Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:126 – البقرة 2:140
المحتويات
البقرة 2:126
ثم قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] من المبتلِي؟ الله، (إبراهيم) هو الذي يلي الفعل؟ وابن مالك يقول:
وَالْأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أَنْ يَتَّصِلَا ∗∗∗ وَالْأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلَاولكنه قال: ؎وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلَافِ الْأَصْلِ ∗∗∗ ......................... وهذا مما جاء على خلاف الأصل، فـ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعول مقدم، و﴿رَبُّهُ﴾ فاعل مؤخر، وهذا الترتيب على هذا الوصف على هذا الوجه واجب ولَّا جائز؟
* الطلبة: واجب.
* الشيخ: واجب؛ لأن الضمير لو قدمت فاعل عاد الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة وهذا ممنوع؛ ولهذا قال:
........................ ∗∗∗ وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ وهذا شاذ ما يقاس عليه، أما نظير الآية: ؎وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ ∗∗∗ ..................... ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ إبراهيم فيها قراءة: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهَامَ رَبُّهُ﴾ إبراهام، لغة عربية تقرأ باللغة العربية (إبراهام).
* طالب: إبراهام؟
* الشيخ: بالميم، المهم أنه بدل الياء الألف، بدل (إبراهيم) (إبراهام).
* طالب: سبعية؟
* الشيخ: إي، سبعية.
* طالب: اختلفت الحروف؟
* الشيخ: لا، ما اختلفت.
* طالب: فالياء؟
* الشيخ: إي، لكن تكتب الألف ياء بالرسم العثماني تكتب قصاد الياء.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم، وهي من الربوبية الخاصة؛ لأنه سبق لنا أن قلنا: إن الربوبية بإزاء العبودية، فكما أن العبودية نوعان: خاصة وعامة، فالربوبية أيضًا نوعان: خاصة، وعامة، وقد اجتمعا في قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ١٢١] هذه عامة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] هذه خاصة، فهنا ربوبية خاصة، ولا شك أن ربوبية الله سبحانه وتعالى للرسل، ولا سيما أولو العزم منهم وهم؟
* طالب: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ.
* الشيخ: نعم، أنها أخص الربوبيات.
وقوله: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ هذا الذي ابتلي به، والابتلاء هو الاختبار والامتحان، هذه الكلمات، ما هذه الكلمات؟ هل هي كونية، أو شرعية، أو من الكونيات والشرعيات؟ الله سبحانه وتعالى أطلقها، فهي كلمات كونية وشرعية، أو جامعة بينهما، فما هذه الكلمات؟ اختلف فيها المفسرون، وأصح الأقوال فيها: أنها كل ما أمر الله به إبراهيم كونًا أو شرعًا، كل ما أمره به، أو قدَّره عليه فهي كلمات، فمن ذلك مثلًا ابتلي بالأمر بذبح ابنه، ذبحه ولَّا لا؟
* الطلبة: ذبحه.
* الشيخ: ذبحه؟
* طالب: ما ذبحه.
* الشيخ: إي نعم، يعني قال الله له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٥] فهو ذبحه حكمًا، وإن لم يذبحه حقيقة، امتثل لأمر الله، وهذا امتحان ولَّا لا؟ امتحان من أعظم الامتحانات، كذلك أيضًا امتحنه الله تعالى بأن أوقدت له النار وألقي فيها، وهذا من الكلمات الكونية، صبر ولَّا لا؟ صبر، صبر واحتسب، وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر ومصابره، أو أمره به كذلك فهو داخل في قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ هذا هو الصحيح، ومنهم من قال: إن الكلمات التي ابتلاه بها: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وهذا في الحقيقة ما فيه امتحان، بل هذا نتيجة الامتحان لما امتحنه الله ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾، أتم هذه الكلمات الكونية أو الشرعية، من الذي يستطيع أن يتم كل كلمات الله عز وجل الكونية والشرعية؟ ما كل أحد يصبر على ذلك إلا من وفقه الله؛ ولهذا وصف الله إبراهيم بأنه وَفَّى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٧] أي: تمم ما أمره الله به، وابتلاه به.
لما أتمهن، الله جل وعلا أكرم من عبده، أعطاه الله هذه الإمامة، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ولَّا لا؟ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة ٢٤]، هذه واحدة، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ هذه الثانية، إبراهيم من هؤلاء الجنس ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
﴿جَاعِلُكَ﴾ مُصَيِّرك، وهي تنصب مفعولين؛ لأنها مشتقة من (جعل) التي بمعنى (صَيَّر)، والمفعول الأول الكاف اللي هي في محل جر بالإضافة، والمفعول الثاني ﴿إِمَامًا﴾.
والإمام من يقتدى به سواء في الخير أو في الشر، لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير.
فإذا قال قائل: أرونا دليلًا على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟
قلنا: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص٤١]، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وُزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وهذا لأنه إمام، صار متبوعًا.
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ﴿لِلنَّاسِ﴾ عامة ولَّا لا؟ عامة فيمن أتى بعده، لا من كان قبله، لكن فيمن أتى بعده صار إمامًا، حتى لخاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣] فهو إمام.
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: واجعل من ذريتي إمامًا، وهنا ﴿مِنْ﴾ هذه للتبعيض ولَّا لبيان الجنس؟ يحتمل لبيان الجنس، وبناء على ذلك تصلح ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ لجميع الذرية، يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة، ويحتمل أن يكون للتبعيض، وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إمامًا، أيهما أقرب؟
* الطلبة: للجنس.
* الشيخ: يعني: أنه سأل الله أنه يجعل كل ذريته أئمة؟ يحتمل هذا وهذا، لكن مهما كان، سواء قلنا: إنها لبيان الجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أعطاه ذلك مقيدًا فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا حتى البعض ما كل البعض يكون إمام، على كل حال إنه سواء قلنا للجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أجابه إجابة مقيدة فقال: ﴿لَا يَنَالُ﴾ أي: لا يصيب، ﴿عَهْدِي﴾ أي: تعهدي لك بهذا، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ الظالمين من ذريتك، سواء كان الظلم عامًّا أو خاصًّا، أكبر أو أصغر، فالظالم لا يكون إمامًا؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ﴿عَهْدِي﴾ فاعل، و﴿الظَّالِمِينَ﴾؟ مفعول به، يعني: أجعل من ذريتك إمامًا، ولكن الظالم لا يدخل في ذلك؛ ولهذا لم يول الله تعالى ظالمًا على وجه التعهد، ولكنه قد يرد عليك أن من ذرية إبراهيم من هو ظالم، ولكن ليس ظلمًا أكبر ولَّا لا؟ مثل من؟
* طالب: الحجاج.
* الشيخ: أي بس ما هم بأئمة، مثلًا من خلفاء بني أمية من هو ظالم، من خلفاء بني عباس من هو ظالم، لكنه ما سمعنا أن أحدًا منهم ظلم ظلمًا أكبر يخرج به من الإسلام، ويأتي إن شاء الله تحقيق لهذه المسألة.
قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، ما معنى الابتلاء؟
* طالب: الاختبار.
* الشيخ: الاختبار، وما الذي نصب ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؟
* الطالب: مفعول.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: مفعول لـ﴿ابْتَلَى﴾.
* الشيخ: أين الفاعل؟
* الطالب: ﴿رَبُّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿رَبُّهُ﴾.
في ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ قراءتان؟
* طالب: فيه ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وفيه ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ .
* الشيخ: إبراهام، في كل موضع في البقرة، كل ما جاءت في البقرة ففيها قراءتان إبراهام وإبراهيم، في غير البقرة فيه اختلاف.
ما هي الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم؟ ما هي الكلمات؟ هل هي كونية ولا شرعية؟
* طالب: كونية وشرعية.
* الشيخ: كونية وشرعية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: اثبت؟ نعم، زين، الكونية مثل؟
* الطالب: الكونية مثل: (...) في النار.
* الشيخ: إلقاؤه في النار، زين، والشرعية؟
* الطالب: الشرعية، مثل ما ترك زوجته وابنه، وعندما قتل ابنه.
* الشيخ: أُمِر بذبح ابنه.
* الطالب: أُمِر بذبح ابنه.
* الشيخ: وكذلك أيضًا تكسير الأصنام وغيره، إذن الصحيح أن هذه الكلمات معينة ولا غير معينة؟
* طالب: غير معينة.
* الشيخ: غير معينة، لكنها كلمات عظيمة فيها ابتلاء وامتحان.
قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ويش معنى ﴿إِمَامًا﴾؟
* طالب: يعني: الإمام هو القدوة الذي يؤتم به.
* الشيخ: في الخير أو في الشر؟
* طالب: في الخير، وتكون في الشر.
* الشيخ: وتكون في الشر، مثل؟
* طالب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١] .
* الشيخ: إي، ﴿أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾.
وقوله: ﴿إِمَامًا﴾ ما الذي نصبها؟
* طالب: ﴿إِمَامًا﴾؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: نصبها (جاعل).
* الشيخ: (جاعل) على أنها؟
* الطالب: مفعول.
* الشيخ: أول، ولا ثان، ولا ثالث؟
* طالب: ثانٍ.
* الشيخ: ثان؟
* طالب: الكاف الأول و﴿إِمَامًا﴾ ثانٍ.
* الشيخ: و﴿إِمَامًا﴾ ثان.
* طالب: وإمامًا ثان.
* الشيخ: ثان؛ لأن ﴿جَاعِلُ﴾ من جعل، وهي تنصب.
* طالب: مفعولين.
* الشيخ: مفعولين.
قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ويش معنى قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؟
* طالب: أي: واجعل من ذريتي.
* الشيخ: أئمة.
* الشيخ: هل أجاب الله هذا الدعاء؟
* طالب: أجابه إجابة مقيدة.
* الشيخ: مقيدة؟ في قوله؟
* طالب: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
* الشيخ: في قوله: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
ما المراد بالعهد هنا؟
* طالب: الإمامة.
* الشيخ: لا ينال عهدي؟ من يعرف؟ يعني: ما أتعهد به لك لا ينال الظالمين، يعني: كأنه يقول: أتعهد لك بذلك وأعطيك به عهدًا إلا أنه لا ينال الظالمين.
قال: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (إذ) هذه ظرفية، وهي متعلقة بمحذوف تقديره؟
* طالب: اذكر.
* الشيخ: اذكر، يعني: اذكر يا محمد للناس هذا الأمر الذي صيرناه للناس.
و﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى صيرنا.
و﴿الْبَيْتَ﴾ (أل) هنا للعهد الذهني، والمراد به الكعبة؛ لأنها بيت الله عز وجل، وأتي بها ثم بـ (أل) للتفخيم والتعظيم، يعني: البيت المعهود الذي لا يجهل ولا ينسى، جعلناه مثابة.
المثابة بمعنى المرجع، أي: يثوب الناس إليه ويرجعون إليه في كل أقطار الدنيا، سواء ثابوا إليه بأبدانهم أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجًا أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم، والذين يتجهون إليه كل يوم في صلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم، فإنهم لا يزالون يتذكرون هذا البيت في كل يوم وليلة، بل هو من شروط صحة صلاتهم.
وقوله: ﴿وَأَمْنًا﴾ أي: وجعلناه أمنًا للناس.
«وَلَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس ولفظ البخاري: «فلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلَي ولا لأَحَدٍ بعدِي، أُحِلّتْ لِي ساعَةً مِن نَهَارٍ». ]] للضرورة فقط؛ لأنه ما يمكن أن يُخلص هذا البيت من هذا الشرك إلا بهذا الإحلال، أحلها الله له ساعة من نهار للضرورة؛ وهي ساعة الفتح. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي. ]] فإذن حرمت حتى على الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا معنى كونها أمنًا، قال عليه الصلاة والسلام مجيبًا عن سؤال قد يُفرض: «وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[سبق تخريجه. ]].
والحكم لله العلي الكبير أذن للرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الساعة، ولكن لم يأذن لأحد، وهذا إذن هذا معنى كونه أمنًا أن الناس يأمنون، وإنما كان أمنًا؛ لأنه مكان عبادات ومناسك، ومشاعر، فلو أنه كان مخافة ما أدى الناس فيه عباداتهم على الوجه الأكمل، ولهذا نُهي عن حمل السلاح في الحرم حتى يبقى كل إنسان آمنًا، وبهذا نعرف عظم جرم أولئك الذين يوقعون المخاوف بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم-والعياذ بالله- من أعظم الناس جرمًا؛ لأن الله تعالى جعل هذا البلد آمنًا في كل وقت، فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أُمِّن إلا لأجلها، فهذا- والعياذ بالله- انتهاك لحرمات الله عظيم، ولهذا يجب أن يكون هذا البلد آمنًا، ولما طُعن ابن عمر رضي الله عنه وهو على راحلته في مِنى، طعنه أحد الخوارج طعنه بخنجر معه حتى لزقت رجله بالركاب رضي الله عنه، جاءه الحجاج يعوده.
* طالب: ابن عمر كان؟
* الشيخ: إي نعم ابن عمر، جاءه الحجاج يعوده فقال له: أنت الذي فعلت بنا هذا، فقد كنت أنهاك أن يحمل أحد السلاح في الحرم[[أخرجه البخاري (٩٦٦).]] فهذا دليل على أن هذا البيت آمِن أمن كامل، قال لله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]. وهذا المأمن عام حتى للكفار إلا أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] دفاعًا ولَّا طلبًا؟
* الطلبة: دفاعًا.
* الشيخ: دفاعًا، وفرق بين قتل الدفاع وقتل الطلب.
* طالب: هل الجعل هنا كوني أو شرعي؟
* الشيخ: لا هذا شرعي.
* طالب: شيخ، لو (...) في دين كفار ما يستقل منه؟
* الشيخ: يعني ما يمكن يتولى عليها الكفار أبدًا؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس.]] ولا يمكن إنه يهاجر إلا إذا كان بلد كفر.
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥] اتخذوا: اجعلوا.
* الطالب: (...) يا شيخ، ما يرد على هذا؟
* الشيخ: لا، ما يرد على هذا؛ لأن هذا يسلط عليه ولا يبقى فيه.
وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ أي صَيّروا، أو اجعلوا، وفيها قراءتان إحداهما: ﴿اتَّخِذُوا﴾ بفعل الأمر، والثانية: ﴿اتَّخَذُوا﴾ بفعل الماضي، أي: واتخذ الناس، مثابة للناس واتخذوا من مقام إبراهيم. أو: واتخذوا أنتم من مقام إبراهيم مصلى. وقوله: ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام مكان القيام، ويطلق إطلاقين: إطلاقًا عامًّا وهو مكان قيامه في العبادة، وإطلاقًا خاصًّا وهو مقامه لبناء الكعبة، فعلى الأول الإطلاق الأول يكون جميع مواقف الحج ومشاعر الحج يكون من مقام إبراهيم، عرفتم؟
على الإطلاق الأول أن المراد بالمقام مقامه للعبادة يشمل جميع مشاعر الحج: عرفة، مزدلفة، الجمرات، والصفا، والمروة، إلى آخره، وعلى القول الثاني الخاص الإطلاق الخاص يُطلق على الحجر المعين الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليرفع قواعد البيت، وهو هذا المقام المشهور، معروف للجميع. وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مصلى، هل المراد مكان للصلاة اللغوية وهي الدعاء؟ أو مكان للصلاة الشرعية؟
* الطلبة: الشرعية.
* الشيخ: على الأول، على الأول يكون مكانًا للدعاء، وعلى الثاني مكانًا للصلاة الشرعية المعروفة، والرسول ﷺ حين أقبل عليه بعد ما طاف قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام فسرها بالمعنى الخاص، بالمقام الخاص، ولكن كثيرًا من المفسرين فسروها بالمعنيين، وقالوا: إن هذا ذكر لبعض أفراد العام؛ لأنه يدخل فيه، الخاص يدخل في العام، ولا عكس.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام الخاص الذي هو الحجر الذي كان يرفع عليه بناء الكعبة اختلف المؤرخون هل كان لاصقًا بالكعبة، أو كان منفصلًا عنها في مكانه الآن؟
فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقًا بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة، أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فالظاهر أنه لا يجوز أن يُغيّر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقره، وإذا أقره النبي عليه الصلاة والسلام فليس لنا أن نؤخره عنه، وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها بعض العلماء، وممن قرظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة، بناء على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أُخِّر، وهذا لا شك أنه لو أُخر عن مكانه فيه دفع مفسدة؛ وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في أيام المواسم، وفيها نوع مضرة أو نوع مفسدة؛ وهي أنه يُبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في غير أيام المواسم المطاف يكاد يكون خاليًا ما هو كثير الناس، نخليه مثلًا عند الرواق معناه أنه يبعد عليهم أنه يبعد على الناس، (...) يعني المصالح متعارضة هنا؛ هل الأولى بقاؤه في مكانه أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يُبقى ما كان على ما كان، وحذرًا أيضًا من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة، ومسألة التضييق؛ تضييق المصلين على الطائفين، هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت، أو بالمنع بالقهر إذا لم تُفد، وهي في الحقيقة في ظني أنها في السنوات الأخيرة قلَّت بعض الشيء، في هذا العام أشوف أنها قليلة؛ لأن الناس صار عندهم توعية.
* طالب: لو يؤخر يا شيخ يصير ملعبة (...) حد يؤخره، كل خليفة يصير له نظر.
* الشيخ: والله يمكن، كل واحد يصير له نظر.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك ركعتي المقام إذا كان في أثناء الحج يزدحم المسجد يجوز صلاتهما في خارج المسجد؟
* الشيخ: إي نعم، يجوز؛ لأن هاتان الركعتان مشروعتان، ولهما مكان أفضل من غيره؛ وهو خلف المقام، فإذا لم يتيسر المكان بقيت المشروعية.
* الطالب: حتى لو خارج المسجد؟
* الشيخ: حتى لو خارج، عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاهما في ذي طوى في مكان بعيد.
* طالب: الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ يعني سنة إن الواحد (...) بعد الطواف؟
* الشيخ: إي نعم، سنة. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مفعول ثاني لـ (اتخذوا) ولَّا مفعول أول؟
* الطلبة: مفعول أول.
* الشيخ: مفعول أول؟ والثاني؟
* الطلبة: الجار والمجرور.
* الشيخ: الجار والمجرور المقدر، وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ هل هو منصوب بالفتحة ولَّا بفتحة مقدرة؟
* طالب: الأخير، منصوب بفتحة مقدرة.
* الشيخ: بفتحة مقدرة، ولهذا هو مكتوب بالياء، يعني أنه معتل بالألف مُصلًّى فهو منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والتنوين الذي فيه؟
* طالب: تخفيف.
* الشيخ: عوض، عوضًا عن الألف المحذوف. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أو ﴿إِلَى إِبْرَاهَامَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة ١٢٥]. ﴿عَهِدْنَا﴾ العهد: الوصية لما هو هام، وليست مجرد الوصية بل لا تكون عهدًا إلا إذا كان الأمر هامًّا، ومنه مثلًا: عهد أبو بكر بالخلافة إلى عمر؛ أي: أوصى بها إليه، ومعلوم أن أهم ما يكون من أمور المسلمين الخلافة.
وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابن إبراهيم، وهو أبو العرب، وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني هو الذي أمر الله إبراهيم أن يذبحه، وهو الذي قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢].
وقول من قال: إنه إسحاق بعيد، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه عمهم، أبو العرب، ولكن من تأمل آية الصافات أو آيات الصافات علم علمًا يكاد قريبًا من اليقين أن الذبيح إسماعيل؛ لأن الله تعالى ذكر في أثناء هذه الآيات قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢] بعد ما ذكر القصة كاملة قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١١٢، ١١٣] فكيف يكون بالأول يتحدث عن همه بذبحه والمحاورة التي جرت بينه وبينه، ثم يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾؟
البشارة ما تكون إلا بعد، فلو كان إسحاق هو الذبيح ما استقام أن يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ ﴿عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ (أن) هذه مخففة من الثقيلة؟
* طالب: مصدرية.
* الشيخ: ما هي مصدرية.
* طالب: مفسرة.
* الشيخ: المفسرة يكون بعدها أمر ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ﴾ [المؤمنون ٢٧] الظاهر أنها مصدرية.
* طالب: ﴿طَهِّرَا﴾ أليست أمر؟
* الشيخ: إيه لها علة، صحيح، طهِّرا، نعم، فعلًا إذن تصلح أن تكون تفسيرية؛ لأن عهدنا فيه معنى القول دون حروفه، فتكون تفسيرية؛ أي: أن العهد هو قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ طهِّرا: فعل أمر وقوله: ﴿بَيْتِيَ﴾ المراد به الكعبة، وأضافها الله تعالى إلى نفسه إضافة تشريف، وليست إضافة جزء ولا إضافة صفة، فهي إضافة تشريف، وبهذا نعرف أن المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين أو ثلاثة؟
* طالب: ثلاثة.
* الشيخ: الأول: أن تكون عينًا قائمة بنفسها.
الثاني: أن تكون وصفًا في ذلك العين أو في تلك العين.
والثالثة: أن تكون وصفًا لله، فإذا كان عينًا قائمة بنفسها فإضافته إضافة تشريف؛ مثل: ناقة الله، وبيت الله، وإذا كان وصفًا يتصل بعين مثل: الروح إذا قلنا إنها وصف، أو أنها جسم يتصل بجسم آخر مخلوق فهو أيضًا مخلوق، فهو إضافة تشريف وهو مخلوق مثل: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر ٢٩] وإذا كان وصفًا فإنه يكون صفة لله، يعني إذا كان المضاف معنى لا يقوم بغير الله فإنه يكون وصفًا لله مثل: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]، ومثل: عزة الله، وقدرة الله، وما أشبه ذلك، هنا من القسم الأول ﴿بَيْتِيَ﴾ البيت عين قائمة بنفسها، فإضافته إليه من باب إضافة تشريف.
وقوله: ﴿بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني للذين يطوفون به، والثاني: ﴿الْعَاكِفِينَ﴾ الذين يقيمون فيه للعبادة، والثالث: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الذين يصلون فيه، وعبر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما ركنان فيها، وقد تقدم لنا بعيدًا بأنه إذا أُطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلًا على أن هذا الجزء ركن فيه ما تصح بدونه، هنا بدأ بالطائفين لاختصاصهم بذلك البيت، ثم ثنَّى بالعاكفين؛ لأنها أوسع دائرة من الطائفين، لكنها مختصة بالمساجد، ثم قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ هذه لا تختص بالمساجد، «جُعِلَتِ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله. ]] فإذن يكون الله سبحانه وتعالى بدأ بالأخص فالأخص، أخص ما يكون بالبيت الحرام الطواف، ثم الاعتكاف، أما الصلاة فلا تختص بمكان، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن ملكًا من الملوك نذر لله نذرًا أن أعبد الله عبادة لا يشاركني فيها أحد فاستفتى بعض أهل العلم قالوا: أيش لون؟ إن صمت يجوز أن يكون فيه ناس صائمين، إن صليت يجوز فيه ناس يصلون، إن تصدقت يجوز فيه ناس يتصدقون، فذهبوا إلى عالم من العلماء فقال لهم: أخلوا له المطاف؛ يعني خلوه يطوف وحده، وحينئذٍ يشاركه أحد ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما يمكن يشاركه أحد؛ لأنه بالحقيقة ما أحد يطوف أبدًا إلا بهذا البيت.
* طالب: خالف النص: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ»[[أخرجه أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨) من حديث جبير بن مطعم.]]؟
* الشيخ: لا، المهم إن هذا حل المسألة، أما عاد كونه يجوز أو ما يجوز هذا هم يمنعون لغير هذا السبب، لكنه ما فيه؛ يعني ما يمكن الوفاء بهذا النذر إلا بهذا.
* طالب: ما يمكن يا شيخ (...).
* الشيخ: أين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا يمكن بدون منع الناس، هذا يمكن لو يجي في آخر الليل؛ يعني في غير المواسم أحيانًا تجدوه فاضي، فارغًا أو يجي مثلًا بعد طلوع الشمس دائمًا إلى في أيام الاعتمار اللي ما فيه
* الطالب: أو برمضان في الظهيرة أحيانًا.
* الشيخ: المهم على كل حال يمكن يجد. وقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ طهر للطائفين؛ اللام هذه للتعليل؛ أي: لأجلهم. وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الركع معروف أنها جمع (راكع)، والسجود جمع (ساجد)، وتصح أن تكون مصدرًا، (سَجَدَ، يَسْجُدُ، سُجُودًا)، لكن سجود وقعود هي مصدر وفي نفس الوقت جمع، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١ / ٧٧)، واللفظ له، من حديث أنس بن مالك. ]] ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
* طالب: شيخ، الركع السجود غير (...).
* الشيخ: وأيش لون؟
* الطالب: غير الركع السجود (...).
* الشيخ: وخص الركوع السجود؛ لأنهما أفضل هيئة، الركوع أفضل هيئة من القيام، والسجود أفضل منه؛ ولهذا نقول: القيام فضل الركوع والسجود بذكره، فإن ذكر القيام ما هو؟
* الطلبة: القرآن.
* الشيخ: كلام الله عز وجل، أفضل من كل شيء، وذكر التسبيح، وذكر الركوع والسجود هو التسبيح، والتسبيح أقل حرمة من القرآن، وإن كان التسبيح لا شك أنه تعظيم لله، لكنه ما مثل القرآن، فالله سبحانه وتعالى حكيم جعل لكل من أركان الصلاة ما يخصه، هذا اختصه بفضل ذكره، وهذا اختصه بفضل هيئته.
* طالب: شيخ، ما نقول أن الركع السجود أخص أوصاف الصلاة؛ يعني ما هو راكع ولا ساجد لله وهو (...)؟
* الشيخ: وأيش لونه؟
* الطالب: يعني أخص أوصاف الصلاة؟
* الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن سجود التلاوة سجود بلا صلاة.
* الطالب: على القول بهذا.
* الشيخ: ما يصح.
* طالب: يا شيخ، ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ﴾ (من) هنا كيف تباينية ولَّا تبعيضية؟ ثم ما يمكن لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى هنصلي فوق الحجر؟
* الشيخ: قوله: اتخذوا من، هذه لبيان الجنس بيانية؛ يعني اتخذوا من هذا المقام، ويجوز أن تُضمن معنى (في)؛ أي اتخذوا في هذا المقام مكانًا للصلاة.
* طالب: لكن المقام ما دام هو الحجر أصبح ما يمكن يتخذونه مصلى؟
* الشيخ: إيه، اتخذوا منه ما هو معناها عليه، اتخذوا منه مكانًا، والرسول فسره بأنه يكون يصلي إلى جنبه.
* الطالب: ما بيرجح هذا أنه مناسك الحج على العموم (...) مقام إبراهيم على العموم هو (...) الحج؟
* الشيخ: هو الحقيقة، كل له مُرجح، أما تفسير النبي عليه الصلاة والسلام فلا شك أنه واضح أنه أراد هذا المقام، وإذا أردنا بالعموم بيرد عليه استعمال الصلاة في اللغة.
يقول: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.
* طالب: قوله: ﴿طَهِّرَا﴾ قلت: إن إبراهيم هو اللي بنى البيت يا شيخ، لماذا قال: طهِّرا؟
* الشيخ: نعم، ولكن إسماعيل كان مساعدًا له ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧].
* الطالب: لا لا، قصدي يعني كيف يطهر شيئًا طاهرًا هو اللي بنى البيت؟
* الشيخ: إيه، ولو بناه، وأيش؟! يمكن يأتي هذا البيت يجيه نجاسة، يجيه أقذار فيطهراه.
* طالب: قوله: ﴿طَهِّرَا﴾ أمر جه أثناء البناء؟
* الشيخ: يجوز أنه يكون أمر في أثناء البناء؛ لأنه قد يرد عليه شيء في أثناء البناء أو بعده، ما هو مستحيل.
* طالب: يشمل الطهارة حسية ومعنوية؟
* الشيخ: والله فيها نظر؛ المعنوية إلا إذا كان من باب القياس، إذا وجب التطهير من الحسية فمن المعنوية أولى.
* الطالب: (...) هذا؟
* الشيخ: ما هو الظاهر؛ لأنه قال: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ ما قال: طهراه وأطلق، والتطهير ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ما يناسبه إلا الطهارة الحسية.
* الطالب: (...) الطائفين والعاكفين (...) وجدت أصنام فما يستطيعون؟
* الشيخ: لا، يستطيعون، فيه ثلاث مئة وستين صنم والناس يطوفون حولهم.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ يعني واذكر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ونقول فيها ما قلنا بالأول القراءة ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ﴿اجْعَلْ﴾ صيِّر. ﴿هَذَا﴾ المشار إليه مكة. وقوله: ﴿بَلَدًا﴾ البلد: اسم لكل مكان مسكون، سواء كان ذلك مدينة كبيرة أو مدينة صغيرة كله يسمى بلدًا، وقد سمى الله تعالى مكة بلدًا كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ٣]، وسماه الله تعالى قرية كما في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣].
وقوله: ﴿آمِنًا﴾ قال بعض المفسرين: أي: آمنًا مَن فيه؛ لأن البلد نفسه ما يوصف بالأمن والخوف؛ البلد أرض وبناء، فلا يوصف بالأمن والخوف، وإنما الذي يكون آمنًا أهله، أما هو فيكون أمنًا، والذي ينبغي أن يجعل على ظاهره، وأن يكون البلد نفسه آمنًا، وإذا أمن البلد أمن من فيه وهو أبلغ؛ لأنه مثلًا لو جاء أحد وهدم البناء ما كان البناء آمنًا، صار البناء عرضة لأن يتسلط عليه من يتلفه، فكونه آمنًا أبلغ من أن نفسره بـ (آمنًا أهله)؛ لأنه يشمل البلد ومن فيه، ولهذا قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ فرّق ما قال: ارزقه؛ لأنه لا يُرزق. ﴿ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ ﴿ارْزُقْ﴾: فعل أمر أو فعل دعاء؟
* الطلبة: دعاء.
* الشيخ: دعاء، و﴿أَهْلَهُ﴾ مفعول أول. و﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ مفعول ثاني.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾، وارزق أهله من آمن، عرفتم؟
وإنما احترز إبراهيم عليه الصلاة والسلام من العموم تأدبًا بتأديب الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤] فتأدب في طلب الرزق أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد، عرفتم؟ إذن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ محلها من الإعراب؟
* طالب: بدل من أهله.
* الشيخ: النصب بدلًا من أهله، بدل بعض من كل، ولا بدل كل من كل؟
* الطلبة: بعض من كل.
* الشيخ: بعض من كل. ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أجاب الله دعاءه فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني وأرزق من كفر أيضًا. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ لكن ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ إلى آخره.
وقوله سبحانه وتعالى عن إبراهيم: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما هو الإيمان؟ الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المقرون بالقبول والإذعان، هذا في الشرع؛ التصديق المقرون بالقبول والإذعان؛ لأن مجرد التصديق ليس إيمانًا شرعًا؛ فأبو طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ لكنه ليس بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له وينقاد، فالإيمان شرعًا؟
* الطلبة: التصديق المقرون بالانقياد والإذعان.
* الشيخ: التصديق المقرون بالقبول والإذعان؛ يعني الانقياد، ولهذا قال أهل السنة والجماعة: الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وتصديق بالجنان، فهو مركب من هذه الثلاثة، ولا يمكن يكون الإيمان شرعًا بدونهم. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن كما سبق كم؟
* الطالب: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة أو أربعة؟ يتضمن الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، فالإيمان بوجوده ما يكفي عن البقية، ولهذا يقول: أنا أعجب من بعض الناس لما أن أحد الروس صعد فوق الجاذبية، ورأى ما حوله من النجوم والكواكب، ورأى الأرض وأنها ككرة في يد الصبي، قال: والله ما خلق هذا إلا قاهر عظيم، ولكنه ما آمن إلا بس إن هذا الشيء ما أنتج نفسه، بعض الناس كان يطبل ويزمر، قال: الحمد لله، هذا آمن، وهل آمن هذا؟
* طالب: لا، ما آمن.
* الشيخ: ما آمن، ما آمن حتى يصدق بالله ووجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، الربوبية أن تؤمن بأن الله تعالى له الخلق والأمر ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فهو الخالق الذي له الأمر الكوني والشرعي، ولذلك- بلا شك- أن الحكم بغير ما أنزل الله يتضمن أو يدخل في توحيد الربوبية لا في توحيد الألوهية. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١] فالحاصل أن هذا الإيمان بالربوبية؛ الإيمان بالخلق والأمر، أن الله هو الخالق وحده، المالك وحده، الذي له الأمر المطلق وحده.
الإيمان بالألوهية أن تؤمن بأنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا الله وحده سبحانه وتعالى، لا أحد يستحق أن يعبد؛ لا ملَك، ولا رسول، ولا ولي، ولا صالح، ولا شقي، ولا طالح، ما يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى الذي خلق، أما الإيمان بالأسماء والصفات فأن تؤمن بكل ما سمى الله به نفسه، أو وصف به نفسه، أو سماه به رسوله، أو وصفه به رسوله، سواء كانت من الصفات الذاتية أو المعنوية أو الفعلية، كلها يجب عليك أنك تؤمن بها، وسواء كانت هذه الصفات مما يدركه العقل، أو مما لا تثبت إلا بالسمع، كلها يجب عليك أن تؤمن بها، على هذا جميع المحرفين لآيات الصفات غير مؤمنين بها إيمانًا كاملًا، ما آمنوا بها إيمانًا كاملًا، وجميع الممثلين لله بصفات خلقه لم يؤمنوا بالصفات إيمانًا كاملًا.
اليوم الآخر، ما هو اليوم الآخر؟ هو يوم القيامة، وسُمي آخرًا؛ لأنه لا يوم بعده، ما فيه يوم بعده، الدنيا يوم أول؛ لأنه مرحلة تأتي بعدها الآخرة ولا بعدها مرحلة؛ لأنها لا نهاية لها أبد الآبدين؛ إما في الجنة أو في النار.
وإنما يقرن الله تعالى دائمًا بين الإيمان به واليوم الآخر دون الإيمان ببقية الأركان الستة؛ لأن الإيمان به يتضمن الإيمان بكتبه ورسله وملائكته والقدر خيره وشره، أفهمتم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: كله يتضمن هذا، اليوم الآخر؛ لأنه يوم الجزاء، والإنسان إذا لم يؤمن باليوم الآخر ما هو بعامل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا كان الإنسان ما يعتقد أنه سيُحشر ويجازى فإنه لا يمكن أن يعمل، فالإيمان باليوم الآخر هو الذي يحدوا بالإنسان إلى العمل يعمل؛ لأنه يؤمن بأن هذا العمل الذي يقوم به اليوم سوف يجازى به غدًا في اليوم الآخر، ولهذا يعمل بالطاعات ويترك المعاصي، يعمل بالطاعات طلبًا للثواب في ذلك اليوم، ويدع المعاصي خوفًا من العقاب في ذلك اليوم.
وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال من اللي قائل؟
* الطلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى يقول قولًا مسموعًا، ولهذا يخاطب إبراهيم ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ فهو سبحانه يقول قولًا مسموعًا يسمعه من خُوطب به. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾؛ يعني وأرزق من كفر، والكَفْر في الأصل- أي في اللغة-: الستر، ومنه سُمّي (الكُفُرَّى) تعرف الكُفُرّى؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: الكافور.
* الشيخ: الكافور زين، الكُفُرَّى الذي يكون في طلع النخل؛ لأنه يستره، أما في الشرع فالكفر هو الجحد أو الاستكبار، الجحد أو الاستكبار، يعود على هذين الأمرين، فكل كافر فإما جاحد أو مستكبر، واتصالهما بالمعنى اللغوي ظاهر؛ لأن الجاحد ساتر بلا ريب، والمستكبر عمله يتضمن الستر، كأنه ستر ما يجب لله من حق فاستكبر عن عبادته، وكل الكفر الموجود بجميع أنواعه وأصنافه كله يعود إلى هذين الأمرين؛ إما الجحود وإما الاستكبار.
﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني فأرزقه، ولكن ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾. وفي قراءة: ﴿فَأُمْتِعُهُ﴾ ، والإمتاع والتمتيع معناهما واحد وهو (...) يتمتع به، والمتعة البلغة، المتعة البلغة التي تلائم الإنسان.
﴿فَأُمْتِعُهُ قَلِيلًا﴾ إلى متى؟ إلى الموت، ومهما طال بالإنسان العمر فهو قليل، لا بد أن يموت وهو قليل ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦] بل أقل من هذا ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥].
