Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:73 – البقرة 2:81
المحتويات
البقرة 2:73
لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما عاقب به بني إسرائيل من ضرب الذلة والمسكنة والغضب، بيّن سبحانه وتعالى أنه لا يظلم أحدًا، وأن المؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم كلهم لهم أجرهم عند الله؛ فهذه مناسبة الآية لما قبلها أنه لما قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ [البقرة ٦١] بيّن أن من آمن منهم وعمل صالحًا فإن الله لا يضيع أجرهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ٦٢].
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هل الإيمان الثاني هو الأول وأنه كان بالأول مطلقًا ثم بُيِّن بقوله: ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أو أن الأول يراد به الإيمان المقيد؛ يعني ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عام بما يجب الإيمان به ويكون قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قيدًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ وعلى هذا فلا يكون فيه تكرار؟
فيه خلاف بين المفسرين، منهم من قال: إن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولكن الصحيح أن الله تعالى ذكر خمسة أصناف: الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، أربعة.
﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذا عائد على قوله: ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾، ويكون المراد بالذين آمنوا أمة محمد ﷺ، ويكون المراد بالذين هادوا اليهود أتباع موسى، والنصارى أتباع عيسى.
والصابئين اختلف فيهم على عدة أقوال: فمنهم من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من المجوس، ومنهم من يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها، ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم من كانوا على الفطرة ما يتدينون بدين، ولكنهم إذا آمنوا بالله واليوم الآخر صار لهم هذا الأمر، وهذا هو الأقرب؛ ولهذا سمت قريش النبي ﷺ الصابئ؛ لأنه خرج عن دين قومه، فالصابئون ليسوا فرقة من اليهود والنصارى، بل هم أمة مستقلة؛ وذلك لأن الأصل في العطف التغاير جنسًا ونوعًا.
ثم نقول: إن الصابئ معناها الخارج عن الدين، في اللغة العربية، فهؤلاء قوم لا يدينون بدين، على فطرتهم، هؤلاء إذا أرسلت إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر يؤجرون، أو لا أجر لهم لأنهم كانوا صابئين؟ يؤجرون؛ ولهذا أن نقول: اليهود لا يذمون لأنهم يهود، والنصارى لا يذم لأنه نصراني، لكن إذا آمنوا فلهم أجرهم، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فيقول لك الله: أربعة أصناف: المؤمنين، واليهود، والنصارى، والصابئين، هؤلاء من آمن منهم بالله واليوم الآخر -يعني: الأصناف الثلاثة التي غير المؤمنين- من آمن بالله واليوم الآخر فإن الله لا يضيع أجرهم.
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿أَجْرُهُمْ﴾ أي: ثوابهم، وسمى الله تعالى الثواب أجرًا؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به، كالتزام المستأجر بدفع الأجرة لمن؟
* الطلبة: للأجير.
* الشيخ: للأجير.
* طالب: عندما قلنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أمة محمد ﷺ، فإذا جعلناها من أمة محمد، كيف نقول عندما ختم الله عز وجل ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؟
* الشيخ: إيه، بس ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه خاصة بـ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾.
* الطالب: يعني: بالثلاثة أصناف، ما هم بالأربعة؟
* الشيخ: لا، ما هم بالأربعة، بالأصناف الثلاثة فقط.
* طالب: الصابئين، قيل: إنهم هم المجوس؟
* الشيخ: لا، فرقة منهم.
* الطالب: من المجوس.
* الشيخ: إي نعم، ما هم بالمجوس؛ ولهذا ذكرهم الله في سورة الحج مع المجوس.
وهنا سنكمل الآية ونرجع إلى المقارنة بينها وبين سورة الحج كما قلت في الحج إن شاء الله.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (...) ذكرنا منهم من يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إنه عائد على الجميع، فهو بالنسبة للثلاثة واضح أنه لا بد من قيد: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ واضح؟ لكن بالنسبة للأولين يقولون: بالنسبة للأولين إذا جعلناه عائدًا على الأربعة يصير قوله: ﴿آمَنُوا﴾ مجملًا، و﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مفصلًا أو مبينًا، مفصلًا مبينًا، فيكون ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ عائدًا على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لكن على وجه التبيين والتفصيل، أما إذا قلنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قسم مستقل، و﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من الذين هادوا والنصارى والصابئين، فلا إشكال، وقلنا: إن الأصل في الكلام الأرجح أن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يعود على الأصناف الثلاث؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس، والإيمان إذا أطلق فالمراد به الإيمان بما يجب الإيمان به، من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب وغير ذلك.
وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذه كفالة من الله عز وجل، وضمان والتزام بهذا الأجر، أجر ما هو ضايع ما يُدرى من عنده، معلوم عند من، عند؟
* طالب: ربهم.
* الشيخ: عند الله سبحانه وتعالى الذي لا يخلف وعده، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم ٦].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الخوف هو الهم، أيش؟ مما يستقبل، والحزن: الغم على ما فاتك، هذا الفرق بينهما؛ ولهذا يقال لمن أصيب بمصيبة: حزِن ولّا خاف؟
* طالب: حزِن.
* الشيخ: حزِن، ويقال لمن يستقبل أمرًا مرعبًا أو مروعًا يقال؟
* طالب: خاف.
* الشيخ: خاف، إذن الخوف: الهم مما يستقبل، والحزن: الغم مما فات، يغتم الإنسان بسبب ما فات عليه من محبوب أو حصل له من مكروه.
* طالب: الغم ما قيل: إنه في الحاضر؟
* الشيخ: لا، الغم على المستقبل، الهم هو اللي يكون في الحاضر والمستقبل، هممت بالشيء، وألقيت همتي به، أما الغم فهو عبارة عن شيء يطبق على القلب، فيغتم به..
* الطالب: مما يقع.
* الشيخ: مما مضى، الغم مما مضى، والهم بما يستقبل.
وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ منين؟ من كل ما يخاف في المستقبل، من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى من الدنيا؛ لأن الكافر يحزن على ما مضى من الدنيا ويتحسر ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٦]، حزن وتحسر، فهم ما يحزنون على ما مضى؛ لأنهم قد اغتنموه بطاعة الله سبحانه وتعالى، ولا يخافون من أمر مستقبل، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
ثم ذَكَّرهم الله تعالى -ذَكَّر بني إسرائيل بأمر أخذه عليهم- فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة ٦٣] يعني: اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، الميثاق: العهد الثقيل المؤكد، وسمي بذلك من الوِثاق، وهو: الحبل الذي يشد به المأسور، الحبل الذي يشد به المأسور يسمى: وثاقًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد ٤] أو ﴿الوِثَاق﴾، فالميثاق هو العهد الثقيل الذي يؤخذ على الإنسان، مأخوذ منين؟ من الوثاق، وهو الحبل الذي يشد به الأسير فيربطه.
﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ﴾ أي: فوق رؤوسكم، لكن ما هو مباشرة، فوق.
الطور: هو الجبل المعروف، رفعه الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل لما تهاونوا بطاعة الله سبحانه وتعالى إنذارًا لهم، وقال لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ خذوه يعني: اقبلوه واعملوا به، ﴿بِقُوَّةٍ﴾ وأيش المراد بقوة هنا؟ الحزم والتنفيذ، يعني معنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بحزم وتنفيذ وتطبيق، وأيش ضده؟ ضده أن الإنسان يأخذه أخذًا ضعيفًا متساهلًا، فالمعنى: خذوه أخذًا مصحوبًا بقوة؛ ولهذا نعتبر أن الباء في قوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ للمصاحبة، والقوة الحزم والنشاط، وضده الكسل والتراخي، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
وقوله: ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أي: أعطيناكم، منين؟ من التوراة، من الكتاب، الذين آتيناهم الكتاب، يعني: خذوا هذا الكتاب التوراة التي جاء بها موسى ﷺ بقوة.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يعني: لا تهملوا شيئًا منه، وقوله: ﴿مَا فِيهِ﴾ (ما) اسم موصول يفيد؟ العموم، إذن: كل ما فيه اذكروه واعملوا به.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (لعل) هذه معناها: التعليل، أي: لأجل أن تتقوا الله عز وجل، فالأخذ بهذا الذي آتاهم الله سبحانه وتعالى على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، فالطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه، كلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى، وبالعكس المعاصي، المعاصي توجب وحشة بين العبد وبين الله عز وجل ونفورا -والعياذ بالله- ويجر المعاصي بعضها بعضًا؛ ولهذا سبق لنا أن الله قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة ٦١].
إذن: وجه كون سبب الأخذ بكتاب الله سببًا للتقوى، وجه ذلك: أن الطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الإنسان إذا ذاق طعمها ووصلت إلى قلبه اشتهاها وطلبها وصار يتقدم، مثل طالب العلم إذا أدرك العلم ونال منه شيئًا تجده -يعني- يكون نهم؛ ولهذا قال بعض العلماء: طالبان منهومان: طالب الدنيا، وطالب العلم. وكذلك في الحقيقة طالب العبادة؛ فإنه دائمًا مشغوف بالعبادة.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٤] بعد هذا الإنذار وكون الجبل فوقهم، في ذلك الوقت خضعوا وخشعوا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]، هم في تلك الساعة هرعوا إلى السجود وسجدوا، ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى هذه الأمة، وهو سجود مائل، تجده يسجد ولكن رافع إحدى عينيه، وقالوا: إن هذا السجود؛ سجدنا لله سبحانه تعالى على وجه التخويف فلا نزال نسجد به. فكان هذا سجودهم، هذا هو سجود اليهود.
* طالب: يعتبرونه قربى؟
* الشيخ: إي نعم، يعتبرونه قربى، وفي الحقيقة إن له نظيرًا في هذه الأمة وهو الكسوف، فإن الكسوف في الحقيقة خروج عن العادة الطبيعية، والقمر يكون بين الأرض وبين الشمس، أو الأرض تكون بين الشمس والقمر؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (1059)، ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فالله سبحانه تعالى في بني إسرائيل جعل آية الإنذار أعظم من هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة أقرب إلى قبول الحق والخوف من بني إسرائيل، فيخافون بهذا الكسوف، لكن بني إسرائيل ما يخافون بهذا الكسوف، ما يهبهم إلا جبل يعرفونه رفع فوقهم كأنه ظلة.
ومع الأسف إننا الآن فينا من شابه اليهود في هذه المسألة، وصاروا لا يتعظون بالكسوف، ما يتعظون إلا إذا رفعت الجبال فوق رؤوسهم -والعياذ بالله- وإلا فالواجب أن يعرف الإنسان ويش اللي أخرج هذا عن مجراه الطبيعي إلى أن صار بهذا الوضع، لو اجتمع العالم كلهم على أن يكسفوا الشمس أو أن يخسفوا القمر ما استطاعوا، فما الذي أخرجه إلا الله سبحانه وتعالى لأجل الإنذار والتخويف، وعلى قول من يقول بدوران الأرض، يقولون: إن حركة الأرض هي التي اختلت، فما يدرى لعل هذه الحركة، هذا الاختلال اللي حصل بها يؤدي إلى دمارها، وإلى خسوف وزلازل أعظم، إذن يجب علينا أن نخاف. فعلى كل حال أقول: إن هذا التخويف العلوي كما كان في بني إسرائيل كان في هذه الأمة.
يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: أعرضتم وأدبرتم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟
* طالب: رفع الجبل.
* الشيخ: رفع الجبل، ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ بعد هذه الإنابة وقت رفع الطور توليتم ولم تذكروها، ما ذكرتم أن الذي خوفكم بهذا الجبل أنه قد يعيد عليكم ذلك مرة أخرى.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ﴾، (فضل) ويش إعرابه؟ مبتدأ، وخبره محذوف وجوبًا، كما قال ابن مالك:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ......................
يعني: ولولا فضل الله عليكم موجود، وإنما وجب حذفه اكتفاء بجواب لولا، ﴿لَكُنْتُمْ﴾ هذا جواب (لولا)، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما نوع هذا الفضل والرحمة؟ هو إرسال الرسل والنبيين إلى بني إسرائيل بعد رفع الطور، فإن الله ما تركهم، بل أرسل إليهم الرسل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤]، إذن فضل الله هنا بأي شيء؟ بإرسال الرسل الذي هو مقتضى رحمته؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن الخلق لا يستقلون بمعرفة عبادة الله سبحانه وتعالى؛ فلهذا أرسل إليهم الرسل يرشدونهم ويبينون لهم.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ اللام هذه واقعة في جواب (لولا) ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة؛ لأن أخسر الناس هم الكفار، ما استفادوا من دنياهم ولا من آخرتهم، إذن ففي هذا إثبات يعني: أن الله تفضل على بني إسرائيل ورحمهم (...)؟
* الطلبة: بإرسال الرسل.
* الشيخ: بإرسال الرسل الذين يذكرونهم ويعظونهم ليرجعوا إلى الله.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] قوله: ﴿لَقَدْ﴾ اللام موطئة للقسم، وعلى هذا فالجملة؟
* طالب: مؤكدة.
* الشيخ: مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي؟
* الطالب: القسم المقدر واللام وقد.
* الشيخ: القسم المقدر واللام وقد، يعني: (ولقد) أصله؟ والله لقد.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ علمتم علم يقين وعرفتموهم المعرفة التامة، ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لبني إسرائيل، و﴿اعْتَدَوْا﴾ بمعنى تجاوزوا الحدود وطغوا.
وقوله: ﴿فِي السَّبْتِ﴾ أي: في حكم يوم السبت، وهو معروف: اليوم الذي بعد الجمعة، وهذا اليوم كان الله تبارك وتعالى حرم فيه العمل على بني إسرائيل، وحرم عليهم صيد السمك في ذلك اليوم؛ لأجل أن يتفرغوا للعبادة؛ لأنهم هم الذين اختاروا أن يكون يوم السبت لهم، فكان لهم يوم السبت، هذا اليوم الذي اختاروه لأنفسهم حرم الله عليهم فيه العمل وصيد السمك، ثم ابتلاهم سبحانه وتعالى بما حرمه عليهم، فيسره لهم في ذلك اليوم تيسيرًا بالغًا، فكان السمك إذا كان يوم السبت جاء على الماء شُرَّعًا، ويش معنى شُرّع؟
* طالب: ظاهر.
* الشيخ: طافيًا ظاهرًا من كثرته، وغير يوم السبت ما يرونه، وهذا لا شك أنه ابتلاء وامتحان من الله سبحانه وتعالى يمتحن به العباد، قد ييسر لهم المعاصي وأسباب المعصية تيسيرًا أكثر من أسباب الطاعة والخير؛ لأجل الامتحان والابتلاء، هؤلاء القوم ما صبروا على هذا البلوى -والعياذ بالله- فاتخذوا حيلة، وحفروا حفرًا إلى جانب البحر، وجعلوا بين هذه الحفر وبين البحر نهرًا، يعني: ساقية، إذا جاءت الحيتان شُرّعًا ضرب بها الهواء وأدخلها مع هذا النهر إلى هذه الحفر، فإذا هبط الهواء ما استطاعت هذه الحيتان أن ترجع؛ لأن النهر ضئيل ما تتمكن من المشي معه ربما يزول بالكلية، فصاروا إذا كان يوم السبت جاءت الحيتان وسقطت في هذه الحفر، وإذا كان بالليل أو من الغد جاؤوا وأخذوها، فقال لهم فقهاؤهم: كيف تأخذون وقد حرم عليكم؟ فقالوا: نحن ما صدناه إلا يوم الأحد، ما صدناه يوم السبت، حيلة، حيلة ظاهرة، ولَّا لا؟ هو صحيح أنهم ما صادوا إلا يوم الأحد، لكن فعلوا السبب الذي يصطادونه به متى؟
* الطلبة: يوم السبت.
* الشيخ: يوم السبت، إذن ففي الحقيقة أنهم صادوا يوم السبت، ولما كانت هذه -والعياذ بالله- الحيلة ظاهرها السلامة، وحقيقتها؟
* طالب: التورط.
* الشيخ: التورط بالمحرم، يعني: ظاهرها الصحة والحلال، وباطنها الفساد والحرام، ماذا عوقبوا؟ عوقبوا بأن كانوا كالآدميين في الظاهر، لكنهم في الباطن سباع ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ أي: للمعتدين، ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ للذين اعتدوا، ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قردة جمع قرد، وهو معروف، و﴿خَاسِئِينَ﴾ مبعدين -والعياذ بالله- مبعدين عن رحمة الله، فقلبوا إلى حيوان أشبه ما يكون بالإنسان، كما أن فعلهم أشبه ما يكون بالفعل الصحيح الحلال وهو حرام باطنًا، فكان الجزاء من جنس العمل.
في سورة المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠]، هل إن هؤلاء أهل القرية كانوا خنازير ولّا قردة؟ ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ في سورة الأعراف ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٣ - ١٦٦]، فيها آية ثالثة؟ المائدة: ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾، فأنا ما رأيت أن أهل القرية هؤلاء كانوا قردة وخنازير إنما كانوا قردة، كانوا قردة فقط، مع أن بعض المفسرين قالوا: إن أهل هذه القرية صاروا إلى قردة وخنازير، فصار شبابهم قردة، وشيوخهم خنازير، ولكن هذا يحتاج إلى أن يثبت هذا بدليل شرعي، وإلا فالآية هنا وفي الأعراف ما ذكر الله فيها إلا أنهم كانوا قردة، ويكون الخنازير قومًا آخرين مسخوا، والعياذ بالله من ذلك.
وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ هذا القول ﴿كُونُوا﴾، ﴿قُلْنَا﴾ ﴿كُونُوا﴾، هذا الأمر أمر كوني ولّا شرعي؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: كوني، هل يمكن أن يوجه على أنه أمر شرعي؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ما يمكن، ولََّا لا؟ لأن الإنسان ما يقدر يقلب روحه، يقدر يقلب روحه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما يقدر، فهو إذن أمر كوني، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، (كن) هذا أمر كوني ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أمر كوني.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
أولًا: هذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، وهذه القرية التي اعتدوا فيها لا شك أنها على البحر؛ لقوله: ﴿كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، قيل: إنها أيلة، وقيل: غيرها، المهم ما يهمنا اسمها، يهمنا موقعها أنها على البحر.
ثانيًا: أن أهلها انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم اعتدى وتحيل على محارم الله، وقسم اعتدل ونهى عن التحيل على محارم الله، وقسم ثالث سكتوا، بل إنهم ثبطوا؛ فإنهم قالوا للذين ينهون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، فأجابوهم بأن لا بد فيه من فائدتين أو فائدة واحدة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾، لا شك أن الذين ينهون عن السوء نجوا، أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: وأن الذين اعتدوا قلبوا، بقينا بالذين سكتوا ما نهوا ولا اعتدوا، ما شأنهم؟
* طالب: قلبوا.
* الشيخ: تجزم ها الجزم السريع؟
* الطالب: إي نعم، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾.
* الشيخ: إيه، لكن ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* طالب: باقي الجنس.
* الشيخ: ما يخالفه، بس الثاني ما عتوا عما نهوا عنه؟
* الطالب: هذه الضمائر ترجع لأهل هذه القرية..
* الشيخ: الساكتين لم ينكروا لكن هل نهوا؟
* الطالب: إي نعم، عتوا في أنهم لم ينهوا.
* الشيخ: انتظر، ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ هذا المعتدون، ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ ﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟
* طالب: من الذين اعتدوا.
* الشيخ: من الذين اعتدوا؟ يعني: كأن بعض إخوانهم -بعض المعتدين- قال للذين ينهون: لا تنهون، وهم من المعتدين؟
* طالب: لا، هم من الساكتين؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم يقولون لهم..
* الشيخ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ أهل القرية ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟ من المعتدين ولّا من أهل القرية؟
* الطلبة: من أهل القرية.
* الشيخ: من أهل القرية؟ ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ أهل القرية، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يخاطبون الذين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، يخاطبون الذين نهوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ أي: الواعظون..
* طالب: هذا القول اللي قالوه يدخلهم في الطائفة الأولى؟
* الشيخ: نشوف؟ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم ما قالوا يبررون الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ﴾، ما قالوا يبررون فعل المعتدين، قالوه يائسين منهم، يعني: هم قالوا هذا ما به فائدة، هذا ما يوقف العذاب ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، ما قالوا: لم تعظونهم لأنهم ما فعلوا شيئًا، لو كانوا كذلك لقلنا: إنهم راضون بفعلهم، لكن هم في الحقيقة مثل ما يوجد الآن، من الناس من ييأس: لأيش تنصح هذا؟ هذا ما به فائدة، هذا ما الله هاديه. هذا موجود الآن، هم قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يعني: فلا فائدة من نصحهم، أجاب هؤلاء: بأننا ما نيأس، عندنا فائدة محققة، وهي المعذرة إلى الله عز وجل ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه مسألة محتملة؛ فإن الله يهدي قومًا من أضل الناس ويردهم إلى الحق، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، ﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، من؟
* الطلبة: المعتدون.
* الشيخ: المعتدون، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الذين ينهون عن السوء، وسكت عن الباقين.
﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، من الذين ظلموا؟
* طالب: كلهم، اللي سكتوا واللي فعلوا.
* طالب آخر: يا شيخ، اللي ظلموا أليسوا قد نهوهم وأيسوا فيدخلون بمن نهوا عن السوء؟ ما أيسوا إلا قد فعلوا السبب.
* الشيخ: ما ندري عاد، خلوا نشوف المسألة حقيقةً تخالف فيها ابن عباس ومولاه، فنشوفها، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذه يقينا في الفاعلين ما هي في الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فالذين قلبوا قردة الآن؟
* طالب: المعتدين.
* الشيخ: المعتدون، ولَّا لا؟ ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنحن الآن بقينا بالذين ظلموا، هل الساكتون ظلموا فيكون داخلين، أو أن الذين ظلموا هم الذين اعتدوا؟ إنما نحن الآن، أنا أتيقن من سياق الآية -والله أعلم- أن الذين سكتوا ما قلبوا قردة خاسئين.
* طالب: أخذوا بعذاب.
* الشيخ: أخذوا بعذاب بئيس، إنما أنهم قلبوا قردة، الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا في السبت فقط، الذين اعتدوا في السبت هم الذين قلبوا بلا شك، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾؛ ولهذا بعض العلماء يقول -كما قلتم أو كما قال الأخ-: إن الذين سكتوا عذبوا، ولكن يجب على هذا القول أن لا يقال: إنهم عذبوا بأن قلبوا قردة خاسئين؛ لأن الآيات صريحة في أن الذين قلبوا قردة الذين اعتدوا فقط، لكن أخذوا بأيش؟
* طالب: بعذاب.
* الشيخ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ ما بينه الله، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، هذا إن دخلوا في لفظ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فإن لم يدخلوا فيه، فلا أخذوا بعذاب بئيس؛ ولهذا لو قال قائل: إن السلامة أن تسكت عن الذين سكتوا وتقول: هم ثلاثة أصناف: صنف نجوا يقينًا، وصنف عذبوا يقينًا، وصنف لم يتبين لنا أمرهم. ولا شك من حيث القواعد -قواعد الشريعة الإسلامية-: أن هؤلاء الذين سكتوا إن كانوا مقرين لهم فهم مثلهم، كانوا مقرين ويصير وجه عدوانهم إقرارهم للمنكر، وإن كانوا غير مقرين لهم -وهو الظاهر- ولكنهم آيسون منهم، فإنه لا يلحقهم عذابهم، ولكن قد يعذبون بسبب أنه يجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، سواء امتثل المأمور وارتدع المنهي أو لا، هذا الواجب؛ ولهذا هؤلاء العقلاء الأكياس -جمع كَيِّس- ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وحقيقة إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون، حتى وإن لم يأتمر المأمور ولم ينته المنتهي؛ لأن فيه فائدتين عظيمتين هما: المعذرة إلى الله عز وجل، والثاني: أنه يحتمل أن يتقوا الله، وأنا أقول أيضًا: فيه فائدة ثالثة وهي: أن يعرف أن هذا منكر، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأننا لو سكتنا قلنا: والله ما نقدر الآن إن نحن نعمل، ولو أمرنا ما امتثل لنا، معناه: إذا سكتنا جاء أناس بعدنا أو في عصرنا وقال: هذا الناس يفعلون أمام العلماء ما قالوا شيء، وكم من أمور الآن يحتج بها علينا وعلى غيرنا بأن العلماء كنا نفعله وفلان حي ولا يقول شيء، هذا واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إلى الآن، فيه في الحقيقة ثلاث فوائد: المعذرة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيان أن هذا منكر، والثالث: لعلهم يتقون.
* طالب: ويش المؤكدات ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾؟
* الشيخ: فيه: اللام وقد.
* طالب: السبب؟
* الشيخ: يعني: السبب أنه أكده؟ السبب لأجل إقامة الحجة عليهم.
* الطالب: هم منكرين للحجة؟
* الشيخ: لا لا، سواء أقروا ولّا أنكروا، لكن فعلهم وإنكارهم للرسول ﷺ وتكذيبهم إياه فعل منكر؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾، فإذا كانوا عالمين بهؤلاء وأنهم أصيبوا بهذه المصيبة لعدوانهم، فما بالكم تعتدون الآن وتكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام وأنتم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم.
* طالب: شيخ، ما هو الصواب؟
* الشيخ: أنا أتوقف فيه والله أعلم، الله أعلم، وإن حكمت فأنا أحكم أنهم أخذوا بعذاب بئيس لا أنهم قلبوا قردة.
* الطالب: ما يقال: الذين اعتدوا أن العذاب البئيس لهم أيضًا؟ قلبهم قردة عذاب لهم؟
* الشيخ: نعم نعم، أخذوا بعذاب بئيس وقلب القردة؛ لأنهم بلا شك هم داخلون في الذين ظلموا، الذين اعتدوا هم أول من يدخل في قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
* طالب: العذاب البئيس ما يكون نفسه هنا قلب القردة؟
* الشيخ: لا، هذا منه، هذا من العذاب البئيس.
* طالب: (...) اليائسين كانوا قردة؟
* الشيخ: إيه؛ لأنهم قالوا: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وعقلًا ما راح أن أحد يقر إنسان ويرضى بفعله وهو يعلم أن فيهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) أبدًا، تعرف أن فعل هذا الرجل سبب للهلاك وترضى به؟ ما يمكن.
* طالب: شيخ قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هذا صحيح (...)، لكن قوله حصر سبحانه وتعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، هذا ما هو واضح؟
* الشيخ: بس هو بالمفهوم.
* الطالب: مفهومه أن من لم ينهوا..
* الشيخ: أن من لم ينهوا لم ينجوا، ومفهوم ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؟
* الطالب: مجمل.
* الشيخ: مفهومه؟
* الطالب: مفهومه أن الذين لم يظلموا لم يؤخذوا بعذاب.
* الشيخ: هذا واحدة، ومفهوم ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾: أن من لم يعتد في السبت؟ لم يقلب قردة وخنازير، إذن عندنا قلب القردة ما يمكن يكون وارد على الساكتين، والإنجاء ما يمكن وارد على الساكتين أيضًا ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لأنهم أنجينا الذين ينهون عن السوء، بقينا في أخذهم بالعذاب البئيس هل هم داخلون في الذين ظلموا لعدم قيامهم بما يجب من إنكار المنكر؟ فيكون أخذوا بعذاب بئيس ما بينه الله، أو أنهم ما ظلموا ولم يؤخذوا بالعذاب البئيس، ونسكت عنهم نقول: الله أعلم؟ يعني: نحن الآن نتأكد أنهم ما نجوا ولا أخذوا قردة خاسئين، ما أخذوا بهذا العذاب، بقينا في العذاب البئيس، هذا العذاب البئيس متى يتحقق عليهم؟ إذا تحقق أنهم ظالمون.
* الطالب: بس إن سكتنا ما نكون تركنا مفهوم ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ﴾؟
* الشيخ: لا، لأن عندنا منطوق، وله مفهوم معاكس.
* طالب: النصوص العامة.
* الشيخ: على كل حال، الحمد لله أن المسألة هذه ما هي بذات أهمية بالنسبة لنا، يعني ما يترتب عليها، حتى الحكم الشرعي بالنسبة للشريعة الإسلامية واضح في المسألة، الحكم الشرعي في الشريعة الإسلامية واضح، وهو أنه يجب إنكار المنكر، يجب مع القدرة أن الإنسان ينكر المنكر، ولكنه لا يجب أن يغير المنكر؛ لأن هناك يجب أن نعرف أيضًا الفرق بين الإنكار وبين التغيير، التغيير معناه إزالة المنكر، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا واجب على كل حال؛ لأنه من جنس التبليغ، عندنا ثلاث مراتب: تبليغ وأمر وتغيير، وكل واحد غير الثاني، بعض الناس يظنون أن المعنى واحد والأمر مختلف؛ لأن التغيير إنما يكون بالسلطة والأمر، يعني: بسلطة التنفيذ، مثل الأمراء يغيرون ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الأمير يقدر يغير يضرب أو مثلًا يريق الخمر، واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أو يقول، يقول، إن لم يستطع فبلسانه، لكن هو ما يستطيع يغير بيده، يغير بلسانه يأمر غيره، وغيره، أما مسألة الإنكار فهو واجب على كل أحد مع القدرة، كما هو معروف، والتبليغ أبلغ؛ لأن التبليغ يجب عليك لو ما رأيت المنكر، يجب عليك تقول للناس مثلًا: الزنا محرم، والسرقة محرمة، وشرب الخمر محرم، لو ما كانوا يشربونه، هذا التبليغ، والأمر بالمعروف يكون عند إضاعة المعروف، التبليغ يجب عليك تقول: الصلاة واجبة أو لا؟ صلاة الجماعة واجبة، والوضوء من كذا واجب، إلى آخر الواجبات، بلغها، الأمر، متى تأمر بها؟ إذا رأيت من تخلف عن فعلها، واضح؟ المنكر يجب تبلغ الناس أنه منكر، لكن متى تنهى عنه؟
طالب: (...) ذكره الله سبحانه وتعالى أنه لا تخرج الأسماك على ظهر الماء إلا (...) فيها الأسماك بكثرة، فهم أرادوا أن يحتالوا على الله سبحانه وتعالى، (...) صادوا شباكًا تدخل فيها الأسماك فتصيبها، ثم يأتون يوم الأحد، ويأخذون هذه الأسماك، فهم احتالوا على الله الحيلة.
* الشيخ: هي كيف الحيلة؟
* الطالب: الحيلة بأنهم اصطادوا الأسماك في يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد.
* الشيخ: كيف يعني؟
* الطالب: يضعون شبكًا تدخل فيه، فهم الصيد حصل يوم السبت وكانوا أخذوا يوم الأحد.
* الشيخ: هذه (...) حيلة.
* طالب: (...) أنهم فتحوا الترع من خارج البحر، وجعلوا لها سواقي، فالموج يأتي ويدفع بالماء المحمل بالسمك، ويدخل داخل هذه السواقي فتسقط في الترع، ثم في اليوم الثاني تنحسر الماء، ويبقى السمك لا يستطيع الرجوع ويأخذوه يوم الأحد.
* الشيخ: إي نعم، هاتان صفتان بعضهم قال: إنهم يضعوا شباكًا تدخل فيه السمك في يوم السبت ولا تخرج منه، وبعضهم يقول: لا، إنهم يفتحون السواقي على مجتمع من الماء، ثم تدخله الأسماك، فبهذا الفعل يعتبر؟ ويش الحكم، حلال ولَّا حرام؟
* طالب: لا، حرام.
* الشيخ: كيف حرام؟ هم ما صادوا إلا يوم الأحد.
* الطالب: إنهم صادوا يوم السبت واحتالوا بأنهم صادوا يوم الأحد، لكن الصيد حصل في يوم السبت.
* الشيخ: إي نعم، يعني حيلة هذه؟
* الطالب: هذه حيلة.
* الشيخ: هذه حيلة، والحيل محرمة؟
* الطالب: والحيل محرمة.
* الشيخ: هل العقوبة من جنس الفعل؟
* طالب: العقوبة (...).
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم عوقبوا بأن مسخوا قردة، فصارت أشكالهم أشكال الحيوانات (...).
* الشيخ: أو أقرب ما يكون من الإنسان؟
* الطالب: إي نعم، وهو أقرب ما يكون.
* الشيخ: أقرب ما يكون للإنسان في الظاهر، نعم، وعملهم هذا أقرب ما يكون للحلال، ولكنه في حقيقته حرام، وهكذا القرود ظاهرها أنها تشبه الآدمي؛ لأنها تفهم، حتى إنهم يقولون: إنه قد يحصل اجتماع جنسي بين القرد والمرأة أحيانًا، يشتهيها كما يشتهيها الرجل، ولكنهم في الحقيقة، حقيقتهم أيش؟ حيوان، بهائم.
انقسم أصحاب هذه القرية إلى كم؟
* طالب: إلى ثلاثة أقسام: ناس اعتدوا، وأناس نهوا عن المنكر، وأناس سكتوا.
* الشيخ: سكتوا، الذين سكتوا هل كان لهم دور؟
* طالب: الذين سكتوا قالوا: كفوا عن ناس الله سبحانه وتعالى معذبهم.
* الشيخ: ﴿مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾.
* الطالب: ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
* الطالب: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
* الشيخ: الغرض من هذا القول النهي عن موعظتهم أو أيش؟
* الطالب: الظاهر أنه النهي عن الفعل (...) يئسوا من رحمة الله.
* الشيخ: أيش قولك؟
* طالب: الظاهر أنهم يئسوا من الاستجابة.
* الشيخ: يعني: ما قصدهم النهي، يعني: ما قصدهم أنهم رضوا بالمنكر؟
* الطالب: ما رضوا.
* الشيخ: ما رضوا بالمنكر.
* الطالب: لكنهم يئسوا.
* الشيخ: لكنهم يئسوا، وقالوا: كيف تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا؟ والدليل على أنهم ما رضوا بالمنكر أنهم ذكروا عقوبتهم ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف ١٦٤].
* طالب: هذا يعتبر تثبيط؟
* الشيخ: فيه نوع من التثبيط ما فيه شك، فيه نوع تثبيط، وقد يكون إنهم لما أيسوا أنهم ظنوا أن التذكير ما يجب إلا إذا نفع، كما في قوله تعالى : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩].
* الطالب: (...).
* طالب: الطائفة الثالثة فيها اختلاف (...) بين حال الطائفة التي اعتدت، وحال الطائفة التي.
* الشيخ: نهت، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف ١٦٥].
* الطالب: فالطائفة الثالثة فيها اختلاف، هل هي تدخل في الذين ظلموا، أو أن الله عز وجل سكت عنها فنسكت عنها كما سكت، (...) أنها تدخل مع الظالمين (...).
* الشيخ: يعني: حتى إذا قلنا: إنه أخذت الثالثة فهم أخذوا بعذاب بئيس؛ لأن الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة ٦٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٦].
وحينئذٍ يبقى النظر: هل تدخل الطائفة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ في قوله: ﴿أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾؟ أو ما تدخل؟ قلنا: إن فيها خلافًا بين أهل العلم؛ لأن الله تعالى ذكر طائفتين ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فصار عندنا منجَّى ومؤاخذ ومقلوب، المقلوب قطعًا هي الطائفة الثالثة المعتدية، والناجي الطائفة الناجية هذه واضحة، بقين: الذين ظلموا هل هم داخلون أو لا؟ كان نقول: ما يدخلون قطعًا؛ لأنهم ما هم بظالمين، لكن لما قال: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ قد يقول قائل: إن مفهوم ينهون هو قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن الله جعله قسيمًا له، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فجعلهم قسيمًا له، وقسيم الذين ينهون عن السوء يشمل النوعين، الطائفتين: المعتدية، والتي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، ونحن نقول: الحمد لله، ما هو هذا الشيء من الأمور التي يلزمنا أن نرجح، نقول: الله أعلم، إذا ما تبين لنا ظاهرًا من القرآن فنقول: الله أعلم.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة 66] ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ اختلف في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ على من يعود الضمير في (ها)، (جعلناها) هل هي القرية لقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾، ويكون مرجع الضمير مفهومًا من السياق؟ أو هي عائد على العقوبة؟ فجعلنا العقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: هذه العقوبة.
نمشي على الأول: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: هذه القرية، ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ويش معنى النكال؟ التنكيل بمعنى أن يعامل الإنسان بما لا يمكنه أن يرجع إلى ما عوقب به، نكلته يعني: عاملته بعمل لا يمكنه أن يرجع إلى ما عاقبته به، فقوله: ﴿نَكَالًا﴾ يعني: جعلناها عقوبة تنكل ما بين يديها وما خلفها، أي: تمنعهم من أن يعودوا إلى نفس هذا العمل.
وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ إذا قلنا: ضمير (ها) يعود على القرية، ويش معنى ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾؟ ويش يقصد بها؟ ما بين يديها من القرى وما خلفها، يعني: ما كان قريبًا منها؛ لأنهم علموا بها، وسينتهون.
وقيل: إن المراد: لما بين يديها زمنًا لا مكانًا، ولكن فيه إشكال؛ لأننا إذا قلنا ما بين يديها هو مستقبلها، فكيف يصح أن يكون ما خلفها ينكل وقد مضت؟ أوما فهمتم؟ عندنا الآن: ما بين يديها مكانًا، أو ما بين يديها زمانًا، إذا قلنا: مكانًا، فالأمر واضح ولا فيه إشكال، إذا قلنا: زمانًا، فإن فيه إشكالًا؛ لأنك إذا جعلت ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مستقبلها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ ماضيها، لم يصح أن تكون نكالًا لماضيها؟ ويش السبب؟ لأن الذين مضوا ما هم منتفعين بها، مضوا وانتهوا، ولكنهم قالوا: إننا نجيب عن هذا الإشكال بأن نجعل ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ للحاضرين في عصرهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لما بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩]، فالخلف والوراء قد يراد به الأمام، المستقبل، وعلى هذا القول ما يكون فيه إشكال، لا يكون فيه إشكال.
فأيهما أعم: أن تُجعل نكالًا لما حولها من القرى، أو نكالًا لمن في عصرها ومن بعدهم؟
* الطلبة: الثانية أعم.
* الشيخ: الثانية أعم، نعم؛ لأن كل من يأتي بعدك فهو خلفك، ولَّا لا؟ فمن يأتي بعدك فهو خلفك، فعلى هذا يكون القول الثاني أرجح: أن المراد بما بين يديه والخلف زمنًا لا مكانًا، وتكون هذه العقوبة نكالًا لمن كان في عصرهم ومن كان بعدهم إلى يوم القيامة.
هذا إذا قلنا: إن الضمير في (ها) يعود على القرية، وفهمتم الإشكال الذي يرد على هذا القول، ويش الإشكال الذي يرد على هذا القول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: العقوبة.
* الشيخ: إن (ها) تعود على القرية، وفيه إشكال وأجبنا عنه.
* طالب: الإشكال على القرية؟
* الشيخ: الإشكال على القرية: إنه لم يسبق لها ذكر، ما سبق لها ذكر، قولوا ما سبق لها ذكر، لكن أجبنا عنه شو هو؟
* طالب: بأنه مفهوم.
* الشيخ: بالسياق، مفهوم من السياق، بدليل قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾.
إذا قلنا بأن الضمير (ها) يعود على العقوبة، فجعلنا هذه العقوبة ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، يصير المراد: لما بين يديها وما خلفها من الأعمال، لا من الزمان ولا من المكان، يعني: جعلنا هذه العقوبة تنكِّلهم عما بين يديها من المعاصي وما خلفها، يعني: المعاصي اللي سبق أن فعلوها ما يفعلوها، ما يفعلونها، والمعاصي المستقبلة أيضًا ما يفعلونها؛ لأنهم كلما تذكروا هذه العقوبة خافوا منها، فهمتم ولَّا لا؟
ونحن قد ذكرنا فيما مر: أنه إذا كانت الآية القرآنية تحتمل معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما، وإذا كانا يتنافيان وجب الترجيح، فيعمل بالراجح، فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولَّا لا؟ مرت علينا هذه القاعدة وهي نافعة في التفسير، وفي الحديث أيضًا، أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين أيش؟
* طلبة: وجب، لا يتنافيان.
* الشيخ: لا، لازم من شرط: لا يتنافيان، وجب حملها عليهما؛ لأن كلام الله أوسع من مفهومنا، وإذا كانا يتنافيان -يعني: كالضدين والمتناقضين مثلًا- فإنه لا يمكن أن نحملها على معنيين متضادين، تحمل على الراجح منهما إن وجد مرجح، فإن لم يوجد مرجح وجب علينا أن نتوقف.
* طالب: ذكرت أنه إذا كانت هاء الضمير تعود على العقوبة ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، يعني: إذا أرادوا أن يفعلوا معصية تذكروا هذه العقوبة؛ لأنه هو نزل فيهم العقوبة وأصبحوا قردة مع الحيوانات، فكيف تذكروا؟
* الشيخ: إي نعم، هؤلاء القردة ماتوا صحيح، هذا وارد، لكن هؤلاء الجماعة ثلاثة أصناف: صنف سكتوا، وصنف نهوا، وصنف اعتدوا فقلبوا قردة وماتوا، هؤلاء الأصناف الآخرين الذين بقوا، يعني يَرِد عليهم أن يخطئوا فيعصوا الله، أليس كذلك؟ يمكن أن يخطئوا فيعصوا الله، ولكن يذكرون هذا الشيء فيمتنعون منه.
* طالب: (...).
* الشيخ: عملًا، لكن الأخير ما يصح إلا إذا جعلنا (ها) تعود على العقوبة.
* الطالب: عودها على العقوبة ماذا يكون المعنى؟
* الشيخ: يكون المعنى: ﴿جَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من الأعمال، يعني: تُنَكِّلُهم عن الأعمال، والمراد جنسهم؛ لأن السؤال الذي أورده الأخ وارد، لكن المراد جنسهم ولَّا اللي انقلبوا قردة ماتوا ما بقوا، فالمعنى أنهم يتذكرون إن أرادوا معصية سبق أن فعلوا جنسها تذكروا فارتدعوا، أو أرادوا معصية جديدة لم يسبق لها فعل جنسها أيضًا تذكروا وتركوا،
وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ جعلناها موعظة، أي: مكان اتعاظ، مكان اتعاظ لمن؟ للمتقين الذين يتقون الله، أما الذين قلوبهم قاسية ما عندهم تقوى، فإنهم لا يتعظون بهذه الأدلة، ودائمًا يقيد الله سبحانه وتعالى المواعظ بالمتقين، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وما أشبه ذلك؛ لأن القاسي قلبه لا يلين -نسأل الله العافية- ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧].
من هذا النوع: ما يوجد الآن في عصرنا، توجد الزلازل والكسوفات والفيضانات والرياح العاصفة، المتقي يتعظ بها ويخاف، ويعلم أن الله أرسلها عقوبة، وغير المتقي لا يلين قلبه ولا يتعظ ويقول: هذه مسائل طبيعية، ما لعقاب الله سبحانه وتعالى فيها أثر أبدًا، هؤلاء ليسوا بمتقين في الحقيقة، وإلا فالزلازل من العقوبات ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، والزلازل رجفة، رجفة في الأرض تزلزل بها ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [العنكبوت ٣٧].
