Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:22 – البقرة 2:44

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:22
  2. البقرة 2:23
  3. البقرة 2:24
  4. البقرة 2:25
  5. البقرة 2:26
  6. البقرة 2:27
  7. البقرة 2:28
  8. البقرة 2:29
  9. البقرة 2:30
  10. البقرة 2:31
  11. البقرة 2:32
  12. البقرة 2:33
  13. البقرة 2:34
  14. البقرة 2:35
  15. البقرة 2:36
  16. البقرة 2:37
  17. البقرة 2:38
  18. البقرة 2:39
  19. البقرة 2:40
  20. البقرة 2:41
  21. البقرة 2:42
  22. البقرة 2:43
  23. البقرة 2:44

البقرة 2:22

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٤]. * الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطاب هنا ورد بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مع أن السورة مدنية، وأكثر من يخاطَب في السور المدنية هم المؤمنون، ولهذا جعل المتكلمون في أصول التفسير جعل من علامة السور المدنية أن الخطاب يكون فيها موجها للمؤمنين بخلاف الآيات المكية؛ لأن أكثر من يخاطب بها من ليس بمؤمن، لكن هذه الآية هي أول آية فيها نداء، أول آية فيها نداء هي هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ولهذا وُجِّه الخطاب بها أو النداء بها إلى جميع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جُعلت في السورة المدينة؟ نقول: الأصل عدم ذلك، ولهذا نرى في بعض عناوين السور: مكية إلا آية كذا وكذا، مدنية إلا آية كذا وكذا، هذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح، وإلا فالأصل أن السور المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية، إلا بدليل ثابت. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، في هذه ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إثبات الألوهية، يعني إثبات توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ ﴿اعْبُدُوا﴾ هذا توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية يسمى توحيد ألوهية باعتبار إضافته إلى الله، وتوحيد عبادة باعتبار إضافته إلى العبد. يقول الله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فما هي العبادة التي أُمرنا بها؟ العبادة التي أُمرنا بها هي التذلل لله عز وجل ذلا تاما مستلزما للمحبة والتعظيم، لا بد، وإلّا لم يكن الإنسان عبدا، أن يتذلل لله تعالى ذلا كاملا، أيش؟ مستلزما للمحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون فعل الأوامر حتى يصل العابد إلى محبوبه، وبالتعظيم يكون الفرار من النواهي لئلا يعذبه ربه العظيم عز وجل، هذا هو معنى العبادة: التذلل لله، أيش؟ ذلا كاملا مستلزما للمحبة والتعظيم، طيب، هذا تفسير العبادة بالنسبة لفعل العبد، قد تفسَّر العبادة بالنسبة لمفعول العبد، بالنسبة لمفعوله، فيقال مثلا: الصلاة عبادة، الزكاة عبادة، الصوم عبادة، وعلى هذا فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. ثم ضرب أمثلة بالصلاة والزكاة وغيرها، وحينئذ نقول: العبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول: التعبد، والمعنى الثاني: المتعبَّد به وهو مفعول العبد؛ يعني ما فعله العبد، واضح يا جماعة؟ طيب، ما المراد بالآية؟ المعنيان أو المعنى الأول؟ الظاهر كلاهما، وهما متلازمان. وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الرب هو الخالق، المالك، أيش؟ المدبر، الخالق المالك المدبر، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفةً كاشفة مبينة للواقع، وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق والثاني غير خالق، بل ربنا هو الخالق، فالصفة هنا إذن صفة كاشفة وليست صفة احترازية، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، والخلق هو الإيجاد من عدم، ولم يخلق الناس إلا الله عز وجل، لا يخلقهم أب ولا أم ولا ملَك ولا أحد، لا يخلقهم إلا الله، وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج٧٣]، فعدم خلق بني آدم من باب أولى، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني: وخلق الذين من قبلكم، ولهذا نجد سبحان الله بنو آدم يتسلسلون، تنظر إلى المسجد أو تنظر إلى مجتمع تجد هذا له سبعون سنة، وهذا له خمسون، وهذا له أربعون، وهذا له ثلاثون، وهذا له عشرون، وهذا له عشر، وهذا له خمس، من أجل أن يعمر الكون، يتعاقبون، فإذا تأملت هذا عرفت كمال سلطان الله عز وجل وكمال حكمته، هؤلاء الذين قبلنا مخلوقون، ونحن من ذريتهم، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، ذرية نوح، نحن من ذريتهم، إذن مَن تفرع على مخلوق فهو مخلوق، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وعلى هذا فقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على؟ * طالب: الضمير. * الشيخ: على الكاف في ﴿خَلَقَكُمْ﴾، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، (لعل) هنا للتعليل؛ أي لتصلوا إلى التقوى، ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله عز وجل في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾ [البقرة ١٩٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا من باب التعدد أنواعا، أو تعديد أنواع من أفعاله عز وجل، جعل الله لنا الأرض فراشا موطأة، يستقر الإنسان عليها استقرارا كاملا، ليست نشزا وليست مؤلمة عند النوم عليها أو السكون عليها أو ما أشبه ذلك، والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة، وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبغير ذلك مما جرى في القرآن، والفراش كما نعلم يكون موطأ للإنسان مهيأ له يستريح فيه. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] السماء جعلها الله بناء، أي بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليست هي السماء الأولى، بل المراد بالسماء في الثانية العلو؛ لأن الماء الذي هو المطر ينزل من السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِه﴾ [النور ٤٣]، فالماء الذي هو المطر لا ينزل من السماء التي هي البناء، وإنما ينزل من السحاب التي في العلو، وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا، والمعنى الثاني: العلو. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، ﴿أَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، وانظر إلى الحكمة والنكتة البديعة، حيث أضاف الأمر إلى نفسه جل وعلا لكن بسبب، فالسبب موصل فقط، وإلا فهل المطر يُخرج النبات؟ لا، المخرج هو الله، لكن السبب المطر، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾، أي: بسببه، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وجمع الثمرات لأنها متنوعة، لو أراد الإنسان أن يحصي أنواعها لعجز فضلا عن أفرادها. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في العبادة، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الخلق والرزق وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من أفعال الربوبية؛ لأن المشركين يقرون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله، يقرون بهذا إقرارا تاما، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا، لكن في العبادة ينكرون هذا، يشركون، يجعلون مع الله إلها آخر، وينكرون على من وحّد الله، حتى قالوا في الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾ [ص ٥]، ونقول: ما شاء الله، من الذي جاء بالشيء العجاب؟ هم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالصواب، لكن هم جاءوا بالشيء العجاب، نسأل الله العافية، إذن ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في أيش؟ * الطلبة: في العبادة. * الشيخ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الربوبية من الخلق والرزق، وغير ذلك، وإقراركم بالخلق والرزق أن الله منفرد به يلزم أن تجعلوا العبادة لله وحده، فإن لم تفعلوا فأنتم متناقضون، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزِم لتوحيد الألوهية، يعني من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ومن أقر بالألوهية فإنه لم يقر بها حتى كان قد أقر بالربوبية، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. * في هذه الآية من الفوائد، أولا: العناية بالعبادة، يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء، والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس، مما يدل على أن العبادة من أهم شيء، وهو كذلك، بل إن الناس ما خُلقوا إلا لأجل العبادة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات ٥٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فإن الرب يستحق عز وجل أن يُعبد ولا يُعبد غيره، والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم الضراء وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى من؟ إلى الله؛ ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [لقمان٣٢]؛ لأن فِطَرهم تحملهم على ذلك ولا بد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله عز وجل هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين والآخرين؛ لقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طريق القرآن أنه إذا ذكر الحكم غالبا ذكر العلة، الحكم: ﴿اعْبُدُوا﴾، والعلة: كونه ربًّا خالقا لنا ولمن قبلنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هل يمكن أن نأخذ من هذه الآية التحذير من البدع؟ ربما نأخذ منها التحذير من البدع، وذلك لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعبادة؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله، كيف نتوضأ، إلا عن طريق الوحي والشرع؛ كيف نصلي، يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام يقرأ ثم ركع ثم سجد، فهذه هي العبادة المطلوبة منا إلا بعد أيش؟ بعد الوحي، وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن الأمر بالعبادة يستلزم الأمر بالاتباع. وهل يستفاد من الآية الحث على طلب العلم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، كيف ذلك؟ إذ لا تُمكن العبادة إلا بالعلم، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة بقوله: باب العلم قبل القول والعمل[[صحيح البخاري (1 / 24).]]. ثم قال تعالى مذكرا عباده: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى وحكمته في جعل الأرض فراشا؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال، لكن من رحمته ولطفه وإحسانه جعلها فراشا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جعل السماء بناء، لكن ما فائدتنا من جعل السماء بناء؟ فائدتنا من جعل السماء بناء أن نعلم بذلك قدرة الله عز وجل؛ لأن هذه السماء المحيطة بكل الأرض من جميع الجوانب نعلم أنها كبيرة جدا واسعة، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون﴾ [الذاريات ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإنزال المطر من السماء؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا، والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة، أليس كذلك؟ نعم، وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال:« ادعُ اللهَ أن يغيثَنَا، فرفَعَ يديْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، وما نزَلَ من الخطبةِ إلا والمطرُ يَتحادَرُ من لحيتِهِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (1014)، ومسلم (897 / 8).]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته بإنزال المطر من السماء، وجه ذلك لو كان الماء الذي تحيا به الأرض، لو كان يجري على الأرض لأضر الناس، ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراض كثيرة، ما هي الأراضي التي تُحرم؟ المرتفعة، لا يأتيها شيء، ولكن من نعمة الله أنه ينزل من السماء، ثم هناك شيء آخر أيضا أنه ينزل رذاذا، يعني قطرة قطرة، ولو نزل كأفواه القِرَب لأضر بالناس، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل على ما تعهدون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الأسباب لا تكون سببا إلا بإرادة الله؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾. * ومن فوائدها فائدة مَسلكية: أن الإنسان ينبغي له أن يضيف الشيء إلى الله مقرونا بالسبب، فمثلا لو أن أحدا من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه، أنقذه من الغرق، فليقل: أنقذني الله بفلان، وله أن يقول: أنقذني فلان، له أن يقول ذلك؛ لأنه فعلا أنقذه، وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان، كم هذه من صيغة؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله، ويدل لهذا أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله عز وجل مقرونا بالسبب «أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام، وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأسلم، لكنه أسلم بعد أن استشار أباه، التفت إليه ينظر إليه يستشيره، قال: أطع أبا القاسم.» الجهل، أذن لولده، بل أمر ولده أن يُسلم وهو لم يسلم في تلك الحال، بعدُ ما ندري، الله أعلم، لكن على كل حال خرج النبي صلي الله عليه وسلم وهو يقول:« «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (1356).]]. شوف التعبير!! «أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»، وهكذا ينبغي لنا نحن، إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى، أيش؟ مقرونا ببيان السبب، طيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: قدرة الله عز وجل وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر، تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء، فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله عز وجل، ففيه القدرة وفيه الفضل، ولذلك قال: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة، نعم، أن الله عز وجل منعم على الإنسان كافرا كان أو مسلما، من أين؟ * طالب: من قوله (...) * الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ وهو يخاطب بالأول الناس عموما، إذن فلله تعالى فضل على الناس كافرهم ومؤمنهم، كل له فضل، لكن فضل الله على المؤمن - جعلني الله وإياكم منهم - دائم متصل بفضل الآخرة، وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم جعل الأنداد لله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهل الأنداد شرك أكبر أو شرك أصغر؟ وهل هي شرك جلي أو شرك خفي؟ هذا له تفصيل في علم التوحيد، إن جعل لله ندا في العبادة بأن عبد غير الله كعبادة الله فهذا، أيش؟ شرك أكبر، وإن جعل له ندا في الربوبية وقال: إن هذا الخلق خلقه اثنان مثلا، فهذا شرك أكبر، وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، ومن ذلك أن يضيف الشيء إلى سببه وإلى الله مقرونا بالواو فهذا شرك أصغر، ما لم يعتقد أن هذا السبب له فعل كفعل الله فيكون شركا أكبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن خاطب أحدا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة، من قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ومن قوله في صدر الآية: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فيه إقامة الحجة على وجوب العبادة له؛ لأنه الخالق وحده. الإعراب في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الجملة حالية في محل نصب. * طالب: فضيلة الشيخ ما الحكمة من كثرة الآيات الدالة على توحيد الربوبية مع أن المخاطبين في هذا القرآن يقرون بتوحيد الربوبية؟ * الشيخ: نعم، إقامة الحجة. * طالب: هم يقولون به. * الشيخ: إي، لكن إذا قالوا به يلزمهم أن يوحّدوا بالألوهية. * طالب: ولكن بعض الدعاة الذين يدعون يكثرون من (...) ودعوة توحيد الربوبية، مع أن الناس عندهم خلل في توحيد الألوهية ويستشهدون بكثرة الآيات في هذا في القرآن. * الشيخ: إي، هذا مثل ما قلت، لو كان يخاطب ناسًا ينكرون الألوهية، يعني ينكرون توحيد الألوهية، فليكثر من ذكر الآيات في الربوبية، لكن إذا كان يتكلم على أناس مقرين بتوحيد الألوهية فينبغي أن يأتي لهم بآيات أخرى آيات في الصفات آيات في أفعال الله. * طالب: هم مسلمون. * الشيخ: ما يخالف، إذا كانوا مسلمين، فالربوبية يمكن يذكرونها من أجل أن يزداد إيمانهم. * طالب: (...) العبادة هي تذلل يستلزم المحبة والتعظيم وهذا يكون لله عز وجل، هل مَن صرف المحبة لوحده أو التعظيم لوحده لغير الله مشرك الشرك الأكبر؟ * الشيخ: إي نعم، إذا أحب أحدا مثل محبة الله أو أعظم فهو مشرك شركا أكبر. * طالب: أو عظّم أحدا؟ * الشيخ: أو عظّم أحدا مثل تعظيم الله أو أشد، حتى لو عظم الكعبة مثل تعظيم الله، أو عظم الرسول عليه الصلاة والسلام مثل تعظيم الله كان مشركا شركا أكبر. * طالب: شيخ ما نقول لهؤلاء الذين عند القبور (...) الأولياء فهم يحبونهم ويعظمونهم لكن ما نعلم هل أحبوهم كحب الله أم لا؟ * الشيخ: نقول هكذا، نقول بالتفصيل، ثم نقول لهذا: هل أنت تحب هذا أشد من حب الله؟ * الطالب: إن حبه وعظمه ولكن يعني..؟ * الشيخ: في أناس الآن يحبون الرسول أكثر من محبة الله، وأنا أذكر أن أناسا من الحُجاج ونحن في جدة في المسجد جاء وقت المنع من السفر إلى المدينة؛ لأنه أظن بعد الرابع من ذي الحجة يمنعونهم من السفر إلى المدينة خوفا عليهم من التأخر، فجعل يبكي بكاء شديدا؛ ليش؟ قال: نور عيني. من نور عينه؟ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا ما جئت إلا لهذا، شايف الحين جاي بيحج، يقول: أنا نور عيني ما جئت إلا له، في ظني أن هذا يمكن محبة الرسول في قلبه أكثر من محبة الله، فمثل هؤلاء يجب أن يبين لهم، يقال: لولا محبة الله ما أحببنا الرسول، ولولا أن محمدا رسول الله ما أحببناه هذا المحبة، ولا قدمنا محبته على أنفسنا وأهلينا وأولادنا، من أين وجب لنا أن نعظم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ من أجل أنه رسول ربنا، ما هو من أجل أنه محمد بن عبد الله، معلوم هذا؟ فهؤلاء العامة يبين لهم، يقال: لا تجعل أحدا مع الله إطلاقا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة١٦٥]. * طالب: شيخ لو حصل في شخص حب وتعظيم (...). * الشيخ: لا لا؛ الإنسان يحب والديه ويعظم والديه، يحب معلمه ويعظم معلمه، يحب إللّي أكبر منه ويعظمه، المهم أن لا يكون هناك غلو. * * * * طالب: ﴿﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٣- ٢٥] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إلى آخره؛ الخطاب لمن جعل لله أندادا؛ لأنه قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. لكن شهادة أن لا إله الله توحيد القصد، والثاني: توحيد المتابعة، فكلاهما توحيد، لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصا لله، والثاني توحيد المتابعة بأن يكون العمل متَّبَعا فيه رسول الله، وأنتم إذا تأملتم القرآن وجدتم هكذا، يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة. مثال آخر: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِين﴾ [المؤمنون٦٨] ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون٦٩] وهذا مطرد في القرآن الكريم، يقول ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، الريب يفسره كثير من الناس بالشك، ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن الريب يُشعر بقلق، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك، وذلك لأن ما جاء به الرسول حق، والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به، بخلاف الشك في الأمور الهينة فلا يقال: ريب، وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقًا واضطرابًا. وقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ هو محمد رسول الله، والله تبارك وتعالى وصف رسوله بالعبودية في المقامات العالية؛ في الدفاع عنه، وفي بيان تكريمه بالمعراج والإسراء، وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن؛ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]، هذا في مقام التحدي والمدافعة، وأفضل أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام هي العبودية والرسالة، ولهذا قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[[أخرجه البخاري (3445)، بلفظ: «فَإِنَّمَا أَنا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْد اللَّهِ وَرَسُولهُ».]]. والعبودية: وهي التذلل للمحبوب والمعظم يتلذذ بها العابد، ولهذا قال الشاعر في وصف محبوبته: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَــــــــــإِنَّهُ أَشـْــــــــرَفُأَسْمَـــــــائِي أي لا تقل: فلان وفلان، قل: يا عبد فلانة؛ لأن هذا هو عنده أشرف أسمائه حيث انتمى إليها - نعوذ بالله من الخذلان- إذن أشرف أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام وصفان: العبودية والرسالة، ﴿عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، (ائتوا): أمر يُقصد به التحدي، يعني إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإنا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة من مثله، يحتمل من مثل محمد عليه الصلاة والسلام، أي من بشر، ويحتمل من مثله أي مثل الذي أنزلنا على عبدنا، أي من جنسه، وكلاهما صحيح؛ إذ لا يمكن لأي بشر أن يأتي بشيء من مثل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام أبدا، بل قد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ الذين تشهدون لهم بالألوهية وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم، وهذا غاية ما يكون من التحدي أن يتحدى العابد، ويش؟ والمعبود، تحدى العابدين والمعبودين أن يأتوا بسورة من مثله. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مما سوى الله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾، والجواب على هذا أنه لا يمكن، مهما أتوا من المعاونين والمساعدين فلن يأتوا بسورة من مثله. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾؛ لما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وهي شرطية قطع أطماعهم بقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: لا تحاولوا أن تفعلوا؛ لأن هذا شيء مستحيل، ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ الفاء هنا واقعة في جواب الشرط وهو ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ يعني: إن لم تفعلوا فتعارضوا القرآن بمثله فالنار مثواكم، اتقوا النار، ولن يجدوا ما يتقون به النار إلا أن يؤمنوا بما أنزل على محمد ﷺ. ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التي) اسم موصول صفة للنار، (وقود): مبتدأ؛ و(الناس) خبر المبتدأ، ﴿وَقُودُهَا﴾ الوقود: ما يوقد به الشيء، كالحطب مثلا في نار الدنيا، في الآخرة وقود النار هم الناس والحجارة، فالنار تحرقهم وتلتهب بهم، نسأل الله العافية. ﴿الْحِجَارَةُ﴾ قال بعض العلماء: إن المراد بها الحجارة المعبودة، يعني: أصنام؛ لأنهم يعبدون أصنام، فأصنامهم هذه تكون معهم في النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، وقيل: إن الحجارة حجارة نارية - والعياذ بالله - يزداد بها حر النار ولا تبرد - نسأل الله العافية - ولكن لا مانع من أن يكون المراد هذا وهذا، الحجارة المعبودة والحجارة الموقودة التي خلقها الله عز وجل لتوقد بها النار. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (أعدت) الضمير المستتر يعود على النار، والمعِد لها هو الله عز وجل، ومعنى الإعداد التهيئة للشيء، وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: لكل كافر، سواء كفر بالرسالة أو كفر بالألوهية أو بغير ذلك. * في هذه الآيات فوائد: أولا بيان دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله ﷺ؛ لقوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾. * الشيخ: اقرأ الآيات كلها وقول: يؤخذ من هذه الآيات، حدد. * طالب: ﴿عَبْدِنَا﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، يعني أن عبدنا ليس ممن يُشك فيه. * الشيخ: نعم. * طالب: مما أنزلنا على عبدنا. * الشيخ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، هذا وجه الدفاع؛ لأن الأمر هنا للتحدي، فالله عز وجل يتحدى هؤلاء أن يأتوا بمعارض لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ لوصفه بالعبودية، والعبودية لله عز وجل هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره، فإذا لم يعبد الله عز وجل الذي هو المستحق للعبادة عبد الشيطان والهوى، كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾، ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام، والكلام ليس أجساما تُخلق وتكون بائنة عن الله عز وجل، فهو وصف المتكلم، وبهذا نعرف أن من ادعى أن القرآن مخلوق وقال: إن الله قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقال: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] وما أشبه ذلك، فقوله مردود عليه، ولا حجة له في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وقوله: ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] وقوله: ﴿جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، كل هذا لا حجة فيه؛ لوجود الفرق بين الأعيان القائمة بنفسها التي يضيفها الله لنفسه وبين الأوصاف التي ليست قائمة بنفسها. * ومن فوائد الآية: علو الله عز وجل؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه وأنه منزَّل من عنده لزم من ذلك علو المتكلم به، وعلو الله عز وجل أمر فطري عقلي، وسبق أن ذكرنا له خمسة أنواع من الأدلة، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. فإن قال قائل: ذكرتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام تشرف بإضافة عبوديته إلى الله عز وجل مع أن كفار الخلق وفجار الخلق عبيد لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن العبودية لها معان متعددة: عبودية عامة وهي العبودية الكونية القدرية، هذه شاملة لكل أحد، ولا يمكن لأحد إلا أن يخضع بهذه العبودية، فالكافر والفاجر عبد لله، بمعنى أن الله يفعل فيه ما يشاء، وعبودية خاصة وهي عبودية الطاعة، وهي خاصة بمن آمن بالله واتبع شريعته، ثم هذه الخاصة يمكن أن نقول: إنها تنقسم أيضا إلى خاصة عامة وخاصة أخص، فعبودية الرسل غير عبودية الصديقين والشهداء والصالحين، الأولى أكمل وأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن معجز حتى بسورة ولو كانت قصيرة؛ لقوله: ﴿بِسُورَةٍ﴾، وقد تحدى الله عز وجل أن يأتوا بسورة مثله، وأن يأتوا بعشر سور مثله، وأخبر أنه لن يأتي أحد بمثل هذا القرآن ولو اجتمع الإنس والجن، وأقل ما نعلم أن يأتوا بحديث مثله، يعني ولو بجملة واحدة، لا يأتون، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، والحديث يطلق على الجملة وإن قلّت، فعلى هذا يكون التحدي على أربعة أوجه: بالقرآن كله، بعشر سور منه، بسورة، بحديث. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم، وهذا أشد ذلا مما لو تُحُدُّوا فقط، كأنه يقول: أنتم وآلهتكم ائتوا بسورة من مثله، وهذا أشد ما يكون ذلا وإذلالا وخزيا وعارا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يعارض أحد كلام الله؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، وفي هذه الجملة حجتان: حجة لقول من قال بالصِّرفة، بمعنى أن البشر بمقتضى طبيعته قادر على أن يأتي بمثل القرآن لكن صُرف عنه، وعلى هذا فأداة التحدي ممكنة، لكن وُجد مانع، وهو أن الله صرفهم عن معارضته بحيث لا يريدونه. والحجة الثانية: أنهم لن يفعلوا بمقتضى طبيعتهم، لا أنهم صُرفوا وباستطاعتهم أن يعارضوا القرآن، وهذا القول هو المتعين؛ لأن القول الأول أو الاحتمال الأول لا يدل على أن القرآن بذاته معجز؛ إذ أنه يمكنهم أن يأتوا بمثله لكن الله صرفهم ولم يلتفتوا إلى هذا ولم يفكروا فيه، ولكن نقول: هذا خطأ، بل الصواب أن الإنسان بنفسه لا يستطيع أن يأتي بمثل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام صفة المتكلم، فكما أن البشر لا يمكن أن يماثل الله تعالى بصفاته فلا يمكن أن يماثل الله بأيش؟ بكلامه أبدا مستحيل، ولهذا كان الذين يدّعون النبوة ويأتون بما يسمونه قرآنا، كانوا مسخرة للعباد وهزوا كما يُذكر عن مسيلمة الكذاب وغيره، إذن فالصواب أن قوله: ﴿لَنْ تَفْعَلُوا﴾ ليس معناه: ستُصرفون عن ذلك ولا تفعلون، بل المعنى أنكم عاجزون بمقتضى طبيعة البشر، ووجه ما قلنا أن الكلام صفة المتكلم، والقرآن كلام الله عز وجل، فكما أن البشر لا يماثلون صفات الله في العلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك، فكذلك لا يمكن أن يماثل الله تعالى بالكلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد أن يعارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضا: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب، فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضا توقد بهم، فيجتمع العذاب عليهم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم هم مادة توقدها، والثاني: أنهم يُحرقون بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم وطرحها في النار على أحد احتمالين في قوله: ﴿الْحِجَارَة﴾، من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده ولا يريد أن يصيبه أذى، فإذا أحرق هؤلاء المعبودين أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم وخزيهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار موجودة الآن؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾، ومعلوم أن هذا التركيب فعل ماض، الجملة فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء، وهذا أمر دلت عليه السنة،« فإن النبي ﷺ عُرضت عليه الجنة والنار، ورأى أهلها يعذَّبون بها، رأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر قُصْبَهُ –أي: أمعاءَه- في النار[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3521، 4623)، ومسلم (2856 / 50، 51).]]، ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعا، فلم تكن أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، ورأى فيها صاحب الْمِحْجَن يعذَّب، وهو رجل معه مِحْجَن –أي: عصا مثنية الرأس- كان يسرق الحجاج بهذا الطريق، إذا مر به الحجاج جذبهم بالمحجن، فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ واللهِ هذا المحجن هو الذي جذب، وإن لم يتفطن أخذه ومشى، فكان يعذَّب » -والعياذ بالله-« بِمحْجَنِهِ في نار جهنم»[[أخرجه مسلم (904 / 10).]]. ثم هل النار باقية أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى ولا تفنى، وذكر بعضهم خلافا عن بعض السلف أنها تفنى، والصواب أنها تبقى أبد الآبدين، والدليل على هذا من كتاب الله عز وجل في ثلاث آيات من القرآن؛ في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ أما الآية التي في سورة النساء فهي قوله: * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. * الشيخ: أحسنت بارك الله فيك. والتي في سورة الأحزاب، المؤخر شاركونا بارك الله فيكم. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥] * الشيخ: أحسنت، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. والتي في سورة الجن؟ * طالب: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. * الشيخ: ما يكفي، هات الآية من أولها. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [الجن: ٢٣]. * الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وليس بعد كلام الله كلام، حتى إني أذكر تعليقا لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله على كتاب شفاء العليل لابن القيم، ذكر أن هذا من باب (لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة)، كيف أن المؤلف رحمه الله يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ وهو صحيح غريب على ابن القيم رحمه الله أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى، وعلى كل حال كما قال شيخنا في هذه المسألة: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة. وهذه من كبوات ابن القيم رحمه الله، والصواب الذي لا شك فيه وهو عندي مقطوع به أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان المخلَّد فيها يخلَّد تخليدا أبديا لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبديا فلا بد أن تكون النار أيضا أبدية، وأما قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٧] فهي كقوله في أصحاب الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٨]، لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم وثوابهم فضلا ومنة بيّن أن هذا الفضل غير منقطع فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل والسلطة المطلقة للرب عز وجل قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود١٠٧]، وليس المعنى أن ربك فعال لما يريد أنه سوف يخرجهم من النار، أو سوف يُفني النار، لا، المعنى أنهم إنما بقوا فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله بمقتضى فعل الله عز وجل الذي له السلطة الكاملة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار دار للكافرين؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وأما من دخلها من العصاة فإنهم لا يبقون فيها، فهم فيها كالزوار وكالضيوف، لا بد أن يخرجوا منها، فلا تسمى النار دارا لهم، بل هي دار للكافر فقط، أما المؤمن العاصي إذا لم يعف الله عنه فإنه يعذَّب فيها ما شاء الله ثم يخرج منها، إما بشفاعة أو بمنة من الله وفضل، وأما أهل النار الذين هم أهلها فقد أعدت لهم فلا يخرجون منها، أجارنا الله وإياكم منها. * الطلبة: آمين. * الشيخ: ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الوعيد لأهل النار قال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن قبل أن نتجاوز الآية التي نحن بصدد تفسيرها، إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ هذه واحدة، ثانيا: حكى الله عزوجل عن الأنبياء والرسل ومن عاندهم حكى عنهم أقوالا، وهذه الحكاية تحكي قول من حُكِيت عنه، فيكون قول هؤلاء معجزا، مثلا فرعون قال لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، هذا يحكيه الله عن فرعون، فيكون القول قول من؟ قول فرعون، فكيف كان قول فرعون معجزًا، والإعجاز إنما هو قول الله عز وجل؟ فالجواب عن الأول: بماذا كان معجزًا؟ أنه كان معجز بجميع وجوه الإعجاز، من حيث الأسلوب والبلاغة والفصاحة وعدم الملل في قراءته، الإنسان يقرأ القرآن صباحا ومساء، وربما يختمه في اليومين والثلاثة ولا يمله إطلاقا، لكن لو كرر متنًا من المتون كما يكرر القرآن ملّ. ثانيا: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى، وهذا لمن تدبر حقيقة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذِّبين للرسول ﷺ ذكر وعد المؤمنين به، فقال: ﴿وَبَشِّر﴾، والبشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وسميت بذلك لتغير بشرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يسره استنار وجهه وطابت نفسه وانشرح صدره، وقد تستعمل البشارة في الإخبار بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] إما تهكُّمًا بهم، وإما لأنه يحصل لهم من البشارة بهذا ما يحصل للمبشَّرين بالخير، لكن الأول أقرب وذلك لأنهم لا يؤمنون بما يبشَّرون به من العذاب، فيكون هذا من باب التهكم بهم؛ كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ والخطاب في قوله: ﴿بَشِّرِ﴾ إما للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يعني بشِّر أيها المخاطب من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات. وقوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الذين آمنوا بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به ورسوله، وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أصول الإيمان بأنها: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (8 / 1).]]. لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها، بل لا بد من قبول وإذعان، وإلا لما صح الإيمان. وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهو ثمرة الإيمان أن الإنسان يعمل الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي بُنيت على أساسين هما: الإخلاص لله والاتباع لرسول الله ﷺ، فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (2985 / 46).]]. وما لم يكن على الاتباع فهو مردود أيضا لا يُقبل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718 / 17، 18) واللفظ لمسلم. ]]، إذن فالصالح أيش؟ ما كان خالصًا لله متَّبَعا فيه شريعة الله، ويُذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: ما كان خالصًا صوابًا[[تفسير البغوي (8 / 176)]]. قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذا المبشَّر به؛ ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ عند من؟ عند الله عز وجل ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، جنات توافق ما في الدنيا في الاسم، لكنها تخالفه في الحقيقة والكُنه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ولهذا لا يجوز أبدا بأي حال من الأحوال أن نتصور بأن هذه الجنات تشبه جنات الدنيا، مهما كان الأمر، يعني مهما كان في الدنيا من الغابات والأشجار والثمار وغيرها فإنه لا يمكن أن يكون ما وعد الله به المتقين مماثلا لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824 / 2).]]. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل (تجري)، و ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: من تحت أشجارها وقصورها، وليس من أسفل من سطحها، لا؛ لأنها من أسفل من سطحها لا فائدة منها، لكنها تجري من تحت هذه الأشجار والقصور، وما أحسن جري هذه الأنهار إذا كانت من تحت الأشجار والقصور، يجد الإنسان فيها لذة قبل أن يتناولها، وهذه الأنهار بيّنها الله تعالى أنها أربعة أنواع كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، يخلقها الله عز وجل بدون نحل وبدون بقر وبدون إبل، وكذلك الخمر، والماء ليس من الأمطار والعيون، بل هو خلقه الله عز وجل ابتداء، أسأل الله أن لا يحرمني وإياكم منها إنه على كل شيء قدير. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾، ﴿رُزِقُوا﴾ أي: أُعطوا، ﴿مِنْهَا﴾ أي: من هذه الثمار، ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ أي: عطاء، ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ لأنه يشبه ما سبقه، يشبهه في الحجم، يشبهه في اللون، يشبهه في الملمس، كل هذه أشياء حسية يظنها الإنسان مشابهة لما سبق في لونها، ويش؟ وحجمها وملمسها، لكن في المذاق لا، تختلف اختلافا عظيما، ولهذا قال: ﴿أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، تختلف، وما أجمل وألذ للإنسان إذا رأى هذه الفاكهة يراها وكأنها شيء واحد، فإذا ذاقها وإذا الطعم يختلف اختلافا عظيما تجده يجد في نفسه حركة لهذه الفاكهة ولذة وتعجبًا، كيف يكون هذا المتباين العظيم والشكل واحد؟ ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ولهذا الآن لو قُدِّم لك فاكهة ألوانها سواء وأحجامها سواء وملمسها سواء، ثم إذا ذقتها وإذا هذه حلو خالص، وهذه مُز، يعني حلو مقرون بالحموضة، وهذه حامضة، تجد شيء لذة أكثر مما لو كانت على حد سواء، أو كان مختلفا. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ﴿أُتُوا﴾ من (آتى) ولَّا من (أتى)؟ الثاني ولَّا الأول؟ * الطلبة: الأول الأول. * الشيخ: من آتى ولَّا من أتى؟ * الطلبة: من آتى، الأول. * الشيخ: لا، الثاني، ﴿أُتُوا بِهِ﴾؛ لأنه لو كان من الأول لقال: أوتوا به، لكن: ﴿أُتُوا بِهِ﴾ يعني جيء به إليهم به متشابها، متشابها في أيش؟ قلنا: في ثلاثة أشياء، هذا الذي يحضرنا الآن، والله أعلم بما يكون، في اللون والحجم والملمس، لكن في المذاق لا؛ لأنه لو اتفق في المذاق لصار هذا هو هذا لا فرق، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ سبحان الله إذا ذكر الله الفاكهة ذكر الأزواج، تأملها في جميع الآيات، ليش؟ لأنهم يكونون هم وأزواجهم يتفكهون في هذا العطاء وهذا الرزق، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٥، ٥٦] فتجد أن الله تعالى يقرن هذا بهذا؛ لأن كله تفكُّه، لكن هذا تفكُّه من نوع، وهذا تفكه من نوع آخر، هذا تفكه في المذاق والمطعم، وهذا تفكه آخر من نوعٍ ثانٍ؛ لأن بذلك تتم النعمة. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾، ﴿أَزْوَاجٌ﴾ جمع، هل المعنى لكل واحد أزواج؟ ولَّا لكل فرد زوجة لكن لما كانوا جمعا قوبل الجمع بالجمع؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأول؛ لأن الإنسان في الآخرة له أزواج متعددة، والأزواج جمع زوج، ويطلق الزوج على الذكر والأنثى، ولهذا يقال: (زوج) للمرأة وللرجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢]، لكن في اصطلاح الفرضيين صاروا يُلحقون التاء للأنثى، فَرْقًا بينها وبين الرجل عند قسمة الميراث. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، طيب، إذا كانت المرأة ماتت وهي صغيرة لم تتزوج يكون لها زوج في الآخرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم يكون لها زوج في الآخرة، إما من أهل الدنيا، وإما ممن ينشئهم الله عز وجل؛ لأنه يبقي في الجنة فضلٌ عن من دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما فيُدخلهم الجنة بفضله ورحمته. وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ يشمل طهارة الظاهر والباطن، فهي مطهرة من الأذى، القذر، لا بول ولا غائط، ولا حيض ولا نفاس ولا استحاضة، ولا عرق ولا بخر، مطهرة من كل شيء ظاهر، حسي، مطهرة أيضا من الأقذار الباطنة كالغل والحقد والكراهية والبغضاء وغير ذلك، مطهرة من كل شيء، من كل قذر وأذى ظاهري أو باطني، بخلاف أزواج الدنيا، لكن أزواج الدنيا مناسبة تماما لأزواجهم الذكور؛ لأنها إذا لم تطهر من هذا فزوجها؟ زوجها مثلها، لكن في الآخرة الكل مطهَّر. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا تمام النعمة أنهم خالدون في هذه الجنات لا يبغون عنها حِولا ولا يُحوَّلون منها، وكما جاء في الحديث: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَمْرَضُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا»[[أخرجه مسلم (2837 / 22) بلفظ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا.]]. فيتم بذلك نعيمهم، لكن أعلى نعيم يكون لأهل الجنة هو النظر إلى وجه الله سبحان الله وتعالى، هذا أعلى نعيم، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه أحمد في المسند (18935، 18941)، والنسائي في السنن الكبرى (11170).]]. * في هذه الآية فوائد، منها: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله: ﴿بَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولقول الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢]، ﴿بَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام. (طيب) لكن إذا كان يسر الإنسان معصية الله، فهل تبشّره؟ يعني إنسان حصل له سرقة، سَرَق، تيجي تبشره تقول: ما شاء الله، هنّأك الله بما سرقت؟ أبدًا، طيب، إنما البشارة بما يسر وليس له عاقبة سيئة، وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة كما لو أدرك رمضان فقلت: هنّأك الله بهذا الشهر؟ الجواب نعم، وكذلك أيضا لو أتم الصوم فقلت: هنّأك الله بهذا العيد وتقبّل منك عبادتك، وما أشبه ذلك، فإنه لا بأس به، وقد كان هذا من عادة السلف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين الوصفين: الإيمان والعمل الصالح. فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. قلنا: إن التواصي بالحق والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحيانا يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل وسبب من الأسباب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملا سيئا فإنه لا يبشَّر بهذا بالجنات؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن من عمل عملا سيئا فإن كان مجتهدا فأخطأ فله أجر ويسلم من الإثم، وإن كان غير مجتهد ولا باذلًا جهده فإنه يكون آثما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716 / 15) بلفظ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات أكبر بكثير مما عملوا وأعظم؛ لأنه مهما آمنوا وعملوا فالعمر محدود وينتهي، لكن الجزاء أيش؟ الجزاء لا ينتهي أبدا، هم مخلَّدون فيه أبد الآباد، كذلك أيضا الأعمال التي يقدمونها هي قد يشوبها كسل، قد يشوبها تعب، قد يشوبها أشياء تنقِّصُها، لكن إذا منّ الله عليهم فدخلوا الجنة فالنعيم كامل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقد يقال: إن هذا لا دلالة فيه؛ لأن (جنات) جمع مقابلة لجمع، وهو قوله: ﴿لَهُمْ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾، لكن السنة بل القرآن جاء بأن الجنات أنواع؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] فهي أنواع، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (4878)، ومسلم (296 / 180) بلفظ: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بخلق هذه الأنهار من غير سبب معلوم في الدنيا؛ لأن الماء عندنا في الدنيا معروف أسبابه، الأنهار المائية معروف أسبابها، كذلك اللبن معروف من أين ينتج، العسل معروف، والرابع؟ الخمر معروف، لكن في الجنة لا، ينشئه الله عز وجل، أنهار تجري، وقد جاء في الأثر «أنها تجري من غير أخدود»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (34954) عن مسروق، قال: أنهار الجنة تجري في غير أخدود.]]؛ يعني لم يُحفر لها حُفَر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها، بل النهر يجري ويتصرف به الإنسان بما شاء، يوجهه حيث شاء - سبحان الله - قال ابن القيم رحمه الله: أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْـــــــحَانَ مُمْسِكِهَـــــا عَــــــنِالْفَيَضَــــــانِ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نعيم أهل الجنة أنهم يؤتَون بالرزق متشابها و ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا من تمام النعيم والتلذذ بما يأكلون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم، وعلى هذا فيثبت الجماع أو لا؟ يثبت، ولكن إذا ثبت الجماع هل يحصل الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؟ الجواب: لا، ولهذا ليس في الجنة منيّ ولا منية، والمني الذي خلقه الله عز وجل إنما خلقه لبقاء النسل؛ لأن هذا المني مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين فيخرج بإذن الله تعالى ولدًا، لكن في الآخرة في الجنة لا، لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى منهم أحد، ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم ويخدمهم، الولدان تطوف عليهم بأكواب وأباريق وكأس من معين، ثم هم لا يحتاجون أيضا إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها، بل كما قال الله تعالى فيها: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن ٥٤]، حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة فيحس أنه يحبها مثلا، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها، الله أكبر، ولا تستغرب هذا، يعني نحن في الدنيا نشاهد مثل هذا الشيء، بمعنى نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سبب أو بغير صلات محسوسة، لكن في الآخرة أبلغ وأبلغ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى مَن فيها، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وأنكر ذلك من أنكره من أهل الفلسفة الذين قالوا: إن الله يمتنع عليه دوام الفعل في الأزل وفي الأبد - والعياذ بالله - فجعلوا الله معطَّلا في الابتداء ومعطلا في الانتهاء، حتى قال بعضهم والعياذ بالله: إن الجنة تفنى بمن فيها والإنسان رافع لقمته إلى فمه، فيحل الفناء ويبقى رافعًا اللقمة، بياكل تبقى اللقمة ويده فانية، كما قال ابن القيم في النونية: إن العلاف أتى بضحكة مجانية[[النونية (1 / 9): وتلطف العلاف من أتباعه... فأتى بضحكة جاهل مجان]] كذلك الإنسان مع أهله مع زوجته يجامعها فيأتي وقت الفناء، ويبقى معها أبد الآبدين، فانية، نسأل الله العافية. على كل حال الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك، على القول المتعين، ما هو الراجح؟ أنها لا تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل؛ وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرا، وما كنا نظن أن أحدا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم عفا الله عنه حاول أن يرجِّح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذا الجواد وغلطا عظيما. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب إلى تقوية هذا المذهب، وإن كان لم يصرِّح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن. الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك على القول المتعين، ما هو الراجح أنها تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل، وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرًا وما كنا نظن أن أحدًا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم -عفا الله عنه- حاول أن يرجح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذه الجواد وغلطًا عظيمًا. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب هذا إلى تقوية هذا المذهب وإن كان لم يصرح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، كيف يصح لنا أو يستقيم لنا أن نقول: إن النار تفنى، والله تعالى يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ما الفائدة من قوله: ﴿أَبَدًا﴾؟ على كل حال مذهب أهل السنة والجماعة الذي يكاد يكون إجماعًا هو أن النار لا تفنى، كما أن الجنة لا تفنى بالاتفاق الواضح. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لو أمضى عمره بطاعة الله عز وجل راكعًا ساجدًا قائمًا لكان ذلك قليلًا بالنسبة لهذا الثواب العظيم الذي يحصل له في يوم يشقى فيه من يشقى من عباد الله، ويكون في نار الجحيم والعياذ بالله، فنسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. جزاكم الله خيرًا. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال المخالف: إن المقصود بقوله عز وجل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أن ذلك في الشرائع، وإلا فالحجة قائمة في التوحيد وفي أصول الدين بالميثاق والفطرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف ١٧٢، ١٧٣] فهنا أثبت أنه الميثاق..؟ * الشيخ: الميثاق الذي أُخِذ عليهم أن يؤمنوا بما جاءت به الرسل، فلا بد من الرسل، والآية عامة ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] عامة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة.

