Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:117 – البقرة 2:125
المحتويات
البقرة 2:117
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة 115] ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ اللام هذه للملك والاختصاص، يعني: أن الله تعالى مالك المشرق والمغرب، وما الدنيا كلها إلا مشرق ومغرب، إذن فالله تعالى مالك لكل شيء، المشرق مكان الشروق أو زمانه؟ مكانه، والمغرب كذلك مكانه، وقد وردت المشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: مفردة، ومثناة، وجمع، فهنا قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وفي آية أخرى قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء 28] وفي آية ثانية قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن 17]
وفي ثالثة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج 40]
فكيف نجمع بين هذه الأوجه الثلاثة؟ نقول: أما المشرق فلا ينافي المشارق ولا المشرقين، لماذا؟ لأنه مفرد محلى بأل، فهو للجنس الشامل الواحد والمتعدد، وأما ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ و﴿رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ فالجمع بينهما إما أن يقال: إنه جُمع المشارق والمغارب باعتبار الشارق والغارب؛ لأن الشارق والغارب واجد ويش (...) غير الشمس؟ القمر والنجوم ومن يحصي النجوم؟ وثُنِّي باعتبار مشرق الشتاء ومشرق الصيف، فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب، والصيف في أقصى الشمال وبينهما مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله، شوف المسافة من مشرقها في الشتاء إلى مشرقها في أيام الصيف مسافة عظيمة يعني كبر الأرض يمكن آلاف الآلاف، فهي ثنيت بهذا الاعتبار، ثم إنكم لاحظوا أن سورة الرحمن أكثر ما فيها بصيغة التثنية، أو لا؟ فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر المشرق و المغرب بصيغة التثنية، أما عند العظمة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [المعارج 40، 41].
ويش جاء بصيغة؟ بصيغة الجمع؛ لأن الجمع أدل على التعظيم من المثنى؛ لأن المثنى نص في دلالته على الحصر، طيب ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: مشرق كل شارق، ومغرب كل غارب.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ نشوف (أين) ويش إعرابها؟ (أين) أظن أننا نعلم أنها؟
* طالب: ظرف.
* الشيخ: لا، هي ظرف، لكنها أخص من ذلك شرطية، أين شرطية، وما زائدة و﴿تُوَلُّوا﴾ الفعل هذا فعل الشرط، و﴿تُوَلُّوا﴾ هي مضارع ولَّا ماضي ولَّا أمر؟
* طالب: مضارع.
* الشيخ: ويش الدليل أنها مضارع؟
* طالب: أنه مجزوم، محلها محل جزم.
* الشيخ: هل تقول: تولون؟ نعم في القرآن: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر 33] فإذن تولوا فعل مضارع مجزوم بأداة الشرط، وعلامة جزمه حذف الواو والنون فاعل؟
* طالب: حذف النون؟
* الشيخ: نعم، حذف النون، والواو فاعل.
طيب، وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الفاء هي رابطة لجواب الشرط، و﴿ثَمَّ﴾ اسم إشارة، وهو ظرف، لكنه اسم إشارة يشار به للبعيد، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿وَجْهُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط، انتهينا الآن من الإعراب.
ما معنى ﴿تُوَلُّوا﴾؟ ﴿تُوَلُّوا﴾ تتجهوا، وقوله: ﴿فَثَمَّ﴾ أي: فهناك، والإشارة إلى الجهة التي توليت إليها.
وقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ اختلف فيه المفسرون من السلف والخلف، فقال بعضهم: المراد به وجه الله الحقيقي، وقال بعض العلماء: المراد به الجهة، فوجه بمعنى جهة، أي ففي المكان الذي اتجهتم به جهة الله عز وجل؛ وذلك لأن الله محيط بكل شيء، محيط بكل شيء، ففيها للعلماء قولان، ولكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن ذلك هو الأصل وليس هناك ما يمنعه، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قبل وجه المصلي[[لحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى». متفق عليه؛ البخاري (406)، ومسلم (547 / 50).]] والمصلون إلى أين يتجهون؟ أحد إلى الشرق، واحد إلى الغرب، واحد إلى الشمال، واحد إلى الجنوب، حسب مكانه، فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال وأهل الشام إلى الجنوب وأهل نجد إلى الغرب، وأهل مصر إلى الشرق واضح؟ وكل يتجه جهة، لكن هذا الاتجاه الذي يجمعهم القبلة وكل يتجه إلى وجه الله، فعلى هذا يقول الله عز وجل معنى الآية: أنكم مهما توجهتم في صلاتكم، فإنكم تتجهون إلى الله، سواء إلى المشرق أو إلى المغرب أو إلى الجنوب أو إلى الشمال، أفهمتم؟ ونحو منه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة 177].
الشيخ: ولكن ما معناه؟ بديع بمعنى؟
* الطالب: فاعل يعني فعيل.
* الشيخ: فعيل بمعنى؟
* الطالب: بمعنى مفعول؛ يعني بديع بمعنى (مبدوع).
* الشيخ: لا.
* الطالب: بمعنى مبدع.
* الشيخ: بمعنى مبدع (فَعِيل بمعنى مُفْعِل). طيب لها نظير في اللغة العربية.
* الطالب: لها نظير فعيل.
* الشيخ: مثل.
* الطالب: مثل قول الشاعر، ما أنا بحافظه.
* طالب آخر: قتيل.
* الشيخ: لا؛ لأن قتيل بمعنى مقتول.
* طالب: رحيم.
* الشيخ: لا.
* الطالب: أليم بمعنى مؤلم.
* الشيخ: أليم بمعنى مؤلم.
* الطالب: سميع.
* الشيخ: سميع بمعنى مسمع، صح.
* طالب: سميع بمعنى سامع؟
* الشيخ: لا، بمعنى مسمع، وعليه قول الشاعر، سميع بمعنى مُسمع.
* الطالب:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِــــــــــي هُجُـــــــــــوعُ
* الشيخ: أمِن ريحانة الداعي السميع، يعني: المسمع.
يؤرقني وأصحابي هجوع. السميع بمعنى الْمُسمِع. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى مبدعهما على غير مثال، موجدهما على غير مثال سبق.
الغرض من هذه الجملة، وأيش الغرض من قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ من يعرف؟
الرد على من قالوا: إن الله اتخذ ولدًا؛ يعني إن اللي قادر على إبداع السماوات والأرض قادر على أن يخلق ولدًا بدون أب؛ لأن النصارى قالوا: المسيح ابن الله وأين أبوه؟ جاء من أم فأين أبوه؟ قالوا: أبوه الله، الملائكة من أين جاءت؟ قالوا: بنات الله، فالله قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: والقادر على بدع السماوات والأرض قادر على أن يخلق بشرًا بدون أب.
قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧]، وأيش معنى إذا قضى؟
* الطالب: إذا أراد قضاءها.
* الشيخ: إذا أراد قضاءها. هل يأتي الفعل بمعنى إرادته؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: إذا قام إلى الصلاة.
* الشيخ: أبغي من القرآن؟
* الطالب: قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾.
* الشيخ: فاغسلوا؟ نعم، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨] أي أردت قراءته.
ما الدليل على تأويل قضى بمعنى أراد؟ ما هو الدليل على أن قضى بمعنى أراد أن يقضي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بدليل من القرآن؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ونجد لكم الآية من القرآن الدليل؟
* طالب: يعني هذا من غير الآية.
* الشيخ: من غير الآية هذه؟
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]؟
* الشيخ: لا، آفة العلم النسيان، الله أكبر! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
على أني قلت لكم: يصلح أن نجعل قضى ليس بمعنى أراد، بل بمعنى فعل شيئًا، فإنما يقول له عند فعله: كن فيكون، يعني أنه إذا قضى شيئًا فإن ذلك ليس أمرًا شاقًّا عليه، ليس لقضائه إلا أن يقول: كن فيكون.
في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ قراءتان، هما ﴿فَيَكُونُ﴾ فيها قراءتان؟
* الطالب: ما ذكرناه.
* الشيخ: ما ذكرناه؟
* الطالب: فيه النصب، ﴿فَيَكُونَ﴾ جوابًا للأمر أو على تقدير فعل شرط محذوف؟
* الشيخ: فهو يكون.
* الطالب: والثاني ﴿فَيَكُونُ﴾ على الرفع.
* الشيخ: أي على تقدير الاستئناف، أي فهو يكون.
فيها قراءتان: النصب ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ والقراءة الثانية: ﴿فَيَكُونُ﴾ فعلى قراءة النصب تكون جوابًا للأمر، كن فبسبب ذلك يكون، تكون الفاء للسببية، وعلى قراءة الرفع تكون على الاستئناف؛ أي فهو يكون، إذا قال له: كن فإنه يكون، كن هذه تامة ولَّا ناقصة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: تامة، وأيش السبب؟ أو لأن التمام أحسن من النقص؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب صحيح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذن نكمل الآية.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ هنا القضاء كوني أو شرعي؟ نقول: إنه كوني، القضاء كوني، وقضى يحتمل أنها بمعنى أراد أن يقضي كما يدل على ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ ما قال: إذا قضى شيئًا، قال: ﴿إِذَا أَرَادَ﴾، والفعل يُطلق على إرادته المقارنِة مثل قوله؟ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ و﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ٦]، وكان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥ / ١٢٢) من حديث أنس بن مالك.]] أي إذا أراد دخوله. وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ أمرًا واحد الأوامر، أو واحد الأمور؟
* طالب: واحد الأمور.
* الشيخ: واحد الأمور؛ يعني الشؤون، أي إذا قضى شأنًا من شؤونه سبحانه وتعالى فإن ذلك لا يصعب عليه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، كلمة واحدة (كن) بدون تكرار، فيكون، يكون على ما أراد الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ﴾ (إنما) هذه أداة حصر، أي: ما يقول له إلا كن، وكن هنا تامة؛ أي: احدِث، يعني (حَدَث يَحدِث احْدِث)، فهي تامة. ﴿فَيَكُونُ﴾ أيضًا تامة أي فيكون، أي فيحدث كما أمره الله سبحانه وتعالى، والغرض من هذه الجملة أيضًا إثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام ليس بابن لله؛ لأنه كان بأي شيء؟ بازدواج بين مريم وبين الله جل وعلا؟ كلا، ولكن بالكلمة: كن، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران ٥٩] آدم خُلق من غير أب ولا أم؛ ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ أي كن بشرًا فكان، فالذي قدر على أن يخلق آدم بدون أب ولا أم يكون أقدر على أن يخلق بشرًا بدون أب من أم بلا أب.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ انظر إذا أردتم مثالًا لذلك فاقرؤوا قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]. زجرة واحدة يزجر بها الخلائق كل الخلائق التي أُعدمت وفنيت منذ خلقها الله إلى يوم القيامة يزجرها الله مرة واحدة على أن تقوم حية فتقوم. شوف ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (إذا) فجائية كما تعرفون، والفجائية تدل على المباشرة والتعقيب. ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ هؤلاء الخلق من يحصيهم؟
* طالب: ما يحصيهم إلا خالقهم.
* الشيخ: ما يحصيهم إلا اللي خلقهم على اختلاف أصنافهم وأشكالهم وكِبَرهم وصغرهم بكلمة واحدة، سبحان الله العظيم! إذا هم بالساهرة على ظهر الأرض، هذا دليل على كمال قدرته جل وعلا وسلطانه وعزته، وأنه إذا أراد شيئًا لا يمتنع عليه، يقول له: كن فيكون، فكيف تقولون من أين يأتي عيسى؟ من أين تأتي الملائكة؟ بهذا يكون الآية فيها دليل على إبطال هذا القول من عدة أوجه:
أولًا: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
ثانيًا: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وثالثًا: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. ورابعًا: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وأيش بعد؟
وخامسًا: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ خمسة أوجه كلها تدل على بطلان دعوى هؤلاء الذين يقولون: إن الله اتخذ ولدًا بحجة أن هذا أمر لن يكون إلا أن يكون ولدًا لله. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
* الطالب: فيه أشياء مثل أشياء مخلوقات ما خلقها بكن، مثل السماوات والأرض والأشياء اللي ما خلقها بكن، هل هي فقط والباقي يقول للشيء: كن؟
* الشيخ: من قال أنها ما خلقت بغير كن؟
* الطالب: بس في ستة أيام؟
* الشيخ: طيب، ستة أيام هي تتكون شيئًا فشيئًا، انتهت في ستة أيام، كل شيء يتكون لا بد أن يكون قد قيل له: كن.
* الطالب: (...) سوى آدم؟
* الشيخ: كل شيء، خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، الآية ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ وكل الكون مراده.
* الطالب: بس خلقه بيده؟
* الشيخ: (...) بيده، وقال له: كن، فكان.
* الطالب: خلقت بيدِي جعل الخلق بيدي أو بيديَّ (...)؟
* الشيخ: صحيح، لكن مع كونه مخلوقًا باليد هو بالكلمة أيضًا، ثم قال له: كن فيكون.
* الطالب: تعقيب فيكون يدل على وجوده (...) الآن؟
* الشيخ: نعم، أصل الخلق الآن، تكوين آدم بيد الله عز وجل، لا شك أن الله أراده، إنما نعم القول قد لا يقول له كن إلا بعد أن أتم خلقه بيده، ما قال له: كن إلا بعد أن أتم خلقه بيده، فيكون الخلق والتكوين باليد بدون أن يقال له شيء. فيكون كونه إنسانًا بشرًا بقول: كن.
* الطالب: طيب ما فيه شيء (...)؟
* الشيخ: ما أعرف شيء.
* الطالب: الله سبحانه وتعالى كتب التوراة والزبور بيده، ثم قال (كن)؟
* الشيخ: المسائل الشرعية ما يقال لها (كن) حتى القرآن كله ما قال (كن)، القرآن تكلم به ونزل به جبريل، كلماته ما هو يقول هي نفسها كلمات.
* الطالب: أيضًا الكتابة.
* الشيخ: الكتابة من كلماته؟ ولهذا تعتبر التوراة من كلمات الله.
* الطالب: شيخ، فيه فرق بين يتكون ويكون، يتكون شيئًا فشيئًا، لكن يكون الله بعد التعقيب بالفاء إنه يكون فعلًا؟
* الشيخ: إذا أراد، كل شيء اللي يريده فيقول: كن، مثلًا هذا الذي يتكون الجنين، أراد الله تعالى أن يكون نطفة فكان، قال: كن نطفة فكان، ثم علقة، ثم إلى آخره، ثم بعد ذلك أنشأناه خلقًا آخر، كل شيء فإنه مراد الله سواء كان متطورًا أو حادثًا فجأة، ولا أعرف في هذا أن شيئًا يحدث فجأة هكذا إلا بتطور؛ لأن من سُنة الله تعالى التطوير في الشرع وفي القدر، كل شيء لا بد أن يكون له تدريج حتى يتم وينتهي، وعندنا الآن عموم ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران ٤٧] وكل أمر فهو مقضي له.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا ما يمكن يخرج من هذا العموم إلا شيء نعلم علم اليقين أنه خرج منه، وصحيح أن آدم، خَلْقُ الله تعالى له باليد ما نستطيع أن نقول: إن الله تعالى كلما أراد أن يخلق شيئًا منه يقول له: كن، ما نستطيع هذا، قد يكون الله سبحانه وتعالى بإرادته أنشأه بيده على ما يريد، ثم قال له: كن، أي كن بشرًا سويًّا، وأما حديث: «أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ كَمَنْ خَلَقْتُهُ بِكَلِمَتِي»[[أخرجه البيهقي في الشعب (١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]] هذا يجب أن ينظر فيه، فلا أدري عن صحته، إن شاء الله تحققوه لنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة ١١٨] هؤلاء المكذبون للرسل، والمراد بهم من في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بدليل قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الذين لا يعلمون هم الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فاقترحوا على النبي عليه الصلاة والسلام أشياء جاء النبي عليه الصلاة والسلام بأعظم منها، ومع ذلك ما آمنوا بها، فدل هذا على أن اقتراحهم إنما هو تعنت وعناد، وليس لقصد الوصول إلى الحق؛ لأن الرسول ﷺ جاء بأعظم مما اقترحوه، ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. هل يلزم انتفاء صدق الرسول عليه الصلاة والسلام لانتفاء الآية التي طلبوا وهو تكليم الله لهم؟
* الطلبة: لا، لا يلزم.
* الشيخ: لا يلزم؛ لأن الثابت لا يتعين بدليل واحد؛ بمعنى أن الأشياء قد يكون لها أدلة متعددة، فثبوت رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لا تتوقف على هذه الآيات التي اقترحوها ما دام أنه قد أتى بآيات أقوى منها، ولهذا من القواعد المقررة انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول، لماذا؟ لأن المدلول له أدلة متعددة، إذا قدَّرنا أنه لم يثبت بهذا الدليل فقد ثبت بدليل آخر، إبراهيم لما جادله الذي قال: أنا أحيي وأميت جاء بدليل آخر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، المهم أن الذين قالوا: لولا يكلمنا الله، نقول: تكليم الله سبحانه وتعالى لكم لا يستلزم وجوده صِدْقَ الرسول عليه الصلاة والسلام ولا انتفاؤه عدم صدقه لوجود آيات وأدلة أقوى مما زعمتم، فكونكم تقولون: لا بد تجيئنا ها الآية ،هذا غير مُسلَّم ما دام وجد آيات دالة على صدقه، فطلبكم هذه الآية المعينة هذا تعنت، مثل ما لو طلبت من إنسان الحاجة وجابها لك، وقلت: لا، أنا ما أبي إلا من فلان وهي نفس الحاجة، وأيش معنى هذا؟
* طالب: التعنت.
* الشيخ: معنى هذا التعنت، مطلوبك حصل، أما كونك تتعنت بكذا وكذا بدون سبب، وهؤلاء بدون سبب؛ لأن تكليم الله لهم لا يريدون بذلك تشريف الله لهم بالكلام، ما يريدون هذا، لو أرادوا هذا لقلنا: إنه طلب معقول، لكن ماذا يريدون به؟
* طالب: التعجيز.
* الشيخ: يريدون به إثبات رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: إن كنت صادق خلي الله يكلمنا، عرفتم ولَّا لا؟ أنا أقول الآن: لو كانوا طلبوا أن يكلمهم الله تشريفًا لهم لكان طلبهم معقولًا، لكن هم طلبوا أن يكلمهم الله لتثبت بذلك رسالة الرسول ﷺ.
نقول: هذه الدعوى منكم تعنت؛ إذ إن الرسول ﷺ أتى بأمر أعظم من هذا، كذلك قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ سبحان الله! ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾؟ كأنهم ما جاءهم آية على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا من الجحود، فالأول تعنت، والثاني جحود، الأول: تعنت كونهم يقترفون شيئًا معينًا، يقولوا: نجيبوه ولَّا ما نؤمن، والثاني: جحود وإنكار أو تأتينا آية؛ لأن ما فيه شك أنه جاءتهم آيات عظيمة، أكبر آية جاءتهم هذا القرآن، قال لهم الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]. ائتوا بسورة من مثله، قدروا؟
* الطلبة: لا يا شيخ.
* الشيخ: إذن، القرآن من محمد ﷺ؟ لا، لو كان من محمد استطاعوا أن يأتوا بمثله؛ لأنهم مثله، وإن كان هو أفصحهم بسبب ما نزل عليه من الوحي؛ إذن ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ نقول: هذا الاقتراح الأخير لا شك أنه جحود وإنكار، لماذا؟
* طالب: لأنه قد أتتهم آية.
* الشيخ: لأنه قد أتتهم آية بل آيات. قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة ١١٨]. (كذلك) أي مثل هذا القول قال الذين من قبلهم، وعلى هذا يكون ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ توكيدًا لقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا القول قالوه واقترحوه من قبلهم، قوم موسى قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]. وإلا ما نؤمن، ورينا الله عيانًا وإلا ما نؤمن لك، فهذه دأب المكذبين للرسل، ينكرون ويقترحون، وقد أوتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه، قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، والغرض من قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ الغرض من هذا تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وهذا أمر معلوم، ولَّا لا؟ افرض مثلًا أن لصوصًا هجموا على بيوت فسرقوا من إنسان مئة ريال، طبعًا بيحزن، لكن لما أصبح قال الثاني: سُرق مني مئتين، وأيش يصير؟
* طالب: .. سهلة.
* الشيخ: تهون عليه، تهون عليه كثيرًا، الخنساء لما مات أخوها صخر قالت:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّــــــــي
والله تعالى يسلِّي رسوله عليه الصلاة والسلام بأن هذا القول الذي قيل لك قد قيل لمن قبلك ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. قال الله عز وجل: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شوف، الأولون والآخرون قلوبهم متشابهة في رد الحق وإبطاله والعناد والتعنت والجحود من أول ما بُعثت الرسل إلى خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، بل وإلى يوم القيامة، القلوب قلوب أهل الكفر والعياذ بالله والعناد متشابهة، إنما يختلف الأسلوب، الموضوع واحد، لكن الأسلوب يختلف، قد يقترح هؤلاء شيئًا وهؤلاء شيئًا، لكن الكلام على جنس الاقتراح وعدم القبول ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شوف القول يقول: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، والقلوب يقول: ﴿تَشَابَهَتْ﴾، فهل معنى ذلك أن المشابهة هي المماثلة ولَّا لا؟ اللي إحنا قررنا فيما سبق أن المشابهة ليست كالمماثلة؛ لأن المشابهة معناها المقاربة، والمماثلة هي المساواة ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: ولا ريب أن القلوب تتشابه، وإن تطابقت الأقوال؛ إذ قد يكون في قلوب هؤلاء ما ليس في قلوب هؤلاء من شدة الكفر والعناد، ولكن الأقوال تكون متطابقة.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بيّنا بمعنى أظهرنا؛ لأن (بان) بمعنى ظهر، و(بيَّن) بمعنى أظهر. وقوله: ﴿الْآيَاتِ﴾ جمع آية وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها، كل علامة تُعيِّن مدلولها تُسمى آية؛ فالآيات المعيِّنة لمن هي آية له تسمى آية، فآيات الله تعالى هي العلامات الدالة عليه؛ أي: المعيِّنة له سبحانه وتعالى، وقد ذكر أهل العلم أنها تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وآيات كونية؛ فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل من الوحي وكانت آيات؛ لأنه لا يوجد لها نظير في صدق الأخبار وحسن القَصص وعدل الأحكام، آيات الله الشرعية ليس لها نظير من كلام البشر في هذه الأمور الثلاثة، وهي: صدق الأخبار، وحسن القصص؛ يعني جميع القصص اللي في القرآن (...) كلها قصص نافعة وعبر عظيمة، والثالث: وعدل الأحكام، لا يوجد لها نظير أبدًا، مهما وجدتَ مثلًا من النظم والقوانين والْمُثل السائرة وغير السائرة ما يمكن تجد مثل هذا القرآن؛ إذن فهو آية من آيات الله.
كذلك الآيات الكونية وظهورها أعظم وأبين؛ لأنه يمكنك أن تحاج بها عقليًّا من ينكر الله ولَّا لا، مثل ؟
* طالب: الليل والنهار، والشمس والقمر.
* الشيخ: إي نعم، مثل السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار وكل شيء.
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّــــــــــــهُ وَاحِدُ
فهي آيات، هذه الآيات يا جماعة يقول الله إنه قد بينها، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ الموقِن تبيَّنت له الآيات وعرفها، والشاك ما تتبين، الشاك ما تتبين -والعياذ بالله- وربما تنطمس، وربما تنطمس عليه الأمور، ويكون بعد الشك إلى مرحلة الإنكار؛ لأن الشك -كما تعرفون- مرحلة بين مرحلتين؛ بين الإقرار والإنكار، فقد يكون مع الشك والعياذ بالله يصل إلى حد الإنكار، والشك لا يكفي في الإيمان، وفي هذه الآية: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ دليل على أن الله قد أقام الحجة، وعلى أن الآيات ما تنفع كل أحد إنما تنفع من أيقن، أما من شك فإنها لا تنفعه الآيات، لو هو شاك ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* طالب: شيخ، هذا القول قول يهود المدينة أن السورة مدنية؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الذين قالوا بأن السورة مدنية.
* الشيخ: لا هي عامة، يعني ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عامة، و(قال): فعل ماضٍ تشمل الموجود في زمن نزول الآية والذي قبله.
* الطالب: (...) هو فلق القمر، انشقاق القمر، (...) فهل..؟
* الشيخ: لا، العلماء قالوا: إنهم طلبوا آية غير معينة.
* الطالب: أجيبوا؟
* الشيخ: إيه، أجيبوا بهذه الآية، والذي يهلكون إذا اقترحوا فأجيبوا، إذا طلبوا آية معينة وأجيبوا لها فإنهم يهلكون.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة ١١٩] يعني معناه: أن هؤلاء الذين يقولون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ يُرد عليهم بهذه الآية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ وإن للتوكيد، أين اسمها؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: اسمها الضمير.
* الشيخ: وأين الضمير؟
* الطالب: نحن.
* الشيخ: وأين نحن؟
* طالب: (نا) يا شيخ.
* الشيخ: اسمها (نا)، لكنها حُذفت النون فقط لتوالي الأمثال مع أنها أحيانًا لا تحذف (إننا)، ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ [هود ٦٢]، لكن ما تقول اسمها الألف بأني أخشى أن أحدكم يقول: اسمها الألف؛ إذ إن الألف لا تكون ضميرًا إلا إذا اتصلت بالفعل، مثل: قال، وقام، وما أشبه ذلك.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أرسلناك لمن؟ حذف المرسل إليهم لإفادة العموم؛ لأن النبي ﷺ مرسَل إلى جميع الخلق وغيره من الرسل إلى مَنْ؟
* الطلبة: إلى قومه خاصة.
* الشيخ: إلى قومهم خاصة، أما الرسول ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للمصاحبة والملابسة، يعني أرسلناك متلبسًا بالحق، أو أن المعنى حاملًا الحق بهذه الرسالة؛ يعني أن الآية تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق. والثاني: أن ما أرسلت به حق، فهمتم الفرق بين المعنيين؟
والمعنيان ثابتان، الرسول عليه الصلاة والسلام رسالته حق، وعليه فالباء للملابسة، والرسول عليه الصلاة والسلام ما أرسل به فهو حق، وعلى هذا فالباء للمصاحبة، يعني رسالتك مصحوبة بالحق؛ لأن ما جئت به حق، والحق قلنا: إنه ضد الباطل، وهو الثابت المستقر، فإن أضيف إلى الأخبار فالمراد به الصدق، وإن أضيف إلى الأحكام فالمراد به العدل، ما جاء به الرسول صلى الله عليه سلم فهو حق في أخباره وفي أحكامه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] الظاهر أنه لا يخفى على الجميع أن الحق مقبول ومطلوب من كل نفس، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا كان هكذا، فمن رامَ الحقَّ وجده، ومن أعرض عنه إلى الباطل عوقب بحرمانه، فهمتم؟
﴿بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ اللهم صلِّ وسلم عليه ﴿بَشِيرًا﴾ حال من أين؟
* طالب: من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ اللي هي المفعول. و﴿وَنَذِيرًا﴾: حال أخرى بواسطة حرف العطف، فجمع الله له بين كونه مبشِّرًا منذرًا؛ لأن ما جاء به أمر ونهي، المناسب للأمر البَشارة، وللنهي الإنذار، فعليه تكون رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جامعة بين البُشرى وبين الإنذار، فمن الذي يُبشر بها؟ ومن الذي يُنذَر بها؟
بينه الله تعالى في عدة آيات؛ في سورة الكهف: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف ٢]، وكذلك قال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم ٩٧].
إذن فالرسول ﷺ مبشِّر للمتقين الذين يعملون الصالحات، ومنذر لِلُّدِّ جمع (ألدّ)، وهو الخَصم المعاند، هؤلاء ينذرهم بالعقوبة الدنيوية أو الأخروية أو هما؟
* الطلبة: هما.
* الشيخ: هما، إي نعم، هما أو إحداهما، لا بد أن يأتيهم عقوبة، وإذا قلنا بأن العقوبة تشمل حرمان الإنسان من الطاعة والإيمان، فلا بد أن يكون معاقبًا بالأمرين: الدنيوية والدينية. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. في قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ قراءتان إحداهما: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ بلا النافية، والفعل مبني للمجهول، يعني ولا تسأل أنت عن أصحاب الجحيم يعني ما يسألك الله عنهم؛ لأنك بلغت والحساب على من؟ على الله، والقراءة الثانية: ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ . ولا تسألْ على أن (لا) ناهية وتسأل: فعل مضارع مبني للفاعل، ولا تسأل أنت، أوْ: ولا تسألُ أيها المخاطب.
أما على القراءة الأولى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ فالمعنى أنك لا تُسأل عنهم وكيف لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
وعلى القراءة الثانية ﴿وَلَا تَسْأَلْ﴾ ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ المراد به الإنذار والوعيد؛ يعني لا تسأل عن أحوالهم فإنهم في أمر ما يحتاج إلى السؤال -والعياذ بالله- لأنهم أصحاب الجحيم؛ الجحيم النار نسأل الله العافية، وأَصْحَابِ، الصاحب هو الملازم؛ يعني أصحاب الجحيم أحد يسأل عن حالهم هل هم في نعيم ولَّا في بلاء؟
* طالب: من السياق هذا معلوم.
* الشيخ: لا تسأل عن حالهم؛ فإنهم -والعياذ بالله- في حال لا يتصورها الإنسان، وهذا في غاية ما يكون من الإنذار لهؤلاء المكذبين المخالفين الذين هم أصحاب الجحيم.
* طالب: بشير، من أين اشتق؟
* الشيخ: بشير من البشرى، والبشرى مصدر من بَشَّر، والتبشير كما قلنا أظنه مر علينا لكن يمكنني أذكركم به أيضًا أن البشرى والبَشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ، ولا تكون في غير ما يَسُرُّ إلا أحيانًا، وإنما سميت (بُشرى) بُشرى لظهور أثرها على البَشرة، فإن الإنسان إذا سُرّ تبرق أسارير وجهه؛« كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر ﷺ »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٥٦)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك بلفظ: «إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ».]]. وهذا أمر ظاهر، يجيك الإنسان (مغلدن) تعرف إنه محزون، ويجيك ما شاء الله وجهه يتلامع تعرف أنه مسرور، وقد تطلق البشارة إما تهكمًا وإما لعِظَم وقعها عليهم بما يؤلم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أما الإنذار فهو الإعلام بالْمَخُوفة؛ أي بما يخاف منه، والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر وهي الجنة، ومنذر بما يُخاف منه وهو النار.
* طالب: الذي يضر المشؤم منه يتغير تغير ملامح الوجه فيصدق اشتقاقه اللغوي، أيش هذا؟
* الشيخ: إي نعم، لكنهما حسب العرف والاستعمال ما يقال إلا فيما يسر؛ لأن كون الإنسان يتغير وجهه بما يسره هذا أمر مطلوب يستريح إليه الإنسان، وكونه يبشر بأمر يُؤَثِّر عليه، وإن كان يتغير لكن الأمر مكروه، فقد جرى العرف بأن البشارة إنما تكون في الأشياء المحبوبة، وقد تُطلق إما من باب التهكم كما قاله بعض العلماء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وإما من باب الحقيقة على أن الجسم أو البشرة تتأثر بذلك.
* طالب: يعني كل بحسب المضاف إليها وبحسب المعنى؟
* الشيخ: لكن أصل البشارة إنما تكون فيما يسر.
* الطالب: الدليل.
* الشيخ: لأن تغير البشَرَة بهذا أمر مطلوب ويحبه الإنسان، فلهذا قيلت فيما يسر، وإن كان قد يتأثر بما يؤلمه وبما يخاف منه لكنه ما يقال: (بشره) إلا على سبيل التهكم أو نادرًا، ولا يلزم من كون الاشتقاق لهذا المعنى أن يتعدى إلى غيره كما قلنا في جمع مثلًا مزدلفة تسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها، ولا تسمى عرفة جمعًا وإن كان الناس يجتمعون فيها، ليس هذا بلازم.
قال: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ﴿الْجَحِيمِ﴾ هي النار العظيمة، وهي لها أسماء كثيرة، منها: النار، ومنها: الجحيم، والسعير، وجهنم، كل ذلك لاختلاف أوصافها وإلا فهي واحدة.
* طالب: هل من أسمائها الهاوية؟
* الشيخ: لا، ما هو من أسمائها، لكنها في الحقيقة لها قعر، الشيء يهوي فيها، وما تسمى بالهاوية.
ثم قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ كأن النبي ﷺ يحب أن يتألف اليهود والنصارى، والذي يُحب أن يتألفهم يحب أن يرضوا عنه، فبين الله عز وجل أن هؤلاء اليهود والنصارى قوم ذو عِناد ما يمكن يرضون عنك مهما تألفتهم، ومهما ركنت إليهم بالتألف لا بالمودة فإنهم لن يرضَوا، ولهذا أول ما قدم الرسول ﷺ المدينة كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْهَ عنه، ثم بعد ذلك تركهم وخالفهم قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ أي: دينهم. (...) يعني مع أنهم لا يؤمنون حتى يكلمهم.
قوله: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ ما المراد بها؟
* طالب: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ أي: معجزة.
* الشيخ: علامة على؟
* الطالب: علامة على نبوة النبي ﷺ.
* الشيخ: إي نعم.
قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِم﴾؟ من يعني بالذين من قبلهم؟
* طالب: اليهود والنصارى.
* الشيخ: نعم، تحفظ شيئًا مما قالوا؟
* الطالب: قولهم؛ قول اليهود: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
* الشيخ: لموسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥] نعم. قوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ما معنى التشابه؟
* الطالب: التشابه هو قريب من (...).
* الشيخ: قرب الشيء من الشيء.
قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ما موضعها مما قبلها؟ موقعها مما قبلها في المعنى؟
* الطالب: تعليل.
* الشيخ: تعليل لأيش؟
* الطالب: تعليل في الرد عليهم في دعواهم، وأنها لا جدوى لها، وأن القرآن كامل، وأن قولهم هذا هو مجرد تعنت وقد بُينت لهم الآيات.
* الشيخ: يعني إبطال لقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فقال الله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ يعني الآيات جاءت مبينة أيضًا، ما فيها إشكال.
* طالب: حالية يا شيخ؟
* الشيخ: لا، استئنافية للرد عليهم، استئنافية لإبطال قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾. ما هي حالية؛ لأن ما هي قيد فيما قبلها، الحال قيد فيما قبلها، أما هذه فهي استئنافية لإبطال قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾؛ يعني أن الآيات قد جاءت مبينة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباء معناها؟
* طالب: الملابسة.
* الشيخ: نعم، والمصاحبة، ما معنى ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* الطالب: أرسلناك بالقول الحق.
* الشيخ: وأيش معنى بالقول الحق يعني؟
* الطالب: أرسلناك؛ أي مثبتًا بالحق.
* الشيخ: وأيش بعد؟
* طالب آخر: يعني مصاحبًا معك الحق، وكذلك أنت يعني تعمل بالحق، يعني ملازمًا لك.
* الشيخ: الملابسة والمصاحبة، فمعنى الملابسة أن رسالتك حق، الرسالة حق، ومعنى المصاحبة أن ما جئت به فهو حق، فتكون الرسالة حقًّا، وما جاء به وهو مرسَل به حق أيضًا، ما هو الحق باعتبار الأحكام؟
* الطالب: الشيء الثابت المستقر.
* الشيخ: هذا الثابت المستقر، أحسنت، وإذا أضيف إلى الأحكام فالمراد به؟
* الطالب: العدل.
* الشيخ: وإذا أضيف إلى الأخبار؟
* الطالب: الصدق.
* الشيخ: المراد به الصدق.
قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ فيها قراءتان ما هما؟
* طالب: قراءة ﴿ولا تَسْأَلْ عن أصحاب الجحيم﴾ ، وقراءة ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾.
* الشيخ: وأيش الفرق بينهما؟
* الطالب: لا تُسْأَل، إحنا ما نُسأل عن حالهم.
* الشيخ: وحسابهم على الله، ولا تَسْأَل؟
* الطالب: أي: لا تسأل عن أحوالهم.
* الشيخ: فهم في حال يرثى لها. نحن قلنا فيما سبق إن القراءتين تعتبران معنيين، فكأنه يقول: لا تسأل عنهم ولا تُكلف بهم، وأيضًا هم في حال لا يحتاجون إلى السؤال عنهم
لأنهم- والعياذ بالله- في عذاب لا نظير له، نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥].
* يستفاد من الآية الكريمة: عموم مُلك الله؛ لأن المشرق والمغرب يحتويان كل شيء، ففيها عموم ملك الله.
ومنها أيضًا: إحاطة الله تعالى بكل شيء لقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ومن * فوائد الآية أيضًا: أنه لعموم ملك الله تعالى للمشرق والمغرب خلقًا وتقديرًا فله ملك المشرق والمغرب توجيهًا، وقد قلنا لكم: إن قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة ١٠٦] كلها منها إلى نسخ القبلة كله تمهيد لتحويل القبلة، فكأن الله يقول: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة ١٤٢] فإذا شاء جعل الاتجاه إلى اليمين، وإذا شاء جعله إلى اليسار ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ومن * فوائد الآية أيضًا: جواز الصلاة إلى حيث كان وجهك عند العذر،كما فسرها كثير من أهل العلم بذلك، جواز الصلاة عند العذر إلى حيث كان وجهك.
* ومنها: جواز الصلاة إلى اتجاه مسيرك في السفر إذا كانت الصلاة نافلة، وقد فُسرت به الآية أيضًا، ولكن الآية أشمل من هذا.
* ومنها: إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾.
* ومنها: أن الله تعالى له مكان لقوله: ﴿فَثَمَّ﴾؛ لأن ثم إشارة إلى المكان، لكن أين هو؟
* الطالب: فوق السماوات.
* الشيخ: نعم، في العلو، قال النبي عليه الصلاة والسلام للجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟». قالت: في السماء »[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]. وفيه إبطال لقول بدعتين ضالتين؛ إحداهما: بدعة الحلولية القائلين بأن الله تعالى في كل مكان بذاته؛ فإن هؤلاء قولهم باطل يبطله السمع والعقل والفطرة أيضًا، والثاني: قول النفاة المعطلة الذين يقولون: إن الله لا داخل العالَم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا تحته، ولا يمين العالم ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم. هذا القول قال بعض أهل العلم: لو قيل لنا: صفوا لنا العدم ما وجدنا وصفًا أشد إحاطة من هذا الكلام للعدم؛ لأن هذا المعدوم في الحقيقة.
ومن * فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: واسع وعليم ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع، في أي شيء؟ كل صفاته واسعة لا نهاية لها، علمه ما له نهاية، قدرته لا نهاية لها، سمعه لا نهاية له، كل شيء من صفاته فإنه على أعلى ما يكون من السَّعَة والإحاطة، العلم أيضًا محيط بكل شيء ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
* ومنها أيضًا نستفيد إثبات السمع والعلم، نستفيد صفة ثانية من جمع السمع والعلم، للإشارة إلى أن عِلم الله واسع، واسع بمعنى أنه لا يفوته شيء من كل معلوم لا في الأرض ولا في السماء.
* ومنها: انفراد الله بالملك، من أين تؤخذ؟
* طالب: من تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة ١١٦].
* يستفاد من هذه الآية: بيان عتو الإنسان وطغيانه؛ حيث سب الله سبحانه وتعالى هذه السبة العظيمة، فقال: إن الله اتخذ ولدًا، في الحديث الصحيح: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ وَلَدًا، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة.]].
فهذا من أعظم- والعياذ بالله- العدوان، ففيه دليل على طغيان الإنسان من حيث هو وعتوه لقوله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وهو يشير كما تقدم في التفسير إلى ثلاث طوائف، مَنْ؟
* الطلبة: اليهود، والنصارى، والمشركون.
* الشيخ: اليهود، والنصارى، والمشركون.
ومنها،* من فوائد الآية: أن الله أبطل هذه الدعوى الكاذبة من عدة أوجه:
أولًا: في قوله سبحانه، فإن تنزهه عن النقص يقتضي أن يكون منزهًا عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يُقصد به؟
* طالب: الإعانة.
* الشيخ: إي نعم، الإعانة ودفع الحاجة أو بقاء العنصر، والله تعالى منزه عن ذلك، ومنزه أيضًا عن المماثلة، ولو كان له ولد لكان مثيلًا لله.
وثانيًا: أبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمملوك لا يكون ولدًا للمالك حتى إنه شرعًا إذا ملك الإنسان ولده ماذا يكون؟ يَعْتِق عليه، فالمملوك ما يمكن يكون ولدًا للمالك، فالله خالق، وما سواه مخلوق، فكيف يكون المخلوق ولدًا للخالق؟
والوجه الثالث من إبطال هذه الدعوى أن جميع العباد كل العباد اللي في السماوات والأرض كل له خاضعون ذليلون، والولد لا يكون له مثل ذُلّ العبد، إذا كان الجميع عبيدًا له، كيف يكون أحد منهم ولدًا له؟ هل يذل العبد أمام أبيه كما يذل العبد أمام سيده؟ لا.
ومنها الوجه الرابع: أنه سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض؛ أي مبدعهما، فالقادر على خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق إنسانًا بلا أب، وهم يقولون: إنه ما له أب، فأبوه هو الله، فيقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالقادر على بدعهما قادر على أن يكون له ولد، قادر على أن يخلق إنسانًا بدون أب، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧].
الوجه الخامس: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومن كان هذه قدرتَه، فهل يستحيل عليه أن يوجد ولدًا بدون أب؟
* الطلبة: لا يستحيل.
* الشيخ: لا يستحيل، فبطلت شبهتهم التي احتجوا بها على أن عيسى ابن الله.
* الطالب: شيخ، كل له قانتون، يعني شمل العقلاء وغير العقلاء، وقانتون هم العقلاء؟
* الشيخ: تغليبًا، الآن انتهينا من الأدلة التي أبطل الله بها هذه الدعوى الكاذبة نرجع إلى الفوائد من هذه الآية؛ أولًا: امتناع أن يكون لله ولد، وأيش الدليل؟
* طالب: الوجوه الأربعة.
* الشيخ: الوجوه الخمسة، هذه الوجوه الخمسة.
وثانيًا: عموم مُلك الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن الفوائد: أن الله لا شريك له في ملكه، من أين تؤخذ؟
* طالب: من تقديم الخبر.
* الشيخ: من تقديم الخبر ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومنها: أن القنوت يُطلق على معنيين: المعنى العام، والمعنى الخاص؛ فالمعنى الخاص هو قنوت العبادة والطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر ٩]. هذا قنوت أيش؟
* الطلبة: العبادة.
* الشيخ: الطاعة والعبادة الشرعية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، وكما في قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣].
والثاني: قنوت الذل العام، وهذا شامل لكل من في السماوات والأرض، كما في هذه الآية: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ حتى الكفار قانتون لله؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: حتى الكفار بهذا المعنى قانتون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: عِظَم قدرة الله سبحانه وتعالى، وأيش هو؟ ببدع السماوات والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة.
* ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذه السماوات والأرض على نظام بديع عجيب، قال الله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك ٣].
هذا النظام الواسع الكبير العظيم ما يختل ولا يتغير على مر السنين والأعوام، وأيش يدل عليه؟
* الطلبة: على قدرة الله.
* الشيخ: على قدرة بالغة باهرة، وحكمة عظيمة أيضًا بالغة، حكمة عظيمة، كل شيء منظم تنظيمًا بديعًا متناسبًا ما يصطدم شيء بشيء فيفسده، ولا يغير شيء شيئًا بل كل سائر على حسب ما أُمر به، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت ١٢].
إذن ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * يستفاد منها: القوة والقدرة والحكمة.
* طالب: (...) السماء (...).
* الشيخ: نعم.
* ومنها أيضًا: أن السماوات عدد؛ لأن الجمع يدل على العدد، فكم هي؟
* الطلبة: سبع.
* الشيخ: سبع، وهي كما قال الله تعالى: طباق ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح ١٥]. بعضها فوق بعض، وقد دل القرآن والسنة وإجماع المسلمين على أن السماء جرم محسوس، وليس كما قال أهل الإلحاد: إن الذي فوقنا علو لا نهاية له؛ لأن هذا كفر اللي يؤمن بهذا يكفر؛ لأنه كافر بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
* ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يُعجزه شيء ولا يمتنع عن أمره شيء لقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧].
* ومنها: إثبات أن القضاء نوعان: قضاء قدري، وقضاء شرعي، القضاء القدري مثل هذه الآية: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قدَّره كونًا وخلقًا ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والقضاء الشرعي كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قضى شرعًا ولا قدرًا؟
* الطلبة: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا؛ لأنه لو قضاه قدرًا ما أشرك أحد لعبد الناس كلهم الله، فهو قضاء شرعي، والفرق بينهما: أن القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع؛ يعني قد يفعله المقضي عليه وقد لا يفعله، والقضاء الكوني لا بد أن يفعله، ولا بد أن يقع في المقضي عليه، كما أني الآن ذكرت الفرق بين القنوت العام والخاص؛ أن القنوت الخاص يُحمد عليه القانت، والقنوت العام لا يحمد عليه؛ لأنه ذل لله عز وجل كونًا وقدرًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات القول لله كقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾.
* ومنها: أن قوله بحروف.
* الطالب: ﴿قُلْ﴾.
* الشيخ: لا، قل، ما فيها قل.
* الطالب: لا، كُن.
* الشيخ: كن، كن هذه حروف.
* ومنها: أن قول الله مسموع ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ و(له) صريحة في توجيه القول للمقول له، ولولا أنه يسمعه ما صار في توجيهه له فائدة، ولهذا يسمعه الموجَّه إليه الأمر فيمتثل.
* ومنها: أن الجماد خاضع لله سبحانه وتعالى، حتى الجماد، وجه ذلك؟ لأن قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يشمل الأمور المتعلقة بالحيوان والمتعلقة بالجماد، فالجماد إذا قال الله له: كن؛ كان.
ومنها،* من فوائد الآية: أنه ليس بين أمر الله بالتكوين وبين كونه تراخيًا، ما فيه تراخي بل يكون على الفورية، من أين تؤخذ؟
* طالب: من التعقيب بالفاء.
* الشيخ: إيه، من قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ بالفاء، والفاء تدل على التعقيب، على الترتيب والتعقيب.
* طالب: هل يحس الجماد؟
* الشيخ: إي نعم، يحس.
* الطالب: يدل على: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] أنه قول فعلي حقيقي؟
* الشيخ: إيه، حقيقي نعم.
* الطالب: عرض الأمانة على السماوات حقيقي؟
* الشيخ: نعم، إي نعم حقيقي، ما فيه إشكال.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من الذي خالف في أن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف وصوت؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: الأشاعرة.
* الطلبة: الجهمية.
* الشيخ: لا الجهمية ما خالفوا، قالوا: كلام الله بحرف وصوت، لكن كلام الله مخلوق ما هو من صفاته والمعتزلة كذلك، لكن الأشاعرة والكُلَّابية والماتريدية، كلهم يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وأن الحروف والأصوات عبارة عنه أو حكاية، ولهذا قال بعض محققيهم: إنه ليس بيننا وبين المعتزلة في الكلام فرق، ما بيننا وبينهم فرق؛ لأننا اتفقنا على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق.
لكن هؤلاء يقولون؛ المعتزلة يقولون: اللي بين دفتي مصحف كلام الله، وأولئك يقولون: عبارة، فكان المعتزلة في هذه الناحية خيرًا منهم، كانوا خيرًا منهم في هذه الناحية؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، ودول يقولون: ما هو كلام الله، هذا عبارة عنه، والكل اتفقوا على أن ما بين دفتي المصحف فإنه مخلوق، فالمهم أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام بصوت وحروف، وأنه مسموع، ولكن إذا قال قائل: كيف يمكن أن نتصور هذا ونحن نقول: إن الله ليس كمثله شيء؟ وأنتم تقولون: إنه بحروف؟
قلنا: نعم الحروف هي الحروف، لكن كيفية النطق وحقيقة النطق بها أو القول، هل يشبه نطق المخلوق وقوله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ما يشبهه، فمن هنا نعرف أننا لا نكون مشبهة إذا قلنا: إنه بحرف وصوت؛ لأننا نقول: صوت ليس كأصوات المخلوقين، بل هو حسب ما يليق بعظمته وجلاله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة ١١٨].
* يستفاد من هذه الآية: أن أهل الباطل لا يعارضون الحق إلا بباطل؛ لأن كون الآيات تأتي على حسب مقترحهم هذا تعنت واستكبار وإلا فالمقصود، وأيش المقصود؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المقصود ثبوت الرسالة بالآيات سواء اقترحوها أم لا، ثم إنه لو جاءت الآيات على ما اقترحوا ما آمنوا ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢] سحرتنا بالأول وسحرتنا بالتالي.
إذن أهل الباطل لا يمكن أن يعارضوا الحق إلا بباطل، وهذا يقوي صاحب الحق على ثبوته على ما عنده وعلى إنكاره للباطل، لا تتزعزع ما دمت على حق فإن أهل الباطل كل ما عندهم هباء.
ومنها: وصف من لم ينقد للحق بالجهل ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١١٨] كل إنسان يكابر الحق وينابذه فإنه أجهل الناس، وبهذا نعرف أن من سمى هذا العصر عصر النور، وكأن هذا الكلام يقتضي الحصر فهو خاطئ ولَّا مخطئ؟
* الطلبة: لا، خاطئ.
* الشيخ: خاطئ؛ لأن هذا العصر في الحقيقة عصر الظلمة إلا من أنار الله قلبه، عصر النور حقيقة هو عصر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، هذا عصر النور، أما عصرنا الآن كله جهل، كله عناد، كله استكبار والعياذ بالله.
ومنها: أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف وصوت، من أين؟
* الطلبة: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ ولو كان الكلام كما قال الأشاعرة بالنفس ما كان لكلام الله لهم فائدة؛ لأنه في نفسه ما يسمعونه، فالمشركون يقرون بأن الله يتكلم؛ لأنه حقيقة الأمر ما يمكن تثبت الشرائع بدون أن يثبت كلام الله، إذ إن الوحي هو كلام الله، إذا أنكرنا كلام الله؟
* طالب: أنكرنا شريعته.
* الشيخ: كيف يثبت الوحي؟
ومنها أيضًا: أن ما من رسول إلا وله آية؛ لأن قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ هذا مدعى غيرهم؛ إذ إن من لم يأتِ بآية لا يُلام من لم يصدقه، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: رجل مثلًا يجي لا نعرفه، من بني جنسنا، يقول: أنا رسول الله، آمنوا بي وإلا قاتلتكم واستحللت نساءكم وأموالكم، نطيعه ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، لا يستقيم.
* الشيخ: لا، ما نطيعه، ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين، لكن الرسل تأتي بالآيات «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩)، من حديث أبي هريرة.]]، فالله تعالى ما يرسل الرسل ويتركهم بدون تأييد أبدًا.
* طالب: ظاهر الآيات قول اليهود ما جئتنا ببينة، كيف ذلك؟
* الشيخ: استكبار، حتى أو تأتينا آية، نقول: جاءتكم آيات ما هي آية واحدة.
* الطالب: لكن هو ما أجابهم على هذا الدعاء؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود ٥٣ - ٥٥].
* الشيخ: أكبر آية هذا التحدي لهم أنه قال: ﴿كِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود ٥٥، ٥٦] هذا يعني (...).
كذلك * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقوال أهل الباطل تتشابه ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، فأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول ﷺ من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، ﴿إِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢] واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن والسنة: هؤلاء رجعيون، هؤلاء دراويش ما يعرفون شيئًا.
* ومنها: تشابه قلوب الكفار لقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
* ومنها إبطال دعوى قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ في قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾.
* ومنها: أنه لا ينتفع بالآيات إلا من رزقهم الله العلم، العلم النافع؛ فإنهم ينتفعون.
* ومنها: أنه كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إيمانًا؛ لأنه إذا ازداد علمه ظهر له من آيات الله ما لم يظهر لغيره، ولهذا ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. إذن نعود عن التفسير الأول قلت: ﴿بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. الإيقان: هو التصديق من غير شك، والتصديق من غير شك تصديق لا شك معه، فكل ما إنسان مؤمن فإنه يتبين له من آيات الله ما لم يتبين لغيره، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا تبين له من آيات الله ما لم يتبين لغيره.
* فيستفاد من الآية الكريمة: أن كل مؤمن فقد تبينت له الآيات.
* ويستفاد منها أيضًا: زيادة العلم بالإيمان؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ، فإن الوحي من آيات الله، فكلما كنت مؤمنًا تبين لك من هذه الآيات ما لم يتبين لغيرك، فبالإيمان يزداد العلم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١].
وكلما كان الإنسان أكثر إيمانًا كان أكثر علمًا، وكلما ازداد علمه ازداد إيمانه، فهما متلازمان.
* طالب: كمثل اليهود عندهم علم لكن لم يعملوا به؟
* الشيخ: إيه، لكن إذا ازداد العلم عن إيمان ازداد بالإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة ١١٩]. من * هذه الآية الكريمة يستفاد: ثبوت رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ رسول وليس كذابًا، وليس ربًّا؛ لأن الرسول ما يمكن أن يكون له مقام الْمُرسِل، وأيضًا هو غير كذاب؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فأكده بـ (إن).
* ومنها: أن رسالة النبي ﷺ حق ومشتملة على الحق لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وهو العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، والحسن في القصص ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* ومنها: أن رسالة النبي ﷺ متضمنة لأمر ونهي، وتبشير وإنذار لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. وقلنا: إن البشارة في مقابلة من فعلوا المأمورات، فيتضمن أمرًا يُبشَّر فاعله بثوابه، والنذارة لمن فعل المحظورات، فتتضمن محظورًا وإنذارًا لفاعله، وهكذا شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام متضمِّنة للأمرين: الأمر والنهي؛ يعني إيجابي وسلبي، والحكمة من ذلك ظاهرة؛ وذلك لأن الإنسان قد يهون عليه فعل الأوامر، ويشق عليه ترك المنهيات، فلو كانت الشريعة كلها أوامر ما تبين لنا المحنة أو الابتلاء في استطاعة الإنسان كف نفسه ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يعني بعض الناس يهون عليه أنه يفعل، لكن ما يهون عليه أن يترك، فكان الابتلاء بالأمر والنهي، وبعض الناس يهون عليه أن يترك، لكن لا يهون عليه أن يفعل، مفهوم؟
فكان الابتلاء بالأمرين جميًعا، الشيخ الكبير يهون عليه ترك الزنا ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يهون عليه ترك الزنا، ولكنه ليس كالشاب الذي لا يهون عليه ترك الزنا، قد يكون ترك الزنا بالنسبة للشاب صعبًا وشاقًّا، فلذلك ابتُلي الناس بهذا وبهذا، فالمهم إذن أن الابتلاء لا يتم إلا بتنويع التكليف، ولَّا لا؟ وهذا مر علينا كثيرًا وقلنا مثلًا: الصلاة تكليف بدني، والزكاة تكليف مالي، والحج تكليف بدني.
* الطلبة: ومالي.
* الشيخ: لا، مالي ما هو بلازم، لكنه غالبًا يكون فيه مال، ما يصل إليه الإنسان إلا بمال، والصيام؟ كف، الصيام كف.
* طالب: فعل.
* الشيخ: لا، ما هو فعل، الإنسان ما يفعل شيئًا، بس يترك شيئًا.
* طالب: كف عنه.
* الشيخ: فهو كف، كف عن محبوب، لكن الصلاة والزكاة إيجاد، فلذلك صار فيه ابتلاء كل الأركان الخمسة فيها ابتلاء بالفعل والكف؛ لأنه ما يتم الانقياد إلا بهذين الأمرين: بفعل المأمور، وترك المحظور.
* ومنها: أن وظيفة الرسل الإبلاغ، وليسوا مكلفين بعمل الناس لقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ وعلى القراءة الثانية نستفيد فائدة ثانية وهي: شدة عذب أهل الجحيم والعياذ بالله، أصحاب الجحيم لقوله: ﴿وَلَا تسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ .
البقرة 2:118
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة 115] ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ اللام هذه للملك والاختصاص، يعني: أن الله تعالى مالك المشرق والمغرب، وما الدنيا كلها إلا مشرق ومغرب، إذن فالله تعالى مالك لكل شيء، المشرق مكان الشروق أو زمانه؟ مكانه، والمغرب كذلك مكانه، وقد وردت المشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: مفردة، ومثناة، وجمع، فهنا قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وفي آية أخرى قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء 28] وفي آية ثانية قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن 17]
وفي ثالثة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج 40]
فكيف نجمع بين هذه الأوجه الثلاثة؟ نقول: أما المشرق فلا ينافي المشارق ولا المشرقين، لماذا؟ لأنه مفرد محلى بأل، فهو للجنس الشامل الواحد والمتعدد، وأما ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ و﴿رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ فالجمع بينهما إما أن يقال: إنه جُمع المشارق والمغارب باعتبار الشارق والغارب؛ لأن الشارق والغارب واجد ويش (...) غير الشمس؟ القمر والنجوم ومن يحصي النجوم؟ وثُنِّي باعتبار مشرق الشتاء ومشرق الصيف، فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب، والصيف في أقصى الشمال وبينهما مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله، شوف المسافة من مشرقها في الشتاء إلى مشرقها في أيام الصيف مسافة عظيمة يعني كبر الأرض يمكن آلاف الآلاف، فهي ثنيت بهذا الاعتبار، ثم إنكم لاحظوا أن سورة الرحمن أكثر ما فيها بصيغة التثنية، أو لا؟ فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر المشرق و المغرب بصيغة التثنية، أما عند العظمة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [المعارج 40، 41].
ويش جاء بصيغة؟ بصيغة الجمع؛ لأن الجمع أدل على التعظيم من المثنى؛ لأن المثنى نص في دلالته على الحصر، طيب ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: مشرق كل شارق، ومغرب كل غارب.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ نشوف (أين) ويش إعرابها؟ (أين) أظن أننا نعلم أنها؟
* طالب: ظرف.
* الشيخ: لا، هي ظرف، لكنها أخص من ذلك شرطية، أين شرطية، وما زائدة و﴿تُوَلُّوا﴾ الفعل هذا فعل الشرط، و﴿تُوَلُّوا﴾ هي مضارع ولَّا ماضي ولَّا أمر؟
* طالب: مضارع.
* الشيخ: ويش الدليل أنها مضارع؟
* طالب: أنه مجزوم، محلها محل جزم.
* الشيخ: هل تقول: تولون؟ نعم في القرآن: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر 33] فإذن تولوا فعل مضارع مجزوم بأداة الشرط، وعلامة جزمه حذف الواو والنون فاعل؟
* طالب: حذف النون؟
* الشيخ: نعم، حذف النون، والواو فاعل.
طيب، وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الفاء هي رابطة لجواب الشرط، و﴿ثَمَّ﴾ اسم إشارة، وهو ظرف، لكنه اسم إشارة يشار به للبعيد، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿وَجْهُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط، انتهينا الآن من الإعراب.
ما معنى ﴿تُوَلُّوا﴾؟ ﴿تُوَلُّوا﴾ تتجهوا، وقوله: ﴿فَثَمَّ﴾ أي: فهناك، والإشارة إلى الجهة التي توليت إليها.
وقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ اختلف فيه المفسرون من السلف والخلف، فقال بعضهم: المراد به وجه الله الحقيقي، وقال بعض العلماء: المراد به الجهة، فوجه بمعنى جهة، أي ففي المكان الذي اتجهتم به جهة الله عز وجل؛ وذلك لأن الله محيط بكل شيء، محيط بكل شيء، ففيها للعلماء قولان، ولكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن ذلك هو الأصل وليس هناك ما يمنعه، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قبل وجه المصلي[[لحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى». متفق عليه؛ البخاري (406)، ومسلم (547 / 50).]] والمصلون إلى أين يتجهون؟ أحد إلى الشرق، واحد إلى الغرب، واحد إلى الشمال، واحد إلى الجنوب، حسب مكانه، فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال وأهل الشام إلى الجنوب وأهل نجد إلى الغرب، وأهل مصر إلى الشرق واضح؟ وكل يتجه جهة، لكن هذا الاتجاه الذي يجمعهم القبلة وكل يتجه إلى وجه الله، فعلى هذا يقول الله عز وجل معنى الآية: أنكم مهما توجهتم في صلاتكم، فإنكم تتجهون إلى الله، سواء إلى المشرق أو إلى المغرب أو إلى الجنوب أو إلى الشمال، أفهمتم؟ ونحو منه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة 177].