ولهذا بعض الكتبة ما حذروا الناس من هذه الزلازل، ما حذروهم المعاصي، وإنما جعلوا يتكلمون ويقولون: هذه عبارة عن سلسلة زلازل ستمتد إلى جدة وإلى كذا وإلى كذا، أنا ذكروا لي واحدًا أمس يقول: كتبوا في الصحف أنها ستمتد إلى جدة وتروح كذا، وأن أهل جدة أخذهم من الخوف ما غاب وما حضر، وأنهم قالوا: سنرحل إلى مكة؛ لأن مكة ما جاءها زلزال، هكذا قالوا، وواحد حدثني من أهل جدة أمس عندنا يقول: حتى إنها اضطرت وزارة الإعلام أن تكذب هذا الخبر وتخلي ناس من الخبرا يتكلمون بالتلفزيون عن الزلازل وعن جدة ما يجيئها زلازل، وأن الزلازل أكثرها في البحار -من نعمة الله أنها أكثرها تكون في البحار، ما تكون في اليابس- هكذا سمعت ولا ما تبعت الخبر هذا؟ لكن كان الواجب على المسلمين، يا جماعة الواجب عليهم مو بهذا، الواجب أنهم يخوفون الناس مهما قلنا: إنها أسباب طبيعية، فمن الذي قدر أن يكون السبب الطبيعي في هذا الوقت المعين، وفي هذه الأمة المعينة إلا الله، معصيتهم مكتوبة، والطائفة مكتوبة، والزمن مقرر، والمكان مقرر، من قديم في الأزل، لنفرض أن هذه لها أسباب حسية، لكن تقديرها في زمن وفي الأمة التي سكنت على هذا الجزء الذي اهتز؟ هذا مو بتقدير الله؟ بتقدير الله عز وجل، إذن فهذا شيء مكتوب من قبل.
هؤلاء كتب عليهم أن يعصوا، ولكن طبعًا معلوم أنهم بين لهم الحق، لو اهتدوا لرفع عنهم العذاب مثل ما رفع عن قوم يونس، قوم يونس أخذهم العذاب لكن آمنوا، فرفع الله عنهم ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨]، ﴿فَلَوْلَا﴾ بمعنى: ما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها بعد أن نزل بأس الله بها إلا قوم يونس.
أنا قصدنا: أن المواعظ الشرعية التي تكون بالوحي أو المواعظ الكونية التي تكون بالفعل، بالتقدير، هذه ما ينتفع بها إلا المتقون المؤمنون العارفون بالله، أما غيرهم فلا ينتفعون بها، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قطعة من العذاب تنزل عليهم من السماء ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، نعم، نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧] وهذه من بلايا بني إسرائيل، استمعوا إليه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ قومه إضافة القوم إليه؛ لبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقول لهم إلا ما فيه الخير؛ لأن الإنسان سوف ينصح لقومه أكثر مما ينصح لغيرهم، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينصحون لأممهم عمومًا.
* طالب: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً﴾ إذا كان هذا الضمير يعود إلى القرية، فكيف تكون القرية هي الموعظة؟
* الشيخ: قلنا: موعظة: مكان اتعاظ.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة ٦٧] من قومه؟ بنو إسرائيل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالها في جوابٍ ذكره الله في أثناء القصة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٧٢].
قُتِلَ منهم نفس، وقد ذكر المفسرون هنا إسرائيليات كثيرة حول هذا الموضوع، ولكننا نحن لا يعنينا أن نعين من هذا القاتل ومن هذا المقتول، هل هو ابن عم؟ وهل هو يريد ماله؟ وهل هو يريد كذا؟ ما علينا من هذا، نعم، إنما قتلت نفس فَادَّارَؤوا فيها، يعني: تخاصموا وتدافعوا حتى كادت تثور الفتنة بينهم، ولا حاجة بنا إلى أن نعلل لماذا قتل أو لأي غرض، هذا ما هو من شؤوننا؛ لأن القرآن ما تكلم به، ولكن غاية ما يكون أن نأخذ عن بني إسرائيل ما لا يكون فيه قدح في القرآن أو تكذيب له، هم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها واختصموا، كل يدعي أن هؤلاء قتلوه، وكادت الفتن تقوم بينهم، فقالوا: ما حاجة إلى أننا نتقاتل ويُذهِب بعضنا بعضًا، نذهب إلى نبي الله موسى ويخبرنا من الذي قتله، فذهبوا إليه، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ صدّر الأمر من الله، ما قال: آمركم، ولا قال: اذبحوا، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ ليكون أدعى إلى قبولهم وامتثالهم؛ لأنه لو قال: اذبحوا بقرة، قد يتوهم متوهم أن هذا من اجتهاداته، من موسى، لكن إذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ ارتفع إيهام الاجتهاد، ولَّا لا؟ ووجب أن يكون قولًا جادًّا لا هُزْءًا، شوف ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾، ومع هذا اللفظ الصريح ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ -أعوذ بالله- أتهزأ بنا؟ مع أنه أسنده إلى الله، وهذا -والعياذ بالله- من عتوهم، كيف هو نبيهم ويعرفون أنه نبي ومؤمنون به، ويسند الأمر إلى الله، ثم يقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ هل هذا ممكن؟ ما يمكن، لو نسب الفعل إليه لقلنا، وإن كان بعيدًا، لكن قد يكون أنه يريد أن..، لكن هذا بعيد، يعني باعتبار أنه نبي ومعصوم عن أن يهزأ بالخلق ما يمكن يقع، لكننا نقول لهؤلاء تنزُّلًا مع عقولهم: لو أن موسى ﷺ قاله من عند نفسه لقلتم: لعل هذا اجتهاد منه وليس بأمر من الله، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ ثم يقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ ﴿هُزُوًا﴾ هذه مصدر، وهي بمعنى اسم المفعول، أي: أتتخذنا مهزوءًا به، ويجوز أن تكون هزءًا على بابها ويصير المعنى: أتتخذنا ذوي هزء، فحُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، على كل حال هي بمعنى: أتهزأ بنا؟ لكنها أشد؛ لأن اتخاذ الشيء معناه: الاستمرار فيه، اتخذت الشيء، أي: جعلته مأخوذًا لي، كأنه أمر أقبله وأستمر فيه، فهو أعظم من قولهم: أتهزأ بنا؟ يعني: كأنك اتخذتنا ألعوبة، ألعوبة لك، تقول: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؟ ويش علاقة البقرة بهذا المقتول؟ هذا هزء، لكن ماذا أجاب؟
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، ولم يقل: من المستهزئين ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، والمراد بالجهل هنا ليس ارتكاب الخطأ عن غير عمد، ولكنه ارتكاب الخطأ عن عمد؛ لأن الجهل يطلق على السفه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧]، يعني: أعوذ بالله أن أكون من ذوي الجهل والسفه، فأتخذ عباد الله هزوًا، ولا سيما وأنا أسندت الأمر إلى الله، هذا أمر مستحيل؛ ولهذا استعاذ منه؛ لأنه أمر لا يليق، أولًا: لا يجوز بالنسبة إلى إسناد الأمر إلى الله وهو ليس منه، والشيء الثاني: أنه لا يجوز أن يتخذ الإنسان أحدًا من عباد الله هزوًا، لا سيما في مثل هذا المقام.
وفي هذا دليل على أن الهزء بالخلق من السفه.
* طالب: لم يقل: من المستهزئين، لأيش؟
* الشيخ: لأجل أن يبين أن الاستهزاء بالخلق أو اتخاذهم هزوًا من الجهالة والسفه.
* طالب: أنت قلت شيخنا: الاتخاذ بمعني الاستمرار في الفعل، إذن قول الله عز وجل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف ١٤٨] فهم ما استمروا على ذلك؟
* الشيخ: لا لا، حتى جاء موسى.
* الطالب: يعني: ما استمروا طول حياتهم على ذلك.
* الشيخ: إي، ما هو لازم؛ لأن الاستمرار بحسب الشيء، ما هو بلازم أنهم يستمروا طول حياتهم، المعنى: أنهم بس مستمرين؛ لأن الفعل يدل على الاستمرار، اتخذت هذا ثوبًا، يعني: معناه بلبسه دائمًا حتى يبلى، وهؤلاء اتخذوه، ولولا أن موسى جاء لاستمروا عليه.
* طالب: هزوًا بضم الزاي، ولا؟
* الشيخ: هزوًا بضم الزاي، ما هي عندكم بضم الزاي؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: وعندي فيها قراءتان أيضًا: ﴿هُزْءًا﴾ و﴿هُزُؤًا﴾ ، ثلاثة، عندي فيها قراءتان غير اللي في الأصل.
وفيها أيضًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءة التسكين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (...).
* طالب: أيش وجهه؟
* الشيخ: وجه هذا التخفيف، ولا ما لها وجه؟
(...)
قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ﴾ ﴿أَعُوذُ﴾ بمعنى أعتصم بالله، والاستعاذة ما تكون إلا بالله سبحانه وتعالى، أو بأحد فيما يقدر عليه ولَّا لا؟ إي نعم «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ فَأَعِيذُوهُ» »[[أخرجه أبو داود (٥١٠٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]].
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إذن، تبرأ من اتخاذهم هزوًا، بل أبلغ من التبرؤ، سأل الله أن يعصمه منه، وأنه أمر جدير بأن يستعيذ المرء منه.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ ما رأيكم لو أنهم ذهبوا وذبحوا بقرة، وامتثلوا ما أمروا به؟ انتهى الأمر؛ لأن (بقرة) مطلقة أيسر، لكن بقرة مطلقة ما فيها أي وصف، لكنهم -والعياذ بالله- شددوا فشدد الله عليهم، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» »[[أخرجه البخاري (٣٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. نعم، كل أمور الإنسان اللي تطلب فيها التشديد تصاب بأشد، حتى في أمور الطهارة، نعم، بعض الناس مثلًا قد يصاب بوساوس، ثم ينفتح عليه ما هو أشد، أو يروح بيغسل ثوبه من شيء فيه شبهة (...) أصيب بنجاسة محققة، فيشتد عليه الأمر، فالحاصل لو أنهم ذبحوا بقرة -أي بقرة كانت- انتهى الموضوع، لكنهم -والعياذ بالله- ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾، شوف هذا الأسلوب الجاهل: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ما قالوا: ربنا، ولا ادع الله، كأنهم بعيدون من موسى ومن ربه سبحانه وتعالى، ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ جعلوه في منزلة المرسول لهم الخادم، نعم، الذي يدعو ربه هو -نسأل الله العافية- وهذا من عتوهم يدلك على أن بني إسرائيل -والعياذ بالله- عندهم عتو، وأن الله سبحانه وتعالى جعل موسى نبيًّا لهم، وأنهم جديرون بأن يكون لهم مثل موسى عليه الصلاة والسلام في القوة.
* فوائد في هذه الآية:
* أولًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجرًا.
* الفائدة الثانية: ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر وهو ثبوت الأجر وانتفاء الخوف والحزن، الخوف من أين؟ مما يستقبل، والحزن على ما مضى.
* الفائدة الثالثة: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر، فالذين هادوا والنصارى والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله واليوم الآخر، وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم وهم أكثر أجرًا، لكن لهم أجرهم.
* طالب: (...) الصابئون، القول الصحيح فيهم؟
* الشيخ: القول الصحيح أنهم من لا ينتسبون إلى دين في أصلهم، ما ينتسبون إلى دين، فإذا آمنوا بالله واليوم الآخر، يعني: مثل ما جاءتهم رسل ينتسبون إليهم.
* الفائدة الرابعة: أن الجزاء قد يختلف بحسب الأمم؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أجرهم، ما قال: الأجر وأطلق، ﴿أَجْرُهُمْ﴾، هذه الأمة يضاعف أجرها، والأمم السابقة لا يضاعف، أليس كذلك؟ إذن ﴿أَجْرُهُمْ﴾ تفيد هذا ولَّا لا؟ تفيد؛ لأنه أضاف الأجر إلى نفس المأجورين، فيعطون الأجر الذي قدر لهم وكتبه الله لهم، إن كان مضاعفًا فهو مضاعف، وإن كان غير مضاعف فهو غير مضاعف.
* الفائدة الخامسة: أنه إذا ذُكِر الثناء في الشر على طائفة، وكان منهم أهل خير، فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون (...)؛ لأنه بعد ما قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١] بين أن منهم من آمن بالله واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر، فله أجره ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا؛ لأنه من تمام الإيمان بالله: الإيمان بالرسل، والإيمان بملائكته، وكتبه، والقدر خيره وشره، كل هذا داخل في الإيمان بالله؛ لأن الله أخبر عنه.
قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٣، ٦٤].
* في هاتين الآيتين:
* أولًا: تذكير الله تبارك وتعالى لهذه الأمة –يعني: بني إسرائيل- بما أخذ عليهم من عهد في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وهذا التذكير معناه الالتزام، يعني: فالتزموا بالميثاق، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ : * ثانيًا ، عتو بني إسرائيل حيث لم يؤمنوا إلا من تحت السياط، كما يقولون، لماذا؟ ما آمنوا إلا حينما رفع فوقهم الطور، وقيل: إما أن تأخذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا أسقطناه عليكم، فحينئذٍ آمنوا، وهذا الإيمان في الحقيقة شبه اضطراري، وكل إنسان بيؤمن على الأقل خوفًا من الهلاك.
* وفيه أيضًا: دليل على قوة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف ١٧١]، من يحمل جبل الطور؟ ما أحد يستطيع، ما أحد يستطيع من الخلق أن يحمله، ولكن الله تعالى بقدرته حمله وصار كالظلة، الأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله بقدرته، كما أنه جل وعلا يمسك الطير ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك ١٩] إذا صار يقبض تقول: نعم يقبض إذا كان هكذا يدخل الهواء وحمل نفسه، لكن غريب أنه صافات، صافات ما تتحرك أجنحته، ومع ذلك تندفع أو تقف أحيانًا، من الذي أمسكهن؟ ما يمسكهن إلا الله. ففيها أيضًا: دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة مو بضعف ولين ومداراة، لا، لا بد بقوة، بالتطبيق والدعوة، تطبيق على أنفسهم والدعوة إلى ذلك بقوة بدون فتور، وبدون تراخي؛ لأنه ما تتم المسألة إلا بهذا.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الأخذ بالكتاب المنزل يوجب التقوى، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أي: لأجل أن تكونوا من المتقين لله عز وجل.
* الفائدة السادسة: لؤم بني إسرائيل أنهم بعد هذا لما رجع الجبل إلى مكانه، ماذا كان؟ تولوا ﴿تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، وهذا من اللؤم؛ لأن الواجب أن يذكروا الأمر الأول حتى يستقيموا ويستمروا على الأخذ بقوة، لكن هم تولوا من بعد ذلك، من بعد ما رأوا الآيات تولوا.
* الفائدة السابعة: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وهذه الأمة -ولله الحمد- فضل الله عليها أكبر من فضل بني إسرائيل.
* وفيه: دليل على أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق، من أين؟
وقوله: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة ٦٨] فيها بيان سوء أخلاق بني إسرائيل؛ لأنهم لم يقولوا: ادعُ الله لنا بل قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فكأنهم جعلوا أنفسهم في جانب وجعلوا موسى وربه في جانب.
وقوله: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ هذا الطلب ليس له وجه في الواقع؛ لأن اللفظ بيِّن ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧] والمطلق ليس مجملًا يحتاج إلى بيان، الذي يحتاج إلى بيان هو المجمل، وأما الشيء المطلق فإنه لا يحتاج إلى بيان لوضوح معناه، فإذا قلت مثلًا: أكرم رجلًا. ما يحتاج أن تقول: وأيش نوع هذا الرجل؟ إذا أكرمت أي رجل حصل المقصود ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ لو ذبحوا أي بقرة حصل المقصود، فالأمر بيِّن، ولكن لتعنتهم قالوا: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ صار هذا الطلب منهم تعنُّتًا لا استرشادًا؛ لأن الأمر واضح؛ وهو أن البقرة عند الإطلاق تشمل أي بقرة تكون، ولهذا لو ذبحوا أي بقرة صادفتهم لكفتهم.
﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ كلمة ﴿مَا هِيَ﴾ يسأل بها عن الماهية؛ يعني ما هذا؟ من الحجر؟ من الطين؟ من الحديد؟ ما هي ما الماهية؟ لكن موسى عليه الصلاة والسلام فهم أنهم لم يسألوا عن الماهية؛ لأن ماهية البقرة معروفة ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أحد تشكل عليه ماهية البقرة؟ هي من خشب ولا حديد ولا زبرجد ولا أيش؟
* الطلبة: لا، واضحة.
* الشيخ: ما تشكل، الماهية واضحة، فلا نقول: إن في هذا صرفًا لما سألوه وأنهم أُجيبوا بغير ما سألوا؛ لأنهم سألوا عن الماهية فأجيبوا ببيان سن البقرة، نقول: السؤال عن الماهية هنا معلوم لكل أحد أنه لم يكن، لماذا لا يكون؟
* الطلبة: لأنها معروفة.
* الشيخ: لأن ماهية البقرة معروفة.
﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ البِكر معروف اللي ما عمرها ولدت ولا قرعها الفحل، والفارض: تعرف بمقابلها، إذا كانت البكر هي الصغيرة التي لم يقرعها الفحل، فإن الفارض هي المسنة الكبيرة، وهذا -أي تفسير الكلمة، أو معرفة الكلمة بمعرفة ما يقابلها- له نظير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] لو قال لك واحد وأيش معنى ثُبات؟ تروح تطلع القاموس تدور معناها؟
* الطلبة: لا، تبين.
* الشيخ: لا، يتبين معناها بما ذكر مقابلًا لها وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يصير (الثُّبَات) معناه؟
* الطلبة: متفرقين.
* الشيخ: إي نعم متفرقين أفرادًا.
﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾
﴿عَوَانٌ﴾ أي: وسط، العوان بمعنى الوسط اللي لا هي كبيرة ولا صغيرة.
وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (ذا) اسم إشارة، والمشار إليه اثنان: الفارض والبكر، وفيه إشكال على هذا؛ لأنه سبق لنا في باب الإشارة أنه إذا كان المشار إليه اثنين وجب تثنية اسم الإشارة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وهنا اسم الإشارة مثنى ولا مفرد؟
* الطلبة: مفرد.
* الشيخ: مفرد، فما هو الجواب عن هذا؟ نقول: إن الجواب عنه: هو أن يقال ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي بين ذلك المذكور من الفارض والبِكر؛ يعنى معناها أنها لا تكون هكذا ولا هكذا، ولكنها عوان بين ذلك المذكور. قال: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ هذا الأمر منين؟
* الطلبة: من موسى.
* الشيخ: من موسى يقول لبني إسرائيل: ﴿افْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾، بأي شيء كان الأمر؟ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ولو أنهم امتثلوا وتعجلوا وذبحوا بقرة عوانًا بين ذلك لحصل المقصود. وهنا قال: ﴿افْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ حرصًا منه على مبادرتهم حتى لا يتشددوا مرة ثانية فيُشدد عليهم. وفي قوله: ﴿مَا تُؤْمَرُونَ﴾ من الآمر؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الله سبحانه وتعالى، وفيه إشكال في باب الموصول حيث إنه خالف قاعدة قرأناها.
* طالب: رابط.
* الشيخ: وأيش الرابط؟
* الطالب: ما تؤمرونه.
* الشيخ: ما تؤمرونه، ولا ما تؤمرون به؟
* الطالب: به.
* الشيخ: نعم، ما تؤمرون به، وأيش مخالفة القاعدة؟
* الطالب: الحذف.
* الشيخ: لا، حذفه موافق للقاعدة كثير ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣]. هذا كثير.
* طالب: لا بد نستفيد من ذكره من الالتباس.
* الشيخ: ما فيه التباس، من يعرف؟ اقرؤوا الموصول في حذف العائد.
* طالب: لأن وصل الموصول قصير، مع التي..
* الشيخ: لا لا، ما هو قصير جملة كاملة تؤمرون.
* طالب: اختلاف العامل.
* الشيخ: ما هو ذكرنا أنه إذا حُذف العائد المجرور يشترط إذا كان مجرورًا بحرف أن يكون مجرورًا بحرف يطابق الحرف الذي جر به الموصول لفظًا ومعنًى ومتعلقًا، وهنا الموصول مفعول أصلًا، الموصول مفعول به منصوب ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ افعلوا الذي تؤمرون به، وقد ذكرنا فيما سبق أن بعض العلماء ما يشترط هذا الشرط، وأنه يقول: إذا دل عليه دليل جاز حذفه وإن لم يجر الموصول بما جر به العائد، وإلا ابن مالك يقول:
كَذَا الَّذِي جُرَّ بِمَا الْمَوْصُولَ جَرْ ∗∗∗ كَــمُــرَّ بِالَّــذِي مَــرَرْتُ فَــهْــوَبَــرْ
إذن يكون هذا شاهدًا للقول الثاني في المسألة وهو أنه يجوز حذف العائد المجرور وإن لم يكن الموصول مجرورًا، ومن باب أوْلى وأحرى أنه يجر أيضًا بحرف لم يجر به الموصول.
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ وكان عليهم أن يفعلوا وإن لم يأمرهم نبيهم به، لكن هم أهل عناد وتعنُّت، ولهذا أمرهم أمرًا ثانيًا، ومع هذا ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ أعوذ بالله! وأيش عليكم من لونها؟! لكن كل هذا من باب التعنت والتشدد
﴿مَا لَوْنُهَا﴾ يعني: أي شيء لونها؛ سوداء، بيضاء، شهباء، ما هي؟
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة ٦٩] شُدِّد عليهم، بالأول عوان بين البكر والفارض، وبينهما زمن يعني لو جاؤوا مثلًا بواحدة قريبة من البكر أو واحدة قريبة من الفارض كبيرة حصل المقصود، لكن هنا شُدد عليهم ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ وأيش خرج بها؟
* طالب: ما عداها.
* الشيخ: ما عدا الصفرة من الألوان هذه واحدة، وهذا نوع قليل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ثانيًا: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفاقع يعني الصافي؛ بمعنى أنه ما فيه ما يشوبه ويخرجه عن الصفرة، وقيل: معنى ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي شديد الصفرة وهو كل ما كان صافيًا كان أبين في كونه أصفر.
أيضًا ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ يعني ليست صفرتها أيضًا صفرة توجب الغم أو صفرة مستكرهة، بل هي صفرة تفتح السرور لمن نظر إليها، وهذا أيضًا فيه تشديد من وجوه: ﴿صَفْرَاءُ﴾ و﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ والثالث: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ هذا معناه أن كم بقرة يمشون عليها ما يحصل لهم هذا الشيء.
وذكر بعض العلماء أن هذا فيه دليل على أن اللون الأصفر مطلوب لقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وجعل هذه الجملة بيانًا للواقع وقال: إن من لبس نعلًا أصفر لم يزل في سرور، ولكن هذا ليس بصحيح.
وإذا دار الأمر بين كون الجملة تأسيسية أو لبيان الواقع فالواجب أن تكون تأسيسية، وعلى هذا فنقول: إن ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ جملة مستقلة عما قبلها؛ يعني زائد على كونها صفراء فاقع لونها أيضًا تسر الناظرين، ليست صفرتها على وجه يغم الإنسان ولا على وجه يكرهه بل هي تسره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بين كون الجملة تأسيسية أو لبيان الواقع، مانو مفهوم؟ فإنها تأسيسية؛ يعنى تأسيسية بمعنى مستقلة تفيد معنى زائدًا عن الأول.
* طالب: شيخ، فيه حديث نهى عن لبس المعصفر؟[[أخرجه مسلم (٢٠٧٨ / ٣١) من حديث علي بن أبي طالب.]]
* الشيخ: إي نعم، المعصفر الأحمر يعني عصفر أحمر لونه.
* الطالب: بالنسبة لهذا الوصف الذي وصفه الله سبحانه وتعالى، الصفراء اللي، ولا مؤاخذة في البقرة الصفراء لونها بيبقى فعلًا جميل وبتكون صافية فعلًا يعني أي حتى لما الواحد يشتري من السوق أي بقرة عندنا السماسرة يدور اللي لونها أصفر كده وبتبص تلاقيها يعني مرغوبة وفي التمن أغلى من النوع التاني.
* الشيخ: طيب، هذا يعني دوره طيب، أظن أنتم.
* الطالب: فربنا يعني عايز يشدد عليهم.
* الشيخ: إي نعم. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ هذا أيضًا طلب ثالث. ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٧٠] اشتبه علينا البقرة المطلوبة، وفي الحقيقة هو في هذا اشتباه؟
* طالب: ما فيه.
* الشيخ: ذكر لهم أنها بقرة، وذُكر لهم سنها، وذكر لهم لونها، فأين التشابه؟ لكن بس آية من آيات الله سبحانه وتعالى لأجل أن يشدد الله عليهم ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠] .
يقول: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ صار بعضه يشبه بعضًا، المتشابه الذي يشبه بعضه بعضًا، إحنا ما ندري أيهم المقصود، وهذا من تعنتهم، وإلا فالأمر واضح. ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ الأخيرة هذه طيبة منهم ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أخذوا على أنفسهم أنهم سيهتدون، ولكنهم علقوا ذلك بمشيئة الله. قال بعض السلف: لو لم يقولوا: إن شاء الله، ما اهتدوا إليها أبدًا، ولكن كلمة (إن شاء الله) من أسباب تحقيق المطلوب كما قيل لسليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: «وَاللَّهِ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَطَافَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ شِقَّ إِنْسَانٍ»، ما حصل له ولا إنسان واحد، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ، وَلَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه، البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٤) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] .
إذن، قولهم: إن شاء الله، هذه من الأمور المشروعة التي توجب للإنسان أن يصل إلى مطلوبه.
وقولهم: ﴿إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أكدوا الهداية هنا بمؤكدين وهما: إنّ، واللام، وتأكيد ثالث: الجملة الاسمية أبلغ من الجملة الفعلية، ما قالوا: وسنهتدي إليها إن شاء الله بل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
جاوبهم على هذا: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ هذا أيضًا تشديد زيادة على ما سبق. ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ الذلول على وزن (فَعُول)، وهي المتذلِّلة التي ذُللت لصاحبها، وصفها الذلول ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ و ﴿تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ مذلَّلة تثير الأرض بالحرث. أقول: تثير الأرض هذه المذللة، المذللة التي تثير الأرض بالحرث يحرث عليها وأظنكم تعرفون كيف يحرث على البقر تعرفونه؟
* الطلبة: إي نعم (...)
* الشيخ: إي نعم زين، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ يعني ما يُسنى عليها، ليست سانية ولا حارثة. وقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي من العيوب، ما فيها عيوب.
وقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ يعني ليس فيها لون يخالف لونها، مأخوذة من الوشي، وشي الثوب؛ يعني تلوينه بألوان مختلفة يُسمى وشيًا، فـ(شية) مأخوذة من الوشي مثل (عِدة) مأخوذة من الوعد، فمعنى ﴿لَا شِيَةَ﴾ ليس فيها لون ثانٍ يخالف لونها، ولونها -كما سبق- صفراء، إذن هي صفراء ما فيها سواد، ولا فيها بياض، ولا فيها أي لون آخر، وهذا كله من زيادة التشديد عليهم.
وبهذا التقرير نعرف أنه لا حاجة بنا إلى ما ذكره كثير من المفسرين هنا من الإسرائيليات التي قالوا فيها: إن هذه البقرة كانت عند رجل بار بأمه، وأنهم اشتروها منه بملء مسكها ذهبًا؛ يعني بملء جلدها ذهبًا، هذه كلها من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذب ولكن ما ينبغي أن نُنزل عليها كلام الله؛ لأن كلام الله عز وجل ما فيه إشارة إلى هذا، ولو كان هذا من الأمور الواقعة لكان من الحكمة أن يذكر، لماذا؟ لما فيه من الحثّ على بر الوالدين حتى نعتبر، فالصواب أننا نقول في تفسير الآية ما قال الله عز وجل، ولا نتعرض للأمور الأخرى التي ذكرها المفسرون هنا من الحكايات.
﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ شوف أعوذ بالله ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ طيب وبالأول؟
* الطلبة: على موجب كلامهم.
* الشيخ: على موجب كلامهم أنه في الأول ما أتيت بالباطل، وقد صدروا هذه القصة بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني الآن عرفنا أنك لست تستهزئ وإنما أنت صادق، هذا هو المتبادر من الآية الكريمة وليس بغريب على تعنتهم أن يقولوا مثل هذه الجملة، وقال بعض المفسرين اتقاء لهذا المعنى البشع، قال: إن المراد بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالبيان التام، يعني الآن بينت لنا أوصافها، فجعلوا الحق هنا بمعنى البيان، ولكن الصواب أن الحق هنا ضد الهزء والباطل، ويدل على ذلك أنهم صدَّروا هذه القصة بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ فبعد هذه المناقشات مع موسى والسؤالات والطلب من الله عز وجل قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقّ﴾ وعرفنا أنك لست مستهزئًا بنا بل إنك جاد فيما تقول.
﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني فطلبوها؛ لأن هذه الجملة فيها إيجاز يسمى في البلاغة: إيجاز الحذف، يعني إيجاز الحذف يُحذف جمل يدل عليه السياق، وإيجاز القصر يؤتى بجملة تشتمل على معانٍ كثيرة مع اختصارها، فقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩] مثلًا وأيش يسمى هذا؟
* الطلبة: إيجاز قصر.
* الشيخ: هذا إيجاز قصر؛ لأن هذه الآية كلمات معدودة تدل على معانٍ كثيرة، لكن ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص ٢٤، ٢٥]. هذه فيها إيجاز حذف ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن تقدير الآية: فسقى لهما، ثم ذهبتا إلى أبيهما وقصَّتا عليه القصة فأرسلهما إلى موسى، فجاءته إحداهما، أرسل إحداهما إلى موسى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء إلى آخره. وهنا قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لو أخذنا الآية على ظاهرها لكانت البقرة تكون عندهم جاهزة، ولكنها لا بد من طلب، طلبوا بقرة تنطبق عليها هذه الأوصاف بالسن واللون والعمل، السن؟
* طالب: السن، ما فهمت السؤال.
* الشيخ: أقول هذه البقرة وجدوها بالأوصاف، وجدوا بقرة انطبقت عليها الأوصاف بالسن واللون والعمل.
* الطالب: لا السن، اللون.
* الشيخ: السن وأيش هو؟
* الطالب: السن بكر.
* الشيخ: لا، ما هي البكر.
* طالب: البكر يا شيخ.
* الشيخ: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾.
* طالب: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وفي اللون؟
* الطالب: صفراء، لا تشبه لا أبيض لا أحمر طاغ بيّن.
* الشيخ: زين، وأيش بعد؟ كمّل؟ ولَّا تنظر بعد؟
* طالب: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
* الشيخ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ وأما قوله ليس فيها لون آخر ذكره؟
* الطالب: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾
* الشيخ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أيضًا في العمل؟
* الطالب: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾.
* الشيخ: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ إي نعم. وباعتبار السلامة هي أيضًا ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ذَبَحُوهَا﴾ كما أمرهم نبيهم ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هذه فيها كلام بين النحويين هل (كاد) مثل غيرها من الأفعال أو (كاد) عكس غيرها من الأفعال؛ لأن كاد بمعنى قارب ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة ٢٠] أي: يقرب من خطف أبصارهم.
فبعض العلماء يقول: إن (كاد) نفيها إثبات وإثباتها نفي، فإذا قلت: كاد يفعل كذا فمعناه أنه ما فعل، وإذا قلت: لم يكد يفعل كذا، فمعناه أنه فعل؛ لأن قوله شوف ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هم فعلوا ولّا لا؟
* الطلبة: فعلوا.
* الشيخ: فعلوا، ولكن الصواب بلا شك أنها كغيرها نفيها نفي وإثباتها إثبات، فإذا قلت: ما كاد يفعل، فمعناه أنه لم يفعل ولم يقارب الفعل، وحينئذٍ هل هؤلاء ما قاربوا الفعل؟ يقول: لولا قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لقلنا: إنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها.
فإذا قال قائل: هذا يؤدي إلى التناقض؛ لأنكم إذا قلتم: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ وما قاربوا أن يفعلوا صار تناقضًا؟
فيقال: لا تناقض لاختلاف الزمن، فهم ما كادوا يفعلونه قبل الذبح؛ يعني كل سؤالاتهم السابقة تعنت لعلهم يتخلصون ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ على مضض، فيكون نفي المقاربة مخالفًا للفعل في شنو؟ في الزمن، وحينئذٍ لا تناقض؛ لأن التناقض لو قلنا: ذبحوها في وقت لم يقاربوا ذبحها لكان هذا متناقضًا؛ لأن الذابح لا يقال: إنه ما يكاد يفعل؛ لأن الذابح فعل.
إذن (كاد) كغيرها من الأفعال ومعناها (قارب)، فإذا دخل عليها شيء من أدوات النفي نفى المقاربة، وإذا انتفت المقاربة انتفى الفعل ولّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: إذا قلت: ما قاربت أن أفعل، معلوم أنك ما فعلت، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وأما إثباتها إثبات، فإذا قلت: كدت أن أفعل، معناه قاربت الفعل، لكن ما فعلت، قاربت الفعل ولكنني لم أفعل واضح يا جماعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إذا قررنا هذا، أو إذا ثبت تقريرنا هذا يبقى في الآية الكريمة ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ كيف تقولون: إن (ما كادوا يفعلون) معناها: ما قاربوا أن يفعلوا والله يقول: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ هذا تناقض؟ فماذا نقول في الجواب؟
نقول: لا تناقض لاختلاف الزمن، فما كادوا يفعلون بالأول، ما قاربوا أن يفعلوا لتعنتهم، وفي الأخير فعلوا، وحينئذٍ لا تناقض، الإنسان بنفسه دائمًا يشعر بأنه لن يفعل هذا الفعل أبدًا، ثم لا يدري إلا وهو فاعله.
ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور ٤٠]؟ ما تنقض علينا ما قلنا؟
* الطلبة: لا.
* طالب: لم يرها.
* الشيخ: لم يرها يعني؟
* الطلبة: لم يرها.. شاهد لنا.
* الشيخ: إيه، شاهد لنا، يعني يظن بعض الناس أن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ يعني يراها بمشقة، يظن بعض الناس يتبادر إلى ذهنه هذا؛ إن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي أنه يراها بمشقة، والأمر ليس كذلك بل ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ معناه ما يراها، ولا يقارب رؤيتها، فيكون إذن هذا شاهدًا لما قررناه.
إذا قلت: كدت أطير فرحًا بنجاحي، هل أنا طرت؟
* الطلبة: قاربت.
* الشيخ: قاربت، ولكن لم أطِر، إذن هذا ماشي على الباب يعني، فقول بعض النحويين رحمهم الله: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، ليس بصحيح، وقد أبطل هذا ابن هشام في كتابه المغني.
* طالب: على ماذا استندوا؟
* الشيخ: استندوا لأنه إذا قال: ما كدت أن أفعل فهي تدل على أني؟
* الطالب: ما كنت فاعلًا.
* الشيخ: إني ما فعلت هذا الشيء، إني ما كدت أن أفعله، ولكني فعلته استدلوا بالآية، وفي الحقيقة ما يصير هذا. قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ» »[[متفق عليه، البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]] هل الرسول صلاها قبل الغروب ولّا لا؟
* الطلبة: صلى قبل الغروب.
* الشيخ: قبل الغروب؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: شوف ما قاربت أن أصلي العصر حتى قاربت الشمس الغروب.
* الطلبة: ما قاربت.
* الشيخ: هل صلاها قبل الغروب ولّا لا؟
* الطلبة: صلاها قبل الغروب.
* الشيخ: لا يا أخي؛ لأنه لما قال ابن عمر[[كذا، والصواب: عمر بن الخطاب، كما في البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩). ]] اللي قال هكذا، فقال الرسول: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ثم قاموا إلى بطحان فتوضؤوا وصلوا بعدما غربت الشمس».
* الطالب: لا، الظاهر صلوها بعد الغروب.
* الشيخ: إي، صلوها بعد الغروب؛ لأنه هنا قال: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي»، يعني ما قاربت الصلاة، ما قال: ما صليت حتى كادت، قال: ما قاربت أن أصلي؛ يعني ما أمكنني لشدة القتال أن أكون قريبًا من الصلاة، قريبًا من الصلاة ما هو فاعلًا للصلاة، قريبًا منها حتى كادت الشمس أن تغرب، لما قاربت الشمس الغروب.
* طالب: صلّى.
* الشيخ: لا، مو صلى، قاربتُ الصلاة، لما قاربت الشمس الغروب قاربت الصلاة فلما غربت صليت.
* الطالب: يا شيخ اللي قاله ما هو عمر؟
* الشيخ: قالها عمر والرسول قال: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» ».
* الطالب: قال: ما أيقظتني حتى (...).
* الشيخ: إيه إي نعم، اللي قالها عمر كما قلنا أخيرًا؛ اللي قاله عمر وقال الرسول: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ثم قاموا فصلوا.» فهنا الحديث ما يدل على أن عمر صلاها قبل الغروب بدلالة أنه ما قارب أن يصليها حتى قاربت الشمس الغروب، فلما قاربت الشمس الغروب قارب صلاتها، قارب أن يصلي، ثم هل صلَّى أو ما صلى؟
الحديث يدل على أنه ما صلى قام هو والرسول بعد الغروب وتوضؤوا من بطحان وصلوا.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٧٢] قرر الله القصة قبل أن يذكرهم بالسبب، قرر الله القصة لبني إسرائيل قبل أن يبين السبب، ما سبب قول موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؟
هذا هو السبب أنهم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها، تدافعوا، كل منهم يدعي أن هذا هو القاتل، وبلا شك أن هذا يحصل به فتنة عظيمة، والمقتول قد مات، ولا يمكن أن يخبر من الذي قتله بعد موته، فأراهم الله تبارك وتعالى بل أمرهم سبحانه وتعالى أن يذبحوا هذه البقرة لتكون آية، ويعرف القاتل لهذا القتيل، فهم بعد أن قتلوا هذه النفس وادارؤوا فيها، وأضاف القتل إليهم وإن كان بعضهم بلا شك لم يرضَ به، فالذين يطالبون بقتل القاتل لم يرضوا به، لكن -كما مر علينا من قبل- أن الشيء إذا فعله الأمة وسكت الباقون يعتبر فعلًا للجميع.
وقوله: ﴿ادَّارَأْتُمْ﴾ أيش معنى الادراء؟
* طالب: التدافع.
* الشيخ: معناه الاختلاف والتدافع، كل واحد منهم يدافع عن نفسه التهمة. ومنه «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» »[[قال ابن كثير في تحفة الطالب (ص ٢٢٦): لم أرَ هذا الحديث بهذا اللفظ، وأقرب شيء إليه ما رواه الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ». قال: وروي موقوفًا وهو أصح. وانظر نصب الراية (٣ / ٣٣٣)، والمقاصد الحسنة (ص٧٤).]] أي ادفعوها ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في هذا دليل على أنهم كتموا؛ لأن القاتلين لو اعترفوا بالقتل حصلت المدارأة؟
* الطلبة: لا، ما حصلت.
* الشيخ: ما تحصل المدارأة ولا يحصل شيء، ولكنهم كتموا فأخرج الله تبارك وتعالى ما كتموه بهذه الآية العظيمة.
* طالب: الأسئلة التي حصلت منهم هل كان قصدهم التخلص؟
* الشيخ: يبدو -والله أعلم- أنهم تعنتوا ليتخلصوا منها؛ لأن قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] يدل على هذا مثل ما إن الإنسان لو أمرك بشيء وأنت مثلًا تكره أن تمتثل تجدك تتعنت، وأيش تبغي، وأيش لونه، وأيش؟
* طالب: ألا يدل على حرصهم على التطبيق؟
* الشيخ: لا أبدًا، ولهذا الله يذكرهم هذا الشيء توبيخًا لهم، لو كان هذا حرصًا على التطبيق لكانوا يمدحون على هذا الأمر ما يقول الله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ لأن هذا فيه غاية الشناعة عليهم والعياذ بالله.
* طالب: شيخ، الأسئلة هذه كانت في مجلس واحد أو في عدة مجالس؟
* الشيخ: الله أعلم، ما أدري في مجلس واحد أو أنها في مجالس وهم يطلبون هذه البقرة ثم يرجعون إليه فيختلفون فيها ثم يرجعون إليه، الله أعلم، ما ندري.
قال: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ كل ما تكتمونه من الأمور فإن الله تعالى مخرجه. وهل هذا خاص بهم أو حتى في هذه الأمة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في يوم القيامة يوم القيامة معروف (...)، والعطف يقتضي المغايرة، فلا يصح تفسير الرحمة بالفضل، ولكن الفضل من آثار الرحمة.
* وفيه أيضًا: إثبات الأسباب وربطها بمسبباتها لقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ﴾ [البقرة ٦٤].
فهذا صريح في إثبات الأسباب، ولا أحد ينكر الأسباب إلا الأشاعرة فإنهم جاؤوا بأمر يضحك منه السفهاء دون العقلاء، وأيش قالوا؟ قالوا: الأسباب غير مؤثرة وآثارها تحصل عندها لا بها، فإذا دخلت ورقة في النار فاحترقت قالوا: النار ما أحرقتها، لكن احترقت عندها لا بها، وإذا أكلت طعامًا فشبعت، قالوا: ما شبعت بالطعام، ولكن عنده لا به مع أن الطعام لو يكدس عندك ولا تأكله ما شبعت، وكذلك النار لو تبقى عندها الأوراق والعيدان ما احترقت.
قالوا: أيضًا إذا ضربت زجاجة بحجر وانكسرت لم يحصل الانكسار بالحجر، ولكن عند الحجر، بينما أنك لو تضع ثقل الحجر هذا أربع مرات على الزجاج من دون قذف ما انكسر مع أنها على ظهرها على ظهر الزجاج ما هو بس عنده، فالمهم أن هذا الشيء يضحك منه السفهاء فضلًا عن العقلاء، وكل هذا من باب تنزيه أن يكون في ملك الله سبحانه وتعالى ما لا تتعلق به المشيئة، وهذا نقول: الله جعل الأسباب موجبة لمسبَّباتها وجعل المسبَّبات مربوطة بالأسباب، وهذا من حكمته.
* طالب: وجوب تبليغ ما أنزل الله لقوله ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.
* الشيخ: إيه ﴿اذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ إن كان لغيركم فهذا يدل على وجوب التبليغ، إن كان المعنى اذكروه في نفوسكم لأجل الاتعاظ فليس فيه دليل.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].
* فيها توبيخ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام على عدم الإيمان به، وجه ذلك؟
* طالب: العلم.
* الشيخ: أنهم علموا ما حل بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة، فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله.
* وفيه أيضًا دليل على تحريم الحيل، وأن المتحيل لا يخرج عن العدوان لقوله: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أولًا، الحيل أبلغ من الإتيان بالشيء على وجه الصراحة أولًا: لأنها جامعة بين المفسدة المترتبة على هذا الممنوع وبين مفسدة الخداع لله سبحانه وتعالى، فالمتحيل على الربا واقع في الربا وزائدًا على ذلك أنه خادع الله عز وجل، وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم ثم جملوها وباعوها وأكلوا ثمنها وجدت أنه أسهل مما يتحيل به كثير من الناس اليوم على الربا، أسهل ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، ونهانا الرسول عليه الصلاة والسلام كما في المسند بسند لا بأس به أن الرسول ﷺ قال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ؛ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهَ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» »[[لم نجد هذا الحديث في المسند، وإنما أخرجه ابن بطة في إبطال الحيل (ص٤٦-٤٧) من حديث أبي هريرة، قال الحافظ ابن كثير في التفسير (١ / ٢٩٣) و(٣ / ٤٩٣): «وهذا إسناد جيد»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٣/١٢٣): «هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارة ويحسنه تارة».]].