وإذا شئت أن تعرف الأمر فقس ما مضى من حياتك مما بقي، الآن كلنا يعرف أننا خلَّفنا أيامًا كثيرة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أيام كثيرة خلَّفناها، نفس اللي خلفناه البارحة وأيش كأنه؟
لا شيء كأنه لا شيء، نحن الآن في الوقت الذي نحن فيه، وأما ما مضى فكأنه لم يكن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام واصفًا الدنيا: «إِنَّهَا مَثَلُ الرَّاكِبِ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَهَا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٧٧)، وابن ماجه (٤١٠٩) من حديث عبد الله بن مسعود، ولفظه: «مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». ]] إنسان اطمأن له شوي تحت ظل الشجرة، ثم ارتحل، هذه الدنيا كلها؛ ولذلك يجب علينا أن نتخذ من هذا الوقت القصير أن نتخذ منه عملًا كثيرًا ينفعنا في الآخرة، والعمل اليسير- ولله الحمد- في الدنيا يثمر ثمرات كثيرة في الآخرة، يضاعف بعشرة أضعاف إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ما المراد بالتطهير هنا؟ من الأوثان لأن الأوثان رجس، أو المراد من الأقذار والنجاسات؟
* الطالب: تشمل الكل.
* الشيخ: تشمل المعنيين، ما تقولون؟
* الطلبة: نعم، صحيح.
* الشيخ: صحيح، قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ نجيء للإعراب، وأيش إعرابها (أن)؟
* الطالب: أن تفسيرية.
* الشيخ: أن تفسيرية؛ لأنه جاء بعدها فعل أمر، وسبقها فعل متضمن للقول دون؟ كملوا؟
* الطلبة: دون حروفه.
* الشيخ: دون حروفه، متضمن القول دون حروفه. ﴿عَهِدْنَا﴾ يعني: قلنا مثل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ﴾ [المؤمنون ٢٧] فأن تفسيرية.
ما المراد بالإضافة في قوله: ﴿بَيْتِيَ﴾؟
* الطالب: ﴿بَيْتِيَ﴾ الله.
* الشيخ: إيه، ما المراد بالإضافة؟ هذه الإضافة لأن الله يسكنه؟
* الطالب: لا، محل عبادته، محل التعبد؛ إضافة تشريف.
* الشيخ: إضافة تشريف، أضافه الله إلى نفسه تشريفًا له وتعظيمًا له. وهذا التشريف، وهذه الإضافة أيضًا كما أنها للتشريف فهي أيضًا فيها حث لإبراهيم وإسماعيل لتطهير هذا البيت؛ لأنه أضافه لنفسه، فتعظيمه من تعظيم الله سبحانه وتعالى.
لماذا بدأ بالطائفين قبل المصلين؟
* الطالب: بدأ بالأخص فالأعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: الطواف أخص من العكوف.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأن هذا مختص بالبيت؛ الطواف بالبيت.
* الشيخ: في المسجد الحرام؛ لأنه ما يكون إلا في المسجد الحرام، طيب كمل؟
* الطالب: ثم الركوع؟
* الشيخ: لا، عاكفين. لأيش وأنت قلت: بدأ بالأخص فالأعم؟
* الطالب: الطواف أخص منه.
* الشيخ: أخص من الاعتكاف نعم، لكن لماذا قدم الاعتكاف على الركوع والسجود مع أن الركوع والسجود أفضل؟
* الطالب: لأنه اختص بالبيت.
* الشيخ: ما يختص بالبيت؟
* الطالب: الطواف.
* الشيخ: انتهينا من الطواف؟
* طالب: لأن الطائفين أحق من العاكفين إن الطائفين في البيت.
* الشيخ: لا، أنا ما أسأل عن تقديم الطائفين، عرفنا تقديمهم، العاكفين لماذا قُدموا على الركع السجود مع أن الصلاة أفضل من الاعتكاف؟
* الطالب: شيخ؛ لأنه اختصاص في المساجد.
* الشيخ: لأنه خاص بالمساجد، الركع السجود؛ لأنها- أي الصلاة- تصح في كل مكان: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».[[سبق تخريجه. ]]
* الطالب: إنها في سياق، كلها في سياق المساجد لكن العاكفين خاصة بالمساجد الجامعة؟
* الشيخ: المساجد الجامعة.
* الطالب: إيه.
* الشيخ: لا، ما هي بخاصة بالجامعة، كل مسجد (...).
* الطالب: يعني (...) الأمر، يعني كل (...).
* الشيخ: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ عام ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧]. لماذا عطف العاكفين على القائمين بالواو؟ والركع عطفها بالواو أيضًا دون السجود، ما قال والركع والسجود؟
* طالب: لأنه أصل الركع السجود في عبادة واحدة.
* الشيخ: نعم، إي نعم، وأما تلك؟
* الطالب: والعكوف (...) عبادة (...).
* الشيخ: وأما الطواف والاعتكاف فكل واحدة عبادة مستقلة. في قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إشارة إلى أدب فما وجهه؟ لأنه لولا خبرناه ما فينا (...).
* الطالب: هذا يشمل بقية الأمور الغيبية.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الإيمان بالله واليوم الآخر يشمل الأمور الغيبية.
* الشيخ: إيه، لماذا؟ إذن لماذا خص اليوم الآخر؟ لماذا لم يقل الإيمان بالله وبس؟
* الطالب: يشمل اليوم الآخر يشمل.
* الشيخ: يشمل الإيمان بالرسل.
* طالب: الإيمان بالله، يشمل الإيمان بالله وملائكته ورسله.
* الشيخ: وكتبه.
* الطالب: وكتبه، وهي كلها (...).
* الشيخ: والقدر خيره وشره.
* الطالب: والقدر خيره وشره، أما اليوم الآخر فهو مختلف؛ يعني يختلف يعني، أما الإيمان بالرسل والكتب والملائكة فهي تابعة للإيمان بالله.
* الشيخ: طيب والإيمان باليوم الآخر من أخبار الله؟
* الطالب: لأن الإيمان باليوم الآخر يحث على العمل.
* الشيخ: إيه، أي: فإنه يوم الجزاء؛ تنبيه بأن حقيقة الأمر أن من لم يؤمن باليوم الآخر ما هو راح يعمل أبدًا مهما كان الأمر، بيعيش عيشة بهيمية، لكن أنه يؤمن باليوم الآخر يعرف أنه بيجازى على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، هذا يحدوه إلى العمل، فنص على الإيمان باليوم الآخر لأيش؟ لأنه يحمل على العمل والإيمان حيث إنه محل الجزاء.
قوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ وأيش إعراب ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾؟
* الطالب: الجملة يعني؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (منْ) اسم موصول بمعنى الذي، كفر: فعل ماضٍ.
* الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟
* الطالب: محل نصب مفعول به.
* الشيخ: مفعول به لأيش؟
(...) ﴿بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة لقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، وكما أنه يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة شرعية، فإنه قد يبتليهم بأحكام كونية مثل:
* الطالب: المرض.
* الشيخ: إيه مرض، أو مصائب في المال، في الأهل، وما أشبه ذلك عرفتم؟
* ومن فوائد الآية: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجهين؛ من قوله: ﴿رَبُّهُ﴾ حيث أضاف ربوبيته إلى إبراهيم، وهذه ربوبية خاصة، ومن قوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ما قال: فأتى بهن. قال: ﴿أَتَمَّهُنَّ﴾ وهذا لا شك أنه منقبة له عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية: أن من أتم ما كلفه الله به كان من الأئمة لقوله: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ يعني لما أتمهن جُوزي على ذلك بأن جعل إمامًا للناس.
ومنها: فضيلة إبراهيم من قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو لذريته بالصلاح لقوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وإبراهيم طلب أن يكون من ذريته أئمة، وطلب أن يكون من ذريته من يقيم الصلاة ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم ٤٠] فيستفاد منه: مشروعية الدعاء وأيش هو؟ الدعاء للذرية بالإمامة والصلاح.
ومنها من فوائد الآية: أن الظالم لن يكون إمامًا، أو لا يستحق أن يكون إمامًا؟
* طالب: لا يستحق.
* الشيخ: لا يستحق أن يكون إمامًا لقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يعني فالظالم ليس مستحِقًّا لأن يناله عهد الله، لكن قد يكون إمامًا إذا أتى بأسباب الإمامة، وإن كان فيه ظلم، لكن الإمامة الشرعية غير الإمامة التنفيذية، الإمامة الشرعية ما تكون للظالم ولا يستحق أن يكون إمامًا، لكن الإمامة التنفيذية مثل أن يكون خليفة أو ما أشبه ذلك قد يكون هذا لكنه غير أهل لها.
ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الظلم ينزل بأهله إلى أسفل السافلين، ما يجعلهم في قمة، ينزلهم إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأيش تقول؟
* الطالب: ما الجمع بين هذا الظاهر أنه كوني قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ما هو بكوني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني حكم كوني؟
* الشيخ: لا، قد يكون شرعي، يعني معناه أن الله يقول: أعطيك ما طلبت، لكنه لا يستحق هذا من كان ظالِمًا.
* الطالب: يستلزم من هذا أن نقول إن إبراهيم طلب أن يكون هذا شرعيًّا؟
* الشيخ: كيف شرعي؟
* الطالب: يعني إذا قلنا إنه شرعي قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يلزم أن نرجع هذا إلى السؤال فنقول: إن إبراهيم طلب أن يكون.
* الشيخ: إبراهيم طلب أن يكون إمامًا من ذريته عامة، فأجابه الله إلا أنه سبحانه وتعالى استثنى الظالم؛ فإنه لا يستحق أن يكون إمامًا، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يعني معناه أني أعهد بذلك إليك، ولكن عهدي لا يدخل فيه الظالمون.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥].
من هذه الآية يستفاد فضيلة البيت الحرام من وجهين: أنه مثابة، وأمن.
* ومن فوائد الآية: ظهور رحمة الله عز وجل، فإنه لما جعل هذا البيت مثابة والناس لا بد أن يرجعوا إليه رحمهم بأن جعله آمنًا، رحمهم بأن جعله آمنًا.
* ومن فوائد الآية: أنه يجب أن يكون كل مكان مثابة للناس أن يكون آمنًا، ولهذا كره أهل العلم أن يُحمل السلاح في المساجد، قالوا: لأن المساجد محل أمن، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس به، فالمهم أن كل شيء مثابة للناس شرعًا يثوبون إليه شرعًا فإنه يجب أن يكون آمنًا ليأمن الناس في أداء عباداتهم.
* ومن فوائد الآية: وجوب اتخاذ المصلى من مقام إبراهيم لقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وجه الدلالة على الوجوب؟
* الطلبة: الأمر.
* الشيخ: الأمر؛ لأن الأصل فيه الوجوب، فإن قلنا: بأن المراد بالمقام جميع مناسك الحج فلا إشكال، أوْ لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن فيه واجب القيام بعرفة، ومزدلفة، ومنى، وإذا قلنا: المراد به الركعتان بعد الطواف صار فيه إشكال؛ فإن جمهور أهل العلم على أنهما سنة، وذهب الإمام مالك إلى أنهما واجبتان، والذي ينبغي للإنسان أن لا يدعهما؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام فسر الآية بهما، تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى أكرم من عبده، شوف إبراهيم لما أتم الكلمات، وأيش اللي حصل له من الفوائد هذه؟ نتيجة لذلك جعله الله إمامًا للناس، وأمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلى، أمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلى، وهذا بعض من إمامته، وقد يقال أيضًا: إن البيت الذي بناه إبراهيم تعظيمه في الحقيقة يعتبر منقبة لإبراهيم؛ لأن إبراهيم هو الذي بناه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تطهير البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية، كذا؟ قولوا: نعم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من أين نأخذه؟ ﴿عَهِدْنَا﴾ ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ وقد سبق لنا أن العهد هو الوصية بالأمر إلهام. ويؤيد ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]. ولهذا لا يجوز للمشركين ولا غيرهم من أهل الكفر أن يدخلوا أميال الحرم؛ لأنهم إذا دخلوها قربوا منه، قربوا من المسجد الحرام، والله يقول: ﴿لَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
ومنها: اشتراط طهارة مكان الطواف لقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾.
ويؤخذ منه بالأولى اشتراط طهارة لباس الطائفين، وأنه لا يجوز أن يطوف بثوب نجس؛ لأن ملابسة الإنسان للثياب ألصق من ملابسته للمكان، واضح؟
وهل يؤخذ منها وجوب الطهارة من الحدث ولَّا لا؟ قد يؤخذ منها وقد لا يؤخذ؛ وذلك لأن طهارة الحدث ليست نجاسة حسية، فالمحدِث ليس بنجس، وإلا لكان إذا مسك وأنت رطب نجَّسك، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة وهو على جنابة: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة.]].
ومنها من فوائد الآية: أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة لقوله: طهره لهم، ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد؛ في المسجد الحرام مسجد الكعبة، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان مثلًا أن يدور على المسجد الحرام من برّه فإنه لا يجزئه، أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق ولا تحت فهؤلاء يجزئهم.
* طالب: المهم (...).
* الشيخ: لا، المهم أن يكون في المسجد، ولا كان يقول: من وراء العمد ما يجوز.
* الطالب: (...) الطائفين زادوا.
* الشيخ: يعني حتى خرجوا من المسجد؟
* الطالب: حتى خرجوا من المسجد.
* الشيخ: ينتظر لأنهم يفرغوا، ما هم قاعدين (...).
* الطالب: ربما فيه في المستقبل ما جعلهم (...).
* الشيخ: حتى في المستقبل ينتظر حتى يخرج، لا بد أن يكونوا في المسجد.
* الطالب: في حدود المسجد.
* الشيخ: في حدود المسجد. وعلى هذا يجب الحذر من الطواف فوق المسعى؛ لأن بعض الناس يمكن يطوف بالمسعى، المسعى إذا دار يدخل معه؛ لأن المسعى من فوق فيه أبواب ومن تحت فيه أبواب، فقد يطوف مع المسعى، فيجب الحذر؛ لأن المسعى ليس من المسجد، فإن المسعى كما تشاهدون مفصول عن المسجد، وهذا لازم أنه يفصل؛ إذ لو كان من المسجد لكان المرأة إذا حاضت بعد الطواف لا تسعى؛ لأنه يلزمها أن تمكث بالمسجد.
ومنها أيضًا: فضيلة هذه العبادات الأربع: الطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود، حيث أمر بتطهير البيت لهم، هل في كونه بنى الأول جمع الأول جمع مذكر سالمًا والثاني جمع تكسير هل فيه فائدة حكمية؟ ولا فائدة لفظية؟ يعني قال: للطائفين والعاكفين والراكعين والساجدين بل قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾؟
قد يقال: إن الطائفين والعاكفين والركع، الركع هذه (فُعَّل) تدل على الكثرة؛ لأن الصلاة فيها ركوعين، أقل ما فيها ركوعين، وأقل ما فيها أربع سجدات، هذه الثنائية، أما الوتر ففيه ركوع واحد وسجودان.
وقد يقال: إن هذا من باب الاختلاف التعبيري؛ لأنه من البلاغة أن تأتي الألفاظ مختلفة؛ لأنه أنشط، والله أعلم.
* طالب: شيخ، كما يكون عشر سجودات؟
* الشيخ: في صلاة واحدة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: في صلاة واحدة فريضة يعني؟ فريضة ست سجودات؟
* الطالب: صلاة المغرب (...).
* الشيخ: إيه، عشر ولا ست؟ ست تشهدات، تشهدات (...) ست تشهدات.
* الطالب: (...).
* الشيخ: تشهدات؟ ما ندري على كل حال إن هذه نادر ما تحصل ست تشهدات نادرة.
* الطالب: الصلاة في المسعى تجزئ الإنسان يكون في المسجد؟
* الشيخ: لا، اللهم إلا إذا كانت الصفوف متصلة، إذا كان مملوء الحرم والمسجد واتصلت الصفوف، (...).
* الطالب: شيخ، صلاة النبي عليه الصلاة والسلام عند المقام وقراءته الآية ما فعله؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: قراءة النبي.
* الشيخ: يجوز أن يكون قالها على سبيل التمثيل.
* الطالب: أمس ذكرنا في تفسيرها قلنا: ما يجوز العدول عنها؟
* الشيخ: لا، قلنا: هذه يرجح ذلك، لكن ما يمنع، قلنا: هذا يرجح إلا أنه ما يمنع.
* الطالب: لماذا لم يقرأ الآية حين وقف بعرفة وحين وقف بمزدلفة ما قرأ؟
* الشيخ: قد يكون لما أنه عليه الصلاة السلام ابتدأ الطواف وصلى؛ لأنه ما أحل- كما تعرف- ما أحل من إحرامه، ولا يلزم أن يستشهد لكل فعل بالآية، إنما هو لا شك مما سبق أن هذا يرجح أن المراد الركعتين فقط.
يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٢٦] إلى آخره.
في هذه الآية التنويه بفضل إبراهيم؛ لأن قوله: ﴿إذْ قَالَ﴾ سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قال، ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه والإعلام ما أُمر به، فإذن في هذا دليل على فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث نُوِّه عن قوله هذا.
* ومن فوائد الآية: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته، ما أحد يستغني عن الدعاء أبدًا لقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن للدعاء أثرًا في حصول المقصود سواء كان دفع مكروه أو جلب محبوب، فهمت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لأنه لولا أن للدعاء أثرًا لكان الدعاء عبثًا، وقول من يقول: ما حاجة للدعاء إن كان الله كاتب لي هذا هو اللي بيحصل دعوت ولا ما دعوت، وإن كان ما هو مكتوب لك ما هو حاصل دعوت أو ما دعوت، فإن جوابنا على هذا أن نقول: ولكن قد يكون مكتوبًا وأيش بناء عليه؟
* الطلبة: على الدعاء.
* الشيخ: على دعائك، مكتوب، لكن بشرط أن تدعو، فإذن ادعُ الله، كما أنه لو قال قائل: أنا والله ما أنا بآكل طعام، إن كان الله يريد الحياة فأنا بأحيا لو ما أكلت، وإن كان يريد أني أموت بأموت ولو مليت بطني إلى الحلقوم، وأيش نقول؟ ولكن الأكل سبب للحياة، فإنكار أن يكون الدعاء سببًا هذا إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أُخبرنا به، وفيما شاهدناه، وفيما جرى علينا أن الله سبحانه وتعالى يجيب الدعاء، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: فالله تعالى قص علينا في القرآن قصصًا كثيرة فيها إجابة للدعاء، وسمعنا أيضًا عن غيرنا مما لم يُقصّ في القرآن قضايا كثيرة فيها إجابة الدعاء، وكذلك جرى للإنسان، يجري للإنسان نفسه أشياء يدعو الله بها فيشاهدها رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعائه، فإذن الشرع والواقع كلاهما يرد على من أبطل تأثير الدعاء.
* طالب: شيخ، القول بأن إبراهيم لما أُلقى في النار قال: أما منك فلا يا جبريل ومن الله، بلى، نظره لحالي يكفي عن سؤالي، هل يستقيم؟
* الشيخ: لا، لا، كذب، هذا كذب علمه بحاله يكفي عن سؤالي أو يغني عن سؤالي هذا كذب.
ومنها، من فوائد الآية: قلنا منقبة إبراهيم (...) بهذا الدعاء.
ومنها أيضًا: رأفته عليه الصلاة والسلام بمن يؤم هذا البيت؛ لأن جعل البيت آمنًا يتضمن الإرفاق بمن أمه من الناس.
ومنها أيضًا، من فوائد الآية: رأفة إبراهيم أيضًا حيث سأل الله أن يرزق أهله من الثمرات لقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.
ومن فوائده: أدب إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث لم يعمم في هذا الدعاء، بل قال: ﴿ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ خوفًا من الله أن يقول له: من آمن فأرزقه، لكن المسألة صارت على عكس الأولى، الأولى خصص الله دعاءه، وهذه بالعكس عمم.
* ومن فوائد الآية: أن رزق الله شامل للمؤمن والكافر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فالرزق عام شامل للمؤمن والكافر، بل للإنسان والحيوان ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦].
وأنت ترى بعض الخشاش في الأرض ما حوله شيء، ولكن ييسر الله له الرزق، يجلبه إليه من حيث لا يشعر ولا يحتسب، ويُذكر في هذه الأمور قصص غريبة، يشاهَد بعض الحيوانات الصغيرة الصماء العمياء، يجلب الله لها رزقًا فتأكل كل ما احتاجت إلى ذلك، والله على كل شيء قدير.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن رزق غير المؤمنين لا يستمر لقوله: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة ١٢٦].
ويؤخذ من مفهوم الآية الكريمة: أن المؤمنين رزقهم يستمر؛ لأن الله تعالى إنما قيد الإمتاع القليل بمن؟ بالكافرين؛ فمعنى ذلك أن رزق الله تعالى على المؤمنين مستمر، وأقول: إن رزق الله للمؤمنين جنة في الدنيا وفي الآخرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان ٥٦].
فهذا الاستثناء عند أكثر أهل العلم استثناء، وأيش نوعه؟ منقطع، ولكنه في الواقع حتى لو قلنا: بأنه منقطع، وأن المعنى لكن الموتة الأولى قد ذاقوها فلا يموتون مرة ثانية كما قال أبو بكر:« والله لا يجمع الله عليك موتتين. »[[ أخرجه البخاري (١٢٤٢) من حديث عائشة.]] لكن يشير إلى أن أهل الجنة في نعيم في الدنيا وفي الآخرة، وهذا هو الواقع؛ لأنه ما يوجد أحد أنعم بال ولا أسر من أهل العلم والإيمان لقوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
وقال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف، والإنسان يجد راحة عظيمة في الطاعة إذا صار إنه في صفاء القلب والإخلاص والإيمان وجد لذة ما يمكن تُوزن بها الدنيا كلها، ولهذا الرسول سمَّى هذا حلاوة؛ حلاوة الإيمان. إذن فهناك طعم يدركه الإنسان، وربما يصل الأمر إلى أن يجد ريح الجنة وهو في الدنيا كما قال أظنه أنس بن النضر:« إني لأجد رِيح الجنة دون أُحد. »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٤٨)، ومسلم (١٩٠٣ / ١٤٨)، واللفظ للبخاري من حديث أنس بن مالك. ]] وهو في الغزوة فأطلعه الله على ريح الجنة وهو في الدنيا، وهذا من كرامة الله للإنسان لأجل إذا تنشق هذا النسيم (...) ما عادل به الدنيا كلها، بل يتطلب هذا الأمر الذي أدركه بحسه بعد أن أدركه بقلبه بما أخبر الله به، بكتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ومنها: إثبات عذاب النار.
* طالب: (...) من قول ابن تيمية.
* طالب آخر: ولكن يؤخذ يا شيخ منه جواز الاستثناء (...)؟
* الشيخ: كيف الاستثناء، وأيش نوعه؟
* الطالب: استثناؤه سبحانه وتعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾.
* الشيخ: الاستثناء، كيف الاستثناء؟ وين الاستثناء؟
* الطالب: الاستثناء في ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾.
* الشيخ: هذا تعميم، الاستثناء في قول إبراهيم: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾. فإن هذا بدل يقتضي إخراج بعض الأفراد؛ أفراد الأهل، هذا هو اللي فيه استثناء؛ يعني قصدي الاستثناء بالمعنى لا بالاصطلاح، وإن كنت تريد الاستثناء اللي مثل: اللهم اغفر لي إن شئت، فليس في الآية دليل عليه.
* طالب: لا، أقول: يستثني واحد، اللهم اغفر (...)؟
* الشيخ: إيه، يمكن هذا يجوز أنه يستدل بالآية على تخصيص ما هو بالاستثناء؛ يعني تخصيص الدعاء للإنسان مقيدًا بوصف معين، مثل: اللهم إن كان ظالِمًا فاجزه على ظلمه أو فانتقم لي منه، أو ما أشبه ذلك.
وفي الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل لقوله: ﴿قَالَ﴾ أوْ لا؟ وأنه بحرف وصوت، وأيش الدليل إنه بحرف؟
* الطلبة: ﴿قَالَ﴾.
* الشيخ: قال هذه خبر عن قوله.
* طالب: متكونة من حروف.
* الشيخ: لأنه ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ مثلًا متكونة من حروف، هذه من حروف فهو حرف، لكن ما الدليل على أنه بصوت؟
* طالب: إجابته لإبراهيم.
* طلبة: في إجابة (...).
* الشيخ: المحاورة مع إبراهيم، فلولا أن إبراهيم يسمع ما صحت هذه المحاورة.
ومنها: إثبات سمع الله؛ لأنه يسمع إبراهيم وهو يكلمه سبحانه وتعالى.
ومنها أيضًا: إثبات اليوم الآخر.
هذه معطوفة على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني فأرزقه. وقلنا فيما سبق: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما قال: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ أخذًا بتأديب الله عز وجل حيث قال في أول الأمر: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. والكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي (كافور النخلة)؛ لأنه يستر الطلع، ولكنه في الشرع: هو الخروج عن الإسلام، يعني من ليس بمسلم فهو كافر، وقد سبق لنا أن الكفر يدور على أمرين: أحدهما: الاستكبار، والثاني: الجحود، ثم هل الكفر والشرك سواء، أو بينهما عموم وخصوص، أو متباينان تباين الغيرين؟
نقول: بينهما عموم وخصوص، فكل مشرك فهو كافر، وليس كل كافر مشركًا، فالذي يكذب ويجحد هذا ليس بمشرك، لكنه كافر، والذي يدعو مع الله إلهًا آخر هذا مشرك، وهو في نفس الوقت كافر، فالنسبة بينهما العموم والخصوص، اللهم إلا أن يريد القائل أن يريد بالشرك اتباع الهوى، فإن اتباع الهوى شرك بالمعنى الأعم، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣] فجعل الله سبحانه وتعالى اتباع الهوى من باب التأله له، وعلى هذا فنقول: إن أريد به المعنى الأعم للشرك فكل كافر مشرك بهذا المعنى، لكن من حيث المعنى الاصطلاحي المحدِّد لمفهومه فإن الشرك بينه وبين الكفر أيش؟
* طالب: عموم وخصوص.
* الشيخ: عموم وخصوص. وقوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ وفي قراءة ﴿فَأُمْتِعُهُ﴾ من الإمتاع أو من التمتيع، والمراد بالتمتيع أو الإمتاع أن يعطى الإنسان بلغته من الدنيا، أن يعطى البلغة من الدنيا يتمتع به ما شاء الله، ولكنه قال: ﴿قَلِيلًا﴾ ما هذا الزمن الذي وصفه الله بالقلة؟
هو الدنيا، والقلة هنا تتناول الزمن، وتتناول عين الإمتاع، عين الإمتاع والزمن يعني زمنه وعينه، فالزمن قصير مهما طال بالإنسان العمر فإنه قصير، مهما طال بالإنسان العمر فهو قليل، قال الله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف ٣٥].
كذلك أيضًا عين الممتَّع به قليل حتى ما يحصل للإنسان في هذه الدنيا من اللذة والمتاع هو في الحقيقة قليل؛ لأنه مشوب بتنغيص في نفس المتاع وفيما يحيط به قبله أو بعده، كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ ويقول الشاعر الآخر: ؎لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَــــــــــــــوْتِوَالْـــــــــــهَرَمِ فصار القلة في الدنيا من وجهين؛ الوجه الأول: الزمن، فإنه مهما طال الزمن بالإنسان فهو قليل، والناحية الثانية: نفس الممَتَّع به، فإنه قليل؛ لأنه ليس بكامل فهو ناقص مسبوق بتنغيص وملحوق بتنغيص، وهو بنفسه أيضًا ليس بكامل.
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أي: ألجئه إلى عذاب النار، وإنما جعل الله ذلك إلجاءً؛ لأن كل إنسان يفر من عذاب النار، لكنه- والعياذ بالله- لا بد له منها؛ لأنه هو الذي فعل الأسباب التي توجبها، فما دام فعلها- أي فعل الأسباب التي توجب النار- فإنه ونفسه، ولهذا قال: ﴿أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾. وإذا شئت أن يتبين لك أن هذا الأمر اضطراري فانظر إلى ما ذكره الله تعالى عن حال الظالمين عند الاحتضار: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام ٩٣].
فكأنهم يشقون بأنفسهم ويمنعونها، ويقال لهم: أخرجوا أنفسكم بخلاف المؤمن- نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فإنه عند الاحتضار تفرح نفسه بالخروج ويسهل عليه مفارقة البدن؛ لأنها تُبشّر بروح وريحان ورب غير غضبان، فإذن هي تعرف من الآن، تبغي تنتقل من الدنيا إلى هذا النعيم بخلاف الذين يقال لهم- والعياذ بالله- ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ العذاب معناه: العقوبة التي يتألم بها المرء، و﴿النَّارِ﴾ اسم معروف. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هذه إعرابها قد يُشكل عليكم لأنه ما مر علينا هذا الباب. ﴿بِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿بِئْسَ﴾: فعل ماضٍ جامد إنشائي يُراد به الذم، فهو فعل جامد للذم، إنشاءً ولَّا خبرًا؟
* الطلبة: إنشاء.
* الشيخ: إنشاء، و﴿الْمَصِيرُ﴾: فاعل ﴿بِئْسَ﴾. ويقولون: إن (بئس) و(نِعم) وما أشبهها لا بد لها من فاعل ومخصوص، فالفاعل هو المصير والمخصوص محذوف تقديره: وبئس المصير هي؛ لأنه لو لم تُقدِّر هذا ما صارت الجملة عائدة على ما سبق. فإذن نقول: المخصوص محذوف تقديره: هي، وبئس المصير هي، والمصير بمعنى مكان الصيرورة؛ أي: المرجع الذي يصير إليه الإنسان، وهذا كلام الله جل ذكره عن النار يُثني عليها بهذا الذم، وأنها بئس المصير، كل إنسان يسمع هذا من كلام الله عز وجل سوف ينفر من هذه النار، ولا يعمل عمل أهلها.
* طالب: شيخ، المصير هل هي المكان ولَّا نفس المآل؟
* الشيخ: هي مكان الصيرورة؛ يعني هذه مصير يسمونه بيجينا أو نعمل به هنا اسم مكان اسم زمان ومصدر، كلها تبدأ بالميم فعلى حسب السياق تكون مصدرًا ميميًّا، أو تكون ظرف مكان أو ظرف زمان.
* طالب: (...) في القرآن (...)؟
* الشيخ: كيف يعني؟
* طالب: مثال لاسم مكان ثم كانت صيرورة.
* الشيخ: لا، في هذا الموضع في مثل هذا التركيب ما كانت صيرورة، كلما شاء.
* الطالب: يعني تكثر في القرآن ﴿وبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ و﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
* الشيخ: إي نعم، هذا في نفس الشيء، ما كانت صيرورة.
* الطالب: بئس المصير مصيرهم ولَّا؟
* الشيخ: لا، بئس المصير هي؛ لأنه قال: ﴿عَذَابِ النَّارِ﴾. وبئس المصير هي أي: النار، يعود على النار.
البقرة 2:127
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧] لما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه جعل هذا البيت مثابة للناس وأمنًا بيَّن الله تعالى كيف نشأ هذا البيت، فقال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ هذه ظرف عاملها محذوف وأيش التقدير؟
* طالب: واذكر.
* الشيخ: واذكر إذ يرفع. وقوله: ﴿إِذْ يَرْفَعُ﴾ تقولون: ﴿يَرْفَعُ﴾ فعل مضارع، والمضارع للحاضر أو المستقبل، ورفع البيت ماضٍ، لكنه يُعبر بالمضارع عن الماضي على حكاية الحال، كأن إبراهيم يرفعه الآن؛ يعني يذكرون بهذه الحال التي كأنها الآن مشاهَدة أمامهم، فهنا عبر بالمضارع على حكاية الحال.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فيها القراءتان وهما؟ ﴿إِبْرَاهَامُ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمُ﴾. ﴿الْقَوَاعِدَ﴾ مفعول ﴿يَرْفَعُ﴾. يرفع القواعد من البيت، و﴿الْقَوَاعِدَ﴾: جمع قاعدة، وقاعدة الشيء أساسه، ومنه سميت قواعد الفقه، وقواعد النحو، النحو يسمى قواعد؛ لأنه الأساس الذي يُبنى عليه النطق بالكلام العربي الفصيح، وقواعد الفقه هي عبارة عن الضوابط التي ترجع إليها أفراد المسائل، فالقواعد هي أيش؟ الأساس. وقوله: ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ بيان للقواعد وهي في محل الحال؛ يعني حال كونها من البيت، هذه القواعد من البيت، والمراد بالبيت هو الكعبة، فـ (أل) هنا للعهد الذهني. وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ عطفًا على قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾؛ إذن فهو مشارك لأبيه في رفع القواعد. فإذا قال قائل: لماذا لم يكن إسماعيل مذكورًا إلى جنب إبراهيم؟ يعني مع أنهما مشتركان، فلماذا لم يقل: وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت؟ لأن كلًّا منهما رافع؟ فما هو الجواب؟
الجواب: لأن الأصل إبراهيم، وإسماعيل معين، الذي أسس القواعد هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أما إسماعيل فإنه كان معينًا مساعدًا.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ربَّ: منادى حُذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربنا، حُذفت ياء النداء للبداءة بالمدعو، المنادى؛ وهو الله. وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ إلى آخره، هذه الجملة عاملها محذوف، وتقديره أيش؟ وأيش التقدير ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: ياء النداء، يا ربنا.
* الشيخ: لا، لا، خلي يا النداء محذوفة.
* الطالب: يقولانِ: يا ربنا تقبل منا.
* الشيخ: نعم، يقولان: ربنا، يقولان، وجملة (يقولانِ) في موضع نصب.
لأن الداعي يريد حصول شيء، وحصول الأشياء من باب التقدير، والتقدير ألصق بالربوبية منه بالألوهية، مفهوم الكلام؟
﴿رَبَّنَا﴾ أنت قلت: رب أعطني، العطاء يتعلق بالربوبية ولّا بالألوهية؟
* الطلبة: بالربوبية.
* الشيخ: بالربوبية؛ لأنه فعل، وكل ما يتعلق بأفعال الله فهو من الربوبية، فإذا كان فعلًا فإنه يناسب أن ينادى الله تعالى بالوصف الذي يكون هذا الفعل ألصق به من الوصف الآخر، ﴿رَبَّنَا﴾؛ لأن الربوبية هي التي بها الفعل، يفعل بها الله تبارك وتعالى ما يشاء.
وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ هل هما يقولان ذلك بألسنتهما؟ يعني: كل واحد يقول: ربنا تقبل منا، أو أن أحدهما يقول والثاني يؤمن؟ يحتمل المعنيين، لكن ظاهر اللفظ أنهما كلهما يقول، فإما أن يكون إبراهيم يقول: ربنا تقبل منا ويتبعه إسماعيل، وإما أن هذا مرة، وهذا يقول مرة، ولا يقال: إن أحدهما يقول والثاني يؤمن مثل قصة موسى وهارون، ما نقول هكذا؛ لأن موسى وهارون ذكر الله أن القائل موسى ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس ٨٨، ٨٩]، هل هارون كان داعيًا؟ لا، ولكن قال أهل العلم: إنه كان يؤمن وموسى يدعو، وموسى هو الذي يدعو صريحًا في الآية، أما هذه فظاهر الآية أن كلًّا منهما يقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
وقوله: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ما معنى القبول؟ القبول أخذ الشيء والرضا به، ومنه ما يذكره الفقهاء في قولهم: ينعقد البيع بالإيجاب والقبول، تقبل الله تعالى للعمل أن يتلقاه بالرضا فيرضى عن فاعله، وإذا رضي الله تعالى عن فاعله فلا بد أن يثيبه الثواب الذي وعده إياه.
وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ هذا هو المدار في الحقيقة، المدار على القبول وليس على العمل، وكم من إنسان عمل أعمالًا كثيرة ولم تقبل منه، فلم تنفعه، وكم من إنسان عمل أعمالًا قليلة قبلت منه، فنفعه الله بها، فالمدار على القبول.
وقوله: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه جملة تعليل، وأيش نوع تعليله؟ لطلب القبول، ما هو للقبول، لطلب القبول، يعني: نسألك أن تقبل وأنت يا ربنا سميع عليم، وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة قلت لكم: إنها تعليل لما سبق، وهي مؤكدة بمؤكدين، أحدهما؟ الجملة مؤكدة بمؤكدين أحدهما؟ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة فقط مؤكدة بمؤكدين فما هما؟
* طالب: الأول إنك، النون.
* الشيخ: إنَّ.
* الطالب: والثاني: أنت.
* الشيخ: أنت؛ لأن (أنت) ضمير فصل، قد سبق لنا في البلاغة وفي كلامنا دائمًا نقول: ضمير الفصل يفيد التوكيد، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ على هذا نقول: ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
و﴿السَّمِيعُ﴾ خبر (إن)، والسميع من أسماء الله عز وجل وله معنيان: أحدهما: بمعنى المستجيب، والثاني: بمعنى السامع للأصوات، فهو بمعنى إدراك المسموع، وإجابة الدعاء، أما الأول الذي هو إدراك المسموع فأمثلته كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف ٨٠]، ومثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، ومثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، وأما الثاني الذي هو بمعنى الاستجابة، فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، معنى سميع أي: مستجيب، وكذلك مثله قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني: استجاب لمن حمده، هنا نسأل هل السمع بمعنييه من صفات الله الذاتية؟ أو من صفاته الفعلية؟
* طالب: الذاتية والفعلية.