البقرة 2:23

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٤]. * الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطاب هنا ورد بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مع أن السورة مدنية، وأكثر من يخاطَب في السور المدنية هم المؤمنون، ولهذا جعل المتكلمون في أصول التفسير جعل من علامة السور المدنية أن الخطاب يكون فيها موجها للمؤمنين بخلاف الآيات المكية؛ لأن أكثر من يخاطب بها من ليس بمؤمن، لكن هذه الآية هي أول آية فيها نداء، أول آية فيها نداء هي هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ولهذا وُجِّه الخطاب بها أو النداء بها إلى جميع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جُعلت في السورة المدينة؟ نقول: الأصل عدم ذلك، ولهذا نرى في بعض عناوين السور: مكية إلا آية كذا وكذا، مدنية إلا آية كذا وكذا، هذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح، وإلا فالأصل أن السور المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية، إلا بدليل ثابت. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، في هذه ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إثبات الألوهية، يعني إثبات توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ ﴿اعْبُدُوا﴾ هذا توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية يسمى توحيد ألوهية باعتبار إضافته إلى الله، وتوحيد عبادة باعتبار إضافته إلى العبد. يقول الله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فما هي العبادة التي أُمرنا بها؟ العبادة التي أُمرنا بها هي التذلل لله عز وجل ذلا تاما مستلزما للمحبة والتعظيم، لا بد، وإلّا لم يكن الإنسان عبدا، أن يتذلل لله تعالى ذلا كاملا، أيش؟ مستلزما للمحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون فعل الأوامر حتى يصل العابد إلى محبوبه، وبالتعظيم يكون الفرار من النواهي لئلا يعذبه ربه العظيم عز وجل، هذا هو معنى العبادة: التذلل لله، أيش؟ ذلا كاملا مستلزما للمحبة والتعظيم، طيب، هذا تفسير العبادة بالنسبة لفعل العبد، قد تفسَّر العبادة بالنسبة لمفعول العبد، بالنسبة لمفعوله، فيقال مثلا: الصلاة عبادة، الزكاة عبادة، الصوم عبادة، وعلى هذا فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. ثم ضرب أمثلة بالصلاة والزكاة وغيرها، وحينئذ نقول: العبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول: التعبد، والمعنى الثاني: المتعبَّد به وهو مفعول العبد؛ يعني ما فعله العبد، واضح يا جماعة؟ طيب، ما المراد بالآية؟ المعنيان أو المعنى الأول؟ الظاهر كلاهما، وهما متلازمان. وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الرب هو الخالق، المالك، أيش؟ المدبر، الخالق المالك المدبر، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفةً كاشفة مبينة للواقع، وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق والثاني غير خالق، بل ربنا هو الخالق، فالصفة هنا إذن صفة كاشفة وليست صفة احترازية، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، والخلق هو الإيجاد من عدم، ولم يخلق الناس إلا الله عز وجل، لا يخلقهم أب ولا أم ولا ملَك ولا أحد، لا يخلقهم إلا الله، وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج٧٣]، فعدم خلق بني آدم من باب أولى، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني: وخلق الذين من قبلكم، ولهذا نجد سبحان الله بنو آدم يتسلسلون، تنظر إلى المسجد أو تنظر إلى مجتمع تجد هذا له سبعون سنة، وهذا له خمسون، وهذا له أربعون، وهذا له ثلاثون، وهذا له عشرون، وهذا له عشر، وهذا له خمس، من أجل أن يعمر الكون، يتعاقبون، فإذا تأملت هذا عرفت كمال سلطان الله عز وجل وكمال حكمته، هؤلاء الذين قبلنا مخلوقون، ونحن من ذريتهم، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، ذرية نوح، نحن من ذريتهم، إذن مَن تفرع على مخلوق فهو مخلوق، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وعلى هذا فقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على؟ * طالب: الضمير. * الشيخ: على الكاف في ﴿خَلَقَكُمْ﴾، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، (لعل) هنا للتعليل؛ أي لتصلوا إلى التقوى، ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله عز وجل في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾ [البقرة ١٩٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا من باب التعدد أنواعا، أو تعديد أنواع من أفعاله عز وجل، جعل الله لنا الأرض فراشا موطأة، يستقر الإنسان عليها استقرارا كاملا، ليست نشزا وليست مؤلمة عند النوم عليها أو السكون عليها أو ما أشبه ذلك، والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة، وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبغير ذلك مما جرى في القرآن، والفراش كما نعلم يكون موطأ للإنسان مهيأ له يستريح فيه. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] السماء جعلها الله بناء، أي بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليست هي السماء الأولى، بل المراد بالسماء في الثانية العلو؛ لأن الماء الذي هو المطر ينزل من السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِه﴾ [النور ٤٣]، فالماء الذي هو المطر لا ينزل من السماء التي هي البناء، وإنما ينزل من السحاب التي في العلو، وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا، والمعنى الثاني: العلو. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، ﴿أَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، وانظر إلى الحكمة والنكتة البديعة، حيث أضاف الأمر إلى نفسه جل وعلا لكن بسبب، فالسبب موصل فقط، وإلا فهل المطر يُخرج النبات؟ لا، المخرج هو الله، لكن السبب المطر، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾، أي: بسببه، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وجمع الثمرات لأنها متنوعة، لو أراد الإنسان أن يحصي أنواعها لعجز فضلا عن أفرادها. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في العبادة، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الخلق والرزق وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من أفعال الربوبية؛ لأن المشركين يقرون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله، يقرون بهذا إقرارا تاما، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا، لكن في العبادة ينكرون هذا، يشركون، يجعلون مع الله إلها آخر، وينكرون على من وحّد الله، حتى قالوا في الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾ [ص ٥]، ونقول: ما شاء الله، من الذي جاء بالشيء العجاب؟ هم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالصواب، لكن هم جاءوا بالشيء العجاب، نسأل الله العافية، إذن ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في أيش؟ * الطلبة: في العبادة. * الشيخ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الربوبية من الخلق والرزق، وغير ذلك، وإقراركم بالخلق والرزق أن الله منفرد به يلزم أن تجعلوا العبادة لله وحده، فإن لم تفعلوا فأنتم متناقضون، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزِم لتوحيد الألوهية، يعني من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ومن أقر بالألوهية فإنه لم يقر بها حتى كان قد أقر بالربوبية، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. * في هذه الآية من الفوائد، أولا: العناية بالعبادة، يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء، والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس، مما يدل على أن العبادة من أهم شيء، وهو كذلك، بل إن الناس ما خُلقوا إلا لأجل العبادة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات ٥٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فإن الرب يستحق عز وجل أن يُعبد ولا يُعبد غيره، والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم الضراء وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى من؟ إلى الله؛ ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [لقمان٣٢]؛ لأن فِطَرهم تحملهم على ذلك ولا بد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله عز وجل هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين والآخرين؛ لقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طريق القرآن أنه إذا ذكر الحكم غالبا ذكر العلة، الحكم: ﴿اعْبُدُوا﴾، والعلة: كونه ربًّا خالقا لنا ولمن قبلنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هل يمكن أن نأخذ من هذه الآية التحذير من البدع؟ ربما نأخذ منها التحذير من البدع، وذلك لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعبادة؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله، كيف نتوضأ، إلا عن طريق الوحي والشرع؛ كيف نصلي، يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام يقرأ ثم ركع ثم سجد، فهذه هي العبادة المطلوبة منا إلا بعد أيش؟ بعد الوحي، وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن الأمر بالعبادة يستلزم الأمر بالاتباع. وهل يستفاد من الآية الحث على طلب العلم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، كيف ذلك؟ إذ لا تُمكن العبادة إلا بالعلم، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة بقوله: باب العلم قبل القول والعمل[[صحيح البخاري (1 / 24).]]. ثم قال تعالى مذكرا عباده: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى وحكمته في جعل الأرض فراشا؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال، لكن من رحمته ولطفه وإحسانه جعلها فراشا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جعل السماء بناء، لكن ما فائدتنا من جعل السماء بناء؟ فائدتنا من جعل السماء بناء أن نعلم بذلك قدرة الله عز وجل؛ لأن هذه السماء المحيطة بكل الأرض من جميع الجوانب نعلم أنها كبيرة جدا واسعة، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون﴾ [الذاريات ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإنزال المطر من السماء؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا، والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة، أليس كذلك؟ نعم، وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال:« ادعُ اللهَ أن يغيثَنَا، فرفَعَ يديْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، وما نزَلَ من الخطبةِ إلا والمطرُ يَتحادَرُ من لحيتِهِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (1014)، ومسلم (897 / 8).]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته بإنزال المطر من السماء، وجه ذلك لو كان الماء الذي تحيا به الأرض، لو كان يجري على الأرض لأضر الناس، ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراض كثيرة، ما هي الأراضي التي تُحرم؟ المرتفعة، لا يأتيها شيء، ولكن من نعمة الله أنه ينزل من السماء، ثم هناك شيء آخر أيضا أنه ينزل رذاذا، يعني قطرة قطرة، ولو نزل كأفواه القِرَب لأضر بالناس، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل على ما تعهدون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الأسباب لا تكون سببا إلا بإرادة الله؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾. * ومن فوائدها فائدة مَسلكية: أن الإنسان ينبغي له أن يضيف الشيء إلى الله مقرونا بالسبب، فمثلا لو أن أحدا من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه، أنقذه من الغرق، فليقل: أنقذني الله بفلان، وله أن يقول: أنقذني فلان، له أن يقول ذلك؛ لأنه فعلا أنقذه، وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان، كم هذه من صيغة؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله، ويدل لهذا أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله عز وجل مقرونا بالسبب «أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام، وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأسلم، لكنه أسلم بعد أن استشار أباه، التفت إليه ينظر إليه يستشيره، قال: أطع أبا القاسم.» الجهل، أذن لولده، بل أمر ولده أن يُسلم وهو لم يسلم في تلك الحال، بعدُ ما ندري، الله أعلم، لكن على كل حال خرج النبي صلي الله عليه وسلم وهو يقول:« «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (1356).]]. شوف التعبير!! «أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»، وهكذا ينبغي لنا نحن، إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى، أيش؟ مقرونا ببيان السبب، طيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: قدرة الله عز وجل وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر، تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء، فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله عز وجل، ففيه القدرة وفيه الفضل، ولذلك قال: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة، نعم، أن الله عز وجل منعم على الإنسان كافرا كان أو مسلما، من أين؟ * طالب: من قوله (...) * الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ وهو يخاطب بالأول الناس عموما، إذن فلله تعالى فضل على الناس كافرهم ومؤمنهم، كل له فضل، لكن فضل الله على المؤمن - جعلني الله وإياكم منهم - دائم متصل بفضل الآخرة، وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم جعل الأنداد لله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهل الأنداد شرك أكبر أو شرك أصغر؟ وهل هي شرك جلي أو شرك خفي؟ هذا له تفصيل في علم التوحيد، إن جعل لله ندا في العبادة بأن عبد غير الله كعبادة الله فهذا، أيش؟ شرك أكبر، وإن جعل له ندا في الربوبية وقال: إن هذا الخلق خلقه اثنان مثلا، فهذا شرك أكبر، وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، ومن ذلك أن يضيف الشيء إلى سببه وإلى الله مقرونا بالواو فهذا شرك أصغر، ما لم يعتقد أن هذا السبب له فعل كفعل الله فيكون شركا أكبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن خاطب أحدا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة، من قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ومن قوله في صدر الآية: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فيه إقامة الحجة على وجوب العبادة له؛ لأنه الخالق وحده. الإعراب في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الجملة حالية في محل نصب. * طالب: فضيلة الشيخ ما الحكمة من كثرة الآيات الدالة على توحيد الربوبية مع أن المخاطبين في هذا القرآن يقرون بتوحيد الربوبية؟ * الشيخ: نعم، إقامة الحجة. * طالب: هم يقولون به. * الشيخ: إي، لكن إذا قالوا به يلزمهم أن يوحّدوا بالألوهية. * طالب: ولكن بعض الدعاة الذين يدعون يكثرون من (...) ودعوة توحيد الربوبية، مع أن الناس عندهم خلل في توحيد الألوهية ويستشهدون بكثرة الآيات في هذا في القرآن. * الشيخ: إي، هذا مثل ما قلت، لو كان يخاطب ناسًا ينكرون الألوهية، يعني ينكرون توحيد الألوهية، فليكثر من ذكر الآيات في الربوبية، لكن إذا كان يتكلم على أناس مقرين بتوحيد الألوهية فينبغي أن يأتي لهم بآيات أخرى آيات في الصفات آيات في أفعال الله. * طالب: هم مسلمون. * الشيخ: ما يخالف، إذا كانوا مسلمين، فالربوبية يمكن يذكرونها من أجل أن يزداد إيمانهم. * طالب: (...) العبادة هي تذلل يستلزم المحبة والتعظيم وهذا يكون لله عز وجل، هل مَن صرف المحبة لوحده أو التعظيم لوحده لغير الله مشرك الشرك الأكبر؟ * الشيخ: إي نعم، إذا أحب أحدا مثل محبة الله أو أعظم فهو مشرك شركا أكبر. * طالب: أو عظّم أحدا؟ * الشيخ: أو عظّم أحدا مثل تعظيم الله أو أشد، حتى لو عظم الكعبة مثل تعظيم الله، أو عظم الرسول عليه الصلاة والسلام مثل تعظيم الله كان مشركا شركا أكبر. * طالب: شيخ ما نقول لهؤلاء الذين عند القبور (...) الأولياء فهم يحبونهم ويعظمونهم لكن ما نعلم هل أحبوهم كحب الله أم لا؟ * الشيخ: نقول هكذا، نقول بالتفصيل، ثم نقول لهذا: هل أنت تحب هذا أشد من حب الله؟ * الطالب: إن حبه وعظمه ولكن يعني..؟ * الشيخ: في أناس الآن يحبون الرسول أكثر من محبة الله، وأنا أذكر أن أناسا من الحُجاج ونحن في جدة في المسجد جاء وقت المنع من السفر إلى المدينة؛ لأنه أظن بعد الرابع من ذي الحجة يمنعونهم من السفر إلى المدينة خوفا عليهم من التأخر، فجعل يبكي بكاء شديدا؛ ليش؟ قال: نور عيني. من نور عينه؟ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا ما جئت إلا لهذا، شايف الحين جاي بيحج، يقول: أنا نور عيني ما جئت إلا له، في ظني أن هذا يمكن محبة الرسول في قلبه أكثر من محبة الله، فمثل هؤلاء يجب أن يبين لهم، يقال: لولا محبة الله ما أحببنا الرسول، ولولا أن محمدا رسول الله ما أحببناه هذا المحبة، ولا قدمنا محبته على أنفسنا وأهلينا وأولادنا، من أين وجب لنا أن نعظم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ من أجل أنه رسول ربنا، ما هو من أجل أنه محمد بن عبد الله، معلوم هذا؟ فهؤلاء العامة يبين لهم، يقال: لا تجعل أحدا مع الله إطلاقا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة١٦٥]. * طالب: شيخ لو حصل في شخص حب وتعظيم (...). * الشيخ: لا لا؛ الإنسان يحب والديه ويعظم والديه، يحب معلمه ويعظم معلمه، يحب إللّي أكبر منه ويعظمه، المهم أن لا يكون هناك غلو. * * * * طالب: ﴿﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٣- ٢٥] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إلى آخره؛ الخطاب لمن جعل لله أندادا؛ لأنه قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. لكن شهادة أن لا إله الله توحيد القصد، والثاني: توحيد المتابعة، فكلاهما توحيد، لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصا لله، والثاني توحيد المتابعة بأن يكون العمل متَّبَعا فيه رسول الله، وأنتم إذا تأملتم القرآن وجدتم هكذا، يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة. مثال آخر: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِين﴾ [المؤمنون٦٨] ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون٦٩] وهذا مطرد في القرآن الكريم، يقول ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، الريب يفسره كثير من الناس بالشك، ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن الريب يُشعر بقلق، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك، وذلك لأن ما جاء به الرسول حق، والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به، بخلاف الشك في الأمور الهينة فلا يقال: ريب، وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقًا واضطرابًا. وقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ هو محمد رسول الله، والله تبارك وتعالى وصف رسوله بالعبودية في المقامات العالية؛ في الدفاع عنه، وفي بيان تكريمه بالمعراج والإسراء، وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن؛ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]، هذا في مقام التحدي والمدافعة، وأفضل أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام هي العبودية والرسالة، ولهذا قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[[أخرجه البخاري (3445)، بلفظ: «فَإِنَّمَا أَنا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْد اللَّهِ وَرَسُولهُ».]]. والعبودية: وهي التذلل للمحبوب والمعظم يتلذذ بها العابد، ولهذا قال الشاعر في وصف محبوبته: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَــــــــــإِنَّهُ أَشـْــــــــرَفُأَسْمَـــــــائِي أي لا تقل: فلان وفلان، قل: يا عبد فلانة؛ لأن هذا هو عنده أشرف أسمائه حيث انتمى إليها - نعوذ بالله من الخذلان- إذن أشرف أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام وصفان: العبودية والرسالة، ﴿عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، (ائتوا): أمر يُقصد به التحدي، يعني إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإنا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة من مثله، يحتمل من مثل محمد عليه الصلاة والسلام، أي من بشر، ويحتمل من مثله أي مثل الذي أنزلنا على عبدنا، أي من جنسه، وكلاهما صحيح؛ إذ لا يمكن لأي بشر أن يأتي بشيء من مثل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام أبدا، بل قد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ الذين تشهدون لهم بالألوهية وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم، وهذا غاية ما يكون من التحدي أن يتحدى العابد، ويش؟ والمعبود، تحدى العابدين والمعبودين أن يأتوا بسورة من مثله. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مما سوى الله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾، والجواب على هذا أنه لا يمكن، مهما أتوا من المعاونين والمساعدين فلن يأتوا بسورة من مثله. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾؛ لما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وهي شرطية قطع أطماعهم بقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: لا تحاولوا أن تفعلوا؛ لأن هذا شيء مستحيل، ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ الفاء هنا واقعة في جواب الشرط وهو ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ يعني: إن لم تفعلوا فتعارضوا القرآن بمثله فالنار مثواكم، اتقوا النار، ولن يجدوا ما يتقون به النار إلا أن يؤمنوا بما أنزل على محمد ﷺ. ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التي) اسم موصول صفة للنار، (وقود): مبتدأ؛ و(الناس) خبر المبتدأ، ﴿وَقُودُهَا﴾ الوقود: ما يوقد به الشيء، كالحطب مثلا في نار الدنيا، في الآخرة وقود النار هم الناس والحجارة، فالنار تحرقهم وتلتهب بهم، نسأل الله العافية. ﴿الْحِجَارَةُ﴾ قال بعض العلماء: إن المراد بها الحجارة المعبودة، يعني: أصنام؛ لأنهم يعبدون أصنام، فأصنامهم هذه تكون معهم في النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، وقيل: إن الحجارة حجارة نارية - والعياذ بالله - يزداد بها حر النار ولا تبرد - نسأل الله العافية - ولكن لا مانع من أن يكون المراد هذا وهذا، الحجارة المعبودة والحجارة الموقودة التي خلقها الله عز وجل لتوقد بها النار. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (أعدت) الضمير المستتر يعود على النار، والمعِد لها هو الله عز وجل، ومعنى الإعداد التهيئة للشيء، وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: لكل كافر، سواء كفر بالرسالة أو كفر بالألوهية أو بغير ذلك. * في هذه الآيات فوائد: أولا بيان دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله ﷺ؛ لقوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾. * الشيخ: اقرأ الآيات كلها وقول: يؤخذ من هذه الآيات، حدد. * طالب: ﴿عَبْدِنَا﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، يعني أن عبدنا ليس ممن يُشك فيه. * الشيخ: نعم. * طالب: مما أنزلنا على عبدنا. * الشيخ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، هذا وجه الدفاع؛ لأن الأمر هنا للتحدي، فالله عز وجل يتحدى هؤلاء أن يأتوا بمعارض لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ لوصفه بالعبودية، والعبودية لله عز وجل هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره، فإذا لم يعبد الله عز وجل الذي هو المستحق للعبادة عبد الشيطان والهوى، كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾، ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام، والكلام ليس أجساما تُخلق وتكون بائنة عن الله عز وجل، فهو وصف المتكلم، وبهذا نعرف أن من ادعى أن القرآن مخلوق وقال: إن الله قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقال: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] وما أشبه ذلك، فقوله مردود عليه، ولا حجة له في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وقوله: ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] وقوله: ﴿جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، كل هذا لا حجة فيه؛ لوجود الفرق بين الأعيان القائمة بنفسها التي يضيفها الله لنفسه وبين الأوصاف التي ليست قائمة بنفسها. * ومن فوائد الآية: علو الله عز وجل؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه وأنه منزَّل من عنده لزم من ذلك علو المتكلم به، وعلو الله عز وجل أمر فطري عقلي، وسبق أن ذكرنا له خمسة أنواع من الأدلة، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. فإن قال قائل: ذكرتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام تشرف بإضافة عبوديته إلى الله عز وجل مع أن كفار الخلق وفجار الخلق عبيد لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن العبودية لها معان متعددة: عبودية عامة وهي العبودية الكونية القدرية، هذه شاملة لكل أحد، ولا يمكن لأحد إلا أن يخضع بهذه العبودية، فالكافر والفاجر عبد لله، بمعنى أن الله يفعل فيه ما يشاء، وعبودية خاصة وهي عبودية الطاعة، وهي خاصة بمن آمن بالله واتبع شريعته، ثم هذه الخاصة يمكن أن نقول: إنها تنقسم أيضا إلى خاصة عامة وخاصة أخص، فعبودية الرسل غير عبودية الصديقين والشهداء والصالحين، الأولى أكمل وأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن معجز حتى بسورة ولو كانت قصيرة؛ لقوله: ﴿بِسُورَةٍ﴾، وقد تحدى الله عز وجل أن يأتوا بسورة مثله، وأن يأتوا بعشر سور مثله، وأخبر أنه لن يأتي أحد بمثل هذا القرآن ولو اجتمع الإنس والجن، وأقل ما نعلم أن يأتوا بحديث مثله، يعني ولو بجملة واحدة، لا يأتون، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، والحديث يطلق على الجملة وإن قلّت، فعلى هذا يكون التحدي على أربعة أوجه: بالقرآن كله، بعشر سور منه، بسورة، بحديث. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم، وهذا أشد ذلا مما لو تُحُدُّوا فقط، كأنه يقول: أنتم وآلهتكم ائتوا بسورة من مثله، وهذا أشد ما يكون ذلا وإذلالا وخزيا وعارا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يعارض أحد كلام الله؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، وفي هذه الجملة حجتان: حجة لقول من قال بالصِّرفة، بمعنى أن البشر بمقتضى طبيعته قادر على أن يأتي بمثل القرآن لكن صُرف عنه، وعلى هذا فأداة التحدي ممكنة، لكن وُجد مانع، وهو أن الله صرفهم عن معارضته بحيث لا يريدونه. والحجة الثانية: أنهم لن يفعلوا بمقتضى طبيعتهم، لا أنهم صُرفوا وباستطاعتهم أن يعارضوا القرآن، وهذا القول هو المتعين؛ لأن القول الأول أو الاحتمال الأول لا يدل على أن القرآن بذاته معجز؛ إذ أنه يمكنهم أن يأتوا بمثله لكن الله صرفهم ولم يلتفتوا إلى هذا ولم يفكروا فيه، ولكن نقول: هذا خطأ، بل الصواب أن الإنسان بنفسه لا يستطيع أن يأتي بمثل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام صفة المتكلم، فكما أن البشر لا يمكن أن يماثل الله تعالى بصفاته فلا يمكن أن يماثل الله بأيش؟ بكلامه أبدا مستحيل، ولهذا كان الذين يدّعون النبوة ويأتون بما يسمونه قرآنا، كانوا مسخرة للعباد وهزوا كما يُذكر عن مسيلمة الكذاب وغيره، إذن فالصواب أن قوله: ﴿لَنْ تَفْعَلُوا﴾ ليس معناه: ستُصرفون عن ذلك ولا تفعلون، بل المعنى أنكم عاجزون بمقتضى طبيعة البشر، ووجه ما قلنا أن الكلام صفة المتكلم، والقرآن كلام الله عز وجل، فكما أن البشر لا يماثلون صفات الله في العلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك، فكذلك لا يمكن أن يماثل الله تعالى بالكلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد أن يعارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضا: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب، فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضا توقد بهم، فيجتمع العذاب عليهم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم هم مادة توقدها، والثاني: أنهم يُحرقون بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم وطرحها في النار على أحد احتمالين في قوله: ﴿الْحِجَارَة﴾، من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده ولا يريد أن يصيبه أذى، فإذا أحرق هؤلاء المعبودين أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم وخزيهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار موجودة الآن؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾، ومعلوم أن هذا التركيب فعل ماض، الجملة فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء، وهذا أمر دلت عليه السنة،« فإن النبي ﷺ عُرضت عليه الجنة والنار، ورأى أهلها يعذَّبون بها، رأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر قُصْبَهُ –أي: أمعاءَه- في النار[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3521، 4623)، ومسلم (2856 / 50، 51).]]، ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعا، فلم تكن أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، ورأى فيها صاحب الْمِحْجَن يعذَّب، وهو رجل معه مِحْجَن –أي: عصا مثنية الرأس- كان يسرق الحجاج بهذا الطريق، إذا مر به الحجاج جذبهم بالمحجن، فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ واللهِ هذا المحجن هو الذي جذب، وإن لم يتفطن أخذه ومشى، فكان يعذَّب » -والعياذ بالله-« بِمحْجَنِهِ في نار جهنم»[[أخرجه مسلم (904 / 10).]]. ثم هل النار باقية أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى ولا تفنى، وذكر بعضهم خلافا عن بعض السلف أنها تفنى، والصواب أنها تبقى أبد الآبدين، والدليل على هذا من كتاب الله عز وجل في ثلاث آيات من القرآن؛ في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ أما الآية التي في سورة النساء فهي قوله: * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. * الشيخ: أحسنت بارك الله فيك. والتي في سورة الأحزاب، المؤخر شاركونا بارك الله فيكم. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥] * الشيخ: أحسنت، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. والتي في سورة الجن؟ * طالب: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. * الشيخ: ما يكفي، هات الآية من أولها. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [الجن: ٢٣]. * الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وليس بعد كلام الله كلام، حتى إني أذكر تعليقا لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله على كتاب شفاء العليل لابن القيم، ذكر أن هذا من باب (لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة)، كيف أن المؤلف رحمه الله يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ وهو صحيح غريب على ابن القيم رحمه الله أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى، وعلى كل حال كما قال شيخنا في هذه المسألة: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة. وهذه من كبوات ابن القيم رحمه الله، والصواب الذي لا شك فيه وهو عندي مقطوع به أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان المخلَّد فيها يخلَّد تخليدا أبديا لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبديا فلا بد أن تكون النار أيضا أبدية، وأما قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٧] فهي كقوله في أصحاب الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٨]، لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم وثوابهم فضلا ومنة بيّن أن هذا الفضل غير منقطع فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل والسلطة المطلقة للرب عز وجل قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود١٠٧]، وليس المعنى أن ربك فعال لما يريد أنه سوف يخرجهم من النار، أو سوف يُفني النار، لا، المعنى أنهم إنما بقوا فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله بمقتضى فعل الله عز وجل الذي له السلطة الكاملة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار دار للكافرين؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وأما من دخلها من العصاة فإنهم لا يبقون فيها، فهم فيها كالزوار وكالضيوف، لا بد أن يخرجوا منها، فلا تسمى النار دارا لهم، بل هي دار للكافر فقط، أما المؤمن العاصي إذا لم يعف الله عنه فإنه يعذَّب فيها ما شاء الله ثم يخرج منها، إما بشفاعة أو بمنة من الله وفضل، وأما أهل النار الذين هم أهلها فقد أعدت لهم فلا يخرجون منها، أجارنا الله وإياكم منها. * الطلبة: آمين. * الشيخ: ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الوعيد لأهل النار قال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن قبل أن نتجاوز الآية التي نحن بصدد تفسيرها، إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ هذه واحدة، ثانيا: حكى الله عزوجل عن الأنبياء والرسل ومن عاندهم حكى عنهم أقوالا، وهذه الحكاية تحكي قول من حُكِيت عنه، فيكون قول هؤلاء معجزا، مثلا فرعون قال لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، هذا يحكيه الله عن فرعون، فيكون القول قول من؟ قول فرعون، فكيف كان قول فرعون معجزًا، والإعجاز إنما هو قول الله عز وجل؟ فالجواب عن الأول: بماذا كان معجزًا؟ أنه كان معجز بجميع وجوه الإعجاز، من حيث الأسلوب والبلاغة والفصاحة وعدم الملل في قراءته، الإنسان يقرأ القرآن صباحا ومساء، وربما يختمه في اليومين والثلاثة ولا يمله إطلاقا، لكن لو كرر متنًا من المتون كما يكرر القرآن ملّ. ثانيا: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى، وهذا لمن تدبر حقيقة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذِّبين للرسول ﷺ ذكر وعد المؤمنين به، فقال: ﴿وَبَشِّر﴾، والبشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وسميت بذلك لتغير بشرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يسره استنار وجهه وطابت نفسه وانشرح صدره، وقد تستعمل البشارة في الإخبار بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] إما تهكُّمًا بهم، وإما لأنه يحصل لهم من البشارة بهذا ما يحصل للمبشَّرين بالخير، لكن الأول أقرب وذلك لأنهم لا يؤمنون بما يبشَّرون به من العذاب، فيكون هذا من باب التهكم بهم؛ كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ والخطاب في قوله: ﴿بَشِّرِ﴾ إما للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يعني بشِّر أيها المخاطب من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات. وقوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الذين آمنوا بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به ورسوله، وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أصول الإيمان بأنها: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (8 / 1).]]. لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها، بل لا بد من قبول وإذعان، وإلا لما صح الإيمان. وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهو ثمرة الإيمان أن الإنسان يعمل الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي بُنيت على أساسين هما: الإخلاص لله والاتباع لرسول الله ﷺ، فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (2985 / 46).]]. وما لم يكن على الاتباع فهو مردود أيضا لا يُقبل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718 / 17، 18) واللفظ لمسلم. ]]، إذن فالصالح أيش؟ ما كان خالصًا لله متَّبَعا فيه شريعة الله، ويُذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: ما كان خالصًا صوابًا[[تفسير البغوي (8 / 176)]]. قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذا المبشَّر به؛ ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ عند من؟ عند الله عز وجل ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، جنات توافق ما في الدنيا في الاسم، لكنها تخالفه في الحقيقة والكُنه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ولهذا لا يجوز أبدا بأي حال من الأحوال أن نتصور بأن هذه الجنات تشبه جنات الدنيا، مهما كان الأمر، يعني مهما كان في الدنيا من الغابات والأشجار والثمار وغيرها فإنه لا يمكن أن يكون ما وعد الله به المتقين مماثلا لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824 / 2).]]. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل (تجري)، و ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: من تحت أشجارها وقصورها، وليس من أسفل من سطحها، لا؛ لأنها من أسفل من سطحها لا فائدة منها، لكنها تجري من تحت هذه الأشجار والقصور، وما أحسن جري هذه الأنهار إذا كانت من تحت الأشجار والقصور، يجد الإنسان فيها لذة قبل أن يتناولها، وهذه الأنهار بيّنها الله تعالى أنها أربعة أنواع كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، يخلقها الله عز وجل بدون نحل وبدون بقر وبدون إبل، وكذلك الخمر، والماء ليس من الأمطار والعيون، بل هو خلقه الله عز وجل ابتداء، أسأل الله أن لا يحرمني وإياكم منها إنه على كل شيء قدير. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾، ﴿رُزِقُوا﴾ أي: أُعطوا، ﴿مِنْهَا﴾ أي: من هذه الثمار، ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ أي: عطاء، ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ لأنه يشبه ما سبقه، يشبهه في الحجم، يشبهه في اللون، يشبهه في الملمس، كل هذه أشياء حسية يظنها الإنسان مشابهة لما سبق في لونها، ويش؟ وحجمها وملمسها، لكن في المذاق لا، تختلف اختلافا عظيما، ولهذا قال: ﴿أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، تختلف، وما أجمل وألذ للإنسان إذا رأى هذه الفاكهة يراها وكأنها شيء واحد، فإذا ذاقها وإذا الطعم يختلف اختلافا عظيما تجده يجد في نفسه حركة لهذه الفاكهة ولذة وتعجبًا، كيف يكون هذا المتباين العظيم والشكل واحد؟ ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ولهذا الآن لو قُدِّم لك فاكهة ألوانها سواء وأحجامها سواء وملمسها سواء، ثم إذا ذقتها وإذا هذه حلو خالص، وهذه مُز، يعني حلو مقرون بالحموضة، وهذه حامضة، تجد شيء لذة أكثر مما لو كانت على حد سواء، أو كان مختلفا. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ﴿أُتُوا﴾ من (آتى) ولَّا من (أتى)؟ الثاني ولَّا الأول؟ * الطلبة: الأول الأول. * الشيخ: من آتى ولَّا من أتى؟ * الطلبة: من آتى، الأول. * الشيخ: لا، الثاني، ﴿أُتُوا بِهِ﴾؛ لأنه لو كان من الأول لقال: أوتوا به، لكن: ﴿أُتُوا بِهِ﴾ يعني جيء به إليهم به متشابها، متشابها في أيش؟ قلنا: في ثلاثة أشياء، هذا الذي يحضرنا الآن، والله أعلم بما يكون، في اللون والحجم والملمس، لكن في المذاق لا؛ لأنه لو اتفق في المذاق لصار هذا هو هذا لا فرق، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ سبحان الله إذا ذكر الله الفاكهة ذكر الأزواج، تأملها في جميع الآيات، ليش؟ لأنهم يكونون هم وأزواجهم يتفكهون في هذا العطاء وهذا الرزق، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٥، ٥٦] فتجد أن الله تعالى يقرن هذا بهذا؛ لأن كله تفكُّه، لكن هذا تفكُّه من نوع، وهذا تفكه من نوع آخر، هذا تفكه في المذاق والمطعم، وهذا تفكه آخر من نوعٍ ثانٍ؛ لأن بذلك تتم النعمة. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾، ﴿أَزْوَاجٌ﴾ جمع، هل المعنى لكل واحد أزواج؟ ولَّا لكل فرد زوجة لكن لما كانوا جمعا قوبل الجمع بالجمع؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأول؛ لأن الإنسان في الآخرة له أزواج متعددة، والأزواج جمع زوج، ويطلق الزوج على الذكر والأنثى، ولهذا يقال: (زوج) للمرأة وللرجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢]، لكن في اصطلاح الفرضيين صاروا يُلحقون التاء للأنثى، فَرْقًا بينها وبين الرجل عند قسمة الميراث. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، طيب، إذا كانت المرأة ماتت وهي صغيرة لم تتزوج يكون لها زوج في الآخرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم يكون لها زوج في الآخرة، إما من أهل الدنيا، وإما ممن ينشئهم الله عز وجل؛ لأنه يبقي في الجنة فضلٌ عن من دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما فيُدخلهم الجنة بفضله ورحمته. وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ يشمل طهارة الظاهر والباطن، فهي مطهرة من الأذى، القذر، لا بول ولا غائط، ولا حيض ولا نفاس ولا استحاضة، ولا عرق ولا بخر، مطهرة من كل شيء ظاهر، حسي، مطهرة أيضا من الأقذار الباطنة كالغل والحقد والكراهية والبغضاء وغير ذلك، مطهرة من كل شيء، من كل قذر وأذى ظاهري أو باطني، بخلاف أزواج الدنيا، لكن أزواج الدنيا مناسبة تماما لأزواجهم الذكور؛ لأنها إذا لم تطهر من هذا فزوجها؟ زوجها مثلها، لكن في الآخرة الكل مطهَّر. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا تمام النعمة أنهم خالدون في هذه الجنات لا يبغون عنها حِولا ولا يُحوَّلون منها، وكما جاء في الحديث: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَمْرَضُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا»[[أخرجه مسلم (2837 / 22) بلفظ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا.]]. فيتم بذلك نعيمهم، لكن أعلى نعيم يكون لأهل الجنة هو النظر إلى وجه الله سبحان الله وتعالى، هذا أعلى نعيم، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه أحمد في المسند (18935، 18941)، والنسائي في السنن الكبرى (11170).]]. * في هذه الآية فوائد، منها: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله: ﴿بَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولقول الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢]، ﴿بَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام. (طيب) لكن إذا كان يسر الإنسان معصية الله، فهل تبشّره؟ يعني إنسان حصل له سرقة، سَرَق، تيجي تبشره تقول: ما شاء الله، هنّأك الله بما سرقت؟ أبدًا، طيب، إنما البشارة بما يسر وليس له عاقبة سيئة، وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة كما لو أدرك رمضان فقلت: هنّأك الله بهذا الشهر؟ الجواب نعم، وكذلك أيضا لو أتم الصوم فقلت: هنّأك الله بهذا العيد وتقبّل منك عبادتك، وما أشبه ذلك، فإنه لا بأس به، وقد كان هذا من عادة السلف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين الوصفين: الإيمان والعمل الصالح. فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. قلنا: إن التواصي بالحق والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحيانا يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل وسبب من الأسباب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملا سيئا فإنه لا يبشَّر بهذا بالجنات؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن من عمل عملا سيئا فإن كان مجتهدا فأخطأ فله أجر ويسلم من الإثم، وإن كان غير مجتهد ولا باذلًا جهده فإنه يكون آثما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716 / 15) بلفظ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات أكبر بكثير مما عملوا وأعظم؛ لأنه مهما آمنوا وعملوا فالعمر محدود وينتهي، لكن الجزاء أيش؟ الجزاء لا ينتهي أبدا، هم مخلَّدون فيه أبد الآباد، كذلك أيضا الأعمال التي يقدمونها هي قد يشوبها كسل، قد يشوبها تعب، قد يشوبها أشياء تنقِّصُها، لكن إذا منّ الله عليهم فدخلوا الجنة فالنعيم كامل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقد يقال: إن هذا لا دلالة فيه؛ لأن (جنات) جمع مقابلة لجمع، وهو قوله: ﴿لَهُمْ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾، لكن السنة بل القرآن جاء بأن الجنات أنواع؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] فهي أنواع، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (4878)، ومسلم (296 / 180) بلفظ: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بخلق هذه الأنهار من غير سبب معلوم في الدنيا؛ لأن الماء عندنا في الدنيا معروف أسبابه، الأنهار المائية معروف أسبابها، كذلك اللبن معروف من أين ينتج، العسل معروف، والرابع؟ الخمر معروف، لكن في الجنة لا، ينشئه الله عز وجل، أنهار تجري، وقد جاء في الأثر «أنها تجري من غير أخدود»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (34954) عن مسروق، قال: أنهار الجنة تجري في غير أخدود.]]؛ يعني لم يُحفر لها حُفَر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها، بل النهر يجري ويتصرف به الإنسان بما شاء، يوجهه حيث شاء - سبحان الله - قال ابن القيم رحمه الله: أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْـــــــحَانَ مُمْسِكِهَـــــا عَــــــنِالْفَيَضَــــــانِ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نعيم أهل الجنة أنهم يؤتَون بالرزق متشابها و ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا من تمام النعيم والتلذذ بما يأكلون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم، وعلى هذا فيثبت الجماع أو لا؟ يثبت، ولكن إذا ثبت الجماع هل يحصل الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؟ الجواب: لا، ولهذا ليس في الجنة منيّ ولا منية، والمني الذي خلقه الله عز وجل إنما خلقه لبقاء النسل؛ لأن هذا المني مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين فيخرج بإذن الله تعالى ولدًا، لكن في الآخرة في الجنة لا، لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى منهم أحد، ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم ويخدمهم، الولدان تطوف عليهم بأكواب وأباريق وكأس من معين، ثم هم لا يحتاجون أيضا إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها، بل كما قال الله تعالى فيها: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن ٥٤]، حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة فيحس أنه يحبها مثلا، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها، الله أكبر، ولا تستغرب هذا، يعني نحن في الدنيا نشاهد مثل هذا الشيء، بمعنى نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سبب أو بغير صلات محسوسة، لكن في الآخرة أبلغ وأبلغ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى مَن فيها، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وأنكر ذلك من أنكره من أهل الفلسفة الذين قالوا: إن الله يمتنع عليه دوام الفعل في الأزل وفي الأبد - والعياذ بالله - فجعلوا الله معطَّلا في الابتداء ومعطلا في الانتهاء، حتى قال بعضهم والعياذ بالله: إن الجنة تفنى بمن فيها والإنسان رافع لقمته إلى فمه، فيحل الفناء ويبقى رافعًا اللقمة، بياكل تبقى اللقمة ويده فانية، كما قال ابن القيم في النونية: إن العلاف أتى بضحكة مجانية[[النونية (1 / 9): وتلطف العلاف من أتباعه... فأتى بضحكة جاهل مجان]] كذلك الإنسان مع أهله مع زوجته يجامعها فيأتي وقت الفناء، ويبقى معها أبد الآبدين، فانية، نسأل الله العافية. على كل حال الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك، على القول المتعين، ما هو الراجح؟ أنها لا تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل؛ وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرا، وما كنا نظن أن أحدا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم عفا الله عنه حاول أن يرجِّح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذا الجواد وغلطا عظيما. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب إلى تقوية هذا المذهب، وإن كان لم يصرِّح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن. الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك على القول المتعين، ما هو الراجح أنها تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل، وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرًا وما كنا نظن أن أحدًا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم -عفا الله عنه- حاول أن يرجح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذه الجواد وغلطًا عظيمًا. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب هذا إلى تقوية هذا المذهب وإن كان لم يصرح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، كيف يصح لنا أو يستقيم لنا أن نقول: إن النار تفنى، والله تعالى يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ما الفائدة من قوله: ﴿أَبَدًا﴾؟ على كل حال مذهب أهل السنة والجماعة الذي يكاد يكون إجماعًا هو أن النار لا تفنى، كما أن الجنة لا تفنى بالاتفاق الواضح. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لو أمضى عمره بطاعة الله عز وجل راكعًا ساجدًا قائمًا لكان ذلك قليلًا بالنسبة لهذا الثواب العظيم الذي يحصل له في يوم يشقى فيه من يشقى من عباد الله، ويكون في نار الجحيم والعياذ بالله، فنسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. جزاكم الله خيرًا. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال المخالف: إن المقصود بقوله عز وجل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أن ذلك في الشرائع، وإلا فالحجة قائمة في التوحيد وفي أصول الدين بالميثاق والفطرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف ١٧٢، ١٧٣] فهنا أثبت أنه الميثاق..؟ * الشيخ: الميثاق الذي أُخِذ عليهم أن يؤمنوا بما جاءت به الرسل، فلا بد من الرسل، والآية عامة ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] عامة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة.

