Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:82 – البقرة 2:91

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:82
  2. البقرة 2:83
  3. البقرة 2:84
  4. البقرة 2:85
  5. البقرة 2:86
  6. البقرة 2:87
  7. البقرة 2:88
  8. البقرة 2:89
  9. البقرة 2:90
  10. البقرة 2:91

البقرة 2:82

قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة 79] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة. * طالب: (...) الخبر جار ومجرور. * الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟ * طالب: نكرة مخصصة. * الشيخ: ويش هو فيه؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾. * الشيخ: لا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها. * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي الخبر؟ * الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟ * طالب: قال: النكرة. * الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟ * طالب: مبني. * الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط). قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة. ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ -أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾. قوله: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، ﴿هَذَا﴾ (ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ اللام للتعليل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، وتكون للعاقبة مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وتكون زائدة مثل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]. فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض. * طالب: اللام الأخيرة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾. * الشيخ: اللام هذه للتعليل ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لام الجحود. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم. يقول: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: ﴿يَشْتَرُوا﴾ أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟ * الطلبة: يأخذوا. * الشيخ: وشرى؟ * الطلبة: باع. * الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي﴾ بمعنى يبيع. ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، ﴿قَلِيلًا﴾، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟ * طالب: في الكمية. * الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده برقم (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك واللفظ لأحمد.]]، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ثم أكد فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ / ٦٩)، والطبراني في الأوسط برقم (٨٩٤٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي بنحو هذا اللفظ.]]، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود. ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟ * طالب: (...) ألا يشمل المالي؟ * الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة. * طالب: القليل (...)؟ * الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا. * طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول ﷺ (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» »[[أخرجه الترمذي برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. * الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟ * طالب: قام الليل. * الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٧) من حديث عائشة واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح. * طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]؟ * الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به. * طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟ * الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا﴾ ﴿تَمَسَّنَا﴾: تصيبنا، (...). أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد. * الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة. * الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله. * الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. * الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (22797).]]. * الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. * الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا. * الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. * طالب: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم. من جملة كذبهم على الله قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟ * طالب: أربعين. * الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها. ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]. * طالب: جعل له خلفًا. * الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟ * طالب: واخلف. * الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾. * طالب: الماضي؟ * الشيخ: أخلف. قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟ * طالب: الاستفهام. * الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟ * طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل). * الشيخ: بمعنى أيش؟ * طالب: بمعنى الاستفهام. * الشيخ: لا. * الطالب: بمعنى (هل). * الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟ * طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل. * الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا. * طالب: يقولون.. * الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون. على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟ فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟ * الطلبة: باطلًا. * الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة. قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل. ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة). ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها. * طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟ * الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية. وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: الفاء رابطة للجواب. * الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة. * الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف. * الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟ * الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على. * الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟ * الطالب: لا. * الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح * الطالب: وذو كسر. * الشيخ: بس (...) وكسر. * الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع. * الشيخ: هذا ما يصير. * الطالب: مبتدأ مرفوع. * الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: والكاف؟ * الطالب: الكاف ضمير متصل. * الشيخ: لا. * الطالب: منفصل. * الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف. * طالب: الكاف ضمير متصل في محل. * الشيخ: الكاف أيش؟ * الطالب: للخطاب. * الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟ * الطالب: خبر المبتدأ. * الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟ * الطالب: خبره. * الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟ * طالب: مفعول. * الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟ * طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب. * الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول: ...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ. * طالب: أيش البعد؟ * الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل. * طالب: فصل. * الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير. * طالب: جمع مذكر سالم. * الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟ * طالب: مذكر سالم. * الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟ * الطلبة: رجل. * الشيخ: تغير؟ * الطلبة: تغير. * الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا. * طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟ * الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله. وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤]. ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟ * الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا. * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول. قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة. الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر. * الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه. إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه. * طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟ * الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى. * طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟ * الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم. وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد: المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة. المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق. قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤]. فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا. * طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟ * الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين. * الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟ * الشيخ: ما أتم بر والديه. * الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟ * الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف. ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟ * طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾. * الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب. كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم. * طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: القرابة أقارب الرجل؟ * الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان. * طالب: العامة يقول: الخال والد؟ * الشيخ: لا، هذا الخال (...). * طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم. * الشيخ: (...). * الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم. * الشيخ: لا، يعني أرحم؟ * الطالب: أرحم. * الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب. * الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة. * الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام. المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن. ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]. كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟ * طالب: إلا قليلًا. * الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. * طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟ * الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟ أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن. ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟ * طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة. * الشيخ: وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ ..................... أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم. ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ. * طالب: على نفسه. * الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا. الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان. إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره. * الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟ * الشيخ: لا، هذه للابتداء. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...). * الشيخ: أتناقضون مثلًا؟ * الطالب: أتناقضون. * الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم. يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟ هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به. * طالب: في الحج. * الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت: * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم. قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟ * طالب: نفي. * الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ * طالب: على بني إسرائيل. * الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟ * الطالب: الميثاق: العهد. * الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟ * الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا. * الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟ * طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد. * الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟ * طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة. * الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟ * طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل. * الشيخ: لأيش؟ لماذا؟ * الطالب: فإنه من قتل مسلمًا. * طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا. * الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟ * طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد. * الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه. قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟ * طالب: ثم أنتم يا هؤلاء. * الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟ * الطالب: منادى. * الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟ * الطالب: لا. * الشيخ: وين خبر المبتدأ؟ * الطالب: ما يصلح أن يكون. * الشيخ: أين خبره؟ * الطالب: خبره؟ * الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟ * الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح. * طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟ * طالب: تعالون. * الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟ * الطالب: (...) بالاعتداء. * الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم. قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟ * طالب: أي: أسرى. * الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟ * طالب: يقدمون شيئًا من المال (...). * الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟ ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين. وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢]. وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم. وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل. * طالب: لا. * الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟ * طالب: على المثمن. * الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة. قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله. إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم. * طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ * الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد. * يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن. * الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته. وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟ * طالب: قد يغفر. * الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي. فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد. * الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.

البقرة 2:83

قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة 79] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة. * طالب: (...) الخبر جار ومجرور. * الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟ * طالب: نكرة مخصصة. * الشيخ: ويش هو فيه؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾. * الشيخ: لا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها. * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي الخبر؟ * الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟ * طالب: قال: النكرة. * الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟ * طالب: مبني. * الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط). قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة. ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ -أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾. قوله: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، ﴿هَذَا﴾ (ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ اللام للتعليل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، وتكون للعاقبة مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وتكون زائدة مثل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]. فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض. * طالب: اللام الأخيرة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾. * الشيخ: اللام هذه للتعليل ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لام الجحود. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم. يقول: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: ﴿يَشْتَرُوا﴾ أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟ * الطلبة: يأخذوا. * الشيخ: وشرى؟ * الطلبة: باع. * الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي﴾ بمعنى يبيع. ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، ﴿قَلِيلًا﴾، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟ * طالب: في الكمية. * الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده برقم (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك واللفظ لأحمد.]]، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ثم أكد فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ / ٦٩)، والطبراني في الأوسط برقم (٨٩٤٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي بنحو هذا اللفظ.]]، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود. ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟ * طالب: (...) ألا يشمل المالي؟ * الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة. * طالب: القليل (...)؟ * الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا. * طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول ﷺ (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» »[[أخرجه الترمذي برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. * الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟ * طالب: قام الليل. * الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٧) من حديث عائشة واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح. * طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]؟ * الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به. * طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟ * الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا﴾ ﴿تَمَسَّنَا﴾: تصيبنا، (...). أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد. * الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة. * الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله. * الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. * الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (22797).]]. * الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. * الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا. * الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. * طالب: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم. من جملة كذبهم على الله قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟ * طالب: أربعين. * الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها. ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]. * طالب: جعل له خلفًا. * الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟ * طالب: واخلف. * الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾. * طالب: الماضي؟ * الشيخ: أخلف. قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟ * طالب: الاستفهام. * الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟ * طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل). * الشيخ: بمعنى أيش؟ * طالب: بمعنى الاستفهام. * الشيخ: لا. * الطالب: بمعنى (هل). * الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟ * طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل. * الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا. * طالب: يقولون.. * الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون. على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟ فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟ * الطلبة: باطلًا. * الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة. قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل. ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة). ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها. * طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟ * الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية. وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: الفاء رابطة للجواب. * الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة. * الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف. * الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟ * الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على. * الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟ * الطالب: لا. * الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح * الطالب: وذو كسر. * الشيخ: بس (...) وكسر. * الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع. * الشيخ: هذا ما يصير. * الطالب: مبتدأ مرفوع. * الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: والكاف؟ * الطالب: الكاف ضمير متصل. * الشيخ: لا. * الطالب: منفصل. * الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف. * طالب: الكاف ضمير متصل في محل. * الشيخ: الكاف أيش؟ * الطالب: للخطاب. * الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟ * الطالب: خبر المبتدأ. * الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟ * الطالب: خبره. * الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟ * طالب: مفعول. * الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟ * طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب. * الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول: ...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ. * طالب: أيش البعد؟ * الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل. * طالب: فصل. * الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير. * طالب: جمع مذكر سالم. * الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟ * طالب: مذكر سالم. * الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟ * الطلبة: رجل. * الشيخ: تغير؟ * الطلبة: تغير. * الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا. * طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟ * الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله. وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤]. ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟ * الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا. * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول. قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة. الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر. * الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه. إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه. * طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟ * الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى. * طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟ * الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم. وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد: المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة. المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق. قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤]. فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا. * طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟ * الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين. * الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟ * الشيخ: ما أتم بر والديه. * الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟ * الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف. ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟ * طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾. * الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب. كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم. * طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: القرابة أقارب الرجل؟ * الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان. * طالب: العامة يقول: الخال والد؟ * الشيخ: لا، هذا الخال (...). * طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم. * الشيخ: (...). * الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم. * الشيخ: لا، يعني أرحم؟ * الطالب: أرحم. * الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب. * الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة. * الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام. المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن. ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]. كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟ * طالب: إلا قليلًا. * الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. * طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟ * الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟ أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن. ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟ * طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة. * الشيخ: وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ ..................... أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم. ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ. * طالب: على نفسه. * الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا. الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان. إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره. * الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟ * الشيخ: لا، هذه للابتداء. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...). * الشيخ: أتناقضون مثلًا؟ * الطالب: أتناقضون. * الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم. يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟ هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به. * طالب: في الحج. * الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت: * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم. قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟ * طالب: نفي. * الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ * طالب: على بني إسرائيل. * الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟ * الطالب: الميثاق: العهد. * الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟ * الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا. * الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟ * طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد. * الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟ * طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة. * الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟ * طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل. * الشيخ: لأيش؟ لماذا؟ * الطالب: فإنه من قتل مسلمًا. * طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا. * الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟ * طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد. * الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه. قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟ * طالب: ثم أنتم يا هؤلاء. * الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟ * الطالب: منادى. * الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟ * الطالب: لا. * الشيخ: وين خبر المبتدأ؟ * الطالب: ما يصلح أن يكون. * الشيخ: أين خبره؟ * الطالب: خبره؟ * الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟ * الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح. * طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟ * طالب: تعالون. * الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟ * الطالب: (...) بالاعتداء. * الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم. قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟ * طالب: أي: أسرى. * الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟ * طالب: يقدمون شيئًا من المال (...). * الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟ ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين. وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢]. وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم. وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل. * طالب: لا. * الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟ * طالب: على المثمن. * الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة. قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله. إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم. * طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ * الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد. * يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن. * الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته. وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟ * طالب: قد يغفر. * الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي. فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد. * الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.

البقرة 2:84

قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة 79] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة. * طالب: (...) الخبر جار ومجرور. * الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟ * طالب: نكرة مخصصة. * الشيخ: ويش هو فيه؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾. * الشيخ: لا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها. * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي الخبر؟ * الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟ * طالب: قال: النكرة. * الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟ * طالب: مبني. * الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط). قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة. ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ -أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾. قوله: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، ﴿هَذَا﴾ (ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ اللام للتعليل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، وتكون للعاقبة مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وتكون زائدة مثل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]. فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض. * طالب: اللام الأخيرة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾. * الشيخ: اللام هذه للتعليل ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لام الجحود. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم. يقول: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: ﴿يَشْتَرُوا﴾ أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟ * الطلبة: يأخذوا. * الشيخ: وشرى؟ * الطلبة: باع. * الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي﴾ بمعنى يبيع. ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، ﴿قَلِيلًا﴾، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟ * طالب: في الكمية. * الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده برقم (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك واللفظ لأحمد.]]، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ثم أكد فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ / ٦٩)، والطبراني في الأوسط برقم (٨٩٤٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي بنحو هذا اللفظ.]]، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود. ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟ * طالب: (...) ألا يشمل المالي؟ * الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة. * طالب: القليل (...)؟ * الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا. * طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول ﷺ (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» »[[أخرجه الترمذي برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. * الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟ * طالب: قام الليل. * الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٧) من حديث عائشة واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح. * طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]؟ * الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به. * طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟ * الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا﴾ ﴿تَمَسَّنَا﴾: تصيبنا، (...). أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد. * الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة. * الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله. * الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. * الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (22797).]]. * الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. * الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا. * الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. * طالب: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم. من جملة كذبهم على الله قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟ * طالب: أربعين. * الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها. ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]. * طالب: جعل له خلفًا. * الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟ * طالب: واخلف. * الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾. * طالب: الماضي؟ * الشيخ: أخلف. قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟ * طالب: الاستفهام. * الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟ * طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل). * الشيخ: بمعنى أيش؟ * طالب: بمعنى الاستفهام. * الشيخ: لا. * الطالب: بمعنى (هل). * الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟ * طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل. * الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا. * طالب: يقولون.. * الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون. على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟ فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟ * الطلبة: باطلًا. * الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة. قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل. ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة). ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها. * طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟ * الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية. وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: الفاء رابطة للجواب. * الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة. * الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف. * الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟ * الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على. * الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟ * الطالب: لا. * الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح * الطالب: وذو كسر. * الشيخ: بس (...) وكسر. * الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع. * الشيخ: هذا ما يصير. * الطالب: مبتدأ مرفوع. * الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: والكاف؟ * الطالب: الكاف ضمير متصل. * الشيخ: لا. * الطالب: منفصل. * الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف. * طالب: الكاف ضمير متصل في محل. * الشيخ: الكاف أيش؟ * الطالب: للخطاب. * الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟ * الطالب: خبر المبتدأ. * الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟ * الطالب: خبره. * الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟ * طالب: مفعول. * الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟ * طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب. * الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول: ...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ. * طالب: أيش البعد؟ * الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل. * طالب: فصل. * الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير. * طالب: جمع مذكر سالم. * الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟ * طالب: مذكر سالم. * الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟ * الطلبة: رجل. * الشيخ: تغير؟ * الطلبة: تغير. * الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا. * طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟ * الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله. وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤]. ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟ * الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا. * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول. قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة. الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر. * الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه. إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه. * طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟ * الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى. * طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟ * الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم. وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد: المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة. المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق. قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤]. فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا. * طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟ * الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين. * الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟ * الشيخ: ما أتم بر والديه. * الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟ * الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف. ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟ * طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾. * الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب. كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم. * طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: القرابة أقارب الرجل؟ * الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان. * طالب: العامة يقول: الخال والد؟ * الشيخ: لا، هذا الخال (...). * طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم. * الشيخ: (...). * الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم. * الشيخ: لا، يعني أرحم؟ * الطالب: أرحم. * الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب. * الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة. * الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام. المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن. ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]. كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟ * طالب: إلا قليلًا. * الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. * طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟ * الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟ أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن. ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟ * طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة. * الشيخ: وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ ..................... أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم. ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ. * طالب: على نفسه. * الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا. الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان. إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره. * الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟ * الشيخ: لا، هذه للابتداء. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...). * الشيخ: أتناقضون مثلًا؟ * الطالب: أتناقضون. * الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم. يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟ هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به. * طالب: في الحج. * الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت: * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم. قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟ * طالب: نفي. * الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ * طالب: على بني إسرائيل. * الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟ * الطالب: الميثاق: العهد. * الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟ * الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا. * الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟ * طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد. * الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟ * طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة. * الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟ * طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل. * الشيخ: لأيش؟ لماذا؟ * الطالب: فإنه من قتل مسلمًا. * طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا. * الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟ * طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد. * الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه. قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟ * طالب: ثم أنتم يا هؤلاء. * الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟ * الطالب: منادى. * الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟ * الطالب: لا. * الشيخ: وين خبر المبتدأ؟ * الطالب: ما يصلح أن يكون. * الشيخ: أين خبره؟ * الطالب: خبره؟ * الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟ * الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح. * طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟ * طالب: تعالون. * الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟ * الطالب: (...) بالاعتداء. * الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم. قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟ * طالب: أي: أسرى. * الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟ * طالب: يقدمون شيئًا من المال (...). * الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟ ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين. وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢]. وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم. وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل. * طالب: لا. * الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟ * طالب: على المثمن. * الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة. قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله. إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم. * طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ * الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد. * يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن. * الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته. وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟ * طالب: قد يغفر. * الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي. فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد. * الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.

البقرة 2:85

قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة 79] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة. * طالب: (...) الخبر جار ومجرور. * الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟ * طالب: نكرة مخصصة. * الشيخ: ويش هو فيه؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾. * الشيخ: لا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها. * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي الخبر؟ * الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟ * طالب: قال: النكرة. * الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟ * طالب: مبني. * الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط). قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة. ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ -أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾. قوله: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، ﴿هَذَا﴾ (ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ اللام للتعليل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، وتكون للعاقبة مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وتكون زائدة مثل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]. فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض. * طالب: اللام الأخيرة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾. * الشيخ: اللام هذه للتعليل ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لام الجحود. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم. يقول: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: ﴿يَشْتَرُوا﴾ أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟ * الطلبة: يأخذوا. * الشيخ: وشرى؟ * الطلبة: باع. * الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي﴾ بمعنى يبيع. ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، ﴿قَلِيلًا﴾، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟ * طالب: في الكمية. * الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده برقم (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك واللفظ لأحمد.]]، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ثم أكد فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ / ٦٩)، والطبراني في الأوسط برقم (٨٩٤٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي بنحو هذا اللفظ.]]، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود. ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟ * طالب: (...) ألا يشمل المالي؟ * الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة. * طالب: القليل (...)؟ * الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا. * طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول ﷺ (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» »[[أخرجه الترمذي برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. * الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟ * طالب: قام الليل. * الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٧) من حديث عائشة واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح. * طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]؟ * الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به. * طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟ * الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا﴾ ﴿تَمَسَّنَا﴾: تصيبنا، (...). أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد. * الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة. * الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله. * الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. * الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (22797).]]. * الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. * الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا. * الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. * طالب: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم. من جملة كذبهم على الله قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟ * طالب: أربعين. * الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها. ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]. * طالب: جعل له خلفًا. * الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟ * طالب: واخلف. * الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾. * طالب: الماضي؟ * الشيخ: أخلف. قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟ * طالب: الاستفهام. * الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟ * طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل). * الشيخ: بمعنى أيش؟ * طالب: بمعنى الاستفهام. * الشيخ: لا. * الطالب: بمعنى (هل). * الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟ * طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل. * الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا. * طالب: يقولون.. * الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون. على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟ فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟ * الطلبة: باطلًا. * الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة. قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل. ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة). ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها. * طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟ * الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية. وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: الفاء رابطة للجواب. * الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة. * الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف. * الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟ * الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على. * الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟ * الطالب: لا. * الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح * الطالب: وذو كسر. * الشيخ: بس (...) وكسر. * الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع. * الشيخ: هذا ما يصير. * الطالب: مبتدأ مرفوع. * الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: والكاف؟ * الطالب: الكاف ضمير متصل. * الشيخ: لا. * الطالب: منفصل. * الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف. * طالب: الكاف ضمير متصل في محل. * الشيخ: الكاف أيش؟ * الطالب: للخطاب. * الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟ * الطالب: خبر المبتدأ. * الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟ * الطالب: خبره. * الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟ * طالب: مفعول. * الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟ * طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب. * الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول: ...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ. * طالب: أيش البعد؟ * الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل. * طالب: فصل. * الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير. * طالب: جمع مذكر سالم. * الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟ * طالب: مذكر سالم. * الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟ * الطلبة: رجل. * الشيخ: تغير؟ * الطلبة: تغير. * الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا. * طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟ * الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله. وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤]. ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟ * الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا. * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول. قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة. الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر. * الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه. إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه. * طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟ * الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى. * طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟ * الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم. وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد: المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة. المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق. قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤]. فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا. * طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟ * الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين. * الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟ * الشيخ: ما أتم بر والديه. * الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟ * الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف. ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟ * طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾. * الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب. كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم. * طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: القرابة أقارب الرجل؟ * الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان. * طالب: العامة يقول: الخال والد؟ * الشيخ: لا، هذا الخال (...). * طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم. * الشيخ: (...). * الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم. * الشيخ: لا، يعني أرحم؟ * الطالب: أرحم. * الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب. * الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة. * الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام. المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن. ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]. كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟ * طالب: إلا قليلًا. * الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. * طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟ * الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟ أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن. ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟ * طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة. * الشيخ: وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ ..................... أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم. ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ. * طالب: على نفسه. * الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا. الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان. إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره. * الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟ * الشيخ: لا، هذه للابتداء. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...). * الشيخ: أتناقضون مثلًا؟ * الطالب: أتناقضون. * الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم. يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟ هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به. * طالب: في الحج. * الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت: * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم. قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟ * طالب: نفي. * الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ * طالب: على بني إسرائيل. * الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟ * الطالب: الميثاق: العهد. * الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟ * الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا. * الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟ * طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد. * الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟ * طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة. * الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟ * طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل. * الشيخ: لأيش؟ لماذا؟ * الطالب: فإنه من قتل مسلمًا. * طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا. * الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟ * طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد. * الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه. قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟ * طالب: ثم أنتم يا هؤلاء. * الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟ * الطالب: منادى. * الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟ * الطالب: لا. * الشيخ: وين خبر المبتدأ؟ * الطالب: ما يصلح أن يكون. * الشيخ: أين خبره؟ * الطالب: خبره؟ * الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟ * الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح. * طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟ * طالب: تعالون. * الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟ * الطالب: (...) بالاعتداء. * الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم. قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟ * طالب: أي: أسرى. * الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟ * طالب: يقدمون شيئًا من المال (...). * الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟ ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين. وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢]. وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم. وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل. * طالب: لا. * الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟ * طالب: على المثمن. * الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة. قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله. إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم. * طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ * الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد. * يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن. * الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته. وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟ * طالب: قد يغفر. * الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي. فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد. * الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.

البقرة 2:86

قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة 79] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة. * طالب: (...) الخبر جار ومجرور. * الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟ * طالب: نكرة مخصصة. * الشيخ: ويش هو فيه؟ * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾. * الشيخ: لا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها. * الطالب: ﴿لِلَّذِينَ﴾ هي الخبر؟ * الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟ * طالب: قال: النكرة. * الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟ * طالب: مبني. * الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط). قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة. ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ -أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾. قوله: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، ﴿هَذَا﴾ (ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ اللام للتعليل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، وتكون للعاقبة مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وتكون زائدة مثل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال ٣٣]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]. فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض. * طالب: اللام الأخيرة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾. * الشيخ: اللام هذه للتعليل ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لام الجحود. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم. يقول: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا﴾ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: ﴿يَشْتَرُوا﴾ أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟ * الطلبة: يأخذوا. * الشيخ: وشرى؟ * الطلبة: باع. * الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي﴾ بمعنى يبيع. ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، ﴿قَلِيلًا﴾، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟ * طالب: في الكمية. * الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري برقم (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده برقم (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك واللفظ لأحمد.]]، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ثم أكد فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ / ٦٩)، والطبراني في الأوسط برقم (٨٩٤٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي بنحو هذا اللفظ.]]، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود. ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟ * طالب: (...) ألا يشمل المالي؟ * الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة. * طالب: القليل (...)؟ * الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا. * طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول ﷺ (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» »[[أخرجه الترمذي برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. * الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟ * طالب: قام الليل. * الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٧) من حديث عائشة واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩ / ٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح. * طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]؟ * الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به. * طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟ * الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول ﷺ وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا﴾ ﴿تَمَسَّنَا﴾: تصيبنا، (...). أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد. * الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة. * الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله. * الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. * الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (22797).]]. * الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. * الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا. * الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. * طالب: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم. من جملة كذبهم على الله قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟ * طالب: أربعين. * الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها. ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]. * طالب: جعل له خلفًا. * الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟ * طالب: واخلف. * الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾. * طالب: الماضي؟ * الشيخ: أخلف. قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟ * طالب: الاستفهام. * الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟ * طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل). * الشيخ: بمعنى أيش؟ * طالب: بمعنى الاستفهام. * الشيخ: لا. * الطالب: بمعنى (هل). * الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟ * طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل. * الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا. * طالب: يقولون.. * الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون. على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟ فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟ * الطلبة: باطلًا. * الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة. قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل. ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة). ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها. * طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟ * الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية. وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: الفاء رابطة للجواب. * الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة. * الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف. * الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟ * الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على. * الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟ * الطالب: لا. * الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح * الطالب: وذو كسر. * الشيخ: بس (...) وكسر. * الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع. * الشيخ: هذا ما يصير. * الطالب: مبتدأ مرفوع. * الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: والكاف؟ * الطالب: الكاف ضمير متصل. * الشيخ: لا. * الطالب: منفصل. * الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف. * طالب: الكاف ضمير متصل في محل. * الشيخ: الكاف أيش؟ * الطالب: للخطاب. * الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟ * الطالب: خبر المبتدأ. * الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟ * الطالب: خبره. * الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟ * طالب: مفعول. * الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟ * طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب. * الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول: ...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ. * طالب: أيش البعد؟ * الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل. * طالب: فصل. * الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير. * طالب: جمع مذكر سالم. * الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟ * طالب: مذكر سالم. * الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟ * الطلبة: رجل. * الشيخ: تغير؟ * الطلبة: تغير. * الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا. * طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟ * الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله. وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤]. ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟ * الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا. * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول. قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة. الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر. * الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه. إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه. * طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟ * الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى. * طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟ * الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم. وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد: المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة. المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق. قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤]. فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا. * طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟ * الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين. * الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟ * الشيخ: ما أتم بر والديه. * الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟ * الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف. ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟ * طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾. * الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب. كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم. * طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: القرابة أقارب الرجل؟ * الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان. * طالب: العامة يقول: الخال والد؟ * الشيخ: لا، هذا الخال (...). * طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم. * الشيخ: (...). * الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم. * الشيخ: لا، يعني أرحم؟ * الطالب: أرحم. * الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب. * الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة. * الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام. المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن. ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]. كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟ * طالب: إلا قليلًا. * الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. * طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟ * الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟ أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن. ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟ * طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة. * الشيخ: وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ ..................... أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم. ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ. * طالب: على نفسه. * الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا. الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان. إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره. * الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟ * الشيخ: لا، هذه للابتداء. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...). * الشيخ: أتناقضون مثلًا؟ * الطالب: أتناقضون. * الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم. يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟ هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به. * طالب: في الحج. * الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت: * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم. قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟ * طالب: نفي. * الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ * طالب: على بني إسرائيل. * الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟ * الطالب: الميثاق: العهد. * الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟ * الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا. * الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟ * طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد. * الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟ * طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة. * الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟ * طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل. * الشيخ: لأيش؟ لماذا؟ * الطالب: فإنه من قتل مسلمًا. * طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا. * الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟ * طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد. * الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه. قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟ * طالب: ثم أنتم يا هؤلاء. * الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟ * الطالب: منادى. * الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟ * الطالب: لا. * الشيخ: وين خبر المبتدأ؟ * الطالب: ما يصلح أن يكون. * الشيخ: أين خبره؟ * الطالب: خبره؟ * الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟ * الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح. * طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟ * طالب: تعالون. * الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟ * الطالب: (...) بالاعتداء. * الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم. قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟ * طالب: أي: أسرى. * الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟ * طالب: يقدمون شيئًا من المال (...). * الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟ ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين. وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢]. وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم. وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل. * طالب: لا. * الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟ * طالب: على المثمن. * الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة. قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله. إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم. * طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ * الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد. * يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. * الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن. * الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته. وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟ * طالب: قد يغفر. * الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي. فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد. * الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.