* الشيخ: كيف؟ كلهن الذاتية والفعلية؟
* طالب: السمع اللي هو سمع الأصوات من الذاتية، والاستجابة من الفعلية.
* الشيخ: ما تقولون؟ صحيح؛ لأن الاستجابة تتعلق بمشيئته إن شاء استجاب، وإن شاء لم يستجب، وأما إدراك المسموعات فإنه ملازم لصفاته، لم يزل ولا يزال سميعًا؛ إذ إن خلاف السمع الصمم، والصمم عيب، والله تعالى منزه عن كل عيب.
ما الذي يناسب الدعاء عندما تقول: رب أجب دعائي إنك أنت السميع العليم، أي المعنيين؟
* طالب: الاستجابة.
* الشيخ: كلها؛ لأنه إذا لم يسمع مثلًا، لو قلت: إنه ما يسمع صوتك بالدعاء ما استجاب، ولو سمع الصوت ولكن أخر الإجابة ما حصل مطلوبك، فهو يشمل الأمرين، فأنت إذا قلت: إنك أنت السميع، يعني: يا رب إنك تسمعني وتجيبني.
وقوله: ﴿العَلِيم﴾ ما هو العليم؟ العليم معناه ذو العلم، وعلم الله تبارك وتعالى شامل لكل موجود، ولكل معدوم، ولكل ممكن، ولكل مستحيل، ولكل واجب، يعني: يتعلق بكل شيء، علم الله يتعلق بكل شيء، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، سبحانه وتعالى، الدليل على تعلقه بالمستحيلات؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف ٣٣].
* الشيخ: لا.
* طالب: تعلق علمه؟
* الشيخ: إي علمه.
* طالب: بالمستحيلات؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى ١٢].
* الشيخ: لا، هذا للعموم، تأتي بصريح نص في أمور مستحيلة؟
* طالب: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
* طالب آخر: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* الشيخ: نعم، وهذا؟
* الطالب: مستحيل.
* الشيخ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، فهو يعلم أن السماوات والأرض تفسد لو كان فيهما آلهة إلا الله، وهذا شيء مستحيل. تعلقه بالواجب، مثال؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [سبأ ٢].
* الشيخ: هذا واجب؟ أصل وجود الأرض من الأمور الجائزة، لو شاء الله ما وجدت الأرض.
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ﴾ [فاطر ٣٨].
* الشيخ: ما نبغي العموم، نبغي شيئًا خاصًّا، مرت علينا هذه في التوحيد. الواجب؟
* طالب: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه ٧].
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ واجب مطلوب.
* الشيخ: وأيش لون؟ الساعة واجبة أن تكون؟ لكن هل وجوبها عقلي ولا سمعي؟
* الطالب: كلا الأمرين؛ لأنها على الإطلاق.
* الشيخ: يمكن نقول هكذا، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ١٨] تفرده بالألوهية أمر واجب، وقد شهد به، شهد به لنفسه، والشهادة تتضمن العلم بلا ريب، أما عن التعلق بالممكنات فهو كثير، كل ما تحدث الله أنه يعلمه من أمور الخلق، فهو مما يتعلق بالأمور الممكنات.
واعلم أنه من أنكر علم الله فهو كافر، كل من أنكر علم الله فإنه كافر، سواء أنكره فيما يتعلق بفعله أو فيما يتعلق بخلقه، فلو قال: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العبد، فهو كافر، كما لو قال: إن الله لا يعلم ما يفعله بنفسه؛ ولهذا كفَّر أهل السنة الجماعة كفَّروا غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد، وقد سبق لنا ذلك أيضًا في التوحيد، وقلنا: إن غلاة القدرية ينكرون علم الله بأفعال العباد، ويقولون: إن الله ما يعلم وأيش بيد الإنسان، فالذي ينكر علم الله بأفعال العباد لا شك أنه كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة ٧٨].
فالذي يقول: إن الله ما يعلم أفعال العبد يكون مؤمنًا بهذه الآيات ولّا كافرًا؟ يكون كافرًا بها؛ ولهذا قال العلماء -قال الشافعي وغيره- في القدرية ما هم اللي ينكرون العلم، القدرية الذين ينكرون أن الله خلق أفعال العباد وقدرها، قال: ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصِموا، وإن أنكروه كفروا.
فتبين الآن أن علم الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء، في الواجبات وأيش بعد؟
* طالب: والمستحيلات.
* الشيخ: والمستحيلات، والممكنات، فيما يفعله بنفسه، وفيما يفعله العباد، إيمانك بهذا يوجب لك مراقبته، والخوف منه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؛ لأنك متى علمت أنه عالم بك، فإنك تخشاه، تستحي منه عند المخالفة، وترغب فيما عنده عند الموافقة.
ثم قال سبحانه وتعالى حاكيًا ما قاله إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ لأيش قال مسلمين؟ لأنهما اثنان، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ أتى بالواو؛ لأنه عطف على قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ يعني: ربنا واجعلنا، مع قبولك اجعلنا مسلمين لك.
وقوله: ﴿اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: صيرنا مسلمين، وفي هذا إشكال، وهو أن إبراهيم وإسماعيل لا شك أنهما كانا مسلمين، ومن إسلامهما رفع قواعد البيت، فكيف يسألان الله أن يجعلهما مسلمين وهما قد أسلما؟ الجواب: المراد الثبات، أو تحقيق ذلك؛ لأن الإنسان بقطع النظر عن إبراهيم وإسماعيل قد لا يتحقق الإسلام في نفسه؛ لأن المسلم من أسلم قلبه لله وجوارحه، إسلام الجوارح هيّن كل يقدره حتى المنافقين، لكن الصعب هو إسلام القلب،« وقد أقسم الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا يسلم أحدٌ حتى يسلمَ قلبُه »[[أخرجه أحمد في المسند (٣٦٧٢)، والحاكم في المستدرك (٤ / ١٦٥)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. ]]، إذن المراد بالإسلام هنا: الزيادة فيه والثبات عليه ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.
واعلم أن الإسلام بالمعنى الأخص لا يراد به إلا ما جاء به محمد ﷺ، وبالمعنى الأعم يشمل كل ما جاءت به الرسل، كل ما جاءت به الرسل فهو إسلام، لكن بالمعنى الأخص الذي كان بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُعنى به إلا ما جاء به محمد ﷺ، وإلا كما رأيتم الآن إبراهيم وإسماعيل يقول: ﴿اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، وكانت تقول ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]، وقال يعقوب لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٢]، وقال الحواريون: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٥٢] إلى غير ذلك، فالإسلام بالمعنى العام يشمل كل ما جاءت به الرسل؛ ولهذا لو سألنا سائل: هل اليهود والنصارى مسلمون؟ نقول: بالمعنى العام فيهم مسلمون، لكن بالمعنى الأخص وهو الإسلام الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا، ليسوا مسلمين ما داموا على اليهودية والنصرانية، فإذا دخلوا في الإسلام صاروا مسلمين.
* طالب: يعني: يقال لهم: مسلمين (...) في الوقت الحاضر؟
* الشيخ: لا لا، الآن ما يقال: مسلمين، مسلمين بالمعنى العام، ما هم بدول الموجودين، كل من كان بعد بعثة الرسول، فالمسلم من اتبع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ شوف الاحتراز، يعني: واجعل من ذريتنا، اجعل منها، ما قال: واجعل ذريتنا أمة مسلمة، قال: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، وقوله: ﴿ذُرِّيَّتِنَا﴾ المراد بهم؟ من تفرعوا منهم، الذرية للإنسان من تفرعوا منه.
وقوله: ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ مَن هذه الأمة؟ هي أمة محمد ﷺ؛ لأنه ما يصدق على أحد أنه من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا أمة محمد ﷺ؛ لأن اليهود النصارى مسلمون في حال قيام شرائعهم، لكنهم ما هم من ذرية إبراهيم وإسماعيل، من ذرية من؟ إبراهيم فقط، أما إسماعيل فليسوا من ذريته، فعلى هذا يكون المراد بالأمة المسلمة أمة محمد ﷺ (...).
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
يستفاد من هذه الآية: فضل عمارة الكعبة؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يذكر هذه الحال: واذكر إذ يرفع.
ومنها: فضل إبراهيم وإسماعيل؛ حيث قاما برفع هذه القواعد.
ومنها: أنه ينبغي بالباني أن يُقَعِّد للبناء فيضع القواعد؛ لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾، إذا بنى على غير قاعدة فإنه ينهار.
ومنها: أن الأصل في هذا البناء إبراهيم؛ لأنه ذكر: ﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ثم عطف بقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾، فدل هذا على أن الأصل هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ومنها: أهمية القبول، وأن المعول عليه ليس على العمل، فكم من عامل ليس له من عمله إلا التعب؛ يؤخذ من قوله -بعد عملهم هذا قال-: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وقد ذكرنا أن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفاته، بل على صفتين أحيانًا أو أكثر، حسب التلازم بين هذا المعنى وهذا المعنى، وأن كل اسم من أسماء الله أيضًا يدل على الأثر إذا كان ذلك الاسم متعديًا.
ومنها: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، من أين تؤخذ؟ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ فإن هذا تعليل لقوله: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، يعني: لأنك سميع عليم نسألك أن تتقبل منا.
ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
يستفاد من هذا: شدة افتقار الإنسان إلى ربه؛ حيث كرر كلمة: ﴿رَبَّنَا﴾، وأنه بحاجة إلى ربوبية الله سبحانه وتعالى الخاصة التي تقتضي عناية خاصة.
ومنها أيضًا: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله، وإلا هلك؛ لقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾، فإنهما مسلمان بلا شك، هما نبيان، لكن هل يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؟ لا، قال الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء ٧٤، ٧٥].
ومنها أيضًا: أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، فإن هذا يدل على الإخلاص، إخلاص الإسلام لله عز وجل، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة ١١٢].
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالح؛ لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، وقال إبراهيم في آية أخرى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم ٣٥]، الذرية صلاحها له شأن كبير بالنسبة للإنسان.
ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، يعني: أعلِمنا بها.
ومنها: أن العبادة توقيفية، يعني: الإنسان ما يتعبد بحسب مزاجه، بل حتى يريه الله العبادة، تؤخذ؟ ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، العبادة إذن توقيفية.
ومنها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعوا الله أن يريهما مناسكهما، ولولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتعبدا بدون هذا السؤال.
ومنها: افتقار كل إنسان إلى توبة الله؛ لقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير.
ومنها: إثبات التواب والرحيم اسمين من أسماء الله سبحانه وتعالى، وقد تقدم تفسيرهما.
ومنها: مشروعية التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؟ تعليل للطلب السابق، فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه.
ومنها: أنه ينبغي أن يكون التوسل باسم موافق للمسؤول أو للحاجة، أن يكون التوسل باسم موافق للحاجة، من أين نأخذها؟
* طالب: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
* طالب: إذا كان السؤال من سائل الآن أن يرزقه الله من رزق معين، ولكن أرفقه باسم من أسماء الله لا يناسبه؟
* الشيخ: لا، فهمنا الآن أنه ينبغي أن يكون التوسل باسم موافق للحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠].
إذن منها: أنه لا ينبغي أن يختم الدعاء باسم غير مناسب للحاجة، لو قال: اللهم اغفر لي إنك شديد العقاب، يناسب؟ ما يناسب، هذا لا يناسب، تسأل المغفرة وتتوسل إلى الله بشدة عقابه! ولهذا يقال: إن أعرابيًّا سمع قارئًا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨] والله غفور رحيم، قال: والله غفور رحيم (...) يقطع ويغفر؟ هذا ما يمكن، فقال له: أعد الآية؟ أعاد الآية على هذا الوجه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفور رحيم (...)، فأعادها الثالثة على الوجه الصواب، فقال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: الآن؛ فإن الله تعالى عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع؛ ولهذا قال الله تعالى في الذين يحاربون الله ورسوله إنما جزاؤهم ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤]. ويش معنى هذا؟ وأيش معنى ختمه بأن الله غفور رحيم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: معنى ختمه يا إخوان؟ معناه أن ترفع عنهم العقوبة، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ما قال: فاتركوهم، قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: رفع العقوبة عنهم، مفهوم؟
* طالب: الفرق بين قولك: ينبغي التوسل أن يكون باسم يوافق الحاجة، وقولك: لا ينبغي أن يختم الدعاء بما لا يوافق الحاجة (...)؟
* الشيخ: لا، ينبغي، هذا مطلوب، يعني هذا غير محمود.
* الطالب: كلها: لا ينبغي.
* الشيخ: واحدة: ينبغي، وواحدة: لا ينبغي، الذي ينبغي أن يكون باسم موافق للحاجة، والذي لا ينبغي؟
* الطالب: اسم لا يوافق.
* الشيخ: يعني: معناه لو قال قائل: هل إذا ختمت باسم لا يوافق الحاجة هل فيه ذنب؟ من أين نحكم أن فيه ذنبًا إلا من الفائدة الثانية عشر؟
البقرة 2:128
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧] لما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه جعل هذا البيت مثابة للناس وأمنًا بيَّن الله تعالى كيف نشأ هذا البيت، فقال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ هذه ظرف عاملها محذوف وأيش التقدير؟
* طالب: واذكر.
* الشيخ: واذكر إذ يرفع. وقوله: ﴿إِذْ يَرْفَعُ﴾ تقولون: ﴿يَرْفَعُ﴾ فعل مضارع، والمضارع للحاضر أو المستقبل، ورفع البيت ماضٍ، لكنه يُعبر بالمضارع عن الماضي على حكاية الحال، كأن إبراهيم يرفعه الآن؛ يعني يذكرون بهذه الحال التي كأنها الآن مشاهَدة أمامهم، فهنا عبر بالمضارع على حكاية الحال.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فيها القراءتان وهما؟ ﴿إِبْرَاهَامُ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمُ﴾. ﴿الْقَوَاعِدَ﴾ مفعول ﴿يَرْفَعُ﴾. يرفع القواعد من البيت، و﴿الْقَوَاعِدَ﴾: جمع قاعدة، وقاعدة الشيء أساسه، ومنه سميت قواعد الفقه، وقواعد النحو، النحو يسمى قواعد؛ لأنه الأساس الذي يُبنى عليه النطق بالكلام العربي الفصيح، وقواعد الفقه هي عبارة عن الضوابط التي ترجع إليها أفراد المسائل، فالقواعد هي أيش؟ الأساس. وقوله: ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ بيان للقواعد وهي في محل الحال؛ يعني حال كونها من البيت، هذه القواعد من البيت، والمراد بالبيت هو الكعبة، فـ (أل) هنا للعهد الذهني. وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ عطفًا على قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾؛ إذن فهو مشارك لأبيه في رفع القواعد. فإذا قال قائل: لماذا لم يكن إسماعيل مذكورًا إلى جنب إبراهيم؟ يعني مع أنهما مشتركان، فلماذا لم يقل: وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت؟ لأن كلًّا منهما رافع؟ فما هو الجواب؟
الجواب: لأن الأصل إبراهيم، وإسماعيل معين، الذي أسس القواعد هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أما إسماعيل فإنه كان معينًا مساعدًا.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ربَّ: منادى حُذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربنا، حُذفت ياء النداء للبداءة بالمدعو، المنادى؛ وهو الله. وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ إلى آخره، هذه الجملة عاملها محذوف، وتقديره أيش؟ وأيش التقدير ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: ياء النداء، يا ربنا.
* الشيخ: لا، لا، خلي يا النداء محذوفة.
* الطالب: يقولانِ: يا ربنا تقبل منا.
* الشيخ: نعم، يقولان: ربنا، يقولان، وجملة (يقولانِ) في موضع نصب.
لأن الداعي يريد حصول شيء، وحصول الأشياء من باب التقدير، والتقدير ألصق بالربوبية منه بالألوهية، مفهوم الكلام؟
﴿رَبَّنَا﴾ أنت قلت: رب أعطني، العطاء يتعلق بالربوبية ولّا بالألوهية؟
* الطلبة: بالربوبية.
* الشيخ: بالربوبية؛ لأنه فعل، وكل ما يتعلق بأفعال الله فهو من الربوبية، فإذا كان فعلًا فإنه يناسب أن ينادى الله تعالى بالوصف الذي يكون هذا الفعل ألصق به من الوصف الآخر، ﴿رَبَّنَا﴾؛ لأن الربوبية هي التي بها الفعل، يفعل بها الله تبارك وتعالى ما يشاء.
وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ هل هما يقولان ذلك بألسنتهما؟ يعني: كل واحد يقول: ربنا تقبل منا، أو أن أحدهما يقول والثاني يؤمن؟ يحتمل المعنيين، لكن ظاهر اللفظ أنهما كلهما يقول، فإما أن يكون إبراهيم يقول: ربنا تقبل منا ويتبعه إسماعيل، وإما أن هذا مرة، وهذا يقول مرة، ولا يقال: إن أحدهما يقول والثاني يؤمن مثل قصة موسى وهارون، ما نقول هكذا؛ لأن موسى وهارون ذكر الله أن القائل موسى ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس ٨٨، ٨٩]، هل هارون كان داعيًا؟ لا، ولكن قال أهل العلم: إنه كان يؤمن وموسى يدعو، وموسى هو الذي يدعو صريحًا في الآية، أما هذه فظاهر الآية أن كلًّا منهما يقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
وقوله: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ما معنى القبول؟ القبول أخذ الشيء والرضا به، ومنه ما يذكره الفقهاء في قولهم: ينعقد البيع بالإيجاب والقبول، تقبل الله تعالى للعمل أن يتلقاه بالرضا فيرضى عن فاعله، وإذا رضي الله تعالى عن فاعله فلا بد أن يثيبه الثواب الذي وعده إياه.
وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ هذا هو المدار في الحقيقة، المدار على القبول وليس على العمل، وكم من إنسان عمل أعمالًا كثيرة ولم تقبل منه، فلم تنفعه، وكم من إنسان عمل أعمالًا قليلة قبلت منه، فنفعه الله بها، فالمدار على القبول.
وقوله: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه جملة تعليل، وأيش نوع تعليله؟ لطلب القبول، ما هو للقبول، لطلب القبول، يعني: نسألك أن تقبل وأنت يا ربنا سميع عليم، وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة قلت لكم: إنها تعليل لما سبق، وهي مؤكدة بمؤكدين، أحدهما؟ الجملة مؤكدة بمؤكدين أحدهما؟ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة فقط مؤكدة بمؤكدين فما هما؟
* طالب: الأول إنك، النون.
* الشيخ: إنَّ.
* الطالب: والثاني: أنت.
* الشيخ: أنت؛ لأن (أنت) ضمير فصل، قد سبق لنا في البلاغة وفي كلامنا دائمًا نقول: ضمير الفصل يفيد التوكيد، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ على هذا نقول: ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
و﴿السَّمِيعُ﴾ خبر (إن)، والسميع من أسماء الله عز وجل وله معنيان: أحدهما: بمعنى المستجيب، والثاني: بمعنى السامع للأصوات، فهو بمعنى إدراك المسموع، وإجابة الدعاء، أما الأول الذي هو إدراك المسموع فأمثلته كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف ٨٠]، ومثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، ومثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، وأما الثاني الذي هو بمعنى الاستجابة، فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، معنى سميع أي: مستجيب، وكذلك مثله قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني: استجاب لمن حمده، هنا نسأل هل السمع بمعنييه من صفات الله الذاتية؟ أو من صفاته الفعلية؟
* طالب: الذاتية والفعلية.
* الشيخ: كيف؟ كلهن الذاتية والفعلية؟
* طالب: السمع اللي هو سمع الأصوات من الذاتية، والاستجابة من الفعلية.
* الشيخ: ما تقولون؟ صحيح؛ لأن الاستجابة تتعلق بمشيئته إن شاء استجاب، وإن شاء لم يستجب، وأما إدراك المسموعات فإنه ملازم لصفاته، لم يزل ولا يزال سميعًا؛ إذ إن خلاف السمع الصمم، والصمم عيب، والله تعالى منزه عن كل عيب.
ما الذي يناسب الدعاء عندما تقول: رب أجب دعائي إنك أنت السميع العليم، أي المعنيين؟
* طالب: الاستجابة.
* الشيخ: كلها؛ لأنه إذا لم يسمع مثلًا، لو قلت: إنه ما يسمع صوتك بالدعاء ما استجاب، ولو سمع الصوت ولكن أخر الإجابة ما حصل مطلوبك، فهو يشمل الأمرين، فأنت إذا قلت: إنك أنت السميع، يعني: يا رب إنك تسمعني وتجيبني.
وقوله: ﴿العَلِيم﴾ ما هو العليم؟ العليم معناه ذو العلم، وعلم الله تبارك وتعالى شامل لكل موجود، ولكل معدوم، ولكل ممكن، ولكل مستحيل، ولكل واجب، يعني: يتعلق بكل شيء، علم الله يتعلق بكل شيء، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، سبحانه وتعالى، الدليل على تعلقه بالمستحيلات؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف ٣٣].
* الشيخ: لا.
* طالب: تعلق علمه؟
* الشيخ: إي علمه.
* طالب: بالمستحيلات؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى ١٢].
* الشيخ: لا، هذا للعموم، تأتي بصريح نص في أمور مستحيلة؟
* طالب: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
* طالب آخر: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* الشيخ: نعم، وهذا؟
* الطالب: مستحيل.
* الشيخ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، فهو يعلم أن السماوات والأرض تفسد لو كان فيهما آلهة إلا الله، وهذا شيء مستحيل. تعلقه بالواجب، مثال؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [سبأ ٢].
* الشيخ: هذا واجب؟ أصل وجود الأرض من الأمور الجائزة، لو شاء الله ما وجدت الأرض.
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ﴾ [فاطر ٣٨].
* الشيخ: ما نبغي العموم، نبغي شيئًا خاصًّا، مرت علينا هذه في التوحيد. الواجب؟
* طالب: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه ٧].
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ واجب مطلوب.
* الشيخ: وأيش لون؟ الساعة واجبة أن تكون؟ لكن هل وجوبها عقلي ولا سمعي؟
* الطالب: كلا الأمرين؛ لأنها على الإطلاق.
* الشيخ: يمكن نقول هكذا، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ١٨] تفرده بالألوهية أمر واجب، وقد شهد به، شهد به لنفسه، والشهادة تتضمن العلم بلا ريب، أما عن التعلق بالممكنات فهو كثير، كل ما تحدث الله أنه يعلمه من أمور الخلق، فهو مما يتعلق بالأمور الممكنات.
واعلم أنه من أنكر علم الله فهو كافر، كل من أنكر علم الله فإنه كافر، سواء أنكره فيما يتعلق بفعله أو فيما يتعلق بخلقه، فلو قال: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العبد، فهو كافر، كما لو قال: إن الله لا يعلم ما يفعله بنفسه؛ ولهذا كفَّر أهل السنة الجماعة كفَّروا غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد، وقد سبق لنا ذلك أيضًا في التوحيد، وقلنا: إن غلاة القدرية ينكرون علم الله بأفعال العباد، ويقولون: إن الله ما يعلم وأيش بيد الإنسان، فالذي ينكر علم الله بأفعال العباد لا شك أنه كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة ٧٨].
فالذي يقول: إن الله ما يعلم أفعال العبد يكون مؤمنًا بهذه الآيات ولّا كافرًا؟ يكون كافرًا بها؛ ولهذا قال العلماء -قال الشافعي وغيره- في القدرية ما هم اللي ينكرون العلم، القدرية الذين ينكرون أن الله خلق أفعال العباد وقدرها، قال: ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصِموا، وإن أنكروه كفروا.
فتبين الآن أن علم الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء، في الواجبات وأيش بعد؟
* طالب: والمستحيلات.
* الشيخ: والمستحيلات، والممكنات، فيما يفعله بنفسه، وفيما يفعله العباد، إيمانك بهذا يوجب لك مراقبته، والخوف منه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؛ لأنك متى علمت أنه عالم بك، فإنك تخشاه، تستحي منه عند المخالفة، وترغب فيما عنده عند الموافقة.
ثم قال سبحانه وتعالى حاكيًا ما قاله إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ لأيش قال مسلمين؟ لأنهما اثنان، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ أتى بالواو؛ لأنه عطف على قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ يعني: ربنا واجعلنا، مع قبولك اجعلنا مسلمين لك.
وقوله: ﴿اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: صيرنا مسلمين، وفي هذا إشكال، وهو أن إبراهيم وإسماعيل لا شك أنهما كانا مسلمين، ومن إسلامهما رفع قواعد البيت، فكيف يسألان الله أن يجعلهما مسلمين وهما قد أسلما؟ الجواب: المراد الثبات، أو تحقيق ذلك؛ لأن الإنسان بقطع النظر عن إبراهيم وإسماعيل قد لا يتحقق الإسلام في نفسه؛ لأن المسلم من أسلم قلبه لله وجوارحه، إسلام الجوارح هيّن كل يقدره حتى المنافقين، لكن الصعب هو إسلام القلب،« وقد أقسم الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا يسلم أحدٌ حتى يسلمَ قلبُه »[[أخرجه أحمد في المسند (٣٦٧٢)، والحاكم في المستدرك (٤ / ١٦٥)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. ]]، إذن المراد بالإسلام هنا: الزيادة فيه والثبات عليه ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.
واعلم أن الإسلام بالمعنى الأخص لا يراد به إلا ما جاء به محمد ﷺ، وبالمعنى الأعم يشمل كل ما جاءت به الرسل، كل ما جاءت به الرسل فهو إسلام، لكن بالمعنى الأخص الذي كان بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُعنى به إلا ما جاء به محمد ﷺ، وإلا كما رأيتم الآن إبراهيم وإسماعيل يقول: ﴿اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، وكانت تقول ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]، وقال يعقوب لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٢]، وقال الحواريون: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٥٢] إلى غير ذلك، فالإسلام بالمعنى العام يشمل كل ما جاءت به الرسل؛ ولهذا لو سألنا سائل: هل اليهود والنصارى مسلمون؟ نقول: بالمعنى العام فيهم مسلمون، لكن بالمعنى الأخص وهو الإسلام الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا، ليسوا مسلمين ما داموا على اليهودية والنصرانية، فإذا دخلوا في الإسلام صاروا مسلمين.
* طالب: يعني: يقال لهم: مسلمين (...) في الوقت الحاضر؟
* الشيخ: لا لا، الآن ما يقال: مسلمين، مسلمين بالمعنى العام، ما هم بدول الموجودين، كل من كان بعد بعثة الرسول، فالمسلم من اتبع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ شوف الاحتراز، يعني: واجعل من ذريتنا، اجعل منها، ما قال: واجعل ذريتنا أمة مسلمة، قال: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، وقوله: ﴿ذُرِّيَّتِنَا﴾ المراد بهم؟ من تفرعوا منهم، الذرية للإنسان من تفرعوا منه.
وقوله: ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ مَن هذه الأمة؟ هي أمة محمد ﷺ؛ لأنه ما يصدق على أحد أنه من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا أمة محمد ﷺ؛ لأن اليهود النصارى مسلمون في حال قيام شرائعهم، لكنهم ما هم من ذرية إبراهيم وإسماعيل، من ذرية من؟ إبراهيم فقط، أما إسماعيل فليسوا من ذريته، فعلى هذا يكون المراد بالأمة المسلمة أمة محمد ﷺ (...).
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
يستفاد من هذه الآية: فضل عمارة الكعبة؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يذكر هذه الحال: واذكر إذ يرفع.
ومنها: فضل إبراهيم وإسماعيل؛ حيث قاما برفع هذه القواعد.
ومنها: أنه ينبغي بالباني أن يُقَعِّد للبناء فيضع القواعد؛ لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾، إذا بنى على غير قاعدة فإنه ينهار.
ومنها: أن الأصل في هذا البناء إبراهيم؛ لأنه ذكر: ﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ثم عطف بقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾، فدل هذا على أن الأصل هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ومنها: أهمية القبول، وأن المعول عليه ليس على العمل، فكم من عامل ليس له من عمله إلا التعب؛ يؤخذ من قوله -بعد عملهم هذا قال-: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وقد ذكرنا أن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفاته، بل على صفتين أحيانًا أو أكثر، حسب التلازم بين هذا المعنى وهذا المعنى، وأن كل اسم من أسماء الله أيضًا يدل على الأثر إذا كان ذلك الاسم متعديًا.
ومنها: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، من أين تؤخذ؟ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ فإن هذا تعليل لقوله: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، يعني: لأنك سميع عليم نسألك أن تتقبل منا.
ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
يستفاد من هذا: شدة افتقار الإنسان إلى ربه؛ حيث كرر كلمة: ﴿رَبَّنَا﴾، وأنه بحاجة إلى ربوبية الله سبحانه وتعالى الخاصة التي تقتضي عناية خاصة.
ومنها أيضًا: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله، وإلا هلك؛ لقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾، فإنهما مسلمان بلا شك، هما نبيان، لكن هل يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؟ لا، قال الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء ٧٤، ٧٥].
ومنها أيضًا: أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، فإن هذا يدل على الإخلاص، إخلاص الإسلام لله عز وجل، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة ١١٢].
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالح؛ لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، وقال إبراهيم في آية أخرى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم ٣٥]، الذرية صلاحها له شأن كبير بالنسبة للإنسان.
ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، يعني: أعلِمنا بها.
ومنها: أن العبادة توقيفية، يعني: الإنسان ما يتعبد بحسب مزاجه، بل حتى يريه الله العبادة، تؤخذ؟ ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، العبادة إذن توقيفية.
ومنها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعوا الله أن يريهما مناسكهما، ولولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتعبدا بدون هذا السؤال.
ومنها: افتقار كل إنسان إلى توبة الله؛ لقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير.
ومنها: إثبات التواب والرحيم اسمين من أسماء الله سبحانه وتعالى، وقد تقدم تفسيرهما.
ومنها: مشروعية التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؟ تعليل للطلب السابق، فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه.
ومنها: أنه ينبغي أن يكون التوسل باسم موافق للمسؤول أو للحاجة، أن يكون التوسل باسم موافق للحاجة، من أين نأخذها؟
* طالب: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
* طالب: إذا كان السؤال من سائل الآن أن يرزقه الله من رزق معين، ولكن أرفقه باسم من أسماء الله لا يناسبه؟
* الشيخ: لا، فهمنا الآن أنه ينبغي أن يكون التوسل باسم موافق للحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠].
إذن منها: أنه لا ينبغي أن يختم الدعاء باسم غير مناسب للحاجة، لو قال: اللهم اغفر لي إنك شديد العقاب، يناسب؟ ما يناسب، هذا لا يناسب، تسأل المغفرة وتتوسل إلى الله بشدة عقابه! ولهذا يقال: إن أعرابيًّا سمع قارئًا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨] والله غفور رحيم، قال: والله غفور رحيم (...) يقطع ويغفر؟ هذا ما يمكن، فقال له: أعد الآية؟ أعاد الآية على هذا الوجه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفور رحيم (...)، فأعادها الثالثة على الوجه الصواب، فقال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: الآن؛ فإن الله تعالى عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع؛ ولهذا قال الله تعالى في الذين يحاربون الله ورسوله إنما جزاؤهم ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤]. ويش معنى هذا؟ وأيش معنى ختمه بأن الله غفور رحيم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: معنى ختمه يا إخوان؟ معناه أن ترفع عنهم العقوبة، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ما قال: فاتركوهم، قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: رفع العقوبة عنهم، مفهوم؟
* طالب: الفرق بين قولك: ينبغي التوسل أن يكون باسم يوافق الحاجة، وقولك: لا ينبغي أن يختم الدعاء بما لا يوافق الحاجة (...)؟
* الشيخ: لا، ينبغي، هذا مطلوب، يعني هذا غير محمود.
* الطالب: كلها: لا ينبغي.
* الشيخ: واحدة: ينبغي، وواحدة: لا ينبغي، الذي ينبغي أن يكون باسم موافق للحاجة، والذي لا ينبغي؟
* الطالب: اسم لا يوافق.
* الشيخ: يعني: معناه لو قال قائل: هل إذا ختمت باسم لا يوافق الحاجة هل فيه ذنب؟ من أين نحكم أن فيه ذنبًا إلا من الفائدة الثانية عشر؟
البقرة 2:129
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ينمي أخلاقهم، والتزكية: التنمية والتطهير، ينمي أخلاقهم ويطهرها من كل رذيلة، وهكذا كانت شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام تنمية الأخلاق الفاضلة، وتطهير من كل رذيلة، فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير، كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه، فإن الإسلام يأمر به، وهذه تزكية، وينهى عن ضد ذلك: ينهى عن الإثم، وعن القطيعة، وعن العدوان، وعن العقوق، وعن الكذب، وعن الغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، هذه تزكية.
تدرون الناس قبل الإسلام كيف حالهم؟ حالهم بالنسبة للعبادة لا تسأل: شرك، كفر، بالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تسأل أيضًا عن حالهم: القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة، يغير بعضهم على بعض، يتعايرون بالأنساب، يدعون بدعوى الجاهلية إلى آخره، جاء الإسلام هدم كل هذا، ومن تدبر التاريخ قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبعده، قبل بعثه وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة وحالهم بعدها، وظهر له معنى قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ نقول فيها هنا ما قلنا في إعراب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ونجعل ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل، ومحله؟
* طالب: لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: لا محل له من الإعراب، ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر (إن)، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثانٍ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿إِنَّكَ﴾ الكاف اسم (إن)، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبرها، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر آخر، وقد سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أظن؟ ﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه ذو العزة، والعزة بمعنى القوة والغلبة، فهو سبحانه وتعالى ذو قوة وذو غلبة، لا يغلبه شيء ولا يعجزه شيء، و﴿الْحَكِيمُ﴾ تقدم أنها مشتقة من؟
* طالب: الحكمة.
* الشيخ: من الحُكْم والحِكْمة، منهما جميعًا، وقلنا: إن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وإن الحكمة أيضًا نوعان: حالية، وغائية، الحكم نوعان: شرعي وكوني، مثال الشرعي؟
* طالب: الشرعي؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣].
* الشيخ: لا، ما فيها حكم، قضى، من يعرف؟
* طالب: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨].
* الشيخ: مادة حكم الدالة على الحكيم، والأحكام الشرعية نقول: الواجب والمستحب والمكروه والمحرم والمباح.
* طالب: قوله تعالى في آية الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠].
* الشيخ: صح، ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وكذلك قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] هذا الشرعي اللي ذكرنا، الحكم الكوني مثاله؟
* طالب: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء ١٦].
* الشيخ: لا، هذا الأمر الكوني، نريد الحكم الكوني؟ قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف ٨٠] وأيش بعد؟ ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ حكمًا هذا كونيًّا؛ لأن الحكم الشرعي ما منع من الأرض أن يرجع، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فهمتم؟
الفرق بين الحكم الكوني والشرعي، الحكم الكوني لا بد من أيش؟ من وقوعه، والحكم الشرعي قد ينفذ وقد لا ينفذ، قد يمتثل الإنسان ويقوم بالحكم وقد لا يمتثل، أيضًا الحكم الشرعي يكون إثباته من قبل الشرع، يكون إقراره بما يحبه الله، والكوني بما يحبه وما لا يحبه، هذا بالنسبة للحكيم باعتباره مشتقًّا من؟
* طالب: الحكم.
* الشيخ: وباعتباره مشتقًّا من الحكمة؟ قلنا: إن الحكمة حالية وغائية، فالحالية وجود الشيء على صورة معينة، هذه حكمة، كون الإنسان معتدل القامة، ورأسه على هذه الصفة ويداه، وكذلك رجلاه، وما فيه من خلق الله، هذه حكمة حالية، وكون -مثلًا- الصلاة بهذه الصفة، قيام، ركوع، سجود، وما أشبه، وقعود، والزكاة علي هذه المقادير، وعلى هذه الأوقات، هذا أيضًا حكمة أيش؟ حالية، وكون هذه الأمور لغاية حميدة وجدت لغاية حميدة، هذه حكمة غائية، فإن الله تعالى ما أوجد الأشياء كونًا أو شرعًا إلا لغاية حميدة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة ١٢٩].
مناسبة العزة والحكمة هنا لبعث الرسول ظاهرة جدًّا؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]، شوف ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولّا وللعرب؟ وللمؤمنين، عربًا كانوا أو عجمًا، من كان مؤمنًا بالله عز وجل قائمًا بأمر الله، فإن له العزة، ومن لم يكن كذلك، فإن الله لم يكفل له العزة، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا يجب علينا أن تكون الرابطة بيننا هي رابطة الإيمان فقط؛ لأنه ما يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير إلا بهذه الرابطة وحدها.
* طالب: شيخ، ما فيه حكمة (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيه حكمة (...)، ولكنها مقترنة بالحكمة الغائية؛ لأنه من أجل كذا شرع كذا أو وقع كذا.
قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾.