البقرة 2:24

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٤]. * الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطاب هنا ورد بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مع أن السورة مدنية، وأكثر من يخاطَب في السور المدنية هم المؤمنون، ولهذا جعل المتكلمون في أصول التفسير جعل من علامة السور المدنية أن الخطاب يكون فيها موجها للمؤمنين بخلاف الآيات المكية؛ لأن أكثر من يخاطب بها من ليس بمؤمن، لكن هذه الآية هي أول آية فيها نداء، أول آية فيها نداء هي هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ولهذا وُجِّه الخطاب بها أو النداء بها إلى جميع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جُعلت في السورة المدينة؟ نقول: الأصل عدم ذلك، ولهذا نرى في بعض عناوين السور: مكية إلا آية كذا وكذا، مدنية إلا آية كذا وكذا، هذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح، وإلا فالأصل أن السور المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية، إلا بدليل ثابت. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، في هذه ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إثبات الألوهية، يعني إثبات توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ ﴿اعْبُدُوا﴾ هذا توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية يسمى توحيد ألوهية باعتبار إضافته إلى الله، وتوحيد عبادة باعتبار إضافته إلى العبد. يقول الله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فما هي العبادة التي أُمرنا بها؟ العبادة التي أُمرنا بها هي التذلل لله عز وجل ذلا تاما مستلزما للمحبة والتعظيم، لا بد، وإلّا لم يكن الإنسان عبدا، أن يتذلل لله تعالى ذلا كاملا، أيش؟ مستلزما للمحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون فعل الأوامر حتى يصل العابد إلى محبوبه، وبالتعظيم يكون الفرار من النواهي لئلا يعذبه ربه العظيم عز وجل، هذا هو معنى العبادة: التذلل لله، أيش؟ ذلا كاملا مستلزما للمحبة والتعظيم، طيب، هذا تفسير العبادة بالنسبة لفعل العبد، قد تفسَّر العبادة بالنسبة لمفعول العبد، بالنسبة لمفعوله، فيقال مثلا: الصلاة عبادة، الزكاة عبادة، الصوم عبادة، وعلى هذا فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. ثم ضرب أمثلة بالصلاة والزكاة وغيرها، وحينئذ نقول: العبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول: التعبد، والمعنى الثاني: المتعبَّد به وهو مفعول العبد؛ يعني ما فعله العبد، واضح يا جماعة؟ طيب، ما المراد بالآية؟ المعنيان أو المعنى الأول؟ الظاهر كلاهما، وهما متلازمان. وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الرب هو الخالق، المالك، أيش؟ المدبر، الخالق المالك المدبر، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفةً كاشفة مبينة للواقع، وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق والثاني غير خالق، بل ربنا هو الخالق، فالصفة هنا إذن صفة كاشفة وليست صفة احترازية، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، والخلق هو الإيجاد من عدم، ولم يخلق الناس إلا الله عز وجل، لا يخلقهم أب ولا أم ولا ملَك ولا أحد، لا يخلقهم إلا الله، وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج٧٣]، فعدم خلق بني آدم من باب أولى، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني: وخلق الذين من قبلكم، ولهذا نجد سبحان الله بنو آدم يتسلسلون، تنظر إلى المسجد أو تنظر إلى مجتمع تجد هذا له سبعون سنة، وهذا له خمسون، وهذا له أربعون، وهذا له ثلاثون، وهذا له عشرون، وهذا له عشر، وهذا له خمس، من أجل أن يعمر الكون، يتعاقبون، فإذا تأملت هذا عرفت كمال سلطان الله عز وجل وكمال حكمته، هؤلاء الذين قبلنا مخلوقون، ونحن من ذريتهم، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، ذرية نوح، نحن من ذريتهم، إذن مَن تفرع على مخلوق فهو مخلوق، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وعلى هذا فقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على؟ * طالب: الضمير. * الشيخ: على الكاف في ﴿خَلَقَكُمْ﴾، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، (لعل) هنا للتعليل؛ أي لتصلوا إلى التقوى، ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله عز وجل في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾ [البقرة ١٩٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا من باب التعدد أنواعا، أو تعديد أنواع من أفعاله عز وجل، جعل الله لنا الأرض فراشا موطأة، يستقر الإنسان عليها استقرارا كاملا، ليست نشزا وليست مؤلمة عند النوم عليها أو السكون عليها أو ما أشبه ذلك، والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة، وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبغير ذلك مما جرى في القرآن، والفراش كما نعلم يكون موطأ للإنسان مهيأ له يستريح فيه. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] السماء جعلها الله بناء، أي بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليست هي السماء الأولى، بل المراد بالسماء في الثانية العلو؛ لأن الماء الذي هو المطر ينزل من السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِه﴾ [النور ٤٣]، فالماء الذي هو المطر لا ينزل من السماء التي هي البناء، وإنما ينزل من السحاب التي في العلو، وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا، والمعنى الثاني: العلو. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، ﴿أَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، وانظر إلى الحكمة والنكتة البديعة، حيث أضاف الأمر إلى نفسه جل وعلا لكن بسبب، فالسبب موصل فقط، وإلا فهل المطر يُخرج النبات؟ لا، المخرج هو الله، لكن السبب المطر، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾، أي: بسببه، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وجمع الثمرات لأنها متنوعة، لو أراد الإنسان أن يحصي أنواعها لعجز فضلا عن أفرادها. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في العبادة، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الخلق والرزق وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من أفعال الربوبية؛ لأن المشركين يقرون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله، يقرون بهذا إقرارا تاما، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا، لكن في العبادة ينكرون هذا، يشركون، يجعلون مع الله إلها آخر، وينكرون على من وحّد الله، حتى قالوا في الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾ [ص ٥]، ونقول: ما شاء الله، من الذي جاء بالشيء العجاب؟ هم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالصواب، لكن هم جاءوا بالشيء العجاب، نسأل الله العافية، إذن ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في أيش؟ * الطلبة: في العبادة. * الشيخ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الربوبية من الخلق والرزق، وغير ذلك، وإقراركم بالخلق والرزق أن الله منفرد به يلزم أن تجعلوا العبادة لله وحده، فإن لم تفعلوا فأنتم متناقضون، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزِم لتوحيد الألوهية، يعني من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ومن أقر بالألوهية فإنه لم يقر بها حتى كان قد أقر بالربوبية، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. * في هذه الآية من الفوائد، أولا: العناية بالعبادة، يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء، والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس، مما يدل على أن العبادة من أهم شيء، وهو كذلك، بل إن الناس ما خُلقوا إلا لأجل العبادة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات ٥٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فإن الرب يستحق عز وجل أن يُعبد ولا يُعبد غيره، والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم الضراء وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى من؟ إلى الله؛ ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [لقمان٣٢]؛ لأن فِطَرهم تحملهم على ذلك ولا بد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله عز وجل هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين والآخرين؛ لقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طريق القرآن أنه إذا ذكر الحكم غالبا ذكر العلة، الحكم: ﴿اعْبُدُوا﴾، والعلة: كونه ربًّا خالقا لنا ولمن قبلنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هل يمكن أن نأخذ من هذه الآية التحذير من البدع؟ ربما نأخذ منها التحذير من البدع، وذلك لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعبادة؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله، كيف نتوضأ، إلا عن طريق الوحي والشرع؛ كيف نصلي، يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام يقرأ ثم ركع ثم سجد، فهذه هي العبادة المطلوبة منا إلا بعد أيش؟ بعد الوحي، وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن الأمر بالعبادة يستلزم الأمر بالاتباع. وهل يستفاد من الآية الحث على طلب العلم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، كيف ذلك؟ إذ لا تُمكن العبادة إلا بالعلم، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة بقوله: باب العلم قبل القول والعمل[[صحيح البخاري (1 / 24).]]. ثم قال تعالى مذكرا عباده: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى وحكمته في جعل الأرض فراشا؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال، لكن من رحمته ولطفه وإحسانه جعلها فراشا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جعل السماء بناء، لكن ما فائدتنا من جعل السماء بناء؟ فائدتنا من جعل السماء بناء أن نعلم بذلك قدرة الله عز وجل؛ لأن هذه السماء المحيطة بكل الأرض من جميع الجوانب نعلم أنها كبيرة جدا واسعة، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون﴾ [الذاريات ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإنزال المطر من السماء؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا، والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة، أليس كذلك؟ نعم، وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال:« ادعُ اللهَ أن يغيثَنَا، فرفَعَ يديْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، وما نزَلَ من الخطبةِ إلا والمطرُ يَتحادَرُ من لحيتِهِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (1014)، ومسلم (897 / 8).]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته بإنزال المطر من السماء، وجه ذلك لو كان الماء الذي تحيا به الأرض، لو كان يجري على الأرض لأضر الناس، ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراض كثيرة، ما هي الأراضي التي تُحرم؟ المرتفعة، لا يأتيها شيء، ولكن من نعمة الله أنه ينزل من السماء، ثم هناك شيء آخر أيضا أنه ينزل رذاذا، يعني قطرة قطرة، ولو نزل كأفواه القِرَب لأضر بالناس، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل على ما تعهدون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الأسباب لا تكون سببا إلا بإرادة الله؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾. * ومن فوائدها فائدة مَسلكية: أن الإنسان ينبغي له أن يضيف الشيء إلى الله مقرونا بالسبب، فمثلا لو أن أحدا من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه، أنقذه من الغرق، فليقل: أنقذني الله بفلان، وله أن يقول: أنقذني فلان، له أن يقول ذلك؛ لأنه فعلا أنقذه، وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان، كم هذه من صيغة؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله، ويدل لهذا أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله عز وجل مقرونا بالسبب «أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام، وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأسلم، لكنه أسلم بعد أن استشار أباه، التفت إليه ينظر إليه يستشيره، قال: أطع أبا القاسم.» الجهل، أذن لولده، بل أمر ولده أن يُسلم وهو لم يسلم في تلك الحال، بعدُ ما ندري، الله أعلم، لكن على كل حال خرج النبي صلي الله عليه وسلم وهو يقول:« «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (1356).]]. شوف التعبير!! «أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»، وهكذا ينبغي لنا نحن، إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى، أيش؟ مقرونا ببيان السبب، طيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: قدرة الله عز وجل وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر، تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء، فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله عز وجل، ففيه القدرة وفيه الفضل، ولذلك قال: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة، نعم، أن الله عز وجل منعم على الإنسان كافرا كان أو مسلما، من أين؟ * طالب: من قوله (...) * الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ وهو يخاطب بالأول الناس عموما، إذن فلله تعالى فضل على الناس كافرهم ومؤمنهم، كل له فضل، لكن فضل الله على المؤمن - جعلني الله وإياكم منهم - دائم متصل بفضل الآخرة، وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم جعل الأنداد لله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهل الأنداد شرك أكبر أو شرك أصغر؟ وهل هي شرك جلي أو شرك خفي؟ هذا له تفصيل في علم التوحيد، إن جعل لله ندا في العبادة بأن عبد غير الله كعبادة الله فهذا، أيش؟ شرك أكبر، وإن جعل له ندا في الربوبية وقال: إن هذا الخلق خلقه اثنان مثلا، فهذا شرك أكبر، وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، ومن ذلك أن يضيف الشيء إلى سببه وإلى الله مقرونا بالواو فهذا شرك أصغر، ما لم يعتقد أن هذا السبب له فعل كفعل الله فيكون شركا أكبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن خاطب أحدا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة، من قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ومن قوله في صدر الآية: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فيه إقامة الحجة على وجوب العبادة له؛ لأنه الخالق وحده. الإعراب في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الجملة حالية في محل نصب. * طالب: فضيلة الشيخ ما الحكمة من كثرة الآيات الدالة على توحيد الربوبية مع أن المخاطبين في هذا القرآن يقرون بتوحيد الربوبية؟ * الشيخ: نعم، إقامة الحجة. * طالب: هم يقولون به. * الشيخ: إي، لكن إذا قالوا به يلزمهم أن يوحّدوا بالألوهية. * طالب: ولكن بعض الدعاة الذين يدعون يكثرون من (...) ودعوة توحيد الربوبية، مع أن الناس عندهم خلل في توحيد الألوهية ويستشهدون بكثرة الآيات في هذا في القرآن. * الشيخ: إي، هذا مثل ما قلت، لو كان يخاطب ناسًا ينكرون الألوهية، يعني ينكرون توحيد الألوهية، فليكثر من ذكر الآيات في الربوبية، لكن إذا كان يتكلم على أناس مقرين بتوحيد الألوهية فينبغي أن يأتي لهم بآيات أخرى آيات في الصفات آيات في أفعال الله. * طالب: هم مسلمون. * الشيخ: ما يخالف، إذا كانوا مسلمين، فالربوبية يمكن يذكرونها من أجل أن يزداد إيمانهم. * طالب: (...) العبادة هي تذلل يستلزم المحبة والتعظيم وهذا يكون لله عز وجل، هل مَن صرف المحبة لوحده أو التعظيم لوحده لغير الله مشرك الشرك الأكبر؟ * الشيخ: إي نعم، إذا أحب أحدا مثل محبة الله أو أعظم فهو مشرك شركا أكبر. * طالب: أو عظّم أحدا؟ * الشيخ: أو عظّم أحدا مثل تعظيم الله أو أشد، حتى لو عظم الكعبة مثل تعظيم الله، أو عظم الرسول عليه الصلاة والسلام مثل تعظيم الله كان مشركا شركا أكبر. * طالب: شيخ ما نقول لهؤلاء الذين عند القبور (...) الأولياء فهم يحبونهم ويعظمونهم لكن ما نعلم هل أحبوهم كحب الله أم لا؟ * الشيخ: نقول هكذا، نقول بالتفصيل، ثم نقول لهذا: هل أنت تحب هذا أشد من حب الله؟ * الطالب: إن حبه وعظمه ولكن يعني..؟ * الشيخ: في أناس الآن يحبون الرسول أكثر من محبة الله، وأنا أذكر أن أناسا من الحُجاج ونحن في جدة في المسجد جاء وقت المنع من السفر إلى المدينة؛ لأنه أظن بعد الرابع من ذي الحجة يمنعونهم من السفر إلى المدينة خوفا عليهم من التأخر، فجعل يبكي بكاء شديدا؛ ليش؟ قال: نور عيني. من نور عينه؟ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا ما جئت إلا لهذا، شايف الحين جاي بيحج، يقول: أنا نور عيني ما جئت إلا له، في ظني أن هذا يمكن محبة الرسول في قلبه أكثر من محبة الله، فمثل هؤلاء يجب أن يبين لهم، يقال: لولا محبة الله ما أحببنا الرسول، ولولا أن محمدا رسول الله ما أحببناه هذا المحبة، ولا قدمنا محبته على أنفسنا وأهلينا وأولادنا، من أين وجب لنا أن نعظم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ من أجل أنه رسول ربنا، ما هو من أجل أنه محمد بن عبد الله، معلوم هذا؟ فهؤلاء العامة يبين لهم، يقال: لا تجعل أحدا مع الله إطلاقا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة١٦٥]. * طالب: شيخ لو حصل في شخص حب وتعظيم (...). * الشيخ: لا لا؛ الإنسان يحب والديه ويعظم والديه، يحب معلمه ويعظم معلمه، يحب إللّي أكبر منه ويعظمه، المهم أن لا يكون هناك غلو. * * * * طالب: ﴿﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٣- ٢٥] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إلى آخره؛ الخطاب لمن جعل لله أندادا؛ لأنه قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. لكن شهادة أن لا إله الله توحيد القصد، والثاني: توحيد المتابعة، فكلاهما توحيد، لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصا لله، والثاني توحيد المتابعة بأن يكون العمل متَّبَعا فيه رسول الله، وأنتم إذا تأملتم القرآن وجدتم هكذا، يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة. مثال آخر: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِين﴾ [المؤمنون٦٨] ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون٦٩] وهذا مطرد في القرآن الكريم، يقول ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، الريب يفسره كثير من الناس بالشك، ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن الريب يُشعر بقلق، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك، وذلك لأن ما جاء به الرسول حق، والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به، بخلاف الشك في الأمور الهينة فلا يقال: ريب، وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقًا واضطرابًا. وقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ هو محمد رسول الله، والله تبارك وتعالى وصف رسوله بالعبودية في المقامات العالية؛ في الدفاع عنه، وفي بيان تكريمه بالمعراج والإسراء، وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن؛ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]، هذا في مقام التحدي والمدافعة، وأفضل أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام هي العبودية والرسالة، ولهذا قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[[أخرجه البخاري (3445)، بلفظ: «فَإِنَّمَا أَنا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْد اللَّهِ وَرَسُولهُ».]]. والعبودية: وهي التذلل للمحبوب والمعظم يتلذذ بها العابد، ولهذا قال الشاعر في وصف محبوبته: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَــــــــــإِنَّهُ أَشـْــــــــرَفُأَسْمَـــــــائِي أي لا تقل: فلان وفلان، قل: يا عبد فلانة؛ لأن هذا هو عنده أشرف أسمائه حيث انتمى إليها - نعوذ بالله من الخذلان- إذن أشرف أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام وصفان: العبودية والرسالة، ﴿عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، (ائتوا): أمر يُقصد به التحدي، يعني إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإنا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة من مثله، يحتمل من مثل محمد عليه الصلاة والسلام، أي من بشر، ويحتمل من مثله أي مثل الذي أنزلنا على عبدنا، أي من جنسه، وكلاهما صحيح؛ إذ لا يمكن لأي بشر أن يأتي بشيء من مثل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام أبدا، بل قد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ الذين تشهدون لهم بالألوهية وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم، وهذا غاية ما يكون من التحدي أن يتحدى العابد، ويش؟ والمعبود، تحدى العابدين والمعبودين أن يأتوا بسورة من مثله. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مما سوى الله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾، والجواب على هذا أنه لا يمكن، مهما أتوا من المعاونين والمساعدين فلن يأتوا بسورة من مثله. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾؛ لما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وهي شرطية قطع أطماعهم بقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: لا تحاولوا أن تفعلوا؛ لأن هذا شيء مستحيل، ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ الفاء هنا واقعة في جواب الشرط وهو ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ يعني: إن لم تفعلوا فتعارضوا القرآن بمثله فالنار مثواكم، اتقوا النار، ولن يجدوا ما يتقون به النار إلا أن يؤمنوا بما أنزل على محمد ﷺ. ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التي) اسم موصول صفة للنار، (وقود): مبتدأ؛ و(الناس) خبر المبتدأ، ﴿وَقُودُهَا﴾ الوقود: ما يوقد به الشيء، كالحطب مثلا في نار الدنيا، في الآخرة وقود النار هم الناس والحجارة، فالنار تحرقهم وتلتهب بهم، نسأل الله العافية. ﴿الْحِجَارَةُ﴾ قال بعض العلماء: إن المراد بها الحجارة المعبودة، يعني: أصنام؛ لأنهم يعبدون أصنام، فأصنامهم هذه تكون معهم في النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، وقيل: إن الحجارة حجارة نارية - والعياذ بالله - يزداد بها حر النار ولا تبرد - نسأل الله العافية - ولكن لا مانع من أن يكون المراد هذا وهذا، الحجارة المعبودة والحجارة الموقودة التي خلقها الله عز وجل لتوقد بها النار. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (أعدت) الضمير المستتر يعود على النار، والمعِد لها هو الله عز وجل، ومعنى الإعداد التهيئة للشيء، وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: لكل كافر، سواء كفر بالرسالة أو كفر بالألوهية أو بغير ذلك. * في هذه الآيات فوائد: أولا بيان دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله ﷺ؛ لقوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾. * الشيخ: اقرأ الآيات كلها وقول: يؤخذ من هذه الآيات، حدد. * طالب: ﴿عَبْدِنَا﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، يعني أن عبدنا ليس ممن يُشك فيه. * الشيخ: نعم. * طالب: مما أنزلنا على عبدنا. * الشيخ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، هذا وجه الدفاع؛ لأن الأمر هنا للتحدي، فالله عز وجل يتحدى هؤلاء أن يأتوا بمعارض لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ لوصفه بالعبودية، والعبودية لله عز وجل هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره، فإذا لم يعبد الله عز وجل الذي هو المستحق للعبادة عبد الشيطان والهوى، كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾، ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام، والكلام ليس أجساما تُخلق وتكون بائنة عن الله عز وجل، فهو وصف المتكلم، وبهذا نعرف أن من ادعى أن القرآن مخلوق وقال: إن الله قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقال: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] وما أشبه ذلك، فقوله مردود عليه، ولا حجة له في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وقوله: ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] وقوله: ﴿جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، كل هذا لا حجة فيه؛ لوجود الفرق بين الأعيان القائمة بنفسها التي يضيفها الله لنفسه وبين الأوصاف التي ليست قائمة بنفسها. * ومن فوائد الآية: علو الله عز وجل؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه وأنه منزَّل من عنده لزم من ذلك علو المتكلم به، وعلو الله عز وجل أمر فطري عقلي، وسبق أن ذكرنا له خمسة أنواع من الأدلة، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. فإن قال قائل: ذكرتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام تشرف بإضافة عبوديته إلى الله عز وجل مع أن كفار الخلق وفجار الخلق عبيد لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن العبودية لها معان متعددة: عبودية عامة وهي العبودية الكونية القدرية، هذه شاملة لكل أحد، ولا يمكن لأحد إلا أن يخضع بهذه العبودية، فالكافر والفاجر عبد لله، بمعنى أن الله يفعل فيه ما يشاء، وعبودية خاصة وهي عبودية الطاعة، وهي خاصة بمن آمن بالله واتبع شريعته، ثم هذه الخاصة يمكن أن نقول: إنها تنقسم أيضا إلى خاصة عامة وخاصة أخص، فعبودية الرسل غير عبودية الصديقين والشهداء والصالحين، الأولى أكمل وأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن معجز حتى بسورة ولو كانت قصيرة؛ لقوله: ﴿بِسُورَةٍ﴾، وقد تحدى الله عز وجل أن يأتوا بسورة مثله، وأن يأتوا بعشر سور مثله، وأخبر أنه لن يأتي أحد بمثل هذا القرآن ولو اجتمع الإنس والجن، وأقل ما نعلم أن يأتوا بحديث مثله، يعني ولو بجملة واحدة، لا يأتون، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، والحديث يطلق على الجملة وإن قلّت، فعلى هذا يكون التحدي على أربعة أوجه: بالقرآن كله، بعشر سور منه، بسورة، بحديث. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم، وهذا أشد ذلا مما لو تُحُدُّوا فقط، كأنه يقول: أنتم وآلهتكم ائتوا بسورة من مثله، وهذا أشد ما يكون ذلا وإذلالا وخزيا وعارا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يعارض أحد كلام الله؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، وفي هذه الجملة حجتان: حجة لقول من قال بالصِّرفة، بمعنى أن البشر بمقتضى طبيعته قادر على أن يأتي بمثل القرآن لكن صُرف عنه، وعلى هذا فأداة التحدي ممكنة، لكن وُجد مانع، وهو أن الله صرفهم عن معارضته بحيث لا يريدونه. والحجة الثانية: أنهم لن يفعلوا بمقتضى طبيعتهم، لا أنهم صُرفوا وباستطاعتهم أن يعارضوا القرآن، وهذا القول هو المتعين؛ لأن القول الأول أو الاحتمال الأول لا يدل على أن القرآن بذاته معجز؛ إذ أنه يمكنهم أن يأتوا بمثله لكن الله صرفهم ولم يلتفتوا إلى هذا ولم يفكروا فيه، ولكن نقول: هذا خطأ، بل الصواب أن الإنسان بنفسه لا يستطيع أن يأتي بمثل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام صفة المتكلم، فكما أن البشر لا يمكن أن يماثل الله تعالى بصفاته فلا يمكن أن يماثل الله بأيش؟ بكلامه أبدا مستحيل، ولهذا كان الذين يدّعون النبوة ويأتون بما يسمونه قرآنا، كانوا مسخرة للعباد وهزوا كما يُذكر عن مسيلمة الكذاب وغيره، إذن فالصواب أن قوله: ﴿لَنْ تَفْعَلُوا﴾ ليس معناه: ستُصرفون عن ذلك ولا تفعلون، بل المعنى أنكم عاجزون بمقتضى طبيعة البشر، ووجه ما قلنا أن الكلام صفة المتكلم، والقرآن كلام الله عز وجل، فكما أن البشر لا يماثلون صفات الله في العلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك، فكذلك لا يمكن أن يماثل الله تعالى بالكلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد أن يعارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضا: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب، فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضا توقد بهم، فيجتمع العذاب عليهم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم هم مادة توقدها، والثاني: أنهم يُحرقون بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم وطرحها في النار على أحد احتمالين في قوله: ﴿الْحِجَارَة﴾، من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده ولا يريد أن يصيبه أذى، فإذا أحرق هؤلاء المعبودين أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم وخزيهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار موجودة الآن؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾، ومعلوم أن هذا التركيب فعل ماض، الجملة فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء، وهذا أمر دلت عليه السنة،« فإن النبي ﷺ عُرضت عليه الجنة والنار، ورأى أهلها يعذَّبون بها، رأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر قُصْبَهُ –أي: أمعاءَه- في النار[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3521، 4623)، ومسلم (2856 / 50، 51).]]، ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعا، فلم تكن أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، ورأى فيها صاحب الْمِحْجَن يعذَّب، وهو رجل معه مِحْجَن –أي: عصا مثنية الرأس- كان يسرق الحجاج بهذا الطريق، إذا مر به الحجاج جذبهم بالمحجن، فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ واللهِ هذا المحجن هو الذي جذب، وإن لم يتفطن أخذه ومشى، فكان يعذَّب » -والعياذ بالله-« بِمحْجَنِهِ في نار جهنم»[[أخرجه مسلم (904 / 10).]]. ثم هل النار باقية أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى ولا تفنى، وذكر بعضهم خلافا عن بعض السلف أنها تفنى، والصواب أنها تبقى أبد الآبدين، والدليل على هذا من كتاب الله عز وجل في ثلاث آيات من القرآن؛ في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ أما الآية التي في سورة النساء فهي قوله: * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. * الشيخ: أحسنت بارك الله فيك. والتي في سورة الأحزاب، المؤخر شاركونا بارك الله فيكم. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥] * الشيخ: أحسنت، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. والتي في سورة الجن؟ * طالب: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. * الشيخ: ما يكفي، هات الآية من أولها. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [الجن: ٢٣]. * الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وليس بعد كلام الله كلام، حتى إني أذكر تعليقا لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله على كتاب شفاء العليل لابن القيم، ذكر أن هذا من باب (لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة)، كيف أن المؤلف رحمه الله يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ وهو صحيح غريب على ابن القيم رحمه الله أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى، وعلى كل حال كما قال شيخنا في هذه المسألة: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة. وهذه من كبوات ابن القيم رحمه الله، والصواب الذي لا شك فيه وهو عندي مقطوع به أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان المخلَّد فيها يخلَّد تخليدا أبديا لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبديا فلا بد أن تكون النار أيضا أبدية، وأما قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٧] فهي كقوله في أصحاب الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٨]، لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم وثوابهم فضلا ومنة بيّن أن هذا الفضل غير منقطع فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل والسلطة المطلقة للرب عز وجل قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود١٠٧]، وليس المعنى أن ربك فعال لما يريد أنه سوف يخرجهم من النار، أو سوف يُفني النار، لا، المعنى أنهم إنما بقوا فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله بمقتضى فعل الله عز وجل الذي له السلطة الكاملة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار دار للكافرين؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وأما من دخلها من العصاة فإنهم لا يبقون فيها، فهم فيها كالزوار وكالضيوف، لا بد أن يخرجوا منها، فلا تسمى النار دارا لهم، بل هي دار للكافر فقط، أما المؤمن العاصي إذا لم يعف الله عنه فإنه يعذَّب فيها ما شاء الله ثم يخرج منها، إما بشفاعة أو بمنة من الله وفضل، وأما أهل النار الذين هم أهلها فقد أعدت لهم فلا يخرجون منها، أجارنا الله وإياكم منها. * الطلبة: آمين. * الشيخ: ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الوعيد لأهل النار قال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن قبل أن نتجاوز الآية التي نحن بصدد تفسيرها، إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ هذه واحدة، ثانيا: حكى الله عزوجل عن الأنبياء والرسل ومن عاندهم حكى عنهم أقوالا، وهذه الحكاية تحكي قول من حُكِيت عنه، فيكون قول هؤلاء معجزا، مثلا فرعون قال لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، هذا يحكيه الله عن فرعون، فيكون القول قول من؟ قول فرعون، فكيف كان قول فرعون معجزًا، والإعجاز إنما هو قول الله عز وجل؟ فالجواب عن الأول: بماذا كان معجزًا؟ أنه كان معجز بجميع وجوه الإعجاز، من حيث الأسلوب والبلاغة والفصاحة وعدم الملل في قراءته، الإنسان يقرأ القرآن صباحا ومساء، وربما يختمه في اليومين والثلاثة ولا يمله إطلاقا، لكن لو كرر متنًا من المتون كما يكرر القرآن ملّ. ثانيا: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى، وهذا لمن تدبر حقيقة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذِّبين للرسول ﷺ ذكر وعد المؤمنين به، فقال: ﴿وَبَشِّر﴾، والبشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وسميت بذلك لتغير بشرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يسره استنار وجهه وطابت نفسه وانشرح صدره، وقد تستعمل البشارة في الإخبار بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] إما تهكُّمًا بهم، وإما لأنه يحصل لهم من البشارة بهذا ما يحصل للمبشَّرين بالخير، لكن الأول أقرب وذلك لأنهم لا يؤمنون بما يبشَّرون به من العذاب، فيكون هذا من باب التهكم بهم؛ كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ والخطاب في قوله: ﴿بَشِّرِ﴾ إما للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يعني بشِّر أيها المخاطب من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات. وقوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الذين آمنوا بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به ورسوله، وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أصول الإيمان بأنها: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (8 / 1).]]. لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها، بل لا بد من قبول وإذعان، وإلا لما صح الإيمان. وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهو ثمرة الإيمان أن الإنسان يعمل الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي بُنيت على أساسين هما: الإخلاص لله والاتباع لرسول الله ﷺ، فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (2985 / 46).]]. وما لم يكن على الاتباع فهو مردود أيضا لا يُقبل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718 / 17، 18) واللفظ لمسلم. ]]، إذن فالصالح أيش؟ ما كان خالصًا لله متَّبَعا فيه شريعة الله، ويُذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: ما كان خالصًا صوابًا[[تفسير البغوي (8 / 176)]]. قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذا المبشَّر به؛ ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ عند من؟ عند الله عز وجل ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، جنات توافق ما في الدنيا في الاسم، لكنها تخالفه في الحقيقة والكُنه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ولهذا لا يجوز أبدا بأي حال من الأحوال أن نتصور بأن هذه الجنات تشبه جنات الدنيا، مهما كان الأمر، يعني مهما كان في الدنيا من الغابات والأشجار والثمار وغيرها فإنه لا يمكن أن يكون ما وعد الله به المتقين مماثلا لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824 / 2).]]. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل (تجري)، و ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: من تحت أشجارها وقصورها، وليس من أسفل من سطحها، لا؛ لأنها من أسفل من سطحها لا فائدة منها، لكنها تجري من تحت هذه الأشجار والقصور، وما أحسن جري هذه الأنهار إذا كانت من تحت الأشجار والقصور، يجد الإنسان فيها لذة قبل أن يتناولها، وهذه الأنهار بيّنها الله تعالى أنها أربعة أنواع كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، يخلقها الله عز وجل بدون نحل وبدون بقر وبدون إبل، وكذلك الخمر، والماء ليس من الأمطار والعيون، بل هو خلقه الله عز وجل ابتداء، أسأل الله أن لا يحرمني وإياكم منها إنه على كل شيء قدير. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾، ﴿رُزِقُوا﴾ أي: أُعطوا، ﴿مِنْهَا﴾ أي: من هذه الثمار، ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ أي: عطاء، ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ لأنه يشبه ما سبقه، يشبهه في الحجم، يشبهه في اللون، يشبهه في الملمس، كل هذه أشياء حسية يظنها الإنسان مشابهة لما سبق في لونها، ويش؟ وحجمها وملمسها، لكن في المذاق لا، تختلف اختلافا عظيما، ولهذا قال: ﴿أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، تختلف، وما أجمل وألذ للإنسان إذا رأى هذه الفاكهة يراها وكأنها شيء واحد، فإذا ذاقها وإذا الطعم يختلف اختلافا عظيما تجده يجد في نفسه حركة لهذه الفاكهة ولذة وتعجبًا، كيف يكون هذا المتباين العظيم والشكل واحد؟ ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ولهذا الآن لو قُدِّم لك فاكهة ألوانها سواء وأحجامها سواء وملمسها سواء، ثم إذا ذقتها وإذا هذه حلو خالص، وهذه مُز، يعني حلو مقرون بالحموضة، وهذه حامضة، تجد شيء لذة أكثر مما لو كانت على حد سواء، أو كان مختلفا. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ﴿أُتُوا﴾ من (آتى) ولَّا من (أتى)؟ الثاني ولَّا الأول؟ * الطلبة: الأول الأول. * الشيخ: من آتى ولَّا من أتى؟ * الطلبة: من آتى، الأول. * الشيخ: لا، الثاني، ﴿أُتُوا بِهِ﴾؛ لأنه لو كان من الأول لقال: أوتوا به، لكن: ﴿أُتُوا بِهِ﴾ يعني جيء به إليهم به متشابها، متشابها في أيش؟ قلنا: في ثلاثة أشياء، هذا الذي يحضرنا الآن، والله أعلم بما يكون، في اللون والحجم والملمس، لكن في المذاق لا؛ لأنه لو اتفق في المذاق لصار هذا هو هذا لا فرق، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ سبحان الله إذا ذكر الله الفاكهة ذكر الأزواج، تأملها في جميع الآيات، ليش؟ لأنهم يكونون هم وأزواجهم يتفكهون في هذا العطاء وهذا الرزق، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٥، ٥٦] فتجد أن الله تعالى يقرن هذا بهذا؛ لأن كله تفكُّه، لكن هذا تفكُّه من نوع، وهذا تفكه من نوع آخر، هذا تفكه في المذاق والمطعم، وهذا تفكه آخر من نوعٍ ثانٍ؛ لأن بذلك تتم النعمة. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾، ﴿أَزْوَاجٌ﴾ جمع، هل المعنى لكل واحد أزواج؟ ولَّا لكل فرد زوجة لكن لما كانوا جمعا قوبل الجمع بالجمع؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأول؛ لأن الإنسان في الآخرة له أزواج متعددة، والأزواج جمع زوج، ويطلق الزوج على الذكر والأنثى، ولهذا يقال: (زوج) للمرأة وللرجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢]، لكن في اصطلاح الفرضيين صاروا يُلحقون التاء للأنثى، فَرْقًا بينها وبين الرجل عند قسمة الميراث. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، طيب، إذا كانت المرأة ماتت وهي صغيرة لم تتزوج يكون لها زوج في الآخرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم يكون لها زوج في الآخرة، إما من أهل الدنيا، وإما ممن ينشئهم الله عز وجل؛ لأنه يبقي في الجنة فضلٌ عن من دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما فيُدخلهم الجنة بفضله ورحمته. وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ يشمل طهارة الظاهر والباطن، فهي مطهرة من الأذى، القذر، لا بول ولا غائط، ولا حيض ولا نفاس ولا استحاضة، ولا عرق ولا بخر، مطهرة من كل شيء ظاهر، حسي، مطهرة أيضا من الأقذار الباطنة كالغل والحقد والكراهية والبغضاء وغير ذلك، مطهرة من كل شيء، من كل قذر وأذى ظاهري أو باطني، بخلاف أزواج الدنيا، لكن أزواج الدنيا مناسبة تماما لأزواجهم الذكور؛ لأنها إذا لم تطهر من هذا فزوجها؟ زوجها مثلها، لكن في الآخرة الكل مطهَّر. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا تمام النعمة أنهم خالدون في هذه الجنات لا يبغون عنها حِولا ولا يُحوَّلون منها، وكما جاء في الحديث: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَمْرَضُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا»[[أخرجه مسلم (2837 / 22) بلفظ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا.]]. فيتم بذلك نعيمهم، لكن أعلى نعيم يكون لأهل الجنة هو النظر إلى وجه الله سبحان الله وتعالى، هذا أعلى نعيم، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه أحمد في المسند (18935، 18941)، والنسائي في السنن الكبرى (11170).]]. * في هذه الآية فوائد، منها: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله: ﴿بَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولقول الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢]، ﴿بَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام. (طيب) لكن إذا كان يسر الإنسان معصية الله، فهل تبشّره؟ يعني إنسان حصل له سرقة، سَرَق، تيجي تبشره تقول: ما شاء الله، هنّأك الله بما سرقت؟ أبدًا، طيب، إنما البشارة بما يسر وليس له عاقبة سيئة، وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة كما لو أدرك رمضان فقلت: هنّأك الله بهذا الشهر؟ الجواب نعم، وكذلك أيضا لو أتم الصوم فقلت: هنّأك الله بهذا العيد وتقبّل منك عبادتك، وما أشبه ذلك، فإنه لا بأس به، وقد كان هذا من عادة السلف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين الوصفين: الإيمان والعمل الصالح. فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. قلنا: إن التواصي بالحق والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحيانا يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل وسبب من الأسباب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملا سيئا فإنه لا يبشَّر بهذا بالجنات؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن من عمل عملا سيئا فإن كان مجتهدا فأخطأ فله أجر ويسلم من الإثم، وإن كان غير مجتهد ولا باذلًا جهده فإنه يكون آثما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716 / 15) بلفظ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات أكبر بكثير مما عملوا وأعظم؛ لأنه مهما آمنوا وعملوا فالعمر محدود وينتهي، لكن الجزاء أيش؟ الجزاء لا ينتهي أبدا، هم مخلَّدون فيه أبد الآباد، كذلك أيضا الأعمال التي يقدمونها هي قد يشوبها كسل، قد يشوبها تعب، قد يشوبها أشياء تنقِّصُها، لكن إذا منّ الله عليهم فدخلوا الجنة فالنعيم كامل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقد يقال: إن هذا لا دلالة فيه؛ لأن (جنات) جمع مقابلة لجمع، وهو قوله: ﴿لَهُمْ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾، لكن السنة بل القرآن جاء بأن الجنات أنواع؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] فهي أنواع، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (4878)، ومسلم (296 / 180) بلفظ: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بخلق هذه الأنهار من غير سبب معلوم في الدنيا؛ لأن الماء عندنا في الدنيا معروف أسبابه، الأنهار المائية معروف أسبابها، كذلك اللبن معروف من أين ينتج، العسل معروف، والرابع؟ الخمر معروف، لكن في الجنة لا، ينشئه الله عز وجل، أنهار تجري، وقد جاء في الأثر «أنها تجري من غير أخدود»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (34954) عن مسروق، قال: أنهار الجنة تجري في غير أخدود.]]؛ يعني لم يُحفر لها حُفَر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها، بل النهر يجري ويتصرف به الإنسان بما شاء، يوجهه حيث شاء - سبحان الله - قال ابن القيم رحمه الله: أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْـــــــحَانَ مُمْسِكِهَـــــا عَــــــنِالْفَيَضَــــــانِ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نعيم أهل الجنة أنهم يؤتَون بالرزق متشابها و ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا من تمام النعيم والتلذذ بما يأكلون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم، وعلى هذا فيثبت الجماع أو لا؟ يثبت، ولكن إذا ثبت الجماع هل يحصل الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؟ الجواب: لا، ولهذا ليس في الجنة منيّ ولا منية، والمني الذي خلقه الله عز وجل إنما خلقه لبقاء النسل؛ لأن هذا المني مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين فيخرج بإذن الله تعالى ولدًا، لكن في الآخرة في الجنة لا، لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى منهم أحد، ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم ويخدمهم، الولدان تطوف عليهم بأكواب وأباريق وكأس من معين، ثم هم لا يحتاجون أيضا إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها، بل كما قال الله تعالى فيها: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن ٥٤]، حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة فيحس أنه يحبها مثلا، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها، الله أكبر، ولا تستغرب هذا، يعني نحن في الدنيا نشاهد مثل هذا الشيء، بمعنى نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سبب أو بغير صلات محسوسة، لكن في الآخرة أبلغ وأبلغ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى مَن فيها، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وأنكر ذلك من أنكره من أهل الفلسفة الذين قالوا: إن الله يمتنع عليه دوام الفعل في الأزل وفي الأبد - والعياذ بالله - فجعلوا الله معطَّلا في الابتداء ومعطلا في الانتهاء، حتى قال بعضهم والعياذ بالله: إن الجنة تفنى بمن فيها والإنسان رافع لقمته إلى فمه، فيحل الفناء ويبقى رافعًا اللقمة، بياكل تبقى اللقمة ويده فانية، كما قال ابن القيم في النونية: إن العلاف أتى بضحكة مجانية[[النونية (1 / 9): وتلطف العلاف من أتباعه... فأتى بضحكة جاهل مجان]] كذلك الإنسان مع أهله مع زوجته يجامعها فيأتي وقت الفناء، ويبقى معها أبد الآبدين، فانية، نسأل الله العافية. على كل حال الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك، على القول المتعين، ما هو الراجح؟ أنها لا تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل؛ وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرا، وما كنا نظن أن أحدا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم عفا الله عنه حاول أن يرجِّح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذا الجواد وغلطا عظيما. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب إلى تقوية هذا المذهب، وإن كان لم يصرِّح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن. الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك على القول المتعين، ما هو الراجح أنها تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل، وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرًا وما كنا نظن أن أحدًا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم -عفا الله عنه- حاول أن يرجح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذه الجواد وغلطًا عظيمًا. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب هذا إلى تقوية هذا المذهب وإن كان لم يصرح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، كيف يصح لنا أو يستقيم لنا أن نقول: إن النار تفنى، والله تعالى يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ما الفائدة من قوله: ﴿أَبَدًا﴾؟ على كل حال مذهب أهل السنة والجماعة الذي يكاد يكون إجماعًا هو أن النار لا تفنى، كما أن الجنة لا تفنى بالاتفاق الواضح. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لو أمضى عمره بطاعة الله عز وجل راكعًا ساجدًا قائمًا لكان ذلك قليلًا بالنسبة لهذا الثواب العظيم الذي يحصل له في يوم يشقى فيه من يشقى من عباد الله، ويكون في نار الجحيم والعياذ بالله، فنسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. جزاكم الله خيرًا. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال المخالف: إن المقصود بقوله عز وجل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أن ذلك في الشرائع، وإلا فالحجة قائمة في التوحيد وفي أصول الدين بالميثاق والفطرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف ١٧٢، ١٧٣] فهنا أثبت أنه الميثاق..؟ * الشيخ: الميثاق الذي أُخِذ عليهم أن يؤمنوا بما جاءت به الرسل، فلا بد من الرسل، والآية عامة ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] عامة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة.

البقرة 2:25

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٤]. * الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطاب هنا ورد بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مع أن السورة مدنية، وأكثر من يخاطَب في السور المدنية هم المؤمنون، ولهذا جعل المتكلمون في أصول التفسير جعل من علامة السور المدنية أن الخطاب يكون فيها موجها للمؤمنين بخلاف الآيات المكية؛ لأن أكثر من يخاطب بها من ليس بمؤمن، لكن هذه الآية هي أول آية فيها نداء، أول آية فيها نداء هي هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ولهذا وُجِّه الخطاب بها أو النداء بها إلى جميع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جُعلت في السورة المدينة؟ نقول: الأصل عدم ذلك، ولهذا نرى في بعض عناوين السور: مكية إلا آية كذا وكذا، مدنية إلا آية كذا وكذا، هذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح، وإلا فالأصل أن السور المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية، إلا بدليل ثابت. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، في هذه ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إثبات الألوهية، يعني إثبات توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ ﴿اعْبُدُوا﴾ هذا توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية يسمى توحيد ألوهية باعتبار إضافته إلى الله، وتوحيد عبادة باعتبار إضافته إلى العبد. يقول الله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فما هي العبادة التي أُمرنا بها؟ العبادة التي أُمرنا بها هي التذلل لله عز وجل ذلا تاما مستلزما للمحبة والتعظيم، لا بد، وإلّا لم يكن الإنسان عبدا، أن يتذلل لله تعالى ذلا كاملا، أيش؟ مستلزما للمحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون فعل الأوامر حتى يصل العابد إلى محبوبه، وبالتعظيم يكون الفرار من النواهي لئلا يعذبه ربه العظيم عز وجل، هذا هو معنى العبادة: التذلل لله، أيش؟ ذلا كاملا مستلزما للمحبة والتعظيم، طيب، هذا تفسير العبادة بالنسبة لفعل العبد، قد تفسَّر العبادة بالنسبة لمفعول العبد، بالنسبة لمفعوله، فيقال مثلا: الصلاة عبادة، الزكاة عبادة، الصوم عبادة، وعلى هذا فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. ثم ضرب أمثلة بالصلاة والزكاة وغيرها، وحينئذ نقول: العبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول: التعبد، والمعنى الثاني: المتعبَّد به وهو مفعول العبد؛ يعني ما فعله العبد، واضح يا جماعة؟ طيب، ما المراد بالآية؟ المعنيان أو المعنى الأول؟ الظاهر كلاهما، وهما متلازمان. وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الرب هو الخالق، المالك، أيش؟ المدبر، الخالق المالك المدبر، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفةً كاشفة مبينة للواقع، وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق والثاني غير خالق، بل ربنا هو الخالق، فالصفة هنا إذن صفة كاشفة وليست صفة احترازية، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، والخلق هو الإيجاد من عدم، ولم يخلق الناس إلا الله عز وجل، لا يخلقهم أب ولا أم ولا ملَك ولا أحد، لا يخلقهم إلا الله، وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج٧٣]، فعدم خلق بني آدم من باب أولى، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني: وخلق الذين من قبلكم، ولهذا نجد سبحان الله بنو آدم يتسلسلون، تنظر إلى المسجد أو تنظر إلى مجتمع تجد هذا له سبعون سنة، وهذا له خمسون، وهذا له أربعون، وهذا له ثلاثون، وهذا له عشرون، وهذا له عشر، وهذا له خمس، من أجل أن يعمر الكون، يتعاقبون، فإذا تأملت هذا عرفت كمال سلطان الله عز وجل وكمال حكمته، هؤلاء الذين قبلنا مخلوقون، ونحن من ذريتهم، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، ذرية نوح، نحن من ذريتهم، إذن مَن تفرع على مخلوق فهو مخلوق، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وعلى هذا فقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على؟ * طالب: الضمير. * الشيخ: على الكاف في ﴿خَلَقَكُمْ﴾، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، (لعل) هنا للتعليل؛ أي لتصلوا إلى التقوى، ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله عز وجل في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾ [البقرة ١٩٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا من باب التعدد أنواعا، أو تعديد أنواع من أفعاله عز وجل، جعل الله لنا الأرض فراشا موطأة، يستقر الإنسان عليها استقرارا كاملا، ليست نشزا وليست مؤلمة عند النوم عليها أو السكون عليها أو ما أشبه ذلك، والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة، وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبغير ذلك مما جرى في القرآن، والفراش كما نعلم يكون موطأ للإنسان مهيأ له يستريح فيه. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] السماء جعلها الله بناء، أي بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليست هي السماء الأولى، بل المراد بالسماء في الثانية العلو؛ لأن الماء الذي هو المطر ينزل من السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِه﴾ [النور ٤٣]، فالماء الذي هو المطر لا ينزل من السماء التي هي البناء، وإنما ينزل من السحاب التي في العلو، وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا، والمعنى الثاني: العلو. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، ﴿أَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، وانظر إلى الحكمة والنكتة البديعة، حيث أضاف الأمر إلى نفسه جل وعلا لكن بسبب، فالسبب موصل فقط، وإلا فهل المطر يُخرج النبات؟ لا، المخرج هو الله، لكن السبب المطر، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾، أي: بسببه، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وجمع الثمرات لأنها متنوعة، لو أراد الإنسان أن يحصي أنواعها لعجز فضلا عن أفرادها. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في العبادة، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الخلق والرزق وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من أفعال الربوبية؛ لأن المشركين يقرون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله، يقرون بهذا إقرارا تاما، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا، لكن في العبادة ينكرون هذا، يشركون، يجعلون مع الله إلها آخر، وينكرون على من وحّد الله، حتى قالوا في الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾ [ص ٥]، ونقول: ما شاء الله، من الذي جاء بالشيء العجاب؟ هم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالصواب، لكن هم جاءوا بالشيء العجاب، نسأل الله العافية، إذن ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في أيش؟ * الطلبة: في العبادة. * الشيخ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الربوبية من الخلق والرزق، وغير ذلك، وإقراركم بالخلق والرزق أن الله منفرد به يلزم أن تجعلوا العبادة لله وحده، فإن لم تفعلوا فأنتم متناقضون، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزِم لتوحيد الألوهية، يعني من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ومن أقر بالألوهية فإنه لم يقر بها حتى كان قد أقر بالربوبية، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. * في هذه الآية من الفوائد، أولا: العناية بالعبادة، يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء، والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس، مما يدل على أن العبادة من أهم شيء، وهو كذلك، بل إن الناس ما خُلقوا إلا لأجل العبادة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات ٥٦]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فإن الرب يستحق عز وجل أن يُعبد ولا يُعبد غيره، والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم الضراء وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى من؟ إلى الله؛ ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [لقمان٣٢]؛ لأن فِطَرهم تحملهم على ذلك ولا بد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله عز وجل هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين والآخرين؛ لقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، نعم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طريق القرآن أنه إذا ذكر الحكم غالبا ذكر العلة، الحكم: ﴿اعْبُدُوا﴾، والعلة: كونه ربًّا خالقا لنا ولمن قبلنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هل يمكن أن نأخذ من هذه الآية التحذير من البدع؟ ربما نأخذ منها التحذير من البدع، وذلك لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعبادة؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله، كيف نتوضأ، إلا عن طريق الوحي والشرع؛ كيف نصلي، يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام يقرأ ثم ركع ثم سجد، فهذه هي العبادة المطلوبة منا إلا بعد أيش؟ بعد الوحي، وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن الأمر بالعبادة يستلزم الأمر بالاتباع. وهل يستفاد من الآية الحث على طلب العلم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، كيف ذلك؟ إذ لا تُمكن العبادة إلا بالعلم، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة بقوله: باب العلم قبل القول والعمل[[صحيح البخاري (1 / 24).]]. ثم قال تعالى مذكرا عباده: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى وحكمته في جعل الأرض فراشا؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال، لكن من رحمته ولطفه وإحسانه جعلها فراشا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جعل السماء بناء، لكن ما فائدتنا من جعل السماء بناء؟ فائدتنا من جعل السماء بناء أن نعلم بذلك قدرة الله عز وجل؛ لأن هذه السماء المحيطة بكل الأرض من جميع الجوانب نعلم أنها كبيرة جدا واسعة، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون﴾ [الذاريات ٤٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإنزال المطر من السماء؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا، والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة، أليس كذلك؟ نعم، وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال:« ادعُ اللهَ أن يغيثَنَا، فرفَعَ يديْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، وما نزَلَ من الخطبةِ إلا والمطرُ يَتحادَرُ من لحيتِهِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (1014)، ومسلم (897 / 8).]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته بإنزال المطر من السماء، وجه ذلك لو كان الماء الذي تحيا به الأرض، لو كان يجري على الأرض لأضر الناس، ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراض كثيرة، ما هي الأراضي التي تُحرم؟ المرتفعة، لا يأتيها شيء، ولكن من نعمة الله أنه ينزل من السماء، ثم هناك شيء آخر أيضا أنه ينزل رذاذا، يعني قطرة قطرة، ولو نزل كأفواه القِرَب لأضر بالناس، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل على ما تعهدون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الأسباب لا تكون سببا إلا بإرادة الله؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾. * ومن فوائدها فائدة مَسلكية: أن الإنسان ينبغي له أن يضيف الشيء إلى الله مقرونا بالسبب، فمثلا لو أن أحدا من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه، أنقذه من الغرق، فليقل: أنقذني الله بفلان، وله أن يقول: أنقذني فلان، له أن يقول ذلك؛ لأنه فعلا أنقذه، وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان، كم هذه من صيغة؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله، ويدل لهذا أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله عز وجل مقرونا بالسبب «أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام، وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأسلم، لكنه أسلم بعد أن استشار أباه، التفت إليه ينظر إليه يستشيره، قال: أطع أبا القاسم.» الجهل، أذن لولده، بل أمر ولده أن يُسلم وهو لم يسلم في تلك الحال، بعدُ ما ندري، الله أعلم، لكن على كل حال خرج النبي صلي الله عليه وسلم وهو يقول:« «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (1356).]]. شوف التعبير!! «أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»، وهكذا ينبغي لنا نحن، إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى، أيش؟ مقرونا ببيان السبب، طيب. * ومن فوائد الآية الكريمة: قدرة الله عز وجل وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر، تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء، فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله عز وجل، ففيه القدرة وفيه الفضل، ولذلك قال: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة، نعم، أن الله عز وجل منعم على الإنسان كافرا كان أو مسلما، من أين؟ * طالب: من قوله (...) * الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ وهو يخاطب بالأول الناس عموما، إذن فلله تعالى فضل على الناس كافرهم ومؤمنهم، كل له فضل، لكن فضل الله على المؤمن - جعلني الله وإياكم منهم - دائم متصل بفضل الآخرة، وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم جعل الأنداد لله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهل الأنداد شرك أكبر أو شرك أصغر؟ وهل هي شرك جلي أو شرك خفي؟ هذا له تفصيل في علم التوحيد، إن جعل لله ندا في العبادة بأن عبد غير الله كعبادة الله فهذا، أيش؟ شرك أكبر، وإن جعل له ندا في الربوبية وقال: إن هذا الخلق خلقه اثنان مثلا، فهذا شرك أكبر، وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، ومن ذلك أن يضيف الشيء إلى سببه وإلى الله مقرونا بالواو فهذا شرك أصغر، ما لم يعتقد أن هذا السبب له فعل كفعل الله فيكون شركا أكبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن خاطب أحدا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة، من قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ومن قوله في صدر الآية: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فيه إقامة الحجة على وجوب العبادة له؛ لأنه الخالق وحده. الإعراب في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الجملة حالية في محل نصب. * طالب: فضيلة الشيخ ما الحكمة من كثرة الآيات الدالة على توحيد الربوبية مع أن المخاطبين في هذا القرآن يقرون بتوحيد الربوبية؟ * الشيخ: نعم، إقامة الحجة. * طالب: هم يقولون به. * الشيخ: إي، لكن إذا قالوا به يلزمهم أن يوحّدوا بالألوهية. * طالب: ولكن بعض الدعاة الذين يدعون يكثرون من (...) ودعوة توحيد الربوبية، مع أن الناس عندهم خلل في توحيد الألوهية ويستشهدون بكثرة الآيات في هذا في القرآن. * الشيخ: إي، هذا مثل ما قلت، لو كان يخاطب ناسًا ينكرون الألوهية، يعني ينكرون توحيد الألوهية، فليكثر من ذكر الآيات في الربوبية، لكن إذا كان يتكلم على أناس مقرين بتوحيد الألوهية فينبغي أن يأتي لهم بآيات أخرى آيات في الصفات آيات في أفعال الله. * طالب: هم مسلمون. * الشيخ: ما يخالف، إذا كانوا مسلمين، فالربوبية يمكن يذكرونها من أجل أن يزداد إيمانهم. * طالب: (...) العبادة هي تذلل يستلزم المحبة والتعظيم وهذا يكون لله عز وجل، هل مَن صرف المحبة لوحده أو التعظيم لوحده لغير الله مشرك الشرك الأكبر؟ * الشيخ: إي نعم، إذا أحب أحدا مثل محبة الله أو أعظم فهو مشرك شركا أكبر. * طالب: أو عظّم أحدا؟ * الشيخ: أو عظّم أحدا مثل تعظيم الله أو أشد، حتى لو عظم الكعبة مثل تعظيم الله، أو عظم الرسول عليه الصلاة والسلام مثل تعظيم الله كان مشركا شركا أكبر. * طالب: شيخ ما نقول لهؤلاء الذين عند القبور (...) الأولياء فهم يحبونهم ويعظمونهم لكن ما نعلم هل أحبوهم كحب الله أم لا؟ * الشيخ: نقول هكذا، نقول بالتفصيل، ثم نقول لهذا: هل أنت تحب هذا أشد من حب الله؟ * الطالب: إن حبه وعظمه ولكن يعني..؟ * الشيخ: في أناس الآن يحبون الرسول أكثر من محبة الله، وأنا أذكر أن أناسا من الحُجاج ونحن في جدة في المسجد جاء وقت المنع من السفر إلى المدينة؛ لأنه أظن بعد الرابع من ذي الحجة يمنعونهم من السفر إلى المدينة خوفا عليهم من التأخر، فجعل يبكي بكاء شديدا؛ ليش؟ قال: نور عيني. من نور عينه؟ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا ما جئت إلا لهذا، شايف الحين جاي بيحج، يقول: أنا نور عيني ما جئت إلا له، في ظني أن هذا يمكن محبة الرسول في قلبه أكثر من محبة الله، فمثل هؤلاء يجب أن يبين لهم، يقال: لولا محبة الله ما أحببنا الرسول، ولولا أن محمدا رسول الله ما أحببناه هذا المحبة، ولا قدمنا محبته على أنفسنا وأهلينا وأولادنا، من أين وجب لنا أن نعظم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ من أجل أنه رسول ربنا، ما هو من أجل أنه محمد بن عبد الله، معلوم هذا؟ فهؤلاء العامة يبين لهم، يقال: لا تجعل أحدا مع الله إطلاقا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة١٦٥]. * طالب: شيخ لو حصل في شخص حب وتعظيم (...). * الشيخ: لا لا؛ الإنسان يحب والديه ويعظم والديه، يحب معلمه ويعظم معلمه، يحب إللّي أكبر منه ويعظمه، المهم أن لا يكون هناك غلو. * * * * طالب: ﴿﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٣- ٢٥] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إلى آخره؛ الخطاب لمن جعل لله أندادا؛ لأنه قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. لكن شهادة أن لا إله الله توحيد القصد، والثاني: توحيد المتابعة، فكلاهما توحيد، لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصا لله، والثاني توحيد المتابعة بأن يكون العمل متَّبَعا فيه رسول الله، وأنتم إذا تأملتم القرآن وجدتم هكذا، يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة. مثال آخر: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِين﴾ [المؤمنون٦٨] ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون٦٩] وهذا مطرد في القرآن الكريم، يقول ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، الريب يفسره كثير من الناس بالشك، ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن الريب يُشعر بقلق، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك، وذلك لأن ما جاء به الرسول حق، والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به، بخلاف الشك في الأمور الهينة فلا يقال: ريب، وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقًا واضطرابًا. وقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ هو محمد رسول الله، والله تبارك وتعالى وصف رسوله بالعبودية في المقامات العالية؛ في الدفاع عنه، وفي بيان تكريمه بالمعراج والإسراء، وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن؛ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]، هذا في مقام التحدي والمدافعة، وأفضل أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام هي العبودية والرسالة، ولهذا قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[[أخرجه البخاري (3445)، بلفظ: «فَإِنَّمَا أَنا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْد اللَّهِ وَرَسُولهُ».]]. والعبودية: وهي التذلل للمحبوب والمعظم يتلذذ بها العابد، ولهذا قال الشاعر في وصف محبوبته: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَــــــــــإِنَّهُ أَشـْــــــــرَفُأَسْمَـــــــائِي أي لا تقل: فلان وفلان، قل: يا عبد فلانة؛ لأن هذا هو عنده أشرف أسمائه حيث انتمى إليها - نعوذ بالله من الخذلان- إذن أشرف أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام وصفان: العبودية والرسالة، ﴿عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، (ائتوا): أمر يُقصد به التحدي، يعني إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإنا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة من مثله، يحتمل من مثل محمد عليه الصلاة والسلام، أي من بشر، ويحتمل من مثله أي مثل الذي أنزلنا على عبدنا، أي من جنسه، وكلاهما صحيح؛ إذ لا يمكن لأي بشر أن يأتي بشيء من مثل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام أبدا، بل قد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ الذين تشهدون لهم بالألوهية وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم، وهذا غاية ما يكون من التحدي أن يتحدى العابد، ويش؟ والمعبود، تحدى العابدين والمعبودين أن يأتوا بسورة من مثله. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مما سوى الله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾، والجواب على هذا أنه لا يمكن، مهما أتوا من المعاونين والمساعدين فلن يأتوا بسورة من مثله. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾؛ لما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وهي شرطية قطع أطماعهم بقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ يعني: لا تحاولوا أن تفعلوا؛ لأن هذا شيء مستحيل، ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ الفاء هنا واقعة في جواب الشرط وهو ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ يعني: إن لم تفعلوا فتعارضوا القرآن بمثله فالنار مثواكم، اتقوا النار، ولن يجدوا ما يتقون به النار إلا أن يؤمنوا بما أنزل على محمد ﷺ. ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التي) اسم موصول صفة للنار، (وقود): مبتدأ؛ و(الناس) خبر المبتدأ، ﴿وَقُودُهَا﴾ الوقود: ما يوقد به الشيء، كالحطب مثلا في نار الدنيا، في الآخرة وقود النار هم الناس والحجارة، فالنار تحرقهم وتلتهب بهم، نسأل الله العافية. ﴿الْحِجَارَةُ﴾ قال بعض العلماء: إن المراد بها الحجارة المعبودة، يعني: أصنام؛ لأنهم يعبدون أصنام، فأصنامهم هذه تكون معهم في النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، وقيل: إن الحجارة حجارة نارية - والعياذ بالله - يزداد بها حر النار ولا تبرد - نسأل الله العافية - ولكن لا مانع من أن يكون المراد هذا وهذا، الحجارة المعبودة والحجارة الموقودة التي خلقها الله عز وجل لتوقد بها النار. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (أعدت) الضمير المستتر يعود على النار، والمعِد لها هو الله عز وجل، ومعنى الإعداد التهيئة للشيء، وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: لكل كافر، سواء كفر بالرسالة أو كفر بالألوهية أو بغير ذلك. * في هذه الآيات فوائد: أولا بيان دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله ﷺ؛ لقوله؟ * طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾. * الشيخ: اقرأ الآيات كلها وقول: يؤخذ من هذه الآيات، حدد. * طالب: ﴿عَبْدِنَا﴾. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، يعني أن عبدنا ليس ممن يُشك فيه. * الشيخ: نعم. * طالب: مما أنزلنا على عبدنا. * الشيخ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، هذا وجه الدفاع؛ لأن الأمر هنا للتحدي، فالله عز وجل يتحدى هؤلاء أن يأتوا بمعارض لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ومنها: فضيلة النبي ﷺ؛ لوصفه بالعبودية، والعبودية لله عز وجل هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره، فإذا لم يعبد الله عز وجل الذي هو المستحق للعبادة عبد الشيطان والهوى، كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾، ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام، والكلام ليس أجساما تُخلق وتكون بائنة عن الله عز وجل، فهو وصف المتكلم، وبهذا نعرف أن من ادعى أن القرآن مخلوق وقال: إن الله قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقال: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] وما أشبه ذلك، فقوله مردود عليه، ولا حجة له في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وقوله: ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] وقوله: ﴿جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، كل هذا لا حجة فيه؛ لوجود الفرق بين الأعيان القائمة بنفسها التي يضيفها الله لنفسه وبين الأوصاف التي ليست قائمة بنفسها. * ومن فوائد الآية: علو الله عز وجل؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه وأنه منزَّل من عنده لزم من ذلك علو المتكلم به، وعلو الله عز وجل أمر فطري عقلي، وسبق أن ذكرنا له خمسة أنواع من الأدلة، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. فإن قال قائل: ذكرتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام تشرف بإضافة عبوديته إلى الله عز وجل مع أن كفار الخلق وفجار الخلق عبيد لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن العبودية لها معان متعددة: عبودية عامة وهي العبودية الكونية القدرية، هذه شاملة لكل أحد، ولا يمكن لأحد إلا أن يخضع بهذه العبودية، فالكافر والفاجر عبد لله، بمعنى أن الله يفعل فيه ما يشاء، وعبودية خاصة وهي عبودية الطاعة، وهي خاصة بمن آمن بالله واتبع شريعته، ثم هذه الخاصة يمكن أن نقول: إنها تنقسم أيضا إلى خاصة عامة وخاصة أخص، فعبودية الرسل غير عبودية الصديقين والشهداء والصالحين، الأولى أكمل وأخص. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن معجز حتى بسورة ولو كانت قصيرة؛ لقوله: ﴿بِسُورَةٍ﴾، وقد تحدى الله عز وجل أن يأتوا بسورة مثله، وأن يأتوا بعشر سور مثله، وأخبر أنه لن يأتي أحد بمثل هذا القرآن ولو اجتمع الإنس والجن، وأقل ما نعلم أن يأتوا بحديث مثله، يعني ولو بجملة واحدة، لا يأتون، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، والحديث يطلق على الجملة وإن قلّت، فعلى هذا يكون التحدي على أربعة أوجه: بالقرآن كله، بعشر سور منه، بسورة، بحديث. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم، وهذا أشد ذلا مما لو تُحُدُّوا فقط، كأنه يقول: أنتم وآلهتكم ائتوا بسورة من مثله، وهذا أشد ما يكون ذلا وإذلالا وخزيا وعارا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يعارض أحد كلام الله؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، وفي هذه الجملة حجتان: حجة لقول من قال بالصِّرفة، بمعنى أن البشر بمقتضى طبيعته قادر على أن يأتي بمثل القرآن لكن صُرف عنه، وعلى هذا فأداة التحدي ممكنة، لكن وُجد مانع، وهو أن الله صرفهم عن معارضته بحيث لا يريدونه. والحجة الثانية: أنهم لن يفعلوا بمقتضى طبيعتهم، لا أنهم صُرفوا وباستطاعتهم أن يعارضوا القرآن، وهذا القول هو المتعين؛ لأن القول الأول أو الاحتمال الأول لا يدل على أن القرآن بذاته معجز؛ إذ أنه يمكنهم أن يأتوا بمثله لكن الله صرفهم ولم يلتفتوا إلى هذا ولم يفكروا فيه، ولكن نقول: هذا خطأ، بل الصواب أن الإنسان بنفسه لا يستطيع أن يأتي بمثل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام صفة المتكلم، فكما أن البشر لا يمكن أن يماثل الله تعالى بصفاته فلا يمكن أن يماثل الله بأيش؟ بكلامه أبدا مستحيل، ولهذا كان الذين يدّعون النبوة ويأتون بما يسمونه قرآنا، كانوا مسخرة للعباد وهزوا كما يُذكر عن مسيلمة الكذاب وغيره، إذن فالصواب أن قوله: ﴿لَنْ تَفْعَلُوا﴾ ليس معناه: ستُصرفون عن ذلك ولا تفعلون، بل المعنى أنكم عاجزون بمقتضى طبيعة البشر، ووجه ما قلنا أن الكلام صفة المتكلم، والقرآن كلام الله عز وجل، فكما أن البشر لا يماثلون صفات الله في العلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك، فكذلك لا يمكن أن يماثل الله تعالى بالكلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد أن يعارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضا: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب، فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضا توقد بهم، فيجتمع العذاب عليهم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم هم مادة توقدها، والثاني: أنهم يُحرقون بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم وطرحها في النار على أحد احتمالين في قوله: ﴿الْحِجَارَة﴾، من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده ولا يريد أن يصيبه أذى، فإذا أحرق هؤلاء المعبودين أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم وخزيهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار موجودة الآن؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾، ومعلوم أن هذا التركيب فعل ماض، الجملة فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء، وهذا أمر دلت عليه السنة،« فإن النبي ﷺ عُرضت عليه الجنة والنار، ورأى أهلها يعذَّبون بها، رأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر قُصْبَهُ –أي: أمعاءَه- في النار[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3521، 4623)، ومسلم (2856 / 50، 51).]]، ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعا، فلم تكن أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، ورأى فيها صاحب الْمِحْجَن يعذَّب، وهو رجل معه مِحْجَن –أي: عصا مثنية الرأس- كان يسرق الحجاج بهذا الطريق، إذا مر به الحجاج جذبهم بالمحجن، فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ واللهِ هذا المحجن هو الذي جذب، وإن لم يتفطن أخذه ومشى، فكان يعذَّب » -والعياذ بالله-« بِمحْجَنِهِ في نار جهنم»[[أخرجه مسلم (904 / 10).]]. ثم هل النار باقية أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى ولا تفنى، وذكر بعضهم خلافا عن بعض السلف أنها تفنى، والصواب أنها تبقى أبد الآبدين، والدليل على هذا من كتاب الله عز وجل في ثلاث آيات من القرآن؛ في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ أما الآية التي في سورة النساء فهي قوله: * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. * الشيخ: أحسنت بارك الله فيك. والتي في سورة الأحزاب، المؤخر شاركونا بارك الله فيكم. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥] * الشيخ: أحسنت، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. والتي في سورة الجن؟ * طالب: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. * الشيخ: ما يكفي، هات الآية من أولها. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [الجن: ٢٣]. * الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وليس بعد كلام الله كلام، حتى إني أذكر تعليقا لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله على كتاب شفاء العليل لابن القيم، ذكر أن هذا من باب (لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة)، كيف أن المؤلف رحمه الله يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ وهو صحيح غريب على ابن القيم رحمه الله أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى، وعلى كل حال كما قال شيخنا في هذه المسألة: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة. وهذه من كبوات ابن القيم رحمه الله، والصواب الذي لا شك فيه وهو عندي مقطوع به أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان المخلَّد فيها يخلَّد تخليدا أبديا لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبديا فلا بد أن تكون النار أيضا أبدية، وأما قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٧] فهي كقوله في أصحاب الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود ١٠٨]، لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم وثوابهم فضلا ومنة بيّن أن هذا الفضل غير منقطع فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل والسلطة المطلقة للرب عز وجل قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود١٠٧]، وليس المعنى أن ربك فعال لما يريد أنه سوف يخرجهم من النار، أو سوف يُفني النار، لا، المعنى أنهم إنما بقوا فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله بمقتضى فعل الله عز وجل الذي له السلطة الكاملة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار دار للكافرين؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وأما من دخلها من العصاة فإنهم لا يبقون فيها، فهم فيها كالزوار وكالضيوف، لا بد أن يخرجوا منها، فلا تسمى النار دارا لهم، بل هي دار للكافر فقط، أما المؤمن العاصي إذا لم يعف الله عنه فإنه يعذَّب فيها ما شاء الله ثم يخرج منها، إما بشفاعة أو بمنة من الله وفضل، وأما أهل النار الذين هم أهلها فقد أعدت لهم فلا يخرجون منها، أجارنا الله وإياكم منها. * الطلبة: آمين. * الشيخ: ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الوعيد لأهل النار قال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن قبل أن نتجاوز الآية التي نحن بصدد تفسيرها، إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ هذه واحدة، ثانيا: حكى الله عزوجل عن الأنبياء والرسل ومن عاندهم حكى عنهم أقوالا، وهذه الحكاية تحكي قول من حُكِيت عنه، فيكون قول هؤلاء معجزا، مثلا فرعون قال لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، هذا يحكيه الله عن فرعون، فيكون القول قول من؟ قول فرعون، فكيف كان قول فرعون معجزًا، والإعجاز إنما هو قول الله عز وجل؟ فالجواب عن الأول: بماذا كان معجزًا؟ أنه كان معجز بجميع وجوه الإعجاز، من حيث الأسلوب والبلاغة والفصاحة وعدم الملل في قراءته، الإنسان يقرأ القرآن صباحا ومساء، وربما يختمه في اليومين والثلاثة ولا يمله إطلاقا، لكن لو كرر متنًا من المتون كما يكرر القرآن ملّ. ثانيا: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى، وهذا لمن تدبر حقيقة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذِّبين للرسول ﷺ ذكر وعد المؤمنين به، فقال: ﴿وَبَشِّر﴾، والبشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وسميت بذلك لتغير بشرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يسره استنار وجهه وطابت نفسه وانشرح صدره، وقد تستعمل البشارة في الإخبار بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] إما تهكُّمًا بهم، وإما لأنه يحصل لهم من البشارة بهذا ما يحصل للمبشَّرين بالخير، لكن الأول أقرب وذلك لأنهم لا يؤمنون بما يبشَّرون به من العذاب، فيكون هذا من باب التهكم بهم؛ كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ والخطاب في قوله: ﴿بَشِّرِ﴾ إما للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يعني بشِّر أيها المخاطب من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات. وقوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الذين آمنوا بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به ورسوله، وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أصول الإيمان بأنها: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (8 / 1).]]. لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها، بل لا بد من قبول وإذعان، وإلا لما صح الإيمان. وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهو ثمرة الإيمان أن الإنسان يعمل الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي بُنيت على أساسين هما: الإخلاص لله والاتباع لرسول الله ﷺ، فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (2985 / 46).]]. وما لم يكن على الاتباع فهو مردود أيضا لا يُقبل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718 / 17، 18) واللفظ لمسلم. ]]، إذن فالصالح أيش؟ ما كان خالصًا لله متَّبَعا فيه شريعة الله، ويُذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: ما كان خالصًا صوابًا[[تفسير البغوي (8 / 176)]]. قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذا المبشَّر به؛ ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ عند من؟ عند الله عز وجل ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، جنات توافق ما في الدنيا في الاسم، لكنها تخالفه في الحقيقة والكُنه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ولهذا لا يجوز أبدا بأي حال من الأحوال أن نتصور بأن هذه الجنات تشبه جنات الدنيا، مهما كان الأمر، يعني مهما كان في الدنيا من الغابات والأشجار والثمار وغيرها فإنه لا يمكن أن يكون ما وعد الله به المتقين مماثلا لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824 / 2).]]. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل (تجري)، و ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: من تحت أشجارها وقصورها، وليس من أسفل من سطحها، لا؛ لأنها من أسفل من سطحها لا فائدة منها، لكنها تجري من تحت هذه الأشجار والقصور، وما أحسن جري هذه الأنهار إذا كانت من تحت الأشجار والقصور، يجد الإنسان فيها لذة قبل أن يتناولها، وهذه الأنهار بيّنها الله تعالى أنها أربعة أنواع كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، يخلقها الله عز وجل بدون نحل وبدون بقر وبدون إبل، وكذلك الخمر، والماء ليس من الأمطار والعيون، بل هو خلقه الله عز وجل ابتداء، أسأل الله أن لا يحرمني وإياكم منها إنه على كل شيء قدير. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾، ﴿رُزِقُوا﴾ أي: أُعطوا، ﴿مِنْهَا﴾ أي: من هذه الثمار، ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ أي: عطاء، ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ لأنه يشبه ما سبقه، يشبهه في الحجم، يشبهه في اللون، يشبهه في الملمس، كل هذه أشياء حسية يظنها الإنسان مشابهة لما سبق في لونها، ويش؟ وحجمها وملمسها، لكن في المذاق لا، تختلف اختلافا عظيما، ولهذا قال: ﴿أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، تختلف، وما أجمل وألذ للإنسان إذا رأى هذه الفاكهة يراها وكأنها شيء واحد، فإذا ذاقها وإذا الطعم يختلف اختلافا عظيما تجده يجد في نفسه حركة لهذه الفاكهة ولذة وتعجبًا، كيف يكون هذا المتباين العظيم والشكل واحد؟ ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ولهذا الآن لو قُدِّم لك فاكهة ألوانها سواء وأحجامها سواء وملمسها سواء، ثم إذا ذقتها وإذا هذه حلو خالص، وهذه مُز، يعني حلو مقرون بالحموضة، وهذه حامضة، تجد شيء لذة أكثر مما لو كانت على حد سواء، أو كان مختلفا. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، ﴿أُتُوا﴾ من (آتى) ولَّا من (أتى)؟ الثاني ولَّا الأول؟ * الطلبة: الأول الأول. * الشيخ: من آتى ولَّا من أتى؟ * الطلبة: من آتى، الأول. * الشيخ: لا، الثاني، ﴿أُتُوا بِهِ﴾؛ لأنه لو كان من الأول لقال: أوتوا به، لكن: ﴿أُتُوا بِهِ﴾ يعني جيء به إليهم به متشابها، متشابها في أيش؟ قلنا: في ثلاثة أشياء، هذا الذي يحضرنا الآن، والله أعلم بما يكون، في اللون والحجم والملمس، لكن في المذاق لا؛ لأنه لو اتفق في المذاق لصار هذا هو هذا لا فرق، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ سبحان الله إذا ذكر الله الفاكهة ذكر الأزواج، تأملها في جميع الآيات، ليش؟ لأنهم يكونون هم وأزواجهم يتفكهون في هذا العطاء وهذا الرزق، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس ٥٥، ٥٦] فتجد أن الله تعالى يقرن هذا بهذا؛ لأن كله تفكُّه، لكن هذا تفكُّه من نوع، وهذا تفكه من نوع آخر، هذا تفكه في المذاق والمطعم، وهذا تفكه آخر من نوعٍ ثانٍ؛ لأن بذلك تتم النعمة. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾، ﴿أَزْوَاجٌ﴾ جمع، هل المعنى لكل واحد أزواج؟ ولَّا لكل فرد زوجة لكن لما كانوا جمعا قوبل الجمع بالجمع؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: الأول؛ لأن الإنسان في الآخرة له أزواج متعددة، والأزواج جمع زوج، ويطلق الزوج على الذكر والأنثى، ولهذا يقال: (زوج) للمرأة وللرجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢]، لكن في اصطلاح الفرضيين صاروا يُلحقون التاء للأنثى، فَرْقًا بينها وبين الرجل عند قسمة الميراث. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، طيب، إذا كانت المرأة ماتت وهي صغيرة لم تتزوج يكون لها زوج في الآخرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم يكون لها زوج في الآخرة، إما من أهل الدنيا، وإما ممن ينشئهم الله عز وجل؛ لأنه يبقي في الجنة فضلٌ عن من دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما فيُدخلهم الجنة بفضله ورحمته. وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ يشمل طهارة الظاهر والباطن، فهي مطهرة من الأذى، القذر، لا بول ولا غائط، ولا حيض ولا نفاس ولا استحاضة، ولا عرق ولا بخر، مطهرة من كل شيء ظاهر، حسي، مطهرة أيضا من الأقذار الباطنة كالغل والحقد والكراهية والبغضاء وغير ذلك، مطهرة من كل شيء، من كل قذر وأذى ظاهري أو باطني، بخلاف أزواج الدنيا، لكن أزواج الدنيا مناسبة تماما لأزواجهم الذكور؛ لأنها إذا لم تطهر من هذا فزوجها؟ زوجها مثلها، لكن في الآخرة الكل مطهَّر. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا تمام النعمة أنهم خالدون في هذه الجنات لا يبغون عنها حِولا ولا يُحوَّلون منها، وكما جاء في الحديث: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَمْرَضُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا»[[أخرجه مسلم (2837 / 22) بلفظ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا.]]. فيتم بذلك نعيمهم، لكن أعلى نعيم يكون لأهل الجنة هو النظر إلى وجه الله سبحان الله وتعالى، هذا أعلى نعيم، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه أحمد في المسند (18935، 18941)، والنسائي في السنن الكبرى (11170).]]. * في هذه الآية فوائد، منها: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله: ﴿بَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولقول الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢]، ﴿بَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام. (طيب) لكن إذا كان يسر الإنسان معصية الله، فهل تبشّره؟ يعني إنسان حصل له سرقة، سَرَق، تيجي تبشره تقول: ما شاء الله، هنّأك الله بما سرقت؟ أبدًا، طيب، إنما البشارة بما يسر وليس له عاقبة سيئة، وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة كما لو أدرك رمضان فقلت: هنّأك الله بهذا الشهر؟ الجواب نعم، وكذلك أيضا لو أتم الصوم فقلت: هنّأك الله بهذا العيد وتقبّل منك عبادتك، وما أشبه ذلك، فإنه لا بأس به، وقد كان هذا من عادة السلف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين الوصفين: الإيمان والعمل الصالح. فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. قلنا: إن التواصي بالحق والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحيانا يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل وسبب من الأسباب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملا سيئا فإنه لا يبشَّر بهذا بالجنات؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن من عمل عملا سيئا فإن كان مجتهدا فأخطأ فله أجر ويسلم من الإثم، وإن كان غير مجتهد ولا باذلًا جهده فإنه يكون آثما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716 / 15) بلفظ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات أكبر بكثير مما عملوا وأعظم؛ لأنه مهما آمنوا وعملوا فالعمر محدود وينتهي، لكن الجزاء أيش؟ الجزاء لا ينتهي أبدا، هم مخلَّدون فيه أبد الآباد، كذلك أيضا الأعمال التي يقدمونها هي قد يشوبها كسل، قد يشوبها تعب، قد يشوبها أشياء تنقِّصُها، لكن إذا منّ الله عليهم فدخلوا الجنة فالنعيم كامل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقد يقال: إن هذا لا دلالة فيه؛ لأن (جنات) جمع مقابلة لجمع، وهو قوله: ﴿لَهُمْ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾، لكن السنة بل القرآن جاء بأن الجنات أنواع؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] فهي أنواع، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (4878)، ومسلم (296 / 180) بلفظ: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بخلق هذه الأنهار من غير سبب معلوم في الدنيا؛ لأن الماء عندنا في الدنيا معروف أسبابه، الأنهار المائية معروف أسبابها، كذلك اللبن معروف من أين ينتج، العسل معروف، والرابع؟ الخمر معروف، لكن في الجنة لا، ينشئه الله عز وجل، أنهار تجري، وقد جاء في الأثر «أنها تجري من غير أخدود»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (34954) عن مسروق، قال: أنهار الجنة تجري في غير أخدود.]]؛ يعني لم يُحفر لها حُفَر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها، بل النهر يجري ويتصرف به الإنسان بما شاء، يوجهه حيث شاء - سبحان الله - قال ابن القيم رحمه الله: أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْـــــــحَانَ مُمْسِكِهَـــــا عَــــــنِالْفَيَضَــــــانِ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نعيم أهل الجنة أنهم يؤتَون بالرزق متشابها و ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا من تمام النعيم والتلذذ بما يأكلون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم، وعلى هذا فيثبت الجماع أو لا؟ يثبت، ولكن إذا ثبت الجماع هل يحصل الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؟ الجواب: لا، ولهذا ليس في الجنة منيّ ولا منية، والمني الذي خلقه الله عز وجل إنما خلقه لبقاء النسل؛ لأن هذا المني مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين فيخرج بإذن الله تعالى ولدًا، لكن في الآخرة في الجنة لا، لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى منهم أحد، ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم ويخدمهم، الولدان تطوف عليهم بأكواب وأباريق وكأس من معين، ثم هم لا يحتاجون أيضا إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها، بل كما قال الله تعالى فيها: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن ٥٤]، حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة فيحس أنه يحبها مثلا، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها، الله أكبر، ولا تستغرب هذا، يعني نحن في الدنيا نشاهد مثل هذا الشيء، بمعنى نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سبب أو بغير صلات محسوسة، لكن في الآخرة أبلغ وأبلغ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى مَن فيها، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وأنكر ذلك من أنكره من أهل الفلسفة الذين قالوا: إن الله يمتنع عليه دوام الفعل في الأزل وفي الأبد - والعياذ بالله - فجعلوا الله معطَّلا في الابتداء ومعطلا في الانتهاء، حتى قال بعضهم والعياذ بالله: إن الجنة تفنى بمن فيها والإنسان رافع لقمته إلى فمه، فيحل الفناء ويبقى رافعًا اللقمة، بياكل تبقى اللقمة ويده فانية، كما قال ابن القيم في النونية: إن العلاف أتى بضحكة مجانية[[النونية (1 / 9): وتلطف العلاف من أتباعه... فأتى بضحكة جاهل مجان]] كذلك الإنسان مع أهله مع زوجته يجامعها فيأتي وقت الفناء، ويبقى معها أبد الآبدين، فانية، نسأل الله العافية. على كل حال الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك، على القول المتعين، ما هو الراجح؟ أنها لا تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل؛ وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرا، وما كنا نظن أن أحدا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم عفا الله عنه حاول أن يرجِّح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذا الجواد وغلطا عظيما. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب إلى تقوية هذا المذهب، وإن كان لم يصرِّح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن. الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك على القول المتعين، ما هو الراجح أنها تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل، وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرًا وما كنا نظن أن أحدًا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم -عفا الله عنه- حاول أن يرجح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذه الجواد وغلطًا عظيمًا. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب هذا إلى تقوية هذا المذهب وإن كان لم يصرح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، كيف يصح لنا أو يستقيم لنا أن نقول: إن النار تفنى، والله تعالى يقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ما الفائدة من قوله: ﴿أَبَدًا﴾؟ على كل حال مذهب أهل السنة والجماعة الذي يكاد يكون إجماعًا هو أن النار لا تفنى، كما أن الجنة لا تفنى بالاتفاق الواضح. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لو أمضى عمره بطاعة الله عز وجل راكعًا ساجدًا قائمًا لكان ذلك قليلًا بالنسبة لهذا الثواب العظيم الذي يحصل له في يوم يشقى فيه من يشقى من عباد الله، ويكون في نار الجحيم والعياذ بالله، فنسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. جزاكم الله خيرًا. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال المخالف: إن المقصود بقوله عز وجل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أن ذلك في الشرائع، وإلا فالحجة قائمة في التوحيد وفي أصول الدين بالميثاق والفطرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف ١٧٢، ١٧٣] فهنا أثبت أنه الميثاق..؟ * الشيخ: الميثاق الذي أُخِذ عليهم أن يؤمنوا بما جاءت به الرسل، فلا بد من الرسل، والآية عامة ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] عامة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة.

