قوله: ﴿الْقَرْيَةَ﴾؛ لأن القرية لها باب. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ منصوب على أنه حال من الواو في ﴿ادْخُلُوا﴾. ما المراد بهذا السجود؟ قيل: المراد به الخضوع، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج ١٨] إلى آخره، فالمراد به الخضوع. وقيل: المراد به الركوع كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف ١٠٠]، وقيل: المراد به السجود حقيقة؛ لأنه ظاهر اللفظ، وعلى هذا القول لا يُسَلَّم بأن معنى الآية: ﴿للَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أن معناها مطلق الخضوع، بل هو سجود، ولكل أحد سجود يناسبه، وكذلك أيضًا لا يسلم بأن قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: ركعوا له بل إنما هم سجدوا حقيقة؛ لأن قوله: ﴿خَرُّوا﴾ يدل على ذلك، وعليه إذا قلنا بأن المراد بقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ أي: سجود حقيقة على الأرض يكون فيه إشكال؛ لأن دخولهم في هذه الحال متعذر إذ إن الإنسان إذا كان ساجدًا ما يستطيع يدخل، هو ثابت في مكانه أليس كذلك؟ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ كيف يدخلون الباب سجدًا؟ فيقال: الجواب على ذلك بسيط: هذه الحال ليست حالًا مقارنة، بل هي حال في المستقبل؛ لأن الحال تارة تكون مقارنة للفعل، وتارة تكون متأخرة عنه، فالمراد: إذا دخلتم الباب فاسجدوا لله تعالى شكرًا على هذه النعمة؛ ولهذا «لما فتح الرسول ﷺ مكة صلى ثماني ركعات ضحى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦ / ٧١) من حديث أم هانئ.]]، من العلماء من قال: إنها سنة الضحى، ومنهم من قال: إنها سنة الفتح، وجعل هذا الفتح له سنة، إن الإنسان إذا دخل يصلي، وهذا أقرب؛ لأننا إذا قلنا بأن المراد بالسجود حقيقته لم نخرج عن ظاهر اللفظ، والواجب علينا في تفسير القرآن وفي شرح الحديث أن نأخذ بأيش؟ بظاهر اللفظ ما لم يمنع منه مانع، إن منع منه مانع وإلا فالواجب الأخذ بظاهره، إذن سجدًا ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ يعني: فإذا دخلتموه فاسجدوا حالًا بدون تأخير. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ يعني: قولوا هذه الكلمة، يعني حطة، وحطة اسم هيئة من الحط وهو التنزيل، ومنه قولكم: حُطَّ رَحْلُه أو حَطَّ رَحْلَه أي: أنزله، ومنه ما ورد في حديث الدعاء في سجود التلاوة «وَاحْطُطْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا»[[أخرجه الترمذي (٥٧٩)، وابن ماجه (١٠٥٣)، وابن خزيمة (٥٦٣).]] فهم قيل لهم حطة أي فعلة من الحط، وهو التنزيل، والمراد: احطط عنا ذنوبنا فهي بمعنى: قولوا ربنا اغفر لنا، يعني اطلبوا المغفرة من الله سبحانه وتعالى إذا دخلتم وسجدتم، فهمتم ولَّا لا؟ إذن معنى حطة: احطط عنا ذنوبنا. * طالب: شيخ سجود الشكر هل فيه صلاة ولا؟ * الشيخ: لا، مستقل. * الطالب: سجدة ولا سجدتين؟ * الشيخ: لا، سجدة واحدة. ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: احطط عنا ذنوبنا، وهو عبارة عن الاستغفار، وأيش إعراب (حطة)؟ * طالب: مفعول به. * الشيخ: طيب، مش المفروض تكون منصوبة؟ يقولون: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: سؤالنا حطة، أو مسألتنا حطة أي: مسألتنا أن تحط ذنوبنا، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تُغْفَرْ لَكُمْ﴾ وفي قراءة ثالثة: ﴿يُغْفَرْ لَكُمْ﴾ ففيها ثلاث قراءات: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فيها: ﴿تُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ، فيها: ﴿يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ وكلها قراءات صحيحة بأيها قرأت أجزأك. وقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ستر الذنب يعني معناه: أن الله يستر ذنبك ويتجاوز عنك فلا يعاقبك عليه، هذه هي المغفرة؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وأيش هو المغفر؟ ما يوقى به الرأس في الحرب كذا؟ * طالب: خوذة تسمى يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، تسمى خوذة، هذا المغفر؛ لأنه يستر ويقي، ومن فسر المغفرة بمجرد الستر فليس بصحيح؛ لأن الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه: البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] يعني: أتجاوز وأسترها أيضًا. وقوله: ﴿خَطَايَاكُمْ﴾ جمع خطيئة، الخطايا جمع خَطِيَّة كمطايا جمع مَطِيَّة، والخطية ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد، هذه الخطيئة، ما يرتكبه من المعاصي عن عمد، وأما ما يرتكبه عن غير عمد فيسمى إخطاء؛ ولهذا فرق بين مخطئ وخاطئ، الخاطئ ملوم، والمخطئ معذور، قال الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٥، ١٦] وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] أخطأنا فهو مخطئ، أخطأ فهو مخطئ، وخَطِئ فهو خاطئ، فالخطية والخطيئة ما يرتكبه الإنسان من مخالفة عن عمد، فإن كان عن جهل فهو إخطاء وليس خطيئة، شوف الآن لو فعلوا ذلك غفرت لهم خطاياهم، زيادة على ذلك: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا فوق مغفرة الخطايا، فضل. وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يقومون بالإحسان، والإحسان فسره رسول الله ﷺ: «بِأَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه: البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] فمن عبد الله على هذا الوجه فهو محسن ولا شك أنهم لو قاموا بما أمروا به لكانوا محسنين، ولكن ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ شوف، ما قالوا: حطة بدلوها ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني: قوله: ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾ هذا في الحقيقة فيه إشكال؛ لأنهم هم بدلوا القول غير الذي قيل لهم ولَّا بدلوا القول الذي قيل لهم؟ * طالب: قالوا غير الذي قيل لهم. * الشيخ: بدلوا القول الذي قيل لهم ولَّا بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم؟ * الطالب: قولًا غير الذي قيل لهم، قالوا غير الذي قيل لهم. * الشيخ: إي، لكن كلمة (بدَّل)، تقول: بدلت الشاة بالخروف؟ * طالب: بدلوا القول الذي قيل لهم. * الشيخ: إي، وهنا يقول: ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. * الطالب: نفسه. * الشيخ: لا، ما هو بنفسه، هنا فرق ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. * طالب: يعني: قالوا غير الذي قيل لهم؟ * الشيخ: هو معني قالوا معروفة، لكن نريد نأخذ المعنى من اللفظ، نشوف الآن هل في الآية قلب ولَّا فيها تضمين؟ إذا أخذنا بظاهر اللفظ يصير: بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم، مع أنهم بدلوا هم القول الذي قيل لهم، بدلوه بقول آخر، إذن اختلف الناس في تخريج هذه الآية فقيل: إن معنى (بدَّل) أي: قالوا، فقال الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم تبديلًا يعني معناه قصدهم التبديل والمخالفة، لا أنهم أخطؤوا أو نسوا أو ما أشبه ذلك، يصير هنا التبديل من أحسن ما يكون؛ لأنه تضمن أنهم قالوا قولًا غير الذي قيل لهم ولَّا لا؟ وقالوه بقصد أيش؟ التبديل والمخالفة، بقصد التبديل والمخالفة، وهذا أشد مما لو قالوه نسيانًا أو ما أشبه ذلك، وإنما قالوه تبديلًا، يصير هنا، ضمن (بدَّل) معنى (قال)، ولكن عبر بالتبديل عن القول؛ لأجل أن يتبين أن هؤلاء الذين قالوا غير الذين قيل لهم غرضهم بذلك التبديل، أي المخالفة. وقال بعضهم: إن الآية فيها حذف والتقدير: فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، فيكون في الآية حذف، تقدير: فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، ولكن ما دام يمكن تخريج الآية بدون حذف فهو أولى من تخريجها على أمر فيه حذف. يكون هنا (بدَّل) بمعنى (قال)، ولكنه عبر عن القول بالتبديل إشارة إلى أي شيء؟ * طالب: إلى المخالفة. * الشيخ: قالوا ذلك من أجل المخالفة والتبديل والتغيير. وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾ ما قال: فبدلوا، أو فبدلتم بل أظهر في موضع الإضمار، وللإظهار في موضع الإضمار فوائد، أما فهمتم؟ ما قال: فبدلتم (...) فبدلتم، أو قال: فبدلوا، بل قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أظهر في موضع الإضمار، وللإظهار في موضع الإضمار فوائد، من يعرفها؟ مرت علينا. * طالب: التشنيع. * الشيخ: كيف التشنيع؟ * الطالب: شدة، أو قبح هذا الفعل. * الشيخ: يعني صدق اتصاف هؤلاء بهذا الوصف، يعني معناه أن أي مكان في موضع الإظهار فإن له فوائد: * الفائدة الأولى: تحقق أو تحقيق اتصاف محل المضمر بهذا الوصف، يعني معنى ذلك أن هؤلاء يكونوا ظالمين، معناه الحكم على هؤلاء بالظلم هذه فائدة، إذن فائدتها الحكم على مرجع الضمير بهذا الوصف الذي أُظهِر. واضح؟ * ثانيًا: أن هذا مقياس لغيرهم أيضًا، فكل من بدل قولًا غير الذي قيل له، فهو ظالم فيؤخذ منه تعميم الحكم بعموم علة الوصف واضح هذا لفائدتين، قد يكون هناك فوائد أخرى يمكن تيجي في آخر الآية. * الطالب: بس التبديل (...) أصلًا نحن مأمورين بالإسلام طبعًا أو مأمورين بالصلاة واحد يترك الصلاة، يكون يعني كل شيء اللي يكون طريقه غير طريق الإسلام، هذا التبديل؟ * الشيخ: هذا التبديل، ما الذي قالوا بدل أمر الله لهم بأن يقولوا: حطة؟ قالوا كما ثبت في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام «حِنْطَةٌ فِي شِعِيرَةٍ»[[متفق عليه: البخاري (٤٤٧٩)، ومسلم (٣٠١٥ / ١). وأحمد (٨١١٠) من حديث أبي هريرة ولفظه: «فِي شَعَرَةٍ».]] بدلًا من أن يطلب منهم أن يسألوا الله مغفرة الذنوب، قالوا: لا، نبغي طعامًا، نبغي أكل حنطة في شعيرة، إذن فرق بين هذا وهذا، الله أمرهم أن يستغفروا من ذنوبهم التي ارتكبوها، وهؤلاء طلبوا أمرًا يملؤون به بطونهم، دخول الباب سجدًا، يقول ابن عباس وغيره: إنهم دخلوا زحفًا على أدبارِهم[[في الحديث السابق: فدخلوا يزحفون على أستاههم.]] -أعوذ بالله- استهزاء بالله سبحانه وتعالى الذي أمرهم أن يدخلوا سجدًا شكرًا لله على نعمة الفتح، قالوا: لا ولا ندخل ولا نمشي، نمشي على أدبارنا -أعوذ بالله- يعني يزحفون زحفًا. وبعضهم ذكر: إنهم رجعوا على الوراء أيضًا ما مشوا مستقبلين، وأما القول فبدلوه أيضًا، فبدلوا القول والفعل، بدلوا القول والفعل. وقد حصل هذا لبعض هذه الأمة كان صوت العرب إبان حرب الأيام الستة -كما تقول اليهود- كان يقول: غدًا تغني أم كلثوم في تل أبيب، يعني: شكرًا لله على هذه النعمة، إن المغنية تروح تغني البلاد المفتوحة، لكن في الحقيقة غنت طائرات اليهود على طائرات هذا القائل، فصار الأمر بالعكس والحقيقة أنها مثل سوء، لأن هذا يشبه قول أبي جهل: لا نرجع حتى نبلغ بدرًا ونسقي الخمور وتضرب علينا الخيام[[انظر إمتاع الأسماع (١ / ٩٠-٩١)، الدرر في اختصار المغازي والسير (ص١١٣)، الفصول في سيرة الرسول ﷺ (ص٣٠) الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء (٢ / ١٦).]]، شوف يعني أهداف العرب الآن من هذه الحرب مع اليهود، كيف هي؟ مجرد أمر دنيوي فقط أن يغلبوا ويستولوا، لكن لإقامة دين الله، لا؛ لأن الذي يقيم دين الله إذا فتح بلاد الله يخلي المغنيات يغنين في يوم فتح؟ الرسول عليه الصلاة والسلام «دخل عام الفتح وهو مطأطئ الرأس حتى إن عليه الصلاة والسلام، إن هذه العنفقة تكاد تمس الرحل من شدة خفض رأسه عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ القرآن: » ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فيه فرق بين هذا وهذا، إي نعم، فأقول: إن من هذه الأمة من فعل مثل هؤلاء اليهود ما دخلوا خاضعين ساجدين، ولا قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران ١٤٧]، ولكنهم قالوا: ندخل نغني تصحبنا القيان يغنين علينا، وهذا مصداق قول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ».[[أخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ».]] ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾: نعمة الله تبارك تعالى بما هيأه لعباده من الظل، فإن الظل عن الحر من نعم الله على العبد؛ لقوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل ٨١] تكنكم عن الحر وعن البرد أيضًا. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل الغمام ظلًّا على هؤلاء وأنه هو الذي يسوق الغمام ويدبره تبارك وتعالى كما يشاء. * وفيها أيضًا بيان نعمة الله على بني إسرائيل بإنزال المن والسلوى طعام وشراب يأتيهم بدون تعب وبدون مشقة؛ ولهذا وصف بالمن. * وفيه أيضًا دليل على أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله هيأ لهم هذه الطيور لم يهيأ لهم ظباء ولا أرانب وإنما هيأ لهم الطيور، وهو أيضًا لحم أهل الجنة ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة ٢١]. * وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فإن الإنسان ما ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم، وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباحه الله له، وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة، فالإنسان ما ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي، والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه، وقد يكون لسبب يتعلق بدينه، وقد يكون لسبب يتعلق بغيره، قد يمتنع الإنسان من اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله فيكون تركه له من باب الحمية، قد يترك الإنسان اللحم؛ لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يذهب طيباته في حياته الدنيا، قد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره مثل ما يذكر عن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة عام الجدب المشهور[[انظر الآحاد والمثاني (١ / ١٣٨) (١١٣).]] أنه كان لا يأكل الخبز إلا بالنبيذ ما يأكله باللحم؛ لأنه ما يمكن، يقول: ما يمكن أن أشبع من اللحم، والأمة جائعة، فيكون ذلك لغيره، المهم أنه إذا امتنع من الطيبات بسبب شرعي فليس بمذموم، وإن امتنع منها تعففًا فإنه مذموم. * وفيه أيضًا دليل على أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * وفيه من الفوائد أن العاصي لا يظلم الله وإنما يظلم نفسه، لكن يصح أن نقول: هذا الرجل ظالم لنفسه في حق الله، وفي حق الناس ما نقول: ظالم لله، ظالم لنفسه في حق الله، وفي حق الناس. * فيها أيضًا فوائد: أن كل ما حصل مما نأكل فهو من رزق الله كقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. * وفيه أن المباح من الرزق هو الطيب؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾، وأن الخبيث لم يأمر الله تعالى بأكله، بل إنه حرمه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ * فيه إثبات القول لله عز وجل، وهذا القول على لسان من؟ موسى، ففيه إثبات القول وأن الله يقول، وهو قول صحيح حقيقي ولَّا مجازي؟ حقيقي بصوت وبحرف، لكن صوته سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء من أصوات المخلوقين، ولا يمكن للإنسان أن يتخيله هذا الصوت لأنه عظيم. * وفيه أيضًا دليل على أن الله تعالى أباح لبني إسرائيل دخول بيت المقدس؛ لقوله: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾. * وفيه أيضًا وعد الله لهم بدخولها، من أين يؤخذ الوعد؟ من الأمر بالدخول يعني كأنه يقول: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا. * وفيه أيضًا دليل على جواز أكلهم -أي بني إسرائيل- من هذه القرية التي دخلوها، ولكن بعوض ولَّا بغير عوض؟ * الطلبة: بعوض * الشيخ: إي نعم، ما يباح لهم الغنائم كما يباح لنا، ولكن معناه أن لكم أن تأكلوا منها حيث شئتم رغدًا هنيئًا لم يحجر عليكم، إنما ليس على سبيل الغنيمة، ويمكن أن يقال لهم أن يأكلوا ولا يملكوا، ولا يتملكوا، ويصير هذا ليس من باب الغنيمة مثلما إني إذا مررت في الشريعة الإسلامية إذا مررت ببستان فلي أن آكل، ولكن ما أتملك، الخصوصية التي اختصت بهذه الأمة هي ملك الغنيمة، أما أن ينتفعوا من ثمار البلاد التي دخلوها فهو جائز لهم حتى في شريعتهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الذل والخضوع؛ لقوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وقد كان الرسول ﷺ حين فتح مكة دخلها مطأطئًا رأسه، ولما قال: سعد بن عبادة رضي الله عنه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كَذَبَ سَعْدٌ بَلِ الْيَوْمَ تُعَظَّمُ الْكَعْبَةُ»[[البخاري (٤٢٨٠) من حديث عروة، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (٥ / ٣٩).]]، «ثم أخذ الراية منه وأعطاها ابنه قيس بن عبادة » تعزيرًا له لما قال هذه الكلمة، وإن كان قد قالها بحسن قصد لكن بغير فهم، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن اليوم هذا ما هو بتستحل الكعبة، بل هو تعظيم الكعبة؛ لأنه تطهيرها من الأصنام، وتحويل البلاد إلى بلاد إسلامية بعد أن كانت بلاد كفر، فهل هذا فيه استحلال الكعبة؟ أبدًا، بل فيه تعظيم الكعبة، لكن فيه استحلال الطغاة المعتدين على الكعبة ولَّا لا؟ إي نعم، هذا صحيح. * وفي هذا دليل على لؤم بني إسرائيل، ومضادتهم لله ورسله؛ لأنهم لم يدخلوا الباب سجدًا، بل دخلوا يزحفون على أستاههم، يرجعون وراء، يزحفون هم يرجعون وراء -أعوذ بالله- استكبارًا واستهزاء، وقالوا: بدل حطة أيش؟ حنطة في شعرة أو في شعيرة، نبغي بس شيء نملأ بطوننا، ما نبغي مغفرة ذنوبنا، والعياذ بالله. * وفيه دليل على قبح التأويل والتحريف؛ لأن هؤلاء حرفوا، وقد شبه ابن القيم رحمه الله (لام) استولى عند الجهمية بـ(نون) اليهود في (حنطة)، المعتزلة والجهمية والأشعرية أيضًا قالوا: استوى أي استولى، فاللام في (استوى) عندهم التي زيدت مثل النون التي زيدت في (حطة)، قالوا: حنطة، قالوا: حنطة وهذا صحيح، فهم حرفوا في الحقيقة، بنو إسرائيل حرفوا اللفظ والمعنى، وأولئك حرفوا المعنى؛ لأنهم ما يستطيعون أن يحرفوا اللفظ؛ إذ إنهم لو حرفوا لفظ القرآن لقامت عليهم الأمة وعرف ضلالهم؛ إذن فيه بيان قبح التحريف، تحريف الكلم عن مواضعه سواء كان لفظيًّا أو معنويًّا. * وفيه أيضًا أن الجهاد مع الخضوع لله عز وجل والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، وللاستزادة أيضًا من الفضل لقوله؟ ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أن الإحسان سبب للزيادة، سواء كان إحسانًا في عبادة الله أو إحسانًا إلى عباد الله؛ فإن الإحسان سبب للزيادة، وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: «اللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة.]] «وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»[[متفق عليه: البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠ / ٥٨) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة ٥٩]. قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فيه دليل على تحريم التبديل في كلمات الله وهو تحريفها، من أين يؤخذ؟ من وصفهم بالظلم ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾. * وفيه دليل على ذكر بعض الشيء ويستدل عليه ويستغنى به عن ذكر الثاني، يعني مثلًا هنا هل بنو إسرائيل خالفوا في القول؟ أو في القول والفعل؟ الآية الكريمة يقول﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بالقول فقط، وسكت عن الفعل، لكنه قد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّهُمْ دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَي أَسْتَاهِهِمْ»[[متفق عليه: البخاري (٣٤٠٣)، ومسلم (٣٠١٥ / ١).]] فيكون قد بدلوا القول والفعل، فإذن يمكن أن يقال: بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم بمعنى جعلوا قول الله عز وجل اللي فيه الأمر بالسجود، والأمر بسؤالهم الحطة بدلو هذا القول كله يعني يكون المراد ما هو بنفس القول اللي هو قسيم الفعل، ولكن بدلوا قول الله بقول آخر، كأنه قيل لهم قول غير الذي قيل لهم، فإذن يكون التبديل تبديل القول فقط ولَّا تبديل الفعل فقط ولَّا الفعل والقول؟ * الطلبة: الفعل والقول. * الشيخ: لا لا، ما هو موجب في القرآن القول، إحنا نقول: موجب القرآن القول، إن قلنا: إن قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: بدلوا بالقول قولًا بمعنى اعتاضوا عما يقولون هم، اعتاضوا عما يقولون قولًا آخر؛ حينئذ لو فسرنا الآية بهذا التفسير يكون سكت عن الفعل الذي جعلوه بدلًا عما أمروا به، أما إذا قلنا: إن معنى قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني: معناه حولوا كل ما قيل لهم إلى قول آخر، يعني كأنهم أمروا بأن يزحفوا على أستاههم، وأن يقولوا: حنطة في شعرة، فكأنهم بدلوا أصل القول الذي قيل بقول آخر امتثلوه، وعلى هذا فتكون الآية شاملة لتبديل القول والفعل، شاملة لتبديل القول (...)، ولا يبقى فيها إشكال، وفي الحقيقة حتى لو فرض أننا فسرناها بالأول، وأنهم قالوا غير ما قيل لهم، فإن الحديث صحيح في ذلك وصريح أنهم أيضًا بدلوا الفعل. * الطالب: ذكر بعض الشيء يستغنى عن الآخر؟ * الشيخ: هذا إذا قلنا: إن القول الذي بدلوه يعني القول الواقع منهم، أما إذا قلنا: إنهم بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم أي جعلوا أمر الله لهم أمرًا لشيء آخر، وهو ما فعلوه، يعني كأنهم حرفوا أمر الله أي قول الله، فحينئذ ما يصير من باب ذكر أحد الطرفين استغناء به عن ذكر الآخر، والله أعلم بما أراد في كلامه. قال الله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا﴾ الفاء للسببية، فهمتم؟ يعني فبسبب ما حصل منهم من التبديل أنزلنا. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي عليهم، وهذا من باب الإظهار في مقام الإضمار، وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن له ثلاث فوائد؟ * طالب: ما حضرت. * الشيخ: ذكرنا فائدة الإظهار في موضع الإضمار؟ * طالب: الإظهار في مقام الإضمار: التنبيه (...). * طالب: أولًا الحكم على هؤلاء، أو تخصيص هؤلاء بالحكم. * الشيخ: لا الحكم عليهم بما دل عليه هذا الظاهر، وهم أنهم ظلموا، هذه واحد. * الطالب: الثاني: أن هذا الوصف عموم الوصف بعموم الحكم، عموم الحكم بعموم الوصف. * الشيخ: يعني معناها أنه من أجل أن يكون.. * الطالب: عاما لهم ولغيرهم. * الشيخ: من أجل أن يكون عامًّا لهم ولغيرهم، ثالثًا، ما ذكرنا إلا هذه؟ * الطالب: التنبيه. * الشيخ: لا، التنبيه هذا ذكرناه -بارك الله فيكم- فيما إذا حصل التفات، التفات إذا ظهر من الغيبة للحضور أو بالعكس. * الطالب: وهذا (...) للتأكيد؟ * الشيخ: ربما يحصل فيها انتباه عندما أن الإنسان يكون نسق الكلام على أنه يؤتى بالضمير، ثم يؤتى بالاسم الظاهر، قد يكون هذا لفت نظر، أن الإنسان ينتبه، يقال: لأيش جاء الظاهر مع أن سياق الكلام يقتضي الضمير، ربما يكون كذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: لكن على كل حال المسألة يراد بها العموم؛ لأجل أن يعم هذا الحكم من شابههم. * الطالب: في الوصف. * الشيخ: والثاني: الحكم عليهم بما يقتضيه هذا الاسم الظاهر أي أنهم ظلموا. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ أي: عذابًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، قال فرعون لموسى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف ١٣٤] يعني: العذاب وهو غير الرجس؛ لأن الرجس النجس القذر، والرجز العذاب. وقوله: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي عذابًا منها، مثل أيش ينزل من العذاب من السماء؟ كالحجارة، الصواعق، البرد وغيرها. * طالب: الرياح. * الشيخ: نعم. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، ولا يلزم أن تكون السماء المحفوظة؛ لأن كل ما علاك فهو سماء ما لم يوجد قرينة، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء ٣٢]. قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الباء هنا للسببية أي: بسبب، و(ما) مصدرية أي بكونهم فسقوا، إذا كانت مصدرية فقد مر علينا أن حرف المصدر يحول ما بعده من الفعل بل من الجملة إلى مصدر، وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كانوا فيما مضى أو المقصود بها (...).