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية! ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) عندنا أولى وثانية ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: اسم استفهام يراد به النفي؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، فـ(من) هنا اسم استفهام، وهو مبتدأ، وجملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ خبره، جملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ يعني: فعل مضارع خبره، ولا نقول هنا: (من) شرطية، نعم لو كانت الآية: ومن يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه، صارت شرطية، لكن هذه أبلغ، ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ يعني: لا أحد يرغب عن ملة إبراهيم.
وقوله: ﴿يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ﴾ يقال: رغب في كذا، ورغب عن، والفرق؟
* طالب: عدل عنه.
* الشيخ: رغب فيه، أي: طلبه، ورغب عنه؟
* طالب: أي: تركه.
* الشيخ: تركه واجتنبه، هنا ﴿مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: يتركها ولّا يطلبها؟
* الطلبة: يتركها.
* الشيخ: يتركها.
وقوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الملة بمعنى الدين، أي: دين إبراهيم، ودين إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أنه كان حنيفًا مسلمًا لله، ولم يكن من المشركين، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام، الذي هو أبو الأنبياء وأشرفهم بعد رسول الله ﷺ، وجعله الله إمامًا ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠]، وجعل ملته هي الملة الحنيفية القويمة، إذا كان كذلك، هل أحد يرغب عن الملة الحنيفية القويمة؟ نعم، يرغب عنها من سفه نفسه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ﴾، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قيل معناها: جهل نفسه، أي: جهل ما يجب لها وضيعها، وقيل: سفهها: أوقعها في السفه، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أوقعها في السفه، والسفه ضده الرشد، والمعنى الأول السفه ضده؟
* الطلبة: العلم.
* الشيخ: ضده العلم.
ولنا أن نقول: حكمة التعبير بما يحتمل وجهين فيها نكتة عظيمة، وهي: أن تكون ﴿سَفِهَ﴾ صالحة للأمرين: جهل، وكذلك ﴿سَفِهَ﴾ أوقعها في السفه، فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة، وسفيه إن تعمد المخالفة، فالإنسان اللي يرغب عن ملة إبراهيم أوقع نفسه في السفه، ولم يتصرف تصرفًا رشيدًا، ثم إن كان عن علم فهو سفيه.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: القسم المقدر، واللام، وقد؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد، و﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ افتعال من الصفوة، يعني: مشتقة من هذا، أصل المادة هذه من (صفا يصفو)، فمعنى اصطفيناه، أي: اخترناه حتى كان صفوة من الخلق، اصطفاه الله تعالى في الدنيا على كل الأنبياء ما عدا محمدًا ﷺ، وقوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: جعلناه صفيًّا من الخلق، واتخذه الله تعالى خليلًا.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (إنه) هذه (إن) واسمها، و﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ خبر، لكن ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في موضع نصب على الحال: وإنه في حال كونه في الآخرة من الصالحين، في الدنيا اصطفاه الله واختاره، وفي الآخرة يكون من الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم لنفسه ولخلقه، وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: (إن) واللام فقط، وهنا ذكر الله تعالى الاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة، هل هناك نكتة لتغاير الحالين أو لا؟ يبدو لي -والله أعلم- أن هناك نكتة، وهو يقين فيه هناك نكتة، لكن بس ما نعرفها هل نعرفها أو لا؟ ولَّا لا شك أن التعبيرين مختلفان لكن لماذا؟ نلتمس، الدنيا دار شهوات وابتلاء، فلا يصبر عن هذه الشهوات ولا على هذا الابتلاء إلا واحد دون الآخر، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإذا أخلص الإنسان نفسه لله صار صفوة من عباد الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الآخرة ليست هكذا، الآخرة حتى الكفار يؤمنون، ولكن الفرق بين من يكون من الصالح ومن غير الصالح؛ لأنهم هم إذا عرضوا على النار ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام ٣٠]، ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر ٥٠]، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، وهكذا تدل على أنهم يؤمنون لكنهم ليسوا من الصالحين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه أيضًا تابعة للثناء على إبراهيم، شوف لما عظَّم بيت الله كيف أن الله سبحانه وتعالى شكور حليم، أثنى عليه هذا الثناء العظيم، وجعله إمامًا، وبيّن اصطفاءه في الدنيا، وأنه في الآخرة من الصالحين، أيضًا هذه الحال من الثناء عليه، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه يحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿لَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾: ولقد اصطفيناه إذ قال له ربه، ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر إذ قال له ربه، فيكون أمرًا للرسول ﷺ أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم ﷺ عليها.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ قال: سمعًا وطاعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، ما تأنى، ولا تأبى ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إسلام يتضمن التوحيد، توحيد العبادة، ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأسلم إسلامًا كاملًا بدون تردد، وما أكثر الذين قال لهم ربهم: أسلموا، ولكن لم يسلموا، تسع مئة وتسع وتسعون من بني آدم قيل لهم: أسلموا ولم يسلموا؛ لأنهم كلهم من أهل النار، تسع مئة وتسع وتسعون بالألف من بني آدم كلهم في النار، وواحد منهم في الجنة، لكن هذا قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، وهذه صفة حميدة جدًّا استحق أن ينوه بها عنه.
وهي عامة لأصل الإسلام ولفرائع الإسلام، حتى الفروع أسلم فيها، رأى في المنام أنه يذبح ابنه فنفذ؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نفذ، قال الله له: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٤، ١٠٥]، فنفذ مع أنه ابنه وحيده، ما له غيره، أتاه على كبر، وبلغ معه السعي، يعني: بلغ أن يمشي معه، وهذا وقت تعلق الإنسان بابنه؛ لأن الطفل الصغير قد لا تتعلق به النفوس، والكبير قد انعزل وزالت الرغبة فيه، لكن اللي في هذا المستوى هذا هو غاية ما يكون من تعلق القلب به، فرأى في منامه أنه يذبحه فنفذ، إلا أنه أراد أن يختبر ابنه؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]، وذكر الله القصة.
* طالب: قوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ ما ذكر الرسول ولا الأنبياء قبله؟
* الشيخ: إي؛ لأن السياق في إبراهيم، ذكر ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص ٤٧]، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران ٤٢]، لكن هنا السياق في الثناء على إبراهيم.
* طالب: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...)؟
* الشيخ: لأن الرب لا بد أن يكون كاملًا، الرب اللي ربوبيته عامة للعالمين كلها لا بد أن يكون كاملًا، وإلا ما صح أن يكون ربًّا للعالمين.
* طالب: شيخ، وأيش وجه يعني الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الرسول ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل ١٢٣]، وفي الحديث: «إِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ»[[مسلم (٨٦٧ / ٤٣)، وأبو يعلى (٢١١٩) من حديث جابر، واللفظ له.]]؟
* الشيخ: نعم، أحسنت، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام متضمن لهدي إبراهيم وزيادة؛ لأن هدي إبراهيم هو الإخلاص والتوحيد عمومًا، لكن فرائع الإسلام تختلف؛ لأن الله يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، في الأصل التوحيد والإخلاص ملة إبراهيم هي الملة المقتدى بها، لكن فروع الإسلام كملت بالشريعة التي كان عليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلهذا كان خير الهدي هدي محمد ﷺ.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَوْصَى بِهَا﴾ .
* طالب: شيخ، ما نوع قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ هل هو وحي أم إلهام؟
* الشيخ: الأصل إذا قال: ﴿إِذْ قَالَ﴾ القول: الوحي، كلمه.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ فيها قراءة: ﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، أما (إبراهيم) في الموضع الأول والثاني ففيها القراءة التي ذكرناها لكم من قبل وهي: ﴿ إِبْرَاهَام﴾ ، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهَامَ﴾ وتقول: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾..
* طالب: في كل القرآن؟
* الشيخ: لا، ما في كل القرآن، ولكن في السورة هذه في أكثر القرآن، في بعض المواضع القليلة ما فيها (إبراهام).
* طالب: شيخ، زاد حرف؟
* الشيخ: وهو؟
* طالب: الألف.
* الشيخ: ونقص حرف، زاد حرفًا ونقص حرف، فين النقص؟
* طالب: تضعيف.
* الشيخ: تضعيف، إي نعم، ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ ﴿وَأَوْصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ، وهذه في الحقيقة ما تنطبق على الشروط الثلاثة في القراءة، وأيش الشروط الثلاثة في القراءة؟ أمليناها عليكم في بيتين؟ شروط القراءات؟
* طالب: قوله:
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ * الشيخ: هذه الآن ؎فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ الآن ﴿وَصَّى بِهَا﴾ و﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، يحوي (...)؟
* طالب: ما يحوي.
* الشيخ: ما يحوي؟ إذن الأركان اللي ذكر بناء على الأغلب، وقد مر علينا سقوط حرف عطف حرف له معنى ما هو مثل هذا، هذا حرف ما له معنى، الهمزة والتضعيف ما لهم معنى، لكن مر علينا فيما سبق سقوط حرف معنوي، وأيش هي؟
* طالب: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾، وين هي؟
* الطالب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة ١١٦].
* الشيخ: صح، وقراءة؟
* الطالب: ﴿قَالُوا﴾ .
* الشيخ: وقراءة ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ (بها) الضمير يعود على هذه الكلمة العظيمة، وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الملة، وصى بهذه الملة، والمعنى واحد، يعني: ملة إبراهيم هي ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾، والتوصية: العهد المؤكد في الأمر الهام، ولَّا لا؟ وأيش التوصية؟
* طالب: التوصية العهد في الأمر الهام.
* الشيخ: العهد المؤكد في الأمر الهام.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ ﴿بَنِيهِ﴾ وأيش محله من الإعراب؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول ﴿وَصَّى﴾؛ ولهذا نصبت بالياء؛ لأنها؟
* الطلبة: ملحق بجمع المذكر السالم.
* الشيخ: ملحق بجمع المذكر السالم.
قال: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ معطوفة على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما ذكر إسحاق؛ لأن إسحاق موصى، مين اللي موصيه؟ إبراهيم، ثم عاد يعقوب اللي هو حفيد إبراهيم ابن ابنه، وصى بها بنيه، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب، وسمي يعقوب لأنه عقب إسحاق، هذا إذا قلنا: إنه مشتق، أما إذا قلنا: إنه اسم جامد، فإنه لا حاجة إلى أن نعلل هذا التعليل، نقول: يعقوب اسم جامد ولا هو مشتق.
وقوله: ﴿يَعْقُوبُ﴾ مَن أشهر أولاد يعقوب؟ يوسف، يعقوب قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾، ولّا (يا بُنَيَّ)؟
* الطلبة: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
* الشيخ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾، وأيش الفرق بين (يا بَني) (يا بُني)؟
* الطلبة: (بَني) جمع.
* الشيخ: (بَني) جمع، (بُني) واحد مصغر، (يا بَني) جمع أين النون التي هي عوض عن التنوين في الاسم المفرد؟
* طالب: راحت.
* الشيخ: وين؟
* طالب: لأنها منادى.
* الشيخ: ولو كانت منادى تقول: يا بَنون، نادِ، تقول: يا بنون؟
* طالب: المنادى مضاف، حذفت النون للإضافة.
* الشيخ: حذفت النون للإضافة، تقول: هؤلاء مسلمو مكة، وقاتل النبي ﷺ مشركي مكة، فهمتم؟ فالنون تحذف للإضافة مثل ما إن التنوين يحذف للإضافة، تقول: اشتريت كتابًا، وتقول: اشتريت كتاب النحو، (كتاب) بدون تنوين.
* طالب: مضافة إلى ياء المتكلم؟
* الشيخ: إلى ياء المتكلم، إي نعم.
﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ شوف قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾؛ لأجل الترقيق والقبول، قبول الدعوة، هذا من باب الرقة لأجل أن يقبلوا الدعوة، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ اصطفاه: اختاره، و﴿لَكُمُ﴾: لأجلكم، ﴿اصْطَفَى لَكُمُ﴾ لأجلكم، ﴿الدِّينَ﴾ ما هو الدين؟ الدين هو العبادة والعمل، ويطلق على الجزاء، ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] وأيش المراد بالدين؟
* طالب: الجزاء.
* الشيخ: الجزاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؟ العبادة، فالدين يطلق على هذا وهذا، على العمل والجزاء عليه، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني: كما تعمل تجازى.
* طالب: إعراب ﴿لَكُمُ﴾؟
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بـ﴿اصْطَفَى﴾.
* طالب: في محل نصب مفعول لأجله؟
* الشيخ: لا، اللام للتعليل بس.
* الطالب: ما يسمى مفعول لأجله؟
* الشيخ: لا، ما يسمى مفعول لأجله.
﴿لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ الفاء للتفريع، أي: فعلى هذا الاختيار تمسكوا بهذا الدين، و﴿لَا تَمُوتُنَّ﴾ (لا) هذه ناهية، ومعروف أن (لا) الناهية تجزم الفعل، وهنا ﴿تَمُوتُنَّ﴾ وأيش آخر الفعل؟ التاء، ما جزم؟
* طالب: مجزوم بحذف النون.
* الشيخ: هذا من الأفعال الخمسة، فهو مجزوم بحذف النون، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ والنون هنا اللي فيها للتوكيد، وأصلها: تموتونَنَّ، فحذفت النون للجزم وصارت: فلا تموتون، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، الواو اللي هي الضمير، لالتقاء الساكنين؛ لأن النون المشددة أولها ساكن، والواو ساكنة، فتحذف الواو، قال ابن مالك:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًــــــــا فَحَذْفَــــــــــــــهُاسْتَحَقْ قال الله تعالى في بقية دعاء إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.
من فوائد الآية: ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراهيم وإسماعيل، دعوا الله سبحانه وتعالى أن يبعث فيهم الرسول.
ومن فوائدها أيضًا: أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته؛ لأنهم يعرفونه، كما قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ٢]، تأمل قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾؛ حيث أضافه إليهم، يعني: صاحبكم الذي تعرفونه، وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، ما ضل وما غوى، هذه الفائدة تؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الله تعالى فيه من الخير أنه يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تتضمن ذكر آيات الله الكونية والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوة ومعنًى، وتتضمن أيضًا الحكمة، وهي: معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
من فوائدها إذن: أن هذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي ﷺ لهذه المعاني الجليلة مما يدل على كمال شريعته.
ومنها: إثبات العزة والحكمة لله في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
ومنها: إثبات هذين الاسمين لله، الاسمين: العزيز والحكيم، وقد سبق لنا معنى العزة ومعنى الحكمة في التفسير.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
ومن فوائدها أيضًا: أن مخالفة هذه الملة سفه، مهما كان الإنسان حليمًا في قومه، فإنه يعتبر سفيهًا إذا لم يلتزم بشريعة الله.
ومنها: فضيلة إبراهيم؛ حيث اصطفاه الله تعالى واختاره على العالمين؛ لقوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.
ومنها: إثبات الآخرة؛ لقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾.
ومنها: أن الصلاح وصف للأنبياء ومَن دونهم، فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبعو الرسول بأنهم صالحون؛ ولهذا كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحيون الرسول ﷺ ليلة المعراج بقولهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]، فوصفوه بالصلاح..
* طالب: العطف تغاير (...)؟
* الشيخ: ما يقبل التغاير، تغاير الصفات يمكن تجتمع الصفات في الواحد، التغاير في الصفات ما هو تغاير في الأشخاص.
ومنها أيضًا -من فوائد الآية-: أن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أفضل الملل، وهي التوحيد الحنيفية السمحة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧].
ومنها: أن هؤلاء المخالفين للرسل سفهاء، كما وصفهم الله بقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، فهم وإن كانوا أذكياء وعندهم علم بالصناعة وبالسياسة، فإنهم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* طالب: شيخ، تخصيص اتباع إبراهيم رغم أن فيه أنبياء قبله نفس الدعوة؟
* الشيخ: إي نعم، تخصيصه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء بالنسبة لبني إسرائيل وللعرب؛ إذ إن جميع الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، كانوا من ذرية إبراهيم؛ فلذلك خص بهذا؛ ولهذا يقال: إن الخلق لهم آباء ثلاثة: آدم، ونوح، وإبراهيم، إلا أن إبراهيم كان أبًا للعرب والإسرائيليين فقط.
* طالب: شيخ، مدح النبي ﷺ في وجهه؟
* الشيخ: في وجهه؟
* طالب: في وجهه، يعني: في حضوره، ما يكون هذا خارجًا عن عموم الحديث؟
* الشيخ: أي حديث؟
* الطالب: حديث: «إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ؛ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.]]، والنهي عن التمادح؟
* الشيخ: هذا سؤال ليس بهذا الدرس.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: على كل حال، الرسول إنما نهى عن المدح إذا كان يخشى منه؛ ولهذا قال: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠ / ٦٥) واللفظ له، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]]، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التَّرَابَ»[[أخرجه مسلم (٣٠٠٢ / ٦٩)، من حديث المقداد رضي الله عنه.]]، أما إذا لم يخش منه فلا بأس، فهذا كعب بن زهير مدح النبي عليه الصلاة والسلام في حديث: بانت سعاد[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣ / ٥٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ٢٤٣)، من حديث عقبة بن كعب رضي الله عنه.]] مدحًا عظيمًا والرسول يسمع، وكذلك حسان بن ثابت وغيره من الشعراء كانوا يمدحون النبي ﷺ؛ لأنه أهل لذلك؛ ولأنه لا يخشى منه.
* طالب: وإذا ادعى واحد من الناس يقول: أنا لا يخشى علي؟
* الشيخ: إذا ادعى نقول: الآن يخشى عليك، ما دام زكيت نفسك، فالآن فيك البلاء.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ فيه فرق بين التعليم والتلاوة؟
* الشيخ: إي نعم، الفرق التعليم يشمل التعليم اللفظ والمعنى، والتلاوة وإن لم يعلمهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالمعنى أو يدرسهم تدريسًا؛ لأن التعليم أخص، الآن عندما أقرأ أنا القرآن أتلو عليك، وليس هذا تعليمًا، لكن عندما أهجيك على حرف حرف وكلمة كلمة، هذا التعليم.
* طالب: (...) ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾؟
* الشيخ: المراد بالكتاب القرآن.
* طالب: والآيات؟
* الشيخ: الآيات الأولى ما يخص بالآيات الدالة على الله.
قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الآية يستفاد منها: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث لم يتوان ولم يستكبر، لم يستكبر؛ لأنه قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، لم يتوان؛ لأنه قال ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿قَالَ﴾، فكان هذا معقبًا لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: إثبات ربوبية الله تعالى العامة لكل أحد؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سموا عالمين؛ حيث إنهم علم على خالقهم سبحانه وتعالى.
ومنها: المناسبة بين قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ و﴿رَبّ﴾، كأن هذا علة لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يسلم له، الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقرونًا بالربوبية.
ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
من هذه الآية يستفاد:
أولًا: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها من؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم ويعقوب، فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين، ويعقوب أبو؟
* طالب: الإسرائيليين.
* الشيخ: الإسرائيليين، فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها؛ حيث جعلاها مما يوصى بها.
ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداء بمن؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: بإبراهيم ويعقوب.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى اختار لعباده من الدين ما هو أقوم لمصالحهم؛ لقوله: ﴿اصْطَفَى لَكُمُ﴾ أي: اختار، فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله تعالى لعباده.
ومنها: أنه ينبغي التلطف بالخطاب، من أين نأخذ؟
* طالب: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
* الشيخ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم.
ومنها أيضًا: أنه يجب على المرء أن يعاهد نفسه دائمًا حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ما يكفي أن الإنسان يسلم في أول حياته أو في وسط حياته، لا بد أن يستمر إلى أن يموت، إلى أن يلقى الله تعالى وهو على الإسلام.
* طالب: قوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ هذا قول يعقوب ولَّا؟
* الشيخ: كلهم يقول، الوصية من الاثنين.
* الطالب: قال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾؟
* الشيخ: إبراهيم قال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ويعقوب كذلك قالها.
* طالب: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ الضمير يعود على أي شيء؟
* الشيخ: قيل: إنه يعود على الملة، وقيل: يعود على قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* طالب: أي يوصيهم بأن يقولوا: أسلمنا؟
* الشيخ: إي نعم، يقولون بألسنتهم وقلوبهم.
البقرة 2:130
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ينمي أخلاقهم، والتزكية: التنمية والتطهير، ينمي أخلاقهم ويطهرها من كل رذيلة، وهكذا كانت شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام تنمية الأخلاق الفاضلة، وتطهير من كل رذيلة، فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير، كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه، فإن الإسلام يأمر به، وهذه تزكية، وينهى عن ضد ذلك: ينهى عن الإثم، وعن القطيعة، وعن العدوان، وعن العقوق، وعن الكذب، وعن الغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، هذه تزكية.
تدرون الناس قبل الإسلام كيف حالهم؟ حالهم بالنسبة للعبادة لا تسأل: شرك، كفر، بالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تسأل أيضًا عن حالهم: القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة، يغير بعضهم على بعض، يتعايرون بالأنساب، يدعون بدعوى الجاهلية إلى آخره، جاء الإسلام هدم كل هذا، ومن تدبر التاريخ قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبعده، قبل بعثه وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة وحالهم بعدها، وظهر له معنى قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ نقول فيها هنا ما قلنا في إعراب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ونجعل ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل، ومحله؟
* طالب: لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: لا محل له من الإعراب، ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر (إن)، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثانٍ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿إِنَّكَ﴾ الكاف اسم (إن)، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبرها، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر آخر، وقد سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أظن؟ ﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه ذو العزة، والعزة بمعنى القوة والغلبة، فهو سبحانه وتعالى ذو قوة وذو غلبة، لا يغلبه شيء ولا يعجزه شيء، و﴿الْحَكِيمُ﴾ تقدم أنها مشتقة من؟
* طالب: الحكمة.
* الشيخ: من الحُكْم والحِكْمة، منهما جميعًا، وقلنا: إن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وإن الحكمة أيضًا نوعان: حالية، وغائية، الحكم نوعان: شرعي وكوني، مثال الشرعي؟
* طالب: الشرعي؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣].
* الشيخ: لا، ما فيها حكم، قضى، من يعرف؟
* طالب: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨].
* الشيخ: مادة حكم الدالة على الحكيم، والأحكام الشرعية نقول: الواجب والمستحب والمكروه والمحرم والمباح.
* طالب: قوله تعالى في آية الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠].
* الشيخ: صح، ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وكذلك قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] هذا الشرعي اللي ذكرنا، الحكم الكوني مثاله؟
* طالب: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء ١٦].
* الشيخ: لا، هذا الأمر الكوني، نريد الحكم الكوني؟ قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف ٨٠] وأيش بعد؟ ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ حكمًا هذا كونيًّا؛ لأن الحكم الشرعي ما منع من الأرض أن يرجع، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فهمتم؟
الفرق بين الحكم الكوني والشرعي، الحكم الكوني لا بد من أيش؟ من وقوعه، والحكم الشرعي قد ينفذ وقد لا ينفذ، قد يمتثل الإنسان ويقوم بالحكم وقد لا يمتثل، أيضًا الحكم الشرعي يكون إثباته من قبل الشرع، يكون إقراره بما يحبه الله، والكوني بما يحبه وما لا يحبه، هذا بالنسبة للحكيم باعتباره مشتقًّا من؟
* طالب: الحكم.
* الشيخ: وباعتباره مشتقًّا من الحكمة؟ قلنا: إن الحكمة حالية وغائية، فالحالية وجود الشيء على صورة معينة، هذه حكمة، كون الإنسان معتدل القامة، ورأسه على هذه الصفة ويداه، وكذلك رجلاه، وما فيه من خلق الله، هذه حكمة حالية، وكون -مثلًا- الصلاة بهذه الصفة، قيام، ركوع، سجود، وما أشبه، وقعود، والزكاة علي هذه المقادير، وعلى هذه الأوقات، هذا أيضًا حكمة أيش؟ حالية، وكون هذه الأمور لغاية حميدة وجدت لغاية حميدة، هذه حكمة غائية، فإن الله تعالى ما أوجد الأشياء كونًا أو شرعًا إلا لغاية حميدة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة ١٢٩].
مناسبة العزة والحكمة هنا لبعث الرسول ظاهرة جدًّا؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]، شوف ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولّا وللعرب؟ وللمؤمنين، عربًا كانوا أو عجمًا، من كان مؤمنًا بالله عز وجل قائمًا بأمر الله، فإن له العزة، ومن لم يكن كذلك، فإن الله لم يكفل له العزة، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا يجب علينا أن تكون الرابطة بيننا هي رابطة الإيمان فقط؛ لأنه ما يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير إلا بهذه الرابطة وحدها.
* طالب: شيخ، ما فيه حكمة (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيه حكمة (...)، ولكنها مقترنة بالحكمة الغائية؛ لأنه من أجل كذا شرع كذا أو وقع كذا.
قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾.
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية! ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) عندنا أولى وثانية ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: اسم استفهام يراد به النفي؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، فـ(من) هنا اسم استفهام، وهو مبتدأ، وجملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ خبره، جملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ يعني: فعل مضارع خبره، ولا نقول هنا: (من) شرطية، نعم لو كانت الآية: ومن يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه، صارت شرطية، لكن هذه أبلغ، ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ يعني: لا أحد يرغب عن ملة إبراهيم.
وقوله: ﴿يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ﴾ يقال: رغب في كذا، ورغب عن، والفرق؟
* طالب: عدل عنه.
* الشيخ: رغب فيه، أي: طلبه، ورغب عنه؟
* طالب: أي: تركه.
* الشيخ: تركه واجتنبه، هنا ﴿مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: يتركها ولّا يطلبها؟
* الطلبة: يتركها.
* الشيخ: يتركها.
وقوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الملة بمعنى الدين، أي: دين إبراهيم، ودين إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أنه كان حنيفًا مسلمًا لله، ولم يكن من المشركين، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام، الذي هو أبو الأنبياء وأشرفهم بعد رسول الله ﷺ، وجعله الله إمامًا ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠]، وجعل ملته هي الملة الحنيفية القويمة، إذا كان كذلك، هل أحد يرغب عن الملة الحنيفية القويمة؟ نعم، يرغب عنها من سفه نفسه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ﴾، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قيل معناها: جهل نفسه، أي: جهل ما يجب لها وضيعها، وقيل: سفهها: أوقعها في السفه، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أوقعها في السفه، والسفه ضده الرشد، والمعنى الأول السفه ضده؟
* الطلبة: العلم.
* الشيخ: ضده العلم.
ولنا أن نقول: حكمة التعبير بما يحتمل وجهين فيها نكتة عظيمة، وهي: أن تكون ﴿سَفِهَ﴾ صالحة للأمرين: جهل، وكذلك ﴿سَفِهَ﴾ أوقعها في السفه، فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة، وسفيه إن تعمد المخالفة، فالإنسان اللي يرغب عن ملة إبراهيم أوقع نفسه في السفه، ولم يتصرف تصرفًا رشيدًا، ثم إن كان عن علم فهو سفيه.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: القسم المقدر، واللام، وقد؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد، و﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ افتعال من الصفوة، يعني: مشتقة من هذا، أصل المادة هذه من (صفا يصفو)، فمعنى اصطفيناه، أي: اخترناه حتى كان صفوة من الخلق، اصطفاه الله تعالى في الدنيا على كل الأنبياء ما عدا محمدًا ﷺ، وقوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: جعلناه صفيًّا من الخلق، واتخذه الله تعالى خليلًا.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (إنه) هذه (إن) واسمها، و﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ خبر، لكن ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في موضع نصب على الحال: وإنه في حال كونه في الآخرة من الصالحين، في الدنيا اصطفاه الله واختاره، وفي الآخرة يكون من الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم لنفسه ولخلقه، وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: (إن) واللام فقط، وهنا ذكر الله تعالى الاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة، هل هناك نكتة لتغاير الحالين أو لا؟ يبدو لي -والله أعلم- أن هناك نكتة، وهو يقين فيه هناك نكتة، لكن بس ما نعرفها هل نعرفها أو لا؟ ولَّا لا شك أن التعبيرين مختلفان لكن لماذا؟ نلتمس، الدنيا دار شهوات وابتلاء، فلا يصبر عن هذه الشهوات ولا على هذا الابتلاء إلا واحد دون الآخر، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإذا أخلص الإنسان نفسه لله صار صفوة من عباد الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الآخرة ليست هكذا، الآخرة حتى الكفار يؤمنون، ولكن الفرق بين من يكون من الصالح ومن غير الصالح؛ لأنهم هم إذا عرضوا على النار ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام ٣٠]، ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر ٥٠]، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، وهكذا تدل على أنهم يؤمنون لكنهم ليسوا من الصالحين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه أيضًا تابعة للثناء على إبراهيم، شوف لما عظَّم بيت الله كيف أن الله سبحانه وتعالى شكور حليم، أثنى عليه هذا الثناء العظيم، وجعله إمامًا، وبيّن اصطفاءه في الدنيا، وأنه في الآخرة من الصالحين، أيضًا هذه الحال من الثناء عليه، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه يحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿لَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾: ولقد اصطفيناه إذ قال له ربه، ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر إذ قال له ربه، فيكون أمرًا للرسول ﷺ أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم ﷺ عليها.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ قال: سمعًا وطاعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، ما تأنى، ولا تأبى ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إسلام يتضمن التوحيد، توحيد العبادة، ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأسلم إسلامًا كاملًا بدون تردد، وما أكثر الذين قال لهم ربهم: أسلموا، ولكن لم يسلموا، تسع مئة وتسع وتسعون من بني آدم قيل لهم: أسلموا ولم يسلموا؛ لأنهم كلهم من أهل النار، تسع مئة وتسع وتسعون بالألف من بني آدم كلهم في النار، وواحد منهم في الجنة، لكن هذا قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، وهذه صفة حميدة جدًّا استحق أن ينوه بها عنه.
وهي عامة لأصل الإسلام ولفرائع الإسلام، حتى الفروع أسلم فيها، رأى في المنام أنه يذبح ابنه فنفذ؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نفذ، قال الله له: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٤، ١٠٥]، فنفذ مع أنه ابنه وحيده، ما له غيره، أتاه على كبر، وبلغ معه السعي، يعني: بلغ أن يمشي معه، وهذا وقت تعلق الإنسان بابنه؛ لأن الطفل الصغير قد لا تتعلق به النفوس، والكبير قد انعزل وزالت الرغبة فيه، لكن اللي في هذا المستوى هذا هو غاية ما يكون من تعلق القلب به، فرأى في منامه أنه يذبحه فنفذ، إلا أنه أراد أن يختبر ابنه؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]، وذكر الله القصة.
* طالب: قوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ ما ذكر الرسول ولا الأنبياء قبله؟
* الشيخ: إي؛ لأن السياق في إبراهيم، ذكر ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص ٤٧]، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران ٤٢]، لكن هنا السياق في الثناء على إبراهيم.
* طالب: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...)؟
* الشيخ: لأن الرب لا بد أن يكون كاملًا، الرب اللي ربوبيته عامة للعالمين كلها لا بد أن يكون كاملًا، وإلا ما صح أن يكون ربًّا للعالمين.
* طالب: شيخ، وأيش وجه يعني الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الرسول ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل ١٢٣]، وفي الحديث: «إِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ»[[مسلم (٨٦٧ / ٤٣)، وأبو يعلى (٢١١٩) من حديث جابر، واللفظ له.]]؟
* الشيخ: نعم، أحسنت، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام متضمن لهدي إبراهيم وزيادة؛ لأن هدي إبراهيم هو الإخلاص والتوحيد عمومًا، لكن فرائع الإسلام تختلف؛ لأن الله يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، في الأصل التوحيد والإخلاص ملة إبراهيم هي الملة المقتدى بها، لكن فروع الإسلام كملت بالشريعة التي كان عليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلهذا كان خير الهدي هدي محمد ﷺ.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَوْصَى بِهَا﴾ .
* طالب: شيخ، ما نوع قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ هل هو وحي أم إلهام؟
* الشيخ: الأصل إذا قال: ﴿إِذْ قَالَ﴾ القول: الوحي، كلمه.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ فيها قراءة: ﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، أما (إبراهيم) في الموضع الأول والثاني ففيها القراءة التي ذكرناها لكم من قبل وهي: ﴿ إِبْرَاهَام﴾ ، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهَامَ﴾ وتقول: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾..
* طالب: في كل القرآن؟
* الشيخ: لا، ما في كل القرآن، ولكن في السورة هذه في أكثر القرآن، في بعض المواضع القليلة ما فيها (إبراهام).
* طالب: شيخ، زاد حرف؟
* الشيخ: وهو؟
* طالب: الألف.
* الشيخ: ونقص حرف، زاد حرفًا ونقص حرف، فين النقص؟
* طالب: تضعيف.
* الشيخ: تضعيف، إي نعم، ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ ﴿وَأَوْصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ، وهذه في الحقيقة ما تنطبق على الشروط الثلاثة في القراءة، وأيش الشروط الثلاثة في القراءة؟ أمليناها عليكم في بيتين؟ شروط القراءات؟
* طالب: قوله:
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ * الشيخ: هذه الآن ؎فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ الآن ﴿وَصَّى بِهَا﴾ و﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، يحوي (...)؟
* طالب: ما يحوي.
* الشيخ: ما يحوي؟ إذن الأركان اللي ذكر بناء على الأغلب، وقد مر علينا سقوط حرف عطف حرف له معنى ما هو مثل هذا، هذا حرف ما له معنى، الهمزة والتضعيف ما لهم معنى، لكن مر علينا فيما سبق سقوط حرف معنوي، وأيش هي؟
* طالب: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾، وين هي؟
* الطالب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة ١١٦].
* الشيخ: صح، وقراءة؟
* الطالب: ﴿قَالُوا﴾ .
* الشيخ: وقراءة ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ (بها) الضمير يعود على هذه الكلمة العظيمة، وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الملة، وصى بهذه الملة، والمعنى واحد، يعني: ملة إبراهيم هي ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾، والتوصية: العهد المؤكد في الأمر الهام، ولَّا لا؟ وأيش التوصية؟
* طالب: التوصية العهد في الأمر الهام.
* الشيخ: العهد المؤكد في الأمر الهام.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ ﴿بَنِيهِ﴾ وأيش محله من الإعراب؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول ﴿وَصَّى﴾؛ ولهذا نصبت بالياء؛ لأنها؟
* الطلبة: ملحق بجمع المذكر السالم.
* الشيخ: ملحق بجمع المذكر السالم.
قال: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ معطوفة على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما ذكر إسحاق؛ لأن إسحاق موصى، مين اللي موصيه؟ إبراهيم، ثم عاد يعقوب اللي هو حفيد إبراهيم ابن ابنه، وصى بها بنيه، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب، وسمي يعقوب لأنه عقب إسحاق، هذا إذا قلنا: إنه مشتق، أما إذا قلنا: إنه اسم جامد، فإنه لا حاجة إلى أن نعلل هذا التعليل، نقول: يعقوب اسم جامد ولا هو مشتق.
وقوله: ﴿يَعْقُوبُ﴾ مَن أشهر أولاد يعقوب؟ يوسف، يعقوب قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾، ولّا (يا بُنَيَّ)؟
* الطلبة: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
* الشيخ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾، وأيش الفرق بين (يا بَني) (يا بُني)؟
* الطلبة: (بَني) جمع.
* الشيخ: (بَني) جمع، (بُني) واحد مصغر، (يا بَني) جمع أين النون التي هي عوض عن التنوين في الاسم المفرد؟
* طالب: راحت.
* الشيخ: وين؟
* طالب: لأنها منادى.
* الشيخ: ولو كانت منادى تقول: يا بَنون، نادِ، تقول: يا بنون؟
* طالب: المنادى مضاف، حذفت النون للإضافة.
* الشيخ: حذفت النون للإضافة، تقول: هؤلاء مسلمو مكة، وقاتل النبي ﷺ مشركي مكة، فهمتم؟ فالنون تحذف للإضافة مثل ما إن التنوين يحذف للإضافة، تقول: اشتريت كتابًا، وتقول: اشتريت كتاب النحو، (كتاب) بدون تنوين.
* طالب: مضافة إلى ياء المتكلم؟
* الشيخ: إلى ياء المتكلم، إي نعم.
﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ شوف قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾؛ لأجل الترقيق والقبول، قبول الدعوة، هذا من باب الرقة لأجل أن يقبلوا الدعوة، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ اصطفاه: اختاره، و﴿لَكُمُ﴾: لأجلكم، ﴿اصْطَفَى لَكُمُ﴾ لأجلكم، ﴿الدِّينَ﴾ ما هو الدين؟ الدين هو العبادة والعمل، ويطلق على الجزاء، ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] وأيش المراد بالدين؟
* طالب: الجزاء.
* الشيخ: الجزاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؟ العبادة، فالدين يطلق على هذا وهذا، على العمل والجزاء عليه، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني: كما تعمل تجازى.
* طالب: إعراب ﴿لَكُمُ﴾؟
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بـ﴿اصْطَفَى﴾.