البقرة 2:26

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦]. * الشيخ: لا ﴿مَثَلًا﴾ قف. * الطالب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة ٢٦ - ٢٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ﴿لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، ولو كان مثلًا حقيرًا ما دام يثبت به الحق فالعبرة بالغاية، وقوله: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾، كلمة (ما) هنا يقولون: إنها نكرة واصفة، أي: مثلًا أيّ مثل، وقوله: ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان لـ(ما)، أي: مثلًا بعوضة فما فوقها، وقوله: ﴿بَعُوضَةً﴾ البعوضة معروفة، ويضرب بها المثل في الحقارة. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية[[انظر تفسير الطبري (١ / ٤٠٠)، الدر المنثور (١ / ٢٢٥).]] : أن المشركين اعترضوا كيف يضرب الله المثل بالذباب في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]، قالوا: ذباب يذكره الله عز وجل في مقام المحاجة؟! فبيّن الله عز وجل أنه لا يستحيي من الحق، حتى وإن ضرب المثل بالبعوضة فما فوقها. وقوله: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ هل المراد بما فوق أي فما فوقها في الحقارة، فيكون المعنى أدنى من البعوضة، أو فما فوقها في الارتفاع فيكون المراد ما هو أعلى من البعوضة؟ فأيهما مثلًا أعلى خلقة الذباب أو البعوضة؟ الذباب أكبر وأقوى لا شك، لكن مع ذلك يمكن أن يكون معنى الآية فما فوقها، أي فما دونها؛ لأن الفوقية تكون للأدنى وللأعلى، كما أن الوراء تكون للأمام وللخلف، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩]. ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي المثل الذي ضربه الله الحق من ربهم، ويؤمنون به، ويرون أن فيه آيات بينات، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾؛ لأنه لم يتبين لهم الحق لإعراضهم عنه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ﴾ كلمة (ما) هنا اسم موصول؟ * الطلبة: استفهام. * الشيخ: استفهام، و(ذا) اسم إشارة، أي ما هذا أراد الله، ولكن يقال: إن (ذا) هنا اسم موصول، أي: ما الذي أراد الله بهذا مثلًا؟ كما قال ابن مالك: وَمِثْلُ مَا ذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ مَنْ إِذَا لَمْ تُلْغَ فِيالْكَلَامِ فلنا في إعرابها وجهان: أن نجعل (ماذا) كلمة واحدة، ونقول: كلها اسم استفهام، أو أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(الذي) خبره، أي ما الذي أراد الله بهذا مثلًا؟ * طالب: (ذا) يا شيخ. * الشيخ: نعم (ذا)، (ذا) التي بمعنى (الذي). ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ حال كونه مثلًا، فـ (مثلًا) هذه حال مِن (ذا)، قال الله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ هذا ليس من قول الذين كفروا، ولهذا ينبغي الوقوف على قوله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أي بالمثل، ﴿كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، فذكر الله عز وجل أن الناس في مقابلة الأمثال ينقسمون إلى قسمين: قسم يضل -والعياذ بالله- وقسم يهتدي، فمن الذي يضل؟ قال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾؛ لأن الله تعالى لا يُضل أحدًا إلا إذا كان فيه زيغ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فليس إضلال من يضله الله عز وجل لمجرد المشيئة، بل لأنه ليس أهلًا للهداية، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ أي الخارجين عن طاعة الله، والمراد هنا الخروج المطلق الذي هو الكفر؛ لأن الفسق قد يراد به الكفر، وقد يراد به ما دونه، ففي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ٢٠]، المراد بالفسق هنا أيش؟ الكفر، وكذلك هنا المراد به الكفر. في هذه الآية الكريمة: إثبات الحياء لله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، وهل الحياء الثابت لله كحياء المخلوق؟ لا؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يدهمه أي يدهم الإنسان ويعجز عن مقاومته، فتجده ينكسر ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يستحى منه، وقد جاء في السنة إثبات الحياء صريحًا في قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ»[[أخرجه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦) وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه، وابن ماجه (٣٨٦٥) من حديث سلمان الفارسي.]]، ولكن كما هي القاعدة عندنا أن كل صفة أثبتها الله لنفسه فهي مفارقة لصفات المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يُستدل بها على الأمور المعقولة، انظر إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت ٤١]، هل هذا البيت يمنعها (...) من كوارث الدهر؟ لا، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد ١٤]، إنسان بسط كفيه إلى الماء، غدير مثلًا أو نهر، بسط كفيه هكذا إلى الماء يريد أن يصل الماء إلى فمه، هذا لا يمكن، هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه، فالأمثال لا شك أنها تقرّب المعاني إلى الإنسان؛ إما لفهم المعنى، وإما لحكمتها وبيان وجه هذا المثل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقضّ مضاجع الجبابرة، أليس كذلك؟ نعم، وربما تهلك لو سُلِّطت على الإنسان لأهلكته، وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزله الله عز وجل بعقله؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ولا يعترضون ولا يقولون: لم ولا كيف؟ يقولون: سمعنا وآمنا وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأن الله عز وجل له الحكمة البالغة فيما شرع وقدّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾، واعلم أن ربوبية الله تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأول ربوبية عامة والثاني خاصة، كما أن مقابل ذلك العبودية تنقسم إلى عبودية عامة كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السماوات وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، وخاصة كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ديدن الكافرين الاعتراض، الاعتراض على حكم الله وحكمة الله؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار، فمثلًا لو قال: لماذا ينقض الوضوءَ لحمُ الإبل ولا ينقض الوضوء لحمُ الحمار مثلًا؟ ماذا نقول؟ نقول: هذا اعتراض، وهو دليل على نقص الإيمان، وإنما قلت: ولا ينقض لحم الحمار؛ لأن الحمار لحمه خبيث نجس، فلو أكله الإنسان للضرورة لم ينتقض وضوؤه ولغير ضرورة لا يجوز أكله. والدليل على أن الاعتراض على شريعة الله عز وجل وحكمه من ديدن الكفار قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، فهنا لو أننا أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون والمهتدون سواء، وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعون من الألف ضالون وواحد من الألف مهتدي، فكلمة (كثير) لا يعني الأكثر، وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة، يصح؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لأيش؟ لأن الكثير يُطلق على القليل وعلى الكثير، وعلى الأكثر يعني. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إضلال مَن ضل ليس لمجرد المشيئة، بل لوجود العلة التي كانت سببًا في إضلال الله العبد؛ لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية الذين قالوا: إن أفعال العباد لا علاقة لها بفعل الله؛ لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. * وفيها أيضًا: رد على الجبرية؛ لأن فسق هؤلاء الفاسقين كان سببًا وبإرادته، فيكون فيها رد على الطائفتين: القدرية النُّفَاة، والقدرية المثبِتة.

البقرة 2:27

ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، أي العهد الذي بينهم وبين الله عز وجل، وهو الإيمان بالرسل إذا جاءتهم بالحق، فإن هذا مأخوذ على كل إنسان إذا جاء رسول مصدَّق ومصدَّق بما معه من الآيات فإن الواجب على كل إنسان أن يؤمن به، هؤلاء نقضوا عهد الله ولم يؤمنوا برسله. ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، المراد أيش؟ من الأرحام؟ أو كل ما أمر الله به أن يوصل؟ العموم: الأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق، كل ما أُمِرنا أن نصله فإنه يدخل في هذه الآية: ﴿يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، الإفساد في الأرض هنا المراد به الإفساد الحسي أو المعنوي؟ المراد به الإفساد المعنوي، والإفساد الحسي يتضمن الإفساد المعنوي؛ لأنه عدوان وظلم، لكن المراد بالإفساد في الأرض هو إفسادها بالمعاصي؛ لأن المعاصي سبب للفساد، بدليل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]. * الشيخ: نعم، بدليل قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، ولهذا قال العلماء السلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] قالوا: إفسادها بالمعاصي؛ لأن المعاصي سبب لكل بلاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، إذن يفسدون في الأرض بماذا؟ بالمعاصي، وهذا الإفساد إفساد معنوي يلحقه إفساد حسي، هم لا يأخذون الجرافات يقطعون الأشجار ويفسدون الزروع، لا، لكنهم يفعلون ما يكون سببًا لذلك. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، جملة اسمية مؤكدة بمؤكِّد، أين هو؟ * طالب: ضمير الوصل. * الشيخ: إي (هم) ضمير الفصل؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: إزالة اللبس بين الصفة والخبر، مثال ذلك تقول: زيدٌ الفاضل، كلمة (الفاضل) يحتمل أن تكون خبرًا، ويحتمل أن تكون وصفًا، فتقول: زيدٌ الفاضل محبوبٌ، إذا قلنا: زيدٌ الفاضل محبوبٌ، تعين أن تكون صفة، وإذا قلت: زيدٌ الفاضلُ، يحتمل أن تكون صفة وأن الخبر لم يأت بعد، ويحتمل أن تكون خبرًا، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل، تعين أن تكون خبرًا، نعم؛ لوجود ضمير الفصل، ولهذا سمي ضمير الفصل. ثانيًا: يفيد التوكيد، يقول: زيدٌ هو الفاضل، أكدت فضله، والثالث: يفيد الحصر. هل له محل من الإعراب؟ الجواب: لا، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، ولو كان له محل من الإعراب لقال: هم الغالبون، فهو ليس له محل من الإعراب، لكن أُتِيَ به في الأسلوب العربي لهذه الفوائد الثلاث، وربما يضاف إليه اللام ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات ١٠٦]، فيكون في إضافة اللام إليه زيادة توكيد. وقوله: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ الخاسر هو الذي فاته الربح، وذلك لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من؟ الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ومن لم يقطع ما أمر الله به أن يوصل. في هذه الآية فوائد، منها: أن نقض عهد الله من علامات الفسق؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، فكلما رأيت شخصًا قد فرط في واجب أو فعل محرمًا فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق. ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سببًا للفسق. ومنها أيضًا: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام، أي الأقارب وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم، أي ذكر قطع الصلة في مقام الذم، وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (٢٥٥٦ / ١٨) من حديث جبير بن مطعم، وقوله: يعني قاطع رحم، من قول ابن عيينة كما في رواية مسلم.]]، يعني قاطع رحم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعاصي والفسوق سبب لفساد الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، ولهذا إذا قحط المطر وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم وأقاموا صلاة الاستسقاء وتضرعوا إليه وتابوا إليه، أيش؟ أغاثهم الله، وقد قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح ١٠ ١٢]، فإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله، ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟ قلنا: إن هذا الإيراد أوردته زينب رضي الله عنها على النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»، قَالَتْ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١) من حديث زينب بنت جحش.]]، وكثر الخبث يحتمل أنه وصف للفاعل ووصف للفعل، يعني إذا كثر الخبث حتى بين الصالحين، أو الخبث من الناس أجمعين، فمثلًا إذا كثر الكفار في أرض كان ذلك سببًا للشر والبلاء؛ لأن الخبث كثر، وإذا كثرت أفعال المعاصي كان ذلك سببًا أيضًا للشر والبلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اعترضوا على الله ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل وأفسدوا في الأرض يظنون أنهم يحسنون صنعًا، ولكنهم حقيقة هم الخاسرون الذين خسروا الدنيا والآخرة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، جعلنا الله وإياكم من هؤلاء بمنه وكرمه.

البقرة 2:28

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٢٨- ٣٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، الاستفهام هنا للإنكار والتعجب، وإن شئت فقل: للإنكار والتعجيب، أي ليعجّب غيرهم في هذه الحال، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، والكفر بالله هو الإنكار والتكذيب، مأخوذ من كَفَر الشيءَ إذا ستره؛ ومنه الكُفُرّى لغلاف الطلع الذي يكون في النخل، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾، أي: تجحدونه وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته مع أنكم تعلمون نشأتكم، ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ وذلك قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت، جماد، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بنفخ الروح، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ثانية، وذلك بعد أن تُنفَخ فيه الروح يموت إما في بطن أمه ويخرج ميتًا، وإما بعد أن يخرج إلى الدنيا، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التي لا موت بعدها، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، بعد الإحياء الثاني تُرْجَعون إلى الله فينبئكم بأعمالكم ويجازيكم عليها. * في هذه الآية الكريمة: الإنكار على من كفر بالله عز وجل وهو يعلم حاله ومآله. * ومنها، من فوائد هذه الآية: أن الموت يطلق على ما لا روح فيه ولو لم تحله الروح أولًا، يعني لا يُشترط للوصف بالموت تقدم الحياة، بدليل قوله: ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾، وأما ظن بعض الناس أنه لا يقال ميت إلا لمن سبقت حياته، فهذا ليس بصحيح، بل إن الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات، فقال تعالى في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢١] * ومن فوائد هذه الآية: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي، ولهذا لا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن ولا يُصَلَّى عليه ولا يرث ولا يورَث، لماذا؟ لأنه ميت، جماد، ما استحق شيئًا مما يستحقه الأحياء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل، فإن هذا الجسد الميت ينفخ الله فيه الروح فيحيا ويكون إنسانًا يتحرك ويتكلم ويقوم ويقعد، ويفعل ما أراد الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله بعد الموتة الثانية: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ والبعث أنكره من أنكره من الناس واستبعده، وقال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فأقام الله تبارك وتعالى على إمكان ذلك ثمانية أدلة في سورة يس في آخرها: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم، وقوله: ﴿أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليل قاطع وبرهان جلي على إمكان إعادتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩]، هذا دليل ثاني، يعني كيف يعجز عن إعادتها وهو سبحانه وتعالى بكل خلق عليم، يعلم كيف يخلق الأشياء وكيف يكوِّنها، فلا يعجز عن إعادة الخلق، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس ٨٠]، الشجر الأخضر فيه البرودة وفيه الرطوبة، والنار فيها الجفاف واليبوسة، هذه النار اليابسة الجافة تخرج من شجر بارد رطب، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾، كيف ذلك؟ كان الناس فيما سبق يضربون أغصانًا من أشجار معينة، يضربونها بالزَّند، شيء يسمى الزند عندهم، فإذا ضربوها انقدح، انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال يشتعل بسرعة، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ تحقيقًا لذلك، هذا الشجر يختلف، بعضه واضح وسهل استخراج النار منه، وفي ذلك يقولون؛ يعني العرب: (في كل شجر نار واستْمجَدَ المرخُ والغفَار)، استمجد يعني علا على غيره وصارت النار فيه أكثر. ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السماوات وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس ٨١]، ﴿بَلَى﴾، هذا الدليل الرابع، الخامس ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾، وفي أول الآيات: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩]، وهنا قال: ﴿الْخَلَّاقُ﴾، فالخلّاق صفته ووصفه الدائم، وإذا كان خلّاقًا ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إعادة الإنسان بعد موته، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، هذا أيضًا دليل إذا أراد شيئًا مهمًّا كان، و(شيئًا) تعلمون أنها نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم، ﴿أَمْرُهُ﴾، أي: شأنه في ذلك أن يقول له: كن، فيكون، أو ﴿أَمْرُهُ﴾ الذي هو الأمر واحد الأوامر، فيكون المعنى: إنما أمره أن يقول: كن، فلا يعيدها مرة أخرى. ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣] هذا الدليل السابع، كل شيء فهو مملوك لله عز وجل، الموجود يعدمه والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا الدليل الثامن؛ لأنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة ويأمرها وينهاها ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدى، بل لا بد من الرجوع، وهذا دليل عقلي، المهم أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعيد الأموات إلى الحياة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق مآلهم ورجوعهم إلى من؟ إلى الله عز وجل.

البقرة 2:29

ثم قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، لما ذكر عز وجل أنه قادر على الإحياء والإماتة بيَّن منّته على العباد بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، خلقه أوجده على غير مثال سبق، بل على ما اقتضته حكمته جل علا وعلمه، وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ اللام لها معنيان هنا: المعنى الأول: الإباحة، كما تقول: أبحت لك، والمعنى الثاني: التعليل، أي: خلق لأجلكم ما في الأرض جميعًا. وقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذه (ما) هذه اسم موصول تعم كل ما في الأرض، فهو مخلوق لنا، من الأشجار والزروع والأنهار والجبال، وكل شيء، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾، يعني بعد أن خلق ما في الأرض جميعًا، ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، استوى إليها، أي علا إليها، هذا ما فسرها به ابن جرير رحمه الله، وقيل: استوى إليها، أي قصد إليها، وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله. فللعلماء في تفسير ﴿اسْتَوَى إِلَى﴾ قولان: الأول أن الاستواء هنا بمعنى القصد، وإذا كان القصد تامًّا قيل: استوى؛ لأن الاستواء كله يدل على الكمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، أي: كمل، فمن نظر إلى أن هذا الفعل عُدِّي بـ (إلى) قال: إن (استوى) هنا ضُمِّن معنى (قصد)، ومن نظر إلى أن الاستواء لا يكون إلا في علو جعل (إلى) بمعنى (على)، لكن هذا ضعيف؛ لأن الله تعالى لم يستو على السماء أبدًا وإنما استوى على العرش، فالأقرب أن الصواب ما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله وهو أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام والإرادة الجازمة. وقوله: ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي العلو، وكانت السماء دخانًا، أي مثل الدخان، ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ طباقًا قوية متينة، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ومن علمه عز وجل أنه علم كيف يخلق هذه السماء. * في الآية الكريمة فوائد، منها: منة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعًا، فكل شيء مسخَّر لنا والحمد لله، والعجب أن بعضنا صار مسخَّرًا لما سُخِّر له، فخدم الدنيا ولم تخدمه، وصار أكبر همه هو الدنيا، جمع المال وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأصل فيما في الأرض الحِل، كل ما في الأرض الأصل فيه الحل، من أشجار ومياه وثمار وحيوان، وغير ذلك، الأصل فيه الحل، وهذه قاعدة عظيمة، وبناء على هذا لو أن إنسانًا أكل شيئًا من الأشجار، فقال له بعض الناس: هذا حرام، فأيهما يطالب بالدليل؟ المحرِّم يطالب بالدليل، لو أن إنسانًا وجد طائرًا يطير فرماه وأصابه ومات وأكله، فقال له الآخر: هذا حرام، من المطالب بالدليل؟ المحرِّم، المطالب بالدليل المحرم؛ ولهذا لا يحرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، مع أن (ما) موصولة تفيد العموم، لكنه سبحانه وتعالى أكده حتى لا يورِد مورِد بأن شيئًا من أفراد هذه العموم قد خرج من الأصل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، أي أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، واستوى فعل، فهو جل وعلا يفعل ما يشاء، ويقوم به من الأفعال ما لا يحصيه إلا الله، كما أنه يقوم به من الأقوال ما لا يحصيه إلا الله. ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات سبع؛ لقوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. * ومن فوائدها: كمال خلق السماوات؛ لقوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾، أي جعلها سوية متطابقة غير متنافرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. لنا أن نستفيد فوائد مسلكية من هذه الآية، منها: أن نشكر الله على هذه النعمة أن خلق لنا كل ما في الأرض، كل ما في الأرض فهو مخلوق لأجلنا ومحلَّل لنا، فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. كذلك أيضًا من الفوائد المسلكية: أن نخشى ونخاف، لماذا يا إخوانّا؟ لأن الله بكل شيء عليم، فإذا كان الله عليمًا بكل شيء حتى ما نخفي في صدورنا أوجب لنا ذلك أن نحترز مما يُغضب الله عز وجل سواء في أفعالنا أو في أقوالنا أو في أي شيء مما يتعلق بنا. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ إلى آخره. * طالب: شيخ بارك الله فيك، ذكر بعض أهل العلم أن سماء الدنيا هي أصغر السماوات، وأنها محيطة بالأرض في كل جهة، أي أنها كالبيضة ثم التي بعدها كذلك، يعني السماء كالبيضة ونحن بداخلها، فما هو الدليل الذي استدلوا به؟ * الشيخ: واضح هذا، الآن السماء محيطة بالأرض من كل جهة، أليس كذلك؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: من كل جهة، والسماء الدنيا بينها وبين السماء الثانية مسافة، مسافة خمس مئة عام إن صح الحديث أو أقل أو أكثر، المهم أن بينها مسافة بدليل حديث المعراج، قال: «ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، وهكذا، وعلى هذا يكون الكون محيطًا بعضه ببعض إلى السماء السابعة، ولهذا سُمِّيت السدرة التي هناك سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها كل شيء. * الطالب: شيخ، معنى هذا كأن فيه دوائر صغيرة وأكبر وأكبر وأكبر؟ * الشيخ: إي نعم، وأيش المانع؟ كون عظيم هذا. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، السماوات يعنى نقول: جرم ولا هناك مانع. * الشيخ: السماوات جرم، ما فيها شيء، جرم له أبواب، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف ٤٠]. * طالب: شيخ، هل لقائل أن يقول: إن مناسبة الآية لما قبلها أن تكون خلق السماوات والأرض واستواء الله على السماء، ثم ذِكْر قصة آدم.. * الشيخ: ثم ذكر أيش؟ * الطالب: ذكر قصة آدم بعد هذه الآية التي تتضمن خلق السماوات، هل دليل على البعث؟ * الشيخ: تحتاج إلى تأمل، يعني مثلًا إن الله أراد أن يبيّن قدرته على البعث بأنه خلق ما في الأرض جميعًا، ثم ذكر قصة آدم، تحتاج إلى تأمل، ما هي بواضحة. * طالب: ظاهر الآية يدل على أن الأرض خُلقت قبل السماوات، هناك بعض آيات تدل على أن الأرض خُلقت بعد السماوات، فما رأيكم؟ * الشيخ: هذه تحتاج إلى جواب، قال الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات ٢٧ - ٣٠]، هذه البعدية هل هي بعدية زمن؟ أو بعدية ذِكر؟ منهم من قال إنها بعدية ذكر، يعني وزيادة على ذلك دحا الأرض، ومنهم من قال: إن الله عز وجل خلق الأرض قبل السماوات، كما هي العادة في البناء، يكون أسفله هو الأول، ثم بعد ذلك دحا الأرض، ويقول: الدحو معناه فُسِّر بنفس الآية، ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات ٣١]، وهذا أقرب؛ لأن الأصل أن البعدية بعدية الزمن لا بعدية الذِّكر. * طالب: أحسن الله إليك شيخ، الذين يجوِّزون استخدام القات. * الشيخ: أيش؟ * طالب: الذين يجوزون استخدام القات، شجر القات، هل هذه الآية لهم دليل؟ * الشيخ: إي نعم، القات غير معروف عندنا والحمد لله، وهو معروف في اليمن ويستعملونه، لكن المحققين من علماء اليمن نظرًا لما شاهدوه مما يحدث منه يرون أنه حرام وأنه لا يحل، طيب لو قال قائل مثلًا: الدخان حلال؛ لأنه مما خلق الله في الأرض، ماذا نقول له؟ نقول: نعم، هذا هو الأصل، لكن دلت الأدلة على تحريمه مما يحصل منه من الضرر وإضاعة المال، وإضاعة الأوقات أيضًا، وأشياء كثيرة ذكرناها فيما سبق. * طالب: يستدلون يا شيخ بقوله تعالى أيضًا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام ١٤٥]، يستدلون بهذه الآية؟ * الشيخ: هذا ذُكِر بعد ذكر الحيوان، ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ من الحيوان، ولهذا قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾، والشجر ما فيه ميت، ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. * طالب: شيخ إذا كان إنسان.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: إذا كان الرجل مثلًا عامي جاهل يعني كثيرًا بالشريعة ومثلًا انتقل في الأرض.. * الشيخ: أيش سوى؟ * الطالب: انتقل في الأرض. * الشيخ: انتقل؟ * الطالب: يعني يكون مثلًا سافر أو كذا. * الشيخ: تجوّل؟ * الطالب: تجول، فتطبيقًا لهذه الآية فجعل.. * الشيخ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٩] هذه التي تقصد؟ * الطالب: إي نعم هذا الذي، الآية ما أذكرها، تقول حلال كل شيء حلال للإنسان، فالآن مثلًا ارتاب في شيء، فهل يعمل؟ هل يكون يستعمله تطبيقًا للآية؟ * الشيخ: إي نعم، لو شككنا في حل مطعوم أو مشروب فالأصل الحِل، إي نعم.

البقرة 2:30

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٣٠ - ٣٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، (إذ) تأتي دائمًا في القرآن الكريم، قال المعرِبون: وهي مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ قال، فهي منصوبة بفعل محذوف هذا تقديره. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾، الخطاب في قوله: ﴿رَبُّكَ﴾ للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولما كان الخطاب له صارت الربوبية هنا من أقسام الربوبية الخاصة، إذ قال ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾، اللام للتعدية، أي تعدية القول للمقول له، والملائكة جمع (مَلْأَك) وأصله (مَأْلَك)؛ لأنه مشتق من (الْأَلُوكَة) وهي الرسالة، لكن صار فيها إعلال بالنقل، أي نقل حرف مكان آخر، مثل (أشياء) أصلها (شَيْئَاء)، ولذلك قد تتعجب تقول: كيف لا ينصرف (أسماء) جمع (اسم)، ولا ينصرف (أشياء) جمع (شيء)؟ والسبب في ذلك أن (أسماء) التي هي جمع (اسم) الهمزة فيها أصلية، وأن (أشياء) الهمزة فيها همزة التأنيث، طيب المهم (الملائكة) نقول: مشتق من أيش؟ (الألوكة) وهي الرسالة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]. والملائكة عالم غيبي خُلقوا من نور لا يحتاجون إلى أكل وشرب، وهم عالم الغيب لا يُرَون، وإلا فهم موجودون معنا ويحضرون مجالس العلم، ويحضرون مجالس الذكر، ويقفون عند أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول، ثم إذا حضر الإمام طووا الصحف ثم أتوا يستمعون الخطبة، لكن هل نحن نراهم؟ لا نراهم، وهذه من حكمة الله عز وجل وابتلائه أن يخبرنا الله ورسوله عن هؤلاء بهذه الصفات ليبتلينا هل نؤمن أو لا نؤمن، لكن مع ذلك أحيانًا يتشكلون بصور البشر، كما قال الله تعالى عن جبريل حين قابل مريم: ﴿تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧]، بشر عادي ما فيه شيء، وكما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو جالس في أصحابه بصورة رجل كما قال عمر رضي الله عنه: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الصحابة أحد، وجلس إلى النبي عليه الصلاة والسلام جلسة المتأدب، أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأله الأسئلة المعروفة[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]، وكما أتى ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام ليقبض روحه بصورة الإنسان، وكان موسى عليه السلام شديدًا قويًّا فصكه دفاعًا عن نفسه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأنه لم يعلم أنه رسول الله عز وجل، وإلا لو علم ما فعل هذا، لكن كعادة البشر يدافع الإنسان عن نفسه، وكما هو معهود من موسى ﷺ أنه رجل قوي شديد، لما استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه وَكَزَه وكزة واحدة فقضى عليه، هلك. فعلى كل حال الملائكة الأصل فيهم أنهم عالم غيبي. قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، خليفة يخلف الله؟ أو يخلف مَن سبقه؟ أو يخلف بعضهم بعضًا يتناسلون؟ أم ماذا؟ أما الأول فيحتمل أن الله تعالى أراد من هذه الخليقة آدم وبنيه أن يجعل منهم الخلفاء يخلفون الله تعالى في عباده بإبلاغ شريعته والدعوة إليها، لا عن جهل بالله سبحانه وتعالى، وحاشاه من ذلك، ولا عن عجز، لكنه يمن على من يشاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص ٢٦]، هو خليفة يخلف الله في الحكم بين عباده، وكذلك أيضًا يخلفون مَن سبقهم، ﴿خَلِيفَةً﴾ يخلفون مَن سبقهم، وعلى هذا فتكون ﴿خَلِيفَةً﴾ هنا على هذا الاحتمال بمعنى الفاعل أو المفعول؟ الفاعل، وعلى الأول بمعنى المفعول. أو أنهم يخلف بعضهم بعضًا، بمعنى أنهم يتناسلون، هذا يموت وهذا يحيى، وعلى هذا التقدير أو على هذا التفسير تكون (خليفة) صالحة لاسم الفاعل واسم المفعول، كل هذا محتمل وكل هذا واقع. لكن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يدل على أنهم خليفة لمن؟ أيش؟ لمن سبقه، وأنه كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء وتفسد فيها، فسألت الملائكة ربها عز جل: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، يعني: وستتغير الحال ولا تكون كالتي سبقت، وقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نسبح بمعنى: ننزه، والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولًا: النقص، والثاني: النقص في كماله، وزد ثالثًا إن شئت: مماثلة المخلوقين،كل هذا يُنَزَّه الله عنه. النقص يعني كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبدًا، لا وصفًا دائمًا ولا خبرًا، الثاني أيش؟ النقص في كماله، فلا يمكن أن يكون في كماله نقص، قدرته لا يمكن أن يعتريها عجز، قوته لا يمكن أن يعتريها ضعف، علمه لا يمكن أن يعتريه نسيان، وهلم جرّا، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، لا قليل ولا كثير، فهو عز وجل كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص، الثالث؟ * الطلبة: مشابهة المخلوقين. * الشيخ: عن مماثلة المخلوقين، مماثلة، ولا تقل مشابهة، عن مماثلة المخلوقين، هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم ٢٧]، وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤]، وإن شئنا جعلناها داخل في أي أقسام؟ القسم الأول: النقص؛ لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل إن المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصًا، كما قال القائل: أَلَــمْ تَـــرَ أَنَّ السَّـيْـفَ يَنْقُــصُقَــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لو قلت: فلان عنده سيف أمضى من العصا ماذا تقول؟ يتبين لك أن السيف هذا قوي ولا رديء؟ رديء، أمضى من العصا؟! معناه أنه ليس بشيء، فربما ندخل هذا القسم الثالث ربما ندخله في القسم الأول وهو النقص. على كل حال التسبيح، ينبغي لنا عندما نقول: سبحان الله، أو: أسبح الله، أو ما أشبه ذلك، ينبغي لنا أن نستحضر هذه المعاني، يعني لا نقولها على أنها ذكر، نقولها على أنها ذكر وعلى العين والرأس، لكن نستحضر ما دلت عليه من المعاني، وأنك إذا قلت: سبحان الله، فالمعنى أن الله عز وجل مُنَزَّه عن كل نقص، مُنَزَّه عن كل عيب، منزه عن نقص في كماله. وقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، قال العلماء: إن الباء هنا للمصاحبة، أي تسبيحًا مصحوبًا بالحمد، فتكون الجملتان تتضمن التخلية وأيش؟ والتحلية، يعني نفي النقص وإثبات الكمال؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال، ولا تقل: هو الثناء بالجميل على الفعل الاختياري، كما يقوله بعض المتكلمين، بل هو وصف المحمود بالكمال، زد على ذلك محبة وتعظيمًا، فإن وصفت مرة أخرى بكمال فسمِّه ثناء، والدليل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، وقدَّم التسبيح على الحمد من أجل أن التخلية تكون قبل التحلية، يعني نفي النقص يكون قبل إثبات الكمال من أجل أن يَرِد الكمال على محلٍّ خال من النقص، ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. وقوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، التقديس معناه التطهير، وهو أمر زائد علي التنزيه؛ لأن التنزيه تبرئة وتخلية، والتطهير أمر زائد، ولهذا نقول في دعاء الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة.]]، فالتقديس يعني التطهير، فيجمع الإنسان بين تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص وتطهيره، أنه لا أثر إطلاقًا لما يمكن أن يعلق في الذهن من النقص، ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، اللام هنا للاختصاص، فتفيد الإخلاص، وهي أيضًا للاستحقاق؛ لأن الله جل وعلا أهل لأن يقدس، ماذا أجابهم الله؟ ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، قف، ما بعد هذا كلام ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، (ما) هنا اسم موصول أو نكرة موصوفة؟ هل المعنى إني أعلم شيئًا لا تعلمونه؟ أو المعنى إني أعلم الذي لا تعلمون؟ تحتمل هذا وهذا، وهي صالحة لهذا وهذا، طيب ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وسوف تتغير الحال. * في هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾، وهذا هو الذي عليه السلف الصالح أننا نؤمن بأن الله تعالى له قول، يقول. وإثبات أن قوله بحرف وصوت، من أين أخذنا أنه بحرف؟ من قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وجملة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾ مقول القول، وهي حروف، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ونأخذ أنه بصوت أنه قال للملائكة، أي قولًا واصلًا إلى الملائكة، ولا يمكن أن يكون قوله واصلًا إلى الملائكة إلا إذا كان أيش؟ بصوت، وهو كذلك، ثم الصوت قد يكون خفيًّا وقد يكون قويًّا؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢]، وهذا هو الذي عليه أهل السنة، وهو الحقيقة هو غاية الكمال لله عز وجل، بل هو من أعظم صفات الكمال أن يكون الله عز وجل متكلمًا بما يشاء كونًا وشرعًا، فكل ما يحدث في الكون فهو كائن بكلمة، الدليل ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، وكل شيء فهو مراد لله، إذن كل شيء فهو بقول، وأما القول الشرعي فهو ما أنزله الله على الرسل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة ذوو عقول، وجهه أن الله تعالى وجّه إليهم الخطاب وأجابوا، ولا يمكن أن يوجه الخطاب إلا لمن يعقله، ولا يمكن أن يجيبه إلا من يعقل الكلام والجواب عليه، خلافًا لمن قال: إن الملائكة لا يوصفون بذلك، أو قال إنهم عقول لا أجساد. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل الاختياري لله عز وجل، وهذا يتكرر عليكم كثيرًا، فما معنى الفعل الاختياري؟ معناه أن من أهل البدع من يقول: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية، فلا يجيء ولا ينزل ولا يستوي ولا يتكلم ولا يضحك ولا يفرح ولا يعجب؛ لأن هذه أمور اختيارية تقع بالمشيئة، ولو صح أن يوصف الله بها لكان حادثًا؛ لأن هذه حوادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادث، قياس فاسد في مقابلة نص، وسبحان الله العظيم! ما أعظم أن يصفوا الله عز وجل بأنه لا يفعل، هذا أكبر عيب أن يكون الرب عز وجل لا يفعل، ولهذا فسر بعض السلف (الحي) في قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، قال: ﴿الْحَيُّ﴾ هو الفعَّال؛ لأن من كمال الحياة أن يفعل ما يشاء، وإذا لم يفعل ما يشاء فهو ناقص لا شك، فهؤلاء -والعياذ بالله- سلبوا بعقولهم الواهية الضعيفة الفاسدة سلبوا الله عز وجل كماله، أضف إلى هذا القول إذن ينفون عن الله القول والفعل؛ لأنه ما يتكلم، لا يتكلم كلامًا اختياريًّا، فنفوا عن الله القول والفعل. وأيش بقي؟ ما بقي شيء، هذا أكبر نقص يوصف الله به أن يقال: لا يتكلم ولا يفعل، وهذه الآية تدل علي ثبوت الأفعال، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾، و﴿جَاعِلٌ﴾ اسم فاعل للمستقبل ولّا للماضي؟ * الطلبة: للمستقبل. * الشيخ: ما دليلكم على المستقبل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنها نصبت، واسم فاعل لا ينصب إلا إذا كان للمستقبل، وعلى هذا ففيه دليل على ثبوت الأفعال الاختيارية لله عز وجل. * طالب: شيخ بارك الله فيك، كثير من أئمة التفسير يذهبون إلى الاحتمال الأول الذي قلناه أن خليفة هنا بمعنى خليفة عن الله، ومشوا على هذا، لكن قرأت لشيخ الإسلام ابن تيمية إنكارًا شديدًا على هذا القول، ويقول: لا يكون الخليفة، لا يعني يستخلف إلا من كان مثلًا ناقصًا أو يحتاج إلى.. أو غائبًا أو كذا؟ * الشيخ: لا، ما هو صحيح، الشيخ له كلام غير هذا. * الطالب: أنا قرأته، شيخ. * الشيخ: يمكن كلام آخر في موضع ثان، إنما نقول نحن كما قال الله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص ٢٦]. * الطالب: والذي قلته يا شيخ يعني مقتنع به. * الشيخ: إحنا نقول: الآية فيها احتمال الثلاثة. * الطالب: لكن ماذا نقول عن قول شيخ الإسلام، أما تفسير الذي ذكرتموه..؟ * الشيخ: ما نقول هذا، له كلام في موضع آخر، أو ربما أنه، ليس الكتاب بين يدي الآن عشان أشوف قد يكون هناك قرائن تدل على أن المقام مقام إنكار من أجل تفسير هؤلاء. * طالب: شيخ، قدس يا شيخ، ﴿نُقَدِّسُ لَكَ﴾ البيهقي بقي شيخ قدوس معنى أنه وصفه بصفات الكمال هذا معناه.. * الشيخ: إي نعم، الطاهر. * الطالب: مفسرة عكس.. * الشيخ: القدوس يعني الطاهر من كل عيب. * الطالب: إثبات صفة الكمال عكس تسبيح؟ * الشيخ: لأنه ما يمكن يوجد صفة منفية عن الله إلا وهي متضمنة للكمال، ما فيه نفي محض. * طالب: شيخ إذا قائل: إنكم قلتم: إن للملائكة عقولًا، واستدللتم بتوجه الخطاب إليهم واستيعابهم، طيب يا شيخ إذا قال النملة استوعبت سليمان قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل ١٨]؟ * الشيخ: تخاطب (...). * الطالب: إي يا شيخ بس.. * الشيخ: أنا كنت أتوقع أنك تقول: إن الله قال للأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، فنقول: هذه المخلوقات بالنسبة لله عز وجل كلها لها عقول، والأصل أن من يخاطبه الله فهو عاقل، لكن إذا صار هناك أشياء تدل على أن العقل بالنسبة لمخاطبة الله له فقط عملنا به، وإلا فالأصل أنه لا يخاطَب إلا من يعقل. * طالب: لم يثبت استدلالنا يا شيخ؟ * الشيخ: ما يثبت؛ لأن الذي أخرج الأرض عن ذلك هو أن نشاهدها، ما هي عاقلة، لكن بالنسبة لخطاب الله عاقلة. * طالب: أحسن الله إليك، قولنا بأن الملائكة ذوو عقول هل يستلزم هذا أن يكونوا ذوي قلوب أيضًا؟ * الشيخ: لا ما يستلزم. * الطالب: يا شيخ، الله عز وجل يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف ١٧٩]؟ * الشيخ: مَن يخاطب؟ * الطالب: يخاطب الناس. * الشيخ: يخاطب الناس. * الطالب: في موضع يا شيخ في شرح كتاب التوحيد عند قول الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ ٢٣] أثبتم أثابكم الله بأنه يؤخذ من هذه الآية أن للملائكة قلوب.. * الشيخ: الله لا يثبتها بذلك لكن ليست القلوب عضوا، قد يقال: إن القلوب معناه هنا القلب المعنوي؛ لأن المشهور عند السلف أن الملائكة صُمْد ما لهم أجواف، ولهذا لا يأكلون ولا يشربون ولا يحتاجون للأكل والشرب. * الطالب: إذن ما الذي يثبت يا شيخ القلب المعنوي دون الحسي. * الشيخ: إي نعم، القلب المعنوي، نعم، لكن قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] هذا القلب الحسي؛ لأنه وصفها بمكانها. * طالب: (...). * الشيخ: إي ما قلنا هذا؟ قلنا هذا. * طالب: يا شيخ ما وصلنا لهذا؟ * الشيخ: إلى الآن ما وصلنا له، وصلنا إلى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ما وصلناها في الفوائد. * * * * طالب: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٣٢ - ٣٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾، ﴿عَلَّمَ﴾ الفاعل هو الله عز وجل. * طالب: ما أخذنا الفوائد يا شيخ. * الشيخ: أيهم * طالب: الآية السابقة. * الشيخ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أخذنا منها أربع فوائد. * طالب: ثلاثة يا شيخ. * الشيخ: عدها؟ * طالب: إثبات القول لله عز وجل، إثبات أنه بحرف وصوت، أن الملائكة ذوو عقول، إثبات الفعل الاختياري لله عز وجل، هذا اللي أخذناه يا شيخ. * الشيخ: * من فوائد الآية الكريمة: أن بني آدم يخلف بعضهم بعضًا على أحد الأقوال في معنى خليفة، وهذا هو الواقع أن بني آدم يخلف بعضهم بعضًا فتجد من له مئة سنة مع من له سنة واحدة، وما بينهما، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأن الناس لو بقوا مَن ولد بقي لضاقت الأرض بما رحبت، ولما استقامت الأحوال، ولا حصلت الرحمة للصغار، ولا الولاية عليهم، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: قيام الملائكة بعبادة الله عز وجل؛ لقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. * ومنها: كراهة الملائكة للإفساد في الأرض لقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية: أن وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به؛ لقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فإذا كان المراد مجرد الخبر فلا بأس، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري، وأوله أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (٢٢٧٨ / ٣) من حديث أبي هريرة.]]، وأما إذا كان المقصود الافتخار وتزكية النفس فهذا لا يجوز. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث قالوا: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، والثاني: ﴿نُقَدِّسُ لَكَ﴾، فهو يشبه قوله: «نَقِّنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا... وَاغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين الله وبين الخلق؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ و﴿أَعْلَمُ﴾:اسم تفضيل وهذا هو الحق، وخالف بعض من يقولون: إنهم ينزِّهون الله، وقالوا ﴿أَعْلَمُ﴾ ليست على بابها، بل هي بمعنى عالم، وما علموا أنهم إذا فسروها بعالم صار هذا أشد تنقصًا لله؛ لأن كلمة (عالم) لا تمنعه المشاركة، ومن المعلوم أن الخلق فيهم من هو عالم، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل ٧٨]، وقال لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء ١١٣]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠]، وعليه فنقول ﴿أَعْلَمُ﴾ هنا على بابها، كما يقال: إن الله أرحم الراحمين، وفي القرآن الكريم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]. * طالب: (...). * الشيخ: استنباط الفوائد ما فيه أسئلة. * طالب: (...). * الشيخ: أيها. * طالب: (...). * الشيخ: إي، أحسنت، هذه النتيجة. * طالب: لا يا شيخ إحنا أخدنا.. * الشيخ: على كل حال خير إن شاء الله، توهمنا فيه خير، (أعلم) لا بأس أن نقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل ١٢٥]، أقول: بعض العلماء فسر (أعلم) بمعنى عالم، وقال: إنه لا تجوز المفاضلة بين الله وبين الخلق في الصفات، ولكن هذا قول باطل؛ لأن الأدلة تدل على بطلانه، أما الآية التي معنا ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ فهي فعل مضارع. ثم قال ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ﴿عَلَّمَ﴾ الفاعل من؟ الله عز وجل، وآدم هو أبو البشر. * طالب: يعني نسقط الفائدة هذه الأخيرة.