البقرة 2:87

﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ هذا التعبير يمر علينا كثيرًا في مثل (لقد) أن اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، وعليه فتكون مثل هذه العبارة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام الموطئة له، وقد. وقوله: ﴿وآتينا﴾ أعطينا، والإيتاء من الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي، وإيتاء كوني قدري، فإن كان وحيًا فهو إيتاء شرعي، وإن كان مما يغذي الجسم فهو إيتاء كوني قدري، على أنه قد يراد بما يغذي الجسم أيضًا الإيتاء الشرعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]. المهم أن ما كان وحيًا تتغذى بها الأرواح فهو إيتاء شرعي، وما كان مادة يتغذى بها الأجسام فهو إيتاء كوني قدري. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] هذا أيش؟ قدري، وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ هذا إيتاء شرعي، يعني: الذي أوتي شرعًا أمر شرعي. قوله: ﴿مُوسَى﴾ تقدم أنه أكبر أنبياء بني إسرائيل عليه الصلاة والسلام، وأرسل إلى فرعون وإلى بني إسرائيل. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والكتابة معروفة، وهي مأخوذة من الكَتْب بمعنى الجمع، ومنه كتيبة كتيبة الخيل؛ لأنها مجتمعة، والمراد بالكتاب هنا المكتوب، فهو فعال بمعنى مفعول، وأي كتاب هو؟ التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا، ﴿قَفَّيْنَا﴾ بمعنى أتبعنا؛ لأن التابع يأتي في قفا.. كل من جاء من بعده فإنه يحكم بشريعته، ولهذا قال: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، إلى أن وصل الدور إلى ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾، آتيناه بمعنى: أعطيناه، وهو إيتاء شرعي، وقوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ نسبه إلى أمه؛ لأنه؟ * الطلبة: لا أب له. * الشيخ: ليس له أب، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾، هذه صفة لموصوف محذوف تقديره: الآيات البينات، فما هي هذه الآيات البينات؟ هل هي المعجزات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة؟ أو أنها الإنجيل؟ أو أنها هذا وهذا؟ كلاهما، هذا وهذا، فالإنجيل بينات، وكذلك الآيات المحسوسة الحسية التي هي المعجزات هي أيضًا بينات، مثل إحياء الموتى وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه والأبرص، يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وفي القراءة الثانية: ﴿فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، يعني يطير بالفعل، كل هذه من الآيات التي أوتيها عيسى بن مريم، ولهذا قال: آتيناه البينات، يعني الآيات البينات الظاهرات التي تدل على أنه نبي؛ لأن مثل ما جاء به لا يمكن أن يقدر عليه البشر، وقد ذكر أهل العلم أنه في عهد عيسى ﷺ قوي الطب وارتقى ارتقاء عظيمًا، لكن الأطباء مهما ارتقوا لا يمكن أن يبرئوا الأكمه والأبرص، ولا أن يحيوا الموتى، بل ولا يمكن أن يُبقوا حياة من حضره الموت، فضلًا عن أن يردوا إليه روحه بعد موته، ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة ٨٧]، ﴿أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، ﴿أَيَّدْنَاهُ﴾: قوَّيناه، كقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف ١٤]، أي: قوّيناهم عليهم، وهو معروف اشتقاقه؛ لأنه من الأيْد بمعنى القوة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، فمعنى أيدناه: قوّيناه. وقوله: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي: بالروح المقدس، والقُدُس والقُدْس بمعنى الطاهر، ما المراد بروح القدس؟ اختلف في ذلك المفسرون، فقيل: إن المراد روح عيسى؛ لأنها روح قدسية طاهرة، ما تحدرت من صلب ذَكَر، ولا خرجت من رحم طامث، يعني حائض، فهو مطهَّر، فيكون هذا ﴿أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: قوّيناه بكونه جاء بدون أب، هذا قول. والقول الثاني أن المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: بالإنجيل؛ لأن الوحي روح كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢]، وقيل: المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ روحه مضافة إلى الله، يعني كقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١]، يعني: بروح الله، فعليه ما تكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، بل من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، هذا هو الكلام. والقول الرابع أن المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤]، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، وقول النبي ﷺ لحسان بن ثابت وهو يهجو المشركين: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٥٣)، ومسلم (٢٤٨٥ / ١٥٢) من حديث حسان وأبي هريرة.]] أي بجبريل، وهذا أصح الأقوال، أن المراد بروح القدس أنه مؤيَّد بجبريل عليه الصلاة والسلام يكون قرينًا له يؤيده ويقويه ويلقّنه الحجة على أدائه، فصارت الأقوال أربعة: * أولًا: أن روح القدس أي الروح المضافة إلى الله، وعلى هذا القول تكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، والله تبارك وتعالى قُدُس وقُدُّوس، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]. * ثانيًا: المراد بـ ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ الإنجيل؛ لأن الوحي روح. * وثالثًا: المراد بـ ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ روحه هو المقدسة، فليست من باب إضافة، روحه يعني هي روحه، لكن الفرق بينها وبين القول الأول هنا أنهم يجعلون القول الأول يجعلون القدس الله وهؤلاء يجعلون القدس نفس الروح. * القول الرابع أصحها، أنه جبريل، ووجه ذلك، وجه ترجيحنا له أننا إذا قلنا: أيدناه بروح القدس، سواء قلنا: الروح المقدسة أو روح الله؛ فإنه لا وجه لذلك؛ لكونه مؤيدًا به؛ لأن روحه سبقت وجوده قبل أن يكون نبيًّا، والتأييد بالشيء يكون الشيء مقارنًا له، مقارنًا له في وقت التأييد. وأما القول بأنه الإنجيل، يعني أُيِّد بالإنجيل، فيضعّفه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة ١١٠]، فيصير معنى ﴿عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ مع قوله: أيدتك بالإنجيل، يكون هذا شبه تكرار، والقرآن إذا أمكن أن يُجعل الكلام تأسيسًا فهو أولى من أن يكون تأكيدًا، القرآن وغيره، إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسًا كل جملة لها معنى مستقل، أو تأكيدًا كل جملة بمعنى الجملة الأخرى، فالأولى أن يكون تأسيسًا، وهذا الذي رجحناه هو الذي رجّحه ابن جرير وابن كثير أن المراد بروح القدس مَن؟ جبريل عليه الصلاة والسلام. هنا بيّن الله أنه آتى موسى الكتاب، وآتى عيسى بن مريم البينات، وأيده بروح القدس، وجاءت الرسل متتابعة . فماذا كان حال بني إسرائيل مع هؤلاء الرسل المؤيَّدين؟ الجواب: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ (كلما) أداة تكرار، هي شرطية ولكنها تفيد أيضًا التكرار، شرطية تفيد التكرار، وعليه نقول: إن هؤلاء يتكرر منهم هذا الفعل القبيح، ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ من أين؟ من الله، رسول من الله؛ ﴿بِمَا﴾ أي: بشرع، ﴿لَا تَهْوَى﴾: لا تريد أنفسكم، ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ هذا جواب الشرط، (جاء) فعل الشرط، و﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ جواب الشرط. وفي قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ دليل على أنهم يبادرون الرسل بأي شيء؟ بالاستكبار، ما تأنوا، كلما جاءهم استكبروا على طول؛ لأن هذا نتيجة ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيبًا للشرط، كلما وُجد الشرط وُجد الجزاء فورًا، إذن كلما جاء هؤلاء الإسرائيليين، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، إذا جاءهم رسول بما تهوى أنفسهم، مفهوم الآية أنهم لا يستكبرون، ولكن لا لأنهم قبلوه، لا، لا، ولكن لم يقبلوه لأنه رسول، بل لأنه تهواه أنفسهم، فإذن هؤلاء ما عبدوا الله بهداهم ولكن بهواهم، والعابد لله سبحانه وتعالى بهواه ليس بعابد، بل إن العابد لله حقًّا هو الذي يعبد الله بالهدى لا بالهوى. ولا فرق في العبادة بين أن تكون عقيدة أو قولًا أو عملًا، فهمتم؟ لا فرق، فالإنسان (...) ما يقبل من العقيدة إلا ما دله عليه عقله كما يزعم، هل يكون مؤمنًا حقًّا؟ لا، بل هو مستكبر، الذي يقول: ما أومن بهذه الصفة لله؛ لأن عقلي ما يقبلها، العقل ينكر هذا الشيء، نقول: إذن ما آمنت بالكتاب، آمنت بالعقل، عقلك، ومعلوم أن كل عقل يخالف القرآن والسنة فهو عقل فاسد، ولهذا ينعى الله سبحانه وتعالى هؤلاء المكذِّبين للكتاب والسنة بأنهم لا يعقلون، كل عقل يدعي صاحبه أنه عقل وهو يخالف الكتاب والسنة فإنه لا يعتبر عقلًا، وهذا حق؛ لأن العقل كما قال ابن تيمية رحمه الله يقول: النقل الصحيح يوافق العقل الصريح. النقل الصحيح يوافق العقل الصريح يعني الخالص اللي ما فيه شبهات أو شهوات. إذن نقول: هؤلاء الجماعة بنو إسرائيل إذا جاءهم رسول بما تهوى أنفسهم ما استكبروا عن قبوله، ولكن هل هذا دليل على أنهم مؤمنون (...) لأنه نبي؟ لا، إنما آمنوا بما يطابق أهواءهم، هل في هذه الأمة من يشبههم في هذه الناحية؟ نعم فيه كثير، فيه كثير من يشبههم في العقيديات وفي العمليات، كثير من الناس يتحيلون ويؤولون في العقيدة، في الأسماء والصفات كما مر علينا كثيرًا، وفيهم من يتحيل بالعمليات؛ يحرّم الله الشيء مثلًا ثم يتحيلون عليه بتحليله، ويحرفون النصوص من أجل هذا، وإذا جاءهم أمر يطابق أهواءهم يرتاحون له وتنشرح به صدورهم، وإذا جاء أمر لا يوافق أهواءهم -والعياذ بالله- يضيقون به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، يعني ما يكفي أن لا يكون فيك حرج بعد، لا بد من ثلاثة أمور: تحكيم، والثاني: الانشراح وأن لا يكون حرج، والثالث: انقياد تام، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، إذا فُقد واحد من هذه الأمور الثلاثة فإن الإيمان ناقص، وقد يزول بالكلية، هؤلاء في هذه الأمة من يشابههم كثيرًا في العقيديات قلت وفي العمليات. * طالب: مقابلها؟ * الشيخ: ويش تقصد من مقابلها؟ * الطالب: يعني استكبارهم؟ * الشيخ: هو الجواب، كلما جاءهم استكبروا. * الطالب: لا قصدي اللي بعد العطف. * الشيخ: هذا تقدم لنا أن مثل هذه الصيغة للنحويين فيها قولان: إما أن الهمزة داخلة على أول الجملة، وتكون الجملة التي دخلتها الهمزة محذوفة تقدر بما يناسب المقام، أو أن الهمزة في أثناء الجملة والفاء عاطفة لكنها مزحلقة عن مكانها، وأصله: فأكلما جاءكم، وقلنا لكم: إن هذا أسهل؛ لأن الأول في الحقيقة يصعب عليك أحيانًا تقدير الشيء المناسب. وقوله تعالى: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ما معنى استكبر؟ أي: سلك طريق الكبرياء والعلو والترفع على ما جاءت به الرسل، وهذا أحد قسمي الكفر؛ لأنه مر علينا أن الكفر يدور على شيئين، هما: الجحد، والاستكبار، لو أنك تأملت كل الكفر، أنواعه، لوجدته يعود إلى هذين الأمرين؛ إما الجحد، وإما الاستكبار، لكنه أنواع، أنواع وأفراد، إنما ما يخرج عن هذين الأمرين. ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ويش معنى ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؟ سلكتم طريق الكبرياء والعلو والترفع عما جاءت به هؤلاء الرسل. * طالب: الجحد استكبار؟ * الشيخ: لا، كيف الجحد استكبار، وكذلك أيضًا الترك؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم (...) إما تكذيب وإما استكبار، فالتكذيب واضح أن يقول: هذا كذب، وهذا غالبًا يكون في الأخبار، والاستكبار يكون في الأعمال، يقال مثلًا: افعل، ولكنه لا يفعل، ويصدق بأنه واجب وأنه جاء به الشرع ولكنه يستكبر عنه ما يفعله. * طالب: شيخ، الاستهزاء؟ * الشيخ: الاستهزاء ما يخرج عن هذا الأمرين، إما أنه مكذِّب والغالب أنه يكون من قِبل الاستكبار؛ لأن المستهزئ بالشيء مستصغر له ومحتقر له. * طالب: أقول: الجحد هو الاستكبار؟ * الشيخ: الجحد هو التكذيب. * الطالب: حقيقة هو استكبار؟ * الشيخ: لا ما هو باستكبار (...) بالاستكبار معناه معه تصديق، الاستكبار أن الإنسان يصدق ولكنه لا يفعل، والتكذيب أن يقول: ليس بصحيح، هذا ما نقبل، ليس بصحيح، ما ينقاد. يقول: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾، ﴿فَرِيقًا﴾: طائفة، ونُصب على أنه مفعول مقدم لأيش؟ لـ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، مفعول مقدم لـ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: وطائفة أخرى تقتلونها، وقُدِّم أيضًا فهو مفعول مقدم لـ﴿تَقْتُلُونَ﴾. نحن قرأنا من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير ويش يفيد؟ * الطلبة: الحصر. * الشيخ: يفيد الحصر، وهنا فيه تقسيم، فريق وفريق، وهذا ينافي الحصر؛ لأن الفريق معناه إذا كان يقابل فريقًا آخر فإن معناه أنه ليس هناك حصر، لكننا نقول في الحقيقة أن فيه انحصار هنا بالنسبة للطرفين، يعني معناه انحصر منهاج هؤلاء بالنسبة للرسل في فريقين: إما مقتولون وإما مكذَّبون، منهم من يكذبونهم تكذيبًا ولكن ما يتعرض لهم بالقتل، ومنهم من يقتلونهم أيضًا، مع التكذيب يقتلونهم، وهنا قال: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، وقال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾، فعل مضارع، وذاك فعل ماض، أما كون الأول فعلًا ماضيًا فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه وقع منهم التكذيب؛ ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأما الإتيان بفعل مضارع بالنسبة للقتل فهو أولًا مراعاة لفواصل الآيات؛ لأنه لو قال: وفريقًا قد قتلتم، ما تناسبت مع التي قبلها والتي بعدها، ثم إن بعض العلماء أبدى فيها نكتة، وهي: أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم حتى بالنسبة للرسول ﷺ فإنهم قتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام بالسم الذي وضعوه له في خيبر، فإنه ما زال عليه الصلاة والسلام يتأثر منه حتى إنه في مرض موته قال: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» »[[أخرجه البزار في مسنده برقم (٨٠٠٧) من حديث أبي هريرة، بلفظ: «هَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي». ]]، قال الزهري: إن النبي ﷺ مات شهيدًا بسبب أنهم تسببوا في قتله، وهذا ليس ببعيد أن يكون هذا أيضًا من النكت في التعبير، ويش هو؟ بالمضارع في القتل، وإن كان قد يَرِد عليه بأنه أيضًا التكذيب استمر حتى إلى الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فلماذا لم يقل: ففريقًا تكذبون وفريقًا تقتلون؟ يَرِد على هذا، ولكننا نقول: إن ملاحظة فواصل الآيات عندنا أقوى، ولهذا لو كان المقصود به ملاحظة استمرار قتلهم للأنبياء لكان أيضًا يراعى في ذلك استمرار تكذيبهم؛ لأنهم كذّبوا الرسول علانية واضحة، حتى إنهم في قصة إسلام «عبد الله بن سلام لما شهد للرسول بالحق، وكانوا بالأول يقولون: إنه خيرنا وابن خيرنا، لما شهد للرسول ﷺ بالحق » ويش قالوا؟ «قالوا: شرنا وابن شرنا. »[[أخرجه البخاري (٣٣٢٩) من حديث أنس.]] أثنوا عليه شرًّا، في هذا يعني توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان منهاجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع، ففي الشرائع لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع انقسموا إلى قسمين فيمن جاءهم بما لا تهوى أنفسهم فريقًا يكذبون وفريقًا يقتلون. * طالب: شيخ، قوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ (...) الكذب حاصل منهم لا شك والتقتيل (...) يقتلون (...)؟ * الشيخ: والقتل ما حصل؟ * الطالب: حصل. * الشيخ: لا، كله (...) لأنه يقول: ﴿يَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١١٢] في آيات كثيرة. * الطالب: التكذيب حاصل لا شك. * الشيخ: والقتل حصل. * الطالب: لا، هذا كله حاصل، وهذا بعضه. * الشيخ: ما يظهر منهم، الذي يظهر منهم يقتلون، وأنهم كل من أرادوا قتله قتلوه، كما أنهم يكذبون. * طالب: (...) ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧]. * الشيخ: إي نعم، يعصمك من الناس حال التبليغ، يعني معناه: بلِّغ وأنت في حال تبليغك معصوم، ولهذا ما أحد اعتدى عليه في حال تبليغه فقتله أبدًا. * طالب: شيخ، قلتم: يشكل على هذا قوله: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ مع ﴿تَقْتُلُونَ﴾، فيقال: إن الكذب صار صفة لازمة لهم فلا يحتاج أن يبيّن، فالصفة مستمرة؟ * الشيخ: أما لو كان بالجملة الاسمية صح هذا التوجيه؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الاستمرار، أما الجملة الفعلية فلا، حتى أنهم قالوا: إن جملة الفعل المضارع تدل على الحدوث والاستمرار. * الطالب: لكن الماضي ما يكون أهون من المضارع؟ * الشيخ: ما يظهر لي، حتى ولهذا فيما يظهر -والله أعلم- أن مراعاة فواصل الآيات هو أقوى شيء، مراعاة لفظية تكون. * طالب: سمّهم (...)؟ * الشيخ: لا، سَمُّهُم إياه، يقولون: إن كنت نبيًّا فإنه لا يضرك، هكذا قالوا، وإن كنت كاذبًا استرحنا منك، فما ضره حتى أتم الله تعالى ما أراد من دعوته. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة ٨٨]، نسأل الله العافية، هذه الحجة الفاسدة، ﴿قَالُوا﴾ مَن؟ بنو إسرائيل، ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف، والأغلف معناه الذي عليه الغلاف، يعني مغلفة ما يصل إليها ما يدعون إليه هؤلاء الرسل، كقول بعض الناس: والله ما هدانا الله أصلي، ما هدانا الله أفعل كذا، وهذا كذب، فإن الله يقول: ﴿هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر، هذا الذي على الله، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣]، فالذي على الله سبحانه وتعالى أتمه، بقي ما عليك أنت، هؤلاء يقولون: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، (غلف) جمع أغلف، وهو الذي غُلِّف عليه بشيء، بغلاف يمنع من وصول الأمور إليه، يقولون هذا اعتذارًا منهم عن أنفسهم في قبول الحق، يعني يعتذرون عن قبوله بأن قلوبهم غُلف، هل هذا صحيح؟ لا، لو رجعوا إلى فطرتهم ما كانت القلوب غلفًا، ولكن حصل ما صار سببًا للغلاف على القلوب وهو الكفر، ولهذا قال: (بَل)، و(بل) هنا للإضراب الإبطالي، ليست للإضراب الانتقالي، الإضراب الإبطالي. وتعرفون أن الإضراب ينقسم إلى قسمين: الإضراب الانتقالي لا يلزم منه بطلان ما أُضرب عنه، وإضراب إبطالي يلزم عنه إبطال ما أُضرب عنه، فهمتم؟ تقول: ضربت زيدًا بل عمرًا، هذا أيش؟ هذا إبطالي، يعني إنك أبطلت الأول وجعلت الحكم للثاني، وقال الله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦]، هذا انتقالي، يعني إن أحوالهم تنقلت، بعُد علمهم في الآخرة، ثم حصل لهم الشك، ثم العمى -والعياذ بالله- هنا إضراب إبطالي، أبطل الله ما ادعوه وبيّن السبب الحقيقي وهو لعنة الله إياهم -والعياذ بالله- ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، ﴿لَعَنَهُمُ﴾ بمعنى طردهم وأبعدهم عن رحمته، فاللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولكن هذا اللعن ظلم أو بسبب من عند أنفسهم؟ * الطلبة: بسبب من عند أنفسهم. * الشيخ: وهو؟ * الطلبة: الكذب و(...). * الشيخ: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، والباء هنا للسببية، أي: بسبب كفرهم لُعنوا فطُبع على قلوبهم، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، الذين إذا قرئ عليهم القرآن قالوا: هذا أساطير الأولين، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]، لماذا يقول عن هذه الآيات العظيمة المؤثرة المثيرة، لماذا يقول عنها: أساطير الأولين؟ لأنه غُلِّف على قلبه، ولهذا أعقبها بقوله: ﴿كَلَّا﴾، ليست أساطير الأولين، ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فلم يصلوا إلى الحق، وقد قلنا كثيرًا: إن الإنسان إذا قرأ القرآن فلم يره مؤثرًا على قلبه فليعلم أن هناك ذنوبًا رانت على القلب؛ لأن القلب إذا وصل إليه القرآن لا بد أن يؤثر فيه، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر ٢١]، فهذا إذ لو وصل القرآن إلى القلب لا بد أن يؤثر فيه، فإذا لم يتأثر الإنسان بقراءة القرآن فإنه دليل على أن هناك حائلًا حال دون وصول القرآن إلى قلبه، وهي الذنوب، فليستعن بالله سبحانه وتعالى ويستغفر ويتوب لعل الله تعالى يزيل عنه هذا الأثر، ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا﴾، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ (كفر) مصدر مضاف إلى أيش؟ * طالب: إلى مفعوله. * طالب آخر: إلى فاعله. * الشيخ: مضاف إلى فاعله؛ لأنهم كافرون، قال: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. * طالب: الباء يا شيخ؟ * الشيخ: الباء للسببية. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ انتبهوا للآية هذه، ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ فيها إشكال هنا؛ لأن قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقتضي أنهم ما كفروا كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأن ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ معناه: وفيهم إيمان، فيهم إيمان ولكنه قليل، فاختلف العلماء في تخريج هذه الآية، منهم من قال: إن القلة يعود على الفاعل لا على الإيمان، ويش معنى يعود على الفاعل؟ يعني: قليلًا المؤمن منهم، فهمتم؟ ومنهم من قال: إن القلة تعود إلى الإيمان لكن العرب يطلقون القليل يريدون به العدم، تقول: قَلّ ما رأيته قط، هكذا التعبير العربي، ومعنى قَلّ ما رأيته قط، أي: ما رأيته أبدًا، فقليلًا هنا أي عدمًا إيمانهم، فيرون أن القلة بمعنى العدم. القول الثالث في المسألة، وعلى هذين القولين فـ(ما) زائدة، زائدة لتأكيد القلة؛ لأن المعنى: فيؤمنون قليلًا، سواء قلنا: يعود على الإيمان أو يعود على المؤمن، على الفاعل، وبعضهم يقول: إن (ما) ليست زائدة، بل هي نافية، والتقدير: فما يؤمنون قليلًا، قالوا: وهو أيضًا على تقدير محذوف، أي: ولا كثيرًا كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]، يعني فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، يعني إذا فُقِد منهم القليل فالكثير من باب أولى، فهم لا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، ولذلك ما يصل إليهم نور الوحي، فقلوبهم غُلف ما يصل إليها الخير، وهذا أقرب من الناحية المعنوية. هذا ما يترتب عليه إشكال بالنسبة للقلة، لكنه مشكل بالنسبة لقواعد اللغة العربية؛ لأنه من المعلوم المقرر في اللغة العربية أن (ما) النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهنا عمل ما بعدها فيما قبلها، هذا القائل يقول: من قال لكم: إن (ما) النافية ما يعمل ما بعدها فيما قبلها؟ عندكم في هذا نص من القرآن؟ نص من السنة؟ ويش الجواب؟ لا، لكننا ما رأينا أنه عمل ما بعدها فيما قبلها، فيقول هو: أنا رأيت، هذه الآية عمل ما بعدها فيما قبلها، ما دام أنه ما جاء نص يقول ترى (ما) النافية ما يعمل الذي بعدها فيما قبلها، فإني أقول: هذه الآية تدل على أن ما بعدها قد يعمل فيما قبلها، ولا مانع من هذا. ثم إني بقولي هذا أزيل إشكالين: الإشكال الأول أتخلص من أن أقول إن (ما) زائدة لأن (...) (ما) زائدة، والثاني: إني أتخلص من الإشكال الوارد على كلمة ﴿قَلِيلًا﴾؛ لأن الحقيقة في الأمر أن القلة عندما نقرأ الآية تعود إلى مَن؟ إلى الإيمان ولّا إلى الفاعل؟ ﴿مَا يُؤْمِنُونَ﴾، إلى الواو ولّا إلى الفعل اللي هو الإيمان؟ حقيقة الأمر أنها تعود إلى الإيمان، مع أن هؤلاء ليس عندهم إيمان قليل ولا كثير، فأنا بسلوكي هذا المسلك أكون قد تخلصت من هذين الإشكالين وتبقى القلة على ما هي عليه، والمعنى: فلا يؤمنون قليلًا، وإذا عُدم القليل منهم عُدم الكثير. على كل حال هذه الآية احتج هؤلاء على عدم إيمانهم بأن قلوبهم غلف، فبيّن الله عز وجل أنها ليست غلفاء، وأن الذي جعلها غلفاء هي كفرهم، لعنهم الله وطردهم وأبعدهم من رحمته بسبب كفرهم، فلهذا لا يصل الإيمان إلى قلوبهم، أما القلوب من حيث هي قلوب فإنها منفتحة تتفتح للإيمان؛ لأن الفطرة جُبل عليها كل الخلق، «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢)، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة.]]، وما هي الفطرة؟ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة ٨٩]، طبعًا عندي هذا الوجه أقرب. * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير هو أقرب. * طالب: (...). * الشيخ: مين اللي قال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إي، إذا دلت (...) أنه يعمل يعمل، تقول: زيدًا ما ضربت (...) إني ما ضربت زيدًا. * طالب: شيخ، إذا كان القليل الفاعل ما تكون (ما) اسم موصول؟ * الشيخ: ﴿فَقَلِيلًا﴾؟ لا، يشكل علينا أن (...) تقول: فقليل، يعني فالذين يؤمنون قليل. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة ٨٩] إلى آخره، هذه -والعياذ بالله- خاتمة المطاف، كل الرسل السابقين يكذبونهم ولا يقبلون ما جاؤوا به، فجاءهم كتاب من عند الله، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وين جواب ﴿وَلَمَّا﴾؟ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾، ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ هذا الجواب. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن، ونكّره هنا للتعظيم ﴿كِتَابٌ﴾، وأكد تعظيمه بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لكن ما هو الدليل بأنه من عند الله؟ إذا قالوا: هذا من كلام محمد ﷺ، فما هو الدليل؟ الدليل أن الله سبحانه وتعالى شهد للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه من عنده، شهد له بنصره إياه، الرسول يقول: هذا القرآن من عند الله وأنا أجاهدكم به وعليه، وأنتصر عليكم، لو كان من عند غير الله هل ينتصر به؟ ما يستطيع، ما ينتصر به، لو انتصر به لكان معناه أن الله ينصر الباطل، وهذا منافٍ لحكمة الله، إذن هو من عند الله بشهادة الله له، كما قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦]، إلى آخره، لكن الله يشهد بما أنزل إليك شهادة قولية وشهادة فعلية، وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إلى ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ لأنه كلامه كما سيأتينا إن شاء الله في فوائد الآية. وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، ﴿مُصَدِّقٌ﴾ سبق لنا أن قلنا: إن معنى تصديق القرآن لما سبقه له وجهان هما: * طالب: تصديق القرآن؟ * الشيخ: لما سبق. * الطالب: أنه من عند الله. * الشيخ: لا، يصدق ما سبق، ذكرنا أن له وجهين؟ * الطالب: أول شيء أنه من عند الله. * الشيخ: لا. * طالب: الوجه الأول: أنه أخبار القبل والبعد. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: يعني أخباره في السابق وفي.. * الشيخ: لا، لا ليس هذا. * طالب: لأنه موافق في الأصول أصول الشرائع. الشيخ: لا، لا، قلنا: مصدق، يعني أنه حكم بصدقه، قال: إنها صدق، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]، فهو يقول عن التوراة: إنها حق، وعن الإنجيل: إنه حق، وعن الزبور: إنه حق، فهو يصدقها، كما لو أخبرني مخبر وقلت: صدقت، أكون مصدقًا له؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أكون مصدقًا له، الوجه الثاني من تصديقه لها أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به، يعني هي أخبرت، فجاء مصدقًا لها، جاء مطابقًا لما أخبرت به، عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، فجاء هذا الكتاب مصدقًا لهذه البشارة، فهذا معنى كونه مصدقًا لما سبق، أنه يقول: إنها صادقة، وأنه جاء مطابقًا لما أخبرت به وقوله: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ من أين؟ من التوراة والإنجيل، وهذا واضح في أن التوراة أخبرت بالرسول عليه الصلاة والسلام، أخبرت بالرسول ﷺ إما باسمه أو بوصفه الذي لا ينطبق على غيره، وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل أن يجيئهم، وهنا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ لأيش مضمومة و(من) حرف جر؟ لأنها مبنية، وقد مر علينا أن (قبل) و(بعد) و(فوق) و(تحت) وما أشبهها أن لها أربع حالات، منها البناء على الضم إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي معناه، فإنها تكون مبنية على الضم، أي جاء وكانوا من قبل أن يأتيهم هذا يستفتحون على الذين كفروا. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ بمعنى أنهم يستنصرون ويقولون: سيكون لنا الفتح عليكم، يعني النصر عليكم، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أين؟ من المشركين اللي هم الأوس والخزرج؛ لأن الأوس والخزرج كانوا على الكفر، ما هم بأهل كتاب كما هو معروف، فكانوا يقولون: إنه سيُبعث نبي وسنتبعه وسننتصر عليكم، ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾، لكن لما جاءهم ما عرفوا كفروا به والعياذ بالله جاءهم الشيء الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم كفروا به. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة ٨٦]. (...) يكفرون بآياته إنما يريدون بذلك الحياة الدنيا؛ لأن الإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ على ما سبق ذكره الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. * الفائدة الثانية من هذه الآية: أن الدنيا والآخرة ضرتان، بمعنى أن من أراد إحداهما كاملة أضر بالأخرى، ولكن أما من أراد الدنيا فلا شك أنه يضر بالآخرة، وأما من أراد الآخرة فإنه لا يفوته شيء من الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠]. * طالب: (...). * الشيخ: إلا إذا أراد الإنسان إحداهما كاملة وخصوصًا الدنيا إذا أرادها أضرت بالآخرة، بالعكس لا تضره إذا قلنا بأن قوله: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ بأن يؤتيه من الدنيا أيضًا. * وفيه أيضًا دليل على استمرار العذاب على من آثر الدنيا على الآخرة وجعلها بديلًا عنها؛ لقوله: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾. * الفائدة الرابعة: أن هؤلاء ليس لهم ناصر ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله، لا آلهتهم، ولا زعماؤهم، بل إنهم هم يلعنون زعماءهم يوم القيامة ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]، وكذلك زعماؤهم يتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، والآية الثالثة: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات نبوة موسى؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. * ويستفاد منه: تأكيد الخبر ذي الشأن وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ فإنها مؤكدة بثلاثة مؤكدات مع أنها لم يخاطب بها من ينكر، وقد مر علينا أن تأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع: أولًا: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوبًا. وإذا خوطب به المتردِّد، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحسانًا. والثالث: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يؤكد وإن خوطب به من لم ينكر أو يتردد، حتى لو خاطبت به إنسانًا ابتداء وهو من ذوات الأمور الهامة فإنه يحسن توكيده. * الفائدة الثالثة: أن مَن بعد موسى من الرسل تبع له من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤]. * الفائدة التالية: ثبوت نبوة عيسى؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾. * الفائدة التالية: أن من لا أب له شرعًا يُنسب إلى أمه كمن لا أب له قدرًا، عيسى بن مريم لا أب له قدرًا، كونًا ليس له أب، من ليس له أب شرعي فهو مثله يُنسب إلى أمه، مثل ولد الزنا -والعياذ بالله- وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أمه عصبته، وليس عصبته عصبة أمه؛ لأن العلماء اختلفوا فيمن ليس له أب شرعي هل إن أمه تأخذ نصيبها من الإرث والباقي لعصبتها؟ أو أنها تأخذ نصيبها من الإرث فرضًا والباقي تعصيبًا؟ لأنها هي أبٌ أم هي أمٌّ أبٌ، وهذا القول هو الصحيح وهو الراجح؛ لأن عصبتها يُدلون بها، عصبتها يدلون بها، فكيف يكونون هم عصبة وهي ليست عصبة، ولهذا ما يوجد عاصب يدلي بذي فرض، بصاحب فرض، كل العصبة يدلون بالعصبة، وقد يدلي العاصب يعني صاحب الفرض بصاحب الفرض، مثل الإخوة من الأم يدلون بالأم وهم أصحاب فروض، ويدلي صاحب الفرض بالعاصب، كبنت الابن تدلي بالابن، وهي صاحبة فرض، أما أن يدلي عاصب بصاحب فرض فهذا لا يمكن، ولذلك الصحيح أنه أي أن عصبة من ليس له أب شرعي هي أمه أولًا ثم عصباته. * طالب: شيخ الحديث «لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]؟ * الشيخ: إي نعم، (...) بالاتفاق أنه ما هو مقيد لكن خصه بالذكورة؛ لأن الغالب أنهم هم الذكور، وإلا فالأخوات الشقيقات مع البنات عصبة بالاتفاق، وليسوا ذكورًا، وقد جاء في حديث في السنن «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» »[[أخرجه أبو داود في سننه (٢٩٠٦)، والترمذي في جامعه (٢١١٥) من حديث واثلة بن الأسقع.]]. * طالب: شيخ، ما معنى: «وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»؟ * الشيخ: «وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»، معناه: أن الزوج إذا رمى زوجته بالزنا -والعياذ بالله- بأنها زنت وأن ولدها ليس منه، وحصل اللعان المعروف في سورة النور، فإن الولد يكون لأمه وليس لأبيه. فيها أيضًا * الفائدة التالية: أن عيسى بن مريم أعطاه الله آيات بينات كونية وشرعية، وآياته الكونية أظهر من آياته الشرعية؛ لأنه أُعطي آيات إحياء الموتى وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يصنع أو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير بإذن الله، وكذلك أيضًا يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، فهو آيات بينات كثيرة لعيسى بن مريم، قالوا: إن الحكمة؛ لأن الطب في وقته عليه الصلاة والسلام ترقى كثيرًا، الطب، فأتى بآيات لا يستطيع الأطباء أن يقوموا بمثلها. * الفائدة التالية: أن الله سبحانه وتعالى أيّد عيسى بجبرائيل ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. * الفائدة التالية أيضًا: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون مَن أمرهم الله بتأييده، ولهذا قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» »[[تقدم تخريجه.]]. * الفائدة التالية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق، ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. * الفائدة التالية أيضًا: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل، فإذا استكبر عن الحق سواء تحيّل على ذلك بالتحريف، أو أقر بأنه هذا الحق ولكن استكبر عنه، فإنه مشابه لبني إسرائيل، ونحن نعرف أن الخارجين عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقر به وينكره صراحة ويعترف بأنه عاصي، فهذا أمره واضح وسبيله على ما مشى عليه، قسم آخر يستكبر عن الحق ويحاول أن يحرّف النصوص إلى هواه، وهذا الأخير أشد من الأول، أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يغتر به الناس، ومثال ذلك: دعا بعض الدول العربية إلى الاشتراكية، دعوا إلى الاشتراكية وأجلبوا وأطنبوا فيها، وصاروا يأتون بآيات وأحاديث متشابهات فيحرفونها لإثبات ما ذهبوا إليه، قالوا: إن الله يقول: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]، قال: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فهذا اشتراك، «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٤٧٧) من حديث رجل من المهاجرين بلفظ: «الْمُسْلِمُونَ...».]]؛ أيضًا «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٣٤٠)، ومسلم (١٥٣٦ / ٨٨) من حديث جابر، واللفظ لمسلم. ]]، ولا يمكن تؤجر الأراضي (...) من هؤلاء الناس، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل ٧١]. الحاصل أنهم هؤلاء نقول: إن هذا نوع من الاستكبار، ولكنه استكبار بخداع، وهو أشد من الأول، إذن كل من سلك هذا المسلك من هذه الأمة فهو مشابه لليهود. * طالب: الأول جحود يا شيخ ولا استكبار؟ * الشيخ: لا. * الطالب: الأول استكبار؟ * الشيخ: إي، الأول استكبار، وهذا أيضًا مستكبر لكن هو متحيل على النصوص، بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه يخالف هوى نفسه، وبعض الناس يستكبر عن الحق لأنه أتى ممن يعتقد أنه دونه، فيقول: أنت تعلّم؟ ويش أنت، أنت رضيع (...). * طالب: (...). * الشيخ: ويش ها الدين الجديد؟ وما أشبه ذلك، هذا من الاستكبار عن الحق، ولذلك الواجب أن الإنسان ما يقيس الحق بقائله، وإنما يقيس الحق بدليل، إذا كان عنده دليل، الحمد لله، هذا هو الذي يريد الإنسان. * الفائدة التالية: بيان أن بني إسرائيل انقسموا في هؤلاء الذين جاؤوا بما لا تهوى أنفسهم، انقسموا إلى قسمين: قسم كذبوه، وقسم آخر قتلوه، فمن الذي يُكَذِّبون ويقتلون؟ إذا كان -فيما يبدو، والله أعلم- إذا كان للإنسان دعوة قوية مؤثرة استراحوا منه بالقتل، وإذا كان الأمر أقل اكتفوا بالتكذيب؛ لأنهم إذا كذّبوه نفر الناس منه، هذا أيضًا موجود في هذه الأمة، فإنهم إذا رأوا الداعية القوي الذي لا يمكنهم أن يقولوا للناس: هذا ليس على حق، لو قالوا للناس: هذا الرجل ما هو على الحق، ما هم طايعينه، ماذا يصنعون؟ يقتلونه، يدبرون له إما تحيلًا أو صراحة، يحاكمونه وبالمشانق، إذن من سلك هذا السبيل من هذه الأمة فهو مشابه لليهود، وبه يتحقق قول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» »[[أخرجه الترمذي في جامعه (٢١٨٠)، وأحمد في المسند (٢١٨٩٧)، واللفظ لأحمد.]]. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة، فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ويش معنى غلف؟ مغلقة، ما يصل إليها قولك. * الفائدة التالية: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم، يقول بعض الناس الآن عندما تأمره بالمعروف يقول: والله ما هدانا الله -والعياذ بالله– يقول: ما هدانا الله، هذا مثل الذين قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ومثل من قالوا: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١]، المهم أنه يوجد ناس ودائمًا نسمع إنه إذا نصحوا أولادهم أو المرأة مثلًا نصحت زوجها أو ما أشبه ذلك قال: والله ما هدانا الله، ما هدانا الله، والعياذ بالله. * طالب: المدخنين يقولون كذلك. * الشيخ: والمدخنين، نعم، المدخنين صحيح، المهم أن هؤلاء نقول: قالوا مثل قول اليهود: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. * ثالثًا: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذا الإضراب للإبطال، يعني: ليست القلوب غلفاء ما تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصول الحق، وهو لعن الله إياهم بسبب كفرهم، ففيه دليل على أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع. * الفائدة التالية: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا زاد عليها المانع لم تؤثر شيئًا، ولّا لا؟ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع -والعياذ بالله- ما تمكنت من الهدى، وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها وانتفاء موانعها. * الفائدة التالية: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل؛ لقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، وأظن تقدم لنا أن فيها خلاف للمفسرين والْمُعْرِبين في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، هذه القلة هي بالنسبة للإيمان في قلب الإنسان ولّا بالنسبة للكمية؟ فيها قولان أيضًا، فمنهم من يقول: إنها بالنسبة للكمية، يعني قليلًا من آمن (...)، ومنهم من يقول: إنها بالنسبة للكيفية، وأن معناها ما يؤمنون قليلًا، يعني ولا كثيرًا، فالإيمان معدوم، إذا كان ما عنده إيمان قليل ولا كثير فهو معدوم. * طالب: شيخ، اللعن فيه فائدة؟ * الشيخ: إي نعم، إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم﴾، هذا تريد؟ * الطالب: لا، اللعن جواز اللعن، إنه لُعِنوا بسبب..؟ * الشيخ: لا، لا، خبر خبر، هذا خبر، لُعنوا بكفرهم، هذا ما في شيء. * الطالب: يؤخذ من الخبر فائدة. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: من توفرت فيه أسباب اللعن لعن؟ * الشيخ: لا، لو وجدنا كافرًا ما نقول: لعنك الله، لكن ما يجوز أن ندعو عليه باللعنة؛ لأن الله نهى رسوله ﷺ عن هذا، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، أما لو مات على الكفر فيجوز لعنه بشخصه، أما اللعن على العموم مثل: لعنة الله على الكافرين، ما فيها بأس، المهم فيها إثبات الأسباب، وهذا مهم، ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. وبناء على هذه الفائدة نُبطل قول الجهمية الذين ينكرون الأسباب، ما مر علينا في التوحيد أن الجهمية ينكرون الأسباب، ويقولون: إن أفعال الله ليست لحكمة، بل هي لمجرد المشيئة، وأن الأشعرية تحذلقوا وقالوا: نحن لا نثبت الأسباب كما يثبتها القدرية، ولا ننكرها كما ينكرها الجهمية، ولكننا نقول: إن الأسباب يحصل الشيء عندها لا بها، هم يقولون: ما ننكر الأسباب، لكن السبب ما يكون به الشيء، يكون عنده الشيء، فإذا كسرت القارورة بالحجر وضربها الحجر واصطدم بها فهي لم تنكسر بالحجر، لكن انكسرت عند الحجر، وكذلك أيضًا لو ذبحت الشاة وماتت يقولون: ما ماتت بالذبح ولكن عند الذبح، وهكذا الكلام خرافة بالحقيقة، كلام غير معقول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأشعرية؛ نعم (...). * الطالب: ويدّعون رجاحة العقول. * الشيخ: المهم أننا في هذه الآية أثبتنا الأسباب، وهو أمر فطري، حتى لو تُرك الإنسان بل البهيمة تعرف السبب، أليست تطلب الماء عند العطش؟ وتطلب العلف عند الجوع؟ وتستكن من الحر ومن البرد؟ تدري مثلًا أن دخولها في هذه المغارة ينجيها من المطر أو من البرد أو من الشمس، تدري أن ذهابها إلى الماء وتشرب ينقذها من الهلاك، وهكذا، فإثبات الأسباب في الحقيقة أمر فطري فُطر عليه، حتى البهائم فطرت عليه. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.﴾ * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: أن القرآن من عند الله؛ لقوله: ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ثانيًا: أن القرآن كلامه سبحانه وتعالى، القرآن كلام الله تكلم به حقيقة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أن الكلام ليس جسمًا يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] هؤلاء من؟ * الطلبة: الملائكة. * الشيخ: هل يمكن أن نقول: الملائكة صفة من صفات الله؛ لأن الله أضافهم إلى عنده؟ لا؛ لأنها أعيان قائمة بنفسها، لكن ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهو الكلام المكتوب ما يمكن أن يستقل بنفسه، فهو كلام الله عز وجل، هل القرآن كلام الله لفظًا ومعنى؟ * الطلبة: لفظًا ومعنى. * الشيخ: لفظًا ومعنى، من الذين قالوا: إنه معنى لا لفظًا؟ * الطلبة: الأشاعرة. * الشيخ: الأشاعرة، الجهمية والمعتزلة يقولون: هو كلام الله لفظًا ومعنى لكنه مخلوق مثل باقي المخلوقات، وأهل السنة والجماعة يقولون: كلام الله لفظًا ومعنى وهو غير مخلوق، بل هو صفة من صفات الله. * الفائدة التالية وهي الثالثة أظن: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، ولقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لكن هذا معلوم أن ما كان من صفة الله فهو كامل، لكن قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هذا تنويه بفضله، وأنه ما أتى بشيء يكذب مَن سبقه من الكتب. * الفائدة التالية: أن هؤلاء اليهود كانوا يعرفون أن النبي ﷺ سيُبعث؛ لقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني يستنصرون، بمعنى: يطلبون النصر أو يقولون به، فهم قبل نزول القرآن، قبل مجيء الرسول ﷺ يقولون للعرب: إنه سيُبعث نبي وينزل بكتاب وننتصر به عليكم، ولما جاء الأمر، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ شوف قال: ﴿مَا عَرَفُوا﴾، ولم يقل: ما علموا؛ لأن المعرفة أخص من العلم؛ لأنها -كما قالوا- انكشاف بعد لبس، وبعدما أنهم تحيّنوا الأمر وترقبوه جاءهم ما عرفوا معرفة عينية كما يعرفون أبناءهم. وفيه أيضًا * الفائدة التالية: أن اليهود -عليهم لعائن الله- ما خضعوا للحق حتى الذي يقرون به ما خضعوا له؛ لأنهم كفروا به فيدل على عتوهم وعنادهم. * الفائدة التالية: أن الكافر مستحق للعنة الله وواجبة عليه؛ لقوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، واللعنة مر علينا أنها هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله. * طالب: بعض العلماء والمفسرين استدلوا ولكن (...) بجواز لعن المعين من آية البقرة ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، وبالحديث «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» »[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب. بلفظ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».]]، قالوا: منع من اللعن؛ لأنه يحب الله ورسوله، والكافر قطعًا لا يحب الله ورسوله؟ * الشيخ: لكن هذه من المتشابهات، هذه من النصوص المتشابهة، أما الأول ما فيه دليل؛ لأنها عامة، والعموم لا شك في جواز لعنهم، الثاني هذا المراد باللعن إما أن نقول: المراد باللعن السب، أو نقول: إن هذا اللعن لهذا الرجل يدل مفهومه أن من لا يحب الله ورسوله فإنه يجوز لعنه، لكن هذا المفهوم عورض بالمنطوق الذي هو أقوى منه، وهو أن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه ﷺ أن يلعن أئمة الكفر، كأن يقول: اللهم العن فلان وفلان وفلان، ويسميهم وهم أئمة الكفر، (...) هذا. * طالب: هذا في الصلاة؟ * الشيخ: لا، لا؛ لأن الله بيّن العلة، قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، (...) لأنه في الصلاة وما مُنع في الصلاة مُنع في غيرها؛ لأن الدعاء في الصلاة جائز من حيث هو، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الشيطان: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» »[[أخرجه مسلم (٥٤٢ / ٤٠) من حديث أبي الدرداء.]]، فاللي يستحق اللعن يجوز لعنه في الصلاة، فالعلة أشار الله إليها بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، فما داموا أحياء فإن الله سبحانه وتعالى مقلب القلوب، وكم من أناس كانوا من الطواغيت وأئمة الكفر فصاروا من أئمة الإسلام. * طالب: نهى عائشة عن ذلك «عندما كانوا يسلّمون على النبي ﷺ يقولون: السَّامُ عليك؟ »[[متفق عليه. البخاري (٢٩٣٥)، ومسلم (٢١٦٥ / ١١) من حديث عائشة.]] * الشيخ: إي نعم، نهاها؛ لأن هذا من باب التفحش، الفحش والتفحش؛ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ»[[أخرجه مسلم(٢١٦٥ / ١١) وهو رواية للحديث السابق.]]. * الطالب: هو من هذا الباب؟ * الشيخ: يحتمل، أو إنه من باب المقابلة؛ لأنهم يقولون: السام عليك، ويجوز أنك تدعو على من دعا عليك بمثله، لكن ما هو بهذا العنف. ﴿ ﴾