الشيخ: ولكن ما معناه؟ بديع بمعنى؟
* الطالب: فاعل يعني فعيل.
* الشيخ: فعيل بمعنى؟
* الطالب: بمعنى مفعول؛ يعني بديع بمعنى (مبدوع).
* الشيخ: لا.
* الطالب: بمعنى مبدع.
* الشيخ: بمعنى مبدع (فَعِيل بمعنى مُفْعِل). طيب لها نظير في اللغة العربية.
* الطالب: لها نظير فعيل.
* الشيخ: مثل.
* الطالب: مثل قول الشاعر، ما أنا بحافظه.
* طالب آخر: قتيل.
* الشيخ: لا؛ لأن قتيل بمعنى مقتول.
* طالب: رحيم.
* الشيخ: لا.
* الطالب: أليم بمعنى مؤلم.
* الشيخ: أليم بمعنى مؤلم.
* الطالب: سميع.
* الشيخ: سميع بمعنى مسمع، صح.
* طالب: سميع بمعنى سامع؟
* الشيخ: لا، بمعنى مسمع، وعليه قول الشاعر، سميع بمعنى مُسمع.
* الطالب:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِــــــــــي هُجُـــــــــــوعُ
* الشيخ: أمِن ريحانة الداعي السميع، يعني: المسمع.
يؤرقني وأصحابي هجوع. السميع بمعنى الْمُسمِع. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى مبدعهما على غير مثال، موجدهما على غير مثال سبق.
الغرض من هذه الجملة، وأيش الغرض من قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ من يعرف؟
الرد على من قالوا: إن الله اتخذ ولدًا؛ يعني إن اللي قادر على إبداع السماوات والأرض قادر على أن يخلق ولدًا بدون أب؛ لأن النصارى قالوا: المسيح ابن الله وأين أبوه؟ جاء من أم فأين أبوه؟ قالوا: أبوه الله، الملائكة من أين جاءت؟ قالوا: بنات الله، فالله قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: والقادر على بدع السماوات والأرض قادر على أن يخلق بشرًا بدون أب.
قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧]، وأيش معنى إذا قضى؟
* الطالب: إذا أراد قضاءها.
* الشيخ: إذا أراد قضاءها. هل يأتي الفعل بمعنى إرادته؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: إذا قام إلى الصلاة.
* الشيخ: أبغي من القرآن؟
* الطالب: قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾.
* الشيخ: فاغسلوا؟ نعم، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨] أي أردت قراءته.
ما الدليل على تأويل قضى بمعنى أراد؟ ما هو الدليل على أن قضى بمعنى أراد أن يقضي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بدليل من القرآن؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ونجد لكم الآية من القرآن الدليل؟
* طالب: يعني هذا من غير الآية.
* الشيخ: من غير الآية هذه؟
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]؟
* الشيخ: لا، آفة العلم النسيان، الله أكبر! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
على أني قلت لكم: يصلح أن نجعل قضى ليس بمعنى أراد، بل بمعنى فعل شيئًا، فإنما يقول له عند فعله: كن فيكون، يعني أنه إذا قضى شيئًا فإن ذلك ليس أمرًا شاقًّا عليه، ليس لقضائه إلا أن يقول: كن فيكون.
في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ قراءتان، هما ﴿فَيَكُونُ﴾ فيها قراءتان؟
* الطالب: ما ذكرناه.
* الشيخ: ما ذكرناه؟
* الطالب: فيه النصب، ﴿فَيَكُونَ﴾ جوابًا للأمر أو على تقدير فعل شرط محذوف؟
* الشيخ: فهو يكون.
* الطالب: والثاني ﴿فَيَكُونُ﴾ على الرفع.
* الشيخ: أي على تقدير الاستئناف، أي فهو يكون.
فيها قراءتان: النصب ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ والقراءة الثانية: ﴿فَيَكُونُ﴾ فعلى قراءة النصب تكون جوابًا للأمر، كن فبسبب ذلك يكون، تكون الفاء للسببية، وعلى قراءة الرفع تكون على الاستئناف؛ أي فهو يكون، إذا قال له: كن فإنه يكون، كن هذه تامة ولَّا ناقصة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: تامة، وأيش السبب؟ أو لأن التمام أحسن من النقص؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب صحيح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذن نكمل الآية.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ هنا القضاء كوني أو شرعي؟ نقول: إنه كوني، القضاء كوني، وقضى يحتمل أنها بمعنى أراد أن يقضي كما يدل على ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ ما قال: إذا قضى شيئًا، قال: ﴿إِذَا أَرَادَ﴾، والفعل يُطلق على إرادته المقارنِة مثل قوله؟ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ و﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ٦]، وكان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥ / ١٢٢) من حديث أنس بن مالك.]] أي إذا أراد دخوله. وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ أمرًا واحد الأوامر، أو واحد الأمور؟
* طالب: واحد الأمور.
* الشيخ: واحد الأمور؛ يعني الشؤون، أي إذا قضى شأنًا من شؤونه سبحانه وتعالى فإن ذلك لا يصعب عليه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، كلمة واحدة (كن) بدون تكرار، فيكون، يكون على ما أراد الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ﴾ (إنما) هذه أداة حصر، أي: ما يقول له إلا كن، وكن هنا تامة؛ أي: احدِث، يعني (حَدَث يَحدِث احْدِث)، فهي تامة. ﴿فَيَكُونُ﴾ أيضًا تامة أي فيكون، أي فيحدث كما أمره الله سبحانه وتعالى، والغرض من هذه الجملة أيضًا إثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام ليس بابن لله؛ لأنه كان بأي شيء؟ بازدواج بين مريم وبين الله جل وعلا؟ كلا، ولكن بالكلمة: كن، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران ٥٩] آدم خُلق من غير أب ولا أم؛ ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ أي كن بشرًا فكان، فالذي قدر على أن يخلق آدم بدون أب ولا أم يكون أقدر على أن يخلق بشرًا بدون أب من أم بلا أب.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ انظر إذا أردتم مثالًا لذلك فاقرؤوا قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]. زجرة واحدة يزجر بها الخلائق كل الخلائق التي أُعدمت وفنيت منذ خلقها الله إلى يوم القيامة يزجرها الله مرة واحدة على أن تقوم حية فتقوم. شوف ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (إذا) فجائية كما تعرفون، والفجائية تدل على المباشرة والتعقيب. ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ هؤلاء الخلق من يحصيهم؟
* طالب: ما يحصيهم إلا خالقهم.
* الشيخ: ما يحصيهم إلا اللي خلقهم على اختلاف أصنافهم وأشكالهم وكِبَرهم وصغرهم بكلمة واحدة، سبحان الله العظيم! إذا هم بالساهرة على ظهر الأرض، هذا دليل على كمال قدرته جل وعلا وسلطانه وعزته، وأنه إذا أراد شيئًا لا يمتنع عليه، يقول له: كن فيكون، فكيف تقولون من أين يأتي عيسى؟ من أين تأتي الملائكة؟ بهذا يكون الآية فيها دليل على إبطال هذا القول من عدة أوجه:
أولًا: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
ثانيًا: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وثالثًا: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. ورابعًا: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وأيش بعد؟
وخامسًا: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ خمسة أوجه كلها تدل على بطلان دعوى هؤلاء الذين يقولون: إن الله اتخذ ولدًا بحجة أن هذا أمر لن يكون إلا أن يكون ولدًا لله. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
* الطالب: فيه أشياء مثل أشياء مخلوقات ما خلقها بكن، مثل السماوات والأرض والأشياء اللي ما خلقها بكن، هل هي فقط والباقي يقول للشيء: كن؟
* الشيخ: من قال أنها ما خلقت بغير كن؟
* الطالب: بس في ستة أيام؟
* الشيخ: طيب، ستة أيام هي تتكون شيئًا فشيئًا، انتهت في ستة أيام، كل شيء يتكون لا بد أن يكون قد قيل له: كن.
* الطالب: (...) سوى آدم؟
* الشيخ: كل شيء، خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، الآية ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ وكل الكون مراده.
* الطالب: بس خلقه بيده؟
* الشيخ: (...) بيده، وقال له: كن، فكان.
* الطالب: خلقت بيدِي جعل الخلق بيدي أو بيديَّ (...)؟
* الشيخ: صحيح، لكن مع كونه مخلوقًا باليد هو بالكلمة أيضًا، ثم قال له: كن فيكون.
* الطالب: تعقيب فيكون يدل على وجوده (...) الآن؟
* الشيخ: نعم، أصل الخلق الآن، تكوين آدم بيد الله عز وجل، لا شك أن الله أراده، إنما نعم القول قد لا يقول له كن إلا بعد أن أتم خلقه بيده، ما قال له: كن إلا بعد أن أتم خلقه بيده، فيكون الخلق والتكوين باليد بدون أن يقال له شيء. فيكون كونه إنسانًا بشرًا بقول: كن.
* الطالب: طيب ما فيه شيء (...)؟
* الشيخ: ما أعرف شيء.
* الطالب: الله سبحانه وتعالى كتب التوراة والزبور بيده، ثم قال (كن)؟
* الشيخ: المسائل الشرعية ما يقال لها (كن) حتى القرآن كله ما قال (كن)، القرآن تكلم به ونزل به جبريل، كلماته ما هو يقول هي نفسها كلمات.
* الطالب: أيضًا الكتابة.
* الشيخ: الكتابة من كلماته؟ ولهذا تعتبر التوراة من كلمات الله.
* الطالب: شيخ، فيه فرق بين يتكون ويكون، يتكون شيئًا فشيئًا، لكن يكون الله بعد التعقيب بالفاء إنه يكون فعلًا؟
* الشيخ: إذا أراد، كل شيء اللي يريده فيقول: كن، مثلًا هذا الذي يتكون الجنين، أراد الله تعالى أن يكون نطفة فكان، قال: كن نطفة فكان، ثم علقة، ثم إلى آخره، ثم بعد ذلك أنشأناه خلقًا آخر، كل شيء فإنه مراد الله سواء كان متطورًا أو حادثًا فجأة، ولا أعرف في هذا أن شيئًا يحدث فجأة هكذا إلا بتطور؛ لأن من سُنة الله تعالى التطوير في الشرع وفي القدر، كل شيء لا بد أن يكون له تدريج حتى يتم وينتهي، وعندنا الآن عموم ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران ٤٧] وكل أمر فهو مقضي له.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا ما يمكن يخرج من هذا العموم إلا شيء نعلم علم اليقين أنه خرج منه، وصحيح أن آدم، خَلْقُ الله تعالى له باليد ما نستطيع أن نقول: إن الله تعالى كلما أراد أن يخلق شيئًا منه يقول له: كن، ما نستطيع هذا، قد يكون الله سبحانه وتعالى بإرادته أنشأه بيده على ما يريد، ثم قال له: كن، أي كن بشرًا سويًّا، وأما حديث: «أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ كَمَنْ خَلَقْتُهُ بِكَلِمَتِي»[[أخرجه البيهقي في الشعب (١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]] هذا يجب أن ينظر فيه، فلا أدري عن صحته، إن شاء الله تحققوه لنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة ١١٨] هؤلاء المكذبون للرسل، والمراد بهم من في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بدليل قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الذين لا يعلمون هم الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فاقترحوا على النبي عليه الصلاة والسلام أشياء جاء النبي عليه الصلاة والسلام بأعظم منها، ومع ذلك ما آمنوا بها، فدل هذا على أن اقتراحهم إنما هو تعنت وعناد، وليس لقصد الوصول إلى الحق؛ لأن الرسول ﷺ جاء بأعظم مما اقترحوه، ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. هل يلزم انتفاء صدق الرسول عليه الصلاة والسلام لانتفاء الآية التي طلبوا وهو تكليم الله لهم؟
* الطلبة: لا، لا يلزم.
* الشيخ: لا يلزم؛ لأن الثابت لا يتعين بدليل واحد؛ بمعنى أن الأشياء قد يكون لها أدلة متعددة، فثبوت رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لا تتوقف على هذه الآيات التي اقترحوها ما دام أنه قد أتى بآيات أقوى منها، ولهذا من القواعد المقررة انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول، لماذا؟ لأن المدلول له أدلة متعددة، إذا قدَّرنا أنه لم يثبت بهذا الدليل فقد ثبت بدليل آخر، إبراهيم لما جادله الذي قال: أنا أحيي وأميت جاء بدليل آخر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، المهم أن الذين قالوا: لولا يكلمنا الله، نقول: تكليم الله سبحانه وتعالى لكم لا يستلزم وجوده صِدْقَ الرسول عليه الصلاة والسلام ولا انتفاؤه عدم صدقه لوجود آيات وأدلة أقوى مما زعمتم، فكونكم تقولون: لا بد تجيئنا ها الآية ،هذا غير مُسلَّم ما دام وجد آيات دالة على صدقه، فطلبكم هذه الآية المعينة هذا تعنت، مثل ما لو طلبت من إنسان الحاجة وجابها لك، وقلت: لا، أنا ما أبي إلا من فلان وهي نفس الحاجة، وأيش معنى هذا؟
* طالب: التعنت.
* الشيخ: معنى هذا التعنت، مطلوبك حصل، أما كونك تتعنت بكذا وكذا بدون سبب، وهؤلاء بدون سبب؛ لأن تكليم الله لهم لا يريدون بذلك تشريف الله لهم بالكلام، ما يريدون هذا، لو أرادوا هذا لقلنا: إنه طلب معقول، لكن ماذا يريدون به؟
* طالب: التعجيز.
* الشيخ: يريدون به إثبات رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: إن كنت صادق خلي الله يكلمنا، عرفتم ولَّا لا؟ أنا أقول الآن: لو كانوا طلبوا أن يكلمهم الله تشريفًا لهم لكان طلبهم معقولًا، لكن هم طلبوا أن يكلمهم الله لتثبت بذلك رسالة الرسول ﷺ.
نقول: هذه الدعوى منكم تعنت؛ إذ إن الرسول ﷺ أتى بأمر أعظم من هذا، كذلك قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ سبحان الله! ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾؟ كأنهم ما جاءهم آية على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا من الجحود، فالأول تعنت، والثاني جحود، الأول: تعنت كونهم يقترفون شيئًا معينًا، يقولوا: نجيبوه ولَّا ما نؤمن، والثاني: جحود وإنكار أو تأتينا آية؛ لأن ما فيه شك أنه جاءتهم آيات عظيمة، أكبر آية جاءتهم هذا القرآن، قال لهم الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]. ائتوا بسورة من مثله، قدروا؟
* الطلبة: لا يا شيخ.
* الشيخ: إذن، القرآن من محمد ﷺ؟ لا، لو كان من محمد استطاعوا أن يأتوا بمثله؛ لأنهم مثله، وإن كان هو أفصحهم بسبب ما نزل عليه من الوحي؛ إذن ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ نقول: هذا الاقتراح الأخير لا شك أنه جحود وإنكار، لماذا؟
* طالب: لأنه قد أتتهم آية.
* الشيخ: لأنه قد أتتهم آية بل آيات. قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة ١١٨]. (كذلك) أي مثل هذا القول قال الذين من قبلهم، وعلى هذا يكون ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ توكيدًا لقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا القول قالوه واقترحوه من قبلهم، قوم موسى قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]. وإلا ما نؤمن، ورينا الله عيانًا وإلا ما نؤمن لك، فهذه دأب المكذبين للرسل، ينكرون ويقترحون، وقد أوتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه، قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، والغرض من قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ الغرض من هذا تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وهذا أمر معلوم، ولَّا لا؟ افرض مثلًا أن لصوصًا هجموا على بيوت فسرقوا من إنسان مئة ريال، طبعًا بيحزن، لكن لما أصبح قال الثاني: سُرق مني مئتين، وأيش يصير؟
* طالب: .. سهلة.
* الشيخ: تهون عليه، تهون عليه كثيرًا، الخنساء لما مات أخوها صخر قالت:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّــــــــي
والله تعالى يسلِّي رسوله عليه الصلاة والسلام بأن هذا القول الذي قيل لك قد قيل لمن قبلك ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. قال الله عز وجل: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شوف، الأولون والآخرون قلوبهم متشابهة في رد الحق وإبطاله والعناد والتعنت والجحود من أول ما بُعثت الرسل إلى خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، بل وإلى يوم القيامة، القلوب قلوب أهل الكفر والعياذ بالله والعناد متشابهة، إنما يختلف الأسلوب، الموضوع واحد، لكن الأسلوب يختلف، قد يقترح هؤلاء شيئًا وهؤلاء شيئًا، لكن الكلام على جنس الاقتراح وعدم القبول ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شوف القول يقول: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، والقلوب يقول: ﴿تَشَابَهَتْ﴾، فهل معنى ذلك أن المشابهة هي المماثلة ولَّا لا؟ اللي إحنا قررنا فيما سبق أن المشابهة ليست كالمماثلة؛ لأن المشابهة معناها المقاربة، والمماثلة هي المساواة ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: ولا ريب أن القلوب تتشابه، وإن تطابقت الأقوال؛ إذ قد يكون في قلوب هؤلاء ما ليس في قلوب هؤلاء من شدة الكفر والعناد، ولكن الأقوال تكون متطابقة.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بيّنا بمعنى أظهرنا؛ لأن (بان) بمعنى ظهر، و(بيَّن) بمعنى أظهر. وقوله: ﴿الْآيَاتِ﴾ جمع آية وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها، كل علامة تُعيِّن مدلولها تُسمى آية؛ فالآيات المعيِّنة لمن هي آية له تسمى آية، فآيات الله تعالى هي العلامات الدالة عليه؛ أي: المعيِّنة له سبحانه وتعالى، وقد ذكر أهل العلم أنها تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وآيات كونية؛ فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل من الوحي وكانت آيات؛ لأنه لا يوجد لها نظير في صدق الأخبار وحسن القَصص وعدل الأحكام، آيات الله الشرعية ليس لها نظير من كلام البشر في هذه الأمور الثلاثة، وهي: صدق الأخبار، وحسن القصص؛ يعني جميع القصص اللي في القرآن (...) كلها قصص نافعة وعبر عظيمة، والثالث: وعدل الأحكام، لا يوجد لها نظير أبدًا، مهما وجدتَ مثلًا من النظم والقوانين والْمُثل السائرة وغير السائرة ما يمكن تجد مثل هذا القرآن؛ إذن فهو آية من آيات الله.
كذلك الآيات الكونية وظهورها أعظم وأبين؛ لأنه يمكنك أن تحاج بها عقليًّا من ينكر الله ولَّا لا، مثل ؟
* طالب: الليل والنهار، والشمس والقمر.
* الشيخ: إي نعم، مثل السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار وكل شيء.
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّــــــــــــهُ وَاحِدُ
فهي آيات، هذه الآيات يا جماعة يقول الله إنه قد بينها، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ الموقِن تبيَّنت له الآيات وعرفها، والشاك ما تتبين، الشاك ما تتبين -والعياذ بالله- وربما تنطمس، وربما تنطمس عليه الأمور، ويكون بعد الشك إلى مرحلة الإنكار؛ لأن الشك -كما تعرفون- مرحلة بين مرحلتين؛ بين الإقرار والإنكار، فقد يكون مع الشك والعياذ بالله يصل إلى حد الإنكار، والشك لا يكفي في الإيمان، وفي هذه الآية: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ دليل على أن الله قد أقام الحجة، وعلى أن الآيات ما تنفع كل أحد إنما تنفع من أيقن، أما من شك فإنها لا تنفعه الآيات، لو هو شاك ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* طالب: شيخ، هذا القول قول يهود المدينة أن السورة مدنية؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الذين قالوا بأن السورة مدنية.
* الشيخ: لا هي عامة، يعني ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عامة، و(قال): فعل ماضٍ تشمل الموجود في زمن نزول الآية والذي قبله.
* الطالب: (...) هو فلق القمر، انشقاق القمر، (...) فهل..؟
* الشيخ: لا، العلماء قالوا: إنهم طلبوا آية غير معينة.
* الطالب: أجيبوا؟
* الشيخ: إيه، أجيبوا بهذه الآية، والذي يهلكون إذا اقترحوا فأجيبوا، إذا طلبوا آية معينة وأجيبوا لها فإنهم يهلكون.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة ١١٩] يعني معناه: أن هؤلاء الذين يقولون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ يُرد عليهم بهذه الآية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ وإن للتوكيد، أين اسمها؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: اسمها الضمير.
* الشيخ: وأين الضمير؟
* الطالب: نحن.
* الشيخ: وأين نحن؟
* طالب: (نا) يا شيخ.
* الشيخ: اسمها (نا)، لكنها حُذفت النون فقط لتوالي الأمثال مع أنها أحيانًا لا تحذف (إننا)، ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ [هود ٦٢]، لكن ما تقول اسمها الألف بأني أخشى أن أحدكم يقول: اسمها الألف؛ إذ إن الألف لا تكون ضميرًا إلا إذا اتصلت بالفعل، مثل: قال، وقام، وما أشبه ذلك.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أرسلناك لمن؟ حذف المرسل إليهم لإفادة العموم؛ لأن النبي ﷺ مرسَل إلى جميع الخلق وغيره من الرسل إلى مَنْ؟
* الطلبة: إلى قومه خاصة.
* الشيخ: إلى قومهم خاصة، أما الرسول ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للمصاحبة والملابسة، يعني أرسلناك متلبسًا بالحق، أو أن المعنى حاملًا الحق بهذه الرسالة؛ يعني أن الآية تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق. والثاني: أن ما أرسلت به حق، فهمتم الفرق بين المعنيين؟
والمعنيان ثابتان، الرسول عليه الصلاة والسلام رسالته حق، وعليه فالباء للملابسة، والرسول عليه الصلاة والسلام ما أرسل به فهو حق، وعلى هذا فالباء للمصاحبة، يعني رسالتك مصحوبة بالحق؛ لأن ما جئت به حق، والحق قلنا: إنه ضد الباطل، وهو الثابت المستقر، فإن أضيف إلى الأخبار فالمراد به الصدق، وإن أضيف إلى الأحكام فالمراد به العدل، ما جاء به الرسول صلى الله عليه سلم فهو حق في أخباره وفي أحكامه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] الظاهر أنه لا يخفى على الجميع أن الحق مقبول ومطلوب من كل نفس، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا كان هكذا، فمن رامَ الحقَّ وجده، ومن أعرض عنه إلى الباطل عوقب بحرمانه، فهمتم؟
﴿بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ اللهم صلِّ وسلم عليه ﴿بَشِيرًا﴾ حال من أين؟
* طالب: من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ اللي هي المفعول. و﴿وَنَذِيرًا﴾: حال أخرى بواسطة حرف العطف، فجمع الله له بين كونه مبشِّرًا منذرًا؛ لأن ما جاء به أمر ونهي، المناسب للأمر البَشارة، وللنهي الإنذار، فعليه تكون رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جامعة بين البُشرى وبين الإنذار، فمن الذي يُبشر بها؟ ومن الذي يُنذَر بها؟
بينه الله تعالى في عدة آيات؛ في سورة الكهف: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف ٢]، وكذلك قال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم ٩٧].
إذن فالرسول ﷺ مبشِّر للمتقين الذين يعملون الصالحات، ومنذر لِلُّدِّ جمع (ألدّ)، وهو الخَصم المعاند، هؤلاء ينذرهم بالعقوبة الدنيوية أو الأخروية أو هما؟
* الطلبة: هما.
* الشيخ: هما، إي نعم، هما أو إحداهما، لا بد أن يأتيهم عقوبة، وإذا قلنا بأن العقوبة تشمل حرمان الإنسان من الطاعة والإيمان، فلا بد أن يكون معاقبًا بالأمرين: الدنيوية والدينية. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. في قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ قراءتان إحداهما: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ بلا النافية، والفعل مبني للمجهول، يعني ولا تسأل أنت عن أصحاب الجحيم يعني ما يسألك الله عنهم؛ لأنك بلغت والحساب على من؟ على الله، والقراءة الثانية: ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ . ولا تسألْ على أن (لا) ناهية وتسأل: فعل مضارع مبني للفاعل، ولا تسأل أنت، أوْ: ولا تسألُ أيها المخاطب.
أما على القراءة الأولى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ فالمعنى أنك لا تُسأل عنهم وكيف لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
وعلى القراءة الثانية ﴿وَلَا تَسْأَلْ﴾ ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ المراد به الإنذار والوعيد؛ يعني لا تسأل عن أحوالهم فإنهم في أمر ما يحتاج إلى السؤال -والعياذ بالله- لأنهم أصحاب الجحيم؛ الجحيم النار نسأل الله العافية، وأَصْحَابِ، الصاحب هو الملازم؛ يعني أصحاب الجحيم أحد يسأل عن حالهم هل هم في نعيم ولَّا في بلاء؟
* طالب: من السياق هذا معلوم.
* الشيخ: لا تسأل عن حالهم؛ فإنهم -والعياذ بالله- في حال لا يتصورها الإنسان، وهذا في غاية ما يكون من الإنذار لهؤلاء المكذبين المخالفين الذين هم أصحاب الجحيم.
* طالب: بشير، من أين اشتق؟
* الشيخ: بشير من البشرى، والبشرى مصدر من بَشَّر، والتبشير كما قلنا أظنه مر علينا لكن يمكنني أذكركم به أيضًا أن البشرى والبَشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ، ولا تكون في غير ما يَسُرُّ إلا أحيانًا، وإنما سميت (بُشرى) بُشرى لظهور أثرها على البَشرة، فإن الإنسان إذا سُرّ تبرق أسارير وجهه؛« كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر ﷺ »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٥٦)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك بلفظ: «إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ».]]. وهذا أمر ظاهر، يجيك الإنسان (مغلدن) تعرف إنه محزون، ويجيك ما شاء الله وجهه يتلامع تعرف أنه مسرور، وقد تطلق البشارة إما تهكمًا وإما لعِظَم وقعها عليهم بما يؤلم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أما الإنذار فهو الإعلام بالْمَخُوفة؛ أي بما يخاف منه، والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر وهي الجنة، ومنذر بما يُخاف منه وهو النار.
* طالب: الذي يضر المشؤم منه يتغير تغير ملامح الوجه فيصدق اشتقاقه اللغوي، أيش هذا؟
* الشيخ: إي نعم، لكنهما حسب العرف والاستعمال ما يقال إلا فيما يسر؛ لأن كون الإنسان يتغير وجهه بما يسره هذا أمر مطلوب يستريح إليه الإنسان، وكونه يبشر بأمر يُؤَثِّر عليه، وإن كان يتغير لكن الأمر مكروه، فقد جرى العرف بأن البشارة إنما تكون في الأشياء المحبوبة، وقد تُطلق إما من باب التهكم كما قاله بعض العلماء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وإما من باب الحقيقة على أن الجسم أو البشرة تتأثر بذلك.
* طالب: يعني كل بحسب المضاف إليها وبحسب المعنى؟
* الشيخ: لكن أصل البشارة إنما تكون فيما يسر.
* الطالب: الدليل.
* الشيخ: لأن تغير البشَرَة بهذا أمر مطلوب ويحبه الإنسان، فلهذا قيلت فيما يسر، وإن كان قد يتأثر بما يؤلمه وبما يخاف منه لكنه ما يقال: (بشره) إلا على سبيل التهكم أو نادرًا، ولا يلزم من كون الاشتقاق لهذا المعنى أن يتعدى إلى غيره كما قلنا في جمع مثلًا مزدلفة تسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها، ولا تسمى عرفة جمعًا وإن كان الناس يجتمعون فيها، ليس هذا بلازم.
قال: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ﴿الْجَحِيمِ﴾ هي النار العظيمة، وهي لها أسماء كثيرة، منها: النار، ومنها: الجحيم، والسعير، وجهنم، كل ذلك لاختلاف أوصافها وإلا فهي واحدة.
* طالب: هل من أسمائها الهاوية؟
* الشيخ: لا، ما هو من أسمائها، لكنها في الحقيقة لها قعر، الشيء يهوي فيها، وما تسمى بالهاوية.
ثم قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ كأن النبي ﷺ يحب أن يتألف اليهود والنصارى، والذي يُحب أن يتألفهم يحب أن يرضوا عنه، فبين الله عز وجل أن هؤلاء اليهود والنصارى قوم ذو عِناد ما يمكن يرضون عنك مهما تألفتهم، ومهما ركنت إليهم بالتألف لا بالمودة فإنهم لن يرضَوا، ولهذا أول ما قدم الرسول ﷺ المدينة كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْهَ عنه، ثم بعد ذلك تركهم وخالفهم قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ أي: دينهم. (...) يعني مع أنهم لا يؤمنون حتى يكلمهم.
قوله: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ ما المراد بها؟
* طالب: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ أي: معجزة.
* الشيخ: علامة على؟
* الطالب: علامة على نبوة النبي ﷺ.
* الشيخ: إي نعم.
قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِم﴾؟ من يعني بالذين من قبلهم؟
* طالب: اليهود والنصارى.
* الشيخ: نعم، تحفظ شيئًا مما قالوا؟
* الطالب: قولهم؛ قول اليهود: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
* الشيخ: لموسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥] نعم. قوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ما معنى التشابه؟
* الطالب: التشابه هو قريب من (...).
* الشيخ: قرب الشيء من الشيء.
قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ما موضعها مما قبلها؟ موقعها مما قبلها في المعنى؟
* الطالب: تعليل.
* الشيخ: تعليل لأيش؟
* الطالب: تعليل في الرد عليهم في دعواهم، وأنها لا جدوى لها، وأن القرآن كامل، وأن قولهم هذا هو مجرد تعنت وقد بُينت لهم الآيات.
* الشيخ: يعني إبطال لقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فقال الله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ يعني الآيات جاءت مبينة أيضًا، ما فيها إشكال.
* طالب: حالية يا شيخ؟
* الشيخ: لا، استئنافية للرد عليهم، استئنافية لإبطال قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾. ما هي حالية؛ لأن ما هي قيد فيما قبلها، الحال قيد فيما قبلها، أما هذه فهي استئنافية لإبطال قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾؛ يعني أن الآيات قد جاءت مبينة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباء معناها؟
* طالب: الملابسة.
* الشيخ: نعم، والمصاحبة، ما معنى ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* الطالب: أرسلناك بالقول الحق.
* الشيخ: وأيش معنى بالقول الحق يعني؟
* الطالب: أرسلناك؛ أي مثبتًا بالحق.
* الشيخ: وأيش بعد؟
* طالب آخر: يعني مصاحبًا معك الحق، وكذلك أنت يعني تعمل بالحق، يعني ملازمًا لك.
* الشيخ: الملابسة والمصاحبة، فمعنى الملابسة أن رسالتك حق، الرسالة حق، ومعنى المصاحبة أن ما جئت به فهو حق، فتكون الرسالة حقًّا، وما جاء به وهو مرسَل به حق أيضًا، ما هو الحق باعتبار الأحكام؟
* الطالب: الشيء الثابت المستقر.
* الشيخ: هذا الثابت المستقر، أحسنت، وإذا أضيف إلى الأحكام فالمراد به؟
* الطالب: العدل.
* الشيخ: وإذا أضيف إلى الأخبار؟
* الطالب: الصدق.
* الشيخ: المراد به الصدق.
قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ فيها قراءتان ما هما؟
* طالب: قراءة ﴿ولا تَسْأَلْ عن أصحاب الجحيم﴾ ، وقراءة ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾.
* الشيخ: وأيش الفرق بينهما؟
* الطالب: لا تُسْأَل، إحنا ما نُسأل عن حالهم.
* الشيخ: وحسابهم على الله، ولا تَسْأَل؟
* الطالب: أي: لا تسأل عن أحوالهم.
* الشيخ: فهم في حال يرثى لها. نحن قلنا فيما سبق إن القراءتين تعتبران معنيين، فكأنه يقول: لا تسأل عنهم ولا تُكلف بهم، وأيضًا هم في حال لا يحتاجون إلى السؤال عنهم
لأنهم- والعياذ بالله- في عذاب لا نظير له، نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥].
* يستفاد من الآية الكريمة: عموم مُلك الله؛ لأن المشرق والمغرب يحتويان كل شيء، ففيها عموم ملك الله.
ومنها أيضًا: إحاطة الله تعالى بكل شيء لقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ومن * فوائد الآية أيضًا: أنه لعموم ملك الله تعالى للمشرق والمغرب خلقًا وتقديرًا فله ملك المشرق والمغرب توجيهًا، وقد قلنا لكم: إن قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة ١٠٦] كلها منها إلى نسخ القبلة كله تمهيد لتحويل القبلة، فكأن الله يقول: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة ١٤٢] فإذا شاء جعل الاتجاه إلى اليمين، وإذا شاء جعله إلى اليسار ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ومن * فوائد الآية أيضًا: جواز الصلاة إلى حيث كان وجهك عند العذر،كما فسرها كثير من أهل العلم بذلك، جواز الصلاة عند العذر إلى حيث كان وجهك.
* ومنها: جواز الصلاة إلى اتجاه مسيرك في السفر إذا كانت الصلاة نافلة، وقد فُسرت به الآية أيضًا، ولكن الآية أشمل من هذا.
* ومنها: إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾.
* ومنها: أن الله تعالى له مكان لقوله: ﴿فَثَمَّ﴾؛ لأن ثم إشارة إلى المكان، لكن أين هو؟
* الطالب: فوق السماوات.
* الشيخ: نعم، في العلو، قال النبي عليه الصلاة والسلام للجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟». قالت: في السماء »[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]. وفيه إبطال لقول بدعتين ضالتين؛ إحداهما: بدعة الحلولية القائلين بأن الله تعالى في كل مكان بذاته؛ فإن هؤلاء قولهم باطل يبطله السمع والعقل والفطرة أيضًا، والثاني: قول النفاة المعطلة الذين يقولون: إن الله لا داخل العالَم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا تحته، ولا يمين العالم ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم. هذا القول قال بعض أهل العلم: لو قيل لنا: صفوا لنا العدم ما وجدنا وصفًا أشد إحاطة من هذا الكلام للعدم؛ لأن هذا المعدوم في الحقيقة.
ومن * فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: واسع وعليم ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع، في أي شيء؟ كل صفاته واسعة لا نهاية لها، علمه ما له نهاية، قدرته لا نهاية لها، سمعه لا نهاية له، كل شيء من صفاته فإنه على أعلى ما يكون من السَّعَة والإحاطة، العلم أيضًا محيط بكل شيء ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
* ومنها أيضًا نستفيد إثبات السمع والعلم، نستفيد صفة ثانية من جمع السمع والعلم، للإشارة إلى أن عِلم الله واسع، واسع بمعنى أنه لا يفوته شيء من كل معلوم لا في الأرض ولا في السماء.
* ومنها: انفراد الله بالملك، من أين تؤخذ؟
* طالب: من تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة ١١٦].
* يستفاد من هذه الآية: بيان عتو الإنسان وطغيانه؛ حيث سب الله سبحانه وتعالى هذه السبة العظيمة، فقال: إن الله اتخذ ولدًا، في الحديث الصحيح: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ وَلَدًا، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة.]].
فهذا من أعظم- والعياذ بالله- العدوان، ففيه دليل على طغيان الإنسان من حيث هو وعتوه لقوله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وهو يشير كما تقدم في التفسير إلى ثلاث طوائف، مَنْ؟
* الطلبة: اليهود، والنصارى، والمشركون.
* الشيخ: اليهود، والنصارى، والمشركون.
ومنها،* من فوائد الآية: أن الله أبطل هذه الدعوى الكاذبة من عدة أوجه:
أولًا: في قوله سبحانه، فإن تنزهه عن النقص يقتضي أن يكون منزهًا عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يُقصد به؟
* طالب: الإعانة.
* الشيخ: إي نعم، الإعانة ودفع الحاجة أو بقاء العنصر، والله تعالى منزه عن ذلك، ومنزه أيضًا عن المماثلة، ولو كان له ولد لكان مثيلًا لله.
وثانيًا: أبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمملوك لا يكون ولدًا للمالك حتى إنه شرعًا إذا ملك الإنسان ولده ماذا يكون؟ يَعْتِق عليه، فالمملوك ما يمكن يكون ولدًا للمالك، فالله خالق، وما سواه مخلوق، فكيف يكون المخلوق ولدًا للخالق؟
والوجه الثالث من إبطال هذه الدعوى أن جميع العباد كل العباد اللي في السماوات والأرض كل له خاضعون ذليلون، والولد لا يكون له مثل ذُلّ العبد، إذا كان الجميع عبيدًا له، كيف يكون أحد منهم ولدًا له؟ هل يذل العبد أمام أبيه كما يذل العبد أمام سيده؟ لا.
ومنها الوجه الرابع: أنه سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض؛ أي مبدعهما، فالقادر على خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق إنسانًا بلا أب، وهم يقولون: إنه ما له أب، فأبوه هو الله، فيقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالقادر على بدعهما قادر على أن يكون له ولد، قادر على أن يخلق إنسانًا بدون أب، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧].
الوجه الخامس: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومن كان هذه قدرتَه، فهل يستحيل عليه أن يوجد ولدًا بدون أب؟
* الطلبة: لا يستحيل.
* الشيخ: لا يستحيل، فبطلت شبهتهم التي احتجوا بها على أن عيسى ابن الله.
* الطالب: شيخ، كل له قانتون، يعني شمل العقلاء وغير العقلاء، وقانتون هم العقلاء؟
* الشيخ: تغليبًا، الآن انتهينا من الأدلة التي أبطل الله بها هذه الدعوى الكاذبة نرجع إلى الفوائد من هذه الآية؛ أولًا: امتناع أن يكون لله ولد، وأيش الدليل؟
* طالب: الوجوه الأربعة.
* الشيخ: الوجوه الخمسة، هذه الوجوه الخمسة.
وثانيًا: عموم مُلك الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن الفوائد: أن الله لا شريك له في ملكه، من أين تؤخذ؟
* طالب: من تقديم الخبر.
* الشيخ: من تقديم الخبر ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومنها: أن القنوت يُطلق على معنيين: المعنى العام، والمعنى الخاص؛ فالمعنى الخاص هو قنوت العبادة والطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر ٩]. هذا قنوت أيش؟
* الطلبة: العبادة.
* الشيخ: الطاعة والعبادة الشرعية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، وكما في قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣].
والثاني: قنوت الذل العام، وهذا شامل لكل من في السماوات والأرض، كما في هذه الآية: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ حتى الكفار قانتون لله؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: حتى الكفار بهذا المعنى قانتون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: عِظَم قدرة الله سبحانه وتعالى، وأيش هو؟ ببدع السماوات والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة.
* ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذه السماوات والأرض على نظام بديع عجيب، قال الله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك ٣].
هذا النظام الواسع الكبير العظيم ما يختل ولا يتغير على مر السنين والأعوام، وأيش يدل عليه؟
* الطلبة: على قدرة الله.
* الشيخ: على قدرة بالغة باهرة، وحكمة عظيمة أيضًا بالغة، حكمة عظيمة، كل شيء منظم تنظيمًا بديعًا متناسبًا ما يصطدم شيء بشيء فيفسده، ولا يغير شيء شيئًا بل كل سائر على حسب ما أُمر به، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت ١٢].
إذن ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * يستفاد منها: القوة والقدرة والحكمة.
* طالب: (...) السماء (...).
* الشيخ: نعم.
* ومنها أيضًا: أن السماوات عدد؛ لأن الجمع يدل على العدد، فكم هي؟
* الطلبة: سبع.
* الشيخ: سبع، وهي كما قال الله تعالى: طباق ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح ١٥]. بعضها فوق بعض، وقد دل القرآن والسنة وإجماع المسلمين على أن السماء جرم محسوس، وليس كما قال أهل الإلحاد: إن الذي فوقنا علو لا نهاية له؛ لأن هذا كفر اللي يؤمن بهذا يكفر؛ لأنه كافر بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
* ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يُعجزه شيء ولا يمتنع عن أمره شيء لقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧].
* ومنها: إثبات أن القضاء نوعان: قضاء قدري، وقضاء شرعي، القضاء القدري مثل هذه الآية: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قدَّره كونًا وخلقًا ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والقضاء الشرعي كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قضى شرعًا ولا قدرًا؟
* الطلبة: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا؛ لأنه لو قضاه قدرًا ما أشرك أحد لعبد الناس كلهم الله، فهو قضاء شرعي، والفرق بينهما: أن القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع؛ يعني قد يفعله المقضي عليه وقد لا يفعله، والقضاء الكوني لا بد أن يفعله، ولا بد أن يقع في المقضي عليه، كما أني الآن ذكرت الفرق بين القنوت العام والخاص؛ أن القنوت الخاص يُحمد عليه القانت، والقنوت العام لا يحمد عليه؛ لأنه ذل لله عز وجل كونًا وقدرًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات القول لله كقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾.
* ومنها: أن قوله بحروف.
* الطالب: ﴿قُلْ﴾.
* الشيخ: لا، قل، ما فيها قل.
* الطالب: لا، كُن.
* الشيخ: كن، كن هذه حروف.
* ومنها: أن قول الله مسموع ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ و(له) صريحة في توجيه القول للمقول له، ولولا أنه يسمعه ما صار في توجيهه له فائدة، ولهذا يسمعه الموجَّه إليه الأمر فيمتثل.
* ومنها: أن الجماد خاضع لله سبحانه وتعالى، حتى الجماد، وجه ذلك؟ لأن قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يشمل الأمور المتعلقة بالحيوان والمتعلقة بالجماد، فالجماد إذا قال الله له: كن؛ كان.
ومنها،* من فوائد الآية: أنه ليس بين أمر الله بالتكوين وبين كونه تراخيًا، ما فيه تراخي بل يكون على الفورية، من أين تؤخذ؟
* طالب: من التعقيب بالفاء.
* الشيخ: إيه، من قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ بالفاء، والفاء تدل على التعقيب، على الترتيب والتعقيب.
* طالب: هل يحس الجماد؟
* الشيخ: إي نعم، يحس.
* الطالب: يدل على: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] أنه قول فعلي حقيقي؟
* الشيخ: إيه، حقيقي نعم.
* الطالب: عرض الأمانة على السماوات حقيقي؟
* الشيخ: نعم، إي نعم حقيقي، ما فيه إشكال.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من الذي خالف في أن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف وصوت؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: الأشاعرة.
* الطلبة: الجهمية.
* الشيخ: لا الجهمية ما خالفوا، قالوا: كلام الله بحرف وصوت، لكن كلام الله مخلوق ما هو من صفاته والمعتزلة كذلك، لكن الأشاعرة والكُلَّابية والماتريدية، كلهم يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وأن الحروف والأصوات عبارة عنه أو حكاية، ولهذا قال بعض محققيهم: إنه ليس بيننا وبين المعتزلة في الكلام فرق، ما بيننا وبينهم فرق؛ لأننا اتفقنا على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق.
لكن هؤلاء يقولون؛ المعتزلة يقولون: اللي بين دفتي مصحف كلام الله، وأولئك يقولون: عبارة، فكان المعتزلة في هذه الناحية خيرًا منهم، كانوا خيرًا منهم في هذه الناحية؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، ودول يقولون: ما هو كلام الله، هذا عبارة عنه، والكل اتفقوا على أن ما بين دفتي المصحف فإنه مخلوق، فالمهم أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام بصوت وحروف، وأنه مسموع، ولكن إذا قال قائل: كيف يمكن أن نتصور هذا ونحن نقول: إن الله ليس كمثله شيء؟ وأنتم تقولون: إنه بحروف؟
قلنا: نعم الحروف هي الحروف، لكن كيفية النطق وحقيقة النطق بها أو القول، هل يشبه نطق المخلوق وقوله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ما يشبهه، فمن هنا نعرف أننا لا نكون مشبهة إذا قلنا: إنه بحرف وصوت؛ لأننا نقول: صوت ليس كأصوات المخلوقين، بل هو حسب ما يليق بعظمته وجلاله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة ١١٨].
* يستفاد من هذه الآية: أن أهل الباطل لا يعارضون الحق إلا بباطل؛ لأن كون الآيات تأتي على حسب مقترحهم هذا تعنت واستكبار وإلا فالمقصود، وأيش المقصود؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المقصود ثبوت الرسالة بالآيات سواء اقترحوها أم لا، ثم إنه لو جاءت الآيات على ما اقترحوا ما آمنوا ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢] سحرتنا بالأول وسحرتنا بالتالي.
إذن أهل الباطل لا يمكن أن يعارضوا الحق إلا بباطل، وهذا يقوي صاحب الحق على ثبوته على ما عنده وعلى إنكاره للباطل، لا تتزعزع ما دمت على حق فإن أهل الباطل كل ما عندهم هباء.
ومنها: وصف من لم ينقد للحق بالجهل ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١١٨] كل إنسان يكابر الحق وينابذه فإنه أجهل الناس، وبهذا نعرف أن من سمى هذا العصر عصر النور، وكأن هذا الكلام يقتضي الحصر فهو خاطئ ولَّا مخطئ؟
* الطلبة: لا، خاطئ.
* الشيخ: خاطئ؛ لأن هذا العصر في الحقيقة عصر الظلمة إلا من أنار الله قلبه، عصر النور حقيقة هو عصر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، هذا عصر النور، أما عصرنا الآن كله جهل، كله عناد، كله استكبار والعياذ بالله.
ومنها: أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف وصوت، من أين؟
* الطلبة: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ ولو كان الكلام كما قال الأشاعرة بالنفس ما كان لكلام الله لهم فائدة؛ لأنه في نفسه ما يسمعونه، فالمشركون يقرون بأن الله يتكلم؛ لأنه حقيقة الأمر ما يمكن تثبت الشرائع بدون أن يثبت كلام الله، إذ إن الوحي هو كلام الله، إذا أنكرنا كلام الله؟
* طالب: أنكرنا شريعته.
* الشيخ: كيف يثبت الوحي؟
ومنها أيضًا: أن ما من رسول إلا وله آية؛ لأن قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ هذا مدعى غيرهم؛ إذ إن من لم يأتِ بآية لا يُلام من لم يصدقه، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: رجل مثلًا يجي لا نعرفه، من بني جنسنا، يقول: أنا رسول الله، آمنوا بي وإلا قاتلتكم واستحللت نساءكم وأموالكم، نطيعه ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، لا يستقيم.
* الشيخ: لا، ما نطيعه، ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين، لكن الرسل تأتي بالآيات «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩)، من حديث أبي هريرة.]]، فالله تعالى ما يرسل الرسل ويتركهم بدون تأييد أبدًا.
* طالب: ظاهر الآيات قول اليهود ما جئتنا ببينة، كيف ذلك؟
* الشيخ: استكبار، حتى أو تأتينا آية، نقول: جاءتكم آيات ما هي آية واحدة.
* الطالب: لكن هو ما أجابهم على هذا الدعاء؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود ٥٣ - ٥٥].
* الشيخ: أكبر آية هذا التحدي لهم أنه قال: ﴿كِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود ٥٥، ٥٦] هذا يعني (...).
كذلك * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقوال أهل الباطل تتشابه ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، فأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول ﷺ من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، ﴿إِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢] واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن والسنة: هؤلاء رجعيون، هؤلاء دراويش ما يعرفون شيئًا.
* ومنها: تشابه قلوب الكفار لقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
* ومنها إبطال دعوى قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ في قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾.
* ومنها: أنه لا ينتفع بالآيات إلا من رزقهم الله العلم، العلم النافع؛ فإنهم ينتفعون.
* ومنها: أنه كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إيمانًا؛ لأنه إذا ازداد علمه ظهر له من آيات الله ما لم يظهر لغيره، ولهذا ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. إذن نعود عن التفسير الأول قلت: ﴿بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. الإيقان: هو التصديق من غير شك، والتصديق من غير شك تصديق لا شك معه، فكل ما إنسان مؤمن فإنه يتبين له من آيات الله ما لم يتبين لغيره، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا تبين له من آيات الله ما لم يتبين لغيره.
* فيستفاد من الآية الكريمة: أن كل مؤمن فقد تبينت له الآيات.
* ويستفاد منها أيضًا: زيادة العلم بالإيمان؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ، فإن الوحي من آيات الله، فكلما كنت مؤمنًا تبين لك من هذه الآيات ما لم يتبين لغيرك، فبالإيمان يزداد العلم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١].
وكلما كان الإنسان أكثر إيمانًا كان أكثر علمًا، وكلما ازداد علمه ازداد إيمانه، فهما متلازمان.
* طالب: كمثل اليهود عندهم علم لكن لم يعملوا به؟
* الشيخ: إيه، لكن إذا ازداد العلم عن إيمان ازداد بالإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة ١١٩]. من * هذه الآية الكريمة يستفاد: ثبوت رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ رسول وليس كذابًا، وليس ربًّا؛ لأن الرسول ما يمكن أن يكون له مقام الْمُرسِل، وأيضًا هو غير كذاب؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فأكده بـ (إن).
* ومنها: أن رسالة النبي ﷺ حق ومشتملة على الحق لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وهو العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، والحسن في القصص ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* ومنها: أن رسالة النبي ﷺ متضمنة لأمر ونهي، وتبشير وإنذار لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. وقلنا: إن البشارة في مقابلة من فعلوا المأمورات، فيتضمن أمرًا يُبشَّر فاعله بثوابه، والنذارة لمن فعل المحظورات، فتتضمن محظورًا وإنذارًا لفاعله، وهكذا شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام متضمِّنة للأمرين: الأمر والنهي؛ يعني إيجابي وسلبي، والحكمة من ذلك ظاهرة؛ وذلك لأن الإنسان قد يهون عليه فعل الأوامر، ويشق عليه ترك المنهيات، فلو كانت الشريعة كلها أوامر ما تبين لنا المحنة أو الابتلاء في استطاعة الإنسان كف نفسه ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يعني بعض الناس يهون عليه أنه يفعل، لكن ما يهون عليه أن يترك، فكان الابتلاء بالأمر والنهي، وبعض الناس يهون عليه أن يترك، لكن لا يهون عليه أن يفعل، مفهوم؟
فكان الابتلاء بالأمرين جميًعا، الشيخ الكبير يهون عليه ترك الزنا ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يهون عليه ترك الزنا، ولكنه ليس كالشاب الذي لا يهون عليه ترك الزنا، قد يكون ترك الزنا بالنسبة للشاب صعبًا وشاقًّا، فلذلك ابتُلي الناس بهذا وبهذا، فالمهم إذن أن الابتلاء لا يتم إلا بتنويع التكليف، ولَّا لا؟ وهذا مر علينا كثيرًا وقلنا مثلًا: الصلاة تكليف بدني، والزكاة تكليف مالي، والحج تكليف بدني.
* الطلبة: ومالي.
* الشيخ: لا، مالي ما هو بلازم، لكنه غالبًا يكون فيه مال، ما يصل إليه الإنسان إلا بمال، والصيام؟ كف، الصيام كف.
* طالب: فعل.
* الشيخ: لا، ما هو فعل، الإنسان ما يفعل شيئًا، بس يترك شيئًا.
* طالب: كف عنه.
* الشيخ: فهو كف، كف عن محبوب، لكن الصلاة والزكاة إيجاد، فلذلك صار فيه ابتلاء كل الأركان الخمسة فيها ابتلاء بالفعل والكف؛ لأنه ما يتم الانقياد إلا بهذين الأمرين: بفعل المأمور، وترك المحظور.
* ومنها: أن وظيفة الرسل الإبلاغ، وليسوا مكلفين بعمل الناس لقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ وعلى القراءة الثانية نستفيد فائدة ثانية وهي: شدة عذب أهل الجحيم والعياذ بالله، أصحاب الجحيم لقوله: ﴿وَلَا تسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ .
البقرة 2:119
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة 115] ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ اللام هذه للملك والاختصاص، يعني: أن الله تعالى مالك المشرق والمغرب، وما الدنيا كلها إلا مشرق ومغرب، إذن فالله تعالى مالك لكل شيء، المشرق مكان الشروق أو زمانه؟ مكانه، والمغرب كذلك مكانه، وقد وردت المشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: مفردة، ومثناة، وجمع، فهنا قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وفي آية أخرى قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء 28] وفي آية ثانية قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن 17]
وفي ثالثة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج 40]
فكيف نجمع بين هذه الأوجه الثلاثة؟ نقول: أما المشرق فلا ينافي المشارق ولا المشرقين، لماذا؟ لأنه مفرد محلى بأل، فهو للجنس الشامل الواحد والمتعدد، وأما ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ و﴿رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ فالجمع بينهما إما أن يقال: إنه جُمع المشارق والمغارب باعتبار الشارق والغارب؛ لأن الشارق والغارب واجد ويش (...) غير الشمس؟ القمر والنجوم ومن يحصي النجوم؟ وثُنِّي باعتبار مشرق الشتاء ومشرق الصيف، فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب، والصيف في أقصى الشمال وبينهما مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله، شوف المسافة من مشرقها في الشتاء إلى مشرقها في أيام الصيف مسافة عظيمة يعني كبر الأرض يمكن آلاف الآلاف، فهي ثنيت بهذا الاعتبار، ثم إنكم لاحظوا أن سورة الرحمن أكثر ما فيها بصيغة التثنية، أو لا؟ فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر المشرق و المغرب بصيغة التثنية، أما عند العظمة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [المعارج 40، 41].
ويش جاء بصيغة؟ بصيغة الجمع؛ لأن الجمع أدل على التعظيم من المثنى؛ لأن المثنى نص في دلالته على الحصر، طيب ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: مشرق كل شارق، ومغرب كل غارب.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ نشوف (أين) ويش إعرابها؟ (أين) أظن أننا نعلم أنها؟
* طالب: ظرف.
* الشيخ: لا، هي ظرف، لكنها أخص من ذلك شرطية، أين شرطية، وما زائدة و﴿تُوَلُّوا﴾ الفعل هذا فعل الشرط، و﴿تُوَلُّوا﴾ هي مضارع ولَّا ماضي ولَّا أمر؟
* طالب: مضارع.
* الشيخ: ويش الدليل أنها مضارع؟
* طالب: أنه مجزوم، محلها محل جزم.
* الشيخ: هل تقول: تولون؟ نعم في القرآن: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر 33] فإذن تولوا فعل مضارع مجزوم بأداة الشرط، وعلامة جزمه حذف الواو والنون فاعل؟
* طالب: حذف النون؟
* الشيخ: نعم، حذف النون، والواو فاعل.
طيب، وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الفاء هي رابطة لجواب الشرط، و﴿ثَمَّ﴾ اسم إشارة، وهو ظرف، لكنه اسم إشارة يشار به للبعيد، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿وَجْهُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط، انتهينا الآن من الإعراب.
ما معنى ﴿تُوَلُّوا﴾؟ ﴿تُوَلُّوا﴾ تتجهوا، وقوله: ﴿فَثَمَّ﴾ أي: فهناك، والإشارة إلى الجهة التي توليت إليها.
وقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ اختلف فيه المفسرون من السلف والخلف، فقال بعضهم: المراد به وجه الله الحقيقي، وقال بعض العلماء: المراد به الجهة، فوجه بمعنى جهة، أي ففي المكان الذي اتجهتم به جهة الله عز وجل؛ وذلك لأن الله محيط بكل شيء، محيط بكل شيء، ففيها للعلماء قولان، ولكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن ذلك هو الأصل وليس هناك ما يمنعه، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قبل وجه المصلي[[لحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى». متفق عليه؛ البخاري (406)، ومسلم (547 / 50).]] والمصلون إلى أين يتجهون؟ أحد إلى الشرق، واحد إلى الغرب، واحد إلى الشمال، واحد إلى الجنوب، حسب مكانه، فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال وأهل الشام إلى الجنوب وأهل نجد إلى الغرب، وأهل مصر إلى الشرق واضح؟ وكل يتجه جهة، لكن هذا الاتجاه الذي يجمعهم القبلة وكل يتجه إلى وجه الله، فعلى هذا يقول الله عز وجل معنى الآية: أنكم مهما توجهتم في صلاتكم، فإنكم تتجهون إلى الله، سواء إلى المشرق أو إلى المغرب أو إلى الجنوب أو إلى الشمال، أفهمتم؟ ونحو منه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة 177].
الشيخ: ولكن ما معناه؟ بديع بمعنى؟
* الطالب: فاعل يعني فعيل.
* الشيخ: فعيل بمعنى؟
* الطالب: بمعنى مفعول؛ يعني بديع بمعنى (مبدوع).
* الشيخ: لا.
* الطالب: بمعنى مبدع.
* الشيخ: بمعنى مبدع (فَعِيل بمعنى مُفْعِل). طيب لها نظير في اللغة العربية.
* الطالب: لها نظير فعيل.
* الشيخ: مثل.
* الطالب: مثل قول الشاعر، ما أنا بحافظه.
* طالب آخر: قتيل.
* الشيخ: لا؛ لأن قتيل بمعنى مقتول.
* طالب: رحيم.
* الشيخ: لا.
* الطالب: أليم بمعنى مؤلم.
* الشيخ: أليم بمعنى مؤلم.
* الطالب: سميع.
* الشيخ: سميع بمعنى مسمع، صح.
* طالب: سميع بمعنى سامع؟
* الشيخ: لا، بمعنى مسمع، وعليه قول الشاعر، سميع بمعنى مُسمع.
* الطالب:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِــــــــــي هُجُـــــــــــوعُ
* الشيخ: أمِن ريحانة الداعي السميع، يعني: المسمع.
يؤرقني وأصحابي هجوع. السميع بمعنى الْمُسمِع. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى مبدعهما على غير مثال، موجدهما على غير مثال سبق.
الغرض من هذه الجملة، وأيش الغرض من قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ من يعرف؟
الرد على من قالوا: إن الله اتخذ ولدًا؛ يعني إن اللي قادر على إبداع السماوات والأرض قادر على أن يخلق ولدًا بدون أب؛ لأن النصارى قالوا: المسيح ابن الله وأين أبوه؟ جاء من أم فأين أبوه؟ قالوا: أبوه الله، الملائكة من أين جاءت؟ قالوا: بنات الله، فالله قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: والقادر على بدع السماوات والأرض قادر على أن يخلق بشرًا بدون أب.
قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧]، وأيش معنى إذا قضى؟
* الطالب: إذا أراد قضاءها.
* الشيخ: إذا أراد قضاءها. هل يأتي الفعل بمعنى إرادته؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: إذا قام إلى الصلاة.
* الشيخ: أبغي من القرآن؟
* الطالب: قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾.
* الشيخ: فاغسلوا؟ نعم، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨] أي أردت قراءته.
ما الدليل على تأويل قضى بمعنى أراد؟ ما هو الدليل على أن قضى بمعنى أراد أن يقضي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بدليل من القرآن؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ونجد لكم الآية من القرآن الدليل؟
* طالب: يعني هذا من غير الآية.
* الشيخ: من غير الآية هذه؟
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]؟
* الشيخ: لا، آفة العلم النسيان، الله أكبر! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
على أني قلت لكم: يصلح أن نجعل قضى ليس بمعنى أراد، بل بمعنى فعل شيئًا، فإنما يقول له عند فعله: كن فيكون، يعني أنه إذا قضى شيئًا فإن ذلك ليس أمرًا شاقًّا عليه، ليس لقضائه إلا أن يقول: كن فيكون.
في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ قراءتان، هما ﴿فَيَكُونُ﴾ فيها قراءتان؟
* الطالب: ما ذكرناه.