* طالب: في محل نصب مفعول لأجله؟
* الشيخ: لا، اللام للتعليل بس.
* الطالب: ما يسمى مفعول لأجله؟
* الشيخ: لا، ما يسمى مفعول لأجله.
﴿لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ الفاء للتفريع، أي: فعلى هذا الاختيار تمسكوا بهذا الدين، و﴿لَا تَمُوتُنَّ﴾ (لا) هذه ناهية، ومعروف أن (لا) الناهية تجزم الفعل، وهنا ﴿تَمُوتُنَّ﴾ وأيش آخر الفعل؟ التاء، ما جزم؟
* طالب: مجزوم بحذف النون.
* الشيخ: هذا من الأفعال الخمسة، فهو مجزوم بحذف النون، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ والنون هنا اللي فيها للتوكيد، وأصلها: تموتونَنَّ، فحذفت النون للجزم وصارت: فلا تموتون، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، الواو اللي هي الضمير، لالتقاء الساكنين؛ لأن النون المشددة أولها ساكن، والواو ساكنة، فتحذف الواو، قال ابن مالك:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًــــــــا فَحَذْفَــــــــــــــهُاسْتَحَقْ قال الله تعالى في بقية دعاء إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.
من فوائد الآية: ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراهيم وإسماعيل، دعوا الله سبحانه وتعالى أن يبعث فيهم الرسول.
ومن فوائدها أيضًا: أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته؛ لأنهم يعرفونه، كما قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ٢]، تأمل قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾؛ حيث أضافه إليهم، يعني: صاحبكم الذي تعرفونه، وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، ما ضل وما غوى، هذه الفائدة تؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الله تعالى فيه من الخير أنه يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تتضمن ذكر آيات الله الكونية والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوة ومعنًى، وتتضمن أيضًا الحكمة، وهي: معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
من فوائدها إذن: أن هذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي ﷺ لهذه المعاني الجليلة مما يدل على كمال شريعته.
ومنها: إثبات العزة والحكمة لله في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
ومنها: إثبات هذين الاسمين لله، الاسمين: العزيز والحكيم، وقد سبق لنا معنى العزة ومعنى الحكمة في التفسير.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
ومن فوائدها أيضًا: أن مخالفة هذه الملة سفه، مهما كان الإنسان حليمًا في قومه، فإنه يعتبر سفيهًا إذا لم يلتزم بشريعة الله.
ومنها: فضيلة إبراهيم؛ حيث اصطفاه الله تعالى واختاره على العالمين؛ لقوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.
ومنها: إثبات الآخرة؛ لقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾.
ومنها: أن الصلاح وصف للأنبياء ومَن دونهم، فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبعو الرسول بأنهم صالحون؛ ولهذا كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحيون الرسول ﷺ ليلة المعراج بقولهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]، فوصفوه بالصلاح..
* طالب: العطف تغاير (...)؟
* الشيخ: ما يقبل التغاير، تغاير الصفات يمكن تجتمع الصفات في الواحد، التغاير في الصفات ما هو تغاير في الأشخاص.
ومنها أيضًا -من فوائد الآية-: أن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أفضل الملل، وهي التوحيد الحنيفية السمحة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧].
ومنها: أن هؤلاء المخالفين للرسل سفهاء، كما وصفهم الله بقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، فهم وإن كانوا أذكياء وعندهم علم بالصناعة وبالسياسة، فإنهم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* طالب: شيخ، تخصيص اتباع إبراهيم رغم أن فيه أنبياء قبله نفس الدعوة؟
* الشيخ: إي نعم، تخصيصه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء بالنسبة لبني إسرائيل وللعرب؛ إذ إن جميع الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، كانوا من ذرية إبراهيم؛ فلذلك خص بهذا؛ ولهذا يقال: إن الخلق لهم آباء ثلاثة: آدم، ونوح، وإبراهيم، إلا أن إبراهيم كان أبًا للعرب والإسرائيليين فقط.
* طالب: شيخ، مدح النبي ﷺ في وجهه؟
* الشيخ: في وجهه؟
* طالب: في وجهه، يعني: في حضوره، ما يكون هذا خارجًا عن عموم الحديث؟
* الشيخ: أي حديث؟
* الطالب: حديث: «إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ؛ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.]]، والنهي عن التمادح؟
* الشيخ: هذا سؤال ليس بهذا الدرس.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: على كل حال، الرسول إنما نهى عن المدح إذا كان يخشى منه؛ ولهذا قال: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠ / ٦٥) واللفظ له، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]]، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التَّرَابَ»[[أخرجه مسلم (٣٠٠٢ / ٦٩)، من حديث المقداد رضي الله عنه.]]، أما إذا لم يخش منه فلا بأس، فهذا كعب بن زهير مدح النبي عليه الصلاة والسلام في حديث: بانت سعاد[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣ / ٥٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ٢٤٣)، من حديث عقبة بن كعب رضي الله عنه.]] مدحًا عظيمًا والرسول يسمع، وكذلك حسان بن ثابت وغيره من الشعراء كانوا يمدحون النبي ﷺ؛ لأنه أهل لذلك؛ ولأنه لا يخشى منه.
* طالب: وإذا ادعى واحد من الناس يقول: أنا لا يخشى علي؟
* الشيخ: إذا ادعى نقول: الآن يخشى عليك، ما دام زكيت نفسك، فالآن فيك البلاء.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ فيه فرق بين التعليم والتلاوة؟
* الشيخ: إي نعم، الفرق التعليم يشمل التعليم اللفظ والمعنى، والتلاوة وإن لم يعلمهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالمعنى أو يدرسهم تدريسًا؛ لأن التعليم أخص، الآن عندما أقرأ أنا القرآن أتلو عليك، وليس هذا تعليمًا، لكن عندما أهجيك على حرف حرف وكلمة كلمة، هذا التعليم.
* طالب: (...) ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾؟
* الشيخ: المراد بالكتاب القرآن.
* طالب: والآيات؟
* الشيخ: الآيات الأولى ما يخص بالآيات الدالة على الله.
قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الآية يستفاد منها: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث لم يتوان ولم يستكبر، لم يستكبر؛ لأنه قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، لم يتوان؛ لأنه قال ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿قَالَ﴾، فكان هذا معقبًا لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: إثبات ربوبية الله تعالى العامة لكل أحد؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سموا عالمين؛ حيث إنهم علم على خالقهم سبحانه وتعالى.
ومنها: المناسبة بين قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ و﴿رَبّ﴾، كأن هذا علة لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يسلم له، الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقرونًا بالربوبية.
ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
من هذه الآية يستفاد:
أولًا: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها من؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم ويعقوب، فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين، ويعقوب أبو؟
* طالب: الإسرائيليين.
* الشيخ: الإسرائيليين، فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها؛ حيث جعلاها مما يوصى بها.
ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداء بمن؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: بإبراهيم ويعقوب.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى اختار لعباده من الدين ما هو أقوم لمصالحهم؛ لقوله: ﴿اصْطَفَى لَكُمُ﴾ أي: اختار، فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله تعالى لعباده.
ومنها: أنه ينبغي التلطف بالخطاب، من أين نأخذ؟
* طالب: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
* الشيخ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم.
ومنها أيضًا: أنه يجب على المرء أن يعاهد نفسه دائمًا حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ما يكفي أن الإنسان يسلم في أول حياته أو في وسط حياته، لا بد أن يستمر إلى أن يموت، إلى أن يلقى الله تعالى وهو على الإسلام.
* طالب: قوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ هذا قول يعقوب ولَّا؟
* الشيخ: كلهم يقول، الوصية من الاثنين.
* الطالب: قال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾؟
* الشيخ: إبراهيم قال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ويعقوب كذلك قالها.
* طالب: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ الضمير يعود على أي شيء؟
* الشيخ: قيل: إنه يعود على الملة، وقيل: يعود على قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* طالب: أي يوصيهم بأن يقولوا: أسلمنا؟
* الشيخ: إي نعم، يقولون بألسنتهم وقلوبهم.
البقرة 2:131
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ينمي أخلاقهم، والتزكية: التنمية والتطهير، ينمي أخلاقهم ويطهرها من كل رذيلة، وهكذا كانت شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام تنمية الأخلاق الفاضلة، وتطهير من كل رذيلة، فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير، كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه، فإن الإسلام يأمر به، وهذه تزكية، وينهى عن ضد ذلك: ينهى عن الإثم، وعن القطيعة، وعن العدوان، وعن العقوق، وعن الكذب، وعن الغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، هذه تزكية.
تدرون الناس قبل الإسلام كيف حالهم؟ حالهم بالنسبة للعبادة لا تسأل: شرك، كفر، بالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تسأل أيضًا عن حالهم: القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة، يغير بعضهم على بعض، يتعايرون بالأنساب، يدعون بدعوى الجاهلية إلى آخره، جاء الإسلام هدم كل هذا، ومن تدبر التاريخ قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبعده، قبل بعثه وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة وحالهم بعدها، وظهر له معنى قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ نقول فيها هنا ما قلنا في إعراب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ونجعل ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل، ومحله؟
* طالب: لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: لا محل له من الإعراب، ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر (إن)، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثانٍ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿إِنَّكَ﴾ الكاف اسم (إن)، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبرها، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر آخر، وقد سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أظن؟ ﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه ذو العزة، والعزة بمعنى القوة والغلبة، فهو سبحانه وتعالى ذو قوة وذو غلبة، لا يغلبه شيء ولا يعجزه شيء، و﴿الْحَكِيمُ﴾ تقدم أنها مشتقة من؟
* طالب: الحكمة.
* الشيخ: من الحُكْم والحِكْمة، منهما جميعًا، وقلنا: إن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وإن الحكمة أيضًا نوعان: حالية، وغائية، الحكم نوعان: شرعي وكوني، مثال الشرعي؟
* طالب: الشرعي؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣].
* الشيخ: لا، ما فيها حكم، قضى، من يعرف؟
* طالب: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨].
* الشيخ: مادة حكم الدالة على الحكيم، والأحكام الشرعية نقول: الواجب والمستحب والمكروه والمحرم والمباح.
* طالب: قوله تعالى في آية الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠].
* الشيخ: صح، ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وكذلك قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] هذا الشرعي اللي ذكرنا، الحكم الكوني مثاله؟
* طالب: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء ١٦].
* الشيخ: لا، هذا الأمر الكوني، نريد الحكم الكوني؟ قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف ٨٠] وأيش بعد؟ ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ حكمًا هذا كونيًّا؛ لأن الحكم الشرعي ما منع من الأرض أن يرجع، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فهمتم؟
الفرق بين الحكم الكوني والشرعي، الحكم الكوني لا بد من أيش؟ من وقوعه، والحكم الشرعي قد ينفذ وقد لا ينفذ، قد يمتثل الإنسان ويقوم بالحكم وقد لا يمتثل، أيضًا الحكم الشرعي يكون إثباته من قبل الشرع، يكون إقراره بما يحبه الله، والكوني بما يحبه وما لا يحبه، هذا بالنسبة للحكيم باعتباره مشتقًّا من؟
* طالب: الحكم.
* الشيخ: وباعتباره مشتقًّا من الحكمة؟ قلنا: إن الحكمة حالية وغائية، فالحالية وجود الشيء على صورة معينة، هذه حكمة، كون الإنسان معتدل القامة، ورأسه على هذه الصفة ويداه، وكذلك رجلاه، وما فيه من خلق الله، هذه حكمة حالية، وكون -مثلًا- الصلاة بهذه الصفة، قيام، ركوع، سجود، وما أشبه، وقعود، والزكاة علي هذه المقادير، وعلى هذه الأوقات، هذا أيضًا حكمة أيش؟ حالية، وكون هذه الأمور لغاية حميدة وجدت لغاية حميدة، هذه حكمة غائية، فإن الله تعالى ما أوجد الأشياء كونًا أو شرعًا إلا لغاية حميدة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة ١٢٩].
مناسبة العزة والحكمة هنا لبعث الرسول ظاهرة جدًّا؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]، شوف ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولّا وللعرب؟ وللمؤمنين، عربًا كانوا أو عجمًا، من كان مؤمنًا بالله عز وجل قائمًا بأمر الله، فإن له العزة، ومن لم يكن كذلك، فإن الله لم يكفل له العزة، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا يجب علينا أن تكون الرابطة بيننا هي رابطة الإيمان فقط؛ لأنه ما يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير إلا بهذه الرابطة وحدها.
* طالب: شيخ، ما فيه حكمة (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيه حكمة (...)، ولكنها مقترنة بالحكمة الغائية؛ لأنه من أجل كذا شرع كذا أو وقع كذا.
قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾.
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية! ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) عندنا أولى وثانية ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: اسم استفهام يراد به النفي؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، فـ(من) هنا اسم استفهام، وهو مبتدأ، وجملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ خبره، جملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ يعني: فعل مضارع خبره، ولا نقول هنا: (من) شرطية، نعم لو كانت الآية: ومن يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه، صارت شرطية، لكن هذه أبلغ، ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ يعني: لا أحد يرغب عن ملة إبراهيم.
وقوله: ﴿يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ﴾ يقال: رغب في كذا، ورغب عن، والفرق؟
* طالب: عدل عنه.
* الشيخ: رغب فيه، أي: طلبه، ورغب عنه؟
* طالب: أي: تركه.
* الشيخ: تركه واجتنبه، هنا ﴿مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: يتركها ولّا يطلبها؟
* الطلبة: يتركها.
* الشيخ: يتركها.
وقوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الملة بمعنى الدين، أي: دين إبراهيم، ودين إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أنه كان حنيفًا مسلمًا لله، ولم يكن من المشركين، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام، الذي هو أبو الأنبياء وأشرفهم بعد رسول الله ﷺ، وجعله الله إمامًا ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠]، وجعل ملته هي الملة الحنيفية القويمة، إذا كان كذلك، هل أحد يرغب عن الملة الحنيفية القويمة؟ نعم، يرغب عنها من سفه نفسه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ﴾، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قيل معناها: جهل نفسه، أي: جهل ما يجب لها وضيعها، وقيل: سفهها: أوقعها في السفه، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أوقعها في السفه، والسفه ضده الرشد، والمعنى الأول السفه ضده؟
* الطلبة: العلم.
* الشيخ: ضده العلم.
ولنا أن نقول: حكمة التعبير بما يحتمل وجهين فيها نكتة عظيمة، وهي: أن تكون ﴿سَفِهَ﴾ صالحة للأمرين: جهل، وكذلك ﴿سَفِهَ﴾ أوقعها في السفه، فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة، وسفيه إن تعمد المخالفة، فالإنسان اللي يرغب عن ملة إبراهيم أوقع نفسه في السفه، ولم يتصرف تصرفًا رشيدًا، ثم إن كان عن علم فهو سفيه.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: القسم المقدر، واللام، وقد؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد، و﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ افتعال من الصفوة، يعني: مشتقة من هذا، أصل المادة هذه من (صفا يصفو)، فمعنى اصطفيناه، أي: اخترناه حتى كان صفوة من الخلق، اصطفاه الله تعالى في الدنيا على كل الأنبياء ما عدا محمدًا ﷺ، وقوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: جعلناه صفيًّا من الخلق، واتخذه الله تعالى خليلًا.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (إنه) هذه (إن) واسمها، و﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ خبر، لكن ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في موضع نصب على الحال: وإنه في حال كونه في الآخرة من الصالحين، في الدنيا اصطفاه الله واختاره، وفي الآخرة يكون من الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم لنفسه ولخلقه، وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: (إن) واللام فقط، وهنا ذكر الله تعالى الاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة، هل هناك نكتة لتغاير الحالين أو لا؟ يبدو لي -والله أعلم- أن هناك نكتة، وهو يقين فيه هناك نكتة، لكن بس ما نعرفها هل نعرفها أو لا؟ ولَّا لا شك أن التعبيرين مختلفان لكن لماذا؟ نلتمس، الدنيا دار شهوات وابتلاء، فلا يصبر عن هذه الشهوات ولا على هذا الابتلاء إلا واحد دون الآخر، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإذا أخلص الإنسان نفسه لله صار صفوة من عباد الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الآخرة ليست هكذا، الآخرة حتى الكفار يؤمنون، ولكن الفرق بين من يكون من الصالح ومن غير الصالح؛ لأنهم هم إذا عرضوا على النار ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام ٣٠]، ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر ٥٠]، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، وهكذا تدل على أنهم يؤمنون لكنهم ليسوا من الصالحين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه أيضًا تابعة للثناء على إبراهيم، شوف لما عظَّم بيت الله كيف أن الله سبحانه وتعالى شكور حليم، أثنى عليه هذا الثناء العظيم، وجعله إمامًا، وبيّن اصطفاءه في الدنيا، وأنه في الآخرة من الصالحين، أيضًا هذه الحال من الثناء عليه، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه يحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿لَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾: ولقد اصطفيناه إذ قال له ربه، ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر إذ قال له ربه، فيكون أمرًا للرسول ﷺ أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم ﷺ عليها.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ قال: سمعًا وطاعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، ما تأنى، ولا تأبى ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إسلام يتضمن التوحيد، توحيد العبادة، ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأسلم إسلامًا كاملًا بدون تردد، وما أكثر الذين قال لهم ربهم: أسلموا، ولكن لم يسلموا، تسع مئة وتسع وتسعون من بني آدم قيل لهم: أسلموا ولم يسلموا؛ لأنهم كلهم من أهل النار، تسع مئة وتسع وتسعون بالألف من بني آدم كلهم في النار، وواحد منهم في الجنة، لكن هذا قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، وهذه صفة حميدة جدًّا استحق أن ينوه بها عنه.
وهي عامة لأصل الإسلام ولفرائع الإسلام، حتى الفروع أسلم فيها، رأى في المنام أنه يذبح ابنه فنفذ؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نفذ، قال الله له: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٤، ١٠٥]، فنفذ مع أنه ابنه وحيده، ما له غيره، أتاه على كبر، وبلغ معه السعي، يعني: بلغ أن يمشي معه، وهذا وقت تعلق الإنسان بابنه؛ لأن الطفل الصغير قد لا تتعلق به النفوس، والكبير قد انعزل وزالت الرغبة فيه، لكن اللي في هذا المستوى هذا هو غاية ما يكون من تعلق القلب به، فرأى في منامه أنه يذبحه فنفذ، إلا أنه أراد أن يختبر ابنه؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]، وذكر الله القصة.
* طالب: قوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ ما ذكر الرسول ولا الأنبياء قبله؟
* الشيخ: إي؛ لأن السياق في إبراهيم، ذكر ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص ٤٧]، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران ٤٢]، لكن هنا السياق في الثناء على إبراهيم.
* طالب: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...)؟
* الشيخ: لأن الرب لا بد أن يكون كاملًا، الرب اللي ربوبيته عامة للعالمين كلها لا بد أن يكون كاملًا، وإلا ما صح أن يكون ربًّا للعالمين.
* طالب: شيخ، وأيش وجه يعني الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الرسول ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل ١٢٣]، وفي الحديث: «إِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ»[[مسلم (٨٦٧ / ٤٣)، وأبو يعلى (٢١١٩) من حديث جابر، واللفظ له.]]؟
* الشيخ: نعم، أحسنت، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام متضمن لهدي إبراهيم وزيادة؛ لأن هدي إبراهيم هو الإخلاص والتوحيد عمومًا، لكن فرائع الإسلام تختلف؛ لأن الله يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، في الأصل التوحيد والإخلاص ملة إبراهيم هي الملة المقتدى بها، لكن فروع الإسلام كملت بالشريعة التي كان عليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلهذا كان خير الهدي هدي محمد ﷺ.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَوْصَى بِهَا﴾ .
* طالب: شيخ، ما نوع قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ هل هو وحي أم إلهام؟
* الشيخ: الأصل إذا قال: ﴿إِذْ قَالَ﴾ القول: الوحي، كلمه.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ فيها قراءة: ﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، أما (إبراهيم) في الموضع الأول والثاني ففيها القراءة التي ذكرناها لكم من قبل وهي: ﴿ إِبْرَاهَام﴾ ، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهَامَ﴾ وتقول: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾..
* طالب: في كل القرآن؟
* الشيخ: لا، ما في كل القرآن، ولكن في السورة هذه في أكثر القرآن، في بعض المواضع القليلة ما فيها (إبراهام).
* طالب: شيخ، زاد حرف؟
* الشيخ: وهو؟
* طالب: الألف.
* الشيخ: ونقص حرف، زاد حرفًا ونقص حرف، فين النقص؟
* طالب: تضعيف.
* الشيخ: تضعيف، إي نعم، ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ ﴿وَأَوْصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ، وهذه في الحقيقة ما تنطبق على الشروط الثلاثة في القراءة، وأيش الشروط الثلاثة في القراءة؟ أمليناها عليكم في بيتين؟ شروط القراءات؟
* طالب: قوله:
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ * الشيخ: هذه الآن ؎فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ الآن ﴿وَصَّى بِهَا﴾ و﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، يحوي (...)؟
* طالب: ما يحوي.
* الشيخ: ما يحوي؟ إذن الأركان اللي ذكر بناء على الأغلب، وقد مر علينا سقوط حرف عطف حرف له معنى ما هو مثل هذا، هذا حرف ما له معنى، الهمزة والتضعيف ما لهم معنى، لكن مر علينا فيما سبق سقوط حرف معنوي، وأيش هي؟
* طالب: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾، وين هي؟
* الطالب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة ١١٦].
* الشيخ: صح، وقراءة؟
* الطالب: ﴿قَالُوا﴾ .
* الشيخ: وقراءة ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ (بها) الضمير يعود على هذه الكلمة العظيمة، وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الملة، وصى بهذه الملة، والمعنى واحد، يعني: ملة إبراهيم هي ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾، والتوصية: العهد المؤكد في الأمر الهام، ولَّا لا؟ وأيش التوصية؟
* طالب: التوصية العهد في الأمر الهام.
* الشيخ: العهد المؤكد في الأمر الهام.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ ﴿بَنِيهِ﴾ وأيش محله من الإعراب؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول ﴿وَصَّى﴾؛ ولهذا نصبت بالياء؛ لأنها؟
* الطلبة: ملحق بجمع المذكر السالم.
* الشيخ: ملحق بجمع المذكر السالم.
قال: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ معطوفة على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما ذكر إسحاق؛ لأن إسحاق موصى، مين اللي موصيه؟ إبراهيم، ثم عاد يعقوب اللي هو حفيد إبراهيم ابن ابنه، وصى بها بنيه، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب، وسمي يعقوب لأنه عقب إسحاق، هذا إذا قلنا: إنه مشتق، أما إذا قلنا: إنه اسم جامد، فإنه لا حاجة إلى أن نعلل هذا التعليل، نقول: يعقوب اسم جامد ولا هو مشتق.
وقوله: ﴿يَعْقُوبُ﴾ مَن أشهر أولاد يعقوب؟ يوسف، يعقوب قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾، ولّا (يا بُنَيَّ)؟
* الطلبة: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
* الشيخ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾، وأيش الفرق بين (يا بَني) (يا بُني)؟
* الطلبة: (بَني) جمع.
* الشيخ: (بَني) جمع، (بُني) واحد مصغر، (يا بَني) جمع أين النون التي هي عوض عن التنوين في الاسم المفرد؟
* طالب: راحت.
* الشيخ: وين؟
* طالب: لأنها منادى.
* الشيخ: ولو كانت منادى تقول: يا بَنون، نادِ، تقول: يا بنون؟
* طالب: المنادى مضاف، حذفت النون للإضافة.
* الشيخ: حذفت النون للإضافة، تقول: هؤلاء مسلمو مكة، وقاتل النبي ﷺ مشركي مكة، فهمتم؟ فالنون تحذف للإضافة مثل ما إن التنوين يحذف للإضافة، تقول: اشتريت كتابًا، وتقول: اشتريت كتاب النحو، (كتاب) بدون تنوين.
* طالب: مضافة إلى ياء المتكلم؟
* الشيخ: إلى ياء المتكلم، إي نعم.
﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ شوف قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾؛ لأجل الترقيق والقبول، قبول الدعوة، هذا من باب الرقة لأجل أن يقبلوا الدعوة، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ اصطفاه: اختاره، و﴿لَكُمُ﴾: لأجلكم، ﴿اصْطَفَى لَكُمُ﴾ لأجلكم، ﴿الدِّينَ﴾ ما هو الدين؟ الدين هو العبادة والعمل، ويطلق على الجزاء، ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] وأيش المراد بالدين؟
* طالب: الجزاء.
* الشيخ: الجزاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؟ العبادة، فالدين يطلق على هذا وهذا، على العمل والجزاء عليه، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني: كما تعمل تجازى.
* طالب: إعراب ﴿لَكُمُ﴾؟
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بـ﴿اصْطَفَى﴾.
* طالب: في محل نصب مفعول لأجله؟
* الشيخ: لا، اللام للتعليل بس.
* الطالب: ما يسمى مفعول لأجله؟
* الشيخ: لا، ما يسمى مفعول لأجله.
﴿لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ الفاء للتفريع، أي: فعلى هذا الاختيار تمسكوا بهذا الدين، و﴿لَا تَمُوتُنَّ﴾ (لا) هذه ناهية، ومعروف أن (لا) الناهية تجزم الفعل، وهنا ﴿تَمُوتُنَّ﴾ وأيش آخر الفعل؟ التاء، ما جزم؟
* طالب: مجزوم بحذف النون.
* الشيخ: هذا من الأفعال الخمسة، فهو مجزوم بحذف النون، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ والنون هنا اللي فيها للتوكيد، وأصلها: تموتونَنَّ، فحذفت النون للجزم وصارت: فلا تموتون، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، الواو اللي هي الضمير، لالتقاء الساكنين؛ لأن النون المشددة أولها ساكن، والواو ساكنة، فتحذف الواو، قال ابن مالك:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًــــــــا فَحَذْفَــــــــــــــهُاسْتَحَقْ قال الله تعالى في بقية دعاء إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.
من فوائد الآية: ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراهيم وإسماعيل، دعوا الله سبحانه وتعالى أن يبعث فيهم الرسول.
ومن فوائدها أيضًا: أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته؛ لأنهم يعرفونه، كما قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ٢]، تأمل قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾؛ حيث أضافه إليهم، يعني: صاحبكم الذي تعرفونه، وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، ما ضل وما غوى، هذه الفائدة تؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الله تعالى فيه من الخير أنه يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تتضمن ذكر آيات الله الكونية والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوة ومعنًى، وتتضمن أيضًا الحكمة، وهي: معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
من فوائدها إذن: أن هذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي ﷺ لهذه المعاني الجليلة مما يدل على كمال شريعته.
ومنها: إثبات العزة والحكمة لله في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
ومنها: إثبات هذين الاسمين لله، الاسمين: العزيز والحكيم، وقد سبق لنا معنى العزة ومعنى الحكمة في التفسير.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
ومن فوائدها أيضًا: أن مخالفة هذه الملة سفه، مهما كان الإنسان حليمًا في قومه، فإنه يعتبر سفيهًا إذا لم يلتزم بشريعة الله.
ومنها: فضيلة إبراهيم؛ حيث اصطفاه الله تعالى واختاره على العالمين؛ لقوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.
ومنها: إثبات الآخرة؛ لقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾.
ومنها: أن الصلاح وصف للأنبياء ومَن دونهم، فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبعو الرسول بأنهم صالحون؛ ولهذا كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحيون الرسول ﷺ ليلة المعراج بقولهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]، فوصفوه بالصلاح..
* طالب: العطف تغاير (...)؟
* الشيخ: ما يقبل التغاير، تغاير الصفات يمكن تجتمع الصفات في الواحد، التغاير في الصفات ما هو تغاير في الأشخاص.
ومنها أيضًا -من فوائد الآية-: أن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أفضل الملل، وهي التوحيد الحنيفية السمحة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧].
ومنها: أن هؤلاء المخالفين للرسل سفهاء، كما وصفهم الله بقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، فهم وإن كانوا أذكياء وعندهم علم بالصناعة وبالسياسة، فإنهم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* طالب: شيخ، تخصيص اتباع إبراهيم رغم أن فيه أنبياء قبله نفس الدعوة؟
* الشيخ: إي نعم، تخصيصه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء بالنسبة لبني إسرائيل وللعرب؛ إذ إن جميع الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، كانوا من ذرية إبراهيم؛ فلذلك خص بهذا؛ ولهذا يقال: إن الخلق لهم آباء ثلاثة: آدم، ونوح، وإبراهيم، إلا أن إبراهيم كان أبًا للعرب والإسرائيليين فقط.
* طالب: شيخ، مدح النبي ﷺ في وجهه؟
* الشيخ: في وجهه؟
* طالب: في وجهه، يعني: في حضوره، ما يكون هذا خارجًا عن عموم الحديث؟
* الشيخ: أي حديث؟
* الطالب: حديث: «إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ؛ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.]]، والنهي عن التمادح؟
* الشيخ: هذا سؤال ليس بهذا الدرس.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: على كل حال، الرسول إنما نهى عن المدح إذا كان يخشى منه؛ ولهذا قال: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠ / ٦٥) واللفظ له، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]]، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التَّرَابَ»[[أخرجه مسلم (٣٠٠٢ / ٦٩)، من حديث المقداد رضي الله عنه.]]، أما إذا لم يخش منه فلا بأس، فهذا كعب بن زهير مدح النبي عليه الصلاة والسلام في حديث: بانت سعاد[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣ / ٥٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ٢٤٣)، من حديث عقبة بن كعب رضي الله عنه.]] مدحًا عظيمًا والرسول يسمع، وكذلك حسان بن ثابت وغيره من الشعراء كانوا يمدحون النبي ﷺ؛ لأنه أهل لذلك؛ ولأنه لا يخشى منه.
* طالب: وإذا ادعى واحد من الناس يقول: أنا لا يخشى علي؟
* الشيخ: إذا ادعى نقول: الآن يخشى عليك، ما دام زكيت نفسك، فالآن فيك البلاء.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ فيه فرق بين التعليم والتلاوة؟
* الشيخ: إي نعم، الفرق التعليم يشمل التعليم اللفظ والمعنى، والتلاوة وإن لم يعلمهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالمعنى أو يدرسهم تدريسًا؛ لأن التعليم أخص، الآن عندما أقرأ أنا القرآن أتلو عليك، وليس هذا تعليمًا، لكن عندما أهجيك على حرف حرف وكلمة كلمة، هذا التعليم.
* طالب: (...) ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾؟
* الشيخ: المراد بالكتاب القرآن.
* طالب: والآيات؟
* الشيخ: الآيات الأولى ما يخص بالآيات الدالة على الله.
قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الآية يستفاد منها: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث لم يتوان ولم يستكبر، لم يستكبر؛ لأنه قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، لم يتوان؛ لأنه قال ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿قَالَ﴾، فكان هذا معقبًا لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: إثبات ربوبية الله تعالى العامة لكل أحد؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سموا عالمين؛ حيث إنهم علم على خالقهم سبحانه وتعالى.
ومنها: المناسبة بين قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ و﴿رَبّ﴾، كأن هذا علة لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يسلم له، الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقرونًا بالربوبية.
ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
من هذه الآية يستفاد:
أولًا: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها من؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم ويعقوب، فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين، ويعقوب أبو؟
* طالب: الإسرائيليين.
* الشيخ: الإسرائيليين، فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها؛ حيث جعلاها مما يوصى بها.
ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداء بمن؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: بإبراهيم ويعقوب.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى اختار لعباده من الدين ما هو أقوم لمصالحهم؛ لقوله: ﴿اصْطَفَى لَكُمُ﴾ أي: اختار، فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله تعالى لعباده.
ومنها: أنه ينبغي التلطف بالخطاب، من أين نأخذ؟
* طالب: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
* الشيخ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم.
ومنها أيضًا: أنه يجب على المرء أن يعاهد نفسه دائمًا حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ما يكفي أن الإنسان يسلم في أول حياته أو في وسط حياته، لا بد أن يستمر إلى أن يموت، إلى أن يلقى الله تعالى وهو على الإسلام.
* طالب: قوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ هذا قول يعقوب ولَّا؟
* الشيخ: كلهم يقول، الوصية من الاثنين.
* الطالب: قال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾؟
* الشيخ: إبراهيم قال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ويعقوب كذلك قالها.
* طالب: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ الضمير يعود على أي شيء؟
* الشيخ: قيل: إنه يعود على الملة، وقيل: يعود على قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* طالب: أي يوصيهم بأن يقولوا: أسلمنا؟
* الشيخ: إي نعم، يقولون بألسنتهم وقلوبهم.
البقرة 2:132
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ينمي أخلاقهم، والتزكية: التنمية والتطهير، ينمي أخلاقهم ويطهرها من كل رذيلة، وهكذا كانت شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام تنمية الأخلاق الفاضلة، وتطهير من كل رذيلة، فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير، كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه، فإن الإسلام يأمر به، وهذه تزكية، وينهى عن ضد ذلك: ينهى عن الإثم، وعن القطيعة، وعن العدوان، وعن العقوق، وعن الكذب، وعن الغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، هذه تزكية.
تدرون الناس قبل الإسلام كيف حالهم؟ حالهم بالنسبة للعبادة لا تسأل: شرك، كفر، بالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تسأل أيضًا عن حالهم: القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة، يغير بعضهم على بعض، يتعايرون بالأنساب، يدعون بدعوى الجاهلية إلى آخره، جاء الإسلام هدم كل هذا، ومن تدبر التاريخ قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبعده، قبل بعثه وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة وحالهم بعدها، وظهر له معنى قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ نقول فيها هنا ما قلنا في إعراب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ونجعل ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل، ومحله؟
* طالب: لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: لا محل له من الإعراب، ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر (إن)، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثانٍ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿إِنَّكَ﴾ الكاف اسم (إن)، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبرها، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر آخر، وقد سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أظن؟ ﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه ذو العزة، والعزة بمعنى القوة والغلبة، فهو سبحانه وتعالى ذو قوة وذو غلبة، لا يغلبه شيء ولا يعجزه شيء، و﴿الْحَكِيمُ﴾ تقدم أنها مشتقة من؟
* طالب: الحكمة.
* الشيخ: من الحُكْم والحِكْمة، منهما جميعًا، وقلنا: إن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وإن الحكمة أيضًا نوعان: حالية، وغائية، الحكم نوعان: شرعي وكوني، مثال الشرعي؟
* طالب: الشرعي؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣].
* الشيخ: لا، ما فيها حكم، قضى، من يعرف؟
* طالب: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨].
* الشيخ: مادة حكم الدالة على الحكيم، والأحكام الشرعية نقول: الواجب والمستحب والمكروه والمحرم والمباح.
* طالب: قوله تعالى في آية الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠].
* الشيخ: صح، ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وكذلك قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] هذا الشرعي اللي ذكرنا، الحكم الكوني مثاله؟
* طالب: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء ١٦].
* الشيخ: لا، هذا الأمر الكوني، نريد الحكم الكوني؟ قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف ٨٠] وأيش بعد؟ ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ حكمًا هذا كونيًّا؛ لأن الحكم الشرعي ما منع من الأرض أن يرجع، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فهمتم؟
الفرق بين الحكم الكوني والشرعي، الحكم الكوني لا بد من أيش؟ من وقوعه، والحكم الشرعي قد ينفذ وقد لا ينفذ، قد يمتثل الإنسان ويقوم بالحكم وقد لا يمتثل، أيضًا الحكم الشرعي يكون إثباته من قبل الشرع، يكون إقراره بما يحبه الله، والكوني بما يحبه وما لا يحبه، هذا بالنسبة للحكيم باعتباره مشتقًّا من؟
* طالب: الحكم.
* الشيخ: وباعتباره مشتقًّا من الحكمة؟ قلنا: إن الحكمة حالية وغائية، فالحالية وجود الشيء على صورة معينة، هذه حكمة، كون الإنسان معتدل القامة، ورأسه على هذه الصفة ويداه، وكذلك رجلاه، وما فيه من خلق الله، هذه حكمة حالية، وكون -مثلًا- الصلاة بهذه الصفة، قيام، ركوع، سجود، وما أشبه، وقعود، والزكاة علي هذه المقادير، وعلى هذه الأوقات، هذا أيضًا حكمة أيش؟ حالية، وكون هذه الأمور لغاية حميدة وجدت لغاية حميدة، هذه حكمة غائية، فإن الله تعالى ما أوجد الأشياء كونًا أو شرعًا إلا لغاية حميدة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة ١٢٩].
مناسبة العزة والحكمة هنا لبعث الرسول ظاهرة جدًّا؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]، شوف ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولّا وللعرب؟ وللمؤمنين، عربًا كانوا أو عجمًا، من كان مؤمنًا بالله عز وجل قائمًا بأمر الله، فإن له العزة، ومن لم يكن كذلك، فإن الله لم يكفل له العزة، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا يجب علينا أن تكون الرابطة بيننا هي رابطة الإيمان فقط؛ لأنه ما يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير إلا بهذه الرابطة وحدها.