البقرة 2:88

﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ هذا التعبير يمر علينا كثيرًا في مثل (لقد) أن اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، وعليه فتكون مثل هذه العبارة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام الموطئة له، وقد. وقوله: ﴿وآتينا﴾ أعطينا، والإيتاء من الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي، وإيتاء كوني قدري، فإن كان وحيًا فهو إيتاء شرعي، وإن كان مما يغذي الجسم فهو إيتاء كوني قدري، على أنه قد يراد بما يغذي الجسم أيضًا الإيتاء الشرعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]. المهم أن ما كان وحيًا تتغذى بها الأرواح فهو إيتاء شرعي، وما كان مادة يتغذى بها الأجسام فهو إيتاء كوني قدري. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] هذا أيش؟ قدري، وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ هذا إيتاء شرعي، يعني: الذي أوتي شرعًا أمر شرعي. قوله: ﴿مُوسَى﴾ تقدم أنه أكبر أنبياء بني إسرائيل عليه الصلاة والسلام، وأرسل إلى فرعون وإلى بني إسرائيل. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والكتابة معروفة، وهي مأخوذة من الكَتْب بمعنى الجمع، ومنه كتيبة كتيبة الخيل؛ لأنها مجتمعة، والمراد بالكتاب هنا المكتوب، فهو فعال بمعنى مفعول، وأي كتاب هو؟ التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا، ﴿قَفَّيْنَا﴾ بمعنى أتبعنا؛ لأن التابع يأتي في قفا.. كل من جاء من بعده فإنه يحكم بشريعته، ولهذا قال: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، إلى أن وصل الدور إلى ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾، آتيناه بمعنى: أعطيناه، وهو إيتاء شرعي، وقوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ نسبه إلى أمه؛ لأنه؟ * الطلبة: لا أب له. * الشيخ: ليس له أب، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾، هذه صفة لموصوف محذوف تقديره: الآيات البينات، فما هي هذه الآيات البينات؟ هل هي المعجزات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة؟ أو أنها الإنجيل؟ أو أنها هذا وهذا؟ كلاهما، هذا وهذا، فالإنجيل بينات، وكذلك الآيات المحسوسة الحسية التي هي المعجزات هي أيضًا بينات، مثل إحياء الموتى وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه والأبرص، يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وفي القراءة الثانية: ﴿فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، يعني يطير بالفعل، كل هذه من الآيات التي أوتيها عيسى بن مريم، ولهذا قال: آتيناه البينات، يعني الآيات البينات الظاهرات التي تدل على أنه نبي؛ لأن مثل ما جاء به لا يمكن أن يقدر عليه البشر، وقد ذكر أهل العلم أنه في عهد عيسى ﷺ قوي الطب وارتقى ارتقاء عظيمًا، لكن الأطباء مهما ارتقوا لا يمكن أن يبرئوا الأكمه والأبرص، ولا أن يحيوا الموتى، بل ولا يمكن أن يُبقوا حياة من حضره الموت، فضلًا عن أن يردوا إليه روحه بعد موته، ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة ٨٧]، ﴿أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، ﴿أَيَّدْنَاهُ﴾: قوَّيناه، كقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف ١٤]، أي: قوّيناهم عليهم، وهو معروف اشتقاقه؛ لأنه من الأيْد بمعنى القوة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، فمعنى أيدناه: قوّيناه. وقوله: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي: بالروح المقدس، والقُدُس والقُدْس بمعنى الطاهر، ما المراد بروح القدس؟ اختلف في ذلك المفسرون، فقيل: إن المراد روح عيسى؛ لأنها روح قدسية طاهرة، ما تحدرت من صلب ذَكَر، ولا خرجت من رحم طامث، يعني حائض، فهو مطهَّر، فيكون هذا ﴿أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: قوّيناه بكونه جاء بدون أب، هذا قول. والقول الثاني أن المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: بالإنجيل؛ لأن الوحي روح كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢]، وقيل: المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ روحه مضافة إلى الله، يعني كقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١]، يعني: بروح الله، فعليه ما تكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، بل من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، هذا هو الكلام. والقول الرابع أن المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤]، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، وقول النبي ﷺ لحسان بن ثابت وهو يهجو المشركين: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٥٣)، ومسلم (٢٤٨٥ / ١٥٢) من حديث حسان وأبي هريرة.]] أي بجبريل، وهذا أصح الأقوال، أن المراد بروح القدس أنه مؤيَّد بجبريل عليه الصلاة والسلام يكون قرينًا له يؤيده ويقويه ويلقّنه الحجة على أدائه، فصارت الأقوال أربعة: * أولًا: أن روح القدس أي الروح المضافة إلى الله، وعلى هذا القول تكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، والله تبارك وتعالى قُدُس وقُدُّوس، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]. * ثانيًا: المراد بـ ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ الإنجيل؛ لأن الوحي روح. * وثالثًا: المراد بـ ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ روحه هو المقدسة، فليست من باب إضافة، روحه يعني هي روحه، لكن الفرق بينها وبين القول الأول هنا أنهم يجعلون القول الأول يجعلون القدس الله وهؤلاء يجعلون القدس نفس الروح. * القول الرابع أصحها، أنه جبريل، ووجه ذلك، وجه ترجيحنا له أننا إذا قلنا: أيدناه بروح القدس، سواء قلنا: الروح المقدسة أو روح الله؛ فإنه لا وجه لذلك؛ لكونه مؤيدًا به؛ لأن روحه سبقت وجوده قبل أن يكون نبيًّا، والتأييد بالشيء يكون الشيء مقارنًا له، مقارنًا له في وقت التأييد. وأما القول بأنه الإنجيل، يعني أُيِّد بالإنجيل، فيضعّفه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة ١١٠]، فيصير معنى ﴿عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ مع قوله: أيدتك بالإنجيل، يكون هذا شبه تكرار، والقرآن إذا أمكن أن يُجعل الكلام تأسيسًا فهو أولى من أن يكون تأكيدًا، القرآن وغيره، إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسًا كل جملة لها معنى مستقل، أو تأكيدًا كل جملة بمعنى الجملة الأخرى، فالأولى أن يكون تأسيسًا، وهذا الذي رجحناه هو الذي رجّحه ابن جرير وابن كثير أن المراد بروح القدس مَن؟ جبريل عليه الصلاة والسلام. هنا بيّن الله أنه آتى موسى الكتاب، وآتى عيسى بن مريم البينات، وأيده بروح القدس، وجاءت الرسل متتابعة . فماذا كان حال بني إسرائيل مع هؤلاء الرسل المؤيَّدين؟ الجواب: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ (كلما) أداة تكرار، هي شرطية ولكنها تفيد أيضًا التكرار، شرطية تفيد التكرار، وعليه نقول: إن هؤلاء يتكرر منهم هذا الفعل القبيح، ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ من أين؟ من الله، رسول من الله؛ ﴿بِمَا﴾ أي: بشرع، ﴿لَا تَهْوَى﴾: لا تريد أنفسكم، ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ هذا جواب الشرط، (جاء) فعل الشرط، و﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ جواب الشرط. وفي قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ دليل على أنهم يبادرون الرسل بأي شيء؟ بالاستكبار، ما تأنوا، كلما جاءهم استكبروا على طول؛ لأن هذا نتيجة ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيبًا للشرط، كلما وُجد الشرط وُجد الجزاء فورًا، إذن كلما جاء هؤلاء الإسرائيليين، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، إذا جاءهم رسول بما تهوى أنفسهم، مفهوم الآية أنهم لا يستكبرون، ولكن لا لأنهم قبلوه، لا، لا، ولكن لم يقبلوه لأنه رسول، بل لأنه تهواه أنفسهم، فإذن هؤلاء ما عبدوا الله بهداهم ولكن بهواهم، والعابد لله سبحانه وتعالى بهواه ليس بعابد، بل إن العابد لله حقًّا هو الذي يعبد الله بالهدى لا بالهوى. ولا فرق في العبادة بين أن تكون عقيدة أو قولًا أو عملًا، فهمتم؟ لا فرق، فالإنسان (...) ما يقبل من العقيدة إلا ما دله عليه عقله كما يزعم، هل يكون مؤمنًا حقًّا؟ لا، بل هو مستكبر، الذي يقول: ما أومن بهذه الصفة لله؛ لأن عقلي ما يقبلها، العقل ينكر هذا الشيء، نقول: إذن ما آمنت بالكتاب، آمنت بالعقل، عقلك، ومعلوم أن كل عقل يخالف القرآن والسنة فهو عقل فاسد، ولهذا ينعى الله سبحانه وتعالى هؤلاء المكذِّبين للكتاب والسنة بأنهم لا يعقلون، كل عقل يدعي صاحبه أنه عقل وهو يخالف الكتاب والسنة فإنه لا يعتبر عقلًا، وهذا حق؛ لأن العقل كما قال ابن تيمية رحمه الله يقول: النقل الصحيح يوافق العقل الصريح. النقل الصحيح يوافق العقل الصريح يعني الخالص اللي ما فيه شبهات أو شهوات. إذن نقول: هؤلاء الجماعة بنو إسرائيل إذا جاءهم رسول بما تهوى أنفسهم ما استكبروا عن قبوله، ولكن هل هذا دليل على أنهم مؤمنون (...) لأنه نبي؟ لا، إنما آمنوا بما يطابق أهواءهم، هل في هذه الأمة من يشبههم في هذه الناحية؟ نعم فيه كثير، فيه كثير من يشبههم في العقيديات وفي العمليات، كثير من الناس يتحيلون ويؤولون في العقيدة، في الأسماء والصفات كما مر علينا كثيرًا، وفيهم من يتحيل بالعمليات؛ يحرّم الله الشيء مثلًا ثم يتحيلون عليه بتحليله، ويحرفون النصوص من أجل هذا، وإذا جاءهم أمر يطابق أهواءهم يرتاحون له وتنشرح به صدورهم، وإذا جاء أمر لا يوافق أهواءهم -والعياذ بالله- يضيقون به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، يعني ما يكفي أن لا يكون فيك حرج بعد، لا بد من ثلاثة أمور: تحكيم، والثاني: الانشراح وأن لا يكون حرج، والثالث: انقياد تام، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، إذا فُقد واحد من هذه الأمور الثلاثة فإن الإيمان ناقص، وقد يزول بالكلية، هؤلاء في هذه الأمة من يشابههم كثيرًا في العقيديات قلت وفي العمليات. * طالب: مقابلها؟ * الشيخ: ويش تقصد من مقابلها؟ * الطالب: يعني استكبارهم؟ * الشيخ: هو الجواب، كلما جاءهم استكبروا. * الطالب: لا قصدي اللي بعد العطف. * الشيخ: هذا تقدم لنا أن مثل هذه الصيغة للنحويين فيها قولان: إما أن الهمزة داخلة على أول الجملة، وتكون الجملة التي دخلتها الهمزة محذوفة تقدر بما يناسب المقام، أو أن الهمزة في أثناء الجملة والفاء عاطفة لكنها مزحلقة عن مكانها، وأصله: فأكلما جاءكم، وقلنا لكم: إن هذا أسهل؛ لأن الأول في الحقيقة يصعب عليك أحيانًا تقدير الشيء المناسب. وقوله تعالى: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ما معنى استكبر؟ أي: سلك طريق الكبرياء والعلو والترفع على ما جاءت به الرسل، وهذا أحد قسمي الكفر؛ لأنه مر علينا أن الكفر يدور على شيئين، هما: الجحد، والاستكبار، لو أنك تأملت كل الكفر، أنواعه، لوجدته يعود إلى هذين الأمرين؛ إما الجحد، وإما الاستكبار، لكنه أنواع، أنواع وأفراد، إنما ما يخرج عن هذين الأمرين. ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ويش معنى ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؟ سلكتم طريق الكبرياء والعلو والترفع عما جاءت به هؤلاء الرسل. * طالب: الجحد استكبار؟ * الشيخ: لا، كيف الجحد استكبار، وكذلك أيضًا الترك؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم (...) إما تكذيب وإما استكبار، فالتكذيب واضح أن يقول: هذا كذب، وهذا غالبًا يكون في الأخبار، والاستكبار يكون في الأعمال، يقال مثلًا: افعل، ولكنه لا يفعل، ويصدق بأنه واجب وأنه جاء به الشرع ولكنه يستكبر عنه ما يفعله. * طالب: شيخ، الاستهزاء؟ * الشيخ: الاستهزاء ما يخرج عن هذا الأمرين، إما أنه مكذِّب والغالب أنه يكون من قِبل الاستكبار؛ لأن المستهزئ بالشيء مستصغر له ومحتقر له. * طالب: أقول: الجحد هو الاستكبار؟ * الشيخ: الجحد هو التكذيب. * الطالب: حقيقة هو استكبار؟ * الشيخ: لا ما هو باستكبار (...) بالاستكبار معناه معه تصديق، الاستكبار أن الإنسان يصدق ولكنه لا يفعل، والتكذيب أن يقول: ليس بصحيح، هذا ما نقبل، ليس بصحيح، ما ينقاد. يقول: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾، ﴿فَرِيقًا﴾: طائفة، ونُصب على أنه مفعول مقدم لأيش؟ لـ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، مفعول مقدم لـ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: وطائفة أخرى تقتلونها، وقُدِّم أيضًا فهو مفعول مقدم لـ﴿تَقْتُلُونَ﴾. نحن قرأنا من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير ويش يفيد؟ * الطلبة: الحصر. * الشيخ: يفيد الحصر، وهنا فيه تقسيم، فريق وفريق، وهذا ينافي الحصر؛ لأن الفريق معناه إذا كان يقابل فريقًا آخر فإن معناه أنه ليس هناك حصر، لكننا نقول في الحقيقة أن فيه انحصار هنا بالنسبة للطرفين، يعني معناه انحصر منهاج هؤلاء بالنسبة للرسل في فريقين: إما مقتولون وإما مكذَّبون، منهم من يكذبونهم تكذيبًا ولكن ما يتعرض لهم بالقتل، ومنهم من يقتلونهم أيضًا، مع التكذيب يقتلونهم، وهنا قال: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، وقال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾، فعل مضارع، وذاك فعل ماض، أما كون الأول فعلًا ماضيًا فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه وقع منهم التكذيب؛ ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأما الإتيان بفعل مضارع بالنسبة للقتل فهو أولًا مراعاة لفواصل الآيات؛ لأنه لو قال: وفريقًا قد قتلتم، ما تناسبت مع التي قبلها والتي بعدها، ثم إن بعض العلماء أبدى فيها نكتة، وهي: أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم حتى بالنسبة للرسول ﷺ فإنهم قتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام بالسم الذي وضعوه له في خيبر، فإنه ما زال عليه الصلاة والسلام يتأثر منه حتى إنه في مرض موته قال: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» »[[أخرجه البزار في مسنده برقم (٨٠٠٧) من حديث أبي هريرة، بلفظ: «هَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي». ]]، قال الزهري: إن النبي ﷺ مات شهيدًا بسبب أنهم تسببوا في قتله، وهذا ليس ببعيد أن يكون هذا أيضًا من النكت في التعبير، ويش هو؟ بالمضارع في القتل، وإن كان قد يَرِد عليه بأنه أيضًا التكذيب استمر حتى إلى الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فلماذا لم يقل: ففريقًا تكذبون وفريقًا تقتلون؟ يَرِد على هذا، ولكننا نقول: إن ملاحظة فواصل الآيات عندنا أقوى، ولهذا لو كان المقصود به ملاحظة استمرار قتلهم للأنبياء لكان أيضًا يراعى في ذلك استمرار تكذيبهم؛ لأنهم كذّبوا الرسول علانية واضحة، حتى إنهم في قصة إسلام «عبد الله بن سلام لما شهد للرسول بالحق، وكانوا بالأول يقولون: إنه خيرنا وابن خيرنا، لما شهد للرسول ﷺ بالحق » ويش قالوا؟ «قالوا: شرنا وابن شرنا. »[[أخرجه البخاري (٣٣٢٩) من حديث أنس.]] أثنوا عليه شرًّا، في هذا يعني توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان منهاجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع، ففي الشرائع لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع انقسموا إلى قسمين فيمن جاءهم بما لا تهوى أنفسهم فريقًا يكذبون وفريقًا يقتلون. * طالب: شيخ، قوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ (...) الكذب حاصل منهم لا شك والتقتيل (...) يقتلون (...)؟ * الشيخ: والقتل ما حصل؟ * الطالب: حصل. * الشيخ: لا، كله (...) لأنه يقول: ﴿يَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١١٢] في آيات كثيرة. * الطالب: التكذيب حاصل لا شك. * الشيخ: والقتل حصل. * الطالب: لا، هذا كله حاصل، وهذا بعضه. * الشيخ: ما يظهر منهم، الذي يظهر منهم يقتلون، وأنهم كل من أرادوا قتله قتلوه، كما أنهم يكذبون. * طالب: (...) ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧]. * الشيخ: إي نعم، يعصمك من الناس حال التبليغ، يعني معناه: بلِّغ وأنت في حال تبليغك معصوم، ولهذا ما أحد اعتدى عليه في حال تبليغه فقتله أبدًا. * طالب: شيخ، قلتم: يشكل على هذا قوله: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ مع ﴿تَقْتُلُونَ﴾، فيقال: إن الكذب صار صفة لازمة لهم فلا يحتاج أن يبيّن، فالصفة مستمرة؟ * الشيخ: أما لو كان بالجملة الاسمية صح هذا التوجيه؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الاستمرار، أما الجملة الفعلية فلا، حتى أنهم قالوا: إن جملة الفعل المضارع تدل على الحدوث والاستمرار. * الطالب: لكن الماضي ما يكون أهون من المضارع؟ * الشيخ: ما يظهر لي، حتى ولهذا فيما يظهر -والله أعلم- أن مراعاة فواصل الآيات هو أقوى شيء، مراعاة لفظية تكون. * طالب: سمّهم (...)؟ * الشيخ: لا، سَمُّهُم إياه، يقولون: إن كنت نبيًّا فإنه لا يضرك، هكذا قالوا، وإن كنت كاذبًا استرحنا منك، فما ضره حتى أتم الله تعالى ما أراد من دعوته. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة ٨٨]، نسأل الله العافية، هذه الحجة الفاسدة، ﴿قَالُوا﴾ مَن؟ بنو إسرائيل، ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف، والأغلف معناه الذي عليه الغلاف، يعني مغلفة ما يصل إليها ما يدعون إليه هؤلاء الرسل، كقول بعض الناس: والله ما هدانا الله أصلي، ما هدانا الله أفعل كذا، وهذا كذب، فإن الله يقول: ﴿هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر، هذا الذي على الله، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣]، فالذي على الله سبحانه وتعالى أتمه، بقي ما عليك أنت، هؤلاء يقولون: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، (غلف) جمع أغلف، وهو الذي غُلِّف عليه بشيء، بغلاف يمنع من وصول الأمور إليه، يقولون هذا اعتذارًا منهم عن أنفسهم في قبول الحق، يعني يعتذرون عن قبوله بأن قلوبهم غُلف، هل هذا صحيح؟ لا، لو رجعوا إلى فطرتهم ما كانت القلوب غلفًا، ولكن حصل ما صار سببًا للغلاف على القلوب وهو الكفر، ولهذا قال: (بَل)، و(بل) هنا للإضراب الإبطالي، ليست للإضراب الانتقالي، الإضراب الإبطالي. وتعرفون أن الإضراب ينقسم إلى قسمين: الإضراب الانتقالي لا يلزم منه بطلان ما أُضرب عنه، وإضراب إبطالي يلزم عنه إبطال ما أُضرب عنه، فهمتم؟ تقول: ضربت زيدًا بل عمرًا، هذا أيش؟ هذا إبطالي، يعني إنك أبطلت الأول وجعلت الحكم للثاني، وقال الله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦]، هذا انتقالي، يعني إن أحوالهم تنقلت، بعُد علمهم في الآخرة، ثم حصل لهم الشك، ثم العمى -والعياذ بالله- هنا إضراب إبطالي، أبطل الله ما ادعوه وبيّن السبب الحقيقي وهو لعنة الله إياهم -والعياذ بالله- ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، ﴿لَعَنَهُمُ﴾ بمعنى طردهم وأبعدهم عن رحمته، فاللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولكن هذا اللعن ظلم أو بسبب من عند أنفسهم؟ * الطلبة: بسبب من عند أنفسهم. * الشيخ: وهو؟ * الطلبة: الكذب و(...). * الشيخ: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، والباء هنا للسببية، أي: بسبب كفرهم لُعنوا فطُبع على قلوبهم، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، الذين إذا قرئ عليهم القرآن قالوا: هذا أساطير الأولين، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]، لماذا يقول عن هذه الآيات العظيمة المؤثرة المثيرة، لماذا يقول عنها: أساطير الأولين؟ لأنه غُلِّف على قلبه، ولهذا أعقبها بقوله: ﴿كَلَّا﴾، ليست أساطير الأولين، ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فلم يصلوا إلى الحق، وقد قلنا كثيرًا: إن الإنسان إذا قرأ القرآن فلم يره مؤثرًا على قلبه فليعلم أن هناك ذنوبًا رانت على القلب؛ لأن القلب إذا وصل إليه القرآن لا بد أن يؤثر فيه، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر ٢١]، فهذا إذ لو وصل القرآن إلى القلب لا بد أن يؤثر فيه، فإذا لم يتأثر الإنسان بقراءة القرآن فإنه دليل على أن هناك حائلًا حال دون وصول القرآن إلى قلبه، وهي الذنوب، فليستعن بالله سبحانه وتعالى ويستغفر ويتوب لعل الله تعالى يزيل عنه هذا الأثر، ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا﴾، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ (كفر) مصدر مضاف إلى أيش؟ * طالب: إلى مفعوله. * طالب آخر: إلى فاعله. * الشيخ: مضاف إلى فاعله؛ لأنهم كافرون، قال: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. * طالب: الباء يا شيخ؟ * الشيخ: الباء للسببية. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ انتبهوا للآية هذه، ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ فيها إشكال هنا؛ لأن قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقتضي أنهم ما كفروا كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأن ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ معناه: وفيهم إيمان، فيهم إيمان ولكنه قليل، فاختلف العلماء في تخريج هذه الآية، منهم من قال: إن القلة يعود على الفاعل لا على الإيمان، ويش معنى يعود على الفاعل؟ يعني: قليلًا المؤمن منهم، فهمتم؟ ومنهم من قال: إن القلة تعود إلى الإيمان لكن العرب يطلقون القليل يريدون به العدم، تقول: قَلّ ما رأيته قط، هكذا التعبير العربي، ومعنى قَلّ ما رأيته قط، أي: ما رأيته أبدًا، فقليلًا هنا أي عدمًا إيمانهم، فيرون أن القلة بمعنى العدم. القول الثالث في المسألة، وعلى هذين القولين فـ(ما) زائدة، زائدة لتأكيد القلة؛ لأن المعنى: فيؤمنون قليلًا، سواء قلنا: يعود على الإيمان أو يعود على المؤمن، على الفاعل، وبعضهم يقول: إن (ما) ليست زائدة، بل هي نافية، والتقدير: فما يؤمنون قليلًا، قالوا: وهو أيضًا على تقدير محذوف، أي: ولا كثيرًا كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]، يعني فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، يعني إذا فُقِد منهم القليل فالكثير من باب أولى، فهم لا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، ولذلك ما يصل إليهم نور الوحي، فقلوبهم غُلف ما يصل إليها الخير، وهذا أقرب من الناحية المعنوية. هذا ما يترتب عليه إشكال بالنسبة للقلة، لكنه مشكل بالنسبة لقواعد اللغة العربية؛ لأنه من المعلوم المقرر في اللغة العربية أن (ما) النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهنا عمل ما بعدها فيما قبلها، هذا القائل يقول: من قال لكم: إن (ما) النافية ما يعمل ما بعدها فيما قبلها؟ عندكم في هذا نص من القرآن؟ نص من السنة؟ ويش الجواب؟ لا، لكننا ما رأينا أنه عمل ما بعدها فيما قبلها، فيقول هو: أنا رأيت، هذه الآية عمل ما بعدها فيما قبلها، ما دام أنه ما جاء نص يقول ترى (ما) النافية ما يعمل الذي بعدها فيما قبلها، فإني أقول: هذه الآية تدل على أن ما بعدها قد يعمل فيما قبلها، ولا مانع من هذا. ثم إني بقولي هذا أزيل إشكالين: الإشكال الأول أتخلص من أن أقول إن (ما) زائدة لأن (...) (ما) زائدة، والثاني: إني أتخلص من الإشكال الوارد على كلمة ﴿قَلِيلًا﴾؛ لأن الحقيقة في الأمر أن القلة عندما نقرأ الآية تعود إلى مَن؟ إلى الإيمان ولّا إلى الفاعل؟ ﴿مَا يُؤْمِنُونَ﴾، إلى الواو ولّا إلى الفعل اللي هو الإيمان؟ حقيقة الأمر أنها تعود إلى الإيمان، مع أن هؤلاء ليس عندهم إيمان قليل ولا كثير، فأنا بسلوكي هذا المسلك أكون قد تخلصت من هذين الإشكالين وتبقى القلة على ما هي عليه، والمعنى: فلا يؤمنون قليلًا، وإذا عُدم القليل منهم عُدم الكثير. على كل حال هذه الآية احتج هؤلاء على عدم إيمانهم بأن قلوبهم غلف، فبيّن الله عز وجل أنها ليست غلفاء، وأن الذي جعلها غلفاء هي كفرهم، لعنهم الله وطردهم وأبعدهم من رحمته بسبب كفرهم، فلهذا لا يصل الإيمان إلى قلوبهم، أما القلوب من حيث هي قلوب فإنها منفتحة تتفتح للإيمان؛ لأن الفطرة جُبل عليها كل الخلق، «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢)، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة.]]، وما هي الفطرة؟ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة ٨٩]، طبعًا عندي هذا الوجه أقرب. * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير هو أقرب. * طالب: (...). * الشيخ: مين اللي قال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إي، إذا دلت (...) أنه يعمل يعمل، تقول: زيدًا ما ضربت (...) إني ما ضربت زيدًا. * طالب: شيخ، إذا كان القليل الفاعل ما تكون (ما) اسم موصول؟ * الشيخ: ﴿فَقَلِيلًا﴾؟ لا، يشكل علينا أن (...) تقول: فقليل، يعني فالذين يؤمنون قليل. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة ٨٩] إلى آخره، هذه -والعياذ بالله- خاتمة المطاف، كل الرسل السابقين يكذبونهم ولا يقبلون ما جاؤوا به، فجاءهم كتاب من عند الله، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وين جواب ﴿وَلَمَّا﴾؟ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾، ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ هذا الجواب. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن، ونكّره هنا للتعظيم ﴿كِتَابٌ﴾، وأكد تعظيمه بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لكن ما هو الدليل بأنه من عند الله؟ إذا قالوا: هذا من كلام محمد ﷺ، فما هو الدليل؟ الدليل أن الله سبحانه وتعالى شهد للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه من عنده، شهد له بنصره إياه، الرسول يقول: هذا القرآن من عند الله وأنا أجاهدكم به وعليه، وأنتصر عليكم، لو كان من عند غير الله هل ينتصر به؟ ما يستطيع، ما ينتصر به، لو انتصر به لكان معناه أن الله ينصر الباطل، وهذا منافٍ لحكمة الله، إذن هو من عند الله بشهادة الله له، كما قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦]، إلى آخره، لكن الله يشهد بما أنزل إليك شهادة قولية وشهادة فعلية، وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إلى ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ لأنه كلامه كما سيأتينا إن شاء الله في فوائد الآية. وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، ﴿مُصَدِّقٌ﴾ سبق لنا أن قلنا: إن معنى تصديق القرآن لما سبقه له وجهان هما: * طالب: تصديق القرآن؟ * الشيخ: لما سبق. * الطالب: أنه من عند الله. * الشيخ: لا، يصدق ما سبق، ذكرنا أن له وجهين؟ * الطالب: أول شيء أنه من عند الله. * الشيخ: لا. * طالب: الوجه الأول: أنه أخبار القبل والبعد. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: يعني أخباره في السابق وفي.. * الشيخ: لا، لا ليس هذا. * طالب: لأنه موافق في الأصول أصول الشرائع. الشيخ: لا، لا، قلنا: مصدق، يعني أنه حكم بصدقه، قال: إنها صدق، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]، فهو يقول عن التوراة: إنها حق، وعن الإنجيل: إنه حق، وعن الزبور: إنه حق، فهو يصدقها، كما لو أخبرني مخبر وقلت: صدقت، أكون مصدقًا له؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أكون مصدقًا له، الوجه الثاني من تصديقه لها أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به، يعني هي أخبرت، فجاء مصدقًا لها، جاء مطابقًا لما أخبرت به، عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، فجاء هذا الكتاب مصدقًا لهذه البشارة، فهذا معنى كونه مصدقًا لما سبق، أنه يقول: إنها صادقة، وأنه جاء مطابقًا لما أخبرت به وقوله: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ من أين؟ من التوراة والإنجيل، وهذا واضح في أن التوراة أخبرت بالرسول عليه الصلاة والسلام، أخبرت بالرسول ﷺ إما باسمه أو بوصفه الذي لا ينطبق على غيره، وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل أن يجيئهم، وهنا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ لأيش مضمومة و(من) حرف جر؟ لأنها مبنية، وقد مر علينا أن (قبل) و(بعد) و(فوق) و(تحت) وما أشبهها أن لها أربع حالات، منها البناء على الضم إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي معناه، فإنها تكون مبنية على الضم، أي جاء وكانوا من قبل أن يأتيهم هذا يستفتحون على الذين كفروا. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ بمعنى أنهم يستنصرون ويقولون: سيكون لنا الفتح عليكم، يعني النصر عليكم، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أين؟ من المشركين اللي هم الأوس والخزرج؛ لأن الأوس والخزرج كانوا على الكفر، ما هم بأهل كتاب كما هو معروف، فكانوا يقولون: إنه سيُبعث نبي وسنتبعه وسننتصر عليكم، ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾، لكن لما جاءهم ما عرفوا كفروا به والعياذ بالله جاءهم الشيء الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم كفروا به. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة ٨٦]. (...) يكفرون بآياته إنما يريدون بذلك الحياة الدنيا؛ لأن الإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ على ما سبق ذكره الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. * الفائدة الثانية من هذه الآية: أن الدنيا والآخرة ضرتان، بمعنى أن من أراد إحداهما كاملة أضر بالأخرى، ولكن أما من أراد الدنيا فلا شك أنه يضر بالآخرة، وأما من أراد الآخرة فإنه لا يفوته شيء من الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠]. * طالب: (...). * الشيخ: إلا إذا أراد الإنسان إحداهما كاملة وخصوصًا الدنيا إذا أرادها أضرت بالآخرة، بالعكس لا تضره إذا قلنا بأن قوله: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ بأن يؤتيه من الدنيا أيضًا. * وفيه أيضًا دليل على استمرار العذاب على من آثر الدنيا على الآخرة وجعلها بديلًا عنها؛ لقوله: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾. * الفائدة الرابعة: أن هؤلاء ليس لهم ناصر ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله، لا آلهتهم، ولا زعماؤهم، بل إنهم هم يلعنون زعماءهم يوم القيامة ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]، وكذلك زعماؤهم يتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، والآية الثالثة: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات نبوة موسى؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. * ويستفاد منه: تأكيد الخبر ذي الشأن وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ فإنها مؤكدة بثلاثة مؤكدات مع أنها لم يخاطب بها من ينكر، وقد مر علينا أن تأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع: أولًا: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوبًا. وإذا خوطب به المتردِّد، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحسانًا. والثالث: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يؤكد وإن خوطب به من لم ينكر أو يتردد، حتى لو خاطبت به إنسانًا ابتداء وهو من ذوات الأمور الهامة فإنه يحسن توكيده. * الفائدة الثالثة: أن مَن بعد موسى من الرسل تبع له من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤]. * الفائدة التالية: ثبوت نبوة عيسى؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾. * الفائدة التالية: أن من لا أب له شرعًا يُنسب إلى أمه كمن لا أب له قدرًا، عيسى بن مريم لا أب له قدرًا، كونًا ليس له أب، من ليس له أب شرعي فهو مثله يُنسب إلى أمه، مثل ولد الزنا -والعياذ بالله- وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أمه عصبته، وليس عصبته عصبة أمه؛ لأن العلماء اختلفوا فيمن ليس له أب شرعي هل إن أمه تأخذ نصيبها من الإرث والباقي لعصبتها؟ أو أنها تأخذ نصيبها من الإرث فرضًا والباقي تعصيبًا؟ لأنها هي أبٌ أم هي أمٌّ أبٌ، وهذا القول هو الصحيح وهو الراجح؛ لأن عصبتها يُدلون بها، عصبتها يدلون بها، فكيف يكونون هم عصبة وهي ليست عصبة، ولهذا ما يوجد عاصب يدلي بذي فرض، بصاحب فرض، كل العصبة يدلون بالعصبة، وقد يدلي العاصب يعني صاحب الفرض بصاحب الفرض، مثل الإخوة من الأم يدلون بالأم وهم أصحاب فروض، ويدلي صاحب الفرض بالعاصب، كبنت الابن تدلي بالابن، وهي صاحبة فرض، أما أن يدلي عاصب بصاحب فرض فهذا لا يمكن، ولذلك الصحيح أنه أي أن عصبة من ليس له أب شرعي هي أمه أولًا ثم عصباته. * طالب: شيخ الحديث «لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]؟ * الشيخ: إي نعم، (...) بالاتفاق أنه ما هو مقيد لكن خصه بالذكورة؛ لأن الغالب أنهم هم الذكور، وإلا فالأخوات الشقيقات مع البنات عصبة بالاتفاق، وليسوا ذكورًا، وقد جاء في حديث في السنن «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» »[[أخرجه أبو داود في سننه (٢٩٠٦)، والترمذي في جامعه (٢١١٥) من حديث واثلة بن الأسقع.]]. * طالب: شيخ، ما معنى: «وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»؟ * الشيخ: «وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»، معناه: أن الزوج إذا رمى زوجته بالزنا -والعياذ بالله- بأنها زنت وأن ولدها ليس منه، وحصل اللعان المعروف في سورة النور، فإن الولد يكون لأمه وليس لأبيه. فيها أيضًا * الفائدة التالية: أن عيسى بن مريم أعطاه الله آيات بينات كونية وشرعية، وآياته الكونية أظهر من آياته الشرعية؛ لأنه أُعطي آيات إحياء الموتى وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يصنع أو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير بإذن الله، وكذلك أيضًا يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، فهو آيات بينات كثيرة لعيسى بن مريم، قالوا: إن الحكمة؛ لأن الطب في وقته عليه الصلاة والسلام ترقى كثيرًا، الطب، فأتى بآيات لا يستطيع الأطباء أن يقوموا بمثلها. * الفائدة التالية: أن الله سبحانه وتعالى أيّد عيسى بجبرائيل ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. * الفائدة التالية أيضًا: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون مَن أمرهم الله بتأييده، ولهذا قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» »[[تقدم تخريجه.]]. * الفائدة التالية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق، ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. * الفائدة التالية أيضًا: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل، فإذا استكبر عن الحق سواء تحيّل على ذلك بالتحريف، أو أقر بأنه هذا الحق ولكن استكبر عنه، فإنه مشابه لبني إسرائيل، ونحن نعرف أن الخارجين عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقر به وينكره صراحة ويعترف بأنه عاصي، فهذا أمره واضح وسبيله على ما مشى عليه، قسم آخر يستكبر عن الحق ويحاول أن يحرّف النصوص إلى هواه، وهذا الأخير أشد من الأول، أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يغتر به الناس، ومثال ذلك: دعا بعض الدول العربية إلى الاشتراكية، دعوا إلى الاشتراكية وأجلبوا وأطنبوا فيها، وصاروا يأتون بآيات وأحاديث متشابهات فيحرفونها لإثبات ما ذهبوا إليه، قالوا: إن الله يقول: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]، قال: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فهذا اشتراك، «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٤٧٧) من حديث رجل من المهاجرين بلفظ: «الْمُسْلِمُونَ...».]]؛ أيضًا «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٣٤٠)، ومسلم (١٥٣٦ / ٨٨) من حديث جابر، واللفظ لمسلم. ]]، ولا يمكن تؤجر الأراضي (...) من هؤلاء الناس، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل ٧١]. الحاصل أنهم هؤلاء نقول: إن هذا نوع من الاستكبار، ولكنه استكبار بخداع، وهو أشد من الأول، إذن كل من سلك هذا المسلك من هذه الأمة فهو مشابه لليهود. * طالب: الأول جحود يا شيخ ولا استكبار؟ * الشيخ: لا. * الطالب: الأول استكبار؟ * الشيخ: إي، الأول استكبار، وهذا أيضًا مستكبر لكن هو متحيل على النصوص، بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه يخالف هوى نفسه، وبعض الناس يستكبر عن الحق لأنه أتى ممن يعتقد أنه دونه، فيقول: أنت تعلّم؟ ويش أنت، أنت رضيع (...). * طالب: (...). * الشيخ: ويش ها الدين الجديد؟ وما أشبه ذلك، هذا من الاستكبار عن الحق، ولذلك الواجب أن الإنسان ما يقيس الحق بقائله، وإنما يقيس الحق بدليل، إذا كان عنده دليل، الحمد لله، هذا هو الذي يريد الإنسان. * الفائدة التالية: بيان أن بني إسرائيل انقسموا في هؤلاء الذين جاؤوا بما لا تهوى أنفسهم، انقسموا إلى قسمين: قسم كذبوه، وقسم آخر قتلوه، فمن الذي يُكَذِّبون ويقتلون؟ إذا كان -فيما يبدو، والله أعلم- إذا كان للإنسان دعوة قوية مؤثرة استراحوا منه بالقتل، وإذا كان الأمر أقل اكتفوا بالتكذيب؛ لأنهم إذا كذّبوه نفر الناس منه، هذا أيضًا موجود في هذه الأمة، فإنهم إذا رأوا الداعية القوي الذي لا يمكنهم أن يقولوا للناس: هذا ليس على حق، لو قالوا للناس: هذا الرجل ما هو على الحق، ما هم طايعينه، ماذا يصنعون؟ يقتلونه، يدبرون له إما تحيلًا أو صراحة، يحاكمونه وبالمشانق، إذن من سلك هذا السبيل من هذه الأمة فهو مشابه لليهود، وبه يتحقق قول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» »[[أخرجه الترمذي في جامعه (٢١٨٠)، وأحمد في المسند (٢١٨٩٧)، واللفظ لأحمد.]]. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة، فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ويش معنى غلف؟ مغلقة، ما يصل إليها قولك. * الفائدة التالية: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم، يقول بعض الناس الآن عندما تأمره بالمعروف يقول: والله ما هدانا الله -والعياذ بالله– يقول: ما هدانا الله، هذا مثل الذين قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ومثل من قالوا: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١]، المهم أنه يوجد ناس ودائمًا نسمع إنه إذا نصحوا أولادهم أو المرأة مثلًا نصحت زوجها أو ما أشبه ذلك قال: والله ما هدانا الله، ما هدانا الله، والعياذ بالله. * طالب: المدخنين يقولون كذلك. * الشيخ: والمدخنين، نعم، المدخنين صحيح، المهم أن هؤلاء نقول: قالوا مثل قول اليهود: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. * ثالثًا: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذا الإضراب للإبطال، يعني: ليست القلوب غلفاء ما تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصول الحق، وهو لعن الله إياهم بسبب كفرهم، ففيه دليل على أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع. * الفائدة التالية: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا زاد عليها المانع لم تؤثر شيئًا، ولّا لا؟ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع -والعياذ بالله- ما تمكنت من الهدى، وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها وانتفاء موانعها. * الفائدة التالية: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل؛ لقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، وأظن تقدم لنا أن فيها خلاف للمفسرين والْمُعْرِبين في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، هذه القلة هي بالنسبة للإيمان في قلب الإنسان ولّا بالنسبة للكمية؟ فيها قولان أيضًا، فمنهم من يقول: إنها بالنسبة للكمية، يعني قليلًا من آمن (...)، ومنهم من يقول: إنها بالنسبة للكيفية، وأن معناها ما يؤمنون قليلًا، يعني ولا كثيرًا، فالإيمان معدوم، إذا كان ما عنده إيمان قليل ولا كثير فهو معدوم. * طالب: شيخ، اللعن فيه فائدة؟ * الشيخ: إي نعم، إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم﴾، هذا تريد؟ * الطالب: لا، اللعن جواز اللعن، إنه لُعِنوا بسبب..؟ * الشيخ: لا، لا، خبر خبر، هذا خبر، لُعنوا بكفرهم، هذا ما في شيء. * الطالب: يؤخذ من الخبر فائدة. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: من توفرت فيه أسباب اللعن لعن؟ * الشيخ: لا، لو وجدنا كافرًا ما نقول: لعنك الله، لكن ما يجوز أن ندعو عليه باللعنة؛ لأن الله نهى رسوله ﷺ عن هذا، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، أما لو مات على الكفر فيجوز لعنه بشخصه، أما اللعن على العموم مثل: لعنة الله على الكافرين، ما فيها بأس، المهم فيها إثبات الأسباب، وهذا مهم، ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. وبناء على هذه الفائدة نُبطل قول الجهمية الذين ينكرون الأسباب، ما مر علينا في التوحيد أن الجهمية ينكرون الأسباب، ويقولون: إن أفعال الله ليست لحكمة، بل هي لمجرد المشيئة، وأن الأشعرية تحذلقوا وقالوا: نحن لا نثبت الأسباب كما يثبتها القدرية، ولا ننكرها كما ينكرها الجهمية، ولكننا نقول: إن الأسباب يحصل الشيء عندها لا بها، هم يقولون: ما ننكر الأسباب، لكن السبب ما يكون به الشيء، يكون عنده الشيء، فإذا كسرت القارورة بالحجر وضربها الحجر واصطدم بها فهي لم تنكسر بالحجر، لكن انكسرت عند الحجر، وكذلك أيضًا لو ذبحت الشاة وماتت يقولون: ما ماتت بالذبح ولكن عند الذبح، وهكذا الكلام خرافة بالحقيقة، كلام غير معقول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأشعرية؛ نعم (...). * الطالب: ويدّعون رجاحة العقول. * الشيخ: المهم أننا في هذه الآية أثبتنا الأسباب، وهو أمر فطري، حتى لو تُرك الإنسان بل البهيمة تعرف السبب، أليست تطلب الماء عند العطش؟ وتطلب العلف عند الجوع؟ وتستكن من الحر ومن البرد؟ تدري مثلًا أن دخولها في هذه المغارة ينجيها من المطر أو من البرد أو من الشمس، تدري أن ذهابها إلى الماء وتشرب ينقذها من الهلاك، وهكذا، فإثبات الأسباب في الحقيقة أمر فطري فُطر عليه، حتى البهائم فطرت عليه. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.﴾ * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: أن القرآن من عند الله؛ لقوله: ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ثانيًا: أن القرآن كلامه سبحانه وتعالى، القرآن كلام الله تكلم به حقيقة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أن الكلام ليس جسمًا يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] هؤلاء من؟ * الطلبة: الملائكة. * الشيخ: هل يمكن أن نقول: الملائكة صفة من صفات الله؛ لأن الله أضافهم إلى عنده؟ لا؛ لأنها أعيان قائمة بنفسها، لكن ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهو الكلام المكتوب ما يمكن أن يستقل بنفسه، فهو كلام الله عز وجل، هل القرآن كلام الله لفظًا ومعنى؟ * الطلبة: لفظًا ومعنى. * الشيخ: لفظًا ومعنى، من الذين قالوا: إنه معنى لا لفظًا؟ * الطلبة: الأشاعرة. * الشيخ: الأشاعرة، الجهمية والمعتزلة يقولون: هو كلام الله لفظًا ومعنى لكنه مخلوق مثل باقي المخلوقات، وأهل السنة والجماعة يقولون: كلام الله لفظًا ومعنى وهو غير مخلوق، بل هو صفة من صفات الله. * الفائدة التالية وهي الثالثة أظن: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، ولقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لكن هذا معلوم أن ما كان من صفة الله فهو كامل، لكن قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هذا تنويه بفضله، وأنه ما أتى بشيء يكذب مَن سبقه من الكتب. * الفائدة التالية: أن هؤلاء اليهود كانوا يعرفون أن النبي ﷺ سيُبعث؛ لقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني يستنصرون، بمعنى: يطلبون النصر أو يقولون به، فهم قبل نزول القرآن، قبل مجيء الرسول ﷺ يقولون للعرب: إنه سيُبعث نبي وينزل بكتاب وننتصر به عليكم، ولما جاء الأمر، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ شوف قال: ﴿مَا عَرَفُوا﴾، ولم يقل: ما علموا؛ لأن المعرفة أخص من العلم؛ لأنها -كما قالوا- انكشاف بعد لبس، وبعدما أنهم تحيّنوا الأمر وترقبوه جاءهم ما عرفوا معرفة عينية كما يعرفون أبناءهم. وفيه أيضًا * الفائدة التالية: أن اليهود -عليهم لعائن الله- ما خضعوا للحق حتى الذي يقرون به ما خضعوا له؛ لأنهم كفروا به فيدل على عتوهم وعنادهم. * الفائدة التالية: أن الكافر مستحق للعنة الله وواجبة عليه؛ لقوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، واللعنة مر علينا أنها هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله. * طالب: بعض العلماء والمفسرين استدلوا ولكن (...) بجواز لعن المعين من آية البقرة ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، وبالحديث «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» »[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب. بلفظ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».]]، قالوا: منع من اللعن؛ لأنه يحب الله ورسوله، والكافر قطعًا لا يحب الله ورسوله؟ * الشيخ: لكن هذه من المتشابهات، هذه من النصوص المتشابهة، أما الأول ما فيه دليل؛ لأنها عامة، والعموم لا شك في جواز لعنهم، الثاني هذا المراد باللعن إما أن نقول: المراد باللعن السب، أو نقول: إن هذا اللعن لهذا الرجل يدل مفهومه أن من لا يحب الله ورسوله فإنه يجوز لعنه، لكن هذا المفهوم عورض بالمنطوق الذي هو أقوى منه، وهو أن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه ﷺ أن يلعن أئمة الكفر، كأن يقول: اللهم العن فلان وفلان وفلان، ويسميهم وهم أئمة الكفر، (...) هذا. * طالب: هذا في الصلاة؟ * الشيخ: لا، لا؛ لأن الله بيّن العلة، قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، (...) لأنه في الصلاة وما مُنع في الصلاة مُنع في غيرها؛ لأن الدعاء في الصلاة جائز من حيث هو، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الشيطان: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» »[[أخرجه مسلم (٥٤٢ / ٤٠) من حديث أبي الدرداء.]]، فاللي يستحق اللعن يجوز لعنه في الصلاة، فالعلة أشار الله إليها بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، فما داموا أحياء فإن الله سبحانه وتعالى مقلب القلوب، وكم من أناس كانوا من الطواغيت وأئمة الكفر فصاروا من أئمة الإسلام. * طالب: نهى عائشة عن ذلك «عندما كانوا يسلّمون على النبي ﷺ يقولون: السَّامُ عليك؟ »[[متفق عليه. البخاري (٢٩٣٥)، ومسلم (٢١٦٥ / ١١) من حديث عائشة.]] * الشيخ: إي نعم، نهاها؛ لأن هذا من باب التفحش، الفحش والتفحش؛ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ»[[أخرجه مسلم(٢١٦٥ / ١١) وهو رواية للحديث السابق.]]. * الطالب: هو من هذا الباب؟ * الشيخ: يحتمل، أو إنه من باب المقابلة؛ لأنهم يقولون: السام عليك، ويجوز أنك تدعو على من دعا عليك بمثله، لكن ما هو بهذا العنف. ﴿ ﴾