البقرة 2:59

ثم أخذ الله سبحانه وتعالى في تعداد نعمه عليهم في قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ الآية الكريمة يقول الله تعالى: ظللنا الغمام، فظاهرها أن المظلل الغمام كما تقول: ظللت زيدًا بالكساء؛ ولهذا ذهب بعض المعربين إلى أن تقدير الآية الكريمة: وظللنا عليكم بالغمام، أنت الآن تقول: ظللت فلانًا، هو مظلل ولا مظلل به؟ مظلل، هنا قال: ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ ولكن عندي أنه لا يحتاج إلى تقدير، وأن الذي بين المعنى تمامًا هو قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ لو قال: ظللنا الغمام فقط لكان قد يتوهم متوهم أن الغمام مظلل، ولكن هو قال: ﴿ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ أي جعلناه ظلًّا عليكم، وكان ذلك في التيه حين تاهوا، وقد بقوا في التيه بين مصر والشام كم؟ أربعين سنة يتيهون في الأرض، ولكن الله تبارك وتعالى رحمهم، هم ما عندهم ماء ولا عندهم مأوى ولا شيء، لكن الله سبحانه وتعالى رحمهم فظلل عليهم الغمام، والغمام هو السحاب الرقيق الأبيض، وقيل: السحاب مطلقًا، وقيل: السحاب البارد، الذي يكون به الجو باردًا يتولد منه الرطوبة، فيبرد الجو، وهذا هو الظاهر. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ المن يقولون: إنه شيء يشبه العسل ينزل عليهم بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فإذا قاموا أكلوا منه، وأما السلوى فإنه طائر، طائر ناعم يسمى السُّمَانَى أو هو شبيه به، وقال لنا مشائخنا: إنه هو الصُّفارى، الصُّفارى معروفة، طائر معروف من أحسن ما يكون من الطيور وألذه وهو صغير (...). * الشيخ: هل هذا الموت حقيقي أو نوم؟ * طالب: حقيقي. * الشيخ: نعم، حقيقي. * الطالب: لأن النوم يسمى وفاة. * الشيخ: يسمى الوفاة، نعم، ما هي القصص التي فيها إحياء الموتى في غير هذه القصة؟ * طالب: قصة صاحب البقرة، خمس قصص، هذه واحدة، قصة إبراهيم مع الطير، ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. * الشيخ: ﴿أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩]. * طالب: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣]. * الشيخ: أحسنت. * طالب: قصة صاحب البقرة. * الشيخ: خمس قصص في هذه السورة فيها إحياء الله تعالى الموتى في هذه الدنيا. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾، أيش معناها؟ * طالب: الغمام: قيل سحاب أبيض يظل عنهم الشمس، يبرد الجو. * الشيخ: وأيش معنى ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾؟ * الطالب: هذا منة من الله. * الشيخ: إي، وأيش معناها؟ * الطالب: جعل الغمام يظلهم. * الشيخ: جعل الغمام يظلهم تمام، ولهذا بعضهم يقول: إن تقدير الآية: وظللنا عليكم بالغمام، ولكن الصحيح: أنه على ما هو عليه، إن الغمام مفعول ظللنا، المعنى جعلناه ظلًّا عليكم، هذا المعنى. قوله: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ما هو المن؟ * طالب: ما أعرف. * الشيخ: ما تعرفهم؟ * طالب: قيل: إنه شراب يشبه العسل. * الشيخ: نعم. * الطالب: والسلوى هو طائر. * الشيخ: نعم، من أحسن الطيور وألذها ويسمى عندنا يسمى صفارى. * الطلبة: سمانى. * الشيخ: إيه، السمانى عندنا يسمى صفارى؛ لأن الطائر أصفر، لطيف اللحم وطيب. أما المن فإنه شيء ينزل مثل العسل، يقولون: إنه ينزل على الأشجار بين الفجر وطلوع الشمس، يأخذون منه، ويأكلون منه ويجنونه، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْكَمْأَةَ مِنَ الْمَنِّ»[[متفق عليه. البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩ / ١٥٧ - ١٦٢) من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]] لأنها تحصل بلا تعب، وظاهر الحديث أن المراد بالمن كل ما يحصل لهم بدون تعب، سواء جعل ذلك الشيء المعين الذي كالعسل أو غيره، وعلى هذا فيكون هذا التفسير يكون أعم من تخصيصه بهذا الذي يشبه العسل؛ لأن قول الرسول ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ» (مِن) هذه للتبعيض، معناه المن أعم من هذا، فكون الرسول يجعل هذا من المن يدل على أن المن أعم وأوسع، وقد قال بعضهم: إنه كل ما يحصل بدون تعب، وعلى هذا يدخل فيه الفقع الذي هو الكمأة، ويدخل فيها العراجين ولَّا ما يدخل؟ يدخل؛ لأنه طعام من أحسن الأطعمة. * طالب: وأيش العراجين؟ * الشيخ: العراجين، إن شاء الله إذا كثرت في البر. * طالب: موجودة الآن، السنة دي موجودة. * الشيخ: موجودة، نعم، موجودة هذه السنة بكثرة، وأحسن أنكم تشفونها حتى لا يتوهم أحد أنها فئران ولا شيء. * طالب: أنا ما عرفته، يا شيخ. * طالب آخر: وأنا أيضًا ما عرفته. * الشيخ: العراجين هذا نبات أبيض مثل الأصابع يخرج من (...)، لكن هذا أبيض مثل الثياب ينبت بالنافول، وبالجرد، لكنه إذا طبخ مع الطعام من أحسن شيء يكون، يعني تفضله أحيانًا على اللحم، وأحيانًا يجدوه في مكان كبير يعني كثير، أحيانًا يجتمع الجميع في ها الأيام واحد أعطاني نوع منه كبير، وقال: إنه وجده في مكان يحسبونه معظمي، يحسبونه عظام من كثرته. * طالب: لكن العرجون اللي في تفسير الآية؟ * الشيخ: لا، لا العرجون اللي في القرآن المراد به العرجوت يسموه الناس العرجوت حب النخل. * طالب: حق النخل (...). * الشيخ: إن شاء الله إذا كثر، هو الآن قل الظاهر؛ لأن هو يبس شوي إذا كثر إن شاء الله نشوف أحد نمشي إحنا وإياه ونفرجه عليها. * الطالب: شيخ؟ سؤال على شكل اعتراض (...) في قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقولون: هل من الحكمة أن يشرع أمة تقتل نفسها؟ وهل فيها نتاج بشرية من قديم؟ * الشيخ: نعم نقول، أما بالنسبة لهذه الملة فلا، بالنسبة لملة الإسلام لا ليس بمشروع، وأما بالنسبة للأمم السابقة فإنهم قد يعذبون بنوع من هذا؛ لأن تكليف الله أنهم يقتلون أنفسهم مثل تكليف الله لإبراهيم أن يذبح ابنه، المقصود الاختبار وإذا كان الله تعالى يشاء أن يهلكهم بفعله، بزلازل أو صواعق أو غيره فأراد أن يهلكهم بأفعالهم ليكون هذا أشد للاختبار وأعظم. * الطالب: يكون بعيدًا عن أن العقل يدرك هذا الشيء أو يقر به؟ * الشيخ: لا، يقر به جدًّا، حتى مثلًا بعض الأحيان السيد يقول لعبده: افعل كذا، يريد أن يعذبه ليمتحن صدقه في طاعته، ليس ببعيد. * الطالب: إن بعض المفسرين العصريين أنكروا، أنه غير مقبول شرعًا ولا عقلًا أن يأمرهم بقتل أنفسهم؟ * الشيخ: هذا من الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لِيَتَبَوَّؤُوا مَقْعَدَهُمْ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠، ٢٩٥١)، وقال: حديث حسن.]] لأنهم يفسرون القرآن بآرائهم، هم يفسرون القرآن بآرائهم فيقبلون ما وافق رأيهم الفاسد، وينكرون ما لم يقبلوا. ثم قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿كُلُوا﴾ الأمر هنا للإباحة، الأمر للإباحة، يعني أننا أبحنا لكم هذا الذي أنزلنا عليكم من المن والسلوى. وقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ هذه (من) لبيان الجنس وليست للتبعيض؛ لأنهم أبيح لهم أن يأكلوا جميع الطيبات والطيب ضد الخبيث، والخبيث قد يكون خبيثًا لذاته، وقد يكون خبيثًا لكسبه، فالخبيث لذاته كالميتة والخنزير والخمر وما أشبهه، هذا خبيث لذاته كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥] أي: نجس خبيث، هذا محرم لذاته محرم على جميع الناس، على كل الناس، على مالكيه وغيرهم، والنوع الثاني: محرم لكسبه، كالمأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب أو ما أشبه ذلك، فهذا محرم على مكتسبه، وليس محرمًا على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح، المحرم لكسبه يكون محرمًا على كاسبه، وليس محرمًا على غيره، إذا اكتسبه منه بطريق مباح، ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت، فدل ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب، المحرم لكسبه لا يحرم على غير الكاسب (...). ولكنها مفعول ﴿يَظْلِمُونَ﴾، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، لكنه قدمها لإفادة الحصر، يعني: لا يظلمون بهذا إلا أنفسهم، أما الله تبارك وتعالى فإنهم لا يظلمونه؛ لأنه سبحانه وبحمده لا يتضرر بمعصيتهم، كما لا ينتفع أيضًا بطاعتهم. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ يعني: واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا: ادخلوا هذه القرية. ﴿ادْخُلُوا﴾ أمر كوني ولَّا شرعي؟ كوني وشرعي؛ لأنهم أمروا بأن يدخلوها سجدًا وأمروا بأن يدخلوا القرية في القتال، وأبيحت لهم أيضًا، دخلوها فعلًا. وقوله: ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ اختلف المفسرون في تعيين هذه القرية، والصواب أن المراد بها بيت المقدس؛ لأن موسى قال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]. وقوله: ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية مأخوذة من القَرْيِ وهو التجمع، وسميت البلاد قرية لتجمع الناس بها، ومفهوم القرية في اللغة العربية غير مفهومها في العرف؛ لأن مفهوم القرية في العرف البلد الصغير والكبير يسمى مدينة، ولكنه في اللغة العربية وهي لغة القرآن لا فرق، فالله تعالى سمى مكة أم القرى، مع أن غير مكة فيها مدن عظيمة، مدن عظيمة جدًّا وسماها أم القرى، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣] والمراد بالقرية التي أخرجته؟ مكة، يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾ هذه معناها أنها كبيرة وعظيمة، ومع ذلك سماها الله تعالى قرية. هذه القرية ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، ادخلوا فكلوا منها، الأمر هنا في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ قلنا: إنه أمر كوني يصير ﴿فَكُلُوا﴾ الأمر للإباحة، يعني: فأبحنا لكم أن تأكلوا منها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ قوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ يعني: في أي مكان كنتم من البلد في وسطها أو أطرافها تأكلون ما تشاؤون. وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ أي: طمأنينة وهنيئًا لا أحد يعارضكم في ذلك ولا يمانعكم، ولا يقال: إن هذا مثلًا يخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه: البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]] نقول: لأنها ما هي غنائم هذه، ولكنه أبيح لهم أن يأكلوا من هذه الأرض سواء كان بطريق الشراء، أو بطريق المعاملة المزارعة أو ما أشبه ذلك (...). ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾ أي باب؟ باب القرية، الباب يعني باب القرية؛ لأن القرى يجعل لها أبواب تحميها من الداخل والخارج. وقوله: ﴿الْبَابَ﴾ هذه (أل) للعهد، أي عهد هو؟ * طالب: ذهني. * الشيخ: ذهني؛ لأنه ما سبق ذكره وليس حضوريّا؛ لأنه ليس بحاضر فيكون ذهنيًّا ويكون مفهومًا من قوله: ﴿الْقَرْيَةَ﴾؛ لأن القرية لها باب. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ منصوب على أنه حال من الواو في ﴿ادْخُلُوا﴾. ما المراد بهذا السجود؟ قيل: المراد به الخضوع، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج ١٨] إلى آخره، فالمراد به الخضوع. وقيل: المراد به الركوع كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف ١٠٠]، وقيل: المراد به السجود حقيقة؛ لأنه ظاهر اللفظ، وعلى هذا القول لا يُسَلَّم بأن معنى الآية: ﴿للَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أن معناها مطلق الخضوع، بل هو سجود، ولكل أحد سجود يناسبه، وكذلك أيضًا لا يسلم بأن قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: ركعوا له بل إنما هم سجدوا حقيقة؛ لأن قوله: ﴿خَرُّوا﴾ يدل على ذلك، وعليه إذا قلنا بأن المراد بقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ أي: سجود حقيقة على الأرض يكون فيه إشكال؛ لأن دخولهم في هذه الحال متعذر إذ إن الإنسان إذا كان ساجدًا ما يستطيع يدخل، هو ثابت في مكانه أليس كذلك؟ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ كيف يدخلون الباب سجدًا؟ فيقال: الجواب على ذلك بسيط: هذه الحال ليست حالًا مقارنة، بل هي حال في المستقبل؛ لأن الحال تارة تكون مقارنة للفعل، وتارة تكون متأخرة عنه، فالمراد: إذا دخلتم الباب فاسجدوا لله تعالى شكرًا على هذه النعمة؛ ولهذا «لما فتح الرسول ﷺ مكة صلى ثماني ركعات ضحى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦ / ٧١) من حديث أم هانئ.]]، من العلماء من قال: إنها سنة الضحى، ومنهم من قال: إنها سنة الفتح، وجعل هذا الفتح له سنة، إن الإنسان إذا دخل يصلي، وهذا أقرب؛ لأننا إذا قلنا بأن المراد بالسجود حقيقته لم نخرج عن ظاهر اللفظ، والواجب علينا في تفسير القرآن وفي شرح الحديث أن نأخذ بأيش؟ بظاهر اللفظ ما لم يمنع منه مانع، إن منع منه مانع وإلا فالواجب الأخذ بظاهره، إذن سجدًا ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ يعني: فإذا دخلتموه فاسجدوا حالًا بدون تأخير. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ يعني: قولوا هذه الكلمة، يعني حطة، وحطة اسم هيئة من الحط وهو التنزيل، ومنه قولكم: حُطَّ رَحْلُه أو حَطَّ رَحْلَه أي: أنزله، ومنه ما ورد في حديث الدعاء في سجود التلاوة «وَاحْطُطْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا»[[أخرجه الترمذي (٥٧٩)، وابن ماجه (١٠٥٣)، وابن خزيمة (٥٦٣).]] فهم قيل لهم حطة أي فعلة من الحط، وهو التنزيل، والمراد: احطط عنا ذنوبنا فهي بمعنى: قولوا ربنا اغفر لنا، يعني اطلبوا المغفرة من الله سبحانه وتعالى إذا دخلتم وسجدتم، فهمتم ولَّا لا؟ إذن معنى حطة: احطط عنا ذنوبنا. * طالب: شيخ سجود الشكر هل فيه صلاة ولا؟ * الشيخ: لا، مستقل. * الطالب: سجدة ولا سجدتين؟ * الشيخ: لا، سجدة واحدة. ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: احطط عنا ذنوبنا، وهو عبارة عن الاستغفار، وأيش إعراب (حطة)؟ * طالب: مفعول به. * الشيخ: طيب، مش المفروض تكون منصوبة؟ يقولون: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: سؤالنا حطة، أو مسألتنا حطة أي: مسألتنا أن تحط ذنوبنا، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تُغْفَرْ لَكُمْ﴾ وفي قراءة ثالثة: ﴿يُغْفَرْ لَكُمْ﴾ ففيها ثلاث قراءات: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فيها: ﴿تُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ، فيها: ﴿يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ وكلها قراءات صحيحة بأيها قرأت أجزأك. وقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ستر الذنب يعني معناه: أن الله يستر ذنبك ويتجاوز عنك فلا يعاقبك عليه، هذه هي المغفرة؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وأيش هو المغفر؟ ما يوقى به الرأس في الحرب كذا؟ * طالب: خوذة تسمى يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، تسمى خوذة، هذا المغفر؛ لأنه يستر ويقي، ومن فسر المغفرة بمجرد الستر فليس بصحيح؛ لأن الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه: البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] يعني: أتجاوز وأسترها أيضًا. وقوله: ﴿خَطَايَاكُمْ﴾ جمع خطيئة، الخطايا جمع خَطِيَّة كمطايا جمع مَطِيَّة، والخطية ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد، هذه الخطيئة، ما يرتكبه من المعاصي عن عمد، وأما ما يرتكبه عن غير عمد فيسمى إخطاء؛ ولهذا فرق بين مخطئ وخاطئ، الخاطئ ملوم، والمخطئ معذور، قال الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٥، ١٦] وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] أخطأنا فهو مخطئ، أخطأ فهو مخطئ، وخَطِئ فهو خاطئ، فالخطية والخطيئة ما يرتكبه الإنسان من مخالفة عن عمد، فإن كان عن جهل فهو إخطاء وليس خطيئة، شوف الآن لو فعلوا ذلك غفرت لهم خطاياهم، زيادة على ذلك: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا فوق مغفرة الخطايا، فضل. وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يقومون بالإحسان، والإحسان فسره رسول الله ﷺ: «بِأَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه: البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] فمن عبد الله على هذا الوجه فهو محسن ولا شك أنهم لو قاموا بما أمروا به لكانوا محسنين، ولكن ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ شوف، ما قالوا: حطة بدلوها ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني: قوله: ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾ هذا في الحقيقة فيه إشكال؛ لأنهم هم بدلوا القول غير الذي قيل لهم ولَّا بدلوا القول الذي قيل لهم؟ * طالب: قالوا غير الذي قيل لهم. * الشيخ: بدلوا القول الذي قيل لهم ولَّا بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم؟ * الطالب: قولًا غير الذي قيل لهم، قالوا غير الذي قيل لهم. * الشيخ: إي، لكن كلمة (بدَّل)، تقول: بدلت الشاة بالخروف؟ * طالب: بدلوا القول الذي قيل لهم. * الشيخ: إي، وهنا يقول: ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. * الطالب: نفسه. * الشيخ: لا، ما هو بنفسه، هنا فرق ﴿بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. * طالب: يعني: قالوا غير الذي قيل لهم؟ * الشيخ: هو معني قالوا معروفة، لكن نريد نأخذ المعنى من اللفظ، نشوف الآن هل في الآية قلب ولَّا فيها تضمين؟ إذا أخذنا بظاهر اللفظ يصير: بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم، مع أنهم بدلوا هم القول الذي قيل لهم، بدلوه بقول آخر، إذن اختلف الناس في تخريج هذه الآية فقيل: إن معنى (بدَّل) أي: قالوا، فقال الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم تبديلًا يعني معناه قصدهم التبديل والمخالفة، لا أنهم أخطؤوا أو نسوا أو ما أشبه ذلك، يصير هنا التبديل من أحسن ما يكون؛ لأنه تضمن أنهم قالوا قولًا غير الذي قيل لهم ولَّا لا؟ وقالوه بقصد أيش؟ التبديل والمخالفة، بقصد التبديل والمخالفة، وهذا أشد مما لو قالوه نسيانًا أو ما أشبه ذلك، وإنما قالوه تبديلًا، يصير هنا، ضمن (بدَّل) معنى (قال)، ولكن عبر بالتبديل عن القول؛ لأجل أن يتبين أن هؤلاء الذين قالوا غير الذين قيل لهم غرضهم بذلك التبديل، أي المخالفة. وقال بعضهم: إن الآية فيها حذف والتقدير: فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، فيكون في الآية حذف، تقدير: فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم، ولكن ما دام يمكن تخريج الآية بدون حذف فهو أولى من تخريجها على أمر فيه حذف. يكون هنا (بدَّل) بمعنى (قال)، ولكنه عبر عن القول بالتبديل إشارة إلى أي شيء؟ * طالب: إلى المخالفة. * الشيخ: قالوا ذلك من أجل المخالفة والتبديل والتغيير. وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾ ما قال: فبدلوا، أو فبدلتم بل أظهر في موضع الإضمار، وللإظهار في موضع الإضمار فوائد، أما فهمتم؟ ما قال: فبدلتم (...) فبدلتم، أو قال: فبدلوا، بل قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أظهر في موضع الإضمار، وللإظهار في موضع الإضمار فوائد، من يعرفها؟ مرت علينا. * طالب: التشنيع. * الشيخ: كيف التشنيع؟ * الطالب: شدة، أو قبح هذا الفعل. * الشيخ: يعني صدق اتصاف هؤلاء بهذا الوصف، يعني معناه أن أي مكان في موضع الإظهار فإن له فوائد: * الفائدة الأولى: تحقق أو تحقيق اتصاف محل المضمر بهذا الوصف، يعني معنى ذلك أن هؤلاء يكونوا ظالمين، معناه الحكم على هؤلاء بالظلم هذه فائدة، إذن فائدتها الحكم على مرجع الضمير بهذا الوصف الذي أُظهِر. واضح؟ * ثانيًا: أن هذا مقياس لغيرهم أيضًا، فكل من بدل قولًا غير الذي قيل له، فهو ظالم فيؤخذ منه تعميم الحكم بعموم علة الوصف واضح هذا لفائدتين، قد يكون هناك فوائد أخرى يمكن تيجي في آخر الآية. * الطالب: بس التبديل (...) أصلًا نحن مأمورين بالإسلام طبعًا أو مأمورين بالصلاة واحد يترك الصلاة، يكون يعني كل شيء اللي يكون طريقه غير طريق الإسلام، هذا التبديل؟ * الشيخ: هذا التبديل، ما الذي قالوا بدل أمر الله لهم بأن يقولوا: حطة؟ قالوا كما ثبت في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام «حِنْطَةٌ فِي شِعِيرَةٍ»[[متفق عليه: البخاري (٤٤٧٩)، ومسلم (٣٠١٥ / ١). وأحمد (٨١١٠) من حديث أبي هريرة ولفظه: «فِي شَعَرَةٍ».]] بدلًا من أن يطلب منهم أن يسألوا الله مغفرة الذنوب، قالوا: لا، نبغي طعامًا، نبغي أكل حنطة في شعيرة، إذن فرق بين هذا وهذا، الله أمرهم أن يستغفروا من ذنوبهم التي ارتكبوها، وهؤلاء طلبوا أمرًا يملؤون به بطونهم، دخول الباب سجدًا، يقول ابن عباس وغيره: إنهم دخلوا زحفًا على أدبارِهم[[في الحديث السابق: فدخلوا يزحفون على أستاههم.]] -أعوذ بالله- استهزاء بالله سبحانه وتعالى الذي أمرهم أن يدخلوا سجدًا شكرًا لله على نعمة الفتح، قالوا: لا ولا ندخل ولا نمشي، نمشي على أدبارنا -أعوذ بالله- يعني يزحفون زحفًا. وبعضهم ذكر: إنهم رجعوا على الوراء أيضًا ما مشوا مستقبلين، وأما القول فبدلوه أيضًا، فبدلوا القول والفعل، بدلوا القول والفعل. وقد حصل هذا لبعض هذه الأمة كان صوت العرب إبان حرب الأيام الستة -كما تقول اليهود- كان يقول: غدًا تغني أم كلثوم في تل أبيب، يعني: شكرًا لله على هذه النعمة، إن المغنية تروح تغني البلاد المفتوحة، لكن في الحقيقة غنت طائرات اليهود على طائرات هذا القائل، فصار الأمر بالعكس والحقيقة أنها مثل سوء، لأن هذا يشبه قول أبي جهل: لا نرجع حتى نبلغ بدرًا ونسقي الخمور وتضرب علينا الخيام[[انظر إمتاع الأسماع (١ / ٩٠-٩١)، الدرر في اختصار المغازي والسير (ص١١٣)، الفصول في سيرة الرسول ﷺ (ص٣٠) الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء (٢ / ١٦).]]، شوف يعني أهداف العرب الآن من هذه الحرب مع اليهود، كيف هي؟ مجرد أمر دنيوي فقط أن يغلبوا ويستولوا، لكن لإقامة دين الله، لا؛ لأن الذي يقيم دين الله إذا فتح بلاد الله يخلي المغنيات يغنين في يوم فتح؟ الرسول عليه الصلاة والسلام «دخل عام الفتح وهو مطأطئ الرأس حتى إن عليه الصلاة والسلام، إن هذه العنفقة تكاد تمس الرحل من شدة خفض رأسه عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ القرآن: » ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فيه فرق بين هذا وهذا، إي نعم، فأقول: إن من هذه الأمة من فعل مثل هؤلاء اليهود ما دخلوا خاضعين ساجدين، ولا قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران ١٤٧]، ولكنهم قالوا: ندخل نغني تصحبنا القيان يغنين علينا، وهذا مصداق قول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ».[[أخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ».]] ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾: نعمة الله تبارك تعالى بما هيأه لعباده من الظل، فإن الظل عن الحر من نعم الله على العبد؛ لقوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل ٨١] تكنكم عن الحر وعن البرد أيضًا. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل الغمام ظلًّا على هؤلاء وأنه هو الذي يسوق الغمام ويدبره تبارك وتعالى كما يشاء. * وفيها أيضًا بيان نعمة الله على بني إسرائيل بإنزال المن والسلوى طعام وشراب يأتيهم بدون تعب وبدون مشقة؛ ولهذا وصف بالمن. * وفيه أيضًا دليل على أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله هيأ لهم هذه الطيور لم يهيأ لهم ظباء ولا أرانب وإنما هيأ لهم الطيور، وهو أيضًا لحم أهل الجنة ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة ٢١]. * وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فإن الإنسان ما ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم، وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباحه الله له، وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة، فالإنسان ما ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي، والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه، وقد يكون لسبب يتعلق بدينه، وقد يكون لسبب يتعلق بغيره، قد يمتنع الإنسان من اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله فيكون تركه له من باب الحمية، قد يترك الإنسان اللحم؛ لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يذهب طيباته في حياته الدنيا، قد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره مثل ما يذكر عن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة عام الجدب المشهور[[انظر الآحاد والمثاني (١ / ١٣٨) (١١٣).]] أنه كان لا يأكل الخبز إلا بالنبيذ ما يأكله باللحم؛ لأنه ما يمكن، يقول: ما يمكن أن أشبع من اللحم، والأمة جائعة، فيكون ذلك لغيره، المهم أنه إذا امتنع من الطيبات بسبب شرعي فليس بمذموم، وإن امتنع منها تعففًا فإنه مذموم. * وفيه أيضًا دليل على أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. * وفيه من الفوائد أن العاصي لا يظلم الله وإنما يظلم نفسه، لكن يصح أن نقول: هذا الرجل ظالم لنفسه في حق الله، وفي حق الناس ما نقول: ظالم لله، ظالم لنفسه في حق الله، وفي حق الناس. * فيها أيضًا فوائد: أن كل ما حصل مما نأكل فهو من رزق الله كقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. * وفيه أن المباح من الرزق هو الطيب؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾، وأن الخبيث لم يأمر الله تعالى بأكله، بل إنه حرمه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ * فيه إثبات القول لله عز وجل، وهذا القول على لسان من؟ موسى، ففيه إثبات القول وأن الله يقول، وهو قول صحيح حقيقي ولَّا مجازي؟ حقيقي بصوت وبحرف، لكن صوته سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء من أصوات المخلوقين، ولا يمكن للإنسان أن يتخيله هذا الصوت لأنه عظيم. * وفيه أيضًا دليل على أن الله تعالى أباح لبني إسرائيل دخول بيت المقدس؛ لقوله: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾. * وفيه أيضًا وعد الله لهم بدخولها، من أين يؤخذ الوعد؟ من الأمر بالدخول يعني كأنه يقول: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا. * وفيه أيضًا دليل على جواز أكلهم -أي بني إسرائيل- من هذه القرية التي دخلوها، ولكن بعوض ولَّا بغير عوض؟ * الطلبة: بعوض * الشيخ: إي نعم، ما يباح لهم الغنائم كما يباح لنا، ولكن معناه أن لكم أن تأكلوا منها حيث شئتم رغدًا هنيئًا لم يحجر عليكم، إنما ليس على سبيل الغنيمة، ويمكن أن يقال لهم أن يأكلوا ولا يملكوا، ولا يتملكوا، ويصير هذا ليس من باب الغنيمة مثلما إني إذا مررت في الشريعة الإسلامية إذا مررت ببستان فلي أن آكل، ولكن ما أتملك، الخصوصية التي اختصت بهذه الأمة هي ملك الغنيمة، أما أن ينتفعوا من ثمار البلاد التي دخلوها فهو جائز لهم حتى في شريعتهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الذل والخضوع؛ لقوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وقد كان الرسول ﷺ حين فتح مكة دخلها مطأطئًا رأسه، ولما قال: سعد بن عبادة رضي الله عنه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كَذَبَ سَعْدٌ بَلِ الْيَوْمَ تُعَظَّمُ الْكَعْبَةُ»[[البخاري (٤٢٨٠) من حديث عروة، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (٥ / ٣٩).]]، «ثم أخذ الراية منه وأعطاها ابنه قيس بن عبادة » تعزيرًا له لما قال هذه الكلمة، وإن كان قد قالها بحسن قصد لكن بغير فهم، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن اليوم هذا ما هو بتستحل الكعبة، بل هو تعظيم الكعبة؛ لأنه تطهيرها من الأصنام، وتحويل البلاد إلى بلاد إسلامية بعد أن كانت بلاد كفر، فهل هذا فيه استحلال الكعبة؟ أبدًا، بل فيه تعظيم الكعبة، لكن فيه استحلال الطغاة المعتدين على الكعبة ولَّا لا؟ إي نعم، هذا صحيح. * وفي هذا دليل على لؤم بني إسرائيل، ومضادتهم لله ورسله؛ لأنهم لم يدخلوا الباب سجدًا، بل دخلوا يزحفون على أستاههم، يرجعون وراء، يزحفون هم يرجعون وراء -أعوذ بالله- استكبارًا واستهزاء، وقالوا: بدل حطة أيش؟ حنطة في شعرة أو في شعيرة، نبغي بس شيء نملأ بطوننا، ما نبغي مغفرة ذنوبنا، والعياذ بالله. * وفيه دليل على قبح التأويل والتحريف؛ لأن هؤلاء حرفوا، وقد شبه ابن القيم رحمه الله (لام) استولى عند الجهمية بـ(نون) اليهود في (حنطة)، المعتزلة والجهمية والأشعرية أيضًا قالوا: استوى أي استولى، فاللام في (استوى) عندهم التي زيدت مثل النون التي زيدت في (حطة)، قالوا: حنطة، قالوا: حنطة وهذا صحيح، فهم حرفوا في الحقيقة، بنو إسرائيل حرفوا اللفظ والمعنى، وأولئك حرفوا المعنى؛ لأنهم ما يستطيعون أن يحرفوا اللفظ؛ إذ إنهم لو حرفوا لفظ القرآن لقامت عليهم الأمة وعرف ضلالهم؛ إذن فيه بيان قبح التحريف، تحريف الكلم عن مواضعه سواء كان لفظيًّا أو معنويًّا. * وفيه أيضًا أن الجهاد مع الخضوع لله عز وجل والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، وللاستزادة أيضًا من الفضل لقوله؟ ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أن الإحسان سبب للزيادة، سواء كان إحسانًا في عبادة الله أو إحسانًا إلى عباد الله؛ فإن الإحسان سبب للزيادة، وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: «اللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة.]] «وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»[[متفق عليه: البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠ / ٥٨) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة ٥٩]. قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فيه دليل على تحريم التبديل في كلمات الله وهو تحريفها، من أين يؤخذ؟ من وصفهم بالظلم ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾. * وفيه دليل على ذكر بعض الشيء ويستدل عليه ويستغنى به عن ذكر الثاني، يعني مثلًا هنا هل بنو إسرائيل خالفوا في القول؟ أو في القول والفعل؟ الآية الكريمة يقول﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بالقول فقط، وسكت عن الفعل، لكنه قد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّهُمْ دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَي أَسْتَاهِهِمْ»[[متفق عليه: البخاري (٣٤٠٣)، ومسلم (٣٠١٥ / ١).]] فيكون قد بدلوا القول والفعل، فإذن يمكن أن يقال: بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم بمعنى جعلوا قول الله عز وجل اللي فيه الأمر بالسجود، والأمر بسؤالهم الحطة بدلو هذا القول كله يعني يكون المراد ما هو بنفس القول اللي هو قسيم الفعل، ولكن بدلوا قول الله بقول آخر، كأنه قيل لهم قول غير الذي قيل لهم، فإذن يكون التبديل تبديل القول فقط ولَّا تبديل الفعل فقط ولَّا الفعل والقول؟ * الطلبة: الفعل والقول. * الشيخ: لا لا، ما هو موجب في القرآن القول، إحنا نقول: موجب القرآن القول، إن قلنا: إن قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: بدلوا بالقول قولًا بمعنى اعتاضوا عما يقولون هم، اعتاضوا عما يقولون قولًا آخر؛ حينئذ لو فسرنا الآية بهذا التفسير يكون سكت عن الفعل الذي جعلوه بدلًا عما أمروا به، أما إذا قلنا: إن معنى قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني: معناه حولوا كل ما قيل لهم إلى قول آخر، يعني كأنهم أمروا بأن يزحفوا على أستاههم، وأن يقولوا: حنطة في شعرة، فكأنهم بدلوا أصل القول الذي قيل بقول آخر امتثلوه، وعلى هذا فتكون الآية شاملة لتبديل القول والفعل، شاملة لتبديل القول (...)، ولا يبقى فيها إشكال، وفي الحقيقة حتى لو فرض أننا فسرناها بالأول، وأنهم قالوا غير ما قيل لهم، فإن الحديث صحيح في ذلك وصريح أنهم أيضًا بدلوا الفعل. * الطالب: ذكر بعض الشيء يستغنى عن الآخر؟ * الشيخ: هذا إذا قلنا: إن القول الذي بدلوه يعني القول الواقع منهم، أما إذا قلنا: إنهم بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم أي جعلوا أمر الله لهم أمرًا لشيء آخر، وهو ما فعلوه، يعني كأنهم حرفوا أمر الله أي قول الله، فحينئذ ما يصير من باب ذكر أحد الطرفين استغناء به عن ذكر الآخر، والله أعلم بما أراد في كلامه. قال الله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا﴾ الفاء للسببية، فهمتم؟ يعني فبسبب ما حصل منهم من التبديل أنزلنا. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي عليهم، وهذا من باب الإظهار في مقام الإضمار، وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن له ثلاث فوائد؟ * طالب: ما حضرت. * الشيخ: ذكرنا فائدة الإظهار في موضع الإضمار؟ * طالب: الإظهار في مقام الإضمار: التنبيه (...). * طالب: أولًا الحكم على هؤلاء، أو تخصيص هؤلاء بالحكم. * الشيخ: لا الحكم عليهم بما دل عليه هذا الظاهر، وهم أنهم ظلموا، هذه واحد. * الطالب: الثاني: أن هذا الوصف عموم الوصف بعموم الحكم، عموم الحكم بعموم الوصف. * الشيخ: يعني معناها أنه من أجل أن يكون.. * الطالب: عاما لهم ولغيرهم. * الشيخ: من أجل أن يكون عامًّا لهم ولغيرهم، ثالثًا، ما ذكرنا إلا هذه؟ * الطالب: التنبيه. * الشيخ: لا، التنبيه هذا ذكرناه -بارك الله فيكم- فيما إذا حصل التفات، التفات إذا ظهر من الغيبة للحضور أو بالعكس. * الطالب: وهذا (...) للتأكيد؟ * الشيخ: ربما يحصل فيها انتباه عندما أن الإنسان يكون نسق الكلام على أنه يؤتى بالضمير، ثم يؤتى بالاسم الظاهر، قد يكون هذا لفت نظر، أن الإنسان ينتبه، يقال: لأيش جاء الظاهر مع أن سياق الكلام يقتضي الضمير، ربما يكون كذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: لكن على كل حال المسألة يراد بها العموم؛ لأجل أن يعم هذا الحكم من شابههم. * الطالب: في الوصف. * الشيخ: والثاني: الحكم عليهم بما يقتضيه هذا الاسم الظاهر أي أنهم ظلموا. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ أي: عذابًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، قال فرعون لموسى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف ١٣٤] يعني: العذاب وهو غير الرجس؛ لأن الرجس النجس القذر، والرجز العذاب. وقوله: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي عذابًا منها، مثل أيش ينزل من العذاب من السماء؟ كالحجارة، الصواعق، البرد وغيرها. * طالب: الرياح. * الشيخ: نعم. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، ولا يلزم أن تكون السماء المحفوظة؛ لأن كل ما علاك فهو سماء ما لم يوجد قرينة، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء ٣٢]. قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الباء هنا للسببية أي: بسبب، و(ما) مصدرية أي بكونهم فسقوا، إذا كانت مصدرية فقد مر علينا أن حرف المصدر يحول ما بعده من الفعل بل من الجملة إلى مصدر، وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كانوا فيما مضى أو المقصود بها (...).