* الفائدة، هذه فائدة ثانية: أن المتحيل على المحرم واقع فيه ولا تنفعه الحيلة.
* الفائدة الثالثة: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنوب، كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن العقوبة أنهم قُلبوا قردة خاسئين، أولًا، فالذنب اللي فعلوه أنهم فعلوا شيئًا صورته صورة المباح، ولكن حقيقته غير مباح، صورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي، فهذه أن الجزاء من جنس العمل، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ﴾ [العنكبوت ٤٠] إلى آخره.
* وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل لقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فكانوا في لحظة ما هم في توالد أنهم صاروا وأولادهم قردة، هم بلحظة انقلبوا -والعياذ بالله- قردة.
* الفائدة الخامسة: إثبات القول لله عز وجل لقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
* الفائدة السادسة: أن الذين قُلبوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت، أما الذين نُهوا عن السوء فقد نجوا، وأما الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف ١٦٤] فهؤلاء سُكت عنهم، أو نقول: أخذوا بعذاب بئيس لكن ما قلبوا قردة.
* الفائدة السابعة في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ إما زمانًا وإما مكانًا، وقلنا: ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ بالنسبة للزمان يعني الموجودين في عصرهم ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من يأتي بعدهم، أما إذا كان مكانًا فالمسألة واضحة اللي بين يديها اللي أمامها واللي خلفها من حولها يعني ما بين يديها وما خلفها من حولها.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة أن العقوبات تكون تنكيلًا لغير العامل.
* الفائدة الثامنة: يمكن أن نأخذ من هذا فائدة الحدود الشرعية التي تثبت في الدنيا، الحدود الشرعية وعقوباتها؛ عقوبة الزنا، عقوبة السرقة، إلى آخره. من فوائدها أيش؟
* الطلبة: أنها نكال.
* الشيخ: أنها نكال لغير الفاعل وللفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب.
* الفائدة التاسعة: أن الذين ينتفعون من مثل هذه المواعظ هم المتقون.
* الفائدة العاشرة: أن المواعظ قسمان: كونية وشرعية، كونية هي قدرية، كونية وشرعية، هنا كونية ولا شرعية؟ الموعظة؟
* الطلبة: كونية.
* الشيخ: كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالًا لما بين يديها وما خلفها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس ٥٧]. هذه موعظة شرعية، أيهما أقوى؟ المواعظ الشرعية أو الكونية؟
* الطلبة: الكونية.. حسب.
* الشيخ: أما للحمير فالكونية أعظم، وأما للمؤمنين فالشرعية أعظم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالقضاء بالمقدورات، لكن بليد الحمار ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]. هذا يتعظ بالأمور الكونية أعظم. ومع ذلك إذا جاءت قسوة في القلب..
لقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ومهما يكتم المرء يعلمه الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥].
وفيه * -الفائدة السادسة-: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل في بيان الأمر الواقع، فإن من نعمة الله أن يبين لهم الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ألا يستفاد به -أيضًا- أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف والنزاع من نعمة الله؟ إي نعم، يعني: مثلًا إذا اختلفنا في أمور وكاد الأمر يتفاقم حتى يصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه، فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف وهذا النزاع.
* طالب: ما يستفاد شيء من ذكر السبب بعد حكاية الأمر؟
* الشيخ: بعد حكاية القصة؟
* الطالب: إي، تأخيره.
* الشيخ: فائدة تأخير ذكر السبب قبل القصة هو المبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ﴿قُلْنَا﴾ على لسان موسى، كذا ولَّا لا؟
* فيستفاد منه: أن قول الرسول قول لمرسله، طبعًا إذا كان بأمره، قول الرسول الذي يكون بأمر الله يكون قولًا لله.
* الفائدة الثانية: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم، ويش الدليل؟
* الطلبة: ﴿بِبَعْضِهَا﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾، أبهمه الله، ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داعٍ؛ لأن المقصود الآية.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمعنى، معنى القصة وغرضها دون من وقعت عليه؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا جاء في الحديث: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كذا وكذا، تجد بعض الناس يتعب ويتكلف في تعيين هذا الرجل، وهذا ليس بلازم، المهم ما هو؟ معنى القصة وموضوعها، أما أن تعرف ما هذا الرجل، ما هذا الأعرابي، ما هذه الناقة مثلًا، ما هذا الحمار؟ ما هو لازم إذ إن المقصود في الأمور معانيها وما توصل إليه، فلا يضر الإبهام في هذا الأمر من قوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾، والله تعالى قد عينه لهم ما فيه شك، أو أن الله أبهمه عنا نحن فقط فقال: ﴿بِبَعْضِهَا﴾ ولم يُبيِّنه لنا؛ لأن هذا ما هو أمر مهم.
* ونستفيد منه فائدة: إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط ولا عين لهم، نستفيد منه فائدة: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين، يعني: إذا قيل لك: افعل بعض هذه الأشياء، أسهل مما إذا قيل لك: افعل هذا الشيء، ولَّا لا؟ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة (...).
وصفهم بالقسوة بقسوة القلب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
* وفيها أيضًا: دليل على لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم، ومع ذلك فإنهم لم يلينوا للحق، بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم عندهم.
وفيها أيضًا * -الفائدة الثالثة-: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن الحجارة أمر محسوس، والقلب قسوته أمر معقول، إذ إنه ليس المعنى أن القلب اللي هو المضغة يقسو، القلب هو هو، لكن المراد أنه يقسو بإعراضه عن الحق واستكباره عليه، فهو أمر معنوي شُبه بالأمر الحسي، وهذا من بلاغة القرآن: تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين.
* وفيه: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل، ولم يقل: كالحديد؛ لأن الحديد يلين بالنار.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الحجارة تفترق عن قلوبهم؛ لأن فيها خيرًا، وهي: ﴿مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهؤلاء -والعياذ بالله- على العكس.
* وفيها أيضًا: دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وهذه الصفة من صفات الله سبحانه وتعالى السلبية أو الثبوتية؟
* طالب: السلبية.
* الشيخ: هي سلبية ولّا ثبوتية؟ هل أن الله نفاها عن نفسه ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ أو أثبتها؟
* الطلبة: نفاها.
* الشيخ: هل قال: إن الله غافل؟ أو ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فهي صفة سلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية التي ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه تتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة، وإثبات كمال ضدها، فهنا نقول في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ نفي غفلة الله سبحانه وتعالى عن عملهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* وفيها: إثبات كمال ضد ذلك، وهو العلم والمراقبة أن الله سبحانه وتعالى رقيب على أعمالهم عالم بها ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* وفي هذه الآية من الفوائد: أن الجمادات تعرف الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على أنها تعرف الله، وهذا أمر معلوم من آيات أخرى في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤].
* وفيها أيضًا من الفوائد: عظمة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فمن علم عظمة الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يخشاه ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
* وفي الآية أيضًا: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار، ولَّا لا؟ وكان موسى ﷺ يضرب بعصاه الحجر، فينبجس ويتفجر عيونًا بقدرة الله تبارك وتعالى.
البقرة 2:74
لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما عاقب به بني إسرائيل من ضرب الذلة والمسكنة والغضب، بيّن سبحانه وتعالى أنه لا يظلم أحدًا، وأن المؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم كلهم لهم أجرهم عند الله؛ فهذه مناسبة الآية لما قبلها أنه لما قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ [البقرة ٦١] بيّن أن من آمن منهم وعمل صالحًا فإن الله لا يضيع أجرهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ٦٢].
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هل الإيمان الثاني هو الأول وأنه كان بالأول مطلقًا ثم بُيِّن بقوله: ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أو أن الأول يراد به الإيمان المقيد؛ يعني ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عام بما يجب الإيمان به ويكون قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قيدًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ وعلى هذا فلا يكون فيه تكرار؟
فيه خلاف بين المفسرين، منهم من قال: إن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولكن الصحيح أن الله تعالى ذكر خمسة أصناف: الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، أربعة.
﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذا عائد على قوله: ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾، ويكون المراد بالذين آمنوا أمة محمد ﷺ، ويكون المراد بالذين هادوا اليهود أتباع موسى، والنصارى أتباع عيسى.
والصابئين اختلف فيهم على عدة أقوال: فمنهم من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من المجوس، ومنهم من يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها، ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم من كانوا على الفطرة ما يتدينون بدين، ولكنهم إذا آمنوا بالله واليوم الآخر صار لهم هذا الأمر، وهذا هو الأقرب؛ ولهذا سمت قريش النبي ﷺ الصابئ؛ لأنه خرج عن دين قومه، فالصابئون ليسوا فرقة من اليهود والنصارى، بل هم أمة مستقلة؛ وذلك لأن الأصل في العطف التغاير جنسًا ونوعًا.
ثم نقول: إن الصابئ معناها الخارج عن الدين، في اللغة العربية، فهؤلاء قوم لا يدينون بدين، على فطرتهم، هؤلاء إذا أرسلت إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر يؤجرون، أو لا أجر لهم لأنهم كانوا صابئين؟ يؤجرون؛ ولهذا أن نقول: اليهود لا يذمون لأنهم يهود، والنصارى لا يذم لأنه نصراني، لكن إذا آمنوا فلهم أجرهم، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فيقول لك الله: أربعة أصناف: المؤمنين، واليهود، والنصارى، والصابئين، هؤلاء من آمن منهم بالله واليوم الآخر -يعني: الأصناف الثلاثة التي غير المؤمنين- من آمن بالله واليوم الآخر فإن الله لا يضيع أجرهم.
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿أَجْرُهُمْ﴾ أي: ثوابهم، وسمى الله تعالى الثواب أجرًا؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به، كالتزام المستأجر بدفع الأجرة لمن؟
* الطلبة: للأجير.
* الشيخ: للأجير.
* طالب: عندما قلنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أمة محمد ﷺ، فإذا جعلناها من أمة محمد، كيف نقول عندما ختم الله عز وجل ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؟
* الشيخ: إيه، بس ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه خاصة بـ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾.
* الطالب: يعني: بالثلاثة أصناف، ما هم بالأربعة؟
* الشيخ: لا، ما هم بالأربعة، بالأصناف الثلاثة فقط.
* طالب: الصابئين، قيل: إنهم هم المجوس؟
* الشيخ: لا، فرقة منهم.
* الطالب: من المجوس.
* الشيخ: إي نعم، ما هم بالمجوس؛ ولهذا ذكرهم الله في سورة الحج مع المجوس.
وهنا سنكمل الآية ونرجع إلى المقارنة بينها وبين سورة الحج كما قلت في الحج إن شاء الله.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (...) ذكرنا منهم من يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إنه عائد على الجميع، فهو بالنسبة للثلاثة واضح أنه لا بد من قيد: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ واضح؟ لكن بالنسبة للأولين يقولون: بالنسبة للأولين إذا جعلناه عائدًا على الأربعة يصير قوله: ﴿آمَنُوا﴾ مجملًا، و﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مفصلًا أو مبينًا، مفصلًا مبينًا، فيكون ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ عائدًا على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لكن على وجه التبيين والتفصيل، أما إذا قلنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قسم مستقل، و﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من الذين هادوا والنصارى والصابئين، فلا إشكال، وقلنا: إن الأصل في الكلام الأرجح أن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يعود على الأصناف الثلاث؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس، والإيمان إذا أطلق فالمراد به الإيمان بما يجب الإيمان به، من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب وغير ذلك.
وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذه كفالة من الله عز وجل، وضمان والتزام بهذا الأجر، أجر ما هو ضايع ما يُدرى من عنده، معلوم عند من، عند؟
* طالب: ربهم.
* الشيخ: عند الله سبحانه وتعالى الذي لا يخلف وعده، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم ٦].
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الخوف هو الهم، أيش؟ مما يستقبل، والحزن: الغم على ما فاتك، هذا الفرق بينهما؛ ولهذا يقال لمن أصيب بمصيبة: حزِن ولّا خاف؟
* طالب: حزِن.
* الشيخ: حزِن، ويقال لمن يستقبل أمرًا مرعبًا أو مروعًا يقال؟
* طالب: خاف.
* الشيخ: خاف، إذن الخوف: الهم مما يستقبل، والحزن: الغم مما فات، يغتم الإنسان بسبب ما فات عليه من محبوب أو حصل له من مكروه.
* طالب: الغم ما قيل: إنه في الحاضر؟
* الشيخ: لا، الغم على المستقبل، الهم هو اللي يكون في الحاضر والمستقبل، هممت بالشيء، وألقيت همتي به، أما الغم فهو عبارة عن شيء يطبق على القلب، فيغتم به..
* الطالب: مما يقع.
* الشيخ: مما مضى، الغم مما مضى، والهم بما يستقبل.
وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ منين؟ من كل ما يخاف في المستقبل، من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى من الدنيا؛ لأن الكافر يحزن على ما مضى من الدنيا ويتحسر ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٦]، حزن وتحسر، فهم ما يحزنون على ما مضى؛ لأنهم قد اغتنموه بطاعة الله سبحانه وتعالى، ولا يخافون من أمر مستقبل، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
ثم ذَكَّرهم الله تعالى -ذَكَّر بني إسرائيل بأمر أخذه عليهم- فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة ٦٣] يعني: اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، الميثاق: العهد الثقيل المؤكد، وسمي بذلك من الوِثاق، وهو: الحبل الذي يشد به المأسور، الحبل الذي يشد به المأسور يسمى: وثاقًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد ٤] أو ﴿الوِثَاق﴾، فالميثاق هو العهد الثقيل الذي يؤخذ على الإنسان، مأخوذ منين؟ من الوثاق، وهو الحبل الذي يشد به الأسير فيربطه.
﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ﴾ أي: فوق رؤوسكم، لكن ما هو مباشرة، فوق.
الطور: هو الجبل المعروف، رفعه الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل لما تهاونوا بطاعة الله سبحانه وتعالى إنذارًا لهم، وقال لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ خذوه يعني: اقبلوه واعملوا به، ﴿بِقُوَّةٍ﴾ وأيش المراد بقوة هنا؟ الحزم والتنفيذ، يعني معنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بحزم وتنفيذ وتطبيق، وأيش ضده؟ ضده أن الإنسان يأخذه أخذًا ضعيفًا متساهلًا، فالمعنى: خذوه أخذًا مصحوبًا بقوة؛ ولهذا نعتبر أن الباء في قوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ للمصاحبة، والقوة الحزم والنشاط، وضده الكسل والتراخي، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
وقوله: ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أي: أعطيناكم، منين؟ من التوراة، من الكتاب، الذين آتيناهم الكتاب، يعني: خذوا هذا الكتاب التوراة التي جاء بها موسى ﷺ بقوة.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يعني: لا تهملوا شيئًا منه، وقوله: ﴿مَا فِيهِ﴾ (ما) اسم موصول يفيد؟ العموم، إذن: كل ما فيه اذكروه واعملوا به.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (لعل) هذه معناها: التعليل، أي: لأجل أن تتقوا الله عز وجل، فالأخذ بهذا الذي آتاهم الله سبحانه وتعالى على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، فالطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه، كلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى، وبالعكس المعاصي، المعاصي توجب وحشة بين العبد وبين الله عز وجل ونفورا -والعياذ بالله- ويجر المعاصي بعضها بعضًا؛ ولهذا سبق لنا أن الله قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة ٦١].
إذن: وجه كون سبب الأخذ بكتاب الله سببًا للتقوى، وجه ذلك: أن الطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الإنسان إذا ذاق طعمها ووصلت إلى قلبه اشتهاها وطلبها وصار يتقدم، مثل طالب العلم إذا أدرك العلم ونال منه شيئًا تجده -يعني- يكون نهم؛ ولهذا قال بعض العلماء: طالبان منهومان: طالب الدنيا، وطالب العلم. وكذلك في الحقيقة طالب العبادة؛ فإنه دائمًا مشغوف بالعبادة.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٤] بعد هذا الإنذار وكون الجبل فوقهم، في ذلك الوقت خضعوا وخشعوا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]، هم في تلك الساعة هرعوا إلى السجود وسجدوا، ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى هذه الأمة، وهو سجود مائل، تجده يسجد ولكن رافع إحدى عينيه، وقالوا: إن هذا السجود؛ سجدنا لله سبحانه تعالى على وجه التخويف فلا نزال نسجد به. فكان هذا سجودهم، هذا هو سجود اليهود.
* طالب: يعتبرونه قربى؟
* الشيخ: إي نعم، يعتبرونه قربى، وفي الحقيقة إن له نظيرًا في هذه الأمة وهو الكسوف، فإن الكسوف في الحقيقة خروج عن العادة الطبيعية، والقمر يكون بين الأرض وبين الشمس، أو الأرض تكون بين الشمس والقمر؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (1059)، ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فالله سبحانه تعالى في بني إسرائيل جعل آية الإنذار أعظم من هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة أقرب إلى قبول الحق والخوف من بني إسرائيل، فيخافون بهذا الكسوف، لكن بني إسرائيل ما يخافون بهذا الكسوف، ما يهبهم إلا جبل يعرفونه رفع فوقهم كأنه ظلة.
ومع الأسف إننا الآن فينا من شابه اليهود في هذه المسألة، وصاروا لا يتعظون بالكسوف، ما يتعظون إلا إذا رفعت الجبال فوق رؤوسهم -والعياذ بالله- وإلا فالواجب أن يعرف الإنسان ويش اللي أخرج هذا عن مجراه الطبيعي إلى أن صار بهذا الوضع، لو اجتمع العالم كلهم على أن يكسفوا الشمس أو أن يخسفوا القمر ما استطاعوا، فما الذي أخرجه إلا الله سبحانه وتعالى لأجل الإنذار والتخويف، وعلى قول من يقول بدوران الأرض، يقولون: إن حركة الأرض هي التي اختلت، فما يدرى لعل هذه الحركة، هذا الاختلال اللي حصل بها يؤدي إلى دمارها، وإلى خسوف وزلازل أعظم، إذن يجب علينا أن نخاف. فعلى كل حال أقول: إن هذا التخويف العلوي كما كان في بني إسرائيل كان في هذه الأمة.
يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: أعرضتم وأدبرتم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟
* طالب: رفع الجبل.
* الشيخ: رفع الجبل، ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ بعد هذه الإنابة وقت رفع الطور توليتم ولم تذكروها، ما ذكرتم أن الذي خوفكم بهذا الجبل أنه قد يعيد عليكم ذلك مرة أخرى.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ﴾، (فضل) ويش إعرابه؟ مبتدأ، وخبره محذوف وجوبًا، كما قال ابن مالك:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ......................
يعني: ولولا فضل الله عليكم موجود، وإنما وجب حذفه اكتفاء بجواب لولا، ﴿لَكُنْتُمْ﴾ هذا جواب (لولا)، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما نوع هذا الفضل والرحمة؟ هو إرسال الرسل والنبيين إلى بني إسرائيل بعد رفع الطور، فإن الله ما تركهم، بل أرسل إليهم الرسل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤]، إذن فضل الله هنا بأي شيء؟ بإرسال الرسل الذي هو مقتضى رحمته؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن الخلق لا يستقلون بمعرفة عبادة الله سبحانه وتعالى؛ فلهذا أرسل إليهم الرسل يرشدونهم ويبينون لهم.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ اللام هذه واقعة في جواب (لولا) ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة؛ لأن أخسر الناس هم الكفار، ما استفادوا من دنياهم ولا من آخرتهم، إذن ففي هذا إثبات يعني: أن الله تفضل على بني إسرائيل ورحمهم (...)؟
* الطلبة: بإرسال الرسل.
* الشيخ: بإرسال الرسل الذين يذكرونهم ويعظونهم ليرجعوا إلى الله.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] قوله: ﴿لَقَدْ﴾ اللام موطئة للقسم، وعلى هذا فالجملة؟
* طالب: مؤكدة.
* الشيخ: مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي؟
* الطالب: القسم المقدر واللام وقد.
* الشيخ: القسم المقدر واللام وقد، يعني: (ولقد) أصله؟ والله لقد.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ علمتم علم يقين وعرفتموهم المعرفة التامة، ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لبني إسرائيل، و﴿اعْتَدَوْا﴾ بمعنى تجاوزوا الحدود وطغوا.
وقوله: ﴿فِي السَّبْتِ﴾ أي: في حكم يوم السبت، وهو معروف: اليوم الذي بعد الجمعة، وهذا اليوم كان الله تبارك وتعالى حرم فيه العمل على بني إسرائيل، وحرم عليهم صيد السمك في ذلك اليوم؛ لأجل أن يتفرغوا للعبادة؛ لأنهم هم الذين اختاروا أن يكون يوم السبت لهم، فكان لهم يوم السبت، هذا اليوم الذي اختاروه لأنفسهم حرم الله عليهم فيه العمل وصيد السمك، ثم ابتلاهم سبحانه وتعالى بما حرمه عليهم، فيسره لهم في ذلك اليوم تيسيرًا بالغًا، فكان السمك إذا كان يوم السبت جاء على الماء شُرَّعًا، ويش معنى شُرّع؟
* طالب: ظاهر.
* الشيخ: طافيًا ظاهرًا من كثرته، وغير يوم السبت ما يرونه، وهذا لا شك أنه ابتلاء وامتحان من الله سبحانه وتعالى يمتحن به العباد، قد ييسر لهم المعاصي وأسباب المعصية تيسيرًا أكثر من أسباب الطاعة والخير؛ لأجل الامتحان والابتلاء، هؤلاء القوم ما صبروا على هذا البلوى -والعياذ بالله- فاتخذوا حيلة، وحفروا حفرًا إلى جانب البحر، وجعلوا بين هذه الحفر وبين البحر نهرًا، يعني: ساقية، إذا جاءت الحيتان شُرّعًا ضرب بها الهواء وأدخلها مع هذا النهر إلى هذه الحفر، فإذا هبط الهواء ما استطاعت هذه الحيتان أن ترجع؛ لأن النهر ضئيل ما تتمكن من المشي معه ربما يزول بالكلية، فصاروا إذا كان يوم السبت جاءت الحيتان وسقطت في هذه الحفر، وإذا كان بالليل أو من الغد جاؤوا وأخذوها، فقال لهم فقهاؤهم: كيف تأخذون وقد حرم عليكم؟ فقالوا: نحن ما صدناه إلا يوم الأحد، ما صدناه يوم السبت، حيلة، حيلة ظاهرة، ولَّا لا؟ هو صحيح أنهم ما صادوا إلا يوم الأحد، لكن فعلوا السبب الذي يصطادونه به متى؟
* الطلبة: يوم السبت.
* الشيخ: يوم السبت، إذن ففي الحقيقة أنهم صادوا يوم السبت، ولما كانت هذه -والعياذ بالله- الحيلة ظاهرها السلامة، وحقيقتها؟
* طالب: التورط.
* الشيخ: التورط بالمحرم، يعني: ظاهرها الصحة والحلال، وباطنها الفساد والحرام، ماذا عوقبوا؟ عوقبوا بأن كانوا كالآدميين في الظاهر، لكنهم في الباطن سباع ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ أي: للمعتدين، ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ للذين اعتدوا، ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قردة جمع قرد، وهو معروف، و﴿خَاسِئِينَ﴾ مبعدين -والعياذ بالله- مبعدين عن رحمة الله، فقلبوا إلى حيوان أشبه ما يكون بالإنسان، كما أن فعلهم أشبه ما يكون بالفعل الصحيح الحلال وهو حرام باطنًا، فكان الجزاء من جنس العمل.
في سورة المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠]، هل إن هؤلاء أهل القرية كانوا خنازير ولّا قردة؟ ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ في سورة الأعراف ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٣ - ١٦٦]، فيها آية ثالثة؟ المائدة: ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾، فأنا ما رأيت أن أهل القرية هؤلاء كانوا قردة وخنازير إنما كانوا قردة، كانوا قردة فقط، مع أن بعض المفسرين قالوا: إن أهل هذه القرية صاروا إلى قردة وخنازير، فصار شبابهم قردة، وشيوخهم خنازير، ولكن هذا يحتاج إلى أن يثبت هذا بدليل شرعي، وإلا فالآية هنا وفي الأعراف ما ذكر الله فيها إلا أنهم كانوا قردة، ويكون الخنازير قومًا آخرين مسخوا، والعياذ بالله من ذلك.
وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ هذا القول ﴿كُونُوا﴾، ﴿قُلْنَا﴾ ﴿كُونُوا﴾، هذا الأمر أمر كوني ولّا شرعي؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: كوني، هل يمكن أن يوجه على أنه أمر شرعي؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ما يمكن، ولََّا لا؟ لأن الإنسان ما يقدر يقلب روحه، يقدر يقلب روحه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما يقدر، فهو إذن أمر كوني، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، (كن) هذا أمر كوني ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أمر كوني.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
أولًا: هذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، وهذه القرية التي اعتدوا فيها لا شك أنها على البحر؛ لقوله: ﴿كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، قيل: إنها أيلة، وقيل: غيرها، المهم ما يهمنا اسمها، يهمنا موقعها أنها على البحر.
ثانيًا: أن أهلها انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم اعتدى وتحيل على محارم الله، وقسم اعتدل ونهى عن التحيل على محارم الله، وقسم ثالث سكتوا، بل إنهم ثبطوا؛ فإنهم قالوا للذين ينهون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، فأجابوهم بأن لا بد فيه من فائدتين أو فائدة واحدة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾، لا شك أن الذين ينهون عن السوء نجوا، أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: وأن الذين اعتدوا قلبوا، بقينا بالذين سكتوا ما نهوا ولا اعتدوا، ما شأنهم؟
* طالب: قلبوا.
* الشيخ: تجزم ها الجزم السريع؟
* الطالب: إي نعم، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾.
* الشيخ: إيه، لكن ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
* طالب: باقي الجنس.
* الشيخ: ما يخالفه، بس الثاني ما عتوا عما نهوا عنه؟
* الطالب: هذه الضمائر ترجع لأهل هذه القرية..
* الشيخ: الساكتين لم ينكروا لكن هل نهوا؟
* الطالب: إي نعم، عتوا في أنهم لم ينهوا.
* الشيخ: انتظر، ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ هذا المعتدون، ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ ﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟
* طالب: من الذين اعتدوا.
* الشيخ: من الذين اعتدوا؟ يعني: كأن بعض إخوانهم -بعض المعتدين- قال للذين ينهون: لا تنهون، وهم من المعتدين؟
* طالب: لا، هم من الساكتين؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم يقولون لهم..
* الشيخ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ أهل القرية ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟ من المعتدين ولّا من أهل القرية؟
* الطلبة: من أهل القرية.
* الشيخ: من أهل القرية؟ ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ أهل القرية، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يخاطبون الذين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، يخاطبون الذين نهوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ أي: الواعظون..
* طالب: هذا القول اللي قالوه يدخلهم في الطائفة الأولى؟
* الشيخ: نشوف؟ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم ما قالوا يبررون الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ﴾، ما قالوا يبررون فعل المعتدين، قالوه يائسين منهم، يعني: هم قالوا هذا ما به فائدة، هذا ما يوقف العذاب ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، ما قالوا: لم تعظونهم لأنهم ما فعلوا شيئًا، لو كانوا كذلك لقلنا: إنهم راضون بفعلهم، لكن هم في الحقيقة مثل ما يوجد الآن، من الناس من ييأس: لأيش تنصح هذا؟ هذا ما به فائدة، هذا ما الله هاديه. هذا موجود الآن، هم قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يعني: فلا فائدة من نصحهم، أجاب هؤلاء: بأننا ما نيأس، عندنا فائدة محققة، وهي المعذرة إلى الله عز وجل ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه مسألة محتملة؛ فإن الله يهدي قومًا من أضل الناس ويردهم إلى الحق، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، ﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، من؟
* الطلبة: المعتدون.
* الشيخ: المعتدون، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الذين ينهون عن السوء، وسكت عن الباقين.
﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، من الذين ظلموا؟
* طالب: كلهم، اللي سكتوا واللي فعلوا.
* طالب آخر: يا شيخ، اللي ظلموا أليسوا قد نهوهم وأيسوا فيدخلون بمن نهوا عن السوء؟ ما أيسوا إلا قد فعلوا السبب.
* الشيخ: ما ندري عاد، خلوا نشوف المسألة حقيقةً تخالف فيها ابن عباس ومولاه، فنشوفها، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذه يقينا في الفاعلين ما هي في الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فالذين قلبوا قردة الآن؟
* طالب: المعتدين.
* الشيخ: المعتدون، ولَّا لا؟ ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنحن الآن بقينا بالذين ظلموا، هل الساكتون ظلموا فيكون داخلين، أو أن الذين ظلموا هم الذين اعتدوا؟ إنما نحن الآن، أنا أتيقن من سياق الآية -والله أعلم- أن الذين سكتوا ما قلبوا قردة خاسئين.
* طالب: أخذوا بعذاب.
* الشيخ: أخذوا بعذاب بئيس، إنما أنهم قلبوا قردة، الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا في السبت فقط، الذين اعتدوا في السبت هم الذين قلبوا بلا شك، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾؛ ولهذا بعض العلماء يقول -كما قلتم أو كما قال الأخ-: إن الذين سكتوا عذبوا، ولكن يجب على هذا القول أن لا يقال: إنهم عذبوا بأن قلبوا قردة خاسئين؛ لأن الآيات صريحة في أن الذين قلبوا قردة الذين اعتدوا فقط، لكن أخذوا بأيش؟
* طالب: بعذاب.
* الشيخ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ ما بينه الله، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، هذا إن دخلوا في لفظ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فإن لم يدخلوا فيه، فلا أخذوا بعذاب بئيس؛ ولهذا لو قال قائل: إن السلامة أن تسكت عن الذين سكتوا وتقول: هم ثلاثة أصناف: صنف نجوا يقينًا، وصنف عذبوا يقينًا، وصنف لم يتبين لنا أمرهم. ولا شك من حيث القواعد -قواعد الشريعة الإسلامية-: أن هؤلاء الذين سكتوا إن كانوا مقرين لهم فهم مثلهم، كانوا مقرين ويصير وجه عدوانهم إقرارهم للمنكر، وإن كانوا غير مقرين لهم -وهو الظاهر- ولكنهم آيسون منهم، فإنه لا يلحقهم عذابهم، ولكن قد يعذبون بسبب أنه يجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، سواء امتثل المأمور وارتدع المنهي أو لا، هذا الواجب؛ ولهذا هؤلاء العقلاء الأكياس -جمع كَيِّس- ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وحقيقة إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون، حتى وإن لم يأتمر المأمور ولم ينته المنتهي؛ لأن فيه فائدتين عظيمتين هما: المعذرة إلى الله عز وجل، والثاني: أنه يحتمل أن يتقوا الله، وأنا أقول أيضًا: فيه فائدة ثالثة وهي: أن يعرف أن هذا منكر، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأننا لو سكتنا قلنا: والله ما نقدر الآن إن نحن نعمل، ولو أمرنا ما امتثل لنا، معناه: إذا سكتنا جاء أناس بعدنا أو في عصرنا وقال: هذا الناس يفعلون أمام العلماء ما قالوا شيء، وكم من أمور الآن يحتج بها علينا وعلى غيرنا بأن العلماء كنا نفعله وفلان حي ولا يقول شيء، هذا واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إلى الآن، فيه في الحقيقة ثلاث فوائد: المعذرة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيان أن هذا منكر، والثالث: لعلهم يتقون.
* طالب: ويش المؤكدات ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾؟
* الشيخ: فيه: اللام وقد.
* طالب: السبب؟
* الشيخ: يعني: السبب أنه أكده؟ السبب لأجل إقامة الحجة عليهم.
* الطالب: هم منكرين للحجة؟
* الشيخ: لا لا، سواء أقروا ولّا أنكروا، لكن فعلهم وإنكارهم للرسول ﷺ وتكذيبهم إياه فعل منكر؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾، فإذا كانوا عالمين بهؤلاء وأنهم أصيبوا بهذه المصيبة لعدوانهم، فما بالكم تعتدون الآن وتكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام وأنتم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم.
* طالب: شيخ، ما هو الصواب؟
* الشيخ: أنا أتوقف فيه والله أعلم، الله أعلم، وإن حكمت فأنا أحكم أنهم أخذوا بعذاب بئيس لا أنهم قلبوا قردة.
* الطالب: ما يقال: الذين اعتدوا أن العذاب البئيس لهم أيضًا؟ قلبهم قردة عذاب لهم؟
* الشيخ: نعم نعم، أخذوا بعذاب بئيس وقلب القردة؛ لأنهم بلا شك هم داخلون في الذين ظلموا، الذين اعتدوا هم أول من يدخل في قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
* طالب: العذاب البئيس ما يكون نفسه هنا قلب القردة؟
* الشيخ: لا، هذا منه، هذا من العذاب البئيس.
* طالب: (...) اليائسين كانوا قردة؟
* الشيخ: إيه؛ لأنهم قالوا: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وعقلًا ما راح أن أحد يقر إنسان ويرضى بفعله وهو يعلم أن فيهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) أبدًا، تعرف أن فعل هذا الرجل سبب للهلاك وترضى به؟ ما يمكن.
* طالب: شيخ قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هذا صحيح (...)، لكن قوله حصر سبحانه وتعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، هذا ما هو واضح؟
* الشيخ: بس هو بالمفهوم.
* الطالب: مفهومه أن من لم ينهوا..
* الشيخ: أن من لم ينهوا لم ينجوا، ومفهوم ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؟
* الطالب: مجمل.
* الشيخ: مفهومه؟
* الطالب: مفهومه أن الذين لم يظلموا لم يؤخذوا بعذاب.
* الشيخ: هذا واحدة، ومفهوم ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾: أن من لم يعتد في السبت؟ لم يقلب قردة وخنازير، إذن عندنا قلب القردة ما يمكن يكون وارد على الساكتين، والإنجاء ما يمكن وارد على الساكتين أيضًا ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لأنهم أنجينا الذين ينهون عن السوء، بقينا في أخذهم بالعذاب البئيس هل هم داخلون في الذين ظلموا لعدم قيامهم بما يجب من إنكار المنكر؟ فيكون أخذوا بعذاب بئيس ما بينه الله، أو أنهم ما ظلموا ولم يؤخذوا بالعذاب البئيس، ونسكت عنهم نقول: الله أعلم؟ يعني: نحن الآن نتأكد أنهم ما نجوا ولا أخذوا قردة خاسئين، ما أخذوا بهذا العذاب، بقينا في العذاب البئيس، هذا العذاب البئيس متى يتحقق عليهم؟ إذا تحقق أنهم ظالمون.
* الطالب: بس إن سكتنا ما نكون تركنا مفهوم ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ﴾؟
* الشيخ: لا، لأن عندنا منطوق، وله مفهوم معاكس.
* طالب: النصوص العامة.
* الشيخ: على كل حال، الحمد لله أن المسألة هذه ما هي بذات أهمية بالنسبة لنا، يعني ما يترتب عليها، حتى الحكم الشرعي بالنسبة للشريعة الإسلامية واضح في المسألة، الحكم الشرعي في الشريعة الإسلامية واضح، وهو أنه يجب إنكار المنكر، يجب مع القدرة أن الإنسان ينكر المنكر، ولكنه لا يجب أن يغير المنكر؛ لأن هناك يجب أن نعرف أيضًا الفرق بين الإنكار وبين التغيير، التغيير معناه إزالة المنكر، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا واجب على كل حال؛ لأنه من جنس التبليغ، عندنا ثلاث مراتب: تبليغ وأمر وتغيير، وكل واحد غير الثاني، بعض الناس يظنون أن المعنى واحد والأمر مختلف؛ لأن التغيير إنما يكون بالسلطة والأمر، يعني: بسلطة التنفيذ، مثل الأمراء يغيرون ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الأمير يقدر يغير يضرب أو مثلًا يريق الخمر، واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أو يقول، يقول، إن لم يستطع فبلسانه، لكن هو ما يستطيع يغير بيده، يغير بلسانه يأمر غيره، وغيره، أما مسألة الإنكار فهو واجب على كل أحد مع القدرة، كما هو معروف، والتبليغ أبلغ؛ لأن التبليغ يجب عليك لو ما رأيت المنكر، يجب عليك تقول للناس مثلًا: الزنا محرم، والسرقة محرمة، وشرب الخمر محرم، لو ما كانوا يشربونه، هذا التبليغ، والأمر بالمعروف يكون عند إضاعة المعروف، التبليغ يجب عليك تقول: الصلاة واجبة أو لا؟ صلاة الجماعة واجبة، والوضوء من كذا واجب، إلى آخر الواجبات، بلغها، الأمر، متى تأمر بها؟ إذا رأيت من تخلف عن فعلها، واضح؟ المنكر يجب تبلغ الناس أنه منكر، لكن متى تنهى عنه؟
طالب: (...) ذكره الله سبحانه وتعالى أنه لا تخرج الأسماك على ظهر الماء إلا (...) فيها الأسماك بكثرة، فهم أرادوا أن يحتالوا على الله سبحانه وتعالى، (...) صادوا شباكًا تدخل فيها الأسماك فتصيبها، ثم يأتون يوم الأحد، ويأخذون هذه الأسماك، فهم احتالوا على الله الحيلة.
* الشيخ: هي كيف الحيلة؟
* الطالب: الحيلة بأنهم اصطادوا الأسماك في يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد.
* الشيخ: كيف يعني؟
* الطالب: يضعون شبكًا تدخل فيه، فهم الصيد حصل يوم السبت وكانوا أخذوا يوم الأحد.
* الشيخ: هذه (...) حيلة.
* طالب: (...) أنهم فتحوا الترع من خارج البحر، وجعلوا لها سواقي، فالموج يأتي ويدفع بالماء المحمل بالسمك، ويدخل داخل هذه السواقي فتسقط في الترع، ثم في اليوم الثاني تنحسر الماء، ويبقى السمك لا يستطيع الرجوع ويأخذوه يوم الأحد.
* الشيخ: إي نعم، هاتان صفتان بعضهم قال: إنهم يضعوا شباكًا تدخل فيه السمك في يوم السبت ولا تخرج منه، وبعضهم يقول: لا، إنهم يفتحون السواقي على مجتمع من الماء، ثم تدخله الأسماك، فبهذا الفعل يعتبر؟ ويش الحكم، حلال ولَّا حرام؟
* طالب: لا، حرام.
* الشيخ: كيف حرام؟ هم ما صادوا إلا يوم الأحد.
* الطالب: إنهم صادوا يوم السبت واحتالوا بأنهم صادوا يوم الأحد، لكن الصيد حصل في يوم السبت.
* الشيخ: إي نعم، يعني حيلة هذه؟
* الطالب: هذه حيلة.
* الشيخ: هذه حيلة، والحيل محرمة؟
* الطالب: والحيل محرمة.
* الشيخ: هل العقوبة من جنس الفعل؟
* طالب: العقوبة (...).
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنهم عوقبوا بأن مسخوا قردة، فصارت أشكالهم أشكال الحيوانات (...).
* الشيخ: أو أقرب ما يكون من الإنسان؟
* الطالب: إي نعم، وهو أقرب ما يكون.
* الشيخ: أقرب ما يكون للإنسان في الظاهر، نعم، وعملهم هذا أقرب ما يكون للحلال، ولكنه في حقيقته حرام، وهكذا القرود ظاهرها أنها تشبه الآدمي؛ لأنها تفهم، حتى إنهم يقولون: إنه قد يحصل اجتماع جنسي بين القرد والمرأة أحيانًا، يشتهيها كما يشتهيها الرجل، ولكنهم في الحقيقة، حقيقتهم أيش؟ حيوان، بهائم.
انقسم أصحاب هذه القرية إلى كم؟
* طالب: إلى ثلاثة أقسام: ناس اعتدوا، وأناس نهوا عن المنكر، وأناس سكتوا.
* الشيخ: سكتوا، الذين سكتوا هل كان لهم دور؟
* طالب: الذين سكتوا قالوا: كفوا عن ناس الله سبحانه وتعالى معذبهم.
* الشيخ: ﴿مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾.
* الطالب: ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
* الطالب: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
* الشيخ: الغرض من هذا القول النهي عن موعظتهم أو أيش؟
* الطالب: الظاهر أنه النهي عن الفعل (...) يئسوا من رحمة الله.
* الشيخ: أيش قولك؟
* طالب: الظاهر أنهم يئسوا من الاستجابة.
* الشيخ: يعني: ما قصدهم النهي، يعني: ما قصدهم أنهم رضوا بالمنكر؟
* الطالب: ما رضوا.
* الشيخ: ما رضوا بالمنكر.
* الطالب: لكنهم يئسوا.
* الشيخ: لكنهم يئسوا، وقالوا: كيف تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا؟ والدليل على أنهم ما رضوا بالمنكر أنهم ذكروا عقوبتهم ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف ١٦٤].
* طالب: هذا يعتبر تثبيط؟
* الشيخ: فيه نوع من التثبيط ما فيه شك، فيه نوع تثبيط، وقد يكون إنهم لما أيسوا أنهم ظنوا أن التذكير ما يجب إلا إذا نفع، كما في قوله تعالى : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩].
* الطالب: (...).
* طالب: الطائفة الثالثة فيها اختلاف (...) بين حال الطائفة التي اعتدت، وحال الطائفة التي.
* الشيخ: نهت، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف ١٦٥].
* الطالب: فالطائفة الثالثة فيها اختلاف، هل هي تدخل في الذين ظلموا، أو أن الله عز وجل سكت عنها فنسكت عنها كما سكت، (...) أنها تدخل مع الظالمين (...).
* الشيخ: يعني: حتى إذا قلنا: إنه أخذت الثالثة فهم أخذوا بعذاب بئيس؛ لأن الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة ٦٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٦].
وحينئذٍ يبقى النظر: هل تدخل الطائفة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ في قوله: ﴿أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾؟ أو ما تدخل؟ قلنا: إن فيها خلافًا بين أهل العلم؛ لأن الله تعالى ذكر طائفتين ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فصار عندنا منجَّى ومؤاخذ ومقلوب، المقلوب قطعًا هي الطائفة الثالثة المعتدية، والناجي الطائفة الناجية هذه واضحة، بقين: الذين ظلموا هل هم داخلون أو لا؟ كان نقول: ما يدخلون قطعًا؛ لأنهم ما هم بظالمين، لكن لما قال: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ قد يقول قائل: إن مفهوم ينهون هو قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن الله جعله قسيمًا له، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فجعلهم قسيمًا له، وقسيم الذين ينهون عن السوء يشمل النوعين، الطائفتين: المعتدية، والتي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، ونحن نقول: الحمد لله، ما هو هذا الشيء من الأمور التي يلزمنا أن نرجح، نقول: الله أعلم، إذا ما تبين لنا ظاهرًا من القرآن فنقول: الله أعلم.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة 66] ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ اختلف في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ على من يعود الضمير في (ها)، (جعلناها) هل هي القرية لقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾، ويكون مرجع الضمير مفهومًا من السياق؟ أو هي عائد على العقوبة؟ فجعلنا العقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: هذه العقوبة.
نمشي على الأول: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: هذه القرية، ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ويش معنى النكال؟ التنكيل بمعنى أن يعامل الإنسان بما لا يمكنه أن يرجع إلى ما عوقب به، نكلته يعني: عاملته بعمل لا يمكنه أن يرجع إلى ما عاقبته به، فقوله: ﴿نَكَالًا﴾ يعني: جعلناها عقوبة تنكل ما بين يديها وما خلفها، أي: تمنعهم من أن يعودوا إلى نفس هذا العمل.
وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ إذا قلنا: ضمير (ها) يعود على القرية، ويش معنى ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾؟ ويش يقصد بها؟ ما بين يديها من القرى وما خلفها، يعني: ما كان قريبًا منها؛ لأنهم علموا بها، وسينتهون.
وقيل: إن المراد: لما بين يديها زمنًا لا مكانًا، ولكن فيه إشكال؛ لأننا إذا قلنا ما بين يديها هو مستقبلها، فكيف يصح أن يكون ما خلفها ينكل وقد مضت؟ أوما فهمتم؟ عندنا الآن: ما بين يديها مكانًا، أو ما بين يديها زمانًا، إذا قلنا: مكانًا، فالأمر واضح ولا فيه إشكال، إذا قلنا: زمانًا، فإن فيه إشكالًا؛ لأنك إذا جعلت ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مستقبلها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ ماضيها، لم يصح أن تكون نكالًا لماضيها؟ ويش السبب؟ لأن الذين مضوا ما هم منتفعين بها، مضوا وانتهوا، ولكنهم قالوا: إننا نجيب عن هذا الإشكال بأن نجعل ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ للحاضرين في عصرهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لما بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩]، فالخلف والوراء قد يراد به الأمام، المستقبل، وعلى هذا القول ما يكون فيه إشكال، لا يكون فيه إشكال.
فأيهما أعم: أن تُجعل نكالًا لما حولها من القرى، أو نكالًا لمن في عصرها ومن بعدهم؟
* الطلبة: الثانية أعم.
* الشيخ: الثانية أعم، نعم؛ لأن كل من يأتي بعدك فهو خلفك، ولَّا لا؟ فمن يأتي بعدك فهو خلفك، فعلى هذا يكون القول الثاني أرجح: أن المراد بما بين يديه والخلف زمنًا لا مكانًا، وتكون هذه العقوبة نكالًا لمن كان في عصرهم ومن كان بعدهم إلى يوم القيامة.
هذا إذا قلنا: إن الضمير في (ها) يعود على القرية، وفهمتم الإشكال الذي يرد على هذا القول، ويش الإشكال الذي يرد على هذا القول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: العقوبة.
* الشيخ: إن (ها) تعود على القرية، وفيه إشكال وأجبنا عنه.
* طالب: الإشكال على القرية؟
* الشيخ: الإشكال على القرية: إنه لم يسبق لها ذكر، ما سبق لها ذكر، قولوا ما سبق لها ذكر، لكن أجبنا عنه شو هو؟
* طالب: بأنه مفهوم.
* الشيخ: بالسياق، مفهوم من السياق، بدليل قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾.
إذا قلنا بأن الضمير (ها) يعود على العقوبة، فجعلنا هذه العقوبة ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، يصير المراد: لما بين يديها وما خلفها من الأعمال، لا من الزمان ولا من المكان، يعني: جعلنا هذه العقوبة تنكِّلهم عما بين يديها من المعاصي وما خلفها، يعني: المعاصي اللي سبق أن فعلوها ما يفعلوها، ما يفعلونها، والمعاصي المستقبلة أيضًا ما يفعلونها؛ لأنهم كلما تذكروا هذه العقوبة خافوا منها، فهمتم ولَّا لا؟
ونحن قد ذكرنا فيما مر: أنه إذا كانت الآية القرآنية تحتمل معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما، وإذا كانا يتنافيان وجب الترجيح، فيعمل بالراجح، فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولَّا لا؟ مرت علينا هذه القاعدة وهي نافعة في التفسير، وفي الحديث أيضًا، أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين أيش؟
* طلبة: وجب، لا يتنافيان.
* الشيخ: لا، لازم من شرط: لا يتنافيان، وجب حملها عليهما؛ لأن كلام الله أوسع من مفهومنا، وإذا كانا يتنافيان -يعني: كالضدين والمتناقضين مثلًا- فإنه لا يمكن أن نحملها على معنيين متضادين، تحمل على الراجح منهما إن وجد مرجح، فإن لم يوجد مرجح وجب علينا أن نتوقف.
* طالب: ذكرت أنه إذا كانت هاء الضمير تعود على العقوبة ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، يعني: إذا أرادوا أن يفعلوا معصية تذكروا هذه العقوبة؛ لأنه هو نزل فيهم العقوبة وأصبحوا قردة مع الحيوانات، فكيف تذكروا؟
* الشيخ: إي نعم، هؤلاء القردة ماتوا صحيح، هذا وارد، لكن هؤلاء الجماعة ثلاثة أصناف: صنف سكتوا، وصنف نهوا، وصنف اعتدوا فقلبوا قردة وماتوا، هؤلاء الأصناف الآخرين الذين بقوا، يعني يَرِد عليهم أن يخطئوا فيعصوا الله، أليس كذلك؟ يمكن أن يخطئوا فيعصوا الله، ولكن يذكرون هذا الشيء فيمتنعون منه.
* طالب: (...).
* الشيخ: عملًا، لكن الأخير ما يصح إلا إذا جعلنا (ها) تعود على العقوبة.
* الطالب: عودها على العقوبة ماذا يكون المعنى؟
* الشيخ: يكون المعنى: ﴿جَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من الأعمال، يعني: تُنَكِّلُهم عن الأعمال، والمراد جنسهم؛ لأن السؤال الذي أورده الأخ وارد، لكن المراد جنسهم ولَّا اللي انقلبوا قردة ماتوا ما بقوا، فالمعنى أنهم يتذكرون إن أرادوا معصية سبق أن فعلوا جنسها تذكروا فارتدعوا، أو أرادوا معصية جديدة لم يسبق لها فعل جنسها أيضًا تذكروا وتركوا،
وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ جعلناها موعظة، أي: مكان اتعاظ، مكان اتعاظ لمن؟ للمتقين الذين يتقون الله، أما الذين قلوبهم قاسية ما عندهم تقوى، فإنهم لا يتعظون بهذه الأدلة، ودائمًا يقيد الله سبحانه وتعالى المواعظ بالمتقين، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وما أشبه ذلك؛ لأن القاسي قلبه لا يلين -نسأل الله العافية- ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧].
من هذا النوع: ما يوجد الآن في عصرنا، توجد الزلازل والكسوفات والفيضانات والرياح العاصفة، المتقي يتعظ بها ويخاف، ويعلم أن الله أرسلها عقوبة، وغير المتقي لا يلين قلبه ولا يتعظ ويقول: هذه مسائل طبيعية، ما لعقاب الله سبحانه وتعالى فيها أثر أبدًا، هؤلاء ليسوا بمتقين في الحقيقة، وإلا فالزلازل من العقوبات ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، والزلازل رجفة، رجفة في الأرض تزلزل بها ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [العنكبوت ٣٧].
ولهذا بعض الكتبة ما حذروا الناس من هذه الزلازل، ما حذروهم المعاصي، وإنما جعلوا يتكلمون ويقولون: هذه عبارة عن سلسلة زلازل ستمتد إلى جدة وإلى كذا وإلى كذا، أنا ذكروا لي واحدًا أمس يقول: كتبوا في الصحف أنها ستمتد إلى جدة وتروح كذا، وأن أهل جدة أخذهم من الخوف ما غاب وما حضر، وأنهم قالوا: سنرحل إلى مكة؛ لأن مكة ما جاءها زلزال، هكذا قالوا، وواحد حدثني من أهل جدة أمس عندنا يقول: حتى إنها اضطرت وزارة الإعلام أن تكذب هذا الخبر وتخلي ناس من الخبرا يتكلمون بالتلفزيون عن الزلازل وعن جدة ما يجيئها زلازل، وأن الزلازل أكثرها في البحار -من نعمة الله أنها أكثرها تكون في البحار، ما تكون في اليابس- هكذا سمعت ولا ما تبعت الخبر هذا؟ لكن كان الواجب على المسلمين، يا جماعة الواجب عليهم مو بهذا، الواجب أنهم يخوفون الناس مهما قلنا: إنها أسباب طبيعية، فمن الذي قدر أن يكون السبب الطبيعي في هذا الوقت المعين، وفي هذه الأمة المعينة إلا الله، معصيتهم مكتوبة، والطائفة مكتوبة، والزمن مقرر، والمكان مقرر، من قديم في الأزل، لنفرض أن هذه لها أسباب حسية، لكن تقديرها في زمن وفي الأمة التي سكنت على هذا الجزء الذي اهتز؟ هذا مو بتقدير الله؟ بتقدير الله عز وجل، إذن فهذا شيء مكتوب من قبل.
هؤلاء كتب عليهم أن يعصوا، ولكن طبعًا معلوم أنهم بين لهم الحق، لو اهتدوا لرفع عنهم العذاب مثل ما رفع عن قوم يونس، قوم يونس أخذهم العذاب لكن آمنوا، فرفع الله عنهم ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨]، ﴿فَلَوْلَا﴾ بمعنى: ما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها بعد أن نزل بأس الله بها إلا قوم يونس.
أنا قصدنا: أن المواعظ الشرعية التي تكون بالوحي أو المواعظ الكونية التي تكون بالفعل، بالتقدير، هذه ما ينتفع بها إلا المتقون المؤمنون العارفون بالله، أما غيرهم فلا ينتفعون بها، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قطعة من العذاب تنزل عليهم من السماء ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، نعم، نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧] وهذه من بلايا بني إسرائيل، استمعوا إليه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ قومه إضافة القوم إليه؛ لبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقول لهم إلا ما فيه الخير؛ لأن الإنسان سوف ينصح لقومه أكثر مما ينصح لغيرهم، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينصحون لأممهم عمومًا.
* طالب: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً﴾ إذا كان هذا الضمير يعود إلى القرية، فكيف تكون القرية هي الموعظة؟
* الشيخ: قلنا: موعظة: مكان اتعاظ.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة ٦٧] من قومه؟ بنو إسرائيل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالها في جوابٍ ذكره الله في أثناء القصة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٧٢].
قُتِلَ منهم نفس، وقد ذكر المفسرون هنا إسرائيليات كثيرة حول هذا الموضوع، ولكننا نحن لا يعنينا أن نعين من هذا القاتل ومن هذا المقتول، هل هو ابن عم؟ وهل هو يريد ماله؟ وهل هو يريد كذا؟ ما علينا من هذا، نعم، إنما قتلت نفس فَادَّارَؤوا فيها، يعني: تخاصموا وتدافعوا حتى كادت تثور الفتنة بينهم، ولا حاجة بنا إلى أن نعلل لماذا قتل أو لأي غرض، هذا ما هو من شؤوننا؛ لأن القرآن ما تكلم به، ولكن غاية ما يكون أن نأخذ عن بني إسرائيل ما لا يكون فيه قدح في القرآن أو تكذيب له، هم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها واختصموا، كل يدعي أن هؤلاء قتلوه، وكادت الفتن تقوم بينهم، فقالوا: ما حاجة إلى أننا نتقاتل ويُذهِب بعضنا بعضًا، نذهب إلى نبي الله موسى ويخبرنا من الذي قتله، فذهبوا إليه، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ صدّر الأمر من الله، ما قال: آمركم، ولا قال: اذبحوا، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ ليكون أدعى إلى قبولهم وامتثالهم؛ لأنه لو قال: اذبحوا بقرة، قد يتوهم متوهم أن هذا من اجتهاداته، من موسى، لكن إذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ ارتفع إيهام الاجتهاد، ولَّا لا؟ ووجب أن يكون قولًا جادًّا لا هُزْءًا، شوف ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾، ومع هذا اللفظ الصريح ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ -أعوذ بالله- أتهزأ بنا؟ مع أنه أسنده إلى الله، وهذا -والعياذ بالله- من عتوهم، كيف هو نبيهم ويعرفون أنه نبي ومؤمنون به، ويسند الأمر إلى الله، ثم يقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ هل هذا ممكن؟ ما يمكن، لو نسب الفعل إليه لقلنا، وإن كان بعيدًا، لكن قد يكون أنه يريد أن..، لكن هذا بعيد، يعني باعتبار أنه نبي ومعصوم عن أن يهزأ بالخلق ما يمكن يقع، لكننا نقول لهؤلاء تنزُّلًا مع عقولهم: لو أن موسى ﷺ قاله من عند نفسه لقلتم: لعل هذا اجتهاد منه وليس بأمر من الله، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ ثم يقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ ﴿هُزُوًا﴾ هذه مصدر، وهي بمعنى اسم المفعول، أي: أتتخذنا مهزوءًا به، ويجوز أن تكون هزءًا على بابها ويصير المعنى: أتتخذنا ذوي هزء، فحُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، على كل حال هي بمعنى: أتهزأ بنا؟ لكنها أشد؛ لأن اتخاذ الشيء معناه: الاستمرار فيه، اتخذت الشيء، أي: جعلته مأخوذًا لي، كأنه أمر أقبله وأستمر فيه، فهو أعظم من قولهم: أتهزأ بنا؟ يعني: كأنك اتخذتنا ألعوبة، ألعوبة لك، تقول: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؟ ويش علاقة البقرة بهذا المقتول؟ هذا هزء، لكن ماذا أجاب؟
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، ولم يقل: من المستهزئين ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، والمراد بالجهل هنا ليس ارتكاب الخطأ عن غير عمد، ولكنه ارتكاب الخطأ عن عمد؛ لأن الجهل يطلق على السفه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧]، يعني: أعوذ بالله أن أكون من ذوي الجهل والسفه، فأتخذ عباد الله هزوًا، ولا سيما وأنا أسندت الأمر إلى الله، هذا أمر مستحيل؛ ولهذا استعاذ منه؛ لأنه أمر لا يليق، أولًا: لا يجوز بالنسبة إلى إسناد الأمر إلى الله وهو ليس منه، والشيء الثاني: أنه لا يجوز أن يتخذ الإنسان أحدًا من عباد الله هزوًا، لا سيما في مثل هذا المقام.
وفي هذا دليل على أن الهزء بالخلق من السفه.
* طالب: لم يقل: من المستهزئين، لأيش؟
* الشيخ: لأجل أن يبين أن الاستهزاء بالخلق أو اتخاذهم هزوًا من الجهالة والسفه.
* طالب: أنت قلت شيخنا: الاتخاذ بمعني الاستمرار في الفعل، إذن قول الله عز وجل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف ١٤٨] فهم ما استمروا على ذلك؟
* الشيخ: لا لا، حتى جاء موسى.
* الطالب: يعني: ما استمروا طول حياتهم على ذلك.
* الشيخ: إي، ما هو لازم؛ لأن الاستمرار بحسب الشيء، ما هو بلازم أنهم يستمروا طول حياتهم، المعنى: أنهم بس مستمرين؛ لأن الفعل يدل على الاستمرار، اتخذت هذا ثوبًا، يعني: معناه بلبسه دائمًا حتى يبلى، وهؤلاء اتخذوه، ولولا أن موسى جاء لاستمروا عليه.
* طالب: هزوًا بضم الزاي، ولا؟
* الشيخ: هزوًا بضم الزاي، ما هي عندكم بضم الزاي؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: وعندي فيها قراءتان أيضًا: ﴿هُزْءًا﴾ و﴿هُزُؤًا﴾ ، ثلاثة، عندي فيها قراءتان غير اللي في الأصل.
وفيها أيضًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءة التسكين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (...).
* طالب: أيش وجهه؟
* الشيخ: وجه هذا التخفيف، ولا ما لها وجه؟
(...)
قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ﴾ ﴿أَعُوذُ﴾ بمعنى أعتصم بالله، والاستعاذة ما تكون إلا بالله سبحانه وتعالى، أو بأحد فيما يقدر عليه ولَّا لا؟ إي نعم «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ فَأَعِيذُوهُ» »[[أخرجه أبو داود (٥١٠٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]].
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إذن، تبرأ من اتخاذهم هزوًا، بل أبلغ من التبرؤ، سأل الله أن يعصمه منه، وأنه أمر جدير بأن يستعيذ المرء منه.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ ما رأيكم لو أنهم ذهبوا وذبحوا بقرة، وامتثلوا ما أمروا به؟ انتهى الأمر؛ لأن (بقرة) مطلقة أيسر، لكن بقرة مطلقة ما فيها أي وصف، لكنهم -والعياذ بالله- شددوا فشدد الله عليهم، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» »[[أخرجه البخاري (٣٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. نعم، كل أمور الإنسان اللي تطلب فيها التشديد تصاب بأشد، حتى في أمور الطهارة، نعم، بعض الناس مثلًا قد يصاب بوساوس، ثم ينفتح عليه ما هو أشد، أو يروح بيغسل ثوبه من شيء فيه شبهة (...) أصيب بنجاسة محققة، فيشتد عليه الأمر، فالحاصل لو أنهم ذبحوا بقرة -أي بقرة كانت- انتهى الموضوع، لكنهم -والعياذ بالله- ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾، شوف هذا الأسلوب الجاهل: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ما قالوا: ربنا، ولا ادع الله، كأنهم بعيدون من موسى ومن ربه سبحانه وتعالى، ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ جعلوه في منزلة المرسول لهم الخادم، نعم، الذي يدعو ربه هو -نسأل الله العافية- وهذا من عتوهم يدلك على أن بني إسرائيل -والعياذ بالله- عندهم عتو، وأن الله سبحانه وتعالى جعل موسى نبيًّا لهم، وأنهم جديرون بأن يكون لهم مثل موسى عليه الصلاة والسلام في القوة.
* فوائد في هذه الآية:
* أولًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجرًا.
* الفائدة الثانية: ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر وهو ثبوت الأجر وانتفاء الخوف والحزن، الخوف من أين؟ مما يستقبل، والحزن على ما مضى.
* الفائدة الثالثة: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر، فالذين هادوا والنصارى والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله واليوم الآخر، وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم وهم أكثر أجرًا، لكن لهم أجرهم.
* طالب: (...) الصابئون، القول الصحيح فيهم؟
* الشيخ: القول الصحيح أنهم من لا ينتسبون إلى دين في أصلهم، ما ينتسبون إلى دين، فإذا آمنوا بالله واليوم الآخر، يعني: مثل ما جاءتهم رسل ينتسبون إليهم.
* الفائدة الرابعة: أن الجزاء قد يختلف بحسب الأمم؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أجرهم، ما قال: الأجر وأطلق، ﴿أَجْرُهُمْ﴾، هذه الأمة يضاعف أجرها، والأمم السابقة لا يضاعف، أليس كذلك؟ إذن ﴿أَجْرُهُمْ﴾ تفيد هذا ولَّا لا؟ تفيد؛ لأنه أضاف الأجر إلى نفس المأجورين، فيعطون الأجر الذي قدر لهم وكتبه الله لهم، إن كان مضاعفًا فهو مضاعف، وإن كان غير مضاعف فهو غير مضاعف.
* الفائدة الخامسة: أنه إذا ذُكِر الثناء في الشر على طائفة، وكان منهم أهل خير، فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون (...)؛ لأنه بعد ما قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١] بين أن منهم من آمن بالله واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر، فله أجره ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا؛ لأنه من تمام الإيمان بالله: الإيمان بالرسل، والإيمان بملائكته، وكتبه، والقدر خيره وشره، كل هذا داخل في الإيمان بالله؛ لأن الله أخبر عنه.
قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٣، ٦٤].
* في هاتين الآيتين:
* أولًا: تذكير الله تبارك وتعالى لهذه الأمة –يعني: بني إسرائيل- بما أخذ عليهم من عهد في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وهذا التذكير معناه الالتزام، يعني: فالتزموا بالميثاق، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ : * ثانيًا ، عتو بني إسرائيل حيث لم يؤمنوا إلا من تحت السياط، كما يقولون، لماذا؟ ما آمنوا إلا حينما رفع فوقهم الطور، وقيل: إما أن تأخذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا أسقطناه عليكم، فحينئذٍ آمنوا، وهذا الإيمان في الحقيقة شبه اضطراري، وكل إنسان بيؤمن على الأقل خوفًا من الهلاك.
* وفيه أيضًا: دليل على قوة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف ١٧١]، من يحمل جبل الطور؟ ما أحد يستطيع، ما أحد يستطيع من الخلق أن يحمله، ولكن الله تعالى بقدرته حمله وصار كالظلة، الأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله بقدرته، كما أنه جل وعلا يمسك الطير ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك ١٩] إذا صار يقبض تقول: نعم يقبض إذا كان هكذا يدخل الهواء وحمل نفسه، لكن غريب أنه صافات، صافات ما تتحرك أجنحته، ومع ذلك تندفع أو تقف أحيانًا، من الذي أمسكهن؟ ما يمسكهن إلا الله. ففيها أيضًا: دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة مو بضعف ولين ومداراة، لا، لا بد بقوة، بالتطبيق والدعوة، تطبيق على أنفسهم والدعوة إلى ذلك بقوة بدون فتور، وبدون تراخي؛ لأنه ما تتم المسألة إلا بهذا.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الأخذ بالكتاب المنزل يوجب التقوى، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أي: لأجل أن تكونوا من المتقين لله عز وجل.
* الفائدة السادسة: لؤم بني إسرائيل أنهم بعد هذا لما رجع الجبل إلى مكانه، ماذا كان؟ تولوا ﴿تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، وهذا من اللؤم؛ لأن الواجب أن يذكروا الأمر الأول حتى يستقيموا ويستمروا على الأخذ بقوة، لكن هم تولوا من بعد ذلك، من بعد ما رأوا الآيات تولوا.
* الفائدة السابعة: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وهذه الأمة -ولله الحمد- فضل الله عليها أكبر من فضل بني إسرائيل.
* وفيه: دليل على أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق، من أين؟
وقوله: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة ٦٨] فيها بيان سوء أخلاق بني إسرائيل؛ لأنهم لم يقولوا: ادعُ الله لنا بل قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فكأنهم جعلوا أنفسهم في جانب وجعلوا موسى وربه في جانب.
وقوله: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ هذا الطلب ليس له وجه في الواقع؛ لأن اللفظ بيِّن ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧] والمطلق ليس مجملًا يحتاج إلى بيان، الذي يحتاج إلى بيان هو المجمل، وأما الشيء المطلق فإنه لا يحتاج إلى بيان لوضوح معناه، فإذا قلت مثلًا: أكرم رجلًا. ما يحتاج أن تقول: وأيش نوع هذا الرجل؟ إذا أكرمت أي رجل حصل المقصود ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ لو ذبحوا أي بقرة حصل المقصود، فالأمر بيِّن، ولكن لتعنتهم قالوا: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ صار هذا الطلب منهم تعنُّتًا لا استرشادًا؛ لأن الأمر واضح؛ وهو أن البقرة عند الإطلاق تشمل أي بقرة تكون، ولهذا لو ذبحوا أي بقرة صادفتهم لكفتهم.
﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ كلمة ﴿مَا هِيَ﴾ يسأل بها عن الماهية؛ يعني ما هذا؟ من الحجر؟ من الطين؟ من الحديد؟ ما هي ما الماهية؟ لكن موسى عليه الصلاة والسلام فهم أنهم لم يسألوا عن الماهية؛ لأن ماهية البقرة معروفة ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أحد تشكل عليه ماهية البقرة؟ هي من خشب ولا حديد ولا زبرجد ولا أيش؟
* الطلبة: لا، واضحة.
* الشيخ: ما تشكل، الماهية واضحة، فلا نقول: إن في هذا صرفًا لما سألوه وأنهم أُجيبوا بغير ما سألوا؛ لأنهم سألوا عن الماهية فأجيبوا ببيان سن البقرة، نقول: السؤال عن الماهية هنا معلوم لكل أحد أنه لم يكن، لماذا لا يكون؟
* الطلبة: لأنها معروفة.
* الشيخ: لأن ماهية البقرة معروفة.
﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ البِكر معروف اللي ما عمرها ولدت ولا قرعها الفحل، والفارض: تعرف بمقابلها، إذا كانت البكر هي الصغيرة التي لم يقرعها الفحل، فإن الفارض هي المسنة الكبيرة، وهذا -أي تفسير الكلمة، أو معرفة الكلمة بمعرفة ما يقابلها- له نظير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] لو قال لك واحد وأيش معنى ثُبات؟ تروح تطلع القاموس تدور معناها؟
* الطلبة: لا، تبين.
* الشيخ: لا، يتبين معناها بما ذكر مقابلًا لها وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يصير (الثُّبَات) معناه؟
* الطلبة: متفرقين.
* الشيخ: إي نعم متفرقين أفرادًا.
﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾
﴿عَوَانٌ﴾ أي: وسط، العوان بمعنى الوسط اللي لا هي كبيرة ولا صغيرة.
وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (ذا) اسم إشارة، والمشار إليه اثنان: الفارض والبكر، وفيه إشكال على هذا؛ لأنه سبق لنا في باب الإشارة أنه إذا كان المشار إليه اثنين وجب تثنية اسم الإشارة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وهنا اسم الإشارة مثنى ولا مفرد؟
* الطلبة: مفرد.
* الشيخ: مفرد، فما هو الجواب عن هذا؟ نقول: إن الجواب عنه: هو أن يقال ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي بين ذلك المذكور من الفارض والبِكر؛ يعنى معناها أنها لا تكون هكذا ولا هكذا، ولكنها عوان بين ذلك المذكور. قال: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ هذا الأمر منين؟
* الطلبة: من موسى.
* الشيخ: من موسى يقول لبني إسرائيل: ﴿افْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾، بأي شيء كان الأمر؟ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ولو أنهم امتثلوا وتعجلوا وذبحوا بقرة عوانًا بين ذلك لحصل المقصود. وهنا قال: ﴿افْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ حرصًا منه على مبادرتهم حتى لا يتشددوا مرة ثانية فيُشدد عليهم. وفي قوله: ﴿مَا تُؤْمَرُونَ﴾ من الآمر؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الله سبحانه وتعالى، وفيه إشكال في باب الموصول حيث إنه خالف قاعدة قرأناها.
* طالب: رابط.
* الشيخ: وأيش الرابط؟
* الطالب: ما تؤمرونه.
* الشيخ: ما تؤمرونه، ولا ما تؤمرون به؟
* الطالب: به.
* الشيخ: نعم، ما تؤمرون به، وأيش مخالفة القاعدة؟
* الطالب: الحذف.
* الشيخ: لا، حذفه موافق للقاعدة كثير ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣]. هذا كثير.
* طالب: لا بد نستفيد من ذكره من الالتباس.
* الشيخ: ما فيه التباس، من يعرف؟ اقرؤوا الموصول في حذف العائد.
* طالب: لأن وصل الموصول قصير، مع التي..
* الشيخ: لا لا، ما هو قصير جملة كاملة تؤمرون.
* طالب: اختلاف العامل.
* الشيخ: ما هو ذكرنا أنه إذا حُذف العائد المجرور يشترط إذا كان مجرورًا بحرف أن يكون مجرورًا بحرف يطابق الحرف الذي جر به الموصول لفظًا ومعنًى ومتعلقًا، وهنا الموصول مفعول أصلًا، الموصول مفعول به منصوب ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ افعلوا الذي تؤمرون به، وقد ذكرنا فيما سبق أن بعض العلماء ما يشترط هذا الشرط، وأنه يقول: إذا دل عليه دليل جاز حذفه وإن لم يجر الموصول بما جر به العائد، وإلا ابن مالك يقول:
كَذَا الَّذِي جُرَّ بِمَا الْمَوْصُولَ جَرْ ∗∗∗ كَــمُــرَّ بِالَّــذِي مَــرَرْتُ فَــهْــوَبَــرْ
إذن يكون هذا شاهدًا للقول الثاني في المسألة وهو أنه يجوز حذف العائد المجرور وإن لم يكن الموصول مجرورًا، ومن باب أوْلى وأحرى أنه يجر أيضًا بحرف لم يجر به الموصول.
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ وكان عليهم أن يفعلوا وإن لم يأمرهم نبيهم به، لكن هم أهل عناد وتعنُّت، ولهذا أمرهم أمرًا ثانيًا، ومع هذا ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ أعوذ بالله! وأيش عليكم من لونها؟! لكن كل هذا من باب التعنت والتشدد
﴿مَا لَوْنُهَا﴾ يعني: أي شيء لونها؛ سوداء، بيضاء، شهباء، ما هي؟
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة ٦٩] شُدِّد عليهم، بالأول عوان بين البكر والفارض، وبينهما زمن يعني لو جاؤوا مثلًا بواحدة قريبة من البكر أو واحدة قريبة من الفارض كبيرة حصل المقصود، لكن هنا شُدد عليهم ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ وأيش خرج بها؟
* طالب: ما عداها.
* الشيخ: ما عدا الصفرة من الألوان هذه واحدة، وهذا نوع قليل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ثانيًا: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفاقع يعني الصافي؛ بمعنى أنه ما فيه ما يشوبه ويخرجه عن الصفرة، وقيل: معنى ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي شديد الصفرة وهو كل ما كان صافيًا كان أبين في كونه أصفر.
أيضًا ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ يعني ليست صفرتها أيضًا صفرة توجب الغم أو صفرة مستكرهة، بل هي صفرة تفتح السرور لمن نظر إليها، وهذا أيضًا فيه تشديد من وجوه: ﴿صَفْرَاءُ﴾ و﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ والثالث: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ هذا معناه أن كم بقرة يمشون عليها ما يحصل لهم هذا الشيء.
وذكر بعض العلماء أن هذا فيه دليل على أن اللون الأصفر مطلوب لقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وجعل هذه الجملة بيانًا للواقع وقال: إن من لبس نعلًا أصفر لم يزل في سرور، ولكن هذا ليس بصحيح.
وإذا دار الأمر بين كون الجملة تأسيسية أو لبيان الواقع فالواجب أن تكون تأسيسية، وعلى هذا فنقول: إن ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ جملة مستقلة عما قبلها؛ يعني زائد على كونها صفراء فاقع لونها أيضًا تسر الناظرين، ليست صفرتها على وجه يغم الإنسان ولا على وجه يكرهه بل هي تسره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بين كون الجملة تأسيسية أو لبيان الواقع، مانو مفهوم؟ فإنها تأسيسية؛ يعنى تأسيسية بمعنى مستقلة تفيد معنى زائدًا عن الأول.
* طالب: شيخ، فيه حديث نهى عن لبس المعصفر؟[[أخرجه مسلم (٢٠٧٨ / ٣١) من حديث علي بن أبي طالب.]]
* الشيخ: إي نعم، المعصفر الأحمر يعني عصفر أحمر لونه.
* الطالب: بالنسبة لهذا الوصف الذي وصفه الله سبحانه وتعالى، الصفراء اللي، ولا مؤاخذة في البقرة الصفراء لونها بيبقى فعلًا جميل وبتكون صافية فعلًا يعني أي حتى لما الواحد يشتري من السوق أي بقرة عندنا السماسرة يدور اللي لونها أصفر كده وبتبص تلاقيها يعني مرغوبة وفي التمن أغلى من النوع التاني.
* الشيخ: طيب، هذا يعني دوره طيب، أظن أنتم.
* الطالب: فربنا يعني عايز يشدد عليهم.
* الشيخ: إي نعم. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ هذا أيضًا طلب ثالث. ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٧٠] اشتبه علينا البقرة المطلوبة، وفي الحقيقة هو في هذا اشتباه؟
* طالب: ما فيه.
* الشيخ: ذكر لهم أنها بقرة، وذُكر لهم سنها، وذكر لهم لونها، فأين التشابه؟ لكن بس آية من آيات الله سبحانه وتعالى لأجل أن يشدد الله عليهم ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠] .
يقول: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ صار بعضه يشبه بعضًا، المتشابه الذي يشبه بعضه بعضًا، إحنا ما ندري أيهم المقصود، وهذا من تعنتهم، وإلا فالأمر واضح. ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ الأخيرة هذه طيبة منهم ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أخذوا على أنفسهم أنهم سيهتدون، ولكنهم علقوا ذلك بمشيئة الله. قال بعض السلف: لو لم يقولوا: إن شاء الله، ما اهتدوا إليها أبدًا، ولكن كلمة (إن شاء الله) من أسباب تحقيق المطلوب كما قيل لسليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: «وَاللَّهِ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَطَافَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ شِقَّ إِنْسَانٍ»، ما حصل له ولا إنسان واحد، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ، وَلَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه، البخاري (٢٨١٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٤) بنحوه من حديث أبي هريرة.]] .
إذن، قولهم: إن شاء الله، هذه من الأمور المشروعة التي توجب للإنسان أن يصل إلى مطلوبه.
وقولهم: ﴿إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أكدوا الهداية هنا بمؤكدين وهما: إنّ، واللام، وتأكيد ثالث: الجملة الاسمية أبلغ من الجملة الفعلية، ما قالوا: وسنهتدي إليها إن شاء الله بل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
جاوبهم على هذا: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ هذا أيضًا تشديد زيادة على ما سبق. ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ الذلول على وزن (فَعُول)، وهي المتذلِّلة التي ذُللت لصاحبها، وصفها الذلول ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ و ﴿تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ مذلَّلة تثير الأرض بالحرث. أقول: تثير الأرض هذه المذللة، المذللة التي تثير الأرض بالحرث يحرث عليها وأظنكم تعرفون كيف يحرث على البقر تعرفونه؟
* الطلبة: إي نعم (...)
* الشيخ: إي نعم زين، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ يعني ما يُسنى عليها، ليست سانية ولا حارثة. وقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي من العيوب، ما فيها عيوب.
وقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ يعني ليس فيها لون يخالف لونها، مأخوذة من الوشي، وشي الثوب؛ يعني تلوينه بألوان مختلفة يُسمى وشيًا، فـ(شية) مأخوذة من الوشي مثل (عِدة) مأخوذة من الوعد، فمعنى ﴿لَا شِيَةَ﴾ ليس فيها لون ثانٍ يخالف لونها، ولونها -كما سبق- صفراء، إذن هي صفراء ما فيها سواد، ولا فيها بياض، ولا فيها أي لون آخر، وهذا كله من زيادة التشديد عليهم.
وبهذا التقرير نعرف أنه لا حاجة بنا إلى ما ذكره كثير من المفسرين هنا من الإسرائيليات التي قالوا فيها: إن هذه البقرة كانت عند رجل بار بأمه، وأنهم اشتروها منه بملء مسكها ذهبًا؛ يعني بملء جلدها ذهبًا، هذه كلها من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذب ولكن ما ينبغي أن نُنزل عليها كلام الله؛ لأن كلام الله عز وجل ما فيه إشارة إلى هذا، ولو كان هذا من الأمور الواقعة لكان من الحكمة أن يذكر، لماذا؟ لما فيه من الحثّ على بر الوالدين حتى نعتبر، فالصواب أننا نقول في تفسير الآية ما قال الله عز وجل، ولا نتعرض للأمور الأخرى التي ذكرها المفسرون هنا من الحكايات.
﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ شوف أعوذ بالله ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ طيب وبالأول؟
* الطلبة: على موجب كلامهم.
* الشيخ: على موجب كلامهم أنه في الأول ما أتيت بالباطل، وقد صدروا هذه القصة بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني الآن عرفنا أنك لست تستهزئ وإنما أنت صادق، هذا هو المتبادر من الآية الكريمة وليس بغريب على تعنتهم أن يقولوا مثل هذه الجملة، وقال بعض المفسرين اتقاء لهذا المعنى البشع، قال: إن المراد بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالبيان التام، يعني الآن بينت لنا أوصافها، فجعلوا الحق هنا بمعنى البيان، ولكن الصواب أن الحق هنا ضد الهزء والباطل، ويدل على ذلك أنهم صدَّروا هذه القصة بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ فبعد هذه المناقشات مع موسى والسؤالات والطلب من الله عز وجل قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقّ﴾ وعرفنا أنك لست مستهزئًا بنا بل إنك جاد فيما تقول.
﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني فطلبوها؛ لأن هذه الجملة فيها إيجاز يسمى في البلاغة: إيجاز الحذف، يعني إيجاز الحذف يُحذف جمل يدل عليه السياق، وإيجاز القصر يؤتى بجملة تشتمل على معانٍ كثيرة مع اختصارها، فقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩] مثلًا وأيش يسمى هذا؟
* الطلبة: إيجاز قصر.
* الشيخ: هذا إيجاز قصر؛ لأن هذه الآية كلمات معدودة تدل على معانٍ كثيرة، لكن ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص ٢٤، ٢٥]. هذه فيها إيجاز حذف ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن تقدير الآية: فسقى لهما، ثم ذهبتا إلى أبيهما وقصَّتا عليه القصة فأرسلهما إلى موسى، فجاءته إحداهما، أرسل إحداهما إلى موسى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء إلى آخره. وهنا قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لو أخذنا الآية على ظاهرها لكانت البقرة تكون عندهم جاهزة، ولكنها لا بد من طلب، طلبوا بقرة تنطبق عليها هذه الأوصاف بالسن واللون والعمل، السن؟
* طالب: السن، ما فهمت السؤال.
* الشيخ: أقول هذه البقرة وجدوها بالأوصاف، وجدوا بقرة انطبقت عليها الأوصاف بالسن واللون والعمل.
* الطالب: لا السن، اللون.
* الشيخ: السن وأيش هو؟
* الطالب: السن بكر.
* الشيخ: لا، ما هي البكر.
* طالب: البكر يا شيخ.
* الشيخ: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾.
* طالب: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وفي اللون؟
* الطالب: صفراء، لا تشبه لا أبيض لا أحمر طاغ بيّن.
* الشيخ: زين، وأيش بعد؟ كمّل؟ ولَّا تنظر بعد؟
* طالب: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
* الشيخ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ وأما قوله ليس فيها لون آخر ذكره؟
* الطالب: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾
* الشيخ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أيضًا في العمل؟
* الطالب: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾.
* الشيخ: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ إي نعم. وباعتبار السلامة هي أيضًا ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ذَبَحُوهَا﴾ كما أمرهم نبيهم ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هذه فيها كلام بين النحويين هل (كاد) مثل غيرها من الأفعال أو (كاد) عكس غيرها من الأفعال؛ لأن كاد بمعنى قارب ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة ٢٠] أي: يقرب من خطف أبصارهم.
فبعض العلماء يقول: إن (كاد) نفيها إثبات وإثباتها نفي، فإذا قلت: كاد يفعل كذا فمعناه أنه ما فعل، وإذا قلت: لم يكد يفعل كذا، فمعناه أنه فعل؛ لأن قوله شوف ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هم فعلوا ولّا لا؟
* الطلبة: فعلوا.
* الشيخ: فعلوا، ولكن الصواب بلا شك أنها كغيرها نفيها نفي وإثباتها إثبات، فإذا قلت: ما كاد يفعل، فمعناه أنه لم يفعل ولم يقارب الفعل، وحينئذٍ هل هؤلاء ما قاربوا الفعل؟ يقول: لولا قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لقلنا: إنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها.
فإذا قال قائل: هذا يؤدي إلى التناقض؛ لأنكم إذا قلتم: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ وما قاربوا أن يفعلوا صار تناقضًا؟
فيقال: لا تناقض لاختلاف الزمن، فهم ما كادوا يفعلونه قبل الذبح؛ يعني كل سؤالاتهم السابقة تعنت لعلهم يتخلصون ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ على مضض، فيكون نفي المقاربة مخالفًا للفعل في شنو؟ في الزمن، وحينئذٍ لا تناقض؛ لأن التناقض لو قلنا: ذبحوها في وقت لم يقاربوا ذبحها لكان هذا متناقضًا؛ لأن الذابح لا يقال: إنه ما يكاد يفعل؛ لأن الذابح فعل.
إذن (كاد) كغيرها من الأفعال ومعناها (قارب)، فإذا دخل عليها شيء من أدوات النفي نفى المقاربة، وإذا انتفت المقاربة انتفى الفعل ولّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: إذا قلت: ما قاربت أن أفعل، معلوم أنك ما فعلت، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وأما إثباتها إثبات، فإذا قلت: كدت أن أفعل، معناه قاربت الفعل، لكن ما فعلت، قاربت الفعل ولكنني لم أفعل واضح يا جماعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إذا قررنا هذا، أو إذا ثبت تقريرنا هذا يبقى في الآية الكريمة ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ كيف تقولون: إن (ما كادوا يفعلون) معناها: ما قاربوا أن يفعلوا والله يقول: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ هذا تناقض؟ فماذا نقول في الجواب؟
نقول: لا تناقض لاختلاف الزمن، فما كادوا يفعلون بالأول، ما قاربوا أن يفعلوا لتعنتهم، وفي الأخير فعلوا، وحينئذٍ لا تناقض، الإنسان بنفسه دائمًا يشعر بأنه لن يفعل هذا الفعل أبدًا، ثم لا يدري إلا وهو فاعله.
ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور ٤٠]؟ ما تنقض علينا ما قلنا؟
* الطلبة: لا.
* طالب: لم يرها.
* الشيخ: لم يرها يعني؟
* الطلبة: لم يرها.. شاهد لنا.
* الشيخ: إيه، شاهد لنا، يعني يظن بعض الناس أن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ يعني يراها بمشقة، يظن بعض الناس يتبادر إلى ذهنه هذا؛ إن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي أنه يراها بمشقة، والأمر ليس كذلك بل ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ معناه ما يراها، ولا يقارب رؤيتها، فيكون إذن هذا شاهدًا لما قررناه.
إذا قلت: كدت أطير فرحًا بنجاحي، هل أنا طرت؟
* الطلبة: قاربت.
* الشيخ: قاربت، ولكن لم أطِر، إذن هذا ماشي على الباب يعني، فقول بعض النحويين رحمهم الله: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، ليس بصحيح، وقد أبطل هذا ابن هشام في كتابه المغني.
* طالب: على ماذا استندوا؟
* الشيخ: استندوا لأنه إذا قال: ما كدت أن أفعل فهي تدل على أني؟
* الطالب: ما كنت فاعلًا.
* الشيخ: إني ما فعلت هذا الشيء، إني ما كدت أن أفعله، ولكني فعلته استدلوا بالآية، وفي الحقيقة ما يصير هذا. قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ» »[[متفق عليه، البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]] هل الرسول صلاها قبل الغروب ولّا لا؟
* الطلبة: صلى قبل الغروب.
* الشيخ: قبل الغروب؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: شوف ما قاربت أن أصلي العصر حتى قاربت الشمس الغروب.
* الطلبة: ما قاربت.
* الشيخ: هل صلاها قبل الغروب ولّا لا؟
* الطلبة: صلاها قبل الغروب.
* الشيخ: لا يا أخي؛ لأنه لما قال ابن عمر[[كذا، والصواب: عمر بن الخطاب، كما في البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩). ]] اللي قال هكذا، فقال الرسول: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ثم قاموا إلى بطحان فتوضؤوا وصلوا بعدما غربت الشمس».
* الطالب: لا، الظاهر صلوها بعد الغروب.
* الشيخ: إي، صلوها بعد الغروب؛ لأنه هنا قال: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي»، يعني ما قاربت الصلاة، ما قال: ما صليت حتى كادت، قال: ما قاربت أن أصلي؛ يعني ما أمكنني لشدة القتال أن أكون قريبًا من الصلاة، قريبًا من الصلاة ما هو فاعلًا للصلاة، قريبًا منها حتى كادت الشمس أن تغرب، لما قاربت الشمس الغروب.
* طالب: صلّى.
* الشيخ: لا، مو صلى، قاربتُ الصلاة، لما قاربت الشمس الغروب قاربت الصلاة فلما غربت صليت.
* الطالب: يا شيخ اللي قاله ما هو عمر؟
* الشيخ: قالها عمر والرسول قال: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» ».
* الطالب: قال: ما أيقظتني حتى (...).