البقرة 2:31

الشيخ: أيهم، الفائدة الأخيرة في مثل (أعلم)، نعم لكنها فيها فائدة لكم، لكنها ما تلحق بالتفسير. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، علم الله تعالى آدم وهو أبو البشر الأسماء كلها، ﴿الْأَسْمَاءَ﴾ (أل) هنا هل هي للعموم كما يفيد قوله: ﴿كُلَّهَا﴾ أو هي لعموم؟ الأسماء أي أسماء ما حضر، بدليل قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، وقوله: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي كل الحاضرة، وذلك أن الله تعالى خلق أشياء وقال لآدم: هذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا، مما يحتاج إليه مع بنيه. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾، ﴿عَرَضَهُمْ﴾ الميم هنا علامة الجمع، ولا تكون إلا لما يَعقل، والأسماء ليست تعقل، فكيف الجواب؟ الجواب أن نقول: إنه عرض المسميات ولم يعرض الأسماء؛ لقوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ بأيش ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، فيكون هنا ﴿عَرَضَهُمْ﴾ أي عرض المسميات على الملائكة، وقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، فلم يعلموا، ما عرفوا، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، ثم قال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، وأراد بذلك عز وجل أن يعرف الملائكة أنهم ليسوا محيطين بكل شيء علمًا، وأنهم يفوتهم أشياء يفضلهم آدم فيها. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، ﴿أَنْبِئُونِي﴾ هذه هل هي فعل أمر يراد به قيام المأمور بما وُجِّه إليه، أو هي تحدي؟ الظاهر الثاني، أنها تحدي، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن لديكم علمًا في الأشياء فأنبئوني بأسماء هؤلاء؛ لأن الملائكة قالت فيما سبق، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فقال الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم امتحنهم بهذا. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿هَؤُلَاءِ﴾ المشار إليه من؟ المسميات الحاضرة، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أن لديكم علمًا، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، أي تنزيهًا لك عن العبث وعن السفه، فأنت يا ربنا لم تفعل هذا إلا لحكمة عظيمة، وقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ اعتراف من الملائكة أنهم ليسوا يعلمون إلا ما علمهم الله، هذا مع أنهم ملائكة مقربون إلى الله، ومع ذلك لا يعلمون إلا ما علمهم الله عز وجل، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿إِنَّكَ﴾ الجملة هذه مؤكدة بـ (إنّ) و بـ (أنت) الذي هو ضمير الفصل؛ لأن الكاف اسم (إن)، و(أنت) ضمير فصل لا محل له من الأعراب و﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر (إنّ)، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾، يعني ذا العلم الواسع الشامل المحيط بالماضي والحاضر والمستقبل. وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ يعنى ذا الحكمة والحُكم؛ لأن الحكيم مشتقة من الحُكم والحكمة، فهذان اسمان من أسماء الله هما العليم والحكيم. في هاتين الآيتين بيان أن الله تعالى قد يمن على عباده أو على بعض عباده بعلم لا يعلمه الآخرون، وجهه أن الله علّم آدم بأسماء مسميات كانت حاضرة والملائكة تجهل ذلك. ومنها: أن اللغات توقيفية وليست تجريبية، توقيفية يعني معناها أن الله هو الذي علم الناس إياها، ولولا تعلم الله إياها ما فهموها. وقيل: إنها تجريبية بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولًا أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسري على الأرض، وما أشبه ذلك، فاتخذ مما يسمع أصواتًا تدل على مراده، ولكن هذا غير صحيح. الصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي، وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحوال، ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها اسم من قبل، ثم يُحدث الناس لها اسمًا إما من التجارب أو لغير ذلك من الأشياء، ولهذا غالب ما تجد من أسماء المسميات الحديثة إلا وجدته مطابقًا للمعنى الذي سُميت به. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الامتحان، امتحان الإنسان بما يدعي أنه مجيد فيه، ونحن في هذه الأيام في زمن امتحانات، وسيلقى عليكم أسئلة يقال: أخبروني بحكم كذا وكذا، نعم، امتحانًا إن أجبتم ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، فأنتم أخذتم أيش؟ صفر، وإن أجبتم بما فتح الله عليكم فهذا عدل كلٌّ في درجته. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التحدي بالعبارات التي يكون فيها شيء من الشدة؛ لأنه لم يقتصر على قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، بل قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم، من أين تؤخذ؟ من قوله أيش؟ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾، وقوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ أيضًا ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتراف الملائكة عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا علم لهم إلا ما علّمهم الله عز وجل. ويتفرع على ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه، فلا يدعي ما ليس له، ولا يدعي ما لم يدركه. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث اعترفوا بكماله وتنزيهه عن الجهل في قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم، واعترفوا لله بالفضل في قوله: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم، والثاني الحكيم، طيب العليم من الأسماء اللازمة ولّا المتعدية؟ * طالب: اللازمة. * طالب: المتعدية. * الشيخ: المتعدية، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥]، فهي من الأسماء المتعدية، يقول العلماء: الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة: إثباته اسمًا لله، وإثبات ما دل عليه من صفة، والثالث: إثبات الحكم أو الأثر الذي يترتب على ذلك، فمثلًا العليم، نثبت العليم اسمًا من أسماء الله، ولا بد نثبت العلم الذي دل عليه العليم وهي الصفة، نثبت الأثر. ومن فوائد الآية الكريمة: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث اعترفوا بكماله وتنزيهه عن الجهل في قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم، واعترفوا لله بالفضل في قوله: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم، والثاني الحكيم. العليم من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟ * طالب: اللازمة. * طلبة: متعدية. * الشيخ: المتعدية، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥]، فهي من الأسماء المتعدية، يقول العلماء: الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة: إثباته اسمًا لله، وإثبات ما دل عليه من صفة، والثالث: إثبات الحكم أو الأثر الذي يترتب على ذلك، فمثلًا العليم نثبت العليم اسما من أسماء الله، ولا بد نثبت العلم الذي دل عليه العليم وهي الصفة، نثبت الأثر المترتب على ذلك والمتعدي إلى الغير وهو أنه يعلم عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]، الحكيم كذلك، يعني: لا بد من أن نؤمن بالحكيم اسما من أسماء الله، ونؤمن بما دل عليه من الصفة، والحكيم دل على صفتين: الحُكم، والحكمة، فهو من الحُكم والحكمة. الحكم: قال العلماء: إنه ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي؛ فقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] ما المراد به؟ الشرعي، وقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] هذا أيضًا شرعي، وقوله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، هذا حكم كوني، وقوله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء ١١٢] كوني؛ لأن الله قد حكم بالشرع فلا يحتاج إلى دعاء، لكن ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني بيننا وبين أعدائنا. الحكم إذن ينقسم إلى أيش؟ قسمين: شرعي وكوني؛ فالكوني، يا إخوانا، الكوني لا بد من وقوعه، إذا حكم الله بالشيء كونًا فلا بد أن يقع، فإذا حكم على شخص بالمرض صار مريضًا، بالفقر صار فقيرًا، شاء أم أبى، الحكم الشرعي هل هو نافذ على كل أحد؟ لا، إنما يلتزم به من؟ المؤمنون، أما الكفار فلا يلتزمون به. الحكمة هي كما قال العلماء: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فخرج بذلك السفه وهو أن يضع الفاعل الشيءَ في غير محله، إذا كانت الحكمة وضع الشيء في محله اللائق به فلننظر، الحكمة لها متعلقان: متعلَّق بالحكم الكوني، ومتعلق بالحكم الشرعي، فإذا تأملت أحكام الله الشرعية وجدتها في غاية الحكمة والإتقان، وأنها صالحة لكل زمان ومكان وأمة، خصوصًا الأحكام التي جاءت بها شريعة محمد ﷺ، أما الأحكام الأخرى فقد تكون غير مناسبة لكل زمان ومكان. كذلك الحكم الكوني إذا تأملت أفعال الله عز وجل في خلقه وجدت أنها في غاية الحكمة، وأنها على حال تبهر العقول، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١]، ولو أنك ذهبت إلى علماء التشريح حتى يبينوا لك ما في هذا الجسم من الأشياء التي تبهر العقول لعرفت بذلك حكمة الله عز وجل. ثم إن الحكمة في الحكم الكوني والشرعي لها حالان: حالة في وضع الشيء على ما هو عليه، وحال في الغاية المقصودة منه، انتبه، وضع الشيء على ما هو عليه هذا يسمى الغاية الصورية، والغاية المترقَّبة تسمى العلة أو الحكمة الغائية، فأنت مثلًا إذا نظرت إلى أحكام الله الشرعية، ولنقل: انظر إلى الصلاة، الصلاة كونها على هذا الوضع: قيام ثم انحناء ثم قيام ثم سجود، لا شك أنها على هذا الوضع أحسن ما تكون، والغاية من ذلك أيضًا حميدة محمودة، وانظر إلى الحج أيضًا كونه على هذه الصورة لا شك أنه موافق للحكمة، والغاية منه موافقة للحكمة أيضًا. وكذلك الأحكام القدرية، تجد أن الله عز وجل يحكم بالأحكام القدرية على وفق الحكمة، فمثلًا يُنزل المطر حيث كان في إنزاله مصلحة، ولكن قد يعاقب بالمطر، قد يكون المطر عقوبة إذا زاد وكثر، وكونه عقوبة حكمة أو لا؟ حكمة؛ لأن الله قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، فقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ هذا تعليل لفعله عز وجل، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ تعليل للمفعول، يعني صار هذا المكروه من أجل أن يرجع هؤلاء. * الطالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يا شيخ، من قاصري العلم يقولون: أحيانًا يأتيني بنفسي بعض الأمور من حكمة الله عز وجل، في مثلًا بعض المخلوقات أو بعض آيات الله عز وجل الكثيرة، هل مثل هذا يا شيخ نقول له: أولا اعترف بأن الله عز وجل حكيم، ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة عظيمة، وعليك أن تنتهي، إذا لم تعرف هذا، فينتهي من التفكير في أفعال الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: نعم . * الطالب: فبنقول: يجب عليك أن تبحث وتتأمل وتسأل أهل العلم حتى يستقر عندك العلم؟ * الشيخ: نقول: يجب إذا أشكل على الإنسان حكمة شيء من الشرع والقدر فعليه أن يستسلم، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، «وقالت عائشة للتي سألتها: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. »[[البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥/٦٩) واللفظ له، من حديث عائشة.]] وليعلم أنه لا بد لكل حكم من حكمة، لكن مجهولة، ولا بأس أن يبحث عن الحكمة استرشادًا لا انتقادًا. * الطالب: شيخ، الله يحفظك، هل هناك من حكمة معلومة أو معروفة من مثل موت صبي صغير في السن جدًّا بحالة خطرة جدًّا صعبة من ذلك حادث مروع؛ لأني سمعت أحد الكفار مرة وُجه له سؤال: هل تؤمن بالله أو لا؟ فقال: أنا كيف أؤمن بالله وطفل صغير مثلًا يمشي في الغابة فيصطدم بشجرة مثلًا ويموت موتة شنيعة، كيف يكون هذا؟ فنريد جوابًا شافيًا. * الشيخ: إي نعم، حكمة عظيمة، أعظم حكمة ابتلاء المصاب بهذا الصبي، ابتلاؤه به، هل يصبر أو لا يصبر، وهذه من أحسن ما يكون، ولهذا إذا نزلت المصائب الكبيرة بالإنسان المؤمن ازداد إيمانًا بالله عز وجل إذا صبر واحتسب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن ١١]، لكن من كان على طَرَف فهذا خطر عليه جدًّا، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١]، وأنا، يحكي لنا بعض الناس أن فلانًا كان على جانب كبير من السفه والفسق، فمات أبوه، وأصيب به وحزن، فعاد مستقيمًا، عاد مستقيمًا، بينما لو يصاب أحد مثل هذه المصيبة فقد يرتد عن الإسلام، والعياذ بالله، ويرى أن الله قد ظلمه، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تخرجه من الإسلام. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل أفعل التفضيل إذا أضيفت إلى الله عز وجل دائمًا تكون على بابها؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: قوله تبارك تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] على بابها؟ * الشيخ: نعم، صحيح على بابها. * الطالب: كيف؟ * الشيخ: لأن إعادة الخلق أهون. * الطالب: لكن يا شيخ أهون لنا، يعني أهون بالنسبة للمخلوقين، أنا أفهم أن الله عز وجل كل شيء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] فيستوي..؟ * الشيخ: نعم، هو كله عليه هين لا شك، كله عليه هين، لكن بعضه أهون من بعض، وليس معنى أهون أنه يكون شديد بالثاني المفضل عليه، لا؛ لأنه عند الله كله هين. * الطالب: شيخ هل لنا أن نرد على مشايخنا الذين علّمونا غير هذا؛ لأننا تلقينا غير هذا؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: نرد عليهم؟ * الشيخ: إي نعم، أليس الله تعالى قادرًا على أن يقول وهو هين عليه؟ بلى، لماذا قال أهون؟ حتى يتبين كل إنسان عاقل يعرف أن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، والله تعالى يخاطب الناس بما يعقلون ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]؟ معلوم أن هذه الأصنام ما فيها خير، لكن اتباعًا للخصم. * الطالب: لأن مراعاة للمخاطب إذا توهم أن هذا صعب، هذا دفع للوهم يعني؟ * الشيخ: دفعًا للوهم ومخاطبة للعقل، حتى العقل يعرف أن الشيء المعاد أهون من الابتداء. * * * * طالب: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٣٣ - ٣٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى بعد أن ذكر أنه علم آدم الأسماء كلها: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾، أي عرض المسميات، بدليل أنه لم يقل: ثم عرضهن، ولو كان الضمير يعود على الأسماء لقال: عرضهن، وأيضًا قال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، فدل ذلك على أن المعروض هي المسميات، قال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهنا سبَق علم إلى آدم، وجهل من الملائكة؛ ليريهم الله عز وجل فضل آدم عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وسبق الكلام على هذا وبيان فوائده.

البقرة 2:32

الشيخ: أيهم، الفائدة الأخيرة في مثل (أعلم)، نعم لكنها فيها فائدة لكم، لكنها ما تلحق بالتفسير. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، علم الله تعالى آدم وهو أبو البشر الأسماء كلها، ﴿الْأَسْمَاءَ﴾ (أل) هنا هل هي للعموم كما يفيد قوله: ﴿كُلَّهَا﴾ أو هي لعموم؟ الأسماء أي أسماء ما حضر، بدليل قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، وقوله: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي كل الحاضرة، وذلك أن الله تعالى خلق أشياء وقال لآدم: هذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا، مما يحتاج إليه مع بنيه. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾، ﴿عَرَضَهُمْ﴾ الميم هنا علامة الجمع، ولا تكون إلا لما يَعقل، والأسماء ليست تعقل، فكيف الجواب؟ الجواب أن نقول: إنه عرض المسميات ولم يعرض الأسماء؛ لقوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ بأيش ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، فيكون هنا ﴿عَرَضَهُمْ﴾ أي عرض المسميات على الملائكة، وقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، فلم يعلموا، ما عرفوا، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، ثم قال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، وأراد بذلك عز وجل أن يعرف الملائكة أنهم ليسوا محيطين بكل شيء علمًا، وأنهم يفوتهم أشياء يفضلهم آدم فيها. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، ﴿أَنْبِئُونِي﴾ هذه هل هي فعل أمر يراد به قيام المأمور بما وُجِّه إليه، أو هي تحدي؟ الظاهر الثاني، أنها تحدي، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن لديكم علمًا في الأشياء فأنبئوني بأسماء هؤلاء؛ لأن الملائكة قالت فيما سبق، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فقال الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم امتحنهم بهذا. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿هَؤُلَاءِ﴾ المشار إليه من؟ المسميات الحاضرة، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أن لديكم علمًا، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، أي تنزيهًا لك عن العبث وعن السفه، فأنت يا ربنا لم تفعل هذا إلا لحكمة عظيمة، وقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ اعتراف من الملائكة أنهم ليسوا يعلمون إلا ما علمهم الله، هذا مع أنهم ملائكة مقربون إلى الله، ومع ذلك لا يعلمون إلا ما علمهم الله عز وجل، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿إِنَّكَ﴾ الجملة هذه مؤكدة بـ (إنّ) و بـ (أنت) الذي هو ضمير الفصل؛ لأن الكاف اسم (إن)، و(أنت) ضمير فصل لا محل له من الأعراب و﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر (إنّ)، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾، يعني ذا العلم الواسع الشامل المحيط بالماضي والحاضر والمستقبل. وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ يعنى ذا الحكمة والحُكم؛ لأن الحكيم مشتقة من الحُكم والحكمة، فهذان اسمان من أسماء الله هما العليم والحكيم. في هاتين الآيتين بيان أن الله تعالى قد يمن على عباده أو على بعض عباده بعلم لا يعلمه الآخرون، وجهه أن الله علّم آدم بأسماء مسميات كانت حاضرة والملائكة تجهل ذلك. ومنها: أن اللغات توقيفية وليست تجريبية، توقيفية يعني معناها أن الله هو الذي علم الناس إياها، ولولا تعلم الله إياها ما فهموها. وقيل: إنها تجريبية بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولًا أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسري على الأرض، وما أشبه ذلك، فاتخذ مما يسمع أصواتًا تدل على مراده، ولكن هذا غير صحيح. الصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي، وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحوال، ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها اسم من قبل، ثم يُحدث الناس لها اسمًا إما من التجارب أو لغير ذلك من الأشياء، ولهذا غالب ما تجد من أسماء المسميات الحديثة إلا وجدته مطابقًا للمعنى الذي سُميت به. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الامتحان، امتحان الإنسان بما يدعي أنه مجيد فيه، ونحن في هذه الأيام في زمن امتحانات، وسيلقى عليكم أسئلة يقال: أخبروني بحكم كذا وكذا، نعم، امتحانًا إن أجبتم ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، فأنتم أخذتم أيش؟ صفر، وإن أجبتم بما فتح الله عليكم فهذا عدل كلٌّ في درجته. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التحدي بالعبارات التي يكون فيها شيء من الشدة؛ لأنه لم يقتصر على قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، بل قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم، من أين تؤخذ؟ من قوله أيش؟ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾، وقوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ أيضًا ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتراف الملائكة عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا علم لهم إلا ما علّمهم الله عز وجل. ويتفرع على ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه، فلا يدعي ما ليس له، ولا يدعي ما لم يدركه. * ومن فوائد الآية الكريمة: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث اعترفوا بكماله وتنزيهه عن الجهل في قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم، واعترفوا لله بالفضل في قوله: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم، والثاني الحكيم، طيب العليم من الأسماء اللازمة ولّا المتعدية؟ * طالب: اللازمة. * طالب: المتعدية. * الشيخ: المتعدية، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥]، فهي من الأسماء المتعدية، يقول العلماء: الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة: إثباته اسمًا لله، وإثبات ما دل عليه من صفة، والثالث: إثبات الحكم أو الأثر الذي يترتب على ذلك، فمثلًا العليم، نثبت العليم اسمًا من أسماء الله، ولا بد نثبت العلم الذي دل عليه العليم وهي الصفة، نثبت الأثر. ومن فوائد الآية الكريمة: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث اعترفوا بكماله وتنزيهه عن الجهل في قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم، واعترفوا لله بالفضل في قوله: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم، والثاني الحكيم. العليم من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟ * طالب: اللازمة. * طلبة: متعدية. * الشيخ: المتعدية، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥]، فهي من الأسماء المتعدية، يقول العلماء: الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة: إثباته اسمًا لله، وإثبات ما دل عليه من صفة، والثالث: إثبات الحكم أو الأثر الذي يترتب على ذلك، فمثلًا العليم نثبت العليم اسما من أسماء الله، ولا بد نثبت العلم الذي دل عليه العليم وهي الصفة، نثبت الأثر المترتب على ذلك والمتعدي إلى الغير وهو أنه يعلم عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]، الحكيم كذلك، يعني: لا بد من أن نؤمن بالحكيم اسما من أسماء الله، ونؤمن بما دل عليه من الصفة، والحكيم دل على صفتين: الحُكم، والحكمة، فهو من الحُكم والحكمة. الحكم: قال العلماء: إنه ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي؛ فقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] ما المراد به؟ الشرعي، وقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] هذا أيضًا شرعي، وقوله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، هذا حكم كوني، وقوله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء ١١٢] كوني؛ لأن الله قد حكم بالشرع فلا يحتاج إلى دعاء، لكن ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني بيننا وبين أعدائنا. الحكم إذن ينقسم إلى أيش؟ قسمين: شرعي وكوني؛ فالكوني، يا إخوانا، الكوني لا بد من وقوعه، إذا حكم الله بالشيء كونًا فلا بد أن يقع، فإذا حكم على شخص بالمرض صار مريضًا، بالفقر صار فقيرًا، شاء أم أبى، الحكم الشرعي هل هو نافذ على كل أحد؟ لا، إنما يلتزم به من؟ المؤمنون، أما الكفار فلا يلتزمون به. الحكمة هي كما قال العلماء: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فخرج بذلك السفه وهو أن يضع الفاعل الشيءَ في غير محله، إذا كانت الحكمة وضع الشيء في محله اللائق به فلننظر، الحكمة لها متعلقان: متعلَّق بالحكم الكوني، ومتعلق بالحكم الشرعي، فإذا تأملت أحكام الله الشرعية وجدتها في غاية الحكمة والإتقان، وأنها صالحة لكل زمان ومكان وأمة، خصوصًا الأحكام التي جاءت بها شريعة محمد ﷺ، أما الأحكام الأخرى فقد تكون غير مناسبة لكل زمان ومكان. كذلك الحكم الكوني إذا تأملت أفعال الله عز وجل في خلقه وجدت أنها في غاية الحكمة، وأنها على حال تبهر العقول، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١]، ولو أنك ذهبت إلى علماء التشريح حتى يبينوا لك ما في هذا الجسم من الأشياء التي تبهر العقول لعرفت بذلك حكمة الله عز وجل. ثم إن الحكمة في الحكم الكوني والشرعي لها حالان: حالة في وضع الشيء على ما هو عليه، وحال في الغاية المقصودة منه، انتبه، وضع الشيء على ما هو عليه هذا يسمى الغاية الصورية، والغاية المترقَّبة تسمى العلة أو الحكمة الغائية، فأنت مثلًا إذا نظرت إلى أحكام الله الشرعية، ولنقل: انظر إلى الصلاة، الصلاة كونها على هذا الوضع: قيام ثم انحناء ثم قيام ثم سجود، لا شك أنها على هذا الوضع أحسن ما تكون، والغاية من ذلك أيضًا حميدة محمودة، وانظر إلى الحج أيضًا كونه على هذه الصورة لا شك أنه موافق للحكمة، والغاية منه موافقة للحكمة أيضًا. وكذلك الأحكام القدرية، تجد أن الله عز وجل يحكم بالأحكام القدرية على وفق الحكمة، فمثلًا يُنزل المطر حيث كان في إنزاله مصلحة، ولكن قد يعاقب بالمطر، قد يكون المطر عقوبة إذا زاد وكثر، وكونه عقوبة حكمة أو لا؟ حكمة؛ لأن الله قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، فقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ هذا تعليل لفعله عز وجل، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ تعليل للمفعول، يعني صار هذا المكروه من أجل أن يرجع هؤلاء. * الطالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يا شيخ، من قاصري العلم يقولون: أحيانًا يأتيني بنفسي بعض الأمور من حكمة الله عز وجل، في مثلًا بعض المخلوقات أو بعض آيات الله عز وجل الكثيرة، هل مثل هذا يا شيخ نقول له: أولا اعترف بأن الله عز وجل حكيم، ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة عظيمة، وعليك أن تنتهي، إذا لم تعرف هذا، فينتهي من التفكير في أفعال الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: نعم . * الطالب: فبنقول: يجب عليك أن تبحث وتتأمل وتسأل أهل العلم حتى يستقر عندك العلم؟ * الشيخ: نقول: يجب إذا أشكل على الإنسان حكمة شيء من الشرع والقدر فعليه أن يستسلم، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، «وقالت عائشة للتي سألتها: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. »[[البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥/٦٩) واللفظ له، من حديث عائشة.]] وليعلم أنه لا بد لكل حكم من حكمة، لكن مجهولة، ولا بأس أن يبحث عن الحكمة استرشادًا لا انتقادًا. * الطالب: شيخ، الله يحفظك، هل هناك من حكمة معلومة أو معروفة من مثل موت صبي صغير في السن جدًّا بحالة خطرة جدًّا صعبة من ذلك حادث مروع؛ لأني سمعت أحد الكفار مرة وُجه له سؤال: هل تؤمن بالله أو لا؟ فقال: أنا كيف أؤمن بالله وطفل صغير مثلًا يمشي في الغابة فيصطدم بشجرة مثلًا ويموت موتة شنيعة، كيف يكون هذا؟ فنريد جوابًا شافيًا. * الشيخ: إي نعم، حكمة عظيمة، أعظم حكمة ابتلاء المصاب بهذا الصبي، ابتلاؤه به، هل يصبر أو لا يصبر، وهذه من أحسن ما يكون، ولهذا إذا نزلت المصائب الكبيرة بالإنسان المؤمن ازداد إيمانًا بالله عز وجل إذا صبر واحتسب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن ١١]، لكن من كان على طَرَف فهذا خطر عليه جدًّا، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١]، وأنا، يحكي لنا بعض الناس أن فلانًا كان على جانب كبير من السفه والفسق، فمات أبوه، وأصيب به وحزن، فعاد مستقيمًا، عاد مستقيمًا، بينما لو يصاب أحد مثل هذه المصيبة فقد يرتد عن الإسلام، والعياذ بالله، ويرى أن الله قد ظلمه، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تخرجه من الإسلام. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل أفعل التفضيل إذا أضيفت إلى الله عز وجل دائمًا تكون على بابها؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: قوله تبارك تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] على بابها؟ * الشيخ: نعم، صحيح على بابها. * الطالب: كيف؟ * الشيخ: لأن إعادة الخلق أهون. * الطالب: لكن يا شيخ أهون لنا، يعني أهون بالنسبة للمخلوقين، أنا أفهم أن الله عز وجل كل شيء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] فيستوي..؟ * الشيخ: نعم، هو كله عليه هين لا شك، كله عليه هين، لكن بعضه أهون من بعض، وليس معنى أهون أنه يكون شديد بالثاني المفضل عليه، لا؛ لأنه عند الله كله هين. * الطالب: شيخ هل لنا أن نرد على مشايخنا الذين علّمونا غير هذا؛ لأننا تلقينا غير هذا؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: نرد عليهم؟ * الشيخ: إي نعم، أليس الله تعالى قادرًا على أن يقول وهو هين عليه؟ بلى، لماذا قال أهون؟ حتى يتبين كل إنسان عاقل يعرف أن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، والله تعالى يخاطب الناس بما يعقلون ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]؟ معلوم أن هذه الأصنام ما فيها خير، لكن اتباعًا للخصم. * الطالب: لأن مراعاة للمخاطب إذا توهم أن هذا صعب، هذا دفع للوهم يعني؟ * الشيخ: دفعًا للوهم ومخاطبة للعقل، حتى العقل يعرف أن الشيء المعاد أهون من الابتداء. * * * * طالب: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٣٣ - ٣٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى بعد أن ذكر أنه علم آدم الأسماء كلها: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾، أي عرض المسميات، بدليل أنه لم يقل: ثم عرضهن، ولو كان الضمير يعود على الأسماء لقال: عرضهن، وأيضًا قال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، فدل ذلك على أن المعروض هي المسميات، قال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهنا سبَق علم إلى آدم، وجهل من الملائكة؛ ليريهم الله عز وجل فضل آدم عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وسبق الكلام على هذا وبيان فوائده.

البقرة 2:33

﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ، قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فأنبأهم، وآدم الظاهر أنه عَلَم وليس بوصف على أبينا، وهو مشتق لغة من الأُدمة وهي لون بين البياض الخالص والسواد، ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، أي بأسماء هذه المسميات، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾، مَن الفاعل؟ آدم، لما أنبأهم؛ أنبأ الملائكة بأسمائهم، ﴿قَالَ﴾، أي: قال الله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، وذلك لرد قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم أراد الله تعالى أن يبين مدى علم الملائكة بأمر يشاهدونه ومع ذلك لا يعرفونه بعرض المسميات عليهم وطلب معرفة أسمائها، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي ما غاب فيهما، ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾، أي: تظهرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. في هذه الآية فوائد منها: إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿يَا آدَمُ﴾، وأنه بحرف وصوت مسموع؛ لأن آدم سمع فأنبأهم، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، أن الله تعالى يتكلم بكلام مسموع، كلام مترتب، بعضه سابق لبعض. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن آدم عليه الصلاة والسلام امتثل وأطاع ولم يتوقف؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾، ولهذا طوى ذكر قوله: فأنبأهم، إشارة إلى أنه بادر وأنبأ الملائكة، فيستفاد منه سرعة امتثال آدم لأمر الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تقرير المخاطَب بما لا يمكنه دفعه، والتقرير لا يكون إلا هكذا، أي بأمر لا يمكن دفعه، وذلك لقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * ومن فوائد الآية: بيان عموم علم الله عز وجل، وأنه يتعلق بالمشاهَد والغائب؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * ومن الفوائد: أن السماوات ذات عدد؛ لقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والأرض جاءت مفردة، والمراد بها الجنس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة لها إرادات تبدي وتكتم؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى عالم بما في القلوب، سواء أُبْدِيَ أم لم يُبدَ؛ لقوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. انتبهوا لكلمة: عالم لما في القلوب؛ لو قال قائل: ما دليلك على أن الملائكة لها قلوب؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ ٢٣].

البقرة 2:34

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾، يعني: اذكر إذ، ومثل هذا التعبير يتكرر كثيرًا في القرآن، والعلماء يقدِّرون لفظ: اذكر، وهم بحاجة إلى هذا التقدير؛ لأن (إذ) ظرفية، والظرف لا بد له من شيء يتعلق به إما مذكورًا وإما محذوفًا، لا بد من هذا، وفي نظم الجُمَل: لَا بــــــُدَّ لِلْجَــــارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْو مُرْتَقِي ومثله الظرف، وعلى هذا فنقدر: اذكر إذ، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، وسبق الكلام على ذكر الملائكة ومن أين اشتق هذا اللفظ، أليس كذلك؟ نعم، ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، ﴿اسْجُدُوا﴾، السجود هو السجود على الأرض بأن يضع الإنسان أعلى جسمه على الأرض خضوعًا وخشوعًا، وليس المراد مجرد الركوع؛ لأن الله فرق بين الركوع وبين السجود، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح ٢٩]، ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ من غير تأخير، فالفاء هنا للترتيب والتعقيب، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، والعياذ بالله، إبليس هو الشيطان، وسمي إبليسًا؛ لأنه أبلس من رحمة الله، أي أيس منها يأسًا لا رجاء بعده. وقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، قد يقول قائل: هذه الآية تدل على أن إبليس من الملائكة؟ وقد تقرر أن الملائكة خُلِقوا من أيش؟ من النور، وإبليس؟ من نار، والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن إبليس كان من الملائكة ظاهرًا؛ لأنه يأتي ويجتمع ويعبد الله كما تعبده الملائكة حتى ظهر الدفين -والعياذ بالله- في قلبه، وتبين أنه كافر، يقول: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، هذه الجملة ترد في القرآن على ثلاثة أوجه: تارة يُذْكَر الإباء دون الاستكبار، وتارة يُذكر الاستكبار دون الإباء، وتارة يذكر الإباء والاستكبار، ففي أي سورة ذُكر الإباء والاستكبار؟ هنا في سورة البقرة، وفي أي سورة ذكر الإباء دون الاستكبار؟ * طالب: في الكهف. * الشيخ: في الكهف؟ لا، في الحجر ﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر ٣١]، وفي أي سورة ذكر الاستكبار دون الإباء؟ * طالب: غافر. * الشيخ: لا. * طالب: ص. * الشيخ: ص، ذُكر الاستكبار دون الإباء، فهل المعنى أن الشيطان يوصف مرة بهذا ومرة بهذا ومرة بهذا؟ أو نقول: هو موصوف بالاثنين جميعًا، لكن لا مانع من أن يوصف الموصوف بإحدى الصفتين في موضع، وبالصفتين جميعًا في موضع آخر؛ لأنه لا منافاة؟ ﴿أَبَى﴾ يعني امتنع، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي صار ذا كِبر، ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، زعم بعض العلماء أن المراد كان من الكافرين في علم الله، بناء على أن (كان) فعل ماضي، والمضي يدل علي شيء سابق فيكون معنى ﴿كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، أي في علم الله، لكن هناك تخريجًا أحسن من هذا، أن نقول: إن (كان) تأتي أحيانًا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة، ومن ذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٥٨]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ١٣٤] وما أشبهها، هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى، بل لا يزال، فتكون (كان) هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة، وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل، ويُجرى الكلام على ظاهره، ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾؛ لأنه ليس هو كل الكافرين لكنه منهم. في هذه الآية الكريمة بيان فضل آدم على الملائكة، وجهه؟ * طالب: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. * الشيخ: هذه الآية، لكن ما وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: لأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم. * الشيخ: لأن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له، ومعلوم أن الساجد إذا سجد لغيره فهو في مرتبة دونه، أدنى منه. وفي الآية إشكال، وهو أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، والسجود لغيره تعالى شرك، فكيف يأمرهم بالشرك والله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾؟ * طالب: شيخ بارك الله فيكم، هذا سجود تحية كسجود إخوة يوسف ليوسف. * الشيخ: نعم، وليس سجودًا حقيقيًّا، ما الدليل على صرفه؟ * الطالب: ما علم (...) من دين الإسلام. * الشيخ: من دين الإسلام. * طالب: إقرار يوسف عليه السلام إخوته على فعلتهم؟ * الشيخ: لا تنقلونا يا ناس إلى مكان آخر، أجيبوا عن هذا المكان. * طالب: أمر الله عز وجل في حد ذاته بذلك الذي نهى عنه من الشرك عُلِم أنه ليس شرك. * الشيخ: يعني إذن تقول كما قال الأخ إن السجود تحية خضوع بالرأس هكذا؟ * الطالب: لا، سجود حقيقي، حقيقي وتحية. * الشيخ: إي. * الطالب: لكن امتنع الآن أن يكون حتى أن معاذ بن جبل سجد للنبي؟[[وهو حديث عن معاذ بن جبل: أنه لما رجع من اليمن، قال: يا رسول الله، رأيت رجالًا باليمن يسجد بعضهم لبعض، أفلا نسجد لك؟ قال: «لو كنت آمرًا بشرًا يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» أخرجه أحمد (٢١٩٨٦).]] وقال له النبي ﷺ. * الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله. * طالب: شيخ، نقول: هذا وقع بأمر الله. * الشيخ: نعم، وإذا وقع بأمر الله صار عبادة ولو كان لغير الله، السجود حق الله عز وجل، فإذا أمر به أن يُسجد لغيره فمن الذي يمنعه؟ أليس قتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر؟ ومع ذلك صار قتل إبراهيم الذي أُمر أن يقتل ولده صار من الطاعات الجليلة، فقتل النفس حرام لا شك ومعصية، لا سيما إذا كان يقتل الإنسان ولده أو يقتل أباه أو قريبه، لكن لما كان بأمر الله صار طاعة لله، ولهذا تفسَّر العبادة بأنها التذلل لله عز وجل، بماذا؟ بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فالصواب أن نأخذ القرآن بظاهره، ونقول: هو سجود حقيقي، لكن لما أمر الله به صار ذلك من حقه وصار امتثاله عبادة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من انتسب إلى أحد ظاهرًا عومل معاملته، من أين يؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ وجه الدلالة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لكن ما وجه الدلالة أنه انتسب إلى الملائكة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن الخطاب الموجه إليهم صار شاملًا له، ولذلك عامل النبي ﷺ المنافقين معاملة المسلمين، واستؤذن أن يقتلهم مع أنه يعرف بعضهم بأعيانهم فقال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» »[[متفق عليه. البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤/٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» »[[أخرجه أبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (٢٦١٢)، وأحمد (١٨٩٩٢) من حديث أبي رافع، واللفظ للنسائي وأحمد.]]، مع أنه ليس من نسبهم. ومن فوائد هذه الآية: أن المتظاهر بالخير إذا كان قلبه منطويًا على الشر فلا بد أن يتضح أمره. * طالب: (...) أبى واستكبر هذا يدل على أنه ليس منهم. * الشيخ: أن في قلبه مرض خبيث، نعم، هذا ننطلق منه إلى تربية الإنسان نفسَه، وأن ينظر الإنسان في قلبه، هل فيه سر خبيث فليحذر منه؛ لأن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، طهر قلبك، تطهير القلب أهم من تطهير البدن، والخضوع لله بالقلب أهم من الخضوع بالرأس، وسجود القلب لله أهم من سجود البدن - نسأل الله أن يعيننا على ذلك - احرصوا على هذا، احرصوا على إصلاح القلب، لا تحملوا رياء ولا شركًا، ولا غلًّا للمؤمنين، ولا حقدًا ولا حسدًا، طهروا القلوب، حتى لا يُختم لكم بسوء الخاتمة، «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢/١٧٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] . اللهم إنا نعوذ بعظمتك من ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إبليس - والعياذ بالله- جمع صفات الذم كلها؛ الإباء عن الأمر، والاستكبار على الحق وعلى الخلق، والثالث الكفر، إبليس استكبر عن الحق؛ لأنه لم يمتثل أمر الله، واستكبر على الخلق؛ لأنه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف 12]، فاستكبر في نفسه، وأذل غيره، والكبر بطر الحق وغمط الناس. * طالب: شيخ، قلنا: لا بد لمن كانت طويته سيئة أن يظهر ذلك؟ لا بد؟ * الشيخ: نعم، قال الحسن رحمه الله: «مَا أَسَرَّ رَجُلٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ عَلَى فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ ». * الطالب: قول الله عز وجل للنبي ﷺ عن المنافقين: وَمِنْهُمْ من..، قال له: بعضهم لا يعرفهم، اللي ماتوا على أنهم مؤمنين ولم يعلم النبي ﷺ؟ * الشيخ: الله قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠]. * الطالب: والآية هذه؟ * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: التي يقول فيها أن بعض المنافقين لا يعرفهم النبي ﷺ؟ * الشيخ: لكن لا بد أن يبين نفاقهم، لا بد أن يبين.

البقرة 2:35

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قلنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٣٥ - ٣٩]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ﴾، ما سبق أخذنا فوائده، ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، الفاعل، فاعل القول هو الله عز وجل، وقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾، (زوج) معطوف على الفاعل في ﴿اسْكُنْ﴾، ولّا على ﴿أَنْتَ﴾؟ على الفاعل في ﴿اسْكُنْ﴾ لأن ﴿أَنْتَ﴾ توكيد للفاعل وليست هي الفاعل؛ لأن ﴿اسْكُنْ﴾ فعل أمر، وفعل الأمر لا يمكن أن يظهر فيه الفاعل؛ لأنه مستتر وجوبًا، وعلى هذا فـ﴿أَنْتَ﴾ الضمير المنفصل هذا توكيد للضمير المتصل، وقوله: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ هي حواء، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره.[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٣٠، ٣٣٩٩)، ومسلم (١٤٧٠/٦٢،٦٣) من حديث أبي هريرة بلفظ:" ولولا="" حواء="" لم="" تخن="" أنثى="" زوجها="" ?.?="]] وقوله: ﴿الْجَنَّةَ﴾ اختلف العلماء، أولاً الجنة هي البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره. وهل المراد بالجنة جنة الخلد؟ أم هي جنة سوى جنة الخلد؟ ظاهر القرآن والسنة أنها جنة الخلد، وليست جنة، يعني ليست بستانًا كثير الأشجار عذب المياه طيب الهواء، لا، ولكنها جنة الخلد؛ لأن أل هنا للعهد الذهني، وقوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، ﴿كُلَا مِنْهَا﴾ أي: من هذه الجنة، ﴿رَغَدًا﴾ أي: أكلًا هنيًّا ليس فيه تنغيص، ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، أي: في أي مكان من هذه الجنة، ونقول أيضًا: وفي أي زمان؛ لأن ﴿كُلَا مِنْهَا﴾ فعل مطلق لم يقيَّد بزمان، فهما يأكلان من أي مكان كان، وفي أي زمن كان. ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الشجرة أشار الله إليها ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، ولم يقل: شجرة كذا أو كذا، بل أشار إليها بعينها، و(أل) في الشجرة للعهد الحضوري؛ لأن كل ما جاء بـ(أل) بعد اسم الإشارة فهو للعهد الحضوري؛ إذ إن اسم الإشارة يعني الإشارة إلى شيء قريب، هذه الشجرة هل لنا أهمية في بيان نوعها؟ لا، ولهذا لم يبينها الله في القرآن ولا النبي ﷺ في السنة، ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿تَكُونَا﴾، ولم يقل: فتكونان؛ لأنها وقعت جوابا للطلب وهو قوله: ﴿لَا تَقْرَبَا﴾، فالفاء هنا للسببية، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وقيل: إن الفعل منصوب بنفس الفاء، والأول للبصريين والثاني للكوفيين، والثاني هو المختار عندنا بناء على القاعدة: أنه متى اختلف علماء النحو في إعراب كلمة أو جملة فإننا نأخذ بالأسهل ما دام المعنى يحتمله. ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، والظالم هو المعتدي؛ لأن أصل الظلم هو النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، والظلم يكون بواحد من أمرين: إما بتفريط في واجب، أو غلو فيه، أو انتهاك لمحرَّم، والمراد به هنا الانتهاك للمحرم، يعني: إن فعلتما فأنتما ظالمان؛ لأنكما عصيتما الله. في هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل، من أين أخذنا؟ * طالب: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ﴾. * الشيخ: وفيها أيضًا دليل على أن قول الله بصوت مسموع وحرف مرتب، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾، ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة. وأيضًا: هو مرتب؛ لأنه قال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾، وهذا ترتيب للحروف، ﴿يَا﴾ ﴿آدَمُ﴾ ﴿اسْكُنْ﴾ ﴿أَنْتَ﴾ ﴿وَزَوْجُكَ﴾ ﴿الْجَنَّةَ﴾، وإنما قلنا ذلك؛ لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى ليس مرتبًا، وأن قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١] خرجت دفعة واحدة، يعني: السين والباء والميم خرجت دفعة واحدة غير مرتبة، وهؤلاء يسمون الاقترانية الذين يقولون: إن كلام الله مقترن بعضه ببعض؛ لأنهم يزعمون لو قلنا بترتبه وأن بعضه سابق على بعض، لزم من ذلك أن يكون حادثًا، وكما تعرفون أن القاعدة عندهم أن الحادث لا يقوم إلا بحادث، وقد بينّا مرارًا أن هذه قاعدة باطلة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله عز وجل على آدم وحواء، حيث أسكنهما الجنة من أول ما خلقهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية النكاح لبني آدم؛ لقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾، فهذه سنة أبينا آدم، فإن قال قائل: زوجته بنت من؟ قلنا: إنها خُلقت من ضلعه، خلقها الله من ضلعه، فإن قال قائل: إذن تكون بنتًا له، فكيف يتزوج ابنته؟ فالجواب: أن لله تعالى أن يحكم ما شاء، لله أن يحكم ما شاء، فكما جاز أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأول، فكذلك جاز أن يتزوج آدم مَن خلقها الله تعالى من ضلعه، والله تعالى يحكم بما يشاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمر يأتي للإباحة؛ لقوله أيش؟ ﴿وَكُلَا مِنْهَا﴾، فإن هذا للإباحة، بدليل قوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، خيّرهما أن يأكلا من أي مكان، ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة، ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل على أنه للإباحة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظاهر النص أن ثمار الجنة ليس له وقت محدود، بل هو موجود في كل وقت، من أين تؤخذ؟ ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، فالتعميم في المكان يقتضي التعميم في الزمان، وقد قال الله تعالى في فاكهة الجنة: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٢، ٣٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يمتحن العبد فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، ووجه ذلك: أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها. ومنها: أنه قد يُنهى عن قربان الشيء والمراد فعل الشيء مباشرة؛ للمبالغة في التحذير منه، فإن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، المراد: لا تقرباها، أي: لا تأكلا منها، لكن لما كان القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نُهي عن قربها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يبهم ما أبهمه الله، ووجه الدلالة: أنه لو كان الله تعالى أراد منا أن نعتقد شجرة معينة لعينها، فالأدب مع الله أن تبهم ما أبهم، وتعيّن ما عيّن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الله تعالى ظلم، ظلم للنفس وعدوان عليها؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

البقرة 2:36

ثم قال الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾، وفي قراءة: ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ ، والفرق بينهما أن ﴿أَزَلَّهُمَا﴾ بمعنى أوقعهما في الزلل، و﴿أَزَالَهُمَا﴾ بمعنى نحّاهما، فعلى القراءة الأولى يكون الشيطان أوقعهما في الزلل فزالا عنها وأُخرجا منها، وعلى الثانية يكون المعنى: نحاهما، أي: كان سببًا لتنحيتهما. ﴿أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، أي شيطان هو؟ الظاهر أنه الشيطان الذي أبى أن يسجد لآدم، أراد أن يغويهما حتى يكونا مثله في معصية الله. ﴿أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾، أي: عن الجنة أو عن الشجرة؟ * الطلبة: عن الجنة. * الشيخ: عن الجنة، ولهذا قال: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، أخرجهما مما كانا فيه من النعيم؛ لأنهما كانا في أحسن ما يكون من الأماكن، جنة، أُذِنَ لهما بالأكل من حيث شاءا، ومع ذلك أخرجهما الشيطان مما كانا فيه. ﴿وَقُلْنَا﴾، أي: قال الله لهما: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿اهْبِطُوا﴾، الخطاب لجمع، ولم يقل: اهبطا، فمن الذي انضاف إلى آدم وزوجه؟ الشيطان، ولهذا قال: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، من الذي عدو للآخر؟ الشيطان عدو لآدم وحواء. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، يعني: أنكم سوف تستقرون في الأرض، وسوف تتمتعون بها بما أعطاكم الله من النعم، ولكن لا على وجه الدوام، بل ﴿إِلَى حِينٍ﴾، وهو قيام الساعة. في الآية فوائد، أولا: الحذر من وقوع الزلل الذي يمليه الشيطان؛ لقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾. من فوائدها بالضم إلى آية أخرى: أن الشيطان يغر بني آدم كما غر أباهم، فإن الشيطان لم يسهُل عليه أن يقول لهما: كلا من هذه الشجرة، بل دلاهما بغرور، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١]، وقال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، فأتى بالأشياء التي تغريهما أن يأكلا من الشجرة، وعليه فليحذر الإنسان من وساوس الشيطان، الشيطان قد يأتي للإنسان فيوسوس له فيصغِّر المعصية في عينه، ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها منَّاه بأن يتوب منها، فيسهُل عليه الإقدام، ولّا لا، احذر عدوك، احذر عدوك أن يغرك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يحرص على إزالة الخير عن بني آدم وإيقاعهم في الشر، ومن ذلك: أن الشيطان يُلقي في قلب الإنسان الحزن والهم والغم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة ١٠]، فهنا يقول: ﴿أَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم إلى ما لا يجدان فيه ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن قول الله تعالى يكون شرعيًّا ويكون قدريًّا، فقوله: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا﴾، هذا شرعي، وقوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾، الظاهر أنه كوني؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا، لكن هذا قول كوني، ويحتمل أن يكون قولًا شرعيًّا، لكن الأقرب عندي أنه قول كوني، والله أعلم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة في مكان عالٍ، تؤخذ من أين؟ * الطلبة: من قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان كان معهما في الجنة؛ لقوله: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، تأملوا هذه الفائدة، هل يصح أو لا؟ * طالب: لا يصح. * طالب: يصح. * طالب: محتمل. * الشيخ: يحتمل أن يقال: ﴿اهْبِطُوا﴾، يعني من السماء، من الجنة بالنسبة لآدم وحواء، ومن السماء بالنسبة للشيطان، ويحتمل أن الشيطان دخل الجنة امتحانًا لأجل أن يُضل أبوينا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدم، لا يمكن أن يعيشوا إلا في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف ٢٥]، وبناء على ذلك نعلم أن محاولة الكفار أن يعيشوا في غير الأرض، إما في بعض الكواكب أو في بعض المراكب محاولة لا تجدي شيئًا؛ لأنه لا بد أن يكون مستقرهم الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا؛ لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، (تلقى) يعني أنه أخذ وقبل ورضي من الله تعالى كلمات، وفي قراءة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ﴾ ، فيكون الفاعل هنا الكلمات، فما هي هذه الكلمات؟ الكلمات هي قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. [الأعراف: ٢٣] إذن فالكلمات اعتراف آدم وحواء بأنهما أذنبا وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله عز وجل بأنه إن لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين. * طالب: شيخنا يلزم من خلق حواء من ضلع آدم أن تكون منه؟ * الشيخ: أن تكون منه؟ * الطالب: من نفسه؟ * الشيخ: من أين خلقت؟ * الطالب: من ضلعه. * الشيخ: أي منه، والرسول «قال في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤، ٣٧٢٩)، ومسلم (٢٤٤٩/٩٣، ٩٤) من حديث المسور بن مخرمة.]]؛ لكنها ليست كخلق بني آدم؛ يعني أنها خُلقت من ماء دافق، خُلقت على وجهٍ الله أعلم به. * طالب: قلنا هنا ﴿اهْبِطُوا﴾ أمرًا لآدم وحواء والشيطان، في سورة طه ﴿قَالَ اهْبِطَا﴾ [طه ١٢٣]، فما رأيكم؟ * الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد أن الشيطان وُجِّه إليه الخطاب في قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، يعني: بالنسبة للشيطان من السماء، بالنسبة لآدم وحواء من الجنة. * طالب: ما هي النجوى؟ * الشيخ: النجوى الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه، وكان المنافقون إذا أقبل إليهم النبي عليه الصلاة والسلام أو غيره من الصحابة يتهامسون بينهم إغاظة للمؤمن وترويعًا له أن يكونوا يتحدثون بقتله أو إيذائه أو ضربه.[[انظر تفسير ابن كثير (٨/٤٢)، والدر المنثور (١٤/٣١٧) ونسب هذا الفعل لليهود.]] * طالب: كيف تكون النجوى من الشيطان؟ * الشيخ: نعم، يعني هو الذي يمليها، هو الذي يمليها على من فعلها. * طالب: شيخ بارك الله فيك، هل يُفهم ما في قوله: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إباحة ما على الأرض، ما خلقه الله في الأرض؟ * الشيخ: يعني (...) المتاع؟ نعم، يمكن، يؤخذ، وفي أية أخرى أصرح من هذا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة 29]. * طالب: كيف تمكن الشيطان من الوسوسة لآدم وحواء وهما في الجنة، وهو مطرود من رحمة الله؟ * الشيخ: أما إذا قلنا: إن قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، أي: من الجنة، فهذا يكون معهم، وإذا قلنا: إنه ليس معهما في الجنة فإنه يمكن أن يوسوس لهما ولو من بعيد؛ ألا يمكن أن الإنسان يكون في بيته ورجل في الشارع يخاطبه ويناجيه؟ * طالب: هل الشيطان كان مرئي يراه آدم وحواء؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: الشيطان يراه آدم وحواء؟ * الشيخ: هو ظاهر، والظاهر -والله أعلم- أنه كان يراهم، هو يراهم ولا شك لكن الظاهر أنهما كانا يرياه. * طالب: يا شيخ بارك الله فيك، ما مدى صحة قول بعضهم: إن آدم خُلق من غير أب ولا أم، وأن حواء خُلقت من غير أم، وأن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير أب، هذا القول صحيح؟ * الشيخ: صحيح، آدم خُلق من طين ليس من أب ولا أم، وحواء من أب بلا أم، وعيسى من أم بلا أب. * طالب: أحسن الله إليك، كلنا نعلم أن آدم وحواء، وكذلك الرسول عليه الصلاة والسلام دخلوا الجنة قبل دار الآخرة، هل هنالك من الأنبياء والرسل غيرهم دخلوا الجنة؟ * الشيخ: ما نعلم، أنا لا أعلم. * طالب: شيخ، ما رأيك فيمن يقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، أن الاستثناء هنا يدل على أن إبليس كان من الملائكة؟ * الشيخ: إي نعم، نرد على هذا بأن الله تعالى قال: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وأنه كان من الملائكة، أي في جملتهم معهم، لكن عنصره مختلف عن عنصرهم، ولهذا عاد إلى عنصره هو، وهو النار، وعادوا إلى عنصرهم وهو أنهم خُلقوا من نور. * طالب: في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ هل هذا التقديم على (...)؟ * الشيخ: وأيش يعني الإشكال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] وكان المشركون، الآية قبلها، أحد يذكرها؟ * الطالب: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾. * الشيخ: نعم، هذا إشكال جيد، يقول: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الفاء لا شك أنها عاطفة وتدل على أن ما بعدها فرع عما قبلها، فكيف نهى عن خشيتهم مع أنه أخبر أنهم يئسوا؟ فما هو الجواب؟ أوما فهمتم الإشكال؟ * طالب: أنهم يئسوا، لكن لم يَيْئسوا من محاولة صد المسلمين. * الشيخ: الظاهر أن المعنى أنهم يئسوا من دينكم واستبعدوا أن ترجعوا عنه، لكن إذا أعادوا عليكم الكَرّة فلا تخشوهم في هذا، هذا ما يظهر، لكن الله أعلم.