* الشيخ: ما ذكرناه؟
* الطالب: فيه النصب، ﴿فَيَكُونَ﴾ جوابًا للأمر أو على تقدير فعل شرط محذوف؟
* الشيخ: فهو يكون.
* الطالب: والثاني ﴿فَيَكُونُ﴾ على الرفع.
* الشيخ: أي على تقدير الاستئناف، أي فهو يكون.
فيها قراءتان: النصب ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ والقراءة الثانية: ﴿فَيَكُونُ﴾ فعلى قراءة النصب تكون جوابًا للأمر، كن فبسبب ذلك يكون، تكون الفاء للسببية، وعلى قراءة الرفع تكون على الاستئناف؛ أي فهو يكون، إذا قال له: كن فإنه يكون، كن هذه تامة ولَّا ناقصة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: تامة، وأيش السبب؟ أو لأن التمام أحسن من النقص؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب صحيح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذن نكمل الآية.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ هنا القضاء كوني أو شرعي؟ نقول: إنه كوني، القضاء كوني، وقضى يحتمل أنها بمعنى أراد أن يقضي كما يدل على ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ ما قال: إذا قضى شيئًا، قال: ﴿إِذَا أَرَادَ﴾، والفعل يُطلق على إرادته المقارنِة مثل قوله؟ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ و﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ٦]، وكان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥ / ١٢٢) من حديث أنس بن مالك.]] أي إذا أراد دخوله. وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ أمرًا واحد الأوامر، أو واحد الأمور؟
* طالب: واحد الأمور.
* الشيخ: واحد الأمور؛ يعني الشؤون، أي إذا قضى شأنًا من شؤونه سبحانه وتعالى فإن ذلك لا يصعب عليه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، كلمة واحدة (كن) بدون تكرار، فيكون، يكون على ما أراد الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ﴾ (إنما) هذه أداة حصر، أي: ما يقول له إلا كن، وكن هنا تامة؛ أي: احدِث، يعني (حَدَث يَحدِث احْدِث)، فهي تامة. ﴿فَيَكُونُ﴾ أيضًا تامة أي فيكون، أي فيحدث كما أمره الله سبحانه وتعالى، والغرض من هذه الجملة أيضًا إثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام ليس بابن لله؛ لأنه كان بأي شيء؟ بازدواج بين مريم وبين الله جل وعلا؟ كلا، ولكن بالكلمة: كن، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران ٥٩] آدم خُلق من غير أب ولا أم؛ ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ أي كن بشرًا فكان، فالذي قدر على أن يخلق آدم بدون أب ولا أم يكون أقدر على أن يخلق بشرًا بدون أب من أم بلا أب.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ انظر إذا أردتم مثالًا لذلك فاقرؤوا قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]. زجرة واحدة يزجر بها الخلائق كل الخلائق التي أُعدمت وفنيت منذ خلقها الله إلى يوم القيامة يزجرها الله مرة واحدة على أن تقوم حية فتقوم. شوف ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (إذا) فجائية كما تعرفون، والفجائية تدل على المباشرة والتعقيب. ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ هؤلاء الخلق من يحصيهم؟
* طالب: ما يحصيهم إلا خالقهم.
* الشيخ: ما يحصيهم إلا اللي خلقهم على اختلاف أصنافهم وأشكالهم وكِبَرهم وصغرهم بكلمة واحدة، سبحان الله العظيم! إذا هم بالساهرة على ظهر الأرض، هذا دليل على كمال قدرته جل وعلا وسلطانه وعزته، وأنه إذا أراد شيئًا لا يمتنع عليه، يقول له: كن فيكون، فكيف تقولون من أين يأتي عيسى؟ من أين تأتي الملائكة؟ بهذا يكون الآية فيها دليل على إبطال هذا القول من عدة أوجه:
أولًا: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
ثانيًا: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وثالثًا: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. ورابعًا: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وأيش بعد؟
وخامسًا: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ خمسة أوجه كلها تدل على بطلان دعوى هؤلاء الذين يقولون: إن الله اتخذ ولدًا بحجة أن هذا أمر لن يكون إلا أن يكون ولدًا لله. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
* الطالب: فيه أشياء مثل أشياء مخلوقات ما خلقها بكن، مثل السماوات والأرض والأشياء اللي ما خلقها بكن، هل هي فقط والباقي يقول للشيء: كن؟
* الشيخ: من قال أنها ما خلقت بغير كن؟
* الطالب: بس في ستة أيام؟
* الشيخ: طيب، ستة أيام هي تتكون شيئًا فشيئًا، انتهت في ستة أيام، كل شيء يتكون لا بد أن يكون قد قيل له: كن.
* الطالب: (...) سوى آدم؟
* الشيخ: كل شيء، خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، الآية ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ وكل الكون مراده.
* الطالب: بس خلقه بيده؟
* الشيخ: (...) بيده، وقال له: كن، فكان.
* الطالب: خلقت بيدِي جعل الخلق بيدي أو بيديَّ (...)؟
* الشيخ: صحيح، لكن مع كونه مخلوقًا باليد هو بالكلمة أيضًا، ثم قال له: كن فيكون.
* الطالب: تعقيب فيكون يدل على وجوده (...) الآن؟
* الشيخ: نعم، أصل الخلق الآن، تكوين آدم بيد الله عز وجل، لا شك أن الله أراده، إنما نعم القول قد لا يقول له كن إلا بعد أن أتم خلقه بيده، ما قال له: كن إلا بعد أن أتم خلقه بيده، فيكون الخلق والتكوين باليد بدون أن يقال له شيء. فيكون كونه إنسانًا بشرًا بقول: كن.
* الطالب: طيب ما فيه شيء (...)؟
* الشيخ: ما أعرف شيء.
* الطالب: الله سبحانه وتعالى كتب التوراة والزبور بيده، ثم قال (كن)؟
* الشيخ: المسائل الشرعية ما يقال لها (كن) حتى القرآن كله ما قال (كن)، القرآن تكلم به ونزل به جبريل، كلماته ما هو يقول هي نفسها كلمات.
* الطالب: أيضًا الكتابة.
* الشيخ: الكتابة من كلماته؟ ولهذا تعتبر التوراة من كلمات الله.
* الطالب: شيخ، فيه فرق بين يتكون ويكون، يتكون شيئًا فشيئًا، لكن يكون الله بعد التعقيب بالفاء إنه يكون فعلًا؟
* الشيخ: إذا أراد، كل شيء اللي يريده فيقول: كن، مثلًا هذا الذي يتكون الجنين، أراد الله تعالى أن يكون نطفة فكان، قال: كن نطفة فكان، ثم علقة، ثم إلى آخره، ثم بعد ذلك أنشأناه خلقًا آخر، كل شيء فإنه مراد الله سواء كان متطورًا أو حادثًا فجأة، ولا أعرف في هذا أن شيئًا يحدث فجأة هكذا إلا بتطور؛ لأن من سُنة الله تعالى التطوير في الشرع وفي القدر، كل شيء لا بد أن يكون له تدريج حتى يتم وينتهي، وعندنا الآن عموم ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران ٤٧] وكل أمر فهو مقضي له.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا ما يمكن يخرج من هذا العموم إلا شيء نعلم علم اليقين أنه خرج منه، وصحيح أن آدم، خَلْقُ الله تعالى له باليد ما نستطيع أن نقول: إن الله تعالى كلما أراد أن يخلق شيئًا منه يقول له: كن، ما نستطيع هذا، قد يكون الله سبحانه وتعالى بإرادته أنشأه بيده على ما يريد، ثم قال له: كن، أي كن بشرًا سويًّا، وأما حديث: «أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ كَمَنْ خَلَقْتُهُ بِكَلِمَتِي»[[أخرجه البيهقي في الشعب (١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]] هذا يجب أن ينظر فيه، فلا أدري عن صحته، إن شاء الله تحققوه لنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة ١١٨] هؤلاء المكذبون للرسل، والمراد بهم من في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بدليل قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الذين لا يعلمون هم الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فاقترحوا على النبي عليه الصلاة والسلام أشياء جاء النبي عليه الصلاة والسلام بأعظم منها، ومع ذلك ما آمنوا بها، فدل هذا على أن اقتراحهم إنما هو تعنت وعناد، وليس لقصد الوصول إلى الحق؛ لأن الرسول ﷺ جاء بأعظم مما اقترحوه، ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. هل يلزم انتفاء صدق الرسول عليه الصلاة والسلام لانتفاء الآية التي طلبوا وهو تكليم الله لهم؟
* الطلبة: لا، لا يلزم.
* الشيخ: لا يلزم؛ لأن الثابت لا يتعين بدليل واحد؛ بمعنى أن الأشياء قد يكون لها أدلة متعددة، فثبوت رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لا تتوقف على هذه الآيات التي اقترحوها ما دام أنه قد أتى بآيات أقوى منها، ولهذا من القواعد المقررة انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول، لماذا؟ لأن المدلول له أدلة متعددة، إذا قدَّرنا أنه لم يثبت بهذا الدليل فقد ثبت بدليل آخر، إبراهيم لما جادله الذي قال: أنا أحيي وأميت جاء بدليل آخر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، المهم أن الذين قالوا: لولا يكلمنا الله، نقول: تكليم الله سبحانه وتعالى لكم لا يستلزم وجوده صِدْقَ الرسول عليه الصلاة والسلام ولا انتفاؤه عدم صدقه لوجود آيات وأدلة أقوى مما زعمتم، فكونكم تقولون: لا بد تجيئنا ها الآية ،هذا غير مُسلَّم ما دام وجد آيات دالة على صدقه، فطلبكم هذه الآية المعينة هذا تعنت، مثل ما لو طلبت من إنسان الحاجة وجابها لك، وقلت: لا، أنا ما أبي إلا من فلان وهي نفس الحاجة، وأيش معنى هذا؟
* طالب: التعنت.
* الشيخ: معنى هذا التعنت، مطلوبك حصل، أما كونك تتعنت بكذا وكذا بدون سبب، وهؤلاء بدون سبب؛ لأن تكليم الله لهم لا يريدون بذلك تشريف الله لهم بالكلام، ما يريدون هذا، لو أرادوا هذا لقلنا: إنه طلب معقول، لكن ماذا يريدون به؟
* طالب: التعجيز.
* الشيخ: يريدون به إثبات رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: إن كنت صادق خلي الله يكلمنا، عرفتم ولَّا لا؟ أنا أقول الآن: لو كانوا طلبوا أن يكلمهم الله تشريفًا لهم لكان طلبهم معقولًا، لكن هم طلبوا أن يكلمهم الله لتثبت بذلك رسالة الرسول ﷺ.
نقول: هذه الدعوى منكم تعنت؛ إذ إن الرسول ﷺ أتى بأمر أعظم من هذا، كذلك قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ سبحان الله! ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾؟ كأنهم ما جاءهم آية على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا من الجحود، فالأول تعنت، والثاني جحود، الأول: تعنت كونهم يقترفون شيئًا معينًا، يقولوا: نجيبوه ولَّا ما نؤمن، والثاني: جحود وإنكار أو تأتينا آية؛ لأن ما فيه شك أنه جاءتهم آيات عظيمة، أكبر آية جاءتهم هذا القرآن، قال لهم الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]. ائتوا بسورة من مثله، قدروا؟
* الطلبة: لا يا شيخ.
* الشيخ: إذن، القرآن من محمد ﷺ؟ لا، لو كان من محمد استطاعوا أن يأتوا بمثله؛ لأنهم مثله، وإن كان هو أفصحهم بسبب ما نزل عليه من الوحي؛ إذن ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ نقول: هذا الاقتراح الأخير لا شك أنه جحود وإنكار، لماذا؟
* طالب: لأنه قد أتتهم آية.
* الشيخ: لأنه قد أتتهم آية بل آيات. قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة ١١٨]. (كذلك) أي مثل هذا القول قال الذين من قبلهم، وعلى هذا يكون ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ توكيدًا لقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا القول قالوه واقترحوه من قبلهم، قوم موسى قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]. وإلا ما نؤمن، ورينا الله عيانًا وإلا ما نؤمن لك، فهذه دأب المكذبين للرسل، ينكرون ويقترحون، وقد أوتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه، قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، والغرض من قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ الغرض من هذا تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وهذا أمر معلوم، ولَّا لا؟ افرض مثلًا أن لصوصًا هجموا على بيوت فسرقوا من إنسان مئة ريال، طبعًا بيحزن، لكن لما أصبح قال الثاني: سُرق مني مئتين، وأيش يصير؟
* طالب: .. سهلة.
* الشيخ: تهون عليه، تهون عليه كثيرًا، الخنساء لما مات أخوها صخر قالت:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّــــــــي
والله تعالى يسلِّي رسوله عليه الصلاة والسلام بأن هذا القول الذي قيل لك قد قيل لمن قبلك ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. قال الله عز وجل: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شوف، الأولون والآخرون قلوبهم متشابهة في رد الحق وإبطاله والعناد والتعنت والجحود من أول ما بُعثت الرسل إلى خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، بل وإلى يوم القيامة، القلوب قلوب أهل الكفر والعياذ بالله والعناد متشابهة، إنما يختلف الأسلوب، الموضوع واحد، لكن الأسلوب يختلف، قد يقترح هؤلاء شيئًا وهؤلاء شيئًا، لكن الكلام على جنس الاقتراح وعدم القبول ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شوف القول يقول: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، والقلوب يقول: ﴿تَشَابَهَتْ﴾، فهل معنى ذلك أن المشابهة هي المماثلة ولَّا لا؟ اللي إحنا قررنا فيما سبق أن المشابهة ليست كالمماثلة؛ لأن المشابهة معناها المقاربة، والمماثلة هي المساواة ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: ولا ريب أن القلوب تتشابه، وإن تطابقت الأقوال؛ إذ قد يكون في قلوب هؤلاء ما ليس في قلوب هؤلاء من شدة الكفر والعناد، ولكن الأقوال تكون متطابقة.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بيّنا بمعنى أظهرنا؛ لأن (بان) بمعنى ظهر، و(بيَّن) بمعنى أظهر. وقوله: ﴿الْآيَاتِ﴾ جمع آية وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها، كل علامة تُعيِّن مدلولها تُسمى آية؛ فالآيات المعيِّنة لمن هي آية له تسمى آية، فآيات الله تعالى هي العلامات الدالة عليه؛ أي: المعيِّنة له سبحانه وتعالى، وقد ذكر أهل العلم أنها تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وآيات كونية؛ فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل من الوحي وكانت آيات؛ لأنه لا يوجد لها نظير في صدق الأخبار وحسن القَصص وعدل الأحكام، آيات الله الشرعية ليس لها نظير من كلام البشر في هذه الأمور الثلاثة، وهي: صدق الأخبار، وحسن القصص؛ يعني جميع القصص اللي في القرآن (...) كلها قصص نافعة وعبر عظيمة، والثالث: وعدل الأحكام، لا يوجد لها نظير أبدًا، مهما وجدتَ مثلًا من النظم والقوانين والْمُثل السائرة وغير السائرة ما يمكن تجد مثل هذا القرآن؛ إذن فهو آية من آيات الله.
كذلك الآيات الكونية وظهورها أعظم وأبين؛ لأنه يمكنك أن تحاج بها عقليًّا من ينكر الله ولَّا لا، مثل ؟
* طالب: الليل والنهار، والشمس والقمر.
* الشيخ: إي نعم، مثل السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار وكل شيء.
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّــــــــــــهُ وَاحِدُ
فهي آيات، هذه الآيات يا جماعة يقول الله إنه قد بينها، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ الموقِن تبيَّنت له الآيات وعرفها، والشاك ما تتبين، الشاك ما تتبين -والعياذ بالله- وربما تنطمس، وربما تنطمس عليه الأمور، ويكون بعد الشك إلى مرحلة الإنكار؛ لأن الشك -كما تعرفون- مرحلة بين مرحلتين؛ بين الإقرار والإنكار، فقد يكون مع الشك والعياذ بالله يصل إلى حد الإنكار، والشك لا يكفي في الإيمان، وفي هذه الآية: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ دليل على أن الله قد أقام الحجة، وعلى أن الآيات ما تنفع كل أحد إنما تنفع من أيقن، أما من شك فإنها لا تنفعه الآيات، لو هو شاك ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* طالب: شيخ، هذا القول قول يهود المدينة أن السورة مدنية؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الذين قالوا بأن السورة مدنية.
* الشيخ: لا هي عامة، يعني ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عامة، و(قال): فعل ماضٍ تشمل الموجود في زمن نزول الآية والذي قبله.
* الطالب: (...) هو فلق القمر، انشقاق القمر، (...) فهل..؟
* الشيخ: لا، العلماء قالوا: إنهم طلبوا آية غير معينة.
* الطالب: أجيبوا؟
* الشيخ: إيه، أجيبوا بهذه الآية، والذي يهلكون إذا اقترحوا فأجيبوا، إذا طلبوا آية معينة وأجيبوا لها فإنهم يهلكون.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة ١١٩] يعني معناه: أن هؤلاء الذين يقولون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ يُرد عليهم بهذه الآية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ وإن للتوكيد، أين اسمها؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: اسمها الضمير.
* الشيخ: وأين الضمير؟
* الطالب: نحن.
* الشيخ: وأين نحن؟
* طالب: (نا) يا شيخ.
* الشيخ: اسمها (نا)، لكنها حُذفت النون فقط لتوالي الأمثال مع أنها أحيانًا لا تحذف (إننا)، ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ [هود ٦٢]، لكن ما تقول اسمها الألف بأني أخشى أن أحدكم يقول: اسمها الألف؛ إذ إن الألف لا تكون ضميرًا إلا إذا اتصلت بالفعل، مثل: قال، وقام، وما أشبه ذلك.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أرسلناك لمن؟ حذف المرسل إليهم لإفادة العموم؛ لأن النبي ﷺ مرسَل إلى جميع الخلق وغيره من الرسل إلى مَنْ؟
* الطلبة: إلى قومه خاصة.
* الشيخ: إلى قومهم خاصة، أما الرسول ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للمصاحبة والملابسة، يعني أرسلناك متلبسًا بالحق، أو أن المعنى حاملًا الحق بهذه الرسالة؛ يعني أن الآية تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق. والثاني: أن ما أرسلت به حق، فهمتم الفرق بين المعنيين؟
والمعنيان ثابتان، الرسول عليه الصلاة والسلام رسالته حق، وعليه فالباء للملابسة، والرسول عليه الصلاة والسلام ما أرسل به فهو حق، وعلى هذا فالباء للمصاحبة، يعني رسالتك مصحوبة بالحق؛ لأن ما جئت به حق، والحق قلنا: إنه ضد الباطل، وهو الثابت المستقر، فإن أضيف إلى الأخبار فالمراد به الصدق، وإن أضيف إلى الأحكام فالمراد به العدل، ما جاء به الرسول صلى الله عليه سلم فهو حق في أخباره وفي أحكامه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] الظاهر أنه لا يخفى على الجميع أن الحق مقبول ومطلوب من كل نفس، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا كان هكذا، فمن رامَ الحقَّ وجده، ومن أعرض عنه إلى الباطل عوقب بحرمانه، فهمتم؟
﴿بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ اللهم صلِّ وسلم عليه ﴿بَشِيرًا﴾ حال من أين؟
* طالب: من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ اللي هي المفعول. و﴿وَنَذِيرًا﴾: حال أخرى بواسطة حرف العطف، فجمع الله له بين كونه مبشِّرًا منذرًا؛ لأن ما جاء به أمر ونهي، المناسب للأمر البَشارة، وللنهي الإنذار، فعليه تكون رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جامعة بين البُشرى وبين الإنذار، فمن الذي يُبشر بها؟ ومن الذي يُنذَر بها؟
بينه الله تعالى في عدة آيات؛ في سورة الكهف: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف ٢]، وكذلك قال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم ٩٧].
إذن فالرسول ﷺ مبشِّر للمتقين الذين يعملون الصالحات، ومنذر لِلُّدِّ جمع (ألدّ)، وهو الخَصم المعاند، هؤلاء ينذرهم بالعقوبة الدنيوية أو الأخروية أو هما؟
* الطلبة: هما.
* الشيخ: هما، إي نعم، هما أو إحداهما، لا بد أن يأتيهم عقوبة، وإذا قلنا بأن العقوبة تشمل حرمان الإنسان من الطاعة والإيمان، فلا بد أن يكون معاقبًا بالأمرين: الدنيوية والدينية. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. في قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ قراءتان إحداهما: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ بلا النافية، والفعل مبني للمجهول، يعني ولا تسأل أنت عن أصحاب الجحيم يعني ما يسألك الله عنهم؛ لأنك بلغت والحساب على من؟ على الله، والقراءة الثانية: ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ . ولا تسألْ على أن (لا) ناهية وتسأل: فعل مضارع مبني للفاعل، ولا تسأل أنت، أوْ: ولا تسألُ أيها المخاطب.
أما على القراءة الأولى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ فالمعنى أنك لا تُسأل عنهم وكيف لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
وعلى القراءة الثانية ﴿وَلَا تَسْأَلْ﴾ ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ المراد به الإنذار والوعيد؛ يعني لا تسأل عن أحوالهم فإنهم في أمر ما يحتاج إلى السؤال -والعياذ بالله- لأنهم أصحاب الجحيم؛ الجحيم النار نسأل الله العافية، وأَصْحَابِ، الصاحب هو الملازم؛ يعني أصحاب الجحيم أحد يسأل عن حالهم هل هم في نعيم ولَّا في بلاء؟
* طالب: من السياق هذا معلوم.
* الشيخ: لا تسأل عن حالهم؛ فإنهم -والعياذ بالله- في حال لا يتصورها الإنسان، وهذا في غاية ما يكون من الإنذار لهؤلاء المكذبين المخالفين الذين هم أصحاب الجحيم.
* طالب: بشير، من أين اشتق؟
* الشيخ: بشير من البشرى، والبشرى مصدر من بَشَّر، والتبشير كما قلنا أظنه مر علينا لكن يمكنني أذكركم به أيضًا أن البشرى والبَشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ، ولا تكون في غير ما يَسُرُّ إلا أحيانًا، وإنما سميت (بُشرى) بُشرى لظهور أثرها على البَشرة، فإن الإنسان إذا سُرّ تبرق أسارير وجهه؛« كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر ﷺ »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٥٦)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك بلفظ: «إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ».]]. وهذا أمر ظاهر، يجيك الإنسان (مغلدن) تعرف إنه محزون، ويجيك ما شاء الله وجهه يتلامع تعرف أنه مسرور، وقد تطلق البشارة إما تهكمًا وإما لعِظَم وقعها عليهم بما يؤلم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أما الإنذار فهو الإعلام بالْمَخُوفة؛ أي بما يخاف منه، والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر وهي الجنة، ومنذر بما يُخاف منه وهو النار.
* طالب: الذي يضر المشؤم منه يتغير تغير ملامح الوجه فيصدق اشتقاقه اللغوي، أيش هذا؟
* الشيخ: إي نعم، لكنهما حسب العرف والاستعمال ما يقال إلا فيما يسر؛ لأن كون الإنسان يتغير وجهه بما يسره هذا أمر مطلوب يستريح إليه الإنسان، وكونه يبشر بأمر يُؤَثِّر عليه، وإن كان يتغير لكن الأمر مكروه، فقد جرى العرف بأن البشارة إنما تكون في الأشياء المحبوبة، وقد تُطلق إما من باب التهكم كما قاله بعض العلماء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وإما من باب الحقيقة على أن الجسم أو البشرة تتأثر بذلك.
* طالب: يعني كل بحسب المضاف إليها وبحسب المعنى؟
* الشيخ: لكن أصل البشارة إنما تكون فيما يسر.
* الطالب: الدليل.
* الشيخ: لأن تغير البشَرَة بهذا أمر مطلوب ويحبه الإنسان، فلهذا قيلت فيما يسر، وإن كان قد يتأثر بما يؤلمه وبما يخاف منه لكنه ما يقال: (بشره) إلا على سبيل التهكم أو نادرًا، ولا يلزم من كون الاشتقاق لهذا المعنى أن يتعدى إلى غيره كما قلنا في جمع مثلًا مزدلفة تسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها، ولا تسمى عرفة جمعًا وإن كان الناس يجتمعون فيها، ليس هذا بلازم.
قال: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ﴿الْجَحِيمِ﴾ هي النار العظيمة، وهي لها أسماء كثيرة، منها: النار، ومنها: الجحيم، والسعير، وجهنم، كل ذلك لاختلاف أوصافها وإلا فهي واحدة.
* طالب: هل من أسمائها الهاوية؟
* الشيخ: لا، ما هو من أسمائها، لكنها في الحقيقة لها قعر، الشيء يهوي فيها، وما تسمى بالهاوية.
ثم قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ كأن النبي ﷺ يحب أن يتألف اليهود والنصارى، والذي يُحب أن يتألفهم يحب أن يرضوا عنه، فبين الله عز وجل أن هؤلاء اليهود والنصارى قوم ذو عِناد ما يمكن يرضون عنك مهما تألفتهم، ومهما ركنت إليهم بالتألف لا بالمودة فإنهم لن يرضَوا، ولهذا أول ما قدم الرسول ﷺ المدينة كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْهَ عنه، ثم بعد ذلك تركهم وخالفهم قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ أي: دينهم. (...) يعني مع أنهم لا يؤمنون حتى يكلمهم.
قوله: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ ما المراد بها؟
* طالب: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ أي: معجزة.
* الشيخ: علامة على؟
* الطالب: علامة على نبوة النبي ﷺ.
* الشيخ: إي نعم.
قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِم﴾؟ من يعني بالذين من قبلهم؟
* طالب: اليهود والنصارى.
* الشيخ: نعم، تحفظ شيئًا مما قالوا؟
* الطالب: قولهم؛ قول اليهود: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
* الشيخ: لموسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥] نعم. قوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ما معنى التشابه؟
* الطالب: التشابه هو قريب من (...).
* الشيخ: قرب الشيء من الشيء.
قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ما موضعها مما قبلها؟ موقعها مما قبلها في المعنى؟
* الطالب: تعليل.
* الشيخ: تعليل لأيش؟
* الطالب: تعليل في الرد عليهم في دعواهم، وأنها لا جدوى لها، وأن القرآن كامل، وأن قولهم هذا هو مجرد تعنت وقد بُينت لهم الآيات.
* الشيخ: يعني إبطال لقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فقال الله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ يعني الآيات جاءت مبينة أيضًا، ما فيها إشكال.
* طالب: حالية يا شيخ؟
* الشيخ: لا، استئنافية للرد عليهم، استئنافية لإبطال قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾. ما هي حالية؛ لأن ما هي قيد فيما قبلها، الحال قيد فيما قبلها، أما هذه فهي استئنافية لإبطال قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾؛ يعني أن الآيات قد جاءت مبينة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباء معناها؟
* طالب: الملابسة.
* الشيخ: نعم، والمصاحبة، ما معنى ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* الطالب: أرسلناك بالقول الحق.
* الشيخ: وأيش معنى بالقول الحق يعني؟
* الطالب: أرسلناك؛ أي مثبتًا بالحق.
* الشيخ: وأيش بعد؟
* طالب آخر: يعني مصاحبًا معك الحق، وكذلك أنت يعني تعمل بالحق، يعني ملازمًا لك.
* الشيخ: الملابسة والمصاحبة، فمعنى الملابسة أن رسالتك حق، الرسالة حق، ومعنى المصاحبة أن ما جئت به فهو حق، فتكون الرسالة حقًّا، وما جاء به وهو مرسَل به حق أيضًا، ما هو الحق باعتبار الأحكام؟
* الطالب: الشيء الثابت المستقر.
* الشيخ: هذا الثابت المستقر، أحسنت، وإذا أضيف إلى الأحكام فالمراد به؟
* الطالب: العدل.
* الشيخ: وإذا أضيف إلى الأخبار؟
* الطالب: الصدق.
* الشيخ: المراد به الصدق.
قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ فيها قراءتان ما هما؟
* طالب: قراءة ﴿ولا تَسْأَلْ عن أصحاب الجحيم﴾ ، وقراءة ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾.
* الشيخ: وأيش الفرق بينهما؟
* الطالب: لا تُسْأَل، إحنا ما نُسأل عن حالهم.
* الشيخ: وحسابهم على الله، ولا تَسْأَل؟
* الطالب: أي: لا تسأل عن أحوالهم.
* الشيخ: فهم في حال يرثى لها. نحن قلنا فيما سبق إن القراءتين تعتبران معنيين، فكأنه يقول: لا تسأل عنهم ولا تُكلف بهم، وأيضًا هم في حال لا يحتاجون إلى السؤال عنهم
لأنهم- والعياذ بالله- في عذاب لا نظير له، نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥].
* يستفاد من الآية الكريمة: عموم مُلك الله؛ لأن المشرق والمغرب يحتويان كل شيء، ففيها عموم ملك الله.
ومنها أيضًا: إحاطة الله تعالى بكل شيء لقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ومن * فوائد الآية أيضًا: أنه لعموم ملك الله تعالى للمشرق والمغرب خلقًا وتقديرًا فله ملك المشرق والمغرب توجيهًا، وقد قلنا لكم: إن قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة ١٠٦] كلها منها إلى نسخ القبلة كله تمهيد لتحويل القبلة، فكأن الله يقول: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة ١٤٢] فإذا شاء جعل الاتجاه إلى اليمين، وإذا شاء جعله إلى اليسار ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ومن * فوائد الآية أيضًا: جواز الصلاة إلى حيث كان وجهك عند العذر،كما فسرها كثير من أهل العلم بذلك، جواز الصلاة عند العذر إلى حيث كان وجهك.
* ومنها: جواز الصلاة إلى اتجاه مسيرك في السفر إذا كانت الصلاة نافلة، وقد فُسرت به الآية أيضًا، ولكن الآية أشمل من هذا.
* ومنها: إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾.
* ومنها: أن الله تعالى له مكان لقوله: ﴿فَثَمَّ﴾؛ لأن ثم إشارة إلى المكان، لكن أين هو؟
* الطالب: فوق السماوات.
* الشيخ: نعم، في العلو، قال النبي عليه الصلاة والسلام للجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟». قالت: في السماء »[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]. وفيه إبطال لقول بدعتين ضالتين؛ إحداهما: بدعة الحلولية القائلين بأن الله تعالى في كل مكان بذاته؛ فإن هؤلاء قولهم باطل يبطله السمع والعقل والفطرة أيضًا، والثاني: قول النفاة المعطلة الذين يقولون: إن الله لا داخل العالَم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا تحته، ولا يمين العالم ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم. هذا القول قال بعض أهل العلم: لو قيل لنا: صفوا لنا العدم ما وجدنا وصفًا أشد إحاطة من هذا الكلام للعدم؛ لأن هذا المعدوم في الحقيقة.
ومن * فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: واسع وعليم ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع، في أي شيء؟ كل صفاته واسعة لا نهاية لها، علمه ما له نهاية، قدرته لا نهاية لها، سمعه لا نهاية له، كل شيء من صفاته فإنه على أعلى ما يكون من السَّعَة والإحاطة، العلم أيضًا محيط بكل شيء ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
* ومنها أيضًا نستفيد إثبات السمع والعلم، نستفيد صفة ثانية من جمع السمع والعلم، للإشارة إلى أن عِلم الله واسع، واسع بمعنى أنه لا يفوته شيء من كل معلوم لا في الأرض ولا في السماء.
* ومنها: انفراد الله بالملك، من أين تؤخذ؟
* طالب: من تقديم الخبر.
* الشيخ: تقديم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة ١١٦].
* يستفاد من هذه الآية: بيان عتو الإنسان وطغيانه؛ حيث سب الله سبحانه وتعالى هذه السبة العظيمة، فقال: إن الله اتخذ ولدًا، في الحديث الصحيح: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ وَلَدًا، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة.]].
فهذا من أعظم- والعياذ بالله- العدوان، ففيه دليل على طغيان الإنسان من حيث هو وعتوه لقوله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وهو يشير كما تقدم في التفسير إلى ثلاث طوائف، مَنْ؟
* الطلبة: اليهود، والنصارى، والمشركون.
* الشيخ: اليهود، والنصارى، والمشركون.
ومنها،* من فوائد الآية: أن الله أبطل هذه الدعوى الكاذبة من عدة أوجه:
أولًا: في قوله سبحانه، فإن تنزهه عن النقص يقتضي أن يكون منزهًا عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يُقصد به؟
* طالب: الإعانة.
* الشيخ: إي نعم، الإعانة ودفع الحاجة أو بقاء العنصر، والله تعالى منزه عن ذلك، ومنزه أيضًا عن المماثلة، ولو كان له ولد لكان مثيلًا لله.
وثانيًا: أبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمملوك لا يكون ولدًا للمالك حتى إنه شرعًا إذا ملك الإنسان ولده ماذا يكون؟ يَعْتِق عليه، فالمملوك ما يمكن يكون ولدًا للمالك، فالله خالق، وما سواه مخلوق، فكيف يكون المخلوق ولدًا للخالق؟
والوجه الثالث من إبطال هذه الدعوى أن جميع العباد كل العباد اللي في السماوات والأرض كل له خاضعون ذليلون، والولد لا يكون له مثل ذُلّ العبد، إذا كان الجميع عبيدًا له، كيف يكون أحد منهم ولدًا له؟ هل يذل العبد أمام أبيه كما يذل العبد أمام سيده؟ لا.
ومنها الوجه الرابع: أنه سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض؛ أي مبدعهما، فالقادر على خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق إنسانًا بلا أب، وهم يقولون: إنه ما له أب، فأبوه هو الله، فيقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالقادر على بدعهما قادر على أن يكون له ولد، قادر على أن يخلق إنسانًا بدون أب، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧].
الوجه الخامس: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومن كان هذه قدرتَه، فهل يستحيل عليه أن يوجد ولدًا بدون أب؟
* الطلبة: لا يستحيل.
* الشيخ: لا يستحيل، فبطلت شبهتهم التي احتجوا بها على أن عيسى ابن الله.
* الطالب: شيخ، كل له قانتون، يعني شمل العقلاء وغير العقلاء، وقانتون هم العقلاء؟
* الشيخ: تغليبًا، الآن انتهينا من الأدلة التي أبطل الله بها هذه الدعوى الكاذبة نرجع إلى الفوائد من هذه الآية؛ أولًا: امتناع أن يكون لله ولد، وأيش الدليل؟
* طالب: الوجوه الأربعة.
* الشيخ: الوجوه الخمسة، هذه الوجوه الخمسة.
وثانيًا: عموم مُلك الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن الفوائد: أن الله لا شريك له في ملكه، من أين تؤخذ؟
* طالب: من تقديم الخبر.
* الشيخ: من تقديم الخبر ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومنها: أن القنوت يُطلق على معنيين: المعنى العام، والمعنى الخاص؛ فالمعنى الخاص هو قنوت العبادة والطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر ٩]. هذا قنوت أيش؟
* الطلبة: العبادة.
* الشيخ: الطاعة والعبادة الشرعية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، وكما في قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣].
والثاني: قنوت الذل العام، وهذا شامل لكل من في السماوات والأرض، كما في هذه الآية: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ حتى الكفار قانتون لله؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: حتى الكفار بهذا المعنى قانتون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: عِظَم قدرة الله سبحانه وتعالى، وأيش هو؟ ببدع السماوات والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة.
* ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذه السماوات والأرض على نظام بديع عجيب، قال الله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك ٣].
هذا النظام الواسع الكبير العظيم ما يختل ولا يتغير على مر السنين والأعوام، وأيش يدل عليه؟
* الطلبة: على قدرة الله.
* الشيخ: على قدرة بالغة باهرة، وحكمة عظيمة أيضًا بالغة، حكمة عظيمة، كل شيء منظم تنظيمًا بديعًا متناسبًا ما يصطدم شيء بشيء فيفسده، ولا يغير شيء شيئًا بل كل سائر على حسب ما أُمر به، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت ١٢].
إذن ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * يستفاد منها: القوة والقدرة والحكمة.
* طالب: (...) السماء (...).
* الشيخ: نعم.
* ومنها أيضًا: أن السماوات عدد؛ لأن الجمع يدل على العدد، فكم هي؟
* الطلبة: سبع.
* الشيخ: سبع، وهي كما قال الله تعالى: طباق ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح ١٥]. بعضها فوق بعض، وقد دل القرآن والسنة وإجماع المسلمين على أن السماء جرم محسوس، وليس كما قال أهل الإلحاد: إن الذي فوقنا علو لا نهاية له؛ لأن هذا كفر اللي يؤمن بهذا يكفر؛ لأنه كافر بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
* ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يُعجزه شيء ولا يمتنع عن أمره شيء لقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧].
* ومنها: إثبات أن القضاء نوعان: قضاء قدري، وقضاء شرعي، القضاء القدري مثل هذه الآية: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قدَّره كونًا وخلقًا ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والقضاء الشرعي كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قضى شرعًا ولا قدرًا؟
* الطلبة: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا؛ لأنه لو قضاه قدرًا ما أشرك أحد لعبد الناس كلهم الله، فهو قضاء شرعي، والفرق بينهما: أن القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع؛ يعني قد يفعله المقضي عليه وقد لا يفعله، والقضاء الكوني لا بد أن يفعله، ولا بد أن يقع في المقضي عليه، كما أني الآن ذكرت الفرق بين القنوت العام والخاص؛ أن القنوت الخاص يُحمد عليه القانت، والقنوت العام لا يحمد عليه؛ لأنه ذل لله عز وجل كونًا وقدرًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات القول لله كقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾.
* ومنها: أن قوله بحروف.
* الطالب: ﴿قُلْ﴾.
* الشيخ: لا، قل، ما فيها قل.
* الطالب: لا، كُن.
* الشيخ: كن، كن هذه حروف.
* ومنها: أن قول الله مسموع ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ و(له) صريحة في توجيه القول للمقول له، ولولا أنه يسمعه ما صار في توجيهه له فائدة، ولهذا يسمعه الموجَّه إليه الأمر فيمتثل.
* ومنها: أن الجماد خاضع لله سبحانه وتعالى، حتى الجماد، وجه ذلك؟ لأن قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يشمل الأمور المتعلقة بالحيوان والمتعلقة بالجماد، فالجماد إذا قال الله له: كن؛ كان.
ومنها،* من فوائد الآية: أنه ليس بين أمر الله بالتكوين وبين كونه تراخيًا، ما فيه تراخي بل يكون على الفورية، من أين تؤخذ؟
* طالب: من التعقيب بالفاء.
* الشيخ: إيه، من قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ بالفاء، والفاء تدل على التعقيب، على الترتيب والتعقيب.
* طالب: هل يحس الجماد؟
* الشيخ: إي نعم، يحس.
* الطالب: يدل على: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] أنه قول فعلي حقيقي؟
* الشيخ: إيه، حقيقي نعم.
* الطالب: عرض الأمانة على السماوات حقيقي؟
* الشيخ: نعم، إي نعم حقيقي، ما فيه إشكال.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من الذي خالف في أن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف وصوت؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: الأشاعرة.
* الطلبة: الجهمية.
* الشيخ: لا الجهمية ما خالفوا، قالوا: كلام الله بحرف وصوت، لكن كلام الله مخلوق ما هو من صفاته والمعتزلة كذلك، لكن الأشاعرة والكُلَّابية والماتريدية، كلهم يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وأن الحروف والأصوات عبارة عنه أو حكاية، ولهذا قال بعض محققيهم: إنه ليس بيننا وبين المعتزلة في الكلام فرق، ما بيننا وبينهم فرق؛ لأننا اتفقنا على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق.
لكن هؤلاء يقولون؛ المعتزلة يقولون: اللي بين دفتي مصحف كلام الله، وأولئك يقولون: عبارة، فكان المعتزلة في هذه الناحية خيرًا منهم، كانوا خيرًا منهم في هذه الناحية؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، ودول يقولون: ما هو كلام الله، هذا عبارة عنه، والكل اتفقوا على أن ما بين دفتي المصحف فإنه مخلوق، فالمهم أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام بصوت وحروف، وأنه مسموع، ولكن إذا قال قائل: كيف يمكن أن نتصور هذا ونحن نقول: إن الله ليس كمثله شيء؟ وأنتم تقولون: إنه بحروف؟
قلنا: نعم الحروف هي الحروف، لكن كيفية النطق وحقيقة النطق بها أو القول، هل يشبه نطق المخلوق وقوله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ما يشبهه، فمن هنا نعرف أننا لا نكون مشبهة إذا قلنا: إنه بحرف وصوت؛ لأننا نقول: صوت ليس كأصوات المخلوقين، بل هو حسب ما يليق بعظمته وجلاله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة ١١٨].
* يستفاد من هذه الآية: أن أهل الباطل لا يعارضون الحق إلا بباطل؛ لأن كون الآيات تأتي على حسب مقترحهم هذا تعنت واستكبار وإلا فالمقصود، وأيش المقصود؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المقصود ثبوت الرسالة بالآيات سواء اقترحوها أم لا، ثم إنه لو جاءت الآيات على ما اقترحوا ما آمنوا ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢] سحرتنا بالأول وسحرتنا بالتالي.
إذن أهل الباطل لا يمكن أن يعارضوا الحق إلا بباطل، وهذا يقوي صاحب الحق على ثبوته على ما عنده وعلى إنكاره للباطل، لا تتزعزع ما دمت على حق فإن أهل الباطل كل ما عندهم هباء.
ومنها: وصف من لم ينقد للحق بالجهل ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١١٨] كل إنسان يكابر الحق وينابذه فإنه أجهل الناس، وبهذا نعرف أن من سمى هذا العصر عصر النور، وكأن هذا الكلام يقتضي الحصر فهو خاطئ ولَّا مخطئ؟
* الطلبة: لا، خاطئ.
* الشيخ: خاطئ؛ لأن هذا العصر في الحقيقة عصر الظلمة إلا من أنار الله قلبه، عصر النور حقيقة هو عصر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، هذا عصر النور، أما عصرنا الآن كله جهل، كله عناد، كله استكبار والعياذ بالله.
ومنها: أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف وصوت، من أين؟
* الطلبة: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ ولو كان الكلام كما قال الأشاعرة بالنفس ما كان لكلام الله لهم فائدة؛ لأنه في نفسه ما يسمعونه، فالمشركون يقرون بأن الله يتكلم؛ لأنه حقيقة الأمر ما يمكن تثبت الشرائع بدون أن يثبت كلام الله، إذ إن الوحي هو كلام الله، إذا أنكرنا كلام الله؟
* طالب: أنكرنا شريعته.
* الشيخ: كيف يثبت الوحي؟
ومنها أيضًا: أن ما من رسول إلا وله آية؛ لأن قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ هذا مدعى غيرهم؛ إذ إن من لم يأتِ بآية لا يُلام من لم يصدقه، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: رجل مثلًا يجي لا نعرفه، من بني جنسنا، يقول: أنا رسول الله، آمنوا بي وإلا قاتلتكم واستحللت نساءكم وأموالكم، نطيعه ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، لا يستقيم.
* الشيخ: لا، ما نطيعه، ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين، لكن الرسل تأتي بالآيات «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩)، من حديث أبي هريرة.]]، فالله تعالى ما يرسل الرسل ويتركهم بدون تأييد أبدًا.
* طالب: ظاهر الآيات قول اليهود ما جئتنا ببينة، كيف ذلك؟
* الشيخ: استكبار، حتى أو تأتينا آية، نقول: جاءتكم آيات ما هي آية واحدة.
* الطالب: لكن هو ما أجابهم على هذا الدعاء؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود ٥٣ - ٥٥].
* الشيخ: أكبر آية هذا التحدي لهم أنه قال: ﴿كِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود ٥٥، ٥٦] هذا يعني (...).
كذلك * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقوال أهل الباطل تتشابه ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، فأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول ﷺ من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، ﴿إِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢] واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن والسنة: هؤلاء رجعيون، هؤلاء دراويش ما يعرفون شيئًا.
* ومنها: تشابه قلوب الكفار لقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
* ومنها إبطال دعوى قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ في قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾.
* ومنها: أنه لا ينتفع بالآيات إلا من رزقهم الله العلم، العلم النافع؛ فإنهم ينتفعون.
* ومنها: أنه كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إيمانًا؛ لأنه إذا ازداد علمه ظهر له من آيات الله ما لم يظهر لغيره، ولهذا ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. إذن نعود عن التفسير الأول قلت: ﴿بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. الإيقان: هو التصديق من غير شك، والتصديق من غير شك تصديق لا شك معه، فكل ما إنسان مؤمن فإنه يتبين له من آيات الله ما لم يتبين لغيره، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا تبين له من آيات الله ما لم يتبين لغيره.
* فيستفاد من الآية الكريمة: أن كل مؤمن فقد تبينت له الآيات.
* ويستفاد منها أيضًا: زيادة العلم بالإيمان؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ، فإن الوحي من آيات الله، فكلما كنت مؤمنًا تبين لك من هذه الآيات ما لم يتبين لغيرك، فبالإيمان يزداد العلم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١].
وكلما كان الإنسان أكثر إيمانًا كان أكثر علمًا، وكلما ازداد علمه ازداد إيمانه، فهما متلازمان.
* طالب: كمثل اليهود عندهم علم لكن لم يعملوا به؟
* الشيخ: إيه، لكن إذا ازداد العلم عن إيمان ازداد بالإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة ١١٩]. من * هذه الآية الكريمة يستفاد: ثبوت رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ رسول وليس كذابًا، وليس ربًّا؛ لأن الرسول ما يمكن أن يكون له مقام الْمُرسِل، وأيضًا هو غير كذاب؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فأكده بـ (إن).
* ومنها: أن رسالة النبي ﷺ حق ومشتملة على الحق لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وهو العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، والحسن في القصص ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* ومنها: أن رسالة النبي ﷺ متضمنة لأمر ونهي، وتبشير وإنذار لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. وقلنا: إن البشارة في مقابلة من فعلوا المأمورات، فيتضمن أمرًا يُبشَّر فاعله بثوابه، والنذارة لمن فعل المحظورات، فتتضمن محظورًا وإنذارًا لفاعله، وهكذا شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام متضمِّنة للأمرين: الأمر والنهي؛ يعني إيجابي وسلبي، والحكمة من ذلك ظاهرة؛ وذلك لأن الإنسان قد يهون عليه فعل الأوامر، ويشق عليه ترك المنهيات، فلو كانت الشريعة كلها أوامر ما تبين لنا المحنة أو الابتلاء في استطاعة الإنسان كف نفسه ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يعني بعض الناس يهون عليه أنه يفعل، لكن ما يهون عليه أن يترك، فكان الابتلاء بالأمر والنهي، وبعض الناس يهون عليه أن يترك، لكن لا يهون عليه أن يفعل، مفهوم؟
فكان الابتلاء بالأمرين جميًعا، الشيخ الكبير يهون عليه ترك الزنا ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يهون عليه ترك الزنا، ولكنه ليس كالشاب الذي لا يهون عليه ترك الزنا، قد يكون ترك الزنا بالنسبة للشاب صعبًا وشاقًّا، فلذلك ابتُلي الناس بهذا وبهذا، فالمهم إذن أن الابتلاء لا يتم إلا بتنويع التكليف، ولَّا لا؟ وهذا مر علينا كثيرًا وقلنا مثلًا: الصلاة تكليف بدني، والزكاة تكليف مالي، والحج تكليف بدني.
* الطلبة: ومالي.
* الشيخ: لا، مالي ما هو بلازم، لكنه غالبًا يكون فيه مال، ما يصل إليه الإنسان إلا بمال، والصيام؟ كف، الصيام كف.
* طالب: فعل.
* الشيخ: لا، ما هو فعل، الإنسان ما يفعل شيئًا، بس يترك شيئًا.
* طالب: كف عنه.
* الشيخ: فهو كف، كف عن محبوب، لكن الصلاة والزكاة إيجاد، فلذلك صار فيه ابتلاء كل الأركان الخمسة فيها ابتلاء بالفعل والكف؛ لأنه ما يتم الانقياد إلا بهذين الأمرين: بفعل المأمور، وترك المحظور.
* ومنها: أن وظيفة الرسل الإبلاغ، وليسوا مكلفين بعمل الناس لقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ وعلى القراءة الثانية نستفيد فائدة ثانية وهي: شدة عذب أهل الجحيم والعياذ بالله، أصحاب الجحيم لقوله: ﴿وَلَا تسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ .
البقرة 2:120
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]﴾.
* الطالب: الأسلوب الطلبي ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾، والرسول (...)؟
* الشيخ: أسلوب طلبي؟
* الطالب: خبر طلبي، لو الرسول (...).
* الشيخ: إيه، لكنه أمامه من ينكر، فيثبت أمام هؤلاء المكذبين أنه أرسله، وقد ذكرنا لكم فيما قبل أنه قد يؤكد الشيء، لا باعتبار المخاطَب ولكن باعتبار أهميته، قد يؤكد الشيء باعتبار أهميته، فيقال الخبر ابتدائيًّا ويؤكد، ولكن باعتبار أهميته.
* طالب: حكم الواقف الذي يقول: القرآن كلام الله، ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق؟
* الشيخ: هؤلاء مبتدعة؛ لأن السلف قالوا: غير مخلوق، منزل غير مخلوق، فهؤلاء مخالفون للسلف.
* الطالب: ما نجعلهم مثل الجهمية؟
* الشيخ: لا؛ لأن الجهمية يصرحون بأنه مخلوق.
* الطالب: الإمام أحمد قال: هؤلاء جهمية؟
* الشيخ: لا يعني ما هم جهمية، وربما أن الإمام أحمد رحمه الله يقول: هؤلاء يشير إلى قوم معينين؛ يعني فيه ناس معينين يتسترون، إذا سئلوا يقولون: ما نقول كذا ولا كذا، والإمام أحمد يفهم من هؤلاء أنهم كانوا يقولون: بأنه مخلوق، لكن يتسترون بإظهار التوقف، فالواقفة قد يكون في بعض الأوقات مثل المنافقين يتسترون بالإخفاء، أما بالنظر إلى نفس القول بغير اعتبار القائل فلا شك أن الذي يقف ليس مثل الذي يقول: إنه مخلوق؛ لأن المراتب ثلاثة: من يقول إنه مخلوق، ومن يقول إنه غير مخلوق، ومن يقف، قد يكون توقفه لعدم ظهور الدليل عنده مثلًا، فلا يمكن أن نجعل من قال: إنه مخلوق، أو من سكت كمن قال: إنه مخلوق.
* طالب: لكن ابن القيم في النونية ذكر أن الواقفة شر من (...)؟
* طالب آخر: يعني المفوضة (...).
* الشيخ: لا لا، المفوضة في جميع الصفات، المفوضة ذكر شيخ الإسلام إن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، اللي يقولون: إننا نفوض المعنى في صفات الله كلها، ولا شك أن دولا قولهم من شر أقوال أهل البدع.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ حكم على هؤلاء الذين يعني قالوا هذه الأشياء بأنهم أصحاب الجحيم لهذا في الآية كأنه يعني يشير للنبي ﷺ أنه لا خير فيهم، فلا داعي من دعوتهم؛ لأنه حكم على من قال بهذا أنه (...) من أصحاب الجحيم كان حكم (...)؟
* الشيخ: يحتمل ما قلت وأنهم لما أيس منهم أمر بتركهم، أو يحتمل أنه مثل قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧] يعني معناها لا تحزن من هذا، ولا تتبع نفسك إياهم فإنك غير مسؤول عنهم، أو يسليه بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ يعني: فإنهم وإن كذبوك وضيقوا صدرك وأحزنوك فلا تَسأل عنهم سنعذبهم، إنما ما في الآية يعني دليل لا يحتمل غيره أن المراد: أعْرِض عنهم، هي صحيح تحتمل ما قلت عن الرسول، أن الله يقول: اتركهم ولا تسأل عنهم، لكن يحتمل معنى آخر أن هذا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، لأجل أن لا يحزن ولا يضيق بهم.
* الطالب: يعني هو يا شيخ رتب هذه الأشياء ثم قال إنهم من أصحاب الجحيم؟
* الشيخ: إي نعم، قال: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] يعني معناه تسلية له المعنى لا..
صلي الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون لكل من يصح منه الخطاب؛ يعني: لن ترضى عنك أيها المؤمن.
وقوله: ﴿الْيَهُود﴾ هم أتباع موسى الذين ينتسبون إليه، مأخوذة إما من يهوذا جدهم نسبوا إليه، وإما من الهَوْد وهو الرجوع؛ لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦].
وأما النصارى فإنه مأخوذ من بلد يسمى نَصْران معروف في فلسطين ينتسبون إليه، وقيل: من النُّصرة؛ لأنهم نصروا عيسى عليه الصلاة والسلام؛ فسموا بهذا الاسم، وهم الذين ينتسبون إلى عيسى بن مريم.
* طالب: نصران ولا ناصرة، يا شيخ؟
* الشيخ: نصران، وفيه بلد تسمى ناصرة ما أدري هم ينسبون إليها، ولَّا إلى الثانية، لكن المعروف عندي أنها نصران، وهم ينتسبون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام وتسموا أخيرًا بالمسيحيين؛ لأجل أن يعطوا أنفسهم صبغة المشروعية، ولكن المسيح عيسى بن مريم بريء منهم لو خرج لقاتلهم؛ لأنهم كافرون به كما هم كافرون بمحمد ﷺ.
يقول: ﴿لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى﴾ [البقرة ١٢٠].
وقوله: ﴿وَلَا النَّصَارَى﴾ (لا) هنا للتوكيد، وليست مستقلة، فإنه لو حذفت وقيل: ولن ترضى عنك اليهود والنصارى لاستقام الكلام، لكنها زيدت للتوكيد؛ لأجل أن لا يظن الظان أن المراد: أن الجميع لا يرضون مجتمعين؛ لأنه لو قال: لن ترضى عنك اليهود والنصارى لظن الظانُّ أنهم لن يرضوا في حال اجتماعهم، مع أن الواقع أن كل طائفة لن ترضى.
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (حتى) حرف غاية، وهي تنصب المضارع بنفسها عند الكوفيين، وعلى تقدير (أن) عند البصريين.
﴿تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الملة: الدين، أي: دينهم الذي كانوا عليه، فاليهود لن يرضوا عنك حتى تكون يهوديًّا، والنصارى لن يرضوا عنك حتى تكون نصرانيًّا.
ولكن ما هو الجواب الوحيد لهؤلاء الذين يقولون: إنك يا محمد، لا نرضى بك حتى تتبع ملتنا؟
الجواب: قوله ﴿قُلْ﴾ مجيبًا لهم في عدم رضاهم: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، وليس الهدى ما أنتم عليه، بل إن هدى الله وحده، لا الهدى الذي تزعمون أنكم عليه.
﴿هُوَ الْهُدَى﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، وقد تكرر علينا أن لضمير الفصل ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: بيان أن ما بعده خبر لا صفة، فعلى هذا يكون هذا الضمير لا محل له من الإعراب، ويكون قوله: ﴿الْهُدَى﴾ خبر (إن)، وأما اسمها فهو قوله: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ وما عداه فهو ضلال، قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، فكل ما لا يوافق هدى الله فإنه ضلال، وليس ثمة واسطة بين هدى الله والضلال.
ثم قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه، ولكن الأقرب رجوعه للرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الجملة هذه فيها شرط وقسم، وإذا اجتمعا أي الشرط والقسم، فإنه يحذف جواب المؤخر منهما، قال ابن مالك في الألفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهُـــــــــــــــــــوَمُلْتَزَمْ
وين القسم؟ القسم هو الذي دل عليه اللام في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ إذ إن التقدير: والله لئن اتبعت، وأين الشرط؟
* طالب: (إنْ).
* الشيخ: (إنْ)، الجواب: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿مَا لَكَ﴾ هذا جواب القسم، لو كان جواب الشرط لوجب اقتران الفاء به؛ لأنه نفي، ولكنه كان جوابًا للشرط فلم تقترن به الفاء، أو جوابًا للقسم فلم تقترن به الفاء، أين جواب الشرط؟ قيل: إنه محذوف دل عليه جواب القسم، وقيل: إنه لا يُحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، وهذا القول هو الراجح أنه لا يحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، والدليل على ذلك أنه لم يأت مذكورًا في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية، فإذا كان لم يأت في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية دل على أن الكلام مستغنٍ عنه وأنه لا حاجة له.
قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ شوف، قال: ﴿مِلَّتَهُم﴾ ثم قال: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ لأن هذه الملة التي هم عليها ليست ملة هدى، ولكنها ملة هوى؛ ولهذا قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ لأنهم على هوى، وليسوا على هدى إذ لو كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم، ولوجب عليهم جميعًا أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، لكن دينهم هوى وليس هدى، وهكذا كل إنسان يتبع غير ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتعصب له فإننا نقول: إن ملتك هوى، وليست هدى.
وقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي ﷺ سواء كان القرآن أو السنة.
وقوله: ﴿جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هل هو علم الذي جاء الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم، علم، فإن الله يقول له: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨] الرسول ما كان عالمًا، كان نبيًّا أميًّا عليه الصلاة والسلام ما يعلم، لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله أنزل عليه هذا العلم حتى صار بذلك نبيًّا جاء بالعلم النافع والعمل الصالح.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (ما لك من ولي) ما إعرابه؟ ويش إعراب (ما)؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، إي ﴿مَا لَكَ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ إعرابه؟
* طالب: حرف جر.
* الشيخ: حرف جر، و﴿وَلِيٍّ﴾؟
* طالب: مجرور.
* الشيخ: مجرور؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش محلها من الإعراب ﴿وَلِيٍّ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما لها محل من الإعراب؟ يعني هو مفعول به مثلًا، عامل بالشيء؟ ويش محله من الإعراب؟
* طالب: مجرور لفظًا مرفوع محلًا.
* الشيخ: أيش معناه من الإعراب؟
* طالب: على أنه مبتدأ.
* الشيخ: على أنه مبتدأ، صح.
﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ وأصلها: ما لك من الله وليٌّ، و﴿لَكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، وجملة ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب؟
* الطلبة: جواب القسم.
* الشيخ: لأنها جواب القسم.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ أما اسم الله سبحانه تعالى فقد تقدم الكلام عليه، ومعناه واشتقاقه.
وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ الولي هو الذي يتولى غيره بحفظه وصيانته، فالمعنى ما أحد يتولى حفظك سوى الله عز وجل، ولا أحد يتولى نصرك ولا نصير فيدفع عنك، وحينئذ تنزل بك عقوبة الله حتى لو كثر الجنود عندك، ولو كثرت الشُّرَط، ولو كثرت القوة فإنك إذا اتبعت غير شريعة الله ما أحد يحفظك من الله، ولا أحد ينصرك من دونه؛ لأن النصر والولاية تكون بالهداية باتباع هدى الله عز وجل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام ٨٢] فالأمن إنما يكون بالإيمان، وعدم الظلم، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* طالب: شيخ ﴿وَلِيٍّ﴾ مصدر (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو مصدر، (ولي) هذه على وزن (فعيل) من الولاية.
* طالب: شيخ، القيد هنا ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ له مفهوم؟
* الشيخ: إي، له مفهوم؛ لأن الرسول ﷺ كان قبل أن ينهى عن متابعتهم كان يحب موافقة أهل الكتاب فلما أُمر بمخالفتهم صار ما يتمكن لمخالفتهم.
* طالب: من ناحية أصولية الذي يتبع (...) معذور..؟
* الشيخ: نعم، اللي يتبع غير الإسلام بدون علم فهو معذور، لكنه إذا كان مفرطًّا، وهذه ستأتينا في الفوائد تأتينا في فوائد الآية إن شاء الله.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ مبتدأ، و﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قيل: إنها خبر مبتدأ، وعلى هذا فتكون الجملة الثانية: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تكون استئنافية.
وقيل: إن قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ جملة حالية، وأن ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الجملة خبر المبتدأ، نشوف بالمعنى أيهم أرجح.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أعطيناهم الكتاب، والإيتاء هنا إيتاء شرعي ولَّا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: أو كله؟ إيتاء شرعي كوني؛ لأن الله قدر أن يعطيهم الكتاب فأعطاهم إياه، وهو أيضًا إيتاء شرعي؛ لأنه فيه الشرائع والبيان، والمراد بمن آتاهم الكتاب إما هذه الأمة أو هي وغيرها، وهذا هو الأرجح أنه شامل لكل من آتاه الله الكتاب، والكتاب المراد به الجنس فيشمل القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله عز وجل.
وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿يَتْلُونَهُ﴾ التلاوة تطلق على تلاوة اللفظ وهي القراءة، وعلى تلاوة المعنى وهو التفسير، وعلى تلاوة الحكم أي: اتباعه وهو الاتباع، فالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ، تلاوة المعنى يعني الإنسان يتبع المعنى ولا يحرفه، وعلى تلاوة الحكم وهو اتباع الحكم، هذه المعانى الثلاثة للتلاوة داخلة في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ التلاوة اللفظية أن يقرأ القرآن باللفظ الذي يجب أن يكون عليه، يكون معربًا كما جاء معربًا ما يغير، فلا يقول مثلًا: الْحَمْدَ للهِ ربَّ العالمين، هذا ما تلاه حق تلاوته بل يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بدون تغيير؛ لأنه نزل هكذا فوجب أن يتلى هكذا، التلاوة المعنوية أن يفسره بحسب ما أراد الله ورسوله، فيقول مثلًا: المراد بالآية كذا على حسب ما أراد الله، ونحن نعلم مراد الله بها بأي طريق؟ هل الله يقول: أردت بكلامي كذا؟ الجواب: لا، ما قال ذلك، لكنه قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥].
فنحن نعلم ما يريد الله تعالى بهذا القرآن؛ لأنه جاء باللغة العربية، وهذا المعنى في اللغة العربية هو ما يقتضيه هذا اللفظ أو هذا السياق، فنكون بذلك قد علمنا معنى كلام الله عز وجل، هذه تلاوة المعنى.
تلاوة الحكم: امتثال الأوامر واجتناب النواهي والإقرار بالأخبار، هذه تلاوة الحكم أن تتبع ما حكم به هذا القرآن، وتُقِر بما أخبر به، تفعل، أيش تفعل؟ وتترك النواهي وتصدق بالأخبار، فتكون الآن تاليًا حق التلاوة، فإن استكبرت أو جحدت فإنك لم تتلوه حق تلاوته.
وفي قوله: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هذا من باب إضافة الوصف إلى موصوفه، يعني: التلاوة الحق، يعني تلاوة الجد والثبات وعدم الانحراف يمينًا وشمالًا، وهو من حيث الإعراب مفعول مطلق؛ لأنه مضاف إلى المصدر، مثل قوله في الألفية:
..................... ∗∗∗ كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ............ هنا اتلو حق تلاوته ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة تعود إلى الذين أوتوا الكتاب، أوتوا الكتاب وهم يتلونه حق التلاوة، يعني: أولئك المتصفون بهذا الوصف الذين يتلون الكتاب حق تلاوته يؤمنون به، وأما من لم يتلوه حق تلاوته فليس مؤمنًا به، بل عنده من نقص الإيمان بقدر ما عنده من المخالفة، فالإيمان يزيد وينقص؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وفي الإشارة إليهم بلفظ البعيد دليل على علو مرتبتهم كقوله في أول سورة البقرة: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٥] فهذا دليل على علو منزلتهم ومرتبتهم.
قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، لكنه في الشرع تصديق مقيد بالقبول والإذعان، فلا يكفي التصديق وحده، بل لا بد من القبول والإذعان، والدليل على ذلك أن أبا طالب لا يسمى مؤمنًا، مع أنه مصدق ومعترف، لكنه فاته القبول والإذعان، فكون الإنسان يصدِّق ما يقال: مؤمن، ولقد فرح بعض الناس بجاجرين، جاجرين أظنكم تذكرونه؟ رجل من الروس هو أول من صعد إلى القمر، أظن هكذا وقال: أنا أعترف الآن أن هذا الخلق له خالق مدبر. ففرح الناس فرحًا عظيمًا، إنه آمن الرجل، هل هذا إيمان؟ أبدًا، ما آمن؛ لأن هذا مجرد استنتاج عقلي كل إنسان عاقل يعرفه، يعرف أن هذا الكون العظيم المنظم البديع يعرف أن له خالقًا مدبرًا منظمًا كما نعرف أن لهذا المسجد من بناه، ونعرف أن لهذا النور من أضاءه وهكذا، فالحاصل أن هذا ليس بإيمان، مجرد الاعتراف بالله سبحانه وتعالى لا يعد إيمانًا، ولا بالرسول ﷺ، المنافقون يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون 1]، ولكن مع هذا إن كانوا صادقين في شهادتهم، لكن الله كذبهم يكذبون، يقولون: نشهد وهم كاذبون؛ لأن ما عندهم انقياد ولا قبول، بل قلوبهم منكرة -والعياذ بالله- إذن ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأنهم ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، فمن لم يتلو القرآن حق تلاوته بالمعاني الثلاثة التي ذكرنا، فإنه ناقص الإيمان، وقد يفقده بالكلية.
قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* طالب: إذن ما هو الخبر يا شيخ؟
* الشيخ: ذكرنا أن الخبر فيه رأيان للعلماء: رأي ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، ورأي آخر ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وعلى هذا الرأي الأخير تكون ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ جملة حالية، يعني: الذين آتيناهم الكتاب حال كونهم يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، فيكون الحكم عليهم بالإيمان به مشروطًا بوصفهم بتلاوته إياه حق تلاوته، فالجملة على هذا الإعراب واحدة، لكن المبتدأ مقيد، أما على الرأي الثاني فالكلام جملتان:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولكن الأقرب الإعراب الأول؛ لأنه الكلام هنا على الإيمان بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ما يؤمن به إلا من يتلو الكتاب حق تلاوته سواء التوراة أو الإنجيل أو القرآن، ما يؤمن به حق الإيمان إلا من يتلوه حق التلاوة، وعلى هذا فقَيْد الذين آتيناهم الكتاب بكونهم يتلونه حق التلاوة أحسن، يعني: أنه من أوتي الكتاب، وصار على هذا الوصف يتلوه حق تلاوته فهو الذي يؤمن به.
* طالب: هل ينظر لإعراب قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ خبر يشكل، لكنه قدم أوتوا الكتاب من لا يتلوه حق التلاوة (...)؟
* الشيخ: لا لا، ما هو بخبر (...) خبر محض، هذا أيضًا مما يقوي أن جملة ﴿يَتْلُونَهُ﴾ حال.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* طالب: شيخ ما يصلح أن يكون خبرًا ثانيًا (أولئك)؟
* الشيخ: لا لا، مسألة إنه خبر ثاني أو جملة مستأنفة هذه متفرع عن قولنا: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هو الخبر.
* طالب: إذا كان هو الخبر؟
* الشيخ: الأرجح أنه يكون حالًا.
* طالب: ما يصلح أن يكون هو الخبر.
* الشيخ: أقول: الأرجح أنه يكون حالًا، وكونه خبرًا مرجوح.
قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية جازمة هنا أو لا؟ ﴿يَكْفُرْ﴾ مجزوم، ﴿بِهِ﴾ أي: بالكتاب ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، الجملة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هي جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا كانت جوابًا للشرط وجب اقترانها بالفاء كأخواتها المذكورة في البيت:
اسْمِيَّـــــــــــــةٌ طَــــــــلَبِيَّةٌوَبِجَــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ هذه السبعة إذا جاءت جوابًا للشرط فإنه يقترن بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ما قال: ومن يكفر به فقد خسر، بل أتى بالجملة الاسمية المفيدة شنو؟ للثبوت والاستمرار، وأتى بضمير الفصل في قوله: ﴿هُمُ﴾ لإفادة الحصر والتوكيد يعني فأولئك الذين كفروا به هم الخاسرون لا غيرهم، وعليه فكل من ليس بمؤمن فهو خاسر، هذا الرجل عنده ملايين الدراهم، عنده سيارات، عنده عقارات، عنده بنون، عنده زوجات عنده أهل، عنده ملك، لكنه كافر ويش نقول؟ خاسر، هو خاسر، هو في الحقيقة لم يربح من هذا المال، ولا من الأولاد ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هذا المال ما ينفعه، بل سيكون حسرة عليه؛ لأنه سيفقده، سيفقده هو أو يفقد المال، يعني إما أن يموت عن المال، أو أن المال يفوت عنه.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ما معنى ﴿الْخَاسِرُونَ﴾؟ أصل الخسران النقص؛ ولهذا يقال: ربح، ويقال: في مقابله خسر، فهؤلاء هم الذين حصل عليهم النقص لا غيرهم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زائلة وفانية فلا تنفعهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٢٢].
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والمراد بـ(بنيه) هنا: كل من ينتسب إليه من ذكر أو أنثى؛ لأنه مر علينا في الوقت أن كلمة (بني) تختص بالذكور ما لم يكونوا قبيلة، فإن كانوا قبيلة شملت الذكر والأنثى.
وقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ التذكير هنا بالنعمة ليس لمجرد أن يذكر الإنسان أن الله أنعم عليه نعمة قبل، ولكن المراد أن يتخذ من هذه النعمة، أو من هذا التذكر للنعمة طريقًا إلى شكره، بامتثال أمره واجتناب نهيه، يعني: لا تنسَوْا ما أنعمت به عليكم فتكفروا برسول الله ﷺ، بل آمنوا به واتبعوه جزاء لهذه النعمة.
وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ هو مفرد مضاف فيشمل جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم، والله تعالى أنعم عليهم بنعم كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ هذا أيضًا من باب عطف الخاص على العام، وإلا فالتفضيل على العالمين لا شك أنه نعمة، لكنه لما كان مرتبة عالية، التفضيل على الناس خصه الله تعالى بالذكر.
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ عليهم أي: جعلتكم أفضل منهم، وقد أشار موسى ﷺ إلى ذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠] هذا من تفضيله على العالمين.
وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ ماضية ولا حاضرة؟
* الطلبة: ماضية.
* الشيخ: إذن ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ماضٍ أيضًا، فالله تعالى فضلهم على العالمين حين أنعم عليهم، وذلك قبل أن توجد هذه الأمة، أما بعد وجود هذه الأمة فإن هذه الأمة أفضل، أفضل من بني إسرائيل كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ العالم من المراد بهم؟ المراد بهم ما سوى الله، وقد يراد بهم بنو آدم فقط، فهنا إن كان المراد بـ(العالمين) من سوى الله كان دليلًا على أن بني إسرائيل فُضلوا حتى على الملائكة، وإذا قلنا: المراد بالعالمين عالَم بني آدم الذين هم من جنسهم، صار لا يشمل الملائكة ولا الجن، وذلك لأن (العالم) قد يراد به ما سوى الله، وقد يراد به شيء مخصوص وهم بنو آدم إذا دل السياق عليه، كما تقول: عالم الحيوان، عالم الإنس، عالم الجن وتقول أخص من هذا: عالم البهائم، عالم الحشرات، عالم كذا.
وسُمي عالمًا؛ لأنه علم على خالقه سبحانه وتعالى، فإن هذه المخلوقات كلها فيها دليل وآيات عظيمة على وجود الله سبحانه وبحمده، فهي علم على وجود الله، وعلى ما تتضمنه هذه المخلوقات من بيان الرحمة والحكمة والنعمة.
* طالب: أي المعنيين أصح، العالمين؟
* الشيخ: الأقرب -والله أعلم- الأخير، العالم الخاص الذي من جنسه.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة ١٢٣].
﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيش معنى ﴿اتَّقُوا﴾؟ اتخذوا وقاية من العذاب الذي يقع فيه؛ لأن التقوى أصلها على حسب التصريف اللغوي أصلها (وَقْوَى) فقلبت الواو تاء فصارت (تقوى)، وهي من الوقاية، والممتثل لأوامر الله سبحانه تعالى لا شك أنه اتخذ وقاية من عذاب الله.
﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ لا شك أنه لا يراد اتقوا يومًا أن لا يقع، فإن هذا اليوم لا بد أن يقع، لكن اتقوا ما يكون فيه من أين؟ من العذاب والنكال للمخالف، وقال: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئًا، لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسنسلم بهم من النار أو من عذاب هذا اليوم، لا، ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ إلا الوالد فيجزي عن ولده؟
* الطلبة: ما يجزي.
* الشيخ: ما يجزي؟ ولا المولود؟
* الطلبة: ولا المولود.
* الشيخ: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧].
والدليل على العموم أن قوله: ﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق؟
* طالب: النفي.
* الشيخ: النفي، فتكون؟
* طالب: للعموم.
* الشيخ: تكون للعموم، النكرة في سياق النفي والنهي والشرط والاستفهام الإنكاري تكون للعموم، فهنا النكرة في سياق النفي فتكون للعموم، أي نفس ما تجزي عن نفس أخرى شيئًا، هذا النبي ﷺ لا يجزي عن أبيه شيئًا، قال للرجل: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٣ / ٢٤٧) من حديث أنس بن مالك، بلفظ:«إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».]]، ولا يجزي عن أمه شيئًا استأذن من الله عز وجل أن يستغفر لأمه فمنعه[[أخرجه مسلم (٩٧٦ / ١٠٥) من حديث أبي هريرة.]]، ومَن دون الرسول ﷺ من باب أولى.
فـ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي أيضًا، فتعم أي شيء، ولا يرد على هذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السنة، فإن هذه الآية مخصوصة بها.
وقال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لا يقبل منها أي: من نفسٍ عدلٌ، والذي يقبل أو يرد من؟ الله سبحانه وتعالى، والعدل بمعنى المعادل، يعني: لو أتت بالفداء ما يقبل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٣٦] ولن يقبل الله منهم ذلك.
* طالب: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
* الشيخ: نعم ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٤٧].
على كل حال لو جاء هؤلاء بما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من العذاب ما نفعهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، فالعدل معناه الشيء المعادل كما قال الله تبارك وتعالى في سورة المائدة: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة ٩٥] ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: ما يعادله من الصيام، فالعدل إذن بمعنى المعادلة.
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ الشفاعة في اللغة العربية من الشِّفْع أو من الشَّفْع بالفتح، وهو ما يسمى بالزوج، يعني: الاثنين شفع؛ لأن كل واحد منهما شفع الآخر، فالشفاعة في اللغة العربية من الشَّفع وهو الزوج، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة: أن تتوسط لغيرك بجلب منفعة أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها، هذه بدفع مضرة، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، هذه في جلب منفعة، في هذا اليوم ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، و﴿شَفَاعَةٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم أي شفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨]، وهذه الآية الكريمة عامة، لكنها مخصوصة بما ثبتت به السنة من إثبات الشفاعة العامة والخاصة، فقد ثبت أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف أن يقضى بينهم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك.]]، وثبت عنه أيضًا أنه يشفع في أهل الكبائر ألا يدخلوا النار، وفيمن دخل النار أن يخرج منها[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]]، فعلى هذا يكون العموم في قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ مخصوص بما ثبتت به السنة من أيش؟ الشفاعة.
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ كيف هم ينصرون مع أن السياق يرجع إلى مفرد، شوف ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ أي: النفس ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا﴾ أي: النفس، فمقتضى السياق أن يقول: ولا هي تنصر ولا هي -أي النفس- تنصر، فقال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ نقول: أعاد الضمير إليها باعتبار المعنى؛ لأنه ما دامت للعموم ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾، فالعموم يدل على الجمع وعلى الكثرة، فعاد الضمير إلى النفس باعتبار أيش؟
* الطلبة: المعنى.
* الشيخ: باعتبار المعنى ما هو باعتبار اللفظ، لا، لو كان باعتبار اللفظ، لقال: ولا هي تنصر، باعتبار المعنى لأن (نفس) عامة.
ثم إن هناك ملاحظة لفظية وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، ومراعاة الفواصل أمر ورد به القرآن حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل، تستحضرون هذا؟
* الطلبة: نعم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠].
* الشيخ: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ لأن سورة طه كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة، فمراعاة الفواصل إذن من بلاغة القرآن، فهنا نقول: إنه عبر بالجمع مراعاة للمعنى، هذا باعتبار المعنى، ومراعاة للفواصل باعتبار اللفظ.
* طالب: سؤال يا شيخ، في قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس ٣٤، ٣٥]. هنا قدم (أخيه) على (أمه وأبيه)؟
* الشيخ: لا، ما هو منها؛ لأنه ما تختلف الفواصل، لو قال: من أبيه وأمه وأخيه ما اختلف، لكن التقديم.
* طالب: الأخ على الأم والأب وبعده صاحبته وبنيه؟
* الشيخ: إي، بالترتيب؛ لأن كون الإنسان يألف أخاه أقل من كونه يألف أمه وأباه.
* طالب: (...) صاحبته وبنيه..؟
* الشيخ: إي صاحبته وبنيه ألصق من أمه وأبيه، أليس كذلك؟
* طالب: (...) إزالة دليل شرعي بدليل..؟
* الشيخ: قلنا: إزالة حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، إزالة أو رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، قلنا لكم هذا.
* طالب: خمس رضعات يحرمن[[ أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤) من حديث عائشة ولفظه: كان فيما أُنْزِل من من القرآن عَشْرُ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحرّمن، ثم نُسخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتُوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يُقرأ من القرآن.]].
* الشيخ: تأكد.
* طالب: (...) لفظها وحكمها كله.
* الشيخ: إي نعم الخمس.
* طالب: الخمس.
* الشيخ: الظاهر أن الجماعة ما يوافقونك، (...)؟
* طلبة: العشر.
* الشيخ: العشر، الخمسة حكمها باقي.
* طالب: العشر من الأول.
* طالب: إي، من الأول.
* الشيخ: هل النسخ جائز عقلًا واقع شرعًا أو لا؟
* طالب: واقع.
* الشيخ: واقع شرعًا، ويش الدليل؟
* طالب: الدليل ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
* الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة ١٠٦].
وهل هو جائز عقلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: فهمتم الآن؟ بعض العلماء يقول: ما هو جائز عقلًا وهذا خطأ؛ لأن ما وقع شرعًا فهو جائز عقلًا بلا شك، الشرع ما يأتي بالمحال، لكن نحن نقول: جائز عقلًا، بل واجب عقلًا، وجهه؟ أن النسخ يعتبر فيه تطور المحكوم عليه، ومدى تقبله للحكم، وكون هذا الحكم في هذا الزمان بالوقت بالذات مصلحة، وفي الزمن الأول ليس مصلحة، وليس يلزم منه -كما قيل- تجدد علم الله، هذا مستحيل، بل الحكم تغير؛ لاختلاف المصلحة، إما بتغير الزمان أو بتغير حال المحكوم عليه أو بتغير المكان أيضًا.
* طالب: لماذا لا نقول: سمعي، وليس بعقلي؟
* الشيخ: لا، نقول: عقلي أيضًا.
* الطالب: يا شيخ، يجيبون عن هذا يقولون مثلًا: الحالة التي أوجبت الحكم الأول قد تتجدد، قد تحدث مرة ثانية.
* الشيخ: نعم، إذا حدثت ثبت.
* الطالب: يعني مثلًا نكاح المتعة اللي أبيح في حال المشقة يمكن يجيء حال أشق منها على هذه الأمة؟
* الشيخ: إي نعم، يمكن أن يجيء حال أشق، ولولا أن الرسول قال: «إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٠٦ / ٢٨) من حديث سبرة بن معبد بلفظ: «أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».]] لقلنا بها، ولهذا رأي ابن عباس رضي الله عنه أنها جائزة للضرورة.
* الطالب: إذا قلنا (...) ما أدخلوا علينا من هذا الباب.
* الشيخ: لا، يُدْخلون علينا، يقول؛ لأن المصلحة اقتضت الآن اتضحت أنه محرم ممنوع إلى يوم القيامة، ولا يمكن يكون فيه مصلحة إطلاقًا في المستقبل.
* الطالب: كان فيه مصلحة في السابق؟
* الشيخ: إي نعم، فيه مصلحة.
* الطالب: هذا وهم.
* الشيخ: لكن الله يعلم أن المصلحة بعد هذا الوقت ما يمكن تحدث أبدًا، ما يمكن تحدث؛ لأننا لو لم نقل بذلك لزم أن تكون أحكام الله سبحانه وتعالى غير تابعة للمصالح.
* الطالب: لا، مش كل الأحكام تعبدية.
* الشيخ: يا سلام، المنسوخات كلها تجد أنها موافقة للحكمة، إذا وجدنا مثلًا نسخ الخمر، وجدنا أنه متطور، إيجاب الصلاة وجدنا أنه متطور، إيجاب الصيام وجدنا أنه متطور، وهكذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة للخمر، لو قلنا بالمصلحة قلنا: لو أسلم واحد بيديم على الخمر لتدرجنا معه؟
* الشيخ: نعم، ربما نقول بهذا، لو فرضنا لو منعناه من الخمر حالًا أنه ينفر من الإسلام، ويرجع إلى دينه، ممكن أن نقول: نعامله بالأهم فالأهم، إحنا نرى هذا، نرى التطور في الدعوة حتى في الوقت الحاضر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة ١١٩] الباء هنا أيش معناها؟
* طالب: للمصاحبة.
* الشيخ: المصاحبة، وكيف إرساله بالحق؟ هل المعنى أن رسالته حق؟ أو أن ما أرسل به حق؟
* طالب: كلا المعنيين.
* الشيخ: كلا المعنيين؟ يعني: ونأخذ بواحد ولَّا بالمعنيين جميعًا؟
* طالب: بالمعنيين جميعًا.
* الشيخ: طيب، جميل، ويش إعراب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أين؟
* طالب: حال من ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من كل ها الدنيا؟
* طالب: لا، ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ جميع، فعل وفاعل ومفعول؟
* طالب: لا، (أرسلنا).
* الشيخ: من الفعل؟
* طالب: إي.
* الشيخ: لا، ما يصلح.
* طالب: من الكاف.
* الشيخ: من الكاف؟ صح.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، ما معنى الاستفهام هنا؟
* طالب: لا أظلم.
* الشيخ: لا أحد أظلم، يعني بمعنى أيش؟ لا أظلم، ويش معناه؟ (لا)، ويش تعربها؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، إذن فالاستفهام بمعنى النفي. ما هي البلاغة في كون الاستفهام يأتي بمعنى النفي؟
* طالب: هنا توكيد عظم هذا الأمر.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنه يكون مشربًا بالتحدي.
* الشيخ: مشربًا بمعنى التحدي، يعني: كأن لقوة النفي كأنه قيل: من أظلم؟ أخبروني، إن كان هنا أحد أظلم هاتوه، فهو مشرب بمعنى التحدي.
قوله: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ ترد في القرآن كثير ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]، وما أشبه ذلك، كيف نجمع بينها؟
* طالب: هذه للتوكيد.
* الشيخ: إي نعم، لكن هنا ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني: ما هنا أحد أظلم منه، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني ما هنا أحد أظلم منه أيش (...)؟
* طالب: كلهم ظالمين.
* الشيخ: كلهم ظالمين، يعني.
* طالب: اللي يعمى عن الشهادة ظالم.
* الشيخ: كلهم ظالمين، لكن هنا (أظلم)، يعني: أعظم ظلمًا، ومن أعظم ظلمًا ممن منع مساجد الله، لا أحد أعظم منه ظلمًا، لا أحد أعظم ظلمًا ممن افترى على الله كذبًا.
* طالب: يدخل فيها..
* الشيخ: أحد يعرف؟
* طالب: (من)، تقدير (من).
* الشيخ: شو تقدير (من)؟
* طالب: يعني: فمن أعظم، لا أحد أعظم، أي: ما في أحد أعظم.
* الشيخ: اللي يمكن تقدر (من) غيرها يصير.
* طالب: أو (من)، تبعيض.
* الشيخ: لا.
* طالب: لا أحد أكبر منه في هذا الجانب.
* الشيخ: في افتراء الكذب على الغير، ما هنا أحد أظلم ممن يفتري على الله، فالذي يفتري على غير الله أهون منه، هذا وجهه، يعني: تنزل كل آية على المعنى الخاص بها، فمن منع أحدًا أن يدخل بيتًا، أعظم المانعين لدخول البيوت الذين يمنعون مساجد الله، الذين يكذبون على غيرهم أعظمهم الذي يكذب على الله، فتكون الجهة هنا منفكة. جواب آخر؟
* طالب: إنها تكون في منزلة واحدة.
* الشيخ: نعم.
* طالب: يعني باعتبار أن هذا ليس فيه نفي إلا أحدًا يماثل الظلم.
* الشيخ: إي، يعني النفي؛ لا أحد أظلم منه.
* طالب: لا أظلم منه.
* الشيخ: وليس فيه نفي المساواة، يكون المعنى أنهم كلهم اشتركوا في الأظلمية.
* طالب: على مرتبة سواء.
* الشيخ: على مرتبة سواء، لكن المعنى الأول أدق؛ لأنه ليس من يفتري على الله كذبًا يساوي من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، بل لكل شيء جهته.
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة ١١٧]، أيش معنى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾؟
* طالب: أنشأها على غير مثال سابق.
* الشيخ: إذن (بديع) بمعنى؟
* طالب: مبدع.
* الشيخ: مبدع، هل تأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟ لأن المعروف أن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)؟
* طالب: تأتي.
* الشيخ: مثل؟
* طالب: عَلِيم بمعنى مُعْلِم، سَمِيع بمعنى مُسْمِع.
* الشيخ: تجبها من عندك؟ أجل قَدِير بمعنى مُقْدِر، وجَمِيل بمعنى مُجْمِل، وحَكِيم بمعنى مُحْكِم، شيء بين، من كلام العرب.
* طالب: سميع بمعنى مسمع؟
* الشيخ: مثل؟
* طالب: شاهد، من كلام العرب؟
* الشيخ: من كلام العرب أو من القرآن.
* طالب: مثل قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِـــــــــــي وَأَصْحَابِـــــــيهُجُـــــــوعُ * الشيخ: نعم، هذا شاهد، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى؟
* الطلبة: مؤلم.
* الشيخ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، فبديع هنا بمعنى مبدع، وله شواهد في اللغة العربية وفي القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما معنى (إذا قضى)؟
* طالب: أي: إذا أراد قضاها.
* الشيخ: إذا أراد قضاها، وهل يعبر بالفعل عن إرادته؟ هل جاء التعبير عن الفعل باعتبار إرادته؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: مثل؟
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦].
* الشيخ: أي؟
* الطالب: أي: إذا أردتم الصلاة.
* الشيخ: وغيرها؟ ما فيه شاهد؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي؟
* طالب: إذا أردت القراءة.
* الشيخ: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥ / ١٢٢) من حديث أنس، واللفظ لمسلم.]] أي: أراد الدخول.
استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ بأن الكفر ملة واحدة وأن اليهودي يرث من النصراني وبالعكس، ما رأيك في هذا الاستدلال؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذنا فوائدها؟ عجيب، من ﴿وَلَنْ تَرْضَى﴾؟
* طالب: إي نعم.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٠].
لماذا لم يقل: تجدونه؟
* طالب: جواب (ما) الشرطية.
* الشيخ: جواب ما الشرطية، وجواب الشرط يكون؟
* طالب: مجزومًا.
* الشيخ: مجزومًا، نعم (...).
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: عناد اليهود والنصارى؛ حيث لا يرضون عن أحد إلا أن يتبع دينهم.
* ويستفاد منها أيضًا: أن من كان لا يرضى إلا بذلك فسيحاول إدخال غير اليهود والنصارى لليهودية والنصرانية.
* ومن فوائدها: الحذر من اليهود والنصارى؛ إذ لا يرضون لأحد حتى يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا.
* ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ وهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة، أما باعتبار أنواعه فإنه ملل، اليهودية ملة، والنصرانية ملة، والبوذية ملة، وهكذا بقية الملل، لكن كل هذه الملل باعتبار مضادتها للإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر، فتكون جنسًا، والملل أنواعًا.
* ومنها: الرد على أهل الكفر بهذه الكلمة ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، والمعنى: إن كان معكم هدى الله فأنتم مهتدون، وإلا فأنتم ضالون.
* ومنها: أن البدع ضلالة؛ لقوله: ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (وهو) هنا ضمير فصل كما مر علينا وتفيد حصر الهدى بأي شيء؟ بهدى الله، إذن فالبدع ليست هدى ﴿مَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢] فعليه يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن جميع البدع ضلالة كما ثبت بذلك الحديث عن الرسول ﷺ[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر. ]].
* ومنها: تحريم اتباع أهواء اليهود والنصارى؛ لقوله:﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس دينًا، بل هو هوى؛ لقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾، ولم يقل: ملتهم كما قال بالأول، في الأول قال: ﴿لَنْ تَرْضَى﴾ ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾؛ لأنهم يعتقدون هم أنهم على ملة ودين، لكن ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ بيَّن الله أن هذا ليس بدين ولا ملة، بل هو هوى وليس هدى.
* ومنها: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أضل وأشد ضلالًا؛ لقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن من أراد الله به سوءًا فلا مرد له؛ لقوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفًا ورجاء؛ لأنك متى علمت ذلك أنه ليس لك ولي ولا نصير، فأين يتعلق قلبك؟ بالله أو بمن سواه؟ بالله، فلا تُعَلِّق قلبك أيها المسلم إلا بربك.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: منة الله سبحانه وتعالى على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته.
* ومن فوائدها: أنه ليس مجرد إتيان الكتاب فضيلة للإنسان، بل الفضيلة بتلاوته.
* ومنها: أن للإيمان بالشيء علامة، الإيمان له علامة، وعلامته العمل؛ لقوله لما قال: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن من خالف القرآن في شيء كان ذلك دليلًا على نقص إيمانه، من أين تؤخذ؟ لقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، فمعنى ذلك: إذا لم يتلوه حق تلاوته ما آمنوا به، نقص من إيمانهم بقدر ما نقص من تلاوتهم له.
* ومنها: أن تلاوة القرآن نوعان: تلاوة حق، وتلاوة ناقصة ما هي حقيقة، فالتلاوة الحق أن يكون الإنسان تاليًا للفظه ولمعناه، عاملًا بأحكامه، مصدقًا بأخباره، كل الأربعة التي مرت علينا هذه تلاوته حق تلاوته.
* من فوائد الآية: أن الكافر بالقرآن مهما بلغ من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وكيف يكون خاسرًا وهو قد حصل له أموال، وبنون، ومراكب ضخمة، وقصور مَشِيدَة؟ لأن هذه كلها سوف تذهب وتزول، أو هو يزول عنها ولا تنفعه، فإذن يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ٩] ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح، قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، يعني: ولو ربحوا.
ثم قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: تذكير بني إسرائيل بنعمة الله عليهم؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومنها: أن ذكر النعمة ليس معناه أن يتذكرها الإنسان بقلبه، بل معناه أن يقوم الإنسان بشكرها، مجرد أنه يذكر أن الله أنعم عليه ما يكفي هذا، لا بد أن يقوم بالشكر، وهذا هو الذي أمر الله به بني إسرائيل.
* ومنها: أن النعمة من الله وحده؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان أحد له نعمة لقال الله تعالى؛ لأن مقتضى العدل أن يقول الله: ونعمة فلان بن فلان، كما قال لنبيه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* ومنها: تفاضل الناس عند الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وسبق لنا ماذا فضلهم الله به؛ جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين.
* ومنها: أن هذا التفضيل ليس على عمومه إلى يوم القيامة؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠] فيكون (العالمين) عامًّا أريد به الخاص، ما الذي أريد به يا إخوان؟
* الطلبة: عصرهم.
* الشيخ: عالم زمانهم.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: إثبات يوم القيامة.
* ويستفاد منها: أن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه.
* ومن فوائدها: أن ذلك اليوم لا تنفع نفس نفسًا شيئًا ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨].
ما ينفعك لا ابنك، ولا أبوك، ولا أختك، ولا أخوك.
* ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل، أي ما يَعْدِل به العذاب عن نفسه.
ومنها: ثبوت الشفاعة في ذلك اليوم، من أين نأخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن هذا نفي؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: إذن يقال: لا تنفعها شفاعة، ما قال: ما فيه شفاعة، لا تنفعها، إذن ففيه أصل الشفاعة، ففيه إثبات الشفاعة في ذلك اليوم، ولكنه مقيدة بشرطين: إِذْنُ الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨].
* ومنها: أنه لا ينصر أحد أحدًا من عذاب الله؛ لقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
* طالب: مناسبة قول الله تعالى قبل ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة ٤٨]، لكن هنا ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.
* الشيخ: التقديم والتأخير، المناسبة والله أعلم، الحكمة في هذا تنوع الأساليب فقط، ما يظهر لي غير هذا.
البقرة 2:121
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]﴾.
* الطالب: الأسلوب الطلبي ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾، والرسول (...)؟
* الشيخ: أسلوب طلبي؟
* الطالب: خبر طلبي، لو الرسول (...).
* الشيخ: إيه، لكنه أمامه من ينكر، فيثبت أمام هؤلاء المكذبين أنه أرسله، وقد ذكرنا لكم فيما قبل أنه قد يؤكد الشيء، لا باعتبار المخاطَب ولكن باعتبار أهميته، قد يؤكد الشيء باعتبار أهميته، فيقال الخبر ابتدائيًّا ويؤكد، ولكن باعتبار أهميته.
* طالب: حكم الواقف الذي يقول: القرآن كلام الله، ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق؟
* الشيخ: هؤلاء مبتدعة؛ لأن السلف قالوا: غير مخلوق، منزل غير مخلوق، فهؤلاء مخالفون للسلف.
* الطالب: ما نجعلهم مثل الجهمية؟
* الشيخ: لا؛ لأن الجهمية يصرحون بأنه مخلوق.
* الطالب: الإمام أحمد قال: هؤلاء جهمية؟
* الشيخ: لا يعني ما هم جهمية، وربما أن الإمام أحمد رحمه الله يقول: هؤلاء يشير إلى قوم معينين؛ يعني فيه ناس معينين يتسترون، إذا سئلوا يقولون: ما نقول كذا ولا كذا، والإمام أحمد يفهم من هؤلاء أنهم كانوا يقولون: بأنه مخلوق، لكن يتسترون بإظهار التوقف، فالواقفة قد يكون في بعض الأوقات مثل المنافقين يتسترون بالإخفاء، أما بالنظر إلى نفس القول بغير اعتبار القائل فلا شك أن الذي يقف ليس مثل الذي يقول: إنه مخلوق؛ لأن المراتب ثلاثة: من يقول إنه مخلوق، ومن يقول إنه غير مخلوق، ومن يقف، قد يكون توقفه لعدم ظهور الدليل عنده مثلًا، فلا يمكن أن نجعل من قال: إنه مخلوق، أو من سكت كمن قال: إنه مخلوق.
* طالب: لكن ابن القيم في النونية ذكر أن الواقفة شر من (...)؟
* طالب آخر: يعني المفوضة (...).
* الشيخ: لا لا، المفوضة في جميع الصفات، المفوضة ذكر شيخ الإسلام إن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، اللي يقولون: إننا نفوض المعنى في صفات الله كلها، ولا شك أن دولا قولهم من شر أقوال أهل البدع.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ حكم على هؤلاء الذين يعني قالوا هذه الأشياء بأنهم أصحاب الجحيم لهذا في الآية كأنه يعني يشير للنبي ﷺ أنه لا خير فيهم، فلا داعي من دعوتهم؛ لأنه حكم على من قال بهذا أنه (...) من أصحاب الجحيم كان حكم (...)؟
* الشيخ: يحتمل ما قلت وأنهم لما أيس منهم أمر بتركهم، أو يحتمل أنه مثل قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧] يعني معناها لا تحزن من هذا، ولا تتبع نفسك إياهم فإنك غير مسؤول عنهم، أو يسليه بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ يعني: فإنهم وإن كذبوك وضيقوا صدرك وأحزنوك فلا تَسأل عنهم سنعذبهم، إنما ما في الآية يعني دليل لا يحتمل غيره أن المراد: أعْرِض عنهم، هي صحيح تحتمل ما قلت عن الرسول، أن الله يقول: اتركهم ولا تسأل عنهم، لكن يحتمل معنى آخر أن هذا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، لأجل أن لا يحزن ولا يضيق بهم.
* الطالب: يعني هو يا شيخ رتب هذه الأشياء ثم قال إنهم من أصحاب الجحيم؟
* الشيخ: إي نعم، قال: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] يعني معناه تسلية له المعنى لا..
صلي الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون لكل من يصح منه الخطاب؛ يعني: لن ترضى عنك أيها المؤمن.
وقوله: ﴿الْيَهُود﴾ هم أتباع موسى الذين ينتسبون إليه، مأخوذة إما من يهوذا جدهم نسبوا إليه، وإما من الهَوْد وهو الرجوع؛ لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦].
وأما النصارى فإنه مأخوذ من بلد يسمى نَصْران معروف في فلسطين ينتسبون إليه، وقيل: من النُّصرة؛ لأنهم نصروا عيسى عليه الصلاة والسلام؛ فسموا بهذا الاسم، وهم الذين ينتسبون إلى عيسى بن مريم.
* طالب: نصران ولا ناصرة، يا شيخ؟
* الشيخ: نصران، وفيه بلد تسمى ناصرة ما أدري هم ينسبون إليها، ولَّا إلى الثانية، لكن المعروف عندي أنها نصران، وهم ينتسبون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام وتسموا أخيرًا بالمسيحيين؛ لأجل أن يعطوا أنفسهم صبغة المشروعية، ولكن المسيح عيسى بن مريم بريء منهم لو خرج لقاتلهم؛ لأنهم كافرون به كما هم كافرون بمحمد ﷺ.
يقول: ﴿لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى﴾ [البقرة ١٢٠].
وقوله: ﴿وَلَا النَّصَارَى﴾ (لا) هنا للتوكيد، وليست مستقلة، فإنه لو حذفت وقيل: ولن ترضى عنك اليهود والنصارى لاستقام الكلام، لكنها زيدت للتوكيد؛ لأجل أن لا يظن الظان أن المراد: أن الجميع لا يرضون مجتمعين؛ لأنه لو قال: لن ترضى عنك اليهود والنصارى لظن الظانُّ أنهم لن يرضوا في حال اجتماعهم، مع أن الواقع أن كل طائفة لن ترضى.
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (حتى) حرف غاية، وهي تنصب المضارع بنفسها عند الكوفيين، وعلى تقدير (أن) عند البصريين.
﴿تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الملة: الدين، أي: دينهم الذي كانوا عليه، فاليهود لن يرضوا عنك حتى تكون يهوديًّا، والنصارى لن يرضوا عنك حتى تكون نصرانيًّا.
ولكن ما هو الجواب الوحيد لهؤلاء الذين يقولون: إنك يا محمد، لا نرضى بك حتى تتبع ملتنا؟
الجواب: قوله ﴿قُلْ﴾ مجيبًا لهم في عدم رضاهم: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، وليس الهدى ما أنتم عليه، بل إن هدى الله وحده، لا الهدى الذي تزعمون أنكم عليه.
﴿هُوَ الْهُدَى﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، وقد تكرر علينا أن لضمير الفصل ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: بيان أن ما بعده خبر لا صفة، فعلى هذا يكون هذا الضمير لا محل له من الإعراب، ويكون قوله: ﴿الْهُدَى﴾ خبر (إن)، وأما اسمها فهو قوله: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ وما عداه فهو ضلال، قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، فكل ما لا يوافق هدى الله فإنه ضلال، وليس ثمة واسطة بين هدى الله والضلال.
ثم قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه، ولكن الأقرب رجوعه للرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الجملة هذه فيها شرط وقسم، وإذا اجتمعا أي الشرط والقسم، فإنه يحذف جواب المؤخر منهما، قال ابن مالك في الألفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهُـــــــــــــــــــوَمُلْتَزَمْ
وين القسم؟ القسم هو الذي دل عليه اللام في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ إذ إن التقدير: والله لئن اتبعت، وأين الشرط؟
* طالب: (إنْ).
* الشيخ: (إنْ)، الجواب: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿مَا لَكَ﴾ هذا جواب القسم، لو كان جواب الشرط لوجب اقتران الفاء به؛ لأنه نفي، ولكنه كان جوابًا للشرط فلم تقترن به الفاء، أو جوابًا للقسم فلم تقترن به الفاء، أين جواب الشرط؟ قيل: إنه محذوف دل عليه جواب القسم، وقيل: إنه لا يُحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، وهذا القول هو الراجح أنه لا يحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، والدليل على ذلك أنه لم يأت مذكورًا في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية، فإذا كان لم يأت في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية دل على أن الكلام مستغنٍ عنه وأنه لا حاجة له.
قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ شوف، قال: ﴿مِلَّتَهُم﴾ ثم قال: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ لأن هذه الملة التي هم عليها ليست ملة هدى، ولكنها ملة هوى؛ ولهذا قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ لأنهم على هوى، وليسوا على هدى إذ لو كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم، ولوجب عليهم جميعًا أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، لكن دينهم هوى وليس هدى، وهكذا كل إنسان يتبع غير ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتعصب له فإننا نقول: إن ملتك هوى، وليست هدى.
وقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي ﷺ سواء كان القرآن أو السنة.
وقوله: ﴿جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هل هو علم الذي جاء الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم، علم، فإن الله يقول له: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨] الرسول ما كان عالمًا، كان نبيًّا أميًّا عليه الصلاة والسلام ما يعلم، لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله أنزل عليه هذا العلم حتى صار بذلك نبيًّا جاء بالعلم النافع والعمل الصالح.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (ما لك من ولي) ما إعرابه؟ ويش إعراب (ما)؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، إي ﴿مَا لَكَ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ إعرابه؟
* طالب: حرف جر.
* الشيخ: حرف جر، و﴿وَلِيٍّ﴾؟
* طالب: مجرور.
* الشيخ: مجرور؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش محلها من الإعراب ﴿وَلِيٍّ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما لها محل من الإعراب؟ يعني هو مفعول به مثلًا، عامل بالشيء؟ ويش محله من الإعراب؟
* طالب: مجرور لفظًا مرفوع محلًا.
* الشيخ: أيش معناه من الإعراب؟
* طالب: على أنه مبتدأ.
* الشيخ: على أنه مبتدأ، صح.
﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ وأصلها: ما لك من الله وليٌّ، و﴿لَكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، وجملة ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب؟
* الطلبة: جواب القسم.
* الشيخ: لأنها جواب القسم.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ أما اسم الله سبحانه تعالى فقد تقدم الكلام عليه، ومعناه واشتقاقه.
وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ الولي هو الذي يتولى غيره بحفظه وصيانته، فالمعنى ما أحد يتولى حفظك سوى الله عز وجل، ولا أحد يتولى نصرك ولا نصير فيدفع عنك، وحينئذ تنزل بك عقوبة الله حتى لو كثر الجنود عندك، ولو كثرت الشُّرَط، ولو كثرت القوة فإنك إذا اتبعت غير شريعة الله ما أحد يحفظك من الله، ولا أحد ينصرك من دونه؛ لأن النصر والولاية تكون بالهداية باتباع هدى الله عز وجل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام ٨٢] فالأمن إنما يكون بالإيمان، وعدم الظلم، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* طالب: شيخ ﴿وَلِيٍّ﴾ مصدر (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو مصدر، (ولي) هذه على وزن (فعيل) من الولاية.
* طالب: شيخ، القيد هنا ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ له مفهوم؟
* الشيخ: إي، له مفهوم؛ لأن الرسول ﷺ كان قبل أن ينهى عن متابعتهم كان يحب موافقة أهل الكتاب فلما أُمر بمخالفتهم صار ما يتمكن لمخالفتهم.
* طالب: من ناحية أصولية الذي يتبع (...) معذور..؟
* الشيخ: نعم، اللي يتبع غير الإسلام بدون علم فهو معذور، لكنه إذا كان مفرطًّا، وهذه ستأتينا في الفوائد تأتينا في فوائد الآية إن شاء الله.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ مبتدأ، و﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قيل: إنها خبر مبتدأ، وعلى هذا فتكون الجملة الثانية: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تكون استئنافية.
وقيل: إن قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ جملة حالية، وأن ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الجملة خبر المبتدأ، نشوف بالمعنى أيهم أرجح.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أعطيناهم الكتاب، والإيتاء هنا إيتاء شرعي ولَّا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: أو كله؟ إيتاء شرعي كوني؛ لأن الله قدر أن يعطيهم الكتاب فأعطاهم إياه، وهو أيضًا إيتاء شرعي؛ لأنه فيه الشرائع والبيان، والمراد بمن آتاهم الكتاب إما هذه الأمة أو هي وغيرها، وهذا هو الأرجح أنه شامل لكل من آتاه الله الكتاب، والكتاب المراد به الجنس فيشمل القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله عز وجل.
وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿يَتْلُونَهُ﴾ التلاوة تطلق على تلاوة اللفظ وهي القراءة، وعلى تلاوة المعنى وهو التفسير، وعلى تلاوة الحكم أي: اتباعه وهو الاتباع، فالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ، تلاوة المعنى يعني الإنسان يتبع المعنى ولا يحرفه، وعلى تلاوة الحكم وهو اتباع الحكم، هذه المعانى الثلاثة للتلاوة داخلة في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ التلاوة اللفظية أن يقرأ القرآن باللفظ الذي يجب أن يكون عليه، يكون معربًا كما جاء معربًا ما يغير، فلا يقول مثلًا: الْحَمْدَ للهِ ربَّ العالمين، هذا ما تلاه حق تلاوته بل يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بدون تغيير؛ لأنه نزل هكذا فوجب أن يتلى هكذا، التلاوة المعنوية أن يفسره بحسب ما أراد الله ورسوله، فيقول مثلًا: المراد بالآية كذا على حسب ما أراد الله، ونحن نعلم مراد الله بها بأي طريق؟ هل الله يقول: أردت بكلامي كذا؟ الجواب: لا، ما قال ذلك، لكنه قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥].
فنحن نعلم ما يريد الله تعالى بهذا القرآن؛ لأنه جاء باللغة العربية، وهذا المعنى في اللغة العربية هو ما يقتضيه هذا اللفظ أو هذا السياق، فنكون بذلك قد علمنا معنى كلام الله عز وجل، هذه تلاوة المعنى.
تلاوة الحكم: امتثال الأوامر واجتناب النواهي والإقرار بالأخبار، هذه تلاوة الحكم أن تتبع ما حكم به هذا القرآن، وتُقِر بما أخبر به، تفعل، أيش تفعل؟ وتترك النواهي وتصدق بالأخبار، فتكون الآن تاليًا حق التلاوة، فإن استكبرت أو جحدت فإنك لم تتلوه حق تلاوته.
وفي قوله: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هذا من باب إضافة الوصف إلى موصوفه، يعني: التلاوة الحق، يعني تلاوة الجد والثبات وعدم الانحراف يمينًا وشمالًا، وهو من حيث الإعراب مفعول مطلق؛ لأنه مضاف إلى المصدر، مثل قوله في الألفية:
..................... ∗∗∗ كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ............ هنا اتلو حق تلاوته ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة تعود إلى الذين أوتوا الكتاب، أوتوا الكتاب وهم يتلونه حق التلاوة، يعني: أولئك المتصفون بهذا الوصف الذين يتلون الكتاب حق تلاوته يؤمنون به، وأما من لم يتلوه حق تلاوته فليس مؤمنًا به، بل عنده من نقص الإيمان بقدر ما عنده من المخالفة، فالإيمان يزيد وينقص؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وفي الإشارة إليهم بلفظ البعيد دليل على علو مرتبتهم كقوله في أول سورة البقرة: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٥] فهذا دليل على علو منزلتهم ومرتبتهم.
قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، لكنه في الشرع تصديق مقيد بالقبول والإذعان، فلا يكفي التصديق وحده، بل لا بد من القبول والإذعان، والدليل على ذلك أن أبا طالب لا يسمى مؤمنًا، مع أنه مصدق ومعترف، لكنه فاته القبول والإذعان، فكون الإنسان يصدِّق ما يقال: مؤمن، ولقد فرح بعض الناس بجاجرين، جاجرين أظنكم تذكرونه؟ رجل من الروس هو أول من صعد إلى القمر، أظن هكذا وقال: أنا أعترف الآن أن هذا الخلق له خالق مدبر. ففرح الناس فرحًا عظيمًا، إنه آمن الرجل، هل هذا إيمان؟ أبدًا، ما آمن؛ لأن هذا مجرد استنتاج عقلي كل إنسان عاقل يعرفه، يعرف أن هذا الكون العظيم المنظم البديع يعرف أن له خالقًا مدبرًا منظمًا كما نعرف أن لهذا المسجد من بناه، ونعرف أن لهذا النور من أضاءه وهكذا، فالحاصل أن هذا ليس بإيمان، مجرد الاعتراف بالله سبحانه وتعالى لا يعد إيمانًا، ولا بالرسول ﷺ، المنافقون يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون 1]، ولكن مع هذا إن كانوا صادقين في شهادتهم، لكن الله كذبهم يكذبون، يقولون: نشهد وهم كاذبون؛ لأن ما عندهم انقياد ولا قبول، بل قلوبهم منكرة -والعياذ بالله- إذن ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأنهم ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، فمن لم يتلو القرآن حق تلاوته بالمعاني الثلاثة التي ذكرنا، فإنه ناقص الإيمان، وقد يفقده بالكلية.
قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* طالب: إذن ما هو الخبر يا شيخ؟
* الشيخ: ذكرنا أن الخبر فيه رأيان للعلماء: رأي ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، ورأي آخر ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وعلى هذا الرأي الأخير تكون ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ جملة حالية، يعني: الذين آتيناهم الكتاب حال كونهم يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، فيكون الحكم عليهم بالإيمان به مشروطًا بوصفهم بتلاوته إياه حق تلاوته، فالجملة على هذا الإعراب واحدة، لكن المبتدأ مقيد، أما على الرأي الثاني فالكلام جملتان:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولكن الأقرب الإعراب الأول؛ لأنه الكلام هنا على الإيمان بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ما يؤمن به إلا من يتلو الكتاب حق تلاوته سواء التوراة أو الإنجيل أو القرآن، ما يؤمن به حق الإيمان إلا من يتلوه حق التلاوة، وعلى هذا فقَيْد الذين آتيناهم الكتاب بكونهم يتلونه حق التلاوة أحسن، يعني: أنه من أوتي الكتاب، وصار على هذا الوصف يتلوه حق تلاوته فهو الذي يؤمن به.
* طالب: هل ينظر لإعراب قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ خبر يشكل، لكنه قدم أوتوا الكتاب من لا يتلوه حق التلاوة (...)؟
* الشيخ: لا لا، ما هو بخبر (...) خبر محض، هذا أيضًا مما يقوي أن جملة ﴿يَتْلُونَهُ﴾ حال.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* طالب: شيخ ما يصلح أن يكون خبرًا ثانيًا (أولئك)؟
* الشيخ: لا لا، مسألة إنه خبر ثاني أو جملة مستأنفة هذه متفرع عن قولنا: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هو الخبر.
* طالب: إذا كان هو الخبر؟
* الشيخ: الأرجح أنه يكون حالًا.
* طالب: ما يصلح أن يكون هو الخبر.
* الشيخ: أقول: الأرجح أنه يكون حالًا، وكونه خبرًا مرجوح.
قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية جازمة هنا أو لا؟ ﴿يَكْفُرْ﴾ مجزوم، ﴿بِهِ﴾ أي: بالكتاب ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، الجملة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هي جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا كانت جوابًا للشرط وجب اقترانها بالفاء كأخواتها المذكورة في البيت:
اسْمِيَّـــــــــــــةٌ طَــــــــلَبِيَّةٌوَبِجَــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ هذه السبعة إذا جاءت جوابًا للشرط فإنه يقترن بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ما قال: ومن يكفر به فقد خسر، بل أتى بالجملة الاسمية المفيدة شنو؟ للثبوت والاستمرار، وأتى بضمير الفصل في قوله: ﴿هُمُ﴾ لإفادة الحصر والتوكيد يعني فأولئك الذين كفروا به هم الخاسرون لا غيرهم، وعليه فكل من ليس بمؤمن فهو خاسر، هذا الرجل عنده ملايين الدراهم، عنده سيارات، عنده عقارات، عنده بنون، عنده زوجات عنده أهل، عنده ملك، لكنه كافر ويش نقول؟ خاسر، هو خاسر، هو في الحقيقة لم يربح من هذا المال، ولا من الأولاد ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هذا المال ما ينفعه، بل سيكون حسرة عليه؛ لأنه سيفقده، سيفقده هو أو يفقد المال، يعني إما أن يموت عن المال، أو أن المال يفوت عنه.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ما معنى ﴿الْخَاسِرُونَ﴾؟ أصل الخسران النقص؛ ولهذا يقال: ربح، ويقال: في مقابله خسر، فهؤلاء هم الذين حصل عليهم النقص لا غيرهم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زائلة وفانية فلا تنفعهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٢٢].
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والمراد بـ(بنيه) هنا: كل من ينتسب إليه من ذكر أو أنثى؛ لأنه مر علينا في الوقت أن كلمة (بني) تختص بالذكور ما لم يكونوا قبيلة، فإن كانوا قبيلة شملت الذكر والأنثى.
وقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ التذكير هنا بالنعمة ليس لمجرد أن يذكر الإنسان أن الله أنعم عليه نعمة قبل، ولكن المراد أن يتخذ من هذه النعمة، أو من هذا التذكر للنعمة طريقًا إلى شكره، بامتثال أمره واجتناب نهيه، يعني: لا تنسَوْا ما أنعمت به عليكم فتكفروا برسول الله ﷺ، بل آمنوا به واتبعوه جزاء لهذه النعمة.
وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ هو مفرد مضاف فيشمل جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم، والله تعالى أنعم عليهم بنعم كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ هذا أيضًا من باب عطف الخاص على العام، وإلا فالتفضيل على العالمين لا شك أنه نعمة، لكنه لما كان مرتبة عالية، التفضيل على الناس خصه الله تعالى بالذكر.
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ عليهم أي: جعلتكم أفضل منهم، وقد أشار موسى ﷺ إلى ذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠] هذا من تفضيله على العالمين.
وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ ماضية ولا حاضرة؟
* الطلبة: ماضية.
* الشيخ: إذن ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ماضٍ أيضًا، فالله تعالى فضلهم على العالمين حين أنعم عليهم، وذلك قبل أن توجد هذه الأمة، أما بعد وجود هذه الأمة فإن هذه الأمة أفضل، أفضل من بني إسرائيل كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ العالم من المراد بهم؟ المراد بهم ما سوى الله، وقد يراد بهم بنو آدم فقط، فهنا إن كان المراد بـ(العالمين) من سوى الله كان دليلًا على أن بني إسرائيل فُضلوا حتى على الملائكة، وإذا قلنا: المراد بالعالمين عالَم بني آدم الذين هم من جنسهم، صار لا يشمل الملائكة ولا الجن، وذلك لأن (العالم) قد يراد به ما سوى الله، وقد يراد به شيء مخصوص وهم بنو آدم إذا دل السياق عليه، كما تقول: عالم الحيوان، عالم الإنس، عالم الجن وتقول أخص من هذا: عالم البهائم، عالم الحشرات، عالم كذا.
وسُمي عالمًا؛ لأنه علم على خالقه سبحانه وتعالى، فإن هذه المخلوقات كلها فيها دليل وآيات عظيمة على وجود الله سبحانه وبحمده، فهي علم على وجود الله، وعلى ما تتضمنه هذه المخلوقات من بيان الرحمة والحكمة والنعمة.
* طالب: أي المعنيين أصح، العالمين؟
* الشيخ: الأقرب -والله أعلم- الأخير، العالم الخاص الذي من جنسه.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة ١٢٣].
﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيش معنى ﴿اتَّقُوا﴾؟ اتخذوا وقاية من العذاب الذي يقع فيه؛ لأن التقوى أصلها على حسب التصريف اللغوي أصلها (وَقْوَى) فقلبت الواو تاء فصارت (تقوى)، وهي من الوقاية، والممتثل لأوامر الله سبحانه تعالى لا شك أنه اتخذ وقاية من عذاب الله.
﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ لا شك أنه لا يراد اتقوا يومًا أن لا يقع، فإن هذا اليوم لا بد أن يقع، لكن اتقوا ما يكون فيه من أين؟ من العذاب والنكال للمخالف، وقال: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئًا، لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسنسلم بهم من النار أو من عذاب هذا اليوم، لا، ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ إلا الوالد فيجزي عن ولده؟
* الطلبة: ما يجزي.
* الشيخ: ما يجزي؟ ولا المولود؟
* الطلبة: ولا المولود.
* الشيخ: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧].
والدليل على العموم أن قوله: ﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق؟
* طالب: النفي.
* الشيخ: النفي، فتكون؟
* طالب: للعموم.
* الشيخ: تكون للعموم، النكرة في سياق النفي والنهي والشرط والاستفهام الإنكاري تكون للعموم، فهنا النكرة في سياق النفي فتكون للعموم، أي نفس ما تجزي عن نفس أخرى شيئًا، هذا النبي ﷺ لا يجزي عن أبيه شيئًا، قال للرجل: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٣ / ٢٤٧) من حديث أنس بن مالك، بلفظ:«إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».]]، ولا يجزي عن أمه شيئًا استأذن من الله عز وجل أن يستغفر لأمه فمنعه[[أخرجه مسلم (٩٧٦ / ١٠٥) من حديث أبي هريرة.]]، ومَن دون الرسول ﷺ من باب أولى.
فـ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي أيضًا، فتعم أي شيء، ولا يرد على هذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السنة، فإن هذه الآية مخصوصة بها.
وقال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لا يقبل منها أي: من نفسٍ عدلٌ، والذي يقبل أو يرد من؟ الله سبحانه وتعالى، والعدل بمعنى المعادل، يعني: لو أتت بالفداء ما يقبل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٣٦] ولن يقبل الله منهم ذلك.
* طالب: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
* الشيخ: نعم ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٤٧].
على كل حال لو جاء هؤلاء بما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من العذاب ما نفعهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، فالعدل معناه الشيء المعادل كما قال الله تبارك وتعالى في سورة المائدة: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة ٩٥] ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: ما يعادله من الصيام، فالعدل إذن بمعنى المعادلة.
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ الشفاعة في اللغة العربية من الشِّفْع أو من الشَّفْع بالفتح، وهو ما يسمى بالزوج، يعني: الاثنين شفع؛ لأن كل واحد منهما شفع الآخر، فالشفاعة في اللغة العربية من الشَّفع وهو الزوج، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة: أن تتوسط لغيرك بجلب منفعة أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها، هذه بدفع مضرة، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، هذه في جلب منفعة، في هذا اليوم ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، و﴿شَفَاعَةٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم أي شفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨]، وهذه الآية الكريمة عامة، لكنها مخصوصة بما ثبتت به السنة من إثبات الشفاعة العامة والخاصة، فقد ثبت أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف أن يقضى بينهم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك.]]، وثبت عنه أيضًا أنه يشفع في أهل الكبائر ألا يدخلوا النار، وفيمن دخل النار أن يخرج منها[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]]، فعلى هذا يكون العموم في قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ مخصوص بما ثبتت به السنة من أيش؟ الشفاعة.
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ كيف هم ينصرون مع أن السياق يرجع إلى مفرد، شوف ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ أي: النفس ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا﴾ أي: النفس، فمقتضى السياق أن يقول: ولا هي تنصر ولا هي -أي النفس- تنصر، فقال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ نقول: أعاد الضمير إليها باعتبار المعنى؛ لأنه ما دامت للعموم ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾، فالعموم يدل على الجمع وعلى الكثرة، فعاد الضمير إلى النفس باعتبار أيش؟
* الطلبة: المعنى.
* الشيخ: باعتبار المعنى ما هو باعتبار اللفظ، لا، لو كان باعتبار اللفظ، لقال: ولا هي تنصر، باعتبار المعنى لأن (نفس) عامة.
ثم إن هناك ملاحظة لفظية وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، ومراعاة الفواصل أمر ورد به القرآن حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل، تستحضرون هذا؟
* الطلبة: نعم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠].