البقرة 2:89

﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ هذا التعبير يمر علينا كثيرًا في مثل (لقد) أن اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، وعليه فتكون مثل هذه العبارة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام الموطئة له، وقد. وقوله: ﴿وآتينا﴾ أعطينا، والإيتاء من الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي، وإيتاء كوني قدري، فإن كان وحيًا فهو إيتاء شرعي، وإن كان مما يغذي الجسم فهو إيتاء كوني قدري، على أنه قد يراد بما يغذي الجسم أيضًا الإيتاء الشرعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]. المهم أن ما كان وحيًا تتغذى بها الأرواح فهو إيتاء شرعي، وما كان مادة يتغذى بها الأجسام فهو إيتاء كوني قدري. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] هذا أيش؟ قدري، وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ هذا إيتاء شرعي، يعني: الذي أوتي شرعًا أمر شرعي. قوله: ﴿مُوسَى﴾ تقدم أنه أكبر أنبياء بني إسرائيل عليه الصلاة والسلام، وأرسل إلى فرعون وإلى بني إسرائيل. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والكتابة معروفة، وهي مأخوذة من الكَتْب بمعنى الجمع، ومنه كتيبة كتيبة الخيل؛ لأنها مجتمعة، والمراد بالكتاب هنا المكتوب، فهو فعال بمعنى مفعول، وأي كتاب هو؟ التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا، ﴿قَفَّيْنَا﴾ بمعنى أتبعنا؛ لأن التابع يأتي في قفا.. كل من جاء من بعده فإنه يحكم بشريعته، ولهذا قال: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، إلى أن وصل الدور إلى ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾، آتيناه بمعنى: أعطيناه، وهو إيتاء شرعي، وقوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ نسبه إلى أمه؛ لأنه؟ * الطلبة: لا أب له. * الشيخ: ليس له أب، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾، هذه صفة لموصوف محذوف تقديره: الآيات البينات، فما هي هذه الآيات البينات؟ هل هي المعجزات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة؟ أو أنها الإنجيل؟ أو أنها هذا وهذا؟ كلاهما، هذا وهذا، فالإنجيل بينات، وكذلك الآيات المحسوسة الحسية التي هي المعجزات هي أيضًا بينات، مثل إحياء الموتى وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه والأبرص، يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وفي القراءة الثانية: ﴿فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، يعني يطير بالفعل، كل هذه من الآيات التي أوتيها عيسى بن مريم، ولهذا قال: آتيناه البينات، يعني الآيات البينات الظاهرات التي تدل على أنه نبي؛ لأن مثل ما جاء به لا يمكن أن يقدر عليه البشر، وقد ذكر أهل العلم أنه في عهد عيسى ﷺ قوي الطب وارتقى ارتقاء عظيمًا، لكن الأطباء مهما ارتقوا لا يمكن أن يبرئوا الأكمه والأبرص، ولا أن يحيوا الموتى، بل ولا يمكن أن يُبقوا حياة من حضره الموت، فضلًا عن أن يردوا إليه روحه بعد موته، ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة ٨٧]، ﴿أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، ﴿أَيَّدْنَاهُ﴾: قوَّيناه، كقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف ١٤]، أي: قوّيناهم عليهم، وهو معروف اشتقاقه؛ لأنه من الأيْد بمعنى القوة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، فمعنى أيدناه: قوّيناه. وقوله: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي: بالروح المقدس، والقُدُس والقُدْس بمعنى الطاهر، ما المراد بروح القدس؟ اختلف في ذلك المفسرون، فقيل: إن المراد روح عيسى؛ لأنها روح قدسية طاهرة، ما تحدرت من صلب ذَكَر، ولا خرجت من رحم طامث، يعني حائض، فهو مطهَّر، فيكون هذا ﴿أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: قوّيناه بكونه جاء بدون أب، هذا قول. والقول الثاني أن المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: بالإنجيل؛ لأن الوحي روح كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢]، وقيل: المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ روحه مضافة إلى الله، يعني كقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١]، يعني: بروح الله، فعليه ما تكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، بل من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، هذا هو الكلام. والقول الرابع أن المراد بـ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤]، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، وقول النبي ﷺ لحسان بن ثابت وهو يهجو المشركين: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٥٣)، ومسلم (٢٤٨٥ / ١٥٢) من حديث حسان وأبي هريرة.]] أي بجبريل، وهذا أصح الأقوال، أن المراد بروح القدس أنه مؤيَّد بجبريل عليه الصلاة والسلام يكون قرينًا له يؤيده ويقويه ويلقّنه الحجة على أدائه، فصارت الأقوال أربعة: * أولًا: أن روح القدس أي الروح المضافة إلى الله، وعلى هذا القول تكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، والله تبارك وتعالى قُدُس وقُدُّوس، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]. * ثانيًا: المراد بـ ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ الإنجيل؛ لأن الوحي روح. * وثالثًا: المراد بـ ﴿رُوحِ الْقُدُسِ﴾ روحه هو المقدسة، فليست من باب إضافة، روحه يعني هي روحه، لكن الفرق بينها وبين القول الأول هنا أنهم يجعلون القول الأول يجعلون القدس الله وهؤلاء يجعلون القدس نفس الروح. * القول الرابع أصحها، أنه جبريل، ووجه ذلك، وجه ترجيحنا له أننا إذا قلنا: أيدناه بروح القدس، سواء قلنا: الروح المقدسة أو روح الله؛ فإنه لا وجه لذلك؛ لكونه مؤيدًا به؛ لأن روحه سبقت وجوده قبل أن يكون نبيًّا، والتأييد بالشيء يكون الشيء مقارنًا له، مقارنًا له في وقت التأييد. وأما القول بأنه الإنجيل، يعني أُيِّد بالإنجيل، فيضعّفه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة ١١٠]، فيصير معنى ﴿عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ مع قوله: أيدتك بالإنجيل، يكون هذا شبه تكرار، والقرآن إذا أمكن أن يُجعل الكلام تأسيسًا فهو أولى من أن يكون تأكيدًا، القرآن وغيره، إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسًا كل جملة لها معنى مستقل، أو تأكيدًا كل جملة بمعنى الجملة الأخرى، فالأولى أن يكون تأسيسًا، وهذا الذي رجحناه هو الذي رجّحه ابن جرير وابن كثير أن المراد بروح القدس مَن؟ جبريل عليه الصلاة والسلام. هنا بيّن الله أنه آتى موسى الكتاب، وآتى عيسى بن مريم البينات، وأيده بروح القدس، وجاءت الرسل متتابعة . فماذا كان حال بني إسرائيل مع هؤلاء الرسل المؤيَّدين؟ الجواب: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ (كلما) أداة تكرار، هي شرطية ولكنها تفيد أيضًا التكرار، شرطية تفيد التكرار، وعليه نقول: إن هؤلاء يتكرر منهم هذا الفعل القبيح، ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ من أين؟ من الله، رسول من الله؛ ﴿بِمَا﴾ أي: بشرع، ﴿لَا تَهْوَى﴾: لا تريد أنفسكم، ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ هذا جواب الشرط، (جاء) فعل الشرط، و﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ جواب الشرط. وفي قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ دليل على أنهم يبادرون الرسل بأي شيء؟ بالاستكبار، ما تأنوا، كلما جاءهم استكبروا على طول؛ لأن هذا نتيجة ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيبًا للشرط، كلما وُجد الشرط وُجد الجزاء فورًا، إذن كلما جاء هؤلاء الإسرائيليين، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، إذا جاءهم رسول بما تهوى أنفسهم، مفهوم الآية أنهم لا يستكبرون، ولكن لا لأنهم قبلوه، لا، لا، ولكن لم يقبلوه لأنه رسول، بل لأنه تهواه أنفسهم، فإذن هؤلاء ما عبدوا الله بهداهم ولكن بهواهم، والعابد لله سبحانه وتعالى بهواه ليس بعابد، بل إن العابد لله حقًّا هو الذي يعبد الله بالهدى لا بالهوى. ولا فرق في العبادة بين أن تكون عقيدة أو قولًا أو عملًا، فهمتم؟ لا فرق، فالإنسان (...) ما يقبل من العقيدة إلا ما دله عليه عقله كما يزعم، هل يكون مؤمنًا حقًّا؟ لا، بل هو مستكبر، الذي يقول: ما أومن بهذه الصفة لله؛ لأن عقلي ما يقبلها، العقل ينكر هذا الشيء، نقول: إذن ما آمنت بالكتاب، آمنت بالعقل، عقلك، ومعلوم أن كل عقل يخالف القرآن والسنة فهو عقل فاسد، ولهذا ينعى الله سبحانه وتعالى هؤلاء المكذِّبين للكتاب والسنة بأنهم لا يعقلون، كل عقل يدعي صاحبه أنه عقل وهو يخالف الكتاب والسنة فإنه لا يعتبر عقلًا، وهذا حق؛ لأن العقل كما قال ابن تيمية رحمه الله يقول: النقل الصحيح يوافق العقل الصريح. النقل الصحيح يوافق العقل الصريح يعني الخالص اللي ما فيه شبهات أو شهوات. إذن نقول: هؤلاء الجماعة بنو إسرائيل إذا جاءهم رسول بما تهوى أنفسهم ما استكبروا عن قبوله، ولكن هل هذا دليل على أنهم مؤمنون (...) لأنه نبي؟ لا، إنما آمنوا بما يطابق أهواءهم، هل في هذه الأمة من يشبههم في هذه الناحية؟ نعم فيه كثير، فيه كثير من يشبههم في العقيديات وفي العمليات، كثير من الناس يتحيلون ويؤولون في العقيدة، في الأسماء والصفات كما مر علينا كثيرًا، وفيهم من يتحيل بالعمليات؛ يحرّم الله الشيء مثلًا ثم يتحيلون عليه بتحليله، ويحرفون النصوص من أجل هذا، وإذا جاءهم أمر يطابق أهواءهم يرتاحون له وتنشرح به صدورهم، وإذا جاء أمر لا يوافق أهواءهم -والعياذ بالله- يضيقون به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، يعني ما يكفي أن لا يكون فيك حرج بعد، لا بد من ثلاثة أمور: تحكيم، والثاني: الانشراح وأن لا يكون حرج، والثالث: انقياد تام، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، إذا فُقد واحد من هذه الأمور الثلاثة فإن الإيمان ناقص، وقد يزول بالكلية، هؤلاء في هذه الأمة من يشابههم كثيرًا في العقيديات قلت وفي العمليات. * طالب: مقابلها؟ * الشيخ: ويش تقصد من مقابلها؟ * الطالب: يعني استكبارهم؟ * الشيخ: هو الجواب، كلما جاءهم استكبروا. * الطالب: لا قصدي اللي بعد العطف. * الشيخ: هذا تقدم لنا أن مثل هذه الصيغة للنحويين فيها قولان: إما أن الهمزة داخلة على أول الجملة، وتكون الجملة التي دخلتها الهمزة محذوفة تقدر بما يناسب المقام، أو أن الهمزة في أثناء الجملة والفاء عاطفة لكنها مزحلقة عن مكانها، وأصله: فأكلما جاءكم، وقلنا لكم: إن هذا أسهل؛ لأن الأول في الحقيقة يصعب عليك أحيانًا تقدير الشيء المناسب. وقوله تعالى: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ما معنى استكبر؟ أي: سلك طريق الكبرياء والعلو والترفع على ما جاءت به الرسل، وهذا أحد قسمي الكفر؛ لأنه مر علينا أن الكفر يدور على شيئين، هما: الجحد، والاستكبار، لو أنك تأملت كل الكفر، أنواعه، لوجدته يعود إلى هذين الأمرين؛ إما الجحد، وإما الاستكبار، لكنه أنواع، أنواع وأفراد، إنما ما يخرج عن هذين الأمرين. ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ويش معنى ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؟ سلكتم طريق الكبرياء والعلو والترفع عما جاءت به هؤلاء الرسل. * طالب: الجحد استكبار؟ * الشيخ: لا، كيف الجحد استكبار، وكذلك أيضًا الترك؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم (...) إما تكذيب وإما استكبار، فالتكذيب واضح أن يقول: هذا كذب، وهذا غالبًا يكون في الأخبار، والاستكبار يكون في الأعمال، يقال مثلًا: افعل، ولكنه لا يفعل، ويصدق بأنه واجب وأنه جاء به الشرع ولكنه يستكبر عنه ما يفعله. * طالب: شيخ، الاستهزاء؟ * الشيخ: الاستهزاء ما يخرج عن هذا الأمرين، إما أنه مكذِّب والغالب أنه يكون من قِبل الاستكبار؛ لأن المستهزئ بالشيء مستصغر له ومحتقر له. * طالب: أقول: الجحد هو الاستكبار؟ * الشيخ: الجحد هو التكذيب. * الطالب: حقيقة هو استكبار؟ * الشيخ: لا ما هو باستكبار (...) بالاستكبار معناه معه تصديق، الاستكبار أن الإنسان يصدق ولكنه لا يفعل، والتكذيب أن يقول: ليس بصحيح، هذا ما نقبل، ليس بصحيح، ما ينقاد. يقول: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾، ﴿فَرِيقًا﴾: طائفة، ونُصب على أنه مفعول مقدم لأيش؟ لـ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، مفعول مقدم لـ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: وطائفة أخرى تقتلونها، وقُدِّم أيضًا فهو مفعول مقدم لـ﴿تَقْتُلُونَ﴾. نحن قرأنا من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير ويش يفيد؟ * الطلبة: الحصر. * الشيخ: يفيد الحصر، وهنا فيه تقسيم، فريق وفريق، وهذا ينافي الحصر؛ لأن الفريق معناه إذا كان يقابل فريقًا آخر فإن معناه أنه ليس هناك حصر، لكننا نقول في الحقيقة أن فيه انحصار هنا بالنسبة للطرفين، يعني معناه انحصر منهاج هؤلاء بالنسبة للرسل في فريقين: إما مقتولون وإما مكذَّبون، منهم من يكذبونهم تكذيبًا ولكن ما يتعرض لهم بالقتل، ومنهم من يقتلونهم أيضًا، مع التكذيب يقتلونهم، وهنا قال: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، وقال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾، فعل مضارع، وذاك فعل ماض، أما كون الأول فعلًا ماضيًا فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه وقع منهم التكذيب؛ ولّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأما الإتيان بفعل مضارع بالنسبة للقتل فهو أولًا مراعاة لفواصل الآيات؛ لأنه لو قال: وفريقًا قد قتلتم، ما تناسبت مع التي قبلها والتي بعدها، ثم إن بعض العلماء أبدى فيها نكتة، وهي: أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم حتى بالنسبة للرسول ﷺ فإنهم قتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام بالسم الذي وضعوه له في خيبر، فإنه ما زال عليه الصلاة والسلام يتأثر منه حتى إنه في مرض موته قال: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» »[[أخرجه البزار في مسنده برقم (٨٠٠٧) من حديث أبي هريرة، بلفظ: «هَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي». ]]، قال الزهري: إن النبي ﷺ مات شهيدًا بسبب أنهم تسببوا في قتله، وهذا ليس ببعيد أن يكون هذا أيضًا من النكت في التعبير، ويش هو؟ بالمضارع في القتل، وإن كان قد يَرِد عليه بأنه أيضًا التكذيب استمر حتى إلى الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فلماذا لم يقل: ففريقًا تكذبون وفريقًا تقتلون؟ يَرِد على هذا، ولكننا نقول: إن ملاحظة فواصل الآيات عندنا أقوى، ولهذا لو كان المقصود به ملاحظة استمرار قتلهم للأنبياء لكان أيضًا يراعى في ذلك استمرار تكذيبهم؛ لأنهم كذّبوا الرسول علانية واضحة، حتى إنهم في قصة إسلام «عبد الله بن سلام لما شهد للرسول بالحق، وكانوا بالأول يقولون: إنه خيرنا وابن خيرنا، لما شهد للرسول ﷺ بالحق » ويش قالوا؟ «قالوا: شرنا وابن شرنا. »[[أخرجه البخاري (٣٣٢٩) من حديث أنس.]] أثنوا عليه شرًّا، في هذا يعني توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان منهاجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع، ففي الشرائع لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع انقسموا إلى قسمين فيمن جاءهم بما لا تهوى أنفسهم فريقًا يكذبون وفريقًا يقتلون. * طالب: شيخ، قوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ (...) الكذب حاصل منهم لا شك والتقتيل (...) يقتلون (...)؟ * الشيخ: والقتل ما حصل؟ * الطالب: حصل. * الشيخ: لا، كله (...) لأنه يقول: ﴿يَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١١٢] في آيات كثيرة. * الطالب: التكذيب حاصل لا شك. * الشيخ: والقتل حصل. * الطالب: لا، هذا كله حاصل، وهذا بعضه. * الشيخ: ما يظهر منهم، الذي يظهر منهم يقتلون، وأنهم كل من أرادوا قتله قتلوه، كما أنهم يكذبون. * طالب: (...) ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧]. * الشيخ: إي نعم، يعصمك من الناس حال التبليغ، يعني معناه: بلِّغ وأنت في حال تبليغك معصوم، ولهذا ما أحد اعتدى عليه في حال تبليغه فقتله أبدًا. * طالب: شيخ، قلتم: يشكل على هذا قوله: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ مع ﴿تَقْتُلُونَ﴾، فيقال: إن الكذب صار صفة لازمة لهم فلا يحتاج أن يبيّن، فالصفة مستمرة؟ * الشيخ: أما لو كان بالجملة الاسمية صح هذا التوجيه؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الاستمرار، أما الجملة الفعلية فلا، حتى أنهم قالوا: إن جملة الفعل المضارع تدل على الحدوث والاستمرار. * الطالب: لكن الماضي ما يكون أهون من المضارع؟ * الشيخ: ما يظهر لي، حتى ولهذا فيما يظهر -والله أعلم- أن مراعاة فواصل الآيات هو أقوى شيء، مراعاة لفظية تكون. * طالب: سمّهم (...)؟ * الشيخ: لا، سَمُّهُم إياه، يقولون: إن كنت نبيًّا فإنه لا يضرك، هكذا قالوا، وإن كنت كاذبًا استرحنا منك، فما ضره حتى أتم الله تعالى ما أراد من دعوته. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة ٨٨]، نسأل الله العافية، هذه الحجة الفاسدة، ﴿قَالُوا﴾ مَن؟ بنو إسرائيل، ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف، والأغلف معناه الذي عليه الغلاف، يعني مغلفة ما يصل إليها ما يدعون إليه هؤلاء الرسل، كقول بعض الناس: والله ما هدانا الله أصلي، ما هدانا الله أفعل كذا، وهذا كذب، فإن الله يقول: ﴿هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠]، بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر، هذا الذي على الله، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣]، فالذي على الله سبحانه وتعالى أتمه، بقي ما عليك أنت، هؤلاء يقولون: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، (غلف) جمع أغلف، وهو الذي غُلِّف عليه بشيء، بغلاف يمنع من وصول الأمور إليه، يقولون هذا اعتذارًا منهم عن أنفسهم في قبول الحق، يعني يعتذرون عن قبوله بأن قلوبهم غُلف، هل هذا صحيح؟ لا، لو رجعوا إلى فطرتهم ما كانت القلوب غلفًا، ولكن حصل ما صار سببًا للغلاف على القلوب وهو الكفر، ولهذا قال: (بَل)، و(بل) هنا للإضراب الإبطالي، ليست للإضراب الانتقالي، الإضراب الإبطالي. وتعرفون أن الإضراب ينقسم إلى قسمين: الإضراب الانتقالي لا يلزم منه بطلان ما أُضرب عنه، وإضراب إبطالي يلزم عنه إبطال ما أُضرب عنه، فهمتم؟ تقول: ضربت زيدًا بل عمرًا، هذا أيش؟ هذا إبطالي، يعني إنك أبطلت الأول وجعلت الحكم للثاني، وقال الله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦]، هذا انتقالي، يعني إن أحوالهم تنقلت، بعُد علمهم في الآخرة، ثم حصل لهم الشك، ثم العمى -والعياذ بالله- هنا إضراب إبطالي، أبطل الله ما ادعوه وبيّن السبب الحقيقي وهو لعنة الله إياهم -والعياذ بالله- ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، ﴿لَعَنَهُمُ﴾ بمعنى طردهم وأبعدهم عن رحمته، فاللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولكن هذا اللعن ظلم أو بسبب من عند أنفسهم؟ * الطلبة: بسبب من عند أنفسهم. * الشيخ: وهو؟ * الطلبة: الكذب و(...). * الشيخ: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، والباء هنا للسببية، أي: بسبب كفرهم لُعنوا فطُبع على قلوبهم، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، الذين إذا قرئ عليهم القرآن قالوا: هذا أساطير الأولين، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]، لماذا يقول عن هذه الآيات العظيمة المؤثرة المثيرة، لماذا يقول عنها: أساطير الأولين؟ لأنه غُلِّف على قلبه، ولهذا أعقبها بقوله: ﴿كَلَّا﴾، ليست أساطير الأولين، ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فلم يصلوا إلى الحق، وقد قلنا كثيرًا: إن الإنسان إذا قرأ القرآن فلم يره مؤثرًا على قلبه فليعلم أن هناك ذنوبًا رانت على القلب؛ لأن القلب إذا وصل إليه القرآن لا بد أن يؤثر فيه، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر ٢١]، فهذا إذ لو وصل القرآن إلى القلب لا بد أن يؤثر فيه، فإذا لم يتأثر الإنسان بقراءة القرآن فإنه دليل على أن هناك حائلًا حال دون وصول القرآن إلى قلبه، وهي الذنوب، فليستعن بالله سبحانه وتعالى ويستغفر ويتوب لعل الله تعالى يزيل عنه هذا الأثر، ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا﴾، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ (كفر) مصدر مضاف إلى أيش؟ * طالب: إلى مفعوله. * طالب آخر: إلى فاعله. * الشيخ: مضاف إلى فاعله؛ لأنهم كافرون، قال: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. * طالب: الباء يا شيخ؟ * الشيخ: الباء للسببية. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ انتبهوا للآية هذه، ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ فيها إشكال هنا؛ لأن قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقتضي أنهم ما كفروا كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأن ﴿قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ معناه: وفيهم إيمان، فيهم إيمان ولكنه قليل، فاختلف العلماء في تخريج هذه الآية، منهم من قال: إن القلة يعود على الفاعل لا على الإيمان، ويش معنى يعود على الفاعل؟ يعني: قليلًا المؤمن منهم، فهمتم؟ ومنهم من قال: إن القلة تعود إلى الإيمان لكن العرب يطلقون القليل يريدون به العدم، تقول: قَلّ ما رأيته قط، هكذا التعبير العربي، ومعنى قَلّ ما رأيته قط، أي: ما رأيته أبدًا، فقليلًا هنا أي عدمًا إيمانهم، فيرون أن القلة بمعنى العدم. القول الثالث في المسألة، وعلى هذين القولين فـ(ما) زائدة، زائدة لتأكيد القلة؛ لأن المعنى: فيؤمنون قليلًا، سواء قلنا: يعود على الإيمان أو يعود على المؤمن، على الفاعل، وبعضهم يقول: إن (ما) ليست زائدة، بل هي نافية، والتقدير: فما يؤمنون قليلًا، قالوا: وهو أيضًا على تقدير محذوف، أي: ولا كثيرًا كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]، يعني فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، يعني إذا فُقِد منهم القليل فالكثير من باب أولى، فهم لا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، ولذلك ما يصل إليهم نور الوحي، فقلوبهم غُلف ما يصل إليها الخير، وهذا أقرب من الناحية المعنوية. هذا ما يترتب عليه إشكال بالنسبة للقلة، لكنه مشكل بالنسبة لقواعد اللغة العربية؛ لأنه من المعلوم المقرر في اللغة العربية أن (ما) النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهنا عمل ما بعدها فيما قبلها، هذا القائل يقول: من قال لكم: إن (ما) النافية ما يعمل ما بعدها فيما قبلها؟ عندكم في هذا نص من القرآن؟ نص من السنة؟ ويش الجواب؟ لا، لكننا ما رأينا أنه عمل ما بعدها فيما قبلها، فيقول هو: أنا رأيت، هذه الآية عمل ما بعدها فيما قبلها، ما دام أنه ما جاء نص يقول ترى (ما) النافية ما يعمل الذي بعدها فيما قبلها، فإني أقول: هذه الآية تدل على أن ما بعدها قد يعمل فيما قبلها، ولا مانع من هذا. ثم إني بقولي هذا أزيل إشكالين: الإشكال الأول أتخلص من أن أقول إن (ما) زائدة لأن (...) (ما) زائدة، والثاني: إني أتخلص من الإشكال الوارد على كلمة ﴿قَلِيلًا﴾؛ لأن الحقيقة في الأمر أن القلة عندما نقرأ الآية تعود إلى مَن؟ إلى الإيمان ولّا إلى الفاعل؟ ﴿مَا يُؤْمِنُونَ﴾، إلى الواو ولّا إلى الفعل اللي هو الإيمان؟ حقيقة الأمر أنها تعود إلى الإيمان، مع أن هؤلاء ليس عندهم إيمان قليل ولا كثير، فأنا بسلوكي هذا المسلك أكون قد تخلصت من هذين الإشكالين وتبقى القلة على ما هي عليه، والمعنى: فلا يؤمنون قليلًا، وإذا عُدم القليل منهم عُدم الكثير. على كل حال هذه الآية احتج هؤلاء على عدم إيمانهم بأن قلوبهم غلف، فبيّن الله عز وجل أنها ليست غلفاء، وأن الذي جعلها غلفاء هي كفرهم، لعنهم الله وطردهم وأبعدهم من رحمته بسبب كفرهم، فلهذا لا يصل الإيمان إلى قلوبهم، أما القلوب من حيث هي قلوب فإنها منفتحة تتفتح للإيمان؛ لأن الفطرة جُبل عليها كل الخلق، «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢)، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة.]]، وما هي الفطرة؟ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة ٨٩]، طبعًا عندي هذا الوجه أقرب. * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير هو أقرب. * طالب: (...). * الشيخ: مين اللي قال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إي، إذا دلت (...) أنه يعمل يعمل، تقول: زيدًا ما ضربت (...) إني ما ضربت زيدًا. * طالب: شيخ، إذا كان القليل الفاعل ما تكون (ما) اسم موصول؟ * الشيخ: ﴿فَقَلِيلًا﴾؟ لا، يشكل علينا أن (...) تقول: فقليل، يعني فالذين يؤمنون قليل. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة ٨٩] إلى آخره، هذه -والعياذ بالله- خاتمة المطاف، كل الرسل السابقين يكذبونهم ولا يقبلون ما جاؤوا به، فجاءهم كتاب من عند الله، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وين جواب ﴿وَلَمَّا﴾؟ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾، ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ هذا الجواب. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن، ونكّره هنا للتعظيم ﴿كِتَابٌ﴾، وأكد تعظيمه بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لكن ما هو الدليل بأنه من عند الله؟ إذا قالوا: هذا من كلام محمد ﷺ، فما هو الدليل؟ الدليل أن الله سبحانه وتعالى شهد للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه من عنده، شهد له بنصره إياه، الرسول يقول: هذا القرآن من عند الله وأنا أجاهدكم به وعليه، وأنتصر عليكم، لو كان من عند غير الله هل ينتصر به؟ ما يستطيع، ما ينتصر به، لو انتصر به لكان معناه أن الله ينصر الباطل، وهذا منافٍ لحكمة الله، إذن هو من عند الله بشهادة الله له، كما قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦]، إلى آخره، لكن الله يشهد بما أنزل إليك شهادة قولية وشهادة فعلية، وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إلى ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ لأنه كلامه كما سيأتينا إن شاء الله في فوائد الآية. وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، ﴿مُصَدِّقٌ﴾ سبق لنا أن قلنا: إن معنى تصديق القرآن لما سبقه له وجهان هما: * طالب: تصديق القرآن؟ * الشيخ: لما سبق. * الطالب: أنه من عند الله. * الشيخ: لا، يصدق ما سبق، ذكرنا أن له وجهين؟ * الطالب: أول شيء أنه من عند الله. * الشيخ: لا. * طالب: الوجه الأول: أنه أخبار القبل والبعد. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: يعني أخباره في السابق وفي.. * الشيخ: لا، لا ليس هذا. * طالب: لأنه موافق في الأصول أصول الشرائع. الشيخ: لا، لا، قلنا: مصدق، يعني أنه حكم بصدقه، قال: إنها صدق، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]، فهو يقول عن التوراة: إنها حق، وعن الإنجيل: إنه حق، وعن الزبور: إنه حق، فهو يصدقها، كما لو أخبرني مخبر وقلت: صدقت، أكون مصدقًا له؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أكون مصدقًا له، الوجه الثاني من تصديقه لها أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به، يعني هي أخبرت، فجاء مصدقًا لها، جاء مطابقًا لما أخبرت به، عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، فجاء هذا الكتاب مصدقًا لهذه البشارة، فهذا معنى كونه مصدقًا لما سبق، أنه يقول: إنها صادقة، وأنه جاء مطابقًا لما أخبرت به وقوله: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ من أين؟ من التوراة والإنجيل، وهذا واضح في أن التوراة أخبرت بالرسول عليه الصلاة والسلام، أخبرت بالرسول ﷺ إما باسمه أو بوصفه الذي لا ينطبق على غيره، وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل أن يجيئهم، وهنا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ لأيش مضمومة و(من) حرف جر؟ لأنها مبنية، وقد مر علينا أن (قبل) و(بعد) و(فوق) و(تحت) وما أشبهها أن لها أربع حالات، منها البناء على الضم إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي معناه، فإنها تكون مبنية على الضم، أي جاء وكانوا من قبل أن يأتيهم هذا يستفتحون على الذين كفروا. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ بمعنى أنهم يستنصرون ويقولون: سيكون لنا الفتح عليكم، يعني النصر عليكم، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أين؟ من المشركين اللي هم الأوس والخزرج؛ لأن الأوس والخزرج كانوا على الكفر، ما هم بأهل كتاب كما هو معروف، فكانوا يقولون: إنه سيُبعث نبي وسنتبعه وسننتصر عليكم، ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾، لكن لما جاءهم ما عرفوا كفروا به والعياذ بالله جاءهم الشيء الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم كفروا به. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة ٨٦]. (...) يكفرون بآياته إنما يريدون بذلك الحياة الدنيا؛ لأن الإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ على ما سبق ذكره الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. * الفائدة الثانية من هذه الآية: أن الدنيا والآخرة ضرتان، بمعنى أن من أراد إحداهما كاملة أضر بالأخرى، ولكن أما من أراد الدنيا فلا شك أنه يضر بالآخرة، وأما من أراد الآخرة فإنه لا يفوته شيء من الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠]. * طالب: (...). * الشيخ: إلا إذا أراد الإنسان إحداهما كاملة وخصوصًا الدنيا إذا أرادها أضرت بالآخرة، بالعكس لا تضره إذا قلنا بأن قوله: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ بأن يؤتيه من الدنيا أيضًا. * وفيه أيضًا دليل على استمرار العذاب على من آثر الدنيا على الآخرة وجعلها بديلًا عنها؛ لقوله: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾. * الفائدة الرابعة: أن هؤلاء ليس لهم ناصر ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله، لا آلهتهم، ولا زعماؤهم، بل إنهم هم يلعنون زعماءهم يوم القيامة ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]، وكذلك زعماؤهم يتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، والآية الثالثة: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات نبوة موسى؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. * ويستفاد منه: تأكيد الخبر ذي الشأن وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ فإنها مؤكدة بثلاثة مؤكدات مع أنها لم يخاطب بها من ينكر، وقد مر علينا أن تأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع: أولًا: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوبًا. وإذا خوطب به المتردِّد، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحسانًا. والثالث: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يؤكد وإن خوطب به من لم ينكر أو يتردد، حتى لو خاطبت به إنسانًا ابتداء وهو من ذوات الأمور الهامة فإنه يحسن توكيده. * الفائدة الثالثة: أن مَن بعد موسى من الرسل تبع له من بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤]. * الفائدة التالية: ثبوت نبوة عيسى؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾. * الفائدة التالية: أن من لا أب له شرعًا يُنسب إلى أمه كمن لا أب له قدرًا، عيسى بن مريم لا أب له قدرًا، كونًا ليس له أب، من ليس له أب شرعي فهو مثله يُنسب إلى أمه، مثل ولد الزنا -والعياذ بالله- وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أمه عصبته، وليس عصبته عصبة أمه؛ لأن العلماء اختلفوا فيمن ليس له أب شرعي هل إن أمه تأخذ نصيبها من الإرث والباقي لعصبتها؟ أو أنها تأخذ نصيبها من الإرث فرضًا والباقي تعصيبًا؟ لأنها هي أبٌ أم هي أمٌّ أبٌ، وهذا القول هو الصحيح وهو الراجح؛ لأن عصبتها يُدلون بها، عصبتها يدلون بها، فكيف يكونون هم عصبة وهي ليست عصبة، ولهذا ما يوجد عاصب يدلي بذي فرض، بصاحب فرض، كل العصبة يدلون بالعصبة، وقد يدلي العاصب يعني صاحب الفرض بصاحب الفرض، مثل الإخوة من الأم يدلون بالأم وهم أصحاب فروض، ويدلي صاحب الفرض بالعاصب، كبنت الابن تدلي بالابن، وهي صاحبة فرض، أما أن يدلي عاصب بصاحب فرض فهذا لا يمكن، ولذلك الصحيح أنه أي أن عصبة من ليس له أب شرعي هي أمه أولًا ثم عصباته. * طالب: شيخ الحديث «لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]؟ * الشيخ: إي نعم، (...) بالاتفاق أنه ما هو مقيد لكن خصه بالذكورة؛ لأن الغالب أنهم هم الذكور، وإلا فالأخوات الشقيقات مع البنات عصبة بالاتفاق، وليسوا ذكورًا، وقد جاء في حديث في السنن «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» »[[أخرجه أبو داود في سننه (٢٩٠٦)، والترمذي في جامعه (٢١١٥) من حديث واثلة بن الأسقع.]]. * طالب: شيخ، ما معنى: «وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»؟ * الشيخ: «وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»، معناه: أن الزوج إذا رمى زوجته بالزنا -والعياذ بالله- بأنها زنت وأن ولدها ليس منه، وحصل اللعان المعروف في سورة النور، فإن الولد يكون لأمه وليس لأبيه. فيها أيضًا * الفائدة التالية: أن عيسى بن مريم أعطاه الله آيات بينات كونية وشرعية، وآياته الكونية أظهر من آياته الشرعية؛ لأنه أُعطي آيات إحياء الموتى وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يصنع أو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير بإذن الله، وكذلك أيضًا يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، فهو آيات بينات كثيرة لعيسى بن مريم، قالوا: إن الحكمة؛ لأن الطب في وقته عليه الصلاة والسلام ترقى كثيرًا، الطب، فأتى بآيات لا يستطيع الأطباء أن يقوموا بمثلها. * الفائدة التالية: أن الله سبحانه وتعالى أيّد عيسى بجبرائيل ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. * الفائدة التالية أيضًا: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون مَن أمرهم الله بتأييده، ولهذا قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» »[[تقدم تخريجه.]]. * الفائدة التالية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق، ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. * الفائدة التالية أيضًا: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل، فإذا استكبر عن الحق سواء تحيّل على ذلك بالتحريف، أو أقر بأنه هذا الحق ولكن استكبر عنه، فإنه مشابه لبني إسرائيل، ونحن نعرف أن الخارجين عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقر به وينكره صراحة ويعترف بأنه عاصي، فهذا أمره واضح وسبيله على ما مشى عليه، قسم آخر يستكبر عن الحق ويحاول أن يحرّف النصوص إلى هواه، وهذا الأخير أشد من الأول، أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يغتر به الناس، ومثال ذلك: دعا بعض الدول العربية إلى الاشتراكية، دعوا إلى الاشتراكية وأجلبوا وأطنبوا فيها، وصاروا يأتون بآيات وأحاديث متشابهات فيحرفونها لإثبات ما ذهبوا إليه، قالوا: إن الله يقول: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]، قال: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فهذا اشتراك، «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٤٧٧) من حديث رجل من المهاجرين بلفظ: «الْمُسْلِمُونَ...».]]؛ أيضًا «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٣٤٠)، ومسلم (١٥٣٦ / ٨٨) من حديث جابر، واللفظ لمسلم. ]]، ولا يمكن تؤجر الأراضي (...) من هؤلاء الناس، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل ٧١]. الحاصل أنهم هؤلاء نقول: إن هذا نوع من الاستكبار، ولكنه استكبار بخداع، وهو أشد من الأول، إذن كل من سلك هذا المسلك من هذه الأمة فهو مشابه لليهود. * طالب: الأول جحود يا شيخ ولا استكبار؟ * الشيخ: لا. * الطالب: الأول استكبار؟ * الشيخ: إي، الأول استكبار، وهذا أيضًا مستكبر لكن هو متحيل على النصوص، بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه يخالف هوى نفسه، وبعض الناس يستكبر عن الحق لأنه أتى ممن يعتقد أنه دونه، فيقول: أنت تعلّم؟ ويش أنت، أنت رضيع (...). * طالب: (...). * الشيخ: ويش ها الدين الجديد؟ وما أشبه ذلك، هذا من الاستكبار عن الحق، ولذلك الواجب أن الإنسان ما يقيس الحق بقائله، وإنما يقيس الحق بدليل، إذا كان عنده دليل، الحمد لله، هذا هو الذي يريد الإنسان. * الفائدة التالية: بيان أن بني إسرائيل انقسموا في هؤلاء الذين جاؤوا بما لا تهوى أنفسهم، انقسموا إلى قسمين: قسم كذبوه، وقسم آخر قتلوه، فمن الذي يُكَذِّبون ويقتلون؟ إذا كان -فيما يبدو، والله أعلم- إذا كان للإنسان دعوة قوية مؤثرة استراحوا منه بالقتل، وإذا كان الأمر أقل اكتفوا بالتكذيب؛ لأنهم إذا كذّبوه نفر الناس منه، هذا أيضًا موجود في هذه الأمة، فإنهم إذا رأوا الداعية القوي الذي لا يمكنهم أن يقولوا للناس: هذا ليس على حق، لو قالوا للناس: هذا الرجل ما هو على الحق، ما هم طايعينه، ماذا يصنعون؟ يقتلونه، يدبرون له إما تحيلًا أو صراحة، يحاكمونه وبالمشانق، إذن من سلك هذا السبيل من هذه الأمة فهو مشابه لليهود، وبه يتحقق قول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» »[[أخرجه الترمذي في جامعه (٢١٨٠)، وأحمد في المسند (٢١٨٩٧)، واللفظ لأحمد.]]. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة، فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ويش معنى غلف؟ مغلقة، ما يصل إليها قولك. * الفائدة التالية: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم، يقول بعض الناس الآن عندما تأمره بالمعروف يقول: والله ما هدانا الله -والعياذ بالله– يقول: ما هدانا الله، هذا مثل الذين قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ومثل من قالوا: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١]، المهم أنه يوجد ناس ودائمًا نسمع إنه إذا نصحوا أولادهم أو المرأة مثلًا نصحت زوجها أو ما أشبه ذلك قال: والله ما هدانا الله، ما هدانا الله، والعياذ بالله. * طالب: المدخنين يقولون كذلك. * الشيخ: والمدخنين، نعم، المدخنين صحيح، المهم أن هؤلاء نقول: قالوا مثل قول اليهود: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. * ثالثًا: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذا الإضراب للإبطال، يعني: ليست القلوب غلفاء ما تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصول الحق، وهو لعن الله إياهم بسبب كفرهم، ففيه دليل على أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع. * الفائدة التالية: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا زاد عليها المانع لم تؤثر شيئًا، ولّا لا؟ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع -والعياذ بالله- ما تمكنت من الهدى، وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها وانتفاء موانعها. * الفائدة التالية: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل؛ لقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، وأظن تقدم لنا أن فيها خلاف للمفسرين والْمُعْرِبين في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، هذه القلة هي بالنسبة للإيمان في قلب الإنسان ولّا بالنسبة للكمية؟ فيها قولان أيضًا، فمنهم من يقول: إنها بالنسبة للكمية، يعني قليلًا من آمن (...)، ومنهم من يقول: إنها بالنسبة للكيفية، وأن معناها ما يؤمنون قليلًا، يعني ولا كثيرًا، فالإيمان معدوم، إذا كان ما عنده إيمان قليل ولا كثير فهو معدوم. * طالب: شيخ، اللعن فيه فائدة؟ * الشيخ: إي نعم، إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم﴾، هذا تريد؟ * الطالب: لا، اللعن جواز اللعن، إنه لُعِنوا بسبب..؟ * الشيخ: لا، لا، خبر خبر، هذا خبر، لُعنوا بكفرهم، هذا ما في شيء. * الطالب: يؤخذ من الخبر فائدة. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: من توفرت فيه أسباب اللعن لعن؟ * الشيخ: لا، لو وجدنا كافرًا ما نقول: لعنك الله، لكن ما يجوز أن ندعو عليه باللعنة؛ لأن الله نهى رسوله ﷺ عن هذا، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، أما لو مات على الكفر فيجوز لعنه بشخصه، أما اللعن على العموم مثل: لعنة الله على الكافرين، ما فيها بأس، المهم فيها إثبات الأسباب، وهذا مهم، ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. وبناء على هذه الفائدة نُبطل قول الجهمية الذين ينكرون الأسباب، ما مر علينا في التوحيد أن الجهمية ينكرون الأسباب، ويقولون: إن أفعال الله ليست لحكمة، بل هي لمجرد المشيئة، وأن الأشعرية تحذلقوا وقالوا: نحن لا نثبت الأسباب كما يثبتها القدرية، ولا ننكرها كما ينكرها الجهمية، ولكننا نقول: إن الأسباب يحصل الشيء عندها لا بها، هم يقولون: ما ننكر الأسباب، لكن السبب ما يكون به الشيء، يكون عنده الشيء، فإذا كسرت القارورة بالحجر وضربها الحجر واصطدم بها فهي لم تنكسر بالحجر، لكن انكسرت عند الحجر، وكذلك أيضًا لو ذبحت الشاة وماتت يقولون: ما ماتت بالذبح ولكن عند الذبح، وهكذا الكلام خرافة بالحقيقة، كلام غير معقول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأشعرية؛ نعم (...). * الطالب: ويدّعون رجاحة العقول. * الشيخ: المهم أننا في هذه الآية أثبتنا الأسباب، وهو أمر فطري، حتى لو تُرك الإنسان بل البهيمة تعرف السبب، أليست تطلب الماء عند العطش؟ وتطلب العلف عند الجوع؟ وتستكن من الحر ومن البرد؟ تدري مثلًا أن دخولها في هذه المغارة ينجيها من المطر أو من البرد أو من الشمس، تدري أن ذهابها إلى الماء وتشرب ينقذها من الهلاك، وهكذا، فإثبات الأسباب في الحقيقة أمر فطري فُطر عليه، حتى البهائم فطرت عليه. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.﴾ * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: أن القرآن من عند الله؛ لقوله: ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ثانيًا: أن القرآن كلامه سبحانه وتعالى، القرآن كلام الله تكلم به حقيقة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أن الكلام ليس جسمًا يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] هؤلاء من؟ * الطلبة: الملائكة. * الشيخ: هل يمكن أن نقول: الملائكة صفة من صفات الله؛ لأن الله أضافهم إلى عنده؟ لا؛ لأنها أعيان قائمة بنفسها، لكن ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهو الكلام المكتوب ما يمكن أن يستقل بنفسه، فهو كلام الله عز وجل، هل القرآن كلام الله لفظًا ومعنى؟ * الطلبة: لفظًا ومعنى. * الشيخ: لفظًا ومعنى، من الذين قالوا: إنه معنى لا لفظًا؟ * الطلبة: الأشاعرة. * الشيخ: الأشاعرة، الجهمية والمعتزلة يقولون: هو كلام الله لفظًا ومعنى لكنه مخلوق مثل باقي المخلوقات، وأهل السنة والجماعة يقولون: كلام الله لفظًا ومعنى وهو غير مخلوق، بل هو صفة من صفات الله. * الفائدة التالية وهي الثالثة أظن: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، ولقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لكن هذا معلوم أن ما كان من صفة الله فهو كامل، لكن قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هذا تنويه بفضله، وأنه ما أتى بشيء يكذب مَن سبقه من الكتب. * الفائدة التالية: أن هؤلاء اليهود كانوا يعرفون أن النبي ﷺ سيُبعث؛ لقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني يستنصرون، بمعنى: يطلبون النصر أو يقولون به، فهم قبل نزول القرآن، قبل مجيء الرسول ﷺ يقولون للعرب: إنه سيُبعث نبي وينزل بكتاب وننتصر به عليكم، ولما جاء الأمر، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ شوف قال: ﴿مَا عَرَفُوا﴾، ولم يقل: ما علموا؛ لأن المعرفة أخص من العلم؛ لأنها -كما قالوا- انكشاف بعد لبس، وبعدما أنهم تحيّنوا الأمر وترقبوه جاءهم ما عرفوا معرفة عينية كما يعرفون أبناءهم. وفيه أيضًا * الفائدة التالية: أن اليهود -عليهم لعائن الله- ما خضعوا للحق حتى الذي يقرون به ما خضعوا له؛ لأنهم كفروا به فيدل على عتوهم وعنادهم. * الفائدة التالية: أن الكافر مستحق للعنة الله وواجبة عليه؛ لقوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، واللعنة مر علينا أنها هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله. * طالب: بعض العلماء والمفسرين استدلوا ولكن (...) بجواز لعن المعين من آية البقرة ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، وبالحديث «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» »[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب. بلفظ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».]]، قالوا: منع من اللعن؛ لأنه يحب الله ورسوله، والكافر قطعًا لا يحب الله ورسوله؟ * الشيخ: لكن هذه من المتشابهات، هذه من النصوص المتشابهة، أما الأول ما فيه دليل؛ لأنها عامة، والعموم لا شك في جواز لعنهم، الثاني هذا المراد باللعن إما أن نقول: المراد باللعن السب، أو نقول: إن هذا اللعن لهذا الرجل يدل مفهومه أن من لا يحب الله ورسوله فإنه يجوز لعنه، لكن هذا المفهوم عورض بالمنطوق الذي هو أقوى منه، وهو أن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه ﷺ أن يلعن أئمة الكفر، كأن يقول: اللهم العن فلان وفلان وفلان، ويسميهم وهم أئمة الكفر، (...) هذا. * طالب: هذا في الصلاة؟ * الشيخ: لا، لا؛ لأن الله بيّن العلة، قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، (...) لأنه في الصلاة وما مُنع في الصلاة مُنع في غيرها؛ لأن الدعاء في الصلاة جائز من حيث هو، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الشيطان: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» »[[أخرجه مسلم (٥٤٢ / ٤٠) من حديث أبي الدرداء.]]، فاللي يستحق اللعن يجوز لعنه في الصلاة، فالعلة أشار الله إليها بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، فما داموا أحياء فإن الله سبحانه وتعالى مقلب القلوب، وكم من أناس كانوا من الطواغيت وأئمة الكفر فصاروا من أئمة الإسلام. * طالب: نهى عائشة عن ذلك «عندما كانوا يسلّمون على النبي ﷺ يقولون: السَّامُ عليك؟ »[[متفق عليه. البخاري (٢٩٣٥)، ومسلم (٢١٦٥ / ١١) من حديث عائشة.]] * الشيخ: إي نعم، نهاها؛ لأن هذا من باب التفحش، الفحش والتفحش؛ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ»[[أخرجه مسلم(٢١٦٥ / ١١) وهو رواية للحديث السابق.]]. * الطالب: هو من هذا الباب؟ * الشيخ: يحتمل، أو إنه من باب المقابلة؛ لأنهم يقولون: السام عليك، ويجوز أنك تدعو على من دعا عليك بمثله، لكن ما هو بهذا العنف. ﴿ ﴾