البقرة 2:37

طالب: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٣٧ - ٤٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (تلقى) أي: أخذ حينما ألقى الله إليه هذه الكلمات تقبلها وأخذها، وهذه الكلمات هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ هذا فيه إضافة الربوبية إلى آدم، وهي الربوبية الخاصة، وقوله: ﴿فَتَابَ عَليه﴾، الفاعل مَن؟ الله، يعني فتاب ربه عليه. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، والتوبة هي: رفع المؤاخذة، والعفو عن المذنب إذا رجع إلى ربه عز وجل، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، هذه الجملة تعليل لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن هذا مقتضى هذين الاسمين العظيمين: ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله: ﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾، هو ضمير فصل يفيد الحصر، وأيش بعد؟ والتوكيد، هنا لا نقول: الفصل بين الخبر والصفة؛ لأن ما قبل الصفة أو ما قبل ما يحتمل أن يكون صفة ضمير، والضمير يقول النحويون: إنه لا يوصف ولا يوصف به، إذن نستفيد من ضمير الفصل هنا فائدتين فقط هما: التوكيد والحصر. وقوله: ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة من تاب، وذلك لكثرة توبة الله عز وجل على العباد، فما أكثر التوبة من الله علينا على كل فرد منا، وما أكثر التوبة باعتبار أفراد التائبين، فلذلك سمى الله نفسه التواب. واعلم أن لله تعالى على العبد توبتين: التوبة الأولى قبل توبة العبد، وهي: التوفيق للتوبة، والتوبة الثانية: قبول التوبة، يعني أنه يوفق العبد للتوبة فيتوب، فيتوب الله عليه، وكلاهما في القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، تاب ليتوبوا، إذن هذه التوبة الأولى؛ توبة التوفيق للتوبة، ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أي: ليتوبوا إلى الله فيتوب الله عليهم توبة القبول. وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى ٢٥]، إذن ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة من تاب، وتوبة الله تعالى على قسمين، أو نوعين: الأول: التوفيق للتوبة، والثاني: قبول التوبة، وكلاهما في القرآن العظيم. ﴿الرَّحِيمُ﴾ يعني: ذو الرحمة الواسعة الواصلة إلى من شاء من عباده، وعلى هذا فالرحمن داخل في ضمن الرحيم؛ لأنه إذا ذُكر الرحمن وحده أو الرحيم وحده دخل أحدهما في ضمن الآخر، وإن ذُكرا جميعًا صار الرحمن باعتبار الصفة، والرحيم باعتبار الفعل. من فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله سبحان الله وتعالى على أبينا آدم حين وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. * ومن فوائدها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منّ على أحد أجداده كان مانًّا عليه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قول الإنسان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] سبب لقبول توبة الله على عبده. وفيها أي في ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فيها أنواع من التوسل: الأول التوسل بالربوبية، والثاني: التوسل بحال العبد ﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾، والحال الثالثة: تفويض الأمر إلى الله، والرابعة: ربما يقول ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أيضًا فيها ذكر العبد إذا لم يُغفر له، فهو توسل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يتكلم بصوت مسموع، كيف ذلك؟ تلقى منه كلمات، وتلقي الكلمات لا يكون إلا بسماع الصوت، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام يُسْمَع، بصوت مسموع وحروف مقروءة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله عز وجل على آدم بقبول التوبة، فيكون في ذلك مِنَّتان: الأولى التوفيق للتوبة حيث تلقى الكلمات من الله، والثاني: قبول التوبة، حيث قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه، وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ اللَّهُ إِِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَاهُ يَمْشِي أَتَاهُ هَرْوَلَةً» »[[متفق عليه. البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥/٢) من حديث أبي هريرة.]]، فكرم الله عز وجل أعلى وأبلغ من كرم الإنسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: التواب والرحيم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اختصاص الله بالتوبة والرحمة، بدليل ضمير الفصل، ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره، ليس بكل توبة؛ لأن الإنسان قد يتوب مثلًا على عبده، على ابنه، على أمته، وما أشبه ذلك، لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله وهي المذكورة في قوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٣٥] هذه خاصة بالله، كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله، أما رحمة الخلق بعضهم لبعض هذا ثابت لا ينحصر بالله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» »[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٦٤٩٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]].

البقرة 2:38

ثم قال عز وجل: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، ﴿اهْبِطُوا﴾ الواو تدل على الجمع، وهل المراد الجمع أو المراد التثنية بناء على أن أقل الجمع اثنان؛ لأن العلماء مختلفون: هل أقل الجمع اثنان أو أقل الجمع ثلاثة؟ فمن قال: إن أقل الجمع اثنان قال: المراد هنا آدم وحواء فقط، ومن قال: أقل الجمع ثلاثة قال: آدم وحواء وإبليس؛ لأن إبليس وإن لم يكن في الجنة، خرج منها حين أبى أن يسجد لآدم، ولكن هو حولها يوسوس لهما ويكلمهما، فقيل لهم جميعًا: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، هل في القرآن اهبطا بالألف؟ فيها اهبطا، وهذا مما يؤيد أن الضمير هنا الواو إنما تدل على اثنين فقط، ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه ١٢٣] أي الاثنين، وهي حال من الواو في ﴿اهْبِطُوا﴾. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، إما: أصلها (إن ما) فإن شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، و﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أيضًا فعل مؤكد بنون التوكيد، ولذلك لم يكن مجزومًا، بل كان مبنيًّا على أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: لماذا؟ لاتصاله بنون التوكيد لفظًا وتقديرًا، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ﴾،﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، أي: علمًا، وذلك بالوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه ورسله، ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾، الفاء هنا رابطة للجواب جواب الشرط؛ لأن الجملة بعد الفاء هي جواب الشرط، والجملة بعد الفاء هنا اسمية ولّا فعلية؟ اسمية، وقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾، ﴿مَنْ﴾ شرطية، و﴿تَبِعَ﴾ فعل الشرط، والفاء في قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ رابطة للجواب أيضًا، و(لا) نافية، و﴿خَوْفٌ﴾ مبتدأ، انظر تداخل الشروط الآن. جملة ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ﴾ جواب (إن) في قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾، وجملة: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ جواب: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾، ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، أي: أخذ به تصديقًا بأخباره وامتثالًا لأحكامه، وأضافه الله لنفسه؛ لأنه الذي أنزله عز وجل وأمر عباده به، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبَل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فيما مضى، بل هم مطمئنون غاية الطمأنينة لا خوف عليهم مما يُستقبل؛ لأنهم آمنون، ولا هم يحزنون عما سبق؛ لأنهم قد اغتنموه وقاموا فيه بالعمل الصالح. في هذه الآية فوائد، منها: أن آدم كان عاليًا في الأول؛ لقوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، والهبوط لا يكون إلا مِن؟ من أين؟ * طالب: من السماء؟ * الشيخ: لا، الهبوط لا يكون إلا من أعلى، وهل الجنة التي أُسْكِنها آدم هي جنة الخلد؟ أو هي عبارة عن بستان عظيم كثير الأشجار كثير النبات كثير الأنهار؟ في هذا قولان للعلماء، والصحيح -إن لم نقل: المقطوع به- أنها جنة المأوى التي أُسْكِنَها آدم، ولا يقال: كيف تقولون: إن هذا هو الصحيح والجنة من دخلها لم يخرج منها؟ قلنا: نعم من دخلها لم يخرج منها، متى؟ بعد البعث يوم القيامة، أما الآن فلا، وعلى هذا فالقول الراجح أنها جنة المأوى، وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة: فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا ∗∗∗ مَنَـــــازِلُكَ الْأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ قال: منازلك الأولى. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الكلام لله؛ لقوله: ﴿قُلْنَا﴾. ومنها: أنه بصوت مسموع وحروف مقروءة؛ لقوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، فلولا أنهم سمعوا ذلك ما صح توجيه الأمر إليهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح ومن البلاغة؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وهو توكيد معنوي؛ لأنه حال من حيث الإعراب؛ لأن الشيء إذا كان هامّا فينبغي أن يؤكَّد، فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على شيء: يا فلان، عجِّل عجل عجل، هذا ثلاث مرات، المقصود أيش؟ التوكيد والحث. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الهدى من عند الله؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل الهدى إلا من الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يأتي به. فإن قال قائل: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (إن) لا تدل على الوقوع؛ لأنها ليست كـ(إذا)، قلنا: نعم، هي لا تدل على الوقوع، ولكن الواقع يدل على الوقوع، ما هو الواقع؟ أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اتبع هدى الله فإنه آمِن مِن بين يديه ومن خلفه؛ لقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن من تبع هدى الله فهو الرابح لا أحد غيره؛ لقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أما غير هؤلاء فهم دائمًا بين خوف مما يُستقبَل وحزن على ما مضى.

البقرة 2:39

ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، نحن قلنا: إن (إن) لا تدل على الوقوع، ولكن الواقع يدل على الوقوع، ممكن أن نقول في هذه الصيغة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ما يدل على الوقوع وهو التوكيد، توكيد الجملة يدل على الوقوع كما هو الواقع. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَكَذَّبُوا﴾ معطوف عليها، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الجملة خبر المبتدأ، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جملة في موضع نصب على الحال، يعني: حال كونهم خالدين. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾: كفروا بالأمر، وكذبوا بالخبر، فعندهم جحود واستكبار، وهذان هما الأساسان للكفر؛ لأن الكفر يدور على شيئين: إما استكبار، وإما جحود، ولننظر كفر إبليس؟ * الطلبة: استكبار. * الشيخ: استكبار، مقرّ؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، هو مقرّ، لكن استكبر، كفر فرعون وقومه؟ * الطلبة: استكبار. * الشيخ: نعم، استكبار، لكنه ظاهره الجحود والتكذيب؛ لأنه قال: ﴿جَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل 14]، فهم في ألسنتهم مكذِّبون، لكنهم في نفوسهم مصدِّقون، إذن يمكن أن نقول: إن كفرهم استكبار وجحود، فباعتبار أقوالهم أيش؟ جحود، وباعتبار أفعالهم استكبار؛ لأنهم مقرّون بالحق، فقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: كفروا عن الأعمال واستكبروا عنها ولم ينقادوا لها. ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، أيّ الآيات؟ الآيات الشرعية، وإن انضاف إلى ذلك الآيات الكونية زاد الأمر شدة، لكن المهم الآيات الشرعية؛ لأن من المكذبين الكافرين من آمنوا بالآيات الكونية دون الشرعية، فمثلًا كفار قريش مؤمنون بأيش؟ بالآيات الكونية، يقرون بأن الله خالق السماوات، وأنه الرازق، وأنه المحيي، وأنه المميت، وأنه مدبر لجميع الأمور، لكنهم كافرون بالآيات الشرعية، إذن ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ما دام أن الكفر بالآيات الشرعية ينتظم الكفر بالآيات الكونية، فلنقل: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أيش؟ الشرعية، وإن انضاف إلى ذلك الكفر بالآيات الكونية ازداد قبحًا وشرًّا. ﴿و﴿أُولَئِكَ﴾، أي: المذكورون، وأشار إليهم بإشارة البعيد، استبعادًا لهم واجتنابًا لطريقهم، لا ترفيعًا لهم وتعلية لهم، لكنهم لظاهر التبرؤ منهم والاستبعاد قال: ﴿أُولَئِكَ﴾، أي: المذكورون ﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أصحابها، أي: الملازمون لها، ولهذا لا تأتي (أصحاب) إلا في الكفار، ما تأتي في المؤمنين أبدا، كل ما فيه أصحاب النار فهم الكفار؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها، والمصاحب لا بد أن يلازم مَن صاحب. وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون. وهل المراد المكث الطويل أو الدائم؟ يتعين أن نقول: إن المراد بذلك المكث الدائم، ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله: آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن، فآية النساء، هاتها؟ * الطالب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. * الشيخ: من أين أتيت بالآية؟ هذه في النساء؟ أنا قلت: في النساء وفي الأحزاب وفي الجن، نريد منك آية النساء؟ ما تحفظها؟ * طالب آخر: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. * الشيخ: اقرأ ما قبلها؟ * الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٧ - ١٦٩]. * الشيخ: أحسنت، تمام، وفي الأحزاب؟ * الطالب: إن الله أعد للكافرين سعيرا خالدين فيها. * الشيخ: اقرأ الآية؟ * الطالب: (...) * الشيخ: نعم. * طالب: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٥]. * الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، في الجن؟ * طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * الشيخ: أحسنت، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. * طالب: بارك الله فيكم، إيه رأي الشيخ إذا أراد الإنسان أن يفسر فقال: قال الله تعالى كذا وكذا، ثم فسر، هل هو ينبغي أن يستعيذ؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨] أم نقول: لا؛ لأن النبي ﷺ كان يستدل بالآيات ولا يستعيذ؟ * الشيخ: الظاهر أن هذا في مناط التلاوة فقط، أما مناط التفسير فلا أظنه يدخل في ذلك، لكن لو استعاذ فأرجو أن لا يكون مبتدعًا. * طالب: قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ ذكرتم فيها أن الكلمات هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾، ظاهر الآيات ما قال: قال الله: قُولا؟ * الشيخ: نعم، إي نعم، ما هو شرط أن يقول، ما هو بشرط، هذا هو المشهور عند العلماء. * الطالب: ما هو الدليل على أن الله عز وجل ألقى إليه هذه الكلمات؟ * الشيخ: تلقاها من ربه، التلقي لا بد أن يكون له مُلقَى ومتلقي. * طالب: إذا قال قائل: قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة ٤] نحن عرّفنا أن الطيبات هي ما أحله الله، إذا قال قائل يا شيخ (...)؟ * الشيخ: صحيح، هذا ربما يقال: يلزمهم التوبة؛ لأننا إذا.. يلزم من كونها طيبات ما طاب واستلذه الإنسان أيضًا الاختلاف والفوضى، كلٌّ يقول: هذا طيب، وهذا يقول: رديء، ألم تعلم أن من الناس من لا يأكل الجراد ويقول: هذا خبيث مثل الصوارير؟ نعم، ألم تعلم أن الدخان الآن فيه من يرى أنه طيب، ولا يمكن، لكن المعنى أنه لكمال شريعته ما أحل إلا الطيبات فقط، هذا هو المعنى. * طالب: من أهل العلم من قال: بعدم خلود النار؟ * الشيخ: بعدم تأبيدها؟ أحد قال بهذا؟ أرأيت لو أن أحدًا قال هذا، وقال رب العالمين: أبدًا، ماذا تقول؟ من تصدق؟ نعم، إي نعم، انتهى؛ ولهذا في الحقيقة أن هذه تعتبر من هفوات بعض العلماء، من هفواتهم، ورأيت تعليقًا لشيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله على كتاب شفاء العليل لابن القيم انتقد هذا بشدة، حتى قال: إنه لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة، ومثل هذا لا ينبغي لابن القيم أن ينتصر له، ولا شك أن هذا قول ضعيف، ولهذا تجد عقائد أهل السنة والجماعة كلها فيها موجودتان لا تفنيان أبدا، عرفت؟ إي نعم. * طالب: شيخ، بالنسبة لما ذكرنا من (...) الخبائث، قول النبي ﷺ في الثوم والبصل: «إِنَّهُمَا شَجَرَتَانِ خَبِيثَتَانِ» »[[جاء وصف هاتين الشجرتين بالخبيث في حديث قرة بن إياس عند أحمد (١٦٢٤٧)، أبي ثعلبة الخشني عند أحمد (١٧٧٤١)، ووصف النبي ﷺ الثوم بالخبث في حديث أبي سعيد الخدري في مسلم (٥٦٥/٧٦)، ووصف البصل والكراث بالمنتنة في حديث جابر عند مسلم (٥٦٤/٧٢).]]، هل يمكن أن نحمل الخبث هنا على أنه خبث آخر غير الخبث الوارد المذكور؟ * الشيخ: بلى بلى، ما فيه شك، بلى خبث من أجل رائحتها الكريهة. * الطالب: فيصح الاستدلال بالآية ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧] على تحريم الدخان؟ * الشيخ: لا ما (...)، الذين يشربونه يقولون: ما هو بخبيث، يقول: ما شاء الله إذا استدار رأسك تشرب لك سيجارة والشرط إن ها الدوران يروح عنك. * الطالب: (...) الخبث الشرعي؟ * الشيخ: الخبث الشرعي ما قيل شيء في الشرع، إن قلت: الرائحة، جئنا بالثوم والبصل، إن قلت: الضرر، قال: ما شاء الله في الآن ناس يشربونها من أصح الناس. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، ما (...)، ولهذا رأيت بعض العلماء أول ما طلع قال: إن شرب الدخان قد يجب وجوبًا على الإنسان، قال: مثلًا لو كان إنسان لتأخره عن شرب السيجارة داخ ولا يستطيع يصلي إلا وهو يشرب الدخان، والوقت ضيق الآن، لو دخل وقال: الله أكبر، ما يدري يقول: الله أكبر، أو يقول: سمع الله لمن حمده، قلنا: يجب على هذا يشرب. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، رأيت أنا في..، أظن في مجمع المنقور. * الطالب: مش (...)، يا شيخ على تحريم الدخان الآن بكلمة هذه؟ * الشيخ: لا مذهب، قول مذهب، يعني الآن اتفق الأطباء على أنه ضار، وأن كثيرًا من الأمراض السرطانية الرئوية واللثية منه، ولهذا يحذرون عنه، وبلغني نقلًا متواترًا عن جميع الطيارين أنهم إذا حاذوا سماء الولايات المتحدة امتنعوا من الدخان، أبدا، ممنوع، حتى في أجوائها، إي نعم، أما في المطاعم والأسواق فممنوع منعًا باتًّا؛ لأنهم أثبتوا أنه ضرر، وأن ها الدخان الذي يتطاير من السيجارة هذا مضر جدًّا، فضلًا عن الذي يستنشقه؛ لأن ما عندنا فيه إشكال الآن، ما في إشكال عندي إطلاقًا أنه من المحرمات، ومسألة يعني يسرف المال فيه أشياء يمكن ينفق عليها الإنسان أكثر من الدخان وهي حلال ما فيها شيء، لكن ضرره واضح، إي نعم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٠ - ٤٤]. * الشيخ: يقول الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، هذه السورة كما تعلمون مدنية، وفي المدينة قبائل من اليهود، فلذلك يوجه الله الخطاب إلى بني إسرائيل. * طالب: الفوائد؟ * الشيخ: الآية اللي قبلها؟ من أين؟ * الطالب: من ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ * الشيخ: من فوائد الآية التي قبلها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ من فوائد الآية الكريمة: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين: الكفر والتكذيب هم أصحاب النار، فإن اتصفوا بأحدهما فقد دل الدليل من جهة أخرى غير الآية أنه يكفر ويكون من أصحاب النار، وهنا الكفر سبق أن شرحناه، وقلنا: الكفر بالنسبة للعمل، والتكذيب بالنسبة للخبر. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذين الوصفين مخلَّدون في النار؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، والصاحب هو الملازم لمن صاحبه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظاهرها أنهم خالدون فيها أبدًا، وقد صرح الله به في مواضع ثلاثة معلومة.

البقرة 2:40

ثم قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة ٤٠]، إسرائيل هو من؟ * الطلبة: يعقوب. * الشيخ: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فجده إبراهيم، وإسماعيل أبوه إبراهيم، وأولاده أولاد عم لبني إسرائيل، ولهذا كان العرب وبنو إسرائيل كانوا بني عم يحصل بينهم الفتن والعداوة والبغضاء، ومن ثم حسدوا -أعني بني إسرائيل- العرب لما كان محمدًا ﷺ منهم. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بأعمالكم، وذلك لأن الشكر يكون بالأمور الثلاثة: بالقلب واللسان والجوارح. وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفرد مضاف فيعم جميع النعم، وقد أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بنعم كثيرة، فضّلهم على العالمين، قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠]. وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، قد يقول قائل: يُغني عنها قوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فنقول: نعم، هو من حيث الإغناء يغني، لكن ذِكرها فيه بيان كمال امتنان الله عز وجل، حيث قال: ﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وبلفظ الفعل الدال على إحداث هذه النعم، وأنه لولا أن الله عز وجل هو الذي منّ بها ما حصلت لهم. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، ﴿أَوْفُوا﴾ أي: ائتوا به وافيًا، وعهده سبحانه وتعالى أنه عهد إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا برسله، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة ١٢] هذا عهد الله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، ما هو عهد الله لهم؟ الذي عاهدهم إذا وفوا بعهده أن يوفي به، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ١٢]، فلو وفوا بعهد الله لوفى الله لهم بعهده. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب، أولًا (ارهبون) أصلها (ارهبوني) بالياء، وهي محذوفة من أجل مراعاة الفواصل، فإذا كانت (ارهبون) قد أخذت معمولها فأين العامل في ﴿إِيَّايَ﴾؟ من أجاز أن يتسلط العامل على معمولين فلا إشكال عنده، لكن من لم يُجز فهذا إشكال، يقال: إنه يقدَّر العامل في ﴿إِيَّايَ﴾ بحسب السياق، ويمكن أن نقول: خافوا إياي، ارهبوا إياي، ﴿فَارْهَبُونِ﴾، وأما الفاء في قوله: ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فقيل: إنها لتحسين اللفظ، والرهبة هي الخوف المشعِر بازدياد التأثر مما خافه؛ لأنك تشعر بأنها تدل على رقة، وعلى أن هذا الخوف خوف مؤثر. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ٤١]، قوله: ﴿وَآمِنُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، وهو القرآن، أنزله الله على محمد ﷺ، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، ما الذي معهم؟ التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، فإن الله تعالى قد بيّن في التوراة والإنجيل وصف محمد ﷺ بيانًا كاملًا حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، أي: لما ذُكر من أوصافه ﷺ وأوصاف القرآن الذي يأتي به، وكذلك أيضًا و﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة ٩١] شاهد لها بالصدق، فصار تصديق القرآن لها من وجهين: الوجه الأول أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، والوجه الثاني أنه قد شهد لها بالصدق، فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة وأنزل الإنجيل، وهذا شهادة لها بأنها صدق، وكذلك التوراة والإنجيل قد ذكرت القرآن، وذكرت محمدًا ﷺ، فإذا وقع الأمر كما أخبرت صار ذلك تصديقًا لها، طيب، ولهذا لو حدّثتك بحديث فقلت أنت: صدقت، ثم وقع ما حدثتك به مشهودًا تشاهده بعينك، صار الوقوع هذا تصديقًا أيضًا. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة ٤١]، يعني: لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به، ولا يعني ذلك كونوا ثاني كافر، لا، المعنى أنه لا يليق بكم أن تكونوا أول كافر وأنتم تعلمون أنه حق. وفي قوله: ﴿تَكُونُوا﴾ الضمير ضمير جمع، و﴿أَوَّلَ كَافِرٍ﴾ (كافر) مفرد، فكيف يصح أن نخبر بالمفرد عن الجماعة؟ قال المفسرون: إن تقدير الكلام: أول فريق كافر به؛ لأن الخطاب لبني إسرائيل عمومًا وهم جماعة، يعني لا تكونوا أول فريق كافر به؛ لأنه لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول المكذِّبين، فكان عليكم أن تكونوا أول مؤمن به. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ٤١]، ﴿تَشْتَرُوا﴾ غير (تشروا)؛ لأن (تشروا) بمعنى تبيعوا، (تشتروا) بمعنى تأخذوا بالشراء. وقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: بذلك الجاه والرئاسة، وما أشبه ذلك؛ لأن بني إسرائيل إنما كفروا يريدون الدنيا، ولو أنهم اتبعوا محمدًا ﷺ لكانوا في القمة ولأوتوا أجرهم مرتين، لكن حسدًا وابتغاء لبقاء الجاه والشرف وأنهم هم أهل الكتاب حسدوا النبي ﷺ فلم يؤمنوا به. وقوله: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يدل على أن ما كان من أمر الدنيا فهو قليل، مهما تعاظمه الإنسان فإنه ليس بشيء بالنسبة للآخرة. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة ٤١] نقول في إعراب (فاتقون) كما قلنا في: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أما التقوى فهي اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ففي الآية الأولى ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها عصيانًا، وفي قوله: ﴿اتَّقُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها لا في الأمر ولا في النهي. قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة ٤٢]، ﴿تَلْبِسُوا﴾ أي: تخلطوا، فهم كانوا يأتون بشبهات تشبه على الناس، فيقولون مثلًا: محمد حق لكنه يُبعث في الأميين لا لجميع الناس، فيلبسون الحق بالباطل؛ لأن الذي يسمع مثل هذا الكلام لا يقول: إن بني إسرائيل كفروا بمحمد، بل آمنوا به، وكفروا، لكن إذا لبّسوا على الناس وقالوا: إن محمدًا عربي مرسل إلى العرب وأتوا بمثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة ٢] شبّهوا ولبّسوا على الناس. قال: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٤٢] هنا الواو هل هي عاطفة أو واو المعية؟ تحتمل معنيين، يعني يحتمل المعنى: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون، ويحتمل لا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق، لكن على هذا التقدير يبقى إشكال، وهو أن قوله: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقتضي أنهم يذكرون الحق والباطل، فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبّسوه بالباطل فبقي خفيًّا، فيبقى الآن يبقى جواز أن تكون الواو عاطفة وأن تكون واو المعية. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الحق فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنكم مبطلون في كتمانكم إياه. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤٣]. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا عام لكل الصلوات؛ الفريضة والنافلة، وإيتاء الزكاة يعني إعطاءها مستحقها، وهي المال الذي أوجبه الله تعالى، بل الجزء أو القسط الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ مَن الراكعون؟ الراكعون هم هذه الأمة، يعني صلوا معهم مع صلاتهم والتزموا بأحكامهم وشرائعهم. * ففي هذه الآيات فوائد، منها: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب، إما لكونه أوعى من غيره، وإما لكونه أولى أن يمتثل، وهنا وجّهه لهم؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي ﷺ وأنها حق ما ليس عند العرب، العرب جهّال ليس عندهم علم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التذكير أو تذكير العبد بنعم الله عليه؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصًا نذكّره بالنعم؟ الجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله عز وجل، ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته. * من فوائد الآية الكريمة: أن لله المنة في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وقد ذكرت لكم قبل قليل أنه ذكرها بالفعل؛ لأنها متجددة حادثة ليست من كسب هؤلاء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، و﴿أُوفِ﴾ كما تعلمون جواب الطلب في قوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، ولهذا جاءت مجزومة بحذف حرف العلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقَب بحرمانه ما رتّب الله تعالى على الوفاء بالعهد، وذلك لأن المنطوق في الآية: أن من وفى لله وفى الله له، فيكون مفهوم: من لم يَفِ فإنه يعاقب ولا يعطى ما وُعد به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة ٧٥]، فالناذر معاهد لله تعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إخلاص الرهبة لله؛ لقوله: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. * ومن فوائدها أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها وأمر بإخلاصها. فإن قال قائل: هل يجوز أو هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع أو من عدو؟ لا، هذا لا ينافي التوحيد، ولهذا وقع من الرسل؛ إبراهيم لما جاءه الضيوف ولم يأكلوا، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وموسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وكذلك أيضًا الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة، ولو قلنا للإنسان: إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفًا طبيعيًّا لكنت مشركًا، لو قلنا بذلك لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان خوف طبيعي غريزي، كل إنسان يخاف مما يخشى منه الضرر. فإن قال قائل: لو منعه هذا الخوف من واجب عليه، هل يُنهى عنه أو لا؟ قلنا: نعم يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به، إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال، فإذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]. ولكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس، ولهذا لو كان الإنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو، فهل يصلي قاعدًا؟ نعم يصلي قاعدًا، وهذا لأن الله تعالى عفا عنه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين هل يلزمهم أن يصابروهم، أو يجوز أن يفروا؟ يجوز أن يفروا، فالمهم أن الخوف الطبيعي لا يلام الإنسان عليه إلا إذا تضمن ترك ما أوجب الله، فإذا لم يتضمن ذلك فهو لا يُلام عليه. * ومن فوائد الآية التي بعدها: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافر مخاطَب بالإسلام، وهذا مجمَع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟ فيه تفصيل: إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولًا ثم يفعلها ثانيًا، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩/٣١) من حديث ابن عباس.]]. طيب، إذن هم لا يخاطَبون بالفعل، يعني لا يقال: افعلوا، فلا نقول لكافر: تعال صلّ، بل نأمره أولًا بأيش؟ بالإسلام. وإن أردت بالمخاطبة أنهم مخاطبون بالفروع أنهم يعاقَبون عليها إذا ماتوا على الكفر، فهذا صحيح، ولهذا يقال للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٢ - ٤٧]. يعني هذا دأبهم حتى ماتوا، ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ عبثًا لا فائدة منه. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، ما مدى صحة قول بعض أهل العلم أن موسى عليه السلام في الآية التي ذكرت خوفه خاف أن يفتتن الناس ولم يخف هو لأنه على الحق؟ * الشيخ: لا، غلط. * الطالب: باطل أو لا؟ * الشيخ: باطل، هذا القول باطل، والآية تبطله، ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه ٦٨]، وهذا يدل على أنه خاف منه. * طالب: شيخ ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ إذا قدرنا محذوفًا صار في الآية إشكال. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: التقدير: وخافوا إياي. * الشيخ: وإياي خافوا. * الطالب: إياي خافوا فارهبون. * الشيخ: فارهبون. * الطالب: الفاء هنا موقعها؟ * الشيخ: الفاء قالوا: إنها لتحسين اللفظ. * الطالب: و﴿ارْهَبُونِ﴾ تكون معطوفة على خافوا؟ * الشيخ: إذا قدرنا (خافوا) فهنا قد نقول: إنها لا يصح أن تكون لتحسين اللفظ. * الطالب: تكون عاطفة؟ * الشيخ: تكون عاطفة، لكن إذا قلنا: إنه يجوز أن يتوجه العامل على معمولين صارت لتحسين اللفظ. * الطالب: حتى وإن قلنا أنها عاطفة. * الشيخ: نعم. * الطالب: إياي خافوا فارهبوا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فتكون الفاء هنا.. * الشيخ: عاطفة، يعني فإذا خفتم مني فارهبون، نعم. * طالب: إذا دخل الكافر المسجد.. * الشيخ: أيش؟ المسجد، نعم. * الطالب: (...) الصلاة؟ * الشيخ: إي نعم، نقول: صل، لكن لا نقول: صل، على أنا نلزمه، فإذا قلنا: صل، وقال: إنه غير مسلم، نتركه، لكننا نقول: لا تبق عند المسجد؛ لأن في هذا إحراج للمسلمين وتحديًا لهم، أما أن نلزمه نقول: ادخل صلّ، وهو يقول: أنا كافر، ما نلزمه. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا شيء يرجع للمسؤول عن هذا. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ما يحسن أن تكون الواو حالية؟ * الشيخ: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال، الواو حالية، الجملة كلها حالية. * الطالب: واو المعية؟ * الشيخ: لا، في قوله: ﴿تَكْتُمُوا﴾، واو المعية في قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾، نعم. * طالب: (...) من يخاف من العين أو الجن (...)؟ * الشيخ: من يخاف من العين أو من الجن يقال له: استعمل الأوراد النافعة مثل آية الكرسي والآيتين الأخيرتين في سورة البقرة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وأنا أقول لك: إن خفت من الجن فإنهم سوف يعتدون عليك، ولهذا أكثر ما يصاب الإنسان من الجن إذا كان يخاف منهم، فإياك إياك، لا إذا كنت في مكان مظلم تخاف أبدًا، استعن بالله ولا يهمنك. * طالب: الوضوء مشروع لمن يريد الصلاة، إذا جاء واحد مثلًا إلى المسجد لغرض آخر غير الصلاة مثل المراجعة وهكذا، هل نقول يعني بالوضوء؟ * الشيخ: أردت أن تصلي فتوضأ، أما إذا أردت أن تأتي للمراجعة فليس عليك واجب. * الطالب: كيف الجلوس في المسجد؟ * الشيخ: نعم، يجلس لأنه على غير وضوء، فقول الرسول: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٦٣)، ومسلم (٧١٤/٦٩) من حديث أبي قتادة.]] معلوم أنه مخاطب من هو على وضوء. * * * * طالب: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤١ - ٤٣]. * الشيخ: قول الله تبارك تعالى: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ما هو عهد الله وما هو عهدهم؟ * طالب: عهد الله إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويعزروا الرسل. * الشيخ: طيب، وعهدهم؟ * الطالب: وعهد الله إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة ويكفر سيئاتهم. * الشيخ: أحسنت، أين وجدت ذلك؟ * الطالب: في سورة المائدة. * الشيخ: ما هي الآية؟ * الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة ١٢]. * الطالب: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: أحسنت، طيب، قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ذكرنا لها إعرابًا فيما سبق، فمن يعرف الإعراب؟ * طالب: مفعول لفعل (...). * الشيخ: نعم على رأي من يرى جواز معمولين لعامل واحد، طيب رأي آخر؟ * طالب: أن يكون ﴿إِيَّايَ﴾ معمولًا لفعل محذوف. * الشيخ: نعم. * الطالب: يقدم على حسب السياق فنقول: خافوا إياي، أو: ارهبوا إياي. * الشيخ: هذا إعراب آخر يقول إن ﴿إِيَّايَ﴾ مفعول لفعل محذوف يقدر، أي إياي ارهبوا، أو إياي احذروا، أو ما أشبه ذلك، طيب هل هناك فرق بين الرهبة والخوف؟ * طالب: إي نعم، الرهبة تكون من شيء عظيم (...). * الشيخ: والخوف؟ * الطالب: الخوف (...). * الشيخ: الخوف معلوم، نعم. * الطالب: الرهبة هي الخوف لكنه يزيد عن الخوف العادي الطبيعي بأن التأثير ممن خافه. * الشيخ: ممن خافه. * الطالب: أما الخوف فهو الخوف العادي المعروف. * الشيخ: طيب، أولًا يجب أن نعرف أن الانفعالات النفسية لا يمكن تعريفها أبدًا، أي إنسان يحاول أن يعرف الانفعالات النفسية ما يستطيع، لو قيل لك مثلًا: ما هي المحبة؟ تقدر تعرفها؟ لو قيل: ما هي الكراهة؟ أيش؟ ما هو الخوف؟ هذه يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب روضة المحبين، يقول: لا يمكن للانفعالات النفسية أن تعرَّف أبدًا بأكثر من لفظها. وهذا صحيح. طيب قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، إذا قال قائل: الركوع من إقامة الصلاة، فهل في الآية تكرار؟ * طالب: ليس فيها تكرار وإنما ما دام أمرهم بأداء الصلاة أمرهم أن يؤدوها جماعة مع المؤمنين من أمة محمد ﷺ. * الشيخ: تمام بارك الله فيك، إذن الأمر الثاني ليس هو الأمر الأول، وإن كان في الحقيقة أن إقامة الجماعة من إقامة الصلاة لكنها نص عليها لأهميتها، طيب، قوله تعالى: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، إعراب ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ ما إعرابها؟ * طالب: معطوف. * الشيخ: معطوف على أيش؟ * الطالب: اللي قبلها. * الشيخ: ويش اللي قبلها، معطوف على اللي قبلها، ما الذي قبلها؟ * الطالب: ﴿لَا تَلْبِسُوا﴾. * الشيخ:﴿لَا تَلْبِسُوا﴾، طيب إذن كتمان الحق يكون منهيا عنه كما نُهي عن تلبيس الحق، فكم يكون المنهي عنه الآن؟ اثنان هما؟ * طالب: لبس الحق بالباطل وكتم الحق. * الشيخ: لبس الحق بالباطل وكتم الحق، طيب فيه وجه آخر؟ * طالب: فيه جملة حالية. * الشيخ: لا. * طالب: أن الواو هنا للمعية. * الشيخ: أن الواو للمعية، على هذا يكون المنهي عنه كل واحد منهي على انفراد أو ماذا؟ * طالب: تلبسوا الحق وتكتموا الحق.. * الشيخ: يعني المنهي عنه الجمع بينهما؟ لا يُنهى عن إفراد كل واحد، طيب، أيهما أولى من حيث المعنى؟ * طالب: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده. * الشيخ: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده؛ لأنه إذا نُهي عن كل واحد بانفراده؟ * الطالب: لأنه إذا نهى عنهما يكون جمع بينهما. * الشيخ: فيكون الجمع بينهما يكون أبلغ، نعم طيب بارك الله فيك. نأخذ الفوائد الآن، آخر ما كتبنا؟ على قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾؟ نعم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا ففيه شبه من اليهود، فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه من اليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَنَالَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»[[أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢)، وأحمد (٨٤٥٧) من حديث أبي هريرة.]]. وحينئذ يُشكِل على كثير من الطلبة أولئك القوم الذين يُقبِلون يزفون إلى الجامعات وإلى المدارس يريدون بهذا الشهادة، فهل يكونون ممن اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا؟ الجواب: حسب النية، إذا كان الإنسان لا يريد من ذلك إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا، وعلامة ذلك أنه لا يهمه إلا أن يصل إلى هذه المرتبة ولو على حساب العلم والشرع، وأما إذا كان لا يريد ذلك، إنما يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكانًا ينفع به المسلمين، فهذا لم يشترِ بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزَن بما معه من بطاقة الشهادة، واضح؟ إذن نقول لهؤلاء الذين يزفون إلى الجامعات: لا عليكم إذا كنتم لا تريدون بذلك الدنيا المحضة، وإنما تريدون أن تتبوؤوا مكانًا تنفعون به عباد الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن شرائع الله من آياته؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وهم -أعني اليهود- يبيعون الدين بالدنيا، ووجه كون الشرائع من آياته أنها تدل على حكمته عز وجل، وتأتي على أكمل الوجوه، بخلاف ما يسنه البشر؛ فإنه ناقص، أولًا: لنقص علم البشر وعدم إحاطتهم.ثانيًا: لخفاء المصالح عليهم، فقد يظن ما هو مصلحة وليس مصلحة، فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة.ثالثًا: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام أو القانون من أعقل الناس وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود، محدود في زمانه، ومحدود في مكانه، أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير، قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا وكذا، وفي زمن آخر خلافه، في المكان أيضًا، قد يكون هذا التشريع الذي سنّه البشر مناسبًا لأحوال هؤلاء الأمة في مكانه، ولكن في أمة أخرى لا يصح.ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن هناك فرقًا بين المجتمعات الأوروبية الكافرة وبين المجتمعات الإسلامية، ولا يمكن أن نطبق ما يصلح لحال أولئك على ما لا يصلح لحال المسلمين، هذا إذا قلنا إنه صالح في مكانه، فكيف إذا لم يكن صالحًا في مكانه؟ والعجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- تجدهم قد مشوا على قوانين شُرعت من عشرات السنين، وأهلها الذين شرّعوها قد عدَلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن تُرمى في الزبالة، وهذا شيء واضح، هناك قوانين شُرعت لقوم كفار ثم تغيرت الحال فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة وصاروا يتنشنشونها، هل يدخل في قوله: ﴿لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؟ نعم يدخل في هذا، نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل، وإفراده بالتقوى، نعم؛ لقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي الوقت الذي فيه العذاب أحيانًا، وأن نتقي العذاب أحيانًا؟ فقال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] فكيف الجمع؟ نقول: كل هذه الأشياء التي أُمرنا باتقائها اتقاؤها من تقوى الله؛ لأنها مخلوقة لله عز وجل، فاتقاؤها من تقوى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: وجوب بيان الحق وتمييزه عن الباطل، فيقال: هذا حق وهذا باطل، ولا يلبِّسه على الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. ومِن لبْس الحق بالباطل أولئك القوم الذين يورِدون الشبهات إما على القرآن أو على أحكام القرآن ثم لا يَحُلونها، لو أنهم يوردون الشبهة ويحلونها لكان أهون، مع أن إيراد الشُّبَه وإن حُلّت إذا لم تكن مشتهرة بين الناس ليس من المصلحة، انتبه لهذه النقطة، إيراد الشبه ولو حللتها إذا لم تكن مشتهرة بين الناس غلط، وذلك لأنك إذا فتحت الشبهة لم يكن عندك يقين أن تزيلها بما ذكرت من حلول، أحيانًا ترد الشبهة على القلب وتورَد الحلول لها لكن لا يطمئن الإنسان إلى هذه الحلول فتبقى الشبهة، ولو سلم الإنسان منها لكان خيرًا. * من فوائد الآية الكريمة: أنه ليس هناك إلا حق وباطل، حق وباطل، وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت أن الأمر كذلك، قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣/١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]، ما في شيء لا حق ولا باطل، إما حق وإما باطل. فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب والمحرّم وبين المكروه والمندوب وهو المباح؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا، لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء، فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل، كما جاء في الحديث: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبُهُ فِي رُمْحِهِ، وَمَعَ أَهْلِهِ، وَفِي فَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وابن ماجه (٢٨١١) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ ...».]]. وهذه الأشياء الثلاثة إنما استُثنيت لأنها مصلحة، كلها تعود إلى مصلحة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم كتمان الحق؛ لقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟ الجواب: نعم، الكتمان لا يكون إلا بعد طلب، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال، وطلب بلسان الحال، فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا وكذا؟ فهذا طلب أيش؟ بلسان المقال، وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرّم فطلب بيانه بلسان الحال، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر ولا ينتظر حتى يُسأل، وإذا سئل وكتم لأنه لا يعلم فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أما إذا كان لا يعلم وقال: والله لا أدري، فلا بأس، هذه واحدة، إذا كان لا يعلم فالواجب أن يسكت، يقول: لا أعلم. ثانيًا: إذا رأى من المصلحة أن لا يبين فلا بأس، لا بأس أن يكتم، مثل كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[[أخرج البخاري (١٢٧) بلفظ: أتحبون أن يكذب الله ورسوله.]]، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»[[أخرجه مسلم في المقدمة (٥) بمعناه.]]، فإذا رأيت من المصلحة أن لا تبين فلا تبين، ولا لوم عليك. ثالثًا: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص وأنت تعلم هذا، فلك أن تمتنع، وأن تقول: لا أخبرك، الامتحان أن يأتي إليك وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها أو لا؟ أو يريد أن يأخذ منك كلامًا ليَشِي به إلى أحد وينقله إلى أحد، فلك أن تمتنع، كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيجي يسألك يقول: سألت فلان وقال: هذا حرام، وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهل، فحينئذ لك أن تمتنع وتقول: لا أجيبك، أما إذا كان المسؤول رجلًا تعرف أنه ليس عنده علم، إما من عامة الناس أو من طلبة العلم الذين لم ينضجوا، فحينئذ لو قال: إني مستفتٍ فلانًا، أفته؛ لأنه لا حرمة لفتواه، لكن إذا أفتاه رجل عالم تعرف أنه مثلك في العلم أو أكبر منك، فلك أن تقول: لا أفتيك؛ لأن هذا السائل يتتبع الرخص في الغالب، أما لو قال لك: والله أنا سألت فلانًا، لكني كنت أطلبك ولم أجدك، وللضرورة سألت فلانًا، لكن لما جاء الله بك الآن أفتني، فحينئذ تفتيه أو لا؟ أفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك، وحينئذ يلزمك أن تفتيه حتى لو استفتى إنسانًا أعلم منك وأنت تعرف أن الرجل لا يثق إلا بكلامك لا بد أن تفتيه، إذن كتمان الحق متى يتحقق؟ * الطلبة: بعد الطلب. * الشيخ: بعد الطلب، بلسان الحال أو بلسان المقال، وذكرنا صورًا يجوز فيها عدم البيان، لكن إما لمصلحة أو دفع مضرة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الناس يسأل وليس قصده العلم ولا شيء من هذا الذي ذكرنا في الدرس، لكن يا شيخ قصده تحاج ويّا بعض أصحابه، حتى ليس من باب حصول الحق إنما من باب المجادلة، وهذا يدخل في مجالس الناس اليوم، يقول: والله اتحجينا أنا وفلان اليوم ويش رأيك؟ * الشيخ: هذا أيضًا يقول أحيانًا يكون جدال بين الناس، ويجي إنسان يستفتيك ليس قصده أن يصل إلى العلم الشرعي حتى يعمل به أو لا، لكن قصده المغالبة، أن يغلب صاحبه، فالظاهر لي أن هذا للوجوب أقرب، أن هذا للوجوب أقرب؛ لأجل أن ينتشر الحق؛ لأنه إذا بقي في معترك بين الناس ما تبين الحق. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أحيانًا الإنسان يُسأل وهو في منطقة ليست فيها علماء، وإذا أراد العامة أن يسألوا عن كل سؤال يطرأ عليهم العلماء يعسر عليهم اتصالهم، فهل لهؤلاء الطلبة الذين ما بلغوا في العلم يعني المبلغ المطلوب أن يفتوهم بما يعرفونه؟ * الشيخ: نعم، لهم أن يفتوهم بما يعرفونه، يجب عليه، «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فمثلًا هذا الطالب الذي لم يصل إلى حد ما في العلم يعرف مثلًا من كلام العالم الفلاني الذي هو عالم فيفتي به. * الطالب: أن يقيس أو أن يعني يجتهد بعض الاجتهاد، فهذا (...) جدًّا لأن المسائل تتجدد. * الشيخ: على كل حال يقول: اسأل غيري، هو في عافية، ما دام ما تأكد ما يجب عليه، يجب عليه أن يفتي بما لا يعلم؟! * طالب: إذا خشي أن يكون السائل للامتحان، فهل يجيب بخلاف الحق؟ * الشيخ: بخلاف الحق؟ لا، سبحان الله! يعني يكون شيء حلال هو يقول: هذا حرام؟ * الطالب: لا، أي مسألة يعني.. * الشيخ: خلاف الحق هذا هو، الحق أن هذا حلال يقول: هذا حرام، الحق أن هذا غير واجب ويقول: هذا واجب. * * * * طالب: ﴿﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ ﴾ [البقرة: ٤٤ - ٤٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، الخطاب هنا لبني إسرائيل من أول قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وبنو إسرائيل هم اليهود والنصارى؛ لأن إسرائيل هو ابن إسحاق بن إبراهيم، فبنوه هم اليهود والنصارى. يقول عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أقيموها أي: ائتوا بها مستقيمة، وهذا كما أمر الله به بني إسرائيل أمر الله به هذه الأمة، والصلاة هنا يشمل الفريضة والنافلة. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أعطوا الزكاة، وكما يعلم النحاة منكم أن (آت) تنصب مفعولين، التي بمعنى أعطي تنصب مفعولين، المفعول الأول هنا (الزكاة) والمفعول الثاني: محذوف، والتقدير: أهلها أو من يستحقها، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾، والزكاة هي التعبد، أو هي المال المدفوع امتثالًا لأمر الله إلى أهله من أموال مخصوصة معروفة وهي: الذهب، والفضة، وبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، عروض التجارة فيها خلاف طويل عريض بين علماء المسلمين، ولكن الصحيح أن الزكاة فيها واجبة. ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ وسُمي بذل المال زكاة؛ لأنه يزكي النفس ويطهرها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد، يعني لو أن إنسان أراد أن يتعبد لله بركوع مجرد قلنا: هذا بدعة، فالمراد إذن: صلوا مع المصلين، واعلم أن التعبير عن العبادة بجزء منها يدل على أن هذا الجزء من أركانها ومن بنيتها ولا يمكن أن تصح بدونه، والتعبير بالجزء عن الكل معروف في اللغة العربية، في القرآن الكريم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، والمراد عبد، المراد العبد التام، لكن كما رأيتم الرقبة لا يمكن أن يبقى البدن بدونها، فهل يصح أن نقول: تحرير أصبع؟ لا؛ لأن الأصبع قد يُفقد ويبقى البدن، هنا نقول: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، ولا يمكن أن يعبَّر بالركوع عن الصلاة إلا والركوع جزء لا يتجزأ منها ولا بد منه. * في هذه الآية الكريمة: دليل على أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعًا، كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوع، وقد دل على ذلك أيضًا قول الله تعالى لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣]، فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع وسجود. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمم السابقة أيضًا عليهم زكاة؛ لأنه لا بد من الامتحان بالزكاة، فإن من الناس من يكون بخيلًا، بذْل الدرهم عليه أشد من شيء كثير، فيُمتحن العباد بإيتاء الزكاة وبذل شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم، ولهذا سميت الزكاة صدقة، لماذا؟ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، هكذا استدل بها بعض العلماء، لكن هذا الاستدلال قد يكون فيه مناقشة، وأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل، ولهذا قيل لمريم: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، والنساء ليس عليهن جماعة، وعلى هذا فنقول: الاستدلال بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة فيه شيء من النظر، ثم نُردف هذا القول بأنه لا ينبغي عند المناظرة أن تأتي بدليل يمكن أن يمنع الاستدلال به خصمُك؛ لأن هذا يدل على ضعفك، وربما تضعف عن دليل قوي لا يستطيع دفعه لأنك ضعفت في هذا الدليل فتنكسر قوتك، وانظر إلى محاجة إبراهيم حين قال له الرجل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما جادله، لم يقل: أنت تحيي وتميت لكن ما تستطيع أن تحيي الميت أو تميت الحي، إنما تفعل الأسباب، عدل عن ذلك وقال أيش؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة ٢٥٨]. فالمهم أنا أقول لكم: في باب المناظرة لا تأتوا بدليل هَشّ فيستنصر به خصمكم، ربما تجادلون أحدًا في باب الصفات، باب صفات الله في العقيدة فتأتون بدليل هش فيستطيل به عليكم خصمكم، لا تأتوا إلا بدليل لا يمكن الخصم أن يفك عقدته، إذن لا نسلّم أن الآية هذه تدل على وجوب صلاة الجماعة لكن الحمد لله وجوب صلاة الجماعة بأدلة أخرى ظاهر.