البقرة 2:60

قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة ٦٠]. قوله: ﴿اسْتَسْقَى﴾ أي طلب السقيا، وذلك حين كانوا في التيه أو أنه في كل مكان يحصل فيه الحاجة إلى الماء فيستسقي ويغاثون. وقوله: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ العصا معروفة، وهذه العصا كان فيها ثلاث آيات عظيمة: أولًا: أنه يلقيها فتكون حية تسعى. وثانيًا: يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا. وثالثًا: ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. وقوله: ﴿الْحَجَرَ﴾ تقدم أن الصواب فيها أن المراد به الجنس أي حجر يكون وليس حجرًا معهودًا؛ لأن هذا أبلغ في الإعجاز وفي الآية. ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ﴾ الانفجار: الانفتاح والانشقاق، ومنه سُمي الفجر؛ لأنه ينشق به الأفق، فمعنى ﴿انْفَجَرَتْ﴾ يعني تشققت منه هذه العيون. ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. ﴿عَيْنًا﴾: تمييز للعدد؛ لأن اثنتا عشرة مبهم، أي اثنتا عشرة؟ فميّزها بقوله: ﴿عَيْنًا﴾، والفرق بين الحال والتمييز: أن التمييز يكون على تقدير (مِن)، والحال يكون على تقدير (في)، تقول مثلًا: جاء الرجل راكبًا؛ أي في حال الركوب، وتقول: تصبب الخجل عرقًا، أي من العرق. ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ أي اثنتا عشرة من العيون كما قال الله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس ٣٤] ولَّا كل منهما مبين لمبهم، وكل منهما منصوب، وكل منهما نكرة، لكن التمييز مبين للذوات، والحال مبينة للهيئات. والفرق الثاني: التمييز على تقدير (مِن) والحال على تقدير (في). ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ يعني لا عينًا واحدة بل اثنتا عشرة، لماذا؟ لأن بني إسرائيل كانوا اثنتي عشرة أسباطًا فلذلك كانت العيون لكل سبط واحد. قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ [البقرة ٦٠] أي من الأسباط ﴿كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ مكان شربهم حتى لا يختلط بعضهم ببعض ويضايق بعضهم بعضًا، وهذه من نعمة الله عليهم؛ أي على بني إسرائيل وهي من نعمة الله على موسى، أما نعمة الله بها على موسى فلأنها آية تثبته وتصدقه، وأما نعمة الله بها على بني إسرائيل فلأنها مُزيلة لعطشهم وظمأهم. قال أهل العلم: ما من آية من آيات الرسل إلا وللرسول عليه الصلاة والسلام من جنسها أو أعظم منها، كل آيات الرسل للرسول عليه الصلاة والسلام من جنسها أو أعظم منها، لكن منها ما حصل له هو ومنها ما حصل لأتباعه، فإن كرامات الأولياء آية للأنبياء. قالوا: والذي حصل للرسول ﷺ من جهة تفجر العيون أعظم من الذي حصل لموسى؛ لأنه تفجرت العيون من الإناء فـ «كَانَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِه »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٠)، ومسلم (٢٢٧٩ / ٤) من حديث أنس بلفظ: قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه.]] أمثال العيون وهو في الإناء، والإناء ليس من عادته أن يتفجر، أما الحجارة فمن عادتها أن تتفجر منها ما يتفجر ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٧٤] فصار الذي حصل للرسول ﷺ أعظم من الذي حصل لموسى ﷺ. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هذا الأمر للإباحة ولّا للوجوب؟ * الطلبة: للإباحة. * الشيخ: للإباحة، واعلم أن المباح في الأصل قد يكون واجبًا أحيانًا، وقد يكون محرمًا أحيانًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مكروهًا؛ لأن المباح قد تتعلق به الأحكام الخمسة ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة ٢٧٥] أو لا، لكن قد يكون البيع واجبًا، وقد يكون حرامًا، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: قد يكون مستحبًّا، وقد يكون مكروهًا، فهنا إذا حملناها علي الإباحة ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ تضمنت الوجوب فيما إذا خشي الإنسان على نفسه التلف فإنه يجب عليه أن يأكل ويشرب، أما إذا قلنا: إن هذا الأمر الذي للوجوب خرج عن ما سواه من الإباحة وغيرها. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ أي من عطائه حيث أخرج لكم من الثمار ورزقكم من المياه فلم يجعل عليكم شيئًا ينقصكم. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لأن حقيقة الأمر أن الذي يمن الله عليه بالرزق أكلًا وشُربًا أن يجب عليه مقابلة ذلك أيش نقول؟ * الطلبة: الشكر. * الشيخ: الشكر الذي هو الصلاح والإصلاح، ولهذا قال: ﴿لَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ومعنى ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ أي لا تسيروا مُفسدين، فالعثو أو العثيّ معناها الإفساد، الإسراع في الإفساد، ومن ثم نقول: إن قوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ مؤكّدة لعاملها مؤكدة لعاملها، كيف مؤكدة لعاملها؟ لأن العثو أو العِثي معناه الفساد فتكون هذه الحال مؤكدة يعني: لا تفسدوا مفسدين. وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بماذا يكون إفساد الأرض؟ بالمعاصي، يكون إفساد الأرض بالمعاصي لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] فدل هذا على أن الفساد في الأرض يكون بالمعاصي، وأن مسؤولية الفساد في الأرض من حروب وفتن وزلازل وقحط وجدب ومرض مسؤوليتها على مَن؟ على أهل المعاصي، هم السبب وهم الشؤم على بني آدم؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦] فما وُجدت مصيبة إلا بمعصية ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. وهذا الذي حصل لهم من رِزق الله سبحانه وتعالى أكلًا وشربًا كان عليهم أن يشكروا الله عليه، وأن يستمروا على طاعته، وأن يُبعدوا عن الفساد، وأن يشرعوا في الإصلاح، لكن ما الذي حصل؟ ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة ٦١] المنّ والسلوى من أحسن الأطعمة وأنفعها للبدن وألذها مذاقًا، ومن أحسن ما يكون، لكن بنو إسرائيل لدناءتهم ما صبروا على هذا، قالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ ما نريد المن والسلوى فقط نريد أطعمة متعددة، لكنها أطعمة بالنسبة للأطعمة التي رزقوها أدنى، خسيسة بالنسبة لها يعني ليست شريفة ورفيعة وعالية بل إنها تعتبر رديئة جدًّا بالنسبة لهذا. قالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ إذا قال قائل: طعام واحد هما طعامان المن والسلوى قلنا: المنّ في الغالب يستعمل في الشرب ينبذ بالماء ويشرب، أو يقال: المراد بالطعام هنا الجنس؛ يعني ما نصبر على هذا الجنس بس ما عندنا إلا من وسلوى فيه أشياء ثانية. ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ هذا توسُّل منهم بموسى ليدعو الله عز وجل لهم ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ﴾. وكلمة: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ تدل على جفاء عظيم منهم. ما قالوا: ادع لنا ربنا، أو قالوا: ادعُ الله بل قالوا: ادع لنا ربك كأنهم بريئون منه والعياذ بالله. وهذا من سفههم وغطرستهم وكبريائهم. ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ يخرج ويش اللي جزمها؟ * الطلبة: جواب الطلب. * الشيخ: جواب الطلب، ادعُ يخرجْ، كأنهم يقولون: إنك بمجرد دعواك أو دعائك يخرج هذا الشيء، ولهذا جعلوه جوابًا للطلب. ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ ما نبغي الذي ينزل من السماء المنّ والسلوى ما نبغيه، هم أرضيون ليسوا سماويين، ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ ولا نريد ما ينزل من السماء. قوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ من بقلها أولًا مِن الأولى ويش معناها؟ ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا﴾ مِن الأولى للابتداء؛ يعني ابتداء الإخراج ومكان الإخراج اللي يخرج منه هو ما تنبته الأرض. وقوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ بيان (مِن) بيانية، أيش بيان له؟ لاسم الموصول (ما)؛ لأن اسم الموصول مبهم يحتاج إلى بيان. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ غريبين. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ البقل هو النبات اللي ما له ساق، يعني مثل الكرات وشبهه، هذا البقل. ﴿فُومِهَا﴾ هو الثوم يقال: ثوم، ويقال: فوم، وقيل: إن الفوم الحنطة، والأول أقرب أن المراد بالفوم الثوم. ﴿وَعَدَسِهَا﴾ العدس أظن معروف. * الطلبة: نعم. * الشيخ: معروف عدسها. ﴿وَبَصَلِهَا﴾ أيضًا معروف. ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ أيضًا القثاء معروف صغار البطيخ؛ الجراوة، كل هذه بالنسبة للمن والسلوى ليست بشيء، ولهذا أنكر عليهم موسى ﷺ فقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟ معنى ﴿تَسْتَبْدِلُونَ﴾ أي تأخذون بديلًا؛ استبدلت الشيء بالشيء أخذته عنه، تستبدلون أي تأخذون بديلًا، ويش تأخذون؟ ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ تستبدلونه ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.﴾ في قوله: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ ما المراد بالذي هو أدنى؟ * الطلبة: الشيء الذي طلبوه. * الشيخ: الفوم، اللي طلبوه. ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ خمسة أشياء، هذا الذي هو أدنى. ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ المنّ والسلوى. قوله: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ ما رأيكم في حذف صدر الصلة هنا، يمكن نرجع إلى النحو نشوف يجوز ولَّا ما يجوز؟ * طالب: يجوز، نعم يجوز. * الشيخ: يجوز؟ بكثرة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: خطأ. * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز إلا بقلة؛ لأن الصلة غير طويلة. * طالب: والموصول غير أي. * الشيخ: إيه والموصول غير أي، وابن مالك يقول: ......................... وفِي ∗∗∗ ذَا الْحَذْفِ أَيًّا غَيْرُ أَيٍّ يَقْتَفِي؎إِنْ يُسْتَطَلْ وَصْلٌ وَإِنْ لَمْ يُسْتَطَلْ ∗∗∗ فَالْحَذْفُ نَزْرٌ.......... ومثلها أيضًا: ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ لو قلت: بالذي خير يكون هذا قليل، وطبعًا هذا التصرف ما يجوز في القرآن مهما كان الأمر سواء طالت الصفة أو ما طالت، لكن إن كانت في غير القرآن إي نعم. ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبداله ويش يدل عليه؟ * طالب: السفه. * الشيخ: يدل على السفه والانحطاط مثل: إنسان قدمت له فنجان حليب قال: والله أنا مشتهي سيجارة. هذا واقع فيه اللي يشربون الدخان، نسأل الله العافية، تقدم له الشراب الطيب النظيف يقول: لا، هو مشتهي سيجارة. فالحاصل أن هذه المسائل تدل استبدال الأدنى بالذي هو خير تدل بالحقيقة على سفه الإنسان وانحطاطه، وكما يكون هذا في المحسوسات يكون أيضًا في المعنويات والمعقولات كون الإنسان يروح يختار الأشياء الدنيئة من الأخلاق والمعاملات وغيرها ويترك ما هو خير، هذا خطأ، نعم لو فُرض الإنسان ما وجد غير هذا، ما في الإمكان غير ما كان يلام ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يلام، لا يلام إذا كان الشيء مما أبيح له ولو هو أدنى، لكن كونه يوجد شيء أعلى مما كنت عليه وتطلبه وتترك هذا ما فيه شك أنه من السفه، ولهذا قال لوط عليه الصلاة السلام لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]. قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يعني هذا ما يحتاج إلى أن يدعو الله، وكأن موسى ﷺ أنكر عليهم هذا وبين لهم أن هذا ما يليق بموسى ﷺ يدعو الله سبحانه وتعالى لهم بهذا الدعاء، وأما قول من قال من المفسرين: إنه دعا وقيل له: قل لهم يهبطون مصرًا فإن لهم ما سألوا، هذا ليس بصحيح؛ لأنه كيف ينكر عليهم أن يطلبوا ذلك منه ثم هو يذهب ويدعو الله به؟ هذا شيء مستحيل وبعيد، والصواب أن موسى وبّخهم على ما سألوا، وأنكر عليهم، وقال لهم: هذا الأمر الذي طلبتم ليس أمرًا صعبًا، كل الدنيا مملوءة منه، ولهذا قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مصر مصر النيل ولّا غيرها؟ * الطلبة: غيرها. * الشيخ: مصر النيل؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ولكننا نقول: لا، ولهذا نُكرت، ومصر النيل ما تُنكر، ما تنصرف، مصر النيل ما تنصرف ولا ينصرف عنها، لكن مصرًا منصرفة الآن؛ يعني اهبطوا أي مصر من الأمصار تجدون ذلك. ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ يعني هذا ليس بعزيز، ولكن أنتم روحوا لأي مصر من الأمصار تجدون، ويش الذي فات من موجبات عدم الصرف هنا كلمة (مصرًا)؟ * طالب: المعنى. * طالب آخر: التعريف. * الشيخ: إيه التعريف؛ لأن هذه نكرة، هذه نكرة، واسم البلدان يكون فيها العلمية والتأنيث، وهذه فيها نعم قد نقول: فيها التأنيث؛ لأن (مصر) واحد الأمصار، وقد لا نقول: إنها مؤنثة، قد نقول: مذكر. ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.﴾ * الطالب: شيخ، هذه ﴿بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة ٦١] هل كان الأول عندهم أو يعني أو كان موسى؟ * الشيخ: إيه هو الظاهر، الظاهر أنها عندهم هم يعرفون مما تنبت الأرض من هذه الأشياء. * الطالب: الفوم مكان الفول؟ * الشيخ: الفول؟ ما أدري، لكن أقرب شيء أنه الثوم، ثُوم بالثاء، ويمكن أن يقال: الفول؛ لأنه قريب من العدس، قريب من هذا. * طالب: البقل يا شيخ، البقل اللي هو الفول التي تقبل. * الشيخ: لا. * الطالب: اللي هو زي الفاصوليا الحاجات البقل اللي كلها تحطها في الميّه تنفش هي البقل اللي موجودة في السوق حاليًا.. * الشيخ: اصطلاح هذا. قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ ضربت عليهم شوف الآن فيه التفات ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ إلى آخرها. ثم قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ إذن الكلام مُستأنف الآن، خبر من الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل أنه ضُربت عليهم الذلة والمسكنة. ﴿الذِّلَّةُ﴾ هذا في الشجاعة أذلة، ما يقابلون عدوًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤] والمسكنة فقراء يعود إلى الفقر، فليس عندهم شجاعة وليس عندهم غِنى، لا كرم بالمال ولا كرم بالنفس، أولا، الشجاعة ويش هي، كرم بأي شيء؟ * الطلبة: بالنفس. * الشيخ: بالنفس، يجود الإنسان بنفسه لإعلاء كلمة الله، والكرم جود بالمال، هم -والعياذ بالله- ما حصل لهم هذا ولا هذا بل العكس ضُربت عليهم الذلة فلا شجاعة عندهم، والمسكنة فلا جود عندهم، ولهذا ما يوجد أمة أفقر من اليهود ولا أفقر، أفقر قلبًا ما هو مالًا، الأموال كثيرة لكن قلوبهم فقيرة، وهذا هو اللي أوجب لهم أن المال يكثر لديهم؛ لأنهم لا زالوا يعني مثل النار التي في الحطب اليابس تلتهم تلتهم. هم وُصفوا بهذا الوصف، ضربت عليهم. وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ هذا من باب ما يسمونه بالاستعارة المكنية، إن صح أن نقول: إن في الكلام مجازًا، كأنه جعلهم بمنزلة السكة النقط الذي يُضرب عليه الطابع، فكأن هذه الذلة والمسكنة كأنها صارت طابعًا عليهم لا تفارقهم كما لا يفارق الطابع السكة؛ يعني الذهب والفضة؛ الدينار والدرهم مطبوعة عليهم طبع، ولهذا يقال: ضرب الدرهم وضرب الدينار؛ يعني ضرب عليه بالطابع الذي يختم فيه، وكل دوله تختم على نقودها ما تراه مناسبًا لسياستها، فهذه الذلة -والعياذ بالله- عليهم مضروبة وكذلك المسكنة. فإذا قال قائل: الواقع خلاف هذا الآن. قلنا: لا يمكن أن يكون الواقع مخالفًا لكلام الله ورسوله، وإنما الخطأ في أيش؟ * الطالب: في الفهم. * الشيخ: في الفهم والتصور، وإلا كلام الله لا يُخلف، الأخبار ما يمكن تختلف خبر الله ورسوله، نقول: هذه الآية مطلقة. وفي قوله تعالى في آل عمران: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢] يقيد هذه الآية ويصير ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة ٦١] إلا بحبل من الله وحبل من الناس، فإذا وصلهم الله تعالى أو وصلهم الناس فإنهم تزول عنهم الذلة ويكون معهم شجاعة وقوة. فهمتم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الحبل من الله ما هو؟ قيل: إنه الإسلام، والحبل من الناس أن يمدهم الناس غير اليهود بما يمدونهم به، واليهود الموجودون الآن في حبل من الناس يمدهم وهم النصارى، النصارى في كل مكان يمدونهم؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١] وهذا خبر، خبر من الله لا يخلف، النصارى تمدهم من جميع أقطار الدنيا إما علنًا وإما سرًّا، إما مباشر أو غير مباشر. الحبل من الله قلنا: إنه الإسلام على ما ذكره كثير من أهل العلم، ويحتمل عندي أنه أعم من الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا زال عنهم وصف اليهودية وصاروا من المسلمين، لكن عندي أنه حبل من الله أن الله قد يسلطهم على غيرهم عقوبة لهم، قد يُسلَّطون على غيرهم ويكون لهم الغلبة عقوبة على الآخرين لعلهم يرجعون إلى الله عز وجل لا سيما إذا كانوا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وعصوا وأبعدوا عن هذه الملة فإنهم يسلط الله عليهم من شاء من خلقه لعلهم يرجعون، وهذا أمر هو الواقع، لو نظرنا إلى الذين جعلوا أنفسهم في مسير هؤلاء اليهود وهم العرب لوجدنا أكثرهم ضالين ولا سيما ذوي القيادات منهم منحرفين عن الحق بل ربما يصل الأمر في بعضهم إلى الكفر المطلق والعياذ بالله، فلذلك يُسلَّط عليهم هؤلاء ويحصل ما يحصل، وإذا رأيت أن الرسول ﷺ في حنين حصلت الهزيمة على الصحابة رضي الله عنهم بسبب الإعجاب بالنفس، وحصلت عليهم الهزيمة في أُحد بسبب المخالفة، وطبقت الأمر على ما نحن عليه الآن وجدت أن كلا الوصفين موجود في الذين جعلوا صدورهم لليهود: إعجاب بالنفس ومخالفة للأمر، حتى إنه حدثني بعض الناس الذي قال: لما سمعت جعلت أبكي حرب الأيام الستة يقول: إن مذيعًا من مذيعي العرب يتبجح يقول: سنفعل سنفعل واليهود بعد يومين يحملون حقائبهم في البحر وغدًا تُغني أم كلثوم في تل أبيب. شوف شنو؟! جزاء النعمة شكر النعمة عصيان المنعم، أعوذ بالله! هذا التبجح وهذا الاستكبار، وهذا العلو، وهذا الإعجاب ما حصل للصحابة مع أفضل الخلق، ما حصل ولا نصفه ولا ربعه ولا شيء منه يذكر، بس قالوا: «لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ» »[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٩٤٣) من حديث الربيع بن أنس مرسلًا.]] وحصل ما حصل، كذلك أيضًا المعصية التي حصلت في أُحد معصية أيضًا بسيطة وهم أيضًا انصرفوا عن محلهم بتأويل ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: قالوا: إنه خلاص الآن الهزيمة حصلت على المشركين وغلب المسلمون ولا فائدة إلا أن نروح نجمع الغنيمة، وصار الأمر أن آتاهم الفرسان من الخلف، وحصل ما حصل بقضاء الله وقدره وحكمته، معصية واحدة، كيف هذه المعاصي الكثيرة الآن؟! هل يرى بعض قادة هؤلاء الذين جعلوا صدورهم لليهود يرون أن الحكم بشريعة الله تأخر ورجعية أعوذ بالله، كيف بينصرون هؤلاء على اليهود؟! فالمهم أن نقول: أنا أرى أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ليس هو الإسلام؛ لأن الإسلام حقيقة يخرجهم من اليهودية ويجعلهم في خير الأمم، لكن المراد به حبل من الله سبب يكون نصرًا لهم ليسلطهم على من شاء من عباده، وإلا فالله يقول للرسول ﷺ يخاطب المؤمنين ما هو بيخاطب من قال: أنا مسلم. ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤] الآن يقاتلوننا من فوق رؤوسنا وعلى جدرنا نحن أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: هذا هو الواقع؛ لأن الخطاب في قوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ لمن اتصفوا بما كان عليه السلف الصالح، ما هو بس حتى الآن يعني الحقيقة مع الأسف أننا ما نقاتلهم بالإسلام أيش نقاتلهم به؟ * الطلبة: العروبة. * الشيخ: بالعروبة والقومية، هم يقاتلون بدين لكن باطل؛ لأنهم يقولون: هذه أرض مقدسة، أرض الأنبياء، نريد أن نستردها من هؤلاء العرب الغاصبين على زعمهم. هذا فرق بين هذا وهذا، وإن كان دينهم باطل وليس بشيء، لكن هم يأتون بصفة دينية، أما نحن تركنا الصفة الدينية وذهبنا إلى صفة لا نُنصر بها أبدًا، ما نُصر العرب؛ لأنهم عرب لكن؛ لأنهم مؤمنون ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧] لا نصر العرب، نصر المؤمنين، ومن الغريب أن بعض الناس يقولون: نعم كان حقًّا نصر المؤمنين لكن المؤمنين بقضيتهم ما هو المؤمنين بدينهم، المؤمنون بالقضية ما علموا إن المؤمن بالقضية إنه بعد أيضًا الكرملين والبيت الأبيض وقصر بريطانيا لندن، كلهم مؤمنون بقضاياهم، أجل حق على الله أن ينصرهم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: أبدًا، حاشاه سبحانه وتعالى، ولكن نصر المؤمنين به سبحانه وتعالى وبرسله وكتبه المطبقين لشريعته، هذا الذي أوجب الله على نفسه أن ينصرهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.﴾ إذن يزول عنا الاشتباه في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ لماذا نراهم الآن في هذه الحال والآية خبر من الله وخبر الله حق صدق لا يمكن أن يتخلف؟ فالجواب: أن الآية هذه مقيدة بقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ وشوف التقييد في آل عمران التقييد في الذلة فقط، لكن المسكنة ما هي مقيدة، ولذلك هم مضروب عليهم المسكنة أين ما كانوا، ولا يمكن يبذلون قرشًا إلا وهم في أمل أن يُحصلوا درهمًا أبدًا، لو بذلوا الجمعيات اليهودية، التبرعات، كلها هذه من أجل غرض يرونه يعود عليهم بأكثر مما بذلوا وإلا لما بذلوا شيئًا، فالمسكنة مطلقة، والذلة مقيدة ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢]. * الطالب: فيه من ضمن الذلة والمسكنة، فيه واحد يهودي راح دمياط فأدى واحد قرش تعريفة اللي بنقول عليه، قال له: يا عم عاوز أتعشى وأتسلى وأعشي الحمار، حقيقة مش يعني تهريج. * الشيخ: أتعشى؟! * الطالب: أتعشى وأتسلى وأعشي الحمار. * الطلبة: أتسلى يتسلى يعني. * الشيخ: آه. * الطالب: فراح الدمياطي طلع أذكى منه راح جبله بطيخة اتعشى منها هو والتاني خد البذر بتاعها اتسلى بيه واده القشر بتاعها للحمار، فقال: والله ما أبات في هذه البلدة؛ لأن البلدة.. فعلًا، هذا مثل الشائع عندنا حقيقة يعني هم اليهود. * الشيخ: على كل حال هذا الأمر حكى عنهم هذا. قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ باؤوا. * الطالب: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾ [الحشر ١٤] الخطاب لليهود؟ * الشيخ: إيه، لا، الخطاب للمؤمنين؛ يعني لو كان عندنا إيمان حقيقي ما استطاع اليهود أن يقابلونا أبدًا ما يستطيعون. * الطالب: ما قابلونا يا شيخ لغاية دلوقتي لغاية وقتنا هذا ما قابلونا، حقيقة يعني مش حرب الأيام الستة ديه (...)، لكن في حرب ٧٣ ما قابلونا. * الشيخ: الحمد لله؛ لأن معنا بعض الإيمان. * طالب: حرب ٧٣ يا شيخ.. * طالب آخر: يعني كل اللي عبر القنال يا شيخ الله أكبر بالراية، وفعلًا يعني فيه ناس حتى الشيخ عبد الحليم محمود قال: إنه فيه ناس، لقينا ناس قدامنا بالرايات ماشية قدامنا بالرايات. * الشيخ: الحمد لله، الحمد لله. * طالب: شيخ، فيه عسكري حكى إنه كان لوحده، في حرب ٧٣ يا شيخ، وبعدين كان في سرية يهودية يعني مارة، فالعسكري هذا كان رايح المرج يجيب فطار ليفطر، فإذا السرية يعني، معه علبة فول، هجم عليهم بعلبة الفول كلهم سلموا، فلما راحوا للحكام قالوا: كيف تسلموا لعسكري واحد؟ قالوا: نحن ما سلمنا لعسكري واحد، إحنا سلمنا عسكري واحد لابس ثوب أخضر وحوله سرية لابسة ثياب بيضة. * الشيخ: إي نعم، المهم على كل حال إن الخطاب ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ للمؤمنين، فإذا قاتلناهم بالإيمان فلن يقاتلونا وجهًا لوجه ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤]. فإذا قاتلناهم بغير الإيمان فإنهم يقاتلوننا من فوق سطوحنا لا من وراء جدر. * طالب: شيخ، السياق على المنافقين الآن؟ * الشيخ: أيّه؟ * الطالب: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾.﴾ * الشيخ: لا، لا ليس المنافقين، اليهود. * طالب: مصرًا ليس مصر النيل، فأي مصر؟ * الشيخ: أي مصر من الأمصار، عُنيزة تسمى مصر. * الطالب: لفظ الأمر (...)؟ * الشيخ: لا لا، يقول: روح (...) ما هو في (...)، نقول: ما هذه نسأل الله أن يخرج لنا مما تنبت الأرض، هذا موجود في كل البلاد، هذا زيادة في التوبيخ عليهم. * الطالب: لأنهم أصلًا مشردون. * الشيخ: هم في التيه، هم حينما أنزل الله عليهم المن والسلوى، فطلبوا من الله بدل ما ينزل عليهم من السماء الأمور النافعة اللذيذة، فقال: كيف أني أسأل الله يبدل الذي هو خير؟ قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. ﴿بَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ رجعوا باؤوا أي رجعوا، والباء للمصاحبة في الغضب، والغضب من الله سبحانه وتعالى ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (مِن) للابتداء؛ يعني الغضب من الله، إن الله غضب عليهم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠] وغضب الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، لكنها لا تماثل صفات المخلوقين، ما تماثل صفات المخلوقين، نحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا ويحمر الوجه ويقف الشعر ويفقد الإنسان صوابه كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هل هذه العوارض تكون في غضب الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] بل هو غضب يليق بالله عز وجل، وإذا قلنا بهذا وسلّمنا بأن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وسرنا حسب ما أمر الله به ورسوله، يرى بعض الناس بعض أهل التحريف يقول: إن الغضب؛ أي الانتقام، وليس هو صفة من صفات الله، ويرى آخرون أنه إرادة الانتقام، فمعنى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] أي أراد أن ينتقم منه، وعلى الأول يقول: غضب الله عليه أي انتقم منه، فالذين يقولون: الغضب الانتقام هم الذين لا يُثبتون الإرادة، ولا يثبتون شيئًا من الصفات وإنما يثبتون الأفعال المنفصلة المخلوقة، والذين يقولون: إنه الإرادة هم الذين يثبتون لله كم صفة؟ * الطلبة: سبع صفات. * الشيخ: سبع صفات، وهم الأشعرية، والأول المعتزلة والجهمية، يقولون: إن الله ما يريد، ولكن له مخلوقات، فالغضب أي هذا العذاب والعقوبة المنفصلة عن الله، وكلا الأمرين باطل، كلا القولين باطل، أما الأول وهو رأي المعتزلة فنقول: إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] و﴿آسَفُونَا﴾ ويش معناه؟ أغضبونا، انتقمنا والشرط غير المشروط ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأنه لو كان آسفونا أغضبونا بمعنى انتقمنا منهم ما صار للكلام فائدة كان المعنى: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم، هذا لا معنى له، المعنى فلما أغضبونا انتقمنا منهم، فدل ذلك دلالة واضحة على أن الغضب غير الانتقام. وأما الآخرون فإننا نقول لهم: إذا أثبتم الإرادة فما المانع من إثبات الغضب؟ فإذا قالوا: إن الغضب هو غليان القلب وانتفاخ الأوداج، الأوردة واحمرار العيون، وهذا لا يليق بالله عز وجل. قلنا لهم: أيضًا الإرادة ميل الإنسان إلى ما ينفعه أو يدفع ضرره، وهذا أيضًا نقص لا يليق بالله، فما يلزمكم في الغضب يلزمكم في الإرادة، فإذا أثبتم الإرادة لزمكم إثبات الغضب، وإن نفيتم الغضب لزمكم نفي الإرادة واضح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أهل السنة والجماعة ما يلزمهم -ولله الحمد- شيء، يقولون: نحن نُثبت الغضب ونُثبت الإرادة ونُثبت كل صفات الله سبحانه وتعالى، ولكننا ننزه الله سبحانه تعالى عن مشابهة المخلوقين ومماثلتهم، ثم إننا لا نتخيل صفاته أيضًا لا نتخيلها، ونرى أنه يحرم على المرء أن يتخيل صفات الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله أعظم من أن تُحيط به العقول فهو لا تدركه الأبصار، وكذلك العقول لا تحيط به. إذن الغضب ويش نقول عند أهل السنة والجماعة؟ صفة من صفات الله تعالى الثابتة له على وجه الحقيقة بدون تكييف ولا تمثيل. قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق، الظاهر أنه كل ما سبق، وليس بس ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ كل ما سبق حتى سؤالهم للذي أدنى عن الذي هو خير هذا من أسباب الكفر؛ لأن المؤمن يُهدى إلى الخير ويعرف الخير من الشر ويُوفق لسلوك الخير ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ إذن ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما ذُكر كله. وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء للسببية. ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ كانوا فيما مضى أو على أنهم متصفون؟ * الطلبة: متصفون. * الشيخ: متصفون. ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ الكَفْر قال العلماء: مأخوذ من الستر، ومنه كافور النخلة؛ لأنه يستر الثمرة يسمى الكافور؛ لأنه يستر الثمرة، والكَفْر بآيات الله معناه سترها وعدم الاعتراف بها، ولهذا ضُمِّنت معنى الجحد فعُدِّيت بالباء ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ما قال يكفرون آيات الله، قال: بآيات الله. وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الكونية ولا شرعية؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، الكونية والشرعية، الشرعية تتعلق بالعبادة والكونية تتعلق بالربوبية، فهم يكفرون بهذا وبهذا. ثانيًا: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ أعوذ بالله جرأة على الله، يقتلون النبيين ما هم يكذبونهم فقط يقتلون النبيين! بغير الحق. و ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان نعم قبلها فيها قراءتان ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ فيها ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ وهي المشهورة الآن، والثاني ﴿عَلَيْهُمُ﴾ والفرق بينهم؟ ضم الهاء ﴿عَلَيْهُمُ﴾ أو ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أو ﴿عَلَيْهِمِ﴾ ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمِ الذِّلَّةُ﴾ ثلاث قراءات. وقوله: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿النَّبِيِّينَ﴾، والثانية: ﴿النَّبِيئِينَ﴾ من النبأ، وهو الإخبار. وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يعني بل بالباطل. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا القيد لبيان الواقع وللتشنيع بفعلهم، للتشنيع عليهم بفعلهم، شوف أقول: إن هذا القيد لبيان الواقع وليس شرطًا، ليش ليس شرطًا؟ * طالب: لأنه ما يمكن قتل نبي. * الشيخ: لأنه ما يمكن قتل نبي بحق أبدًا، كل قتل الأنبياء (...) لأنه يقول: «هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبهَرِ مِنِّي» »[[أخرجه البزار في مسنده برقم (٨٠٠٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «هَذَا أَوَانُ قُطِعَتْ أَبْهَرِي».]] بعد أن قال «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي» » ولكن الله سبحانه تعالى منعه حتى يتم أجله، فهم -والعياذ بالله- عندهم هذه الجرأة العظيمة؛ وهي قتل الأنبياء بغير حق. * الطالب: شيخ، هل في الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧] ينطبق عليه على الرسول؟ * الشيخ: نعم، إلا ينطبق عليه، والله يعصمك من الناس فعصمه الله حتى بلَّغ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧] يعني حتى تبلغ الرسالة وقد بلَّغ الرسالة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: إنه مات بسبب هذه الأكلة هو مات شهيدًا؛ لأنه ظلم هذا الذي حصل من هؤلاء اليهود. * الطالب: هل ينافي هذا ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧].. على الرسالة فقط؟ * الشيخ: هو لما قال: ﴿بَلِّغْ﴾ يعني إذا صح هذا أن الرسول مات بسبب هذه الأكلة فمعنى الآية: يا أيها الرسول بلغ والله يعصمك، يعني فلن يستطيع أحد أن يحول بينك وبين تبليغ رسالتك ولكن إذا جاء الأجل انتهى التبليغ. ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ هل مرجع الإشارة هو مرجع الإشارة الأولى؟ فيكون كُررت تأكيدًا، أو إن مرجع الإشارة هو الكفر والقتل؟ الظاهر أنه الكفر والقتل، وعلى هذا فتكون المعاصي التي بعد هذا ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تكون سُلّمًا للكفر والقتل، يعني كفروا وقتلوا بما عصوا بسبب عصيانهم واعتدائهم. قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ الباء للسببية، و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ مصدرية أي بعصيانهم. وقوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ معطوف على قوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ أي وبما كانوا يعتدون؛ أي وبكونهم معتدين. والفرق بين المعصية والعدوان إذا ذُكِرا جميعًا أن المعصية فعل ما نهي عنه، والاعتداء تجاوز ما أمر به، ففِعل ما نهي عنه يسمى معصية، والاعتداء تجاوز ما أُمر به مثل أن يصلي خمس ركعات مثلًا، وقيل: بالعكس هو أن المعصية ترك المأمور، والعدوان فعل المحظور، وسواء هذا أو هذا فالمهم أن هؤلاء اعتدوا وعصوا، فما قاموا بالواجب ولا تركوا المحرم، فلذلك تدرجت بهم الأمور حتى كفروا بآيات الله وقتلوا رسله، وفي هذا دليل إلى ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أن المعاصي بريد الكفر، وهو كذلك؛ فالإنسان إذا فعل معصية استهان بها، ثم يستهين بالثانية، ثم بالثالثة وهكذا، وقد مر علينا أبيات في تفسير التقوى لعلكم تستحضرونها يقول: خَـــلِّ الـــذُّنُــــوبَ صَـــغِـــيـــرَهَــــا ∗∗∗ وَكَــبِــيــرَهَـــا ذَاكَ الــتُّـــقَــى؎وَاعْـمَـلْ كَـمَـاشٍ فَــوْقَ أَرْضِ ∗∗∗ الشَّـوْكِ يَحْــذَرُ مَا يَــرَى؎لا تَــــــحْــــــقِــــــرَنَّصَـــــــغِــــــــيـــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى وهذا صحيح إذا تراكمت الذنوب على القلوب حالت بينها وبين الهدى والنور ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. (...) لأن شرع من قبلنا شرع لنا إن لم يرد شرعنا بخلافه فكيف وقد أتى بوفاقه؟ * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى هو الملجأ للخلق، فهم إذا مسهم الضر فهم يلجؤون إلى الله سبحانه وتعالى. * ثالثًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كغيرهم في الافتقار إلى الله سبحانه، فلا يقال: إن الرسل قادرون على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء. * وفيه أيضًا دليل على رأفة موسى بقومه لقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة ٦٠].* وفيه دليل على جواز التوسل بالصالحين، لكن التوسل بأي شيء؟ * الطلبة: بدعائهم. * الشيخ: بدعائهم، وأما بذواتهم أو جاههم فلا يجوز؛ لأن ذلك ليس بوسيلة، والمقصود بالتوسل سلوك السبيل الموصلة إلى المقصود، فاهمين؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هذا التوسل، وكون هذه الطريق توصل إلى المقصود لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وعلى هذا فما لم يرد به الشرع، فإن التوسل إلى الله به يكون من باب التشريع في دين الله ما ليس منه، ولهذا عدّ أهل العلم المحققون منهم التوسل بجاه الرسول ﷺ، عدُّوه من أنواع الشرك. * وفيها أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى قادر وجواد؛ لأن العاجز لا يُستسقى، والبخيل لا يعطي، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا أجاب الله. وفي هذا أيضًا دليل على إثبات سمع الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿فَقُلْنَا﴾ لأن الفاء هنا للسببية. ﴿فَقُلْنَا﴾ يعني فلما استسقى قلنا، فدل على أن الله سمع استسقاءه فأجابه. * وفيها أيضًا دليل وهو أيضًا من أدلة هامة إثبات وجود الله تعالى للمنكرين، فإن إجابة الدعاء دليل على وجود المدعو، وكم في القرآن من ذكر الآيات التي فيها أن الله تعالى أجاب الداعيـن ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٧٦]، ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٨٣، ٨٤] إلى غير ذلك. * وفيه دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى حيث إن موسى ﷺ يضرب الحجر بالعصا فيتفجر عيونًا، وهذا جرت العادة بمثله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: بمثله لا. * الطالب: يعني من الحجر. * الشيخ: إيه، لكن ما هو بهذه الصورة، ما جرت العادة بمثله، فهو دليل على قدرة الله، وأنه ليس الأمر كما يزعم الطبائعيون أنه طبيعة، لو كانت الأمور بالطبيعة ما تغيرت وبقيت على ما هي عليه. * وفيه دليل على آية من آيات الله سبحانه وتعالى يصدق بها نبيه موسى ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وقد تعلق بهذا العصا عدة آيات: منها: أنه ضرب به البحر فانفلق، وضرب به الحجر فانفجر. * الطلبة: وأكل سحر السحرة. * الشيخ: وأكل سحر السحرة. * طالب: وانقلب حية. * الشيخ: وانقلابه حية، إي نعم. وفيه دليل على حكمة الله تبارك وتعالى حيث جعل هذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عينًا لفائدتين: الفائدة الأولى: السعة على بني إسرائيل؛ لأنه لو كان عين واحدة لحصلت عليهم المشقة بالازدحام. ثانيًا: الابتعاد عن العداوة والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطًا، فلو كانوا جُمعوا في مكان واحد مع الضيق والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد، وربما يؤدي إلى القتال، فهذا من رحمة الله تبارك وتعالى ببني إسرائيل حيث فجَّره اثنتي عشرة عينًا، ولهذا أشار الله إلى هذه النعمة بقوله: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ كل أناس من أين؟ * الطلبة: من بني إسرائيل. * الشيخ: من بني إسرائيل نعم. وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى يُذكر بني إسرائيل بهذه النعم العظيمة لأجل أن يقوموا بالشكر، ولهذا قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وفي قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ * يستفاد من هذا: أن ما خلق الله تعالى من المأكول والمشروب للإنسان فالأصل فيه الإباحة والحل؛ لأن الأمر هنا -كما مر- للإباحة، فما أخرج الله لنا من الأرض أو أنزل من السماء فالأصل فيه الحِل، فمن نازع في حل شيء منه فعليه الدليل، في حِل شيء منه وقال: هذا ليس بحلال بل هو حرام نقول: عليك الدليل، ما هو الذي الأصل فيه الحظر؟ * الطلبة: العبادة. * الشيخ: العبادات، وأما المعاملات والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل والإباحة. * ويستفاد من هذه الآية: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ والأصل في النهي التحريم. * ويستفاد منها أيضًا: أن المحرمات تقبح بحسب حال الفاعل؛ لقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا﴾ فإنه لا يليق لمن وسع الله له في الرزق وأعطاه ما تقوم به حاجته بل كماله لا يليق منه أن كملوا. * الطلبة: أن يسعى في الأرض فسادًا. * الشيخ: أن يسعى في الأرض فسادًا، بل اللائق به أن يقوم بشكر هذه النعم، فيسعى في الصلاح لنفسه وفي الإصلاح لغيره. فيه شيء بالآية؟ * طالب: أن المعاصي في الأرض سبب لفساد الأرض. * الشيخ: أن المعاصي سبب لفساد الأرض؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١] هذا ذكر الموجِب وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦] هذه آية ذِكر الثاني، ويقول تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام ٤٤] شوفوا البلوى ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ والمراد بالفرح هنا فرح البطر ﴿إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.﴾ * الطالب: قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ يعني ذكر الأكل مع الشرب؟ * الشيخ: إيه، نعم؛ لأن الأكل معروف من المن والسلوى بما سبق، ذكر المن والسلوى وهو من باب الأكل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (...) الاستسقاء بطلب أم من عند نفسه، والله أعلم. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة ٦١]. هذا أيضًا يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد: * أولًا: لؤم بني إسرائيل وسفههم؛ حيث إنهم طلبوا أن الله يغير لهم هذا الرزق الذي لا يوجد له نظير لقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ ما هو الطعام الواحد؟ * الطلبة: المنّ والسلوى. * الشيخ: المنّ والسلوى، والمراد بكونه طعامًا واحدًا هو طعامين، يعني وتيرة واحدة حال واحدة، هذا المراد، يعني ما نصبر على هذه الحال ما عندنا إلا هذا فقط، نبغي أشياء. * وفيه أيضًا يستفاد منها دليل على غطرستهم لقولهم: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ولم يقولوا: ادعُ لنا ربنا، أو ادعُ لنا الله، ﴿رَبَّكَ﴾ كأن عندهم- والعياذ بالله- أنفة، مع أنهم كانوا هم المؤمنين بموسى، ومع ذلك يقولون: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ مثل ما قالوا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] فهم -والعياذ بالله- عندهم لؤم وغطرسة كبرياء. * وفيه أيضًا دليل على انحطاط همة بني إسرائيل حيث طلبوا الأدنى عن الأعلى، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: * وفيه أيضًا: أن من اختار الأدنى على الأعلى ففيه شبَه من اليهود، ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيء المحرم على الشيء الحلال، وقد قصصت عليكم قصة الرجل اللي كان إلى جنبي في الطائرة وأعطوه حلاوة مثل العادة ولّا لا؟ * الطلبة: لا يا شيخ ما قصصتها. * الشيخ: إيه، قصصتها عليكم، أقصها الآن: أعطوه حلاوة وقال: أنا ويش يبغي بالحلاوة وقلت: هذه الحلاوة؛ لأن عمره ما ركب الطيارة إلا ها المرة، قلت: هذه الحلاوة يقولون: إنها تخفف على الإنسان الضغط، فقال: والله أنا مشتهي سيجارة، قلت له: هذه أفضل، ولكن إذا أنت مصمم روح هناك ولا اصبر حتى تروح مطار القصيم وكيف شوف قال لي: ما أقدر أصبر، المهم على كل حال شوف نسأل الله السلامة يعني يختار هذا على هذا، ونسمع أن المبتلين بالدخان أنهم عند الإفطار في رمضان أول ما يبتدئ بالسيجارة هذا اللي إحنا سمعنا؛ يعني فطور التمر اللي هو السنة ما يفعل اللهم عافنا، فهذا فيه شبه من بني إسرائيل بل أشد من بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل اختاروا شيئًا مباحًا، وهؤلاء يختارون شيئًا مُحرمًا. * وفيها أيضًا دليل على أن علو همة المرء أن ينظر للأكمل والأفضل في كل الأمور، ينظر للأكمل والأفضل. * وفيها دليل أيضًا: على أن التوسع في المآكل والمشارب إذا لم يصل إلى حد الإسراف، فإن الإنسان يُحمد عليه، وأن من حرّم أو تورّع عن شيء مما أحل الله له فإنه من الورع المذموم، وجه ذلك أن هؤلاء استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فمن ترك شيئًا من المباحات لغير غرض شرعي، وإنما تورعًا وتزهدًا فإنه مذموم، أما إذا كان لغرض شرعي مثل ما ذكر عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه «أنه في عام الرمادة اجتنب اللحم وقال: ما يمكن أن أجعل إدامي إلا خل التمر. »[[أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣ / ٣١٣) من حديث زيد بن أسلم عن أبيه بلفظ: أن عمر بن الخطاب حرم على نفسه اللحم عام الرمادة حتى يأكله الناس. ومن حديث أنس بن مالك قال: تقرقر بطن عمر بن الخطاب وكان يأكل الزيت عام الرمادة.]] يعني ما آكل اللحم لأني كيف أني أشوف الناس جائعين في هذا العام وأنا أشبع من اللحم؟! فإذا كان لغرض شرعي فلا بأس به، وأما تزهدًا فهذا ليس من الأمور المشروعة ولا من المحمودة، بل قال شيخ الإسلام: إن هذا أمر مذموم .[[الفتاوى الكبرى (٥ / ٥٤٨).]] * الطالب: الزهد يا شيخ ما هو بغرض شرعي؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: الزهد نفسه ما هو بغرض شرعي؟ * الشيخ: بلى. * الطالب: لأنه وردت أحاديث في مدحه. * الشيخ: في الزهد؟ إي نعم، لكن ما هو الزهد؟ * الطالب: ما هو؟ * طالب آخر: يعني يلبس الجلابية مرقعة وبتاع زي الجماعة؟ * الشيخ: لا، هذا التزهد، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، الزهد ترك ما لا ينفع والورع ترك ما يضر، وإن كان بعض الناس يظنون أن الورع والزهد بمعنى واحد، لكن ليس بصحيح؛ فمثلًا اللي يتجنب المباحات استغناء عنها بما هو أنفع ويش يسمى هذا؟ * الطلبة: زاهد. * الشيخ: زاهد، يدعها ليتوصل إلى ما هو أنفع في الآخرة يعتبر زاهدًا، والذي يدع المحرمات اشتغالًا بالمباحات وإن لم تكن أنفع في الآخرة هذا يسمى ورِعًا، وحينما نقول: الزهد ما هو معناه أن الإنسان يتقشّف، التقشف ليس بمحمود إلا إذا كان لغرض شرعي، والغرض الشرعي مثل ما ذكرنا عن عمر، أو مثلًا (...) الإنسان بين أناس فقرًا ولو لبس مثلًا ما يليق به وبغناه كسَر قلوبهم وحصل لذلك أثر في نفوسهم هذا أيضًا تركه من الأمور التي قد يُحمد عليها المرء. وفي هذا دليل على حِل البقول والقثاء والثوم والعدس والبصل، من أين تؤخذ؟ * طالب: من إخراج الله لها. * الشيخ: إيه ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾؟ * الطالب: لا، يخرج. * الشيخ: لا، الله يخرج السموم. * الطالب: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.﴾ * الشيخ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ ﴿فَإِنَّ لَكُمْ﴾ مما يباح لكم ما سألتم. فإذا قال قائل: هذا في شريعة موسى؟ قلنا: وشريعتنا لم ترد بخلافه بل وردت بوفاقه، فإنه «قُدِّم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قِدر فيها بُقول فكره أكلها، فلما كره أكلها ورآه بعض أصحابه أيضًا كرهه، فقال الرسول: «قَرِّبُوهَا» ثم قال: «كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٥٥)، ومسلم (٥٦٤ / ٧٣) من حديث جابر.]] فأباحها لهم، وكذلك «في خيبر لما وقع الناس في البصل وعلموا من كراهة النبي عليه الصلاة والسلام لها قالوا: حرمت. فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ» »[[أخرجه مسلم (٥٦٥/٧٦) من حديث أبي سعيد بلفظ: «إِنَّهُ لَيْسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ».]] فبين أنه حلال فهو حلال حتى في شريعتنا؛ أن الشريعة الإسلامية جاءت بوفاق هذا الأمر، مع أنه لو لم تأتِ بوفاقه ولم تأتِ بخلافه فالصحيح أنه. * الطالب: أنه على الأصل. * الشيخ: أنه على الأصل. وفي هذا دليل على جواز إسناد الشيء إلى مكانه لا إلى الفاعل الأول لقوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ والذي ينبت؟ * الطلبة: هو الله. * الشيخ: الله سبحانه وتعالى. ونأخذ من هذا الفائدة الثانية: وهو إسناد الجواز؛ إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي، الذي ثبت أنه سبب شرعًا أو حِسًّا بدون أن تقرنه بالله، ما هو بلازم، ليس بلازم مثلًا إذا قلت: هذا الرجل مثلًا ميت من الجوع وأتيت إليه بخبز وأعطيته قلت: لولا أكله الخبز لهلك يجوز ولَّا ما يجوز؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز، هذا جائز، إسناد الشيء إلى سببه الذي ثبت حِسًّا أو شرعًا أنه سببه هذا لا بأس به. المحظور أن تُثبت السبب الأول الذي هو تقدير الله مع السبب الثاني مقرونًا شنو؟ بالواو، هذا هو المحظور؛ لأنك حينئذٍ تُسوي بين الله وبين هذا السبب، مثل أن تقول: لولا الله والخبز لهلك، هذا ما يجوز؛ لأن هذا تشريك لله سبحانه وتعالى بغيره بحرف يقتضي أيش؟ * طالب: التشريك. * الشيخ: ما هو التشريك يقتضي التسوية، وأما التشريك مع عدم التسوية فلا بأس؛ نقول: لله ثم فلان، الحاصل الآن نقول في هذه الآية دليل على أن إضافة الشيء إلى سببه الحقيقي شرعًا أو حِسًّا لا بأس به، ولكن أيش هو ولكن؟ * الطلبة: المحظور. * الشيخ: المحظور أن يكون مقرونًا مع الله بالواو الذي يقتضي التسوية. إذا قال قائل: أليس الله تبارك وتعالى قد ذم قارون حينما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]؟ فنسب حصول هذا المال إلى العلم وهو صحيح قد يكون هو السبب؟ قلنا: لأن هذا الرجل أنكر أن يكون هذا من الله، ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه إضافة سبب أولًا وآخرًا يكون محرمًا ما يجوز، حتى مثلًا لو قلت: هذا أنا الذي صنعته ولولا أني صنعته ما استقام وما أشبه ذلك لولا بنيت هذا البناء ما استقام، إذا نويت أنك مستقل به من الله فهذا لا يجوز، أما إذا أضفته إلى السبب الحقيقي الدال عليه الشرع أو الحس بدون أن يكون لك عقيدة بانفراد هذا السبب به، فهذا لا بأس به، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في عمه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]] فأضاف التخفيف على أبي طالب، أضافه إلى نفسه ﷺ فقال: «لَوْلَا أَنَا». » * الطالب: شيخ، تفسير ابن عباس (...). * الشيخ: هذا الأثر يُنظر فيه، وإذا صح عن ابن عباس فإن قصده سد باب الذريعة لأناس يُخشى عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: جواز هذا، يعني هل الأفضل أن نقول: لولا كذا؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن تقول: لولا أن الله قدر كذا، هذا الأفضل. وفيها أيضًا دليل على توبيخ موسى عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل، وأن مثل هؤلاء يُوبَّخون الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير مستحق للتوبيخ؛ لأن موسى وبَّخهم حيث قال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.﴾ وفيه دليل على أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ ما حاجة إني أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذن أحيانًا يأتيك بعض الناس يقول: توسط لي إلى فلان، (...) هذه مهمة ثم إنك تقول: اذهب أنت وحاول إذا لم تستطع فأنا مستعد، أو الأحسن أنك أنت على طول تأخذ وتتوسط؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: الأحسن الأولى لسببين: السبب الأول: أنك تحمي وجه هذا الرجل من التذلل لك؛ لأنه إذا توسطت له فسوف تكون هذه في جبينه إلى يوم القيامة، هذه واحدة. الأمر الثاني: أنك إذا فعلت هذا ربما تفتح عليك أبوابًا لا تستطيع إغلاقها، ثم ينسد الباب من فوق، فاهمين معنى الكلمة هذه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يمكن إذا كل من جاءك على طول تتوسط يجيك ناس ما تستطيع التخلص منهم، ثم ينسد عليك الباب من فوق، كيف ينسد؟ إذا رأوا كل يوم عندهم ثلاث وسائط أو أربع وسائط منك ترك هذا ما نحتاج أننا نقبل وساطته، وهان عليهم ردك، ثم يردونك في أمر قد يكون من المهم أن يقبلوا شفاعتك، هذه المسائل ينبغي الإنسان أن يكون فيها حازمًا مغلِّبًا للعقل على العاطفة، وإلا أحيانًا الإنسان يرحم الشخص فيقول: ليش ما أتوسط؟ فإذا كان عنده استعداد إذا رأى وجهة النظر الصحيحة، وعنده استعداد أنه إذا سُدت الأبواب أمامه فإنه يتوسط يكون هذا خير للطرفين وللمصلحة العامة، وقد رأينا أثر ذلك في مسائل كثيرة أنه يكون الإنسان ما يكون دائمًا دائمًا يتوسط هذا أسلم، وأحشم له أيضًا لدى المسؤول الأول. كون موسى عليه الصلاة والسلام يمتنع أن يسأل الله مع أن الدعا عبادة نفسه، الدعاء نفسه عبادة ولم يسأل الله لهم وإنما قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أي بلد تنزلون فإنكم تجدون الذي سألتم. * طالب: ما يقال: إن هذا حقير فلا يدعو الله؟ * الشيخ: لا لا أبدًا، جاء في الحديث: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتِّى شِرَاكَ نَعْلِهِ» »[[أخرجه الترمذي في جامعه (٣٦٠٤ / م٨) من حديث أنس بلفظ: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ».]] لا ما.. ما هو يخالف، الإنسان يسأل الله كل شيء كل حاجة. * طالب: (...) يقول لهم: اهبطوا مصرًا. * الشيخ: المعنى إنه أي مصر تتاح لكم، بعد التيه، بعد التيه يحصل هذا الشيء. * طالب: بيحتجوا بمصر اللي هي مصر يعني مصر فعلًا، ولّا مصر دي بلدنا؟ * الشيخ: لا ما هي بلدكم. * الطالب: وربنا أوحى لموسى إنه روحوا مصر خذوه؟ * الشيخ: لا لا، الله سبحانه وتعالى ملكه مصر من يوم غرق فرعون قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٧، ٢٨]، وفي الشعراء قال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩]. * الطالب: بالنسبة إنكار بني إسرائيل للنعمة، واستهانتهم بها وطلبهم للأدنى مع وجود الأعلى، ما قولكم عفا الله عنكم (...) يعني الأشيا قد تكون.. * الشيخ: والله قولنا: إن هذا خطأ، وقد اعتمد الناس فيها على فتوى ينسبونها لبعض العلماء، وأظنها ليست بصحيحة، يقولون: إن الطعام إنما يكون مالًا ومطعومًا حينما يُطعم ويصير له أثر، وهذا الفتات ما هو مطعوم، ولكن هذه ما أظنها تصح عمن نُسبت إليه، وأنا أرى أنه مثل هذه المسائل ينبغي أن نحط يعني بشيء خاص للطعام، وإلا بس ما أظنهم يلتزمون، وإلا يلتزمون بأنهم يعني ينحشون هذه الأشياء ينحشونها قبل غسولها في أشياء بحيث لا يبقى لها أثر من الطعام وإلا هذه مشكلة، والمشكلة الأخيرة المشكلة الآن أن نسمع أن المجاري التي تعمل بالمدن أنهم ما يسمحون معها بالبيارات. * الطالب: داخل البيت. * الشيخ: بالبيت ما يمنعون حتى في هذا؟ * الطالب: هذا عام هذا داخل البيت، إنما قريبة من السور (...). * الشيخ: ما يخالف، وفي هذا دليل على ضرب الذلة على بني إسرائيل، وضرب المسكنة، وقد ذكرنا أن هذه الآية مُطلقة مقيدة في آية أخرى، بالنسبة للذلة ولّا بالنسبة للمسكنة؟ * الطلبة: للذلة. * الشيخ: بالنسبة للذلة فقط، أما المسكنة فهي باقية. والمراد بالمسكنة هنا الفقر القلبي أو الفقر الحسي؟ * الطلبة: القلبي. * الشيخ: القلبي، وقد يكون الحسي أيضًا، لكن من نظر الواقع بالنسبة باعتبار الوقت الحاضر، وأن حقيقة الأمر أن اليهود ملكوا اقتصاد الدنيا كلها، كل الاقتصاد في الشرق والمغرب كله بأيدي اليهود الآن، علم بأن المقصود بالمسكنة هنا القلب، المسكنة القلبية، أما الذلة فإن الله تعالى في سورة آل عمران قيدها فقال: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢]. المسكنة مطلقة ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ بدون استثناء. وفي هذا دليل على أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قِبل الإسلام، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: من ضرب الذلة. * الشيخ: لأن ضرب الذلة بسبب المعصية، فإذا كانت كذلك فإذا حُوربوا بالطاعة والإسلام فإنها لا شك أنه سيكون الوبال عليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤]. * الفائدة الرابعة عشرة: استحقاق بني إسرائيل للغضب لقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ووقوع الغضب عليهم استحقاقًا من باؤوا ووقوعًا من قوله: ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى. * الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الأسباب لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ لأن الباء للسببية. * الفائدة السادسة عشرة: أن الكفر بآيات الله سبب للغضب والذل والمسكنة لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.﴾ * والفائدة السابعة عشرة: عدوان بني إسرائيل، الذي لا منتهى فوقه فيما نعلم وهم أنهم جمعوا بين الكفر بالله والقتل لأنبياء الله لقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.﴾ * الفائدة الثامنة عشرة: أن قتل الأنبياء قتل بغير حق؛ لأنا ذكرنا أن القيد هنا ليس قيدًا يخرج بهما مفهومه، بل هو قيد لبيان الواقع والتعليل. * الفائدة التاسعة عشرة: أن المعاصي سبب للكفر، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾. * الشيخ: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ يعني كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء أسبابه العصيان، لأنهم لما عصوا تمردوا، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، وهذا حقيقة؛ لأن المعاصي- والعياذ بالله- تخرّق سياج القلب حتى يصل إليه الكفر ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. وذكرنا في التفسير إن بعض العلماء يقول: إن ﴿ذلك﴾ الثانية هي الأولى فيكون عُلِّلت بالكفر وقتل الأنبياء والمعصية والعدوان، ويجعلون الكفر معصية وقتل الأنبياء عدوانًا، يجعلونه عدوانًا يقولون: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ هو معنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.﴾ ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ هو معنى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ويكون تكراره لاسم الإشارة للتوكيد، ولكن الأصل عدم ذلك؛ لأنه من القواعد المعروفة في أصول الفقه أنه إذا دار الأمر بين التأسيس والتوكيد فالأصل التأسيس؛ لأن التوكيد معناه زيادة أحدهما توكيدًا، والتأسيس أن كلًّا منهما أصل، وهذا هو الأصل في الكلام. * وفيه دليل على أن بني إسرائيل جمعوا- والعياذ بالله- بين المعاصي اللي هي معصية الخالق وبين العدوان، بين المعاصي والعدوان، قيل: إن المعصية في المحرم والعدوان الزيادة على الواجب، يزيدون في الواجب غُلوًّا أو نقصًا، وأما المعصية فهي فعل المحرم، فترك الصلاة مثلًا نسميه عدوانًا اعتداء أو نسميه معصية؟ * الطلبة: معصية. * الشيخ: معصية؛ لأنه ترك واجب، وانتهاك المحرم كالزنا عدوان. * وفي هذه الآية: إثبات الغضب لله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وقد بيّنا أنه صفة حقيقية يجب إثباتها لله على وجه الحقيقة. * وفيه أيضًا: بيان حكمة الله حيث ربط أشياء بأسبابها؛ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾، وهذا من الحكمة أن تكون الأسباب مؤثرة، ولكن لاحظوا أن الأسباب قد يكون لها موانع، قد توجد الأسباب ولكن توجد موانع أقوى منها، وهذا من الحكمة أيضًا؛ لأن الموازنة بين الأمور وكون المانع قد يغلب السبب والسبب قد يقع على المانع هذا لا شك أنه من الحكمة، فالله سبحانه وتعالى له الحكمة في كل تقديره وفي كل شرعه. فيه شيء بعد؟ * طالب: حد الإسراف؟ * الشيخ: الإسراف مجاوزة الحد، مجاوزة الحد هو الإسراف، وفي كل موضع بحسبه؛ لأنه قد يكون هذا الفعل هنا إسرافًا وفي بلد آخر ليس بإسراف، وقد يكون هذا الفعل إسرافًا بالنسبة لفلان وليس إسرافًا بالنسبة لفلان، وقد يكون هذا الفعل إسرافًا في هذا الزمن وليس إسرافًا في زمن آخر. * طالب: في قولهم: (عثو) بالثاء و(عصوا) الفارق بينهما؟ * الشيخ: تعثوا؟ العثو الإفساد، والمعصية مخالفة الأمر. * الطالب: يعني المعنى واحد يا شيخ؟ * الشيخ: لا ما هو واحد، لكنها متلازمات؛ لأن الإفساد يكون بالمعاصي هي متلازمات ولكن ما هو بمعنى عثا عصا، ما يمكن تكون عصا بمعنى عثا. * الطالب: كيف يا شيخ، سوء أدب بين الطالب ونبيهم بمنادتهم باسمه المجرد بقولهم: يا موسى؟ * الشيخ: إيه، والله ربما يُؤخذ منه سوء أدب، وهذا إذا ثبت أنهم مأمورون بأن ينادوه باسم الرسالة مثلًا، وأن لا يدعوه باسمه، وهذا ما أدري عنه، لكن على كل حال فيما حسب عرفنا الآن بقطع النظر أن مناداة الإنسان الكبير باسمه يعتبر نوعًا من سوء الأدب ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: حتى لو تقول مثلًا لإنسان أكبر منك سنًّا: يا فلان باسمه يرى الناس أن هذا سوء أدب، فكيف هذا إذا كان أكبر منه قدرًا ومنزلة عند الله سبحانه وتعالى، فهو سوء أدب في الحقيقة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] الخطاب هنا أن دعاء مصدر مضاف إلى الفاعل وإلى المفعول بمعنى أنه يجوز أنه المضاف إلى الفاعل ويجوز أن يكون مضافًا إلى المفعول، فإذا كان مضافًا للمفعول يصير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ كدعاء بعضكم بعضًا؛ يعني ما تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضًا، وإذا جعلناه مضافًا إلى الفاعل صار لا تجعلوا دعاء الرسولِ إياكم إذا دعاكم إلى شيء لا تجعلوه كدعاء بعضكم بعضًا فتخالفوه كما يخالف بعضكم بعضًا، ويُرشح هذا قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]. * الطالب: شيخ، هل يعني تسليط الله الناس على الرسل أن يختبرهم. * الشيخ: هل، أيش؟ * الطالب: يعني هل هذا اختبار من الله للرسل والأنبياء؟ * الشيخ: لا أبدًا، بل هذا في الحقيقة من زيادة أجرهم في صبرهم ومن بيان حكمة الله سبحانه وتعالى حيث يأخذ هؤلاء بالانتقام مع أنه ما قُتل أحد من الرسل أُمر بالجهاد، كل من أُمر بالجهاد انتصر؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١] وهذا هو الجمع بين الآية هذه التي تلوت الأخيرة وبين قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فإنه هذه حقيقة نسينا أن نذكرها، الجمع بين الآيتين، فإن بعض العلماء يقول: إن الجمع بينهما: أن الذين قتلوا لم يُؤمروا بالجهاد، وأن من أُمر بالجهاد من الأنبياء نُصر، ومنهم من يقول: إن نصرهم في الدنيا بإقامة الحجة على أعدائهم، وبيان صدقهم فيكون نصرًا في القول والحجة، ومنهم من يقول أيضًا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر ٥١] ببقاء ذكرهم وتخليدهم؛ ذكرهم الحسن وأنهم قاموا برسالة الله وأدوا الأمانة ولكن قتلهم أعداؤهم، ولكن الأقرب الوجه الأول، وأن كل من أُمر بالجهاد؛ لأنه لو أُمروا بالجهاد وصارت النتيجة الهزيمة المطلقة صار الأمر بالجهاد عبثًا يُنزه الله عنه، فأقرب الأقوال أن هذه الآية: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ المراد بهم الذين أُمروا بالجهاد.

البقرة 2:61

قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة ٦٠]. قوله: ﴿اسْتَسْقَى﴾ أي طلب السقيا، وذلك حين كانوا في التيه أو أنه في كل مكان يحصل فيه الحاجة إلى الماء فيستسقي ويغاثون. وقوله: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ العصا معروفة، وهذه العصا كان فيها ثلاث آيات عظيمة: أولًا: أنه يلقيها فتكون حية تسعى. وثانيًا: يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا. وثالثًا: ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. وقوله: ﴿الْحَجَرَ﴾ تقدم أن الصواب فيها أن المراد به الجنس أي حجر يكون وليس حجرًا معهودًا؛ لأن هذا أبلغ في الإعجاز وفي الآية. ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ﴾ الانفجار: الانفتاح والانشقاق، ومنه سُمي الفجر؛ لأنه ينشق به الأفق، فمعنى ﴿انْفَجَرَتْ﴾ يعني تشققت منه هذه العيون. ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. ﴿عَيْنًا﴾: تمييز للعدد؛ لأن اثنتا عشرة مبهم، أي اثنتا عشرة؟ فميّزها بقوله: ﴿عَيْنًا﴾، والفرق بين الحال والتمييز: أن التمييز يكون على تقدير (مِن)، والحال يكون على تقدير (في)، تقول مثلًا: جاء الرجل راكبًا؛ أي في حال الركوب، وتقول: تصبب الخجل عرقًا، أي من العرق. ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ أي اثنتا عشرة من العيون كما قال الله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس ٣٤] ولَّا كل منهما مبين لمبهم، وكل منهما منصوب، وكل منهما نكرة، لكن التمييز مبين للذوات، والحال مبينة للهيئات. والفرق الثاني: التمييز على تقدير (مِن) والحال على تقدير (في). ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ يعني لا عينًا واحدة بل اثنتا عشرة، لماذا؟ لأن بني إسرائيل كانوا اثنتي عشرة أسباطًا فلذلك كانت العيون لكل سبط واحد. قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ [البقرة ٦٠] أي من الأسباط ﴿كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ مكان شربهم حتى لا يختلط بعضهم ببعض ويضايق بعضهم بعضًا، وهذه من نعمة الله عليهم؛ أي على بني إسرائيل وهي من نعمة الله على موسى، أما نعمة الله بها على موسى فلأنها آية تثبته وتصدقه، وأما نعمة الله بها على بني إسرائيل فلأنها مُزيلة لعطشهم وظمأهم. قال أهل العلم: ما من آية من آيات الرسل إلا وللرسول عليه الصلاة والسلام من جنسها أو أعظم منها، كل آيات الرسل للرسول عليه الصلاة والسلام من جنسها أو أعظم منها، لكن منها ما حصل له هو ومنها ما حصل لأتباعه، فإن كرامات الأولياء آية للأنبياء. قالوا: والذي حصل للرسول ﷺ من جهة تفجر العيون أعظم من الذي حصل لموسى؛ لأنه تفجرت العيون من الإناء فـ «كَانَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِه »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٠)، ومسلم (٢٢٧٩ / ٤) من حديث أنس بلفظ: قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه.]] أمثال العيون وهو في الإناء، والإناء ليس من عادته أن يتفجر، أما الحجارة فمن عادتها أن تتفجر منها ما يتفجر ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٧٤] فصار الذي حصل للرسول ﷺ أعظم من الذي حصل لموسى ﷺ. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هذا الأمر للإباحة ولّا للوجوب؟ * الطلبة: للإباحة. * الشيخ: للإباحة، واعلم أن المباح في الأصل قد يكون واجبًا أحيانًا، وقد يكون محرمًا أحيانًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مكروهًا؛ لأن المباح قد تتعلق به الأحكام الخمسة ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة ٢٧٥] أو لا، لكن قد يكون البيع واجبًا، وقد يكون حرامًا، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: قد يكون مستحبًّا، وقد يكون مكروهًا، فهنا إذا حملناها علي الإباحة ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ تضمنت الوجوب فيما إذا خشي الإنسان على نفسه التلف فإنه يجب عليه أن يأكل ويشرب، أما إذا قلنا: إن هذا الأمر الذي للوجوب خرج عن ما سواه من الإباحة وغيرها. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ أي من عطائه حيث أخرج لكم من الثمار ورزقكم من المياه فلم يجعل عليكم شيئًا ينقصكم. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لأن حقيقة الأمر أن الذي يمن الله عليه بالرزق أكلًا وشُربًا أن يجب عليه مقابلة ذلك أيش نقول؟ * الطلبة: الشكر. * الشيخ: الشكر الذي هو الصلاح والإصلاح، ولهذا قال: ﴿لَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ومعنى ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ أي لا تسيروا مُفسدين، فالعثو أو العثيّ معناها الإفساد، الإسراع في الإفساد، ومن ثم نقول: إن قوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ مؤكّدة لعاملها مؤكدة لعاملها، كيف مؤكدة لعاملها؟ لأن العثو أو العِثي معناه الفساد فتكون هذه الحال مؤكدة يعني: لا تفسدوا مفسدين. وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بماذا يكون إفساد الأرض؟ بالمعاصي، يكون إفساد الأرض بالمعاصي لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] فدل هذا على أن الفساد في الأرض يكون بالمعاصي، وأن مسؤولية الفساد في الأرض من حروب وفتن وزلازل وقحط وجدب ومرض مسؤوليتها على مَن؟ على أهل المعاصي، هم السبب وهم الشؤم على بني آدم؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦] فما وُجدت مصيبة إلا بمعصية ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. وهذا الذي حصل لهم من رِزق الله سبحانه وتعالى أكلًا وشربًا كان عليهم أن يشكروا الله عليه، وأن يستمروا على طاعته، وأن يُبعدوا عن الفساد، وأن يشرعوا في الإصلاح، لكن ما الذي حصل؟ ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة ٦١] المنّ والسلوى من أحسن الأطعمة وأنفعها للبدن وألذها مذاقًا، ومن أحسن ما يكون، لكن بنو إسرائيل لدناءتهم ما صبروا على هذا، قالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ ما نريد المن والسلوى فقط نريد أطعمة متعددة، لكنها أطعمة بالنسبة للأطعمة التي رزقوها أدنى، خسيسة بالنسبة لها يعني ليست شريفة ورفيعة وعالية بل إنها تعتبر رديئة جدًّا بالنسبة لهذا. قالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ إذا قال قائل: طعام واحد هما طعامان المن والسلوى قلنا: المنّ في الغالب يستعمل في الشرب ينبذ بالماء ويشرب، أو يقال: المراد بالطعام هنا الجنس؛ يعني ما نصبر على هذا الجنس بس ما عندنا إلا من وسلوى فيه أشياء ثانية. ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ هذا توسُّل منهم بموسى ليدعو الله عز وجل لهم ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ﴾. وكلمة: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ تدل على جفاء عظيم منهم. ما قالوا: ادع لنا ربنا، أو قالوا: ادعُ الله بل قالوا: ادع لنا ربك كأنهم بريئون منه والعياذ بالله. وهذا من سفههم وغطرستهم وكبريائهم. ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ يخرج ويش اللي جزمها؟ * الطلبة: جواب الطلب. * الشيخ: جواب الطلب، ادعُ يخرجْ، كأنهم يقولون: إنك بمجرد دعواك أو دعائك يخرج هذا الشيء، ولهذا جعلوه جوابًا للطلب. ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ ما نبغي الذي ينزل من السماء المنّ والسلوى ما نبغيه، هم أرضيون ليسوا سماويين، ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ ولا نريد ما ينزل من السماء. قوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ من بقلها أولًا مِن الأولى ويش معناها؟ ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا﴾ مِن الأولى للابتداء؛ يعني ابتداء الإخراج ومكان الإخراج اللي يخرج منه هو ما تنبته الأرض. وقوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ بيان (مِن) بيانية، أيش بيان له؟ لاسم الموصول (ما)؛ لأن اسم الموصول مبهم يحتاج إلى بيان. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ غريبين. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ البقل هو النبات اللي ما له ساق، يعني مثل الكرات وشبهه، هذا البقل. ﴿فُومِهَا﴾ هو الثوم يقال: ثوم، ويقال: فوم، وقيل: إن الفوم الحنطة، والأول أقرب أن المراد بالفوم الثوم. ﴿وَعَدَسِهَا﴾ العدس أظن معروف. * الطلبة: نعم. * الشيخ: معروف عدسها. ﴿وَبَصَلِهَا﴾ أيضًا معروف. ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ أيضًا القثاء معروف صغار البطيخ؛ الجراوة، كل هذه بالنسبة للمن والسلوى ليست بشيء، ولهذا أنكر عليهم موسى ﷺ فقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟ معنى ﴿تَسْتَبْدِلُونَ﴾ أي تأخذون بديلًا؛ استبدلت الشيء بالشيء أخذته عنه، تستبدلون أي تأخذون بديلًا، ويش تأخذون؟ ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ تستبدلونه ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.﴾ في قوله: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ ما المراد بالذي هو أدنى؟ * الطلبة: الشيء الذي طلبوه. * الشيخ: الفوم، اللي طلبوه. ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ خمسة أشياء، هذا الذي هو أدنى. ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ المنّ والسلوى. قوله: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ ما رأيكم في حذف صدر الصلة هنا، يمكن نرجع إلى النحو نشوف يجوز ولَّا ما يجوز؟ * طالب: يجوز، نعم يجوز. * الشيخ: يجوز؟ بكثرة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: خطأ. * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز إلا بقلة؛ لأن الصلة غير طويلة. * طالب: والموصول غير أي. * الشيخ: إيه والموصول غير أي، وابن مالك يقول: ......................... وفِي ∗∗∗ ذَا الْحَذْفِ أَيًّا غَيْرُ أَيٍّ يَقْتَفِي؎إِنْ يُسْتَطَلْ وَصْلٌ وَإِنْ لَمْ يُسْتَطَلْ ∗∗∗ فَالْحَذْفُ نَزْرٌ.......... ومثلها أيضًا: ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ لو قلت: بالذي خير يكون هذا قليل، وطبعًا هذا التصرف ما يجوز في القرآن مهما كان الأمر سواء طالت الصفة أو ما طالت، لكن إن كانت في غير القرآن إي نعم. ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبداله ويش يدل عليه؟ * طالب: السفه. * الشيخ: يدل على السفه والانحطاط مثل: إنسان قدمت له فنجان حليب قال: والله أنا مشتهي سيجارة. هذا واقع فيه اللي يشربون الدخان، نسأل الله العافية، تقدم له الشراب الطيب النظيف يقول: لا، هو مشتهي سيجارة. فالحاصل أن هذه المسائل تدل استبدال الأدنى بالذي هو خير تدل بالحقيقة على سفه الإنسان وانحطاطه، وكما يكون هذا في المحسوسات يكون أيضًا في المعنويات والمعقولات كون الإنسان يروح يختار الأشياء الدنيئة من الأخلاق والمعاملات وغيرها ويترك ما هو خير، هذا خطأ، نعم لو فُرض الإنسان ما وجد غير هذا، ما في الإمكان غير ما كان يلام ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يلام، لا يلام إذا كان الشيء مما أبيح له ولو هو أدنى، لكن كونه يوجد شيء أعلى مما كنت عليه وتطلبه وتترك هذا ما فيه شك أنه من السفه، ولهذا قال لوط عليه الصلاة السلام لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]. قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يعني هذا ما يحتاج إلى أن يدعو الله، وكأن موسى ﷺ أنكر عليهم هذا وبين لهم أن هذا ما يليق بموسى ﷺ يدعو الله سبحانه وتعالى لهم بهذا الدعاء، وأما قول من قال من المفسرين: إنه دعا وقيل له: قل لهم يهبطون مصرًا فإن لهم ما سألوا، هذا ليس بصحيح؛ لأنه كيف ينكر عليهم أن يطلبوا ذلك منه ثم هو يذهب ويدعو الله به؟ هذا شيء مستحيل وبعيد، والصواب أن موسى وبّخهم على ما سألوا، وأنكر عليهم، وقال لهم: هذا الأمر الذي طلبتم ليس أمرًا صعبًا، كل الدنيا مملوءة منه، ولهذا قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مصر مصر النيل ولّا غيرها؟ * الطلبة: غيرها. * الشيخ: مصر النيل؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ولكننا نقول: لا، ولهذا نُكرت، ومصر النيل ما تُنكر، ما تنصرف، مصر النيل ما تنصرف ولا ينصرف عنها، لكن مصرًا منصرفة الآن؛ يعني اهبطوا أي مصر من الأمصار تجدون ذلك. ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ يعني هذا ليس بعزيز، ولكن أنتم روحوا لأي مصر من الأمصار تجدون، ويش الذي فات من موجبات عدم الصرف هنا كلمة (مصرًا)؟ * طالب: المعنى. * طالب آخر: التعريف. * الشيخ: إيه التعريف؛ لأن هذه نكرة، هذه نكرة، واسم البلدان يكون فيها العلمية والتأنيث، وهذه فيها نعم قد نقول: فيها التأنيث؛ لأن (مصر) واحد الأمصار، وقد لا نقول: إنها مؤنثة، قد نقول: مذكر. ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.﴾ * الطالب: شيخ، هذه ﴿بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة ٦١] هل كان الأول عندهم أو يعني أو كان موسى؟ * الشيخ: إيه هو الظاهر، الظاهر أنها عندهم هم يعرفون مما تنبت الأرض من هذه الأشياء. * الطالب: الفوم مكان الفول؟ * الشيخ: الفول؟ ما أدري، لكن أقرب شيء أنه الثوم، ثُوم بالثاء، ويمكن أن يقال: الفول؛ لأنه قريب من العدس، قريب من هذا. * طالب: البقل يا شيخ، البقل اللي هو الفول التي تقبل. * الشيخ: لا. * الطالب: اللي هو زي الفاصوليا الحاجات البقل اللي كلها تحطها في الميّه تنفش هي البقل اللي موجودة في السوق حاليًا.. * الشيخ: اصطلاح هذا. قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ ضربت عليهم شوف الآن فيه التفات ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ إلى آخرها. ثم قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ إذن الكلام مُستأنف الآن، خبر من الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل أنه ضُربت عليهم الذلة والمسكنة. ﴿الذِّلَّةُ﴾ هذا في الشجاعة أذلة، ما يقابلون عدوًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤] والمسكنة فقراء يعود إلى الفقر، فليس عندهم شجاعة وليس عندهم غِنى، لا كرم بالمال ولا كرم بالنفس، أولا، الشجاعة ويش هي، كرم بأي شيء؟ * الطلبة: بالنفس. * الشيخ: بالنفس، يجود الإنسان بنفسه لإعلاء كلمة الله، والكرم جود بالمال، هم -والعياذ بالله- ما حصل لهم هذا ولا هذا بل العكس ضُربت عليهم الذلة فلا شجاعة عندهم، والمسكنة فلا جود عندهم، ولهذا ما يوجد أمة أفقر من اليهود ولا أفقر، أفقر قلبًا ما هو مالًا، الأموال كثيرة لكن قلوبهم فقيرة، وهذا هو اللي أوجب لهم أن المال يكثر لديهم؛ لأنهم لا زالوا يعني مثل النار التي في الحطب اليابس تلتهم تلتهم. هم وُصفوا بهذا الوصف، ضربت عليهم. وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ هذا من باب ما يسمونه بالاستعارة المكنية، إن صح أن نقول: إن في الكلام مجازًا، كأنه جعلهم بمنزلة السكة النقط الذي يُضرب عليه الطابع، فكأن هذه الذلة والمسكنة كأنها صارت طابعًا عليهم لا تفارقهم كما لا يفارق الطابع السكة؛ يعني الذهب والفضة؛ الدينار والدرهم مطبوعة عليهم طبع، ولهذا يقال: ضرب الدرهم وضرب الدينار؛ يعني ضرب عليه بالطابع الذي يختم فيه، وكل دوله تختم على نقودها ما تراه مناسبًا لسياستها، فهذه الذلة -والعياذ بالله- عليهم مضروبة وكذلك المسكنة. فإذا قال قائل: الواقع خلاف هذا الآن. قلنا: لا يمكن أن يكون الواقع مخالفًا لكلام الله ورسوله، وإنما الخطأ في أيش؟ * الطالب: في الفهم. * الشيخ: في الفهم والتصور، وإلا كلام الله لا يُخلف، الأخبار ما يمكن تختلف خبر الله ورسوله، نقول: هذه الآية مطلقة. وفي قوله تعالى في آل عمران: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢] يقيد هذه الآية ويصير ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة ٦١] إلا بحبل من الله وحبل من الناس، فإذا وصلهم الله تعالى أو وصلهم الناس فإنهم تزول عنهم الذلة ويكون معهم شجاعة وقوة. فهمتم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الحبل من الله ما هو؟ قيل: إنه الإسلام، والحبل من الناس أن يمدهم الناس غير اليهود بما يمدونهم به، واليهود الموجودون الآن في حبل من الناس يمدهم وهم النصارى، النصارى في كل مكان يمدونهم؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١] وهذا خبر، خبر من الله لا يخلف، النصارى تمدهم من جميع أقطار الدنيا إما علنًا وإما سرًّا، إما مباشر أو غير مباشر. الحبل من الله قلنا: إنه الإسلام على ما ذكره كثير من أهل العلم، ويحتمل عندي أنه أعم من الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا زال عنهم وصف اليهودية وصاروا من المسلمين، لكن عندي أنه حبل من الله أن الله قد يسلطهم على غيرهم عقوبة لهم، قد يُسلَّطون على غيرهم ويكون لهم الغلبة عقوبة على الآخرين لعلهم يرجعون إلى الله عز وجل لا سيما إذا كانوا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وعصوا وأبعدوا عن هذه الملة فإنهم يسلط الله عليهم من شاء من خلقه لعلهم يرجعون، وهذا أمر هو الواقع، لو نظرنا إلى الذين جعلوا أنفسهم في مسير هؤلاء اليهود وهم العرب لوجدنا أكثرهم ضالين ولا سيما ذوي القيادات منهم منحرفين عن الحق بل ربما يصل الأمر في بعضهم إلى الكفر المطلق والعياذ بالله، فلذلك يُسلَّط عليهم هؤلاء ويحصل ما يحصل، وإذا رأيت أن الرسول ﷺ في حنين حصلت الهزيمة على الصحابة رضي الله عنهم بسبب الإعجاب بالنفس، وحصلت عليهم الهزيمة في أُحد بسبب المخالفة، وطبقت الأمر على ما نحن عليه الآن وجدت أن كلا الوصفين موجود في الذين جعلوا صدورهم لليهود: إعجاب بالنفس ومخالفة للأمر، حتى إنه حدثني بعض الناس الذي قال: لما سمعت جعلت أبكي حرب الأيام الستة يقول: إن مذيعًا من مذيعي العرب يتبجح يقول: سنفعل سنفعل واليهود بعد يومين يحملون حقائبهم في البحر وغدًا تُغني أم كلثوم في تل أبيب. شوف شنو؟! جزاء النعمة شكر النعمة عصيان المنعم، أعوذ بالله! هذا التبجح وهذا الاستكبار، وهذا العلو، وهذا الإعجاب ما حصل للصحابة مع أفضل الخلق، ما حصل ولا نصفه ولا ربعه ولا شيء منه يذكر، بس قالوا: «لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ» »[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٩٤٣) من حديث الربيع بن أنس مرسلًا.]] وحصل ما حصل، كذلك أيضًا المعصية التي حصلت في أُحد معصية أيضًا بسيطة وهم أيضًا انصرفوا عن محلهم بتأويل ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: قالوا: إنه خلاص الآن الهزيمة حصلت على المشركين وغلب المسلمون ولا فائدة إلا أن نروح نجمع الغنيمة، وصار الأمر أن آتاهم الفرسان من الخلف، وحصل ما حصل بقضاء الله وقدره وحكمته، معصية واحدة، كيف هذه المعاصي الكثيرة الآن؟! هل يرى بعض قادة هؤلاء الذين جعلوا صدورهم لليهود يرون أن الحكم بشريعة الله تأخر ورجعية أعوذ بالله، كيف بينصرون هؤلاء على اليهود؟! فالمهم أن نقول: أنا أرى أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ليس هو الإسلام؛ لأن الإسلام حقيقة يخرجهم من اليهودية ويجعلهم في خير الأمم، لكن المراد به حبل من الله سبب يكون نصرًا لهم ليسلطهم على من شاء من عباده، وإلا فالله يقول للرسول ﷺ يخاطب المؤمنين ما هو بيخاطب من قال: أنا مسلم. ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤] الآن يقاتلوننا من فوق رؤوسنا وعلى جدرنا نحن أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: هذا هو الواقع؛ لأن الخطاب في قوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ لمن اتصفوا بما كان عليه السلف الصالح، ما هو بس حتى الآن يعني الحقيقة مع الأسف أننا ما نقاتلهم بالإسلام أيش نقاتلهم به؟ * الطلبة: العروبة. * الشيخ: بالعروبة والقومية، هم يقاتلون بدين لكن باطل؛ لأنهم يقولون: هذه أرض مقدسة، أرض الأنبياء، نريد أن نستردها من هؤلاء العرب الغاصبين على زعمهم. هذا فرق بين هذا وهذا، وإن كان دينهم باطل وليس بشيء، لكن هم يأتون بصفة دينية، أما نحن تركنا الصفة الدينية وذهبنا إلى صفة لا نُنصر بها أبدًا، ما نُصر العرب؛ لأنهم عرب لكن؛ لأنهم مؤمنون ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧] لا نصر العرب، نصر المؤمنين، ومن الغريب أن بعض الناس يقولون: نعم كان حقًّا نصر المؤمنين لكن المؤمنين بقضيتهم ما هو المؤمنين بدينهم، المؤمنون بالقضية ما علموا إن المؤمن بالقضية إنه بعد أيضًا الكرملين والبيت الأبيض وقصر بريطانيا لندن، كلهم مؤمنون بقضاياهم، أجل حق على الله أن ينصرهم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: أبدًا، حاشاه سبحانه وتعالى، ولكن نصر المؤمنين به سبحانه وتعالى وبرسله وكتبه المطبقين لشريعته، هذا الذي أوجب الله على نفسه أن ينصرهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.﴾ إذن يزول عنا الاشتباه في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ لماذا نراهم الآن في هذه الحال والآية خبر من الله وخبر الله حق صدق لا يمكن أن يتخلف؟ فالجواب: أن الآية هذه مقيدة بقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ وشوف التقييد في آل عمران التقييد في الذلة فقط، لكن المسكنة ما هي مقيدة، ولذلك هم مضروب عليهم المسكنة أين ما كانوا، ولا يمكن يبذلون قرشًا إلا وهم في أمل أن يُحصلوا درهمًا أبدًا، لو بذلوا الجمعيات اليهودية، التبرعات، كلها هذه من أجل غرض يرونه يعود عليهم بأكثر مما بذلوا وإلا لما بذلوا شيئًا، فالمسكنة مطلقة، والذلة مقيدة ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢]. * الطالب: فيه من ضمن الذلة والمسكنة، فيه واحد يهودي راح دمياط فأدى واحد قرش تعريفة اللي بنقول عليه، قال له: يا عم عاوز أتعشى وأتسلى وأعشي الحمار، حقيقة مش يعني تهريج. * الشيخ: أتعشى؟! * الطالب: أتعشى وأتسلى وأعشي الحمار. * الطلبة: أتسلى يتسلى يعني. * الشيخ: آه. * الطالب: فراح الدمياطي طلع أذكى منه راح جبله بطيخة اتعشى منها هو والتاني خد البذر بتاعها اتسلى بيه واده القشر بتاعها للحمار، فقال: والله ما أبات في هذه البلدة؛ لأن البلدة.. فعلًا، هذا مثل الشائع عندنا حقيقة يعني هم اليهود. * الشيخ: على كل حال هذا الأمر حكى عنهم هذا. قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ باؤوا. * الطالب: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾ [الحشر ١٤] الخطاب لليهود؟ * الشيخ: إيه، لا، الخطاب للمؤمنين؛ يعني لو كان عندنا إيمان حقيقي ما استطاع اليهود أن يقابلونا أبدًا ما يستطيعون. * الطالب: ما قابلونا يا شيخ لغاية دلوقتي لغاية وقتنا هذا ما قابلونا، حقيقة يعني مش حرب الأيام الستة ديه (...)، لكن في حرب ٧٣ ما قابلونا. * الشيخ: الحمد لله؛ لأن معنا بعض الإيمان. * طالب: حرب ٧٣ يا شيخ.. * طالب آخر: يعني كل اللي عبر القنال يا شيخ الله أكبر بالراية، وفعلًا يعني فيه ناس حتى الشيخ عبد الحليم محمود قال: إنه فيه ناس، لقينا ناس قدامنا بالرايات ماشية قدامنا بالرايات. * الشيخ: الحمد لله، الحمد لله. * طالب: شيخ، فيه عسكري حكى إنه كان لوحده، في حرب ٧٣ يا شيخ، وبعدين كان في سرية يهودية يعني مارة، فالعسكري هذا كان رايح المرج يجيب فطار ليفطر، فإذا السرية يعني، معه علبة فول، هجم عليهم بعلبة الفول كلهم سلموا، فلما راحوا للحكام قالوا: كيف تسلموا لعسكري واحد؟ قالوا: نحن ما سلمنا لعسكري واحد، إحنا سلمنا عسكري واحد لابس ثوب أخضر وحوله سرية لابسة ثياب بيضة. * الشيخ: إي نعم، المهم على كل حال إن الخطاب ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ للمؤمنين، فإذا قاتلناهم بالإيمان فلن يقاتلونا وجهًا لوجه ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤]. فإذا قاتلناهم بغير الإيمان فإنهم يقاتلوننا من فوق سطوحنا لا من وراء جدر. * طالب: شيخ، السياق على المنافقين الآن؟ * الشيخ: أيّه؟ * الطالب: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾.﴾ * الشيخ: لا، لا ليس المنافقين، اليهود. * طالب: مصرًا ليس مصر النيل، فأي مصر؟ * الشيخ: أي مصر من الأمصار، عُنيزة تسمى مصر. * الطالب: لفظ الأمر (...)؟ * الشيخ: لا لا، يقول: روح (...) ما هو في (...)، نقول: ما هذه نسأل الله أن يخرج لنا مما تنبت الأرض، هذا موجود في كل البلاد، هذا زيادة في التوبيخ عليهم. * الطالب: لأنهم أصلًا مشردون. * الشيخ: هم في التيه، هم حينما أنزل الله عليهم المن والسلوى، فطلبوا من الله بدل ما ينزل عليهم من السماء الأمور النافعة اللذيذة، فقال: كيف أني أسأل الله يبدل الذي هو خير؟ قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. ﴿بَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ رجعوا باؤوا أي رجعوا، والباء للمصاحبة في الغضب، والغضب من الله سبحانه وتعالى ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (مِن) للابتداء؛ يعني الغضب من الله، إن الله غضب عليهم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠] وغضب الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، لكنها لا تماثل صفات المخلوقين، ما تماثل صفات المخلوقين، نحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا ويحمر الوجه ويقف الشعر ويفقد الإنسان صوابه كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هل هذه العوارض تكون في غضب الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] بل هو غضب يليق بالله عز وجل، وإذا قلنا بهذا وسلّمنا بأن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وسرنا حسب ما أمر الله به ورسوله، يرى بعض الناس بعض أهل التحريف يقول: إن الغضب؛ أي الانتقام، وليس هو صفة من صفات الله، ويرى آخرون أنه إرادة الانتقام، فمعنى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] أي أراد أن ينتقم منه، وعلى الأول يقول: غضب الله عليه أي انتقم منه، فالذين يقولون: الغضب الانتقام هم الذين لا يُثبتون الإرادة، ولا يثبتون شيئًا من الصفات وإنما يثبتون الأفعال المنفصلة المخلوقة، والذين يقولون: إنه الإرادة هم الذين يثبتون لله كم صفة؟ * الطلبة: سبع صفات. * الشيخ: سبع صفات، وهم الأشعرية، والأول المعتزلة والجهمية، يقولون: إن الله ما يريد، ولكن له مخلوقات، فالغضب أي هذا العذاب والعقوبة المنفصلة عن الله، وكلا الأمرين باطل، كلا القولين باطل، أما الأول وهو رأي المعتزلة فنقول: إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] و﴿آسَفُونَا﴾ ويش معناه؟ أغضبونا، انتقمنا والشرط غير المشروط ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأنه لو كان آسفونا أغضبونا بمعنى انتقمنا منهم ما صار للكلام فائدة كان المعنى: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم، هذا لا معنى له، المعنى فلما أغضبونا انتقمنا منهم، فدل ذلك دلالة واضحة على أن الغضب غير الانتقام. وأما الآخرون فإننا نقول لهم: إذا أثبتم الإرادة فما المانع من إثبات الغضب؟ فإذا قالوا: إن الغضب هو غليان القلب وانتفاخ الأوداج، الأوردة واحمرار العيون، وهذا لا يليق بالله عز وجل. قلنا لهم: أيضًا الإرادة ميل الإنسان إلى ما ينفعه أو يدفع ضرره، وهذا أيضًا نقص لا يليق بالله، فما يلزمكم في الغضب يلزمكم في الإرادة، فإذا أثبتم الإرادة لزمكم إثبات الغضب، وإن نفيتم الغضب لزمكم نفي الإرادة واضح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أهل السنة والجماعة ما يلزمهم -ولله الحمد- شيء، يقولون: نحن نُثبت الغضب ونُثبت الإرادة ونُثبت كل صفات الله سبحانه وتعالى، ولكننا ننزه الله سبحانه تعالى عن مشابهة المخلوقين ومماثلتهم، ثم إننا لا نتخيل صفاته أيضًا لا نتخيلها، ونرى أنه يحرم على المرء أن يتخيل صفات الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله أعظم من أن تُحيط به العقول فهو لا تدركه الأبصار، وكذلك العقول لا تحيط به. إذن الغضب ويش نقول عند أهل السنة والجماعة؟ صفة من صفات الله تعالى الثابتة له على وجه الحقيقة بدون تكييف ولا تمثيل. قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق، الظاهر أنه كل ما سبق، وليس بس ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ كل ما سبق حتى سؤالهم للذي أدنى عن الذي هو خير هذا من أسباب الكفر؛ لأن المؤمن يُهدى إلى الخير ويعرف الخير من الشر ويُوفق لسلوك الخير ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ إذن ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما ذُكر كله. وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء للسببية. ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ كانوا فيما مضى أو على أنهم متصفون؟ * الطلبة: متصفون. * الشيخ: متصفون. ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ الكَفْر قال العلماء: مأخوذ من الستر، ومنه كافور النخلة؛ لأنه يستر الثمرة يسمى الكافور؛ لأنه يستر الثمرة، والكَفْر بآيات الله معناه سترها وعدم الاعتراف بها، ولهذا ضُمِّنت معنى الجحد فعُدِّيت بالباء ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ما قال يكفرون آيات الله، قال: بآيات الله. وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الكونية ولا شرعية؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، الكونية والشرعية، الشرعية تتعلق بالعبادة والكونية تتعلق بالربوبية، فهم يكفرون بهذا وبهذا. ثانيًا: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ أعوذ بالله جرأة على الله، يقتلون النبيين ما هم يكذبونهم فقط يقتلون النبيين! بغير الحق. و ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان نعم قبلها فيها قراءتان ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ فيها ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ وهي المشهورة الآن، والثاني ﴿عَلَيْهُمُ﴾ والفرق بينهم؟ ضم الهاء ﴿عَلَيْهُمُ﴾ أو ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أو ﴿عَلَيْهِمِ﴾ ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمِ الذِّلَّةُ﴾ ثلاث قراءات. وقوله: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿النَّبِيِّينَ﴾، والثانية: ﴿النَّبِيئِينَ﴾ من النبأ، وهو الإخبار. وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يعني بل بالباطل. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا القيد لبيان الواقع وللتشنيع بفعلهم، للتشنيع عليهم بفعلهم، شوف أقول: إن هذا القيد لبيان الواقع وليس شرطًا، ليش ليس شرطًا؟ * طالب: لأنه ما يمكن قتل نبي. * الشيخ: لأنه ما يمكن قتل نبي بحق أبدًا، كل قتل الأنبياء (...) لأنه يقول: «هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبهَرِ مِنِّي» »[[أخرجه البزار في مسنده برقم (٨٠٠٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «هَذَا أَوَانُ قُطِعَتْ أَبْهَرِي».]] بعد أن قال «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي» » ولكن الله سبحانه تعالى منعه حتى يتم أجله، فهم -والعياذ بالله- عندهم هذه الجرأة العظيمة؛ وهي قتل الأنبياء بغير حق. * الطالب: شيخ، هل في الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧] ينطبق عليه على الرسول؟ * الشيخ: نعم، إلا ينطبق عليه، والله يعصمك من الناس فعصمه الله حتى بلَّغ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧] يعني حتى تبلغ الرسالة وقد بلَّغ الرسالة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: إنه مات بسبب هذه الأكلة هو مات شهيدًا؛ لأنه ظلم هذا الذي حصل من هؤلاء اليهود. * الطالب: هل ينافي هذا ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧].. على الرسالة فقط؟ * الشيخ: هو لما قال: ﴿بَلِّغْ﴾ يعني إذا صح هذا أن الرسول مات بسبب هذه الأكلة فمعنى الآية: يا أيها الرسول بلغ والله يعصمك، يعني فلن يستطيع أحد أن يحول بينك وبين تبليغ رسالتك ولكن إذا جاء الأجل انتهى التبليغ. ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ هل مرجع الإشارة هو مرجع الإشارة الأولى؟ فيكون كُررت تأكيدًا، أو إن مرجع الإشارة هو الكفر والقتل؟ الظاهر أنه الكفر والقتل، وعلى هذا فتكون المعاصي التي بعد هذا ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تكون سُلّمًا للكفر والقتل، يعني كفروا وقتلوا بما عصوا بسبب عصيانهم واعتدائهم. قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ الباء للسببية، و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ مصدرية أي بعصيانهم. وقوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ معطوف على قوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ أي وبما كانوا يعتدون؛ أي وبكونهم معتدين. والفرق بين المعصية والعدوان إذا ذُكِرا جميعًا أن المعصية فعل ما نهي عنه، والاعتداء تجاوز ما أمر به، ففِعل ما نهي عنه يسمى معصية، والاعتداء تجاوز ما أُمر به مثل أن يصلي خمس ركعات مثلًا، وقيل: بالعكس هو أن المعصية ترك المأمور، والعدوان فعل المحظور، وسواء هذا أو هذا فالمهم أن هؤلاء اعتدوا وعصوا، فما قاموا بالواجب ولا تركوا المحرم، فلذلك تدرجت بهم الأمور حتى كفروا بآيات الله وقتلوا رسله، وفي هذا دليل إلى ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أن المعاصي بريد الكفر، وهو كذلك؛ فالإنسان إذا فعل معصية استهان بها، ثم يستهين بالثانية، ثم بالثالثة وهكذا، وقد مر علينا أبيات في تفسير التقوى لعلكم تستحضرونها يقول: خَـــلِّ الـــذُّنُــــوبَ صَـــغِـــيـــرَهَــــا ∗∗∗ وَكَــبِــيــرَهَـــا ذَاكَ الــتُّـــقَــى؎وَاعْـمَـلْ كَـمَـاشٍ فَــوْقَ أَرْضِ ∗∗∗ الشَّـوْكِ يَحْــذَرُ مَا يَــرَى؎لا تَــــــحْــــــقِــــــرَنَّصَـــــــغِــــــــيـــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى وهذا صحيح إذا تراكمت الذنوب على القلوب حالت بينها وبين الهدى والنور ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. (...) لأن شرع من قبلنا شرع لنا إن لم يرد شرعنا بخلافه فكيف وقد أتى بوفاقه؟ * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى هو الملجأ للخلق، فهم إذا مسهم الضر فهم يلجؤون إلى الله سبحانه وتعالى. * ثالثًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كغيرهم في الافتقار إلى الله سبحانه، فلا يقال: إن الرسل قادرون على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء. * وفيه أيضًا دليل على رأفة موسى بقومه لقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة ٦٠].* وفيه دليل على جواز التوسل بالصالحين، لكن التوسل بأي شيء؟ * الطلبة: بدعائهم. * الشيخ: بدعائهم، وأما بذواتهم أو جاههم فلا يجوز؛ لأن ذلك ليس بوسيلة، والمقصود بالتوسل سلوك السبيل الموصلة إلى المقصود، فاهمين؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هذا التوسل، وكون هذه الطريق توصل إلى المقصود لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وعلى هذا فما لم يرد به الشرع، فإن التوسل إلى الله به يكون من باب التشريع في دين الله ما ليس منه، ولهذا عدّ أهل العلم المحققون منهم التوسل بجاه الرسول ﷺ، عدُّوه من أنواع الشرك. * وفيها أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى قادر وجواد؛ لأن العاجز لا يُستسقى، والبخيل لا يعطي، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا أجاب الله. وفي هذا أيضًا دليل على إثبات سمع الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿فَقُلْنَا﴾ لأن الفاء هنا للسببية. ﴿فَقُلْنَا﴾ يعني فلما استسقى قلنا، فدل على أن الله سمع استسقاءه فأجابه. * وفيها أيضًا دليل وهو أيضًا من أدلة هامة إثبات وجود الله تعالى للمنكرين، فإن إجابة الدعاء دليل على وجود المدعو، وكم في القرآن من ذكر الآيات التي فيها أن الله تعالى أجاب الداعيـن ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٧٦]، ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٨٣، ٨٤] إلى غير ذلك. * وفيه دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى حيث إن موسى ﷺ يضرب الحجر بالعصا فيتفجر عيونًا، وهذا جرت العادة بمثله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: بمثله لا. * الطالب: يعني من الحجر. * الشيخ: إيه، لكن ما هو بهذه الصورة، ما جرت العادة بمثله، فهو دليل على قدرة الله، وأنه ليس الأمر كما يزعم الطبائعيون أنه طبيعة، لو كانت الأمور بالطبيعة ما تغيرت وبقيت على ما هي عليه. * وفيه دليل على آية من آيات الله سبحانه وتعالى يصدق بها نبيه موسى ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وقد تعلق بهذا العصا عدة آيات: منها: أنه ضرب به البحر فانفلق، وضرب به الحجر فانفجر. * الطلبة: وأكل سحر السحرة. * الشيخ: وأكل سحر السحرة. * طالب: وانقلب حية. * الشيخ: وانقلابه حية، إي نعم. وفيه دليل على حكمة الله تبارك وتعالى حيث جعل هذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عينًا لفائدتين: الفائدة الأولى: السعة على بني إسرائيل؛ لأنه لو كان عين واحدة لحصلت عليهم المشقة بالازدحام. ثانيًا: الابتعاد عن العداوة والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطًا، فلو كانوا جُمعوا في مكان واحد مع الضيق والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد، وربما يؤدي إلى القتال، فهذا من رحمة الله تبارك وتعالى ببني إسرائيل حيث فجَّره اثنتي عشرة عينًا، ولهذا أشار الله إلى هذه النعمة بقوله: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ كل أناس من أين؟ * الطلبة: من بني إسرائيل. * الشيخ: من بني إسرائيل نعم. وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى يُذكر بني إسرائيل بهذه النعم العظيمة لأجل أن يقوموا بالشكر، ولهذا قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وفي قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ * يستفاد من هذا: أن ما خلق الله تعالى من المأكول والمشروب للإنسان فالأصل فيه الإباحة والحل؛ لأن الأمر هنا -كما مر- للإباحة، فما أخرج الله لنا من الأرض أو أنزل من السماء فالأصل فيه الحِل، فمن نازع في حل شيء منه فعليه الدليل، في حِل شيء منه وقال: هذا ليس بحلال بل هو حرام نقول: عليك الدليل، ما هو الذي الأصل فيه الحظر؟ * الطلبة: العبادة. * الشيخ: العبادات، وأما المعاملات والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل والإباحة. * ويستفاد من هذه الآية: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ والأصل في النهي التحريم. * ويستفاد منها أيضًا: أن المحرمات تقبح بحسب حال الفاعل؛ لقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا﴾ فإنه لا يليق لمن وسع الله له في الرزق وأعطاه ما تقوم به حاجته بل كماله لا يليق منه أن كملوا. * الطلبة: أن يسعى في الأرض فسادًا. * الشيخ: أن يسعى في الأرض فسادًا، بل اللائق به أن يقوم بشكر هذه النعم، فيسعى في الصلاح لنفسه وفي الإصلاح لغيره. فيه شيء بالآية؟ * طالب: أن المعاصي في الأرض سبب لفساد الأرض. * الشيخ: أن المعاصي سبب لفساد الأرض؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١] هذا ذكر الموجِب وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦] هذه آية ذِكر الثاني، ويقول تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام ٤٤] شوفوا البلوى ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ والمراد بالفرح هنا فرح البطر ﴿إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.﴾ * الطالب: قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ يعني ذكر الأكل مع الشرب؟ * الشيخ: إيه، نعم؛ لأن الأكل معروف من المن والسلوى بما سبق، ذكر المن والسلوى وهو من باب الأكل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (...) الاستسقاء بطلب أم من عند نفسه، والله أعلم. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة ٦١]. هذا أيضًا يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد: * أولًا: لؤم بني إسرائيل وسفههم؛ حيث إنهم طلبوا أن الله يغير لهم هذا الرزق الذي لا يوجد له نظير لقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ ما هو الطعام الواحد؟ * الطلبة: المنّ والسلوى. * الشيخ: المنّ والسلوى، والمراد بكونه طعامًا واحدًا هو طعامين، يعني وتيرة واحدة حال واحدة، هذا المراد، يعني ما نصبر على هذه الحال ما عندنا إلا هذا فقط، نبغي أشياء. * وفيه أيضًا يستفاد منها دليل على غطرستهم لقولهم: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ولم يقولوا: ادعُ لنا ربنا، أو ادعُ لنا الله، ﴿رَبَّكَ﴾ كأن عندهم- والعياذ بالله- أنفة، مع أنهم كانوا هم المؤمنين بموسى، ومع ذلك يقولون: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ مثل ما قالوا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] فهم -والعياذ بالله- عندهم لؤم وغطرسة كبرياء. * وفيه أيضًا دليل على انحطاط همة بني إسرائيل حيث طلبوا الأدنى عن الأعلى، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: * وفيه أيضًا: أن من اختار الأدنى على الأعلى ففيه شبَه من اليهود، ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيء المحرم على الشيء الحلال، وقد قصصت عليكم قصة الرجل اللي كان إلى جنبي في الطائرة وأعطوه حلاوة مثل العادة ولّا لا؟ * الطلبة: لا يا شيخ ما قصصتها. * الشيخ: إيه، قصصتها عليكم، أقصها الآن: أعطوه حلاوة وقال: أنا ويش يبغي بالحلاوة وقلت: هذه الحلاوة؛ لأن عمره ما ركب الطيارة إلا ها المرة، قلت: هذه الحلاوة يقولون: إنها تخفف على الإنسان الضغط، فقال: والله أنا مشتهي سيجارة، قلت له: هذه أفضل، ولكن إذا أنت مصمم روح هناك ولا اصبر حتى تروح مطار القصيم وكيف شوف قال لي: ما أقدر أصبر، المهم على كل حال شوف نسأل الله السلامة يعني يختار هذا على هذا، ونسمع أن المبتلين بالدخان أنهم عند الإفطار في رمضان أول ما يبتدئ بالسيجارة هذا اللي إحنا سمعنا؛ يعني فطور التمر اللي هو السنة ما يفعل اللهم عافنا، فهذا فيه شبه من بني إسرائيل بل أشد من بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل اختاروا شيئًا مباحًا، وهؤلاء يختارون شيئًا مُحرمًا. * وفيها أيضًا دليل على أن علو همة المرء أن ينظر للأكمل والأفضل في كل الأمور، ينظر للأكمل والأفضل. * وفيها دليل أيضًا: على أن التوسع في المآكل والمشارب إذا لم يصل إلى حد الإسراف، فإن الإنسان يُحمد عليه، وأن من حرّم أو تورّع عن شيء مما أحل الله له فإنه من الورع المذموم، وجه ذلك أن هؤلاء استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فمن ترك شيئًا من المباحات لغير غرض شرعي، وإنما تورعًا وتزهدًا فإنه مذموم، أما إذا كان لغرض شرعي مثل ما ذكر عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه «أنه في عام الرمادة اجتنب اللحم وقال: ما يمكن أن أجعل إدامي إلا خل التمر. »[[أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣ / ٣١٣) من حديث زيد بن أسلم عن أبيه بلفظ: أن عمر بن الخطاب حرم على نفسه اللحم عام الرمادة حتى يأكله الناس. ومن حديث أنس بن مالك قال: تقرقر بطن عمر بن الخطاب وكان يأكل الزيت عام الرمادة.]] يعني ما آكل اللحم لأني كيف أني أشوف الناس جائعين في هذا العام وأنا أشبع من اللحم؟! فإذا كان لغرض شرعي فلا بأس به، وأما تزهدًا فهذا ليس من الأمور المشروعة ولا من المحمودة، بل قال شيخ الإسلام: إن هذا أمر مذموم .[[الفتاوى الكبرى (٥ / ٥٤٨).]] * الطالب: الزهد يا شيخ ما هو بغرض شرعي؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: الزهد نفسه ما هو بغرض شرعي؟ * الشيخ: بلى. * الطالب: لأنه وردت أحاديث في مدحه. * الشيخ: في الزهد؟ إي نعم، لكن ما هو الزهد؟ * الطالب: ما هو؟ * طالب آخر: يعني يلبس الجلابية مرقعة وبتاع زي الجماعة؟ * الشيخ: لا، هذا التزهد، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، الزهد ترك ما لا ينفع والورع ترك ما يضر، وإن كان بعض الناس يظنون أن الورع والزهد بمعنى واحد، لكن ليس بصحيح؛ فمثلًا اللي يتجنب المباحات استغناء عنها بما هو أنفع ويش يسمى هذا؟ * الطلبة: زاهد. * الشيخ: زاهد، يدعها ليتوصل إلى ما هو أنفع في الآخرة يعتبر زاهدًا، والذي يدع المحرمات اشتغالًا بالمباحات وإن لم تكن أنفع في الآخرة هذا يسمى ورِعًا، وحينما نقول: الزهد ما هو معناه أن الإنسان يتقشّف، التقشف ليس بمحمود إلا إذا كان لغرض شرعي، والغرض الشرعي مثل ما ذكرنا عن عمر، أو مثلًا (...) الإنسان بين أناس فقرًا ولو لبس مثلًا ما يليق به وبغناه كسَر قلوبهم وحصل لذلك أثر في نفوسهم هذا أيضًا تركه من الأمور التي قد يُحمد عليها المرء. وفي هذا دليل على حِل البقول والقثاء والثوم والعدس والبصل، من أين تؤخذ؟ * طالب: من إخراج الله لها. * الشيخ: إيه ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾؟ * الطالب: لا، يخرج. * الشيخ: لا، الله يخرج السموم. * الطالب: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.﴾ * الشيخ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ ﴿فَإِنَّ لَكُمْ﴾ مما يباح لكم ما سألتم. فإذا قال قائل: هذا في شريعة موسى؟ قلنا: وشريعتنا لم ترد بخلافه بل وردت بوفاقه، فإنه «قُدِّم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قِدر فيها بُقول فكره أكلها، فلما كره أكلها ورآه بعض أصحابه أيضًا كرهه، فقال الرسول: «قَرِّبُوهَا» ثم قال: «كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٥٥)، ومسلم (٥٦٤ / ٧٣) من حديث جابر.]] فأباحها لهم، وكذلك «في خيبر لما وقع الناس في البصل وعلموا من كراهة النبي عليه الصلاة والسلام لها قالوا: حرمت. فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ» »[[أخرجه مسلم (٥٦٥/٧٦) من حديث أبي سعيد بلفظ: «إِنَّهُ لَيْسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ».]] فبين أنه حلال فهو حلال حتى في شريعتنا؛ أن الشريعة الإسلامية جاءت بوفاق هذا الأمر، مع أنه لو لم تأتِ بوفاقه ولم تأتِ بخلافه فالصحيح أنه. * الطالب: أنه على الأصل. * الشيخ: أنه على الأصل. وفي هذا دليل على جواز إسناد الشيء إلى مكانه لا إلى الفاعل الأول لقوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ والذي ينبت؟ * الطلبة: هو الله. * الشيخ: الله سبحانه وتعالى. ونأخذ من هذا الفائدة الثانية: وهو إسناد الجواز؛ إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي، الذي ثبت أنه سبب شرعًا أو حِسًّا بدون أن تقرنه بالله، ما هو بلازم، ليس بلازم مثلًا إذا قلت: هذا الرجل مثلًا ميت من الجوع وأتيت إليه بخبز وأعطيته قلت: لولا أكله الخبز لهلك يجوز ولَّا ما يجوز؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز، هذا جائز، إسناد الشيء إلى سببه الذي ثبت حِسًّا أو شرعًا أنه سببه هذا لا بأس به. المحظور أن تُثبت السبب الأول الذي هو تقدير الله مع السبب الثاني مقرونًا شنو؟ بالواو، هذا هو المحظور؛ لأنك حينئذٍ تُسوي بين الله وبين هذا السبب، مثل أن تقول: لولا الله والخبز لهلك، هذا ما يجوز؛ لأن هذا تشريك لله سبحانه وتعالى بغيره بحرف يقتضي أيش؟ * طالب: التشريك. * الشيخ: ما هو التشريك يقتضي التسوية، وأما التشريك مع عدم التسوية فلا بأس؛ نقول: لله ثم فلان، الحاصل الآن نقول في هذه الآية دليل على أن إضافة الشيء إلى سببه الحقيقي شرعًا أو حِسًّا لا بأس به، ولكن أيش هو ولكن؟ * الطلبة: المحظور. * الشيخ: المحظور أن يكون مقرونًا مع الله بالواو الذي يقتضي التسوية. إذا قال قائل: أليس الله تبارك وتعالى قد ذم قارون حينما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]؟ فنسب حصول هذا المال إلى العلم وهو صحيح قد يكون هو السبب؟ قلنا: لأن هذا الرجل أنكر أن يكون هذا من الله، ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه إضافة سبب أولًا وآخرًا يكون محرمًا ما يجوز، حتى مثلًا لو قلت: هذا أنا الذي صنعته ولولا أني صنعته ما استقام وما أشبه ذلك لولا بنيت هذا البناء ما استقام، إذا نويت أنك مستقل به من الله فهذا لا يجوز، أما إذا أضفته إلى السبب الحقيقي الدال عليه الشرع أو الحس بدون أن يكون لك عقيدة بانفراد هذا السبب به، فهذا لا بأس به، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في عمه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]] فأضاف التخفيف على أبي طالب، أضافه إلى نفسه ﷺ فقال: «لَوْلَا أَنَا». » * الطالب: شيخ، تفسير ابن عباس (...). * الشيخ: هذا الأثر يُنظر فيه، وإذا صح عن ابن عباس فإن قصده سد باب الذريعة لأناس يُخشى عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: جواز هذا، يعني هل الأفضل أن نقول: لولا كذا؟ * الشيخ: لا، الأفضل أن تقول: لولا أن الله قدر كذا، هذا الأفضل. وفيها أيضًا دليل على توبيخ موسى عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل، وأن مثل هؤلاء يُوبَّخون الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير مستحق للتوبيخ؛ لأن موسى وبَّخهم حيث قال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.﴾ وفيه دليل على أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ ما حاجة إني أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذن أحيانًا يأتيك بعض الناس يقول: توسط لي إلى فلان، (...) هذه مهمة ثم إنك تقول: اذهب أنت وحاول إذا لم تستطع فأنا مستعد، أو الأحسن أنك أنت على طول تأخذ وتتوسط؟ * الطلبة: الأولى. * الشيخ: الأحسن الأولى لسببين: السبب الأول: أنك تحمي وجه هذا الرجل من التذلل لك؛ لأنه إذا توسطت له فسوف تكون هذه في جبينه إلى يوم القيامة، هذه واحدة. الأمر الثاني: أنك إذا فعلت هذا ربما تفتح عليك أبوابًا لا تستطيع إغلاقها، ثم ينسد الباب من فوق، فاهمين معنى الكلمة هذه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يمكن إذا كل من جاءك على طول تتوسط يجيك ناس ما تستطيع التخلص منهم، ثم ينسد عليك الباب من فوق، كيف ينسد؟ إذا رأوا كل يوم عندهم ثلاث وسائط أو أربع وسائط منك ترك هذا ما نحتاج أننا نقبل وساطته، وهان عليهم ردك، ثم يردونك في أمر قد يكون من المهم أن يقبلوا شفاعتك، هذه المسائل ينبغي الإنسان أن يكون فيها حازمًا مغلِّبًا للعقل على العاطفة، وإلا أحيانًا الإنسان يرحم الشخص فيقول: ليش ما أتوسط؟ فإذا كان عنده استعداد إذا رأى وجهة النظر الصحيحة، وعنده استعداد أنه إذا سُدت الأبواب أمامه فإنه يتوسط يكون هذا خير للطرفين وللمصلحة العامة، وقد رأينا أثر ذلك في مسائل كثيرة أنه يكون الإنسان ما يكون دائمًا دائمًا يتوسط هذا أسلم، وأحشم له أيضًا لدى المسؤول الأول. كون موسى عليه الصلاة والسلام يمتنع أن يسأل الله مع أن الدعا عبادة نفسه، الدعاء نفسه عبادة ولم يسأل الله لهم وإنما قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أي بلد تنزلون فإنكم تجدون الذي سألتم. * طالب: ما يقال: إن هذا حقير فلا يدعو الله؟ * الشيخ: لا لا أبدًا، جاء في الحديث: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتِّى شِرَاكَ نَعْلِهِ» »[[أخرجه الترمذي في جامعه (٣٦٠٤ / م٨) من حديث أنس بلفظ: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ».]] لا ما.. ما هو يخالف، الإنسان يسأل الله كل شيء كل حاجة. * طالب: (...) يقول لهم: اهبطوا مصرًا. * الشيخ: المعنى إنه أي مصر تتاح لكم، بعد التيه، بعد التيه يحصل هذا الشيء. * طالب: بيحتجوا بمصر اللي هي مصر يعني مصر فعلًا، ولّا مصر دي بلدنا؟ * الشيخ: لا ما هي بلدكم. * الطالب: وربنا أوحى لموسى إنه روحوا مصر خذوه؟ * الشيخ: لا لا، الله سبحانه وتعالى ملكه مصر من يوم غرق فرعون قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٧، ٢٨]، وفي الشعراء قال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩]. * الطالب: بالنسبة إنكار بني إسرائيل للنعمة، واستهانتهم بها وطلبهم للأدنى مع وجود الأعلى، ما قولكم عفا الله عنكم (...) يعني الأشيا قد تكون.. * الشيخ: والله قولنا: إن هذا خطأ، وقد اعتمد الناس فيها على فتوى ينسبونها لبعض العلماء، وأظنها ليست بصحيحة، يقولون: إن الطعام إنما يكون مالًا ومطعومًا حينما يُطعم ويصير له أثر، وهذا الفتات ما هو مطعوم، ولكن هذه ما أظنها تصح عمن نُسبت إليه، وأنا أرى أنه مثل هذه المسائل ينبغي أن نحط يعني بشيء خاص للطعام، وإلا بس ما أظنهم يلتزمون، وإلا يلتزمون بأنهم يعني ينحشون هذه الأشياء ينحشونها قبل غسولها في أشياء بحيث لا يبقى لها أثر من الطعام وإلا هذه مشكلة، والمشكلة الأخيرة المشكلة الآن أن نسمع أن المجاري التي تعمل بالمدن أنهم ما يسمحون معها بالبيارات. * الطالب: داخل البيت. * الشيخ: بالبيت ما يمنعون حتى في هذا؟ * الطالب: هذا عام هذا داخل البيت، إنما قريبة من السور (...). * الشيخ: ما يخالف، وفي هذا دليل على ضرب الذلة على بني إسرائيل، وضرب المسكنة، وقد ذكرنا أن هذه الآية مُطلقة مقيدة في آية أخرى، بالنسبة للذلة ولّا بالنسبة للمسكنة؟ * الطلبة: للذلة. * الشيخ: بالنسبة للذلة فقط، أما المسكنة فهي باقية. والمراد بالمسكنة هنا الفقر القلبي أو الفقر الحسي؟ * الطلبة: القلبي. * الشيخ: القلبي، وقد يكون الحسي أيضًا، لكن من نظر الواقع بالنسبة باعتبار الوقت الحاضر، وأن حقيقة الأمر أن اليهود ملكوا اقتصاد الدنيا كلها، كل الاقتصاد في الشرق والمغرب كله بأيدي اليهود الآن، علم بأن المقصود بالمسكنة هنا القلب، المسكنة القلبية، أما الذلة فإن الله تعالى في سورة آل عمران قيدها فقال: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢]. المسكنة مطلقة ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ بدون استثناء. وفي هذا دليل على أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قِبل الإسلام، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: من ضرب الذلة. * الشيخ: لأن ضرب الذلة بسبب المعصية، فإذا كانت كذلك فإذا حُوربوا بالطاعة والإسلام فإنها لا شك أنه سيكون الوبال عليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤]. * الفائدة الرابعة عشرة: استحقاق بني إسرائيل للغضب لقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ووقوع الغضب عليهم استحقاقًا من باؤوا ووقوعًا من قوله: ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى. * الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الأسباب لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ لأن الباء للسببية. * الفائدة السادسة عشرة: أن الكفر بآيات الله سبب للغضب والذل والمسكنة لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.﴾ * والفائدة السابعة عشرة: عدوان بني إسرائيل، الذي لا منتهى فوقه فيما نعلم وهم أنهم جمعوا بين الكفر بالله والقتل لأنبياء الله لقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.﴾ * الفائدة الثامنة عشرة: أن قتل الأنبياء قتل بغير حق؛ لأنا ذكرنا أن القيد هنا ليس قيدًا يخرج بهما مفهومه، بل هو قيد لبيان الواقع والتعليل. * الفائدة التاسعة عشرة: أن المعاصي سبب للكفر، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾. * الشيخ: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ يعني كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء أسبابه العصيان، لأنهم لما عصوا تمردوا، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، وهذا حقيقة؛ لأن المعاصي- والعياذ بالله- تخرّق سياج القلب حتى يصل إليه الكفر ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. وذكرنا في التفسير إن بعض العلماء يقول: إن ﴿ذلك﴾ الثانية هي الأولى فيكون عُلِّلت بالكفر وقتل الأنبياء والمعصية والعدوان، ويجعلون الكفر معصية وقتل الأنبياء عدوانًا، يجعلونه عدوانًا يقولون: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ هو معنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.﴾ ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ هو معنى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ويكون تكراره لاسم الإشارة للتوكيد، ولكن الأصل عدم ذلك؛ لأنه من القواعد المعروفة في أصول الفقه أنه إذا دار الأمر بين التأسيس والتوكيد فالأصل التأسيس؛ لأن التوكيد معناه زيادة أحدهما توكيدًا، والتأسيس أن كلًّا منهما أصل، وهذا هو الأصل في الكلام. * وفيه دليل على أن بني إسرائيل جمعوا- والعياذ بالله- بين المعاصي اللي هي معصية الخالق وبين العدوان، بين المعاصي والعدوان، قيل: إن المعصية في المحرم والعدوان الزيادة على الواجب، يزيدون في الواجب غُلوًّا أو نقصًا، وأما المعصية فهي فعل المحرم، فترك الصلاة مثلًا نسميه عدوانًا اعتداء أو نسميه معصية؟ * الطلبة: معصية. * الشيخ: معصية؛ لأنه ترك واجب، وانتهاك المحرم كالزنا عدوان. * وفي هذه الآية: إثبات الغضب لله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وقد بيّنا أنه صفة حقيقية يجب إثباتها لله على وجه الحقيقة. * وفيه أيضًا: بيان حكمة الله حيث ربط أشياء بأسبابها؛ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾، وهذا من الحكمة أن تكون الأسباب مؤثرة، ولكن لاحظوا أن الأسباب قد يكون لها موانع، قد توجد الأسباب ولكن توجد موانع أقوى منها، وهذا من الحكمة أيضًا؛ لأن الموازنة بين الأمور وكون المانع قد يغلب السبب والسبب قد يقع على المانع هذا لا شك أنه من الحكمة، فالله سبحانه وتعالى له الحكمة في كل تقديره وفي كل شرعه. فيه شيء بعد؟ * طالب: حد الإسراف؟ * الشيخ: الإسراف مجاوزة الحد، مجاوزة الحد هو الإسراف، وفي كل موضع بحسبه؛ لأنه قد يكون هذا الفعل هنا إسرافًا وفي بلد آخر ليس بإسراف، وقد يكون هذا الفعل إسرافًا بالنسبة لفلان وليس إسرافًا بالنسبة لفلان، وقد يكون هذا الفعل إسرافًا في هذا الزمن وليس إسرافًا في زمن آخر. * طالب: في قولهم: (عثو) بالثاء و(عصوا) الفارق بينهما؟ * الشيخ: تعثوا؟ العثو الإفساد، والمعصية مخالفة الأمر. * الطالب: يعني المعنى واحد يا شيخ؟ * الشيخ: لا ما هو واحد، لكنها متلازمات؛ لأن الإفساد يكون بالمعاصي هي متلازمات ولكن ما هو بمعنى عثا عصا، ما يمكن تكون عصا بمعنى عثا. * الطالب: كيف يا شيخ، سوء أدب بين الطالب ونبيهم بمنادتهم باسمه المجرد بقولهم: يا موسى؟ * الشيخ: إيه، والله ربما يُؤخذ منه سوء أدب، وهذا إذا ثبت أنهم مأمورون بأن ينادوه باسم الرسالة مثلًا، وأن لا يدعوه باسمه، وهذا ما أدري عنه، لكن على كل حال فيما حسب عرفنا الآن بقطع النظر أن مناداة الإنسان الكبير باسمه يعتبر نوعًا من سوء الأدب ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: حتى لو تقول مثلًا لإنسان أكبر منك سنًّا: يا فلان باسمه يرى الناس أن هذا سوء أدب، فكيف هذا إذا كان أكبر منه قدرًا ومنزلة عند الله سبحانه وتعالى، فهو سوء أدب في الحقيقة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] الخطاب هنا أن دعاء مصدر مضاف إلى الفاعل وإلى المفعول بمعنى أنه يجوز أنه المضاف إلى الفاعل ويجوز أن يكون مضافًا إلى المفعول، فإذا كان مضافًا للمفعول يصير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ كدعاء بعضكم بعضًا؛ يعني ما تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضًا، وإذا جعلناه مضافًا إلى الفاعل صار لا تجعلوا دعاء الرسولِ إياكم إذا دعاكم إلى شيء لا تجعلوه كدعاء بعضكم بعضًا فتخالفوه كما يخالف بعضكم بعضًا، ويُرشح هذا قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]. * الطالب: شيخ، هل يعني تسليط الله الناس على الرسل أن يختبرهم. * الشيخ: هل، أيش؟ * الطالب: يعني هل هذا اختبار من الله للرسل والأنبياء؟ * الشيخ: لا أبدًا، بل هذا في الحقيقة من زيادة أجرهم في صبرهم ومن بيان حكمة الله سبحانه وتعالى حيث يأخذ هؤلاء بالانتقام مع أنه ما قُتل أحد من الرسل أُمر بالجهاد، كل من أُمر بالجهاد انتصر؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١] وهذا هو الجمع بين الآية هذه التي تلوت الأخيرة وبين قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فإنه هذه حقيقة نسينا أن نذكرها، الجمع بين الآيتين، فإن بعض العلماء يقول: إن الجمع بينهما: أن الذين قتلوا لم يُؤمروا بالجهاد، وأن من أُمر بالجهاد من الأنبياء نُصر، ومنهم من يقول: إن نصرهم في الدنيا بإقامة الحجة على أعدائهم، وبيان صدقهم فيكون نصرًا في القول والحجة، ومنهم من يقول أيضًا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر ٥١] ببقاء ذكرهم وتخليدهم؛ ذكرهم الحسن وأنهم قاموا برسالة الله وأدوا الأمانة ولكن قتلهم أعداؤهم، ولكن الأقرب الوجه الأول، وأن كل من أُمر بالجهاد؛ لأنه لو أُمروا بالجهاد وصارت النتيجة الهزيمة المطلقة صار الأمر بالجهاد عبثًا يُنزه الله عنه، فأقرب الأقوال أن هذه الآية: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ المراد بهم الذين أُمروا بالجهاد.

البقرة 2:62

لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما عاقب به بني إسرائيل من ضرب الذلة والمسكنة والغضب، بيّن سبحانه وتعالى أنه لا يظلم أحدًا، وأن المؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم كلهم لهم أجرهم عند الله؛ فهذه مناسبة الآية لما قبلها أنه لما قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ [البقرة ٦١] بيّن أن من آمن منهم وعمل صالحًا فإن الله لا يضيع أجرهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ٦٢]. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هل الإيمان الثاني هو الأول وأنه كان بالأول مطلقًا ثم بُيِّن بقوله: ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أو أن الأول يراد به الإيمان المقيد؛ يعني ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عام بما يجب الإيمان به ويكون قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قيدًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ وعلى هذا فلا يكون فيه تكرار؟ فيه خلاف بين المفسرين، منهم من قال: إن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولكن الصحيح أن الله تعالى ذكر خمسة أصناف: الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، أربعة. ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذا عائد على قوله: ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾، ويكون المراد بالذين آمنوا أمة محمد ﷺ، ويكون المراد بالذين هادوا اليهود أتباع موسى، والنصارى أتباع عيسى. والصابئين اختلف فيهم على عدة أقوال: فمنهم من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من المجوس، ومنهم من يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها، ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم من كانوا على الفطرة ما يتدينون بدين، ولكنهم إذا آمنوا بالله واليوم الآخر صار لهم هذا الأمر، وهذا هو الأقرب؛ ولهذا سمت قريش النبي ﷺ الصابئ؛ لأنه خرج عن دين قومه، فالصابئون ليسوا فرقة من اليهود والنصارى، بل هم أمة مستقلة؛ وذلك لأن الأصل في العطف التغاير جنسًا ونوعًا. ثم نقول: إن الصابئ معناها الخارج عن الدين، في اللغة العربية، فهؤلاء قوم لا يدينون بدين، على فطرتهم، هؤلاء إذا أرسلت إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر يؤجرون، أو لا أجر لهم لأنهم كانوا صابئين؟ يؤجرون؛ ولهذا أن نقول: اليهود لا يذمون لأنهم يهود، والنصارى لا يذم لأنه نصراني، لكن إذا آمنوا فلهم أجرهم، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فيقول لك الله: أربعة أصناف: المؤمنين، واليهود، والنصارى، والصابئين، هؤلاء من آمن منهم بالله واليوم الآخر -يعني: الأصناف الثلاثة التي غير المؤمنين- من آمن بالله واليوم الآخر فإن الله لا يضيع أجرهم. ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿أَجْرُهُمْ﴾ أي: ثوابهم، وسمى الله تعالى الثواب أجرًا؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به، كالتزام المستأجر بدفع الأجرة لمن؟ * الطلبة: للأجير. * الشيخ: للأجير. * طالب: عندما قلنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أمة محمد ﷺ، فإذا جعلناها من أمة محمد، كيف نقول عندما ختم الله عز وجل ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؟ * الشيخ: إيه، بس ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه خاصة بـ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾. * الطالب: يعني: بالثلاثة أصناف، ما هم بالأربعة؟ * الشيخ: لا، ما هم بالأربعة، بالأصناف الثلاثة فقط. * طالب: الصابئين، قيل: إنهم هم المجوس؟ * الشيخ: لا، فرقة منهم. * الطالب: من المجوس. * الشيخ: إي نعم، ما هم بالمجوس؛ ولهذا ذكرهم الله في سورة الحج مع المجوس. وهنا سنكمل الآية ونرجع إلى المقارنة بينها وبين سورة الحج كما قلت في الحج إن شاء الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، (...) ذكرنا منهم من يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إنه عائد على الجميع، فهو بالنسبة للثلاثة واضح أنه لا بد من قيد: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ واضح؟ لكن بالنسبة للأولين يقولون: بالنسبة للأولين إذا جعلناه عائدًا على الأربعة يصير قوله: ﴿آمَنُوا﴾ مجملًا، و﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مفصلًا أو مبينًا، مفصلًا مبينًا، فيكون ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ عائدًا على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لكن على وجه التبيين والتفصيل، أما إذا قلنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قسم مستقل، و﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من الذين هادوا والنصارى والصابئين، فلا إشكال، وقلنا: إن الأصل في الكلام الأرجح أن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يعود على الأصناف الثلاث؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس، والإيمان إذا أطلق فالمراد به الإيمان بما يجب الإيمان به، من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب وغير ذلك. وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذه كفالة من الله عز وجل، وضمان والتزام بهذا الأجر، أجر ما هو ضايع ما يُدرى من عنده، معلوم عند من، عند؟ * طالب: ربهم. * الشيخ: عند الله سبحانه وتعالى الذي لا يخلف وعده، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم ٦]. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الخوف هو الهم، أيش؟ مما يستقبل، والحزن: الغم على ما فاتك، هذا الفرق بينهما؛ ولهذا يقال لمن أصيب بمصيبة: حزِن ولّا خاف؟ * طالب: حزِن. * الشيخ: حزِن، ويقال لمن يستقبل أمرًا مرعبًا أو مروعًا يقال؟ * طالب: خاف. * الشيخ: خاف، إذن الخوف: الهم مما يستقبل، والحزن: الغم مما فات، يغتم الإنسان بسبب ما فات عليه من محبوب أو حصل له من مكروه. * طالب: الغم ما قيل: إنه في الحاضر؟ * الشيخ: لا، الغم على المستقبل، الهم هو اللي يكون في الحاضر والمستقبل، هممت بالشيء، وألقيت همتي به، أما الغم فهو عبارة عن شيء يطبق على القلب، فيغتم به.. * الطالب: مما يقع. * الشيخ: مما مضى، الغم مما مضى، والهم بما يستقبل. وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ منين؟ من كل ما يخاف في المستقبل، من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى من الدنيا؛ لأن الكافر يحزن على ما مضى من الدنيا ويتحسر ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٦]، حزن وتحسر، فهم ما يحزنون على ما مضى؛ لأنهم قد اغتنموه بطاعة الله سبحانه وتعالى، ولا يخافون من أمر مستقبل، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ثم ذَكَّرهم الله تعالى -ذَكَّر بني إسرائيل بأمر أخذه عليهم- فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة ٦٣] يعني: اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، الميثاق: العهد الثقيل المؤكد، وسمي بذلك من الوِثاق، وهو: الحبل الذي يشد به المأسور، الحبل الذي يشد به المأسور يسمى: وثاقًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد ٤] أو ﴿الوِثَاق﴾، فالميثاق هو العهد الثقيل الذي يؤخذ على الإنسان، مأخوذ منين؟ من الوثاق، وهو الحبل الذي يشد به الأسير فيربطه. ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ﴾ أي: فوق رؤوسكم، لكن ما هو مباشرة، فوق. الطور: هو الجبل المعروف، رفعه الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل لما تهاونوا بطاعة الله سبحانه وتعالى إنذارًا لهم، وقال لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ خذوه يعني: اقبلوه واعملوا به، ﴿بِقُوَّةٍ﴾ وأيش المراد بقوة هنا؟ الحزم والتنفيذ، يعني معنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بحزم وتنفيذ وتطبيق، وأيش ضده؟ ضده أن الإنسان يأخذه أخذًا ضعيفًا متساهلًا، فالمعنى: خذوه أخذًا مصحوبًا بقوة؛ ولهذا نعتبر أن الباء في قوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ للمصاحبة، والقوة الحزم والنشاط، وضده الكسل والتراخي، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. وقوله: ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أي: أعطيناكم، منين؟ من التوراة، من الكتاب، الذين آتيناهم الكتاب، يعني: خذوا هذا الكتاب التوراة التي جاء بها موسى ﷺ بقوة. ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يعني: لا تهملوا شيئًا منه، وقوله: ﴿مَا فِيهِ﴾ (ما) اسم موصول يفيد؟ العموم، إذن: كل ما فيه اذكروه واعملوا به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (لعل) هذه معناها: التعليل، أي: لأجل أن تتقوا الله عز وجل، فالأخذ بهذا الذي آتاهم الله سبحانه وتعالى على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، فالطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه، كلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى، وبالعكس المعاصي، المعاصي توجب وحشة بين العبد وبين الله عز وجل ونفورا -والعياذ بالله- ويجر المعاصي بعضها بعضًا؛ ولهذا سبق لنا أن الله قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة ٦١]. إذن: وجه كون سبب الأخذ بكتاب الله سببًا للتقوى، وجه ذلك: أن الطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الإنسان إذا ذاق طعمها ووصلت إلى قلبه اشتهاها وطلبها وصار يتقدم، مثل طالب العلم إذا أدرك العلم ونال منه شيئًا تجده -يعني- يكون نهم؛ ولهذا قال بعض العلماء: طالبان منهومان: طالب الدنيا، وطالب العلم. وكذلك في الحقيقة طالب العبادة؛ فإنه دائمًا مشغوف بالعبادة. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٤] بعد هذا الإنذار وكون الجبل فوقهم، في ذلك الوقت خضعوا وخشعوا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]، هم في تلك الساعة هرعوا إلى السجود وسجدوا، ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى هذه الأمة، وهو سجود مائل، تجده يسجد ولكن رافع إحدى عينيه، وقالوا: إن هذا السجود؛ سجدنا لله سبحانه تعالى على وجه التخويف فلا نزال نسجد به. فكان هذا سجودهم، هذا هو سجود اليهود. * طالب: يعتبرونه قربى؟ * الشيخ: إي نعم، يعتبرونه قربى، وفي الحقيقة إن له نظيرًا في هذه الأمة وهو الكسوف، فإن الكسوف في الحقيقة خروج عن العادة الطبيعية، والقمر يكون بين الأرض وبين الشمس، أو الأرض تكون بين الشمس والقمر؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (1059)، ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فالله سبحانه تعالى في بني إسرائيل جعل آية الإنذار أعظم من هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة أقرب إلى قبول الحق والخوف من بني إسرائيل، فيخافون بهذا الكسوف، لكن بني إسرائيل ما يخافون بهذا الكسوف، ما يهبهم إلا جبل يعرفونه رفع فوقهم كأنه ظلة. ومع الأسف إننا الآن فينا من شابه اليهود في هذه المسألة، وصاروا لا يتعظون بالكسوف، ما يتعظون إلا إذا رفعت الجبال فوق رؤوسهم -والعياذ بالله- وإلا فالواجب أن يعرف الإنسان ويش اللي أخرج هذا عن مجراه الطبيعي إلى أن صار بهذا الوضع، لو اجتمع العالم كلهم على أن يكسفوا الشمس أو أن يخسفوا القمر ما استطاعوا، فما الذي أخرجه إلا الله سبحانه وتعالى لأجل الإنذار والتخويف، وعلى قول من يقول بدوران الأرض، يقولون: إن حركة الأرض هي التي اختلت، فما يدرى لعل هذه الحركة، هذا الاختلال اللي حصل بها يؤدي إلى دمارها، وإلى خسوف وزلازل أعظم، إذن يجب علينا أن نخاف. فعلى كل حال أقول: إن هذا التخويف العلوي كما كان في بني إسرائيل كان في هذه الأمة. يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: أعرضتم وأدبرتم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟ * طالب: رفع الجبل. * الشيخ: رفع الجبل، ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ بعد هذه الإنابة وقت رفع الطور توليتم ولم تذكروها، ما ذكرتم أن الذي خوفكم بهذا الجبل أنه قد يعيد عليكم ذلك مرة أخرى. ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ﴾، (فضل) ويش إعرابه؟ مبتدأ، وخبره محذوف وجوبًا، كما قال ابن مالك: وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ...................... يعني: ولولا فضل الله عليكم موجود، وإنما وجب حذفه اكتفاء بجواب لولا، ﴿لَكُنْتُمْ﴾ هذا جواب (لولا)، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما نوع هذا الفضل والرحمة؟ هو إرسال الرسل والنبيين إلى بني إسرائيل بعد رفع الطور، فإن الله ما تركهم، بل أرسل إليهم الرسل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤]، إذن فضل الله هنا بأي شيء؟ بإرسال الرسل الذي هو مقتضى رحمته؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن الخلق لا يستقلون بمعرفة عبادة الله سبحانه وتعالى؛ فلهذا أرسل إليهم الرسل يرشدونهم ويبينون لهم. ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ اللام هذه واقعة في جواب (لولا) ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة؛ لأن أخسر الناس هم الكفار، ما استفادوا من دنياهم ولا من آخرتهم، إذن ففي هذا إثبات يعني: أن الله تفضل على بني إسرائيل ورحمهم (...)؟ * الطلبة: بإرسال الرسل. * الشيخ: بإرسال الرسل الذين يذكرونهم ويعظونهم ليرجعوا إلى الله. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] قوله: ﴿لَقَدْ﴾ اللام موطئة للقسم، وعلى هذا فالجملة؟ * طالب: مؤكدة. * الشيخ: مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي؟ * الطالب: القسم المقدر واللام وقد. * الشيخ: القسم المقدر واللام وقد، يعني: (ولقد) أصله؟ والله لقد. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ علمتم علم يقين وعرفتموهم المعرفة التامة، ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لبني إسرائيل، و﴿اعْتَدَوْا﴾ بمعنى تجاوزوا الحدود وطغوا. وقوله: ﴿فِي السَّبْتِ﴾ أي: في حكم يوم السبت، وهو معروف: اليوم الذي بعد الجمعة، وهذا اليوم كان الله تبارك وتعالى حرم فيه العمل على بني إسرائيل، وحرم عليهم صيد السمك في ذلك اليوم؛ لأجل أن يتفرغوا للعبادة؛ لأنهم هم الذين اختاروا أن يكون يوم السبت لهم، فكان لهم يوم السبت، هذا اليوم الذي اختاروه لأنفسهم حرم الله عليهم فيه العمل وصيد السمك، ثم ابتلاهم سبحانه وتعالى بما حرمه عليهم، فيسره لهم في ذلك اليوم تيسيرًا بالغًا، فكان السمك إذا كان يوم السبت جاء على الماء شُرَّعًا، ويش معنى شُرّع؟ * طالب: ظاهر. * الشيخ: طافيًا ظاهرًا من كثرته، وغير يوم السبت ما يرونه، وهذا لا شك أنه ابتلاء وامتحان من الله سبحانه وتعالى يمتحن به العباد، قد ييسر لهم المعاصي وأسباب المعصية تيسيرًا أكثر من أسباب الطاعة والخير؛ لأجل الامتحان والابتلاء، هؤلاء القوم ما صبروا على هذا البلوى -والعياذ بالله- فاتخذوا حيلة، وحفروا حفرًا إلى جانب البحر، وجعلوا بين هذه الحفر وبين البحر نهرًا، يعني: ساقية، إذا جاءت الحيتان شُرّعًا ضرب بها الهواء وأدخلها مع هذا النهر إلى هذه الحفر، فإذا هبط الهواء ما استطاعت هذه الحيتان أن ترجع؛ لأن النهر ضئيل ما تتمكن من المشي معه ربما يزول بالكلية، فصاروا إذا كان يوم السبت جاءت الحيتان وسقطت في هذه الحفر، وإذا كان بالليل أو من الغد جاؤوا وأخذوها، فقال لهم فقهاؤهم: كيف تأخذون وقد حرم عليكم؟ فقالوا: نحن ما صدناه إلا يوم الأحد، ما صدناه يوم السبت، حيلة، حيلة ظاهرة، ولَّا لا؟ هو صحيح أنهم ما صادوا إلا يوم الأحد، لكن فعلوا السبب الذي يصطادونه به متى؟ * الطلبة: يوم السبت. * الشيخ: يوم السبت، إذن ففي الحقيقة أنهم صادوا يوم السبت، ولما كانت هذه -والعياذ بالله- الحيلة ظاهرها السلامة، وحقيقتها؟ * طالب: التورط. * الشيخ: التورط بالمحرم، يعني: ظاهرها الصحة والحلال، وباطنها الفساد والحرام، ماذا عوقبوا؟ عوقبوا بأن كانوا كالآدميين في الظاهر، لكنهم في الباطن سباع ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ أي: للمعتدين، ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ للذين اعتدوا، ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قردة جمع قرد، وهو معروف، و﴿خَاسِئِينَ﴾ مبعدين -والعياذ بالله- مبعدين عن رحمة الله، فقلبوا إلى حيوان أشبه ما يكون بالإنسان، كما أن فعلهم أشبه ما يكون بالفعل الصحيح الحلال وهو حرام باطنًا، فكان الجزاء من جنس العمل. في سورة المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠]، هل إن هؤلاء أهل القرية كانوا خنازير ولّا قردة؟ ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ في سورة الأعراف ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٣ - ١٦٦]، فيها آية ثالثة؟ المائدة: ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾، فأنا ما رأيت أن أهل القرية هؤلاء كانوا قردة وخنازير إنما كانوا قردة، كانوا قردة فقط، مع أن بعض المفسرين قالوا: إن أهل هذه القرية صاروا إلى قردة وخنازير، فصار شبابهم قردة، وشيوخهم خنازير، ولكن هذا يحتاج إلى أن يثبت هذا بدليل شرعي، وإلا فالآية هنا وفي الأعراف ما ذكر الله فيها إلا أنهم كانوا قردة، ويكون الخنازير قومًا آخرين مسخوا، والعياذ بالله من ذلك. وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ هذا القول ﴿كُونُوا﴾، ﴿قُلْنَا﴾ ﴿كُونُوا﴾، هذا الأمر أمر كوني ولّا شرعي؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني، هل يمكن أن يوجه على أنه أمر شرعي؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، ما يمكن، ولََّا لا؟ لأن الإنسان ما يقدر يقلب روحه، يقدر يقلب روحه؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يقدر، فهو إذن أمر كوني، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، (كن) هذا أمر كوني ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أمر كوني. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. أولًا: هذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، وهذه القرية التي اعتدوا فيها لا شك أنها على البحر؛ لقوله: ﴿كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، قيل: إنها أيلة، وقيل: غيرها، المهم ما يهمنا اسمها، يهمنا موقعها أنها على البحر. ثانيًا: أن أهلها انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم اعتدى وتحيل على محارم الله، وقسم اعتدل ونهى عن التحيل على محارم الله، وقسم ثالث سكتوا، بل إنهم ثبطوا؛ فإنهم قالوا للذين ينهون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، فأجابوهم بأن لا بد فيه من فائدتين أو فائدة واحدة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾، لا شك أن الذين ينهون عن السوء نجوا، أو لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: وأن الذين اعتدوا قلبوا، بقينا بالذين سكتوا ما نهوا ولا اعتدوا، ما شأنهم؟ * طالب: قلبوا. * الشيخ: تجزم ها الجزم السريع؟ * الطالب: إي نعم، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾. * الشيخ: إيه، لكن ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾. * طالب: باقي الجنس. * الشيخ: ما يخالفه، بس الثاني ما عتوا عما نهوا عنه؟ * الطالب: هذه الضمائر ترجع لأهل هذه القرية.. * الشيخ: الساكتين لم ينكروا لكن هل نهوا؟ * الطالب: إي نعم، عتوا في أنهم لم ينهوا. * الشيخ: انتظر، ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ هذا المعتدون، ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ ﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟ * طالب: من الذين اعتدوا. * الشيخ: من الذين اعتدوا؟ يعني: كأن بعض إخوانهم -بعض المعتدين- قال للذين ينهون: لا تنهون، وهم من المعتدين؟ * طالب: لا، هم من الساكتين؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم يقولون لهم.. * الشيخ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ أهل القرية ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟ من المعتدين ولّا من أهل القرية؟ * الطلبة: من أهل القرية. * الشيخ: من أهل القرية؟ ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ أهل القرية، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يخاطبون الذين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، يخاطبون الذين نهوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ أي: الواعظون.. * طالب: هذا القول اللي قالوه يدخلهم في الطائفة الأولى؟ * الشيخ: نشوف؟ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم ما قالوا يبررون الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ﴾، ما قالوا يبررون فعل المعتدين، قالوه يائسين منهم، يعني: هم قالوا هذا ما به فائدة، هذا ما يوقف العذاب ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، ما قالوا: لم تعظونهم لأنهم ما فعلوا شيئًا، لو كانوا كذلك لقلنا: إنهم راضون بفعلهم، لكن هم في الحقيقة مثل ما يوجد الآن، من الناس من ييأس: لأيش تنصح هذا؟ هذا ما به فائدة، هذا ما الله هاديه. هذا موجود الآن، هم قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يعني: فلا فائدة من نصحهم، أجاب هؤلاء: بأننا ما نيأس، عندنا فائدة محققة، وهي المعذرة إلى الله عز وجل ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه مسألة محتملة؛ فإن الله يهدي قومًا من أضل الناس ويردهم إلى الحق، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، ﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، من؟ * الطلبة: المعتدون. * الشيخ: المعتدون، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الذين ينهون عن السوء، وسكت عن الباقين. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، من الذين ظلموا؟ * طالب: كلهم، اللي سكتوا واللي فعلوا. * طالب آخر: يا شيخ، اللي ظلموا أليسوا قد نهوهم وأيسوا فيدخلون بمن نهوا عن السوء؟ ما أيسوا إلا قد فعلوا السبب. * الشيخ: ما ندري عاد، خلوا نشوف المسألة حقيقةً تخالف فيها ابن عباس ومولاه، فنشوفها، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذه يقينا في الفاعلين ما هي في الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فالذين قلبوا قردة الآن؟ * طالب: المعتدين. * الشيخ: المعتدون، ولَّا لا؟ ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنحن الآن بقينا بالذين ظلموا، هل الساكتون ظلموا فيكون داخلين، أو أن الذين ظلموا هم الذين اعتدوا؟ إنما نحن الآن، أنا أتيقن من سياق الآية -والله أعلم- أن الذين سكتوا ما قلبوا قردة خاسئين. * طالب: أخذوا بعذاب. * الشيخ: أخذوا بعذاب بئيس، إنما أنهم قلبوا قردة، الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا في السبت فقط، الذين اعتدوا في السبت هم الذين قلبوا بلا شك، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾؛ ولهذا بعض العلماء يقول -كما قلتم أو كما قال الأخ-: إن الذين سكتوا عذبوا، ولكن يجب على هذا القول أن لا يقال: إنهم عذبوا بأن قلبوا قردة خاسئين؛ لأن الآيات صريحة في أن الذين قلبوا قردة الذين اعتدوا فقط، لكن أخذوا بأيش؟ * طالب: بعذاب. * الشيخ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ ما بينه الله، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، هذا إن دخلوا في لفظ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فإن لم يدخلوا فيه، فلا أخذوا بعذاب بئيس؛ ولهذا لو قال قائل: إن السلامة أن تسكت عن الذين سكتوا وتقول: هم ثلاثة أصناف: صنف نجوا يقينًا، وصنف عذبوا يقينًا، وصنف لم يتبين لنا أمرهم. ولا شك من حيث القواعد -قواعد الشريعة الإسلامية-: أن هؤلاء الذين سكتوا إن كانوا مقرين لهم فهم مثلهم، كانوا مقرين ويصير وجه عدوانهم إقرارهم للمنكر، وإن كانوا غير مقرين لهم -وهو الظاهر- ولكنهم آيسون منهم، فإنه لا يلحقهم عذابهم، ولكن قد يعذبون بسبب أنه يجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، سواء امتثل المأمور وارتدع المنهي أو لا، هذا الواجب؛ ولهذا هؤلاء العقلاء الأكياس -جمع كَيِّس- ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وحقيقة إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون، حتى وإن لم يأتمر المأمور ولم ينته المنتهي؛ لأن فيه فائدتين عظيمتين هما: المعذرة إلى الله عز وجل، والثاني: أنه يحتمل أن يتقوا الله، وأنا أقول أيضًا: فيه فائدة ثالثة وهي: أن يعرف أن هذا منكر، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأننا لو سكتنا قلنا: والله ما نقدر الآن إن نحن نعمل، ولو أمرنا ما امتثل لنا، معناه: إذا سكتنا جاء أناس بعدنا أو في عصرنا وقال: هذا الناس يفعلون أمام العلماء ما قالوا شيء، وكم من أمور الآن يحتج بها علينا وعلى غيرنا بأن العلماء كنا نفعله وفلان حي ولا يقول شيء، هذا واضح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إلى الآن، فيه في الحقيقة ثلاث فوائد: المعذرة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيان أن هذا منكر، والثالث: لعلهم يتقون. * طالب: ويش المؤكدات ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾؟ * الشيخ: فيه: اللام وقد. * طالب: السبب؟ * الشيخ: يعني: السبب أنه أكده؟ السبب لأجل إقامة الحجة عليهم. * الطالب: هم منكرين للحجة؟ * الشيخ: لا لا، سواء أقروا ولّا أنكروا، لكن فعلهم وإنكارهم للرسول ﷺ وتكذيبهم إياه فعل منكر؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾، فإذا كانوا عالمين بهؤلاء وأنهم أصيبوا بهذه المصيبة لعدوانهم، فما بالكم تعتدون الآن وتكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام وأنتم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم. * طالب: شيخ، ما هو الصواب؟ * الشيخ: أنا أتوقف فيه والله أعلم، الله أعلم، وإن حكمت فأنا أحكم أنهم أخذوا بعذاب بئيس لا أنهم قلبوا قردة. * الطالب: ما يقال: الذين اعتدوا أن العذاب البئيس لهم أيضًا؟ قلبهم قردة عذاب لهم؟ * الشيخ: نعم نعم، أخذوا بعذاب بئيس وقلب القردة؛ لأنهم بلا شك هم داخلون في الذين ظلموا، الذين اعتدوا هم أول من يدخل في قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. * طالب: العذاب البئيس ما يكون نفسه هنا قلب القردة؟ * الشيخ: لا، هذا منه، هذا من العذاب البئيس. * طالب: (...) اليائسين كانوا قردة؟ * الشيخ: إيه؛ لأنهم قالوا: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وعقلًا ما راح أن أحد يقر إنسان ويرضى بفعله وهو يعلم أن فيهم. * طالب: (...). * الشيخ: (...) أبدًا، تعرف أن فعل هذا الرجل سبب للهلاك وترضى به؟ ما يمكن. * طالب: شيخ قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هذا صحيح (...)، لكن قوله حصر سبحانه وتعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، هذا ما هو واضح؟ * الشيخ: بس هو بالمفهوم. * الطالب: مفهومه أن من لم ينهوا.. * الشيخ: أن من لم ينهوا لم ينجوا، ومفهوم ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؟ * الطالب: مجمل. * الشيخ: مفهومه؟ * الطالب: مفهومه أن الذين لم يظلموا لم يؤخذوا بعذاب. * الشيخ: هذا واحدة، ومفهوم ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾: أن من لم يعتد في السبت؟ لم يقلب قردة وخنازير، إذن عندنا قلب القردة ما يمكن يكون وارد على الساكتين، والإنجاء ما يمكن وارد على الساكتين أيضًا ولَّا لا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأنهم أنجينا الذين ينهون عن السوء، بقينا في أخذهم بالعذاب البئيس هل هم داخلون في الذين ظلموا لعدم قيامهم بما يجب من إنكار المنكر؟ فيكون أخذوا بعذاب بئيس ما بينه الله، أو أنهم ما ظلموا ولم يؤخذوا بالعذاب البئيس، ونسكت عنهم نقول: الله أعلم؟ يعني: نحن الآن نتأكد أنهم ما نجوا ولا أخذوا قردة خاسئين، ما أخذوا بهذا العذاب، بقينا في العذاب البئيس، هذا العذاب البئيس متى يتحقق عليهم؟ إذا تحقق أنهم ظالمون. * الطالب: بس إن سكتنا ما نكون تركنا مفهوم ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ﴾؟ * الشيخ: لا، لأن عندنا منطوق، وله مفهوم معاكس. * طالب: النصوص العامة. * الشيخ: على كل حال، الحمد لله أن المسألة هذه ما هي بذات أهمية بالنسبة لنا، يعني ما يترتب عليها، حتى الحكم الشرعي بالنسبة للشريعة الإسلامية واضح في المسألة، الحكم الشرعي في الشريعة الإسلامية واضح، وهو أنه يجب إنكار المنكر، يجب مع القدرة أن الإنسان ينكر المنكر، ولكنه لا يجب أن يغير المنكر؛ لأن هناك يجب أن نعرف أيضًا الفرق بين الإنكار وبين التغيير، التغيير معناه إزالة المنكر، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا واجب على كل حال؛ لأنه من جنس التبليغ، عندنا ثلاث مراتب: تبليغ وأمر وتغيير، وكل واحد غير الثاني، بعض الناس يظنون أن المعنى واحد والأمر مختلف؛ لأن التغيير إنما يكون بالسلطة والأمر، يعني: بسلطة التنفيذ، مثل الأمراء يغيرون ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الأمير يقدر يغير يضرب أو مثلًا يريق الخمر، واضح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أو يقول، يقول، إن لم يستطع فبلسانه، لكن هو ما يستطيع يغير بيده، يغير بلسانه يأمر غيره، وغيره، أما مسألة الإنكار فهو واجب على كل أحد مع القدرة، كما هو معروف، والتبليغ أبلغ؛ لأن التبليغ يجب عليك لو ما رأيت المنكر، يجب عليك تقول للناس مثلًا: الزنا محرم، والسرقة محرمة، وشرب الخمر محرم، لو ما كانوا يشربونه، هذا التبليغ، والأمر بالمعروف يكون عند إضاعة المعروف، التبليغ يجب عليك تقول: الصلاة واجبة أو لا؟ صلاة الجماعة واجبة، والوضوء من كذا واجب، إلى آخر الواجبات، بلغها، الأمر، متى تأمر بها؟ إذا رأيت من تخلف عن فعلها، واضح؟ المنكر يجب تبلغ الناس أنه منكر، لكن متى تنهى عنه؟ طالب: (...) ذكره الله سبحانه وتعالى أنه لا تخرج الأسماك على ظهر الماء إلا (...) فيها الأسماك بكثرة، فهم أرادوا أن يحتالوا على الله سبحانه وتعالى، (...) صادوا شباكًا تدخل فيها الأسماك فتصيبها، ثم يأتون يوم الأحد، ويأخذون هذه الأسماك، فهم احتالوا على الله الحيلة. * الشيخ: هي كيف الحيلة؟ * الطالب: الحيلة بأنهم اصطادوا الأسماك في يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: يضعون شبكًا تدخل فيه، فهم الصيد حصل يوم السبت وكانوا أخذوا يوم الأحد. * الشيخ: هذه (...) حيلة. * طالب: (...) أنهم فتحوا الترع من خارج البحر، وجعلوا لها سواقي، فالموج يأتي ويدفع بالماء المحمل بالسمك، ويدخل داخل هذه السواقي فتسقط في الترع، ثم في اليوم الثاني تنحسر الماء، ويبقى السمك لا يستطيع الرجوع ويأخذوه يوم الأحد. * الشيخ: إي نعم، هاتان صفتان بعضهم قال: إنهم يضعوا شباكًا تدخل فيه السمك في يوم السبت ولا تخرج منه، وبعضهم يقول: لا، إنهم يفتحون السواقي على مجتمع من الماء، ثم تدخله الأسماك، فبهذا الفعل يعتبر؟ ويش الحكم، حلال ولَّا حرام؟ * طالب: لا، حرام. * الشيخ: كيف حرام؟ هم ما صادوا إلا يوم الأحد. * الطالب: إنهم صادوا يوم السبت واحتالوا بأنهم صادوا يوم الأحد، لكن الصيد حصل في يوم السبت. * الشيخ: إي نعم، يعني حيلة هذه؟ * الطالب: هذه حيلة. * الشيخ: هذه حيلة، والحيل محرمة؟ * الطالب: والحيل محرمة. * الشيخ: هل العقوبة من جنس الفعل؟ * طالب: العقوبة (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: لأنهم عوقبوا بأن مسخوا قردة، فصارت أشكالهم أشكال الحيوانات (...). * الشيخ: أو أقرب ما يكون من الإنسان؟ * الطالب: إي نعم، وهو أقرب ما يكون. * الشيخ: أقرب ما يكون للإنسان في الظاهر، نعم، وعملهم هذا أقرب ما يكون للحلال، ولكنه في حقيقته حرام، وهكذا القرود ظاهرها أنها تشبه الآدمي؛ لأنها تفهم، حتى إنهم يقولون: إنه قد يحصل اجتماع جنسي بين القرد والمرأة أحيانًا، يشتهيها كما يشتهيها الرجل، ولكنهم في الحقيقة، حقيقتهم أيش؟ حيوان، بهائم. انقسم أصحاب هذه القرية إلى كم؟ * طالب: إلى ثلاثة أقسام: ناس اعتدوا، وأناس نهوا عن المنكر، وأناس سكتوا. * الشيخ: سكتوا، الذين سكتوا هل كان لهم دور؟ * طالب: الذين سكتوا قالوا: كفوا عن ناس الله سبحانه وتعالى معذبهم. * الشيخ: ﴿مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾. * الطالب: ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾. * الطالب: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾. * الشيخ: الغرض من هذا القول النهي عن موعظتهم أو أيش؟ * الطالب: الظاهر أنه النهي عن الفعل (...) يئسوا من رحمة الله. * الشيخ: أيش قولك؟ * طالب: الظاهر أنهم يئسوا من الاستجابة. * الشيخ: يعني: ما قصدهم النهي، يعني: ما قصدهم أنهم رضوا بالمنكر؟ * الطالب: ما رضوا. * الشيخ: ما رضوا بالمنكر. * الطالب: لكنهم يئسوا. * الشيخ: لكنهم يئسوا، وقالوا: كيف تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا؟ والدليل على أنهم ما رضوا بالمنكر أنهم ذكروا عقوبتهم ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف ١٦٤]. * طالب: هذا يعتبر تثبيط؟ * الشيخ: فيه نوع من التثبيط ما فيه شك، فيه نوع تثبيط، وقد يكون إنهم لما أيسوا أنهم ظنوا أن التذكير ما يجب إلا إذا نفع، كما في قوله تعالى : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]. * الطالب: (...). * طالب: الطائفة الثالثة فيها اختلاف (...) بين حال الطائفة التي اعتدت، وحال الطائفة التي. * الشيخ: نهت، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف ١٦٥]. * الطالب: فالطائفة الثالثة فيها اختلاف، هل هي تدخل في الذين ظلموا، أو أن الله عز وجل سكت عنها فنسكت عنها كما سكت، (...) أنها تدخل مع الظالمين (...). * الشيخ: يعني: حتى إذا قلنا: إنه أخذت الثالثة فهم أخذوا بعذاب بئيس؛ لأن الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة ٦٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٦]. وحينئذٍ يبقى النظر: هل تدخل الطائفة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ في قوله: ﴿أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾؟ أو ما تدخل؟ قلنا: إن فيها خلافًا بين أهل العلم؛ لأن الله تعالى ذكر طائفتين ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فصار عندنا منجَّى ومؤاخذ ومقلوب، المقلوب قطعًا هي الطائفة الثالثة المعتدية، والناجي الطائفة الناجية هذه واضحة، بقين: الذين ظلموا هل هم داخلون أو لا؟ كان نقول: ما يدخلون قطعًا؛ لأنهم ما هم بظالمين، لكن لما قال: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ قد يقول قائل: إن مفهوم ينهون هو قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن الله جعله قسيمًا له، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فجعلهم قسيمًا له، وقسيم الذين ينهون عن السوء يشمل النوعين، الطائفتين: المعتدية، والتي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، ونحن نقول: الحمد لله، ما هو هذا الشيء من الأمور التي يلزمنا أن نرجح، نقول: الله أعلم، إذا ما تبين لنا ظاهرًا من القرآن فنقول: الله أعلم. ثم قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة 66] ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ اختلف في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ على من يعود الضمير في (ها)، (جعلناها) هل هي القرية لقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾، ويكون مرجع الضمير مفهومًا من السياق؟ أو هي عائد على العقوبة؟ فجعلنا العقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: هذه العقوبة. نمشي على الأول: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: هذه القرية، ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ويش معنى النكال؟ التنكيل بمعنى أن يعامل الإنسان بما لا يمكنه أن يرجع إلى ما عوقب به، نكلته يعني: عاملته بعمل لا يمكنه أن يرجع إلى ما عاقبته به، فقوله: ﴿نَكَالًا﴾ يعني: جعلناها عقوبة تنكل ما بين يديها وما خلفها، أي: تمنعهم من أن يعودوا إلى نفس هذا العمل. وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ إذا قلنا: ضمير (ها) يعود على القرية، ويش معنى ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾؟ ويش يقصد بها؟ ما بين يديها من القرى وما خلفها، يعني: ما كان قريبًا منها؛ لأنهم علموا بها، وسينتهون. وقيل: إن المراد: لما بين يديها زمنًا لا مكانًا، ولكن فيه إشكال؛ لأننا إذا قلنا ما بين يديها هو مستقبلها، فكيف يصح أن يكون ما خلفها ينكل وقد مضت؟ أوما فهمتم؟ عندنا الآن: ما بين يديها مكانًا، أو ما بين يديها زمانًا، إذا قلنا: مكانًا، فالأمر واضح ولا فيه إشكال، إذا قلنا: زمانًا، فإن فيه إشكالًا؛ لأنك إذا جعلت ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مستقبلها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ ماضيها، لم يصح أن تكون نكالًا لماضيها؟ ويش السبب؟ لأن الذين مضوا ما هم منتفعين بها، مضوا وانتهوا، ولكنهم قالوا: إننا نجيب عن هذا الإشكال بأن نجعل ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ للحاضرين في عصرهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لما بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩]، فالخلف والوراء قد يراد به الأمام، المستقبل، وعلى هذا القول ما يكون فيه إشكال، لا يكون فيه إشكال. فأيهما أعم: أن تُجعل نكالًا لما حولها من القرى، أو نكالًا لمن في عصرها ومن بعدهم؟ * الطلبة: الثانية أعم. * الشيخ: الثانية أعم، نعم؛ لأن كل من يأتي بعدك فهو خلفك، ولَّا لا؟ فمن يأتي بعدك فهو خلفك، فعلى هذا يكون القول الثاني أرجح: أن المراد بما بين يديه والخلف زمنًا لا مكانًا، وتكون هذه العقوبة نكالًا لمن كان في عصرهم ومن كان بعدهم إلى يوم القيامة. هذا إذا قلنا: إن الضمير في (ها) يعود على القرية، وفهمتم الإشكال الذي يرد على هذا القول، ويش الإشكال الذي يرد على هذا القول؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: العقوبة. * الشيخ: إن (ها) تعود على القرية، وفيه إشكال وأجبنا عنه. * طالب: الإشكال على القرية؟ * الشيخ: الإشكال على القرية: إنه لم يسبق لها ذكر، ما سبق لها ذكر، قولوا ما سبق لها ذكر، لكن أجبنا عنه شو هو؟ * طالب: بأنه مفهوم. * الشيخ: بالسياق، مفهوم من السياق، بدليل قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. إذا قلنا بأن الضمير (ها) يعود على العقوبة، فجعلنا هذه العقوبة ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، يصير المراد: لما بين يديها وما خلفها من الأعمال، لا من الزمان ولا من المكان، يعني: جعلنا هذه العقوبة تنكِّلهم عما بين يديها من المعاصي وما خلفها، يعني: المعاصي اللي سبق أن فعلوها ما يفعلوها، ما يفعلونها، والمعاصي المستقبلة أيضًا ما يفعلونها؛ لأنهم كلما تذكروا هذه العقوبة خافوا منها، فهمتم ولَّا لا؟ ونحن قد ذكرنا فيما مر: أنه إذا كانت الآية القرآنية تحتمل معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما، وإذا كانا يتنافيان وجب الترجيح، فيعمل بالراجح، فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولَّا لا؟ مرت علينا هذه القاعدة وهي نافعة في التفسير، وفي الحديث أيضًا، أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين أيش؟ * طلبة: وجب، لا يتنافيان. * الشيخ: لا، لازم من شرط: لا يتنافيان، وجب حملها عليهما؛ لأن كلام الله أوسع من مفهومنا، وإذا كانا يتنافيان -يعني: كالضدين والمتناقضين مثلًا- فإنه لا يمكن أن نحملها على معنيين متضادين، تحمل على الراجح منهما إن وجد مرجح، فإن لم يوجد مرجح وجب علينا أن نتوقف. * طالب: ذكرت أنه إذا كانت هاء الضمير تعود على العقوبة ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، يعني: إذا أرادوا أن يفعلوا معصية تذكروا هذه العقوبة؛ لأنه هو نزل فيهم العقوبة وأصبحوا قردة مع الحيوانات، فكيف تذكروا؟ * الشيخ: إي نعم، هؤلاء القردة ماتوا صحيح، هذا وارد، لكن هؤلاء الجماعة ثلاثة أصناف: صنف سكتوا، وصنف نهوا، وصنف اعتدوا فقلبوا قردة وماتوا، هؤلاء الأصناف الآخرين الذين بقوا، يعني يَرِد عليهم أن يخطئوا فيعصوا الله، أليس كذلك؟ يمكن أن يخطئوا فيعصوا الله، ولكن يذكرون هذا الشيء فيمتنعون منه. * طالب: (...). * الشيخ: عملًا، لكن الأخير ما يصح إلا إذا جعلنا (ها) تعود على العقوبة. * الطالب: عودها على العقوبة ماذا يكون المعنى؟ * الشيخ: يكون المعنى: ﴿جَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من الأعمال، يعني: تُنَكِّلُهم عن الأعمال، والمراد جنسهم؛ لأن السؤال الذي أورده الأخ وارد، لكن المراد جنسهم ولَّا اللي انقلبوا قردة ماتوا ما بقوا، فالمعنى أنهم يتذكرون إن أرادوا معصية سبق أن فعلوا جنسها تذكروا فارتدعوا، أو أرادوا معصية جديدة لم يسبق لها فعل جنسها أيضًا تذكروا وتركوا، وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ جعلناها موعظة، أي: مكان اتعاظ، مكان اتعاظ لمن؟ للمتقين الذين يتقون الله، أما الذين قلوبهم قاسية ما عندهم تقوى، فإنهم لا يتعظون بهذه الأدلة، ودائمًا يقيد الله سبحانه وتعالى المواعظ بالمتقين، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وما أشبه ذلك؛ لأن القاسي قلبه لا يلين -نسأل الله العافية- ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. من هذا النوع: ما يوجد الآن في عصرنا، توجد الزلازل والكسوفات والفيضانات والرياح العاصفة، المتقي يتعظ بها ويخاف، ويعلم أن الله أرسلها عقوبة، وغير المتقي لا يلين قلبه ولا يتعظ ويقول: هذه مسائل طبيعية، ما لعقاب الله سبحانه وتعالى فيها أثر أبدًا، هؤلاء ليسوا بمتقين في الحقيقة، وإلا فالزلازل من العقوبات ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، والزلازل رجفة، رجفة في الأرض تزلزل بها ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [العنكبوت ٣٧]. ولهذا بعض الكتبة ما حذروا الناس من هذه الزلازل، ما حذروهم المعاصي، وإنما جعلوا يتكلمون ويقولون: هذه عبارة عن سلسلة زلازل ستمتد إلى جدة وإلى كذا وإلى كذا، أنا ذكروا لي واحدًا أمس يقول: كتبوا في الصحف أنها ستمتد إلى جدة وتروح كذا، وأن أهل جدة أخذهم من الخوف ما غاب وما حضر، وأنهم قالوا: سنرحل إلى مكة؛ لأن مكة ما جاءها زلزال، هكذا قالوا، وواحد حدثني من أهل جدة أمس عندنا يقول: حتى إنها اضطرت وزارة الإعلام أن تكذب هذا الخبر وتخلي ناس من الخبرا يتكلمون بالتلفزيون عن الزلازل وعن جدة ما يجيئها زلازل، وأن الزلازل أكثرها في البحار -من نعمة الله أنها أكثرها تكون في البحار، ما تكون في اليابس- هكذا سمعت ولا ما تبعت الخبر هذا؟ لكن كان الواجب على المسلمين، يا جماعة الواجب عليهم مو بهذا، الواجب أنهم يخوفون الناس مهما قلنا: إنها أسباب طبيعية، فمن الذي قدر أن يكون السبب الطبيعي في هذا الوقت المعين، وفي هذه الأمة المعينة إلا الله، معصيتهم مكتوبة، والطائفة مكتوبة، والزمن مقرر، والمكان مقرر، من قديم في الأزل، لنفرض أن هذه لها أسباب حسية، لكن تقديرها في زمن وفي الأمة التي سكنت على هذا الجزء الذي اهتز؟ هذا مو بتقدير الله؟ بتقدير الله عز وجل، إذن فهذا شيء مكتوب من قبل. هؤلاء كتب عليهم أن يعصوا، ولكن طبعًا معلوم أنهم بين لهم الحق، لو اهتدوا لرفع عنهم العذاب مثل ما رفع عن قوم يونس، قوم يونس أخذهم العذاب لكن آمنوا، فرفع الله عنهم ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨]، ﴿فَلَوْلَا﴾ بمعنى: ما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها بعد أن نزل بأس الله بها إلا قوم يونس. أنا قصدنا: أن المواعظ الشرعية التي تكون بالوحي أو المواعظ الكونية التي تكون بالفعل، بالتقدير، هذه ما ينتفع بها إلا المتقون المؤمنون العارفون بالله، أما غيرهم فلا ينتفعون بها، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قطعة من العذاب تنزل عليهم من السماء ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، نعم، نسأل الله العافية. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧] وهذه من بلايا بني إسرائيل، استمعوا إليه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ قومه إضافة القوم إليه؛ لبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقول لهم إلا ما فيه الخير؛ لأن الإنسان سوف ينصح لقومه أكثر مما ينصح لغيرهم، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينصحون لأممهم عمومًا. * طالب: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً﴾ إذا كان هذا الضمير يعود إلى القرية، فكيف تكون القرية هي الموعظة؟ * الشيخ: قلنا: موعظة: مكان اتعاظ. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة ٦٧] من قومه؟ بنو إسرائيل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالها في جوابٍ ذكره الله في أثناء القصة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٧٢]. قُتِلَ منهم نفس، وقد ذكر المفسرون هنا إسرائيليات كثيرة حول هذا الموضوع، ولكننا نحن لا يعنينا أن نعين من هذا القاتل ومن هذا المقتول، هل هو ابن عم؟ وهل هو يريد ماله؟ وهل هو يريد كذا؟ ما علينا من هذا، نعم، إنما قتلت نفس فَادَّارَؤوا فيها، يعني: تخاصموا وتدافعوا حتى كادت تثور الفتنة بينهم، ولا حاجة بنا إلى أن نعلل لماذا قتل أو لأي غرض، هذا ما هو من شؤوننا؛ لأن القرآن ما تكلم به، ولكن غاية ما يكون أن نأخذ عن بني إسرائيل ما لا يكون فيه قدح في القرآن أو تكذيب له، هم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها واختصموا، كل يدعي أن هؤلاء قتلوه، وكادت الفتن تقوم بينهم، فقالوا: ما حاجة إلى أننا نتقاتل ويُذهِب بعضنا بعضًا، نذهب إلى نبي الله موسى ويخبرنا من الذي قتله، فذهبوا إليه، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ صدّر الأمر من الله، ما قال: آمركم، ولا قال: اذبحوا، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ ليكون أدعى إلى قبولهم وامتثالهم؛ لأنه لو قال: اذبحوا بقرة، قد يتوهم متوهم أن هذا من اجتهاداته، من موسى، لكن إذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ ارتفع إيهام الاجتهاد، ولَّا لا؟ ووجب أن يكون قولًا جادًّا لا هُزْءًا، شوف ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾، ومع هذا اللفظ الصريح ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ -أعوذ بالله- أتهزأ بنا؟ مع أنه أسنده إلى الله، وهذا -والعياذ بالله- من عتوهم، كيف هو نبيهم ويعرفون أنه نبي ومؤمنون به، ويسند الأمر إلى الله، ثم يقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ هل هذا ممكن؟ ما يمكن، لو نسب الفعل إليه لقلنا، وإن كان بعيدًا، لكن قد يكون أنه يريد أن..، لكن هذا بعيد، يعني باعتبار أنه نبي ومعصوم عن أن يهزأ بالخلق ما يمكن يقع، لكننا نقول لهؤلاء تنزُّلًا مع عقولهم: لو أن موسى ﷺ قاله من عند نفسه لقلتم: لعل هذا اجتهاد منه وليس بأمر من الله، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ ثم يقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ ﴿هُزُوًا﴾ هذه مصدر، وهي بمعنى اسم المفعول، أي: أتتخذنا مهزوءًا به، ويجوز أن تكون هزءًا على بابها ويصير المعنى: أتتخذنا ذوي هزء، فحُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، على كل حال هي بمعنى: أتهزأ بنا؟ لكنها أشد؛ لأن اتخاذ الشيء معناه: الاستمرار فيه، اتخذت الشيء، أي: جعلته مأخوذًا لي، كأنه أمر أقبله وأستمر فيه، فهو أعظم من قولهم: أتهزأ بنا؟ يعني: كأنك اتخذتنا ألعوبة، ألعوبة لك، تقول: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؟ ويش علاقة البقرة بهذا المقتول؟ هذا هزء، لكن ماذا أجاب؟ ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، ولم يقل: من المستهزئين ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، والمراد بالجهل هنا ليس ارتكاب الخطأ عن غير عمد، ولكنه ارتكاب الخطأ عن عمد؛ لأن الجهل يطلق على السفه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧]، يعني: أعوذ بالله أن أكون من ذوي الجهل والسفه، فأتخذ عباد الله هزوًا، ولا سيما وأنا أسندت الأمر إلى الله، هذا أمر مستحيل؛ ولهذا استعاذ منه؛ لأنه أمر لا يليق، أولًا: لا يجوز بالنسبة إلى إسناد الأمر إلى الله وهو ليس منه، والشيء الثاني: أنه لا يجوز أن يتخذ الإنسان أحدًا من عباد الله هزوًا، لا سيما في مثل هذا المقام. وفي هذا دليل على أن الهزء بالخلق من السفه. * طالب: لم يقل: من المستهزئين، لأيش؟ * الشيخ: لأجل أن يبين أن الاستهزاء بالخلق أو اتخاذهم هزوًا من الجهالة والسفه. * طالب: أنت قلت شيخنا: الاتخاذ بمعني الاستمرار في الفعل، إذن قول الله عز وجل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف ١٤٨] فهم ما استمروا على ذلك؟ * الشيخ: لا لا، حتى جاء موسى. * الطالب: يعني: ما استمروا طول حياتهم على ذلك. * الشيخ: إي، ما هو لازم؛ لأن الاستمرار بحسب الشيء، ما هو بلازم أنهم يستمروا طول حياتهم، المعنى: أنهم بس مستمرين؛ لأن الفعل يدل على الاستمرار، اتخذت هذا ثوبًا، يعني: معناه بلبسه دائمًا حتى يبلى، وهؤلاء اتخذوه، ولولا أن موسى جاء لاستمروا عليه. * طالب: هزوًا بضم الزاي، ولا؟ * الشيخ: هزوًا بضم الزاي، ما هي عندكم بضم الزاي؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: وعندي فيها قراءتان أيضًا: ﴿هُزْءًا﴾ و﴿هُزُؤًا﴾ ، ثلاثة، عندي فيها قراءتان غير اللي في الأصل. وفيها أيضًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءة التسكين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (...). * طالب: أيش وجهه؟ * الشيخ: وجه هذا التخفيف، ولا ما لها وجه؟ (...) قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ﴾ ﴿أَعُوذُ﴾ بمعنى أعتصم بالله، والاستعاذة ما تكون إلا بالله سبحانه وتعالى، أو بأحد فيما يقدر عليه ولَّا لا؟ إي نعم «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ فَأَعِيذُوهُ» »[[أخرجه أبو داود (٥١٠٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]]. ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إذن، تبرأ من اتخاذهم هزوًا، بل أبلغ من التبرؤ، سأل الله أن يعصمه منه، وأنه أمر جدير بأن يستعيذ المرء منه. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ ما رأيكم لو أنهم ذهبوا وذبحوا بقرة، وامتثلوا ما أمروا به؟ انتهى الأمر؛ لأن (بقرة) مطلقة أيسر، لكن بقرة مطلقة ما فيها أي وصف، لكنهم -والعياذ بالله- شددوا فشدد الله عليهم، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» »[[أخرجه البخاري (٣٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. نعم، كل أمور الإنسان اللي تطلب فيها التشديد تصاب بأشد، حتى في أمور الطهارة، نعم، بعض الناس مثلًا قد يصاب بوساوس، ثم ينفتح عليه ما هو أشد، أو يروح بيغسل ثوبه من شيء فيه شبهة (...) أصيب بنجاسة محققة، فيشتد عليه الأمر، فالحاصل لو أنهم ذبحوا بقرة -أي بقرة كانت- انتهى الموضوع، لكنهم -والعياذ بالله- ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾، شوف هذا الأسلوب الجاهل: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ما قالوا: ربنا، ولا ادع الله، كأنهم بعيدون من موسى ومن ربه سبحانه وتعالى، ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ جعلوه في منزلة المرسول لهم الخادم، نعم، الذي يدعو ربه هو -نسأل الله العافية- وهذا من عتوهم يدلك على أن بني إسرائيل -والعياذ بالله- عندهم عتو، وأن الله سبحانه وتعالى جعل موسى نبيًّا لهم، وأنهم جديرون بأن يكون لهم مثل موسى عليه الصلاة والسلام في القوة. * فوائد في هذه الآية: * أولًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجرًا. * الفائدة الثانية: ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر وهو ثبوت الأجر وانتفاء الخوف والحزن، الخوف من أين؟ مما يستقبل، والحزن على ما مضى. * الفائدة الثالثة: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر، فالذين هادوا والنصارى والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله واليوم الآخر، وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم وهم أكثر أجرًا، لكن لهم أجرهم. * طالب: (...) الصابئون، القول الصحيح فيهم؟ * الشيخ: القول الصحيح أنهم من لا ينتسبون إلى دين في أصلهم، ما ينتسبون إلى دين، فإذا آمنوا بالله واليوم الآخر، يعني: مثل ما جاءتهم رسل ينتسبون إليهم. * الفائدة الرابعة: أن الجزاء قد يختلف بحسب الأمم؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أجرهم، ما قال: الأجر وأطلق، ﴿أَجْرُهُمْ﴾، هذه الأمة يضاعف أجرها، والأمم السابقة لا يضاعف، أليس كذلك؟ إذن ﴿أَجْرُهُمْ﴾ تفيد هذا ولَّا لا؟ تفيد؛ لأنه أضاف الأجر إلى نفس المأجورين، فيعطون الأجر الذي قدر لهم وكتبه الله لهم، إن كان مضاعفًا فهو مضاعف، وإن كان غير مضاعف فهو غير مضاعف. * الفائدة الخامسة: أنه إذا ذُكِر الثناء في الشر على طائفة، وكان منهم أهل خير، فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون (...)؛ لأنه بعد ما قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١] بين أن منهم من آمن بالله واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر، فله أجره ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه من تمام الإيمان بالله: الإيمان بالرسل، والإيمان بملائكته، وكتبه، والقدر خيره وشره، كل هذا داخل في الإيمان بالله؛ لأن الله أخبر عنه. قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٣، ٦٤]. * في هاتين الآيتين: * أولًا: تذكير الله تبارك وتعالى لهذه الأمة –يعني: بني إسرائيل- بما أخذ عليهم من عهد في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وهذا التذكير معناه الالتزام، يعني: فالتزموا بالميثاق، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ : * ثانيًا ، عتو بني إسرائيل حيث لم يؤمنوا إلا من تحت السياط، كما يقولون، لماذا؟ ما آمنوا إلا حينما رفع فوقهم الطور، وقيل: إما أن تأخذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا أسقطناه عليكم، فحينئذٍ آمنوا، وهذا الإيمان في الحقيقة شبه اضطراري، وكل إنسان بيؤمن على الأقل خوفًا من الهلاك. * وفيه أيضًا: دليل على قوة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف ١٧١]، من يحمل جبل الطور؟ ما أحد يستطيع، ما أحد يستطيع من الخلق أن يحمله، ولكن الله تعالى بقدرته حمله وصار كالظلة، الأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله بقدرته، كما أنه جل وعلا يمسك الطير ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك ١٩] إذا صار يقبض تقول: نعم يقبض إذا كان هكذا يدخل الهواء وحمل نفسه، لكن غريب أنه صافات، صافات ما تتحرك أجنحته، ومع ذلك تندفع أو تقف أحيانًا، من الذي أمسكهن؟ ما يمسكهن إلا الله. ففيها أيضًا: دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى. * وفيه أيضًا: دليل على أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة مو بضعف ولين ومداراة، لا، لا بد بقوة، بالتطبيق والدعوة، تطبيق على أنفسهم والدعوة إلى ذلك بقوة بدون فتور، وبدون تراخي؛ لأنه ما تتم المسألة إلا بهذا. * وفيه أيضًا: دليل على أن الأخذ بالكتاب المنزل يوجب التقوى، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أي: لأجل أن تكونوا من المتقين لله عز وجل. * الفائدة السادسة: لؤم بني إسرائيل أنهم بعد هذا لما رجع الجبل إلى مكانه، ماذا كان؟ تولوا ﴿تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، وهذا من اللؤم؛ لأن الواجب أن يذكروا الأمر الأول حتى يستقيموا ويستمروا على الأخذ بقوة، لكن هم تولوا من بعد ذلك، من بعد ما رأوا الآيات تولوا. * الفائدة السابعة: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وهذه الأمة -ولله الحمد- فضل الله عليها أكبر من فضل بني إسرائيل. * وفيه: دليل على أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق، من أين؟ وقوله: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة ٦٨] فيها بيان سوء أخلاق بني إسرائيل؛ لأنهم لم يقولوا: ادعُ الله لنا بل قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فكأنهم جعلوا أنفسهم في جانب وجعلوا موسى وربه في جانب. وقوله: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ هذا الطلب ليس له وجه في الواقع؛ لأن اللفظ بيِّن ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧] والمطلق ليس مجملًا يحتاج إلى بيان، الذي يحتاج إلى بيان هو المجمل، وأما الشيء المطلق فإنه لا يحتاج إلى بيان لوضوح معناه، فإذا قلت مثلًا: أكرم رجلًا. ما يحتاج أن تقول: وأيش نوع هذا الرجل؟ إذا أكرمت أي رجل حصل المقصود ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ لو ذبحوا أي بقرة حصل المقصود، فالأمر بيِّن، ولكن لتعنتهم قالوا: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ صار هذا الطلب منهم تعنُّتًا لا استرشادًا؛ لأن الأمر واضح؛ وهو أن البقرة عند الإطلاق تشمل أي بقرة تكون، ولهذا لو ذبحوا أي بقرة صادفتهم لكفتهم. ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ كلمة ﴿مَا هِيَ﴾ يسأل بها عن الماهية؛ يعني ما هذا؟ من الحجر؟ من الطين؟ من الحديد؟ ما هي ما الماهية؟ لكن موسى عليه الصلاة والسلام فهم أنهم لم يسألوا عن الماهية؛ لأن ماهية البقرة معروفة ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أحد تشكل عليه ماهية البقرة؟ هي من خشب ولا حديد ولا زبرجد ولا أيش؟ * الطلبة: لا، واضحة. * الشيخ: ما تشكل، الماهية واضحة، فلا نقول: إن في هذا صرفًا لما سألوه وأنهم أُجيبوا بغير ما سألوا؛ لأنهم سألوا عن الماهية فأجيبوا ببيان سن البقرة، نقول: السؤال عن الماهية هنا معلوم لكل أحد أنه لم يكن، لماذا لا يكون؟ * الطلبة: لأنها معروفة. * الشيخ: لأن ماهية البقرة معروفة. ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ البِكر معروف اللي ما عمرها ولدت ولا قرعها الفحل، والفارض: تعرف بمقابلها، إذا كانت البكر هي الصغيرة التي لم يقرعها الفحل، فإن الفارض هي المسنة الكبيرة، وهذا -أي تفسير الكلمة، أو معرفة الكلمة بمعرفة ما يقابلها- له نظير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] لو قال لك واحد وأيش معنى ثُبات؟ تروح تطلع القاموس تدور معناها؟ * الطلبة: لا، تبين. * الشيخ: لا، يتبين معناها بما ذكر مقابلًا لها وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يصير (الثُّبَات) معناه؟ * الطلبة: متفرقين. * الشيخ: إي نعم متفرقين أفرادًا. ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ﴿عَوَانٌ﴾ أي: وسط، العوان بمعنى الوسط اللي لا هي كبيرة ولا صغيرة. وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (ذا) اسم إشارة، والمشار إليه اثنان: الفارض والبكر، وفيه إشكال على هذا؛ لأنه سبق لنا في باب الإشارة أنه إذا كان المشار إليه اثنين وجب تثنية اسم الإشارة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وهنا اسم الإشارة مثنى ولا مفرد؟ * الطلبة: مفرد. * الشيخ: مفرد، فما هو الجواب عن هذا؟ نقول: إن الجواب عنه: هو أن يقال ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي بين ذلك المذكور من الفارض والبِكر؛ يعنى معناها أنها لا تكون هكذا ولا هكذا، ولكنها عوان بين ذلك المذكور. قال: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ هذا الأمر منين؟ * الطلبة: من موسى. * الشيخ: من موسى يقول لبني إسرائيل: ﴿افْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾، بأي شيء كان الأمر؟ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ولو أنهم امتثلوا وتعجلوا وذبحوا بقرة عوانًا بين ذلك لحصل المقصود. وهنا قال: ﴿افْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ حرصًا منه على مبادرتهم حتى لا يتشددوا مرة ثانية فيُشدد عليهم. وفي قوله: ﴿مَا تُؤْمَرُونَ﴾ من الآمر؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله سبحانه وتعالى، وفيه إشكال في باب الموصول حيث إنه خالف قاعدة قرأناها. * طالب: رابط. * الشيخ: وأيش الرابط؟ * الطالب: ما تؤمرونه. * الشيخ: ما تؤمرونه، ولا ما تؤمرون به؟ * الطالب: به. * الشيخ: نعم، ما تؤمرون به، وأيش مخالفة القاعدة؟ * الطالب: الحذف. * الشيخ: لا، حذفه موافق للقاعدة كثير ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣]. هذا كثير. * طالب: لا بد نستفيد من ذكره من الالتباس. * الشيخ: ما فيه التباس، من يعرف؟ اقرؤوا الموصول في حذف العائد. * طالب: لأن وصل الموصول قصير، مع التي.. * الشيخ: لا لا، ما هو قصير جملة كاملة تؤمرون. * طالب: اختلاف العامل. * الشيخ: ما هو ذكرنا أنه إذا حُذف العائد المجرور يشترط إذا كان مجرورًا بحرف أن يكون مجرورًا بحرف يطابق الحرف الذي جر به الموصول لفظًا ومعنًى ومتعلقًا، وهنا الموصول مفعول أصلًا، الموصول مفعول به منصوب ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ افعلوا الذي تؤمرون به، وقد ذكرنا فيما سبق أن بعض العلماء ما يشترط هذا الشرط، وأنه يقول: إذا دل عليه دليل جاز حذفه وإن لم يجر الموصول بما جر به العائد، وإلا ابن مالك يقول: كَذَا الَّذِي جُرَّ بِمَا الْمَوْصُولَ جَرْ ∗∗∗ كَــمُــرَّ بِالَّــذِي مَــرَرْتُ فَــهْــوَبَــرْ إذن يكون هذا شاهدًا للقول الثاني في المسألة وهو أنه يجوز حذف العائد المجرور وإن لم يكن الموصول مجرورًا، ومن باب أوْلى وأحرى أنه يجر أيضًا بحرف لم يجر به الموصول. ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ وكان عليهم أن يفعلوا وإن لم يأمرهم نبيهم به، لكن هم أهل عناد وتعنُّت، ولهذا أمرهم أمرًا ثانيًا، ومع هذا ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ أعوذ بالله! وأيش عليكم من لونها؟! لكن كل هذا من باب التعنت والتشدد ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ يعني: أي شيء لونها؛ سوداء، بيضاء، شهباء، ما هي؟ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة ٦٩] شُدِّد عليهم، بالأول عوان بين البكر والفارض، وبينهما زمن يعني لو جاؤوا مثلًا بواحدة قريبة من البكر أو واحدة قريبة من الفارض كبيرة حصل المقصود، لكن هنا شُدد عليهم ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ وأيش خرج بها؟ * طالب: ما عداها. * الشيخ: ما عدا الصفرة من الألوان هذه واحدة، وهذا نوع قليل، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ثانيًا: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفاقع يعني الصافي؛ بمعنى أنه ما فيه ما يشوبه ويخرجه عن الصفرة، وقيل: معنى ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي شديد الصفرة وهو كل ما كان صافيًا كان أبين في كونه أصفر. أيضًا ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ يعني ليست صفرتها أيضًا صفرة توجب الغم أو صفرة مستكرهة، بل هي صفرة تفتح السرور لمن نظر إليها، وهذا أيضًا فيه تشديد من وجوه: ﴿صَفْرَاءُ﴾ و﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ والثالث: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ هذا معناه أن كم بقرة يمشون عليها ما يحصل لهم هذا الشيء. وذكر بعض العلماء أن هذا فيه دليل على أن اللون الأصفر مطلوب لقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وجعل هذه الجملة بيانًا للواقع وقال: إن من لبس نعلًا أصفر لم يزل في سرور، ولكن هذا ليس بصحيح. وإذا دار الأمر بين كون الجملة تأسيسية أو لبيان الواقع فالواجب أن تكون تأسيسية، وعلى هذا فنقول: إن ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ جملة مستقلة عما قبلها؛ يعني زائد على كونها صفراء فاقع لونها أيضًا تسر الناظرين، ليست صفرتها على وجه يغم الإنسان ولا على وجه يكرهه بل هي تسره. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بين كون الجملة تأسيسية أو لبيان الواقع، مانو مفهوم؟ فإنها تأسيسية؛ يعنى تأسيسية بمعنى مستقلة تفيد معنى زائدًا عن الأول. * طالب: شيخ، فيه حديث نهى عن لبس المعصفر؟[[أخرجه مسلم (٢٠٧٨ / ٣١) من حديث علي بن أبي طالب.]] * الشيخ: إي نعم، المعصفر الأحمر يعني عصفر أحمر لونه. * الطالب: بالنسبة لهذا الوصف الذي وصفه الله سبحانه وتعالى، الصفراء اللي، ولا مؤاخذة في البقرة الصفراء لونها بيبقى فعلًا جميل وبتكون صافية فعلًا يعني أي حتى لما الواحد يشتري من السوق أي بقرة عندنا السماسرة يدور اللي لونها أصفر كده وبتبص تلاقيها يعني مرغوبة وفي التمن أغلى من النوع التاني. * الشيخ: طيب، هذا يعني دوره طيب، أظن أنتم. * الطالب: فربنا يعني عايز يشدد عليهم. * الشيخ: إي نعم. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ هذا أيضًا طلب ثالث. ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٧٠] اشتبه علينا البقرة المطلوبة، وفي الحقيقة هو في هذا اشتباه؟ * طالب: ما فيه. * الشيخ: ذكر لهم أنها بقرة، وذُكر لهم سنها، وذكر لهم لونها، فأين التشابه؟ لكن بس آية من آيات الله سبحانه وتعالى لأجل أن يشدد الله عليهم ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠] . يقول: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ صار بعضه يشبه بعضًا، المتشابه الذي يشبه بعضه بعضًا، إحنا ما ندري أيهم المقصود، وهذا من تعنتهم، وإلا فالأمر واضح. ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ الأخيرة هذه طيبة منهم ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أخذوا على أنفسهم أنهم سيهتدون، ولكنهم علقوا ذلك بمشيئة الله. قال بعض السلف: لو لم يقولوا: إن شاء الله، ما اهتدوا إليها أبدًا، ولكن كلمة (إن شاء الله) من أسباب تحقيق المطلوب كما قيل لسليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: «وَاللَّهِ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَطَافَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ شِقَّ إِنْسَانٍ»، ما حصل له ولا إنسان واحد، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ، وَلَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه، البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٤) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] . إذن، قولهم: إن شاء الله، هذه من الأمور المشروعة التي توجب للإنسان أن يصل إلى مطلوبه. وقولهم: ﴿إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أكدوا الهداية هنا بمؤكدين وهما: إنّ، واللام، وتأكيد ثالث: الجملة الاسمية أبلغ من الجملة الفعلية، ما قالوا: وسنهتدي إليها إن شاء الله بل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. جاوبهم على هذا: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ هذا أيضًا تشديد زيادة على ما سبق. ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ الذلول على وزن (فَعُول)، وهي المتذلِّلة التي ذُللت لصاحبها، وصفها الذلول ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ و ﴿تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ مذلَّلة تثير الأرض بالحرث. أقول: تثير الأرض هذه المذللة، المذللة التي تثير الأرض بالحرث يحرث عليها وأظنكم تعرفون كيف يحرث على البقر تعرفونه؟ * الطلبة: إي نعم (...) * الشيخ: إي نعم زين، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ يعني ما يُسنى عليها، ليست سانية ولا حارثة. وقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي من العيوب، ما فيها عيوب. وقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ يعني ليس فيها لون يخالف لونها، مأخوذة من الوشي، وشي الثوب؛ يعني تلوينه بألوان مختلفة يُسمى وشيًا، فـ(شية) مأخوذة من الوشي مثل (عِدة) مأخوذة من الوعد، فمعنى ﴿لَا شِيَةَ﴾ ليس فيها لون ثانٍ يخالف لونها، ولونها -كما سبق- صفراء، إذن هي صفراء ما فيها سواد، ولا فيها بياض، ولا فيها أي لون آخر، وهذا كله من زيادة التشديد عليهم. وبهذا التقرير نعرف أنه لا حاجة بنا إلى ما ذكره كثير من المفسرين هنا من الإسرائيليات التي قالوا فيها: إن هذه البقرة كانت عند رجل بار بأمه، وأنهم اشتروها منه بملء مسكها ذهبًا؛ يعني بملء جلدها ذهبًا، هذه كلها من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذب ولكن ما ينبغي أن نُنزل عليها كلام الله؛ لأن كلام الله عز وجل ما فيه إشارة إلى هذا، ولو كان هذا من الأمور الواقعة لكان من الحكمة أن يذكر، لماذا؟ لما فيه من الحثّ على بر الوالدين حتى نعتبر، فالصواب أننا نقول في تفسير الآية ما قال الله عز وجل، ولا نتعرض للأمور الأخرى التي ذكرها المفسرون هنا من الحكايات. ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ شوف أعوذ بالله ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ طيب وبالأول؟ * الطلبة: على موجب كلامهم. * الشيخ: على موجب كلامهم أنه في الأول ما أتيت بالباطل، وقد صدروا هذه القصة بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني الآن عرفنا أنك لست تستهزئ وإنما أنت صادق، هذا هو المتبادر من الآية الكريمة وليس بغريب على تعنتهم أن يقولوا مثل هذه الجملة، وقال بعض المفسرين اتقاء لهذا المعنى البشع، قال: إن المراد بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالبيان التام، يعني الآن بينت لنا أوصافها، فجعلوا الحق هنا بمعنى البيان، ولكن الصواب أن الحق هنا ضد الهزء والباطل، ويدل على ذلك أنهم صدَّروا هذه القصة بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ فبعد هذه المناقشات مع موسى والسؤالات والطلب من الله عز وجل قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقّ﴾ وعرفنا أنك لست مستهزئًا بنا بل إنك جاد فيما تقول. ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني فطلبوها؛ لأن هذه الجملة فيها إيجاز يسمى في البلاغة: إيجاز الحذف، يعني إيجاز الحذف يُحذف جمل يدل عليه السياق، وإيجاز القصر يؤتى بجملة تشتمل على معانٍ كثيرة مع اختصارها، فقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩] مثلًا وأيش يسمى هذا؟ * الطلبة: إيجاز قصر. * الشيخ: هذا إيجاز قصر؛ لأن هذه الآية كلمات معدودة تدل على معانٍ كثيرة، لكن ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص ٢٤، ٢٥]. هذه فيها إيجاز حذف ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأن تقدير الآية: فسقى لهما، ثم ذهبتا إلى أبيهما وقصَّتا عليه القصة فأرسلهما إلى موسى، فجاءته إحداهما، أرسل إحداهما إلى موسى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء إلى آخره. وهنا قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لو أخذنا الآية على ظاهرها لكانت البقرة تكون عندهم جاهزة، ولكنها لا بد من طلب، طلبوا بقرة تنطبق عليها هذه الأوصاف بالسن واللون والعمل، السن؟ * طالب: السن، ما فهمت السؤال. * الشيخ: أقول هذه البقرة وجدوها بالأوصاف، وجدوا بقرة انطبقت عليها الأوصاف بالسن واللون والعمل. * الطالب: لا السن، اللون. * الشيخ: السن وأيش هو؟ * الطالب: السن بكر. * الشيخ: لا، ما هي البكر. * طالب: البكر يا شيخ. * الشيخ: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾. * طالب: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. * الشيخ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وفي اللون؟ * الطالب: صفراء، لا تشبه لا أبيض لا أحمر طاغ بيّن. * الشيخ: زين، وأيش بعد؟ كمّل؟ ولَّا تنظر بعد؟ * طالب: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. * الشيخ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ وأما قوله ليس فيها لون آخر ذكره؟ * الطالب: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ * الشيخ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أيضًا في العمل؟ * الطالب: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾. * الشيخ: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ إي نعم. وباعتبار السلامة هي أيضًا ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ذَبَحُوهَا﴾ كما أمرهم نبيهم ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هذه فيها كلام بين النحويين هل (كاد) مثل غيرها من الأفعال أو (كاد) عكس غيرها من الأفعال؛ لأن كاد بمعنى قارب ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة ٢٠] أي: يقرب من خطف أبصارهم. فبعض العلماء يقول: إن (كاد) نفيها إثبات وإثباتها نفي، فإذا قلت: كاد يفعل كذا فمعناه أنه ما فعل، وإذا قلت: لم يكد يفعل كذا، فمعناه أنه فعل؛ لأن قوله شوف ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هم فعلوا ولّا لا؟ * الطلبة: فعلوا. * الشيخ: فعلوا، ولكن الصواب بلا شك أنها كغيرها نفيها نفي وإثباتها إثبات، فإذا قلت: ما كاد يفعل، فمعناه أنه لم يفعل ولم يقارب الفعل، وحينئذٍ هل هؤلاء ما قاربوا الفعل؟ يقول: لولا قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لقلنا: إنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها. فإذا قال قائل: هذا يؤدي إلى التناقض؛ لأنكم إذا قلتم: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ وما قاربوا أن يفعلوا صار تناقضًا؟ فيقال: لا تناقض لاختلاف الزمن، فهم ما كادوا يفعلونه قبل الذبح؛ يعني كل سؤالاتهم السابقة تعنت لعلهم يتخلصون ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ على مضض، فيكون نفي المقاربة مخالفًا للفعل في شنو؟ في الزمن، وحينئذٍ لا تناقض؛ لأن التناقض لو قلنا: ذبحوها في وقت لم يقاربوا ذبحها لكان هذا متناقضًا؛ لأن الذابح لا يقال: إنه ما يكاد يفعل؛ لأن الذابح فعل. إذن (كاد) كغيرها من الأفعال ومعناها (قارب)، فإذا دخل عليها شيء من أدوات النفي نفى المقاربة، وإذا انتفت المقاربة انتفى الفعل ولّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إذا قلت: ما قاربت أن أفعل، معلوم أنك ما فعلت، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وأما إثباتها إثبات، فإذا قلت: كدت أن أفعل، معناه قاربت الفعل، لكن ما فعلت، قاربت الفعل ولكنني لم أفعل واضح يا جماعة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذا قررنا هذا، أو إذا ثبت تقريرنا هذا يبقى في الآية الكريمة ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ كيف تقولون: إن (ما كادوا يفعلون) معناها: ما قاربوا أن يفعلوا والله يقول: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ هذا تناقض؟ فماذا نقول في الجواب؟ نقول: لا تناقض لاختلاف الزمن، فما كادوا يفعلون بالأول، ما قاربوا أن يفعلوا لتعنتهم، وفي الأخير فعلوا، وحينئذٍ لا تناقض، الإنسان بنفسه دائمًا يشعر بأنه لن يفعل هذا الفعل أبدًا، ثم لا يدري إلا وهو فاعله. ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور ٤٠]؟ ما تنقض علينا ما قلنا؟ * الطلبة: لا. * طالب: لم يرها. * الشيخ: لم يرها يعني؟ * الطلبة: لم يرها.. شاهد لنا. * الشيخ: إيه، شاهد لنا، يعني يظن بعض الناس أن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ يعني يراها بمشقة، يظن بعض الناس يتبادر إلى ذهنه هذا؛ إن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي أنه يراها بمشقة، والأمر ليس كذلك بل ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ معناه ما يراها، ولا يقارب رؤيتها، فيكون إذن هذا شاهدًا لما قررناه. إذا قلت: كدت أطير فرحًا بنجاحي، هل أنا طرت؟ * الطلبة: قاربت. * الشيخ: قاربت، ولكن لم أطِر، إذن هذا ماشي على الباب يعني، فقول بعض النحويين رحمهم الله: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، ليس بصحيح، وقد أبطل هذا ابن هشام في كتابه المغني. * طالب: على ماذا استندوا؟ * الشيخ: استندوا لأنه إذا قال: ما كدت أن أفعل فهي تدل على أني؟ * الطالب: ما كنت فاعلًا. * الشيخ: إني ما فعلت هذا الشيء، إني ما كدت أن أفعله، ولكني فعلته استدلوا بالآية، وفي الحقيقة ما يصير هذا. قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ» »[[متفق عليه، البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]] هل الرسول صلاها قبل الغروب ولّا لا؟ * الطلبة: صلى قبل الغروب. * الشيخ: قبل الغروب؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: شوف ما قاربت أن أصلي العصر حتى قاربت الشمس الغروب. * الطلبة: ما قاربت. * الشيخ: هل صلاها قبل الغروب ولّا لا؟ * الطلبة: صلاها قبل الغروب. * الشيخ: لا يا أخي؛ لأنه لما قال ابن عمر[[كذا، والصواب: عمر بن الخطاب، كما في البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩). ]] اللي قال هكذا، فقال الرسول: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ثم قاموا إلى بطحان فتوضؤوا وصلوا بعدما غربت الشمس». * الطالب: لا، الظاهر صلوها بعد الغروب. * الشيخ: إي، صلوها بعد الغروب؛ لأنه هنا قال: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي»، يعني ما قاربت الصلاة، ما قال: ما صليت حتى كادت، قال: ما قاربت أن أصلي؛ يعني ما أمكنني لشدة القتال أن أكون قريبًا من الصلاة، قريبًا من الصلاة ما هو فاعلًا للصلاة، قريبًا منها حتى كادت الشمس أن تغرب، لما قاربت الشمس الغروب. * طالب: صلّى. * الشيخ: لا، مو صلى، قاربتُ الصلاة، لما قاربت الشمس الغروب قاربت الصلاة فلما غربت صليت. * الطالب: يا شيخ اللي قاله ما هو عمر؟ * الشيخ: قالها عمر والرسول قال: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» ». * الطالب: قال: ما أيقظتني حتى (...). * الشيخ: إيه إي نعم، اللي قالها عمر كما قلنا أخيرًا؛ اللي قاله عمر وقال الرسول: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ثم قاموا فصلوا.» فهنا الحديث ما يدل على أن عمر صلاها قبل الغروب بدلالة أنه ما قارب أن يصليها حتى قاربت الشمس الغروب، فلما قاربت الشمس الغروب قارب صلاتها، قارب أن يصلي، ثم هل صلَّى أو ما صلى؟ الحديث يدل على أنه ما صلى قام هو والرسول بعد الغروب وتوضؤوا من بطحان وصلوا. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٧٢] قرر الله القصة قبل أن يذكرهم بالسبب، قرر الله القصة لبني إسرائيل قبل أن يبين السبب، ما سبب قول موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؟ هذا هو السبب أنهم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها، تدافعوا، كل منهم يدعي أن هذا هو القاتل، وبلا شك أن هذا يحصل به فتنة عظيمة، والمقتول قد مات، ولا يمكن أن يخبر من الذي قتله بعد موته، فأراهم الله تبارك وتعالى بل أمرهم سبحانه وتعالى أن يذبحوا هذه البقرة لتكون آية، ويعرف القاتل لهذا القتيل، فهم بعد أن قتلوا هذه النفس وادارؤوا فيها، وأضاف القتل إليهم وإن كان بعضهم بلا شك لم يرضَ به، فالذين يطالبون بقتل القاتل لم يرضوا به، لكن -كما مر علينا من قبل- أن الشيء إذا فعله الأمة وسكت الباقون يعتبر فعلًا للجميع. وقوله: ﴿ادَّارَأْتُمْ﴾ أيش معنى الادراء؟ * طالب: التدافع. * الشيخ: معناه الاختلاف والتدافع، كل واحد منهم يدافع عن نفسه التهمة. ومنه «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» »[[قال ابن كثير في تحفة الطالب (ص ٢٢٦): لم أرَ هذا الحديث بهذا اللفظ، وأقرب شيء إليه ما رواه الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ». قال: وروي موقوفًا وهو أصح. وانظر نصب الراية (٣ / ٣٣٣)، والمقاصد الحسنة (ص٧٤).]] أي ادفعوها ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في هذا دليل على أنهم كتموا؛ لأن القاتلين لو اعترفوا بالقتل حصلت المدارأة؟ * الطلبة: لا، ما حصلت. * الشيخ: ما تحصل المدارأة ولا يحصل شيء، ولكنهم كتموا فأخرج الله تبارك وتعالى ما كتموه بهذه الآية العظيمة. * طالب: الأسئلة التي حصلت منهم هل كان قصدهم التخلص؟ * الشيخ: يبدو -والله أعلم- أنهم تعنتوا ليتخلصوا منها؛ لأن قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] يدل على هذا مثل ما إن الإنسان لو أمرك بشيء وأنت مثلًا تكره أن تمتثل تجدك تتعنت، وأيش تبغي، وأيش لونه، وأيش؟ * طالب: ألا يدل على حرصهم على التطبيق؟ * الشيخ: لا أبدًا، ولهذا الله يذكرهم هذا الشيء توبيخًا لهم، لو كان هذا حرصًا على التطبيق لكانوا يمدحون على هذا الأمر ما يقول الله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ لأن هذا فيه غاية الشناعة عليهم والعياذ بالله. * طالب: شيخ، الأسئلة هذه كانت في مجلس واحد أو في عدة مجالس؟ * الشيخ: الله أعلم، ما أدري في مجلس واحد أو أنها في مجالس وهم يطلبون هذه البقرة ثم يرجعون إليه فيختلفون فيها ثم يرجعون إليه، الله أعلم، ما ندري. قال: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ كل ما تكتمونه من الأمور فإن الله تعالى مخرجه. وهل هذا خاص بهم أو حتى في هذه الأمة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا في يوم القيامة يوم القيامة معروف (...)، والعطف يقتضي المغايرة، فلا يصح تفسير الرحمة بالفضل، ولكن الفضل من آثار الرحمة. * وفيه أيضًا: إثبات الأسباب وربطها بمسبباتها لقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ﴾ [البقرة ٦٤]. فهذا صريح في إثبات الأسباب، ولا أحد ينكر الأسباب إلا الأشاعرة فإنهم جاؤوا بأمر يضحك منه السفهاء دون العقلاء، وأيش قالوا؟ قالوا: الأسباب غير مؤثرة وآثارها تحصل عندها لا بها، فإذا دخلت ورقة في النار فاحترقت قالوا: النار ما أحرقتها، لكن احترقت عندها لا بها، وإذا أكلت طعامًا فشبعت، قالوا: ما شبعت بالطعام، ولكن عنده لا به مع أن الطعام لو يكدس عندك ولا تأكله ما شبعت، وكذلك النار لو تبقى عندها الأوراق والعيدان ما احترقت. قالوا: أيضًا إذا ضربت زجاجة بحجر وانكسرت لم يحصل الانكسار بالحجر، ولكن عند الحجر، بينما أنك لو تضع ثقل الحجر هذا أربع مرات على الزجاج من دون قذف ما انكسر مع أنها على ظهرها على ظهر الزجاج ما هو بس عنده، فالمهم أن هذا الشيء يضحك منه السفهاء فضلًا عن العقلاء، وكل هذا من باب تنزيه أن يكون في ملك الله سبحانه وتعالى ما لا تتعلق به المشيئة، وهذا نقول: الله جعل الأسباب موجبة لمسبَّباتها وجعل المسبَّبات مربوطة بالأسباب، وهذا من حكمته. * طالب: وجوب تبليغ ما أنزل الله لقوله ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾. * الشيخ: إيه ﴿اذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ إن كان لغيركم فهذا يدل على وجوب التبليغ، إن كان المعنى اذكروه في نفوسكم لأجل الاتعاظ فليس فيه دليل. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥]. * فيها توبيخ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام على عدم الإيمان به، وجه ذلك؟ * طالب: العلم. * الشيخ: أنهم علموا ما حل بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة، فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله. * وفيه أيضًا دليل على تحريم الحيل، وأن المتحيل لا يخرج عن العدوان لقوله: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أولًا، الحيل أبلغ من الإتيان بالشيء على وجه الصراحة أولًا: لأنها جامعة بين المفسدة المترتبة على هذا الممنوع وبين مفسدة الخداع لله سبحانه وتعالى، فالمتحيل على الربا واقع في الربا وزائدًا على ذلك أنه خادع الله عز وجل، وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم ثم جملوها وباعوها وأكلوا ثمنها وجدت أنه أسهل مما يتحيل به كثير من الناس اليوم على الربا، أسهل ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، ونهانا الرسول عليه الصلاة والسلام كما في المسند بسند لا بأس به أن الرسول ﷺ قال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ؛ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهَ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» »[[لم نجد هذا الحديث في المسند، وإنما أخرجه ابن بطة في إبطال الحيل (ص٤٦-٤٧) من حديث أبي هريرة، قال الحافظ ابن كثير في التفسير (١ / ٢٩٣) و(٣ / ٤٩٣): «وهذا إسناد جيد»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٣/١٢٣): «هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارة ويحسنه تارة».]]. * الفائدة، هذه فائدة ثانية: أن المتحيل على المحرم واقع فيه ولا تنفعه الحيلة. * الفائدة الثالثة: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنوب، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأن العقوبة أنهم قُلبوا قردة خاسئين، أولًا، فالذنب اللي فعلوه أنهم فعلوا شيئًا صورته صورة المباح، ولكن حقيقته غير مباح، صورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي، فهذه أن الجزاء من جنس العمل، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ﴾ [العنكبوت ٤٠] إلى آخره. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل لقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فكانوا في لحظة ما هم في توالد أنهم صاروا وأولادهم قردة، هم بلحظة انقلبوا -والعياذ بالله- قردة. * الفائدة الخامسة: إثبات القول لله عز وجل لقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. * الفائدة السادسة: أن الذين قُلبوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت، أما الذين نُهوا عن السوء فقد نجوا، وأما الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف ١٦٤] فهؤلاء سُكت عنهم، أو نقول: أخذوا بعذاب بئيس لكن ما قلبوا قردة. * الفائدة السابعة في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل، ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ إما زمانًا وإما مكانًا، وقلنا: ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ بالنسبة للزمان يعني الموجودين في عصرهم ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من يأتي بعدهم، أما إذا كان مكانًا فالمسألة واضحة اللي بين يديها اللي أمامها واللي خلفها من حولها يعني ما بين يديها وما خلفها من حولها. * طالب: الفائدة؟ * الشيخ: الفائدة أن العقوبات تكون تنكيلًا لغير العامل. * الفائدة الثامنة: يمكن أن نأخذ من هذا فائدة الحدود الشرعية التي تثبت في الدنيا، الحدود الشرعية وعقوباتها؛ عقوبة الزنا، عقوبة السرقة، إلى آخره. من فوائدها أيش؟ * الطلبة: أنها نكال. * الشيخ: أنها نكال لغير الفاعل وللفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب. * الفائدة التاسعة: أن الذين ينتفعون من مثل هذه المواعظ هم المتقون. * الفائدة العاشرة: أن المواعظ قسمان: كونية وشرعية، كونية هي قدرية، كونية وشرعية، هنا كونية ولا شرعية؟ الموعظة؟ * الطلبة: كونية. * الشيخ: كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالًا لما بين يديها وما خلفها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس ٥٧]. هذه موعظة شرعية، أيهما أقوى؟ المواعظ الشرعية أو الكونية؟ * الطلبة: الكونية.. حسب. * الشيخ: أما للحمير فالكونية أعظم، وأما للمؤمنين فالشرعية أعظم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالقضاء بالمقدورات، لكن بليد الحمار ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]. هذا يتعظ بالأمور الكونية أعظم. ومع ذلك إذا جاءت قسوة في القلب.. لقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ومهما يكتم المرء يعلمه الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]. وفيه * -الفائدة السادسة-: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل في بيان الأمر الواقع، فإن من نعمة الله أن يبين لهم الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ألا يستفاد به -أيضًا- أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف والنزاع من نعمة الله؟ إي نعم، يعني: مثلًا إذا اختلفنا في أمور وكاد الأمر يتفاقم حتى يصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه، فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف وهذا النزاع. * طالب: ما يستفاد شيء من ذكر السبب بعد حكاية الأمر؟ * الشيخ: بعد حكاية القصة؟ * الطالب: إي، تأخيره. * الشيخ: فائدة تأخير ذكر السبب قبل القصة هو المبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها. ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ﴿قُلْنَا﴾ على لسان موسى، كذا ولَّا لا؟ * فيستفاد منه: أن قول الرسول قول لمرسله، طبعًا إذا كان بأمره، قول الرسول الذي يكون بأمر الله يكون قولًا لله. * الفائدة الثانية: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم، ويش الدليل؟ * الطلبة: ﴿بِبَعْضِهَا﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾، أبهمه الله، ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داعٍ؛ لأن المقصود الآية. * الفائدة الثالثة: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمعنى، معنى القصة وغرضها دون من وقعت عليه؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا جاء في الحديث: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كذا وكذا، تجد بعض الناس يتعب ويتكلف في تعيين هذا الرجل، وهذا ليس بلازم، المهم ما هو؟ معنى القصة وموضوعها، أما أن تعرف ما هذا الرجل، ما هذا الأعرابي، ما هذه الناقة مثلًا، ما هذا الحمار؟ ما هو لازم إذ إن المقصود في الأمور معانيها وما توصل إليه، فلا يضر الإبهام في هذا الأمر من قوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾، والله تعالى قد عينه لهم ما فيه شك، أو أن الله أبهمه عنا نحن فقط فقال: ﴿بِبَعْضِهَا﴾ ولم يُبيِّنه لنا؛ لأن هذا ما هو أمر مهم. * ونستفيد منه فائدة: إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط ولا عين لهم، نستفيد منه فائدة: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين، يعني: إذا قيل لك: افعل بعض هذه الأشياء، أسهل مما إذا قيل لك: افعل هذا الشيء، ولَّا لا؟ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة (...). وصفهم بالقسوة بقسوة القلب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. * وفيها أيضًا: دليل على لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم، ومع ذلك فإنهم لم يلينوا للحق، بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم عندهم. وفيها أيضًا * -الفائدة الثالثة-: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن الحجارة أمر محسوس، والقلب قسوته أمر معقول، إذ إنه ليس المعنى أن القلب اللي هو المضغة يقسو، القلب هو هو، لكن المراد أنه يقسو بإعراضه عن الحق واستكباره عليه، فهو أمر معنوي شُبه بالأمر الحسي، وهذا من بلاغة القرآن: تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين. * وفيه: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل، ولم يقل: كالحديد؛ لأن الحديد يلين بالنار. * وفيه أيضًا: دليل على أن الحجارة تفترق عن قلوبهم؛ لأن فيها خيرًا، وهي: ﴿مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهؤلاء -والعياذ بالله- على العكس. * وفيها أيضًا: دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وهذه الصفة من صفات الله سبحانه وتعالى السلبية أو الثبوتية؟ * طالب: السلبية. * الشيخ: هي سلبية ولّا ثبوتية؟ هل أن الله نفاها عن نفسه ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ أو أثبتها؟ * الطلبة: نفاها. * الشيخ: هل قال: إن الله غافل؟ أو ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾؟ * الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فهي صفة سلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية التي ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه تتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة، وإثبات كمال ضدها، فهنا نقول في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ نفي غفلة الله سبحانه وتعالى عن عملهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾. * وفيها: إثبات كمال ضد ذلك، وهو العلم والمراقبة أن الله سبحانه وتعالى رقيب على أعمالهم عالم بها ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. * وفي هذه الآية من الفوائد: أن الجمادات تعرف الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على أنها تعرف الله، وهذا أمر معلوم من آيات أخرى في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]. * وفيها أيضًا من الفوائد: عظمة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فمن علم عظمة الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يخشاه ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. * وفي الآية أيضًا: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار، ولَّا لا؟ وكان موسى ﷺ يضرب بعصاه الحجر، فينبجس ويتفجر عيونًا بقدرة الله تبارك وتعالى.