* الشيخ: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ لأن سورة طه كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة، فمراعاة الفواصل إذن من بلاغة القرآن، فهنا نقول: إنه عبر بالجمع مراعاة للمعنى، هذا باعتبار المعنى، ومراعاة للفواصل باعتبار اللفظ.
* طالب: سؤال يا شيخ، في قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس ٣٤، ٣٥]. هنا قدم (أخيه) على (أمه وأبيه)؟
* الشيخ: لا، ما هو منها؛ لأنه ما تختلف الفواصل، لو قال: من أبيه وأمه وأخيه ما اختلف، لكن التقديم.
* طالب: الأخ على الأم والأب وبعده صاحبته وبنيه؟
* الشيخ: إي، بالترتيب؛ لأن كون الإنسان يألف أخاه أقل من كونه يألف أمه وأباه.
* طالب: (...) صاحبته وبنيه..؟
* الشيخ: إي صاحبته وبنيه ألصق من أمه وأبيه، أليس كذلك؟
* طالب: (...) إزالة دليل شرعي بدليل..؟
* الشيخ: قلنا: إزالة حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، إزالة أو رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، قلنا لكم هذا.
* طالب: خمس رضعات يحرمن[[ أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤) من حديث عائشة ولفظه: كان فيما أُنْزِل من من القرآن عَشْرُ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحرّمن، ثم نُسخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتُوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يُقرأ من القرآن.]].
* الشيخ: تأكد.
* طالب: (...) لفظها وحكمها كله.
* الشيخ: إي نعم الخمس.
* طالب: الخمس.
* الشيخ: الظاهر أن الجماعة ما يوافقونك، (...)؟
* طلبة: العشر.
* الشيخ: العشر، الخمسة حكمها باقي.
* طالب: العشر من الأول.
* طالب: إي، من الأول.
* الشيخ: هل النسخ جائز عقلًا واقع شرعًا أو لا؟
* طالب: واقع.
* الشيخ: واقع شرعًا، ويش الدليل؟
* طالب: الدليل ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
* الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة ١٠٦].
وهل هو جائز عقلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: فهمتم الآن؟ بعض العلماء يقول: ما هو جائز عقلًا وهذا خطأ؛ لأن ما وقع شرعًا فهو جائز عقلًا بلا شك، الشرع ما يأتي بالمحال، لكن نحن نقول: جائز عقلًا، بل واجب عقلًا، وجهه؟ أن النسخ يعتبر فيه تطور المحكوم عليه، ومدى تقبله للحكم، وكون هذا الحكم في هذا الزمان بالوقت بالذات مصلحة، وفي الزمن الأول ليس مصلحة، وليس يلزم منه -كما قيل- تجدد علم الله، هذا مستحيل، بل الحكم تغير؛ لاختلاف المصلحة، إما بتغير الزمان أو بتغير حال المحكوم عليه أو بتغير المكان أيضًا.
* طالب: لماذا لا نقول: سمعي، وليس بعقلي؟
* الشيخ: لا، نقول: عقلي أيضًا.
* الطالب: يا شيخ، يجيبون عن هذا يقولون مثلًا: الحالة التي أوجبت الحكم الأول قد تتجدد، قد تحدث مرة ثانية.
* الشيخ: نعم، إذا حدثت ثبت.
* الطالب: يعني مثلًا نكاح المتعة اللي أبيح في حال المشقة يمكن يجيء حال أشق منها على هذه الأمة؟
* الشيخ: إي نعم، يمكن أن يجيء حال أشق، ولولا أن الرسول قال: «إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٠٦ / ٢٨) من حديث سبرة بن معبد بلفظ: «أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».]] لقلنا بها، ولهذا رأي ابن عباس رضي الله عنه أنها جائزة للضرورة.
* الطالب: إذا قلنا (...) ما أدخلوا علينا من هذا الباب.
* الشيخ: لا، يُدْخلون علينا، يقول؛ لأن المصلحة اقتضت الآن اتضحت أنه محرم ممنوع إلى يوم القيامة، ولا يمكن يكون فيه مصلحة إطلاقًا في المستقبل.
* الطالب: كان فيه مصلحة في السابق؟
* الشيخ: إي نعم، فيه مصلحة.
* الطالب: هذا وهم.
* الشيخ: لكن الله يعلم أن المصلحة بعد هذا الوقت ما يمكن تحدث أبدًا، ما يمكن تحدث؛ لأننا لو لم نقل بذلك لزم أن تكون أحكام الله سبحانه وتعالى غير تابعة للمصالح.
* الطالب: لا، مش كل الأحكام تعبدية.
* الشيخ: يا سلام، المنسوخات كلها تجد أنها موافقة للحكمة، إذا وجدنا مثلًا نسخ الخمر، وجدنا أنه متطور، إيجاب الصلاة وجدنا أنه متطور، إيجاب الصيام وجدنا أنه متطور، وهكذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة للخمر، لو قلنا بالمصلحة قلنا: لو أسلم واحد بيديم على الخمر لتدرجنا معه؟
* الشيخ: نعم، ربما نقول بهذا، لو فرضنا لو منعناه من الخمر حالًا أنه ينفر من الإسلام، ويرجع إلى دينه، ممكن أن نقول: نعامله بالأهم فالأهم، إحنا نرى هذا، نرى التطور في الدعوة حتى في الوقت الحاضر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة ١١٩] الباء هنا أيش معناها؟
* طالب: للمصاحبة.
* الشيخ: المصاحبة، وكيف إرساله بالحق؟ هل المعنى أن رسالته حق؟ أو أن ما أرسل به حق؟
* طالب: كلا المعنيين.
* الشيخ: كلا المعنيين؟ يعني: ونأخذ بواحد ولَّا بالمعنيين جميعًا؟
* طالب: بالمعنيين جميعًا.
* الشيخ: طيب، جميل، ويش إعراب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أين؟
* طالب: حال من ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من كل ها الدنيا؟
* طالب: لا، ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ جميع، فعل وفاعل ومفعول؟
* طالب: لا، (أرسلنا).
* الشيخ: من الفعل؟
* طالب: إي.
* الشيخ: لا، ما يصلح.
* طالب: من الكاف.
* الشيخ: من الكاف؟ صح.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، ما معنى الاستفهام هنا؟
* طالب: لا أظلم.
* الشيخ: لا أحد أظلم، يعني بمعنى أيش؟ لا أظلم، ويش معناه؟ (لا)، ويش تعربها؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، إذن فالاستفهام بمعنى النفي. ما هي البلاغة في كون الاستفهام يأتي بمعنى النفي؟
* طالب: هنا توكيد عظم هذا الأمر.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنه يكون مشربًا بالتحدي.
* الشيخ: مشربًا بمعنى التحدي، يعني: كأن لقوة النفي كأنه قيل: من أظلم؟ أخبروني، إن كان هنا أحد أظلم هاتوه، فهو مشرب بمعنى التحدي.
قوله: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ ترد في القرآن كثير ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]، وما أشبه ذلك، كيف نجمع بينها؟
* طالب: هذه للتوكيد.
* الشيخ: إي نعم، لكن هنا ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني: ما هنا أحد أظلم منه، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني ما هنا أحد أظلم منه أيش (...)؟
* طالب: كلهم ظالمين.
* الشيخ: كلهم ظالمين، يعني.
* طالب: اللي يعمى عن الشهادة ظالم.
* الشيخ: كلهم ظالمين، لكن هنا (أظلم)، يعني: أعظم ظلمًا، ومن أعظم ظلمًا ممن منع مساجد الله، لا أحد أعظم منه ظلمًا، لا أحد أعظم ظلمًا ممن افترى على الله كذبًا.
* طالب: يدخل فيها..
* الشيخ: أحد يعرف؟
* طالب: (من)، تقدير (من).
* الشيخ: شو تقدير (من)؟
* طالب: يعني: فمن أعظم، لا أحد أعظم، أي: ما في أحد أعظم.
* الشيخ: اللي يمكن تقدر (من) غيرها يصير.
* طالب: أو (من)، تبعيض.
* الشيخ: لا.
* طالب: لا أحد أكبر منه في هذا الجانب.
* الشيخ: في افتراء الكذب على الغير، ما هنا أحد أظلم ممن يفتري على الله، فالذي يفتري على غير الله أهون منه، هذا وجهه، يعني: تنزل كل آية على المعنى الخاص بها، فمن منع أحدًا أن يدخل بيتًا، أعظم المانعين لدخول البيوت الذين يمنعون مساجد الله، الذين يكذبون على غيرهم أعظمهم الذي يكذب على الله، فتكون الجهة هنا منفكة. جواب آخر؟
* طالب: إنها تكون في منزلة واحدة.
* الشيخ: نعم.
* طالب: يعني باعتبار أن هذا ليس فيه نفي إلا أحدًا يماثل الظلم.
* الشيخ: إي، يعني النفي؛ لا أحد أظلم منه.
* طالب: لا أظلم منه.
* الشيخ: وليس فيه نفي المساواة، يكون المعنى أنهم كلهم اشتركوا في الأظلمية.
* طالب: على مرتبة سواء.
* الشيخ: على مرتبة سواء، لكن المعنى الأول أدق؛ لأنه ليس من يفتري على الله كذبًا يساوي من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، بل لكل شيء جهته.
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة ١١٧]، أيش معنى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾؟
* طالب: أنشأها على غير مثال سابق.
* الشيخ: إذن (بديع) بمعنى؟
* طالب: مبدع.
* الشيخ: مبدع، هل تأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟ لأن المعروف أن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)؟
* طالب: تأتي.
* الشيخ: مثل؟
* طالب: عَلِيم بمعنى مُعْلِم، سَمِيع بمعنى مُسْمِع.
* الشيخ: تجبها من عندك؟ أجل قَدِير بمعنى مُقْدِر، وجَمِيل بمعنى مُجْمِل، وحَكِيم بمعنى مُحْكِم، شيء بين، من كلام العرب.
* طالب: سميع بمعنى مسمع؟
* الشيخ: مثل؟
* طالب: شاهد، من كلام العرب؟
* الشيخ: من كلام العرب أو من القرآن.
* طالب: مثل قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِـــــــــــي وَأَصْحَابِـــــــيهُجُـــــــوعُ * الشيخ: نعم، هذا شاهد، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى؟
* الطلبة: مؤلم.
* الشيخ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، فبديع هنا بمعنى مبدع، وله شواهد في اللغة العربية وفي القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما معنى (إذا قضى)؟
* طالب: أي: إذا أراد قضاها.
* الشيخ: إذا أراد قضاها، وهل يعبر بالفعل عن إرادته؟ هل جاء التعبير عن الفعل باعتبار إرادته؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: مثل؟
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦].
* الشيخ: أي؟
* الطالب: أي: إذا أردتم الصلاة.
* الشيخ: وغيرها؟ ما فيه شاهد؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي؟
* طالب: إذا أردت القراءة.
* الشيخ: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥ / ١٢٢) من حديث أنس، واللفظ لمسلم.]] أي: أراد الدخول.
استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ بأن الكفر ملة واحدة وأن اليهودي يرث من النصراني وبالعكس، ما رأيك في هذا الاستدلال؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذنا فوائدها؟ عجيب، من ﴿وَلَنْ تَرْضَى﴾؟
* طالب: إي نعم.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٠].
لماذا لم يقل: تجدونه؟
* طالب: جواب (ما) الشرطية.
* الشيخ: جواب ما الشرطية، وجواب الشرط يكون؟
* طالب: مجزومًا.
* الشيخ: مجزومًا، نعم (...).
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: عناد اليهود والنصارى؛ حيث لا يرضون عن أحد إلا أن يتبع دينهم.
* ويستفاد منها أيضًا: أن من كان لا يرضى إلا بذلك فسيحاول إدخال غير اليهود والنصارى لليهودية والنصرانية.
* ومن فوائدها: الحذر من اليهود والنصارى؛ إذ لا يرضون لأحد حتى يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا.
* ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ وهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة، أما باعتبار أنواعه فإنه ملل، اليهودية ملة، والنصرانية ملة، والبوذية ملة، وهكذا بقية الملل، لكن كل هذه الملل باعتبار مضادتها للإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر، فتكون جنسًا، والملل أنواعًا.
* ومنها: الرد على أهل الكفر بهذه الكلمة ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، والمعنى: إن كان معكم هدى الله فأنتم مهتدون، وإلا فأنتم ضالون.
* ومنها: أن البدع ضلالة؛ لقوله: ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (وهو) هنا ضمير فصل كما مر علينا وتفيد حصر الهدى بأي شيء؟ بهدى الله، إذن فالبدع ليست هدى ﴿مَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢] فعليه يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن جميع البدع ضلالة كما ثبت بذلك الحديث عن الرسول ﷺ[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر. ]].
* ومنها: تحريم اتباع أهواء اليهود والنصارى؛ لقوله:﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس دينًا، بل هو هوى؛ لقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾، ولم يقل: ملتهم كما قال بالأول، في الأول قال: ﴿لَنْ تَرْضَى﴾ ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾؛ لأنهم يعتقدون هم أنهم على ملة ودين، لكن ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ بيَّن الله أن هذا ليس بدين ولا ملة، بل هو هوى وليس هدى.
* ومنها: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أضل وأشد ضلالًا؛ لقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن من أراد الله به سوءًا فلا مرد له؛ لقوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفًا ورجاء؛ لأنك متى علمت ذلك أنه ليس لك ولي ولا نصير، فأين يتعلق قلبك؟ بالله أو بمن سواه؟ بالله، فلا تُعَلِّق قلبك أيها المسلم إلا بربك.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: منة الله سبحانه وتعالى على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته.
* ومن فوائدها: أنه ليس مجرد إتيان الكتاب فضيلة للإنسان، بل الفضيلة بتلاوته.
* ومنها: أن للإيمان بالشيء علامة، الإيمان له علامة، وعلامته العمل؛ لقوله لما قال: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن من خالف القرآن في شيء كان ذلك دليلًا على نقص إيمانه، من أين تؤخذ؟ لقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، فمعنى ذلك: إذا لم يتلوه حق تلاوته ما آمنوا به، نقص من إيمانهم بقدر ما نقص من تلاوتهم له.
* ومنها: أن تلاوة القرآن نوعان: تلاوة حق، وتلاوة ناقصة ما هي حقيقة، فالتلاوة الحق أن يكون الإنسان تاليًا للفظه ولمعناه، عاملًا بأحكامه، مصدقًا بأخباره، كل الأربعة التي مرت علينا هذه تلاوته حق تلاوته.
* من فوائد الآية: أن الكافر بالقرآن مهما بلغ من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وكيف يكون خاسرًا وهو قد حصل له أموال، وبنون، ومراكب ضخمة، وقصور مَشِيدَة؟ لأن هذه كلها سوف تذهب وتزول، أو هو يزول عنها ولا تنفعه، فإذن يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ٩] ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح، قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، يعني: ولو ربحوا.
ثم قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: تذكير بني إسرائيل بنعمة الله عليهم؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومنها: أن ذكر النعمة ليس معناه أن يتذكرها الإنسان بقلبه، بل معناه أن يقوم الإنسان بشكرها، مجرد أنه يذكر أن الله أنعم عليه ما يكفي هذا، لا بد أن يقوم بالشكر، وهذا هو الذي أمر الله به بني إسرائيل.
* ومنها: أن النعمة من الله وحده؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان أحد له نعمة لقال الله تعالى؛ لأن مقتضى العدل أن يقول الله: ونعمة فلان بن فلان، كما قال لنبيه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* ومنها: تفاضل الناس عند الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وسبق لنا ماذا فضلهم الله به؛ جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين.
* ومنها: أن هذا التفضيل ليس على عمومه إلى يوم القيامة؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠] فيكون (العالمين) عامًّا أريد به الخاص، ما الذي أريد به يا إخوان؟
* الطلبة: عصرهم.
* الشيخ: عالم زمانهم.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: إثبات يوم القيامة.
* ويستفاد منها: أن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه.
* ومن فوائدها: أن ذلك اليوم لا تنفع نفس نفسًا شيئًا ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨].
ما ينفعك لا ابنك، ولا أبوك، ولا أختك، ولا أخوك.
* ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل، أي ما يَعْدِل به العذاب عن نفسه.
ومنها: ثبوت الشفاعة في ذلك اليوم، من أين نأخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن هذا نفي؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: إذن يقال: لا تنفعها شفاعة، ما قال: ما فيه شفاعة، لا تنفعها، إذن ففيه أصل الشفاعة، ففيه إثبات الشفاعة في ذلك اليوم، ولكنه مقيدة بشرطين: إِذْنُ الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨].
* ومنها: أنه لا ينصر أحد أحدًا من عذاب الله؛ لقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
* طالب: مناسبة قول الله تعالى قبل ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة ٤٨]، لكن هنا ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.
* الشيخ: التقديم والتأخير، المناسبة والله أعلم، الحكمة في هذا تنوع الأساليب فقط، ما يظهر لي غير هذا.
البقرة 2:122
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]﴾.
* الطالب: الأسلوب الطلبي ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾، والرسول (...)؟
* الشيخ: أسلوب طلبي؟
* الطالب: خبر طلبي، لو الرسول (...).
* الشيخ: إيه، لكنه أمامه من ينكر، فيثبت أمام هؤلاء المكذبين أنه أرسله، وقد ذكرنا لكم فيما قبل أنه قد يؤكد الشيء، لا باعتبار المخاطَب ولكن باعتبار أهميته، قد يؤكد الشيء باعتبار أهميته، فيقال الخبر ابتدائيًّا ويؤكد، ولكن باعتبار أهميته.
* طالب: حكم الواقف الذي يقول: القرآن كلام الله، ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق؟
* الشيخ: هؤلاء مبتدعة؛ لأن السلف قالوا: غير مخلوق، منزل غير مخلوق، فهؤلاء مخالفون للسلف.
* الطالب: ما نجعلهم مثل الجهمية؟
* الشيخ: لا؛ لأن الجهمية يصرحون بأنه مخلوق.
* الطالب: الإمام أحمد قال: هؤلاء جهمية؟
* الشيخ: لا يعني ما هم جهمية، وربما أن الإمام أحمد رحمه الله يقول: هؤلاء يشير إلى قوم معينين؛ يعني فيه ناس معينين يتسترون، إذا سئلوا يقولون: ما نقول كذا ولا كذا، والإمام أحمد يفهم من هؤلاء أنهم كانوا يقولون: بأنه مخلوق، لكن يتسترون بإظهار التوقف، فالواقفة قد يكون في بعض الأوقات مثل المنافقين يتسترون بالإخفاء، أما بالنظر إلى نفس القول بغير اعتبار القائل فلا شك أن الذي يقف ليس مثل الذي يقول: إنه مخلوق؛ لأن المراتب ثلاثة: من يقول إنه مخلوق، ومن يقول إنه غير مخلوق، ومن يقف، قد يكون توقفه لعدم ظهور الدليل عنده مثلًا، فلا يمكن أن نجعل من قال: إنه مخلوق، أو من سكت كمن قال: إنه مخلوق.
* طالب: لكن ابن القيم في النونية ذكر أن الواقفة شر من (...)؟
* طالب آخر: يعني المفوضة (...).
* الشيخ: لا لا، المفوضة في جميع الصفات، المفوضة ذكر شيخ الإسلام إن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، اللي يقولون: إننا نفوض المعنى في صفات الله كلها، ولا شك أن دولا قولهم من شر أقوال أهل البدع.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ حكم على هؤلاء الذين يعني قالوا هذه الأشياء بأنهم أصحاب الجحيم لهذا في الآية كأنه يعني يشير للنبي ﷺ أنه لا خير فيهم، فلا داعي من دعوتهم؛ لأنه حكم على من قال بهذا أنه (...) من أصحاب الجحيم كان حكم (...)؟
* الشيخ: يحتمل ما قلت وأنهم لما أيس منهم أمر بتركهم، أو يحتمل أنه مثل قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧] يعني معناها لا تحزن من هذا، ولا تتبع نفسك إياهم فإنك غير مسؤول عنهم، أو يسليه بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ يعني: فإنهم وإن كذبوك وضيقوا صدرك وأحزنوك فلا تَسأل عنهم سنعذبهم، إنما ما في الآية يعني دليل لا يحتمل غيره أن المراد: أعْرِض عنهم، هي صحيح تحتمل ما قلت عن الرسول، أن الله يقول: اتركهم ولا تسأل عنهم، لكن يحتمل معنى آخر أن هذا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، لأجل أن لا يحزن ولا يضيق بهم.
* الطالب: يعني هو يا شيخ رتب هذه الأشياء ثم قال إنهم من أصحاب الجحيم؟
* الشيخ: إي نعم، قال: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] يعني معناه تسلية له المعنى لا..
صلي الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون لكل من يصح منه الخطاب؛ يعني: لن ترضى عنك أيها المؤمن.
وقوله: ﴿الْيَهُود﴾ هم أتباع موسى الذين ينتسبون إليه، مأخوذة إما من يهوذا جدهم نسبوا إليه، وإما من الهَوْد وهو الرجوع؛ لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦].
وأما النصارى فإنه مأخوذ من بلد يسمى نَصْران معروف في فلسطين ينتسبون إليه، وقيل: من النُّصرة؛ لأنهم نصروا عيسى عليه الصلاة والسلام؛ فسموا بهذا الاسم، وهم الذين ينتسبون إلى عيسى بن مريم.
* طالب: نصران ولا ناصرة، يا شيخ؟
* الشيخ: نصران، وفيه بلد تسمى ناصرة ما أدري هم ينسبون إليها، ولَّا إلى الثانية، لكن المعروف عندي أنها نصران، وهم ينتسبون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام وتسموا أخيرًا بالمسيحيين؛ لأجل أن يعطوا أنفسهم صبغة المشروعية، ولكن المسيح عيسى بن مريم بريء منهم لو خرج لقاتلهم؛ لأنهم كافرون به كما هم كافرون بمحمد ﷺ.
يقول: ﴿لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى﴾ [البقرة ١٢٠].
وقوله: ﴿وَلَا النَّصَارَى﴾ (لا) هنا للتوكيد، وليست مستقلة، فإنه لو حذفت وقيل: ولن ترضى عنك اليهود والنصارى لاستقام الكلام، لكنها زيدت للتوكيد؛ لأجل أن لا يظن الظان أن المراد: أن الجميع لا يرضون مجتمعين؛ لأنه لو قال: لن ترضى عنك اليهود والنصارى لظن الظانُّ أنهم لن يرضوا في حال اجتماعهم، مع أن الواقع أن كل طائفة لن ترضى.
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (حتى) حرف غاية، وهي تنصب المضارع بنفسها عند الكوفيين، وعلى تقدير (أن) عند البصريين.
﴿تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الملة: الدين، أي: دينهم الذي كانوا عليه، فاليهود لن يرضوا عنك حتى تكون يهوديًّا، والنصارى لن يرضوا عنك حتى تكون نصرانيًّا.
ولكن ما هو الجواب الوحيد لهؤلاء الذين يقولون: إنك يا محمد، لا نرضى بك حتى تتبع ملتنا؟
الجواب: قوله ﴿قُلْ﴾ مجيبًا لهم في عدم رضاهم: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، وليس الهدى ما أنتم عليه، بل إن هدى الله وحده، لا الهدى الذي تزعمون أنكم عليه.
﴿هُوَ الْهُدَى﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، وقد تكرر علينا أن لضمير الفصل ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: بيان أن ما بعده خبر لا صفة، فعلى هذا يكون هذا الضمير لا محل له من الإعراب، ويكون قوله: ﴿الْهُدَى﴾ خبر (إن)، وأما اسمها فهو قوله: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ وما عداه فهو ضلال، قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، فكل ما لا يوافق هدى الله فإنه ضلال، وليس ثمة واسطة بين هدى الله والضلال.
ثم قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه، ولكن الأقرب رجوعه للرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الجملة هذه فيها شرط وقسم، وإذا اجتمعا أي الشرط والقسم، فإنه يحذف جواب المؤخر منهما، قال ابن مالك في الألفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهُـــــــــــــــــــوَمُلْتَزَمْ
وين القسم؟ القسم هو الذي دل عليه اللام في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ إذ إن التقدير: والله لئن اتبعت، وأين الشرط؟
* طالب: (إنْ).
* الشيخ: (إنْ)، الجواب: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿مَا لَكَ﴾ هذا جواب القسم، لو كان جواب الشرط لوجب اقتران الفاء به؛ لأنه نفي، ولكنه كان جوابًا للشرط فلم تقترن به الفاء، أو جوابًا للقسم فلم تقترن به الفاء، أين جواب الشرط؟ قيل: إنه محذوف دل عليه جواب القسم، وقيل: إنه لا يُحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، وهذا القول هو الراجح أنه لا يحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، والدليل على ذلك أنه لم يأت مذكورًا في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية، فإذا كان لم يأت في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية دل على أن الكلام مستغنٍ عنه وأنه لا حاجة له.
قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ شوف، قال: ﴿مِلَّتَهُم﴾ ثم قال: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ لأن هذه الملة التي هم عليها ليست ملة هدى، ولكنها ملة هوى؛ ولهذا قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ لأنهم على هوى، وليسوا على هدى إذ لو كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم، ولوجب عليهم جميعًا أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، لكن دينهم هوى وليس هدى، وهكذا كل إنسان يتبع غير ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتعصب له فإننا نقول: إن ملتك هوى، وليست هدى.
وقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي ﷺ سواء كان القرآن أو السنة.
وقوله: ﴿جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هل هو علم الذي جاء الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم، علم، فإن الله يقول له: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨] الرسول ما كان عالمًا، كان نبيًّا أميًّا عليه الصلاة والسلام ما يعلم، لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله أنزل عليه هذا العلم حتى صار بذلك نبيًّا جاء بالعلم النافع والعمل الصالح.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (ما لك من ولي) ما إعرابه؟ ويش إعراب (ما)؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، إي ﴿مَا لَكَ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ إعرابه؟
* طالب: حرف جر.
* الشيخ: حرف جر، و﴿وَلِيٍّ﴾؟
* طالب: مجرور.
* الشيخ: مجرور؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش محلها من الإعراب ﴿وَلِيٍّ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما لها محل من الإعراب؟ يعني هو مفعول به مثلًا، عامل بالشيء؟ ويش محله من الإعراب؟
* طالب: مجرور لفظًا مرفوع محلًا.
* الشيخ: أيش معناه من الإعراب؟
* طالب: على أنه مبتدأ.
* الشيخ: على أنه مبتدأ، صح.
﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ وأصلها: ما لك من الله وليٌّ، و﴿لَكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، وجملة ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب؟
* الطلبة: جواب القسم.
* الشيخ: لأنها جواب القسم.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ أما اسم الله سبحانه تعالى فقد تقدم الكلام عليه، ومعناه واشتقاقه.
وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ الولي هو الذي يتولى غيره بحفظه وصيانته، فالمعنى ما أحد يتولى حفظك سوى الله عز وجل، ولا أحد يتولى نصرك ولا نصير فيدفع عنك، وحينئذ تنزل بك عقوبة الله حتى لو كثر الجنود عندك، ولو كثرت الشُّرَط، ولو كثرت القوة فإنك إذا اتبعت غير شريعة الله ما أحد يحفظك من الله، ولا أحد ينصرك من دونه؛ لأن النصر والولاية تكون بالهداية باتباع هدى الله عز وجل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام ٨٢] فالأمن إنما يكون بالإيمان، وعدم الظلم، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* طالب: شيخ ﴿وَلِيٍّ﴾ مصدر (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو مصدر، (ولي) هذه على وزن (فعيل) من الولاية.
* طالب: شيخ، القيد هنا ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ له مفهوم؟
* الشيخ: إي، له مفهوم؛ لأن الرسول ﷺ كان قبل أن ينهى عن متابعتهم كان يحب موافقة أهل الكتاب فلما أُمر بمخالفتهم صار ما يتمكن لمخالفتهم.
* طالب: من ناحية أصولية الذي يتبع (...) معذور..؟
* الشيخ: نعم، اللي يتبع غير الإسلام بدون علم فهو معذور، لكنه إذا كان مفرطًّا، وهذه ستأتينا في الفوائد تأتينا في فوائد الآية إن شاء الله.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ مبتدأ، و﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قيل: إنها خبر مبتدأ، وعلى هذا فتكون الجملة الثانية: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تكون استئنافية.
وقيل: إن قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ جملة حالية، وأن ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الجملة خبر المبتدأ، نشوف بالمعنى أيهم أرجح.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أعطيناهم الكتاب، والإيتاء هنا إيتاء شرعي ولَّا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: أو كله؟ إيتاء شرعي كوني؛ لأن الله قدر أن يعطيهم الكتاب فأعطاهم إياه، وهو أيضًا إيتاء شرعي؛ لأنه فيه الشرائع والبيان، والمراد بمن آتاهم الكتاب إما هذه الأمة أو هي وغيرها، وهذا هو الأرجح أنه شامل لكل من آتاه الله الكتاب، والكتاب المراد به الجنس فيشمل القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله عز وجل.
وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿يَتْلُونَهُ﴾ التلاوة تطلق على تلاوة اللفظ وهي القراءة، وعلى تلاوة المعنى وهو التفسير، وعلى تلاوة الحكم أي: اتباعه وهو الاتباع، فالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ، تلاوة المعنى يعني الإنسان يتبع المعنى ولا يحرفه، وعلى تلاوة الحكم وهو اتباع الحكم، هذه المعانى الثلاثة للتلاوة داخلة في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ التلاوة اللفظية أن يقرأ القرآن باللفظ الذي يجب أن يكون عليه، يكون معربًا كما جاء معربًا ما يغير، فلا يقول مثلًا: الْحَمْدَ للهِ ربَّ العالمين، هذا ما تلاه حق تلاوته بل يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بدون تغيير؛ لأنه نزل هكذا فوجب أن يتلى هكذا، التلاوة المعنوية أن يفسره بحسب ما أراد الله ورسوله، فيقول مثلًا: المراد بالآية كذا على حسب ما أراد الله، ونحن نعلم مراد الله بها بأي طريق؟ هل الله يقول: أردت بكلامي كذا؟ الجواب: لا، ما قال ذلك، لكنه قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥].
فنحن نعلم ما يريد الله تعالى بهذا القرآن؛ لأنه جاء باللغة العربية، وهذا المعنى في اللغة العربية هو ما يقتضيه هذا اللفظ أو هذا السياق، فنكون بذلك قد علمنا معنى كلام الله عز وجل، هذه تلاوة المعنى.
تلاوة الحكم: امتثال الأوامر واجتناب النواهي والإقرار بالأخبار، هذه تلاوة الحكم أن تتبع ما حكم به هذا القرآن، وتُقِر بما أخبر به، تفعل، أيش تفعل؟ وتترك النواهي وتصدق بالأخبار، فتكون الآن تاليًا حق التلاوة، فإن استكبرت أو جحدت فإنك لم تتلوه حق تلاوته.
وفي قوله: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هذا من باب إضافة الوصف إلى موصوفه، يعني: التلاوة الحق، يعني تلاوة الجد والثبات وعدم الانحراف يمينًا وشمالًا، وهو من حيث الإعراب مفعول مطلق؛ لأنه مضاف إلى المصدر، مثل قوله في الألفية:
..................... ∗∗∗ كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ............ هنا اتلو حق تلاوته ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة تعود إلى الذين أوتوا الكتاب، أوتوا الكتاب وهم يتلونه حق التلاوة، يعني: أولئك المتصفون بهذا الوصف الذين يتلون الكتاب حق تلاوته يؤمنون به، وأما من لم يتلوه حق تلاوته فليس مؤمنًا به، بل عنده من نقص الإيمان بقدر ما عنده من المخالفة، فالإيمان يزيد وينقص؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وفي الإشارة إليهم بلفظ البعيد دليل على علو مرتبتهم كقوله في أول سورة البقرة: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٥] فهذا دليل على علو منزلتهم ومرتبتهم.
قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، لكنه في الشرع تصديق مقيد بالقبول والإذعان، فلا يكفي التصديق وحده، بل لا بد من القبول والإذعان، والدليل على ذلك أن أبا طالب لا يسمى مؤمنًا، مع أنه مصدق ومعترف، لكنه فاته القبول والإذعان، فكون الإنسان يصدِّق ما يقال: مؤمن، ولقد فرح بعض الناس بجاجرين، جاجرين أظنكم تذكرونه؟ رجل من الروس هو أول من صعد إلى القمر، أظن هكذا وقال: أنا أعترف الآن أن هذا الخلق له خالق مدبر. ففرح الناس فرحًا عظيمًا، إنه آمن الرجل، هل هذا إيمان؟ أبدًا، ما آمن؛ لأن هذا مجرد استنتاج عقلي كل إنسان عاقل يعرفه، يعرف أن هذا الكون العظيم المنظم البديع يعرف أن له خالقًا مدبرًا منظمًا كما نعرف أن لهذا المسجد من بناه، ونعرف أن لهذا النور من أضاءه وهكذا، فالحاصل أن هذا ليس بإيمان، مجرد الاعتراف بالله سبحانه وتعالى لا يعد إيمانًا، ولا بالرسول ﷺ، المنافقون يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون 1]، ولكن مع هذا إن كانوا صادقين في شهادتهم، لكن الله كذبهم يكذبون، يقولون: نشهد وهم كاذبون؛ لأن ما عندهم انقياد ولا قبول، بل قلوبهم منكرة -والعياذ بالله- إذن ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأنهم ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، فمن لم يتلو القرآن حق تلاوته بالمعاني الثلاثة التي ذكرنا، فإنه ناقص الإيمان، وقد يفقده بالكلية.
قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* طالب: إذن ما هو الخبر يا شيخ؟
* الشيخ: ذكرنا أن الخبر فيه رأيان للعلماء: رأي ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، ورأي آخر ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وعلى هذا الرأي الأخير تكون ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ جملة حالية، يعني: الذين آتيناهم الكتاب حال كونهم يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، فيكون الحكم عليهم بالإيمان به مشروطًا بوصفهم بتلاوته إياه حق تلاوته، فالجملة على هذا الإعراب واحدة، لكن المبتدأ مقيد، أما على الرأي الثاني فالكلام جملتان:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولكن الأقرب الإعراب الأول؛ لأنه الكلام هنا على الإيمان بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ما يؤمن به إلا من يتلو الكتاب حق تلاوته سواء التوراة أو الإنجيل أو القرآن، ما يؤمن به حق الإيمان إلا من يتلوه حق التلاوة، وعلى هذا فقَيْد الذين آتيناهم الكتاب بكونهم يتلونه حق التلاوة أحسن، يعني: أنه من أوتي الكتاب، وصار على هذا الوصف يتلوه حق تلاوته فهو الذي يؤمن به.
* طالب: هل ينظر لإعراب قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ خبر يشكل، لكنه قدم أوتوا الكتاب من لا يتلوه حق التلاوة (...)؟
* الشيخ: لا لا، ما هو بخبر (...) خبر محض، هذا أيضًا مما يقوي أن جملة ﴿يَتْلُونَهُ﴾ حال.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* طالب: شيخ ما يصلح أن يكون خبرًا ثانيًا (أولئك)؟
* الشيخ: لا لا، مسألة إنه خبر ثاني أو جملة مستأنفة هذه متفرع عن قولنا: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هو الخبر.
* طالب: إذا كان هو الخبر؟
* الشيخ: الأرجح أنه يكون حالًا.
* طالب: ما يصلح أن يكون هو الخبر.
* الشيخ: أقول: الأرجح أنه يكون حالًا، وكونه خبرًا مرجوح.
قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية جازمة هنا أو لا؟ ﴿يَكْفُرْ﴾ مجزوم، ﴿بِهِ﴾ أي: بالكتاب ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، الجملة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هي جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا كانت جوابًا للشرط وجب اقترانها بالفاء كأخواتها المذكورة في البيت:
اسْمِيَّـــــــــــــةٌ طَــــــــلَبِيَّةٌوَبِجَــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ هذه السبعة إذا جاءت جوابًا للشرط فإنه يقترن بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ما قال: ومن يكفر به فقد خسر، بل أتى بالجملة الاسمية المفيدة شنو؟ للثبوت والاستمرار، وأتى بضمير الفصل في قوله: ﴿هُمُ﴾ لإفادة الحصر والتوكيد يعني فأولئك الذين كفروا به هم الخاسرون لا غيرهم، وعليه فكل من ليس بمؤمن فهو خاسر، هذا الرجل عنده ملايين الدراهم، عنده سيارات، عنده عقارات، عنده بنون، عنده زوجات عنده أهل، عنده ملك، لكنه كافر ويش نقول؟ خاسر، هو خاسر، هو في الحقيقة لم يربح من هذا المال، ولا من الأولاد ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هذا المال ما ينفعه، بل سيكون حسرة عليه؛ لأنه سيفقده، سيفقده هو أو يفقد المال، يعني إما أن يموت عن المال، أو أن المال يفوت عنه.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ما معنى ﴿الْخَاسِرُونَ﴾؟ أصل الخسران النقص؛ ولهذا يقال: ربح، ويقال: في مقابله خسر، فهؤلاء هم الذين حصل عليهم النقص لا غيرهم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زائلة وفانية فلا تنفعهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٢٢].
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والمراد بـ(بنيه) هنا: كل من ينتسب إليه من ذكر أو أنثى؛ لأنه مر علينا في الوقت أن كلمة (بني) تختص بالذكور ما لم يكونوا قبيلة، فإن كانوا قبيلة شملت الذكر والأنثى.
وقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ التذكير هنا بالنعمة ليس لمجرد أن يذكر الإنسان أن الله أنعم عليه نعمة قبل، ولكن المراد أن يتخذ من هذه النعمة، أو من هذا التذكر للنعمة طريقًا إلى شكره، بامتثال أمره واجتناب نهيه، يعني: لا تنسَوْا ما أنعمت به عليكم فتكفروا برسول الله ﷺ، بل آمنوا به واتبعوه جزاء لهذه النعمة.
وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ هو مفرد مضاف فيشمل جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم، والله تعالى أنعم عليهم بنعم كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ هذا أيضًا من باب عطف الخاص على العام، وإلا فالتفضيل على العالمين لا شك أنه نعمة، لكنه لما كان مرتبة عالية، التفضيل على الناس خصه الله تعالى بالذكر.
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ عليهم أي: جعلتكم أفضل منهم، وقد أشار موسى ﷺ إلى ذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠] هذا من تفضيله على العالمين.
وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ ماضية ولا حاضرة؟
* الطلبة: ماضية.
* الشيخ: إذن ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ماضٍ أيضًا، فالله تعالى فضلهم على العالمين حين أنعم عليهم، وذلك قبل أن توجد هذه الأمة، أما بعد وجود هذه الأمة فإن هذه الأمة أفضل، أفضل من بني إسرائيل كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ العالم من المراد بهم؟ المراد بهم ما سوى الله، وقد يراد بهم بنو آدم فقط، فهنا إن كان المراد بـ(العالمين) من سوى الله كان دليلًا على أن بني إسرائيل فُضلوا حتى على الملائكة، وإذا قلنا: المراد بالعالمين عالَم بني آدم الذين هم من جنسهم، صار لا يشمل الملائكة ولا الجن، وذلك لأن (العالم) قد يراد به ما سوى الله، وقد يراد به شيء مخصوص وهم بنو آدم إذا دل السياق عليه، كما تقول: عالم الحيوان، عالم الإنس، عالم الجن وتقول أخص من هذا: عالم البهائم، عالم الحشرات، عالم كذا.
وسُمي عالمًا؛ لأنه علم على خالقه سبحانه وتعالى، فإن هذه المخلوقات كلها فيها دليل وآيات عظيمة على وجود الله سبحانه وبحمده، فهي علم على وجود الله، وعلى ما تتضمنه هذه المخلوقات من بيان الرحمة والحكمة والنعمة.
* طالب: أي المعنيين أصح، العالمين؟
* الشيخ: الأقرب -والله أعلم- الأخير، العالم الخاص الذي من جنسه.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة ١٢٣].
﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيش معنى ﴿اتَّقُوا﴾؟ اتخذوا وقاية من العذاب الذي يقع فيه؛ لأن التقوى أصلها على حسب التصريف اللغوي أصلها (وَقْوَى) فقلبت الواو تاء فصارت (تقوى)، وهي من الوقاية، والممتثل لأوامر الله سبحانه تعالى لا شك أنه اتخذ وقاية من عذاب الله.
﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ لا شك أنه لا يراد اتقوا يومًا أن لا يقع، فإن هذا اليوم لا بد أن يقع، لكن اتقوا ما يكون فيه من أين؟ من العذاب والنكال للمخالف، وقال: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئًا، لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسنسلم بهم من النار أو من عذاب هذا اليوم، لا، ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ إلا الوالد فيجزي عن ولده؟
* الطلبة: ما يجزي.
* الشيخ: ما يجزي؟ ولا المولود؟
* الطلبة: ولا المولود.
* الشيخ: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧].
والدليل على العموم أن قوله: ﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق؟
* طالب: النفي.
* الشيخ: النفي، فتكون؟
* طالب: للعموم.
* الشيخ: تكون للعموم، النكرة في سياق النفي والنهي والشرط والاستفهام الإنكاري تكون للعموم، فهنا النكرة في سياق النفي فتكون للعموم، أي نفس ما تجزي عن نفس أخرى شيئًا، هذا النبي ﷺ لا يجزي عن أبيه شيئًا، قال للرجل: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٣ / ٢٤٧) من حديث أنس بن مالك، بلفظ:«إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».]]، ولا يجزي عن أمه شيئًا استأذن من الله عز وجل أن يستغفر لأمه فمنعه[[أخرجه مسلم (٩٧٦ / ١٠٥) من حديث أبي هريرة.]]، ومَن دون الرسول ﷺ من باب أولى.
فـ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي أيضًا، فتعم أي شيء، ولا يرد على هذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السنة، فإن هذه الآية مخصوصة بها.
وقال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لا يقبل منها أي: من نفسٍ عدلٌ، والذي يقبل أو يرد من؟ الله سبحانه وتعالى، والعدل بمعنى المعادل، يعني: لو أتت بالفداء ما يقبل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٣٦] ولن يقبل الله منهم ذلك.
* طالب: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
* الشيخ: نعم ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٤٧].
على كل حال لو جاء هؤلاء بما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من العذاب ما نفعهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، فالعدل معناه الشيء المعادل كما قال الله تبارك وتعالى في سورة المائدة: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة ٩٥] ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: ما يعادله من الصيام، فالعدل إذن بمعنى المعادلة.
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ الشفاعة في اللغة العربية من الشِّفْع أو من الشَّفْع بالفتح، وهو ما يسمى بالزوج، يعني: الاثنين شفع؛ لأن كل واحد منهما شفع الآخر، فالشفاعة في اللغة العربية من الشَّفع وهو الزوج، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة: أن تتوسط لغيرك بجلب منفعة أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها، هذه بدفع مضرة، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، هذه في جلب منفعة، في هذا اليوم ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، و﴿شَفَاعَةٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم أي شفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨]، وهذه الآية الكريمة عامة، لكنها مخصوصة بما ثبتت به السنة من إثبات الشفاعة العامة والخاصة، فقد ثبت أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف أن يقضى بينهم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك.]]، وثبت عنه أيضًا أنه يشفع في أهل الكبائر ألا يدخلوا النار، وفيمن دخل النار أن يخرج منها[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]]، فعلى هذا يكون العموم في قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ مخصوص بما ثبتت به السنة من أيش؟ الشفاعة.
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ كيف هم ينصرون مع أن السياق يرجع إلى مفرد، شوف ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ أي: النفس ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا﴾ أي: النفس، فمقتضى السياق أن يقول: ولا هي تنصر ولا هي -أي النفس- تنصر، فقال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ نقول: أعاد الضمير إليها باعتبار المعنى؛ لأنه ما دامت للعموم ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾، فالعموم يدل على الجمع وعلى الكثرة، فعاد الضمير إلى النفس باعتبار أيش؟
* الطلبة: المعنى.
* الشيخ: باعتبار المعنى ما هو باعتبار اللفظ، لا، لو كان باعتبار اللفظ، لقال: ولا هي تنصر، باعتبار المعنى لأن (نفس) عامة.
ثم إن هناك ملاحظة لفظية وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، ومراعاة الفواصل أمر ورد به القرآن حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل، تستحضرون هذا؟
* الطلبة: نعم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠].
* الشيخ: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ لأن سورة طه كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة، فمراعاة الفواصل إذن من بلاغة القرآن، فهنا نقول: إنه عبر بالجمع مراعاة للمعنى، هذا باعتبار المعنى، ومراعاة للفواصل باعتبار اللفظ.
* طالب: سؤال يا شيخ، في قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس ٣٤، ٣٥]. هنا قدم (أخيه) على (أمه وأبيه)؟
* الشيخ: لا، ما هو منها؛ لأنه ما تختلف الفواصل، لو قال: من أبيه وأمه وأخيه ما اختلف، لكن التقديم.
* طالب: الأخ على الأم والأب وبعده صاحبته وبنيه؟
* الشيخ: إي، بالترتيب؛ لأن كون الإنسان يألف أخاه أقل من كونه يألف أمه وأباه.
* طالب: (...) صاحبته وبنيه..؟
* الشيخ: إي صاحبته وبنيه ألصق من أمه وأبيه، أليس كذلك؟
* طالب: (...) إزالة دليل شرعي بدليل..؟
* الشيخ: قلنا: إزالة حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، إزالة أو رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، قلنا لكم هذا.
* طالب: خمس رضعات يحرمن[[ أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤) من حديث عائشة ولفظه: كان فيما أُنْزِل من من القرآن عَشْرُ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحرّمن، ثم نُسخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتُوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يُقرأ من القرآن.]].
* الشيخ: تأكد.
* طالب: (...) لفظها وحكمها كله.
* الشيخ: إي نعم الخمس.
* طالب: الخمس.
* الشيخ: الظاهر أن الجماعة ما يوافقونك، (...)؟
* طلبة: العشر.
* الشيخ: العشر، الخمسة حكمها باقي.
* طالب: العشر من الأول.
* طالب: إي، من الأول.
* الشيخ: هل النسخ جائز عقلًا واقع شرعًا أو لا؟
* طالب: واقع.
* الشيخ: واقع شرعًا، ويش الدليل؟
* طالب: الدليل ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
* الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة ١٠٦].
وهل هو جائز عقلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: فهمتم الآن؟ بعض العلماء يقول: ما هو جائز عقلًا وهذا خطأ؛ لأن ما وقع شرعًا فهو جائز عقلًا بلا شك، الشرع ما يأتي بالمحال، لكن نحن نقول: جائز عقلًا، بل واجب عقلًا، وجهه؟ أن النسخ يعتبر فيه تطور المحكوم عليه، ومدى تقبله للحكم، وكون هذا الحكم في هذا الزمان بالوقت بالذات مصلحة، وفي الزمن الأول ليس مصلحة، وليس يلزم منه -كما قيل- تجدد علم الله، هذا مستحيل، بل الحكم تغير؛ لاختلاف المصلحة، إما بتغير الزمان أو بتغير حال المحكوم عليه أو بتغير المكان أيضًا.
* طالب: لماذا لا نقول: سمعي، وليس بعقلي؟
* الشيخ: لا، نقول: عقلي أيضًا.
* الطالب: يا شيخ، يجيبون عن هذا يقولون مثلًا: الحالة التي أوجبت الحكم الأول قد تتجدد، قد تحدث مرة ثانية.
* الشيخ: نعم، إذا حدثت ثبت.
* الطالب: يعني مثلًا نكاح المتعة اللي أبيح في حال المشقة يمكن يجيء حال أشق منها على هذه الأمة؟
* الشيخ: إي نعم، يمكن أن يجيء حال أشق، ولولا أن الرسول قال: «إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٠٦ / ٢٨) من حديث سبرة بن معبد بلفظ: «أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».]] لقلنا بها، ولهذا رأي ابن عباس رضي الله عنه أنها جائزة للضرورة.
* الطالب: إذا قلنا (...) ما أدخلوا علينا من هذا الباب.
* الشيخ: لا، يُدْخلون علينا، يقول؛ لأن المصلحة اقتضت الآن اتضحت أنه محرم ممنوع إلى يوم القيامة، ولا يمكن يكون فيه مصلحة إطلاقًا في المستقبل.
* الطالب: كان فيه مصلحة في السابق؟
* الشيخ: إي نعم، فيه مصلحة.
* الطالب: هذا وهم.
* الشيخ: لكن الله يعلم أن المصلحة بعد هذا الوقت ما يمكن تحدث أبدًا، ما يمكن تحدث؛ لأننا لو لم نقل بذلك لزم أن تكون أحكام الله سبحانه وتعالى غير تابعة للمصالح.
* الطالب: لا، مش كل الأحكام تعبدية.
* الشيخ: يا سلام، المنسوخات كلها تجد أنها موافقة للحكمة، إذا وجدنا مثلًا نسخ الخمر، وجدنا أنه متطور، إيجاب الصلاة وجدنا أنه متطور، إيجاب الصيام وجدنا أنه متطور، وهكذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة للخمر، لو قلنا بالمصلحة قلنا: لو أسلم واحد بيديم على الخمر لتدرجنا معه؟
* الشيخ: نعم، ربما نقول بهذا، لو فرضنا لو منعناه من الخمر حالًا أنه ينفر من الإسلام، ويرجع إلى دينه، ممكن أن نقول: نعامله بالأهم فالأهم، إحنا نرى هذا، نرى التطور في الدعوة حتى في الوقت الحاضر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة ١١٩] الباء هنا أيش معناها؟
* طالب: للمصاحبة.
* الشيخ: المصاحبة، وكيف إرساله بالحق؟ هل المعنى أن رسالته حق؟ أو أن ما أرسل به حق؟
* طالب: كلا المعنيين.
* الشيخ: كلا المعنيين؟ يعني: ونأخذ بواحد ولَّا بالمعنيين جميعًا؟
* طالب: بالمعنيين جميعًا.
* الشيخ: طيب، جميل، ويش إعراب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أين؟
* طالب: حال من ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من كل ها الدنيا؟
* طالب: لا، ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ جميع، فعل وفاعل ومفعول؟
* طالب: لا، (أرسلنا).
* الشيخ: من الفعل؟
* طالب: إي.
* الشيخ: لا، ما يصلح.
* طالب: من الكاف.
* الشيخ: من الكاف؟ صح.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، ما معنى الاستفهام هنا؟
* طالب: لا أظلم.
* الشيخ: لا أحد أظلم، يعني بمعنى أيش؟ لا أظلم، ويش معناه؟ (لا)، ويش تعربها؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، إذن فالاستفهام بمعنى النفي. ما هي البلاغة في كون الاستفهام يأتي بمعنى النفي؟
* طالب: هنا توكيد عظم هذا الأمر.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنه يكون مشربًا بالتحدي.
* الشيخ: مشربًا بمعنى التحدي، يعني: كأن لقوة النفي كأنه قيل: من أظلم؟ أخبروني، إن كان هنا أحد أظلم هاتوه، فهو مشرب بمعنى التحدي.
قوله: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ ترد في القرآن كثير ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]، وما أشبه ذلك، كيف نجمع بينها؟
* طالب: هذه للتوكيد.
* الشيخ: إي نعم، لكن هنا ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني: ما هنا أحد أظلم منه، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني ما هنا أحد أظلم منه أيش (...)؟
* طالب: كلهم ظالمين.
* الشيخ: كلهم ظالمين، يعني.
* طالب: اللي يعمى عن الشهادة ظالم.
* الشيخ: كلهم ظالمين، لكن هنا (أظلم)، يعني: أعظم ظلمًا، ومن أعظم ظلمًا ممن منع مساجد الله، لا أحد أعظم منه ظلمًا، لا أحد أعظم ظلمًا ممن افترى على الله كذبًا.
* طالب: يدخل فيها..
* الشيخ: أحد يعرف؟
* طالب: (من)، تقدير (من).
* الشيخ: شو تقدير (من)؟
* طالب: يعني: فمن أعظم، لا أحد أعظم، أي: ما في أحد أعظم.
* الشيخ: اللي يمكن تقدر (من) غيرها يصير.
* طالب: أو (من)، تبعيض.
* الشيخ: لا.
* طالب: لا أحد أكبر منه في هذا الجانب.
* الشيخ: في افتراء الكذب على الغير، ما هنا أحد أظلم ممن يفتري على الله، فالذي يفتري على غير الله أهون منه، هذا وجهه، يعني: تنزل كل آية على المعنى الخاص بها، فمن منع أحدًا أن يدخل بيتًا، أعظم المانعين لدخول البيوت الذين يمنعون مساجد الله، الذين يكذبون على غيرهم أعظمهم الذي يكذب على الله، فتكون الجهة هنا منفكة. جواب آخر؟
* طالب: إنها تكون في منزلة واحدة.
* الشيخ: نعم.
* طالب: يعني باعتبار أن هذا ليس فيه نفي إلا أحدًا يماثل الظلم.
* الشيخ: إي، يعني النفي؛ لا أحد أظلم منه.
* طالب: لا أظلم منه.
* الشيخ: وليس فيه نفي المساواة، يكون المعنى أنهم كلهم اشتركوا في الأظلمية.
* طالب: على مرتبة سواء.
* الشيخ: على مرتبة سواء، لكن المعنى الأول أدق؛ لأنه ليس من يفتري على الله كذبًا يساوي من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، بل لكل شيء جهته.
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة ١١٧]، أيش معنى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾؟
* طالب: أنشأها على غير مثال سابق.
* الشيخ: إذن (بديع) بمعنى؟
* طالب: مبدع.
* الشيخ: مبدع، هل تأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟ لأن المعروف أن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)؟
* طالب: تأتي.
* الشيخ: مثل؟
* طالب: عَلِيم بمعنى مُعْلِم، سَمِيع بمعنى مُسْمِع.
* الشيخ: تجبها من عندك؟ أجل قَدِير بمعنى مُقْدِر، وجَمِيل بمعنى مُجْمِل، وحَكِيم بمعنى مُحْكِم، شيء بين، من كلام العرب.
* طالب: سميع بمعنى مسمع؟
* الشيخ: مثل؟
* طالب: شاهد، من كلام العرب؟
* الشيخ: من كلام العرب أو من القرآن.
* طالب: مثل قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِـــــــــــي وَأَصْحَابِـــــــيهُجُـــــــوعُ * الشيخ: نعم، هذا شاهد، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى؟
* الطلبة: مؤلم.
* الشيخ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، فبديع هنا بمعنى مبدع، وله شواهد في اللغة العربية وفي القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما معنى (إذا قضى)؟
* طالب: أي: إذا أراد قضاها.
* الشيخ: إذا أراد قضاها، وهل يعبر بالفعل عن إرادته؟ هل جاء التعبير عن الفعل باعتبار إرادته؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: مثل؟
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦].
* الشيخ: أي؟
* الطالب: أي: إذا أردتم الصلاة.
* الشيخ: وغيرها؟ ما فيه شاهد؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي؟
* طالب: إذا أردت القراءة.
* الشيخ: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥ / ١٢٢) من حديث أنس، واللفظ لمسلم.]] أي: أراد الدخول.
استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ بأن الكفر ملة واحدة وأن اليهودي يرث من النصراني وبالعكس، ما رأيك في هذا الاستدلال؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذنا فوائدها؟ عجيب، من ﴿وَلَنْ تَرْضَى﴾؟
* طالب: إي نعم.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٠].
لماذا لم يقل: تجدونه؟
* طالب: جواب (ما) الشرطية.
* الشيخ: جواب ما الشرطية، وجواب الشرط يكون؟
* طالب: مجزومًا.
* الشيخ: مجزومًا، نعم (...).
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: عناد اليهود والنصارى؛ حيث لا يرضون عن أحد إلا أن يتبع دينهم.
* ويستفاد منها أيضًا: أن من كان لا يرضى إلا بذلك فسيحاول إدخال غير اليهود والنصارى لليهودية والنصرانية.
* ومن فوائدها: الحذر من اليهود والنصارى؛ إذ لا يرضون لأحد حتى يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا.
* ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ وهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة، أما باعتبار أنواعه فإنه ملل، اليهودية ملة، والنصرانية ملة، والبوذية ملة، وهكذا بقية الملل، لكن كل هذه الملل باعتبار مضادتها للإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر، فتكون جنسًا، والملل أنواعًا.
* ومنها: الرد على أهل الكفر بهذه الكلمة ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، والمعنى: إن كان معكم هدى الله فأنتم مهتدون، وإلا فأنتم ضالون.
* ومنها: أن البدع ضلالة؛ لقوله: ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (وهو) هنا ضمير فصل كما مر علينا وتفيد حصر الهدى بأي شيء؟ بهدى الله، إذن فالبدع ليست هدى ﴿مَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢] فعليه يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن جميع البدع ضلالة كما ثبت بذلك الحديث عن الرسول ﷺ[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر. ]].
* ومنها: تحريم اتباع أهواء اليهود والنصارى؛ لقوله:﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس دينًا، بل هو هوى؛ لقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾، ولم يقل: ملتهم كما قال بالأول، في الأول قال: ﴿لَنْ تَرْضَى﴾ ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾؛ لأنهم يعتقدون هم أنهم على ملة ودين، لكن ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ بيَّن الله أن هذا ليس بدين ولا ملة، بل هو هوى وليس هدى.
* ومنها: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أضل وأشد ضلالًا؛ لقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن من أراد الله به سوءًا فلا مرد له؛ لقوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفًا ورجاء؛ لأنك متى علمت ذلك أنه ليس لك ولي ولا نصير، فأين يتعلق قلبك؟ بالله أو بمن سواه؟ بالله، فلا تُعَلِّق قلبك أيها المسلم إلا بربك.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: منة الله سبحانه وتعالى على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته.
* ومن فوائدها: أنه ليس مجرد إتيان الكتاب فضيلة للإنسان، بل الفضيلة بتلاوته.
* ومنها: أن للإيمان بالشيء علامة، الإيمان له علامة، وعلامته العمل؛ لقوله لما قال: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن من خالف القرآن في شيء كان ذلك دليلًا على نقص إيمانه، من أين تؤخذ؟ لقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، فمعنى ذلك: إذا لم يتلوه حق تلاوته ما آمنوا به، نقص من إيمانهم بقدر ما نقص من تلاوتهم له.
* ومنها: أن تلاوة القرآن نوعان: تلاوة حق، وتلاوة ناقصة ما هي حقيقة، فالتلاوة الحق أن يكون الإنسان تاليًا للفظه ولمعناه، عاملًا بأحكامه، مصدقًا بأخباره، كل الأربعة التي مرت علينا هذه تلاوته حق تلاوته.
* من فوائد الآية: أن الكافر بالقرآن مهما بلغ من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وكيف يكون خاسرًا وهو قد حصل له أموال، وبنون، ومراكب ضخمة، وقصور مَشِيدَة؟ لأن هذه كلها سوف تذهب وتزول، أو هو يزول عنها ولا تنفعه، فإذن يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ٩] ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح، قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، يعني: ولو ربحوا.
ثم قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: تذكير بني إسرائيل بنعمة الله عليهم؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومنها: أن ذكر النعمة ليس معناه أن يتذكرها الإنسان بقلبه، بل معناه أن يقوم الإنسان بشكرها، مجرد أنه يذكر أن الله أنعم عليه ما يكفي هذا، لا بد أن يقوم بالشكر، وهذا هو الذي أمر الله به بني إسرائيل.
* ومنها: أن النعمة من الله وحده؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان أحد له نعمة لقال الله تعالى؛ لأن مقتضى العدل أن يقول الله: ونعمة فلان بن فلان، كما قال لنبيه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* ومنها: تفاضل الناس عند الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وسبق لنا ماذا فضلهم الله به؛ جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين.
* ومنها: أن هذا التفضيل ليس على عمومه إلى يوم القيامة؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠] فيكون (العالمين) عامًّا أريد به الخاص، ما الذي أريد به يا إخوان؟
* الطلبة: عصرهم.