* الشيخ: إيه إي نعم، اللي قالها عمر كما قلنا أخيرًا؛ اللي قاله عمر وقال الرسول: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ثم قاموا فصلوا.» فهنا الحديث ما يدل على أن عمر صلاها قبل الغروب بدلالة أنه ما قارب أن يصليها حتى قاربت الشمس الغروب، فلما قاربت الشمس الغروب قارب صلاتها، قارب أن يصلي، ثم هل صلَّى أو ما صلى؟
الحديث يدل على أنه ما صلى قام هو والرسول بعد الغروب وتوضؤوا من بطحان وصلوا.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٧٢] قرر الله القصة قبل أن يذكرهم بالسبب، قرر الله القصة لبني إسرائيل قبل أن يبين السبب، ما سبب قول موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؟
هذا هو السبب أنهم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها، تدافعوا، كل منهم يدعي أن هذا هو القاتل، وبلا شك أن هذا يحصل به فتنة عظيمة، والمقتول قد مات، ولا يمكن أن يخبر من الذي قتله بعد موته، فأراهم الله تبارك وتعالى بل أمرهم سبحانه وتعالى أن يذبحوا هذه البقرة لتكون آية، ويعرف القاتل لهذا القتيل، فهم بعد أن قتلوا هذه النفس وادارؤوا فيها، وأضاف القتل إليهم وإن كان بعضهم بلا شك لم يرضَ به، فالذين يطالبون بقتل القاتل لم يرضوا به، لكن -كما مر علينا من قبل- أن الشيء إذا فعله الأمة وسكت الباقون يعتبر فعلًا للجميع.
وقوله: ﴿ادَّارَأْتُمْ﴾ أيش معنى الادراء؟
* طالب: التدافع.
* الشيخ: معناه الاختلاف والتدافع، كل واحد منهم يدافع عن نفسه التهمة. ومنه «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» »[[قال ابن كثير في تحفة الطالب (ص ٢٢٦): لم أرَ هذا الحديث بهذا اللفظ، وأقرب شيء إليه ما رواه الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ». قال: وروي موقوفًا وهو أصح. وانظر نصب الراية (٣ / ٣٣٣)، والمقاصد الحسنة (ص٧٤).]] أي ادفعوها ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في هذا دليل على أنهم كتموا؛ لأن القاتلين لو اعترفوا بالقتل حصلت المدارأة؟
* الطلبة: لا، ما حصلت.
* الشيخ: ما تحصل المدارأة ولا يحصل شيء، ولكنهم كتموا فأخرج الله تبارك وتعالى ما كتموه بهذه الآية العظيمة.
* طالب: الأسئلة التي حصلت منهم هل كان قصدهم التخلص؟
* الشيخ: يبدو -والله أعلم- أنهم تعنتوا ليتخلصوا منها؛ لأن قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] يدل على هذا مثل ما إن الإنسان لو أمرك بشيء وأنت مثلًا تكره أن تمتثل تجدك تتعنت، وأيش تبغي، وأيش لونه، وأيش؟
* طالب: ألا يدل على حرصهم على التطبيق؟
* الشيخ: لا أبدًا، ولهذا الله يذكرهم هذا الشيء توبيخًا لهم، لو كان هذا حرصًا على التطبيق لكانوا يمدحون على هذا الأمر ما يقول الله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ لأن هذا فيه غاية الشناعة عليهم والعياذ بالله.
* طالب: شيخ، الأسئلة هذه كانت في مجلس واحد أو في عدة مجالس؟
* الشيخ: الله أعلم، ما أدري في مجلس واحد أو أنها في مجالس وهم يطلبون هذه البقرة ثم يرجعون إليه فيختلفون فيها ثم يرجعون إليه، الله أعلم، ما ندري.
قال: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ كل ما تكتمونه من الأمور فإن الله تعالى مخرجه. وهل هذا خاص بهم أو حتى في هذه الأمة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في يوم القيامة يوم القيامة معروف (...)، والعطف يقتضي المغايرة، فلا يصح تفسير الرحمة بالفضل، ولكن الفضل من آثار الرحمة.
* وفيه أيضًا: إثبات الأسباب وربطها بمسبباتها لقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ﴾ [البقرة ٦٤].
فهذا صريح في إثبات الأسباب، ولا أحد ينكر الأسباب إلا الأشاعرة فإنهم جاؤوا بأمر يضحك منه السفهاء دون العقلاء، وأيش قالوا؟ قالوا: الأسباب غير مؤثرة وآثارها تحصل عندها لا بها، فإذا دخلت ورقة في النار فاحترقت قالوا: النار ما أحرقتها، لكن احترقت عندها لا بها، وإذا أكلت طعامًا فشبعت، قالوا: ما شبعت بالطعام، ولكن عنده لا به مع أن الطعام لو يكدس عندك ولا تأكله ما شبعت، وكذلك النار لو تبقى عندها الأوراق والعيدان ما احترقت.
قالوا: أيضًا إذا ضربت زجاجة بحجر وانكسرت لم يحصل الانكسار بالحجر، ولكن عند الحجر، بينما أنك لو تضع ثقل الحجر هذا أربع مرات على الزجاج من دون قذف ما انكسر مع أنها على ظهرها على ظهر الزجاج ما هو بس عنده، فالمهم أن هذا الشيء يضحك منه السفهاء فضلًا عن العقلاء، وكل هذا من باب تنزيه أن يكون في ملك الله سبحانه وتعالى ما لا تتعلق به المشيئة، وهذا نقول: الله جعل الأسباب موجبة لمسبَّباتها وجعل المسبَّبات مربوطة بالأسباب، وهذا من حكمته.
* طالب: وجوب تبليغ ما أنزل الله لقوله ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.
* الشيخ: إيه ﴿اذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ إن كان لغيركم فهذا يدل على وجوب التبليغ، إن كان المعنى اذكروه في نفوسكم لأجل الاتعاظ فليس فيه دليل.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].
* فيها توبيخ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام على عدم الإيمان به، وجه ذلك؟
* طالب: العلم.
* الشيخ: أنهم علموا ما حل بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة، فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله.
* وفيه أيضًا دليل على تحريم الحيل، وأن المتحيل لا يخرج عن العدوان لقوله: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أولًا، الحيل أبلغ من الإتيان بالشيء على وجه الصراحة أولًا: لأنها جامعة بين المفسدة المترتبة على هذا الممنوع وبين مفسدة الخداع لله سبحانه وتعالى، فالمتحيل على الربا واقع في الربا وزائدًا على ذلك أنه خادع الله عز وجل، وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم ثم جملوها وباعوها وأكلوا ثمنها وجدت أنه أسهل مما يتحيل به كثير من الناس اليوم على الربا، أسهل ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، ونهانا الرسول عليه الصلاة والسلام كما في المسند بسند لا بأس به أن الرسول ﷺ قال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ؛ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهَ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» »[[لم نجد هذا الحديث في المسند، وإنما أخرجه ابن بطة في إبطال الحيل (ص٤٦-٤٧) من حديث أبي هريرة، قال الحافظ ابن كثير في التفسير (١ / ٢٩٣) و(٣ / ٤٩٣): «وهذا إسناد جيد»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٣/١٢٣): «هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارة ويحسنه تارة».]].
* الفائدة، هذه فائدة ثانية: أن المتحيل على المحرم واقع فيه ولا تنفعه الحيلة.
* الفائدة الثالثة: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنوب، كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن العقوبة أنهم قُلبوا قردة خاسئين، أولًا، فالذنب اللي فعلوه أنهم فعلوا شيئًا صورته صورة المباح، ولكن حقيقته غير مباح، صورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي، فهذه أن الجزاء من جنس العمل، ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ﴾ [العنكبوت ٤٠] إلى آخره.
* وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل لقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فكانوا في لحظة ما هم في توالد أنهم صاروا وأولادهم قردة، هم بلحظة انقلبوا -والعياذ بالله- قردة.
* الفائدة الخامسة: إثبات القول لله عز وجل لقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
* الفائدة السادسة: أن الذين قُلبوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت، أما الذين نُهوا عن السوء فقد نجوا، وأما الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف ١٦٤] فهؤلاء سُكت عنهم، أو نقول: أخذوا بعذاب بئيس لكن ما قلبوا قردة.
* الفائدة السابعة في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ إما زمانًا وإما مكانًا، وقلنا: ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ بالنسبة للزمان يعني الموجودين في عصرهم ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من يأتي بعدهم، أما إذا كان مكانًا فالمسألة واضحة اللي بين يديها اللي أمامها واللي خلفها من حولها يعني ما بين يديها وما خلفها من حولها.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة أن العقوبات تكون تنكيلًا لغير العامل.
* الفائدة الثامنة: يمكن أن نأخذ من هذا فائدة الحدود الشرعية التي تثبت في الدنيا، الحدود الشرعية وعقوباتها؛ عقوبة الزنا، عقوبة السرقة، إلى آخره. من فوائدها أيش؟
* الطلبة: أنها نكال.
* الشيخ: أنها نكال لغير الفاعل وللفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب.
* الفائدة التاسعة: أن الذين ينتفعون من مثل هذه المواعظ هم المتقون.
* الفائدة العاشرة: أن المواعظ قسمان: كونية وشرعية، كونية هي قدرية، كونية وشرعية، هنا كونية ولا شرعية؟ الموعظة؟
* الطلبة: كونية.
* الشيخ: كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالًا لما بين يديها وما خلفها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس ٥٧]. هذه موعظة شرعية، أيهما أقوى؟ المواعظ الشرعية أو الكونية؟
* الطلبة: الكونية.. حسب.
* الشيخ: أما للحمير فالكونية أعظم، وأما للمؤمنين فالشرعية أعظم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالقضاء بالمقدورات، لكن بليد الحمار ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة ٥]. هذا يتعظ بالأمور الكونية أعظم. ومع ذلك إذا جاءت قسوة في القلب..
لقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ومهما يكتم المرء يعلمه الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥].
وفيه * -الفائدة السادسة-: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل في بيان الأمر الواقع، فإن من نعمة الله أن يبين لهم الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ألا يستفاد به -أيضًا- أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف والنزاع من نعمة الله؟ إي نعم، يعني: مثلًا إذا اختلفنا في أمور وكاد الأمر يتفاقم حتى يصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه، فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف وهذا النزاع.
* طالب: ما يستفاد شيء من ذكر السبب بعد حكاية الأمر؟
* الشيخ: بعد حكاية القصة؟
* الطالب: إي، تأخيره.
* الشيخ: فائدة تأخير ذكر السبب قبل القصة هو المبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ﴿قُلْنَا﴾ على لسان موسى، كذا ولَّا لا؟
* فيستفاد منه: أن قول الرسول قول لمرسله، طبعًا إذا كان بأمره، قول الرسول الذي يكون بأمر الله يكون قولًا لله.
* الفائدة الثانية: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم، ويش الدليل؟
* الطلبة: ﴿بِبَعْضِهَا﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾، أبهمه الله، ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داعٍ؛ لأن المقصود الآية.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمعنى، معنى القصة وغرضها دون من وقعت عليه؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا جاء في الحديث: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كذا وكذا، تجد بعض الناس يتعب ويتكلف في تعيين هذا الرجل، وهذا ليس بلازم، المهم ما هو؟ معنى القصة وموضوعها، أما أن تعرف ما هذا الرجل، ما هذا الأعرابي، ما هذه الناقة مثلًا، ما هذا الحمار؟ ما هو لازم إذ إن المقصود في الأمور معانيها وما توصل إليه، فلا يضر الإبهام في هذا الأمر من قوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾، والله تعالى قد عينه لهم ما فيه شك، أو أن الله أبهمه عنا نحن فقط فقال: ﴿بِبَعْضِهَا﴾ ولم يُبيِّنه لنا؛ لأن هذا ما هو أمر مهم.
* ونستفيد منه فائدة: إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط ولا عين لهم، نستفيد منه فائدة: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين، يعني: إذا قيل لك: افعل بعض هذه الأشياء، أسهل مما إذا قيل لك: افعل هذا الشيء، ولَّا لا؟ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة (...).
وصفهم بالقسوة بقسوة القلب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
* وفيها أيضًا: دليل على لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم، ومع ذلك فإنهم لم يلينوا للحق، بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم عندهم.
وفيها أيضًا * -الفائدة الثالثة-: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن الحجارة أمر محسوس، والقلب قسوته أمر معقول، إذ إنه ليس المعنى أن القلب اللي هو المضغة يقسو، القلب هو هو، لكن المراد أنه يقسو بإعراضه عن الحق واستكباره عليه، فهو أمر معنوي شُبه بالأمر الحسي، وهذا من بلاغة القرآن: تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين.
* وفيه: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل، ولم يقل: كالحديد؛ لأن الحديد يلين بالنار.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الحجارة تفترق عن قلوبهم؛ لأن فيها خيرًا، وهي: ﴿مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهؤلاء -والعياذ بالله- على العكس.
* وفيها أيضًا: دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وهذه الصفة من صفات الله سبحانه وتعالى السلبية أو الثبوتية؟
* طالب: السلبية.
* الشيخ: هي سلبية ولّا ثبوتية؟ هل أن الله نفاها عن نفسه ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ أو أثبتها؟
* الطلبة: نفاها.
* الشيخ: هل قال: إن الله غافل؟ أو ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فهي صفة سلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية التي ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه تتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة، وإثبات كمال ضدها، فهنا نقول في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ نفي غفلة الله سبحانه وتعالى عن عملهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* وفيها: إثبات كمال ضد ذلك، وهو العلم والمراقبة أن الله سبحانه وتعالى رقيب على أعمالهم عالم بها ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* وفي هذه الآية من الفوائد: أن الجمادات تعرف الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على أنها تعرف الله، وهذا أمر معلوم من آيات أخرى في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤].
* وفيها أيضًا من الفوائد: عظمة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فمن علم عظمة الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يخشاه ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
* وفي الآية أيضًا: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار، ولَّا لا؟ وكان موسى ﷺ يضرب بعصاه الحجر، فينبجس ويتفجر عيونًا بقدرة الله تبارك وتعالى.
البقرة 2:75
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٧٥].
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، والمراد به الاستبعاد والتيئيس، أي: تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم، وقوله: ﴿تَطْمَعُونَ﴾ الطمع معناه: الرجاء المقرون بالرغبة الأكيدة، يعني: أنكم أنتم تطمعون ترجون مع رغبة؛ لأن الذي يرجو الشيء مع الرغبة فيه يقال: طمع فيه، يعني أنكم تطمعون هذا الشيء.
وقوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الإيمان هنا بمعنى التصديق، يعني: أن يصدقوا لكم، ويتبعوا لكم، وهذا أمر بعيد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، و(الواو) هنا للحال، و(قد) للتحقيق، فالجملة في محل نصبٍ حالًا من الواو في ﴿يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يعني: والحال أن فريقًا منهم يسمعون كلام الله.
وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الفريق بمعنى الطائفة، وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود الذين كانوا في المدينة.
وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ هل هذا السماع سمع لكلام الله سبحانه وتعالى حقيقة أو سمع للتوراة تتلى كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]؟ يحتمل هذا وهذا؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن المراد بالفريق هنا: الذين اختارهم موسى وهم سبعون رجلًا لميقات الله سبحانه وتعالى، وأن الله لما كلمه وسمعوه يكلم الله قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥] وحرفوا كلام الله، وقيل: بل المراد بسماع كلام الله: سماعهم للتوراة تتلى، ومع ذلك يحرفونها من بعد ما عقلوها، فعليه يكون قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: من غيره،كما في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦].
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ التحريف: التغيير، ومنه قولهم: حَرَفْتُ الدابةَ، يعني: غيرت اتجاهها، التحريف معناه التغيير، وهو نوعان: تغيير لفظي، وتغيير معنوي، أما التغيير اللفظي فمعناه: أن يغير نفس اللفظ، مثل قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة ٥٨]، قالوا: حنطة في شعيرة، شوف حطة، غيروه قالوا: حنطة، هذا نسميه تغييرًا؟
* طالب: لفظي.
* الشيخ: لفظيًّا، تغييرًا لفظيًّا، ومثل ما غير بعض المبتدعة في كلام الله من هذه الأمة ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، فقرأها: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، علشان يكون الكلام من أين؟ من موسى؛ لأنهم قالوا: الله مو بيتكلم والعياذ بالله وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، هذا نسميه تحريفًا لفظيًّا، وهو يتبعه التحريف المعنوي، وأحيانًا لا يتغير به المعنى، التحريف اللفظي قد لا يتغير به المعنى، لكنه جناية واعتداء، مثل لو قال: الحمد للهِ، قال: الحمد للهَ، المعنى ما يتغير، لكن لفظه تغير، والغالب أن هذا التحريف الذي هو تحريف لفظي بغير تغيير المعنى، الغالب أنه ما يقع إلا من إنسان جاهل، أو إنسان يريد ذبذبة الناس، وإن كان المعنى لا يختلف، هؤلاء حرفوا الكلم، ومثال تحريف الكلم مثل ما قلنا: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة ٥٨] فقالوا: حنطة.
التحريف المعنوي أن يُبقي اللفظَ كما هو، ولكنه يغير معناه ويقول: المراد به كذا، مما لا يريده الله سبحانه وتعالى به، مثل: الذين قالوا في ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] قالوا: استولى على العرش، وقالوا في اليدين: هما القوة والنعمة وما أشبه ذلك، هؤلاء حرفوا معنًى ولم يحرفوا اللفظ، اللفظ باقٍ على ما هو عليه، لكن المعنى غيروه؛ لأن استوى على العرش ويش معناها؟ أي: علا عليه واستقر، ما هو بمعنى استولى عليه، بل معناه علا عليه واستقر، وكذلك اليد المراد بها يد حقيقية، لكن ما هي مثل أيدينا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
يحرفون كلام الله، كلام الله، يعني: التوراة بالنسبة لليهود؛ لأنها كلام الله سبحانه وتعالى كتبها الله تعالى لموسى بيده، يحرفون كلام الله.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ ﴿عَقَلُوهُ﴾ فهموه، وهذه الكلمة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ الغرض منها إثبات أن تحريفهم كان عن علم؛ لأن من الناس من يحرف الكلم لكن عن جهل، لو جاء واحد يقرأ القرآن ويكسره ما يقيم حروفه نقول: هذا محرف ولَّا لا؟
* طالب: محرف.
* الشيخ: محرف، لكن ليس عن علم، والذي تترتب عليه العقوبة إذا كان بعد العلم؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ عقلوه وفهموه، ولكنهم -والعياذ بالله- حرفوه وغيروه.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يعلمون أن التحريف محرم وغير جائز، ولكنهم تعدوا الحدود وحرفوا كلام الله، إذا كان هذا بالنسبة لكتابهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، فهل أحد يطمع في أن يؤمنوا للرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا؛ ولذلك ما آمنوا، ما آمن من اليهود إلا نفر قليل، ولَّا غالبهم بقوا على كفرهم وحصل ما حصل -ولله الحمد- من غزوهم وإخراجهم من ديارهم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب ٢٧]، فهؤلاء يبعد أن يؤمنوا لكم؛ لأنهم يحرفون كلام الله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وبالمناسبة يقولون: إن.. ذكرت صحيفة الكويت في المجتمع في العام الماضي في أربع وعشرين ربيع الثاني تقول: إن النصارى اختصروا الإنجيل، اختصروا منه نحو أربعين بالمئة؛ لأنهم قالوا: هذه الكلمات ما لها داعي، هذا ويش يعتبر؟ تحريف من وراء تحريف؛ لأن أصله محرف، وكذلك التوراة محرفة، ثم جاؤوا هؤلاء واستطالوا الكلام قالوا: إذن نختصره، نأخذ ستين بالمئة فيها بركة، يمكن بعد سنين بعد يأخذون بعدهم أربعين بالمئة يبقى عشرين بالمئة، اللهم عافنا.
المهم أن دأب اليهود والنصارى هو التحريف، ولكن مع الأسف أن من هذه الأمة من ارتكب ما ارتكبت اليهود والنصارى، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٧٣٢٠)، ومسلم برقم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري، وأحمد في مسنده برقم (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي واللفظ له.]]، فحرفوا كتاب الله وحرفوا سنة رسول الله ﷺ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي معلوم، نعم هذا ما هو تحريف للنص، هذا استكبار عن العمل به، إي نعم، التحريف أنه يبقي اللفظ لكن يقول: معناه كذا وكذا، وهذا هو التحريف، وقد وقع التحريف في الكتاب والسنة مثل ما مثلنا، مثلنا بأمثلة من هذا.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ ﴿إِذَا لَقُوا﴾ الضمير يعود على من؟ على بني إسرائيل والموجود في المدينة اليهود، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قابلوهم واجتمعوا بهم، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله ورسوله محمد ﷺ، ﴿قَالُوا﴾ هذا جواب (إذا): إذا لقوا قالوا، والقول يكون باللسان ولَّا بالعقيدة؟
* الطلبة: باللسان.
* الشيخ: باللسان وبالعقيدة، لكن هم هنا يقولون باللسان.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: آمنا كإيمانكم، ﴿آمَنَّا﴾ يعني: بالرسول محمد ﷺ، هذا إذا لقوا المؤمنين، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يعني: انفرد بعضهم، ولم يقل: ببعض، بل قال: ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾؛ لأن (إلى) تدل على الإيواء، يعني إذا أوى بعضهم إلى بعض وخلا به وانفرد به ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الاستفهام هنا للإنكار، والهاء في قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ يعود إلى المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: يقول اليهود بعضهم لبعض إذا اجتمعوا: كيف تحدثون المؤمنين -يعني: الذين آمنوا بالله ورسوله- كيف تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ يعني: لأيش تحدثونهم بالشيء الذي فتح الله عليكم بعلمه وعلمتموه؛ لأن اليهود يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ما يشكون فيه، ولكنهم تركوا الإيمان به استكبارًا، فهم يقولون: كيف تحدثون هؤلاء بالشيء الذي فتح الله عليكم به فأعلمكم إياه؟
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هذا للتوبيخ، يعني: وين عقولكم؟ أنتم إذا حدثتموهم بهذا وقلتم: إن هذا الذي بعث حق وأنه نبي، يحاجونكم به عند الله، كيف يحاجون به عند الله؟ متى؟ يوم القيامة، وفي هذا دليل على أن الله تعالى يفتح خصومة للمؤمنين والكافرين يوم القيامة، كما تدل على ذلك آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة ٣]، ومثل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة ١١٣]، وكذلك أيضًا في سورة (حم) أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحكم الله بينه وبين خصومه، فالمهم أن المؤمنين يفتح الله بينهم وبين خصومهم يوم القيامة حكومة، فهنا يقول: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، فيقول المسلمون لليهود يوم القيامة: أنتم أعلمتمونا بأن محمدًا ﷺ رسول حق، ومع ذلك كفرتم به وحملتم السلاح عليه، فهذه حجة بينة..
* طالب: لقولهم: آمنا (...).
* الشيخ: إي نعم، آمنا كإيمانكم، أي: بأن الرسول حق وأن الدين حق.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني: الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، واللام في قوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ اللام للتعليل ولَّا للعاقبة؟
* طالب: للعاقبة.
* الشيخ: اللام للعاقبة؛ لأن اللام المقترنة في الفعل المضارع الناصبةَ له تكون للتعليل وتكون للعاقبة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، ويش رأيكم في اللام هذه؟
* الطلبة: للعاقبة.
* الشيخ: للعاقبة، هم ما التقطوه لهذا الغرض، لو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا ما التقطوه بل قتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا، هنا ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هذه للعاقبة ولَّا ما حدثوا المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام بما فتح الله عليهم من شأنه لأجل أن يحاجهم المؤمنون، ولكن هذه في الحقيقة فيها إقامة حجة عليهم بلا شك، حجة واضحة أنهم أقروا بالرسول ﷺ، وأن الله تعالى مرسله، ثم كذبوه وقاموا ضده، حجة بينة واضحة.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الهمزة قلت: إنها للاستفهام والمراد به التوبيخ، وهنا الفاء، ويش هي عاطفة عليه؟ أقول: إن هذا يكثر في القرآن ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس ٥١]، وأشبه ذلك، يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام، وهمزة الاستفهام من المعلوم أن لها الصدارة في جملتها، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولا صدارة مع وجود الواو، ما فيه صدارة مع وجود الواو؛ لأن الواو عاطفة، فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة والواو جملة محذوفة عطفت عليها الجملة الأخرى، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام، وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة، وإن حرف العطف هو الذي تأخر، يعني: زحلق حرف العطف عن مكانه وجعلت الهمزة مكانه، فعلى هذا يكون التقدير؟
* طالب: فألا تعقلون.
* الشيخ: فألا تعقلون، يكون التقدير هكذا، أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؟ أو أسفهتم فلا تعقلون؟ المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق، الأول الحقيقة أنه أدق، الذي يقول: إن الهمزة داخلة على شيء محذوف، أدق، والثاني أسهل؛ لأن الثاني ما يحتاج عناء وتكلف ما الذي تقدره، ما حاجة، ما يحتاج؛ فلهذا طالب العلم المبتدي يناسبه؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: القول الثاني؛ لأنه يقول مثلًا: الفاء هنا حرف عطف، والهمزة سابقة عليه، وهو معطوف على ما سبق، ولا حاجة أن يكلف نفسه عناء التقدير والمناسبة.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة 77] يعني: كيف يؤنب بعضهم بعضًا بهذا الأمر وهم لو جاؤوا إلى النبي ﷺ ومن معه وأنكروا نبوته ولم يؤمنوا، فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر، يعني: سواء أقروا أو ما أقروا عند الصحابة أن الرسول حق، فإن الله تعالى عالم بهم.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم، وقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ﴾ هل هذا توبيخ حيث نزلوا أنفسهم منزلة الجاهل؟ نعم هو هكذا، ولا يظهر لي أن معناه التقرير وأنه مثل قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شرحنا لك، وإن كان محتملًا أن يكون المعنى ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: قد علموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، لكن كونه للتوبيخ أبلغ؛ لأن التوبيخ يفيد أنهم علموا وأنهم وبخوا على ذلك، على العمل الذي سلكوه؛ لأن هذا العمل اللي سلكوه إنما هو عمل من يظن أن الله لا يعلم.
وقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما المراد بالإسرار هنا يا جماعة؟ في نفوسهم ولَّا حديث بعضهم مع بعض سرًّا؟
* الطلبة: يشمل الاثنين.
* الشيخ: يشمل الاثنين؟ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
* الطلبة: حديث بعضهم مع بعض.
* الشيخ: ما يظهرونه للناس، فقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يشمل ما يسره الإنسان منه في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يعلنه الإنسان لعامة الناس، فالله تعالى يعلم هذا وهذا، لا يخفى عليه شيء.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ منين؟ من اليهود، ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع (أميّ)، والأميّ هو الذي لا يفهم القراءة، إما لا يفهم لفظها أو لا يفهم معناها، لو إن حتى اللي ما يفهم المعنى يسمى: أميًّا؛ لأن قراءة اللفظ بدون فهم المعنى ما يفيد، الأمي يشمل من لا يعرف القراءة، ومن يعرفها ولا يعرف المعنى؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: لا يدرونه ولا يصل إلى قلوبهم علمه، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (إلا) هنا الاستثناء منقطع، يعني: لكن أماني، ويجوز أن يكون متصلًا، أي: لا يعلمونه إلا علم أماني، و(الأماني) جمع (أمنية)، والأمنية تحتمل معنيين:
أحدهما: ما يتمناه الإنسان في نفسه، والثانية: القراءة، والمعنى الثاني أنسب بالآية، يعني: ما يفهمون القرآن ولكنهم يقرؤونه بدون فهم، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج ٥٢] أي: في قراءته، ومنه قول الشاعر في عثمان رضي الله عنه:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ
تمنى بمعنى: قرأ كتاب الله، فقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ جمع أمنية وهي القراءة، وما أكثرهم اليوم في المسلمين! أكثر المسلمين اليوم ما يعرفون القرآن إلا أماني، ولا يحرصون على أن يفهموا معنى القرآن؛ لأن هذا خلاف الواقع، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله يقول: الآن إنسان لو بيقرأ الطب أو يقرأ الحساب أو يقرأ النحو، هل هو يجي على كتب هذه الأشياء ويمر بها لفظًا ويمشي؟ ولا يتأمل معناها ويطلب من يفسرها له ويشرحها له حتى يعقله؟ أيهما الحقيقة؟ الثاني. إذن، إذا كنت تطلب الاهتداء بالقرآن الكريم، فكيف تهتدي به وأنت لا تعرف معناه؟ ما يمكن، ومع هذا القرآن الكريم إذا تدبرته تيسر لك، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧].
وأكثر الناس ما يهتم بهذه الناحية، بتأمل وتدبر القرآن الكريم ومعرفة معناه، قليل من يكون هذا طريقه بالنسبة للقرآن؛ ولذلك الآن نزعت بركة القرآن من كثير من الناس؛ لأنهم لا يتبركون به إلا لفظًا، حتى إنك تسمع بعض الإخوان في متاجرهم عنده مسجل للقرآن الكريم، مسجل، هذا المسجل يقرأ القرآن بصوت مرتفع، وعنده في الدكان من يشتم ويسب ويضحك ويسخر ويكذب بالبيع وكل شيء، ويش يصير الحقيقة موقف الإنسان وكتاب الله تعالى فوق رأسه يسمع؟ استهزاء بالقرآن، لكن هم يقولون: هي تبركهم، ما هذه بركته، بركة القرآن في العمل به وبما يترتب عليه من ثواب، أما إنك تهين القرآن والله..، يعني: لو أنه ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]، لو أن الملك أمامك الآن يتكلم بمكبر صوت ويشوفونك العيون ويتكلم، وأنت تتكلم وتسخر وتضحك ويش (...)؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ما تدري (...) فكيف الآن بكلام الله عز وجل؟ فالمهم إن أنا أقول الآن: مع الأسف الشديد إن كثيرًا من المسلمين بالنسبة لكتاب الله على هذه الحال لا يعلمونه إلا أماني.
قال: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ما يعرفون؛ لأن الإنسان اللي ما يعرف اللفظ ما عنده علم ليس عنده إلا الظن، وقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ هذه عاملة ولَّا غير عاملة؟
* طالب: غير عاملة.
* طالب آخر: لأنه انتقض النفي.
* الشيخ: لانتقاض النفي، هذه غير عاملة؛ لأن النفي انتقض، يعني: ما هم إلا يظنون (...).
من قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ إلى آخره.
فيستفاد من هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، يستفاد منه فوائد متعددة:
* أولًا: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فيبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن الذي يسمع كلام الله ثم يحرفه أبعد إيمانًا بقول هؤلاء، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، يعني خلاصة الفائدة: أن من لا يؤمن بما هو أظهر يبعد أن يؤمن بما هو أخفى، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.
* الفائدة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى يسلي رسوله ﷺ بما يذهب عنه الأسى والحزن؛ لأن الرسول سيحزن إذا لم يؤمن هؤلاء، ولكن الله يبلغه أن هؤلاء قوم عتاة، فليس منك تقصير، ولكن سوء حالهم هو الذي منع استجابتهم.
* الفائدة الثالثة: إثبات أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وكلام الله تبارك وتعالى صفة حقيقية تتضمن اللفظ والمعنى، فهو سبحانه وتعالى يتكلم بحروف وأصوات مسموعة؛ ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن كلام الله سبحانه وتعالى من صفاته الفعلية باعتبار أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآحاد، باعتبار آحاده، وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية، والفرق بين الصفات الذاتية والفعلية: أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله، لازمة لذاته أزلًا وأبدًا، ويش معنى أزلًا؟ أي: فيما مضى، وأبدًا: فيما يستقبل، هذه الصفات الذاتية، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحدث إذا شاء، بناء على هذا نقول: الغضب من أي النوعين؟
* الطلبة: فعلية.
* الشيخ: فعلية، والرضا فعلية، والمحبة فعلية، وأشياء كثيرة من الأفعال: الاستواء على العرش؟ فعلية، علوه على الخلق؟
* الطلبة: ذاتي.
* الشيخ: ذاتية.
* الفائدة الخامسة: الرد على الأشعرية وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الحروف عبارة عن كلامنا وليست كلام الله، يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس ما هو الكلام اللي يسمع، ويستدلون لقولهم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فجعل الله ما في النفس قولًا، وبقول الشاعر:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ∗∗∗ جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِدَلِيلَا
ويستدلون أيضًا: بأنه لو قيل: بأن الله يتكلم بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، والله سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، إذن فكلامه معنًى قائم بنفسه، ويخلق سبحانه وتعالى أصواتًا تسمع تعبر عما في نفسه، وكلامهم هذا باطل، أما استدلالهم بالآية: ﴿يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة ٨]، فنقول: إن هذا القول قول مقيد ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وهو حجة عليكم لا لكم؛ لأنه يدل على أن القول المطلق يكون في النفس ولَّا بخلاف ذلك؟
* طالب: بخلاف ذلك.
* الشيخ: بخلاف ذلك، ولولا أنه يدل على هذا ما احتاج إلى القيد في أنفسهم، فالحمد لله ما من إنسان يستدل بدليل صحيح إلا كان استدلاله عليه.
وأما قولهم: (إن الكلام لفي الفؤاد) إلى آخره، فنقول: أولًا: إن هذا القول ينسب للأخطل، والأخطل جاء بعد تغير اللسان، وهو أيضًا رجل نصراني ما يؤخذ بقوله، ثم من قال: إنه قاله؟ فيحتاج إلى إثبات أنه قاله، وإذا وصل إليه، فوراءه الآفات بعد وصوله إليه.
وأما قولهم -الوجه الثالث-: إنه لو كان كلامه بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، فيقال: هذه القضية من قالها لكم: إن ما كان محلًّا للحوادث فهو حادث؟ ثم إننا نقول: إن كان يلزم من التزامنا بأنه محل للحوادث (...) الخالق وتقييدنا لا تستلزم نقصًا في الخالق مما لو قيل: الأكل صفة كمال في المخلوق، واللي ما يأكل أنقص من الذي يأكل؛ ولهذا لا يأكل الإنسان إذا مرض واعتلت صحته، والنوم صفة كمال للمخلوق، فهل تثبتونها لله؟ قلنا: لا، ما نثبتها لله؛ لأنها صفة نقص، وهي في نفس الوقت في المخلوق صفة نقص؛ ولذلك إذا كمل المخلوق في الجنة ما يحتاج إلى نوم ولَّا لا؟ ما يحتاج إلى نوم لكمال حياته، أما الأكل فهو أيضًا لا يحتاج إلى الأكل لبقائه؛ لأنه مخلد، لكنه يحتاج إلى الأكل للتلذذ والتفكه به، إي نعم.
الحاصل أن قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] يدل على أن كلام الله تعالى مسموع، وأنه بصوت.
بقينا: هل الحروف التي نطق الله بها هي الحروف التي يستعملها الناس في لغاتهم؟ ما تقولون؟
* الطلبة: هي.
* الشيخ: نعم، هي التي يتكلم بها الناس في لغاتهم، لكن كيفية أدائها والصوت بها، هذا هو الذي لا يشبهه شيء، ما يمكن أن نقول: إن تصويت الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمات كتصويت الإنسان، هذا ما يجوز؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، أما الحروف فهي الحروف.
ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله ولَّا لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾.
* الفائدة -أظنها السابعة-: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود؛ لأنهم حرفوا بعد ما عقلوا، بعد ما عقلوه، والتحريف بعد العقل -بعد عقل المعنى- أعظم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله، لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح -والعياذ بالله- لأنه -نسأل الله السلامة- تجرأ على المعصية مع علمه بها، فهو أعظم.
* وفيه أيضًا: دليل على قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود، أو لا؟ وهل هذه الأمة ارتكبته؟ نعم، ارتكبته، لكن التحريف اللفظي محفوظ، ما يمكن يغير القرآن لفظًا، لو غُيِّر أطلع عليه، وكذلك معنًى، ما يمكن أن يغير معنى ويستقر على المعنى المحرف، بل لا بد أن يقيض الله من علماء المسلمين من يبطل هذا المعنى ويرده، لكن المهم أنه وجد من حرف هذا الكتاب، من حرف كلام الله، وجد أناس متعصبون يحرفون الآيات حسب مذاهبهم، حتى إنك تجد بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- يحرفون الآيات على وجه مستكره، كيف ينطقون بهذا الشيء! وإذا شئت الأمثلة على هذا فراجع كتب الفروع في الفقه، وراجع أيضًا كتب الأصول في العقيدة تجد التحريف العظيم، ومن أعظم الطوائف تحريفًا الروافض، عندهم في تفسير القرآن -والعياذ بالله- تحريفات عظيمة، كبيرة، فظيعة -نسأل الله العافية- فهم وغيرهم ممن ابتلوا بهذه البلية يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يستفاد منها أيضًا: أن هؤلاء اليهود حرفوا بعد العقل وهم يعلمون أن فعلهم منكر، فاجتمع فيهم منكران: المنكر الأول: التحريف بعد عقل المعنى، والمنكر الثاني: العلم بأن هذه الطريقة محرمة ومع ذلك حرفوها، تعرفون شيئًا مما حرفوه لفظًا؟
* طالب: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة 58].
* الشيخ: قيل لهم: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ فقالوا: حنطة، وقيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهذا تحريف أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تحريف لفظًا ومعنًى، كذلك أيضًا: وتطبيقًا، حرفوا تطبيقًا، في التوراة أنزل الحكم بالرجم على الزاني إذا كان محصنًا، وهم حرفوه، جعلوا بدل هذا الحكم أنه تسود وجوههم، ويركب الزاني والزانية على حمار مقلوبين وجه أحدهما للآخر ويطاف بهم في الأسواق، وهم حرفوا مع أن نص الرجم موجود في التوراة، إي نعم.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في هذه الآية يستفاد منها: توبيخ هؤلاء اليهود على التحريف، يعني: أهم في جهل ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
* وفيها أيضًا: توبيخ من يستحقه، وهذا أيضًا مشروع أن من يستحق التوبيخ فليوبخ، وليس في ذلك عدوانًا عليه.
* وفيها من الفوائد: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: الوعيد على مخالفة أمر الله، من أين يتضمن الوعيد على المخالفة؟
* طالب: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾.
* الشيخ: إي؛ لأن كون الله يعلم ما يسر وما يعلن الإنسان لا شك أنه وعيد، يعني: احذر أن يعاقبك الله، فقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة 235].
على كل حال هذه أربع فوائد من الآية هذه، ونعود إلى ما نسينا.
قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ إلى آخر الآية.
* يستفاد منها: أن في اليهود منافقين؛ لقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ كما قال في أول السورة عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
* وفيها أيضًا: دليل على أن من سجايا اليهود وطباعهم الغدر، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
* الشيخ: وجه؟
* الطالب: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
* الشيخ: يعني: أن هذا نوع من الغدر، أو لا؟ نوع من الغدر بالمؤمنين، وهي طبيعتهم الغدر والخديعة.
* الفائدة الثالثة: أن بعضهم يلوم بعضًا حينما يرجعون إليهم، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن العلم من الفتح؛ لقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ولا شك أن العلم فتح، يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه، فهو فتح.
* الفائدة الخامسة: أن المؤمن والكافر يتحاجان عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
* الفائدة السادسة: سفه هؤلاء اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحًا عليهم، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، كيف تحدثهم بشيء هو سلاح عليك؟ سلاح على نفسك، على الأقل إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، على الأقل إذا كنت لا تريد الإيمان بالرسول ﷺ، فلا تخبرهم أن الرسول حق؛ لأنهم يقولون: آمنا، يعني: أن الرسول حق، ولكنهم -والعياذ بالله- مستكبرون منافقون.
* وفيه: دليل على الثناء على العقل والحكمة؛ لأن قولهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل، وأنه يجب أن الإنسان يكون عاقلًا ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه، ما هو بس يمشي خبط عشواء، لا، الإنسان ينبغي أن يكون في أموره كلها ما يتكلم إلا يشوف ويش النتيجة من الكلام، ما يفعل إلا ويشوف نتيجة الفعل، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٦٠١٨)، ومسلم برقم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة.]].
أما كون الإنسان يتكلم خبط عشواء ولا تهمه النتائج فهذا خلاف العقل، واضح يا جماعة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إذا كان فيه فوائد ثاني عندكم لا بأس، المسألة موضع بحث.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، أن كفرهم بالرسول عليه الصلاة والسلام عن علم؛ لقوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ ولهذا صاروا مغضوبًا عليهم حيث خالفوا الحق مع علمهم به.
* طالب: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هذا يقوله بعضهم لبعض، كيف نأخذ فائدة من كلامهم؟
* الشيخ: معلوم؛ لأن الله ما ذكره إلا مقرًّا له، وذكرنا أيضًا في التفسير شاهدًا عليه من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣].
قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أن الأمية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: بقوله: ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ومعنى ﴿أَمَانِيَّ﴾: قراءة.
* الفائدة الثانية: ذم من لا يفهم معاني كتاب الله؛ لأن الأمية وصف عيب ولَّا وصف ثناء؟
* الطلبة: وصف عيب.
* الشيخ: وصف عيب في الأصل، إلا في الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها وصف كمال؛ لأن فيها زيادة إثبات رسالته ﷺ.
* وفيه أيضًا: دليل على أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وصحيح اللي ما يفهم المعنى، العامي الآن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن ما يفهم معناه، فإذا تكلم في الحكم الشرعي من أحكام الله التي دل عليه الكتاب، فإنما كلامه؟
* الطلبة: ظن.
* الشيخ: عن ظن؛ لأنه في الحقيقة ما يعلم، ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى.
* وفيه: دليل -أيضًا- على ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود، وهذا موجود كثيرًا عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: إنهم علماء، تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن والسنة وهو لا يعلم، هل نأخذ من هذا أن المقلد ليس بعالم؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ويش السبب؟
* طالب: لأنه لا يفهم.
* الشيخ: إي؛ لأنه ما يفهم، ما يفهم المعنى في الحقيقة، المقلد ما يفهم فليس بعالم، وقد قال ابن عبد البر: إن العلماء أجمعوا على أن المقلد لا يعد في عداد العلماء، هو صحيح ما هو بعالم المقلد، غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب، والكتاب أضبط منه؛ لأن الكتاب ما ينسى، لكن هو قد ينسى، وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقًا، التقليد في موضعه هو الواجب، ومتى يكون موضعه؟ إذا عجز عن الاستدلال، إذا كان لا يعلم وجب عليه التقليد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]، اللي ما يعلم وظيفته السؤال ولَّا ماذا يصنع؟
* طالب: شيخ، الحكم بالظن موجود فيه بعض الأحاديث ظنية؟
* الشيخ: لا، هذا علمية، علم.
* الطالب: حاصل الآحاد ظني؟
* الشيخ: لا، أولًا: الآحاد ليست ظنية كلها، والثاني: أنه علم؛ لأنك مأمور بأن تحكم بذاك، وله معنى العلم أنك تعرف أنك أصبت الصواب؛ لأن كون ظني، بمعنى أني أظن أني أصبت الصواب، لكني مأمور بأن أحكم في هذه الحال، ما ترجح عندي فأنا مأمور به، إذن فهذا علم.
* طالب: الدليل ظني.
* الشيخ: لا، الدليل ظني، لكن ويش معنى ظني؟ يعني: ما أتيقن أني أصبت لأني مجتهد، واضح؟ لكن كوني أحكم به إذا ترجح عندي ويش يصير؟
* طالب: علم.