البقرة 2:41

ثم قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة ٤٠]، إسرائيل هو من؟ * الطلبة: يعقوب. * الشيخ: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فجده إبراهيم، وإسماعيل أبوه إبراهيم، وأولاده أولاد عم لبني إسرائيل، ولهذا كان العرب وبنو إسرائيل كانوا بني عم يحصل بينهم الفتن والعداوة والبغضاء، ومن ثم حسدوا -أعني بني إسرائيل- العرب لما كان محمدًا ﷺ منهم. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بأعمالكم، وذلك لأن الشكر يكون بالأمور الثلاثة: بالقلب واللسان والجوارح. وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفرد مضاف فيعم جميع النعم، وقد أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بنعم كثيرة، فضّلهم على العالمين، قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠]. وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، قد يقول قائل: يُغني عنها قوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فنقول: نعم، هو من حيث الإغناء يغني، لكن ذِكرها فيه بيان كمال امتنان الله عز وجل، حيث قال: ﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وبلفظ الفعل الدال على إحداث هذه النعم، وأنه لولا أن الله عز وجل هو الذي منّ بها ما حصلت لهم. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، ﴿أَوْفُوا﴾ أي: ائتوا به وافيًا، وعهده سبحانه وتعالى أنه عهد إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا برسله، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة ١٢] هذا عهد الله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، ما هو عهد الله لهم؟ الذي عاهدهم إذا وفوا بعهده أن يوفي به، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ١٢]، فلو وفوا بعهد الله لوفى الله لهم بعهده. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب، أولًا (ارهبون) أصلها (ارهبوني) بالياء، وهي محذوفة من أجل مراعاة الفواصل، فإذا كانت (ارهبون) قد أخذت معمولها فأين العامل في ﴿إِيَّايَ﴾؟ من أجاز أن يتسلط العامل على معمولين فلا إشكال عنده، لكن من لم يُجز فهذا إشكال، يقال: إنه يقدَّر العامل في ﴿إِيَّايَ﴾ بحسب السياق، ويمكن أن نقول: خافوا إياي، ارهبوا إياي، ﴿فَارْهَبُونِ﴾، وأما الفاء في قوله: ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فقيل: إنها لتحسين اللفظ، والرهبة هي الخوف المشعِر بازدياد التأثر مما خافه؛ لأنك تشعر بأنها تدل على رقة، وعلى أن هذا الخوف خوف مؤثر. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ٤١]، قوله: ﴿وَآمِنُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، وهو القرآن، أنزله الله على محمد ﷺ، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، ما الذي معهم؟ التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، فإن الله تعالى قد بيّن في التوراة والإنجيل وصف محمد ﷺ بيانًا كاملًا حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، أي: لما ذُكر من أوصافه ﷺ وأوصاف القرآن الذي يأتي به، وكذلك أيضًا و﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة ٩١] شاهد لها بالصدق، فصار تصديق القرآن لها من وجهين: الوجه الأول أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، والوجه الثاني أنه قد شهد لها بالصدق، فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة وأنزل الإنجيل، وهذا شهادة لها بأنها صدق، وكذلك التوراة والإنجيل قد ذكرت القرآن، وذكرت محمدًا ﷺ، فإذا وقع الأمر كما أخبرت صار ذلك تصديقًا لها، طيب، ولهذا لو حدّثتك بحديث فقلت أنت: صدقت، ثم وقع ما حدثتك به مشهودًا تشاهده بعينك، صار الوقوع هذا تصديقًا أيضًا. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة ٤١]، يعني: لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به، ولا يعني ذلك كونوا ثاني كافر، لا، المعنى أنه لا يليق بكم أن تكونوا أول كافر وأنتم تعلمون أنه حق. وفي قوله: ﴿تَكُونُوا﴾ الضمير ضمير جمع، و﴿أَوَّلَ كَافِرٍ﴾ (كافر) مفرد، فكيف يصح أن نخبر بالمفرد عن الجماعة؟ قال المفسرون: إن تقدير الكلام: أول فريق كافر به؛ لأن الخطاب لبني إسرائيل عمومًا وهم جماعة، يعني لا تكونوا أول فريق كافر به؛ لأنه لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول المكذِّبين، فكان عليكم أن تكونوا أول مؤمن به. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ٤١]، ﴿تَشْتَرُوا﴾ غير (تشروا)؛ لأن (تشروا) بمعنى تبيعوا، (تشتروا) بمعنى تأخذوا بالشراء. وقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: بذلك الجاه والرئاسة، وما أشبه ذلك؛ لأن بني إسرائيل إنما كفروا يريدون الدنيا، ولو أنهم اتبعوا محمدًا ﷺ لكانوا في القمة ولأوتوا أجرهم مرتين، لكن حسدًا وابتغاء لبقاء الجاه والشرف وأنهم هم أهل الكتاب حسدوا النبي ﷺ فلم يؤمنوا به. وقوله: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يدل على أن ما كان من أمر الدنيا فهو قليل، مهما تعاظمه الإنسان فإنه ليس بشيء بالنسبة للآخرة. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة ٤١] نقول في إعراب (فاتقون) كما قلنا في: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أما التقوى فهي اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ففي الآية الأولى ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها عصيانًا، وفي قوله: ﴿اتَّقُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها لا في الأمر ولا في النهي. قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة ٤٢]، ﴿تَلْبِسُوا﴾ أي: تخلطوا، فهم كانوا يأتون بشبهات تشبه على الناس، فيقولون مثلًا: محمد حق لكنه يُبعث في الأميين لا لجميع الناس، فيلبسون الحق بالباطل؛ لأن الذي يسمع مثل هذا الكلام لا يقول: إن بني إسرائيل كفروا بمحمد، بل آمنوا به، وكفروا، لكن إذا لبّسوا على الناس وقالوا: إن محمدًا عربي مرسل إلى العرب وأتوا بمثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة ٢] شبّهوا ولبّسوا على الناس. قال: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٤٢] هنا الواو هل هي عاطفة أو واو المعية؟ تحتمل معنيين، يعني يحتمل المعنى: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون، ويحتمل لا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق، لكن على هذا التقدير يبقى إشكال، وهو أن قوله: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقتضي أنهم يذكرون الحق والباطل، فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبّسوه بالباطل فبقي خفيًّا، فيبقى الآن يبقى جواز أن تكون الواو عاطفة وأن تكون واو المعية. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الحق فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنكم مبطلون في كتمانكم إياه. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤٣]. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا عام لكل الصلوات؛ الفريضة والنافلة، وإيتاء الزكاة يعني إعطاءها مستحقها، وهي المال الذي أوجبه الله تعالى، بل الجزء أو القسط الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ مَن الراكعون؟ الراكعون هم هذه الأمة، يعني صلوا معهم مع صلاتهم والتزموا بأحكامهم وشرائعهم. * ففي هذه الآيات فوائد، منها: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب، إما لكونه أوعى من غيره، وإما لكونه أولى أن يمتثل، وهنا وجّهه لهم؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي ﷺ وأنها حق ما ليس عند العرب، العرب جهّال ليس عندهم علم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التذكير أو تذكير العبد بنعم الله عليه؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصًا نذكّره بالنعم؟ الجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله عز وجل، ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته. * من فوائد الآية الكريمة: أن لله المنة في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وقد ذكرت لكم قبل قليل أنه ذكرها بالفعل؛ لأنها متجددة حادثة ليست من كسب هؤلاء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، و﴿أُوفِ﴾ كما تعلمون جواب الطلب في قوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، ولهذا جاءت مجزومة بحذف حرف العلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقَب بحرمانه ما رتّب الله تعالى على الوفاء بالعهد، وذلك لأن المنطوق في الآية: أن من وفى لله وفى الله له، فيكون مفهوم: من لم يَفِ فإنه يعاقب ولا يعطى ما وُعد به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة ٧٥]، فالناذر معاهد لله تعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إخلاص الرهبة لله؛ لقوله: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. * ومن فوائدها أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها وأمر بإخلاصها. فإن قال قائل: هل يجوز أو هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع أو من عدو؟ لا، هذا لا ينافي التوحيد، ولهذا وقع من الرسل؛ إبراهيم لما جاءه الضيوف ولم يأكلوا، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وموسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وكذلك أيضًا الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة، ولو قلنا للإنسان: إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفًا طبيعيًّا لكنت مشركًا، لو قلنا بذلك لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان خوف طبيعي غريزي، كل إنسان يخاف مما يخشى منه الضرر. فإن قال قائل: لو منعه هذا الخوف من واجب عليه، هل يُنهى عنه أو لا؟ قلنا: نعم يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به، إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال، فإذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]. ولكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس، ولهذا لو كان الإنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو، فهل يصلي قاعدًا؟ نعم يصلي قاعدًا، وهذا لأن الله تعالى عفا عنه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين هل يلزمهم أن يصابروهم، أو يجوز أن يفروا؟ يجوز أن يفروا، فالمهم أن الخوف الطبيعي لا يلام الإنسان عليه إلا إذا تضمن ترك ما أوجب الله، فإذا لم يتضمن ذلك فهو لا يُلام عليه. * ومن فوائد الآية التي بعدها: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافر مخاطَب بالإسلام، وهذا مجمَع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟ فيه تفصيل: إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولًا ثم يفعلها ثانيًا، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩/٣١) من حديث ابن عباس.]]. طيب، إذن هم لا يخاطَبون بالفعل، يعني لا يقال: افعلوا، فلا نقول لكافر: تعال صلّ، بل نأمره أولًا بأيش؟ بالإسلام. وإن أردت بالمخاطبة أنهم مخاطبون بالفروع أنهم يعاقَبون عليها إذا ماتوا على الكفر، فهذا صحيح، ولهذا يقال للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٢ - ٤٧]. يعني هذا دأبهم حتى ماتوا، ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ عبثًا لا فائدة منه. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، ما مدى صحة قول بعض أهل العلم أن موسى عليه السلام في الآية التي ذكرت خوفه خاف أن يفتتن الناس ولم يخف هو لأنه على الحق؟ * الشيخ: لا، غلط. * الطالب: باطل أو لا؟ * الشيخ: باطل، هذا القول باطل، والآية تبطله، ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه ٦٨]، وهذا يدل على أنه خاف منه. * طالب: شيخ ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ إذا قدرنا محذوفًا صار في الآية إشكال. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: التقدير: وخافوا إياي. * الشيخ: وإياي خافوا. * الطالب: إياي خافوا فارهبون. * الشيخ: فارهبون. * الطالب: الفاء هنا موقعها؟ * الشيخ: الفاء قالوا: إنها لتحسين اللفظ. * الطالب: و﴿ارْهَبُونِ﴾ تكون معطوفة على خافوا؟ * الشيخ: إذا قدرنا (خافوا) فهنا قد نقول: إنها لا يصح أن تكون لتحسين اللفظ. * الطالب: تكون عاطفة؟ * الشيخ: تكون عاطفة، لكن إذا قلنا: إنه يجوز أن يتوجه العامل على معمولين صارت لتحسين اللفظ. * الطالب: حتى وإن قلنا أنها عاطفة. * الشيخ: نعم. * الطالب: إياي خافوا فارهبوا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فتكون الفاء هنا.. * الشيخ: عاطفة، يعني فإذا خفتم مني فارهبون، نعم. * طالب: إذا دخل الكافر المسجد.. * الشيخ: أيش؟ المسجد، نعم. * الطالب: (...) الصلاة؟ * الشيخ: إي نعم، نقول: صل، لكن لا نقول: صل، على أنا نلزمه، فإذا قلنا: صل، وقال: إنه غير مسلم، نتركه، لكننا نقول: لا تبق عند المسجد؛ لأن في هذا إحراج للمسلمين وتحديًا لهم، أما أن نلزمه نقول: ادخل صلّ، وهو يقول: أنا كافر، ما نلزمه. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا شيء يرجع للمسؤول عن هذا. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ما يحسن أن تكون الواو حالية؟ * الشيخ: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال، الواو حالية، الجملة كلها حالية. * الطالب: واو المعية؟ * الشيخ: لا، في قوله: ﴿تَكْتُمُوا﴾، واو المعية في قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾، نعم. * طالب: (...) من يخاف من العين أو الجن (...)؟ * الشيخ: من يخاف من العين أو من الجن يقال له: استعمل الأوراد النافعة مثل آية الكرسي والآيتين الأخيرتين في سورة البقرة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وأنا أقول لك: إن خفت من الجن فإنهم سوف يعتدون عليك، ولهذا أكثر ما يصاب الإنسان من الجن إذا كان يخاف منهم، فإياك إياك، لا إذا كنت في مكان مظلم تخاف أبدًا، استعن بالله ولا يهمنك. * طالب: الوضوء مشروع لمن يريد الصلاة، إذا جاء واحد مثلًا إلى المسجد لغرض آخر غير الصلاة مثل المراجعة وهكذا، هل نقول يعني بالوضوء؟ * الشيخ: أردت أن تصلي فتوضأ، أما إذا أردت أن تأتي للمراجعة فليس عليك واجب. * الطالب: كيف الجلوس في المسجد؟ * الشيخ: نعم، يجلس لأنه على غير وضوء، فقول الرسول: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٦٣)، ومسلم (٧١٤/٦٩) من حديث أبي قتادة.]] معلوم أنه مخاطب من هو على وضوء. * * * * طالب: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤١ - ٤٣]. * الشيخ: قول الله تبارك تعالى: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ما هو عهد الله وما هو عهدهم؟ * طالب: عهد الله إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويعزروا الرسل. * الشيخ: طيب، وعهدهم؟ * الطالب: وعهد الله إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة ويكفر سيئاتهم. * الشيخ: أحسنت، أين وجدت ذلك؟ * الطالب: في سورة المائدة. * الشيخ: ما هي الآية؟ * الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة ١٢]. * الطالب: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: أحسنت، طيب، قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ذكرنا لها إعرابًا فيما سبق، فمن يعرف الإعراب؟ * طالب: مفعول لفعل (...). * الشيخ: نعم على رأي من يرى جواز معمولين لعامل واحد، طيب رأي آخر؟ * طالب: أن يكون ﴿إِيَّايَ﴾ معمولًا لفعل محذوف. * الشيخ: نعم. * الطالب: يقدم على حسب السياق فنقول: خافوا إياي، أو: ارهبوا إياي. * الشيخ: هذا إعراب آخر يقول إن ﴿إِيَّايَ﴾ مفعول لفعل محذوف يقدر، أي إياي ارهبوا، أو إياي احذروا، أو ما أشبه ذلك، طيب هل هناك فرق بين الرهبة والخوف؟ * طالب: إي نعم، الرهبة تكون من شيء عظيم (...). * الشيخ: والخوف؟ * الطالب: الخوف (...). * الشيخ: الخوف معلوم، نعم. * الطالب: الرهبة هي الخوف لكنه يزيد عن الخوف العادي الطبيعي بأن التأثير ممن خافه. * الشيخ: ممن خافه. * الطالب: أما الخوف فهو الخوف العادي المعروف. * الشيخ: طيب، أولًا يجب أن نعرف أن الانفعالات النفسية لا يمكن تعريفها أبدًا، أي إنسان يحاول أن يعرف الانفعالات النفسية ما يستطيع، لو قيل لك مثلًا: ما هي المحبة؟ تقدر تعرفها؟ لو قيل: ما هي الكراهة؟ أيش؟ ما هو الخوف؟ هذه يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب روضة المحبين، يقول: لا يمكن للانفعالات النفسية أن تعرَّف أبدًا بأكثر من لفظها. وهذا صحيح. طيب قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، إذا قال قائل: الركوع من إقامة الصلاة، فهل في الآية تكرار؟ * طالب: ليس فيها تكرار وإنما ما دام أمرهم بأداء الصلاة أمرهم أن يؤدوها جماعة مع المؤمنين من أمة محمد ﷺ. * الشيخ: تمام بارك الله فيك، إذن الأمر الثاني ليس هو الأمر الأول، وإن كان في الحقيقة أن إقامة الجماعة من إقامة الصلاة لكنها نص عليها لأهميتها، طيب، قوله تعالى: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، إعراب ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ ما إعرابها؟ * طالب: معطوف. * الشيخ: معطوف على أيش؟ * الطالب: اللي قبلها. * الشيخ: ويش اللي قبلها، معطوف على اللي قبلها، ما الذي قبلها؟ * الطالب: ﴿لَا تَلْبِسُوا﴾. * الشيخ:﴿لَا تَلْبِسُوا﴾، طيب إذن كتمان الحق يكون منهيا عنه كما نُهي عن تلبيس الحق، فكم يكون المنهي عنه الآن؟ اثنان هما؟ * طالب: لبس الحق بالباطل وكتم الحق. * الشيخ: لبس الحق بالباطل وكتم الحق، طيب فيه وجه آخر؟ * طالب: فيه جملة حالية. * الشيخ: لا. * طالب: أن الواو هنا للمعية. * الشيخ: أن الواو للمعية، على هذا يكون المنهي عنه كل واحد منهي على انفراد أو ماذا؟ * طالب: تلبسوا الحق وتكتموا الحق.. * الشيخ: يعني المنهي عنه الجمع بينهما؟ لا يُنهى عن إفراد كل واحد، طيب، أيهما أولى من حيث المعنى؟ * طالب: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده. * الشيخ: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده؛ لأنه إذا نُهي عن كل واحد بانفراده؟ * الطالب: لأنه إذا نهى عنهما يكون جمع بينهما. * الشيخ: فيكون الجمع بينهما يكون أبلغ، نعم طيب بارك الله فيك. نأخذ الفوائد الآن، آخر ما كتبنا؟ على قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾؟ نعم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا ففيه شبه من اليهود، فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه من اليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَنَالَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»[[أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢)، وأحمد (٨٤٥٧) من حديث أبي هريرة.]]. وحينئذ يُشكِل على كثير من الطلبة أولئك القوم الذين يُقبِلون يزفون إلى الجامعات وإلى المدارس يريدون بهذا الشهادة، فهل يكونون ممن اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا؟ الجواب: حسب النية، إذا كان الإنسان لا يريد من ذلك إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا، وعلامة ذلك أنه لا يهمه إلا أن يصل إلى هذه المرتبة ولو على حساب العلم والشرع، وأما إذا كان لا يريد ذلك، إنما يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكانًا ينفع به المسلمين، فهذا لم يشترِ بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزَن بما معه من بطاقة الشهادة، واضح؟ إذن نقول لهؤلاء الذين يزفون إلى الجامعات: لا عليكم إذا كنتم لا تريدون بذلك الدنيا المحضة، وإنما تريدون أن تتبوؤوا مكانًا تنفعون به عباد الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن شرائع الله من آياته؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وهم -أعني اليهود- يبيعون الدين بالدنيا، ووجه كون الشرائع من آياته أنها تدل على حكمته عز وجل، وتأتي على أكمل الوجوه، بخلاف ما يسنه البشر؛ فإنه ناقص، أولًا: لنقص علم البشر وعدم إحاطتهم.ثانيًا: لخفاء المصالح عليهم، فقد يظن ما هو مصلحة وليس مصلحة، فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة.ثالثًا: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام أو القانون من أعقل الناس وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود، محدود في زمانه، ومحدود في مكانه، أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير، قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا وكذا، وفي زمن آخر خلافه، في المكان أيضًا، قد يكون هذا التشريع الذي سنّه البشر مناسبًا لأحوال هؤلاء الأمة في مكانه، ولكن في أمة أخرى لا يصح.ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن هناك فرقًا بين المجتمعات الأوروبية الكافرة وبين المجتمعات الإسلامية، ولا يمكن أن نطبق ما يصلح لحال أولئك على ما لا يصلح لحال المسلمين، هذا إذا قلنا إنه صالح في مكانه، فكيف إذا لم يكن صالحًا في مكانه؟ والعجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- تجدهم قد مشوا على قوانين شُرعت من عشرات السنين، وأهلها الذين شرّعوها قد عدَلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن تُرمى في الزبالة، وهذا شيء واضح، هناك قوانين شُرعت لقوم كفار ثم تغيرت الحال فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة وصاروا يتنشنشونها، هل يدخل في قوله: ﴿لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؟ نعم يدخل في هذا، نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل، وإفراده بالتقوى، نعم؛ لقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي الوقت الذي فيه العذاب أحيانًا، وأن نتقي العذاب أحيانًا؟ فقال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] فكيف الجمع؟ نقول: كل هذه الأشياء التي أُمرنا باتقائها اتقاؤها من تقوى الله؛ لأنها مخلوقة لله عز وجل، فاتقاؤها من تقوى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: وجوب بيان الحق وتمييزه عن الباطل، فيقال: هذا حق وهذا باطل، ولا يلبِّسه على الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. ومِن لبْس الحق بالباطل أولئك القوم الذين يورِدون الشبهات إما على القرآن أو على أحكام القرآن ثم لا يَحُلونها، لو أنهم يوردون الشبهة ويحلونها لكان أهون، مع أن إيراد الشُّبَه وإن حُلّت إذا لم تكن مشتهرة بين الناس ليس من المصلحة، انتبه لهذه النقطة، إيراد الشبه ولو حللتها إذا لم تكن مشتهرة بين الناس غلط، وذلك لأنك إذا فتحت الشبهة لم يكن عندك يقين أن تزيلها بما ذكرت من حلول، أحيانًا ترد الشبهة على القلب وتورَد الحلول لها لكن لا يطمئن الإنسان إلى هذه الحلول فتبقى الشبهة، ولو سلم الإنسان منها لكان خيرًا. * من فوائد الآية الكريمة: أنه ليس هناك إلا حق وباطل، حق وباطل، وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت أن الأمر كذلك، قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣/١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]، ما في شيء لا حق ولا باطل، إما حق وإما باطل. فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب والمحرّم وبين المكروه والمندوب وهو المباح؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا، لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء، فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل، كما جاء في الحديث: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبُهُ فِي رُمْحِهِ، وَمَعَ أَهْلِهِ، وَفِي فَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وابن ماجه (٢٨١١) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ ...».]]. وهذه الأشياء الثلاثة إنما استُثنيت لأنها مصلحة، كلها تعود إلى مصلحة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم كتمان الحق؛ لقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟ الجواب: نعم، الكتمان لا يكون إلا بعد طلب، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال، وطلب بلسان الحال، فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا وكذا؟ فهذا طلب أيش؟ بلسان المقال، وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرّم فطلب بيانه بلسان الحال، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر ولا ينتظر حتى يُسأل، وإذا سئل وكتم لأنه لا يعلم فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أما إذا كان لا يعلم وقال: والله لا أدري، فلا بأس، هذه واحدة، إذا كان لا يعلم فالواجب أن يسكت، يقول: لا أعلم. ثانيًا: إذا رأى من المصلحة أن لا يبين فلا بأس، لا بأس أن يكتم، مثل كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[[أخرج البخاري (١٢٧) بلفظ: أتحبون أن يكذب الله ورسوله.]]، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»[[أخرجه مسلم في المقدمة (٥) بمعناه.]]، فإذا رأيت من المصلحة أن لا تبين فلا تبين، ولا لوم عليك. ثالثًا: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص وأنت تعلم هذا، فلك أن تمتنع، وأن تقول: لا أخبرك، الامتحان أن يأتي إليك وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها أو لا؟ أو يريد أن يأخذ منك كلامًا ليَشِي به إلى أحد وينقله إلى أحد، فلك أن تمتنع، كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيجي يسألك يقول: سألت فلان وقال: هذا حرام، وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهل، فحينئذ لك أن تمتنع وتقول: لا أجيبك، أما إذا كان المسؤول رجلًا تعرف أنه ليس عنده علم، إما من عامة الناس أو من طلبة العلم الذين لم ينضجوا، فحينئذ لو قال: إني مستفتٍ فلانًا، أفته؛ لأنه لا حرمة لفتواه، لكن إذا أفتاه رجل عالم تعرف أنه مثلك في العلم أو أكبر منك، فلك أن تقول: لا أفتيك؛ لأن هذا السائل يتتبع الرخص في الغالب، أما لو قال لك: والله أنا سألت فلانًا، لكني كنت أطلبك ولم أجدك، وللضرورة سألت فلانًا، لكن لما جاء الله بك الآن أفتني، فحينئذ تفتيه أو لا؟ أفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك، وحينئذ يلزمك أن تفتيه حتى لو استفتى إنسانًا أعلم منك وأنت تعرف أن الرجل لا يثق إلا بكلامك لا بد أن تفتيه، إذن كتمان الحق متى يتحقق؟ * الطلبة: بعد الطلب. * الشيخ: بعد الطلب، بلسان الحال أو بلسان المقال، وذكرنا صورًا يجوز فيها عدم البيان، لكن إما لمصلحة أو دفع مضرة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الناس يسأل وليس قصده العلم ولا شيء من هذا الذي ذكرنا في الدرس، لكن يا شيخ قصده تحاج ويّا بعض أصحابه، حتى ليس من باب حصول الحق إنما من باب المجادلة، وهذا يدخل في مجالس الناس اليوم، يقول: والله اتحجينا أنا وفلان اليوم ويش رأيك؟ * الشيخ: هذا أيضًا يقول أحيانًا يكون جدال بين الناس، ويجي إنسان يستفتيك ليس قصده أن يصل إلى العلم الشرعي حتى يعمل به أو لا، لكن قصده المغالبة، أن يغلب صاحبه، فالظاهر لي أن هذا للوجوب أقرب، أن هذا للوجوب أقرب؛ لأجل أن ينتشر الحق؛ لأنه إذا بقي في معترك بين الناس ما تبين الحق. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أحيانًا الإنسان يُسأل وهو في منطقة ليست فيها علماء، وإذا أراد العامة أن يسألوا عن كل سؤال يطرأ عليهم العلماء يعسر عليهم اتصالهم، فهل لهؤلاء الطلبة الذين ما بلغوا في العلم يعني المبلغ المطلوب أن يفتوهم بما يعرفونه؟ * الشيخ: نعم، لهم أن يفتوهم بما يعرفونه، يجب عليه، «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فمثلًا هذا الطالب الذي لم يصل إلى حد ما في العلم يعرف مثلًا من كلام العالم الفلاني الذي هو عالم فيفتي به. * الطالب: أن يقيس أو أن يعني يجتهد بعض الاجتهاد، فهذا (...) جدًّا لأن المسائل تتجدد. * الشيخ: على كل حال يقول: اسأل غيري، هو في عافية، ما دام ما تأكد ما يجب عليه، يجب عليه أن يفتي بما لا يعلم؟! * طالب: إذا خشي أن يكون السائل للامتحان، فهل يجيب بخلاف الحق؟ * الشيخ: بخلاف الحق؟ لا، سبحان الله! يعني يكون شيء حلال هو يقول: هذا حرام؟ * الطالب: لا، أي مسألة يعني.. * الشيخ: خلاف الحق هذا هو، الحق أن هذا حلال يقول: هذا حرام، الحق أن هذا غير واجب ويقول: هذا واجب. * * * * طالب: ﴿﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ ﴾ [البقرة: ٤٤ - ٤٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، الخطاب هنا لبني إسرائيل من أول قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وبنو إسرائيل هم اليهود والنصارى؛ لأن إسرائيل هو ابن إسحاق بن إبراهيم، فبنوه هم اليهود والنصارى. يقول عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أقيموها أي: ائتوا بها مستقيمة، وهذا كما أمر الله به بني إسرائيل أمر الله به هذه الأمة، والصلاة هنا يشمل الفريضة والنافلة. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أعطوا الزكاة، وكما يعلم النحاة منكم أن (آت) تنصب مفعولين، التي بمعنى أعطي تنصب مفعولين، المفعول الأول هنا (الزكاة) والمفعول الثاني: محذوف، والتقدير: أهلها أو من يستحقها، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾، والزكاة هي التعبد، أو هي المال المدفوع امتثالًا لأمر الله إلى أهله من أموال مخصوصة معروفة وهي: الذهب، والفضة، وبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، عروض التجارة فيها خلاف طويل عريض بين علماء المسلمين، ولكن الصحيح أن الزكاة فيها واجبة. ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ وسُمي بذل المال زكاة؛ لأنه يزكي النفس ويطهرها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد، يعني لو أن إنسان أراد أن يتعبد لله بركوع مجرد قلنا: هذا بدعة، فالمراد إذن: صلوا مع المصلين، واعلم أن التعبير عن العبادة بجزء منها يدل على أن هذا الجزء من أركانها ومن بنيتها ولا يمكن أن تصح بدونه، والتعبير بالجزء عن الكل معروف في اللغة العربية، في القرآن الكريم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، والمراد عبد، المراد العبد التام، لكن كما رأيتم الرقبة لا يمكن أن يبقى البدن بدونها، فهل يصح أن نقول: تحرير أصبع؟ لا؛ لأن الأصبع قد يُفقد ويبقى البدن، هنا نقول: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، ولا يمكن أن يعبَّر بالركوع عن الصلاة إلا والركوع جزء لا يتجزأ منها ولا بد منه. * في هذه الآية الكريمة: دليل على أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعًا، كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوع، وقد دل على ذلك أيضًا قول الله تعالى لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣]، فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع وسجود. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمم السابقة أيضًا عليهم زكاة؛ لأنه لا بد من الامتحان بالزكاة، فإن من الناس من يكون بخيلًا، بذْل الدرهم عليه أشد من شيء كثير، فيُمتحن العباد بإيتاء الزكاة وبذل شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم، ولهذا سميت الزكاة صدقة، لماذا؟ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، هكذا استدل بها بعض العلماء، لكن هذا الاستدلال قد يكون فيه مناقشة، وأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل، ولهذا قيل لمريم: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، والنساء ليس عليهن جماعة، وعلى هذا فنقول: الاستدلال بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة فيه شيء من النظر، ثم نُردف هذا القول بأنه لا ينبغي عند المناظرة أن تأتي بدليل يمكن أن يمنع الاستدلال به خصمُك؛ لأن هذا يدل على ضعفك، وربما تضعف عن دليل قوي لا يستطيع دفعه لأنك ضعفت في هذا الدليل فتنكسر قوتك، وانظر إلى محاجة إبراهيم حين قال له الرجل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما جادله، لم يقل: أنت تحيي وتميت لكن ما تستطيع أن تحيي الميت أو تميت الحي، إنما تفعل الأسباب، عدل عن ذلك وقال أيش؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة ٢٥٨]. فالمهم أنا أقول لكم: في باب المناظرة لا تأتوا بدليل هَشّ فيستنصر به خصمكم، ربما تجادلون أحدًا في باب الصفات، باب صفات الله في العقيدة فتأتون بدليل هش فيستطيل به عليكم خصمكم، لا تأتوا إلا بدليل لا يمكن الخصم أن يفك عقدته، إذن لا نسلّم أن الآية هذه تدل على وجوب صلاة الجماعة لكن الحمد لله وجوب صلاة الجماعة بأدلة أخرى ظاهر.

البقرة 2:42

ثم قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة ٤٠]، إسرائيل هو من؟ * الطلبة: يعقوب. * الشيخ: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فجده إبراهيم، وإسماعيل أبوه إبراهيم، وأولاده أولاد عم لبني إسرائيل، ولهذا كان العرب وبنو إسرائيل كانوا بني عم يحصل بينهم الفتن والعداوة والبغضاء، ومن ثم حسدوا -أعني بني إسرائيل- العرب لما كان محمدًا ﷺ منهم. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بأعمالكم، وذلك لأن الشكر يكون بالأمور الثلاثة: بالقلب واللسان والجوارح. وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفرد مضاف فيعم جميع النعم، وقد أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بنعم كثيرة، فضّلهم على العالمين، قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠]. وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، قد يقول قائل: يُغني عنها قوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فنقول: نعم، هو من حيث الإغناء يغني، لكن ذِكرها فيه بيان كمال امتنان الله عز وجل، حيث قال: ﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وبلفظ الفعل الدال على إحداث هذه النعم، وأنه لولا أن الله عز وجل هو الذي منّ بها ما حصلت لهم. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، ﴿أَوْفُوا﴾ أي: ائتوا به وافيًا، وعهده سبحانه وتعالى أنه عهد إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا برسله، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة ١٢] هذا عهد الله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، ما هو عهد الله لهم؟ الذي عاهدهم إذا وفوا بعهده أن يوفي به، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ١٢]، فلو وفوا بعهد الله لوفى الله لهم بعهده. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب، أولًا (ارهبون) أصلها (ارهبوني) بالياء، وهي محذوفة من أجل مراعاة الفواصل، فإذا كانت (ارهبون) قد أخذت معمولها فأين العامل في ﴿إِيَّايَ﴾؟ من أجاز أن يتسلط العامل على معمولين فلا إشكال عنده، لكن من لم يُجز فهذا إشكال، يقال: إنه يقدَّر العامل في ﴿إِيَّايَ﴾ بحسب السياق، ويمكن أن نقول: خافوا إياي، ارهبوا إياي، ﴿فَارْهَبُونِ﴾، وأما الفاء في قوله: ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فقيل: إنها لتحسين اللفظ، والرهبة هي الخوف المشعِر بازدياد التأثر مما خافه؛ لأنك تشعر بأنها تدل على رقة، وعلى أن هذا الخوف خوف مؤثر. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ٤١]، قوله: ﴿وَآمِنُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، وهو القرآن، أنزله الله على محمد ﷺ، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، ما الذي معهم؟ التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، فإن الله تعالى قد بيّن في التوراة والإنجيل وصف محمد ﷺ بيانًا كاملًا حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، أي: لما ذُكر من أوصافه ﷺ وأوصاف القرآن الذي يأتي به، وكذلك أيضًا و﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة ٩١] شاهد لها بالصدق، فصار تصديق القرآن لها من وجهين: الوجه الأول أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، والوجه الثاني أنه قد شهد لها بالصدق، فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة وأنزل الإنجيل، وهذا شهادة لها بأنها صدق، وكذلك التوراة والإنجيل قد ذكرت القرآن، وذكرت محمدًا ﷺ، فإذا وقع الأمر كما أخبرت صار ذلك تصديقًا لها، طيب، ولهذا لو حدّثتك بحديث فقلت أنت: صدقت، ثم وقع ما حدثتك به مشهودًا تشاهده بعينك، صار الوقوع هذا تصديقًا أيضًا. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة ٤١]، يعني: لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به، ولا يعني ذلك كونوا ثاني كافر، لا، المعنى أنه لا يليق بكم أن تكونوا أول كافر وأنتم تعلمون أنه حق. وفي قوله: ﴿تَكُونُوا﴾ الضمير ضمير جمع، و﴿أَوَّلَ كَافِرٍ﴾ (كافر) مفرد، فكيف يصح أن نخبر بالمفرد عن الجماعة؟ قال المفسرون: إن تقدير الكلام: أول فريق كافر به؛ لأن الخطاب لبني إسرائيل عمومًا وهم جماعة، يعني لا تكونوا أول فريق كافر به؛ لأنه لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول المكذِّبين، فكان عليكم أن تكونوا أول مؤمن به. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ٤١]، ﴿تَشْتَرُوا﴾ غير (تشروا)؛ لأن (تشروا) بمعنى تبيعوا، (تشتروا) بمعنى تأخذوا بالشراء. وقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: بذلك الجاه والرئاسة، وما أشبه ذلك؛ لأن بني إسرائيل إنما كفروا يريدون الدنيا، ولو أنهم اتبعوا محمدًا ﷺ لكانوا في القمة ولأوتوا أجرهم مرتين، لكن حسدًا وابتغاء لبقاء الجاه والشرف وأنهم هم أهل الكتاب حسدوا النبي ﷺ فلم يؤمنوا به. وقوله: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يدل على أن ما كان من أمر الدنيا فهو قليل، مهما تعاظمه الإنسان فإنه ليس بشيء بالنسبة للآخرة. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة ٤١] نقول في إعراب (فاتقون) كما قلنا في: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أما التقوى فهي اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ففي الآية الأولى ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها عصيانًا، وفي قوله: ﴿اتَّقُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها لا في الأمر ولا في النهي. قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة ٤٢]، ﴿تَلْبِسُوا﴾ أي: تخلطوا، فهم كانوا يأتون بشبهات تشبه على الناس، فيقولون مثلًا: محمد حق لكنه يُبعث في الأميين لا لجميع الناس، فيلبسون الحق بالباطل؛ لأن الذي يسمع مثل هذا الكلام لا يقول: إن بني إسرائيل كفروا بمحمد، بل آمنوا به، وكفروا، لكن إذا لبّسوا على الناس وقالوا: إن محمدًا عربي مرسل إلى العرب وأتوا بمثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة ٢] شبّهوا ولبّسوا على الناس. قال: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٤٢] هنا الواو هل هي عاطفة أو واو المعية؟ تحتمل معنيين، يعني يحتمل المعنى: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون، ويحتمل لا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق، لكن على هذا التقدير يبقى إشكال، وهو أن قوله: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقتضي أنهم يذكرون الحق والباطل، فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبّسوه بالباطل فبقي خفيًّا، فيبقى الآن يبقى جواز أن تكون الواو عاطفة وأن تكون واو المعية. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الحق فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنكم مبطلون في كتمانكم إياه. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤٣]. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا عام لكل الصلوات؛ الفريضة والنافلة، وإيتاء الزكاة يعني إعطاءها مستحقها، وهي المال الذي أوجبه الله تعالى، بل الجزء أو القسط الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ مَن الراكعون؟ الراكعون هم هذه الأمة، يعني صلوا معهم مع صلاتهم والتزموا بأحكامهم وشرائعهم. * ففي هذه الآيات فوائد، منها: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب، إما لكونه أوعى من غيره، وإما لكونه أولى أن يمتثل، وهنا وجّهه لهم؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي ﷺ وأنها حق ما ليس عند العرب، العرب جهّال ليس عندهم علم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التذكير أو تذكير العبد بنعم الله عليه؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصًا نذكّره بالنعم؟ الجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله عز وجل، ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته. * من فوائد الآية الكريمة: أن لله المنة في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وقد ذكرت لكم قبل قليل أنه ذكرها بالفعل؛ لأنها متجددة حادثة ليست من كسب هؤلاء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، و﴿أُوفِ﴾ كما تعلمون جواب الطلب في قوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، ولهذا جاءت مجزومة بحذف حرف العلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقَب بحرمانه ما رتّب الله تعالى على الوفاء بالعهد، وذلك لأن المنطوق في الآية: أن من وفى لله وفى الله له، فيكون مفهوم: من لم يَفِ فإنه يعاقب ولا يعطى ما وُعد به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة ٧٥]، فالناذر معاهد لله تعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إخلاص الرهبة لله؛ لقوله: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. * ومن فوائدها أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها وأمر بإخلاصها. فإن قال قائل: هل يجوز أو هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع أو من عدو؟ لا، هذا لا ينافي التوحيد، ولهذا وقع من الرسل؛ إبراهيم لما جاءه الضيوف ولم يأكلوا، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وموسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وكذلك أيضًا الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة، ولو قلنا للإنسان: إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفًا طبيعيًّا لكنت مشركًا، لو قلنا بذلك لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان خوف طبيعي غريزي، كل إنسان يخاف مما يخشى منه الضرر. فإن قال قائل: لو منعه هذا الخوف من واجب عليه، هل يُنهى عنه أو لا؟ قلنا: نعم يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به، إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال، فإذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]. ولكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس، ولهذا لو كان الإنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو، فهل يصلي قاعدًا؟ نعم يصلي قاعدًا، وهذا لأن الله تعالى عفا عنه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين هل يلزمهم أن يصابروهم، أو يجوز أن يفروا؟ يجوز أن يفروا، فالمهم أن الخوف الطبيعي لا يلام الإنسان عليه إلا إذا تضمن ترك ما أوجب الله، فإذا لم يتضمن ذلك فهو لا يُلام عليه. * ومن فوائد الآية التي بعدها: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافر مخاطَب بالإسلام، وهذا مجمَع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟ فيه تفصيل: إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولًا ثم يفعلها ثانيًا، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩/٣١) من حديث ابن عباس.]]. طيب، إذن هم لا يخاطَبون بالفعل، يعني لا يقال: افعلوا، فلا نقول لكافر: تعال صلّ، بل نأمره أولًا بأيش؟ بالإسلام. وإن أردت بالمخاطبة أنهم مخاطبون بالفروع أنهم يعاقَبون عليها إذا ماتوا على الكفر، فهذا صحيح، ولهذا يقال للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٢ - ٤٧]. يعني هذا دأبهم حتى ماتوا، ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ عبثًا لا فائدة منه. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، ما مدى صحة قول بعض أهل العلم أن موسى عليه السلام في الآية التي ذكرت خوفه خاف أن يفتتن الناس ولم يخف هو لأنه على الحق؟ * الشيخ: لا، غلط. * الطالب: باطل أو لا؟ * الشيخ: باطل، هذا القول باطل، والآية تبطله، ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه ٦٨]، وهذا يدل على أنه خاف منه. * طالب: شيخ ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ إذا قدرنا محذوفًا صار في الآية إشكال. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: التقدير: وخافوا إياي. * الشيخ: وإياي خافوا. * الطالب: إياي خافوا فارهبون. * الشيخ: فارهبون. * الطالب: الفاء هنا موقعها؟ * الشيخ: الفاء قالوا: إنها لتحسين اللفظ. * الطالب: و﴿ارْهَبُونِ﴾ تكون معطوفة على خافوا؟ * الشيخ: إذا قدرنا (خافوا) فهنا قد نقول: إنها لا يصح أن تكون لتحسين اللفظ. * الطالب: تكون عاطفة؟ * الشيخ: تكون عاطفة، لكن إذا قلنا: إنه يجوز أن يتوجه العامل على معمولين صارت لتحسين اللفظ. * الطالب: حتى وإن قلنا أنها عاطفة. * الشيخ: نعم. * الطالب: إياي خافوا فارهبوا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فتكون الفاء هنا.. * الشيخ: عاطفة، يعني فإذا خفتم مني فارهبون، نعم. * طالب: إذا دخل الكافر المسجد.. * الشيخ: أيش؟ المسجد، نعم. * الطالب: (...) الصلاة؟ * الشيخ: إي نعم، نقول: صل، لكن لا نقول: صل، على أنا نلزمه، فإذا قلنا: صل، وقال: إنه غير مسلم، نتركه، لكننا نقول: لا تبق عند المسجد؛ لأن في هذا إحراج للمسلمين وتحديًا لهم، أما أن نلزمه نقول: ادخل صلّ، وهو يقول: أنا كافر، ما نلزمه. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا شيء يرجع للمسؤول عن هذا. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ما يحسن أن تكون الواو حالية؟ * الشيخ: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال، الواو حالية، الجملة كلها حالية. * الطالب: واو المعية؟ * الشيخ: لا، في قوله: ﴿تَكْتُمُوا﴾، واو المعية في قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾، نعم. * طالب: (...) من يخاف من العين أو الجن (...)؟ * الشيخ: من يخاف من العين أو من الجن يقال له: استعمل الأوراد النافعة مثل آية الكرسي والآيتين الأخيرتين في سورة البقرة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وأنا أقول لك: إن خفت من الجن فإنهم سوف يعتدون عليك، ولهذا أكثر ما يصاب الإنسان من الجن إذا كان يخاف منهم، فإياك إياك، لا إذا كنت في مكان مظلم تخاف أبدًا، استعن بالله ولا يهمنك. * طالب: الوضوء مشروع لمن يريد الصلاة، إذا جاء واحد مثلًا إلى المسجد لغرض آخر غير الصلاة مثل المراجعة وهكذا، هل نقول يعني بالوضوء؟ * الشيخ: أردت أن تصلي فتوضأ، أما إذا أردت أن تأتي للمراجعة فليس عليك واجب. * الطالب: كيف الجلوس في المسجد؟ * الشيخ: نعم، يجلس لأنه على غير وضوء، فقول الرسول: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٦٣)، ومسلم (٧١٤/٦٩) من حديث أبي قتادة.]] معلوم أنه مخاطب من هو على وضوء. * * * * طالب: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤١ - ٤٣]. * الشيخ: قول الله تبارك تعالى: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ما هو عهد الله وما هو عهدهم؟ * طالب: عهد الله إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويعزروا الرسل. * الشيخ: طيب، وعهدهم؟ * الطالب: وعهد الله إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة ويكفر سيئاتهم. * الشيخ: أحسنت، أين وجدت ذلك؟ * الطالب: في سورة المائدة. * الشيخ: ما هي الآية؟ * الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة ١٢]. * الطالب: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: أحسنت، طيب، قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ذكرنا لها إعرابًا فيما سبق، فمن يعرف الإعراب؟ * طالب: مفعول لفعل (...). * الشيخ: نعم على رأي من يرى جواز معمولين لعامل واحد، طيب رأي آخر؟ * طالب: أن يكون ﴿إِيَّايَ﴾ معمولًا لفعل محذوف. * الشيخ: نعم. * الطالب: يقدم على حسب السياق فنقول: خافوا إياي، أو: ارهبوا إياي. * الشيخ: هذا إعراب آخر يقول إن ﴿إِيَّايَ﴾ مفعول لفعل محذوف يقدر، أي إياي ارهبوا، أو إياي احذروا، أو ما أشبه ذلك، طيب هل هناك فرق بين الرهبة والخوف؟ * طالب: إي نعم، الرهبة تكون من شيء عظيم (...). * الشيخ: والخوف؟ * الطالب: الخوف (...). * الشيخ: الخوف معلوم، نعم. * الطالب: الرهبة هي الخوف لكنه يزيد عن الخوف العادي الطبيعي بأن التأثير ممن خافه. * الشيخ: ممن خافه. * الطالب: أما الخوف فهو الخوف العادي المعروف. * الشيخ: طيب، أولًا يجب أن نعرف أن الانفعالات النفسية لا يمكن تعريفها أبدًا، أي إنسان يحاول أن يعرف الانفعالات النفسية ما يستطيع، لو قيل لك مثلًا: ما هي المحبة؟ تقدر تعرفها؟ لو قيل: ما هي الكراهة؟ أيش؟ ما هو الخوف؟ هذه يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب روضة المحبين، يقول: لا يمكن للانفعالات النفسية أن تعرَّف أبدًا بأكثر من لفظها. وهذا صحيح. طيب قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، إذا قال قائل: الركوع من إقامة الصلاة، فهل في الآية تكرار؟ * طالب: ليس فيها تكرار وإنما ما دام أمرهم بأداء الصلاة أمرهم أن يؤدوها جماعة مع المؤمنين من أمة محمد ﷺ. * الشيخ: تمام بارك الله فيك، إذن الأمر الثاني ليس هو الأمر الأول، وإن كان في الحقيقة أن إقامة الجماعة من إقامة الصلاة لكنها نص عليها لأهميتها، طيب، قوله تعالى: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، إعراب ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ ما إعرابها؟ * طالب: معطوف. * الشيخ: معطوف على أيش؟ * الطالب: اللي قبلها. * الشيخ: ويش اللي قبلها، معطوف على اللي قبلها، ما الذي قبلها؟ * الطالب: ﴿لَا تَلْبِسُوا﴾. * الشيخ:﴿لَا تَلْبِسُوا﴾، طيب إذن كتمان الحق يكون منهيا عنه كما نُهي عن تلبيس الحق، فكم يكون المنهي عنه الآن؟ اثنان هما؟ * طالب: لبس الحق بالباطل وكتم الحق. * الشيخ: لبس الحق بالباطل وكتم الحق، طيب فيه وجه آخر؟ * طالب: فيه جملة حالية. * الشيخ: لا. * طالب: أن الواو هنا للمعية. * الشيخ: أن الواو للمعية، على هذا يكون المنهي عنه كل واحد منهي على انفراد أو ماذا؟ * طالب: تلبسوا الحق وتكتموا الحق.. * الشيخ: يعني المنهي عنه الجمع بينهما؟ لا يُنهى عن إفراد كل واحد، طيب، أيهما أولى من حيث المعنى؟ * طالب: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده. * الشيخ: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده؛ لأنه إذا نُهي عن كل واحد بانفراده؟ * الطالب: لأنه إذا نهى عنهما يكون جمع بينهما. * الشيخ: فيكون الجمع بينهما يكون أبلغ، نعم طيب بارك الله فيك. نأخذ الفوائد الآن، آخر ما كتبنا؟ على قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾؟ نعم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا ففيه شبه من اليهود، فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه من اليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَنَالَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»[[أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢)، وأحمد (٨٤٥٧) من حديث أبي هريرة.]]. وحينئذ يُشكِل على كثير من الطلبة أولئك القوم الذين يُقبِلون يزفون إلى الجامعات وإلى المدارس يريدون بهذا الشهادة، فهل يكونون ممن اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا؟ الجواب: حسب النية، إذا كان الإنسان لا يريد من ذلك إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا، وعلامة ذلك أنه لا يهمه إلا أن يصل إلى هذه المرتبة ولو على حساب العلم والشرع، وأما إذا كان لا يريد ذلك، إنما يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكانًا ينفع به المسلمين، فهذا لم يشترِ بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزَن بما معه من بطاقة الشهادة، واضح؟ إذن نقول لهؤلاء الذين يزفون إلى الجامعات: لا عليكم إذا كنتم لا تريدون بذلك الدنيا المحضة، وإنما تريدون أن تتبوؤوا مكانًا تنفعون به عباد الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن شرائع الله من آياته؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وهم -أعني اليهود- يبيعون الدين بالدنيا، ووجه كون الشرائع من آياته أنها تدل على حكمته عز وجل، وتأتي على أكمل الوجوه، بخلاف ما يسنه البشر؛ فإنه ناقص، أولًا: لنقص علم البشر وعدم إحاطتهم.ثانيًا: لخفاء المصالح عليهم، فقد يظن ما هو مصلحة وليس مصلحة، فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة.ثالثًا: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام أو القانون من أعقل الناس وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود، محدود في زمانه، ومحدود في مكانه، أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير، قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا وكذا، وفي زمن آخر خلافه، في المكان أيضًا، قد يكون هذا التشريع الذي سنّه البشر مناسبًا لأحوال هؤلاء الأمة في مكانه، ولكن في أمة أخرى لا يصح.ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن هناك فرقًا بين المجتمعات الأوروبية الكافرة وبين المجتمعات الإسلامية، ولا يمكن أن نطبق ما يصلح لحال أولئك على ما لا يصلح لحال المسلمين، هذا إذا قلنا إنه صالح في مكانه، فكيف إذا لم يكن صالحًا في مكانه؟ والعجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- تجدهم قد مشوا على قوانين شُرعت من عشرات السنين، وأهلها الذين شرّعوها قد عدَلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن تُرمى في الزبالة، وهذا شيء واضح، هناك قوانين شُرعت لقوم كفار ثم تغيرت الحال فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة وصاروا يتنشنشونها، هل يدخل في قوله: ﴿لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؟ نعم يدخل في هذا، نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل، وإفراده بالتقوى، نعم؛ لقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي الوقت الذي فيه العذاب أحيانًا، وأن نتقي العذاب أحيانًا؟ فقال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] فكيف الجمع؟ نقول: كل هذه الأشياء التي أُمرنا باتقائها اتقاؤها من تقوى الله؛ لأنها مخلوقة لله عز وجل، فاتقاؤها من تقوى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: وجوب بيان الحق وتمييزه عن الباطل، فيقال: هذا حق وهذا باطل، ولا يلبِّسه على الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. ومِن لبْس الحق بالباطل أولئك القوم الذين يورِدون الشبهات إما على القرآن أو على أحكام القرآن ثم لا يَحُلونها، لو أنهم يوردون الشبهة ويحلونها لكان أهون، مع أن إيراد الشُّبَه وإن حُلّت إذا لم تكن مشتهرة بين الناس ليس من المصلحة، انتبه لهذه النقطة، إيراد الشبه ولو حللتها إذا لم تكن مشتهرة بين الناس غلط، وذلك لأنك إذا فتحت الشبهة لم يكن عندك يقين أن تزيلها بما ذكرت من حلول، أحيانًا ترد الشبهة على القلب وتورَد الحلول لها لكن لا يطمئن الإنسان إلى هذه الحلول فتبقى الشبهة، ولو سلم الإنسان منها لكان خيرًا. * من فوائد الآية الكريمة: أنه ليس هناك إلا حق وباطل، حق وباطل، وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت أن الأمر كذلك، قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣/١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]، ما في شيء لا حق ولا باطل، إما حق وإما باطل. فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب والمحرّم وبين المكروه والمندوب وهو المباح؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا، لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء، فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل، كما جاء في الحديث: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبُهُ فِي رُمْحِهِ، وَمَعَ أَهْلِهِ، وَفِي فَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وابن ماجه (٢٨١١) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ ...».]]. وهذه الأشياء الثلاثة إنما استُثنيت لأنها مصلحة، كلها تعود إلى مصلحة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم كتمان الحق؛ لقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟ الجواب: نعم، الكتمان لا يكون إلا بعد طلب، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال، وطلب بلسان الحال، فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا وكذا؟ فهذا طلب أيش؟ بلسان المقال، وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرّم فطلب بيانه بلسان الحال، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر ولا ينتظر حتى يُسأل، وإذا سئل وكتم لأنه لا يعلم فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أما إذا كان لا يعلم وقال: والله لا أدري، فلا بأس، هذه واحدة، إذا كان لا يعلم فالواجب أن يسكت، يقول: لا أعلم. ثانيًا: إذا رأى من المصلحة أن لا يبين فلا بأس، لا بأس أن يكتم، مثل كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[[أخرج البخاري (١٢٧) بلفظ: أتحبون أن يكذب الله ورسوله.]]، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»[[أخرجه مسلم في المقدمة (٥) بمعناه.]]، فإذا رأيت من المصلحة أن لا تبين فلا تبين، ولا لوم عليك. ثالثًا: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص وأنت تعلم هذا، فلك أن تمتنع، وأن تقول: لا أخبرك، الامتحان أن يأتي إليك وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها أو لا؟ أو يريد أن يأخذ منك كلامًا ليَشِي به إلى أحد وينقله إلى أحد، فلك أن تمتنع، كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيجي يسألك يقول: سألت فلان وقال: هذا حرام، وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهل، فحينئذ لك أن تمتنع وتقول: لا أجيبك، أما إذا كان المسؤول رجلًا تعرف أنه ليس عنده علم، إما من عامة الناس أو من طلبة العلم الذين لم ينضجوا، فحينئذ لو قال: إني مستفتٍ فلانًا، أفته؛ لأنه لا حرمة لفتواه، لكن إذا أفتاه رجل عالم تعرف أنه مثلك في العلم أو أكبر منك، فلك أن تقول: لا أفتيك؛ لأن هذا السائل يتتبع الرخص في الغالب، أما لو قال لك: والله أنا سألت فلانًا، لكني كنت أطلبك ولم أجدك، وللضرورة سألت فلانًا، لكن لما جاء الله بك الآن أفتني، فحينئذ تفتيه أو لا؟ أفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك، وحينئذ يلزمك أن تفتيه حتى لو استفتى إنسانًا أعلم منك وأنت تعرف أن الرجل لا يثق إلا بكلامك لا بد أن تفتيه، إذن كتمان الحق متى يتحقق؟ * الطلبة: بعد الطلب. * الشيخ: بعد الطلب، بلسان الحال أو بلسان المقال، وذكرنا صورًا يجوز فيها عدم البيان، لكن إما لمصلحة أو دفع مضرة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الناس يسأل وليس قصده العلم ولا شيء من هذا الذي ذكرنا في الدرس، لكن يا شيخ قصده تحاج ويّا بعض أصحابه، حتى ليس من باب حصول الحق إنما من باب المجادلة، وهذا يدخل في مجالس الناس اليوم، يقول: والله اتحجينا أنا وفلان اليوم ويش رأيك؟ * الشيخ: هذا أيضًا يقول أحيانًا يكون جدال بين الناس، ويجي إنسان يستفتيك ليس قصده أن يصل إلى العلم الشرعي حتى يعمل به أو لا، لكن قصده المغالبة، أن يغلب صاحبه، فالظاهر لي أن هذا للوجوب أقرب، أن هذا للوجوب أقرب؛ لأجل أن ينتشر الحق؛ لأنه إذا بقي في معترك بين الناس ما تبين الحق. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أحيانًا الإنسان يُسأل وهو في منطقة ليست فيها علماء، وإذا أراد العامة أن يسألوا عن كل سؤال يطرأ عليهم العلماء يعسر عليهم اتصالهم، فهل لهؤلاء الطلبة الذين ما بلغوا في العلم يعني المبلغ المطلوب أن يفتوهم بما يعرفونه؟ * الشيخ: نعم، لهم أن يفتوهم بما يعرفونه، يجب عليه، «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فمثلًا هذا الطالب الذي لم يصل إلى حد ما في العلم يعرف مثلًا من كلام العالم الفلاني الذي هو عالم فيفتي به. * الطالب: أن يقيس أو أن يعني يجتهد بعض الاجتهاد، فهذا (...) جدًّا لأن المسائل تتجدد. * الشيخ: على كل حال يقول: اسأل غيري، هو في عافية، ما دام ما تأكد ما يجب عليه، يجب عليه أن يفتي بما لا يعلم؟! * طالب: إذا خشي أن يكون السائل للامتحان، فهل يجيب بخلاف الحق؟ * الشيخ: بخلاف الحق؟ لا، سبحان الله! يعني يكون شيء حلال هو يقول: هذا حرام؟ * الطالب: لا، أي مسألة يعني.. * الشيخ: خلاف الحق هذا هو، الحق أن هذا حلال يقول: هذا حرام، الحق أن هذا غير واجب ويقول: هذا واجب. * * * * طالب: ﴿﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ ﴾ [البقرة: ٤٤ - ٤٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، الخطاب هنا لبني إسرائيل من أول قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وبنو إسرائيل هم اليهود والنصارى؛ لأن إسرائيل هو ابن إسحاق بن إبراهيم، فبنوه هم اليهود والنصارى. يقول عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أقيموها أي: ائتوا بها مستقيمة، وهذا كما أمر الله به بني إسرائيل أمر الله به هذه الأمة، والصلاة هنا يشمل الفريضة والنافلة. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أعطوا الزكاة، وكما يعلم النحاة منكم أن (آت) تنصب مفعولين، التي بمعنى أعطي تنصب مفعولين، المفعول الأول هنا (الزكاة) والمفعول الثاني: محذوف، والتقدير: أهلها أو من يستحقها، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾، والزكاة هي التعبد، أو هي المال المدفوع امتثالًا لأمر الله إلى أهله من أموال مخصوصة معروفة وهي: الذهب، والفضة، وبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، عروض التجارة فيها خلاف طويل عريض بين علماء المسلمين، ولكن الصحيح أن الزكاة فيها واجبة. ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ وسُمي بذل المال زكاة؛ لأنه يزكي النفس ويطهرها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد، يعني لو أن إنسان أراد أن يتعبد لله بركوع مجرد قلنا: هذا بدعة، فالمراد إذن: صلوا مع المصلين، واعلم أن التعبير عن العبادة بجزء منها يدل على أن هذا الجزء من أركانها ومن بنيتها ولا يمكن أن تصح بدونه، والتعبير بالجزء عن الكل معروف في اللغة العربية، في القرآن الكريم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، والمراد عبد، المراد العبد التام، لكن كما رأيتم الرقبة لا يمكن أن يبقى البدن بدونها، فهل يصح أن نقول: تحرير أصبع؟ لا؛ لأن الأصبع قد يُفقد ويبقى البدن، هنا نقول: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، ولا يمكن أن يعبَّر بالركوع عن الصلاة إلا والركوع جزء لا يتجزأ منها ولا بد منه. * في هذه الآية الكريمة: دليل على أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعًا، كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوع، وقد دل على ذلك أيضًا قول الله تعالى لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣]، فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع وسجود. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمم السابقة أيضًا عليهم زكاة؛ لأنه لا بد من الامتحان بالزكاة، فإن من الناس من يكون بخيلًا، بذْل الدرهم عليه أشد من شيء كثير، فيُمتحن العباد بإيتاء الزكاة وبذل شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم، ولهذا سميت الزكاة صدقة، لماذا؟ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، هكذا استدل بها بعض العلماء، لكن هذا الاستدلال قد يكون فيه مناقشة، وأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل، ولهذا قيل لمريم: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، والنساء ليس عليهن جماعة، وعلى هذا فنقول: الاستدلال بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة فيه شيء من النظر، ثم نُردف هذا القول بأنه لا ينبغي عند المناظرة أن تأتي بدليل يمكن أن يمنع الاستدلال به خصمُك؛ لأن هذا يدل على ضعفك، وربما تضعف عن دليل قوي لا يستطيع دفعه لأنك ضعفت في هذا الدليل فتنكسر قوتك، وانظر إلى محاجة إبراهيم حين قال له الرجل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما جادله، لم يقل: أنت تحيي وتميت لكن ما تستطيع أن تحيي الميت أو تميت الحي، إنما تفعل الأسباب، عدل عن ذلك وقال أيش؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة ٢٥٨]. فالمهم أنا أقول لكم: في باب المناظرة لا تأتوا بدليل هَشّ فيستنصر به خصمكم، ربما تجادلون أحدًا في باب الصفات، باب صفات الله في العقيدة فتأتون بدليل هش فيستطيل به عليكم خصمكم، لا تأتوا إلا بدليل لا يمكن الخصم أن يفك عقدته، إذن لا نسلّم أن الآية هذه تدل على وجوب صلاة الجماعة لكن الحمد لله وجوب صلاة الجماعة بأدلة أخرى ظاهر.