البقرة 2:90

﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ [البقرة: ٩٠] (بئس) فعل ماض لإنشاء الذم، يقابلها (نِعْم) فهي فعل ماضٍ لإنشاء المدح، و(بئس) و(نِعْم) هل هما جامدان أو متصرفان؟ * طالب: جامدان. * الشيخ: جامدان، هذه تدخل تاء التأنيث ما فيها مشكلة، جامدان ما يمكن تقول مثلًا: (نعم)، وتجيء فعل مضارع ولا فعل أمر ولا مصدر، وكذلك (بئس)، فهما جامدان لإنشاء المدح أو الذم. وقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا﴾ (ما) اسم موصول بمعنى (الذي): بئس الذي اشتروا به أنفسهم، أو أنها نكرة موصوفة؛ لأن (ما) تأتي نكرة موصوفة، وتأتي نكرة واصفة، فتقول: مررت بما معجِب لك، أي: بشيء معجب لك، هنا قالوا: إننا نجعلها نكرة موصوفة، لأجل أن نقول: إنها تمييز، منصوبة على التمييز، يعني: بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم، والمخصوص قوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، يعني كفرهم بما أنزل الله؛ وإلا يصلح أن نقدرها اسمًا موصولًا لكن ما دام عندنا المخصوص فالأولى أن نقدرها نكرة لتكون تمييزًا. * طالب: تصلح مصدرية؟ * الشيخ: لا، ما تصلح مصدرية. وقوله: ﴿اشْتَرَوْا﴾ فسرها أكثرهم بمعنى باعوا، وهي في اللغة العربية ليست بمعنى باعوا، بل بمعنى اشتروا، أخذوا، اعتاضوا يعني، وعلى هذا فنقول: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني استنقذوها، استنقذوا أنفسهم واعتاضوا به أنفسهم؛ لأنهم هم، ترجيح هذا وقد قال به بعض المفسرين: إن (اشترى) على بابها؛ لأنهم هم -والعياذ بالله- يعتقدون أنهم بهذه الطريق، وهي الكفر، أنهم اختاروا لأنفسهم الطريق الأقوم ولّا الطريق غير الأقوم؟ * الطلبة: الطريق الأقوم. * الشيخ: الطريق الأقوم، فكأنهم اشتروا أنفسهم واعتاضوها عن سبيل مُهلك لهم، وتعبير القرآن ما دام يمكن أن يكون له وجه فالأولى أن يكون على ما هو عليه على ظاهره، وإلا فتفسيرها بـ(باعوا) أوضح وأقرب، يعني بئس شيئًا باعوا به أنفسهم كفرُهم، يعني حيث أخذوا الكفر وباعوا أنفسهم، ولكن إبقاءها على ظاهرها ويصير المعنى كأنهم اشتروا أنفسهم بحسب اعتقادهم من أمر يكون به هلاكهم لو أخذوا به، يكون أولى وأحسن، وكأنهم رأوا على هذا التقدير الذي هو ظاهر القرآن كأنهم رأوا أن الكفر غنيمة وخير يُشترى، وينقذون به أنفسهم من الهلاك. وقوله تعالى: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني ذواتهم، والنفس تطلق على الذات، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ أي: كفرهم، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ فـ(أن) هنا مصدرية، والفعل بعدها مؤول بمصدر، وهو المخصوص بالذم، ويش إعراب المخصوص بالذم أو بالمدح؟ إعرابه مبتدأ مؤخر، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿بِمَا﴾ هذه اسم موصول بمعنى (الذي)، والمراد به أي ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: القرآن، المراد به القرآن؛ لأنه قال بالأول: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، هؤلاء اليهود كفروا بما أنزل الله وهو القرآن، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ مفعول لأجله، عامله قوله: ﴿يَكْفُرُوا﴾، والبغي فسره كثير منهم بالحسد، والظاهر أنه أخص من الحسد، وأنه متضمن لمعنى العدوان؛ لأن الباغي هو العادي، كما قيل: على الباغي تدور الدوائر، وقيل: ............................ ∗∗∗ وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ فالبغي ليس مجرد الحسد فقط، نعم قد يكون من أسبابه الحسد، والذين فسروه بالحسد فسروه بسببه، ولكنه في الحقيقة يجب أن نفسره بظاهره، وأنه عدوان حملهم عليه الحسد، وقوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، يعني باغين في حسدهم، ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، والمراد بالفضل هنا الوحي، القرآن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]، وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، والفضل في اللغة زيادة العطاء، هذا في اللغة، والمراد به هنا القرآن أو الوحي، وقد مر علينا فيما سبق في أصول التفسير أن المعنى غير المراد، المعنى ما يقتضيه اللفظ بحسب اللغة، والمراد ما يقتضيه السياق، وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (من) اسم موصول، ويُعنى به مَن؟ القرآن في الحقيقة نزل على النبي عليه الصلاة والسلام، نزل على النبي للناس، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، فعليه نقول: ﴿مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ الأولى أن نفسرها ونقول: المراد بها الرسول ﷺ، وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ ويش معنى المشيئة؟ * الطلبة: الإرادة. * الشيخ: الإرادة الكونية، ما هي الشرعية، وهنا قوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ كل آية فيها المشيئة يا جماعة فهي المقيدة بالحكمة، فليست مشيئة مجردة، ولهذا نقول ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ المراد به محمد ﷺ، ولكنه أهل لهذا الإنزال، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد هنا العبادة الشرعية ولّا العبادة العامة؟ * طلبة: الشرعية. * طلبة: العامة. * الشيخ: لو كان بدل نشوف الآن، على من يشاء من المؤمنين، على من يشاء من خلقه، ويش المراد؟ * الطلبة: الخلق. * الشيخ: تختلف، لكن هل الآية هنا على من يشاء من الخلق، وتكون المشيئة عامة في جميع المخلوقات، ولكنه إذا قُرنت بالحكمة صار ما تنزل إلا على من هو أهل للرسالة والإيمان، وهنا يكون متعلق المشيئة أعم، إذا قلنا: من عباده المؤمنين، صار متعلَّق المشيئة أخص، ولكنه يزول المحظور الذي قد توهمه بعض الناس أنها تنطبق على أن يكون الكافر رسولًا، ولكننا إذا عرفنا أن المشيئة مقيدة بالحكمة انتفى هذا الاحتمال، وصار ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الذين تقتضي الحكمة أن ينزّل الله عليهم من فضله. قال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾، أعوذ بالله، ﴿بَاءُوا﴾ أي: رجعوا، ﴿بِغَضَبٍ﴾ الباء للمصاحبة، يعني: رجعوا مصطحبين لغضب، غضب من أين؟ من الله سبحانه وتعالى، ونكّره للتعظيم، ولهذا قال بعض الناس: إن المراد بالغضب غضب الله سبحانه وتعالى وغيره، حتى المؤمنين من عباده يغضبون من فعل هؤلاء وتصرفهم، وقوله: ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ كقوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور ٤٠]، يعني غضب زائد على غضب آخر قبله. فما هو الغضب الذي باؤوا به؟ وما هو الغضب الذي كان قبله؟ نقول: الغضب الذي باؤوا به أنهم -والعياذ بالله- كفروا بما عرفوا، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، هذا غضب، والغضب السابق أنهم كانوا يقتلون الأنبياء، ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، والغضب الثالث أيضًا؛ لأنه قد يكون معنى قوله: ﴿بَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٤]، يعني كرَّة بعد كرَّة، قد يكون غضب على غضب يعني: غضبات كثيرة. منها أيضًا البغي والعدوان والحسد، إن الله تعالى ينزّل على من يشاء من عباده، وربما يكون أيضًا أكثر من هذا، أنهم فعلوا أشياء توجب الغضب فركبت عليهم أنواع من الغضبات، والعياذ بالله. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، لم يقل: ولهم، ومثل هذا يسميه أهل البلاغة: الإظهار في موضع الإضمار، وله فوائد: الفائدة الأولى: إرادة العموم ليشمل العذاب لهم ولغيرهم، هذه فائدة. الفائدة الثانية: تنبيه المخاطب. والفائدة الثالثة: بيان العلة. الفائدة الرابعة: الحكم عليهم بهذا الوصف؛ لأن الله لو قال: ولهم عذاب مهين، هل هم كفار ولا ما هم كفار؟ الآية ما حكمت عليهم بالكفر، لكن لما قال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ صاروا مستحقين لهذا الوصف. إذن الفوائد أربعة: تنبيه المخاطب، وإرادة العموم، وبيان العلة، والحكم عليهم بمقتضى هذا الوصف، الحكم على هؤلاء بمقتضى هذا الوصف بأنهم كفار. وقوله: ﴿عَذَابٌ﴾ بمعنى عقوبة، وقوله: ﴿مُهِينٌ﴾ أي: ذو إهانة وإذلال، وهذا من مطابقة العقوبة لسببها، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، لما كان الحامل لهم على هذا الكفر الاستكبار، ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾، عوقبوا بأي شيء؟ بالإهانة بهذا العذاب، والعياذ بالله، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: يهينهم ويذلّهم، ولو لم يكن من إذلالهم -والعياذ بالله- إلا قول الله جل وعلا لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٩١]. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هنا أبهم القائل؛ لأنه لا يتعين في شخص معين، قد يكون القائل الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يكون القائل أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم؛ فلهذا قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ فحذف الفاعل هنا ليكون أشمل وأعم. ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الإيمان يراد به التصديق مع القبول والإذعان، وليس كل من صدق يكون مؤمنًا حتى يكون قابلًا مذعنًا، والدليل على ذلك: أن أبا طالب كان مصدقًا ولم يكن مؤمنًا؛ لأنه لم يقبل ولم يذعن، إذن ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: صدقوا به مع قبوله والإذعان له. وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول، والمراد به القرآن العظيم، و﴿أَنْزَلَ﴾ أي: من عنده، وهو دليل على أمرين مهمين: الأمر الأول أن القرآن كلام الله، ووجه ذلك أن القرآن كلام، والكلام ليس عينًا قائمة بذاتها، بل هو صفة في غيره، فإذا كان صفة في غيره وهو من عند الله لزم أن يكون كلام الله. وفيه أيضًا دليل -المسألة الثانية المهمة-: علو الله سبحانه وتعالى، وعلوه من لوازم ذاته؛ ولهذا كان العلو صفة ذاتية، من الصفات الذاتية التي لا ينفك الله عنها أزلًا وأبدًا، بخلاف الاستواء على العرش، فإنه من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ ولهذا قال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] (ثم) تفيد؟ * طالب: التعقيب. * الشيخ: الترتيب، فدل ذلك على أنه حين خلق السماوات والأرض ليس مستويًا على العرش، أما العلو فإنه من لوازم ذاته سبحانه وتعالى، وقد دل على علوه -كما مر علينا في العقيدة-: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، خمسة أدلة كلها تدل على علو الله سبحانه وتعالى بذاته كما أنه عالم بصفاته، فيفيد علو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا كان كلامه وهو نازل دل ذلك على أن المتكلم به عالٍ. وقد مر علينا أن علوه لا ينافي معيته، ولا ينافي نزوله إلى السماء الدنيا، فإنه ينزل إلى السماء الدنيا مع كونه عاليًا على خلقه، ولا يمكن أن نظن أن ذلك متناقض، هذا متناقض بالنسبة للإنسان أنه لا يكون عاليًا وهو نازل، أما بالنسبة للخالق عز وجل فإنه لا يزال عاليًا، وينزل سبحانه وتعالى كيف يشاء، لا نقيسه بخلقه ولا نتخيل صفاته، ولا نسأل عنها أيضًا عن كيفيتها، السؤال عنه -كما قال الإمام مالك- السؤال عن ذلك بدعة[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٧)، والاعتقاد (٥٤) بلفظ: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.]]. ﴿قَالُوا﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ لم يقل أيضًا: في القرآن، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ ليكون ذلك أقوى في الحجة عليهم؛ لأنه نازل من أين؟ من الله والنازل من الله يجب الإيمان به، لكن الجواب ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ هذا الجواب، وهذا الإثبات يتضمن نفي القيل الذي قيل لهم، كأنهم يقولون: لا نؤمن به، ولكن نؤمن بما أنزل علينا، أفهمتم يا جماعة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذن تضمن هذا القول منهم نفي حق ودعوى حق، أما نفي الحق فهم نفوا أن يؤمنوا بما أنزل الله؛ لأن قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ معناه يعني: ولا نؤمن بما أنزل الله، وأما دعوى الحق فهم يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهذه دعوى؛ إذ لو كانوا يؤمنون بما أنزل عليهم حقيقة لآمنوا بهذا الذي أنزل الله؛ لأن كتبهم النازلة تصدق هذا الكتاب النازل، فلو آمنوا بها حقًّا لآمنوا بهذا القرآن، إذن صاروا مكذبين بالحق ومدعين للحق وهم كاذبون في دعواهم، مبطلون في تكذيبهم، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وسيقيم الله عز وجل حجة عليهم في آخر الآية بينة يقرون بها هم. ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ فمثلًا النصارى يقولون: نؤمن بما أنزل علينا يعنون به: الإنجيل، واليهود يعنون به: التوراة، وكلتا الطائفتين كاذبتان، ما آمنوا بما أنزل عليهم. ثم قال: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ ﴿يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَه﴾ أي: بما سواه، ووراء تأتي بمعنى سوى، وراءه أي: سواه، منها هذه الآية ﴿يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَه﴾ أي: وراء ما أنزل عليهم. وما الذي يراد بما وراءه؟ القرآن، القرآن بالنسبة للطائفتين، والقرآن والإنجيل بالنسبة لليهود؛ لأن اليهود أيضًا ما آمنوا بالإنجيل، اليهود يزعمون أنهم قتلوا من أتى بالإنجيل وهو عيسى ابن مريم. وقوله: ﴿يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ جملة ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ حال من ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: والحال أن هذا الذي وراءه وهم يكفرون به وهو الحق، والحق معناه: الثابت، وضده الباطل، الباطل هو الضائع سدًى الذي لا يستفاد منه، أما الحق فهو الثابت المفيد النافع، وهذا بلا شك هذا الوصف ينطبق على القرآن. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال أيضًا من؟ مِن (هو) أي: الضمير، يعني: وهو حال كونه مصدقًا لما معهم، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ ذكرنا أن في تفسيرها وجهين: الوجه الأول: أنها أخبرت به، فجاء مصداقًا لها، ولَّا لا؟ هذا يكون مصدق. وثانيًا: أنه يصدقها ويخبر بأنها حق؛ ولذلك كان من منهاج هذا القرآن: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]، واليوم الآخر، فهو إذن مصدق لما سبق من وجهين: الوجه الأول: أنه جاء مصداقًا لها؛ لأنها أخبرت به فصدقها، ما ظنكم لو لم يأت؟ لكان تكذيبًا فمعنى ذلك أن الكتب السابقة كذبت وحاشاها من ذلك، ولكنه جاء مصدقًا لها، وثانيا: أنه يقول عنها: إنها صدق، ويثبت نزول التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، ويوجب الإيمان بها أيضًا. وقوله: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ وأيش اللي معهم؟ التوراة والإنجيل، النصارى يؤمنون بالإنجيل والتوراة، واليهود يؤمنون بالتوراة ويكفرون بالإنجيل؛ ولذلك كانوا شرًّا من النصارى. الآن يقول في إقامة الحجة عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ ﴿قُلْ فَلِمَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ إما للرسول ﷺ أو لكل من يصح خطابه، فإن كانت للرسول عليه الصلاة والسلام كان قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ يكون المبهم من؟ الرسول ﷺ، وأبهمه لأجل أن يعرف أن ما قاله فهو قول المؤمنين به، وهذا من بلاغة القرآن، شوف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] النعمة أضافها إلى الله وحده، والغضب جاء بالإبهام؛ لأن الله إذا غضب على قوم غضب عليهم كل من كان لله وليًّا؛ فلهذا قال: ﴿الْمَغْضُوبِ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ إذا قلنا: إن الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ، وكان هو الذي يقول ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ صار إبهامه هنا لفائدة، وهو أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا يقوله أيضًا كل مؤمن به، إي نعم. أما إذا قلنا: إن الخطاب في قوله: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ لكل من يصح خطابه صار الإبهام في الأول ليس عائدًا إلى الرسول ﷺ وحده. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾، ﴿لِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾، اللام حرف جر، أو لا؟ اللام يا إخواني اللام؟ * طالب: الفاء حرف جر. * الشيخ: الفاء حرف عطف، واللام حرف جر. * طالب: (...). * الشيخ: ولماذا أيضًا اللام حرف جر، وين أنتم؟ (...) (لِمَ) لِمَ تفعل كذا، أنا أقول لك الآن: لم تفعل كذا؟ وأيش تصير اللام؟ اللام حرف جر، مم تغضب؟ الميم حرف جر، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] (عن) حرف جر، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢] اللام حرف جر، ﴿لِمَ تَقْتُلُونَ﴾ اللام حرف جر. * طالب: (...). * الشيخ: أصلها (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وجب حذف ألفه، ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وجب حذف ألفها، تقول: (لِمَ)، و(فِيمَ)،« قالوا: ففيم العمل يا رسول الله؟ »[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٦)، والترمذي (٣٠٧٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] و(عمَّ)، و(علَامَ)، و(مِمَّ)، و(حتَّامَ)، و(إلِامَ)، واضح الآن؟ اللام حرف جر.. * طالب: (...). * الشيخ: (...) اللام حرف جر. فاللام حرف جر، وما اسم استفهام حذف منه الألف للتخفيف، و(حتّامَ) كيف نكتب (حتى) في هذه الحال نكتبها بالألف ما هو بالياء، فتكون (حتى ما) مثل حتَّامٌ؟ (إلام) كيف نكتب إلى؟ لام ألف ما نكتبها بالياء مثل العادة، لام ألف (إلام)، علام؟ نكتب علا بالألف ما نكتبها بالياء مثل العادة، تصير مثل علَّام، والميم بدون ألف. ﴿لِمَ تَقْتُلُونَ﴾ اللام هذه في الحقيقة للتحدي والإلزام، يعني: إذا كنتم صادقين في قولكم: نؤمن بما أنزل علينا، فلم تقتلون أنبياء الله؟ هل هذا مؤمن اللي يقتل النبي؟ هل الذي يقتل النبي مؤمن به يا جماعة؟ لا أبدًا، وأيش تقتلون أنبياء الله وأنتم مؤمنون به؟ ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿أَنْبِئَاءَ اللَّهِ﴾ بالهمزة و﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ بالياء، مثل النبي والنبيء، النبيء جمعه أنبئاء، والنبي أنبياء. كما أن قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾؛ لأن هذا على القاعدة ما هي خاصة بهذا يعني: ﴿وَهْوَ الْحَقُّ﴾ فيها قراءة بالتسكين. * طالب: أنبئاءُ؟ * الشيخ: ﴿أَنْبِئَاءَ﴾ بالفتح * طالب: (...). * الشيخ: (...). ﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآن، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ نريد نسأل من هذه وأيش حرف جر؟ * طالب: لا. * الشيخ: مِن حرف جر، مِن؟ * الطالب: لو جر جرت اللي بعدها. * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: يمكن في حرف جر ولا يجر؟ تعرف الونش الآن، الونش ما هو بيحمل ولو حتى لو شيء كبير (...) ويش تقول؟ * طالب: حرف جر. * الشيخ: حرف جر، بقي عندنا إشكال عاد، لماذا لم تجر ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؟ * طالب: لأنه حذف المضاف إليه وبنيت على الضم ونوي المعنى المراد. * الشيخ: حذف المضاف إليه ونوي معناه، فهي إذن مبنية على الضم، كذا؟ وقلنا لكم: إن قبل وبعد، إما أن يذكر المضاف إليه، أو يحذف وينوى معناه، أو يحذف وينوى لفظه، أو يحذف ولا ينوى لفظه ولا معناه، إذا حذف ولم ينو لفظه ولا معناه فهي منونة على حسب العوامل، وإذا حذف ونوي لفظه فهي على حسب العوامل غير منونة، وإذا حذف ونوي معناه فهي مبنية على الضم، وإذا أضيفت فهي على حسب العوامل وغير منونة، واضح؟ * طالب: التقدير ما معناه؟ وأيش التقدير؟ * الشيخ: التقدير: من قبل ذلك. ﴿مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (إن) هذه شرطية و(مؤمنين) أي: في دعواكم الإيمان، تقولون: نؤمن بما أنزل علينا، فلم تقتلون أنبياء الله إن كنتم مؤمنين؟ وهذه الجملة لتكذيبهم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (إن) هذه شرطية فأين جواب الشرط؟ هذه ترد في القرآن كثيرًا، فمن الناس من يقول: إن جواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، يعني: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلون، ومنهم من يقول: إنها في مثل هذا لا تحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب إنما يحتاج إليه لبيان معنى، والمعنى هنا واضح بدونه، وإلى هذا ينحو ابن القيم رحمه الله ويقول: إن مثل هذا لا يحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب إنما يحتاج إليه لبيان المعنى وهنا يتبين المعنى بدونه، وقد ذكر ابن القيم أن هذا جارٍ حتى في جواب القسم، يعني أن القسم قد لا يحتاج إلى جواب إذا كان المعنى مفهومًا، وذكر هذا البحث في كتابه التبيان في أقسام القرآن. * طالب: على قول الشيخ (...). * الشيخ: جواب القسم ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، إذن هذه الآية.. * طالب: (...) * الشيخ: نعم هو الراجح. * طالب: (...) * الشيخ: يمكن، على كل حال (...) إذا كان الجواب مفهوم (...). نأخذ الفوائد الآن: * أولًا: قال الله عز وجل: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا﴾ * يستفاد من هذه الآية: أن الكفر خصلة ذميمة، ولو ترقى به الإنسان إلى مآربه في الدنيا؛ لقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا﴾، كذا؟ * الفائدة الثانية: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي وحسد؛ لقوله: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾. * الفائدة الثالثة: أن من رد الحق من هذه الأمة؛ لأن فلانًا الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به، فقد شابه اليهود، فهمتم يا جماعة؟ يوجد بعض الناس إذا نصحه إنسان ودله على الحق وهو يحتقر هذا الإنسان ما يراه شيء (...) ثم يرده لماذا؟ لأنه جاء من قبله، ولو جاء من قبل فلان وفلان آخر لقبله، نقول: هذا الذي على هذه الحال فيه شبه من أين؟ من اليهود. * الفائدة الرابعة: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال ولَّا لا؟ يعرف الحق بالحق، فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتبعه، من أيٍّ كان مصدره، لا تقل: والله هذا جاء به إنسان أقل مني علمًا، أو أخشى إني أقبل من هذا الرجل يصير له -مثلًا- فخر واعتزاز وما أشبه ذلك، اقبل الحق للحق، لا لأنه جاء به فلان وفلان. * الفائدة الخامسة: أن العلم من أعظم فضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا شك أن العلم أفضل من المال، وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم وفضل المال، فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين، الخلفاء السابقون طوي ذكرهم، والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم ولَّا لا؟ بقي ذكرهم، هم يدرسون الناس وهم في قبورهم وأولئك الخلفاء نسوا، اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة يذكره من يعرفه، يذكره من يعرف أن ها المآثر لفلان، فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. * الفائدة التي تليها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ والمشيئة هي الإرادة ولَّا لا؟ لا ما هي الإرادة، المشيئة بعض قسم الإرادة، قسم من الإرادة، وهي الإرادة الكونية، أما الإرادة الشرعية فليست من المشيئة. * الفائدة التي تليها: أن الله سبحانه وتعالى يمن على من يشاء من عباده، بمعنى أريد أن أقول: إن هذا الفضل الذي ينزله الله لا يجعل المفضل به ربًّا يعبد، بل هو من العباد حتى ولو تميز في الفضل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾. * ترى هذه الفائدة لها فروع، نوضحها نقول: إن من آتاه الله الفضل لم يخرج به عن أن يكون عبدًا، إذن لا يرتقي إلى منزلة أيش؟ الربوبية، فالرسول عليه الصلاة والسلام عبد من عباد الله، ولَّا لا؟ عبد من عباد الله، ما نقول: إنه لما نزل عليه الوحي يرتفع حتى يكون ربًّا يملك النفع والضرر ويعلم الغيب، لا. * أيضًا يتفرع عنها: أن من آتاه الله من فضله -خصوصًا في مسائل العلم- ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره، السبب؟ لأن الله تعالى أعطاه من فضله، فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره، أليس كذلك؟ كلما عظم الإحسان من الله عز وجل استوجب الشكر أكثر، واضح؟ كلما عظم الإحسان استوجب الشكر، إذا أنعم الله عليك نعمتين كم يجب عليك من الشكر؟ شكران، ثلاث نعم؟ ثلاث شكورات، وهكذا، إذن إذا أنعم الله عليك بالعلم الذي ورثته من نبيك محمد ﷺ يجب أن تكون بذلك أشد تواضعًا لله وللحق وللخلق، واضح؟ * يتفرع على هذا أيضًا فرع ثالث: أن هؤلاء المغرورين -نسأل الله السلامة- الذين غرتهم أنفسهم بما أوتوا من العلم قد حرموا الفضل في الحقيقة، حرموا فضل العلم، ولَّا لا؟ يعني (...) والعياذ بالله لما من الله عليهم بالعلم رفعوا أنفسهم وتعالوا، حتى إنهم ربما لا يقبلون الحق، ربما يكونون مشابهين لبني إسرائيل في المسألة الثانية. * الفائدة التي تليها: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب، من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾. * الشيخ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾، فالعقوبات -والعياذ بالله- تتراكم مثل ما تتراكم الذنوب جزاء وفاقًا. * الفائدة التي تليها: أن هؤلاء الذين اشتروا أنفسهم بالكفر بما أنزل الله أنهم كافرون؛ لقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾. * الفائدة التي تليها أيضًا: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله: ﴿مُهِينٌ﴾ يهينهم بعد أن ترفعوا، فعوقبوا -والعياذ بالله- بما يليق بذنوبهم، وعلى هذا جرت سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، وقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦].الفائدة التي تليها: بلاغة القرآن؛ لأن هذه الكلمة: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ بدلًا من: (ولهم) استفدنا منها فائدة أكثر مما لو جاء الضمير (ولهم) وأيش استفدنا؟ أن هؤلاء كفار، ولو قال (ولهم)، لكنا لا ندري ما مرتبتهم في دين الله، فلما قال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ علمنا أنهم كفار. * الفائدة الثانية: العموم أن مثل هذا الفعل يكون به الإنسان كافرًا، هم وغيرهم. * الفائدة الثالثة أيضًا: بيان علة الحكم وهو العذاب المهين؛ إذ علته ما هو؟ وأيش علة العذاب المهين؟ علته الكفر ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: على كفرهم، وقد مر علينا أن الحكم إذا علق على وصف دل على عِلِّية ذلك الوصف أو لا؟ دل على علية ذلك الوصف، وعلى أن الحكم يقوى بحسب قوة ذلك الوصف أو لا؟ إذا قلت -مثلًا-: اقطع السارق أي؟ يده، أي اقطع السارق، أي لأنه سرق، أي لأنه سارق، هذا واضح العلية فيه. إذا قلت: أكرم المتقي، أي؟ لتقواه، وكلما ازدادت تقواه ازداد إكرامه، إي نعم. * طالب: قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن هذا مع كونه عذابًا يهينهم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...) على كل حال، ليس كل عذاب مؤلمًا، وليس كل عذاب مهينًا. * الطالب: عذاب الآخرة. * الشيخ: حتى عذاب الآخرة، لكن إذا قيل: ﴿مُهِينٌ﴾ معناه أنه يبلغ في الإهانة أعظم مبلغ، هو أبلغ من مطلق العذاب. طالب: و﴿مُهِينٌ﴾ صفة تأسيسية؟ * الشيخ: صفة تأسيسة، نعم. * طالب: (...) ﴿بَغْيًا﴾ (...) حسدًا تحريم الحسد؟ * الشيخ: قلنا: بلى تحريم الحسد والعدوان. * الطالب: (...) غضب الله وأنه يجب على العبد أن يغضب لغضب الله كيف هذا ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، يستفاد منها: إثبات الغضب لله، وإن كان ما هو بواضح، ﴿بَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ يعني: الظاهر أنه من الله الغضب، فيستفاد منه إثبات غضب الله سبحانه وتعالى، وغضب الله تعالى من صفاته أيش؟ الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته سبحانه وتعالى، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي صفة فعلية. * طالب: الغضب من الله سبحانه وتعالى، نقول: كيف وضع غضب على غضب فهنا الغضب واحد؟ * الشيخ: لا. * الطالب: الغضب واحد؟ * الشيخ: لا (...)، الغضب يتعدد بتعدد أسبابه، يعني: غضب الله عليهم لفعل كذا، ثم غضب مرة ثانية لفعل كذا، وهكذا يتعدد بتعدد أسبابه، في فوائد بعد الثانية؟ * طالب: سعة فضل الله؛ لقوله ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ (...). * الشيخ: إذا جعلنا (مِن) للتبعيض فهو دليل على سعة فضل الله، وإن جعلناها لبيان الجنس لم يكن في هذا دليل، ولكن جعلنا إياها للتبعيض أولى؛ لأنها تدل على معنى أكثر من بيان الجنس. وما يستفاد من ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُم﴾: أن النفس أمانة عند العبد؟ * طالب: لما ذم الله بيعها (...). * الشيخ: إيه أو ﴿اشْتَرَوْا﴾ بمعنى اختاروا، فهذا دليل على أن النفس عند العبد أمانة لا يجوز له أن يكلفها ما يشق عليها أو يحرمها من فضل الله؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص قال له: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٦، ١٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.]]. ثم في القرآن ما أكثر ما يمر بنا ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] يظلمون أنفسهم، فالنفس في الحقيقة لها حق عليك لترعاها حق رعايتها؛ ولهذا يجب على المرء أن يدافع عن نفسه في غير فتنة، لماذا؟ حماية لها؛ لأن هذا من حقها، يجب عليه أن يأكل إذا جاع، وأن يشرب إذا عطش، وأن يكسو نفسه إذا خاف البرد وهكذا تمام؟ * طالب: شيخ، قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ الجار والمجرور للحصر، قدم الجار والمجرور، هل العذاب المهين لهم فقط؟ * الشيخ: للكافرين يعني: دون الفاسقين مثلًا؟ * الطالب: أو لغيرهم. * الشيخ: ربما يستفاد منه أن غير الكافرين لهم عذاب لكن لا يصل إلى درجة الإهانة؛ لأنهم ما بلغوا إلى حد الكبر عما أنزل الله، وقد يقال: إنه لأجل مراعاة الفواصل مع أنه يصح والعذاب المهين للكافرين ليس خاصًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ * يستفاد من هذه الآية: بيان خداع هؤلاء اليهود؛ لأنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهم كاذبون، ولكن قصدهم رد الحق فقط لا التمسك بالحق. خذوا بالكم يا جماعة، واضح؟ * الطلبة: واضح. * الشيخ: لأنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهم كاذبون في هذا، لو كانوا صادقين لآمنوا بالقرآن الكريم. * الفائدة الثانية: أن الإيمان بما أنزل الله كل ذي فطرة سليمة يدعو إليه بناء على أن: (قيل) للإبهام فيكون شاملًا. * الفائدة الثالثة: أن من دعي إلى الحق من هذه الأمة يقال: مذهب كذا وكذا، يعني: ولا أرجع عنه فهو شبيه بمن؟ باليهود؛ لأن الواجب إذا دعيت إلى الحق أن تنظر (...) الحق، فإذا كان الحق وجب عليك اتباعه، أما أن تقول: والله لا أنا مذهبي شافعي ما أنا تابع للحنبلي أو حنبلي وأنا تابع للشافعي ما يجوز فيه شبه من اليهود. ﴿ ﴾