* طالب: شيخ، ما فيه حكمة (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيه حكمة (...)، ولكنها مقترنة بالحكمة الغائية؛ لأنه من أجل كذا شرع كذا أو وقع كذا.
قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾.
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية! ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) عندنا أولى وثانية ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: اسم استفهام يراد به النفي؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، فـ(من) هنا اسم استفهام، وهو مبتدأ، وجملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ خبره، جملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ يعني: فعل مضارع خبره، ولا نقول هنا: (من) شرطية، نعم لو كانت الآية: ومن يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه، صارت شرطية، لكن هذه أبلغ، ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ يعني: لا أحد يرغب عن ملة إبراهيم.
وقوله: ﴿يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ﴾ يقال: رغب في كذا، ورغب عن، والفرق؟
* طالب: عدل عنه.
* الشيخ: رغب فيه، أي: طلبه، ورغب عنه؟
* طالب: أي: تركه.
* الشيخ: تركه واجتنبه، هنا ﴿مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: يتركها ولّا يطلبها؟
* الطلبة: يتركها.
* الشيخ: يتركها.
وقوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الملة بمعنى الدين، أي: دين إبراهيم، ودين إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أنه كان حنيفًا مسلمًا لله، ولم يكن من المشركين، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام، الذي هو أبو الأنبياء وأشرفهم بعد رسول الله ﷺ، وجعله الله إمامًا ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠]، وجعل ملته هي الملة الحنيفية القويمة، إذا كان كذلك، هل أحد يرغب عن الملة الحنيفية القويمة؟ نعم، يرغب عنها من سفه نفسه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ﴾، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قيل معناها: جهل نفسه، أي: جهل ما يجب لها وضيعها، وقيل: سفهها: أوقعها في السفه، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أوقعها في السفه، والسفه ضده الرشد، والمعنى الأول السفه ضده؟
* الطلبة: العلم.
* الشيخ: ضده العلم.
ولنا أن نقول: حكمة التعبير بما يحتمل وجهين فيها نكتة عظيمة، وهي: أن تكون ﴿سَفِهَ﴾ صالحة للأمرين: جهل، وكذلك ﴿سَفِهَ﴾ أوقعها في السفه، فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة، وسفيه إن تعمد المخالفة، فالإنسان اللي يرغب عن ملة إبراهيم أوقع نفسه في السفه، ولم يتصرف تصرفًا رشيدًا، ثم إن كان عن علم فهو سفيه.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: القسم المقدر، واللام، وقد؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد، و﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ افتعال من الصفوة، يعني: مشتقة من هذا، أصل المادة هذه من (صفا يصفو)، فمعنى اصطفيناه، أي: اخترناه حتى كان صفوة من الخلق، اصطفاه الله تعالى في الدنيا على كل الأنبياء ما عدا محمدًا ﷺ، وقوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: جعلناه صفيًّا من الخلق، واتخذه الله تعالى خليلًا.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (إنه) هذه (إن) واسمها، و﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ خبر، لكن ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في موضع نصب على الحال: وإنه في حال كونه في الآخرة من الصالحين، في الدنيا اصطفاه الله واختاره، وفي الآخرة يكون من الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم لنفسه ولخلقه، وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: (إن) واللام فقط، وهنا ذكر الله تعالى الاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة، هل هناك نكتة لتغاير الحالين أو لا؟ يبدو لي -والله أعلم- أن هناك نكتة، وهو يقين فيه هناك نكتة، لكن بس ما نعرفها هل نعرفها أو لا؟ ولَّا لا شك أن التعبيرين مختلفان لكن لماذا؟ نلتمس، الدنيا دار شهوات وابتلاء، فلا يصبر عن هذه الشهوات ولا على هذا الابتلاء إلا واحد دون الآخر، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإذا أخلص الإنسان نفسه لله صار صفوة من عباد الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الآخرة ليست هكذا، الآخرة حتى الكفار يؤمنون، ولكن الفرق بين من يكون من الصالح ومن غير الصالح؛ لأنهم هم إذا عرضوا على النار ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام ٣٠]، ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر ٥٠]، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، وهكذا تدل على أنهم يؤمنون لكنهم ليسوا من الصالحين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه أيضًا تابعة للثناء على إبراهيم، شوف لما عظَّم بيت الله كيف أن الله سبحانه وتعالى شكور حليم، أثنى عليه هذا الثناء العظيم، وجعله إمامًا، وبيّن اصطفاءه في الدنيا، وأنه في الآخرة من الصالحين، أيضًا هذه الحال من الثناء عليه، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه يحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿لَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾: ولقد اصطفيناه إذ قال له ربه، ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر إذ قال له ربه، فيكون أمرًا للرسول ﷺ أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم ﷺ عليها.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ قال: سمعًا وطاعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، ما تأنى، ولا تأبى ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إسلام يتضمن التوحيد، توحيد العبادة، ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأسلم إسلامًا كاملًا بدون تردد، وما أكثر الذين قال لهم ربهم: أسلموا، ولكن لم يسلموا، تسع مئة وتسع وتسعون من بني آدم قيل لهم: أسلموا ولم يسلموا؛ لأنهم كلهم من أهل النار، تسع مئة وتسع وتسعون بالألف من بني آدم كلهم في النار، وواحد منهم في الجنة، لكن هذا قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، وهذه صفة حميدة جدًّا استحق أن ينوه بها عنه.
وهي عامة لأصل الإسلام ولفرائع الإسلام، حتى الفروع أسلم فيها، رأى في المنام أنه يذبح ابنه فنفذ؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نفذ، قال الله له: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٤، ١٠٥]، فنفذ مع أنه ابنه وحيده، ما له غيره، أتاه على كبر، وبلغ معه السعي، يعني: بلغ أن يمشي معه، وهذا وقت تعلق الإنسان بابنه؛ لأن الطفل الصغير قد لا تتعلق به النفوس، والكبير قد انعزل وزالت الرغبة فيه، لكن اللي في هذا المستوى هذا هو غاية ما يكون من تعلق القلب به، فرأى في منامه أنه يذبحه فنفذ، إلا أنه أراد أن يختبر ابنه؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]، وذكر الله القصة.
* طالب: قوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ ما ذكر الرسول ولا الأنبياء قبله؟
* الشيخ: إي؛ لأن السياق في إبراهيم، ذكر ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص ٤٧]، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران ٤٢]، لكن هنا السياق في الثناء على إبراهيم.
* طالب: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...)؟
* الشيخ: لأن الرب لا بد أن يكون كاملًا، الرب اللي ربوبيته عامة للعالمين كلها لا بد أن يكون كاملًا، وإلا ما صح أن يكون ربًّا للعالمين.
* طالب: شيخ، وأيش وجه يعني الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الرسول ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل ١٢٣]، وفي الحديث: «إِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ»[[مسلم (٨٦٧ / ٤٣)، وأبو يعلى (٢١١٩) من حديث جابر، واللفظ له.]]؟
* الشيخ: نعم، أحسنت، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام متضمن لهدي إبراهيم وزيادة؛ لأن هدي إبراهيم هو الإخلاص والتوحيد عمومًا، لكن فرائع الإسلام تختلف؛ لأن الله يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، في الأصل التوحيد والإخلاص ملة إبراهيم هي الملة المقتدى بها، لكن فروع الإسلام كملت بالشريعة التي كان عليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلهذا كان خير الهدي هدي محمد ﷺ.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَوْصَى بِهَا﴾ .
* طالب: شيخ، ما نوع قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ هل هو وحي أم إلهام؟
* الشيخ: الأصل إذا قال: ﴿إِذْ قَالَ﴾ القول: الوحي، كلمه.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ فيها قراءة: ﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، أما (إبراهيم) في الموضع الأول والثاني ففيها القراءة التي ذكرناها لكم من قبل وهي: ﴿ إِبْرَاهَام﴾ ، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهَامَ﴾ وتقول: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾..
* طالب: في كل القرآن؟
* الشيخ: لا، ما في كل القرآن، ولكن في السورة هذه في أكثر القرآن، في بعض المواضع القليلة ما فيها (إبراهام).
* طالب: شيخ، زاد حرف؟
* الشيخ: وهو؟
* طالب: الألف.
* الشيخ: ونقص حرف، زاد حرفًا ونقص حرف، فين النقص؟
* طالب: تضعيف.
* الشيخ: تضعيف، إي نعم، ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ ﴿وَأَوْصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ، وهذه في الحقيقة ما تنطبق على الشروط الثلاثة في القراءة، وأيش الشروط الثلاثة في القراءة؟ أمليناها عليكم في بيتين؟ شروط القراءات؟
* طالب: قوله:
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ * الشيخ: هذه الآن ؎فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ الآن ﴿وَصَّى بِهَا﴾ و﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، يحوي (...)؟
* طالب: ما يحوي.
* الشيخ: ما يحوي؟ إذن الأركان اللي ذكر بناء على الأغلب، وقد مر علينا سقوط حرف عطف حرف له معنى ما هو مثل هذا، هذا حرف ما له معنى، الهمزة والتضعيف ما لهم معنى، لكن مر علينا فيما سبق سقوط حرف معنوي، وأيش هي؟
* طالب: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾، وين هي؟
* الطالب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة ١١٦].
* الشيخ: صح، وقراءة؟
* الطالب: ﴿قَالُوا﴾ .
* الشيخ: وقراءة ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ (بها) الضمير يعود على هذه الكلمة العظيمة، وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الملة، وصى بهذه الملة، والمعنى واحد، يعني: ملة إبراهيم هي ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾، والتوصية: العهد المؤكد في الأمر الهام، ولَّا لا؟ وأيش التوصية؟
* طالب: التوصية العهد في الأمر الهام.
* الشيخ: العهد المؤكد في الأمر الهام.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ ﴿بَنِيهِ﴾ وأيش محله من الإعراب؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول ﴿وَصَّى﴾؛ ولهذا نصبت بالياء؛ لأنها؟
* الطلبة: ملحق بجمع المذكر السالم.
* الشيخ: ملحق بجمع المذكر السالم.
قال: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ معطوفة على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما ذكر إسحاق؛ لأن إسحاق موصى، مين اللي موصيه؟ إبراهيم، ثم عاد يعقوب اللي هو حفيد إبراهيم ابن ابنه، وصى بها بنيه، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب، وسمي يعقوب لأنه عقب إسحاق، هذا إذا قلنا: إنه مشتق، أما إذا قلنا: إنه اسم جامد، فإنه لا حاجة إلى أن نعلل هذا التعليل، نقول: يعقوب اسم جامد ولا هو مشتق.
وقوله: ﴿يَعْقُوبُ﴾ مَن أشهر أولاد يعقوب؟ يوسف، يعقوب قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾، ولّا (يا بُنَيَّ)؟
* الطلبة: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
* الشيخ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾، وأيش الفرق بين (يا بَني) (يا بُني)؟
* الطلبة: (بَني) جمع.
* الشيخ: (بَني) جمع، (بُني) واحد مصغر، (يا بَني) جمع أين النون التي هي عوض عن التنوين في الاسم المفرد؟
* طالب: راحت.
* الشيخ: وين؟
* طالب: لأنها منادى.
* الشيخ: ولو كانت منادى تقول: يا بَنون، نادِ، تقول: يا بنون؟
* طالب: المنادى مضاف، حذفت النون للإضافة.
* الشيخ: حذفت النون للإضافة، تقول: هؤلاء مسلمو مكة، وقاتل النبي ﷺ مشركي مكة، فهمتم؟ فالنون تحذف للإضافة مثل ما إن التنوين يحذف للإضافة، تقول: اشتريت كتابًا، وتقول: اشتريت كتاب النحو، (كتاب) بدون تنوين.
* طالب: مضافة إلى ياء المتكلم؟
* الشيخ: إلى ياء المتكلم، إي نعم.
﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ شوف قال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾؛ لأجل الترقيق والقبول، قبول الدعوة، هذا من باب الرقة لأجل أن يقبلوا الدعوة، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ اصطفاه: اختاره، و﴿لَكُمُ﴾: لأجلكم، ﴿اصْطَفَى لَكُمُ﴾ لأجلكم، ﴿الدِّينَ﴾ ما هو الدين؟ الدين هو العبادة والعمل، ويطلق على الجزاء، ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] وأيش المراد بالدين؟
* طالب: الجزاء.
* الشيخ: الجزاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؟ العبادة، فالدين يطلق على هذا وهذا، على العمل والجزاء عليه، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني: كما تعمل تجازى.
* طالب: إعراب ﴿لَكُمُ﴾؟
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بـ﴿اصْطَفَى﴾.
* طالب: في محل نصب مفعول لأجله؟
* الشيخ: لا، اللام للتعليل بس.
* الطالب: ما يسمى مفعول لأجله؟
* الشيخ: لا، ما يسمى مفعول لأجله.
﴿لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ الفاء للتفريع، أي: فعلى هذا الاختيار تمسكوا بهذا الدين، و﴿لَا تَمُوتُنَّ﴾ (لا) هذه ناهية، ومعروف أن (لا) الناهية تجزم الفعل، وهنا ﴿تَمُوتُنَّ﴾ وأيش آخر الفعل؟ التاء، ما جزم؟
* طالب: مجزوم بحذف النون.
* الشيخ: هذا من الأفعال الخمسة، فهو مجزوم بحذف النون، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ والنون هنا اللي فيها للتوكيد، وأصلها: تموتونَنَّ، فحذفت النون للجزم وصارت: فلا تموتون، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، الواو اللي هي الضمير، لالتقاء الساكنين؛ لأن النون المشددة أولها ساكن، والواو ساكنة، فتحذف الواو، قال ابن مالك:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًــــــــا فَحَذْفَــــــــــــــهُاسْتَحَقْ قال الله تعالى في بقية دعاء إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.
من فوائد الآية: ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراهيم وإسماعيل، دعوا الله سبحانه وتعالى أن يبعث فيهم الرسول.
ومن فوائدها أيضًا: أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته؛ لأنهم يعرفونه، كما قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ٢]، تأمل قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾؛ حيث أضافه إليهم، يعني: صاحبكم الذي تعرفونه، وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، ما ضل وما غوى، هذه الفائدة تؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الله تعالى فيه من الخير أنه يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تتضمن ذكر آيات الله الكونية والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوة ومعنًى، وتتضمن أيضًا الحكمة، وهي: معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
من فوائدها إذن: أن هذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي ﷺ لهذه المعاني الجليلة مما يدل على كمال شريعته.
ومنها: إثبات العزة والحكمة لله في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
ومنها: إثبات هذين الاسمين لله، الاسمين: العزيز والحكيم، وقد سبق لنا معنى العزة ومعنى الحكمة في التفسير.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
ومن فوائدها أيضًا: أن مخالفة هذه الملة سفه، مهما كان الإنسان حليمًا في قومه، فإنه يعتبر سفيهًا إذا لم يلتزم بشريعة الله.
ومنها: فضيلة إبراهيم؛ حيث اصطفاه الله تعالى واختاره على العالمين؛ لقوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.
ومنها: إثبات الآخرة؛ لقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾.
ومنها: أن الصلاح وصف للأنبياء ومَن دونهم، فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبعو الرسول بأنهم صالحون؛ ولهذا كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحيون الرسول ﷺ ليلة المعراج بقولهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]، فوصفوه بالصلاح..
* طالب: العطف تغاير (...)؟
* الشيخ: ما يقبل التغاير، تغاير الصفات يمكن تجتمع الصفات في الواحد، التغاير في الصفات ما هو تغاير في الأشخاص.
ومنها أيضًا -من فوائد الآية-: أن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أفضل الملل، وهي التوحيد الحنيفية السمحة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧].
ومنها: أن هؤلاء المخالفين للرسل سفهاء، كما وصفهم الله بقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، فهم وإن كانوا أذكياء وعندهم علم بالصناعة وبالسياسة، فإنهم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* طالب: شيخ، تخصيص اتباع إبراهيم رغم أن فيه أنبياء قبله نفس الدعوة؟
* الشيخ: إي نعم، تخصيصه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء بالنسبة لبني إسرائيل وللعرب؛ إذ إن جميع الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، كانوا من ذرية إبراهيم؛ فلذلك خص بهذا؛ ولهذا يقال: إن الخلق لهم آباء ثلاثة: آدم، ونوح، وإبراهيم، إلا أن إبراهيم كان أبًا للعرب والإسرائيليين فقط.
* طالب: شيخ، مدح النبي ﷺ في وجهه؟
* الشيخ: في وجهه؟
* طالب: في وجهه، يعني: في حضوره، ما يكون هذا خارجًا عن عموم الحديث؟
* الشيخ: أي حديث؟
* الطالب: حديث: «إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ؛ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.]]، والنهي عن التمادح؟
* الشيخ: هذا سؤال ليس بهذا الدرس.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: على كل حال، الرسول إنما نهى عن المدح إذا كان يخشى منه؛ ولهذا قال: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠ / ٦٥) واللفظ له، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]]، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التَّرَابَ»[[أخرجه مسلم (٣٠٠٢ / ٦٩)، من حديث المقداد رضي الله عنه.]]، أما إذا لم يخش منه فلا بأس، فهذا كعب بن زهير مدح النبي عليه الصلاة والسلام في حديث: بانت سعاد[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣ / ٥٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ٢٤٣)، من حديث عقبة بن كعب رضي الله عنه.]] مدحًا عظيمًا والرسول يسمع، وكذلك حسان بن ثابت وغيره من الشعراء كانوا يمدحون النبي ﷺ؛ لأنه أهل لذلك؛ ولأنه لا يخشى منه.
* طالب: وإذا ادعى واحد من الناس يقول: أنا لا يخشى علي؟
* الشيخ: إذا ادعى نقول: الآن يخشى عليك، ما دام زكيت نفسك، فالآن فيك البلاء.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ فيه فرق بين التعليم والتلاوة؟
* الشيخ: إي نعم، الفرق التعليم يشمل التعليم اللفظ والمعنى، والتلاوة وإن لم يعلمهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالمعنى أو يدرسهم تدريسًا؛ لأن التعليم أخص، الآن عندما أقرأ أنا القرآن أتلو عليك، وليس هذا تعليمًا، لكن عندما أهجيك على حرف حرف وكلمة كلمة، هذا التعليم.
* طالب: (...) ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾؟
* الشيخ: المراد بالكتاب القرآن.
* طالب: والآيات؟
* الشيخ: الآيات الأولى ما يخص بالآيات الدالة على الله.
قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الآية يستفاد منها: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث لم يتوان ولم يستكبر، لم يستكبر؛ لأنه قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، لم يتوان؛ لأنه قال ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿قَالَ﴾، فكان هذا معقبًا لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: إثبات ربوبية الله تعالى العامة لكل أحد؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سموا عالمين؛ حيث إنهم علم على خالقهم سبحانه وتعالى.
ومنها: المناسبة بين قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ و﴿رَبّ﴾، كأن هذا علة لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يسلم له، الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقرونًا بالربوبية.
ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
من هذه الآية يستفاد:
أولًا: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها من؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم ويعقوب، فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين، ويعقوب أبو؟
* طالب: الإسرائيليين.
* الشيخ: الإسرائيليين، فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها؛ حيث جعلاها مما يوصى بها.
ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداء بمن؟
* طالب: إبراهيم.
* الشيخ: بإبراهيم ويعقوب.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى اختار لعباده من الدين ما هو أقوم لمصالحهم؛ لقوله: ﴿اصْطَفَى لَكُمُ﴾ أي: اختار، فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله تعالى لعباده.
ومنها: أنه ينبغي التلطف بالخطاب، من أين نأخذ؟
* طالب: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
* الشيخ: ﴿يَا بَنِيَّ﴾؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم.
ومنها أيضًا: أنه يجب على المرء أن يعاهد نفسه دائمًا حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ما يكفي أن الإنسان يسلم في أول حياته أو في وسط حياته، لا بد أن يستمر إلى أن يموت، إلى أن يلقى الله تعالى وهو على الإسلام.
* طالب: قوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ هذا قول يعقوب ولَّا؟
* الشيخ: كلهم يقول، الوصية من الاثنين.
* الطالب: قال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾؟
* الشيخ: إبراهيم قال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ويعقوب كذلك قالها.
* طالب: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ الضمير يعود على أي شيء؟
* الشيخ: قيل: إنه يعود على الملة، وقيل: يعود على قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* طالب: أي يوصيهم بأن يقولوا: أسلمنا؟
* الشيخ: إي نعم، يقولون بألسنتهم وقلوبهم.
البقرة 2:133
قال: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ (أم) هنا متصلة ولّا منقطعة؟
* طالب: منقطعة.
* طالب آخر: متصلة.
* الشيخ: متصلة؟ المتصلة هي التي تأتي بين شيئين متعادلين، كما مرت علينا في البلاغة، وهنا لم تأت بين شيئين متعادلين، فهي إذن منقطعة، والمنقطعة يقول المعربون: إنها بمعنى (بل) والهمزة، (بل) وهمزة الاستفهام، الهمزة يعني: همزة الاستفهام، فمعنى ﴿أَمْ كُنْتُمْ﴾: بل أكنتم شهداء.
وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ الضمير يعود على اليهود، اليهود الذين ادعوا أنهم على الحق، وأن هذه وصية أبيهم يعقوب، والتزموا ما هم عليه، ويحتمل أن يكون عائدًا على جميع المخاطبين، ويكون المقصود بذلك الإعلام بما حصل من يعقوب حين حضره الموت، وهذا الاحتمال أولى؛ لأنه ما في هنا دليل على أنه يعود على اليهود، بل الآيات كلها عامة، وهي أيضًا منقطعة عن اليهود، من آيات سابقة كثيرة، فالمعنى تقرير ما وصى به يعقوب حين موته.
وقوله: ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع شهيد أو شاهد، بمعنى: حاضر.
وقوله: ﴿إِذْ حَضَرَ﴾ ﴿إذ﴾ هذه ظرف مبني على السكون في محل نصب، أي: وقت حضور يعقوب الموت، وقوله: ﴿حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ لأيش إنها منصوبة وهي بعد الفعل؟ تقول: حضر يعقوبُ ولّا حضر يعقوبَ؟
* طالب: حضر يعقوبَ.
* الشيخ: أي هي منصوبة بعد الفعل؟ لو تقول مثلًا: حضر عبدُ الله؟
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به؟ وين الفاعل؟
* طالب: الفاعل ﴿الْمَوْتُ﴾.
* الشيخ: جيد ما شاء الله، إي نعم، ﴿يَعْقُوبَ﴾ منصوب؛ لأنه مفعول مقدم، و﴿الْمَوْتُ﴾ فاعل مؤخر، فهمتم؟ لأن الحاضر الموت والمحضور يعقوب، فهو إذن مفعول به مقدم.
﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ﴾ هذه ﴿إِذْ﴾ بدل من الأولى، بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، يعني: إذ حضر إذ قال، يعني: أم كنتم أيضًا شهداء إذ قال.
﴿لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ بنو يعقوب من هم؟ إسحاق؟ يوسف وإخوته، أحد عشر رجلًا، حضره الموت، فكان أولاده حاضرين أو أحضرهم، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾.
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعد زمني، وليس من بعد ذاتي؛ لأنهم ما هم بيعبدونه، هم يعبدون الله، فالمراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾، أي: من بعد موتي، أي: من بعد الزمن الذي أنا حاضر فيه معكم، فأنتم الآن تعبدون الله، فماذا تعبدون من بعدي، فهمتم؟ وليس المعنى: ماذا تعبدون من بعدي، أي: أني أنا معبودكم الآن، فمن الذي تعبدونه من بعدي؟ هذا ليس المراد قطعًا.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ بدؤوا به؛ لأنهم يخاطبونه، ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ جمع أب، فمن هم؟ إبراهيم وهو بالنسبة إليه جد، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وإسماعيل وهو بالنسبة إليه عم، وإسحاق وهو بالنسبة إليه أب مباشر، أما إطلاق الأبوة على إبراهيم وعلى إسحاق، فالأمر فيها ظاهر، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن إسحاق أبوه، وإبراهيم جده، والجد أب، بل قال الله لهذه الأمة -وهي بينها وبين إبراهيم عالم- قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج ٧٨]، لكن الإشكال في كون إسماعيل أبًا له مع أنه عمه، فيقال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣ / ١١) واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والصنو: الغصن أو الغصنان أصلهما واحد، فذكر مع الآباء؛ لأنه صنو الأب؛ لأن العم صنو الأب، وكما قال الرسول ﷺ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٩٩)، ومسلم (١٧٨٣ / ٩١)، من حديث البراء رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.]]، كذلك نقول: العم بمنزلة الأب، مفهوم يا جماعة؟
وقيل: إن هذا من باب التغليب، وإن الأب ما يطلق حقيقة على العم إلا مقرونًا بغيره، بالأب الحقيقي، وعلى هذا إذا قلنا مثلًا ما فيها إشكال إطلاقًا؛ لأن التغليب سائغ في اللغة العربية، فيقال: القمران والمراد بهما؟
* الطلبة: الشمس والقمر.
* الشيخ: الشمس والقمر، ويقال: العمران، وهما؟
* طالب: أبو بكر وعمر.
* الشيخ: أبوبكر وعمر.
وقوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾، وأيش إعراب ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؟
* طالب: بدل.
* الشيخ: بدل من ﴿آبَائِكَ﴾، وفيها قراءة ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ .
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِلَهًا﴾ هذه حال، حال يسمونها حال موطئة، ولكنها بناء على أن الإله غير مشتق، والصحيح أنه مشتق، وأنه بمعنى مألوه، وعليه فتكون حالًا مؤسسة حقيقية ما هي موطئة؛ لأن الحال الموطئة التي تكون تمهيدًا لمشتق، مثل ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، فإن (قرآنًا) ما هي مشتقة، والحال كما تقدم لنا تكون مشتقة، هذه قال بعضهم: إنها كذلك، وهو مبني على أن الله والإله غير مشتق، والصحيح أنه مشتق، وعلى هذا فيكون ﴿إِلَهًا﴾ منصوبًا على؟
* طالب: الحال.
* الشيخ: الحال، ﴿وَاحِدًا﴾ حال أخرى مكررة، ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: نعبده إلهًا واحدًا، وفي هذا دليل على أن العبادة والألوهية معناهما واحد، لكن العبادة باعتبار العابد، والألوهية باعتبار الإله؛ ولهذا يقول أهل العلم يسمون التوحيد: توحيد العبادة، وبعضهم يقول: توحيد الألوهية.
* طالب: وعلى كونها حالًا موطئة يكون إعراب ﴿وَاحِدًا﴾ أيش؟
* الشيخ: حال، على كل حال.
* طالب: ما تصير بدل، ياشيخ؟
* الشيخ: لا، ما تكون بدلًا.
* الطالب: بدل من ﴿إِلَهًا﴾.
* الشيخ: لا ما تكون بدلًا؛ لأن البدل معناه أنك إذا حذفت المبدل منه استقام الكلام، وهذا ما يستقيم الكلام.
* طالب: وأيش فائدة إذا قلنا: حال؛ لأن (واحد) مفهوم من قولك (إله)؟
* الشيخ: لا، (إلهًا) نكرة، والنكرة تفيد الإطلاق ولا تمنع الاشتراك، فلو قلت لك -مثلًا-: أكرم رجلًا، هل معناه: ولا تكرم غيره؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ما تفيده.
* طالب: ما تكون توكيد يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما تكون، لو قالوا: ما نعبد إلا إلهًا، فربما، لكن ما تدل على الوحدانية إلا إذا قالوا: (واحدًا).
﴿إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، و﴿مُسْلِمُونَ﴾ خبره، و﴿لَهُ﴾ جار ومجرور متعلقة بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾، قدمت عليها لإفادة الحصر من حيث المعنى، ولمراعاة فواصل الآيات من حيث اللفظ، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي: لهذا الإله الواحد سبحانه وتعالى مسلمون، والإسلام بمعنى الانقياد والإخلاص، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ٢٠]، أي: جعلته خالصًا لله، فيطلق على الانقياد، وهو الإسلام الظاهر والباطن.
إي، الاستمرار والدوام بخلاف الجملة الفعلية، فهي تفيد الدوام والاستمرار.
ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ الضمير يعود على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن سبق، وكان اليهود يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام في هؤلاء، فبين الله تعالى أن هذه أمة، والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتطلق في القرآن على عدة معان، المعنى الأول: الطائفة كما هنا، والمعنى الثاني؟
* طالب: المعنى الثاني: ما يكون على دين واحد.
* الشيخ: لا، هذه تابعة للطائفة، الطائفة على دين واحد هي الأمة.
* طالب: حقبة من الزمن.
* الشيخ: حقبة من الزمن، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥].
* الشيخ: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، يعني: بعد حقبة من الزمن، الثالث؟
* طالب: الإمام.
* الشيخ: الإمام، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ نعم، بعد؟
* طالب: (...) يعني؟
* الشيخ: إي نعم، بمعنى إمام ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾؟
* طالب: قدوة.
* الشيخ: ذكرناها.
* الطالب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].
* الشيخ: لا.
* طالب: الطريقة.
* الشيخ: إي، الطريقة والملة، ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، أي على طريقة وملة نتبعها، فصارت الأمة في القرآن الكريم لها أربعة معانٍ.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مضت، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة ١٣٤] فلا تنالون مما كسبوا شيئًا، ولا ينالون مما كسبتم شيئًا، وما أحسن هذه الآية أن تكون في كل مقام يشبه هذا، فمثلًا إذا قال ناس: الصحابة جرى من بعضهم كذا وكذا؟ فلك أن تقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ مثل ما يذكر عن «أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم: هذه دماء طهر الله سيوفنا منها، فنحن نُطهرُ ألسنتَنا منها »[[أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩ / ١١٤) بلفظ: تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أحب أن أخضب لساني فيها.]]، رحمه الله، هذه كلمة عظيمة، فعلى هذا النزاع فيمن سبق لا محل له، انتهوا، لهم ما كسبوا ولنا ما كسبنا، ولكن النزاع في الأمر الحاضر، هذا هو الذي يجب أن يبين فيه الحق وأن يبطل فيه الباطل، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ما أنتم مسؤولين، تسألون عما أيش؟
* الطلبة: عما تعملون.
* الشيخ: عما كنتم تعملون، أما عما كانوا يعملون فلا، فإنكم لا تسألون؛ لأن حسابهم على الله عز وجل ولا تسألون عنهم، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسَبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (٦٥١٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وفي لفظ: «فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ»[[ أخرجه الترمذي (١٩٨٢)، وأحمد في مسنده (١٨٢٠٩) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.]] وقالوا.
* طالب: ما فيه قراءة ولا يسألون (...)؟
* الشيخ: اللي عندي ولا تسألون، ما فيها قراءة.
* الطالب: إذا كان فيه، ما يكون المعنى؟
* الشيخ: ما يصح، (ولا يسألون عما كانوا يعملون)، إزاي (ما يسألون) يعني، من يسألهم؟
* الطالب: ما يمشي؟
* الشيخ: ما يمشي.
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ (هود) جمع (هائد) كما مر علينا في البخاري مثل عوذ جمع عائذ، ﴿هُودًا﴾ يعني من اليهود، من اللي يقول: ﴿كُونُوا هُودًا﴾؟
* الطلبة: اليهود.
* الشيخ: اليهود، ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ يقوله النصارى، ﴿تَهْتَدُوا﴾ لم يقل: تهتدون مع أنه فعل مضارع يرفع بثبوت النون، فلماذا حذفت النون؟ لأنها جواب الأمر، وقد سبق لنا -أظن البارحة أو قبل- هل إن جواب الأمر مجزوم به؟ أو مجزوم بشرط محذوف؟ على قولين لأهل النحو، والصحيح أنه مجزوم به؛ لأنه ما يحتاج إلى تقدير، الذين يقولون هذا: اليهود والنصارى، يخاطبون من؟ يخاطبون المسلمين، يقولون: إن كان تريدون الهداية فكونوا هودًا أو نصارى، مثل أهل البدع في هذه الأمة، يعني: أهل الأديان بالنسبة للأمة عامة يقولون: كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا، أهل البدع بالنسبة لأهل السنة والجماعة يقولون: كونوا كذا وكذا تهتدوا، الأشاعرة يقولون: كونوا أشاعرة تهتدوا، والمعتزلة يقولون: كونوا معتزلة تهتدوا، والقاديانية يقولون: كونوا قاديانية تهتدوا، والتيجانية يقولون: كونوا تيجانية تهتدوا، والصوفية يقولون: كونوا صوفية تهتدوا، وعلى هذا فقس.
وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا لِلَيْلَى ∗∗∗ وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَ كل يقول: الحق معي، ولكن ﴿إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ في جواب من يدعونكم إلى اليهودية من اليهود أو النصرانية من النصارى ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ﴾، بل هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* الطلبة: الإبطالي.
* الشيخ: الإبطالي؛ لأنها تبطل ما سبق، يعني: بل لا نتبعه، ولا نكون هودًا ولا نصارى، ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾، وبهذا التقدير الذي ذكرت لكم يتبين لنا على أي وجه نصب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، والملة بمعنى الدين كما سبق، وملة إبراهيم هي التوحيد، يعني نتبع توحيد الله عز وجل والإسلام له؛ لأن إبراهيم ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٣١]. هذه الملة.
﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ﴿حَنِيفًا﴾ إعرابها حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وهذا من الغرائب أن تكون حالًا من المضاف إليه، فهل في كلام ابن مالك ما يشير إلى هذا؟
* طالب: إي نعم، هو قوله: ولا يكون..
* الشيخ: اسم زمان..
* الطالب: ولا يجيء..، ما أعرف.
* طالب: قوله:
أَوْ كَانَ جُزْءُ مَا لَهُ أُضِيْفَا ∗∗∗ أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا * الشيخ: أيش (أَوْ كَانَ جُزْءُ مَالَهُ أُضِيفَا)؟
* الطالب:
وَلاَ تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ∗∗∗ إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ* الشيخ: ؎أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيْفَا ∗∗∗ أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا هذا داخل في قوله: ؎..................... ∗∗∗ أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا قال: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، هذه الحال هل هي حال لازمة أو حال متنقلة؟
* الطالب: لازمة.
* الشيخ: لازمة، إذن لا مفهوم له، ليس معناه أن إبراهيم مرة حنيف ومرة مائل غير حنيف، لكنه حنيف صفة لازمة له عليه الصلاة والسلام حنيفًا، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ لأن الحنيف هو المائل عما سوى التوحيد، مأخوذ من حَنَفِ الرِّجْل أي: ميلها، فهو مائل عن كل ما سوى التوحيد، إذن ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تكون توكيدًا لهذه الحال توكيدًا معنويًّا لا إعرابيًّا، فليس توكيدًا إعرابيًّا؛ لأن التوكيد الإعرابي معروف، ما هو من هذا الصيغ، لكنه توكيد معنوي، يعني: أنه عليه الصلاة والسلام ما كان من المشركين، ما كان فيما مضى من المشركين أو فيما يستقبل؟
* طالب: فيما مضى.
* الشيخ: قلنا: إن كان ما تدل على الحدث، تدل على اتصاف اسمها بخبرها، مثل ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] هل معناه أن الله كان فيما سبق دون الآن؟ أو هو متصف بالمغفرة والرحمة؟ هو متصف، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ليس معناه أنه ما كان فيما مضى من عمره، ثم كان، بل هو ما كان أن هذا الوصف منتفٍ عنه.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يعم انتفاء الشرك الأصغر والأكبر عنه ولَّا لا؟ والشرك كما هو معروف عندنا أصغر وأكبر، هذه هي التي نحن نتبع، يتبعها الرسول ﷺ ونتبعها نحن إن شاء الله تعالى ونرجو الله أن نموت عليها، هذه هي الملة الحنيفية الحقيقية التي تُوصِل العبد إلى ربه ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
ثم قال الله تعالى آمرًا هذه الأمة أن يقولوا هذا المعتقد العظيم: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] آمنا بالله، والإيمان هو التصديق بالقلب المستلزم للقبول والإذعان، هذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة، أما عند المرجئة ومنهم الأشاعرة فالإيمان: هو التصديق بالقلب، وعندهم لا يزيد ولا ينقص، قاله ابن القيم وغيره من أهل السنة إذا قلتم: إن الإيمان التصديق بالقلب فإن إبليس مؤمن؛ لأنه مقر بالله يقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص ٨٢] فعلى هذا يكون مؤمن.
* طالب: التصديق بالقلب المستلزم؟
* الشيخ: المستلزم للقبول والإذعان، وعلى هذا على رأيكم يكون أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مصدق، وهذا من أبطل الأقوال، هذا من أبطل الأقوال، فنقول: الإيمان: هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان.