* الشيخ: هذا علم، لكن كوني أني أتيقن أني مصيب، هذا ما يمكن أتيقن أني مصيب إلا في أمور قطعية الدلالة مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، ومثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، ومثل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء ١٩]، ومثل: ﴿لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] وما أشبه ذلك.
* طالب: الاستدلال بالآية للأمور الشرعية ولَّا للأمور العامة؟
* الشيخ: أي آية؟
* طالب: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣].
* الشيخ: عامة.
* طالب: يعني: أي شيء لا يعرفه الإنسان يسأل عنه؟
* الشيخ: يسأل عنه نعم، (...) بس عاد لا يصير مثل البدوي يشرب المي ويقول: يا ولد هو حلو، هذا ما يصلح.
* طالب: شيخ، في الأمور العامة الدنيوية الله عز وجل بين في تنزيل الكتاب؟
* الشيخ: نعم، في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧]، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤].
* الطالب: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ هذا، ويش محله من الإعراب؟
* الشيخ: متعلق بـ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر، ويحتمل أن قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بـ ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهل الذكر بالبينات والزبر، إنما هو إذا لم تشمله الآية لفظًا فهي تشمله معنى، يعني بالقياس، تشمله معنى بالقياس، كل شيء ما تدري عنه فاسأل عنه.
* طالب: ما يستدل بالآية على الأشياء الدنيوية؟
* الشيخ: بلى، يستدل لأننا قلنا: إذا كانت ما تشمله الآية المطلقة؛ لأن في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي آية ثانية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ فهمت؟ فالأولى مطلقة، والثاني مقيد، إذا قلنا: إن الآية ما تشمل الأمور الدنيوية باللفظ، فهي تشملها بالقياس، وهذه طريقة الآن، الآن اللي ما يمشي -مثلًا- ما يعرف الطريق خارج بيسافر -مثلًا- مكة وما يعرف الطريق؟
* طالب: لا، إحنا مؤمنين بذلك بس نقول: نحمل الآية على هذا؟
* الشيخ: إي، نحمل الآية إما بالشمول اللفظي، أو بالشمول المعنوي وهو القياس.
* طالب: ما فيه مرتبة -مثلًا- بين التقليد والاجتهاد؟
* طالب آخر: يعني: إن كان الاجتهاد المطلق فيه مرتبة، وهو الاجتهاد في مذهب معين.
* طالب آخر: لا يجتهد في مذهب معين، مجتهد وآخر مقلد؟
* الشيخ: إي، ممكن يصير المجتهد مقلد، يعني: مجتهد في بعض الأشياء، ومقلد في بعض الأشياء.
* طالب: لكن تفسير الناس التقليد هو ليس اتباع، بعضهم يقول: فيه فرق، يعني فيه شيء يسمى التقليد، وشيء يسمى الاتباع؟
* الشيخ: لا، إذا كان من غير دليل فهو تقليد، يعني قبول قول الغير بدون دليل هو تقليد، وإذا كان بدليل فليس بتقليد؛ ولهذا لا يصح أن نسمي اتباعنا للرسول عليه الصلاة والسلام تقليدًا، ما يصح أن نسميه تقليدًا، بل نسميه اتباعًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، لماذا؟ لأن قوله ﷺ وسنته دليل.
* الطالب: إذن متبع الدليل يكون مقلد أو يكون؟
* الشيخ: لا، ليس متبعًا وليس مقلدًا.
* الطالب: إذن صار فيه فرق، فيه مرتبة؟
* الشيخ: لا، ما فيه مرتبة، فيه فرق بالمعنى، المقلد هو الذي يتْبع من لا يجب قبول قوله، والمتبع هو الذي يتبع من يجب قبول قوله.
* طالب: وما هو مجتهد؟
* الشيخ: المجتهد يحكم بالدليل، والدليل من أين يصدر؟ من الرسول ﷺ، من الكتاب والسنة، فالذي يحكم بذلك يسمى مجتهدًا، ويسمى متبعًا، وأما الذي لا يستطيع أن يعرف ذلك بنفسه من كتاب الله وسنة رسوله فإنه يسمى مقلدًا.
* طالب: (...)
* الشيخ: هذا المنكر نقول: لا تفعله لو أنت عارفه، المنكر ما يفعل، لكن الكلام: إنك لو بغيت تعرفه، مين تسأل؟
* طالب: اللي يعرفونه.
* الشيخ: تسأل اللي يعرفونه، إي نعم.
* طالب: شيخ، نأخذ من الآية أن (...)؟
* الشيخ: يمكن يؤخذ منها هذا: أن الإنسان اللي يقتصر على مجرد القراءة يكون مشابهًا لهؤلاء اليهود من هذا الوجه، وهذا ذكرناه فيما سبق في التفسير أنه يجب علينا أن نقرأ كتاب الله ونتدبر معناه ونطبقه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك.
* طالب: شيخ، الأماني من العلم قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؟
الأماني هل هي من العلم؟
* الشيخ: إي، القراءة من العلم يعني: علمت لفظه، وبعضهم يقول: إن الاستثناء هنا منقطع، وأن المعنى: إلا بمعنى ذاك، لكن الصواب أنه متصل ولا مانع؛ لأن معرفة اللفظ نوع من العلم.
* الطالب: ويش يكون إعراب ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الشيخ: ﴿أَمَانِيَّ﴾ مسلط عليها ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، فـ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول أول، و﴿أَمَانِيَّ﴾ مفعول ثاني.
* طالب: صار مفرغًا.
* الشيخ: نعم، مفرغ، المفعول ثان.
البقرة 2:76
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٧٥].
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، والمراد به الاستبعاد والتيئيس، أي: تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم، وقوله: ﴿تَطْمَعُونَ﴾ الطمع معناه: الرجاء المقرون بالرغبة الأكيدة، يعني: أنكم أنتم تطمعون ترجون مع رغبة؛ لأن الذي يرجو الشيء مع الرغبة فيه يقال: طمع فيه، يعني أنكم تطمعون هذا الشيء.
وقوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الإيمان هنا بمعنى التصديق، يعني: أن يصدقوا لكم، ويتبعوا لكم، وهذا أمر بعيد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، و(الواو) هنا للحال، و(قد) للتحقيق، فالجملة في محل نصبٍ حالًا من الواو في ﴿يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يعني: والحال أن فريقًا منهم يسمعون كلام الله.
وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الفريق بمعنى الطائفة، وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود الذين كانوا في المدينة.
وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ هل هذا السماع سمع لكلام الله سبحانه وتعالى حقيقة أو سمع للتوراة تتلى كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]؟ يحتمل هذا وهذا؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن المراد بالفريق هنا: الذين اختارهم موسى وهم سبعون رجلًا لميقات الله سبحانه وتعالى، وأن الله لما كلمه وسمعوه يكلم الله قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥] وحرفوا كلام الله، وقيل: بل المراد بسماع كلام الله: سماعهم للتوراة تتلى، ومع ذلك يحرفونها من بعد ما عقلوها، فعليه يكون قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: من غيره،كما في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦].
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ التحريف: التغيير، ومنه قولهم: حَرَفْتُ الدابةَ، يعني: غيرت اتجاهها، التحريف معناه التغيير، وهو نوعان: تغيير لفظي، وتغيير معنوي، أما التغيير اللفظي فمعناه: أن يغير نفس اللفظ، مثل قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة ٥٨]، قالوا: حنطة في شعيرة، شوف حطة، غيروه قالوا: حنطة، هذا نسميه تغييرًا؟
* طالب: لفظي.
* الشيخ: لفظيًّا، تغييرًا لفظيًّا، ومثل ما غير بعض المبتدعة في كلام الله من هذه الأمة ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، فقرأها: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، علشان يكون الكلام من أين؟ من موسى؛ لأنهم قالوا: الله مو بيتكلم والعياذ بالله وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، هذا نسميه تحريفًا لفظيًّا، وهو يتبعه التحريف المعنوي، وأحيانًا لا يتغير به المعنى، التحريف اللفظي قد لا يتغير به المعنى، لكنه جناية واعتداء، مثل لو قال: الحمد للهِ، قال: الحمد للهَ، المعنى ما يتغير، لكن لفظه تغير، والغالب أن هذا التحريف الذي هو تحريف لفظي بغير تغيير المعنى، الغالب أنه ما يقع إلا من إنسان جاهل، أو إنسان يريد ذبذبة الناس، وإن كان المعنى لا يختلف، هؤلاء حرفوا الكلم، ومثال تحريف الكلم مثل ما قلنا: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة ٥٨] فقالوا: حنطة.
التحريف المعنوي أن يُبقي اللفظَ كما هو، ولكنه يغير معناه ويقول: المراد به كذا، مما لا يريده الله سبحانه وتعالى به، مثل: الذين قالوا في ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] قالوا: استولى على العرش، وقالوا في اليدين: هما القوة والنعمة وما أشبه ذلك، هؤلاء حرفوا معنًى ولم يحرفوا اللفظ، اللفظ باقٍ على ما هو عليه، لكن المعنى غيروه؛ لأن استوى على العرش ويش معناها؟ أي: علا عليه واستقر، ما هو بمعنى استولى عليه، بل معناه علا عليه واستقر، وكذلك اليد المراد بها يد حقيقية، لكن ما هي مثل أيدينا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
يحرفون كلام الله، كلام الله، يعني: التوراة بالنسبة لليهود؛ لأنها كلام الله سبحانه وتعالى كتبها الله تعالى لموسى بيده، يحرفون كلام الله.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ ﴿عَقَلُوهُ﴾ فهموه، وهذه الكلمة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ الغرض منها إثبات أن تحريفهم كان عن علم؛ لأن من الناس من يحرف الكلم لكن عن جهل، لو جاء واحد يقرأ القرآن ويكسره ما يقيم حروفه نقول: هذا محرف ولَّا لا؟
* طالب: محرف.
* الشيخ: محرف، لكن ليس عن علم، والذي تترتب عليه العقوبة إذا كان بعد العلم؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ عقلوه وفهموه، ولكنهم -والعياذ بالله- حرفوه وغيروه.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يعلمون أن التحريف محرم وغير جائز، ولكنهم تعدوا الحدود وحرفوا كلام الله، إذا كان هذا بالنسبة لكتابهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، فهل أحد يطمع في أن يؤمنوا للرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا؛ ولذلك ما آمنوا، ما آمن من اليهود إلا نفر قليل، ولَّا غالبهم بقوا على كفرهم وحصل ما حصل -ولله الحمد- من غزوهم وإخراجهم من ديارهم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب ٢٧]، فهؤلاء يبعد أن يؤمنوا لكم؛ لأنهم يحرفون كلام الله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وبالمناسبة يقولون: إن.. ذكرت صحيفة الكويت في المجتمع في العام الماضي في أربع وعشرين ربيع الثاني تقول: إن النصارى اختصروا الإنجيل، اختصروا منه نحو أربعين بالمئة؛ لأنهم قالوا: هذه الكلمات ما لها داعي، هذا ويش يعتبر؟ تحريف من وراء تحريف؛ لأن أصله محرف، وكذلك التوراة محرفة، ثم جاؤوا هؤلاء واستطالوا الكلام قالوا: إذن نختصره، نأخذ ستين بالمئة فيها بركة، يمكن بعد سنين بعد يأخذون بعدهم أربعين بالمئة يبقى عشرين بالمئة، اللهم عافنا.
المهم أن دأب اليهود والنصارى هو التحريف، ولكن مع الأسف أن من هذه الأمة من ارتكب ما ارتكبت اليهود والنصارى، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٧٣٢٠)، ومسلم برقم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري، وأحمد في مسنده برقم (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي واللفظ له.]]، فحرفوا كتاب الله وحرفوا سنة رسول الله ﷺ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي معلوم، نعم هذا ما هو تحريف للنص، هذا استكبار عن العمل به، إي نعم، التحريف أنه يبقي اللفظ لكن يقول: معناه كذا وكذا، وهذا هو التحريف، وقد وقع التحريف في الكتاب والسنة مثل ما مثلنا، مثلنا بأمثلة من هذا.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ ﴿إِذَا لَقُوا﴾ الضمير يعود على من؟ على بني إسرائيل والموجود في المدينة اليهود، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قابلوهم واجتمعوا بهم، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله ورسوله محمد ﷺ، ﴿قَالُوا﴾ هذا جواب (إذا): إذا لقوا قالوا، والقول يكون باللسان ولَّا بالعقيدة؟
* الطلبة: باللسان.
* الشيخ: باللسان وبالعقيدة، لكن هم هنا يقولون باللسان.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: آمنا كإيمانكم، ﴿آمَنَّا﴾ يعني: بالرسول محمد ﷺ، هذا إذا لقوا المؤمنين، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يعني: انفرد بعضهم، ولم يقل: ببعض، بل قال: ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾؛ لأن (إلى) تدل على الإيواء، يعني إذا أوى بعضهم إلى بعض وخلا به وانفرد به ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الاستفهام هنا للإنكار، والهاء في قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ يعود إلى المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: يقول اليهود بعضهم لبعض إذا اجتمعوا: كيف تحدثون المؤمنين -يعني: الذين آمنوا بالله ورسوله- كيف تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ يعني: لأيش تحدثونهم بالشيء الذي فتح الله عليكم بعلمه وعلمتموه؛ لأن اليهود يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ما يشكون فيه، ولكنهم تركوا الإيمان به استكبارًا، فهم يقولون: كيف تحدثون هؤلاء بالشيء الذي فتح الله عليكم به فأعلمكم إياه؟
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هذا للتوبيخ، يعني: وين عقولكم؟ أنتم إذا حدثتموهم بهذا وقلتم: إن هذا الذي بعث حق وأنه نبي، يحاجونكم به عند الله، كيف يحاجون به عند الله؟ متى؟ يوم القيامة، وفي هذا دليل على أن الله تعالى يفتح خصومة للمؤمنين والكافرين يوم القيامة، كما تدل على ذلك آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة ٣]، ومثل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة ١١٣]، وكذلك أيضًا في سورة (حم) أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحكم الله بينه وبين خصومه، فالمهم أن المؤمنين يفتح الله بينهم وبين خصومهم يوم القيامة حكومة، فهنا يقول: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، فيقول المسلمون لليهود يوم القيامة: أنتم أعلمتمونا بأن محمدًا ﷺ رسول حق، ومع ذلك كفرتم به وحملتم السلاح عليه، فهذه حجة بينة..
* طالب: لقولهم: آمنا (...).
* الشيخ: إي نعم، آمنا كإيمانكم، أي: بأن الرسول حق وأن الدين حق.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني: الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، واللام في قوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ اللام للتعليل ولَّا للعاقبة؟
* طالب: للعاقبة.
* الشيخ: اللام للعاقبة؛ لأن اللام المقترنة في الفعل المضارع الناصبةَ له تكون للتعليل وتكون للعاقبة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، ويش رأيكم في اللام هذه؟
* الطلبة: للعاقبة.
* الشيخ: للعاقبة، هم ما التقطوه لهذا الغرض، لو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا ما التقطوه بل قتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا، هنا ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هذه للعاقبة ولَّا ما حدثوا المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام بما فتح الله عليهم من شأنه لأجل أن يحاجهم المؤمنون، ولكن هذه في الحقيقة فيها إقامة حجة عليهم بلا شك، حجة واضحة أنهم أقروا بالرسول ﷺ، وأن الله تعالى مرسله، ثم كذبوه وقاموا ضده، حجة بينة واضحة.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الهمزة قلت: إنها للاستفهام والمراد به التوبيخ، وهنا الفاء، ويش هي عاطفة عليه؟ أقول: إن هذا يكثر في القرآن ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس ٥١]، وأشبه ذلك، يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام، وهمزة الاستفهام من المعلوم أن لها الصدارة في جملتها، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولا صدارة مع وجود الواو، ما فيه صدارة مع وجود الواو؛ لأن الواو عاطفة، فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة والواو جملة محذوفة عطفت عليها الجملة الأخرى، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام، وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة، وإن حرف العطف هو الذي تأخر، يعني: زحلق حرف العطف عن مكانه وجعلت الهمزة مكانه، فعلى هذا يكون التقدير؟
* طالب: فألا تعقلون.
* الشيخ: فألا تعقلون، يكون التقدير هكذا، أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؟ أو أسفهتم فلا تعقلون؟ المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق، الأول الحقيقة أنه أدق، الذي يقول: إن الهمزة داخلة على شيء محذوف، أدق، والثاني أسهل؛ لأن الثاني ما يحتاج عناء وتكلف ما الذي تقدره، ما حاجة، ما يحتاج؛ فلهذا طالب العلم المبتدي يناسبه؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: القول الثاني؛ لأنه يقول مثلًا: الفاء هنا حرف عطف، والهمزة سابقة عليه، وهو معطوف على ما سبق، ولا حاجة أن يكلف نفسه عناء التقدير والمناسبة.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة 77] يعني: كيف يؤنب بعضهم بعضًا بهذا الأمر وهم لو جاؤوا إلى النبي ﷺ ومن معه وأنكروا نبوته ولم يؤمنوا، فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر، يعني: سواء أقروا أو ما أقروا عند الصحابة أن الرسول حق، فإن الله تعالى عالم بهم.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم، وقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ﴾ هل هذا توبيخ حيث نزلوا أنفسهم منزلة الجاهل؟ نعم هو هكذا، ولا يظهر لي أن معناه التقرير وأنه مثل قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شرحنا لك، وإن كان محتملًا أن يكون المعنى ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: قد علموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، لكن كونه للتوبيخ أبلغ؛ لأن التوبيخ يفيد أنهم علموا وأنهم وبخوا على ذلك، على العمل الذي سلكوه؛ لأن هذا العمل اللي سلكوه إنما هو عمل من يظن أن الله لا يعلم.
وقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما المراد بالإسرار هنا يا جماعة؟ في نفوسهم ولَّا حديث بعضهم مع بعض سرًّا؟
* الطلبة: يشمل الاثنين.
* الشيخ: يشمل الاثنين؟ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
* الطلبة: حديث بعضهم مع بعض.
* الشيخ: ما يظهرونه للناس، فقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يشمل ما يسره الإنسان منه في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يعلنه الإنسان لعامة الناس، فالله تعالى يعلم هذا وهذا، لا يخفى عليه شيء.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ منين؟ من اليهود، ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع (أميّ)، والأميّ هو الذي لا يفهم القراءة، إما لا يفهم لفظها أو لا يفهم معناها، لو إن حتى اللي ما يفهم المعنى يسمى: أميًّا؛ لأن قراءة اللفظ بدون فهم المعنى ما يفيد، الأمي يشمل من لا يعرف القراءة، ومن يعرفها ولا يعرف المعنى؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: لا يدرونه ولا يصل إلى قلوبهم علمه، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (إلا) هنا الاستثناء منقطع، يعني: لكن أماني، ويجوز أن يكون متصلًا، أي: لا يعلمونه إلا علم أماني، و(الأماني) جمع (أمنية)، والأمنية تحتمل معنيين:
أحدهما: ما يتمناه الإنسان في نفسه، والثانية: القراءة، والمعنى الثاني أنسب بالآية، يعني: ما يفهمون القرآن ولكنهم يقرؤونه بدون فهم، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج ٥٢] أي: في قراءته، ومنه قول الشاعر في عثمان رضي الله عنه:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ
تمنى بمعنى: قرأ كتاب الله، فقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ جمع أمنية وهي القراءة، وما أكثرهم اليوم في المسلمين! أكثر المسلمين اليوم ما يعرفون القرآن إلا أماني، ولا يحرصون على أن يفهموا معنى القرآن؛ لأن هذا خلاف الواقع، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله يقول: الآن إنسان لو بيقرأ الطب أو يقرأ الحساب أو يقرأ النحو، هل هو يجي على كتب هذه الأشياء ويمر بها لفظًا ويمشي؟ ولا يتأمل معناها ويطلب من يفسرها له ويشرحها له حتى يعقله؟ أيهما الحقيقة؟ الثاني. إذن، إذا كنت تطلب الاهتداء بالقرآن الكريم، فكيف تهتدي به وأنت لا تعرف معناه؟ ما يمكن، ومع هذا القرآن الكريم إذا تدبرته تيسر لك، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧].
وأكثر الناس ما يهتم بهذه الناحية، بتأمل وتدبر القرآن الكريم ومعرفة معناه، قليل من يكون هذا طريقه بالنسبة للقرآن؛ ولذلك الآن نزعت بركة القرآن من كثير من الناس؛ لأنهم لا يتبركون به إلا لفظًا، حتى إنك تسمع بعض الإخوان في متاجرهم عنده مسجل للقرآن الكريم، مسجل، هذا المسجل يقرأ القرآن بصوت مرتفع، وعنده في الدكان من يشتم ويسب ويضحك ويسخر ويكذب بالبيع وكل شيء، ويش يصير الحقيقة موقف الإنسان وكتاب الله تعالى فوق رأسه يسمع؟ استهزاء بالقرآن، لكن هم يقولون: هي تبركهم، ما هذه بركته، بركة القرآن في العمل به وبما يترتب عليه من ثواب، أما إنك تهين القرآن والله..، يعني: لو أنه ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]، لو أن الملك أمامك الآن يتكلم بمكبر صوت ويشوفونك العيون ويتكلم، وأنت تتكلم وتسخر وتضحك ويش (...)؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ما تدري (...) فكيف الآن بكلام الله عز وجل؟ فالمهم إن أنا أقول الآن: مع الأسف الشديد إن كثيرًا من المسلمين بالنسبة لكتاب الله على هذه الحال لا يعلمونه إلا أماني.
قال: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ما يعرفون؛ لأن الإنسان اللي ما يعرف اللفظ ما عنده علم ليس عنده إلا الظن، وقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ هذه عاملة ولَّا غير عاملة؟
* طالب: غير عاملة.
* طالب آخر: لأنه انتقض النفي.
* الشيخ: لانتقاض النفي، هذه غير عاملة؛ لأن النفي انتقض، يعني: ما هم إلا يظنون (...).
من قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ إلى آخره.
فيستفاد من هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، يستفاد منه فوائد متعددة:
* أولًا: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فيبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن الذي يسمع كلام الله ثم يحرفه أبعد إيمانًا بقول هؤلاء، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، يعني خلاصة الفائدة: أن من لا يؤمن بما هو أظهر يبعد أن يؤمن بما هو أخفى، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.
* الفائدة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى يسلي رسوله ﷺ بما يذهب عنه الأسى والحزن؛ لأن الرسول سيحزن إذا لم يؤمن هؤلاء، ولكن الله يبلغه أن هؤلاء قوم عتاة، فليس منك تقصير، ولكن سوء حالهم هو الذي منع استجابتهم.
* الفائدة الثالثة: إثبات أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وكلام الله تبارك وتعالى صفة حقيقية تتضمن اللفظ والمعنى، فهو سبحانه وتعالى يتكلم بحروف وأصوات مسموعة؛ ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن كلام الله سبحانه وتعالى من صفاته الفعلية باعتبار أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآحاد، باعتبار آحاده، وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية، والفرق بين الصفات الذاتية والفعلية: أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله، لازمة لذاته أزلًا وأبدًا، ويش معنى أزلًا؟ أي: فيما مضى، وأبدًا: فيما يستقبل، هذه الصفات الذاتية، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحدث إذا شاء، بناء على هذا نقول: الغضب من أي النوعين؟
* الطلبة: فعلية.
* الشيخ: فعلية، والرضا فعلية، والمحبة فعلية، وأشياء كثيرة من الأفعال: الاستواء على العرش؟ فعلية، علوه على الخلق؟
* الطلبة: ذاتي.
* الشيخ: ذاتية.
* الفائدة الخامسة: الرد على الأشعرية وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الحروف عبارة عن كلامنا وليست كلام الله، يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس ما هو الكلام اللي يسمع، ويستدلون لقولهم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فجعل الله ما في النفس قولًا، وبقول الشاعر:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ∗∗∗ جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِدَلِيلَا
ويستدلون أيضًا: بأنه لو قيل: بأن الله يتكلم بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، والله سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، إذن فكلامه معنًى قائم بنفسه، ويخلق سبحانه وتعالى أصواتًا تسمع تعبر عما في نفسه، وكلامهم هذا باطل، أما استدلالهم بالآية: ﴿يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة ٨]، فنقول: إن هذا القول قول مقيد ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وهو حجة عليكم لا لكم؛ لأنه يدل على أن القول المطلق يكون في النفس ولَّا بخلاف ذلك؟
* طالب: بخلاف ذلك.
* الشيخ: بخلاف ذلك، ولولا أنه يدل على هذا ما احتاج إلى القيد في أنفسهم، فالحمد لله ما من إنسان يستدل بدليل صحيح إلا كان استدلاله عليه.
وأما قولهم: (إن الكلام لفي الفؤاد) إلى آخره، فنقول: أولًا: إن هذا القول ينسب للأخطل، والأخطل جاء بعد تغير اللسان، وهو أيضًا رجل نصراني ما يؤخذ بقوله، ثم من قال: إنه قاله؟ فيحتاج إلى إثبات أنه قاله، وإذا وصل إليه، فوراءه الآفات بعد وصوله إليه.
وأما قولهم -الوجه الثالث-: إنه لو كان كلامه بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، فيقال: هذه القضية من قالها لكم: إن ما كان محلًّا للحوادث فهو حادث؟ ثم إننا نقول: إن كان يلزم من التزامنا بأنه محل للحوادث (...) الخالق وتقييدنا لا تستلزم نقصًا في الخالق مما لو قيل: الأكل صفة كمال في المخلوق، واللي ما يأكل أنقص من الذي يأكل؛ ولهذا لا يأكل الإنسان إذا مرض واعتلت صحته، والنوم صفة كمال للمخلوق، فهل تثبتونها لله؟ قلنا: لا، ما نثبتها لله؛ لأنها صفة نقص، وهي في نفس الوقت في المخلوق صفة نقص؛ ولذلك إذا كمل المخلوق في الجنة ما يحتاج إلى نوم ولَّا لا؟ ما يحتاج إلى نوم لكمال حياته، أما الأكل فهو أيضًا لا يحتاج إلى الأكل لبقائه؛ لأنه مخلد، لكنه يحتاج إلى الأكل للتلذذ والتفكه به، إي نعم.
الحاصل أن قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] يدل على أن كلام الله تعالى مسموع، وأنه بصوت.
بقينا: هل الحروف التي نطق الله بها هي الحروف التي يستعملها الناس في لغاتهم؟ ما تقولون؟
* الطلبة: هي.
* الشيخ: نعم، هي التي يتكلم بها الناس في لغاتهم، لكن كيفية أدائها والصوت بها، هذا هو الذي لا يشبهه شيء، ما يمكن أن نقول: إن تصويت الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمات كتصويت الإنسان، هذا ما يجوز؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، أما الحروف فهي الحروف.
ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله ولَّا لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾.
* الفائدة -أظنها السابعة-: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود؛ لأنهم حرفوا بعد ما عقلوا، بعد ما عقلوه، والتحريف بعد العقل -بعد عقل المعنى- أعظم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله، لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح -والعياذ بالله- لأنه -نسأل الله السلامة- تجرأ على المعصية مع علمه بها، فهو أعظم.
* وفيه أيضًا: دليل على قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود، أو لا؟ وهل هذه الأمة ارتكبته؟ نعم، ارتكبته، لكن التحريف اللفظي محفوظ، ما يمكن يغير القرآن لفظًا، لو غُيِّر أطلع عليه، وكذلك معنًى، ما يمكن أن يغير معنى ويستقر على المعنى المحرف، بل لا بد أن يقيض الله من علماء المسلمين من يبطل هذا المعنى ويرده، لكن المهم أنه وجد من حرف هذا الكتاب، من حرف كلام الله، وجد أناس متعصبون يحرفون الآيات حسب مذاهبهم، حتى إنك تجد بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- يحرفون الآيات على وجه مستكره، كيف ينطقون بهذا الشيء! وإذا شئت الأمثلة على هذا فراجع كتب الفروع في الفقه، وراجع أيضًا كتب الأصول في العقيدة تجد التحريف العظيم، ومن أعظم الطوائف تحريفًا الروافض، عندهم في تفسير القرآن -والعياذ بالله- تحريفات عظيمة، كبيرة، فظيعة -نسأل الله العافية- فهم وغيرهم ممن ابتلوا بهذه البلية يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يستفاد منها أيضًا: أن هؤلاء اليهود حرفوا بعد العقل وهم يعلمون أن فعلهم منكر، فاجتمع فيهم منكران: المنكر الأول: التحريف بعد عقل المعنى، والمنكر الثاني: العلم بأن هذه الطريقة محرمة ومع ذلك حرفوها، تعرفون شيئًا مما حرفوه لفظًا؟
* طالب: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة 58].
* الشيخ: قيل لهم: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ فقالوا: حنطة، وقيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهذا تحريف أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تحريف لفظًا ومعنًى، كذلك أيضًا: وتطبيقًا، حرفوا تطبيقًا، في التوراة أنزل الحكم بالرجم على الزاني إذا كان محصنًا، وهم حرفوه، جعلوا بدل هذا الحكم أنه تسود وجوههم، ويركب الزاني والزانية على حمار مقلوبين وجه أحدهما للآخر ويطاف بهم في الأسواق، وهم حرفوا مع أن نص الرجم موجود في التوراة، إي نعم.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في هذه الآية يستفاد منها: توبيخ هؤلاء اليهود على التحريف، يعني: أهم في جهل ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
* وفيها أيضًا: توبيخ من يستحقه، وهذا أيضًا مشروع أن من يستحق التوبيخ فليوبخ، وليس في ذلك عدوانًا عليه.
* وفيها من الفوائد: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: الوعيد على مخالفة أمر الله، من أين يتضمن الوعيد على المخالفة؟
* طالب: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾.
* الشيخ: إي؛ لأن كون الله يعلم ما يسر وما يعلن الإنسان لا شك أنه وعيد، يعني: احذر أن يعاقبك الله، فقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة 235].
على كل حال هذه أربع فوائد من الآية هذه، ونعود إلى ما نسينا.
قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ إلى آخر الآية.
* يستفاد منها: أن في اليهود منافقين؛ لقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ كما قال في أول السورة عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
* وفيها أيضًا: دليل على أن من سجايا اليهود وطباعهم الغدر، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
* الشيخ: وجه؟
* الطالب: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
* الشيخ: يعني: أن هذا نوع من الغدر، أو لا؟ نوع من الغدر بالمؤمنين، وهي طبيعتهم الغدر والخديعة.
* الفائدة الثالثة: أن بعضهم يلوم بعضًا حينما يرجعون إليهم، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن العلم من الفتح؛ لقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ولا شك أن العلم فتح، يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه، فهو فتح.
* الفائدة الخامسة: أن المؤمن والكافر يتحاجان عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
* الفائدة السادسة: سفه هؤلاء اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحًا عليهم، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، كيف تحدثهم بشيء هو سلاح عليك؟ سلاح على نفسك، على الأقل إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، على الأقل إذا كنت لا تريد الإيمان بالرسول ﷺ، فلا تخبرهم أن الرسول حق؛ لأنهم يقولون: آمنا، يعني: أن الرسول حق، ولكنهم -والعياذ بالله- مستكبرون منافقون.
* وفيه: دليل على الثناء على العقل والحكمة؛ لأن قولهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل، وأنه يجب أن الإنسان يكون عاقلًا ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه، ما هو بس يمشي خبط عشواء، لا، الإنسان ينبغي أن يكون في أموره كلها ما يتكلم إلا يشوف ويش النتيجة من الكلام، ما يفعل إلا ويشوف نتيجة الفعل، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٦٠١٨)، ومسلم برقم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة.]].
أما كون الإنسان يتكلم خبط عشواء ولا تهمه النتائج فهذا خلاف العقل، واضح يا جماعة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إذا كان فيه فوائد ثاني عندكم لا بأس، المسألة موضع بحث.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، أن كفرهم بالرسول عليه الصلاة والسلام عن علم؛ لقوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ ولهذا صاروا مغضوبًا عليهم حيث خالفوا الحق مع علمهم به.
* طالب: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هذا يقوله بعضهم لبعض، كيف نأخذ فائدة من كلامهم؟
* الشيخ: معلوم؛ لأن الله ما ذكره إلا مقرًّا له، وذكرنا أيضًا في التفسير شاهدًا عليه من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣].
قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أن الأمية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: بقوله: ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ومعنى ﴿أَمَانِيَّ﴾: قراءة.
* الفائدة الثانية: ذم من لا يفهم معاني كتاب الله؛ لأن الأمية وصف عيب ولَّا وصف ثناء؟
* الطلبة: وصف عيب.
* الشيخ: وصف عيب في الأصل، إلا في الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها وصف كمال؛ لأن فيها زيادة إثبات رسالته ﷺ.
* وفيه أيضًا: دليل على أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وصحيح اللي ما يفهم المعنى، العامي الآن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن ما يفهم معناه، فإذا تكلم في الحكم الشرعي من أحكام الله التي دل عليه الكتاب، فإنما كلامه؟
* الطلبة: ظن.
* الشيخ: عن ظن؛ لأنه في الحقيقة ما يعلم، ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى.
* وفيه: دليل -أيضًا- على ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود، وهذا موجود كثيرًا عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: إنهم علماء، تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن والسنة وهو لا يعلم، هل نأخذ من هذا أن المقلد ليس بعالم؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ويش السبب؟
* طالب: لأنه لا يفهم.
* الشيخ: إي؛ لأنه ما يفهم، ما يفهم المعنى في الحقيقة، المقلد ما يفهم فليس بعالم، وقد قال ابن عبد البر: إن العلماء أجمعوا على أن المقلد لا يعد في عداد العلماء، هو صحيح ما هو بعالم المقلد، غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب، والكتاب أضبط منه؛ لأن الكتاب ما ينسى، لكن هو قد ينسى، وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقًا، التقليد في موضعه هو الواجب، ومتى يكون موضعه؟ إذا عجز عن الاستدلال، إذا كان لا يعلم وجب عليه التقليد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]، اللي ما يعلم وظيفته السؤال ولَّا ماذا يصنع؟
* طالب: شيخ، الحكم بالظن موجود فيه بعض الأحاديث ظنية؟
* الشيخ: لا، هذا علمية، علم.
* الطالب: حاصل الآحاد ظني؟
* الشيخ: لا، أولًا: الآحاد ليست ظنية كلها، والثاني: أنه علم؛ لأنك مأمور بأن تحكم بذاك، وله معنى العلم أنك تعرف أنك أصبت الصواب؛ لأن كون ظني، بمعنى أني أظن أني أصبت الصواب، لكني مأمور بأن أحكم في هذه الحال، ما ترجح عندي فأنا مأمور به، إذن فهذا علم.
* طالب: الدليل ظني.
* الشيخ: لا، الدليل ظني، لكن ويش معنى ظني؟ يعني: ما أتيقن أني أصبت لأني مجتهد، واضح؟ لكن كوني أحكم به إذا ترجح عندي ويش يصير؟
* طالب: علم.
* الشيخ: هذا علم، لكن كوني أني أتيقن أني مصيب، هذا ما يمكن أتيقن أني مصيب إلا في أمور قطعية الدلالة مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، ومثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، ومثل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء ١٩]، ومثل: ﴿لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] وما أشبه ذلك.
* طالب: الاستدلال بالآية للأمور الشرعية ولَّا للأمور العامة؟
* الشيخ: أي آية؟
* طالب: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣].
* الشيخ: عامة.
* طالب: يعني: أي شيء لا يعرفه الإنسان يسأل عنه؟
* الشيخ: يسأل عنه نعم، (...) بس عاد لا يصير مثل البدوي يشرب المي ويقول: يا ولد هو حلو، هذا ما يصلح.
* طالب: شيخ، في الأمور العامة الدنيوية الله عز وجل بين في تنزيل الكتاب؟
* الشيخ: نعم، في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧]، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤].
* الطالب: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ هذا، ويش محله من الإعراب؟
* الشيخ: متعلق بـ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر، ويحتمل أن قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بـ ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهل الذكر بالبينات والزبر، إنما هو إذا لم تشمله الآية لفظًا فهي تشمله معنى، يعني بالقياس، تشمله معنى بالقياس، كل شيء ما تدري عنه فاسأل عنه.
* طالب: ما يستدل بالآية على الأشياء الدنيوية؟
* الشيخ: بلى، يستدل لأننا قلنا: إذا كانت ما تشمله الآية المطلقة؛ لأن في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي آية ثانية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ فهمت؟ فالأولى مطلقة، والثاني مقيد، إذا قلنا: إن الآية ما تشمل الأمور الدنيوية باللفظ، فهي تشملها بالقياس، وهذه طريقة الآن، الآن اللي ما يمشي -مثلًا- ما يعرف الطريق خارج بيسافر -مثلًا- مكة وما يعرف الطريق؟
* طالب: لا، إحنا مؤمنين بذلك بس نقول: نحمل الآية على هذا؟
* الشيخ: إي، نحمل الآية إما بالشمول اللفظي، أو بالشمول المعنوي وهو القياس.
* طالب: ما فيه مرتبة -مثلًا- بين التقليد والاجتهاد؟
* طالب آخر: يعني: إن كان الاجتهاد المطلق فيه مرتبة، وهو الاجتهاد في مذهب معين.
* طالب آخر: لا يجتهد في مذهب معين، مجتهد وآخر مقلد؟
* الشيخ: إي، ممكن يصير المجتهد مقلد، يعني: مجتهد في بعض الأشياء، ومقلد في بعض الأشياء.
* طالب: لكن تفسير الناس التقليد هو ليس اتباع، بعضهم يقول: فيه فرق، يعني فيه شيء يسمى التقليد، وشيء يسمى الاتباع؟
* الشيخ: لا، إذا كان من غير دليل فهو تقليد، يعني قبول قول الغير بدون دليل هو تقليد، وإذا كان بدليل فليس بتقليد؛ ولهذا لا يصح أن نسمي اتباعنا للرسول عليه الصلاة والسلام تقليدًا، ما يصح أن نسميه تقليدًا، بل نسميه اتباعًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، لماذا؟ لأن قوله ﷺ وسنته دليل.
* الطالب: إذن متبع الدليل يكون مقلد أو يكون؟
* الشيخ: لا، ليس متبعًا وليس مقلدًا.
* الطالب: إذن صار فيه فرق، فيه مرتبة؟
* الشيخ: لا، ما فيه مرتبة، فيه فرق بالمعنى، المقلد هو الذي يتْبع من لا يجب قبول قوله، والمتبع هو الذي يتبع من يجب قبول قوله.
* طالب: وما هو مجتهد؟
* الشيخ: المجتهد يحكم بالدليل، والدليل من أين يصدر؟ من الرسول ﷺ، من الكتاب والسنة، فالذي يحكم بذلك يسمى مجتهدًا، ويسمى متبعًا، وأما الذي لا يستطيع أن يعرف ذلك بنفسه من كتاب الله وسنة رسوله فإنه يسمى مقلدًا.
* طالب: (...)
* الشيخ: هذا المنكر نقول: لا تفعله لو أنت عارفه، المنكر ما يفعل، لكن الكلام: إنك لو بغيت تعرفه، مين تسأل؟
* طالب: اللي يعرفونه.
* الشيخ: تسأل اللي يعرفونه، إي نعم.
* طالب: شيخ، نأخذ من الآية أن (...)؟
* الشيخ: يمكن يؤخذ منها هذا: أن الإنسان اللي يقتصر على مجرد القراءة يكون مشابهًا لهؤلاء اليهود من هذا الوجه، وهذا ذكرناه فيما سبق في التفسير أنه يجب علينا أن نقرأ كتاب الله ونتدبر معناه ونطبقه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك.
* طالب: شيخ، الأماني من العلم قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؟
الأماني هل هي من العلم؟
* الشيخ: إي، القراءة من العلم يعني: علمت لفظه، وبعضهم يقول: إن الاستثناء هنا منقطع، وأن المعنى: إلا بمعنى ذاك، لكن الصواب أنه متصل ولا مانع؛ لأن معرفة اللفظ نوع من العلم.
* الطالب: ويش يكون إعراب ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الشيخ: ﴿أَمَانِيَّ﴾ مسلط عليها ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، فـ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول أول، و﴿أَمَانِيَّ﴾ مفعول ثاني.
* طالب: صار مفرغًا.
* الشيخ: نعم، مفرغ، المفعول ثان.
البقرة 2:77
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٧٥].
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، والمراد به الاستبعاد والتيئيس، أي: تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم، وقوله: ﴿تَطْمَعُونَ﴾ الطمع معناه: الرجاء المقرون بالرغبة الأكيدة، يعني: أنكم أنتم تطمعون ترجون مع رغبة؛ لأن الذي يرجو الشيء مع الرغبة فيه يقال: طمع فيه، يعني أنكم تطمعون هذا الشيء.
وقوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الإيمان هنا بمعنى التصديق، يعني: أن يصدقوا لكم، ويتبعوا لكم، وهذا أمر بعيد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، و(الواو) هنا للحال، و(قد) للتحقيق، فالجملة في محل نصبٍ حالًا من الواو في ﴿يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يعني: والحال أن فريقًا منهم يسمعون كلام الله.
وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الفريق بمعنى الطائفة، وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود الذين كانوا في المدينة.
وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ هل هذا السماع سمع لكلام الله سبحانه وتعالى حقيقة أو سمع للتوراة تتلى كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]؟ يحتمل هذا وهذا؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن المراد بالفريق هنا: الذين اختارهم موسى وهم سبعون رجلًا لميقات الله سبحانه وتعالى، وأن الله لما كلمه وسمعوه يكلم الله قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥] وحرفوا كلام الله، وقيل: بل المراد بسماع كلام الله: سماعهم للتوراة تتلى، ومع ذلك يحرفونها من بعد ما عقلوها، فعليه يكون قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: من غيره،كما في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦].
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ التحريف: التغيير، ومنه قولهم: حَرَفْتُ الدابةَ، يعني: غيرت اتجاهها، التحريف معناه التغيير، وهو نوعان: تغيير لفظي، وتغيير معنوي، أما التغيير اللفظي فمعناه: أن يغير نفس اللفظ، مثل قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة ٥٨]، قالوا: حنطة في شعيرة، شوف حطة، غيروه قالوا: حنطة، هذا نسميه تغييرًا؟
* طالب: لفظي.
* الشيخ: لفظيًّا، تغييرًا لفظيًّا، ومثل ما غير بعض المبتدعة في كلام الله من هذه الأمة ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، فقرأها: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، علشان يكون الكلام من أين؟ من موسى؛ لأنهم قالوا: الله مو بيتكلم والعياذ بالله وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، هذا نسميه تحريفًا لفظيًّا، وهو يتبعه التحريف المعنوي، وأحيانًا لا يتغير به المعنى، التحريف اللفظي قد لا يتغير به المعنى، لكنه جناية واعتداء، مثل لو قال: الحمد للهِ، قال: الحمد للهَ، المعنى ما يتغير، لكن لفظه تغير، والغالب أن هذا التحريف الذي هو تحريف لفظي بغير تغيير المعنى، الغالب أنه ما يقع إلا من إنسان جاهل، أو إنسان يريد ذبذبة الناس، وإن كان المعنى لا يختلف، هؤلاء حرفوا الكلم، ومثال تحريف الكلم مثل ما قلنا: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة ٥٨] فقالوا: حنطة.