البقرة 2:91

﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ [البقرة: ٩٠] (بئس) فعل ماض لإنشاء الذم، يقابلها (نِعْم) فهي فعل ماضٍ لإنشاء المدح، و(بئس) و(نِعْم) هل هما جامدان أو متصرفان؟ * طالب: جامدان. * الشيخ: جامدان، هذه تدخل تاء التأنيث ما فيها مشكلة، جامدان ما يمكن تقول مثلًا: (نعم)، وتجيء فعل مضارع ولا فعل أمر ولا مصدر، وكذلك (بئس)، فهما جامدان لإنشاء المدح أو الذم. وقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا﴾ (ما) اسم موصول بمعنى (الذي): بئس الذي اشتروا به أنفسهم، أو أنها نكرة موصوفة؛ لأن (ما) تأتي نكرة موصوفة، وتأتي نكرة واصفة، فتقول: مررت بما معجِب لك، أي: بشيء معجب لك، هنا قالوا: إننا نجعلها نكرة موصوفة، لأجل أن نقول: إنها تمييز، منصوبة على التمييز، يعني: بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم، والمخصوص قوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، يعني كفرهم بما أنزل الله؛ وإلا يصلح أن نقدرها اسمًا موصولًا لكن ما دام عندنا المخصوص فالأولى أن نقدرها نكرة لتكون تمييزًا. * طالب: تصلح مصدرية؟ * الشيخ: لا، ما تصلح مصدرية. وقوله: ﴿اشْتَرَوْا﴾ فسرها أكثرهم بمعنى باعوا، وهي في اللغة العربية ليست بمعنى باعوا، بل بمعنى اشتروا، أخذوا، اعتاضوا يعني، وعلى هذا فنقول: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني استنقذوها، استنقذوا أنفسهم واعتاضوا به أنفسهم؛ لأنهم هم، ترجيح هذا وقد قال به بعض المفسرين: إن (اشترى) على بابها؛ لأنهم هم -والعياذ بالله- يعتقدون أنهم بهذه الطريق، وهي الكفر، أنهم اختاروا لأنفسهم الطريق الأقوم ولّا الطريق غير الأقوم؟ * الطلبة: الطريق الأقوم. * الشيخ: الطريق الأقوم، فكأنهم اشتروا أنفسهم واعتاضوها عن سبيل مُهلك لهم، وتعبير القرآن ما دام يمكن أن يكون له وجه فالأولى أن يكون على ما هو عليه على ظاهره، وإلا فتفسيرها بـ(باعوا) أوضح وأقرب، يعني بئس شيئًا باعوا به أنفسهم كفرُهم، يعني حيث أخذوا الكفر وباعوا أنفسهم، ولكن إبقاءها على ظاهرها ويصير المعنى كأنهم اشتروا أنفسهم بحسب اعتقادهم من أمر يكون به هلاكهم لو أخذوا به، يكون أولى وأحسن، وكأنهم رأوا على هذا التقدير الذي هو ظاهر القرآن كأنهم رأوا أن الكفر غنيمة وخير يُشترى، وينقذون به أنفسهم من الهلاك. وقوله تعالى: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني ذواتهم، والنفس تطلق على الذات، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ أي: كفرهم، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ فـ(أن) هنا مصدرية، والفعل بعدها مؤول بمصدر، وهو المخصوص بالذم، ويش إعراب المخصوص بالذم أو بالمدح؟ إعرابه مبتدأ مؤخر، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿بِمَا﴾ هذه اسم موصول بمعنى (الذي)، والمراد به أي ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: القرآن، المراد به القرآن؛ لأنه قال بالأول: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، هؤلاء اليهود كفروا بما أنزل الله وهو القرآن، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ مفعول لأجله، عامله قوله: ﴿يَكْفُرُوا﴾، والبغي فسره كثير منهم بالحسد، والظاهر أنه أخص من الحسد، وأنه متضمن لمعنى العدوان؛ لأن الباغي هو العادي، كما قيل: على الباغي تدور الدوائر، وقيل: ............................ ∗∗∗ وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ فالبغي ليس مجرد الحسد فقط، نعم قد يكون من أسبابه الحسد، والذين فسروه بالحسد فسروه بسببه، ولكنه في الحقيقة يجب أن نفسره بظاهره، وأنه عدوان حملهم عليه الحسد، وقوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، يعني باغين في حسدهم، ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، والمراد بالفضل هنا الوحي، القرآن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]، وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، والفضل في اللغة زيادة العطاء، هذا في اللغة، والمراد به هنا القرآن أو الوحي، وقد مر علينا فيما سبق في أصول التفسير أن المعنى غير المراد، المعنى ما يقتضيه اللفظ بحسب اللغة، والمراد ما يقتضيه السياق، وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (من) اسم موصول، ويُعنى به مَن؟ القرآن في الحقيقة نزل على النبي عليه الصلاة والسلام، نزل على النبي للناس، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، فعليه نقول: ﴿مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ الأولى أن نفسرها ونقول: المراد بها الرسول ﷺ، وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ ويش معنى المشيئة؟ * الطلبة: الإرادة. * الشيخ: الإرادة الكونية، ما هي الشرعية، وهنا قوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ كل آية فيها المشيئة يا جماعة فهي المقيدة بالحكمة، فليست مشيئة مجردة، ولهذا نقول ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ المراد به محمد ﷺ، ولكنه أهل لهذا الإنزال، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد هنا العبادة الشرعية ولّا العبادة العامة؟ * طلبة: الشرعية. * طلبة: العامة. * الشيخ: لو كان بدل نشوف الآن، على من يشاء من المؤمنين، على من يشاء من خلقه، ويش المراد؟ * الطلبة: الخلق. * الشيخ: تختلف، لكن هل الآية هنا على من يشاء من الخلق، وتكون المشيئة عامة في جميع المخلوقات، ولكنه إذا قُرنت بالحكمة صار ما تنزل إلا على من هو أهل للرسالة والإيمان، وهنا يكون متعلق المشيئة أعم، إذا قلنا: من عباده المؤمنين، صار متعلَّق المشيئة أخص، ولكنه يزول المحظور الذي قد توهمه بعض الناس أنها تنطبق على أن يكون الكافر رسولًا، ولكننا إذا عرفنا أن المشيئة مقيدة بالحكمة انتفى هذا الاحتمال، وصار ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الذين تقتضي الحكمة أن ينزّل الله عليهم من فضله. قال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾، أعوذ بالله، ﴿بَاءُوا﴾ أي: رجعوا، ﴿بِغَضَبٍ﴾ الباء للمصاحبة، يعني: رجعوا مصطحبين لغضب، غضب من أين؟ من الله سبحانه وتعالى، ونكّره للتعظيم، ولهذا قال بعض الناس: إن المراد بالغضب غضب الله سبحانه وتعالى وغيره، حتى المؤمنين من عباده يغضبون من فعل هؤلاء وتصرفهم، وقوله: ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ كقوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور ٤٠]، يعني غضب زائد على غضب آخر قبله. فما هو الغضب الذي باؤوا به؟ وما هو الغضب الذي كان قبله؟ نقول: الغضب الذي باؤوا به أنهم -والعياذ بالله- كفروا بما عرفوا، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، هذا غضب، والغضب السابق أنهم كانوا يقتلون الأنبياء، ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، والغضب الثالث أيضًا؛ لأنه قد يكون معنى قوله: ﴿بَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٤]، يعني كرَّة بعد كرَّة، قد يكون غضب على غضب يعني: غضبات كثيرة. منها أيضًا البغي والعدوان والحسد، إن الله تعالى ينزّل على من يشاء من عباده، وربما يكون أيضًا أكثر من هذا، أنهم فعلوا أشياء توجب الغضب فركبت عليهم أنواع من الغضبات، والعياذ بالله. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، لم يقل: ولهم، ومثل هذا يسميه أهل البلاغة: الإظهار في موضع الإضمار، وله فوائد: الفائدة الأولى: إرادة العموم ليشمل العذاب لهم ولغيرهم، هذه فائدة. الفائدة الثانية: تنبيه المخاطب. والفائدة الثالثة: بيان العلة. الفائدة الرابعة: الحكم عليهم بهذا الوصف؛ لأن الله لو قال: ولهم عذاب مهين، هل هم كفار ولا ما هم كفار؟ الآية ما حكمت عليهم بالكفر، لكن لما قال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ صاروا مستحقين لهذا الوصف. إذن الفوائد أربعة: تنبيه المخاطب، وإرادة العموم، وبيان العلة، والحكم عليهم بمقتضى هذا الوصف، الحكم على هؤلاء بمقتضى هذا الوصف بأنهم كفار. وقوله: ﴿عَذَابٌ﴾ بمعنى عقوبة، وقوله: ﴿مُهِينٌ﴾ أي: ذو إهانة وإذلال، وهذا من مطابقة العقوبة لسببها، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، لما كان الحامل لهم على هذا الكفر الاستكبار، ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾، عوقبوا بأي شيء؟ بالإهانة بهذا العذاب، والعياذ بالله، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: يهينهم ويذلّهم، ولو لم يكن من إذلالهم -والعياذ بالله- إلا قول الله جل وعلا لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٩١]. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هنا أبهم القائل؛ لأنه لا يتعين في شخص معين، قد يكون القائل الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يكون القائل أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم؛ فلهذا قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ فحذف الفاعل هنا ليكون أشمل وأعم. ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الإيمان يراد به التصديق مع القبول والإذعان، وليس كل من صدق يكون مؤمنًا حتى يكون قابلًا مذعنًا، والدليل على ذلك: أن أبا طالب كان مصدقًا ولم يكن مؤمنًا؛ لأنه لم يقبل ولم يذعن، إذن ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: صدقوا به مع قبوله والإذعان له. وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول، والمراد به القرآن العظيم، و﴿أَنْزَلَ﴾ أي: من عنده، وهو دليل على أمرين مهمين: الأمر الأول أن القرآن كلام الله، ووجه ذلك أن القرآن كلام، والكلام ليس عينًا قائمة بذاتها، بل هو صفة في غيره، فإذا كان صفة في غيره وهو من عند الله لزم أن يكون كلام الله. وفيه أيضًا دليل -المسألة الثانية المهمة-: علو الله سبحانه وتعالى، وعلوه من لوازم ذاته؛ ولهذا كان العلو صفة ذاتية، من الصفات الذاتية التي لا ينفك الله عنها أزلًا وأبدًا، بخلاف الاستواء على العرش، فإنه من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ ولهذا قال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] (ثم) تفيد؟ * طالب: التعقيب. * الشيخ: الترتيب، فدل ذلك على أنه حين خلق السماوات والأرض ليس مستويًا على العرش، أما العلو فإنه من لوازم ذاته سبحانه وتعالى، وقد دل على علوه -كما مر علينا في العقيدة-: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، خمسة أدلة كلها تدل على علو الله سبحانه وتعالى بذاته كما أنه عالم بصفاته، فيفيد علو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا كان كلامه وهو نازل دل ذلك على أن المتكلم به عالٍ. وقد مر علينا أن علوه لا ينافي معيته، ولا ينافي نزوله إلى السماء الدنيا، فإنه ينزل إلى السماء الدنيا مع كونه عاليًا على خلقه، ولا يمكن أن نظن أن ذلك متناقض، هذا متناقض بالنسبة للإنسان أنه لا يكون عاليًا وهو نازل، أما بالنسبة للخالق عز وجل فإنه لا يزال عاليًا، وينزل سبحانه وتعالى كيف يشاء، لا نقيسه بخلقه ولا نتخيل صفاته، ولا نسأل عنها أيضًا عن كيفيتها، السؤال عنه -كما قال الإمام مالك- السؤال عن ذلك بدعة[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٧)، والاعتقاد (٥٤) بلفظ: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.]]. ﴿قَالُوا﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ لم يقل أيضًا: في القرآن، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ ليكون ذلك أقوى في الحجة عليهم؛ لأنه نازل من أين؟ من الله والنازل من الله يجب الإيمان به، لكن الجواب ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ هذا الجواب، وهذا الإثبات يتضمن نفي القيل الذي قيل لهم، كأنهم يقولون: لا نؤمن به، ولكن نؤمن بما أنزل علينا، أفهمتم يا جماعة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذن تضمن هذا القول منهم نفي حق ودعوى حق، أما نفي الحق فهم نفوا أن يؤمنوا بما أنزل الله؛ لأن قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ معناه يعني: ولا نؤمن بما أنزل الله، وأما دعوى الحق فهم يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهذه دعوى؛ إذ لو كانوا يؤمنون بما أنزل عليهم حقيقة لآمنوا بهذا الذي أنزل الله؛ لأن كتبهم النازلة تصدق هذا الكتاب النازل، فلو آمنوا بها حقًّا لآمنوا بهذا القرآن، إذن صاروا مكذبين بالحق ومدعين للحق وهم كاذبون في دعواهم، مبطلون في تكذيبهم، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وسيقيم الله عز وجل حجة عليهم في آخر الآية بينة يقرون بها هم. ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ فمثلًا النصارى يقولون: نؤمن بما أنزل علينا يعنون به: الإنجيل، واليهود يعنون به: التوراة، وكلتا الطائفتين كاذبتان، ما آمنوا بما أنزل عليهم. ثم قال: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ ﴿يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَه﴾ أي: بما سواه، ووراء تأتي بمعنى سوى، وراءه أي: سواه، منها هذه الآية ﴿يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَه﴾ أي: وراء ما أنزل عليهم. وما الذي يراد بما وراءه؟ القرآن، القرآن بالنسبة للطائفتين، والقرآن والإنجيل بالنسبة لليهود؛ لأن اليهود أيضًا ما آمنوا بالإنجيل، اليهود يزعمون أنهم قتلوا من أتى بالإنجيل وهو عيسى ابن مريم. وقوله: ﴿يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ جملة ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ حال من ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: والحال أن هذا الذي وراءه وهم يكفرون به وهو الحق، والحق معناه: الثابت، وضده الباطل، الباطل هو الضائع سدًى الذي لا يستفاد منه، أما الحق فهو الثابت المفيد النافع، وهذا بلا شك هذا الوصف ينطبق على القرآن. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال أيضًا من؟ مِن (هو) أي: الضمير، يعني: وهو حال كونه مصدقًا لما معهم، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ ذكرنا أن في تفسيرها وجهين: الوجه الأول: أنها أخبرت به، فجاء مصداقًا لها، ولَّا لا؟ هذا يكون مصدق. وثانيًا: أنه يصدقها ويخبر بأنها حق؛ ولذلك كان من منهاج هذا القرآن: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]، واليوم الآخر، فهو إذن مصدق لما سبق من وجهين: الوجه الأول: أنه جاء مصداقًا لها؛ لأنها أخبرت به فصدقها، ما ظنكم لو لم يأت؟ لكان تكذيبًا فمعنى ذلك أن الكتب السابقة كذبت وحاشاها من ذلك، ولكنه جاء مصدقًا لها، وثانيا: أنه يقول عنها: إنها صدق، ويثبت نزول التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، ويوجب الإيمان بها أيضًا. وقوله: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ وأيش اللي معهم؟ التوراة والإنجيل، النصارى يؤمنون بالإنجيل والتوراة، واليهود يؤمنون بالتوراة ويكفرون بالإنجيل؛ ولذلك كانوا شرًّا من النصارى. الآن يقول في إقامة الحجة عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ ﴿قُلْ فَلِمَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ إما للرسول ﷺ أو لكل من يصح خطابه، فإن كانت للرسول عليه الصلاة والسلام كان قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ يكون المبهم من؟ الرسول ﷺ، وأبهمه لأجل أن يعرف أن ما قاله فهو قول المؤمنين به، وهذا من بلاغة القرآن، شوف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] النعمة أضافها إلى الله وحده، والغضب جاء بالإبهام؛ لأن الله إذا غضب على قوم غضب عليهم كل من كان لله وليًّا؛ فلهذا قال: ﴿الْمَغْضُوبِ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ إذا قلنا: إن الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ، وكان هو الذي يقول ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ صار إبهامه هنا لفائدة، وهو أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا يقوله أيضًا كل مؤمن به، إي نعم. أما إذا قلنا: إن الخطاب في قوله: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ لكل من يصح خطابه صار الإبهام في الأول ليس عائدًا إلى الرسول ﷺ وحده. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾، ﴿لِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾، اللام حرف جر، أو لا؟ اللام يا إخواني اللام؟ * طالب: الفاء حرف جر. * الشيخ: الفاء حرف عطف، واللام حرف جر. * طالب: (...). * الشيخ: ولماذا أيضًا اللام حرف جر، وين أنتم؟ (...) (لِمَ) لِمَ تفعل كذا، أنا أقول لك الآن: لم تفعل كذا؟ وأيش تصير اللام؟ اللام حرف جر، مم تغضب؟ الميم حرف جر، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] (عن) حرف جر، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢] اللام حرف جر، ﴿لِمَ تَقْتُلُونَ﴾ اللام حرف جر. * طالب: (...). * الشيخ: أصلها (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وجب حذف ألفه، ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وجب حذف ألفها، تقول: (لِمَ)، و(فِيمَ)،« قالوا: ففيم العمل يا رسول الله؟ »[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٦)، والترمذي (٣٠٧٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] و(عمَّ)، و(علَامَ)، و(مِمَّ)، و(حتَّامَ)، و(إلِامَ)، واضح الآن؟ اللام حرف جر.. * طالب: (...). * الشيخ: (...) اللام حرف جر. فاللام حرف جر، وما اسم استفهام حذف منه الألف للتخفيف، و(حتّامَ) كيف نكتب (حتى) في هذه الحال نكتبها بالألف ما هو بالياء، فتكون (حتى ما) مثل حتَّامٌ؟ (إلام) كيف نكتب إلى؟ لام ألف ما نكتبها بالياء مثل العادة، لام ألف (إلام)، علام؟ نكتب علا بالألف ما نكتبها بالياء مثل العادة، تصير مثل علَّام، والميم بدون ألف. ﴿لِمَ تَقْتُلُونَ﴾ اللام هذه في الحقيقة للتحدي والإلزام، يعني: إذا كنتم صادقين في قولكم: نؤمن بما أنزل علينا، فلم تقتلون أنبياء الله؟ هل هذا مؤمن اللي يقتل النبي؟ هل الذي يقتل النبي مؤمن به يا جماعة؟ لا أبدًا، وأيش تقتلون أنبياء الله وأنتم مؤمنون به؟ ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿أَنْبِئَاءَ اللَّهِ﴾ بالهمزة و﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ بالياء، مثل النبي والنبيء، النبيء جمعه أنبئاء، والنبي أنبياء. كما أن قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾؛ لأن هذا على القاعدة ما هي خاصة بهذا يعني: ﴿وَهْوَ الْحَقُّ﴾ فيها قراءة بالتسكين. * طالب: أنبئاءُ؟ * الشيخ: ﴿أَنْبِئَاءَ﴾ بالفتح * طالب: (...). * الشيخ: (...). ﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآن، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ نريد نسأل من هذه وأيش حرف جر؟ * طالب: لا. * الشيخ: مِن حرف جر، مِن؟ * الطالب: لو جر جرت اللي بعدها. * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: يمكن في حرف جر ولا يجر؟ تعرف الونش الآن، الونش ما هو بيحمل ولو حتى لو شيء كبير (...) ويش تقول؟ * طالب: حرف جر. * الشيخ: حرف جر، بقي عندنا إشكال عاد، لماذا لم تجر ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؟ * طالب: لأنه حذف المضاف إليه وبنيت على الضم ونوي المعنى المراد. * الشيخ: حذف المضاف إليه ونوي معناه، فهي إذن مبنية على الضم، كذا؟ وقلنا لكم: إن قبل وبعد، إما أن يذكر المضاف إليه، أو يحذف وينوى معناه، أو يحذف وينوى لفظه، أو يحذف ولا ينوى لفظه ولا معناه، إذا حذف ولم ينو لفظه ولا معناه فهي منونة على حسب العوامل، وإذا حذف ونوي لفظه فهي على حسب العوامل غير منونة، وإذا حذف ونوي معناه فهي مبنية على الضم، وإذا أضيفت فهي على حسب العوامل وغير منونة، واضح؟ * طالب: التقدير ما معناه؟ وأيش التقدير؟ * الشيخ: التقدير: من قبل ذلك. ﴿مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (إن) هذه شرطية و(مؤمنين) أي: في دعواكم الإيمان، تقولون: نؤمن بما أنزل علينا، فلم تقتلون أنبياء الله إن كنتم مؤمنين؟ وهذه الجملة لتكذيبهم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (إن) هذه شرطية فأين جواب الشرط؟ هذه ترد في القرآن كثيرًا، فمن الناس من يقول: إن جواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، يعني: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلون، ومنهم من يقول: إنها في مثل هذا لا تحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب إنما يحتاج إليه لبيان معنى، والمعنى هنا واضح بدونه، وإلى هذا ينحو ابن القيم رحمه الله ويقول: إن مثل هذا لا يحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب إنما يحتاج إليه لبيان المعنى وهنا يتبين المعنى بدونه، وقد ذكر ابن القيم أن هذا جارٍ حتى في جواب القسم، يعني أن القسم قد لا يحتاج إلى جواب إذا كان المعنى مفهومًا، وذكر هذا البحث في كتابه التبيان في أقسام القرآن. * طالب: على قول الشيخ (...). * الشيخ: جواب القسم ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، إذن هذه الآية.. * طالب: (...) * الشيخ: نعم هو الراجح. * طالب: (...) * الشيخ: يمكن، على كل حال (...) إذا كان الجواب مفهوم (...). نأخذ الفوائد الآن: * أولًا: قال الله عز وجل: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا﴾ * يستفاد من هذه الآية: أن الكفر خصلة ذميمة، ولو ترقى به الإنسان إلى مآربه في الدنيا؛ لقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا﴾، كذا؟ * الفائدة الثانية: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي وحسد؛ لقوله: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾. * الفائدة الثالثة: أن من رد الحق من هذه الأمة؛ لأن فلانًا الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به، فقد شابه اليهود، فهمتم يا جماعة؟ يوجد بعض الناس إذا نصحه إنسان ودله على الحق وهو يحتقر هذا الإنسان ما يراه شيء (...) ثم يرده لماذا؟ لأنه جاء من قبله، ولو جاء من قبل فلان وفلان آخر لقبله، نقول: هذا الذي على هذه الحال فيه شبه من أين؟ من اليهود. * الفائدة الرابعة: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال ولَّا لا؟ يعرف الحق بالحق، فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتبعه، من أيٍّ كان مصدره، لا تقل: والله هذا جاء به إنسان أقل مني علمًا، أو أخشى إني أقبل من هذا الرجل يصير له -مثلًا- فخر واعتزاز وما أشبه ذلك، اقبل الحق للحق، لا لأنه جاء به فلان وفلان. * الفائدة الخامسة: أن العلم من أعظم فضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا شك أن العلم أفضل من المال، وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم وفضل المال، فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين، الخلفاء السابقون طوي ذكرهم، والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم ولَّا لا؟ بقي ذكرهم، هم يدرسون الناس وهم في قبورهم وأولئك الخلفاء نسوا، اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة يذكره من يعرفه، يذكره من يعرف أن ها المآثر لفلان، فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. * الفائدة التي تليها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ والمشيئة هي الإرادة ولَّا لا؟ لا ما هي الإرادة، المشيئة بعض قسم الإرادة، قسم من الإرادة، وهي الإرادة الكونية، أما الإرادة الشرعية فليست من المشيئة. * الفائدة التي تليها: أن الله سبحانه وتعالى يمن على من يشاء من عباده، بمعنى أريد أن أقول: إن هذا الفضل الذي ينزله الله لا يجعل المفضل به ربًّا يعبد، بل هو من العباد حتى ولو تميز في الفضل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾. * ترى هذه الفائدة لها فروع، نوضحها نقول: إن من آتاه الله الفضل لم يخرج به عن أن يكون عبدًا، إذن لا يرتقي إلى منزلة أيش؟ الربوبية، فالرسول عليه الصلاة والسلام عبد من عباد الله، ولَّا لا؟ عبد من عباد الله، ما نقول: إنه لما نزل عليه الوحي يرتفع حتى يكون ربًّا يملك النفع والضرر ويعلم الغيب، لا. * أيضًا يتفرع عنها: أن من آتاه الله من فضله -خصوصًا في مسائل العلم- ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره، السبب؟ لأن الله تعالى أعطاه من فضله، فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره، أليس كذلك؟ كلما عظم الإحسان من الله عز وجل استوجب الشكر أكثر، واضح؟ كلما عظم الإحسان استوجب الشكر، إذا أنعم الله عليك نعمتين كم يجب عليك من الشكر؟ شكران، ثلاث نعم؟ ثلاث شكورات، وهكذا، إذن إذا أنعم الله عليك بالعلم الذي ورثته من نبيك محمد ﷺ يجب أن تكون بذلك أشد تواضعًا لله وللحق وللخلق، واضح؟ * يتفرع على هذا أيضًا فرع ثالث: أن هؤلاء المغرورين -نسأل الله السلامة- الذين غرتهم أنفسهم بما أوتوا من العلم قد حرموا الفضل في الحقيقة، حرموا فضل العلم، ولَّا لا؟ يعني (...) والعياذ بالله لما من الله عليهم بالعلم رفعوا أنفسهم وتعالوا، حتى إنهم ربما لا يقبلون الحق، ربما يكونون مشابهين لبني إسرائيل في المسألة الثانية. * الفائدة التي تليها: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب، من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾. * الشيخ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾، فالعقوبات -والعياذ بالله- تتراكم مثل ما تتراكم الذنوب جزاء وفاقًا. * الفائدة التي تليها: أن هؤلاء الذين اشتروا أنفسهم بالكفر بما أنزل الله أنهم كافرون؛ لقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾. * الفائدة التي تليها أيضًا: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله: ﴿مُهِينٌ﴾ يهينهم بعد أن ترفعوا، فعوقبوا -والعياذ بالله- بما يليق بذنوبهم، وعلى هذا جرت سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، وقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦].الفائدة التي تليها: بلاغة القرآن؛ لأن هذه الكلمة: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ بدلًا من: (ولهم) استفدنا منها فائدة أكثر مما لو جاء الضمير (ولهم) وأيش استفدنا؟ أن هؤلاء كفار، ولو قال (ولهم)، لكنا لا ندري ما مرتبتهم في دين الله، فلما قال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ علمنا أنهم كفار. * الفائدة الثانية: العموم أن مثل هذا الفعل يكون به الإنسان كافرًا، هم وغيرهم. * الفائدة الثالثة أيضًا: بيان علة الحكم وهو العذاب المهين؛ إذ علته ما هو؟ وأيش علة العذاب المهين؟ علته الكفر ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: على كفرهم، وقد مر علينا أن الحكم إذا علق على وصف دل على عِلِّية ذلك الوصف أو لا؟ دل على علية ذلك الوصف، وعلى أن الحكم يقوى بحسب قوة ذلك الوصف أو لا؟ إذا قلت -مثلًا-: اقطع السارق أي؟ يده، أي اقطع السارق، أي لأنه سرق، أي لأنه سارق، هذا واضح العلية فيه. إذا قلت: أكرم المتقي، أي؟ لتقواه، وكلما ازدادت تقواه ازداد إكرامه، إي نعم. * طالب: قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن هذا مع كونه عذابًا يهينهم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...) على كل حال، ليس كل عذاب مؤلمًا، وليس كل عذاب مهينًا. * الطالب: عذاب الآخرة. * الشيخ: حتى عذاب الآخرة، لكن إذا قيل: ﴿مُهِينٌ﴾ معناه أنه يبلغ في الإهانة أعظم مبلغ، هو أبلغ من مطلق العذاب. طالب: و﴿مُهِينٌ﴾ صفة تأسيسية؟ * الشيخ: صفة تأسيسة، نعم. * طالب: (...) ﴿بَغْيًا﴾ (...) حسدًا تحريم الحسد؟ * الشيخ: قلنا: بلى تحريم الحسد والعدوان. * الطالب: (...) غضب الله وأنه يجب على العبد أن يغضب لغضب الله كيف هذا ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، يستفاد منها: إثبات الغضب لله، وإن كان ما هو بواضح، ﴿بَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ يعني: الظاهر أنه من الله الغضب، فيستفاد منه إثبات غضب الله سبحانه وتعالى، وغضب الله تعالى من صفاته أيش؟ الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته سبحانه وتعالى، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي صفة فعلية. * طالب: الغضب من الله سبحانه وتعالى، نقول: كيف وضع غضب على غضب فهنا الغضب واحد؟ * الشيخ: لا. * الطالب: الغضب واحد؟ * الشيخ: لا (...)، الغضب يتعدد بتعدد أسبابه، يعني: غضب الله عليهم لفعل كذا، ثم غضب مرة ثانية لفعل كذا، وهكذا يتعدد بتعدد أسبابه، في فوائد بعد الثانية؟ * طالب: سعة فضل الله؛ لقوله ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ (...). * الشيخ: إذا جعلنا (مِن) للتبعيض فهو دليل على سعة فضل الله، وإن جعلناها لبيان الجنس لم يكن في هذا دليل، ولكن جعلنا إياها للتبعيض أولى؛ لأنها تدل على معنى أكثر من بيان الجنس. وما يستفاد من ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُم﴾: أن النفس أمانة عند العبد؟ * طالب: لما ذم الله بيعها (...). * الشيخ: إيه أو ﴿اشْتَرَوْا﴾ بمعنى اختاروا، فهذا دليل على أن النفس عند العبد أمانة لا يجوز له أن يكلفها ما يشق عليها أو يحرمها من فضل الله؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص قال له: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٦، ١٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.]]. ثم في القرآن ما أكثر ما يمر بنا ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] يظلمون أنفسهم، فالنفس في الحقيقة لها حق عليك لترعاها حق رعايتها؛ ولهذا يجب على المرء أن يدافع عن نفسه في غير فتنة، لماذا؟ حماية لها؛ لأن هذا من حقها، يجب عليه أن يأكل إذا جاع، وأن يشرب إذا عطش، وأن يكسو نفسه إذا خاف البرد وهكذا تمام؟ * طالب: شيخ، قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ الجار والمجرور للحصر، قدم الجار والمجرور، هل العذاب المهين لهم فقط؟ * الشيخ: للكافرين يعني: دون الفاسقين مثلًا؟ * الطالب: أو لغيرهم. * الشيخ: ربما يستفاد منه أن غير الكافرين لهم عذاب لكن لا يصل إلى درجة الإهانة؛ لأنهم ما بلغوا إلى حد الكبر عما أنزل الله، وقد يقال: إنه لأجل مراعاة الفواصل مع أنه يصح والعذاب المهين للكافرين ليس خاصًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ * يستفاد من هذه الآية: بيان خداع هؤلاء اليهود؛ لأنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهم كاذبون، ولكن قصدهم رد الحق فقط لا التمسك بالحق. خذوا بالكم يا جماعة، واضح؟ * الطلبة: واضح. * الشيخ: لأنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهم كاذبون في هذا، لو كانوا صادقين لآمنوا بالقرآن الكريم. * الفائدة الثانية: أن الإيمان بما أنزل الله كل ذي فطرة سليمة يدعو إليه بناء على أن: (قيل) للإبهام فيكون شاملًا. * الفائدة الثالثة: أن من دعي إلى الحق من هذه الأمة يقال: مذهب كذا وكذا، يعني: ولا أرجع عنه فهو شبيه بمن؟ باليهود؛ لأن الواجب إذا دعيت إلى الحق أن تنظر (...) الحق، فإذا كان الحق وجب عليك اتباعه، أما أن تقول: والله لا أنا مذهبي شافعي ما أنا تابع للحنبلي أو حنبلي وأنا تابع للشافعي ما يجوز فيه شبه من اليهود. ﴿ ﴾