* الطالب: وما ردهم يا فضيلة الشيخ، ما ردهم على هذا الاعتراض القوي جدًّا؟ ما ردهم على هذا؟
* الشيخ: يعني: بماذا يردون على هذا؟
* الطالب: تعليقكم فعلًا يدخل إبليس ويدخل غيره؟
* الشيخ: إي نعم، هم يقولون كما حرفوا في آيات الصفات وأحاديثها حرفوا في هذا أيضًا، قالوا: إن استكباره عن السجود دليل على أنه غير مؤمن، فنقول لهم: كيف يكون دليلًا على أنه غير مؤمن وهو يقر، هل يلزم الإنسان بما لم يقر به؟ هل يلزم المتكلم، ما نقول: الإنسان؛ لأن الشيطان ما هو إنسان، هل يلزم المتكلم بخلاف نطقه؟
* الطالب: لا، وهو في آخر لحظة بيقول: يا رب بردو آخر دقيقة؟
* الشيخ: مَنْ؟
* الطالب: إبليس يقر في آخر دقيقة.
* الشيخ: نعم، نعم.
* الطالب: وهو نازل من الجنة، بردو بيقول:
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر ٣٦].
* الشيخ: نعم، نعم المهم على كل حال أهل الباطل يحرفون الكلم عن مواضعه، وطريقتهم في الأدلة أهل الباطل كلهم، أنما قدروا على إبطال سنده وصحته تيسر لهم ذلك، حتى لو هو في الصحيحين يقولون: هذا خبر آحاد ما يفيد في العقائد، هذه طريقتهم -والعياذ بالله- يعني كل رواة الصحيحين إذا لم يكن الحديث متواترًا كلهم طعنوا فيه، وقالوا: إن حديثهم ما يمكن أن يستدل به على شيء من العقائد إطلاقًا، هدموا نصف الشريعة أو أكثر، غالب الشريعة آحاد ولَّا لا؟
* الطلبة: آحاد.
* الشيخ: آحاد، غالب الشريعة آحاد، وفي الحقيقة أن هذا القول قول باطل حتى في الأمور العملية، الإنسان إذا عمل عملًا ما هو عقيدة هل يمكن يعمل إلا وهو يعتقد أنه من أمر الله؟
* طالب: لا بد يعتقد.
* الشيخ: لا بد يعتقد، إذن فالعمل نفس الأعمال البدنية مبنية على أيش؟
* الطلبة: على العقيدة.
* الشيخ: على العقيدة، فعلى رأيهم على هذا نقول: إذن، ولا نثبت الأحكام العملية؛ لأنه ما يمكن أن يعمل بحكم إلا وهو يعتقد أن الذي حكم به هو الله. فالمهم أننا نقول: إن هذه الأصول الباطلة في الإيمان أنه مجرد التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص كما هو مذهب المرجئة عامة، من المرجئة مَنْ؟ الأشاعرة والجهمية، الجهمية أيضًا مرجئة، ولهذا الأشاعرة يوافقون الجهمية في مسألة الإرجاء، يوافقونهم، المعتزلة يوافقون الجهمية في مسألة الصفات وينكرونها.
* طالب: (...).
* الشيخ: الصفات، صفات الله.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: المعتزلة والجهمية يتوافقون في الصفات، لكن يختلفون في مسألة الإيمان، المعتزلة يقولون: الإيمان قول وعقيدة وعمل متماسك إذا فقد بعضه فقد الكل، ولهذا يرون فاعل الكبيرة خارجًا من الإيمان، المعتزلة، شوف أهل الباطل يكفر بعضهم بعضًا في بعض الأشياء، قصدي يضلل بعضهم بعضًا، وإن كانوا قد لا يحكمون بالكفر على هؤلاء لكن يقولون: هؤلاء ضالون، فإذن الإيمان في اللغة أيش؟
* الطلبة: التصديق.
* الشيخ: التصديق، وفي الشرع: (...)، وهذه دعوى (...).
قال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة ١٣٣] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التوحيد وصية الأنبياء؛ لقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الموت حق حتى على الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤].
* ومنها: جواز الوصية عند حضور الأجل؛ لقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ قبل هذا، ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ وهذا كالوصية لهم، ولكنه يشترط أن يكون الموصي يعي ما يقول، فإن كان لا يعي ما يقول فإنه لا يصح وصيته.
* ويستفاد من هذا: رجحان القول الصحيح بأن الجد أب، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: ﴿آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فإن إبراهيم جده وليس أباه.
* ومن فوائد الآية: أنه يجوز إطلاق اسم الأب على العم تغليبًا، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ فإن إسماعيل عم وليس أبًا.
* ومنها: أن أبناء يعقوب كانوا على التوحيد حيث قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾، وهذا لا شك أنه توحيد منهم.
* ومنها أيضًا؛ من فوائد الآية: اتباع الآباء، أن النفوس مجبولة على اتباع الآباء، لكن إن كان على حق فهو حق، وإن كان على باطل فهو باطل؛ لقولهم: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ ولهذا الذين حضروا وفاة أبي طالب قالوا له: «أترغب عن ملة عبد المطلب»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٦٠) ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن. ]]؟
* ومنها؛ من فوائد الآية: إخلاص الإسلام لله حيث قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿لَهُ﴾، وجه الإخلاص تقديم المعمول، في له؛ لأن ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فهو معمولٌ له، وقد علم أن تقديم المعمول يفيد الحصر.
* ومنها: إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أنه لا ينبغي التشاغل بما كان عليه الآباء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعني فأنتم الآن هم مضوا وأسلموا لله، وأنتم أيها اليهود الموجودون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام عليكم أن تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم، والتشاغل بما كان عليه الآباء تضييع للوقت وربما يضر.
* ومن فوائد الآية: أن فيه إشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة، أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾، فنحن معنيون الآن بأنفسنا، أما ما جرى بين معاوية وعلي بن أبي طالب أو بين علي وعائشة وما أشبه هذا فإن هذا أمر لا يعنينا الآن، نحن علينا أن نقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠].
* الطالب: غير الصحابة يدخل فيها ولَّا لا؟
* الشيخ: وغير الصحابة أيضًا يدخل، ولا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بمثل هذه الأمور، وعليه أن ينظر ما ينفعه في دينه ودنياه.
* ومنها: أن الإنسان وعمله؛ لقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فلا أحد يعطى من عمل أحد ولا يؤخذ منه، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨].
* ومنها: أن الآخِر لا يسأل عن عمل الأول، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: عكسه؟ الأول يسأل عن عمل الآخر؟
* طالب: يمكن.
* الشيخ: يمكن، الأول قد يسأل عن عمل الآخر كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١] فقد يكون الأول صاحب بدعة ويتبع على بدعته، فيكون دالًّا على ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، أفهمتم؟ لكن الآخر ما يسأل عن عمل الأول.
فإذا قيل: هل آخر الآية ينقض أولها؟ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فالجواب؟ لا؛ لأنهم إذا دعوا إلى ضلالة أو إلى حق واتبعناهم نحن الآخرين فهذا من كسبهم فلهم ما كسبوا.
* ومنها من فوائد الآية: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يؤاخذ أحدًا بما لم يعمله؛ لقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إثبات السؤال، وأن الإنسان سيسأل، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ منطوق الآية واضح نفي السؤال عن عمل الغير ومفهومها ثبوت السؤال عن عمله، وأنك مسؤول عن العمل وهو كذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في هذه الآية دعوة وادعاء، وين الدعوة؟
* الطلبة: ﴿كُونُوا﴾.
* الشيخ: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ والادعاء ﴿تَهْتَدُوا﴾،* فيستفاد منها: أن أهل الباطل يدعون إلى ضلالهم ويدَّعون فيه الخير، ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ هذا دعوة إلى ضلال، ﴿تَهْتَدُوا﴾ ادعاء أن ذلك خير، وهكذا أيضًا ورث هؤلاء اليهود ورثهم من ضل من هذه الأمة، قال النبي ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٢١٨٩٧)، وابن حبان في صحيحه (٦٧٠٢) من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه. ]].
في الأمة أهل بدع ولَّا لا؟ يدعون إلى الضلالة، ويدَّعون أن هذا هو الخير، مثلًا المعتزلة يدعون إلى الاعتزال ويقولون: إن الخير فينا، نحن المنزِّهون لله عن النقائص، وأنتم أيها المثبتون للصفات أنتم مجسمة، أنتم مجسمة ممثلة، كذا ولَّا لا؟ والتنزيه عندنا، هؤلاء دعوا إلى ضلال، وادعوا أنه الحق والخير، فقالت الأشعرية: نحن جُذَيْلُها الْمُحَكَّك، نحن أصحاب الشأن أنتم من المعتزلة على خطأ والسلف مجسمة أو مفوضة، إن كانوا مفوضة فهم مسالمون لهم؛ لأن المفوض عند الأشعرية هو الذي لا يزيد على قراءة القرآن والحديث، هذا المفوض، تفويض المعنى والكيفية؛ ولهذا تجدهم الأشاعرة يقولون: مذهب السلف التفويض، ومذهب الخلف إثبات المعاني، فمذهبنا أعلم وأحكم من مذهبكم أيها السلف، وهو صحيح، لو كان مذهب السلف -كما يقولون- إنه مجرد أنك تقرأ وأنك كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] إلا قراءة، لو كان هذا مذهب السلف لكنا نشهد الله أن مذهب الخلف خير؛ لأنه يثبت أن للقرآن حقيقة ومعنى، نزل لنتعبد بهذا المعنى لله.
لكن نقول: كذبتم على مذهب السلف، ما هو مذهب السلف حقيقة؟ التفويض فيما لا يدركون علمه وهو حقيقة هذه الصفات وكيفيتها، هذا ما يقدر أحد يتكلم عن هذه الكيفية أبدًا، لكن المعنى يفوضونه ولَّا لا؟ يثبتون المعنى اللائق بالله عز وجل، إذن فهم أعلم وأحكم وأسلم فهمتم؟ الأشاعرة يقولون: إحنا اللي معنا الحق، اتْبَعونا بس، الحق معنا، لا تثبتون لله إلا سبع صفات، وسبع أحوال على خلاف بيننا وبينهم في كيفية إثبات هذه الصفات، بأن نضرب مثلًا: الكلام عندنا ثابت وعندهم ثابت أيضًا، لكن وأيش هو الكلام عندهم؟
* طالب: المعنى القائم.
* الشيخ: الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وهو معنى واحد سواء جاء بلفظ الاستفهام أو الخبر أو الأمر أو النهي، وسواء كان توراة أو إنجيلًا أو قرآنًا، لكن يعبر عنه بهذه التعبيرات ليكون إما خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا أو توراة أو إنجيلًا أو القرآن، وهذا ما هو إثبات بالحقيقة، فالمهم إني أقول يا إخواننا: كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود والنصارى، دعاة السفور الآن يقولون: خل المرأة تتحرر، خلها تبتهج بالحياة، لا تغطها بالغطاء، لا تعمي عيونها بالغطفر، خلها تمش مع الناس، هذا هو الحرية، أليس كذلك؟ ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ نفس الشيء، أطلِقوا لها العنان لأجل الحرية؛ لأن هذا هو الخير، ليس من العدل أنك أنت تروح تتفرج وتنزه وتقف على هذا الدكان، وعلى هذا الدكان وهي محبوسة في البيت، وهكذا كل داع إلى ضلالة فطبعًا سوف يقني هذه الضلالة بما يغر الغريب فهو شبيه بمن؟ باليهود والنصارى.
* من فوائد الآية: مقابلة الباطل بالحق، ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ لا بد أن الإنسان يسير على طريق، لكن هل هو حق ولَّا باطل؟ أثبت الله الباطل في قوله: ﴿بَلْ﴾، وقد ذكرنا في التفسير أن (بل) هنا للإضراب الإبطالي.
* من فوائد الآية: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث كنا أتباعًا له في ملته، هذه واحدة، وجه آخر: وصفه بأنه حنيف، وجه ثالث: وصفه بأنه لم يك من المشركين، ففي هذا ثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجوه ثلاثة، أولًا: إمامته، وأيش وجه أنه إمام؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: حيث أمرنا باتباعه، والمتبوع هو الإمام، من ناحية أنه حنيف مائل عن كل دين سوى الإسلام، من ناحية ثالثة: ليس فيه شرك في عمله ﷺ.
* ومن فوائد الآية: أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
* ومنها: أن اليهودية والنصرانية نوع من الشرك؛ لأن قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدل على أنها نوع من الشرك، كل من كفر بالله ففيه نوع من الشرك، لكن إن اتخذ إلهًا فهو شرك حقيقة وواقعًا وإلا فإنه شرك باعتبار اتباع الهوى.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ بعض المعربين يقول: إن ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف على ﴿إِلَهَ﴾ يعني: وإله إسماعيل وإسحاق؟
* الشيخ: لا، هذا بعيد، أقول هذا بعيد؛ لأنه يشتت النظم.
* الطالب: يتخلص منه يعني نسبة..
* الشيخ: لا، هذا معروف في اللغة العربية، الرسول قال عليه الصلاة والسلام: «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٣ / ١١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] ما في محذوف.
البقرة 2:134
قال: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ (أم) هنا متصلة ولّا منقطعة؟
* طالب: منقطعة.
* طالب آخر: متصلة.
* الشيخ: متصلة؟ المتصلة هي التي تأتي بين شيئين متعادلين، كما مرت علينا في البلاغة، وهنا لم تأت بين شيئين متعادلين، فهي إذن منقطعة، والمنقطعة يقول المعربون: إنها بمعنى (بل) والهمزة، (بل) وهمزة الاستفهام، الهمزة يعني: همزة الاستفهام، فمعنى ﴿أَمْ كُنْتُمْ﴾: بل أكنتم شهداء.
وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ الضمير يعود على اليهود، اليهود الذين ادعوا أنهم على الحق، وأن هذه وصية أبيهم يعقوب، والتزموا ما هم عليه، ويحتمل أن يكون عائدًا على جميع المخاطبين، ويكون المقصود بذلك الإعلام بما حصل من يعقوب حين حضره الموت، وهذا الاحتمال أولى؛ لأنه ما في هنا دليل على أنه يعود على اليهود، بل الآيات كلها عامة، وهي أيضًا منقطعة عن اليهود، من آيات سابقة كثيرة، فالمعنى تقرير ما وصى به يعقوب حين موته.
وقوله: ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع شهيد أو شاهد، بمعنى: حاضر.
وقوله: ﴿إِذْ حَضَرَ﴾ ﴿إذ﴾ هذه ظرف مبني على السكون في محل نصب، أي: وقت حضور يعقوب الموت، وقوله: ﴿حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ لأيش إنها منصوبة وهي بعد الفعل؟ تقول: حضر يعقوبُ ولّا حضر يعقوبَ؟
* طالب: حضر يعقوبَ.
* الشيخ: أي هي منصوبة بعد الفعل؟ لو تقول مثلًا: حضر عبدُ الله؟
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به؟ وين الفاعل؟
* طالب: الفاعل ﴿الْمَوْتُ﴾.
* الشيخ: جيد ما شاء الله، إي نعم، ﴿يَعْقُوبَ﴾ منصوب؛ لأنه مفعول مقدم، و﴿الْمَوْتُ﴾ فاعل مؤخر، فهمتم؟ لأن الحاضر الموت والمحضور يعقوب، فهو إذن مفعول به مقدم.
﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ﴾ هذه ﴿إِذْ﴾ بدل من الأولى، بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، يعني: إذ حضر إذ قال، يعني: أم كنتم أيضًا شهداء إذ قال.
﴿لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ بنو يعقوب من هم؟ إسحاق؟ يوسف وإخوته، أحد عشر رجلًا، حضره الموت، فكان أولاده حاضرين أو أحضرهم، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾.
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعد زمني، وليس من بعد ذاتي؛ لأنهم ما هم بيعبدونه، هم يعبدون الله، فالمراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾، أي: من بعد موتي، أي: من بعد الزمن الذي أنا حاضر فيه معكم، فأنتم الآن تعبدون الله، فماذا تعبدون من بعدي، فهمتم؟ وليس المعنى: ماذا تعبدون من بعدي، أي: أني أنا معبودكم الآن، فمن الذي تعبدونه من بعدي؟ هذا ليس المراد قطعًا.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ بدؤوا به؛ لأنهم يخاطبونه، ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ جمع أب، فمن هم؟ إبراهيم وهو بالنسبة إليه جد، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وإسماعيل وهو بالنسبة إليه عم، وإسحاق وهو بالنسبة إليه أب مباشر، أما إطلاق الأبوة على إبراهيم وعلى إسحاق، فالأمر فيها ظاهر، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن إسحاق أبوه، وإبراهيم جده، والجد أب، بل قال الله لهذه الأمة -وهي بينها وبين إبراهيم عالم- قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج ٧٨]، لكن الإشكال في كون إسماعيل أبًا له مع أنه عمه، فيقال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣ / ١١) واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والصنو: الغصن أو الغصنان أصلهما واحد، فذكر مع الآباء؛ لأنه صنو الأب؛ لأن العم صنو الأب، وكما قال الرسول ﷺ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٩٩)، ومسلم (١٧٨٣ / ٩١)، من حديث البراء رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.]]، كذلك نقول: العم بمنزلة الأب، مفهوم يا جماعة؟
وقيل: إن هذا من باب التغليب، وإن الأب ما يطلق حقيقة على العم إلا مقرونًا بغيره، بالأب الحقيقي، وعلى هذا إذا قلنا مثلًا ما فيها إشكال إطلاقًا؛ لأن التغليب سائغ في اللغة العربية، فيقال: القمران والمراد بهما؟
* الطلبة: الشمس والقمر.
* الشيخ: الشمس والقمر، ويقال: العمران، وهما؟
* طالب: أبو بكر وعمر.
* الشيخ: أبوبكر وعمر.
وقوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾، وأيش إعراب ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؟
* طالب: بدل.
* الشيخ: بدل من ﴿آبَائِكَ﴾، وفيها قراءة ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ .
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِلَهًا﴾ هذه حال، حال يسمونها حال موطئة، ولكنها بناء على أن الإله غير مشتق، والصحيح أنه مشتق، وأنه بمعنى مألوه، وعليه فتكون حالًا مؤسسة حقيقية ما هي موطئة؛ لأن الحال الموطئة التي تكون تمهيدًا لمشتق، مثل ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، فإن (قرآنًا) ما هي مشتقة، والحال كما تقدم لنا تكون مشتقة، هذه قال بعضهم: إنها كذلك، وهو مبني على أن الله والإله غير مشتق، والصحيح أنه مشتق، وعلى هذا فيكون ﴿إِلَهًا﴾ منصوبًا على؟
* طالب: الحال.
* الشيخ: الحال، ﴿وَاحِدًا﴾ حال أخرى مكررة، ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: نعبده إلهًا واحدًا، وفي هذا دليل على أن العبادة والألوهية معناهما واحد، لكن العبادة باعتبار العابد، والألوهية باعتبار الإله؛ ولهذا يقول أهل العلم يسمون التوحيد: توحيد العبادة، وبعضهم يقول: توحيد الألوهية.
* طالب: وعلى كونها حالًا موطئة يكون إعراب ﴿وَاحِدًا﴾ أيش؟
* الشيخ: حال، على كل حال.
* طالب: ما تصير بدل، ياشيخ؟
* الشيخ: لا، ما تكون بدلًا.
* الطالب: بدل من ﴿إِلَهًا﴾.
* الشيخ: لا ما تكون بدلًا؛ لأن البدل معناه أنك إذا حذفت المبدل منه استقام الكلام، وهذا ما يستقيم الكلام.
* طالب: وأيش فائدة إذا قلنا: حال؛ لأن (واحد) مفهوم من قولك (إله)؟
* الشيخ: لا، (إلهًا) نكرة، والنكرة تفيد الإطلاق ولا تمنع الاشتراك، فلو قلت لك -مثلًا-: أكرم رجلًا، هل معناه: ولا تكرم غيره؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ما تفيده.
* طالب: ما تكون توكيد يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما تكون، لو قالوا: ما نعبد إلا إلهًا، فربما، لكن ما تدل على الوحدانية إلا إذا قالوا: (واحدًا).
﴿إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، و﴿مُسْلِمُونَ﴾ خبره، و﴿لَهُ﴾ جار ومجرور متعلقة بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾، قدمت عليها لإفادة الحصر من حيث المعنى، ولمراعاة فواصل الآيات من حيث اللفظ، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي: لهذا الإله الواحد سبحانه وتعالى مسلمون، والإسلام بمعنى الانقياد والإخلاص، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ٢٠]، أي: جعلته خالصًا لله، فيطلق على الانقياد، وهو الإسلام الظاهر والباطن.
إي، الاستمرار والدوام بخلاف الجملة الفعلية، فهي تفيد الدوام والاستمرار.
ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ الضمير يعود على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن سبق، وكان اليهود يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام في هؤلاء، فبين الله تعالى أن هذه أمة، والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتطلق في القرآن على عدة معان، المعنى الأول: الطائفة كما هنا، والمعنى الثاني؟
* طالب: المعنى الثاني: ما يكون على دين واحد.
* الشيخ: لا، هذه تابعة للطائفة، الطائفة على دين واحد هي الأمة.
* طالب: حقبة من الزمن.
* الشيخ: حقبة من الزمن، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥].
* الشيخ: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، يعني: بعد حقبة من الزمن، الثالث؟
* طالب: الإمام.
* الشيخ: الإمام، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ نعم، بعد؟
* طالب: (...) يعني؟
* الشيخ: إي نعم، بمعنى إمام ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾؟
* طالب: قدوة.
* الشيخ: ذكرناها.
* الطالب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].
* الشيخ: لا.
* طالب: الطريقة.
* الشيخ: إي، الطريقة والملة، ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، أي على طريقة وملة نتبعها، فصارت الأمة في القرآن الكريم لها أربعة معانٍ.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مضت، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة ١٣٤] فلا تنالون مما كسبوا شيئًا، ولا ينالون مما كسبتم شيئًا، وما أحسن هذه الآية أن تكون في كل مقام يشبه هذا، فمثلًا إذا قال ناس: الصحابة جرى من بعضهم كذا وكذا؟ فلك أن تقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ مثل ما يذكر عن «أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم: هذه دماء طهر الله سيوفنا منها، فنحن نُطهرُ ألسنتَنا منها »[[أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩ / ١١٤) بلفظ: تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أحب أن أخضب لساني فيها.]]، رحمه الله، هذه كلمة عظيمة، فعلى هذا النزاع فيمن سبق لا محل له، انتهوا، لهم ما كسبوا ولنا ما كسبنا، ولكن النزاع في الأمر الحاضر، هذا هو الذي يجب أن يبين فيه الحق وأن يبطل فيه الباطل، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ما أنتم مسؤولين، تسألون عما أيش؟
* الطلبة: عما تعملون.
* الشيخ: عما كنتم تعملون، أما عما كانوا يعملون فلا، فإنكم لا تسألون؛ لأن حسابهم على الله عز وجل ولا تسألون عنهم، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسَبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (٦٥١٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وفي لفظ: «فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ»[[ أخرجه الترمذي (١٩٨٢)، وأحمد في مسنده (١٨٢٠٩) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.]] وقالوا.
* طالب: ما فيه قراءة ولا يسألون (...)؟
* الشيخ: اللي عندي ولا تسألون، ما فيها قراءة.
* الطالب: إذا كان فيه، ما يكون المعنى؟
* الشيخ: ما يصح، (ولا يسألون عما كانوا يعملون)، إزاي (ما يسألون) يعني، من يسألهم؟
* الطالب: ما يمشي؟
* الشيخ: ما يمشي.
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ (هود) جمع (هائد) كما مر علينا في البخاري مثل عوذ جمع عائذ، ﴿هُودًا﴾ يعني من اليهود، من اللي يقول: ﴿كُونُوا هُودًا﴾؟
* الطلبة: اليهود.
* الشيخ: اليهود، ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ يقوله النصارى، ﴿تَهْتَدُوا﴾ لم يقل: تهتدون مع أنه فعل مضارع يرفع بثبوت النون، فلماذا حذفت النون؟ لأنها جواب الأمر، وقد سبق لنا -أظن البارحة أو قبل- هل إن جواب الأمر مجزوم به؟ أو مجزوم بشرط محذوف؟ على قولين لأهل النحو، والصحيح أنه مجزوم به؛ لأنه ما يحتاج إلى تقدير، الذين يقولون هذا: اليهود والنصارى، يخاطبون من؟ يخاطبون المسلمين، يقولون: إن كان تريدون الهداية فكونوا هودًا أو نصارى، مثل أهل البدع في هذه الأمة، يعني: أهل الأديان بالنسبة للأمة عامة يقولون: كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا، أهل البدع بالنسبة لأهل السنة والجماعة يقولون: كونوا كذا وكذا تهتدوا، الأشاعرة يقولون: كونوا أشاعرة تهتدوا، والمعتزلة يقولون: كونوا معتزلة تهتدوا، والقاديانية يقولون: كونوا قاديانية تهتدوا، والتيجانية يقولون: كونوا تيجانية تهتدوا، والصوفية يقولون: كونوا صوفية تهتدوا، وعلى هذا فقس.
وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا لِلَيْلَى ∗∗∗ وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَ كل يقول: الحق معي، ولكن ﴿إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ في جواب من يدعونكم إلى اليهودية من اليهود أو النصرانية من النصارى ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ﴾، بل هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* الطلبة: الإبطالي.
* الشيخ: الإبطالي؛ لأنها تبطل ما سبق، يعني: بل لا نتبعه، ولا نكون هودًا ولا نصارى، ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾، وبهذا التقدير الذي ذكرت لكم يتبين لنا على أي وجه نصب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، والملة بمعنى الدين كما سبق، وملة إبراهيم هي التوحيد، يعني نتبع توحيد الله عز وجل والإسلام له؛ لأن إبراهيم ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٣١]. هذه الملة.
﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ﴿حَنِيفًا﴾ إعرابها حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وهذا من الغرائب أن تكون حالًا من المضاف إليه، فهل في كلام ابن مالك ما يشير إلى هذا؟
* طالب: إي نعم، هو قوله: ولا يكون..
* الشيخ: اسم زمان..
* الطالب: ولا يجيء..، ما أعرف.
* طالب: قوله:
أَوْ كَانَ جُزْءُ مَا لَهُ أُضِيْفَا ∗∗∗ أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا * الشيخ: أيش (أَوْ كَانَ جُزْءُ مَالَهُ أُضِيفَا)؟
* الطالب:
وَلاَ تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ∗∗∗ إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ* الشيخ: ؎أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيْفَا ∗∗∗ أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا هذا داخل في قوله: ؎..................... ∗∗∗ أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا قال: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، هذه الحال هل هي حال لازمة أو حال متنقلة؟
* الطالب: لازمة.
* الشيخ: لازمة، إذن لا مفهوم له، ليس معناه أن إبراهيم مرة حنيف ومرة مائل غير حنيف، لكنه حنيف صفة لازمة له عليه الصلاة والسلام حنيفًا، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ لأن الحنيف هو المائل عما سوى التوحيد، مأخوذ من حَنَفِ الرِّجْل أي: ميلها، فهو مائل عن كل ما سوى التوحيد، إذن ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تكون توكيدًا لهذه الحال توكيدًا معنويًّا لا إعرابيًّا، فليس توكيدًا إعرابيًّا؛ لأن التوكيد الإعرابي معروف، ما هو من هذا الصيغ، لكنه توكيد معنوي، يعني: أنه عليه الصلاة والسلام ما كان من المشركين، ما كان فيما مضى من المشركين أو فيما يستقبل؟
* طالب: فيما مضى.
* الشيخ: قلنا: إن كان ما تدل على الحدث، تدل على اتصاف اسمها بخبرها، مثل ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] هل معناه أن الله كان فيما سبق دون الآن؟ أو هو متصف بالمغفرة والرحمة؟ هو متصف، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ليس معناه أنه ما كان فيما مضى من عمره، ثم كان، بل هو ما كان أن هذا الوصف منتفٍ عنه.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يعم انتفاء الشرك الأصغر والأكبر عنه ولَّا لا؟ والشرك كما هو معروف عندنا أصغر وأكبر، هذه هي التي نحن نتبع، يتبعها الرسول ﷺ ونتبعها نحن إن شاء الله تعالى ونرجو الله أن نموت عليها، هذه هي الملة الحنيفية الحقيقية التي تُوصِل العبد إلى ربه ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
ثم قال الله تعالى آمرًا هذه الأمة أن يقولوا هذا المعتقد العظيم: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] آمنا بالله، والإيمان هو التصديق بالقلب المستلزم للقبول والإذعان، هذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة، أما عند المرجئة ومنهم الأشاعرة فالإيمان: هو التصديق بالقلب، وعندهم لا يزيد ولا ينقص، قاله ابن القيم وغيره من أهل السنة إذا قلتم: إن الإيمان التصديق بالقلب فإن إبليس مؤمن؛ لأنه مقر بالله يقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص ٨٢] فعلى هذا يكون مؤمن.
* طالب: التصديق بالقلب المستلزم؟
* الشيخ: المستلزم للقبول والإذعان، وعلى هذا على رأيكم يكون أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مصدق، وهذا من أبطل الأقوال، هذا من أبطل الأقوال، فنقول: الإيمان: هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان.
* الطالب: وما ردهم يا فضيلة الشيخ، ما ردهم على هذا الاعتراض القوي جدًّا؟ ما ردهم على هذا؟
* الشيخ: يعني: بماذا يردون على هذا؟
* الطالب: تعليقكم فعلًا يدخل إبليس ويدخل غيره؟
* الشيخ: إي نعم، هم يقولون كما حرفوا في آيات الصفات وأحاديثها حرفوا في هذا أيضًا، قالوا: إن استكباره عن السجود دليل على أنه غير مؤمن، فنقول لهم: كيف يكون دليلًا على أنه غير مؤمن وهو يقر، هل يلزم الإنسان بما لم يقر به؟ هل يلزم المتكلم، ما نقول: الإنسان؛ لأن الشيطان ما هو إنسان، هل يلزم المتكلم بخلاف نطقه؟
* الطالب: لا، وهو في آخر لحظة بيقول: يا رب بردو آخر دقيقة؟
* الشيخ: مَنْ؟
* الطالب: إبليس يقر في آخر دقيقة.
* الشيخ: نعم، نعم.
* الطالب: وهو نازل من الجنة، بردو بيقول:
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر ٣٦].
* الشيخ: نعم، نعم المهم على كل حال أهل الباطل يحرفون الكلم عن مواضعه، وطريقتهم في الأدلة أهل الباطل كلهم، أنما قدروا على إبطال سنده وصحته تيسر لهم ذلك، حتى لو هو في الصحيحين يقولون: هذا خبر آحاد ما يفيد في العقائد، هذه طريقتهم -والعياذ بالله- يعني كل رواة الصحيحين إذا لم يكن الحديث متواترًا كلهم طعنوا فيه، وقالوا: إن حديثهم ما يمكن أن يستدل به على شيء من العقائد إطلاقًا، هدموا نصف الشريعة أو أكثر، غالب الشريعة آحاد ولَّا لا؟
* الطلبة: آحاد.
* الشيخ: آحاد، غالب الشريعة آحاد، وفي الحقيقة أن هذا القول قول باطل حتى في الأمور العملية، الإنسان إذا عمل عملًا ما هو عقيدة هل يمكن يعمل إلا وهو يعتقد أنه من أمر الله؟
* طالب: لا بد يعتقد.
* الشيخ: لا بد يعتقد، إذن فالعمل نفس الأعمال البدنية مبنية على أيش؟
* الطلبة: على العقيدة.
* الشيخ: على العقيدة، فعلى رأيهم على هذا نقول: إذن، ولا نثبت الأحكام العملية؛ لأنه ما يمكن أن يعمل بحكم إلا وهو يعتقد أن الذي حكم به هو الله. فالمهم أننا نقول: إن هذه الأصول الباطلة في الإيمان أنه مجرد التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص كما هو مذهب المرجئة عامة، من المرجئة مَنْ؟ الأشاعرة والجهمية، الجهمية أيضًا مرجئة، ولهذا الأشاعرة يوافقون الجهمية في مسألة الإرجاء، يوافقونهم، المعتزلة يوافقون الجهمية في مسألة الصفات وينكرونها.
* طالب: (...).
* الشيخ: الصفات، صفات الله.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: المعتزلة والجهمية يتوافقون في الصفات، لكن يختلفون في مسألة الإيمان، المعتزلة يقولون: الإيمان قول وعقيدة وعمل متماسك إذا فقد بعضه فقد الكل، ولهذا يرون فاعل الكبيرة خارجًا من الإيمان، المعتزلة، شوف أهل الباطل يكفر بعضهم بعضًا في بعض الأشياء، قصدي يضلل بعضهم بعضًا، وإن كانوا قد لا يحكمون بالكفر على هؤلاء لكن يقولون: هؤلاء ضالون، فإذن الإيمان في اللغة أيش؟
* الطلبة: التصديق.
* الشيخ: التصديق، وفي الشرع: (...)، وهذه دعوى (...).
قال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة ١٣٣] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التوحيد وصية الأنبياء؛ لقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الموت حق حتى على الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤].
* ومنها: جواز الوصية عند حضور الأجل؛ لقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ قبل هذا، ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ وهذا كالوصية لهم، ولكنه يشترط أن يكون الموصي يعي ما يقول، فإن كان لا يعي ما يقول فإنه لا يصح وصيته.
* ويستفاد من هذا: رجحان القول الصحيح بأن الجد أب، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: ﴿آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فإن إبراهيم جده وليس أباه.
* ومن فوائد الآية: أنه يجوز إطلاق اسم الأب على العم تغليبًا، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ فإن إسماعيل عم وليس أبًا.
* ومنها: أن أبناء يعقوب كانوا على التوحيد حيث قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾، وهذا لا شك أنه توحيد منهم.
* ومنها أيضًا؛ من فوائد الآية: اتباع الآباء، أن النفوس مجبولة على اتباع الآباء، لكن إن كان على حق فهو حق، وإن كان على باطل فهو باطل؛ لقولهم: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ ولهذا الذين حضروا وفاة أبي طالب قالوا له: «أترغب عن ملة عبد المطلب»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٦٠) ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن. ]]؟
* ومنها؛ من فوائد الآية: إخلاص الإسلام لله حيث قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿لَهُ﴾، وجه الإخلاص تقديم المعمول، في له؛ لأن ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فهو معمولٌ له، وقد علم أن تقديم المعمول يفيد الحصر.
* ومنها: إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أنه لا ينبغي التشاغل بما كان عليه الآباء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعني فأنتم الآن هم مضوا وأسلموا لله، وأنتم أيها اليهود الموجودون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام عليكم أن تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم، والتشاغل بما كان عليه الآباء تضييع للوقت وربما يضر.
* ومن فوائد الآية: أن فيه إشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة، أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾، فنحن معنيون الآن بأنفسنا، أما ما جرى بين معاوية وعلي بن أبي طالب أو بين علي وعائشة وما أشبه هذا فإن هذا أمر لا يعنينا الآن، نحن علينا أن نقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠].
* الطالب: غير الصحابة يدخل فيها ولَّا لا؟
* الشيخ: وغير الصحابة أيضًا يدخل، ولا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بمثل هذه الأمور، وعليه أن ينظر ما ينفعه في دينه ودنياه.
* ومنها: أن الإنسان وعمله؛ لقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فلا أحد يعطى من عمل أحد ولا يؤخذ منه، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨].
* ومنها: أن الآخِر لا يسأل عن عمل الأول، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: عكسه؟ الأول يسأل عن عمل الآخر؟
* طالب: يمكن.
* الشيخ: يمكن، الأول قد يسأل عن عمل الآخر كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١] فقد يكون الأول صاحب بدعة ويتبع على بدعته، فيكون دالًّا على ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، أفهمتم؟ لكن الآخر ما يسأل عن عمل الأول.
فإذا قيل: هل آخر الآية ينقض أولها؟ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فالجواب؟ لا؛ لأنهم إذا دعوا إلى ضلالة أو إلى حق واتبعناهم نحن الآخرين فهذا من كسبهم فلهم ما كسبوا.
* ومنها من فوائد الآية: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يؤاخذ أحدًا بما لم يعمله؛ لقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إثبات السؤال، وأن الإنسان سيسأل، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ منطوق الآية واضح نفي السؤال عن عمل الغير ومفهومها ثبوت السؤال عن عمله، وأنك مسؤول عن العمل وهو كذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في هذه الآية دعوة وادعاء، وين الدعوة؟
* الطلبة: ﴿كُونُوا﴾.
* الشيخ: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ والادعاء ﴿تَهْتَدُوا﴾،* فيستفاد منها: أن أهل الباطل يدعون إلى ضلالهم ويدَّعون فيه الخير، ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ هذا دعوة إلى ضلال، ﴿تَهْتَدُوا﴾ ادعاء أن ذلك خير، وهكذا أيضًا ورث هؤلاء اليهود ورثهم من ضل من هذه الأمة، قال النبي ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٢١٨٩٧)، وابن حبان في صحيحه (٦٧٠٢) من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه. ]].