التحريف المعنوي أن يُبقي اللفظَ كما هو، ولكنه يغير معناه ويقول: المراد به كذا، مما لا يريده الله سبحانه وتعالى به، مثل: الذين قالوا في ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] قالوا: استولى على العرش، وقالوا في اليدين: هما القوة والنعمة وما أشبه ذلك، هؤلاء حرفوا معنًى ولم يحرفوا اللفظ، اللفظ باقٍ على ما هو عليه، لكن المعنى غيروه؛ لأن استوى على العرش ويش معناها؟ أي: علا عليه واستقر، ما هو بمعنى استولى عليه، بل معناه علا عليه واستقر، وكذلك اليد المراد بها يد حقيقية، لكن ما هي مثل أيدينا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
يحرفون كلام الله، كلام الله، يعني: التوراة بالنسبة لليهود؛ لأنها كلام الله سبحانه وتعالى كتبها الله تعالى لموسى بيده، يحرفون كلام الله.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ ﴿عَقَلُوهُ﴾ فهموه، وهذه الكلمة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ الغرض منها إثبات أن تحريفهم كان عن علم؛ لأن من الناس من يحرف الكلم لكن عن جهل، لو جاء واحد يقرأ القرآن ويكسره ما يقيم حروفه نقول: هذا محرف ولَّا لا؟
* طالب: محرف.
* الشيخ: محرف، لكن ليس عن علم، والذي تترتب عليه العقوبة إذا كان بعد العلم؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ عقلوه وفهموه، ولكنهم -والعياذ بالله- حرفوه وغيروه.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يعلمون أن التحريف محرم وغير جائز، ولكنهم تعدوا الحدود وحرفوا كلام الله، إذا كان هذا بالنسبة لكتابهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، فهل أحد يطمع في أن يؤمنوا للرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا؛ ولذلك ما آمنوا، ما آمن من اليهود إلا نفر قليل، ولَّا غالبهم بقوا على كفرهم وحصل ما حصل -ولله الحمد- من غزوهم وإخراجهم من ديارهم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب ٢٧]، فهؤلاء يبعد أن يؤمنوا لكم؛ لأنهم يحرفون كلام الله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وبالمناسبة يقولون: إن.. ذكرت صحيفة الكويت في المجتمع في العام الماضي في أربع وعشرين ربيع الثاني تقول: إن النصارى اختصروا الإنجيل، اختصروا منه نحو أربعين بالمئة؛ لأنهم قالوا: هذه الكلمات ما لها داعي، هذا ويش يعتبر؟ تحريف من وراء تحريف؛ لأن أصله محرف، وكذلك التوراة محرفة، ثم جاؤوا هؤلاء واستطالوا الكلام قالوا: إذن نختصره، نأخذ ستين بالمئة فيها بركة، يمكن بعد سنين بعد يأخذون بعدهم أربعين بالمئة يبقى عشرين بالمئة، اللهم عافنا.
المهم أن دأب اليهود والنصارى هو التحريف، ولكن مع الأسف أن من هذه الأمة من ارتكب ما ارتكبت اليهود والنصارى، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٧٣٢٠)، ومسلم برقم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري، وأحمد في مسنده برقم (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي واللفظ له.]]، فحرفوا كتاب الله وحرفوا سنة رسول الله ﷺ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي معلوم، نعم هذا ما هو تحريف للنص، هذا استكبار عن العمل به، إي نعم، التحريف أنه يبقي اللفظ لكن يقول: معناه كذا وكذا، وهذا هو التحريف، وقد وقع التحريف في الكتاب والسنة مثل ما مثلنا، مثلنا بأمثلة من هذا.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ ﴿إِذَا لَقُوا﴾ الضمير يعود على من؟ على بني إسرائيل والموجود في المدينة اليهود، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قابلوهم واجتمعوا بهم، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله ورسوله محمد ﷺ، ﴿قَالُوا﴾ هذا جواب (إذا): إذا لقوا قالوا، والقول يكون باللسان ولَّا بالعقيدة؟
* الطلبة: باللسان.
* الشيخ: باللسان وبالعقيدة، لكن هم هنا يقولون باللسان.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: آمنا كإيمانكم، ﴿آمَنَّا﴾ يعني: بالرسول محمد ﷺ، هذا إذا لقوا المؤمنين، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يعني: انفرد بعضهم، ولم يقل: ببعض، بل قال: ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾؛ لأن (إلى) تدل على الإيواء، يعني إذا أوى بعضهم إلى بعض وخلا به وانفرد به ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الاستفهام هنا للإنكار، والهاء في قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ يعود إلى المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: يقول اليهود بعضهم لبعض إذا اجتمعوا: كيف تحدثون المؤمنين -يعني: الذين آمنوا بالله ورسوله- كيف تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ يعني: لأيش تحدثونهم بالشيء الذي فتح الله عليكم بعلمه وعلمتموه؛ لأن اليهود يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ما يشكون فيه، ولكنهم تركوا الإيمان به استكبارًا، فهم يقولون: كيف تحدثون هؤلاء بالشيء الذي فتح الله عليكم به فأعلمكم إياه؟
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هذا للتوبيخ، يعني: وين عقولكم؟ أنتم إذا حدثتموهم بهذا وقلتم: إن هذا الذي بعث حق وأنه نبي، يحاجونكم به عند الله، كيف يحاجون به عند الله؟ متى؟ يوم القيامة، وفي هذا دليل على أن الله تعالى يفتح خصومة للمؤمنين والكافرين يوم القيامة، كما تدل على ذلك آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة ٣]، ومثل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة ١١٣]، وكذلك أيضًا في سورة (حم) أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحكم الله بينه وبين خصومه، فالمهم أن المؤمنين يفتح الله بينهم وبين خصومهم يوم القيامة حكومة، فهنا يقول: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، فيقول المسلمون لليهود يوم القيامة: أنتم أعلمتمونا بأن محمدًا ﷺ رسول حق، ومع ذلك كفرتم به وحملتم السلاح عليه، فهذه حجة بينة..
* طالب: لقولهم: آمنا (...).
* الشيخ: إي نعم، آمنا كإيمانكم، أي: بأن الرسول حق وأن الدين حق.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني: الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، واللام في قوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ اللام للتعليل ولَّا للعاقبة؟
* طالب: للعاقبة.
* الشيخ: اللام للعاقبة؛ لأن اللام المقترنة في الفعل المضارع الناصبةَ له تكون للتعليل وتكون للعاقبة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، ويش رأيكم في اللام هذه؟
* الطلبة: للعاقبة.
* الشيخ: للعاقبة، هم ما التقطوه لهذا الغرض، لو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا ما التقطوه بل قتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا، هنا ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هذه للعاقبة ولَّا ما حدثوا المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام بما فتح الله عليهم من شأنه لأجل أن يحاجهم المؤمنون، ولكن هذه في الحقيقة فيها إقامة حجة عليهم بلا شك، حجة واضحة أنهم أقروا بالرسول ﷺ، وأن الله تعالى مرسله، ثم كذبوه وقاموا ضده، حجة بينة واضحة.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الهمزة قلت: إنها للاستفهام والمراد به التوبيخ، وهنا الفاء، ويش هي عاطفة عليه؟ أقول: إن هذا يكثر في القرآن ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس ٥١]، وأشبه ذلك، يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام، وهمزة الاستفهام من المعلوم أن لها الصدارة في جملتها، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولا صدارة مع وجود الواو، ما فيه صدارة مع وجود الواو؛ لأن الواو عاطفة، فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة والواو جملة محذوفة عطفت عليها الجملة الأخرى، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام، وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة، وإن حرف العطف هو الذي تأخر، يعني: زحلق حرف العطف عن مكانه وجعلت الهمزة مكانه، فعلى هذا يكون التقدير؟
* طالب: فألا تعقلون.
* الشيخ: فألا تعقلون، يكون التقدير هكذا، أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؟ أو أسفهتم فلا تعقلون؟ المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق، الأول الحقيقة أنه أدق، الذي يقول: إن الهمزة داخلة على شيء محذوف، أدق، والثاني أسهل؛ لأن الثاني ما يحتاج عناء وتكلف ما الذي تقدره، ما حاجة، ما يحتاج؛ فلهذا طالب العلم المبتدي يناسبه؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: القول الثاني؛ لأنه يقول مثلًا: الفاء هنا حرف عطف، والهمزة سابقة عليه، وهو معطوف على ما سبق، ولا حاجة أن يكلف نفسه عناء التقدير والمناسبة.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة 77] يعني: كيف يؤنب بعضهم بعضًا بهذا الأمر وهم لو جاؤوا إلى النبي ﷺ ومن معه وأنكروا نبوته ولم يؤمنوا، فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر، يعني: سواء أقروا أو ما أقروا عند الصحابة أن الرسول حق، فإن الله تعالى عالم بهم.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم، وقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ﴾ هل هذا توبيخ حيث نزلوا أنفسهم منزلة الجاهل؟ نعم هو هكذا، ولا يظهر لي أن معناه التقرير وأنه مثل قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شرحنا لك، وإن كان محتملًا أن يكون المعنى ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: قد علموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، لكن كونه للتوبيخ أبلغ؛ لأن التوبيخ يفيد أنهم علموا وأنهم وبخوا على ذلك، على العمل الذي سلكوه؛ لأن هذا العمل اللي سلكوه إنما هو عمل من يظن أن الله لا يعلم.
وقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما المراد بالإسرار هنا يا جماعة؟ في نفوسهم ولَّا حديث بعضهم مع بعض سرًّا؟
* الطلبة: يشمل الاثنين.
* الشيخ: يشمل الاثنين؟ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
* الطلبة: حديث بعضهم مع بعض.
* الشيخ: ما يظهرونه للناس، فقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يشمل ما يسره الإنسان منه في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يعلنه الإنسان لعامة الناس، فالله تعالى يعلم هذا وهذا، لا يخفى عليه شيء.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ منين؟ من اليهود، ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع (أميّ)، والأميّ هو الذي لا يفهم القراءة، إما لا يفهم لفظها أو لا يفهم معناها، لو إن حتى اللي ما يفهم المعنى يسمى: أميًّا؛ لأن قراءة اللفظ بدون فهم المعنى ما يفيد، الأمي يشمل من لا يعرف القراءة، ومن يعرفها ولا يعرف المعنى؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: لا يدرونه ولا يصل إلى قلوبهم علمه، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (إلا) هنا الاستثناء منقطع، يعني: لكن أماني، ويجوز أن يكون متصلًا، أي: لا يعلمونه إلا علم أماني، و(الأماني) جمع (أمنية)، والأمنية تحتمل معنيين:
أحدهما: ما يتمناه الإنسان في نفسه، والثانية: القراءة، والمعنى الثاني أنسب بالآية، يعني: ما يفهمون القرآن ولكنهم يقرؤونه بدون فهم، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج ٥٢] أي: في قراءته، ومنه قول الشاعر في عثمان رضي الله عنه:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ
تمنى بمعنى: قرأ كتاب الله، فقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ جمع أمنية وهي القراءة، وما أكثرهم اليوم في المسلمين! أكثر المسلمين اليوم ما يعرفون القرآن إلا أماني، ولا يحرصون على أن يفهموا معنى القرآن؛ لأن هذا خلاف الواقع، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله يقول: الآن إنسان لو بيقرأ الطب أو يقرأ الحساب أو يقرأ النحو، هل هو يجي على كتب هذه الأشياء ويمر بها لفظًا ويمشي؟ ولا يتأمل معناها ويطلب من يفسرها له ويشرحها له حتى يعقله؟ أيهما الحقيقة؟ الثاني. إذن، إذا كنت تطلب الاهتداء بالقرآن الكريم، فكيف تهتدي به وأنت لا تعرف معناه؟ ما يمكن، ومع هذا القرآن الكريم إذا تدبرته تيسر لك، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧].
وأكثر الناس ما يهتم بهذه الناحية، بتأمل وتدبر القرآن الكريم ومعرفة معناه، قليل من يكون هذا طريقه بالنسبة للقرآن؛ ولذلك الآن نزعت بركة القرآن من كثير من الناس؛ لأنهم لا يتبركون به إلا لفظًا، حتى إنك تسمع بعض الإخوان في متاجرهم عنده مسجل للقرآن الكريم، مسجل، هذا المسجل يقرأ القرآن بصوت مرتفع، وعنده في الدكان من يشتم ويسب ويضحك ويسخر ويكذب بالبيع وكل شيء، ويش يصير الحقيقة موقف الإنسان وكتاب الله تعالى فوق رأسه يسمع؟ استهزاء بالقرآن، لكن هم يقولون: هي تبركهم، ما هذه بركته، بركة القرآن في العمل به وبما يترتب عليه من ثواب، أما إنك تهين القرآن والله..، يعني: لو أنه ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]، لو أن الملك أمامك الآن يتكلم بمكبر صوت ويشوفونك العيون ويتكلم، وأنت تتكلم وتسخر وتضحك ويش (...)؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ما تدري (...) فكيف الآن بكلام الله عز وجل؟ فالمهم إن أنا أقول الآن: مع الأسف الشديد إن كثيرًا من المسلمين بالنسبة لكتاب الله على هذه الحال لا يعلمونه إلا أماني.
قال: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ما يعرفون؛ لأن الإنسان اللي ما يعرف اللفظ ما عنده علم ليس عنده إلا الظن، وقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ هذه عاملة ولَّا غير عاملة؟
* طالب: غير عاملة.
* طالب آخر: لأنه انتقض النفي.
* الشيخ: لانتقاض النفي، هذه غير عاملة؛ لأن النفي انتقض، يعني: ما هم إلا يظنون (...).
من قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ إلى آخره.
فيستفاد من هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، يستفاد منه فوائد متعددة:
* أولًا: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فيبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن الذي يسمع كلام الله ثم يحرفه أبعد إيمانًا بقول هؤلاء، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، يعني خلاصة الفائدة: أن من لا يؤمن بما هو أظهر يبعد أن يؤمن بما هو أخفى، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.
* الفائدة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى يسلي رسوله ﷺ بما يذهب عنه الأسى والحزن؛ لأن الرسول سيحزن إذا لم يؤمن هؤلاء، ولكن الله يبلغه أن هؤلاء قوم عتاة، فليس منك تقصير، ولكن سوء حالهم هو الذي منع استجابتهم.
* الفائدة الثالثة: إثبات أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وكلام الله تبارك وتعالى صفة حقيقية تتضمن اللفظ والمعنى، فهو سبحانه وتعالى يتكلم بحروف وأصوات مسموعة؛ ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن كلام الله سبحانه وتعالى من صفاته الفعلية باعتبار أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآحاد، باعتبار آحاده، وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية، والفرق بين الصفات الذاتية والفعلية: أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله، لازمة لذاته أزلًا وأبدًا، ويش معنى أزلًا؟ أي: فيما مضى، وأبدًا: فيما يستقبل، هذه الصفات الذاتية، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحدث إذا شاء، بناء على هذا نقول: الغضب من أي النوعين؟
* الطلبة: فعلية.
* الشيخ: فعلية، والرضا فعلية، والمحبة فعلية، وأشياء كثيرة من الأفعال: الاستواء على العرش؟ فعلية، علوه على الخلق؟
* الطلبة: ذاتي.
* الشيخ: ذاتية.
* الفائدة الخامسة: الرد على الأشعرية وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الحروف عبارة عن كلامنا وليست كلام الله، يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس ما هو الكلام اللي يسمع، ويستدلون لقولهم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فجعل الله ما في النفس قولًا، وبقول الشاعر:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ∗∗∗ جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِدَلِيلَا
ويستدلون أيضًا: بأنه لو قيل: بأن الله يتكلم بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، والله سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، إذن فكلامه معنًى قائم بنفسه، ويخلق سبحانه وتعالى أصواتًا تسمع تعبر عما في نفسه، وكلامهم هذا باطل، أما استدلالهم بالآية: ﴿يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة ٨]، فنقول: إن هذا القول قول مقيد ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وهو حجة عليكم لا لكم؛ لأنه يدل على أن القول المطلق يكون في النفس ولَّا بخلاف ذلك؟
* طالب: بخلاف ذلك.
* الشيخ: بخلاف ذلك، ولولا أنه يدل على هذا ما احتاج إلى القيد في أنفسهم، فالحمد لله ما من إنسان يستدل بدليل صحيح إلا كان استدلاله عليه.
وأما قولهم: (إن الكلام لفي الفؤاد) إلى آخره، فنقول: أولًا: إن هذا القول ينسب للأخطل، والأخطل جاء بعد تغير اللسان، وهو أيضًا رجل نصراني ما يؤخذ بقوله، ثم من قال: إنه قاله؟ فيحتاج إلى إثبات أنه قاله، وإذا وصل إليه، فوراءه الآفات بعد وصوله إليه.
وأما قولهم -الوجه الثالث-: إنه لو كان كلامه بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، فيقال: هذه القضية من قالها لكم: إن ما كان محلًّا للحوادث فهو حادث؟ ثم إننا نقول: إن كان يلزم من التزامنا بأنه محل للحوادث (...) الخالق وتقييدنا لا تستلزم نقصًا في الخالق مما لو قيل: الأكل صفة كمال في المخلوق، واللي ما يأكل أنقص من الذي يأكل؛ ولهذا لا يأكل الإنسان إذا مرض واعتلت صحته، والنوم صفة كمال للمخلوق، فهل تثبتونها لله؟ قلنا: لا، ما نثبتها لله؛ لأنها صفة نقص، وهي في نفس الوقت في المخلوق صفة نقص؛ ولذلك إذا كمل المخلوق في الجنة ما يحتاج إلى نوم ولَّا لا؟ ما يحتاج إلى نوم لكمال حياته، أما الأكل فهو أيضًا لا يحتاج إلى الأكل لبقائه؛ لأنه مخلد، لكنه يحتاج إلى الأكل للتلذذ والتفكه به، إي نعم.
الحاصل أن قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] يدل على أن كلام الله تعالى مسموع، وأنه بصوت.
بقينا: هل الحروف التي نطق الله بها هي الحروف التي يستعملها الناس في لغاتهم؟ ما تقولون؟
* الطلبة: هي.
* الشيخ: نعم، هي التي يتكلم بها الناس في لغاتهم، لكن كيفية أدائها والصوت بها، هذا هو الذي لا يشبهه شيء، ما يمكن أن نقول: إن تصويت الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمات كتصويت الإنسان، هذا ما يجوز؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، أما الحروف فهي الحروف.
ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله ولَّا لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾.
* الفائدة -أظنها السابعة-: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود؛ لأنهم حرفوا بعد ما عقلوا، بعد ما عقلوه، والتحريف بعد العقل -بعد عقل المعنى- أعظم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله، لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح -والعياذ بالله- لأنه -نسأل الله السلامة- تجرأ على المعصية مع علمه بها، فهو أعظم.
* وفيه أيضًا: دليل على قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود، أو لا؟ وهل هذه الأمة ارتكبته؟ نعم، ارتكبته، لكن التحريف اللفظي محفوظ، ما يمكن يغير القرآن لفظًا، لو غُيِّر أطلع عليه، وكذلك معنًى، ما يمكن أن يغير معنى ويستقر على المعنى المحرف، بل لا بد أن يقيض الله من علماء المسلمين من يبطل هذا المعنى ويرده، لكن المهم أنه وجد من حرف هذا الكتاب، من حرف كلام الله، وجد أناس متعصبون يحرفون الآيات حسب مذاهبهم، حتى إنك تجد بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- يحرفون الآيات على وجه مستكره، كيف ينطقون بهذا الشيء! وإذا شئت الأمثلة على هذا فراجع كتب الفروع في الفقه، وراجع أيضًا كتب الأصول في العقيدة تجد التحريف العظيم، ومن أعظم الطوائف تحريفًا الروافض، عندهم في تفسير القرآن -والعياذ بالله- تحريفات عظيمة، كبيرة، فظيعة -نسأل الله العافية- فهم وغيرهم ممن ابتلوا بهذه البلية يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يستفاد منها أيضًا: أن هؤلاء اليهود حرفوا بعد العقل وهم يعلمون أن فعلهم منكر، فاجتمع فيهم منكران: المنكر الأول: التحريف بعد عقل المعنى، والمنكر الثاني: العلم بأن هذه الطريقة محرمة ومع ذلك حرفوها، تعرفون شيئًا مما حرفوه لفظًا؟
* طالب: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة 58].
* الشيخ: قيل لهم: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ فقالوا: حنطة، وقيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهذا تحريف أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تحريف لفظًا ومعنًى، كذلك أيضًا: وتطبيقًا، حرفوا تطبيقًا، في التوراة أنزل الحكم بالرجم على الزاني إذا كان محصنًا، وهم حرفوه، جعلوا بدل هذا الحكم أنه تسود وجوههم، ويركب الزاني والزانية على حمار مقلوبين وجه أحدهما للآخر ويطاف بهم في الأسواق، وهم حرفوا مع أن نص الرجم موجود في التوراة، إي نعم.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في هذه الآية يستفاد منها: توبيخ هؤلاء اليهود على التحريف، يعني: أهم في جهل ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
* وفيها أيضًا: توبيخ من يستحقه، وهذا أيضًا مشروع أن من يستحق التوبيخ فليوبخ، وليس في ذلك عدوانًا عليه.
* وفيها من الفوائد: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: الوعيد على مخالفة أمر الله، من أين يتضمن الوعيد على المخالفة؟
* طالب: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾.
* الشيخ: إي؛ لأن كون الله يعلم ما يسر وما يعلن الإنسان لا شك أنه وعيد، يعني: احذر أن يعاقبك الله، فقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة 235].
على كل حال هذه أربع فوائد من الآية هذه، ونعود إلى ما نسينا.
قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ إلى آخر الآية.
* يستفاد منها: أن في اليهود منافقين؛ لقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ كما قال في أول السورة عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
* وفيها أيضًا: دليل على أن من سجايا اليهود وطباعهم الغدر، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
* الشيخ: وجه؟
* الطالب: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
* الشيخ: يعني: أن هذا نوع من الغدر، أو لا؟ نوع من الغدر بالمؤمنين، وهي طبيعتهم الغدر والخديعة.
* الفائدة الثالثة: أن بعضهم يلوم بعضًا حينما يرجعون إليهم، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن العلم من الفتح؛ لقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ولا شك أن العلم فتح، يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه، فهو فتح.
* الفائدة الخامسة: أن المؤمن والكافر يتحاجان عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
* الفائدة السادسة: سفه هؤلاء اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحًا عليهم، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، كيف تحدثهم بشيء هو سلاح عليك؟ سلاح على نفسك، على الأقل إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، على الأقل إذا كنت لا تريد الإيمان بالرسول ﷺ، فلا تخبرهم أن الرسول حق؛ لأنهم يقولون: آمنا، يعني: أن الرسول حق، ولكنهم -والعياذ بالله- مستكبرون منافقون.
* وفيه: دليل على الثناء على العقل والحكمة؛ لأن قولهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل، وأنه يجب أن الإنسان يكون عاقلًا ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه، ما هو بس يمشي خبط عشواء، لا، الإنسان ينبغي أن يكون في أموره كلها ما يتكلم إلا يشوف ويش النتيجة من الكلام، ما يفعل إلا ويشوف نتيجة الفعل، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٦٠١٨)، ومسلم برقم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة.]].
أما كون الإنسان يتكلم خبط عشواء ولا تهمه النتائج فهذا خلاف العقل، واضح يا جماعة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إذا كان فيه فوائد ثاني عندكم لا بأس، المسألة موضع بحث.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، أن كفرهم بالرسول عليه الصلاة والسلام عن علم؛ لقوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ ولهذا صاروا مغضوبًا عليهم حيث خالفوا الحق مع علمهم به.
* طالب: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هذا يقوله بعضهم لبعض، كيف نأخذ فائدة من كلامهم؟
* الشيخ: معلوم؛ لأن الله ما ذكره إلا مقرًّا له، وذكرنا أيضًا في التفسير شاهدًا عليه من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣].
قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أن الأمية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: بقوله: ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ومعنى ﴿أَمَانِيَّ﴾: قراءة.
* الفائدة الثانية: ذم من لا يفهم معاني كتاب الله؛ لأن الأمية وصف عيب ولَّا وصف ثناء؟
* الطلبة: وصف عيب.
* الشيخ: وصف عيب في الأصل، إلا في الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها وصف كمال؛ لأن فيها زيادة إثبات رسالته ﷺ.
* وفيه أيضًا: دليل على أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وصحيح اللي ما يفهم المعنى، العامي الآن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن ما يفهم معناه، فإذا تكلم في الحكم الشرعي من أحكام الله التي دل عليه الكتاب، فإنما كلامه؟
* الطلبة: ظن.
* الشيخ: عن ظن؛ لأنه في الحقيقة ما يعلم، ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى.
* وفيه: دليل -أيضًا- على ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود، وهذا موجود كثيرًا عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: إنهم علماء، تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن والسنة وهو لا يعلم، هل نأخذ من هذا أن المقلد ليس بعالم؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ويش السبب؟
* طالب: لأنه لا يفهم.
* الشيخ: إي؛ لأنه ما يفهم، ما يفهم المعنى في الحقيقة، المقلد ما يفهم فليس بعالم، وقد قال ابن عبد البر: إن العلماء أجمعوا على أن المقلد لا يعد في عداد العلماء، هو صحيح ما هو بعالم المقلد، غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب، والكتاب أضبط منه؛ لأن الكتاب ما ينسى، لكن هو قد ينسى، وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقًا، التقليد في موضعه هو الواجب، ومتى يكون موضعه؟ إذا عجز عن الاستدلال، إذا كان لا يعلم وجب عليه التقليد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]، اللي ما يعلم وظيفته السؤال ولَّا ماذا يصنع؟
* طالب: شيخ، الحكم بالظن موجود فيه بعض الأحاديث ظنية؟
* الشيخ: لا، هذا علمية، علم.
* الطالب: حاصل الآحاد ظني؟
* الشيخ: لا، أولًا: الآحاد ليست ظنية كلها، والثاني: أنه علم؛ لأنك مأمور بأن تحكم بذاك، وله معنى العلم أنك تعرف أنك أصبت الصواب؛ لأن كون ظني، بمعنى أني أظن أني أصبت الصواب، لكني مأمور بأن أحكم في هذه الحال، ما ترجح عندي فأنا مأمور به، إذن فهذا علم.
* طالب: الدليل ظني.
* الشيخ: لا، الدليل ظني، لكن ويش معنى ظني؟ يعني: ما أتيقن أني أصبت لأني مجتهد، واضح؟ لكن كوني أحكم به إذا ترجح عندي ويش يصير؟
* طالب: علم.
* الشيخ: هذا علم، لكن كوني أني أتيقن أني مصيب، هذا ما يمكن أتيقن أني مصيب إلا في أمور قطعية الدلالة مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، ومثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، ومثل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء ١٩]، ومثل: ﴿لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] وما أشبه ذلك.
* طالب: الاستدلال بالآية للأمور الشرعية ولَّا للأمور العامة؟
* الشيخ: أي آية؟
* طالب: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣].
* الشيخ: عامة.
* طالب: يعني: أي شيء لا يعرفه الإنسان يسأل عنه؟
* الشيخ: يسأل عنه نعم، (...) بس عاد لا يصير مثل البدوي يشرب المي ويقول: يا ولد هو حلو، هذا ما يصلح.
* طالب: شيخ، في الأمور العامة الدنيوية الله عز وجل بين في تنزيل الكتاب؟
* الشيخ: نعم، في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧]، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤].
* الطالب: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ هذا، ويش محله من الإعراب؟
* الشيخ: متعلق بـ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر، ويحتمل أن قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بـ ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهل الذكر بالبينات والزبر، إنما هو إذا لم تشمله الآية لفظًا فهي تشمله معنى، يعني بالقياس، تشمله معنى بالقياس، كل شيء ما تدري عنه فاسأل عنه.
* طالب: ما يستدل بالآية على الأشياء الدنيوية؟
* الشيخ: بلى، يستدل لأننا قلنا: إذا كانت ما تشمله الآية المطلقة؛ لأن في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي آية ثانية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ فهمت؟ فالأولى مطلقة، والثاني مقيد، إذا قلنا: إن الآية ما تشمل الأمور الدنيوية باللفظ، فهي تشملها بالقياس، وهذه طريقة الآن، الآن اللي ما يمشي -مثلًا- ما يعرف الطريق خارج بيسافر -مثلًا- مكة وما يعرف الطريق؟
* طالب: لا، إحنا مؤمنين بذلك بس نقول: نحمل الآية على هذا؟
* الشيخ: إي، نحمل الآية إما بالشمول اللفظي، أو بالشمول المعنوي وهو القياس.
* طالب: ما فيه مرتبة -مثلًا- بين التقليد والاجتهاد؟
* طالب آخر: يعني: إن كان الاجتهاد المطلق فيه مرتبة، وهو الاجتهاد في مذهب معين.
* طالب آخر: لا يجتهد في مذهب معين، مجتهد وآخر مقلد؟
* الشيخ: إي، ممكن يصير المجتهد مقلد، يعني: مجتهد في بعض الأشياء، ومقلد في بعض الأشياء.
* طالب: لكن تفسير الناس التقليد هو ليس اتباع، بعضهم يقول: فيه فرق، يعني فيه شيء يسمى التقليد، وشيء يسمى الاتباع؟
* الشيخ: لا، إذا كان من غير دليل فهو تقليد، يعني قبول قول الغير بدون دليل هو تقليد، وإذا كان بدليل فليس بتقليد؛ ولهذا لا يصح أن نسمي اتباعنا للرسول عليه الصلاة والسلام تقليدًا، ما يصح أن نسميه تقليدًا، بل نسميه اتباعًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، لماذا؟ لأن قوله ﷺ وسنته دليل.
* الطالب: إذن متبع الدليل يكون مقلد أو يكون؟
* الشيخ: لا، ليس متبعًا وليس مقلدًا.
* الطالب: إذن صار فيه فرق، فيه مرتبة؟
* الشيخ: لا، ما فيه مرتبة، فيه فرق بالمعنى، المقلد هو الذي يتْبع من لا يجب قبول قوله، والمتبع هو الذي يتبع من يجب قبول قوله.
* طالب: وما هو مجتهد؟
* الشيخ: المجتهد يحكم بالدليل، والدليل من أين يصدر؟ من الرسول ﷺ، من الكتاب والسنة، فالذي يحكم بذلك يسمى مجتهدًا، ويسمى متبعًا، وأما الذي لا يستطيع أن يعرف ذلك بنفسه من كتاب الله وسنة رسوله فإنه يسمى مقلدًا.
* طالب: (...)
* الشيخ: هذا المنكر نقول: لا تفعله لو أنت عارفه، المنكر ما يفعل، لكن الكلام: إنك لو بغيت تعرفه، مين تسأل؟
* طالب: اللي يعرفونه.
* الشيخ: تسأل اللي يعرفونه، إي نعم.
* طالب: شيخ، نأخذ من الآية أن (...)؟
* الشيخ: يمكن يؤخذ منها هذا: أن الإنسان اللي يقتصر على مجرد القراءة يكون مشابهًا لهؤلاء اليهود من هذا الوجه، وهذا ذكرناه فيما سبق في التفسير أنه يجب علينا أن نقرأ كتاب الله ونتدبر معناه ونطبقه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك.
* طالب: شيخ، الأماني من العلم قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؟
الأماني هل هي من العلم؟
* الشيخ: إي، القراءة من العلم يعني: علمت لفظه، وبعضهم يقول: إن الاستثناء هنا منقطع، وأن المعنى: إلا بمعنى ذاك، لكن الصواب أنه متصل ولا مانع؛ لأن معرفة اللفظ نوع من العلم.
* الطالب: ويش يكون إعراب ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الشيخ: ﴿أَمَانِيَّ﴾ مسلط عليها ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، فـ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول أول، و﴿أَمَانِيَّ﴾ مفعول ثاني.
* طالب: صار مفرغًا.
* الشيخ: نعم، مفرغ، المفعول ثان.
البقرة 2:78
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٧٥].
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، والمراد به الاستبعاد والتيئيس، أي: تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم، وقوله: ﴿تَطْمَعُونَ﴾ الطمع معناه: الرجاء المقرون بالرغبة الأكيدة، يعني: أنكم أنتم تطمعون ترجون مع رغبة؛ لأن الذي يرجو الشيء مع الرغبة فيه يقال: طمع فيه، يعني أنكم تطمعون هذا الشيء.
وقوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الإيمان هنا بمعنى التصديق، يعني: أن يصدقوا لكم، ويتبعوا لكم، وهذا أمر بعيد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، و(الواو) هنا للحال، و(قد) للتحقيق، فالجملة في محل نصبٍ حالًا من الواو في ﴿يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يعني: والحال أن فريقًا منهم يسمعون كلام الله.
وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الفريق بمعنى الطائفة، وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود الذين كانوا في المدينة.
وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ هل هذا السماع سمع لكلام الله سبحانه وتعالى حقيقة أو سمع للتوراة تتلى كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]؟ يحتمل هذا وهذا؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن المراد بالفريق هنا: الذين اختارهم موسى وهم سبعون رجلًا لميقات الله سبحانه وتعالى، وأن الله لما كلمه وسمعوه يكلم الله قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥] وحرفوا كلام الله، وقيل: بل المراد بسماع كلام الله: سماعهم للتوراة تتلى، ومع ذلك يحرفونها من بعد ما عقلوها، فعليه يكون قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: من غيره،كما في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦].
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ التحريف: التغيير، ومنه قولهم: حَرَفْتُ الدابةَ، يعني: غيرت اتجاهها، التحريف معناه التغيير، وهو نوعان: تغيير لفظي، وتغيير معنوي، أما التغيير اللفظي فمعناه: أن يغير نفس اللفظ، مثل قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة ٥٨]، قالوا: حنطة في شعيرة، شوف حطة، غيروه قالوا: حنطة، هذا نسميه تغييرًا؟
* طالب: لفظي.
* الشيخ: لفظيًّا، تغييرًا لفظيًّا، ومثل ما غير بعض المبتدعة في كلام الله من هذه الأمة ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، فقرأها: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، علشان يكون الكلام من أين؟ من موسى؛ لأنهم قالوا: الله مو بيتكلم والعياذ بالله وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، هذا نسميه تحريفًا لفظيًّا، وهو يتبعه التحريف المعنوي، وأحيانًا لا يتغير به المعنى، التحريف اللفظي قد لا يتغير به المعنى، لكنه جناية واعتداء، مثل لو قال: الحمد للهِ، قال: الحمد للهَ، المعنى ما يتغير، لكن لفظه تغير، والغالب أن هذا التحريف الذي هو تحريف لفظي بغير تغيير المعنى، الغالب أنه ما يقع إلا من إنسان جاهل، أو إنسان يريد ذبذبة الناس، وإن كان المعنى لا يختلف، هؤلاء حرفوا الكلم، ومثال تحريف الكلم مثل ما قلنا: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة ٥٨] فقالوا: حنطة.
التحريف المعنوي أن يُبقي اللفظَ كما هو، ولكنه يغير معناه ويقول: المراد به كذا، مما لا يريده الله سبحانه وتعالى به، مثل: الذين قالوا في ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] قالوا: استولى على العرش، وقالوا في اليدين: هما القوة والنعمة وما أشبه ذلك، هؤلاء حرفوا معنًى ولم يحرفوا اللفظ، اللفظ باقٍ على ما هو عليه، لكن المعنى غيروه؛ لأن استوى على العرش ويش معناها؟ أي: علا عليه واستقر، ما هو بمعنى استولى عليه، بل معناه علا عليه واستقر، وكذلك اليد المراد بها يد حقيقية، لكن ما هي مثل أيدينا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
يحرفون كلام الله، كلام الله، يعني: التوراة بالنسبة لليهود؛ لأنها كلام الله سبحانه وتعالى كتبها الله تعالى لموسى بيده، يحرفون كلام الله.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ ﴿عَقَلُوهُ﴾ فهموه، وهذه الكلمة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ الغرض منها إثبات أن تحريفهم كان عن علم؛ لأن من الناس من يحرف الكلم لكن عن جهل، لو جاء واحد يقرأ القرآن ويكسره ما يقيم حروفه نقول: هذا محرف ولَّا لا؟
* طالب: محرف.
* الشيخ: محرف، لكن ليس عن علم، والذي تترتب عليه العقوبة إذا كان بعد العلم؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ عقلوه وفهموه، ولكنهم -والعياذ بالله- حرفوه وغيروه.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يعلمون أن التحريف محرم وغير جائز، ولكنهم تعدوا الحدود وحرفوا كلام الله، إذا كان هذا بالنسبة لكتابهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، فهل أحد يطمع في أن يؤمنوا للرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا؛ ولذلك ما آمنوا، ما آمن من اليهود إلا نفر قليل، ولَّا غالبهم بقوا على كفرهم وحصل ما حصل -ولله الحمد- من غزوهم وإخراجهم من ديارهم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب ٢٧]، فهؤلاء يبعد أن يؤمنوا لكم؛ لأنهم يحرفون كلام الله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وبالمناسبة يقولون: إن.. ذكرت صحيفة الكويت في المجتمع في العام الماضي في أربع وعشرين ربيع الثاني تقول: إن النصارى اختصروا الإنجيل، اختصروا منه نحو أربعين بالمئة؛ لأنهم قالوا: هذه الكلمات ما لها داعي، هذا ويش يعتبر؟ تحريف من وراء تحريف؛ لأن أصله محرف، وكذلك التوراة محرفة، ثم جاؤوا هؤلاء واستطالوا الكلام قالوا: إذن نختصره، نأخذ ستين بالمئة فيها بركة، يمكن بعد سنين بعد يأخذون بعدهم أربعين بالمئة يبقى عشرين بالمئة، اللهم عافنا.
المهم أن دأب اليهود والنصارى هو التحريف، ولكن مع الأسف أن من هذه الأمة من ارتكب ما ارتكبت اليهود والنصارى، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٧٣٢٠)، ومسلم برقم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري، وأحمد في مسنده برقم (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي واللفظ له.]]، فحرفوا كتاب الله وحرفوا سنة رسول الله ﷺ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي معلوم، نعم هذا ما هو تحريف للنص، هذا استكبار عن العمل به، إي نعم، التحريف أنه يبقي اللفظ لكن يقول: معناه كذا وكذا، وهذا هو التحريف، وقد وقع التحريف في الكتاب والسنة مثل ما مثلنا، مثلنا بأمثلة من هذا.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ ﴿إِذَا لَقُوا﴾ الضمير يعود على من؟ على بني إسرائيل والموجود في المدينة اليهود، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قابلوهم واجتمعوا بهم، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله ورسوله محمد ﷺ، ﴿قَالُوا﴾ هذا جواب (إذا): إذا لقوا قالوا، والقول يكون باللسان ولَّا بالعقيدة؟
* الطلبة: باللسان.
* الشيخ: باللسان وبالعقيدة، لكن هم هنا يقولون باللسان.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: آمنا كإيمانكم، ﴿آمَنَّا﴾ يعني: بالرسول محمد ﷺ، هذا إذا لقوا المؤمنين، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يعني: انفرد بعضهم، ولم يقل: ببعض، بل قال: ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾؛ لأن (إلى) تدل على الإيواء، يعني إذا أوى بعضهم إلى بعض وخلا به وانفرد به ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الاستفهام هنا للإنكار، والهاء في قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ يعود إلى المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: يقول اليهود بعضهم لبعض إذا اجتمعوا: كيف تحدثون المؤمنين -يعني: الذين آمنوا بالله ورسوله- كيف تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ يعني: لأيش تحدثونهم بالشيء الذي فتح الله عليكم بعلمه وعلمتموه؛ لأن اليهود يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ما يشكون فيه، ولكنهم تركوا الإيمان به استكبارًا، فهم يقولون: كيف تحدثون هؤلاء بالشيء الذي فتح الله عليكم به فأعلمكم إياه؟
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هذا للتوبيخ، يعني: وين عقولكم؟ أنتم إذا حدثتموهم بهذا وقلتم: إن هذا الذي بعث حق وأنه نبي، يحاجونكم به عند الله، كيف يحاجون به عند الله؟ متى؟ يوم القيامة، وفي هذا دليل على أن الله تعالى يفتح خصومة للمؤمنين والكافرين يوم القيامة، كما تدل على ذلك آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة ٣]، ومثل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة ١١٣]، وكذلك أيضًا في سورة (حم) أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحكم الله بينه وبين خصومه، فالمهم أن المؤمنين يفتح الله بينهم وبين خصومهم يوم القيامة حكومة، فهنا يقول: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، فيقول المسلمون لليهود يوم القيامة: أنتم أعلمتمونا بأن محمدًا ﷺ رسول حق، ومع ذلك كفرتم به وحملتم السلاح عليه، فهذه حجة بينة..
* طالب: لقولهم: آمنا (...).
* الشيخ: إي نعم، آمنا كإيمانكم، أي: بأن الرسول حق وأن الدين حق.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني: الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، واللام في قوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ اللام للتعليل ولَّا للعاقبة؟
* طالب: للعاقبة.
* الشيخ: اللام للعاقبة؛ لأن اللام المقترنة في الفعل المضارع الناصبةَ له تكون للتعليل وتكون للعاقبة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، ويش رأيكم في اللام هذه؟
* الطلبة: للعاقبة.
* الشيخ: للعاقبة، هم ما التقطوه لهذا الغرض، لو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا ما التقطوه بل قتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا، هنا ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هذه للعاقبة ولَّا ما حدثوا المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام بما فتح الله عليهم من شأنه لأجل أن يحاجهم المؤمنون، ولكن هذه في الحقيقة فيها إقامة حجة عليهم بلا شك، حجة واضحة أنهم أقروا بالرسول ﷺ، وأن الله تعالى مرسله، ثم كذبوه وقاموا ضده، حجة بينة واضحة.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الهمزة قلت: إنها للاستفهام والمراد به التوبيخ، وهنا الفاء، ويش هي عاطفة عليه؟ أقول: إن هذا يكثر في القرآن ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس ٥١]، وأشبه ذلك، يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام، وهمزة الاستفهام من المعلوم أن لها الصدارة في جملتها، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولا صدارة مع وجود الواو، ما فيه صدارة مع وجود الواو؛ لأن الواو عاطفة، فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة والواو جملة محذوفة عطفت عليها الجملة الأخرى، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام، وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة، وإن حرف العطف هو الذي تأخر، يعني: زحلق حرف العطف عن مكانه وجعلت الهمزة مكانه، فعلى هذا يكون التقدير؟
* طالب: فألا تعقلون.
* الشيخ: فألا تعقلون، يكون التقدير هكذا، أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؟ أو أسفهتم فلا تعقلون؟ المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق، الأول الحقيقة أنه أدق، الذي يقول: إن الهمزة داخلة على شيء محذوف، أدق، والثاني أسهل؛ لأن الثاني ما يحتاج عناء وتكلف ما الذي تقدره، ما حاجة، ما يحتاج؛ فلهذا طالب العلم المبتدي يناسبه؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: القول الثاني؛ لأنه يقول مثلًا: الفاء هنا حرف عطف، والهمزة سابقة عليه، وهو معطوف على ما سبق، ولا حاجة أن يكلف نفسه عناء التقدير والمناسبة.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة 77] يعني: كيف يؤنب بعضهم بعضًا بهذا الأمر وهم لو جاؤوا إلى النبي ﷺ ومن معه وأنكروا نبوته ولم يؤمنوا، فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر، يعني: سواء أقروا أو ما أقروا عند الصحابة أن الرسول حق، فإن الله تعالى عالم بهم.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم، وقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ﴾ هل هذا توبيخ حيث نزلوا أنفسهم منزلة الجاهل؟ نعم هو هكذا، ولا يظهر لي أن معناه التقرير وأنه مثل قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شرحنا لك، وإن كان محتملًا أن يكون المعنى ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: قد علموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، لكن كونه للتوبيخ أبلغ؛ لأن التوبيخ يفيد أنهم علموا وأنهم وبخوا على ذلك، على العمل الذي سلكوه؛ لأن هذا العمل اللي سلكوه إنما هو عمل من يظن أن الله لا يعلم.
وقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما المراد بالإسرار هنا يا جماعة؟ في نفوسهم ولَّا حديث بعضهم مع بعض سرًّا؟
* الطلبة: يشمل الاثنين.
* الشيخ: يشمل الاثنين؟ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
* الطلبة: حديث بعضهم مع بعض.
* الشيخ: ما يظهرونه للناس، فقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يشمل ما يسره الإنسان منه في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يعلنه الإنسان لعامة الناس، فالله تعالى يعلم هذا وهذا، لا يخفى عليه شيء.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ منين؟ من اليهود، ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع (أميّ)، والأميّ هو الذي لا يفهم القراءة، إما لا يفهم لفظها أو لا يفهم معناها، لو إن حتى اللي ما يفهم المعنى يسمى: أميًّا؛ لأن قراءة اللفظ بدون فهم المعنى ما يفيد، الأمي يشمل من لا يعرف القراءة، ومن يعرفها ولا يعرف المعنى؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: لا يدرونه ولا يصل إلى قلوبهم علمه، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (إلا) هنا الاستثناء منقطع، يعني: لكن أماني، ويجوز أن يكون متصلًا، أي: لا يعلمونه إلا علم أماني، و(الأماني) جمع (أمنية)، والأمنية تحتمل معنيين:
أحدهما: ما يتمناه الإنسان في نفسه، والثانية: القراءة، والمعنى الثاني أنسب بالآية، يعني: ما يفهمون القرآن ولكنهم يقرؤونه بدون فهم، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج ٥٢] أي: في قراءته، ومنه قول الشاعر في عثمان رضي الله عنه:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ
تمنى بمعنى: قرأ كتاب الله، فقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ جمع أمنية وهي القراءة، وما أكثرهم اليوم في المسلمين! أكثر المسلمين اليوم ما يعرفون القرآن إلا أماني، ولا يحرصون على أن يفهموا معنى القرآن؛ لأن هذا خلاف الواقع، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله يقول: الآن إنسان لو بيقرأ الطب أو يقرأ الحساب أو يقرأ النحو، هل هو يجي على كتب هذه الأشياء ويمر بها لفظًا ويمشي؟ ولا يتأمل معناها ويطلب من يفسرها له ويشرحها له حتى يعقله؟ أيهما الحقيقة؟ الثاني. إذن، إذا كنت تطلب الاهتداء بالقرآن الكريم، فكيف تهتدي به وأنت لا تعرف معناه؟ ما يمكن، ومع هذا القرآن الكريم إذا تدبرته تيسر لك، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧].
وأكثر الناس ما يهتم بهذه الناحية، بتأمل وتدبر القرآن الكريم ومعرفة معناه، قليل من يكون هذا طريقه بالنسبة للقرآن؛ ولذلك الآن نزعت بركة القرآن من كثير من الناس؛ لأنهم لا يتبركون به إلا لفظًا، حتى إنك تسمع بعض الإخوان في متاجرهم عنده مسجل للقرآن الكريم، مسجل، هذا المسجل يقرأ القرآن بصوت مرتفع، وعنده في الدكان من يشتم ويسب ويضحك ويسخر ويكذب بالبيع وكل شيء، ويش يصير الحقيقة موقف الإنسان وكتاب الله تعالى فوق رأسه يسمع؟ استهزاء بالقرآن، لكن هم يقولون: هي تبركهم، ما هذه بركته، بركة القرآن في العمل به وبما يترتب عليه من ثواب، أما إنك تهين القرآن والله..، يعني: لو أنه ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]، لو أن الملك أمامك الآن يتكلم بمكبر صوت ويشوفونك العيون ويتكلم، وأنت تتكلم وتسخر وتضحك ويش (...)؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ما تدري (...) فكيف الآن بكلام الله عز وجل؟ فالمهم إن أنا أقول الآن: مع الأسف الشديد إن كثيرًا من المسلمين بالنسبة لكتاب الله على هذه الحال لا يعلمونه إلا أماني.
قال: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ما يعرفون؛ لأن الإنسان اللي ما يعرف اللفظ ما عنده علم ليس عنده إلا الظن، وقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ هذه عاملة ولَّا غير عاملة؟
* طالب: غير عاملة.
* طالب آخر: لأنه انتقض النفي.
* الشيخ: لانتقاض النفي، هذه غير عاملة؛ لأن النفي انتقض، يعني: ما هم إلا يظنون (...).
من قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ إلى آخره.
فيستفاد من هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، يستفاد منه فوائد متعددة:
* أولًا: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فيبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن الذي يسمع كلام الله ثم يحرفه أبعد إيمانًا بقول هؤلاء، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، يعني خلاصة الفائدة: أن من لا يؤمن بما هو أظهر يبعد أن يؤمن بما هو أخفى، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.
* الفائدة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى يسلي رسوله ﷺ بما يذهب عنه الأسى والحزن؛ لأن الرسول سيحزن إذا لم يؤمن هؤلاء، ولكن الله يبلغه أن هؤلاء قوم عتاة، فليس منك تقصير، ولكن سوء حالهم هو الذي منع استجابتهم.
* الفائدة الثالثة: إثبات أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وكلام الله تبارك وتعالى صفة حقيقية تتضمن اللفظ والمعنى، فهو سبحانه وتعالى يتكلم بحروف وأصوات مسموعة؛ ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن كلام الله سبحانه وتعالى من صفاته الفعلية باعتبار أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآحاد، باعتبار آحاده، وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية، والفرق بين الصفات الذاتية والفعلية: أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله، لازمة لذاته أزلًا وأبدًا، ويش معنى أزلًا؟ أي: فيما مضى، وأبدًا: فيما يستقبل، هذه الصفات الذاتية، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحدث إذا شاء، بناء على هذا نقول: الغضب من أي النوعين؟
* الطلبة: فعلية.
* الشيخ: فعلية، والرضا فعلية، والمحبة فعلية، وأشياء كثيرة من الأفعال: الاستواء على العرش؟ فعلية، علوه على الخلق؟
* الطلبة: ذاتي.
* الشيخ: ذاتية.
* الفائدة الخامسة: الرد على الأشعرية وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الحروف عبارة عن كلامنا وليست كلام الله، يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس ما هو الكلام اللي يسمع، ويستدلون لقولهم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فجعل الله ما في النفس قولًا، وبقول الشاعر:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ∗∗∗ جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِدَلِيلَا
ويستدلون أيضًا: بأنه لو قيل: بأن الله يتكلم بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، والله سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، إذن فكلامه معنًى قائم بنفسه، ويخلق سبحانه وتعالى أصواتًا تسمع تعبر عما في نفسه، وكلامهم هذا باطل، أما استدلالهم بالآية: ﴿يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة ٨]، فنقول: إن هذا القول قول مقيد ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وهو حجة عليكم لا لكم؛ لأنه يدل على أن القول المطلق يكون في النفس ولَّا بخلاف ذلك؟
* طالب: بخلاف ذلك.
* الشيخ: بخلاف ذلك، ولولا أنه يدل على هذا ما احتاج إلى القيد في أنفسهم، فالحمد لله ما من إنسان يستدل بدليل صحيح إلا كان استدلاله عليه.
وأما قولهم: (إن الكلام لفي الفؤاد) إلى آخره، فنقول: أولًا: إن هذا القول ينسب للأخطل، والأخطل جاء بعد تغير اللسان، وهو أيضًا رجل نصراني ما يؤخذ بقوله، ثم من قال: إنه قاله؟ فيحتاج إلى إثبات أنه قاله، وإذا وصل إليه، فوراءه الآفات بعد وصوله إليه.
وأما قولهم -الوجه الثالث-: إنه لو كان كلامه بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، فيقال: هذه القضية من قالها لكم: إن ما كان محلًّا للحوادث فهو حادث؟ ثم إننا نقول: إن كان يلزم من التزامنا بأنه محل للحوادث (...) الخالق وتقييدنا لا تستلزم نقصًا في الخالق مما لو قيل: الأكل صفة كمال في المخلوق، واللي ما يأكل أنقص من الذي يأكل؛ ولهذا لا يأكل الإنسان إذا مرض واعتلت صحته، والنوم صفة كمال للمخلوق، فهل تثبتونها لله؟ قلنا: لا، ما نثبتها لله؛ لأنها صفة نقص، وهي في نفس الوقت في المخلوق صفة نقص؛ ولذلك إذا كمل المخلوق في الجنة ما يحتاج إلى نوم ولَّا لا؟ ما يحتاج إلى نوم لكمال حياته، أما الأكل فهو أيضًا لا يحتاج إلى الأكل لبقائه؛ لأنه مخلد، لكنه يحتاج إلى الأكل للتلذذ والتفكه به، إي نعم.
الحاصل أن قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] يدل على أن كلام الله تعالى مسموع، وأنه بصوت.
بقينا: هل الحروف التي نطق الله بها هي الحروف التي يستعملها الناس في لغاتهم؟ ما تقولون؟
* الطلبة: هي.
* الشيخ: نعم، هي التي يتكلم بها الناس في لغاتهم، لكن كيفية أدائها والصوت بها، هذا هو الذي لا يشبهه شيء، ما يمكن أن نقول: إن تصويت الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمات كتصويت الإنسان، هذا ما يجوز؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، أما الحروف فهي الحروف.
ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله ولَّا لا؟ لقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾.
* الفائدة -أظنها السابعة-: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود؛ لأنهم حرفوا بعد ما عقلوا، بعد ما عقلوه، والتحريف بعد العقل -بعد عقل المعنى- أعظم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله، لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح -والعياذ بالله- لأنه -نسأل الله السلامة- تجرأ على المعصية مع علمه بها، فهو أعظم.
* وفيه أيضًا: دليل على قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود، أو لا؟ وهل هذه الأمة ارتكبته؟ نعم، ارتكبته، لكن التحريف اللفظي محفوظ، ما يمكن يغير القرآن لفظًا، لو غُيِّر أطلع عليه، وكذلك معنًى، ما يمكن أن يغير معنى ويستقر على المعنى المحرف، بل لا بد أن يقيض الله من علماء المسلمين من يبطل هذا المعنى ويرده، لكن المهم أنه وجد من حرف هذا الكتاب، من حرف كلام الله، وجد أناس متعصبون يحرفون الآيات حسب مذاهبهم، حتى إنك تجد بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- يحرفون الآيات على وجه مستكره، كيف ينطقون بهذا الشيء! وإذا شئت الأمثلة على هذا فراجع كتب الفروع في الفقه، وراجع أيضًا كتب الأصول في العقيدة تجد التحريف العظيم، ومن أعظم الطوائف تحريفًا الروافض، عندهم في تفسير القرآن -والعياذ بالله- تحريفات عظيمة، كبيرة، فظيعة -نسأل الله العافية- فهم وغيرهم ممن ابتلوا بهذه البلية يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يستفاد منها أيضًا: أن هؤلاء اليهود حرفوا بعد العقل وهم يعلمون أن فعلهم منكر، فاجتمع فيهم منكران: المنكر الأول: التحريف بعد عقل المعنى، والمنكر الثاني: العلم بأن هذه الطريقة محرمة ومع ذلك حرفوها، تعرفون شيئًا مما حرفوه لفظًا؟
* طالب: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة 58].
* الشيخ: قيل لهم: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ فقالوا: حنطة، وقيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهذا تحريف أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تحريف لفظًا ومعنًى، كذلك أيضًا: وتطبيقًا، حرفوا تطبيقًا، في التوراة أنزل الحكم بالرجم على الزاني إذا كان محصنًا، وهم حرفوه، جعلوا بدل هذا الحكم أنه تسود وجوههم، ويركب الزاني والزانية على حمار مقلوبين وجه أحدهما للآخر ويطاف بهم في الأسواق، وهم حرفوا مع أن نص الرجم موجود في التوراة، إي نعم.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في هذه الآية يستفاد منها: توبيخ هؤلاء اليهود على التحريف، يعني: أهم في جهل ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
* وفيها أيضًا: توبيخ من يستحقه، وهذا أيضًا مشروع أن من يستحق التوبيخ فليوبخ، وليس في ذلك عدوانًا عليه.
* وفيها من الفوائد: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: الوعيد على مخالفة أمر الله، من أين يتضمن الوعيد على المخالفة؟
* طالب: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾.
* الشيخ: إي؛ لأن كون الله يعلم ما يسر وما يعلن الإنسان لا شك أنه وعيد، يعني: احذر أن يعاقبك الله، فقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة 235].
على كل حال هذه أربع فوائد من الآية هذه، ونعود إلى ما نسينا.
قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ إلى آخر الآية.
* يستفاد منها: أن في اليهود منافقين؛ لقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ كما قال في أول السورة عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
* وفيها أيضًا: دليل على أن من سجايا اليهود وطباعهم الغدر، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
* الشيخ: وجه؟
* الطالب: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
* الشيخ: يعني: أن هذا نوع من الغدر، أو لا؟ نوع من الغدر بالمؤمنين، وهي طبيعتهم الغدر والخديعة.
* الفائدة الثالثة: أن بعضهم يلوم بعضًا حينما يرجعون إليهم، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن العلم من الفتح؛ لقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ولا شك أن العلم فتح، يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه، فهو فتح.
* الفائدة الخامسة: أن المؤمن والكافر يتحاجان عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
* الفائدة السادسة: سفه هؤلاء اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحًا عليهم، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، كيف تحدثهم بشيء هو سلاح عليك؟ سلاح على نفسك، على الأقل إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، على الأقل إذا كنت لا تريد الإيمان بالرسول ﷺ، فلا تخبرهم أن الرسول حق؛ لأنهم يقولون: آمنا، يعني: أن الرسول حق، ولكنهم -والعياذ بالله- مستكبرون منافقون.
* وفيه: دليل على الثناء على العقل والحكمة؛ لأن قولهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل، وأنه يجب أن الإنسان يكون عاقلًا ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه، ما هو بس يمشي خبط عشواء، لا، الإنسان ينبغي أن يكون في أموره كلها ما يتكلم إلا يشوف ويش النتيجة من الكلام، ما يفعل إلا ويشوف نتيجة الفعل، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٦٠١٨)، ومسلم برقم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة.]].
أما كون الإنسان يتكلم خبط عشواء ولا تهمه النتائج فهذا خلاف العقل، واضح يا جماعة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إذا كان فيه فوائد ثاني عندكم لا بأس، المسألة موضع بحث.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، أن كفرهم بالرسول عليه الصلاة والسلام عن علم؛ لقوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ ولهذا صاروا مغضوبًا عليهم حيث خالفوا الحق مع علمهم به.
* طالب: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هذا يقوله بعضهم لبعض، كيف نأخذ فائدة من كلامهم؟
* الشيخ: معلوم؛ لأن الله ما ذكره إلا مقرًّا له، وذكرنا أيضًا في التفسير شاهدًا عليه من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣].
قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أن الأمية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: بقوله: ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ومعنى ﴿أَمَانِيَّ﴾: قراءة.
* الفائدة الثانية: ذم من لا يفهم معاني كتاب الله؛ لأن الأمية وصف عيب ولَّا وصف ثناء؟
* الطلبة: وصف عيب.
* الشيخ: وصف عيب في الأصل، إلا في الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها وصف كمال؛ لأن فيها زيادة إثبات رسالته ﷺ.
* وفيه أيضًا: دليل على أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وصحيح اللي ما يفهم المعنى، العامي الآن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن ما يفهم معناه، فإذا تكلم في الحكم الشرعي من أحكام الله التي دل عليه الكتاب، فإنما كلامه؟
* الطلبة: ظن.
* الشيخ: عن ظن؛ لأنه في الحقيقة ما يعلم، ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى.
* وفيه: دليل -أيضًا- على ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود، وهذا موجود كثيرًا عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: إنهم علماء، تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن والسنة وهو لا يعلم، هل نأخذ من هذا أن المقلد ليس بعالم؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ويش السبب؟
* طالب: لأنه لا يفهم.
* الشيخ: إي؛ لأنه ما يفهم، ما يفهم المعنى في الحقيقة، المقلد ما يفهم فليس بعالم، وقد قال ابن عبد البر: إن العلماء أجمعوا على أن المقلد لا يعد في عداد العلماء، هو صحيح ما هو بعالم المقلد، غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب، والكتاب أضبط منه؛ لأن الكتاب ما ينسى، لكن هو قد ينسى، وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقًا، التقليد في موضعه هو الواجب، ومتى يكون موضعه؟ إذا عجز عن الاستدلال، إذا كان لا يعلم وجب عليه التقليد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]، اللي ما يعلم وظيفته السؤال ولَّا ماذا يصنع؟
* طالب: شيخ، الحكم بالظن موجود فيه بعض الأحاديث ظنية؟
* الشيخ: لا، هذا علمية، علم.
* الطالب: حاصل الآحاد ظني؟
* الشيخ: لا، أولًا: الآحاد ليست ظنية كلها، والثاني: أنه علم؛ لأنك مأمور بأن تحكم بذاك، وله معنى العلم أنك تعرف أنك أصبت الصواب؛ لأن كون ظني، بمعنى أني أظن أني أصبت الصواب، لكني مأمور بأن أحكم في هذه الحال، ما ترجح عندي فأنا مأمور به، إذن فهذا علم.
* طالب: الدليل ظني.
* الشيخ: لا، الدليل ظني، لكن ويش معنى ظني؟ يعني: ما أتيقن أني أصبت لأني مجتهد، واضح؟ لكن كوني أحكم به إذا ترجح عندي ويش يصير؟
* طالب: علم.
* الشيخ: هذا علم، لكن كوني أني أتيقن أني مصيب، هذا ما يمكن أتيقن أني مصيب إلا في أمور قطعية الدلالة مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، ومثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، ومثل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء ١٩]، ومثل: ﴿لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] وما أشبه ذلك.
* طالب: الاستدلال بالآية للأمور الشرعية ولَّا للأمور العامة؟
* الشيخ: أي آية؟
* طالب: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣].
* الشيخ: عامة.
* طالب: يعني: أي شيء لا يعرفه الإنسان يسأل عنه؟
* الشيخ: يسأل عنه نعم، (...) بس عاد لا يصير مثل البدوي يشرب المي ويقول: يا ولد هو حلو، هذا ما يصلح.
* طالب: شيخ، في الأمور العامة الدنيوية الله عز وجل بين في تنزيل الكتاب؟
* الشيخ: نعم، في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧]، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤].
* الطالب: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ هذا، ويش محله من الإعراب؟
* الشيخ: متعلق بـ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر، ويحتمل أن قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بـ ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهل الذكر بالبينات والزبر، إنما هو إذا لم تشمله الآية لفظًا فهي تشمله معنى، يعني بالقياس، تشمله معنى بالقياس، كل شيء ما تدري عنه فاسأل عنه.
* طالب: ما يستدل بالآية على الأشياء الدنيوية؟
* الشيخ: بلى، يستدل لأننا قلنا: إذا كانت ما تشمله الآية المطلقة؛ لأن في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي آية ثانية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ فهمت؟ فالأولى مطلقة، والثاني مقيد، إذا قلنا: إن الآية ما تشمل الأمور الدنيوية باللفظ، فهي تشملها بالقياس، وهذه طريقة الآن، الآن اللي ما يمشي -مثلًا- ما يعرف الطريق خارج بيسافر -مثلًا- مكة وما يعرف الطريق؟
* طالب: لا، إحنا مؤمنين بذلك بس نقول: نحمل الآية على هذا؟
* الشيخ: إي، نحمل الآية إما بالشمول اللفظي، أو بالشمول المعنوي وهو القياس.
* طالب: ما فيه مرتبة -مثلًا- بين التقليد والاجتهاد؟
* طالب آخر: يعني: إن كان الاجتهاد المطلق فيه مرتبة، وهو الاجتهاد في مذهب معين.
* طالب آخر: لا يجتهد في مذهب معين، مجتهد وآخر مقلد؟
* الشيخ: إي، ممكن يصير المجتهد مقلد، يعني: مجتهد في بعض الأشياء، ومقلد في بعض الأشياء.
* طالب: لكن تفسير الناس التقليد هو ليس اتباع، بعضهم يقول: فيه فرق، يعني فيه شيء يسمى التقليد، وشيء يسمى الاتباع؟
* الشيخ: لا، إذا كان من غير دليل فهو تقليد، يعني قبول قول الغير بدون دليل هو تقليد، وإذا كان بدليل فليس بتقليد؛ ولهذا لا يصح أن نسمي اتباعنا للرسول عليه الصلاة والسلام تقليدًا، ما يصح أن نسميه تقليدًا، بل نسميه اتباعًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، لماذا؟ لأن قوله ﷺ وسنته دليل.
* الطالب: إذن متبع الدليل يكون مقلد أو يكون؟
* الشيخ: لا، ليس متبعًا وليس مقلدًا.
* الطالب: إذن صار فيه فرق، فيه مرتبة؟
* الشيخ: لا، ما فيه مرتبة، فيه فرق بالمعنى، المقلد هو الذي يتْبع من لا يجب قبول قوله، والمتبع هو الذي يتبع من يجب قبول قوله.
* طالب: وما هو مجتهد؟
* الشيخ: المجتهد يحكم بالدليل، والدليل من أين يصدر؟ من الرسول ﷺ، من الكتاب والسنة، فالذي يحكم بذلك يسمى مجتهدًا، ويسمى متبعًا، وأما الذي لا يستطيع أن يعرف ذلك بنفسه من كتاب الله وسنة رسوله فإنه يسمى مقلدًا.
* طالب: (...)
* الشيخ: هذا المنكر نقول: لا تفعله لو أنت عارفه، المنكر ما يفعل، لكن الكلام: إنك لو بغيت تعرفه، مين تسأل؟
* طالب: اللي يعرفونه.
* الشيخ: تسأل اللي يعرفونه، إي نعم.
* طالب: شيخ، نأخذ من الآية أن (...)؟
* الشيخ: يمكن يؤخذ منها هذا: أن الإنسان اللي يقتصر على مجرد القراءة يكون مشابهًا لهؤلاء اليهود من هذا الوجه، وهذا ذكرناه فيما سبق في التفسير أنه يجب علينا أن نقرأ كتاب الله ونتدبر معناه ونطبقه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك.
* طالب: شيخ، الأماني من العلم قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؟
الأماني هل هي من العلم؟
* الشيخ: إي، القراءة من العلم يعني: علمت لفظه، وبعضهم يقول: إن الاستثناء هنا منقطع، وأن المعنى: إلا بمعنى ذاك، لكن الصواب أنه متصل ولا مانع؛ لأن معرفة اللفظ نوع من العلم.
* الطالب: ويش يكون إعراب ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الشيخ: ﴿أَمَانِيَّ﴾ مسلط عليها ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، فـ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول أول، و﴿أَمَانِيَّ﴾ مفعول ثاني.
* طالب: صار مفرغًا.
* الشيخ: نعم، مفرغ، المفعول ثان.
البقرة 2:79
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة 79] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة.
* طالب: (...) الخبر جار ومجرور.
* الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟
* طالب: نكرة مخصصة.
* الشيخ: ويش هو فيه؟
* الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها.
* الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي الخبر؟
* الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟
* طالب: قال: النكرة.
* الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟
* طالب: مبني.
* الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط).
قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ -أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾.
قوله: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، ﴿هَذَا﴾ (ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ اللام للتعليل، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، وتكون للعاقبة مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وتكون زائدة مثل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧].
فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض.
* طالب: اللام الأخيرة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾.
* الشيخ: اللام هذه للتعليل ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لام الجحود.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم.
يقول: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: ﴿يَشْتَرُوا﴾ أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟
* الطلبة: يأخذوا.
* الشيخ: وشرى؟
* الطلبة: باع.
* الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي﴾ بمعنى يبيع.
﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، ﴿قَلِيلًا﴾، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟
* طالب: في الكمية.
* الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده برقم (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك واللفظ لأحمد.]]، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
ثم أكد فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ / ٦٩)، والطبراني في الأوسط برقم (٨٩٤٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي بنحو هذا اللفظ.]]، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود.
﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟
* طالب: (...) ألا يشمل المالي؟
* الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة.
* طالب: القليل (...)؟
* الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا.
* طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول ﷺ (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» »[[أخرجه الترمذي برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
* الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟
* طالب: قام الليل.
* الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٧) من حديث عائشة واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح.
* طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]؟
* الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به.
* طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟
* الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا﴾ ﴿تَمَسَّنَا﴾: تصيبنا، (...).
أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد.
* الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة.
* الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله.
* الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (22797).]].
* الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
* الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا.
* الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
* طالب: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم.
من جملة كذبهم على الله قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة.
وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟
* طالب: أربعين.
* الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها.
ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]].
* طالب: جعل له خلفًا.
* الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟
* طالب: واخلف.
* الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾.
* طالب: الماضي؟
* الشيخ: أخلف.
قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟
* طالب: الاستفهام.
* الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟
* طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل).
* الشيخ: بمعنى أيش؟
* طالب: بمعنى الاستفهام.
* الشيخ: لا.
* الطالب: بمعنى (هل).
* الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟
* طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل.
* الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا.
* طالب: يقولون..
* الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون.
على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟
فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟
* الطلبة: باطلًا.
* الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة.
قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع.
قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟
* طالب: شرطية.
* الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء.
قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل.
﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة).
﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها.
* طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟
* الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية.
وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق.
﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟
* طالب: الفاء رابطة للجواب.
* الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة.
* الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف.
* الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟
* الطالب: في محل رفع مبتدأ.
* الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟
* الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على.
* الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح
* الطالب: وذو كسر.
* الشيخ: بس (...) وكسر.
* الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع.
* الشيخ: هذا ما يصير.
* الطالب: مبتدأ مرفوع.
* الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ.
* الشيخ: والكاف؟
* الطالب: الكاف ضمير متصل.
* الشيخ: لا.
* الطالب: منفصل.
* الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف.
* طالب: الكاف ضمير متصل في محل.
* الشيخ: الكاف أيش؟
* الطالب: للخطاب.
* الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟
* الطالب: خبر المبتدأ.
* الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟
* الطالب: خبره.
* الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟
* طالب: مفعول.
* الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟
* طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول:
...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ.
* طالب: أيش البعد؟
* الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل.
* طالب: فصل.
* الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير.
* طالب: جمع مذكر سالم.
* الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟
* طالب: مذكر سالم.
* الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟
* الطلبة: رجل.
* الشيخ: تغير؟
* الطلبة: تغير.
* الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا.
* طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟
* الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤].
ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟
* الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا.
* الشيخ: بأيش؟
* الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا.
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له.
وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول.
قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة.
الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر
وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ
أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه.
إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه.
* طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟
* الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى.
* طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟
* الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم.
وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد:
المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة.
المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق.
قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤].
فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا.
* طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟
* الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين.
* الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟
* الشيخ: ما أتم بر والديه.
* الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟
* الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف.
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟
* طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾.
* الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب.
كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم.
* طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: القرابة أقارب الرجل؟
* الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان.
* طالب: العامة يقول: الخال والد؟
* الشيخ: لا، هذا الخال (...).
* طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم.
* الشيخ: (...).
* الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم.
* الشيخ: لا، يعني أرحم؟
* الطالب: أرحم.
* الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب.
* الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة.
* الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.
قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام.
المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن.
ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥].
كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟
* طالب: إلا قليلًا.
* الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾.
* طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟
* الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟
أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟
﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن.
ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟
* طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة.
* الشيخ:
وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ .....................
أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم.
ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم.
﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ.
* طالب: على نفسه.
* الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا.
الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان.
إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره.
* الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟
* الشيخ: لا، هذه للابتداء.
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟
* طالب: محذوف.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...).
* الشيخ: أتناقضون مثلًا؟
* الطالب: أتناقضون.
* الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم.
يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟
هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به.
* طالب: في الحج.
* الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت:
* طالب:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ
* الشيخ:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ
هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم.
قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟
* طالب: نفي.
* الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟
* طالب: على بني إسرائيل.
* الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟
* الطالب: الميثاق: العهد.
* الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟
* الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا.
* الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟
* طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد.
* الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟
* طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة.
* الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟
* طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل.
* الشيخ: لأيش؟ لماذا؟
* الطالب: فإنه من قتل مسلمًا.
* طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا.
* الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟
* طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد.
* الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه.
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟
* طالب: ثم أنتم يا هؤلاء.
* الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟
* الطالب: منادى.
* الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: وين خبر المبتدأ؟
* الطالب: ما يصلح أن يكون.
* الشيخ: أين خبره؟
* الطالب: خبره؟
* الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟
* الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح.
* طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟
* طالب: تعالون.
* الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟
* الطالب: (...) بالاعتداء.
* الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم.
قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟
* طالب: أي: أسرى.
* الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟
* طالب: يقدمون شيئًا من المال (...).
* الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟
ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين.
وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢].
وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم.
وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل.
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧].
ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟
* طالب: على المثمن.
* الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة.
قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله.
إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم.
* طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾
* الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد.
* يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
* الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
* الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟
* طالب: متصلة.
* الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن.
* الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته.
وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟
* طالب: قد يغفر.
* الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال
لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي.
فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد.
* الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.
البقرة 2:80
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة 79] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة.
* طالب: (...) الخبر جار ومجرور.
* الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟
* طالب: نكرة مخصصة.
* الشيخ: ويش هو فيه؟
* الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها.
* الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي الخبر؟
* الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟
* طالب: قال: النكرة.
* الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟
* طالب: مبني.
* الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط).
قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ -أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾.
قوله: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، ﴿هَذَا﴾ (ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ اللام للتعليل، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، وتكون للعاقبة مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وتكون زائدة مثل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧].
فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض.
* طالب: اللام الأخيرة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾.
* الشيخ: اللام هذه للتعليل ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لام الجحود.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم.
يقول: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: ﴿يَشْتَرُوا﴾ أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟
* الطلبة: يأخذوا.
* الشيخ: وشرى؟
* الطلبة: باع.
* الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي﴾ بمعنى يبيع.
﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، ﴿قَلِيلًا﴾، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟
* طالب: في الكمية.
* الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده برقم (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك واللفظ لأحمد.]]، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
ثم أكد فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ / ٦٩)، والطبراني في الأوسط برقم (٨٩٤٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي بنحو هذا اللفظ.]]، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود.
﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟
* طالب: (...) ألا يشمل المالي؟
* الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة.
* طالب: القليل (...)؟
* الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا.
* طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول ﷺ (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» »[[أخرجه الترمذي برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
* الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟
* طالب: قام الليل.
* الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٧) من حديث عائشة واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح.
* طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]؟
* الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به.
* طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟
* الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا﴾ ﴿تَمَسَّنَا﴾: تصيبنا، (...).
أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد.
* الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة.
* الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله.
* الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (22797).]].
* الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
* الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا.
* الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
* طالب: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم.
من جملة كذبهم على الله قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة.
وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟
* طالب: أربعين.
* الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها.
ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]].
* طالب: جعل له خلفًا.
* الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟
* طالب: واخلف.
* الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾.
* طالب: الماضي؟
* الشيخ: أخلف.
قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟
* طالب: الاستفهام.
* الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟
* طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل).
* الشيخ: بمعنى أيش؟
* طالب: بمعنى الاستفهام.
* الشيخ: لا.
* الطالب: بمعنى (هل).
* الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟
* طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل.
* الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا.
* طالب: يقولون..
* الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون.
على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟
فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟
* الطلبة: باطلًا.
* الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة.
قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع.
قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟
* طالب: شرطية.
* الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء.
قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل.
﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة).
﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها.
* طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟
* الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية.
وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق.
﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟
* طالب: الفاء رابطة للجواب.
* الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة.
* الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف.
* الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟
* الطالب: في محل رفع مبتدأ.
* الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟
* الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على.
* الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح
* الطالب: وذو كسر.
* الشيخ: بس (...) وكسر.
* الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع.
* الشيخ: هذا ما يصير.
* الطالب: مبتدأ مرفوع.
* الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ.
* الشيخ: والكاف؟
* الطالب: الكاف ضمير متصل.
* الشيخ: لا.
* الطالب: منفصل.
* الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف.
* طالب: الكاف ضمير متصل في محل.
* الشيخ: الكاف أيش؟
* الطالب: للخطاب.
* الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟
* الطالب: خبر المبتدأ.
* الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟
* الطالب: خبره.
* الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟
* طالب: مفعول.
* الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟
* طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول:
...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ.
* طالب: أيش البعد؟
* الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل.
* طالب: فصل.
* الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير.
* طالب: جمع مذكر سالم.
* الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟
* طالب: مذكر سالم.
* الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟
* الطلبة: رجل.
* الشيخ: تغير؟
* الطلبة: تغير.
* الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا.
* طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟
* الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤].
ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟
* الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا.
* الشيخ: بأيش؟
* الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا.
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له.
وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول.
قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة.
الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر
وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ
أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه.
إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه.
* طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟
* الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى.
* طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟
* الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم.
وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد:
المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة.
المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق.
قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤].
فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا.
* طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟
* الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين.
* الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟
* الشيخ: ما أتم بر والديه.
* الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟
* الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف.
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟
* طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾.
* الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب.
كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم.
* طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: القرابة أقارب الرجل؟
* الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان.
* طالب: العامة يقول: الخال والد؟
* الشيخ: لا، هذا الخال (...).
* طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم.
* الشيخ: (...).
* الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم.
* الشيخ: لا، يعني أرحم؟
* الطالب: أرحم.
* الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب.
* الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة.
* الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.
قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام.
المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن.
ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥].
كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟
* طالب: إلا قليلًا.
* الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾.
* طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟
* الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟
أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟
﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن.
ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟
* طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة.
* الشيخ:
وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ .....................
أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم.
ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم.
﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ.
* طالب: على نفسه.
* الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا.
الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان.
إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره.
* الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟
* الشيخ: لا، هذه للابتداء.
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟
* طالب: محذوف.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...).
* الشيخ: أتناقضون مثلًا؟
* الطالب: أتناقضون.
* الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم.
يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟
هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به.
* طالب: في الحج.
* الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت:
* طالب:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ
* الشيخ:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ
هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم.
قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟
* طالب: نفي.
* الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟
* طالب: على بني إسرائيل.
* الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟
* الطالب: الميثاق: العهد.
* الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟
* الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا.
* الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟
* طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد.
* الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟
* طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة.
* الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟
* طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل.
* الشيخ: لأيش؟ لماذا؟
* الطالب: فإنه من قتل مسلمًا.
* طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا.
* الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟
* طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد.
* الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه.
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟
* طالب: ثم أنتم يا هؤلاء.
* الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟
* الطالب: منادى.
* الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: وين خبر المبتدأ؟
* الطالب: ما يصلح أن يكون.
* الشيخ: أين خبره؟
* الطالب: خبره؟
* الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟
* الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح.
* طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟
* طالب: تعالون.
* الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟
* الطالب: (...) بالاعتداء.
* الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم.
قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟
* طالب: أي: أسرى.
* الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟
* طالب: يقدمون شيئًا من المال (...).
* الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟
ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين.
وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢].
وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم.
وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل.
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧].
ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟
* طالب: على المثمن.
* الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة.
قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله.
إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم.
* طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾
* الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد.
* يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
* الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
* الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟
* طالب: متصلة.
* الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن.
* الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته.
وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟
* طالب: قد يغفر.
* الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال
لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي.
فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد.
* الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.
البقرة 2:81
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة 79] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة.
* طالب: (...) الخبر جار ومجرور.
* الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟
* طالب: نكرة مخصصة.
* الشيخ: ويش هو فيه؟
* الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها.
* الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي الخبر؟
* الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟
* طالب: قال: النكرة.
* الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟
* طالب: مبني.
* الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط).
قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ -أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾.
قوله: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، ﴿هَذَا﴾ (ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ اللام للتعليل، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، وتكون للعاقبة مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وتكون زائدة مثل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧].
فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض.
* طالب: اللام الأخيرة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾.
* الشيخ: اللام هذه للتعليل ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لام الجحود.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم.
يقول: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: ﴿يَشْتَرُوا﴾ أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟
* الطلبة: يأخذوا.
* الشيخ: وشرى؟
* الطلبة: باع.
* الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي﴾ بمعنى يبيع.
﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، ﴿قَلِيلًا﴾، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟
* طالب: في الكمية.
* الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده برقم (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك واللفظ لأحمد.]]، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
ثم أكد فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ / ٦٩)، والطبراني في الأوسط برقم (٨٩٤٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي بنحو هذا اللفظ.]]، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود.
﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟
* طالب: (...) ألا يشمل المالي؟
* الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة.
* طالب: القليل (...)؟
* الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا.
* طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول ﷺ (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» »[[أخرجه الترمذي برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
* الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟
* طالب: قام الليل.
* الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٧) من حديث عائشة واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح.
* طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]؟
* الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به.
* طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟
* الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا﴾ ﴿تَمَسَّنَا﴾: تصيبنا، (...).
أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد.
* الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة.
* الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله.
* الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (22797).]].
* الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
* الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا.
* الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
* طالب: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم.
من جملة كذبهم على الله قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة.
وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟
* طالب: أربعين.
* الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها.
ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]].
* طالب: جعل له خلفًا.
* الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟
* طالب: واخلف.
* الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾.
* طالب: الماضي؟
* الشيخ: أخلف.
قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟
* طالب: الاستفهام.
* الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟
* طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل).
* الشيخ: بمعنى أيش؟
* طالب: بمعنى الاستفهام.
* الشيخ: لا.
* الطالب: بمعنى (هل).
* الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟
* طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل.
* الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا.
* طالب: يقولون..
* الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون.
على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟
فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟
* الطلبة: باطلًا.
* الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة.
قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع.
قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟
* طالب: شرطية.
* الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء.
قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل.
﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة).
﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها.
* طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟
* الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية.
وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق.
﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟
* طالب: الفاء رابطة للجواب.
* الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة.
* الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف.
* الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟
* الطالب: في محل رفع مبتدأ.
* الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟
* الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على.
* الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح
* الطالب: وذو كسر.
* الشيخ: بس (...) وكسر.
* الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع.
* الشيخ: هذا ما يصير.
* الطالب: مبتدأ مرفوع.
* الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ.
* الشيخ: والكاف؟
* الطالب: الكاف ضمير متصل.
* الشيخ: لا.
* الطالب: منفصل.
* الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف.
* طالب: الكاف ضمير متصل في محل.
* الشيخ: الكاف أيش؟
* الطالب: للخطاب.
* الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟
* الطالب: خبر المبتدأ.
* الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟
* الطالب: خبره.
* الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟
* طالب: مفعول.
* الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟
* طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول:
...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ.
* طالب: أيش البعد؟
* الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل.
* طالب: فصل.
* الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير.
* طالب: جمع مذكر سالم.
* الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟
* طالب: مذكر سالم.
* الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟
* الطلبة: رجل.
* الشيخ: تغير؟
* الطلبة: تغير.
* الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا.
* طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟
* الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤].
ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟
* الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا.
* الشيخ: بأيش؟
* الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا.
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له.
وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول.
قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة.
الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر
وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ
أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه.
إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه.
* طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟
* الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى.
* طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟
* الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم.
وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد:
المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة.
المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق.
قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤].
فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا.
* طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟
* الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين.
* الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟
* الشيخ: ما أتم بر والديه.
* الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟
* الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف.
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟
* طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾.
* الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب.
كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم.
* طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: القرابة أقارب الرجل؟
* الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان.
* طالب: العامة يقول: الخال والد؟
* الشيخ: لا، هذا الخال (...).
* طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم.
* الشيخ: (...).
* الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم.
* الشيخ: لا، يعني أرحم؟
* الطالب: أرحم.
* الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب.
* الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة.
* الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.
قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام.
المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن.
ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥].
كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟
* طالب: إلا قليلًا.
* الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾.
* طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟
* الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟
أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟
﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن.
ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟
* طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة.
* الشيخ:
وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ .....................
أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم.
ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم.
﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ.
* طالب: على نفسه.
* الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا.
الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان.
إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره.
* الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟
* الشيخ: لا، هذه للابتداء.
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟
* طالب: محذوف.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...).
* الشيخ: أتناقضون مثلًا؟
* الطالب: أتناقضون.
* الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم.
يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟
هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به.
* طالب: في الحج.
* الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت:
* طالب:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ
* الشيخ:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ
هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم.
قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟
* طالب: نفي.
* الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟
* طالب: على بني إسرائيل.
* الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟
* الطالب: الميثاق: العهد.
* الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟
* الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا.
* الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟
* طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد.
* الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟
* طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة.
* الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟
* طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل.
* الشيخ: لأيش؟ لماذا؟
* الطالب: فإنه من قتل مسلمًا.
* طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا.
* الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟
* طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد.
* الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه.
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟
* طالب: ثم أنتم يا هؤلاء.
* الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟
* الطالب: منادى.
* الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: وين خبر المبتدأ؟
* الطالب: ما يصلح أن يكون.
* الشيخ: أين خبره؟
* الطالب: خبره؟
* الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟
* الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح.
* طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟
* طالب: تعالون.
* الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟
* الطالب: (...) بالاعتداء.
* الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم.
قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟
* طالب: أي: أسرى.
* الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟
* طالب: يقدمون شيئًا من المال (...).
* الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟
ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين.
وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢].
وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم.
وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل.
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧].
ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟
* طالب: على المثمن.
* الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة.
قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله.
إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم.
* طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾
* الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد.
* يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
* الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
* الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟
* طالب: متصلة.
* الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن.
* الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته.
وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟
* طالب: قد يغفر.
* الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال
لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي.
فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد.
* الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.