البقرة 2:43

ثم قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة ٤٠]، إسرائيل هو من؟ * الطلبة: يعقوب. * الشيخ: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فجده إبراهيم، وإسماعيل أبوه إبراهيم، وأولاده أولاد عم لبني إسرائيل، ولهذا كان العرب وبنو إسرائيل كانوا بني عم يحصل بينهم الفتن والعداوة والبغضاء، ومن ثم حسدوا -أعني بني إسرائيل- العرب لما كان محمدًا ﷺ منهم. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بأعمالكم، وذلك لأن الشكر يكون بالأمور الثلاثة: بالقلب واللسان والجوارح. وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفرد مضاف فيعم جميع النعم، وقد أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بنعم كثيرة، فضّلهم على العالمين، قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠]. وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، قد يقول قائل: يُغني عنها قوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فنقول: نعم، هو من حيث الإغناء يغني، لكن ذِكرها فيه بيان كمال امتنان الله عز وجل، حيث قال: ﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وبلفظ الفعل الدال على إحداث هذه النعم، وأنه لولا أن الله عز وجل هو الذي منّ بها ما حصلت لهم. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، ﴿أَوْفُوا﴾ أي: ائتوا به وافيًا، وعهده سبحانه وتعالى أنه عهد إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا برسله، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة ١٢] هذا عهد الله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، ما هو عهد الله لهم؟ الذي عاهدهم إذا وفوا بعهده أن يوفي به، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ١٢]، فلو وفوا بعهد الله لوفى الله لهم بعهده. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب، أولًا (ارهبون) أصلها (ارهبوني) بالياء، وهي محذوفة من أجل مراعاة الفواصل، فإذا كانت (ارهبون) قد أخذت معمولها فأين العامل في ﴿إِيَّايَ﴾؟ من أجاز أن يتسلط العامل على معمولين فلا إشكال عنده، لكن من لم يُجز فهذا إشكال، يقال: إنه يقدَّر العامل في ﴿إِيَّايَ﴾ بحسب السياق، ويمكن أن نقول: خافوا إياي، ارهبوا إياي، ﴿فَارْهَبُونِ﴾، وأما الفاء في قوله: ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فقيل: إنها لتحسين اللفظ، والرهبة هي الخوف المشعِر بازدياد التأثر مما خافه؛ لأنك تشعر بأنها تدل على رقة، وعلى أن هذا الخوف خوف مؤثر. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ٤١]، قوله: ﴿وَآمِنُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، وهو القرآن، أنزله الله على محمد ﷺ، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، ما الذي معهم؟ التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، فإن الله تعالى قد بيّن في التوراة والإنجيل وصف محمد ﷺ بيانًا كاملًا حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، أي: لما ذُكر من أوصافه ﷺ وأوصاف القرآن الذي يأتي به، وكذلك أيضًا و﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة ٩١] شاهد لها بالصدق، فصار تصديق القرآن لها من وجهين: الوجه الأول أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، والوجه الثاني أنه قد شهد لها بالصدق، فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة وأنزل الإنجيل، وهذا شهادة لها بأنها صدق، وكذلك التوراة والإنجيل قد ذكرت القرآن، وذكرت محمدًا ﷺ، فإذا وقع الأمر كما أخبرت صار ذلك تصديقًا لها، طيب، ولهذا لو حدّثتك بحديث فقلت أنت: صدقت، ثم وقع ما حدثتك به مشهودًا تشاهده بعينك، صار الوقوع هذا تصديقًا أيضًا. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة ٤١]، يعني: لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به، ولا يعني ذلك كونوا ثاني كافر، لا، المعنى أنه لا يليق بكم أن تكونوا أول كافر وأنتم تعلمون أنه حق. وفي قوله: ﴿تَكُونُوا﴾ الضمير ضمير جمع، و﴿أَوَّلَ كَافِرٍ﴾ (كافر) مفرد، فكيف يصح أن نخبر بالمفرد عن الجماعة؟ قال المفسرون: إن تقدير الكلام: أول فريق كافر به؛ لأن الخطاب لبني إسرائيل عمومًا وهم جماعة، يعني لا تكونوا أول فريق كافر به؛ لأنه لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول المكذِّبين، فكان عليكم أن تكونوا أول مؤمن به. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ٤١]، ﴿تَشْتَرُوا﴾ غير (تشروا)؛ لأن (تشروا) بمعنى تبيعوا، (تشتروا) بمعنى تأخذوا بالشراء. وقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: بذلك الجاه والرئاسة، وما أشبه ذلك؛ لأن بني إسرائيل إنما كفروا يريدون الدنيا، ولو أنهم اتبعوا محمدًا ﷺ لكانوا في القمة ولأوتوا أجرهم مرتين، لكن حسدًا وابتغاء لبقاء الجاه والشرف وأنهم هم أهل الكتاب حسدوا النبي ﷺ فلم يؤمنوا به. وقوله: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يدل على أن ما كان من أمر الدنيا فهو قليل، مهما تعاظمه الإنسان فإنه ليس بشيء بالنسبة للآخرة. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة ٤١] نقول في إعراب (فاتقون) كما قلنا في: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أما التقوى فهي اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ففي الآية الأولى ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها عصيانًا، وفي قوله: ﴿اتَّقُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها لا في الأمر ولا في النهي. قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة ٤٢]، ﴿تَلْبِسُوا﴾ أي: تخلطوا، فهم كانوا يأتون بشبهات تشبه على الناس، فيقولون مثلًا: محمد حق لكنه يُبعث في الأميين لا لجميع الناس، فيلبسون الحق بالباطل؛ لأن الذي يسمع مثل هذا الكلام لا يقول: إن بني إسرائيل كفروا بمحمد، بل آمنوا به، وكفروا، لكن إذا لبّسوا على الناس وقالوا: إن محمدًا عربي مرسل إلى العرب وأتوا بمثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة ٢] شبّهوا ولبّسوا على الناس. قال: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٤٢] هنا الواو هل هي عاطفة أو واو المعية؟ تحتمل معنيين، يعني يحتمل المعنى: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون، ويحتمل لا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق، لكن على هذا التقدير يبقى إشكال، وهو أن قوله: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقتضي أنهم يذكرون الحق والباطل، فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبّسوه بالباطل فبقي خفيًّا، فيبقى الآن يبقى جواز أن تكون الواو عاطفة وأن تكون واو المعية. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الحق فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنكم مبطلون في كتمانكم إياه. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤٣]. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا عام لكل الصلوات؛ الفريضة والنافلة، وإيتاء الزكاة يعني إعطاءها مستحقها، وهي المال الذي أوجبه الله تعالى، بل الجزء أو القسط الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ مَن الراكعون؟ الراكعون هم هذه الأمة، يعني صلوا معهم مع صلاتهم والتزموا بأحكامهم وشرائعهم. * ففي هذه الآيات فوائد، منها: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب، إما لكونه أوعى من غيره، وإما لكونه أولى أن يمتثل، وهنا وجّهه لهم؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي ﷺ وأنها حق ما ليس عند العرب، العرب جهّال ليس عندهم علم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التذكير أو تذكير العبد بنعم الله عليه؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصًا نذكّره بالنعم؟ الجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله عز وجل، ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته. * من فوائد الآية الكريمة: أن لله المنة في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وقد ذكرت لكم قبل قليل أنه ذكرها بالفعل؛ لأنها متجددة حادثة ليست من كسب هؤلاء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، و﴿أُوفِ﴾ كما تعلمون جواب الطلب في قوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، ولهذا جاءت مجزومة بحذف حرف العلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقَب بحرمانه ما رتّب الله تعالى على الوفاء بالعهد، وذلك لأن المنطوق في الآية: أن من وفى لله وفى الله له، فيكون مفهوم: من لم يَفِ فإنه يعاقب ولا يعطى ما وُعد به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة ٧٥]، فالناذر معاهد لله تعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إخلاص الرهبة لله؛ لقوله: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. * ومن فوائدها أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها وأمر بإخلاصها. فإن قال قائل: هل يجوز أو هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع أو من عدو؟ لا، هذا لا ينافي التوحيد، ولهذا وقع من الرسل؛ إبراهيم لما جاءه الضيوف ولم يأكلوا، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وموسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وكذلك أيضًا الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة، ولو قلنا للإنسان: إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفًا طبيعيًّا لكنت مشركًا، لو قلنا بذلك لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان خوف طبيعي غريزي، كل إنسان يخاف مما يخشى منه الضرر. فإن قال قائل: لو منعه هذا الخوف من واجب عليه، هل يُنهى عنه أو لا؟ قلنا: نعم يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به، إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال، فإذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]. ولكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس، ولهذا لو كان الإنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو، فهل يصلي قاعدًا؟ نعم يصلي قاعدًا، وهذا لأن الله تعالى عفا عنه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين هل يلزمهم أن يصابروهم، أو يجوز أن يفروا؟ يجوز أن يفروا، فالمهم أن الخوف الطبيعي لا يلام الإنسان عليه إلا إذا تضمن ترك ما أوجب الله، فإذا لم يتضمن ذلك فهو لا يُلام عليه. * ومن فوائد الآية التي بعدها: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافر مخاطَب بالإسلام، وهذا مجمَع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟ فيه تفصيل: إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولًا ثم يفعلها ثانيًا، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩/٣١) من حديث ابن عباس.]]. طيب، إذن هم لا يخاطَبون بالفعل، يعني لا يقال: افعلوا، فلا نقول لكافر: تعال صلّ، بل نأمره أولًا بأيش؟ بالإسلام. وإن أردت بالمخاطبة أنهم مخاطبون بالفروع أنهم يعاقَبون عليها إذا ماتوا على الكفر، فهذا صحيح، ولهذا يقال للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٢ - ٤٧]. يعني هذا دأبهم حتى ماتوا، ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ عبثًا لا فائدة منه. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، ما مدى صحة قول بعض أهل العلم أن موسى عليه السلام في الآية التي ذكرت خوفه خاف أن يفتتن الناس ولم يخف هو لأنه على الحق؟ * الشيخ: لا، غلط. * الطالب: باطل أو لا؟ * الشيخ: باطل، هذا القول باطل، والآية تبطله، ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه ٦٨]، وهذا يدل على أنه خاف منه. * طالب: شيخ ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ إذا قدرنا محذوفًا صار في الآية إشكال. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: التقدير: وخافوا إياي. * الشيخ: وإياي خافوا. * الطالب: إياي خافوا فارهبون. * الشيخ: فارهبون. * الطالب: الفاء هنا موقعها؟ * الشيخ: الفاء قالوا: إنها لتحسين اللفظ. * الطالب: و﴿ارْهَبُونِ﴾ تكون معطوفة على خافوا؟ * الشيخ: إذا قدرنا (خافوا) فهنا قد نقول: إنها لا يصح أن تكون لتحسين اللفظ. * الطالب: تكون عاطفة؟ * الشيخ: تكون عاطفة، لكن إذا قلنا: إنه يجوز أن يتوجه العامل على معمولين صارت لتحسين اللفظ. * الطالب: حتى وإن قلنا أنها عاطفة. * الشيخ: نعم. * الطالب: إياي خافوا فارهبوا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فتكون الفاء هنا.. * الشيخ: عاطفة، يعني فإذا خفتم مني فارهبون، نعم. * طالب: إذا دخل الكافر المسجد.. * الشيخ: أيش؟ المسجد، نعم. * الطالب: (...) الصلاة؟ * الشيخ: إي نعم، نقول: صل، لكن لا نقول: صل، على أنا نلزمه، فإذا قلنا: صل، وقال: إنه غير مسلم، نتركه، لكننا نقول: لا تبق عند المسجد؛ لأن في هذا إحراج للمسلمين وتحديًا لهم، أما أن نلزمه نقول: ادخل صلّ، وهو يقول: أنا كافر، ما نلزمه. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا شيء يرجع للمسؤول عن هذا. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ما يحسن أن تكون الواو حالية؟ * الشيخ: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال، الواو حالية، الجملة كلها حالية. * الطالب: واو المعية؟ * الشيخ: لا، في قوله: ﴿تَكْتُمُوا﴾، واو المعية في قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾، نعم. * طالب: (...) من يخاف من العين أو الجن (...)؟ * الشيخ: من يخاف من العين أو من الجن يقال له: استعمل الأوراد النافعة مثل آية الكرسي والآيتين الأخيرتين في سورة البقرة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وأنا أقول لك: إن خفت من الجن فإنهم سوف يعتدون عليك، ولهذا أكثر ما يصاب الإنسان من الجن إذا كان يخاف منهم، فإياك إياك، لا إذا كنت في مكان مظلم تخاف أبدًا، استعن بالله ولا يهمنك. * طالب: الوضوء مشروع لمن يريد الصلاة، إذا جاء واحد مثلًا إلى المسجد لغرض آخر غير الصلاة مثل المراجعة وهكذا، هل نقول يعني بالوضوء؟ * الشيخ: أردت أن تصلي فتوضأ، أما إذا أردت أن تأتي للمراجعة فليس عليك واجب. * الطالب: كيف الجلوس في المسجد؟ * الشيخ: نعم، يجلس لأنه على غير وضوء، فقول الرسول: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٦٣)، ومسلم (٧١٤/٦٩) من حديث أبي قتادة.]] معلوم أنه مخاطب من هو على وضوء. * * * * طالب: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤١ - ٤٣]. * الشيخ: قول الله تبارك تعالى: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ما هو عهد الله وما هو عهدهم؟ * طالب: عهد الله إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويعزروا الرسل. * الشيخ: طيب، وعهدهم؟ * الطالب: وعهد الله إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة ويكفر سيئاتهم. * الشيخ: أحسنت، أين وجدت ذلك؟ * الطالب: في سورة المائدة. * الشيخ: ما هي الآية؟ * الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة ١٢]. * الطالب: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: أحسنت، طيب، قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ذكرنا لها إعرابًا فيما سبق، فمن يعرف الإعراب؟ * طالب: مفعول لفعل (...). * الشيخ: نعم على رأي من يرى جواز معمولين لعامل واحد، طيب رأي آخر؟ * طالب: أن يكون ﴿إِيَّايَ﴾ معمولًا لفعل محذوف. * الشيخ: نعم. * الطالب: يقدم على حسب السياق فنقول: خافوا إياي، أو: ارهبوا إياي. * الشيخ: هذا إعراب آخر يقول إن ﴿إِيَّايَ﴾ مفعول لفعل محذوف يقدر، أي إياي ارهبوا، أو إياي احذروا، أو ما أشبه ذلك، طيب هل هناك فرق بين الرهبة والخوف؟ * طالب: إي نعم، الرهبة تكون من شيء عظيم (...). * الشيخ: والخوف؟ * الطالب: الخوف (...). * الشيخ: الخوف معلوم، نعم. * الطالب: الرهبة هي الخوف لكنه يزيد عن الخوف العادي الطبيعي بأن التأثير ممن خافه. * الشيخ: ممن خافه. * الطالب: أما الخوف فهو الخوف العادي المعروف. * الشيخ: طيب، أولًا يجب أن نعرف أن الانفعالات النفسية لا يمكن تعريفها أبدًا، أي إنسان يحاول أن يعرف الانفعالات النفسية ما يستطيع، لو قيل لك مثلًا: ما هي المحبة؟ تقدر تعرفها؟ لو قيل: ما هي الكراهة؟ أيش؟ ما هو الخوف؟ هذه يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب روضة المحبين، يقول: لا يمكن للانفعالات النفسية أن تعرَّف أبدًا بأكثر من لفظها. وهذا صحيح. طيب قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، إذا قال قائل: الركوع من إقامة الصلاة، فهل في الآية تكرار؟ * طالب: ليس فيها تكرار وإنما ما دام أمرهم بأداء الصلاة أمرهم أن يؤدوها جماعة مع المؤمنين من أمة محمد ﷺ. * الشيخ: تمام بارك الله فيك، إذن الأمر الثاني ليس هو الأمر الأول، وإن كان في الحقيقة أن إقامة الجماعة من إقامة الصلاة لكنها نص عليها لأهميتها، طيب، قوله تعالى: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، إعراب ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ ما إعرابها؟ * طالب: معطوف. * الشيخ: معطوف على أيش؟ * الطالب: اللي قبلها. * الشيخ: ويش اللي قبلها، معطوف على اللي قبلها، ما الذي قبلها؟ * الطالب: ﴿لَا تَلْبِسُوا﴾. * الشيخ:﴿لَا تَلْبِسُوا﴾، طيب إذن كتمان الحق يكون منهيا عنه كما نُهي عن تلبيس الحق، فكم يكون المنهي عنه الآن؟ اثنان هما؟ * طالب: لبس الحق بالباطل وكتم الحق. * الشيخ: لبس الحق بالباطل وكتم الحق، طيب فيه وجه آخر؟ * طالب: فيه جملة حالية. * الشيخ: لا. * طالب: أن الواو هنا للمعية. * الشيخ: أن الواو للمعية، على هذا يكون المنهي عنه كل واحد منهي على انفراد أو ماذا؟ * طالب: تلبسوا الحق وتكتموا الحق.. * الشيخ: يعني المنهي عنه الجمع بينهما؟ لا يُنهى عن إفراد كل واحد، طيب، أيهما أولى من حيث المعنى؟ * طالب: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده. * الشيخ: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده؛ لأنه إذا نُهي عن كل واحد بانفراده؟ * الطالب: لأنه إذا نهى عنهما يكون جمع بينهما. * الشيخ: فيكون الجمع بينهما يكون أبلغ، نعم طيب بارك الله فيك. نأخذ الفوائد الآن، آخر ما كتبنا؟ على قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾؟ نعم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا ففيه شبه من اليهود، فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه من اليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَنَالَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»[[أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢)، وأحمد (٨٤٥٧) من حديث أبي هريرة.]]. وحينئذ يُشكِل على كثير من الطلبة أولئك القوم الذين يُقبِلون يزفون إلى الجامعات وإلى المدارس يريدون بهذا الشهادة، فهل يكونون ممن اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا؟ الجواب: حسب النية، إذا كان الإنسان لا يريد من ذلك إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا، وعلامة ذلك أنه لا يهمه إلا أن يصل إلى هذه المرتبة ولو على حساب العلم والشرع، وأما إذا كان لا يريد ذلك، إنما يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكانًا ينفع به المسلمين، فهذا لم يشترِ بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزَن بما معه من بطاقة الشهادة، واضح؟ إذن نقول لهؤلاء الذين يزفون إلى الجامعات: لا عليكم إذا كنتم لا تريدون بذلك الدنيا المحضة، وإنما تريدون أن تتبوؤوا مكانًا تنفعون به عباد الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن شرائع الله من آياته؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وهم -أعني اليهود- يبيعون الدين بالدنيا، ووجه كون الشرائع من آياته أنها تدل على حكمته عز وجل، وتأتي على أكمل الوجوه، بخلاف ما يسنه البشر؛ فإنه ناقص، أولًا: لنقص علم البشر وعدم إحاطتهم.ثانيًا: لخفاء المصالح عليهم، فقد يظن ما هو مصلحة وليس مصلحة، فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة.ثالثًا: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام أو القانون من أعقل الناس وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود، محدود في زمانه، ومحدود في مكانه، أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير، قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا وكذا، وفي زمن آخر خلافه، في المكان أيضًا، قد يكون هذا التشريع الذي سنّه البشر مناسبًا لأحوال هؤلاء الأمة في مكانه، ولكن في أمة أخرى لا يصح.ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن هناك فرقًا بين المجتمعات الأوروبية الكافرة وبين المجتمعات الإسلامية، ولا يمكن أن نطبق ما يصلح لحال أولئك على ما لا يصلح لحال المسلمين، هذا إذا قلنا إنه صالح في مكانه، فكيف إذا لم يكن صالحًا في مكانه؟ والعجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- تجدهم قد مشوا على قوانين شُرعت من عشرات السنين، وأهلها الذين شرّعوها قد عدَلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن تُرمى في الزبالة، وهذا شيء واضح، هناك قوانين شُرعت لقوم كفار ثم تغيرت الحال فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة وصاروا يتنشنشونها، هل يدخل في قوله: ﴿لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؟ نعم يدخل في هذا، نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل، وإفراده بالتقوى، نعم؛ لقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي الوقت الذي فيه العذاب أحيانًا، وأن نتقي العذاب أحيانًا؟ فقال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] فكيف الجمع؟ نقول: كل هذه الأشياء التي أُمرنا باتقائها اتقاؤها من تقوى الله؛ لأنها مخلوقة لله عز وجل، فاتقاؤها من تقوى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: وجوب بيان الحق وتمييزه عن الباطل، فيقال: هذا حق وهذا باطل، ولا يلبِّسه على الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. ومِن لبْس الحق بالباطل أولئك القوم الذين يورِدون الشبهات إما على القرآن أو على أحكام القرآن ثم لا يَحُلونها، لو أنهم يوردون الشبهة ويحلونها لكان أهون، مع أن إيراد الشُّبَه وإن حُلّت إذا لم تكن مشتهرة بين الناس ليس من المصلحة، انتبه لهذه النقطة، إيراد الشبه ولو حللتها إذا لم تكن مشتهرة بين الناس غلط، وذلك لأنك إذا فتحت الشبهة لم يكن عندك يقين أن تزيلها بما ذكرت من حلول، أحيانًا ترد الشبهة على القلب وتورَد الحلول لها لكن لا يطمئن الإنسان إلى هذه الحلول فتبقى الشبهة، ولو سلم الإنسان منها لكان خيرًا. * من فوائد الآية الكريمة: أنه ليس هناك إلا حق وباطل، حق وباطل، وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت أن الأمر كذلك، قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣/١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]، ما في شيء لا حق ولا باطل، إما حق وإما باطل. فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب والمحرّم وبين المكروه والمندوب وهو المباح؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا، لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء، فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل، كما جاء في الحديث: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبُهُ فِي رُمْحِهِ، وَمَعَ أَهْلِهِ، وَفِي فَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وابن ماجه (٢٨١١) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ ...».]]. وهذه الأشياء الثلاثة إنما استُثنيت لأنها مصلحة، كلها تعود إلى مصلحة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم كتمان الحق؛ لقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟ الجواب: نعم، الكتمان لا يكون إلا بعد طلب، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال، وطلب بلسان الحال، فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا وكذا؟ فهذا طلب أيش؟ بلسان المقال، وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرّم فطلب بيانه بلسان الحال، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر ولا ينتظر حتى يُسأل، وإذا سئل وكتم لأنه لا يعلم فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أما إذا كان لا يعلم وقال: والله لا أدري، فلا بأس، هذه واحدة، إذا كان لا يعلم فالواجب أن يسكت، يقول: لا أعلم. ثانيًا: إذا رأى من المصلحة أن لا يبين فلا بأس، لا بأس أن يكتم، مثل كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[[أخرج البخاري (١٢٧) بلفظ: أتحبون أن يكذب الله ورسوله.]]، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»[[أخرجه مسلم في المقدمة (٥) بمعناه.]]، فإذا رأيت من المصلحة أن لا تبين فلا تبين، ولا لوم عليك. ثالثًا: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص وأنت تعلم هذا، فلك أن تمتنع، وأن تقول: لا أخبرك، الامتحان أن يأتي إليك وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها أو لا؟ أو يريد أن يأخذ منك كلامًا ليَشِي به إلى أحد وينقله إلى أحد، فلك أن تمتنع، كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيجي يسألك يقول: سألت فلان وقال: هذا حرام، وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهل، فحينئذ لك أن تمتنع وتقول: لا أجيبك، أما إذا كان المسؤول رجلًا تعرف أنه ليس عنده علم، إما من عامة الناس أو من طلبة العلم الذين لم ينضجوا، فحينئذ لو قال: إني مستفتٍ فلانًا، أفته؛ لأنه لا حرمة لفتواه، لكن إذا أفتاه رجل عالم تعرف أنه مثلك في العلم أو أكبر منك، فلك أن تقول: لا أفتيك؛ لأن هذا السائل يتتبع الرخص في الغالب، أما لو قال لك: والله أنا سألت فلانًا، لكني كنت أطلبك ولم أجدك، وللضرورة سألت فلانًا، لكن لما جاء الله بك الآن أفتني، فحينئذ تفتيه أو لا؟ أفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك، وحينئذ يلزمك أن تفتيه حتى لو استفتى إنسانًا أعلم منك وأنت تعرف أن الرجل لا يثق إلا بكلامك لا بد أن تفتيه، إذن كتمان الحق متى يتحقق؟ * الطلبة: بعد الطلب. * الشيخ: بعد الطلب، بلسان الحال أو بلسان المقال، وذكرنا صورًا يجوز فيها عدم البيان، لكن إما لمصلحة أو دفع مضرة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الناس يسأل وليس قصده العلم ولا شيء من هذا الذي ذكرنا في الدرس، لكن يا شيخ قصده تحاج ويّا بعض أصحابه، حتى ليس من باب حصول الحق إنما من باب المجادلة، وهذا يدخل في مجالس الناس اليوم، يقول: والله اتحجينا أنا وفلان اليوم ويش رأيك؟ * الشيخ: هذا أيضًا يقول أحيانًا يكون جدال بين الناس، ويجي إنسان يستفتيك ليس قصده أن يصل إلى العلم الشرعي حتى يعمل به أو لا، لكن قصده المغالبة، أن يغلب صاحبه، فالظاهر لي أن هذا للوجوب أقرب، أن هذا للوجوب أقرب؛ لأجل أن ينتشر الحق؛ لأنه إذا بقي في معترك بين الناس ما تبين الحق. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أحيانًا الإنسان يُسأل وهو في منطقة ليست فيها علماء، وإذا أراد العامة أن يسألوا عن كل سؤال يطرأ عليهم العلماء يعسر عليهم اتصالهم، فهل لهؤلاء الطلبة الذين ما بلغوا في العلم يعني المبلغ المطلوب أن يفتوهم بما يعرفونه؟ * الشيخ: نعم، لهم أن يفتوهم بما يعرفونه، يجب عليه، «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فمثلًا هذا الطالب الذي لم يصل إلى حد ما في العلم يعرف مثلًا من كلام العالم الفلاني الذي هو عالم فيفتي به. * الطالب: أن يقيس أو أن يعني يجتهد بعض الاجتهاد، فهذا (...) جدًّا لأن المسائل تتجدد. * الشيخ: على كل حال يقول: اسأل غيري، هو في عافية، ما دام ما تأكد ما يجب عليه، يجب عليه أن يفتي بما لا يعلم؟! * طالب: إذا خشي أن يكون السائل للامتحان، فهل يجيب بخلاف الحق؟ * الشيخ: بخلاف الحق؟ لا، سبحان الله! يعني يكون شيء حلال هو يقول: هذا حرام؟ * الطالب: لا، أي مسألة يعني.. * الشيخ: خلاف الحق هذا هو، الحق أن هذا حلال يقول: هذا حرام، الحق أن هذا غير واجب ويقول: هذا واجب. * * * * طالب: ﴿﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ ﴾ [البقرة: ٤٤ - ٤٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، الخطاب هنا لبني إسرائيل من أول قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وبنو إسرائيل هم اليهود والنصارى؛ لأن إسرائيل هو ابن إسحاق بن إبراهيم، فبنوه هم اليهود والنصارى. يقول عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أقيموها أي: ائتوا بها مستقيمة، وهذا كما أمر الله به بني إسرائيل أمر الله به هذه الأمة، والصلاة هنا يشمل الفريضة والنافلة. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أعطوا الزكاة، وكما يعلم النحاة منكم أن (آت) تنصب مفعولين، التي بمعنى أعطي تنصب مفعولين، المفعول الأول هنا (الزكاة) والمفعول الثاني: محذوف، والتقدير: أهلها أو من يستحقها، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾، والزكاة هي التعبد، أو هي المال المدفوع امتثالًا لأمر الله إلى أهله من أموال مخصوصة معروفة وهي: الذهب، والفضة، وبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، عروض التجارة فيها خلاف طويل عريض بين علماء المسلمين، ولكن الصحيح أن الزكاة فيها واجبة. ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ وسُمي بذل المال زكاة؛ لأنه يزكي النفس ويطهرها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد، يعني لو أن إنسان أراد أن يتعبد لله بركوع مجرد قلنا: هذا بدعة، فالمراد إذن: صلوا مع المصلين، واعلم أن التعبير عن العبادة بجزء منها يدل على أن هذا الجزء من أركانها ومن بنيتها ولا يمكن أن تصح بدونه، والتعبير بالجزء عن الكل معروف في اللغة العربية، في القرآن الكريم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، والمراد عبد، المراد العبد التام، لكن كما رأيتم الرقبة لا يمكن أن يبقى البدن بدونها، فهل يصح أن نقول: تحرير أصبع؟ لا؛ لأن الأصبع قد يُفقد ويبقى البدن، هنا نقول: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، ولا يمكن أن يعبَّر بالركوع عن الصلاة إلا والركوع جزء لا يتجزأ منها ولا بد منه. * في هذه الآية الكريمة: دليل على أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعًا، كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوع، وقد دل على ذلك أيضًا قول الله تعالى لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣]، فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع وسجود. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمم السابقة أيضًا عليهم زكاة؛ لأنه لا بد من الامتحان بالزكاة، فإن من الناس من يكون بخيلًا، بذْل الدرهم عليه أشد من شيء كثير، فيُمتحن العباد بإيتاء الزكاة وبذل شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم، ولهذا سميت الزكاة صدقة، لماذا؟ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، هكذا استدل بها بعض العلماء، لكن هذا الاستدلال قد يكون فيه مناقشة، وأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل، ولهذا قيل لمريم: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، والنساء ليس عليهن جماعة، وعلى هذا فنقول: الاستدلال بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة فيه شيء من النظر، ثم نُردف هذا القول بأنه لا ينبغي عند المناظرة أن تأتي بدليل يمكن أن يمنع الاستدلال به خصمُك؛ لأن هذا يدل على ضعفك، وربما تضعف عن دليل قوي لا يستطيع دفعه لأنك ضعفت في هذا الدليل فتنكسر قوتك، وانظر إلى محاجة إبراهيم حين قال له الرجل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما جادله، لم يقل: أنت تحيي وتميت لكن ما تستطيع أن تحيي الميت أو تميت الحي، إنما تفعل الأسباب، عدل عن ذلك وقال أيش؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة ٢٥٨]. فالمهم أنا أقول لكم: في باب المناظرة لا تأتوا بدليل هَشّ فيستنصر به خصمكم، ربما تجادلون أحدًا في باب الصفات، باب صفات الله في العقيدة فتأتون بدليل هش فيستطيل به عليكم خصمكم، لا تأتوا إلا بدليل لا يمكن الخصم أن يفك عقدته، إذن لا نسلّم أن الآية هذه تدل على وجوب صلاة الجماعة لكن الحمد لله وجوب صلاة الجماعة بأدلة أخرى ظاهر.

البقرة 2:44

ثم قال عز وجل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾، لدينا فعلان؛ الفعل الأول: أمْر الناس بالبر، والفعل الثاني: نسيان أنفسهم، فهل استفهام الإنكار منصبّ على كل واحد بانفراده أو على مجموعهما؟ * الطلبة: مجموعهما. * الشيخ: نعم على مجموعهما، وإن شئت فقل: إن محط الإنكار قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾، والاستفهام هنا للإنكار والتعجب، كيف تأمرون الناس وأنتم تنسون أنفسكم؟! ﴿بِالْبِرِّ﴾ البر هو الخير، قال أهل التفسير: إن الواحد منهم يأمر أقاربه باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ويقول: إنه حق، لكن تمنعه رئاسته وجاهه أن يؤمن به، ومن أمثلة ذلك أن النبي ﷺ عاد غلامًا من اليهود كان مريضًا، فحضر أجله والنبي ﷺ عنده، فدعاه النبي ﷺ إلى الرشد، فنظر إلى أبيه كأنه يستشيره، فقال له أبوه: أطع محمدًا، وأبوه يهودي، يقول: أطع محمدًا، فتشهد الغلام شهادة الحق، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٣٥٦) من حديث أنس.]]، أي بدعوتي، إذن هؤلاء اليهود من أحبارهم من يأمر الناس بالبر وهو اتباع الرسول ﷺ ولكنه ينسى نفسه، لا يؤمن، فقال الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب﴾ الواو هنا حالية، أي: والحال أنكم تتلون الكتاب، فلم تأمروا بالبر إلا عن علم، ولكن مع ذلك تنسون أنفسكم. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني أفلا يكن لكم عقل تدركون به خطأكم وضلالكم. والعقل هنا عقل الرشد، وليس عقل التكليف؛ لأن العقل نوعان: عقل هو مناط التكليف، وهو إدراك الأشياء وفهمها، وعقل هو مناط الرشد، بل هو الرشد نفسه، وهو أن يحسن الإنسان التصرف، وسمي إحسان التصرف عقلًا؛ لأن الإنسان عقَل تصرفه فيما ينفعه، واضح؟ أي العقلين هنا المراد؟ عقل الرشد ولا عقل التكليف؟ * الطلبة: عقل الرشد. * الشيخ: عقل الرشد، وإلا فهم مكلفون، طيب هذا التركيب ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيه إشكال، وهو أن الفاء عاطفة، والهمزة للاستفهام، والمعروف أن همزة الاستفهام لها صدر الكلام، وهنا الفاء العاطفة كان مكانها قبل الهمزة، فاختلف المعربون في مثل هذا التركيب، فمنهم من قال: إن الهمزة داخلة على محذوف يقدر حسب السياق، ومنهم من قال: إن الفاء مزحلقة عن مكانها، وأن الأصل: فألا تعقلون، لكن قُدِّمت الهمزة؛ لأن لها الصدارة، وأُخِّر حرف العطف، وهو يقع بعد الفاء، يعني تقع الهمزة بعدها الفاء مثل هنا، أو بعدها ثم مثل قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس ٥١]، وبعد الواو ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الروم ٩]. فإن نظرت إلى القاعدة النحوية قلت: إنّ جعْل الكلام على تقدير محذوف أقرب إلى القواعد، وإن نظرت إلى أنه أحيانًا يعوزك التقدير؛ لأن التقدير لا بد أن يكون جملة مناسبة، قلت: إذن نأخذ بأيش؟ * طالب: نأخذ بالثاني. * الشيخ: بالثاني؛ لأنه أسهل، الثاني تقول: الفاء حرف عطف، والجملة بعدها معطوفة على ما سبق، وأصل الفاء أن تقع قبل الهمزة لكن زُحْلِقت وينتهى الموضوع، ما تذهب تدوّر وتطلب أي شيء نقدره. * من فوائد هذه الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل، وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه، فقد أخبر النبي ﷺ أنه «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ حَتَّى تَنْدَلِقَ أَقْتَابُ بَطْنِهِ -والأقتاب هي الأمعاء- فَيَدُورُ عَلَيْهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ عَلَى رَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ وَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، أَلَسْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟! فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٩/٥١) من حديث أسامة بن زيد.]]، فهو من أشد الناس عذابًا والعياذ بالله. فإن قال قائل: بناء على أن هذا مخالف للعقل، وبناء على شدة عقوبته، أنقول لمن لا يفعل ما أمر به ومن لا يترك ما نهى عنه: لا تأمر ولا تنهَ؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: نقول: لا، بل نقول: مُر وافعل ما تأمر به؛ لأنه لو ترك الأمر مع تركه فعله ارتكب جنايتين؛ الأولى: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثانية: عدم قيامه بما أمر به، وكذلك لو أنه ارتكب ما ينهى عنه ولم ينهَ عنه فقد ارتكب أيش؟ مفسدتين؛ الأولى: ترك النهي عن المنكر، والثانية: ارتكابه للمنكر، ثم نقول: أينا الذي لم يَسلم من منكر؟! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكرًا، لم ينهَ أحد عن منكر، ولو قلنا: لا يأمر أحدٌ أحد بمعروف إلا من أتى المعروف لم يأمر أحد بالمعروف، أينا الذي يسلم؟! لهذا نقول: مُر بالمعروف وجاهد نفسك على فعله، انْهَ عن منكر وجاهد نفسك على تركه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ العالِم المخالف، وأن العالم إذا خالف فهو أسوأ حالًا من الجاهل، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، من قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾، وهذا أمر فُطر الناس عليه، أن العالم إذا خالف صار أشد لومًا من الجاهل، حتى العامة تجدهم إذا فعل العالم منكرًا قالوا: كيف تفعل هذا وأنت رجل عالم؟! أو إذا ترك واجبًا قال: كيف تترك هذا الواجب وأنت عالم؟! والآية الكريمة واضحة في هذا ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتاب يطلق وهو مفرد على جميع الكتب؛ لأن هؤلاء اليهود يتلون كتاب الله القرآن ويتلون أيضًا التوراة، فهم يتلون هذا وهذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ بني إسرائيل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غيّ؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن مَن أمر بمعروف ولم يفعله أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة ففيه شبه بمن؟ باليهود؛ لأن هذا دأبهم والعياذ بالله. * طالب: أحسن الله إليك، هل عملًا بأن بني إسرائيل يشمل اليهود والنصارى؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: إذا وردت هذه النصوص في القرآن ننفذها عليهم جميعًا. * الشيخ: عليهم جميعًا نعم، إي نعم. * الطالب: كيف (...)؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: من المعلوم أنه.. * الشيخ: لا يلزم أنه إذا خوطب هؤلاء بوصف عام أن يكون الخطاب لهم جميعًا، ما يلزم هذا، نعم. * طالب: شيخ، بارككم الله، ردود إبراهيم عليه السلام عن جواب النمروذ إلى دليل آخر يكون مثبت له، هل يسمى هذا حيدة؟ أو أنه الحيدة خاصة بالخصم ذاته؟ * الشيخ: لا لا، هذا ليس حيدة بل هذا إقامة للدليل الأظهر. * الطالب: الحيدة فقط في مقام الذم؟ * الشيخ: الحيدة الإنسان يحيد وينتقل إلى شيء آخر، لكن الآن الموضوع واحد. * الطالب: هو انتقل عن جواب إلى جواب آخر؟ * الشيخ: لا انتقل عن دليل إلى دليل آخر، ولّا الموضوع هو واحد، ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وأراد ابراهيم أن يثبت. * الطالب: طب الحيدة يا شيخ تستخدم فقط في أسلوب..؟ * الشيخ: الحيدة معناها مثلًا أنا أكلمك في موضوع أقول مثلًا: اشتر لي مثلًا كتاب المغني، ثم تقول أنت: والله كتاب المهذب طيب زين، ويش هذه؟ هذه الحيدة، أن تنتقل من موضوع إلى آخر، أما من دليل إلى أقوى منه فليس هذا حيدة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما اتضح لي وجه الدلالة من الآية على أن الأمم السابقة كان مشروع عندهم الصلاة والزكاة. * الشيخ: نعم. * الطالب: يعني وهذه الآية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ يعني هذه الأمة. * الشيخ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ صلاتهم يعني، صلاتهم وزكاتهم، هذا فيه احتمال لا شك؛ لأن سياق الآية قد يقال إنه دل على هذا، لكن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة موجود في التوراة، اقرأ الآيات التي فيها التوراة تجدها. * الطالب: جمع هذه الآية مع غيرها. * الشيخ: مع غيرها نعم. * طالب: أشكل عليّ قول الرسول ﷺ عن الغلام اليهودي حينما قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٣٥٦) من حديث أنس.]]. * الشيخ: نعم. * الطالب: الإشكال أن الغلام غير مكلف. * الشيخ: لا لا، غلام ما هو معناه صغير، غلام كان هذا يخدم النبي عليه الصلاة والسلام. نعم. * طالب: من جلس مجلس عزاء يذكّرهم، إي يعني (...)، هل هذا بدعة؟ * الشيخ: هو لا شك أنه لو أن إنسان أتى إلى قوم مجتمعين في العزاء، قال لهم: يا إخواني هذا أمر مكتوب ولا بد منه، ولله ما أعطى وله ما أخذ وكل شيء عنده بأجل مسمى، ونصحهم لأجل أن يتفرقوا، هذا طيب. * الطالب: لأجل يذكّرهم. * الشيخ: لكن (...) خطب كأنه يقول: اثبتوا على ما أنتم عليه. * الطالب: لا، ما أقرّهم على الجلوس، أنكر عليهم الجلوس، هو بس يذكّرهم. * الشيخ: ما يخالف، جلوس عادي بدون خطبة. * * * * طالب: ﴿﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ﴾ [البقرة: ٤٧ - ٤٩]