* الشيخ: عالم زمانهم.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: إثبات يوم القيامة.
* ويستفاد منها: أن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه.
* ومن فوائدها: أن ذلك اليوم لا تنفع نفس نفسًا شيئًا ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨].
ما ينفعك لا ابنك، ولا أبوك، ولا أختك، ولا أخوك.
* ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل، أي ما يَعْدِل به العذاب عن نفسه.
ومنها: ثبوت الشفاعة في ذلك اليوم، من أين نأخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن هذا نفي؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: إذن يقال: لا تنفعها شفاعة، ما قال: ما فيه شفاعة، لا تنفعها، إذن ففيه أصل الشفاعة، ففيه إثبات الشفاعة في ذلك اليوم، ولكنه مقيدة بشرطين: إِذْنُ الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨].
* ومنها: أنه لا ينصر أحد أحدًا من عذاب الله؛ لقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
* طالب: مناسبة قول الله تعالى قبل ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة ٤٨]، لكن هنا ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.
* الشيخ: التقديم والتأخير، المناسبة والله أعلم، الحكمة في هذا تنوع الأساليب فقط، ما يظهر لي غير هذا.
البقرة 2:123
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]﴾.
* الطالب: الأسلوب الطلبي ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾، والرسول (...)؟
* الشيخ: أسلوب طلبي؟
* الطالب: خبر طلبي، لو الرسول (...).
* الشيخ: إيه، لكنه أمامه من ينكر، فيثبت أمام هؤلاء المكذبين أنه أرسله، وقد ذكرنا لكم فيما قبل أنه قد يؤكد الشيء، لا باعتبار المخاطَب ولكن باعتبار أهميته، قد يؤكد الشيء باعتبار أهميته، فيقال الخبر ابتدائيًّا ويؤكد، ولكن باعتبار أهميته.
* طالب: حكم الواقف الذي يقول: القرآن كلام الله، ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق؟
* الشيخ: هؤلاء مبتدعة؛ لأن السلف قالوا: غير مخلوق، منزل غير مخلوق، فهؤلاء مخالفون للسلف.
* الطالب: ما نجعلهم مثل الجهمية؟
* الشيخ: لا؛ لأن الجهمية يصرحون بأنه مخلوق.
* الطالب: الإمام أحمد قال: هؤلاء جهمية؟
* الشيخ: لا يعني ما هم جهمية، وربما أن الإمام أحمد رحمه الله يقول: هؤلاء يشير إلى قوم معينين؛ يعني فيه ناس معينين يتسترون، إذا سئلوا يقولون: ما نقول كذا ولا كذا، والإمام أحمد يفهم من هؤلاء أنهم كانوا يقولون: بأنه مخلوق، لكن يتسترون بإظهار التوقف، فالواقفة قد يكون في بعض الأوقات مثل المنافقين يتسترون بالإخفاء، أما بالنظر إلى نفس القول بغير اعتبار القائل فلا شك أن الذي يقف ليس مثل الذي يقول: إنه مخلوق؛ لأن المراتب ثلاثة: من يقول إنه مخلوق، ومن يقول إنه غير مخلوق، ومن يقف، قد يكون توقفه لعدم ظهور الدليل عنده مثلًا، فلا يمكن أن نجعل من قال: إنه مخلوق، أو من سكت كمن قال: إنه مخلوق.
* طالب: لكن ابن القيم في النونية ذكر أن الواقفة شر من (...)؟
* طالب آخر: يعني المفوضة (...).
* الشيخ: لا لا، المفوضة في جميع الصفات، المفوضة ذكر شيخ الإسلام إن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، اللي يقولون: إننا نفوض المعنى في صفات الله كلها، ولا شك أن دولا قولهم من شر أقوال أهل البدع.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ حكم على هؤلاء الذين يعني قالوا هذه الأشياء بأنهم أصحاب الجحيم لهذا في الآية كأنه يعني يشير للنبي ﷺ أنه لا خير فيهم، فلا داعي من دعوتهم؛ لأنه حكم على من قال بهذا أنه (...) من أصحاب الجحيم كان حكم (...)؟
* الشيخ: يحتمل ما قلت وأنهم لما أيس منهم أمر بتركهم، أو يحتمل أنه مثل قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧] يعني معناها لا تحزن من هذا، ولا تتبع نفسك إياهم فإنك غير مسؤول عنهم، أو يسليه بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ يعني: فإنهم وإن كذبوك وضيقوا صدرك وأحزنوك فلا تَسأل عنهم سنعذبهم، إنما ما في الآية يعني دليل لا يحتمل غيره أن المراد: أعْرِض عنهم، هي صحيح تحتمل ما قلت عن الرسول، أن الله يقول: اتركهم ولا تسأل عنهم، لكن يحتمل معنى آخر أن هذا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، لأجل أن لا يحزن ولا يضيق بهم.
* الطالب: يعني هو يا شيخ رتب هذه الأشياء ثم قال إنهم من أصحاب الجحيم؟
* الشيخ: إي نعم، قال: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣] يعني معناه تسلية له المعنى لا..
صلي الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون لكل من يصح منه الخطاب؛ يعني: لن ترضى عنك أيها المؤمن.
وقوله: ﴿الْيَهُود﴾ هم أتباع موسى الذين ينتسبون إليه، مأخوذة إما من يهوذا جدهم نسبوا إليه، وإما من الهَوْد وهو الرجوع؛ لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦].
وأما النصارى فإنه مأخوذ من بلد يسمى نَصْران معروف في فلسطين ينتسبون إليه، وقيل: من النُّصرة؛ لأنهم نصروا عيسى عليه الصلاة والسلام؛ فسموا بهذا الاسم، وهم الذين ينتسبون إلى عيسى بن مريم.
* طالب: نصران ولا ناصرة، يا شيخ؟
* الشيخ: نصران، وفيه بلد تسمى ناصرة ما أدري هم ينسبون إليها، ولَّا إلى الثانية، لكن المعروف عندي أنها نصران، وهم ينتسبون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام وتسموا أخيرًا بالمسيحيين؛ لأجل أن يعطوا أنفسهم صبغة المشروعية، ولكن المسيح عيسى بن مريم بريء منهم لو خرج لقاتلهم؛ لأنهم كافرون به كما هم كافرون بمحمد ﷺ.
يقول: ﴿لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى﴾ [البقرة ١٢٠].
وقوله: ﴿وَلَا النَّصَارَى﴾ (لا) هنا للتوكيد، وليست مستقلة، فإنه لو حذفت وقيل: ولن ترضى عنك اليهود والنصارى لاستقام الكلام، لكنها زيدت للتوكيد؛ لأجل أن لا يظن الظان أن المراد: أن الجميع لا يرضون مجتمعين؛ لأنه لو قال: لن ترضى عنك اليهود والنصارى لظن الظانُّ أنهم لن يرضوا في حال اجتماعهم، مع أن الواقع أن كل طائفة لن ترضى.
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (حتى) حرف غاية، وهي تنصب المضارع بنفسها عند الكوفيين، وعلى تقدير (أن) عند البصريين.
﴿تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الملة: الدين، أي: دينهم الذي كانوا عليه، فاليهود لن يرضوا عنك حتى تكون يهوديًّا، والنصارى لن يرضوا عنك حتى تكون نصرانيًّا.
ولكن ما هو الجواب الوحيد لهؤلاء الذين يقولون: إنك يا محمد، لا نرضى بك حتى تتبع ملتنا؟
الجواب: قوله ﴿قُلْ﴾ مجيبًا لهم في عدم رضاهم: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، وليس الهدى ما أنتم عليه، بل إن هدى الله وحده، لا الهدى الذي تزعمون أنكم عليه.
﴿هُوَ الْهُدَى﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، وقد تكرر علينا أن لضمير الفصل ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: بيان أن ما بعده خبر لا صفة، فعلى هذا يكون هذا الضمير لا محل له من الإعراب، ويكون قوله: ﴿الْهُدَى﴾ خبر (إن)، وأما اسمها فهو قوله: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ وما عداه فهو ضلال، قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، فكل ما لا يوافق هدى الله فإنه ضلال، وليس ثمة واسطة بين هدى الله والضلال.
ثم قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه، ولكن الأقرب رجوعه للرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الجملة هذه فيها شرط وقسم، وإذا اجتمعا أي الشرط والقسم، فإنه يحذف جواب المؤخر منهما، قال ابن مالك في الألفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهُـــــــــــــــــــوَمُلْتَزَمْ
وين القسم؟ القسم هو الذي دل عليه اللام في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ إذ إن التقدير: والله لئن اتبعت، وأين الشرط؟
* طالب: (إنْ).
* الشيخ: (إنْ)، الجواب: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿مَا لَكَ﴾ هذا جواب القسم، لو كان جواب الشرط لوجب اقتران الفاء به؛ لأنه نفي، ولكنه كان جوابًا للشرط فلم تقترن به الفاء، أو جوابًا للقسم فلم تقترن به الفاء، أين جواب الشرط؟ قيل: إنه محذوف دل عليه جواب القسم، وقيل: إنه لا يُحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، وهذا القول هو الراجح أنه لا يحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، والدليل على ذلك أنه لم يأت مذكورًا في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية، فإذا كان لم يأت في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية دل على أن الكلام مستغنٍ عنه وأنه لا حاجة له.
قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ شوف، قال: ﴿مِلَّتَهُم﴾ ثم قال: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ لأن هذه الملة التي هم عليها ليست ملة هدى، ولكنها ملة هوى؛ ولهذا قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ لأنهم على هوى، وليسوا على هدى إذ لو كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم، ولوجب عليهم جميعًا أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، لكن دينهم هوى وليس هدى، وهكذا كل إنسان يتبع غير ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتعصب له فإننا نقول: إن ملتك هوى، وليست هدى.
وقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي ﷺ سواء كان القرآن أو السنة.
وقوله: ﴿جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هل هو علم الذي جاء الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم، علم، فإن الله يقول له: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨] الرسول ما كان عالمًا، كان نبيًّا أميًّا عليه الصلاة والسلام ما يعلم، لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله أنزل عليه هذا العلم حتى صار بذلك نبيًّا جاء بالعلم النافع والعمل الصالح.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (ما لك من ولي) ما إعرابه؟ ويش إعراب (ما)؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، إي ﴿مَا لَكَ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ إعرابه؟
* طالب: حرف جر.
* الشيخ: حرف جر، و﴿وَلِيٍّ﴾؟
* طالب: مجرور.
* الشيخ: مجرور؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش محلها من الإعراب ﴿وَلِيٍّ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما لها محل من الإعراب؟ يعني هو مفعول به مثلًا، عامل بالشيء؟ ويش محله من الإعراب؟
* طالب: مجرور لفظًا مرفوع محلًا.
* الشيخ: أيش معناه من الإعراب؟
* طالب: على أنه مبتدأ.
* الشيخ: على أنه مبتدأ، صح.
﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ وأصلها: ما لك من الله وليٌّ، و﴿لَكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، وجملة ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب؟
* الطلبة: جواب القسم.
* الشيخ: لأنها جواب القسم.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ أما اسم الله سبحانه تعالى فقد تقدم الكلام عليه، ومعناه واشتقاقه.
وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ الولي هو الذي يتولى غيره بحفظه وصيانته، فالمعنى ما أحد يتولى حفظك سوى الله عز وجل، ولا أحد يتولى نصرك ولا نصير فيدفع عنك، وحينئذ تنزل بك عقوبة الله حتى لو كثر الجنود عندك، ولو كثرت الشُّرَط، ولو كثرت القوة فإنك إذا اتبعت غير شريعة الله ما أحد يحفظك من الله، ولا أحد ينصرك من دونه؛ لأن النصر والولاية تكون بالهداية باتباع هدى الله عز وجل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام ٨٢] فالأمن إنما يكون بالإيمان، وعدم الظلم، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* طالب: شيخ ﴿وَلِيٍّ﴾ مصدر (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو مصدر، (ولي) هذه على وزن (فعيل) من الولاية.
* طالب: شيخ، القيد هنا ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ له مفهوم؟
* الشيخ: إي، له مفهوم؛ لأن الرسول ﷺ كان قبل أن ينهى عن متابعتهم كان يحب موافقة أهل الكتاب فلما أُمر بمخالفتهم صار ما يتمكن لمخالفتهم.
* طالب: من ناحية أصولية الذي يتبع (...) معذور..؟
* الشيخ: نعم، اللي يتبع غير الإسلام بدون علم فهو معذور، لكنه إذا كان مفرطًّا، وهذه ستأتينا في الفوائد تأتينا في فوائد الآية إن شاء الله.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة ١٢١]، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ مبتدأ، و﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قيل: إنها خبر مبتدأ، وعلى هذا فتكون الجملة الثانية: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تكون استئنافية.
وقيل: إن قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ جملة حالية، وأن ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الجملة خبر المبتدأ، نشوف بالمعنى أيهم أرجح.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أعطيناهم الكتاب، والإيتاء هنا إيتاء شرعي ولَّا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: أو كله؟ إيتاء شرعي كوني؛ لأن الله قدر أن يعطيهم الكتاب فأعطاهم إياه، وهو أيضًا إيتاء شرعي؛ لأنه فيه الشرائع والبيان، والمراد بمن آتاهم الكتاب إما هذه الأمة أو هي وغيرها، وهذا هو الأرجح أنه شامل لكل من آتاه الله الكتاب، والكتاب المراد به الجنس فيشمل القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله عز وجل.
وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿يَتْلُونَهُ﴾ التلاوة تطلق على تلاوة اللفظ وهي القراءة، وعلى تلاوة المعنى وهو التفسير، وعلى تلاوة الحكم أي: اتباعه وهو الاتباع، فالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ، تلاوة المعنى يعني الإنسان يتبع المعنى ولا يحرفه، وعلى تلاوة الحكم وهو اتباع الحكم، هذه المعانى الثلاثة للتلاوة داخلة في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ التلاوة اللفظية أن يقرأ القرآن باللفظ الذي يجب أن يكون عليه، يكون معربًا كما جاء معربًا ما يغير، فلا يقول مثلًا: الْحَمْدَ للهِ ربَّ العالمين، هذا ما تلاه حق تلاوته بل يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بدون تغيير؛ لأنه نزل هكذا فوجب أن يتلى هكذا، التلاوة المعنوية أن يفسره بحسب ما أراد الله ورسوله، فيقول مثلًا: المراد بالآية كذا على حسب ما أراد الله، ونحن نعلم مراد الله بها بأي طريق؟ هل الله يقول: أردت بكلامي كذا؟ الجواب: لا، ما قال ذلك، لكنه قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥].
فنحن نعلم ما يريد الله تعالى بهذا القرآن؛ لأنه جاء باللغة العربية، وهذا المعنى في اللغة العربية هو ما يقتضيه هذا اللفظ أو هذا السياق، فنكون بذلك قد علمنا معنى كلام الله عز وجل، هذه تلاوة المعنى.
تلاوة الحكم: امتثال الأوامر واجتناب النواهي والإقرار بالأخبار، هذه تلاوة الحكم أن تتبع ما حكم به هذا القرآن، وتُقِر بما أخبر به، تفعل، أيش تفعل؟ وتترك النواهي وتصدق بالأخبار، فتكون الآن تاليًا حق التلاوة، فإن استكبرت أو جحدت فإنك لم تتلوه حق تلاوته.
وفي قوله: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هذا من باب إضافة الوصف إلى موصوفه، يعني: التلاوة الحق، يعني تلاوة الجد والثبات وعدم الانحراف يمينًا وشمالًا، وهو من حيث الإعراب مفعول مطلق؛ لأنه مضاف إلى المصدر، مثل قوله في الألفية:
..................... ∗∗∗ كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ............ هنا اتلو حق تلاوته ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة تعود إلى الذين أوتوا الكتاب، أوتوا الكتاب وهم يتلونه حق التلاوة، يعني: أولئك المتصفون بهذا الوصف الذين يتلون الكتاب حق تلاوته يؤمنون به، وأما من لم يتلوه حق تلاوته فليس مؤمنًا به، بل عنده من نقص الإيمان بقدر ما عنده من المخالفة، فالإيمان يزيد وينقص؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وفي الإشارة إليهم بلفظ البعيد دليل على علو مرتبتهم كقوله في أول سورة البقرة: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٥] فهذا دليل على علو منزلتهم ومرتبتهم.
قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، لكنه في الشرع تصديق مقيد بالقبول والإذعان، فلا يكفي التصديق وحده، بل لا بد من القبول والإذعان، والدليل على ذلك أن أبا طالب لا يسمى مؤمنًا، مع أنه مصدق ومعترف، لكنه فاته القبول والإذعان، فكون الإنسان يصدِّق ما يقال: مؤمن، ولقد فرح بعض الناس بجاجرين، جاجرين أظنكم تذكرونه؟ رجل من الروس هو أول من صعد إلى القمر، أظن هكذا وقال: أنا أعترف الآن أن هذا الخلق له خالق مدبر. ففرح الناس فرحًا عظيمًا، إنه آمن الرجل، هل هذا إيمان؟ أبدًا، ما آمن؛ لأن هذا مجرد استنتاج عقلي كل إنسان عاقل يعرفه، يعرف أن هذا الكون العظيم المنظم البديع يعرف أن له خالقًا مدبرًا منظمًا كما نعرف أن لهذا المسجد من بناه، ونعرف أن لهذا النور من أضاءه وهكذا، فالحاصل أن هذا ليس بإيمان، مجرد الاعتراف بالله سبحانه وتعالى لا يعد إيمانًا، ولا بالرسول ﷺ، المنافقون يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون 1]، ولكن مع هذا إن كانوا صادقين في شهادتهم، لكن الله كذبهم يكذبون، يقولون: نشهد وهم كاذبون؛ لأن ما عندهم انقياد ولا قبول، بل قلوبهم منكرة -والعياذ بالله- إذن ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأنهم ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، فمن لم يتلو القرآن حق تلاوته بالمعاني الثلاثة التي ذكرنا، فإنه ناقص الإيمان، وقد يفقده بالكلية.
قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* طالب: إذن ما هو الخبر يا شيخ؟
* الشيخ: ذكرنا أن الخبر فيه رأيان للعلماء: رأي ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، ورأي آخر ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وعلى هذا الرأي الأخير تكون ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ جملة حالية، يعني: الذين آتيناهم الكتاب حال كونهم يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، فيكون الحكم عليهم بالإيمان به مشروطًا بوصفهم بتلاوته إياه حق تلاوته، فالجملة على هذا الإعراب واحدة، لكن المبتدأ مقيد، أما على الرأي الثاني فالكلام جملتان:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولكن الأقرب الإعراب الأول؛ لأنه الكلام هنا على الإيمان بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ما يؤمن به إلا من يتلو الكتاب حق تلاوته سواء التوراة أو الإنجيل أو القرآن، ما يؤمن به حق الإيمان إلا من يتلوه حق التلاوة، وعلى هذا فقَيْد الذين آتيناهم الكتاب بكونهم يتلونه حق التلاوة أحسن، يعني: أنه من أوتي الكتاب، وصار على هذا الوصف يتلوه حق تلاوته فهو الذي يؤمن به.
* طالب: هل ينظر لإعراب قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ خبر يشكل، لكنه قدم أوتوا الكتاب من لا يتلوه حق التلاوة (...)؟
* الشيخ: لا لا، ما هو بخبر (...) خبر محض، هذا أيضًا مما يقوي أن جملة ﴿يَتْلُونَهُ﴾ حال.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* طالب: شيخ ما يصلح أن يكون خبرًا ثانيًا (أولئك)؟
* الشيخ: لا لا، مسألة إنه خبر ثاني أو جملة مستأنفة هذه متفرع عن قولنا: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هو الخبر.
* طالب: إذا كان هو الخبر؟
* الشيخ: الأرجح أنه يكون حالًا.
* طالب: ما يصلح أن يكون هو الخبر.
* الشيخ: أقول: الأرجح أنه يكون حالًا، وكونه خبرًا مرجوح.
قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية جازمة هنا أو لا؟ ﴿يَكْفُرْ﴾ مجزوم، ﴿بِهِ﴾ أي: بالكتاب ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، الجملة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هي جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا كانت جوابًا للشرط وجب اقترانها بالفاء كأخواتها المذكورة في البيت:
اسْمِيَّـــــــــــــةٌ طَــــــــلَبِيَّةٌوَبِجَــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ هذه السبعة إذا جاءت جوابًا للشرط فإنه يقترن بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ما قال: ومن يكفر به فقد خسر، بل أتى بالجملة الاسمية المفيدة شنو؟ للثبوت والاستمرار، وأتى بضمير الفصل في قوله: ﴿هُمُ﴾ لإفادة الحصر والتوكيد يعني فأولئك الذين كفروا به هم الخاسرون لا غيرهم، وعليه فكل من ليس بمؤمن فهو خاسر، هذا الرجل عنده ملايين الدراهم، عنده سيارات، عنده عقارات، عنده بنون، عنده زوجات عنده أهل، عنده ملك، لكنه كافر ويش نقول؟ خاسر، هو خاسر، هو في الحقيقة لم يربح من هذا المال، ولا من الأولاد ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هذا المال ما ينفعه، بل سيكون حسرة عليه؛ لأنه سيفقده، سيفقده هو أو يفقد المال، يعني إما أن يموت عن المال، أو أن المال يفوت عنه.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ما معنى ﴿الْخَاسِرُونَ﴾؟ أصل الخسران النقص؛ ولهذا يقال: ربح، ويقال: في مقابله خسر، فهؤلاء هم الذين حصل عليهم النقص لا غيرهم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زائلة وفانية فلا تنفعهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٢٢].
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والمراد بـ(بنيه) هنا: كل من ينتسب إليه من ذكر أو أنثى؛ لأنه مر علينا في الوقت أن كلمة (بني) تختص بالذكور ما لم يكونوا قبيلة، فإن كانوا قبيلة شملت الذكر والأنثى.
وقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ التذكير هنا بالنعمة ليس لمجرد أن يذكر الإنسان أن الله أنعم عليه نعمة قبل، ولكن المراد أن يتخذ من هذه النعمة، أو من هذا التذكر للنعمة طريقًا إلى شكره، بامتثال أمره واجتناب نهيه، يعني: لا تنسَوْا ما أنعمت به عليكم فتكفروا برسول الله ﷺ، بل آمنوا به واتبعوه جزاء لهذه النعمة.
وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ هو مفرد مضاف فيشمل جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم، والله تعالى أنعم عليهم بنعم كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ هذا أيضًا من باب عطف الخاص على العام، وإلا فالتفضيل على العالمين لا شك أنه نعمة، لكنه لما كان مرتبة عالية، التفضيل على الناس خصه الله تعالى بالذكر.
وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ عليهم أي: جعلتكم أفضل منهم، وقد أشار موسى ﷺ إلى ذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠] هذا من تفضيله على العالمين.
وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ ماضية ولا حاضرة؟
* الطلبة: ماضية.
* الشيخ: إذن ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ماضٍ أيضًا، فالله تعالى فضلهم على العالمين حين أنعم عليهم، وذلك قبل أن توجد هذه الأمة، أما بعد وجود هذه الأمة فإن هذه الأمة أفضل، أفضل من بني إسرائيل كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ العالم من المراد بهم؟ المراد بهم ما سوى الله، وقد يراد بهم بنو آدم فقط، فهنا إن كان المراد بـ(العالمين) من سوى الله كان دليلًا على أن بني إسرائيل فُضلوا حتى على الملائكة، وإذا قلنا: المراد بالعالمين عالَم بني آدم الذين هم من جنسهم، صار لا يشمل الملائكة ولا الجن، وذلك لأن (العالم) قد يراد به ما سوى الله، وقد يراد به شيء مخصوص وهم بنو آدم إذا دل السياق عليه، كما تقول: عالم الحيوان، عالم الإنس، عالم الجن وتقول أخص من هذا: عالم البهائم، عالم الحشرات، عالم كذا.
وسُمي عالمًا؛ لأنه علم على خالقه سبحانه وتعالى، فإن هذه المخلوقات كلها فيها دليل وآيات عظيمة على وجود الله سبحانه وبحمده، فهي علم على وجود الله، وعلى ما تتضمنه هذه المخلوقات من بيان الرحمة والحكمة والنعمة.
* طالب: أي المعنيين أصح، العالمين؟
* الشيخ: الأقرب -والله أعلم- الأخير، العالم الخاص الذي من جنسه.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة ١٢٣].
﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيش معنى ﴿اتَّقُوا﴾؟ اتخذوا وقاية من العذاب الذي يقع فيه؛ لأن التقوى أصلها على حسب التصريف اللغوي أصلها (وَقْوَى) فقلبت الواو تاء فصارت (تقوى)، وهي من الوقاية، والممتثل لأوامر الله سبحانه تعالى لا شك أنه اتخذ وقاية من عذاب الله.
﴿اتَّقُوا يَوْمًا﴾ لا شك أنه لا يراد اتقوا يومًا أن لا يقع، فإن هذا اليوم لا بد أن يقع، لكن اتقوا ما يكون فيه من أين؟ من العذاب والنكال للمخالف، وقال: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئًا، لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسنسلم بهم من النار أو من عذاب هذا اليوم، لا، ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ إلا الوالد فيجزي عن ولده؟
* الطلبة: ما يجزي.
* الشيخ: ما يجزي؟ ولا المولود؟
* الطلبة: ولا المولود.
* الشيخ: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧].
والدليل على العموم أن قوله: ﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق؟
* طالب: النفي.
* الشيخ: النفي، فتكون؟
* طالب: للعموم.
* الشيخ: تكون للعموم، النكرة في سياق النفي والنهي والشرط والاستفهام الإنكاري تكون للعموم، فهنا النكرة في سياق النفي فتكون للعموم، أي نفس ما تجزي عن نفس أخرى شيئًا، هذا النبي ﷺ لا يجزي عن أبيه شيئًا، قال للرجل: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٣ / ٢٤٧) من حديث أنس بن مالك، بلفظ:«إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».]]، ولا يجزي عن أمه شيئًا استأذن من الله عز وجل أن يستغفر لأمه فمنعه[[أخرجه مسلم (٩٧٦ / ١٠٥) من حديث أبي هريرة.]]، ومَن دون الرسول ﷺ من باب أولى.
فـ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي أيضًا، فتعم أي شيء، ولا يرد على هذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السنة، فإن هذه الآية مخصوصة بها.
وقال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ لا يقبل منها أي: من نفسٍ عدلٌ، والذي يقبل أو يرد من؟ الله سبحانه وتعالى، والعدل بمعنى المعادل، يعني: لو أتت بالفداء ما يقبل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٣٦] ولن يقبل الله منهم ذلك.
* طالب: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
* الشيخ: نعم ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٤٧].
على كل حال لو جاء هؤلاء بما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من العذاب ما نفعهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، فالعدل معناه الشيء المعادل كما قال الله تبارك وتعالى في سورة المائدة: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة ٩٥] ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: ما يعادله من الصيام، فالعدل إذن بمعنى المعادلة.
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ الشفاعة في اللغة العربية من الشِّفْع أو من الشَّفْع بالفتح، وهو ما يسمى بالزوج، يعني: الاثنين شفع؛ لأن كل واحد منهما شفع الآخر، فالشفاعة في اللغة العربية من الشَّفع وهو الزوج، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة: أن تتوسط لغيرك بجلب منفعة أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها، هذه بدفع مضرة، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، هذه في جلب منفعة، في هذا اليوم ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، و﴿شَفَاعَةٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم أي شفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨]، وهذه الآية الكريمة عامة، لكنها مخصوصة بما ثبتت به السنة من إثبات الشفاعة العامة والخاصة، فقد ثبت أن النبي ﷺ يشفع في أهل الموقف أن يقضى بينهم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك.]]، وثبت عنه أيضًا أنه يشفع في أهل الكبائر ألا يدخلوا النار، وفيمن دخل النار أن يخرج منها[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]]، فعلى هذا يكون العموم في قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ مخصوص بما ثبتت به السنة من أيش؟ الشفاعة.
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ كيف هم ينصرون مع أن السياق يرجع إلى مفرد، شوف ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ أي: النفس ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا﴾ أي: النفس، فمقتضى السياق أن يقول: ولا هي تنصر ولا هي -أي النفس- تنصر، فقال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ نقول: أعاد الضمير إليها باعتبار المعنى؛ لأنه ما دامت للعموم ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾، فالعموم يدل على الجمع وعلى الكثرة، فعاد الضمير إلى النفس باعتبار أيش؟
* الطلبة: المعنى.
* الشيخ: باعتبار المعنى ما هو باعتبار اللفظ، لا، لو كان باعتبار اللفظ، لقال: ولا هي تنصر، باعتبار المعنى لأن (نفس) عامة.
ثم إن هناك ملاحظة لفظية وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، ومراعاة الفواصل أمر ورد به القرآن حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل، تستحضرون هذا؟
* الطلبة: نعم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠].
* الشيخ: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ لأن سورة طه كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة، فمراعاة الفواصل إذن من بلاغة القرآن، فهنا نقول: إنه عبر بالجمع مراعاة للمعنى، هذا باعتبار المعنى، ومراعاة للفواصل باعتبار اللفظ.
* طالب: سؤال يا شيخ، في قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس ٣٤، ٣٥]. هنا قدم (أخيه) على (أمه وأبيه)؟
* الشيخ: لا، ما هو منها؛ لأنه ما تختلف الفواصل، لو قال: من أبيه وأمه وأخيه ما اختلف، لكن التقديم.
* طالب: الأخ على الأم والأب وبعده صاحبته وبنيه؟
* الشيخ: إي، بالترتيب؛ لأن كون الإنسان يألف أخاه أقل من كونه يألف أمه وأباه.
* طالب: (...) صاحبته وبنيه..؟
* الشيخ: إي صاحبته وبنيه ألصق من أمه وأبيه، أليس كذلك؟
* طالب: (...) إزالة دليل شرعي بدليل..؟
* الشيخ: قلنا: إزالة حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، إزالة أو رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، قلنا لكم هذا.
* طالب: خمس رضعات يحرمن[[ أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤) من حديث عائشة ولفظه: كان فيما أُنْزِل من من القرآن عَشْرُ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحرّمن، ثم نُسخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتُوفّي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يُقرأ من القرآن.]].
* الشيخ: تأكد.
* طالب: (...) لفظها وحكمها كله.
* الشيخ: إي نعم الخمس.
* طالب: الخمس.
* الشيخ: الظاهر أن الجماعة ما يوافقونك، (...)؟
* طلبة: العشر.
* الشيخ: العشر، الخمسة حكمها باقي.
* طالب: العشر من الأول.
* طالب: إي، من الأول.
* الشيخ: هل النسخ جائز عقلًا واقع شرعًا أو لا؟
* طالب: واقع.
* الشيخ: واقع شرعًا، ويش الدليل؟
* طالب: الدليل ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
* الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة ١٠٦].
وهل هو جائز عقلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: فهمتم الآن؟ بعض العلماء يقول: ما هو جائز عقلًا وهذا خطأ؛ لأن ما وقع شرعًا فهو جائز عقلًا بلا شك، الشرع ما يأتي بالمحال، لكن نحن نقول: جائز عقلًا، بل واجب عقلًا، وجهه؟ أن النسخ يعتبر فيه تطور المحكوم عليه، ومدى تقبله للحكم، وكون هذا الحكم في هذا الزمان بالوقت بالذات مصلحة، وفي الزمن الأول ليس مصلحة، وليس يلزم منه -كما قيل- تجدد علم الله، هذا مستحيل، بل الحكم تغير؛ لاختلاف المصلحة، إما بتغير الزمان أو بتغير حال المحكوم عليه أو بتغير المكان أيضًا.
* طالب: لماذا لا نقول: سمعي، وليس بعقلي؟
* الشيخ: لا، نقول: عقلي أيضًا.
* الطالب: يا شيخ، يجيبون عن هذا يقولون مثلًا: الحالة التي أوجبت الحكم الأول قد تتجدد، قد تحدث مرة ثانية.
* الشيخ: نعم، إذا حدثت ثبت.
* الطالب: يعني مثلًا نكاح المتعة اللي أبيح في حال المشقة يمكن يجيء حال أشق منها على هذه الأمة؟
* الشيخ: إي نعم، يمكن أن يجيء حال أشق، ولولا أن الرسول قال: «إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٠٦ / ٢٨) من حديث سبرة بن معبد بلفظ: «أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».]] لقلنا بها، ولهذا رأي ابن عباس رضي الله عنه أنها جائزة للضرورة.
* الطالب: إذا قلنا (...) ما أدخلوا علينا من هذا الباب.
* الشيخ: لا، يُدْخلون علينا، يقول؛ لأن المصلحة اقتضت الآن اتضحت أنه محرم ممنوع إلى يوم القيامة، ولا يمكن يكون فيه مصلحة إطلاقًا في المستقبل.
* الطالب: كان فيه مصلحة في السابق؟
* الشيخ: إي نعم، فيه مصلحة.
* الطالب: هذا وهم.
* الشيخ: لكن الله يعلم أن المصلحة بعد هذا الوقت ما يمكن تحدث أبدًا، ما يمكن تحدث؛ لأننا لو لم نقل بذلك لزم أن تكون أحكام الله سبحانه وتعالى غير تابعة للمصالح.
* الطالب: لا، مش كل الأحكام تعبدية.
* الشيخ: يا سلام، المنسوخات كلها تجد أنها موافقة للحكمة، إذا وجدنا مثلًا نسخ الخمر، وجدنا أنه متطور، إيجاب الصلاة وجدنا أنه متطور، إيجاب الصيام وجدنا أنه متطور، وهكذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة للخمر، لو قلنا بالمصلحة قلنا: لو أسلم واحد بيديم على الخمر لتدرجنا معه؟
* الشيخ: نعم، ربما نقول بهذا، لو فرضنا لو منعناه من الخمر حالًا أنه ينفر من الإسلام، ويرجع إلى دينه، ممكن أن نقول: نعامله بالأهم فالأهم، إحنا نرى هذا، نرى التطور في الدعوة حتى في الوقت الحاضر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة ١١٩] الباء هنا أيش معناها؟
* طالب: للمصاحبة.
* الشيخ: المصاحبة، وكيف إرساله بالحق؟ هل المعنى أن رسالته حق؟ أو أن ما أرسل به حق؟
* طالب: كلا المعنيين.
* الشيخ: كلا المعنيين؟ يعني: ونأخذ بواحد ولَّا بالمعنيين جميعًا؟
* طالب: بالمعنيين جميعًا.
* الشيخ: طيب، جميل، ويش إعراب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أين؟
* طالب: حال من ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من كل ها الدنيا؟
* طالب: لا، ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ جميع، فعل وفاعل ومفعول؟
* طالب: لا، (أرسلنا).
* الشيخ: من الفعل؟
* طالب: إي.
* الشيخ: لا، ما يصلح.
* طالب: من الكاف.
* الشيخ: من الكاف؟ صح.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، ما معنى الاستفهام هنا؟
* طالب: لا أظلم.
* الشيخ: لا أحد أظلم، يعني بمعنى أيش؟ لا أظلم، ويش معناه؟ (لا)، ويش تعربها؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، إذن فالاستفهام بمعنى النفي. ما هي البلاغة في كون الاستفهام يأتي بمعنى النفي؟
* طالب: هنا توكيد عظم هذا الأمر.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنه يكون مشربًا بالتحدي.
* الشيخ: مشربًا بمعنى التحدي، يعني: كأن لقوة النفي كأنه قيل: من أظلم؟ أخبروني، إن كان هنا أحد أظلم هاتوه، فهو مشرب بمعنى التحدي.
قوله: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ ترد في القرآن كثير ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]، وما أشبه ذلك، كيف نجمع بينها؟
* طالب: هذه للتوكيد.
* الشيخ: إي نعم، لكن هنا ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني: ما هنا أحد أظلم منه، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني ما هنا أحد أظلم منه أيش (...)؟
* طالب: كلهم ظالمين.
* الشيخ: كلهم ظالمين، يعني.
* طالب: اللي يعمى عن الشهادة ظالم.
* الشيخ: كلهم ظالمين، لكن هنا (أظلم)، يعني: أعظم ظلمًا، ومن أعظم ظلمًا ممن منع مساجد الله، لا أحد أعظم منه ظلمًا، لا أحد أعظم ظلمًا ممن افترى على الله كذبًا.
* طالب: يدخل فيها..
* الشيخ: أحد يعرف؟
* طالب: (من)، تقدير (من).
* الشيخ: شو تقدير (من)؟
* طالب: يعني: فمن أعظم، لا أحد أعظم، أي: ما في أحد أعظم.
* الشيخ: اللي يمكن تقدر (من) غيرها يصير.
* طالب: أو (من)، تبعيض.
* الشيخ: لا.
* طالب: لا أحد أكبر منه في هذا الجانب.
* الشيخ: في افتراء الكذب على الغير، ما هنا أحد أظلم ممن يفتري على الله، فالذي يفتري على غير الله أهون منه، هذا وجهه، يعني: تنزل كل آية على المعنى الخاص بها، فمن منع أحدًا أن يدخل بيتًا، أعظم المانعين لدخول البيوت الذين يمنعون مساجد الله، الذين يكذبون على غيرهم أعظمهم الذي يكذب على الله، فتكون الجهة هنا منفكة. جواب آخر؟
* طالب: إنها تكون في منزلة واحدة.
* الشيخ: نعم.
* طالب: يعني باعتبار أن هذا ليس فيه نفي إلا أحدًا يماثل الظلم.
* الشيخ: إي، يعني النفي؛ لا أحد أظلم منه.
* طالب: لا أظلم منه.
* الشيخ: وليس فيه نفي المساواة، يكون المعنى أنهم كلهم اشتركوا في الأظلمية.
* طالب: على مرتبة سواء.
* الشيخ: على مرتبة سواء، لكن المعنى الأول أدق؛ لأنه ليس من يفتري على الله كذبًا يساوي من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، بل لكل شيء جهته.
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة ١١٧]، أيش معنى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾؟
* طالب: أنشأها على غير مثال سابق.
* الشيخ: إذن (بديع) بمعنى؟
* طالب: مبدع.
* الشيخ: مبدع، هل تأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟ لأن المعروف أن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)؟
* طالب: تأتي.
* الشيخ: مثل؟
* طالب: عَلِيم بمعنى مُعْلِم، سَمِيع بمعنى مُسْمِع.
* الشيخ: تجبها من عندك؟ أجل قَدِير بمعنى مُقْدِر، وجَمِيل بمعنى مُجْمِل، وحَكِيم بمعنى مُحْكِم، شيء بين، من كلام العرب.
* طالب: سميع بمعنى مسمع؟
* الشيخ: مثل؟
* طالب: شاهد، من كلام العرب؟
* الشيخ: من كلام العرب أو من القرآن.
* طالب: مثل قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِـــــــــــي وَأَصْحَابِـــــــيهُجُـــــــوعُ * الشيخ: نعم، هذا شاهد، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى؟
* الطلبة: مؤلم.
* الشيخ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، فبديع هنا بمعنى مبدع، وله شواهد في اللغة العربية وفي القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما معنى (إذا قضى)؟
* طالب: أي: إذا أراد قضاها.
* الشيخ: إذا أراد قضاها، وهل يعبر بالفعل عن إرادته؟ هل جاء التعبير عن الفعل باعتبار إرادته؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: مثل؟
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦].
* الشيخ: أي؟
* الطالب: أي: إذا أردتم الصلاة.
* الشيخ: وغيرها؟ ما فيه شاهد؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨].
* الشيخ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي؟
* طالب: إذا أردت القراءة.
* الشيخ: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥ / ١٢٢) من حديث أنس، واللفظ لمسلم.]] أي: أراد الدخول.
استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ بأن الكفر ملة واحدة وأن اليهودي يرث من النصراني وبالعكس، ما رأيك في هذا الاستدلال؟
* طالب: ما أخذنا الفوائد.
* الشيخ: ما أخذنا فوائدها؟ عجيب، من ﴿وَلَنْ تَرْضَى﴾؟
* طالب: إي نعم.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٠].
لماذا لم يقل: تجدونه؟
* طالب: جواب (ما) الشرطية.
* الشيخ: جواب ما الشرطية، وجواب الشرط يكون؟
* طالب: مجزومًا.
* الشيخ: مجزومًا، نعم (...).
﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: عناد اليهود والنصارى؛ حيث لا يرضون عن أحد إلا أن يتبع دينهم.
* ويستفاد منها أيضًا: أن من كان لا يرضى إلا بذلك فسيحاول إدخال غير اليهود والنصارى لليهودية والنصرانية.
* ومن فوائدها: الحذر من اليهود والنصارى؛ إذ لا يرضون لأحد حتى يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا.
* ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ وهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة، أما باعتبار أنواعه فإنه ملل، اليهودية ملة، والنصرانية ملة، والبوذية ملة، وهكذا بقية الملل، لكن كل هذه الملل باعتبار مضادتها للإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر، فتكون جنسًا، والملل أنواعًا.
* ومنها: الرد على أهل الكفر بهذه الكلمة ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، والمعنى: إن كان معكم هدى الله فأنتم مهتدون، وإلا فأنتم ضالون.
* ومنها: أن البدع ضلالة؛ لقوله: ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (وهو) هنا ضمير فصل كما مر علينا وتفيد حصر الهدى بأي شيء؟ بهدى الله، إذن فالبدع ليست هدى ﴿مَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢] فعليه يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن جميع البدع ضلالة كما ثبت بذلك الحديث عن الرسول ﷺ[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر. ]].
* ومنها: تحريم اتباع أهواء اليهود والنصارى؛ لقوله:﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس دينًا، بل هو هوى؛ لقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾، ولم يقل: ملتهم كما قال بالأول، في الأول قال: ﴿لَنْ تَرْضَى﴾ ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾؛ لأنهم يعتقدون هم أنهم على ملة ودين، لكن ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ بيَّن الله أن هذا ليس بدين ولا ملة، بل هو هوى وليس هدى.
* ومنها: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أضل وأشد ضلالًا؛ لقوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن من أراد الله به سوءًا فلا مرد له؛ لقوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفًا ورجاء؛ لأنك متى علمت ذلك أنه ليس لك ولي ولا نصير، فأين يتعلق قلبك؟ بالله أو بمن سواه؟ بالله، فلا تُعَلِّق قلبك أيها المسلم إلا بربك.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: منة الله سبحانه وتعالى على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته.
* ومن فوائدها: أنه ليس مجرد إتيان الكتاب فضيلة للإنسان، بل الفضيلة بتلاوته.
* ومنها: أن للإيمان بالشيء علامة، الإيمان له علامة، وعلامته العمل؛ لقوله لما قال: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن من خالف القرآن في شيء كان ذلك دليلًا على نقص إيمانه، من أين تؤخذ؟ لقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، فمعنى ذلك: إذا لم يتلوه حق تلاوته ما آمنوا به، نقص من إيمانهم بقدر ما نقص من تلاوتهم له.
* ومنها: أن تلاوة القرآن نوعان: تلاوة حق، وتلاوة ناقصة ما هي حقيقة، فالتلاوة الحق أن يكون الإنسان تاليًا للفظه ولمعناه، عاملًا بأحكامه، مصدقًا بأخباره، كل الأربعة التي مرت علينا هذه تلاوته حق تلاوته.
* من فوائد الآية: أن الكافر بالقرآن مهما بلغ من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وكيف يكون خاسرًا وهو قد حصل له أموال، وبنون، ومراكب ضخمة، وقصور مَشِيدَة؟ لأن هذه كلها سوف تذهب وتزول، أو هو يزول عنها ولا تنفعه، فإذن يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ٩] ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح، قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، يعني: ولو ربحوا.
ثم قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: تذكير بني إسرائيل بنعمة الله عليهم؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومنها: أن ذكر النعمة ليس معناه أن يتذكرها الإنسان بقلبه، بل معناه أن يقوم الإنسان بشكرها، مجرد أنه يذكر أن الله أنعم عليه ما يكفي هذا، لا بد أن يقوم بالشكر، وهذا هو الذي أمر الله به بني إسرائيل.
* ومنها: أن النعمة من الله وحده؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان أحد له نعمة لقال الله تعالى؛ لأن مقتضى العدل أن يقول الله: ونعمة فلان بن فلان، كما قال لنبيه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* ومنها: تفاضل الناس عند الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وسبق لنا ماذا فضلهم الله به؛ جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين.
* ومنها: أن هذا التفضيل ليس على عمومه إلى يوم القيامة؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠] فيكون (العالمين) عامًّا أريد به الخاص، ما الذي أريد به يا إخوان؟
* الطلبة: عصرهم.
* الشيخ: عالم زمانهم.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: إثبات يوم القيامة.
* ويستفاد منها: أن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه.
* ومن فوائدها: أن ذلك اليوم لا تنفع نفس نفسًا شيئًا ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨].
ما ينفعك لا ابنك، ولا أبوك، ولا أختك، ولا أخوك.
* ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل، أي ما يَعْدِل به العذاب عن نفسه.
ومنها: ثبوت الشفاعة في ذلك اليوم، من أين نأخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن هذا نفي؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: إذن يقال: لا تنفعها شفاعة، ما قال: ما فيه شفاعة، لا تنفعها، إذن ففيه أصل الشفاعة، ففيه إثبات الشفاعة في ذلك اليوم، ولكنه مقيدة بشرطين: إِذْنُ الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨].
* ومنها: أنه لا ينصر أحد أحدًا من عذاب الله؛ لقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
* طالب: مناسبة قول الله تعالى قبل ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة ٤٨]، لكن هنا ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.
* الشيخ: التقديم والتأخير، المناسبة والله أعلم، الحكمة في هذا تنوع الأساليب فقط، ما يظهر لي غير هذا.
البقرة 2:124
ثم قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] من المبتلِي؟ الله، (إبراهيم) هو الذي يلي الفعل؟ وابن مالك يقول:
وَالْأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أَنْ يَتَّصِلَا ∗∗∗ وَالْأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلَاولكنه قال: ؎وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلَافِ الْأَصْلِ ∗∗∗ ......................... وهذا مما جاء على خلاف الأصل، فـ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعول مقدم، و﴿رَبُّهُ﴾ فاعل مؤخر، وهذا الترتيب على هذا الوصف على هذا الوجه واجب ولَّا جائز؟
* الطلبة: واجب.
* الشيخ: واجب؛ لأن الضمير لو قدمت فاعل عاد الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة وهذا ممنوع؛ ولهذا قال:
........................ ∗∗∗ وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ وهذا شاذ ما يقاس عليه، أما نظير الآية: ؎وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ ∗∗∗ ..................... ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ إبراهيم فيها قراءة: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهَامَ رَبُّهُ﴾ إبراهام، لغة عربية تقرأ باللغة العربية (إبراهام).
* طالب: إبراهام؟
* الشيخ: بالميم، المهم أنه بدل الياء الألف، بدل (إبراهيم) (إبراهام).
* طالب: سبعية؟
* الشيخ: إي، سبعية.
* طالب: اختلفت الحروف؟
* الشيخ: لا، ما اختلفت.
* طالب: فالياء؟
* الشيخ: إي، لكن تكتب الألف ياء بالرسم العثماني تكتب قصاد الياء.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم، وهي من الربوبية الخاصة؛ لأنه سبق لنا أن قلنا: إن الربوبية بإزاء العبودية، فكما أن العبودية نوعان: خاصة وعامة، فالربوبية أيضًا نوعان: خاصة، وعامة، وقد اجتمعا في قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ١٢١] هذه عامة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] هذه خاصة، فهنا ربوبية خاصة، ولا شك أن ربوبية الله سبحانه وتعالى للرسل، ولا سيما أولو العزم منهم وهم؟
* طالب: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ.
* الشيخ: نعم، أنها أخص الربوبيات.
وقوله: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ هذا الذي ابتلي به، والابتلاء هو الاختبار والامتحان، هذه الكلمات، ما هذه الكلمات؟ هل هي كونية، أو شرعية، أو من الكونيات والشرعيات؟ الله سبحانه وتعالى أطلقها، فهي كلمات كونية وشرعية، أو جامعة بينهما، فما هذه الكلمات؟ اختلف فيها المفسرون، وأصح الأقوال فيها: أنها كل ما أمر الله به إبراهيم كونًا أو شرعًا، كل ما أمره به، أو قدَّره عليه فهي كلمات، فمن ذلك مثلًا ابتلي بالأمر بذبح ابنه، ذبحه ولَّا لا؟
* الطلبة: ذبحه.
* الشيخ: ذبحه؟
* طالب: ما ذبحه.
* الشيخ: إي نعم، يعني قال الله له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٥] فهو ذبحه حكمًا، وإن لم يذبحه حقيقة، امتثل لأمر الله، وهذا امتحان ولَّا لا؟ امتحان من أعظم الامتحانات، كذلك أيضًا امتحنه الله تعالى بأن أوقدت له النار وألقي فيها، وهذا من الكلمات الكونية، صبر ولَّا لا؟ صبر، صبر واحتسب، وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر ومصابره، أو أمره به كذلك فهو داخل في قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ هذا هو الصحيح، ومنهم من قال: إن الكلمات التي ابتلاه بها: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وهذا في الحقيقة ما فيه امتحان، بل هذا نتيجة الامتحان لما امتحنه الله ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾، أتم هذه الكلمات الكونية أو الشرعية، من الذي يستطيع أن يتم كل كلمات الله عز وجل الكونية والشرعية؟ ما كل أحد يصبر على ذلك إلا من وفقه الله؛ ولهذا وصف الله إبراهيم بأنه وَفَّى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٧] أي: تمم ما أمره الله به، وابتلاه به.
لما أتمهن، الله جل وعلا أكرم من عبده، أعطاه الله هذه الإمامة، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ولَّا لا؟ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة ٢٤]، هذه واحدة، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ هذه الثانية، إبراهيم من هؤلاء الجنس ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
﴿جَاعِلُكَ﴾ مُصَيِّرك، وهي تنصب مفعولين؛ لأنها مشتقة من (جعل) التي بمعنى (صَيَّر)، والمفعول الأول الكاف اللي هي في محل جر بالإضافة، والمفعول الثاني ﴿إِمَامًا﴾.
والإمام من يقتدى به سواء في الخير أو في الشر، لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير.
فإذا قال قائل: أرونا دليلًا على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟
قلنا: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص٤١]، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وُزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وهذا لأنه إمام، صار متبوعًا.
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ﴿لِلنَّاسِ﴾ عامة ولَّا لا؟ عامة فيمن أتى بعده، لا من كان قبله، لكن فيمن أتى بعده صار إمامًا، حتى لخاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣] فهو إمام.
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: واجعل من ذريتي إمامًا، وهنا ﴿مِنْ﴾ هذه للتبعيض ولَّا لبيان الجنس؟ يحتمل لبيان الجنس، وبناء على ذلك تصلح ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ لجميع الذرية، يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة، ويحتمل أن يكون للتبعيض، وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إمامًا، أيهما أقرب؟
* الطلبة: للجنس.
* الشيخ: يعني: أنه سأل الله أنه يجعل كل ذريته أئمة؟ يحتمل هذا وهذا، لكن مهما كان، سواء قلنا: إنها لبيان الجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أعطاه ذلك مقيدًا فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا حتى البعض ما كل البعض يكون إمام، على كل حال إنه سواء قلنا للجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أجابه إجابة مقيدة فقال: ﴿لَا يَنَالُ﴾ أي: لا يصيب، ﴿عَهْدِي﴾ أي: تعهدي لك بهذا، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ الظالمين من ذريتك، سواء كان الظلم عامًّا أو خاصًّا، أكبر أو أصغر، فالظالم لا يكون إمامًا؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ﴿عَهْدِي﴾ فاعل، و﴿الظَّالِمِينَ﴾؟ مفعول به، يعني: أجعل من ذريتك إمامًا، ولكن الظالم لا يدخل في ذلك؛ ولهذا لم يول الله تعالى ظالمًا على وجه التعهد، ولكنه قد يرد عليك أن من ذرية إبراهيم من هو ظالم، ولكن ليس ظلمًا أكبر ولَّا لا؟ مثل من؟
* طالب: الحجاج.
* الشيخ: أي بس ما هم بأئمة، مثلًا من خلفاء بني أمية من هو ظالم، من خلفاء بني عباس من هو ظالم، لكنه ما سمعنا أن أحدًا منهم ظلم ظلمًا أكبر يخرج به من الإسلام، ويأتي إن شاء الله تحقيق لهذه المسألة.
قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، ما معنى الابتلاء؟
* طالب: الاختبار.
* الشيخ: الاختبار، وما الذي نصب ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؟
* الطالب: مفعول.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: مفعول لـ﴿ابْتَلَى﴾.
* الشيخ: أين الفاعل؟
* الطالب: ﴿رَبُّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿رَبُّهُ﴾.
في ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ قراءتان؟
* طالب: فيه ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وفيه ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ .
* الشيخ: إبراهام، في كل موضع في البقرة، كل ما جاءت في البقرة ففيها قراءتان إبراهام وإبراهيم، في غير البقرة فيه اختلاف.
ما هي الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم؟ ما هي الكلمات؟ هل هي كونية ولا شرعية؟
* طالب: كونية وشرعية.
* الشيخ: كونية وشرعية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: اثبت؟ نعم، زين، الكونية مثل؟
* الطالب: الكونية مثل: (...) في النار.
* الشيخ: إلقاؤه في النار، زين، والشرعية؟
* الطالب: الشرعية، مثل ما ترك زوجته وابنه، وعندما قتل ابنه.
* الشيخ: أُمِر بذبح ابنه.
* الطالب: أُمِر بذبح ابنه.
* الشيخ: وكذلك أيضًا تكسير الأصنام وغيره، إذن الصحيح أن هذه الكلمات معينة ولا غير معينة؟
* طالب: غير معينة.
* الشيخ: غير معينة، لكنها كلمات عظيمة فيها ابتلاء وامتحان.
قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ويش معنى ﴿إِمَامًا﴾؟
* طالب: يعني: الإمام هو القدوة الذي يؤتم به.
* الشيخ: في الخير أو في الشر؟
* طالب: في الخير، وتكون في الشر.
* الشيخ: وتكون في الشر، مثل؟
* طالب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١] .
* الشيخ: إي، ﴿أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾.
وقوله: ﴿إِمَامًا﴾ ما الذي نصبها؟
* طالب: ﴿إِمَامًا﴾؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: نصبها (جاعل).
* الشيخ: (جاعل) على أنها؟
* الطالب: مفعول.
* الشيخ: أول، ولا ثان، ولا ثالث؟
* طالب: ثانٍ.
* الشيخ: ثان؟
* طالب: الكاف الأول و﴿إِمَامًا﴾ ثانٍ.
* الشيخ: و﴿إِمَامًا﴾ ثان.
* طالب: وإمامًا ثان.
* الشيخ: ثان؛ لأن ﴿جَاعِلُ﴾ من جعل، وهي تنصب.
* طالب: مفعولين.
* الشيخ: مفعولين.
قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ويش معنى قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؟
* طالب: أي: واجعل من ذريتي.
* الشيخ: أئمة.
* الشيخ: هل أجاب الله هذا الدعاء؟
* طالب: أجابه إجابة مقيدة.
* الشيخ: مقيدة؟ في قوله؟
* طالب: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
* الشيخ: في قوله: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
ما المراد بالعهد هنا؟
* طالب: الإمامة.
* الشيخ: لا ينال عهدي؟ من يعرف؟ يعني: ما أتعهد به لك لا ينال الظالمين، يعني: كأنه يقول: أتعهد لك بذلك وأعطيك به عهدًا إلا أنه لا ينال الظالمين.
قال: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (إذ) هذه ظرفية، وهي متعلقة بمحذوف تقديره؟
* طالب: اذكر.
* الشيخ: اذكر، يعني: اذكر يا محمد للناس هذا الأمر الذي صيرناه للناس.
و﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى صيرنا.
و﴿الْبَيْتَ﴾ (أل) هنا للعهد الذهني، والمراد به الكعبة؛ لأنها بيت الله عز وجل، وأتي بها ثم بـ (أل) للتفخيم والتعظيم، يعني: البيت المعهود الذي لا يجهل ولا ينسى، جعلناه مثابة.
المثابة بمعنى المرجع، أي: يثوب الناس إليه ويرجعون إليه في كل أقطار الدنيا، سواء ثابوا إليه بأبدانهم أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجًا أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم، والذين يتجهون إليه كل يوم في صلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم، فإنهم لا يزالون يتذكرون هذا البيت في كل يوم وليلة، بل هو من شروط صحة صلاتهم.
وقوله: ﴿وَأَمْنًا﴾ أي: وجعلناه أمنًا للناس.
«وَلَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس ولفظ البخاري: «فلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلَي ولا لأَحَدٍ بعدِي، أُحِلّتْ لِي ساعَةً مِن نَهَارٍ». ]] للضرورة فقط؛ لأنه ما يمكن أن يُخلص هذا البيت من هذا الشرك إلا بهذا الإحلال، أحلها الله له ساعة من نهار للضرورة؛ وهي ساعة الفتح. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي. ]] فإذن حرمت حتى على الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا معنى كونها أمنًا، قال عليه الصلاة والسلام مجيبًا عن سؤال قد يُفرض: «وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[سبق تخريجه. ]].
والحكم لله العلي الكبير أذن للرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الساعة، ولكن لم يأذن لأحد، وهذا إذن هذا معنى كونه أمنًا أن الناس يأمنون، وإنما كان أمنًا؛ لأنه مكان عبادات ومناسك، ومشاعر، فلو أنه كان مخافة ما أدى الناس فيه عباداتهم على الوجه الأكمل، ولهذا نُهي عن حمل السلاح في الحرم حتى يبقى كل إنسان آمنًا، وبهذا نعرف عظم جرم أولئك الذين يوقعون المخاوف بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم-والعياذ بالله- من أعظم الناس جرمًا؛ لأن الله تعالى جعل هذا البلد آمنًا في كل وقت، فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أُمِّن إلا لأجلها، فهذا- والعياذ بالله- انتهاك لحرمات الله عظيم، ولهذا يجب أن يكون هذا البلد آمنًا، ولما طُعن ابن عمر رضي الله عنه وهو على راحلته في مِنى، طعنه أحد الخوارج طعنه بخنجر معه حتى لزقت رجله بالركاب رضي الله عنه، جاءه الحجاج يعوده.
* طالب: ابن عمر كان؟
* الشيخ: إي نعم ابن عمر، جاءه الحجاج يعوده فقال له: أنت الذي فعلت بنا هذا، فقد كنت أنهاك أن يحمل أحد السلاح في الحرم[[أخرجه البخاري (٩٦٦).]] فهذا دليل على أن هذا البيت آمِن أمن كامل، قال لله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]. وهذا المأمن عام حتى للكفار إلا أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] دفاعًا ولَّا طلبًا؟
* الطلبة: دفاعًا.
* الشيخ: دفاعًا، وفرق بين قتل الدفاع وقتل الطلب.
* طالب: هل الجعل هنا كوني أو شرعي؟
* الشيخ: لا هذا شرعي.
* طالب: شيخ، لو (...) في دين كفار ما يستقل منه؟
* الشيخ: يعني ما يمكن يتولى عليها الكفار أبدًا؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس.]] ولا يمكن إنه يهاجر إلا إذا كان بلد كفر.
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥] اتخذوا: اجعلوا.
* الطالب: (...) يا شيخ، ما يرد على هذا؟
* الشيخ: لا، ما يرد على هذا؛ لأن هذا يسلط عليه ولا يبقى فيه.
وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ أي صَيّروا، أو اجعلوا، وفيها قراءتان إحداهما: ﴿اتَّخِذُوا﴾ بفعل الأمر، والثانية: ﴿اتَّخَذُوا﴾ بفعل الماضي، أي: واتخذ الناس، مثابة للناس واتخذوا من مقام إبراهيم. أو: واتخذوا أنتم من مقام إبراهيم مصلى. وقوله: ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام مكان القيام، ويطلق إطلاقين: إطلاقًا عامًّا وهو مكان قيامه في العبادة، وإطلاقًا خاصًّا وهو مقامه لبناء الكعبة، فعلى الأول الإطلاق الأول يكون جميع مواقف الحج ومشاعر الحج يكون من مقام إبراهيم، عرفتم؟
على الإطلاق الأول أن المراد بالمقام مقامه للعبادة يشمل جميع مشاعر الحج: عرفة، مزدلفة، الجمرات، والصفا، والمروة، إلى آخره، وعلى القول الثاني الخاص الإطلاق الخاص يُطلق على الحجر المعين الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليرفع قواعد البيت، وهو هذا المقام المشهور، معروف للجميع. وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مصلى، هل المراد مكان للصلاة اللغوية وهي الدعاء؟ أو مكان للصلاة الشرعية؟
* الطلبة: الشرعية.
* الشيخ: على الأول، على الأول يكون مكانًا للدعاء، وعلى الثاني مكانًا للصلاة الشرعية المعروفة، والرسول ﷺ حين أقبل عليه بعد ما طاف قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام فسرها بالمعنى الخاص، بالمقام الخاص، ولكن كثيرًا من المفسرين فسروها بالمعنيين، وقالوا: إن هذا ذكر لبعض أفراد العام؛ لأنه يدخل فيه، الخاص يدخل في العام، ولا عكس.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام الخاص الذي هو الحجر الذي كان يرفع عليه بناء الكعبة اختلف المؤرخون هل كان لاصقًا بالكعبة، أو كان منفصلًا عنها في مكانه الآن؟
فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقًا بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة، أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فالظاهر أنه لا يجوز أن يُغيّر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقره، وإذا أقره النبي عليه الصلاة والسلام فليس لنا أن نؤخره عنه، وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها بعض العلماء، وممن قرظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة، بناء على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أُخِّر، وهذا لا شك أنه لو أُخر عن مكانه فيه دفع مفسدة؛ وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في أيام المواسم، وفيها نوع مضرة أو نوع مفسدة؛ وهي أنه يُبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في غير أيام المواسم المطاف يكاد يكون خاليًا ما هو كثير الناس، نخليه مثلًا عند الرواق معناه أنه يبعد عليهم أنه يبعد على الناس، (...) يعني المصالح متعارضة هنا؛ هل الأولى بقاؤه في مكانه أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يُبقى ما كان على ما كان، وحذرًا أيضًا من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة، ومسألة التضييق؛ تضييق المصلين على الطائفين، هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت، أو بالمنع بالقهر إذا لم تُفد، وهي في الحقيقة في ظني أنها في السنوات الأخيرة قلَّت بعض الشيء، في هذا العام أشوف أنها قليلة؛ لأن الناس صار عندهم توعية.
* طالب: لو يؤخر يا شيخ يصير ملعبة (...) حد يؤخره، كل خليفة يصير له نظر.
* الشيخ: والله يمكن، كل واحد يصير له نظر.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك ركعتي المقام إذا كان في أثناء الحج يزدحم المسجد يجوز صلاتهما في خارج المسجد؟
* الشيخ: إي نعم، يجوز؛ لأن هاتان الركعتان مشروعتان، ولهما مكان أفضل من غيره؛ وهو خلف المقام، فإذا لم يتيسر المكان بقيت المشروعية.
* الطالب: حتى لو خارج المسجد؟
* الشيخ: حتى لو خارج، عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاهما في ذي طوى في مكان بعيد.
* طالب: الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ يعني سنة إن الواحد (...) بعد الطواف؟
* الشيخ: إي نعم، سنة. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مفعول ثاني لـ (اتخذوا) ولَّا مفعول أول؟
* الطلبة: مفعول أول.
* الشيخ: مفعول أول؟ والثاني؟
* الطلبة: الجار والمجرور.
* الشيخ: الجار والمجرور المقدر، وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ هل هو منصوب بالفتحة ولَّا بفتحة مقدرة؟
* طالب: الأخير، منصوب بفتحة مقدرة.
* الشيخ: بفتحة مقدرة، ولهذا هو مكتوب بالياء، يعني أنه معتل بالألف مُصلًّى فهو منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والتنوين الذي فيه؟
* طالب: تخفيف.
* الشيخ: عوض، عوضًا عن الألف المحذوف. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أو ﴿إِلَى إِبْرَاهَامَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة ١٢٥]. ﴿عَهِدْنَا﴾ العهد: الوصية لما هو هام، وليست مجرد الوصية بل لا تكون عهدًا إلا إذا كان الأمر هامًّا، ومنه مثلًا: عهد أبو بكر بالخلافة إلى عمر؛ أي: أوصى بها إليه، ومعلوم أن أهم ما يكون من أمور المسلمين الخلافة.
وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابن إبراهيم، وهو أبو العرب، وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني هو الذي أمر الله إبراهيم أن يذبحه، وهو الذي قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢].
وقول من قال: إنه إسحاق بعيد، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه عمهم، أبو العرب، ولكن من تأمل آية الصافات أو آيات الصافات علم علمًا يكاد قريبًا من اليقين أن الذبيح إسماعيل؛ لأن الله تعالى ذكر في أثناء هذه الآيات قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢] بعد ما ذكر القصة كاملة قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١١٢، ١١٣] فكيف يكون بالأول يتحدث عن همه بذبحه والمحاورة التي جرت بينه وبينه، ثم يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾؟
البشارة ما تكون إلا بعد، فلو كان إسحاق هو الذبيح ما استقام أن يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ ﴿عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ (أن) هذه مخففة من الثقيلة؟
* طالب: مصدرية.
* الشيخ: ما هي مصدرية.
* طالب: مفسرة.
* الشيخ: المفسرة يكون بعدها أمر ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ﴾ [المؤمنون ٢٧] الظاهر أنها مصدرية.
* طالب: ﴿طَهِّرَا﴾ أليست أمر؟
* الشيخ: إيه لها علة، صحيح، طهِّرا، نعم، فعلًا إذن تصلح أن تكون تفسيرية؛ لأن عهدنا فيه معنى القول دون حروفه، فتكون تفسيرية؛ أي: أن العهد هو قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ طهِّرا: فعل أمر وقوله: ﴿بَيْتِيَ﴾ المراد به الكعبة، وأضافها الله تعالى إلى نفسه إضافة تشريف، وليست إضافة جزء ولا إضافة صفة، فهي إضافة تشريف، وبهذا نعرف أن المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين أو ثلاثة؟
* طالب: ثلاثة.
* الشيخ: الأول: أن تكون عينًا قائمة بنفسها.
الثاني: أن تكون وصفًا في ذلك العين أو في تلك العين.
والثالثة: أن تكون وصفًا لله، فإذا كان عينًا قائمة بنفسها فإضافته إضافة تشريف؛ مثل: ناقة الله، وبيت الله، وإذا كان وصفًا يتصل بعين مثل: الروح إذا قلنا إنها وصف، أو أنها جسم يتصل بجسم آخر مخلوق فهو أيضًا مخلوق، فهو إضافة تشريف وهو مخلوق مثل: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر ٢٩] وإذا كان وصفًا فإنه يكون صفة لله، يعني إذا كان المضاف معنى لا يقوم بغير الله فإنه يكون وصفًا لله مثل: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]، ومثل: عزة الله، وقدرة الله، وما أشبه ذلك، هنا من القسم الأول ﴿بَيْتِيَ﴾ البيت عين قائمة بنفسها، فإضافته إليه من باب إضافة تشريف.
وقوله: ﴿بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني للذين يطوفون به، والثاني: ﴿الْعَاكِفِينَ﴾ الذين يقيمون فيه للعبادة، والثالث: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الذين يصلون فيه، وعبر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما ركنان فيها، وقد تقدم لنا بعيدًا بأنه إذا أُطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلًا على أن هذا الجزء ركن فيه ما تصح بدونه، هنا بدأ بالطائفين لاختصاصهم بذلك البيت، ثم ثنَّى بالعاكفين؛ لأنها أوسع دائرة من الطائفين، لكنها مختصة بالمساجد، ثم قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ هذه لا تختص بالمساجد، «جُعِلَتِ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله. ]] فإذن يكون الله سبحانه وتعالى بدأ بالأخص فالأخص، أخص ما يكون بالبيت الحرام الطواف، ثم الاعتكاف، أما الصلاة فلا تختص بمكان، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن ملكًا من الملوك نذر لله نذرًا أن أعبد الله عبادة لا يشاركني فيها أحد فاستفتى بعض أهل العلم قالوا: أيش لون؟ إن صمت يجوز أن يكون فيه ناس صائمين، إن صليت يجوز فيه ناس يصلون، إن تصدقت يجوز فيه ناس يتصدقون، فذهبوا إلى عالم من العلماء فقال لهم: أخلوا له المطاف؛ يعني خلوه يطوف وحده، وحينئذٍ يشاركه أحد ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما يمكن يشاركه أحد؛ لأنه بالحقيقة ما أحد يطوف أبدًا إلا بهذا البيت.
* طالب: خالف النص: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ»[[أخرجه أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨) من حديث جبير بن مطعم.]]؟
* الشيخ: لا، المهم إن هذا حل المسألة، أما عاد كونه يجوز أو ما يجوز هذا هم يمنعون لغير هذا السبب، لكنه ما فيه؛ يعني ما يمكن الوفاء بهذا النذر إلا بهذا.
* طالب: ما يمكن يا شيخ (...).
* الشيخ: أين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا يمكن بدون منع الناس، هذا يمكن لو يجي في آخر الليل؛ يعني في غير المواسم أحيانًا تجدوه فاضي، فارغًا أو يجي مثلًا بعد طلوع الشمس دائمًا إلى في أيام الاعتمار اللي ما فيه
* الطالب: أو برمضان في الظهيرة أحيانًا.
* الشيخ: المهم على كل حال يمكن يجد. وقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ طهر للطائفين؛ اللام هذه للتعليل؛ أي: لأجلهم. وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الركع معروف أنها جمع (راكع)، والسجود جمع (ساجد)، وتصح أن تكون مصدرًا، (سَجَدَ، يَسْجُدُ، سُجُودًا)، لكن سجود وقعود هي مصدر وفي نفس الوقت جمع، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١ / ٧٧)، واللفظ له، من حديث أنس بن مالك. ]] ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
* طالب: شيخ، الركع السجود غير (...).
* الشيخ: وأيش لون؟
* الطالب: غير الركع السجود (...).
* الشيخ: وخص الركوع السجود؛ لأنهما أفضل هيئة، الركوع أفضل هيئة من القيام، والسجود أفضل منه؛ ولهذا نقول: القيام فضل الركوع والسجود بذكره، فإن ذكر القيام ما هو؟
* الطلبة: القرآن.
* الشيخ: كلام الله عز وجل، أفضل من كل شيء، وذكر التسبيح، وذكر الركوع والسجود هو التسبيح، والتسبيح أقل حرمة من القرآن، وإن كان التسبيح لا شك أنه تعظيم لله، لكنه ما مثل القرآن، فالله سبحانه وتعالى حكيم جعل لكل من أركان الصلاة ما يخصه، هذا اختصه بفضل ذكره، وهذا اختصه بفضل هيئته.
* طالب: شيخ، ما نقول أن الركع السجود أخص أوصاف الصلاة؛ يعني ما هو راكع ولا ساجد لله وهو (...)؟
* الشيخ: وأيش لونه؟
* الطالب: يعني أخص أوصاف الصلاة؟
* الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن سجود التلاوة سجود بلا صلاة.
* الطالب: على القول بهذا.
* الشيخ: ما يصح.
* طالب: يا شيخ، ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ﴾ (من) هنا كيف تباينية ولَّا تبعيضية؟ ثم ما يمكن لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى هنصلي فوق الحجر؟
* الشيخ: قوله: اتخذوا من، هذه لبيان الجنس بيانية؛ يعني اتخذوا من هذا المقام، ويجوز أن تُضمن معنى (في)؛ أي اتخذوا في هذا المقام مكانًا للصلاة.
* طالب: لكن المقام ما دام هو الحجر أصبح ما يمكن يتخذونه مصلى؟
* الشيخ: إيه، اتخذوا منه ما هو معناها عليه، اتخذوا منه مكانًا، والرسول فسره بأنه يكون يصلي إلى جنبه.
* الطالب: ما بيرجح هذا أنه مناسك الحج على العموم (...) مقام إبراهيم على العموم هو (...) الحج؟
* الشيخ: هو الحقيقة، كل له مُرجح، أما تفسير النبي عليه الصلاة والسلام فلا شك أنه واضح أنه أراد هذا المقام، وإذا أردنا بالعموم بيرد عليه استعمال الصلاة في اللغة.
يقول: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.
* طالب: قوله: ﴿طَهِّرَا﴾ قلت: إن إبراهيم هو اللي بنى البيت يا شيخ، لماذا قال: طهِّرا؟
* الشيخ: نعم، ولكن إسماعيل كان مساعدًا له ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧].
* الطالب: لا لا، قصدي يعني كيف يطهر شيئًا طاهرًا هو اللي بنى البيت؟
* الشيخ: إيه، ولو بناه، وأيش؟! يمكن يأتي هذا البيت يجيه نجاسة، يجيه أقذار فيطهراه.
* طالب: قوله: ﴿طَهِّرَا﴾ أمر جه أثناء البناء؟
* الشيخ: يجوز أنه يكون أمر في أثناء البناء؛ لأنه قد يرد عليه شيء في أثناء البناء أو بعده، ما هو مستحيل.
* طالب: يشمل الطهارة حسية ومعنوية؟
* الشيخ: والله فيها نظر؛ المعنوية إلا إذا كان من باب القياس، إذا وجب التطهير من الحسية فمن المعنوية أولى.
* الطالب: (...) هذا؟
* الشيخ: ما هو الظاهر؛ لأنه قال: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ ما قال: طهراه وأطلق، والتطهير ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ما يناسبه إلا الطهارة الحسية.
* الطالب: (...) الطائفين والعاكفين (...) وجدت أصنام فما يستطيعون؟
* الشيخ: لا، يستطيعون، فيه ثلاث مئة وستين صنم والناس يطوفون حولهم.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ يعني واذكر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ونقول فيها ما قلنا بالأول القراءة ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ﴿اجْعَلْ﴾ صيِّر. ﴿هَذَا﴾ المشار إليه مكة. وقوله: ﴿بَلَدًا﴾ البلد: اسم لكل مكان مسكون، سواء كان ذلك مدينة كبيرة أو مدينة صغيرة كله يسمى بلدًا، وقد سمى الله تعالى مكة بلدًا كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ٣]، وسماه الله تعالى قرية كما في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣].
وقوله: ﴿آمِنًا﴾ قال بعض المفسرين: أي: آمنًا مَن فيه؛ لأن البلد نفسه ما يوصف بالأمن والخوف؛ البلد أرض وبناء، فلا يوصف بالأمن والخوف، وإنما الذي يكون آمنًا أهله، أما هو فيكون أمنًا، والذي ينبغي أن يجعل على ظاهره، وأن يكون البلد نفسه آمنًا، وإذا أمن البلد أمن من فيه وهو أبلغ؛ لأنه مثلًا لو جاء أحد وهدم البناء ما كان البناء آمنًا، صار البناء عرضة لأن يتسلط عليه من يتلفه، فكونه آمنًا أبلغ من أن نفسره بـ (آمنًا أهله)؛ لأنه يشمل البلد ومن فيه، ولهذا قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ فرّق ما قال: ارزقه؛ لأنه لا يُرزق. ﴿ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ ﴿ارْزُقْ﴾: فعل أمر أو فعل دعاء؟
* الطلبة: دعاء.
* الشيخ: دعاء، و﴿أَهْلَهُ﴾ مفعول أول. و﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ مفعول ثاني.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾، وارزق أهله من آمن، عرفتم؟
وإنما احترز إبراهيم عليه الصلاة والسلام من العموم تأدبًا بتأديب الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤] فتأدب في طلب الرزق أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد، عرفتم؟ إذن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ محلها من الإعراب؟
* طالب: بدل من أهله.
* الشيخ: النصب بدلًا من أهله، بدل بعض من كل، ولا بدل كل من كل؟
* الطلبة: بعض من كل.
* الشيخ: بعض من كل. ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أجاب الله دعاءه فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني وأرزق من كفر أيضًا. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ لكن ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ إلى آخره.
وقوله سبحانه وتعالى عن إبراهيم: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما هو الإيمان؟ الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المقرون بالقبول والإذعان، هذا في الشرع؛ التصديق المقرون بالقبول والإذعان؛ لأن مجرد التصديق ليس إيمانًا شرعًا؛ فأبو طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ لكنه ليس بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له وينقاد، فالإيمان شرعًا؟
* الطلبة: التصديق المقرون بالانقياد والإذعان.
* الشيخ: التصديق المقرون بالقبول والإذعان؛ يعني الانقياد، ولهذا قال أهل السنة والجماعة: الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وتصديق بالجنان، فهو مركب من هذه الثلاثة، ولا يمكن يكون الإيمان شرعًا بدونهم. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن كما سبق كم؟
* الطالب: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة أو أربعة؟ يتضمن الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، فالإيمان بوجوده ما يكفي عن البقية، ولهذا يقول: أنا أعجب من بعض الناس لما أن أحد الروس صعد فوق الجاذبية، ورأى ما حوله من النجوم والكواكب، ورأى الأرض وأنها ككرة في يد الصبي، قال: والله ما خلق هذا إلا قاهر عظيم، ولكنه ما آمن إلا بس إن هذا الشيء ما أنتج نفسه، بعض الناس كان يطبل ويزمر، قال: الحمد لله، هذا آمن، وهل آمن هذا؟
* طالب: لا، ما آمن.
* الشيخ: ما آمن، ما آمن حتى يصدق بالله ووجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، الربوبية أن تؤمن بأن الله تعالى له الخلق والأمر ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فهو الخالق الذي له الأمر الكوني والشرعي، ولذلك- بلا شك- أن الحكم بغير ما أنزل الله يتضمن أو يدخل في توحيد الربوبية لا في توحيد الألوهية. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١] فالحاصل أن هذا الإيمان بالربوبية؛ الإيمان بالخلق والأمر، أن الله هو الخالق وحده، المالك وحده، الذي له الأمر المطلق وحده.
الإيمان بالألوهية أن تؤمن بأنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا الله وحده سبحانه وتعالى، لا أحد يستحق أن يعبد؛ لا ملَك، ولا رسول، ولا ولي، ولا صالح، ولا شقي، ولا طالح، ما يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى الذي خلق، أما الإيمان بالأسماء والصفات فأن تؤمن بكل ما سمى الله به نفسه، أو وصف به نفسه، أو سماه به رسوله، أو وصفه به رسوله، سواء كانت من الصفات الذاتية أو المعنوية أو الفعلية، كلها يجب عليك أنك تؤمن بها، وسواء كانت هذه الصفات مما يدركه العقل، أو مما لا تثبت إلا بالسمع، كلها يجب عليك أن تؤمن بها، على هذا جميع المحرفين لآيات الصفات غير مؤمنين بها إيمانًا كاملًا، ما آمنوا بها إيمانًا كاملًا، وجميع الممثلين لله بصفات خلقه لم يؤمنوا بالصفات إيمانًا كاملًا.
اليوم الآخر، ما هو اليوم الآخر؟ هو يوم القيامة، وسُمي آخرًا؛ لأنه لا يوم بعده، ما فيه يوم بعده، الدنيا يوم أول؛ لأنه مرحلة تأتي بعدها الآخرة ولا بعدها مرحلة؛ لأنها لا نهاية لها أبد الآبدين؛ إما في الجنة أو في النار.
وإنما يقرن الله تعالى دائمًا بين الإيمان به واليوم الآخر دون الإيمان ببقية الأركان الستة؛ لأن الإيمان به يتضمن الإيمان بكتبه ورسله وملائكته والقدر خيره وشره، أفهمتم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: كله يتضمن هذا، اليوم الآخر؛ لأنه يوم الجزاء، والإنسان إذا لم يؤمن باليوم الآخر ما هو بعامل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا كان الإنسان ما يعتقد أنه سيُحشر ويجازى فإنه لا يمكن أن يعمل، فالإيمان باليوم الآخر هو الذي يحدوا بالإنسان إلى العمل يعمل؛ لأنه يؤمن بأن هذا العمل الذي يقوم به اليوم سوف يجازى به غدًا في اليوم الآخر، ولهذا يعمل بالطاعات ويترك المعاصي، يعمل بالطاعات طلبًا للثواب في ذلك اليوم، ويدع المعاصي خوفًا من العقاب في ذلك اليوم.
وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال من اللي قائل؟
* الطلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى يقول قولًا مسموعًا، ولهذا يخاطب إبراهيم ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ فهو سبحانه يقول قولًا مسموعًا يسمعه من خُوطب به. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾؛ يعني وأرزق من كفر، والكَفْر في الأصل- أي في اللغة-: الستر، ومنه سُمّي (الكُفُرَّى) تعرف الكُفُرّى؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: الكافور.
* الشيخ: الكافور زين، الكُفُرَّى الذي يكون في طلع النخل؛ لأنه يستره، أما في الشرع فالكفر هو الجحد أو الاستكبار، الجحد أو الاستكبار، يعود على هذين الأمرين، فكل كافر فإما جاحد أو مستكبر، واتصالهما بالمعنى اللغوي ظاهر؛ لأن الجاحد ساتر بلا ريب، والمستكبر عمله يتضمن الستر، كأنه ستر ما يجب لله من حق فاستكبر عن عبادته، وكل الكفر الموجود بجميع أنواعه وأصنافه كله يعود إلى هذين الأمرين؛ إما الجحود وإما الاستكبار.
﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني فأرزقه، ولكن ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾. وفي قراءة: ﴿فَأُمْتِعُهُ﴾ ، والإمتاع والتمتيع معناهما واحد وهو (...) يتمتع به، والمتعة البلغة، المتعة البلغة التي تلائم الإنسان.
﴿فَأُمْتِعُهُ قَلِيلًا﴾ إلى متى؟ إلى الموت، ومهما طال بالإنسان العمر فهو قليل، لا بد أن يموت وهو قليل ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦] بل أقل من هذا ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥].
وإذا شئت أن تعرف الأمر فقس ما مضى من حياتك مما بقي، الآن كلنا يعرف أننا خلَّفنا أيامًا كثيرة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أيام كثيرة خلَّفناها، نفس اللي خلفناه البارحة وأيش كأنه؟
لا شيء كأنه لا شيء، نحن الآن في الوقت الذي نحن فيه، وأما ما مضى فكأنه لم يكن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام واصفًا الدنيا: «إِنَّهَا مَثَلُ الرَّاكِبِ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَهَا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٧٧)، وابن ماجه (٤١٠٩) من حديث عبد الله بن مسعود، ولفظه: «مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». ]] إنسان اطمأن له شوي تحت ظل الشجرة، ثم ارتحل، هذه الدنيا كلها؛ ولذلك يجب علينا أن نتخذ من هذا الوقت القصير أن نتخذ منه عملًا كثيرًا ينفعنا في الآخرة، والعمل اليسير- ولله الحمد- في الدنيا يثمر ثمرات كثيرة في الآخرة، يضاعف بعشرة أضعاف إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ما المراد بالتطهير هنا؟ من الأوثان لأن الأوثان رجس، أو المراد من الأقذار والنجاسات؟
* الطالب: تشمل الكل.
* الشيخ: تشمل المعنيين، ما تقولون؟
* الطلبة: نعم، صحيح.
* الشيخ: صحيح، قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ نجيء للإعراب، وأيش إعرابها (أن)؟
* الطالب: أن تفسيرية.
* الشيخ: أن تفسيرية؛ لأنه جاء بعدها فعل أمر، وسبقها فعل متضمن للقول دون؟ كملوا؟
* الطلبة: دون حروفه.
* الشيخ: دون حروفه، متضمن القول دون حروفه. ﴿عَهِدْنَا﴾ يعني: قلنا مثل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ﴾ [المؤمنون ٢٧] فأن تفسيرية.
ما المراد بالإضافة في قوله: ﴿بَيْتِيَ﴾؟
* الطالب: ﴿بَيْتِيَ﴾ الله.
* الشيخ: إيه، ما المراد بالإضافة؟ هذه الإضافة لأن الله يسكنه؟
* الطالب: لا، محل عبادته، محل التعبد؛ إضافة تشريف.
* الشيخ: إضافة تشريف، أضافه الله إلى نفسه تشريفًا له وتعظيمًا له. وهذا التشريف، وهذه الإضافة أيضًا كما أنها للتشريف فهي أيضًا فيها حث لإبراهيم وإسماعيل لتطهير هذا البيت؛ لأنه أضافه لنفسه، فتعظيمه من تعظيم الله سبحانه وتعالى.
لماذا بدأ بالطائفين قبل المصلين؟
* الطالب: بدأ بالأخص فالأعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: الطواف أخص من العكوف.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأن هذا مختص بالبيت؛ الطواف بالبيت.
* الشيخ: في المسجد الحرام؛ لأنه ما يكون إلا في المسجد الحرام، طيب كمل؟
* الطالب: ثم الركوع؟
* الشيخ: لا، عاكفين. لأيش وأنت قلت: بدأ بالأخص فالأعم؟
* الطالب: الطواف أخص منه.
* الشيخ: أخص من الاعتكاف نعم، لكن لماذا قدم الاعتكاف على الركوع والسجود مع أن الركوع والسجود أفضل؟
* الطالب: لأنه اختص بالبيت.
* الشيخ: ما يختص بالبيت؟
* الطالب: الطواف.
* الشيخ: انتهينا من الطواف؟
* طالب: لأن الطائفين أحق من العاكفين إن الطائفين في البيت.
* الشيخ: لا، أنا ما أسأل عن تقديم الطائفين، عرفنا تقديمهم، العاكفين لماذا قُدموا على الركع السجود مع أن الصلاة أفضل من الاعتكاف؟
* الطالب: شيخ؛ لأنه اختصاص في المساجد.
* الشيخ: لأنه خاص بالمساجد، الركع السجود؛ لأنها- أي الصلاة- تصح في كل مكان: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».[[سبق تخريجه. ]]
* الطالب: إنها في سياق، كلها في سياق المساجد لكن العاكفين خاصة بالمساجد الجامعة؟
* الشيخ: المساجد الجامعة.
* الطالب: إيه.
* الشيخ: لا، ما هي بخاصة بالجامعة، كل مسجد (...).
* الطالب: يعني (...) الأمر، يعني كل (...).
* الشيخ: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ عام ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧]. لماذا عطف العاكفين على القائمين بالواو؟ والركع عطفها بالواو أيضًا دون السجود، ما قال والركع والسجود؟
* طالب: لأنه أصل الركع السجود في عبادة واحدة.
* الشيخ: نعم، إي نعم، وأما تلك؟
* الطالب: والعكوف (...) عبادة (...).
* الشيخ: وأما الطواف والاعتكاف فكل واحدة عبادة مستقلة. في قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إشارة إلى أدب فما وجهه؟ لأنه لولا خبرناه ما فينا (...).
* الطالب: هذا يشمل بقية الأمور الغيبية.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الإيمان بالله واليوم الآخر يشمل الأمور الغيبية.
* الشيخ: إيه، لماذا؟ إذن لماذا خص اليوم الآخر؟ لماذا لم يقل الإيمان بالله وبس؟
* الطالب: يشمل اليوم الآخر يشمل.
* الشيخ: يشمل الإيمان بالرسل.
* طالب: الإيمان بالله، يشمل الإيمان بالله وملائكته ورسله.
* الشيخ: وكتبه.
* الطالب: وكتبه، وهي كلها (...).
* الشيخ: والقدر خيره وشره.
* الطالب: والقدر خيره وشره، أما اليوم الآخر فهو مختلف؛ يعني يختلف يعني، أما الإيمان بالرسل والكتب والملائكة فهي تابعة للإيمان بالله.
* الشيخ: طيب والإيمان باليوم الآخر من أخبار الله؟
* الطالب: لأن الإيمان باليوم الآخر يحث على العمل.
* الشيخ: إيه، أي: فإنه يوم الجزاء؛ تنبيه بأن حقيقة الأمر أن من لم يؤمن باليوم الآخر ما هو راح يعمل أبدًا مهما كان الأمر، بيعيش عيشة بهيمية، لكن أنه يؤمن باليوم الآخر يعرف أنه بيجازى على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، هذا يحدوه إلى العمل، فنص على الإيمان باليوم الآخر لأيش؟ لأنه يحمل على العمل والإيمان حيث إنه محل الجزاء.
قوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ وأيش إعراب ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾؟
* الطالب: الجملة يعني؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (منْ) اسم موصول بمعنى الذي، كفر: فعل ماضٍ.
* الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟
* الطالب: محل نصب مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
(...) ﴿بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة لقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، وكما أنه يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة شرعية، فإنه قد يبتليهم بأحكام كونية مثل:
* الطالب: المرض.
* الشيخ: إيه مرض، أو مصائب في المال، في الأهل، وما أشبه ذلك عرفتم؟
* ومن فوائد الآية: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجهين؛ من قوله: ﴿رَبُّهُ﴾ حيث أضاف ربوبيته إلى إبراهيم، وهذه ربوبية خاصة، ومن قوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ما قال: فأتى بهن. قال: ﴿أَتَمَّهُنَّ﴾ وهذا لا شك أنه منقبة له عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية: أن من أتم ما كلفه الله به كان من الأئمة لقوله: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ يعني لما أتمهن جُوزي على ذلك بأن جعل إمامًا للناس.
ومنها: فضيلة إبراهيم من قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو لذريته بالصلاح لقوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وإبراهيم طلب أن يكون من ذريته أئمة، وطلب أن يكون من ذريته من يقيم الصلاة ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم ٤٠] فيستفاد منه: مشروعية الدعاء وأيش هو؟ الدعاء للذرية بالإمامة والصلاح.
ومنها من فوائد الآية: أن الظالم لن يكون إمامًا، أو لا يستحق أن يكون إمامًا؟
* طالب: لا يستحق.
* الشيخ: لا يستحق أن يكون إمامًا لقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يعني فالظالم ليس مستحِقًّا لأن يناله عهد الله، لكن قد يكون إمامًا إذا أتى بأسباب الإمامة، وإن كان فيه ظلم، لكن الإمامة الشرعية غير الإمامة التنفيذية، الإمامة الشرعية ما تكون للظالم ولا يستحق أن يكون إمامًا، لكن الإمامة التنفيذية مثل أن يكون خليفة أو ما أشبه ذلك قد يكون هذا لكنه غير أهل لها.
ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الظلم ينزل بأهله إلى أسفل السافلين، ما يجعلهم في قمة، ينزلهم إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأيش تقول؟
* الطالب: ما الجمع بين هذا الظاهر أنه كوني قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ما هو بكوني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني حكم كوني؟
* الشيخ: لا، قد يكون شرعي، يعني معناه أن الله يقول: أعطيك ما طلبت، لكنه لا يستحق هذا من كان ظالِمًا.
* الطالب: يستلزم من هذا أن نقول إن إبراهيم طلب أن يكون هذا شرعيًّا؟
* الشيخ: كيف شرعي؟
* الطالب: يعني إذا قلنا إنه شرعي قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يلزم أن نرجع هذا إلى السؤال فنقول: إن إبراهيم طلب أن يكون.
* الشيخ: إبراهيم طلب أن يكون إمامًا من ذريته عامة، فأجابه الله إلا أنه سبحانه وتعالى استثنى الظالم؛ فإنه لا يستحق أن يكون إمامًا، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يعني معناه أني أعهد بذلك إليك، ولكن عهدي لا يدخل فيه الظالمون.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥].
من هذه الآية يستفاد فضيلة البيت الحرام من وجهين: أنه مثابة، وأمن.
* ومن فوائد الآية: ظهور رحمة الله عز وجل، فإنه لما جعل هذا البيت مثابة والناس لا بد أن يرجعوا إليه رحمهم بأن جعله آمنًا، رحمهم بأن جعله آمنًا.
* ومن فوائد الآية: أنه يجب أن يكون كل مكان مثابة للناس أن يكون آمنًا، ولهذا كره أهل العلم أن يُحمل السلاح في المساجد، قالوا: لأن المساجد محل أمن، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس به، فالمهم أن كل شيء مثابة للناس شرعًا يثوبون إليه شرعًا فإنه يجب أن يكون آمنًا ليأمن الناس في أداء عباداتهم.
* ومن فوائد الآية: وجوب اتخاذ المصلى من مقام إبراهيم لقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وجه الدلالة على الوجوب؟
* الطلبة: الأمر.
* الشيخ: الأمر؛ لأن الأصل فيه الوجوب، فإن قلنا: بأن المراد بالمقام جميع مناسك الحج فلا إشكال، أوْ لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن فيه واجب القيام بعرفة، ومزدلفة، ومنى، وإذا قلنا: المراد به الركعتان بعد الطواف صار فيه إشكال؛ فإن جمهور أهل العلم على أنهما سنة، وذهب الإمام مالك إلى أنهما واجبتان، والذي ينبغي للإنسان أن لا يدعهما؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام فسر الآية بهما، تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى أكرم من عبده، شوف إبراهيم لما أتم الكلمات، وأيش اللي حصل له من الفوائد هذه؟ نتيجة لذلك جعله الله إمامًا للناس، وأمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلى، أمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلى، وهذا بعض من إمامته، وقد يقال أيضًا: إن البيت الذي بناه إبراهيم تعظيمه في الحقيقة يعتبر منقبة لإبراهيم؛ لأن إبراهيم هو الذي بناه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تطهير البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية، كذا؟ قولوا: نعم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من أين نأخذه؟ ﴿عَهِدْنَا﴾ ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ وقد سبق لنا أن العهد هو الوصية بالأمر إلهام. ويؤيد ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]. ولهذا لا يجوز للمشركين ولا غيرهم من أهل الكفر أن يدخلوا أميال الحرم؛ لأنهم إذا دخلوها قربوا منه، قربوا من المسجد الحرام، والله يقول: ﴿لَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
ومنها: اشتراط طهارة مكان الطواف لقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾.
ويؤخذ منه بالأولى اشتراط طهارة لباس الطائفين، وأنه لا يجوز أن يطوف بثوب نجس؛ لأن ملابسة الإنسان للثياب ألصق من ملابسته للمكان، واضح؟
وهل يؤخذ منها وجوب الطهارة من الحدث ولَّا لا؟ قد يؤخذ منها وقد لا يؤخذ؛ وذلك لأن طهارة الحدث ليست نجاسة حسية، فالمحدِث ليس بنجس، وإلا لكان إذا مسك وأنت رطب نجَّسك، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة وهو على جنابة: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة.]].
ومنها من فوائد الآية: أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة لقوله: طهره لهم، ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد؛ في المسجد الحرام مسجد الكعبة، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان مثلًا أن يدور على المسجد الحرام من برّه فإنه لا يجزئه، أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق ولا تحت فهؤلاء يجزئهم.
* طالب: المهم (...).
* الشيخ: لا، المهم أن يكون في المسجد، ولا كان يقول: من وراء العمد ما يجوز.
* الطالب: (...) الطائفين زادوا.
* الشيخ: يعني حتى خرجوا من المسجد؟
* الطالب: حتى خرجوا من المسجد.
* الشيخ: ينتظر لأنهم يفرغوا، ما هم قاعدين (...).
* الطالب: ربما فيه في المستقبل ما جعلهم (...).
* الشيخ: حتى في المستقبل ينتظر حتى يخرج، لا بد أن يكونوا في المسجد.
* الطالب: في حدود المسجد.
* الشيخ: في حدود المسجد. وعلى هذا يجب الحذر من الطواف فوق المسعى؛ لأن بعض الناس يمكن يطوف بالمسعى، المسعى إذا دار يدخل معه؛ لأن المسعى من فوق فيه أبواب ومن تحت فيه أبواب، فقد يطوف مع المسعى، فيجب الحذر؛ لأن المسعى ليس من المسجد، فإن المسعى كما تشاهدون مفصول عن المسجد، وهذا لازم أنه يفصل؛ إذ لو كان من المسجد لكان المرأة إذا حاضت بعد الطواف لا تسعى؛ لأنه يلزمها أن تمكث بالمسجد.
ومنها أيضًا: فضيلة هذه العبادات الأربع: الطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود، حيث أمر بتطهير البيت لهم، هل في كونه بنى الأول جمع الأول جمع مذكر سالمًا والثاني جمع تكسير هل فيه فائدة حكمية؟ ولا فائدة لفظية؟ يعني قال: للطائفين والعاكفين والراكعين والساجدين بل قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾؟
قد يقال: إن الطائفين والعاكفين والركع، الركع هذه (فُعَّل) تدل على الكثرة؛ لأن الصلاة فيها ركوعين، أقل ما فيها ركوعين، وأقل ما فيها أربع سجدات، هذه الثنائية، أما الوتر ففيه ركوع واحد وسجودان.
وقد يقال: إن هذا من باب الاختلاف التعبيري؛ لأنه من البلاغة أن تأتي الألفاظ مختلفة؛ لأنه أنشط، والله أعلم.
* طالب: شيخ، كما يكون عشر سجودات؟
* الشيخ: في صلاة واحدة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: في صلاة واحدة فريضة يعني؟ فريضة ست سجودات؟
* الطالب: صلاة المغرب (...).
* الشيخ: إيه، عشر ولا ست؟ ست تشهدات، تشهدات (...) ست تشهدات.
* الطالب: (...).
* الشيخ: تشهدات؟ ما ندري على كل حال إن هذه نادر ما تحصل ست تشهدات نادرة.
* الطالب: الصلاة في المسعى تجزئ الإنسان يكون في المسجد؟
* الشيخ: لا، اللهم إلا إذا كانت الصفوف متصلة، إذا كان مملوء الحرم والمسجد واتصلت الصفوف، (...).
* الطالب: شيخ، صلاة النبي عليه الصلاة والسلام عند المقام وقراءته الآية ما فعله؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: قراءة النبي.
* الشيخ: يجوز أن يكون قالها على سبيل التمثيل.
* الطالب: أمس ذكرنا في تفسيرها قلنا: ما يجوز العدول عنها؟
* الشيخ: لا، قلنا: هذه يرجح ذلك، لكن ما يمنع، قلنا: هذا يرجح إلا أنه ما يمنع.
* الطالب: لماذا لم يقرأ الآية حين وقف بعرفة وحين وقف بمزدلفة ما قرأ؟
* الشيخ: قد يكون لما أنه عليه الصلاة السلام ابتدأ الطواف وصلى؛ لأنه ما أحل- كما تعرف- ما أحل من إحرامه، ولا يلزم أن يستشهد لكل فعل بالآية، إنما هو لا شك مما سبق أن هذا يرجح أن المراد الركعتين فقط.
يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٢٦] إلى آخره.
في هذه الآية التنويه بفضل إبراهيم؛ لأن قوله: ﴿إذْ قَالَ﴾ سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قال، ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه والإعلام ما أُمر به، فإذن في هذا دليل على فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث نُوِّه عن قوله هذا.
* ومن فوائد الآية: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته، ما أحد يستغني عن الدعاء أبدًا لقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن للدعاء أثرًا في حصول المقصود سواء كان دفع مكروه أو جلب محبوب، فهمت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لأنه لولا أن للدعاء أثرًا لكان الدعاء عبثًا، وقول من يقول: ما حاجة للدعاء إن كان الله كاتب لي هذا هو اللي بيحصل دعوت ولا ما دعوت، وإن كان ما هو مكتوب لك ما هو حاصل دعوت أو ما دعوت، فإن جوابنا على هذا أن نقول: ولكن قد يكون مكتوبًا وأيش بناء عليه؟
* الطلبة: على الدعاء.
* الشيخ: على دعائك، مكتوب، لكن بشرط أن تدعو، فإذن ادعُ الله، كما أنه لو قال قائل: أنا والله ما أنا بآكل طعام، إن كان الله يريد الحياة فأنا بأحيا لو ما أكلت، وإن كان يريد أني أموت بأموت ولو مليت بطني إلى الحلقوم، وأيش نقول؟ ولكن الأكل سبب للحياة، فإنكار أن يكون الدعاء سببًا هذا إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أُخبرنا به، وفيما شاهدناه، وفيما جرى علينا أن الله سبحانه وتعالى يجيب الدعاء، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: فالله تعالى قص علينا في القرآن قصصًا كثيرة فيها إجابة للدعاء، وسمعنا أيضًا عن غيرنا مما لم يُقصّ في القرآن قضايا كثيرة فيها إجابة الدعاء، وكذلك جرى للإنسان، يجري للإنسان نفسه أشياء يدعو الله بها فيشاهدها رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعائه، فإذن الشرع والواقع كلاهما يرد على من أبطل تأثير الدعاء.
* طالب: شيخ، القول بأن إبراهيم لما أُلقى في النار قال: أما منك فلا يا جبريل ومن الله، بلى، نظره لحالي يكفي عن سؤالي، هل يستقيم؟
* الشيخ: لا، لا، كذب، هذا كذب علمه بحاله يكفي عن سؤالي أو يغني عن سؤالي هذا كذب.
ومنها، من فوائد الآية: قلنا منقبة إبراهيم (...) بهذا الدعاء.
ومنها أيضًا: رأفته عليه الصلاة والسلام بمن يؤم هذا البيت؛ لأن جعل البيت آمنًا يتضمن الإرفاق بمن أمه من الناس.
ومنها أيضًا، من فوائد الآية: رأفة إبراهيم أيضًا حيث سأل الله أن يرزق أهله من الثمرات لقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.
ومن فوائده: أدب إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث لم يعمم في هذا الدعاء، بل قال: ﴿ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ خوفًا من الله أن يقول له: من آمن فأرزقه، لكن المسألة صارت على عكس الأولى، الأولى خصص الله دعاءه، وهذه بالعكس عمم.
* ومن فوائد الآية: أن رزق الله شامل للمؤمن والكافر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فالرزق عام شامل للمؤمن والكافر، بل للإنسان والحيوان ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦].
وأنت ترى بعض الخشاش في الأرض ما حوله شيء، ولكن ييسر الله له الرزق، يجلبه إليه من حيث لا يشعر ولا يحتسب، ويُذكر في هذه الأمور قصص غريبة، يشاهَد بعض الحيوانات الصغيرة الصماء العمياء، يجلب الله لها رزقًا فتأكل كل ما احتاجت إلى ذلك، والله على كل شيء قدير.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن رزق غير المؤمنين لا يستمر لقوله: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة ١٢٦].
ويؤخذ من مفهوم الآية الكريمة: أن المؤمنين رزقهم يستمر؛ لأن الله تعالى إنما قيد الإمتاع القليل بمن؟ بالكافرين؛ فمعنى ذلك أن رزق الله تعالى على المؤمنين مستمر، وأقول: إن رزق الله للمؤمنين جنة في الدنيا وفي الآخرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٥٦].
فهذا الاستثناء عند أكثر أهل العلم استثناء، وأيش نوعه؟ منقطع، ولكنه في الواقع حتى لو قلنا: بأنه منقطع، وأن المعنى لكن الموتة الأولى قد ذاقوها فلا يموتون مرة ثانية كما قال أبو بكر:« والله لا يجمع الله عليك موتتين. »[[ أخرجه البخاري (١٢٤٢) من حديث عائشة.]] لكن يشير إلى أن أهل الجنة في نعيم في الدنيا وفي الآخرة، وهذا هو الواقع؛ لأنه ما يوجد أحد أنعم بال ولا أسر من أهل العلم والإيمان لقوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
وقال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف، والإنسان يجد راحة عظيمة في الطاعة إذا صار إنه في صفاء القلب والإخلاص والإيمان وجد لذة ما يمكن تُوزن بها الدنيا كلها، ولهذا الرسول سمَّى هذا حلاوة؛ حلاوة الإيمان. إذن فهناك طعم يدركه الإنسان، وربما يصل الأمر إلى أن يجد ريح الجنة وهو في الدنيا كما قال أظنه أنس بن النضر:« إني لأجد رِيح الجنة دون أُحد. »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٤٨)، ومسلم (١٩٠٣ / ١٤٨)، واللفظ للبخاري من حديث أنس بن مالك. ]] وهو في الغزوة فأطلعه الله على ريح الجنة وهو في الدنيا، وهذا من كرامة الله للإنسان لأجل إذا تنشق هذا النسيم (...) ما عادل به الدنيا كلها، بل يتطلب هذا الأمر الذي أدركه بحسه بعد أن أدركه بقلبه بما أخبر الله به، بكتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ومنها: إثبات عذاب النار.
* طالب: (...) من قول ابن تيمية.
* طالب آخر: ولكن يؤخذ يا شيخ منه جواز الاستثناء (...)؟
* الشيخ: كيف الاستثناء، وأيش نوعه؟
* الطالب: استثناؤه سبحانه وتعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾.
* الشيخ: الاستثناء، كيف الاستثناء؟ وين الاستثناء؟
* الطالب: الاستثناء في ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾.
* الشيخ: هذا تعميم، الاستثناء في قول إبراهيم: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾. فإن هذا بدل يقتضي إخراج بعض الأفراد؛ أفراد الأهل، هذا هو اللي فيه استثناء؛ يعني قصدي الاستثناء بالمعنى لا بالاصطلاح، وإن كنت تريد الاستثناء اللي مثل: اللهم اغفر لي إن شئت، فليس في الآية دليل عليه.
* طالب: لا، أقول: يستثني واحد، اللهم اغفر (...)؟
* الشيخ: إيه، يمكن هذا يجوز أنه يستدل بالآية على تخصيص ما هو بالاستثناء؛ يعني تخصيص الدعاء للإنسان مقيدًا بوصف معين، مثل: اللهم إن كان ظالِمًا فاجزه على ظلمه أو فانتقم لي منه، أو ما أشبه ذلك.
وفي الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل لقوله: ﴿قَالَ﴾ أوْ لا؟ وأنه بحرف وصوت، وأيش الدليل إنه بحرف؟
* الطلبة: ﴿قَالَ﴾.
* الشيخ: قال هذه خبر عن قوله.
* طالب: متكونة من حروف.
* الشيخ: لأنه ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ مثلًا متكونة من حروف، هذه من حروف فهو حرف، لكن ما الدليل على أنه بصوت؟
* طالب: إجابته لإبراهيم.
* طلبة: في إجابة (...).
* الشيخ: المحاورة مع إبراهيم، فلولا أن إبراهيم يسمع ما صحت هذه المحاورة.
ومنها: إثبات سمع الله؛ لأنه يسمع إبراهيم وهو يكلمه سبحانه وتعالى.
ومنها أيضًا: إثبات اليوم الآخر.
هذه معطوفة على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني فأرزقه. وقلنا فيما سبق: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما قال: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ أخذًا بتأديب الله عز وجل حيث قال في أول الأمر: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. والكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي (كافور النخلة)؛ لأنه يستر الطلع، ولكنه في الشرع: هو الخروج عن الإسلام، يعني من ليس بمسلم فهو كافر، وقد سبق لنا أن الكفر يدور على أمرين: أحدهما: الاستكبار، والثاني: الجحود، ثم هل الكفر والشرك سواء، أو بينهما عموم وخصوص، أو متباينان تباين الغيرين؟
نقول: بينهما عموم وخصوص، فكل مشرك فهو كافر، وليس كل كافر مشركًا، فالذي يكذب ويجحد هذا ليس بمشرك، لكنه كافر، والذي يدعو مع الله إلهًا آخر هذا مشرك، وهو في نفس الوقت كافر، فالنسبة بينهما العموم والخصوص، اللهم إلا أن يريد القائل أن يريد بالشرك اتباع الهوى، فإن اتباع الهوى شرك بالمعنى الأعم، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣] فجعل الله سبحانه وتعالى اتباع الهوى من باب التأله له، وعلى هذا فنقول: إن أريد به المعنى الأعم للشرك فكل كافر مشرك بهذا المعنى، لكن من حيث المعنى الاصطلاحي المحدِّد لمفهومه فإن الشرك بينه وبين الكفر أيش؟
* طالب: عموم وخصوص.
* الشيخ: عموم وخصوص. وقوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ وفي قراءة ﴿فَأُمْتِعُهُ﴾ من الإمتاع أو من التمتيع، والمراد بالتمتيع أو الإمتاع أن يعطى الإنسان بلغته من الدنيا، أن يعطى البلغة من الدنيا يتمتع به ما شاء الله، ولكنه قال: ﴿قَلِيلًا﴾ ما هذا الزمن الذي وصفه الله بالقلة؟
هو الدنيا، والقلة هنا تتناول الزمن، وتتناول عين الإمتاع، عين الإمتاع والزمن يعني زمنه وعينه، فالزمن قصير مهما طال بالإنسان العمر فإنه قصير، مهما طال بالإنسان العمر فهو قليل، قال الله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف ٣٥].
كذلك أيضًا عين الممتَّع به قليل حتى ما يحصل للإنسان في هذه الدنيا من اللذة والمتاع هو في الحقيقة قليل؛ لأنه مشوب بتنغيص في نفس المتاع وفيما يحيط به قبله أو بعده، كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ ويقول الشاعر الآخر: ؎لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَــــــــــــــوْتِوَالْـــــــــــهَرَمِ فصار القلة في الدنيا من وجهين؛ الوجه الأول: الزمن، فإنه مهما طال الزمن بالإنسان فهو قليل، والناحية الثانية: نفس الممَتَّع به، فإنه قليل؛ لأنه ليس بكامل فهو ناقص مسبوق بتنغيص وملحوق بتنغيص، وهو بنفسه أيضًا ليس بكامل.
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أي: ألجئه إلى عذاب النار، وإنما جعل الله ذلك إلجاءً؛ لأن كل إنسان يفر من عذاب النار، لكنه- والعياذ بالله- لا بد له منها؛ لأنه هو الذي فعل الأسباب التي توجبها، فما دام فعلها- أي فعل الأسباب التي توجب النار- فإنه ونفسه، ولهذا قال: ﴿أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾. وإذا شئت أن يتبين لك أن هذا الأمر اضطراري فانظر إلى ما ذكره الله تعالى عن حال الظالمين عند الاحتضار: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام ٩٣].
فكأنهم يشقون بأنفسهم ويمنعونها، ويقال لهم: أخرجوا أنفسكم بخلاف المؤمن- نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فإنه عند الاحتضار تفرح نفسه بالخروج ويسهل عليه مفارقة البدن؛ لأنها تُبشّر بروح وريحان ورب غير غضبان، فإذن هي تعرف من الآن، تبغي تنتقل من الدنيا إلى هذا النعيم بخلاف الذين يقال لهم- والعياذ بالله- ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ العذاب معناه: العقوبة التي يتألم بها المرء، و﴿النَّارِ﴾ اسم معروف. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هذه إعرابها قد يُشكل عليكم لأنه ما مر علينا هذا الباب. ﴿بِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿بِئْسَ﴾: فعل ماضٍ جامد إنشائي يُراد به الذم، فهو فعل جامد للذم، إنشاءً ولَّا خبرًا؟
* الطلبة: إنشاء.
* الشيخ: إنشاء، و﴿الْمَصِيرُ﴾: فاعل ﴿بِئْسَ﴾. ويقولون: إن (بئس) و(نِعم) وما أشبهها لا بد لها من فاعل ومخصوص، فالفاعل هو المصير والمخصوص محذوف تقديره: وبئس المصير هي؛ لأنه لو لم تُقدِّر هذا ما صارت الجملة عائدة على ما سبق. فإذن نقول: المخصوص محذوف تقديره: هي، وبئس المصير هي، والمصير بمعنى مكان الصيرورة؛ أي: المرجع الذي يصير إليه الإنسان، وهذا كلام الله جل ذكره عن النار يُثني عليها بهذا الذم، وأنها بئس المصير، كل إنسان يسمع هذا من كلام الله عز وجل سوف ينفر من هذه النار، ولا يعمل عمل أهلها.
* طالب: شيخ، المصير هل هي المكان ولَّا نفس المآل؟
* الشيخ: هي مكان الصيرورة؛ يعني هذه مصير يسمونه بيجينا أو نعمل به هنا اسم مكان اسم زمان ومصدر، كلها تبدأ بالميم فعلى حسب السياق تكون مصدرًا ميميًّا، أو تكون ظرف مكان أو ظرف زمان.
* طالب: (...) في القرآن (...)؟
* الشيخ: كيف يعني؟
* طالب: مثال لاسم مكان ثم كانت صيرورة.
* الشيخ: لا، في هذا الموضع في مثل هذا التركيب ما كانت صيرورة، كلما شاء.
* الطالب: يعني تكثر في القرآن ﴿وبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ و﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* الشيخ: إي نعم، هذا في نفس الشيء، ما كانت صيرورة.
* الطالب: بئس المصير مصيرهم ولَّا؟
* الشيخ: لا، بئس المصير هي؛ لأنه قال: ﴿عَذَابِ النَّارِ﴾. وبئس المصير هي أي: النار، يعود على النار.
البقرة 2:125
ثم قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] من المبتلِي؟ الله، (إبراهيم) هو الذي يلي الفعل؟ وابن مالك يقول:
وَالْأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أَنْ يَتَّصِلَا ∗∗∗ وَالْأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلَاولكنه قال: ؎وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلَافِ الْأَصْلِ ∗∗∗ ......................... وهذا مما جاء على خلاف الأصل، فـ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعول مقدم، و﴿رَبُّهُ﴾ فاعل مؤخر، وهذا الترتيب على هذا الوصف على هذا الوجه واجب ولَّا جائز؟
* الطلبة: واجب.
* الشيخ: واجب؛ لأن الضمير لو قدمت فاعل عاد الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة وهذا ممنوع؛ ولهذا قال:
........................ ∗∗∗ وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ وهذا شاذ ما يقاس عليه، أما نظير الآية: ؎وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ ∗∗∗ ..................... ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ إبراهيم فيها قراءة: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهَامَ رَبُّهُ﴾ إبراهام، لغة عربية تقرأ باللغة العربية (إبراهام).
* طالب: إبراهام؟
* الشيخ: بالميم، المهم أنه بدل الياء الألف، بدل (إبراهيم) (إبراهام).
* طالب: سبعية؟
* الشيخ: إي، سبعية.
* طالب: اختلفت الحروف؟
* الشيخ: لا، ما اختلفت.
* طالب: فالياء؟
* الشيخ: إي، لكن تكتب الألف ياء بالرسم العثماني تكتب قصاد الياء.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم، وهي من الربوبية الخاصة؛ لأنه سبق لنا أن قلنا: إن الربوبية بإزاء العبودية، فكما أن العبودية نوعان: خاصة وعامة، فالربوبية أيضًا نوعان: خاصة، وعامة، وقد اجتمعا في قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ١٢١] هذه عامة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] هذه خاصة، فهنا ربوبية خاصة، ولا شك أن ربوبية الله سبحانه وتعالى للرسل، ولا سيما أولو العزم منهم وهم؟
* طالب: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ.
* الشيخ: نعم، أنها أخص الربوبيات.
وقوله: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ هذا الذي ابتلي به، والابتلاء هو الاختبار والامتحان، هذه الكلمات، ما هذه الكلمات؟ هل هي كونية، أو شرعية، أو من الكونيات والشرعيات؟ الله سبحانه وتعالى أطلقها، فهي كلمات كونية وشرعية، أو جامعة بينهما، فما هذه الكلمات؟ اختلف فيها المفسرون، وأصح الأقوال فيها: أنها كل ما أمر الله به إبراهيم كونًا أو شرعًا، كل ما أمره به، أو قدَّره عليه فهي كلمات، فمن ذلك مثلًا ابتلي بالأمر بذبح ابنه، ذبحه ولَّا لا؟
* الطلبة: ذبحه.
* الشيخ: ذبحه؟
* طالب: ما ذبحه.
* الشيخ: إي نعم، يعني قال الله له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٥] فهو ذبحه حكمًا، وإن لم يذبحه حقيقة، امتثل لأمر الله، وهذا امتحان ولَّا لا؟ امتحان من أعظم الامتحانات، كذلك أيضًا امتحنه الله تعالى بأن أوقدت له النار وألقي فيها، وهذا من الكلمات الكونية، صبر ولَّا لا؟ صبر، صبر واحتسب، وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر ومصابره، أو أمره به كذلك فهو داخل في قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ هذا هو الصحيح، ومنهم من قال: إن الكلمات التي ابتلاه بها: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وهذا في الحقيقة ما فيه امتحان، بل هذا نتيجة الامتحان لما امتحنه الله ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾، أتم هذه الكلمات الكونية أو الشرعية، من الذي يستطيع أن يتم كل كلمات الله عز وجل الكونية والشرعية؟ ما كل أحد يصبر على ذلك إلا من وفقه الله؛ ولهذا وصف الله إبراهيم بأنه وَفَّى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٧] أي: تمم ما أمره الله به، وابتلاه به.
لما أتمهن، الله جل وعلا أكرم من عبده، أعطاه الله هذه الإمامة، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ولَّا لا؟ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة ٢٤]، هذه واحدة، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ هذه الثانية، إبراهيم من هؤلاء الجنس ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
﴿جَاعِلُكَ﴾ مُصَيِّرك، وهي تنصب مفعولين؛ لأنها مشتقة من (جعل) التي بمعنى (صَيَّر)، والمفعول الأول الكاف اللي هي في محل جر بالإضافة، والمفعول الثاني ﴿إِمَامًا﴾.
والإمام من يقتدى به سواء في الخير أو في الشر، لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير.
فإذا قال قائل: أرونا دليلًا على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟
قلنا: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص٤١]، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وُزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وهذا لأنه إمام، صار متبوعًا.
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ﴿لِلنَّاسِ﴾ عامة ولَّا لا؟ عامة فيمن أتى بعده، لا من كان قبله، لكن فيمن أتى بعده صار إمامًا، حتى لخاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣] فهو إمام.
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: واجعل من ذريتي إمامًا، وهنا ﴿مِنْ﴾ هذه للتبعيض ولَّا لبيان الجنس؟ يحتمل لبيان الجنس، وبناء على ذلك تصلح ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ لجميع الذرية، يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة، ويحتمل أن يكون للتبعيض، وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إمامًا، أيهما أقرب؟
* الطلبة: للجنس.
* الشيخ: يعني: أنه سأل الله أنه يجعل كل ذريته أئمة؟ يحتمل هذا وهذا، لكن مهما كان، سواء قلنا: إنها لبيان الجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أعطاه ذلك مقيدًا فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا حتى البعض ما كل البعض يكون إمام، على كل حال إنه سواء قلنا للجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أجابه إجابة مقيدة فقال: ﴿لَا يَنَالُ﴾ أي: لا يصيب، ﴿عَهْدِي﴾ أي: تعهدي لك بهذا، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ الظالمين من ذريتك، سواء كان الظلم عامًّا أو خاصًّا، أكبر أو أصغر، فالظالم لا يكون إمامًا؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ﴿عَهْدِي﴾ فاعل، و﴿الظَّالِمِينَ﴾؟ مفعول به، يعني: أجعل من ذريتك إمامًا، ولكن الظالم لا يدخل في ذلك؛ ولهذا لم يول الله تعالى ظالمًا على وجه التعهد، ولكنه قد يرد عليك أن من ذرية إبراهيم من هو ظالم، ولكن ليس ظلمًا أكبر ولَّا لا؟ مثل من؟
* طالب: الحجاج.
* الشيخ: أي بس ما هم بأئمة، مثلًا من خلفاء بني أمية من هو ظالم، من خلفاء بني عباس من هو ظالم، لكنه ما سمعنا أن أحدًا منهم ظلم ظلمًا أكبر يخرج به من الإسلام، ويأتي إن شاء الله تحقيق لهذه المسألة.
قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، ما معنى الابتلاء؟
* طالب: الاختبار.
* الشيخ: الاختبار، وما الذي نصب ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؟
* الطالب: مفعول.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: مفعول لـ﴿ابْتَلَى﴾.
* الشيخ: أين الفاعل؟
* الطالب: ﴿رَبُّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿رَبُّهُ﴾.
في ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ قراءتان؟
* طالب: فيه ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وفيه ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ .
* الشيخ: إبراهام، في كل موضع في البقرة، كل ما جاءت في البقرة ففيها قراءتان إبراهام وإبراهيم، في غير البقرة فيه اختلاف.
ما هي الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم؟ ما هي الكلمات؟ هل هي كونية ولا شرعية؟
* طالب: كونية وشرعية.
* الشيخ: كونية وشرعية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: اثبت؟ نعم، زين، الكونية مثل؟
* الطالب: الكونية مثل: (...) في النار.
* الشيخ: إلقاؤه في النار، زين، والشرعية؟
* الطالب: الشرعية، مثل ما ترك زوجته وابنه، وعندما قتل ابنه.
* الشيخ: أُمِر بذبح ابنه.
* الطالب: أُمِر بذبح ابنه.
* الشيخ: وكذلك أيضًا تكسير الأصنام وغيره، إذن الصحيح أن هذه الكلمات معينة ولا غير معينة؟
* طالب: غير معينة.
* الشيخ: غير معينة، لكنها كلمات عظيمة فيها ابتلاء وامتحان.
قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ويش معنى ﴿إِمَامًا﴾؟
* طالب: يعني: الإمام هو القدوة الذي يؤتم به.
* الشيخ: في الخير أو في الشر؟
* طالب: في الخير، وتكون في الشر.
* الشيخ: وتكون في الشر، مثل؟
* طالب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١] .
* الشيخ: إي، ﴿أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾.
وقوله: ﴿إِمَامًا﴾ ما الذي نصبها؟
* طالب: ﴿إِمَامًا﴾؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: نصبها (جاعل).
* الشيخ: (جاعل) على أنها؟
* الطالب: مفعول.
* الشيخ: أول، ولا ثان، ولا ثالث؟
* طالب: ثانٍ.
* الشيخ: ثان؟
* طالب: الكاف الأول و﴿إِمَامًا﴾ ثانٍ.
* الشيخ: و﴿إِمَامًا﴾ ثان.
* طالب: وإمامًا ثان.
* الشيخ: ثان؛ لأن ﴿جَاعِلُ﴾ من جعل، وهي تنصب.
* طالب: مفعولين.
* الشيخ: مفعولين.
قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ويش معنى قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؟
* طالب: أي: واجعل من ذريتي.
* الشيخ: أئمة.
* الشيخ: هل أجاب الله هذا الدعاء؟
* طالب: أجابه إجابة مقيدة.
* الشيخ: مقيدة؟ في قوله؟
* طالب: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
* الشيخ: في قوله: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
ما المراد بالعهد هنا؟
* طالب: الإمامة.
* الشيخ: لا ينال عهدي؟ من يعرف؟ يعني: ما أتعهد به لك لا ينال الظالمين، يعني: كأنه يقول: أتعهد لك بذلك وأعطيك به عهدًا إلا أنه لا ينال الظالمين.
قال: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (إذ) هذه ظرفية، وهي متعلقة بمحذوف تقديره؟
* طالب: اذكر.
* الشيخ: اذكر، يعني: اذكر يا محمد للناس هذا الأمر الذي صيرناه للناس.
و﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى صيرنا.
و﴿الْبَيْتَ﴾ (أل) هنا للعهد الذهني، والمراد به الكعبة؛ لأنها بيت الله عز وجل، وأتي بها ثم بـ (أل) للتفخيم والتعظيم، يعني: البيت المعهود الذي لا يجهل ولا ينسى، جعلناه مثابة.
المثابة بمعنى المرجع، أي: يثوب الناس إليه ويرجعون إليه في كل أقطار الدنيا، سواء ثابوا إليه بأبدانهم أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجًا أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم، والذين يتجهون إليه كل يوم في صلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم، فإنهم لا يزالون يتذكرون هذا البيت في كل يوم وليلة، بل هو من شروط صحة صلاتهم.
وقوله: ﴿وَأَمْنًا﴾ أي: وجعلناه أمنًا للناس.
«وَلَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس ولفظ البخاري: «فلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلَي ولا لأَحَدٍ بعدِي، أُحِلّتْ لِي ساعَةً مِن نَهَارٍ». ]] للضرورة فقط؛ لأنه ما يمكن أن يُخلص هذا البيت من هذا الشرك إلا بهذا الإحلال، أحلها الله له ساعة من نهار للضرورة؛ وهي ساعة الفتح. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي. ]] فإذن حرمت حتى على الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا معنى كونها أمنًا، قال عليه الصلاة والسلام مجيبًا عن سؤال قد يُفرض: «وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[سبق تخريجه. ]].
والحكم لله العلي الكبير أذن للرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الساعة، ولكن لم يأذن لأحد، وهذا إذن هذا معنى كونه أمنًا أن الناس يأمنون، وإنما كان أمنًا؛ لأنه مكان عبادات ومناسك، ومشاعر، فلو أنه كان مخافة ما أدى الناس فيه عباداتهم على الوجه الأكمل، ولهذا نُهي عن حمل السلاح في الحرم حتى يبقى كل إنسان آمنًا، وبهذا نعرف عظم جرم أولئك الذين يوقعون المخاوف بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم-والعياذ بالله- من أعظم الناس جرمًا؛ لأن الله تعالى جعل هذا البلد آمنًا في كل وقت، فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أُمِّن إلا لأجلها، فهذا- والعياذ بالله- انتهاك لحرمات الله عظيم، ولهذا يجب أن يكون هذا البلد آمنًا، ولما طُعن ابن عمر رضي الله عنه وهو على راحلته في مِنى، طعنه أحد الخوارج طعنه بخنجر معه حتى لزقت رجله بالركاب رضي الله عنه، جاءه الحجاج يعوده.
* طالب: ابن عمر كان؟
* الشيخ: إي نعم ابن عمر، جاءه الحجاج يعوده فقال له: أنت الذي فعلت بنا هذا، فقد كنت أنهاك أن يحمل أحد السلاح في الحرم[[أخرجه البخاري (٩٦٦).]] فهذا دليل على أن هذا البيت آمِن أمن كامل، قال لله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]. وهذا المأمن عام حتى للكفار إلا أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] دفاعًا ولَّا طلبًا؟
* الطلبة: دفاعًا.
* الشيخ: دفاعًا، وفرق بين قتل الدفاع وقتل الطلب.
* طالب: هل الجعل هنا كوني أو شرعي؟
* الشيخ: لا هذا شرعي.
* طالب: شيخ، لو (...) في دين كفار ما يستقل منه؟
* الشيخ: يعني ما يمكن يتولى عليها الكفار أبدًا؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس.]] ولا يمكن إنه يهاجر إلا إذا كان بلد كفر.
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥] اتخذوا: اجعلوا.
* الطالب: (...) يا شيخ، ما يرد على هذا؟
* الشيخ: لا، ما يرد على هذا؛ لأن هذا يسلط عليه ولا يبقى فيه.
وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ أي صَيّروا، أو اجعلوا، وفيها قراءتان إحداهما: ﴿اتَّخِذُوا﴾ بفعل الأمر، والثانية: ﴿اتَّخَذُوا﴾ بفعل الماضي، أي: واتخذ الناس، مثابة للناس واتخذوا من مقام إبراهيم. أو: واتخذوا أنتم من مقام إبراهيم مصلى. وقوله: ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام مكان القيام، ويطلق إطلاقين: إطلاقًا عامًّا وهو مكان قيامه في العبادة، وإطلاقًا خاصًّا وهو مقامه لبناء الكعبة، فعلى الأول الإطلاق الأول يكون جميع مواقف الحج ومشاعر الحج يكون من مقام إبراهيم، عرفتم؟
على الإطلاق الأول أن المراد بالمقام مقامه للعبادة يشمل جميع مشاعر الحج: عرفة، مزدلفة، الجمرات، والصفا، والمروة، إلى آخره، وعلى القول الثاني الخاص الإطلاق الخاص يُطلق على الحجر المعين الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليرفع قواعد البيت، وهو هذا المقام المشهور، معروف للجميع. وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مصلى، هل المراد مكان للصلاة اللغوية وهي الدعاء؟ أو مكان للصلاة الشرعية؟
* الطلبة: الشرعية.
* الشيخ: على الأول، على الأول يكون مكانًا للدعاء، وعلى الثاني مكانًا للصلاة الشرعية المعروفة، والرسول ﷺ حين أقبل عليه بعد ما طاف قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام فسرها بالمعنى الخاص، بالمقام الخاص، ولكن كثيرًا من المفسرين فسروها بالمعنيين، وقالوا: إن هذا ذكر لبعض أفراد العام؛ لأنه يدخل فيه، الخاص يدخل في العام، ولا عكس.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام الخاص الذي هو الحجر الذي كان يرفع عليه بناء الكعبة اختلف المؤرخون هل كان لاصقًا بالكعبة، أو كان منفصلًا عنها في مكانه الآن؟
فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقًا بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة، أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فالظاهر أنه لا يجوز أن يُغيّر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقره، وإذا أقره النبي عليه الصلاة والسلام فليس لنا أن نؤخره عنه، وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها بعض العلماء، وممن قرظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة، بناء على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أُخِّر، وهذا لا شك أنه لو أُخر عن مكانه فيه دفع مفسدة؛ وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في أيام المواسم، وفيها نوع مضرة أو نوع مفسدة؛ وهي أنه يُبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في غير أيام المواسم المطاف يكاد يكون خاليًا ما هو كثير الناس، نخليه مثلًا عند الرواق معناه أنه يبعد عليهم أنه يبعد على الناس، (...) يعني المصالح متعارضة هنا؛ هل الأولى بقاؤه في مكانه أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يُبقى ما كان على ما كان، وحذرًا أيضًا من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة، ومسألة التضييق؛ تضييق المصلين على الطائفين، هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت، أو بالمنع بالقهر إذا لم تُفد، وهي في الحقيقة في ظني أنها في السنوات الأخيرة قلَّت بعض الشيء، في هذا العام أشوف أنها قليلة؛ لأن الناس صار عندهم توعية.
* طالب: لو يؤخر يا شيخ يصير ملعبة (...) حد يؤخره، كل خليفة يصير له نظر.
* الشيخ: والله يمكن، كل واحد يصير له نظر.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك ركعتي المقام إذا كان في أثناء الحج يزدحم المسجد يجوز صلاتهما في خارج المسجد؟
* الشيخ: إي نعم، يجوز؛ لأن هاتان الركعتان مشروعتان، ولهما مكان أفضل من غيره؛ وهو خلف المقام، فإذا لم يتيسر المكان بقيت المشروعية.
* الطالب: حتى لو خارج المسجد؟
* الشيخ: حتى لو خارج، عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاهما في ذي طوى في مكان بعيد.
* طالب: الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ يعني سنة إن الواحد (...) بعد الطواف؟
* الشيخ: إي نعم، سنة. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مفعول ثاني لـ (اتخذوا) ولَّا مفعول أول؟
* الطلبة: مفعول أول.
* الشيخ: مفعول أول؟ والثاني؟
* الطلبة: الجار والمجرور.
* الشيخ: الجار والمجرور المقدر، وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ هل هو منصوب بالفتحة ولَّا بفتحة مقدرة؟
* طالب: الأخير، منصوب بفتحة مقدرة.
* الشيخ: بفتحة مقدرة، ولهذا هو مكتوب بالياء، يعني أنه معتل بالألف مُصلًّى فهو منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والتنوين الذي فيه؟
* طالب: تخفيف.
* الشيخ: عوض، عوضًا عن الألف المحذوف. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أو ﴿إِلَى إِبْرَاهَامَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة ١٢٥]. ﴿عَهِدْنَا﴾ العهد: الوصية لما هو هام، وليست مجرد الوصية بل لا تكون عهدًا إلا إذا كان الأمر هامًّا، ومنه مثلًا: عهد أبو بكر بالخلافة إلى عمر؛ أي: أوصى بها إليه، ومعلوم أن أهم ما يكون من أمور المسلمين الخلافة.
وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابن إبراهيم، وهو أبو العرب، وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني هو الذي أمر الله إبراهيم أن يذبحه، وهو الذي قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢].
وقول من قال: إنه إسحاق بعيد، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه عمهم، أبو العرب، ولكن من تأمل آية الصافات أو آيات الصافات علم علمًا يكاد قريبًا من اليقين أن الذبيح إسماعيل؛ لأن الله تعالى ذكر في أثناء هذه الآيات قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢] بعد ما ذكر القصة كاملة قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١١٢، ١١٣] فكيف يكون بالأول يتحدث عن همه بذبحه والمحاورة التي جرت بينه وبينه، ثم يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾؟
البشارة ما تكون إلا بعد، فلو كان إسحاق هو الذبيح ما استقام أن يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ ﴿عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ (أن) هذه مخففة من الثقيلة؟
* طالب: مصدرية.
* الشيخ: ما هي مصدرية.
* طالب: مفسرة.
* الشيخ: المفسرة يكون بعدها أمر ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ﴾ [المؤمنون ٢٧] الظاهر أنها مصدرية.
* طالب: ﴿طَهِّرَا﴾ أليست أمر؟
* الشيخ: إيه لها علة، صحيح، طهِّرا، نعم، فعلًا إذن تصلح أن تكون تفسيرية؛ لأن عهدنا فيه معنى القول دون حروفه، فتكون تفسيرية؛ أي: أن العهد هو قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ طهِّرا: فعل أمر وقوله: ﴿بَيْتِيَ﴾ المراد به الكعبة، وأضافها الله تعالى إلى نفسه إضافة تشريف، وليست إضافة جزء ولا إضافة صفة، فهي إضافة تشريف، وبهذا نعرف أن المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين أو ثلاثة؟
* طالب: ثلاثة.
* الشيخ: الأول: أن تكون عينًا قائمة بنفسها.
الثاني: أن تكون وصفًا في ذلك العين أو في تلك العين.
والثالثة: أن تكون وصفًا لله، فإذا كان عينًا قائمة بنفسها فإضافته إضافة تشريف؛ مثل: ناقة الله، وبيت الله، وإذا كان وصفًا يتصل بعين مثل: الروح إذا قلنا إنها وصف، أو أنها جسم يتصل بجسم آخر مخلوق فهو أيضًا مخلوق، فهو إضافة تشريف وهو مخلوق مثل: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر ٢٩] وإذا كان وصفًا فإنه يكون صفة لله، يعني إذا كان المضاف معنى لا يقوم بغير الله فإنه يكون وصفًا لله مثل: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]، ومثل: عزة الله، وقدرة الله، وما أشبه ذلك، هنا من القسم الأول ﴿بَيْتِيَ﴾ البيت عين قائمة بنفسها، فإضافته إليه من باب إضافة تشريف.
وقوله: ﴿بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني للذين يطوفون به، والثاني: ﴿الْعَاكِفِينَ﴾ الذين يقيمون فيه للعبادة، والثالث: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الذين يصلون فيه، وعبر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما ركنان فيها، وقد تقدم لنا بعيدًا بأنه إذا أُطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلًا على أن هذا الجزء ركن فيه ما تصح بدونه، هنا بدأ بالطائفين لاختصاصهم بذلك البيت، ثم ثنَّى بالعاكفين؛ لأنها أوسع دائرة من الطائفين، لكنها مختصة بالمساجد، ثم قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ هذه لا تختص بالمساجد، «جُعِلَتِ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله. ]] فإذن يكون الله سبحانه وتعالى بدأ بالأخص فالأخص، أخص ما يكون بالبيت الحرام الطواف، ثم الاعتكاف، أما الصلاة فلا تختص بمكان، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن ملكًا من الملوك نذر لله نذرًا أن أعبد الله عبادة لا يشاركني فيها أحد فاستفتى بعض أهل العلم قالوا: أيش لون؟ إن صمت يجوز أن يكون فيه ناس صائمين، إن صليت يجوز فيه ناس يصلون، إن تصدقت يجوز فيه ناس يتصدقون، فذهبوا إلى عالم من العلماء فقال لهم: أخلوا له المطاف؛ يعني خلوه يطوف وحده، وحينئذٍ يشاركه أحد ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما يمكن يشاركه أحد؛ لأنه بالحقيقة ما أحد يطوف أبدًا إلا بهذا البيت.
* طالب: خالف النص: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ»[[أخرجه أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨) من حديث جبير بن مطعم.]]؟
* الشيخ: لا، المهم إن هذا حل المسألة، أما عاد كونه يجوز أو ما يجوز هذا هم يمنعون لغير هذا السبب، لكنه ما فيه؛ يعني ما يمكن الوفاء بهذا النذر إلا بهذا.
* طالب: ما يمكن يا شيخ (...).
* الشيخ: أين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا يمكن بدون منع الناس، هذا يمكن لو يجي في آخر الليل؛ يعني في غير المواسم أحيانًا تجدوه فاضي، فارغًا أو يجي مثلًا بعد طلوع الشمس دائمًا إلى في أيام الاعتمار اللي ما فيه
* الطالب: أو برمضان في الظهيرة أحيانًا.
* الشيخ: المهم على كل حال يمكن يجد. وقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ طهر للطائفين؛ اللام هذه للتعليل؛ أي: لأجلهم. وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الركع معروف أنها جمع (راكع)، والسجود جمع (ساجد)، وتصح أن تكون مصدرًا، (سَجَدَ، يَسْجُدُ، سُجُودًا)، لكن سجود وقعود هي مصدر وفي نفس الوقت جمع، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١ / ٧٧)، واللفظ له، من حديث أنس بن مالك. ]] ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
* طالب: شيخ، الركع السجود غير (...).
* الشيخ: وأيش لون؟
* الطالب: غير الركع السجود (...).
* الشيخ: وخص الركوع السجود؛ لأنهما أفضل هيئة، الركوع أفضل هيئة من القيام، والسجود أفضل منه؛ ولهذا نقول: القيام فضل الركوع والسجود بذكره، فإن ذكر القيام ما هو؟
* الطلبة: القرآن.
* الشيخ: كلام الله عز وجل، أفضل من كل شيء، وذكر التسبيح، وذكر الركوع والسجود هو التسبيح، والتسبيح أقل حرمة من القرآن، وإن كان التسبيح لا شك أنه تعظيم لله، لكنه ما مثل القرآن، فالله سبحانه وتعالى حكيم جعل لكل من أركان الصلاة ما يخصه، هذا اختصه بفضل ذكره، وهذا اختصه بفضل هيئته.
* طالب: شيخ، ما نقول أن الركع السجود أخص أوصاف الصلاة؛ يعني ما هو راكع ولا ساجد لله وهو (...)؟
* الشيخ: وأيش لونه؟
* الطالب: يعني أخص أوصاف الصلاة؟
* الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن سجود التلاوة سجود بلا صلاة.
* الطالب: على القول بهذا.
* الشيخ: ما يصح.
* طالب: يا شيخ، ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ﴾ (من) هنا كيف تباينية ولَّا تبعيضية؟ ثم ما يمكن لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى هنصلي فوق الحجر؟
* الشيخ: قوله: اتخذوا من، هذه لبيان الجنس بيانية؛ يعني اتخذوا من هذا المقام، ويجوز أن تُضمن معنى (في)؛ أي اتخذوا في هذا المقام مكانًا للصلاة.
* طالب: لكن المقام ما دام هو الحجر أصبح ما يمكن يتخذونه مصلى؟
* الشيخ: إيه، اتخذوا منه ما هو معناها عليه، اتخذوا منه مكانًا، والرسول فسره بأنه يكون يصلي إلى جنبه.
* الطالب: ما بيرجح هذا أنه مناسك الحج على العموم (...) مقام إبراهيم على العموم هو (...) الحج؟
* الشيخ: هو الحقيقة، كل له مُرجح، أما تفسير النبي عليه الصلاة والسلام فلا شك أنه واضح أنه أراد هذا المقام، وإذا أردنا بالعموم بيرد عليه استعمال الصلاة في اللغة.
يقول: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.
* طالب: قوله: ﴿طَهِّرَا﴾ قلت: إن إبراهيم هو اللي بنى البيت يا شيخ، لماذا قال: طهِّرا؟
* الشيخ: نعم، ولكن إسماعيل كان مساعدًا له ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧].
* الطالب: لا لا، قصدي يعني كيف يطهر شيئًا طاهرًا هو اللي بنى البيت؟
* الشيخ: إيه، ولو بناه، وأيش؟! يمكن يأتي هذا البيت يجيه نجاسة، يجيه أقذار فيطهراه.
* طالب: قوله: ﴿طَهِّرَا﴾ أمر جه أثناء البناء؟
* الشيخ: يجوز أنه يكون أمر في أثناء البناء؛ لأنه قد يرد عليه شيء في أثناء البناء أو بعده، ما هو مستحيل.
* طالب: يشمل الطهارة حسية ومعنوية؟
* الشيخ: والله فيها نظر؛ المعنوية إلا إذا كان من باب القياس، إذا وجب التطهير من الحسية فمن المعنوية أولى.
* الطالب: (...) هذا؟
* الشيخ: ما هو الظاهر؛ لأنه قال: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ ما قال: طهراه وأطلق، والتطهير ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ما يناسبه إلا الطهارة الحسية.
* الطالب: (...) الطائفين والعاكفين (...) وجدت أصنام فما يستطيعون؟
* الشيخ: لا، يستطيعون، فيه ثلاث مئة وستين صنم والناس يطوفون حولهم.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ يعني واذكر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ونقول فيها ما قلنا بالأول القراءة ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ﴿اجْعَلْ﴾ صيِّر. ﴿هَذَا﴾ المشار إليه مكة. وقوله: ﴿بَلَدًا﴾ البلد: اسم لكل مكان مسكون، سواء كان ذلك مدينة كبيرة أو مدينة صغيرة كله يسمى بلدًا، وقد سمى الله تعالى مكة بلدًا كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ٣]، وسماه الله تعالى قرية كما في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣].
وقوله: ﴿آمِنًا﴾ قال بعض المفسرين: أي: آمنًا مَن فيه؛ لأن البلد نفسه ما يوصف بالأمن والخوف؛ البلد أرض وبناء، فلا يوصف بالأمن والخوف، وإنما الذي يكون آمنًا أهله، أما هو فيكون أمنًا، والذي ينبغي أن يجعل على ظاهره، وأن يكون البلد نفسه آمنًا، وإذا أمن البلد أمن من فيه وهو أبلغ؛ لأنه مثلًا لو جاء أحد وهدم البناء ما كان البناء آمنًا، صار البناء عرضة لأن يتسلط عليه من يتلفه، فكونه آمنًا أبلغ من أن نفسره بـ (آمنًا أهله)؛ لأنه يشمل البلد ومن فيه، ولهذا قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ فرّق ما قال: ارزقه؛ لأنه لا يُرزق. ﴿ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ ﴿ارْزُقْ﴾: فعل أمر أو فعل دعاء؟
* الطلبة: دعاء.
* الشيخ: دعاء، و﴿أَهْلَهُ﴾ مفعول أول. و﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ مفعول ثاني.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾، وارزق أهله من آمن، عرفتم؟
وإنما احترز إبراهيم عليه الصلاة والسلام من العموم تأدبًا بتأديب الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤] فتأدب في طلب الرزق أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد، عرفتم؟ إذن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ محلها من الإعراب؟
* طالب: بدل من أهله.
* الشيخ: النصب بدلًا من أهله، بدل بعض من كل، ولا بدل كل من كل؟
* الطلبة: بعض من كل.
* الشيخ: بعض من كل. ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أجاب الله دعاءه فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني وأرزق من كفر أيضًا. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ لكن ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ إلى آخره.
وقوله سبحانه وتعالى عن إبراهيم: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما هو الإيمان؟ الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المقرون بالقبول والإذعان، هذا في الشرع؛ التصديق المقرون بالقبول والإذعان؛ لأن مجرد التصديق ليس إيمانًا شرعًا؛ فأبو طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ لكنه ليس بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له وينقاد، فالإيمان شرعًا؟
* الطلبة: التصديق المقرون بالانقياد والإذعان.
* الشيخ: التصديق المقرون بالقبول والإذعان؛ يعني الانقياد، ولهذا قال أهل السنة والجماعة: الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وتصديق بالجنان، فهو مركب من هذه الثلاثة، ولا يمكن يكون الإيمان شرعًا بدونهم. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن كما سبق كم؟
* الطالب: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة أو أربعة؟ يتضمن الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، فالإيمان بوجوده ما يكفي عن البقية، ولهذا يقول: أنا أعجب من بعض الناس لما أن أحد الروس صعد فوق الجاذبية، ورأى ما حوله من النجوم والكواكب، ورأى الأرض وأنها ككرة في يد الصبي، قال: والله ما خلق هذا إلا قاهر عظيم، ولكنه ما آمن إلا بس إن هذا الشيء ما أنتج نفسه، بعض الناس كان يطبل ويزمر، قال: الحمد لله، هذا آمن، وهل آمن هذا؟
* طالب: لا، ما آمن.
* الشيخ: ما آمن، ما آمن حتى يصدق بالله ووجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، الربوبية أن تؤمن بأن الله تعالى له الخلق والأمر ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فهو الخالق الذي له الأمر الكوني والشرعي، ولذلك- بلا شك- أن الحكم بغير ما أنزل الله يتضمن أو يدخل في توحيد الربوبية لا في توحيد الألوهية. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١] فالحاصل أن هذا الإيمان بالربوبية؛ الإيمان بالخلق والأمر، أن الله هو الخالق وحده، المالك وحده، الذي له الأمر المطلق وحده.
الإيمان بالألوهية أن تؤمن بأنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا الله وحده سبحانه وتعالى، لا أحد يستحق أن يعبد؛ لا ملَك، ولا رسول، ولا ولي، ولا صالح، ولا شقي، ولا طالح، ما يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى الذي خلق، أما الإيمان بالأسماء والصفات فأن تؤمن بكل ما سمى الله به نفسه، أو وصف به نفسه، أو سماه به رسوله، أو وصفه به رسوله، سواء كانت من الصفات الذاتية أو المعنوية أو الفعلية، كلها يجب عليك أنك تؤمن بها، وسواء كانت هذه الصفات مما يدركه العقل، أو مما لا تثبت إلا بالسمع، كلها يجب عليك أن تؤمن بها، على هذا جميع المحرفين لآيات الصفات غير مؤمنين بها إيمانًا كاملًا، ما آمنوا بها إيمانًا كاملًا، وجميع الممثلين لله بصفات خلقه لم يؤمنوا بالصفات إيمانًا كاملًا.
اليوم الآخر، ما هو اليوم الآخر؟ هو يوم القيامة، وسُمي آخرًا؛ لأنه لا يوم بعده، ما فيه يوم بعده، الدنيا يوم أول؛ لأنه مرحلة تأتي بعدها الآخرة ولا بعدها مرحلة؛ لأنها لا نهاية لها أبد الآبدين؛ إما في الجنة أو في النار.
وإنما يقرن الله تعالى دائمًا بين الإيمان به واليوم الآخر دون الإيمان ببقية الأركان الستة؛ لأن الإيمان به يتضمن الإيمان بكتبه ورسله وملائكته والقدر خيره وشره، أفهمتم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: كله يتضمن هذا، اليوم الآخر؛ لأنه يوم الجزاء، والإنسان إذا لم يؤمن باليوم الآخر ما هو بعامل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا كان الإنسان ما يعتقد أنه سيُحشر ويجازى فإنه لا يمكن أن يعمل، فالإيمان باليوم الآخر هو الذي يحدوا بالإنسان إلى العمل يعمل؛ لأنه يؤمن بأن هذا العمل الذي يقوم به اليوم سوف يجازى به غدًا في اليوم الآخر، ولهذا يعمل بالطاعات ويترك المعاصي، يعمل بالطاعات طلبًا للثواب في ذلك اليوم، ويدع المعاصي خوفًا من العقاب في ذلك اليوم.
وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال من اللي قائل؟
* الطلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى يقول قولًا مسموعًا، ولهذا يخاطب إبراهيم ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ فهو سبحانه يقول قولًا مسموعًا يسمعه من خُوطب به. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾؛ يعني وأرزق من كفر، والكَفْر في الأصل- أي في اللغة-: الستر، ومنه سُمّي (الكُفُرَّى) تعرف الكُفُرّى؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: الكافور.
* الشيخ: الكافور زين، الكُفُرَّى الذي يكون في طلع النخل؛ لأنه يستره، أما في الشرع فالكفر هو الجحد أو الاستكبار، الجحد أو الاستكبار، يعود على هذين الأمرين، فكل كافر فإما جاحد أو مستكبر، واتصالهما بالمعنى اللغوي ظاهر؛ لأن الجاحد ساتر بلا ريب، والمستكبر عمله يتضمن الستر، كأنه ستر ما يجب لله من حق فاستكبر عن عبادته، وكل الكفر الموجود بجميع أنواعه وأصنافه كله يعود إلى هذين الأمرين؛ إما الجحود وإما الاستكبار.
﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني فأرزقه، ولكن ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾. وفي قراءة: ﴿فَأُمْتِعُهُ﴾ ، والإمتاع والتمتيع معناهما واحد وهو (...) يتمتع به، والمتعة البلغة، المتعة البلغة التي تلائم الإنسان.
﴿فَأُمْتِعُهُ قَلِيلًا﴾ إلى متى؟ إلى الموت، ومهما طال بالإنسان العمر فهو قليل، لا بد أن يموت وهو قليل ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦] بل أقل من هذا ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥].
وإذا شئت أن تعرف الأمر فقس ما مضى من حياتك مما بقي، الآن كلنا يعرف أننا خلَّفنا أيامًا كثيرة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أيام كثيرة خلَّفناها، نفس اللي خلفناه البارحة وأيش كأنه؟
لا شيء كأنه لا شيء، نحن الآن في الوقت الذي نحن فيه، وأما ما مضى فكأنه لم يكن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام واصفًا الدنيا: «إِنَّهَا مَثَلُ الرَّاكِبِ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَهَا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٧٧)، وابن ماجه (٤١٠٩) من حديث عبد الله بن مسعود، ولفظه: «مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». ]] إنسان اطمأن له شوي تحت ظل الشجرة، ثم ارتحل، هذه الدنيا كلها؛ ولذلك يجب علينا أن نتخذ من هذا الوقت القصير أن نتخذ منه عملًا كثيرًا ينفعنا في الآخرة، والعمل اليسير- ولله الحمد- في الدنيا يثمر ثمرات كثيرة في الآخرة، يضاعف بعشرة أضعاف إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ما المراد بالتطهير هنا؟ من الأوثان لأن الأوثان رجس، أو المراد من الأقذار والنجاسات؟
* الطالب: تشمل الكل.
* الشيخ: تشمل المعنيين، ما تقولون؟
* الطلبة: نعم، صحيح.
* الشيخ: صحيح، قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ نجيء للإعراب، وأيش إعرابها (أن)؟
* الطالب: أن تفسيرية.
* الشيخ: أن تفسيرية؛ لأنه جاء بعدها فعل أمر، وسبقها فعل متضمن للقول دون؟ كملوا؟
* الطلبة: دون حروفه.
* الشيخ: دون حروفه، متضمن القول دون حروفه. ﴿عَهِدْنَا﴾ يعني: قلنا مثل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ﴾ [المؤمنون ٢٧] فأن تفسيرية.
ما المراد بالإضافة في قوله: ﴿بَيْتِيَ﴾؟
* الطالب: ﴿بَيْتِيَ﴾ الله.
* الشيخ: إيه، ما المراد بالإضافة؟ هذه الإضافة لأن الله يسكنه؟
* الطالب: لا، محل عبادته، محل التعبد؛ إضافة تشريف.
* الشيخ: إضافة تشريف، أضافه الله إلى نفسه تشريفًا له وتعظيمًا له. وهذا التشريف، وهذه الإضافة أيضًا كما أنها للتشريف فهي أيضًا فيها حث لإبراهيم وإسماعيل لتطهير هذا البيت؛ لأنه أضافه لنفسه، فتعظيمه من تعظيم الله سبحانه وتعالى.
لماذا بدأ بالطائفين قبل المصلين؟
* الطالب: بدأ بالأخص فالأعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: الطواف أخص من العكوف.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأن هذا مختص بالبيت؛ الطواف بالبيت.
* الشيخ: في المسجد الحرام؛ لأنه ما يكون إلا في المسجد الحرام، طيب كمل؟
* الطالب: ثم الركوع؟
* الشيخ: لا، عاكفين. لأيش وأنت قلت: بدأ بالأخص فالأعم؟
* الطالب: الطواف أخص منه.
* الشيخ: أخص من الاعتكاف نعم، لكن لماذا قدم الاعتكاف على الركوع والسجود مع أن الركوع والسجود أفضل؟
* الطالب: لأنه اختص بالبيت.
* الشيخ: ما يختص بالبيت؟
* الطالب: الطواف.
* الشيخ: انتهينا من الطواف؟
* طالب: لأن الطائفين أحق من العاكفين إن الطائفين في البيت.
* الشيخ: لا، أنا ما أسأل عن تقديم الطائفين، عرفنا تقديمهم، العاكفين لماذا قُدموا على الركع السجود مع أن الصلاة أفضل من الاعتكاف؟
* الطالب: شيخ؛ لأنه اختصاص في المساجد.
* الشيخ: لأنه خاص بالمساجد، الركع السجود؛ لأنها- أي الصلاة- تصح في كل مكان: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».[[سبق تخريجه. ]]
* الطالب: إنها في سياق، كلها في سياق المساجد لكن العاكفين خاصة بالمساجد الجامعة؟
* الشيخ: المساجد الجامعة.
* الطالب: إيه.
* الشيخ: لا، ما هي بخاصة بالجامعة، كل مسجد (...).
* الطالب: يعني (...) الأمر، يعني كل (...).
* الشيخ: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ عام ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧]. لماذا عطف العاكفين على القائمين بالواو؟ والركع عطفها بالواو أيضًا دون السجود، ما قال والركع والسجود؟
* طالب: لأنه أصل الركع السجود في عبادة واحدة.
* الشيخ: نعم، إي نعم، وأما تلك؟
* الطالب: والعكوف (...) عبادة (...).
* الشيخ: وأما الطواف والاعتكاف فكل واحدة عبادة مستقلة. في قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إشارة إلى أدب فما وجهه؟ لأنه لولا خبرناه ما فينا (...).
* الطالب: هذا يشمل بقية الأمور الغيبية.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الإيمان بالله واليوم الآخر يشمل الأمور الغيبية.
* الشيخ: إيه، لماذا؟ إذن لماذا خص اليوم الآخر؟ لماذا لم يقل الإيمان بالله وبس؟
* الطالب: يشمل اليوم الآخر يشمل.
* الشيخ: يشمل الإيمان بالرسل.
* طالب: الإيمان بالله، يشمل الإيمان بالله وملائكته ورسله.
* الشيخ: وكتبه.
* الطالب: وكتبه، وهي كلها (...).
* الشيخ: والقدر خيره وشره.
* الطالب: والقدر خيره وشره، أما اليوم الآخر فهو مختلف؛ يعني يختلف يعني، أما الإيمان بالرسل والكتب والملائكة فهي تابعة للإيمان بالله.
* الشيخ: طيب والإيمان باليوم الآخر من أخبار الله؟
* الطالب: لأن الإيمان باليوم الآخر يحث على العمل.
* الشيخ: إيه، أي: فإنه يوم الجزاء؛ تنبيه بأن حقيقة الأمر أن من لم يؤمن باليوم الآخر ما هو راح يعمل أبدًا مهما كان الأمر، بيعيش عيشة بهيمية، لكن أنه يؤمن باليوم الآخر يعرف أنه بيجازى على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، هذا يحدوه إلى العمل، فنص على الإيمان باليوم الآخر لأيش؟ لأنه يحمل على العمل والإيمان حيث إنه محل الجزاء.
قوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ وأيش إعراب ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾؟
* الطالب: الجملة يعني؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (منْ) اسم موصول بمعنى الذي، كفر: فعل ماضٍ.
* الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟
* الطالب: محل نصب مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
(...) ﴿بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة لقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، وكما أنه يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة شرعية، فإنه قد يبتليهم بأحكام كونية مثل:
* الطالب: المرض.
* الشيخ: إيه مرض، أو مصائب في المال، في الأهل، وما أشبه ذلك عرفتم؟
* ومن فوائد الآية: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجهين؛ من قوله: ﴿رَبُّهُ﴾ حيث أضاف ربوبيته إلى إبراهيم، وهذه ربوبية خاصة، ومن قوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ما قال: فأتى بهن. قال: ﴿أَتَمَّهُنَّ﴾ وهذا لا شك أنه منقبة له عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية: أن من أتم ما كلفه الله به كان من الأئمة لقوله: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ يعني لما أتمهن جُوزي على ذلك بأن جعل إمامًا للناس.
ومنها: فضيلة إبراهيم من قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو لذريته بالصلاح لقوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وإبراهيم طلب أن يكون من ذريته أئمة، وطلب أن يكون من ذريته من يقيم الصلاة ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم ٤٠] فيستفاد منه: مشروعية الدعاء وأيش هو؟ الدعاء للذرية بالإمامة والصلاح.
ومنها من فوائد الآية: أن الظالم لن يكون إمامًا، أو لا يستحق أن يكون إمامًا؟
* طالب: لا يستحق.
* الشيخ: لا يستحق أن يكون إمامًا لقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يعني فالظالم ليس مستحِقًّا لأن يناله عهد الله، لكن قد يكون إمامًا إذا أتى بأسباب الإمامة، وإن كان فيه ظلم، لكن الإمامة الشرعية غير الإمامة التنفيذية، الإمامة الشرعية ما تكون للظالم ولا يستحق أن يكون إمامًا، لكن الإمامة التنفيذية مثل أن يكون خليفة أو ما أشبه ذلك قد يكون هذا لكنه غير أهل لها.
ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الظلم ينزل بأهله إلى أسفل السافلين، ما يجعلهم في قمة، ينزلهم إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأيش تقول؟
* الطالب: ما الجمع بين هذا الظاهر أنه كوني قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ما هو بكوني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني حكم كوني؟
* الشيخ: لا، قد يكون شرعي، يعني معناه أن الله يقول: أعطيك ما طلبت، لكنه لا يستحق هذا من كان ظالِمًا.
* الطالب: يستلزم من هذا أن نقول إن إبراهيم طلب أن يكون هذا شرعيًّا؟
* الشيخ: كيف شرعي؟
* الطالب: يعني إذا قلنا إنه شرعي قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يلزم أن نرجع هذا إلى السؤال فنقول: إن إبراهيم طلب أن يكون.
* الشيخ: إبراهيم طلب أن يكون إمامًا من ذريته عامة، فأجابه الله إلا أنه سبحانه وتعالى استثنى الظالم؛ فإنه لا يستحق أن يكون إمامًا، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يعني معناه أني أعهد بذلك إليك، ولكن عهدي لا يدخل فيه الظالمون.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥].
من هذه الآية يستفاد فضيلة البيت الحرام من وجهين: أنه مثابة، وأمن.
* ومن فوائد الآية: ظهور رحمة الله عز وجل، فإنه لما جعل هذا البيت مثابة والناس لا بد أن يرجعوا إليه رحمهم بأن جعله آمنًا، رحمهم بأن جعله آمنًا.
* ومن فوائد الآية: أنه يجب أن يكون كل مكان مثابة للناس أن يكون آمنًا، ولهذا كره أهل العلم أن يُحمل السلاح في المساجد، قالوا: لأن المساجد محل أمن، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس به، فالمهم أن كل شيء مثابة للناس شرعًا يثوبون إليه شرعًا فإنه يجب أن يكون آمنًا ليأمن الناس في أداء عباداتهم.
* ومن فوائد الآية: وجوب اتخاذ المصلى من مقام إبراهيم لقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وجه الدلالة على الوجوب؟
* الطلبة: الأمر.
* الشيخ: الأمر؛ لأن الأصل فيه الوجوب، فإن قلنا: بأن المراد بالمقام جميع مناسك الحج فلا إشكال، أوْ لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن فيه واجب القيام بعرفة، ومزدلفة، ومنى، وإذا قلنا: المراد به الركعتان بعد الطواف صار فيه إشكال؛ فإن جمهور أهل العلم على أنهما سنة، وذهب الإمام مالك إلى أنهما واجبتان، والذي ينبغي للإنسان أن لا يدعهما؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام فسر الآية بهما، تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى أكرم من عبده، شوف إبراهيم لما أتم الكلمات، وأيش اللي حصل له من الفوائد هذه؟ نتيجة لذلك جعله الله إمامًا للناس، وأمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلى، أمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلى، وهذا بعض من إمامته، وقد يقال أيضًا: إن البيت الذي بناه إبراهيم تعظيمه في الحقيقة يعتبر منقبة لإبراهيم؛ لأن إبراهيم هو الذي بناه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تطهير البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية، كذا؟ قولوا: نعم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من أين نأخذه؟ ﴿عَهِدْنَا﴾ ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ وقد سبق لنا أن العهد هو الوصية بالأمر إلهام. ويؤيد ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]. ولهذا لا يجوز للمشركين ولا غيرهم من أهل الكفر أن يدخلوا أميال الحرم؛ لأنهم إذا دخلوها قربوا منه، قربوا من المسجد الحرام، والله يقول: ﴿لَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
ومنها: اشتراط طهارة مكان الطواف لقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾.
ويؤخذ منه بالأولى اشتراط طهارة لباس الطائفين، وأنه لا يجوز أن يطوف بثوب نجس؛ لأن ملابسة الإنسان للثياب ألصق من ملابسته للمكان، واضح؟
وهل يؤخذ منها وجوب الطهارة من الحدث ولَّا لا؟ قد يؤخذ منها وقد لا يؤخذ؛ وذلك لأن طهارة الحدث ليست نجاسة حسية، فالمحدِث ليس بنجس، وإلا لكان إذا مسك وأنت رطب نجَّسك، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة وهو على جنابة: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة.]].
ومنها من فوائد الآية: أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة لقوله: طهره لهم، ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد؛ في المسجد الحرام مسجد الكعبة، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان مثلًا أن يدور على المسجد الحرام من برّه فإنه لا يجزئه، أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق ولا تحت فهؤلاء يجزئهم.
* طالب: المهم (...).
* الشيخ: لا، المهم أن يكون في المسجد، ولا كان يقول: من وراء العمد ما يجوز.
* الطالب: (...) الطائفين زادوا.
* الشيخ: يعني حتى خرجوا من المسجد؟
* الطالب: حتى خرجوا من المسجد.
* الشيخ: ينتظر لأنهم يفرغوا، ما هم قاعدين (...).
* الطالب: ربما فيه في المستقبل ما جعلهم (...).
* الشيخ: حتى في المستقبل ينتظر حتى يخرج، لا بد أن يكونوا في المسجد.
* الطالب: في حدود المسجد.
* الشيخ: في حدود المسجد. وعلى هذا يجب الحذر من الطواف فوق المسعى؛ لأن بعض الناس يمكن يطوف بالمسعى، المسعى إذا دار يدخل معه؛ لأن المسعى من فوق فيه أبواب ومن تحت فيه أبواب، فقد يطوف مع المسعى، فيجب الحذر؛ لأن المسعى ليس من المسجد، فإن المسعى كما تشاهدون مفصول عن المسجد، وهذا لازم أنه يفصل؛ إذ لو كان من المسجد لكان المرأة إذا حاضت بعد الطواف لا تسعى؛ لأنه يلزمها أن تمكث بالمسجد.
ومنها أيضًا: فضيلة هذه العبادات الأربع: الطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود، حيث أمر بتطهير البيت لهم، هل في كونه بنى الأول جمع الأول جمع مذكر سالمًا والثاني جمع تكسير هل فيه فائدة حكمية؟ ولا فائدة لفظية؟ يعني قال: للطائفين والعاكفين والراكعين والساجدين بل قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾؟
قد يقال: إن الطائفين والعاكفين والركع، الركع هذه (فُعَّل) تدل على الكثرة؛ لأن الصلاة فيها ركوعين، أقل ما فيها ركوعين، وأقل ما فيها أربع سجدات، هذه الثنائية، أما الوتر ففيه ركوع واحد وسجودان.
وقد يقال: إن هذا من باب الاختلاف التعبيري؛ لأنه من البلاغة أن تأتي الألفاظ مختلفة؛ لأنه أنشط، والله أعلم.
* طالب: شيخ، كما يكون عشر سجودات؟
* الشيخ: في صلاة واحدة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: في صلاة واحدة فريضة يعني؟ فريضة ست سجودات؟
* الطالب: صلاة المغرب (...).
* الشيخ: إيه، عشر ولا ست؟ ست تشهدات، تشهدات (...) ست تشهدات.
* الطالب: (...).
* الشيخ: تشهدات؟ ما ندري على كل حال إن هذه نادر ما تحصل ست تشهدات نادرة.
* الطالب: الصلاة في المسعى تجزئ الإنسان يكون في المسجد؟
* الشيخ: لا، اللهم إلا إذا كانت الصفوف متصلة، إذا كان مملوء الحرم والمسجد واتصلت الصفوف، (...).
* الطالب: شيخ، صلاة النبي عليه الصلاة والسلام عند المقام وقراءته الآية ما فعله؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: قراءة النبي.
* الشيخ: يجوز أن يكون قالها على سبيل التمثيل.
* الطالب: أمس ذكرنا في تفسيرها قلنا: ما يجوز العدول عنها؟
* الشيخ: لا، قلنا: هذه يرجح ذلك، لكن ما يمنع، قلنا: هذا يرجح إلا أنه ما يمنع.
* الطالب: لماذا لم يقرأ الآية حين وقف بعرفة وحين وقف بمزدلفة ما قرأ؟
* الشيخ: قد يكون لما أنه عليه الصلاة السلام ابتدأ الطواف وصلى؛ لأنه ما أحل- كما تعرف- ما أحل من إحرامه، ولا يلزم أن يستشهد لكل فعل بالآية، إنما هو لا شك مما سبق أن هذا يرجح أن المراد الركعتين فقط.
يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٢٦] إلى آخره.
في هذه الآية التنويه بفضل إبراهيم؛ لأن قوله: ﴿إذْ قَالَ﴾ سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قال، ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه والإعلام ما أُمر به، فإذن في هذا دليل على فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث نُوِّه عن قوله هذا.
* ومن فوائد الآية: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته، ما أحد يستغني عن الدعاء أبدًا لقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن للدعاء أثرًا في حصول المقصود سواء كان دفع مكروه أو جلب محبوب، فهمت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لأنه لولا أن للدعاء أثرًا لكان الدعاء عبثًا، وقول من يقول: ما حاجة للدعاء إن كان الله كاتب لي هذا هو اللي بيحصل دعوت ولا ما دعوت، وإن كان ما هو مكتوب لك ما هو حاصل دعوت أو ما دعوت، فإن جوابنا على هذا أن نقول: ولكن قد يكون مكتوبًا وأيش بناء عليه؟
* الطلبة: على الدعاء.
* الشيخ: على دعائك، مكتوب، لكن بشرط أن تدعو، فإذن ادعُ الله، كما أنه لو قال قائل: أنا والله ما أنا بآكل طعام، إن كان الله يريد الحياة فأنا بأحيا لو ما أكلت، وإن كان يريد أني أموت بأموت ولو مليت بطني إلى الحلقوم، وأيش نقول؟ ولكن الأكل سبب للحياة، فإنكار أن يكون الدعاء سببًا هذا إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أُخبرنا به، وفيما شاهدناه، وفيما جرى علينا أن الله سبحانه وتعالى يجيب الدعاء، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: فالله تعالى قص علينا في القرآن قصصًا كثيرة فيها إجابة للدعاء، وسمعنا أيضًا عن غيرنا مما لم يُقصّ في القرآن قضايا كثيرة فيها إجابة الدعاء، وكذلك جرى للإنسان، يجري للإنسان نفسه أشياء يدعو الله بها فيشاهدها رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعائه، فإذن الشرع والواقع كلاهما يرد على من أبطل تأثير الدعاء.
* طالب: شيخ، القول بأن إبراهيم لما أُلقى في النار قال: أما منك فلا يا جبريل ومن الله، بلى، نظره لحالي يكفي عن سؤالي، هل يستقيم؟
* الشيخ: لا، لا، كذب، هذا كذب علمه بحاله يكفي عن سؤالي أو يغني عن سؤالي هذا كذب.
ومنها، من فوائد الآية: قلنا منقبة إبراهيم (...) بهذا الدعاء.
ومنها أيضًا: رأفته عليه الصلاة والسلام بمن يؤم هذا البيت؛ لأن جعل البيت آمنًا يتضمن الإرفاق بمن أمه من الناس.
ومنها أيضًا، من فوائد الآية: رأفة إبراهيم أيضًا حيث سأل الله أن يرزق أهله من الثمرات لقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.
ومن فوائده: أدب إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث لم يعمم في هذا الدعاء، بل قال: ﴿ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ خوفًا من الله أن يقول له: من آمن فأرزقه، لكن المسألة صارت على عكس الأولى، الأولى خصص الله دعاءه، وهذه بالعكس عمم.
* ومن فوائد الآية: أن رزق الله شامل للمؤمن والكافر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فالرزق عام شامل للمؤمن والكافر، بل للإنسان والحيوان ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦].
وأنت ترى بعض الخشاش في الأرض ما حوله شيء، ولكن ييسر الله له الرزق، يجلبه إليه من حيث لا يشعر ولا يحتسب، ويُذكر في هذه الأمور قصص غريبة، يشاهَد بعض الحيوانات الصغيرة الصماء العمياء، يجلب الله لها رزقًا فتأكل كل ما احتاجت إلى ذلك، والله على كل شيء قدير.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن رزق غير المؤمنين لا يستمر لقوله: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة ١٢٦].
ويؤخذ من مفهوم الآية الكريمة: أن المؤمنين رزقهم يستمر؛ لأن الله تعالى إنما قيد الإمتاع القليل بمن؟ بالكافرين؛ فمعنى ذلك أن رزق الله تعالى على المؤمنين مستمر، وأقول: إن رزق الله للمؤمنين جنة في الدنيا وفي الآخرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٥٦].
فهذا الاستثناء عند أكثر أهل العلم استثناء، وأيش نوعه؟ منقطع، ولكنه في الواقع حتى لو قلنا: بأنه منقطع، وأن المعنى لكن الموتة الأولى قد ذاقوها فلا يموتون مرة ثانية كما قال أبو بكر:« والله لا يجمع الله عليك موتتين. »[[ أخرجه البخاري (١٢٤٢) من حديث عائشة.]] لكن يشير إلى أن أهل الجنة في نعيم في الدنيا وفي الآخرة، وهذا هو الواقع؛ لأنه ما يوجد أحد أنعم بال ولا أسر من أهل العلم والإيمان لقوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
وقال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف، والإنسان يجد راحة عظيمة في الطاعة إذا صار إنه في صفاء القلب والإخلاص والإيمان وجد لذة ما يمكن تُوزن بها الدنيا كلها، ولهذا الرسول سمَّى هذا حلاوة؛ حلاوة الإيمان. إذن فهناك طعم يدركه الإنسان، وربما يصل الأمر إلى أن يجد ريح الجنة وهو في الدنيا كما قال أظنه أنس بن النضر:« إني لأجد رِيح الجنة دون أُحد. »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٤٨)، ومسلم (١٩٠٣ / ١٤٨)، واللفظ للبخاري من حديث أنس بن مالك. ]] وهو في الغزوة فأطلعه الله على ريح الجنة وهو في الدنيا، وهذا من كرامة الله للإنسان لأجل إذا تنشق هذا النسيم (...) ما عادل به الدنيا كلها، بل يتطلب هذا الأمر الذي أدركه بحسه بعد أن أدركه بقلبه بما أخبر الله به، بكتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ومنها: إثبات عذاب النار.
* طالب: (...) من قول ابن تيمية.
* طالب آخر: ولكن يؤخذ يا شيخ منه جواز الاستثناء (...)؟
* الشيخ: كيف الاستثناء، وأيش نوعه؟
* الطالب: استثناؤه سبحانه وتعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾.
* الشيخ: الاستثناء، كيف الاستثناء؟ وين الاستثناء؟
* الطالب: الاستثناء في ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾.
* الشيخ: هذا تعميم، الاستثناء في قول إبراهيم: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾. فإن هذا بدل يقتضي إخراج بعض الأفراد؛ أفراد الأهل، هذا هو اللي فيه استثناء؛ يعني قصدي الاستثناء بالمعنى لا بالاصطلاح، وإن كنت تريد الاستثناء اللي مثل: اللهم اغفر لي إن شئت، فليس في الآية دليل عليه.
* طالب: لا، أقول: يستثني واحد، اللهم اغفر (...)؟
* الشيخ: إيه، يمكن هذا يجوز أنه يستدل بالآية على تخصيص ما هو بالاستثناء؛ يعني تخصيص الدعاء للإنسان مقيدًا بوصف معين، مثل: اللهم إن كان ظالِمًا فاجزه على ظلمه أو فانتقم لي منه، أو ما أشبه ذلك.
وفي الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل لقوله: ﴿قَالَ﴾ أوْ لا؟ وأنه بحرف وصوت، وأيش الدليل إنه بحرف؟
* الطلبة: ﴿قَالَ﴾.
* الشيخ: قال هذه خبر عن قوله.
* طالب: متكونة من حروف.
* الشيخ: لأنه ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ مثلًا متكونة من حروف، هذه من حروف فهو حرف، لكن ما الدليل على أنه بصوت؟
* طالب: إجابته لإبراهيم.
* طلبة: في إجابة (...).
* الشيخ: المحاورة مع إبراهيم، فلولا أن إبراهيم يسمع ما صحت هذه المحاورة.
ومنها: إثبات سمع الله؛ لأنه يسمع إبراهيم وهو يكلمه سبحانه وتعالى.
ومنها أيضًا: إثبات اليوم الآخر.
هذه معطوفة على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني فأرزقه. وقلنا فيما سبق: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما قال: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ أخذًا بتأديب الله عز وجل حيث قال في أول الأمر: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. والكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي (كافور النخلة)؛ لأنه يستر الطلع، ولكنه في الشرع: هو الخروج عن الإسلام، يعني من ليس بمسلم فهو كافر، وقد سبق لنا أن الكفر يدور على أمرين: أحدهما: الاستكبار، والثاني: الجحود، ثم هل الكفر والشرك سواء، أو بينهما عموم وخصوص، أو متباينان تباين الغيرين؟
نقول: بينهما عموم وخصوص، فكل مشرك فهو كافر، وليس كل كافر مشركًا، فالذي يكذب ويجحد هذا ليس بمشرك، لكنه كافر، والذي يدعو مع الله إلهًا آخر هذا مشرك، وهو في نفس الوقت كافر، فالنسبة بينهما العموم والخصوص، اللهم إلا أن يريد القائل أن يريد بالشرك اتباع الهوى، فإن اتباع الهوى شرك بالمعنى الأعم، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣] فجعل الله سبحانه وتعالى اتباع الهوى من باب التأله له، وعلى هذا فنقول: إن أريد به المعنى الأعم للشرك فكل كافر مشرك بهذا المعنى، لكن من حيث المعنى الاصطلاحي المحدِّد لمفهومه فإن الشرك بينه وبين الكفر أيش؟
* طالب: عموم وخصوص.
* الشيخ: عموم وخصوص. وقوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ وفي قراءة ﴿فَأُمْتِعُهُ﴾ من الإمتاع أو من التمتيع، والمراد بالتمتيع أو الإمتاع أن يعطى الإنسان بلغته من الدنيا، أن يعطى البلغة من الدنيا يتمتع به ما شاء الله، ولكنه قال: ﴿قَلِيلًا﴾ ما هذا الزمن الذي وصفه الله بالقلة؟
هو الدنيا، والقلة هنا تتناول الزمن، وتتناول عين الإمتاع، عين الإمتاع والزمن يعني زمنه وعينه، فالزمن قصير مهما طال بالإنسان العمر فإنه قصير، مهما طال بالإنسان العمر فهو قليل، قال الله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف ٣٥].
كذلك أيضًا عين الممتَّع به قليل حتى ما يحصل للإنسان في هذه الدنيا من اللذة والمتاع هو في الحقيقة قليل؛ لأنه مشوب بتنغيص في نفس المتاع وفيما يحيط به قبله أو بعده، كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ ويقول الشاعر الآخر: ؎لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَــــــــــــــوْتِوَالْـــــــــــهَرَمِ فصار القلة في الدنيا من وجهين؛ الوجه الأول: الزمن، فإنه مهما طال الزمن بالإنسان فهو قليل، والناحية الثانية: نفس الممَتَّع به، فإنه قليل؛ لأنه ليس بكامل فهو ناقص مسبوق بتنغيص وملحوق بتنغيص، وهو بنفسه أيضًا ليس بكامل.
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أي: ألجئه إلى عذاب النار، وإنما جعل الله ذلك إلجاءً؛ لأن كل إنسان يفر من عذاب النار، لكنه- والعياذ بالله- لا بد له منها؛ لأنه هو الذي فعل الأسباب التي توجبها، فما دام فعلها- أي فعل الأسباب التي توجب النار- فإنه ونفسه، ولهذا قال: ﴿أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾. وإذا شئت أن يتبين لك أن هذا الأمر اضطراري فانظر إلى ما ذكره الله تعالى عن حال الظالمين عند الاحتضار: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام ٩٣].
فكأنهم يشقون بأنفسهم ويمنعونها، ويقال لهم: أخرجوا أنفسكم بخلاف المؤمن- نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فإنه عند الاحتضار تفرح نفسه بالخروج ويسهل عليه مفارقة البدن؛ لأنها تُبشّر بروح وريحان ورب غير غضبان، فإذن هي تعرف من الآن، تبغي تنتقل من الدنيا إلى هذا النعيم بخلاف الذين يقال لهم- والعياذ بالله- ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ العذاب معناه: العقوبة التي يتألم بها المرء، و﴿النَّارِ﴾ اسم معروف. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هذه إعرابها قد يُشكل عليكم لأنه ما مر علينا هذا الباب. ﴿بِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿بِئْسَ﴾: فعل ماضٍ جامد إنشائي يُراد به الذم، فهو فعل جامد للذم، إنشاءً ولَّا خبرًا؟
* الطلبة: إنشاء.
* الشيخ: إنشاء، و﴿الْمَصِيرُ﴾: فاعل ﴿بِئْسَ﴾. ويقولون: إن (بئس) و(نِعم) وما أشبهها لا بد لها من فاعل ومخصوص، فالفاعل هو المصير والمخصوص محذوف تقديره: وبئس المصير هي؛ لأنه لو لم تُقدِّر هذا ما صارت الجملة عائدة على ما سبق. فإذن نقول: المخصوص محذوف تقديره: هي، وبئس المصير هي، والمصير بمعنى مكان الصيرورة؛ أي: المرجع الذي يصير إليه الإنسان، وهذا كلام الله جل ذكره عن النار يُثني عليها بهذا الذم، وأنها بئس المصير، كل إنسان يسمع هذا من كلام الله عز وجل سوف ينفر من هذه النار، ولا يعمل عمل أهلها.
* طالب: شيخ، المصير هل هي المكان ولَّا نفس المآل؟
* الشيخ: هي مكان الصيرورة؛ يعني هذه مصير يسمونه بيجينا أو نعمل به هنا اسم مكان اسم زمان ومصدر، كلها تبدأ بالميم فعلى حسب السياق تكون مصدرًا ميميًّا، أو تكون ظرف مكان أو ظرف زمان.
* طالب: (...) في القرآن (...)؟
* الشيخ: كيف يعني؟
* طالب: مثال لاسم مكان ثم كانت صيرورة.
* الشيخ: لا، في هذا الموضع في مثل هذا التركيب ما كانت صيرورة، كلما شاء.
* الطالب: يعني تكثر في القرآن ﴿وبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ و﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* الشيخ: إي نعم، هذا في نفس الشيء، ما كانت صيرورة.
* الطالب: بئس المصير مصيرهم ولَّا؟
* الشيخ: لا، بئس المصير هي؛ لأنه قال: ﴿عَذَابِ النَّارِ﴾. وبئس المصير هي أي: النار، يعود على النار.