في الأمة أهل بدع ولَّا لا؟ يدعون إلى الضلالة، ويدَّعون أن هذا هو الخير، مثلًا المعتزلة يدعون إلى الاعتزال ويقولون: إن الخير فينا، نحن المنزِّهون لله عن النقائص، وأنتم أيها المثبتون للصفات أنتم مجسمة، أنتم مجسمة ممثلة، كذا ولَّا لا؟ والتنزيه عندنا، هؤلاء دعوا إلى ضلال، وادعوا أنه الحق والخير، فقالت الأشعرية: نحن جُذَيْلُها الْمُحَكَّك، نحن أصحاب الشأن أنتم من المعتزلة على خطأ والسلف مجسمة أو مفوضة، إن كانوا مفوضة فهم مسالمون لهم؛ لأن المفوض عند الأشعرية هو الذي لا يزيد على قراءة القرآن والحديث، هذا المفوض، تفويض المعنى والكيفية؛ ولهذا تجدهم الأشاعرة يقولون: مذهب السلف التفويض، ومذهب الخلف إثبات المعاني، فمذهبنا أعلم وأحكم من مذهبكم أيها السلف، وهو صحيح، لو كان مذهب السلف -كما يقولون- إنه مجرد أنك تقرأ وأنك كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] إلا قراءة، لو كان هذا مذهب السلف لكنا نشهد الله أن مذهب الخلف خير؛ لأنه يثبت أن للقرآن حقيقة ومعنى، نزل لنتعبد بهذا المعنى لله.
لكن نقول: كذبتم على مذهب السلف، ما هو مذهب السلف حقيقة؟ التفويض فيما لا يدركون علمه وهو حقيقة هذه الصفات وكيفيتها، هذا ما يقدر أحد يتكلم عن هذه الكيفية أبدًا، لكن المعنى يفوضونه ولَّا لا؟ يثبتون المعنى اللائق بالله عز وجل، إذن فهم أعلم وأحكم وأسلم فهمتم؟ الأشاعرة يقولون: إحنا اللي معنا الحق، اتْبَعونا بس، الحق معنا، لا تثبتون لله إلا سبع صفات، وسبع أحوال على خلاف بيننا وبينهم في كيفية إثبات هذه الصفات، بأن نضرب مثلًا: الكلام عندنا ثابت وعندهم ثابت أيضًا، لكن وأيش هو الكلام عندهم؟
* طالب: المعنى القائم.
* الشيخ: الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وهو معنى واحد سواء جاء بلفظ الاستفهام أو الخبر أو الأمر أو النهي، وسواء كان توراة أو إنجيلًا أو قرآنًا، لكن يعبر عنه بهذه التعبيرات ليكون إما خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا أو توراة أو إنجيلًا أو القرآن، وهذا ما هو إثبات بالحقيقة، فالمهم إني أقول يا إخواننا: كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود والنصارى، دعاة السفور الآن يقولون: خل المرأة تتحرر، خلها تبتهج بالحياة، لا تغطها بالغطاء، لا تعمي عيونها بالغطفر، خلها تمش مع الناس، هذا هو الحرية، أليس كذلك؟ ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ نفس الشيء، أطلِقوا لها العنان لأجل الحرية؛ لأن هذا هو الخير، ليس من العدل أنك أنت تروح تتفرج وتنزه وتقف على هذا الدكان، وعلى هذا الدكان وهي محبوسة في البيت، وهكذا كل داع إلى ضلالة فطبعًا سوف يقني هذه الضلالة بما يغر الغريب فهو شبيه بمن؟ باليهود والنصارى.
* من فوائد الآية: مقابلة الباطل بالحق، ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ لا بد أن الإنسان يسير على طريق، لكن هل هو حق ولَّا باطل؟ أثبت الله الباطل في قوله: ﴿بَلْ﴾، وقد ذكرنا في التفسير أن (بل) هنا للإضراب الإبطالي.
* من فوائد الآية: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث كنا أتباعًا له في ملته، هذه واحدة، وجه آخر: وصفه بأنه حنيف، وجه ثالث: وصفه بأنه لم يك من المشركين، ففي هذا ثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجوه ثلاثة، أولًا: إمامته، وأيش وجه أنه إمام؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: حيث أمرنا باتباعه، والمتبوع هو الإمام، من ناحية أنه حنيف مائل عن كل دين سوى الإسلام، من ناحية ثالثة: ليس فيه شرك في عمله ﷺ.
* ومن فوائد الآية: أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
* ومنها: أن اليهودية والنصرانية نوع من الشرك؛ لأن قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدل على أنها نوع من الشرك، كل من كفر بالله ففيه نوع من الشرك، لكن إن اتخذ إلهًا فهو شرك حقيقة وواقعًا وإلا فإنه شرك باعتبار اتباع الهوى.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ بعض المعربين يقول: إن ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف على ﴿إِلَهَ﴾ يعني: وإله إسماعيل وإسحاق؟
* الشيخ: لا، هذا بعيد، أقول هذا بعيد؛ لأنه يشتت النظم.
* الطالب: يتخلص منه يعني نسبة..
* الشيخ: لا، هذا معروف في اللغة العربية، الرسول قال عليه الصلاة والسلام: «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٣ / ١١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] ما في محذوف.
البقرة 2:135
قال: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ (أم) هنا متصلة ولّا منقطعة؟
* طالب: منقطعة.
* طالب آخر: متصلة.
* الشيخ: متصلة؟ المتصلة هي التي تأتي بين شيئين متعادلين، كما مرت علينا في البلاغة، وهنا لم تأت بين شيئين متعادلين، فهي إذن منقطعة، والمنقطعة يقول المعربون: إنها بمعنى (بل) والهمزة، (بل) وهمزة الاستفهام، الهمزة يعني: همزة الاستفهام، فمعنى ﴿أَمْ كُنْتُمْ﴾: بل أكنتم شهداء.
وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ الضمير يعود على اليهود، اليهود الذين ادعوا أنهم على الحق، وأن هذه وصية أبيهم يعقوب، والتزموا ما هم عليه، ويحتمل أن يكون عائدًا على جميع المخاطبين، ويكون المقصود بذلك الإعلام بما حصل من يعقوب حين حضره الموت، وهذا الاحتمال أولى؛ لأنه ما في هنا دليل على أنه يعود على اليهود، بل الآيات كلها عامة، وهي أيضًا منقطعة عن اليهود، من آيات سابقة كثيرة، فالمعنى تقرير ما وصى به يعقوب حين موته.
وقوله: ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع شهيد أو شاهد، بمعنى: حاضر.
وقوله: ﴿إِذْ حَضَرَ﴾ ﴿إذ﴾ هذه ظرف مبني على السكون في محل نصب، أي: وقت حضور يعقوب الموت، وقوله: ﴿حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ لأيش إنها منصوبة وهي بعد الفعل؟ تقول: حضر يعقوبُ ولّا حضر يعقوبَ؟
* طالب: حضر يعقوبَ.
* الشيخ: أي هي منصوبة بعد الفعل؟ لو تقول مثلًا: حضر عبدُ الله؟
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به؟ وين الفاعل؟
* طالب: الفاعل ﴿الْمَوْتُ﴾.
* الشيخ: جيد ما شاء الله، إي نعم، ﴿يَعْقُوبَ﴾ منصوب؛ لأنه مفعول مقدم، و﴿الْمَوْتُ﴾ فاعل مؤخر، فهمتم؟ لأن الحاضر الموت والمحضور يعقوب، فهو إذن مفعول به مقدم.
﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ﴾ هذه ﴿إِذْ﴾ بدل من الأولى، بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، يعني: إذ حضر إذ قال، يعني: أم كنتم أيضًا شهداء إذ قال.
﴿لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ بنو يعقوب من هم؟ إسحاق؟ يوسف وإخوته، أحد عشر رجلًا، حضره الموت، فكان أولاده حاضرين أو أحضرهم، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾.
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعد زمني، وليس من بعد ذاتي؛ لأنهم ما هم بيعبدونه، هم يعبدون الله، فالمراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾، أي: من بعد موتي، أي: من بعد الزمن الذي أنا حاضر فيه معكم، فأنتم الآن تعبدون الله، فماذا تعبدون من بعدي، فهمتم؟ وليس المعنى: ماذا تعبدون من بعدي، أي: أني أنا معبودكم الآن، فمن الذي تعبدونه من بعدي؟ هذا ليس المراد قطعًا.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ بدؤوا به؛ لأنهم يخاطبونه، ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ جمع أب، فمن هم؟ إبراهيم وهو بالنسبة إليه جد، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وإسماعيل وهو بالنسبة إليه عم، وإسحاق وهو بالنسبة إليه أب مباشر، أما إطلاق الأبوة على إبراهيم وعلى إسحاق، فالأمر فيها ظاهر، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن إسحاق أبوه، وإبراهيم جده، والجد أب، بل قال الله لهذه الأمة -وهي بينها وبين إبراهيم عالم- قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج ٧٨]، لكن الإشكال في كون إسماعيل أبًا له مع أنه عمه، فيقال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣ / ١١) واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والصنو: الغصن أو الغصنان أصلهما واحد، فذكر مع الآباء؛ لأنه صنو الأب؛ لأن العم صنو الأب، وكما قال الرسول ﷺ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٩٩)، ومسلم (١٧٨٣ / ٩١)، من حديث البراء رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.]]، كذلك نقول: العم بمنزلة الأب، مفهوم يا جماعة؟
وقيل: إن هذا من باب التغليب، وإن الأب ما يطلق حقيقة على العم إلا مقرونًا بغيره، بالأب الحقيقي، وعلى هذا إذا قلنا مثلًا ما فيها إشكال إطلاقًا؛ لأن التغليب سائغ في اللغة العربية، فيقال: القمران والمراد بهما؟
* الطلبة: الشمس والقمر.
* الشيخ: الشمس والقمر، ويقال: العمران، وهما؟
* طالب: أبو بكر وعمر.
* الشيخ: أبوبكر وعمر.
وقوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾، وأيش إعراب ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؟
* طالب: بدل.
* الشيخ: بدل من ﴿آبَائِكَ﴾، وفيها قراءة ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ .
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ﴿إِلَهًا﴾ هذه حال، حال يسمونها حال موطئة، ولكنها بناء على أن الإله غير مشتق، والصحيح أنه مشتق، وأنه بمعنى مألوه، وعليه فتكون حالًا مؤسسة حقيقية ما هي موطئة؛ لأن الحال الموطئة التي تكون تمهيدًا لمشتق، مثل ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، فإن (قرآنًا) ما هي مشتقة، والحال كما تقدم لنا تكون مشتقة، هذه قال بعضهم: إنها كذلك، وهو مبني على أن الله والإله غير مشتق، والصحيح أنه مشتق، وعلى هذا فيكون ﴿إِلَهًا﴾ منصوبًا على؟
* طالب: الحال.
* الشيخ: الحال، ﴿وَاحِدًا﴾ حال أخرى مكررة، ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: نعبده إلهًا واحدًا، وفي هذا دليل على أن العبادة والألوهية معناهما واحد، لكن العبادة باعتبار العابد، والألوهية باعتبار الإله؛ ولهذا يقول أهل العلم يسمون التوحيد: توحيد العبادة، وبعضهم يقول: توحيد الألوهية.
* طالب: وعلى كونها حالًا موطئة يكون إعراب ﴿وَاحِدًا﴾ أيش؟
* الشيخ: حال، على كل حال.
* طالب: ما تصير بدل، ياشيخ؟
* الشيخ: لا، ما تكون بدلًا.
* الطالب: بدل من ﴿إِلَهًا﴾.
* الشيخ: لا ما تكون بدلًا؛ لأن البدل معناه أنك إذا حذفت المبدل منه استقام الكلام، وهذا ما يستقيم الكلام.
* طالب: وأيش فائدة إذا قلنا: حال؛ لأن (واحد) مفهوم من قولك (إله)؟
* الشيخ: لا، (إلهًا) نكرة، والنكرة تفيد الإطلاق ولا تمنع الاشتراك، فلو قلت لك -مثلًا-: أكرم رجلًا، هل معناه: ولا تكرم غيره؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ما تفيده.
* طالب: ما تكون توكيد يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما تكون، لو قالوا: ما نعبد إلا إلهًا، فربما، لكن ما تدل على الوحدانية إلا إذا قالوا: (واحدًا).
﴿إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، و﴿مُسْلِمُونَ﴾ خبره، و﴿لَهُ﴾ جار ومجرور متعلقة بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾، قدمت عليها لإفادة الحصر من حيث المعنى، ولمراعاة فواصل الآيات من حيث اللفظ، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي: لهذا الإله الواحد سبحانه وتعالى مسلمون، والإسلام بمعنى الانقياد والإخلاص، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ٢٠]، أي: جعلته خالصًا لله، فيطلق على الانقياد، وهو الإسلام الظاهر والباطن.
إي، الاستمرار والدوام بخلاف الجملة الفعلية، فهي تفيد الدوام والاستمرار.
ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ الضمير يعود على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن سبق، وكان اليهود يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام في هؤلاء، فبين الله تعالى أن هذه أمة، والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتطلق في القرآن على عدة معان، المعنى الأول: الطائفة كما هنا، والمعنى الثاني؟
* طالب: المعنى الثاني: ما يكون على دين واحد.
* الشيخ: لا، هذه تابعة للطائفة، الطائفة على دين واحد هي الأمة.
* طالب: حقبة من الزمن.
* الشيخ: حقبة من الزمن، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥].
* الشيخ: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، يعني: بعد حقبة من الزمن، الثالث؟
* طالب: الإمام.
* الشيخ: الإمام، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ نعم، بعد؟
* طالب: (...) يعني؟
* الشيخ: إي نعم، بمعنى إمام ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾؟
* طالب: قدوة.
* الشيخ: ذكرناها.
* الطالب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].
* الشيخ: لا.
* طالب: الطريقة.
* الشيخ: إي، الطريقة والملة، ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، أي على طريقة وملة نتبعها، فصارت الأمة في القرآن الكريم لها أربعة معانٍ.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مضت، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة ١٣٤] فلا تنالون مما كسبوا شيئًا، ولا ينالون مما كسبتم شيئًا، وما أحسن هذه الآية أن تكون في كل مقام يشبه هذا، فمثلًا إذا قال ناس: الصحابة جرى من بعضهم كذا وكذا؟ فلك أن تقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ مثل ما يذكر عن «أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم: هذه دماء طهر الله سيوفنا منها، فنحن نُطهرُ ألسنتَنا منها »[[أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩ / ١١٤) بلفظ: تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أحب أن أخضب لساني فيها.]]، رحمه الله، هذه كلمة عظيمة، فعلى هذا النزاع فيمن سبق لا محل له، انتهوا، لهم ما كسبوا ولنا ما كسبنا، ولكن النزاع في الأمر الحاضر، هذا هو الذي يجب أن يبين فيه الحق وأن يبطل فيه الباطل، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ما أنتم مسؤولين، تسألون عما أيش؟
* الطلبة: عما تعملون.
* الشيخ: عما كنتم تعملون، أما عما كانوا يعملون فلا، فإنكم لا تسألون؛ لأن حسابهم على الله عز وجل ولا تسألون عنهم، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسَبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (٦٥١٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وفي لفظ: «فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ»[[ أخرجه الترمذي (١٩٨٢)، وأحمد في مسنده (١٨٢٠٩) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.]] وقالوا.
* طالب: ما فيه قراءة ولا يسألون (...)؟
* الشيخ: اللي عندي ولا تسألون، ما فيها قراءة.
* الطالب: إذا كان فيه، ما يكون المعنى؟
* الشيخ: ما يصح، (ولا يسألون عما كانوا يعملون)، إزاي (ما يسألون) يعني، من يسألهم؟
* الطالب: ما يمشي؟
* الشيخ: ما يمشي.
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ (هود) جمع (هائد) كما مر علينا في البخاري مثل عوذ جمع عائذ، ﴿هُودًا﴾ يعني من اليهود، من اللي يقول: ﴿كُونُوا هُودًا﴾؟
* الطلبة: اليهود.
* الشيخ: اليهود، ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ يقوله النصارى، ﴿تَهْتَدُوا﴾ لم يقل: تهتدون مع أنه فعل مضارع يرفع بثبوت النون، فلماذا حذفت النون؟ لأنها جواب الأمر، وقد سبق لنا -أظن البارحة أو قبل- هل إن جواب الأمر مجزوم به؟ أو مجزوم بشرط محذوف؟ على قولين لأهل النحو، والصحيح أنه مجزوم به؛ لأنه ما يحتاج إلى تقدير، الذين يقولون هذا: اليهود والنصارى، يخاطبون من؟ يخاطبون المسلمين، يقولون: إن كان تريدون الهداية فكونوا هودًا أو نصارى، مثل أهل البدع في هذه الأمة، يعني: أهل الأديان بالنسبة للأمة عامة يقولون: كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا، أهل البدع بالنسبة لأهل السنة والجماعة يقولون: كونوا كذا وكذا تهتدوا، الأشاعرة يقولون: كونوا أشاعرة تهتدوا، والمعتزلة يقولون: كونوا معتزلة تهتدوا، والقاديانية يقولون: كونوا قاديانية تهتدوا، والتيجانية يقولون: كونوا تيجانية تهتدوا، والصوفية يقولون: كونوا صوفية تهتدوا، وعلى هذا فقس.
وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا لِلَيْلَى ∗∗∗ وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَ كل يقول: الحق معي، ولكن ﴿إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ في جواب من يدعونكم إلى اليهودية من اليهود أو النصرانية من النصارى ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ﴾، بل هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* الطلبة: الإبطالي.
* الشيخ: الإبطالي؛ لأنها تبطل ما سبق، يعني: بل لا نتبعه، ولا نكون هودًا ولا نصارى، ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾، وبهذا التقدير الذي ذكرت لكم يتبين لنا على أي وجه نصب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، والملة بمعنى الدين كما سبق، وملة إبراهيم هي التوحيد، يعني نتبع توحيد الله عز وجل والإسلام له؛ لأن إبراهيم ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٣١]. هذه الملة.
﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ﴿حَنِيفًا﴾ إعرابها حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وهذا من الغرائب أن تكون حالًا من المضاف إليه، فهل في كلام ابن مالك ما يشير إلى هذا؟
* طالب: إي نعم، هو قوله: ولا يكون..
* الشيخ: اسم زمان..
* الطالب: ولا يجيء..، ما أعرف.
* طالب: قوله:
أَوْ كَانَ جُزْءُ مَا لَهُ أُضِيْفَا ∗∗∗ أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا * الشيخ: أيش (أَوْ كَانَ جُزْءُ مَالَهُ أُضِيفَا)؟
* الطالب:
وَلاَ تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ∗∗∗ إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ* الشيخ: ؎أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيْفَا ∗∗∗ أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا هذا داخل في قوله: ؎..................... ∗∗∗ أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيْفَا قال: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، هذه الحال هل هي حال لازمة أو حال متنقلة؟
* الطالب: لازمة.
* الشيخ: لازمة، إذن لا مفهوم له، ليس معناه أن إبراهيم مرة حنيف ومرة مائل غير حنيف، لكنه حنيف صفة لازمة له عليه الصلاة والسلام حنيفًا، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ لأن الحنيف هو المائل عما سوى التوحيد، مأخوذ من حَنَفِ الرِّجْل أي: ميلها، فهو مائل عن كل ما سوى التوحيد، إذن ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تكون توكيدًا لهذه الحال توكيدًا معنويًّا لا إعرابيًّا، فليس توكيدًا إعرابيًّا؛ لأن التوكيد الإعرابي معروف، ما هو من هذا الصيغ، لكنه توكيد معنوي، يعني: أنه عليه الصلاة والسلام ما كان من المشركين، ما كان فيما مضى من المشركين أو فيما يستقبل؟
* طالب: فيما مضى.
* الشيخ: قلنا: إن كان ما تدل على الحدث، تدل على اتصاف اسمها بخبرها، مثل ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] هل معناه أن الله كان فيما سبق دون الآن؟ أو هو متصف بالمغفرة والرحمة؟ هو متصف، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ليس معناه أنه ما كان فيما مضى من عمره، ثم كان، بل هو ما كان أن هذا الوصف منتفٍ عنه.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يعم انتفاء الشرك الأصغر والأكبر عنه ولَّا لا؟ والشرك كما هو معروف عندنا أصغر وأكبر، هذه هي التي نحن نتبع، يتبعها الرسول ﷺ ونتبعها نحن إن شاء الله تعالى ونرجو الله أن نموت عليها، هذه هي الملة الحنيفية الحقيقية التي تُوصِل العبد إلى ربه ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
ثم قال الله تعالى آمرًا هذه الأمة أن يقولوا هذا المعتقد العظيم: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦] آمنا بالله، والإيمان هو التصديق بالقلب المستلزم للقبول والإذعان، هذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة، أما عند المرجئة ومنهم الأشاعرة فالإيمان: هو التصديق بالقلب، وعندهم لا يزيد ولا ينقص، قاله ابن القيم وغيره من أهل السنة إذا قلتم: إن الإيمان التصديق بالقلب فإن إبليس مؤمن؛ لأنه مقر بالله يقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص ٨٢] فعلى هذا يكون مؤمن.
* طالب: التصديق بالقلب المستلزم؟
* الشيخ: المستلزم للقبول والإذعان، وعلى هذا على رأيكم يكون أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مصدق، وهذا من أبطل الأقوال، هذا من أبطل الأقوال، فنقول: الإيمان: هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان.
* الطالب: وما ردهم يا فضيلة الشيخ، ما ردهم على هذا الاعتراض القوي جدًّا؟ ما ردهم على هذا؟
* الشيخ: يعني: بماذا يردون على هذا؟
* الطالب: تعليقكم فعلًا يدخل إبليس ويدخل غيره؟
* الشيخ: إي نعم، هم يقولون كما حرفوا في آيات الصفات وأحاديثها حرفوا في هذا أيضًا، قالوا: إن استكباره عن السجود دليل على أنه غير مؤمن، فنقول لهم: كيف يكون دليلًا على أنه غير مؤمن وهو يقر، هل يلزم الإنسان بما لم يقر به؟ هل يلزم المتكلم، ما نقول: الإنسان؛ لأن الشيطان ما هو إنسان، هل يلزم المتكلم بخلاف نطقه؟
* الطالب: لا، وهو في آخر لحظة بيقول: يا رب بردو آخر دقيقة؟
* الشيخ: مَنْ؟
* الطالب: إبليس يقر في آخر دقيقة.
* الشيخ: نعم، نعم.
* الطالب: وهو نازل من الجنة، بردو بيقول:
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر ٣٦].
* الشيخ: نعم، نعم المهم على كل حال أهل الباطل يحرفون الكلم عن مواضعه، وطريقتهم في الأدلة أهل الباطل كلهم، أنما قدروا على إبطال سنده وصحته تيسر لهم ذلك، حتى لو هو في الصحيحين يقولون: هذا خبر آحاد ما يفيد في العقائد، هذه طريقتهم -والعياذ بالله- يعني كل رواة الصحيحين إذا لم يكن الحديث متواترًا كلهم طعنوا فيه، وقالوا: إن حديثهم ما يمكن أن يستدل به على شيء من العقائد إطلاقًا، هدموا نصف الشريعة أو أكثر، غالب الشريعة آحاد ولَّا لا؟
* الطلبة: آحاد.
* الشيخ: آحاد، غالب الشريعة آحاد، وفي الحقيقة أن هذا القول قول باطل حتى في الأمور العملية، الإنسان إذا عمل عملًا ما هو عقيدة هل يمكن يعمل إلا وهو يعتقد أنه من أمر الله؟
* طالب: لا بد يعتقد.
* الشيخ: لا بد يعتقد، إذن فالعمل نفس الأعمال البدنية مبنية على أيش؟
* الطلبة: على العقيدة.
* الشيخ: على العقيدة، فعلى رأيهم على هذا نقول: إذن، ولا نثبت الأحكام العملية؛ لأنه ما يمكن أن يعمل بحكم إلا وهو يعتقد أن الذي حكم به هو الله. فالمهم أننا نقول: إن هذه الأصول الباطلة في الإيمان أنه مجرد التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص كما هو مذهب المرجئة عامة، من المرجئة مَنْ؟ الأشاعرة والجهمية، الجهمية أيضًا مرجئة، ولهذا الأشاعرة يوافقون الجهمية في مسألة الإرجاء، يوافقونهم، المعتزلة يوافقون الجهمية في مسألة الصفات وينكرونها.
* طالب: (...).
* الشيخ: الصفات، صفات الله.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: المعتزلة والجهمية يتوافقون في الصفات، لكن يختلفون في مسألة الإيمان، المعتزلة يقولون: الإيمان قول وعقيدة وعمل متماسك إذا فقد بعضه فقد الكل، ولهذا يرون فاعل الكبيرة خارجًا من الإيمان، المعتزلة، شوف أهل الباطل يكفر بعضهم بعضًا في بعض الأشياء، قصدي يضلل بعضهم بعضًا، وإن كانوا قد لا يحكمون بالكفر على هؤلاء لكن يقولون: هؤلاء ضالون، فإذن الإيمان في اللغة أيش؟
* الطلبة: التصديق.
* الشيخ: التصديق، وفي الشرع: (...)، وهذه دعوى (...).
قال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة ١٣٣] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التوحيد وصية الأنبياء؛ لقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الموت حق حتى على الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤].
* ومنها: جواز الوصية عند حضور الأجل؛ لقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ قبل هذا، ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ وهذا كالوصية لهم، ولكنه يشترط أن يكون الموصي يعي ما يقول، فإن كان لا يعي ما يقول فإنه لا يصح وصيته.
* ويستفاد من هذا: رجحان القول الصحيح بأن الجد أب، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: ﴿آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فإن إبراهيم جده وليس أباه.
* ومن فوائد الآية: أنه يجوز إطلاق اسم الأب على العم تغليبًا، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ فإن إسماعيل عم وليس أبًا.
* ومنها: أن أبناء يعقوب كانوا على التوحيد حيث قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾، وهذا لا شك أنه توحيد منهم.
* ومنها أيضًا؛ من فوائد الآية: اتباع الآباء، أن النفوس مجبولة على اتباع الآباء، لكن إن كان على حق فهو حق، وإن كان على باطل فهو باطل؛ لقولهم: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ ولهذا الذين حضروا وفاة أبي طالب قالوا له: «أترغب عن ملة عبد المطلب»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٦٠) ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن. ]]؟
* ومنها؛ من فوائد الآية: إخلاص الإسلام لله حيث قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿لَهُ﴾، وجه الإخلاص تقديم المعمول، في له؛ لأن ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فهو معمولٌ له، وقد علم أن تقديم المعمول يفيد الحصر.
* ومنها: إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أنه لا ينبغي التشاغل بما كان عليه الآباء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعني فأنتم الآن هم مضوا وأسلموا لله، وأنتم أيها اليهود الموجودون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام عليكم أن تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم، والتشاغل بما كان عليه الآباء تضييع للوقت وربما يضر.
* ومن فوائد الآية: أن فيه إشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة، أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾، فنحن معنيون الآن بأنفسنا، أما ما جرى بين معاوية وعلي بن أبي طالب أو بين علي وعائشة وما أشبه هذا فإن هذا أمر لا يعنينا الآن، نحن علينا أن نقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠].
* الطالب: غير الصحابة يدخل فيها ولَّا لا؟
* الشيخ: وغير الصحابة أيضًا يدخل، ولا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بمثل هذه الأمور، وعليه أن ينظر ما ينفعه في دينه ودنياه.
* ومنها: أن الإنسان وعمله؛ لقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فلا أحد يعطى من عمل أحد ولا يؤخذ منه، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨].
* ومنها: أن الآخِر لا يسأل عن عمل الأول، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: عكسه؟ الأول يسأل عن عمل الآخر؟
* طالب: يمكن.
* الشيخ: يمكن، الأول قد يسأل عن عمل الآخر كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١] فقد يكون الأول صاحب بدعة ويتبع على بدعته، فيكون دالًّا على ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، أفهمتم؟ لكن الآخر ما يسأل عن عمل الأول.
فإذا قيل: هل آخر الآية ينقض أولها؟ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فالجواب؟ لا؛ لأنهم إذا دعوا إلى ضلالة أو إلى حق واتبعناهم نحن الآخرين فهذا من كسبهم فلهم ما كسبوا.
* ومنها من فوائد الآية: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يؤاخذ أحدًا بما لم يعمله؛ لقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إثبات السؤال، وأن الإنسان سيسأل، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ منطوق الآية واضح نفي السؤال عن عمل الغير ومفهومها ثبوت السؤال عن عمله، وأنك مسؤول عن العمل وهو كذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في هذه الآية دعوة وادعاء، وين الدعوة؟
* الطلبة: ﴿كُونُوا﴾.
* الشيخ: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ والادعاء ﴿تَهْتَدُوا﴾،* فيستفاد منها: أن أهل الباطل يدعون إلى ضلالهم ويدَّعون فيه الخير، ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ هذا دعوة إلى ضلال، ﴿تَهْتَدُوا﴾ ادعاء أن ذلك خير، وهكذا أيضًا ورث هؤلاء اليهود ورثهم من ضل من هذه الأمة، قال النبي ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٢١٨٩٧)، وابن حبان في صحيحه (٦٧٠٢) من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه. ]].
في الأمة أهل بدع ولَّا لا؟ يدعون إلى الضلالة، ويدَّعون أن هذا هو الخير، مثلًا المعتزلة يدعون إلى الاعتزال ويقولون: إن الخير فينا، نحن المنزِّهون لله عن النقائص، وأنتم أيها المثبتون للصفات أنتم مجسمة، أنتم مجسمة ممثلة، كذا ولَّا لا؟ والتنزيه عندنا، هؤلاء دعوا إلى ضلال، وادعوا أنه الحق والخير، فقالت الأشعرية: نحن جُذَيْلُها الْمُحَكَّك، نحن أصحاب الشأن أنتم من المعتزلة على خطأ والسلف مجسمة أو مفوضة، إن كانوا مفوضة فهم مسالمون لهم؛ لأن المفوض عند الأشعرية هو الذي لا يزيد على قراءة القرآن والحديث، هذا المفوض، تفويض المعنى والكيفية؛ ولهذا تجدهم الأشاعرة يقولون: مذهب السلف التفويض، ومذهب الخلف إثبات المعاني، فمذهبنا أعلم وأحكم من مذهبكم أيها السلف، وهو صحيح، لو كان مذهب السلف -كما يقولون- إنه مجرد أنك تقرأ وأنك كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] إلا قراءة، لو كان هذا مذهب السلف لكنا نشهد الله أن مذهب الخلف خير؛ لأنه يثبت أن للقرآن حقيقة ومعنى، نزل لنتعبد بهذا المعنى لله.
لكن نقول: كذبتم على مذهب السلف، ما هو مذهب السلف حقيقة؟ التفويض فيما لا يدركون علمه وهو حقيقة هذه الصفات وكيفيتها، هذا ما يقدر أحد يتكلم عن هذه الكيفية أبدًا، لكن المعنى يفوضونه ولَّا لا؟ يثبتون المعنى اللائق بالله عز وجل، إذن فهم أعلم وأحكم وأسلم فهمتم؟ الأشاعرة يقولون: إحنا اللي معنا الحق، اتْبَعونا بس، الحق معنا، لا تثبتون لله إلا سبع صفات، وسبع أحوال على خلاف بيننا وبينهم في كيفية إثبات هذه الصفات، بأن نضرب مثلًا: الكلام عندنا ثابت وعندهم ثابت أيضًا، لكن وأيش هو الكلام عندهم؟
* طالب: المعنى القائم.
* الشيخ: الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وهو معنى واحد سواء جاء بلفظ الاستفهام أو الخبر أو الأمر أو النهي، وسواء كان توراة أو إنجيلًا أو قرآنًا، لكن يعبر عنه بهذه التعبيرات ليكون إما خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا أو توراة أو إنجيلًا أو القرآن، وهذا ما هو إثبات بالحقيقة، فالمهم إني أقول يا إخواننا: كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود والنصارى، دعاة السفور الآن يقولون: خل المرأة تتحرر، خلها تبتهج بالحياة، لا تغطها بالغطاء، لا تعمي عيونها بالغطفر، خلها تمش مع الناس، هذا هو الحرية، أليس كذلك؟ ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ نفس الشيء، أطلِقوا لها العنان لأجل الحرية؛ لأن هذا هو الخير، ليس من العدل أنك أنت تروح تتفرج وتنزه وتقف على هذا الدكان، وعلى هذا الدكان وهي محبوسة في البيت، وهكذا كل داع إلى ضلالة فطبعًا سوف يقني هذه الضلالة بما يغر الغريب فهو شبيه بمن؟ باليهود والنصارى.
* من فوائد الآية: مقابلة الباطل بالحق، ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ لا بد أن الإنسان يسير على طريق، لكن هل هو حق ولَّا باطل؟ أثبت الله الباطل في قوله: ﴿بَلْ﴾، وقد ذكرنا في التفسير أن (بل) هنا للإضراب الإبطالي.
* من فوائد الآية: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث كنا أتباعًا له في ملته، هذه واحدة، وجه آخر: وصفه بأنه حنيف، وجه ثالث: وصفه بأنه لم يك من المشركين، ففي هذا ثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجوه ثلاثة، أولًا: إمامته، وأيش وجه أنه إمام؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: حيث أمرنا باتباعه، والمتبوع هو الإمام، من ناحية أنه حنيف مائل عن كل دين سوى الإسلام، من ناحية ثالثة: ليس فيه شرك في عمله ﷺ.
* ومن فوائد الآية: أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
* ومنها: أن اليهودية والنصرانية نوع من الشرك؛ لأن قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدل على أنها نوع من الشرك، كل من كفر بالله ففيه نوع من الشرك، لكن إن اتخذ إلهًا فهو شرك حقيقة وواقعًا وإلا فإنه شرك باعتبار اتباع الهوى.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ بعض المعربين يقول: إن ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف على ﴿إِلَهَ﴾ يعني: وإله إسماعيل وإسحاق؟
* الشيخ: لا، هذا بعيد، أقول هذا بعيد؛ لأنه يشتت النظم.
* الطالب: يتخلص منه يعني نسبة..
* الشيخ: لا، هذا معروف في اللغة العربية، الرسول قال عليه الصلاة والسلام: «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٣ / ١١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] ما في محذوف.
البقرة 2:136
قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿قُولُوا﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ وأمته جميعًا، والمراد بالقول هنا: القول باللسان وبالقلب، فالقول باللسان نطقه، والقول بالقلب اعتقاده، القلب له قول وفعل، والجسم له قول وفعل، قول الجسم باللسان وفعله بالجوارح، وقول القلب إقراره واعترافه بالشيء، هذا قول، وفعله حركته كمحبته ورجائه وخوفه وخشيته وما أشبه ذلك، هذه لأن هذه حركات قلبية، قولوا بألسنتكم، وأيش بعد؟
* الطلبة: وقلوبكم.
* الشيخ: وقلوبكم ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان تقدم هناك مرارًا كثيرًا أنه في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المتضمن أو المستلزم للقبول والإذعان، ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، الإيمان بالله يتضمن هذه الأمور الأربعة، فلننظر الآن الشيوعيون الذين ينكرون وجود الله آمنوا بالله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما الذي فقد منهم؟ كل الأربعة، كل الأربعة ما دام ما يؤمنون بالوجود ما هم مؤمنين بالربوبية ولا بالألوهية ولا بالأسماء والصفات، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الذين يؤمنون بالله لكن يشركون معه غيره، ويقولون: مثلًا إن القطب الغوث يدبر، وأن الرسول ﷺ يدبر، وما أشبه ذلك، هؤلاء آمنوا بالله باعتبار الوجود، لكن ما آمنوا بالربوبية والألوهية ولا بالأسماء والصفات أيضًا.
الذين يؤمنون بالله وبربوبيته وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره يقولون: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] آمنوا بأيش؟ بالوجود والربوبية دون الألوهية.
الذين يؤمنون بهذا كله لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون، إما أن ينكروا الأسماء والصفات، وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات، وإما أن ينكروا بعض الصفات، هؤلاء ما آمنوا بالله من حيث الأسماء والصفات ما آمنوا حقيقة الإيمان، فإيمانهم ناقص، فالإيمان بالله إذن يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يعني: وآمنا بما أنزل إلينا، فـ(ما) هنا اسم موصول مبني على السكون في محل جر عطفًا على قوله: ﴿اللَّهِ﴾ عطف على الله، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ يشمل القرآن وهو مُنْزَل ويشمل السنة أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فإن الحكمة هي السنة، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ هو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم منزل إليه؟ نعم منزل إليه؛ لأنه نبي ورسول، فهو منزل إليه، ما الذي أنزل إليه؟ الذي نعرف الصحف التي ذكرها الله في موضعين من القرآن، وين؟
* طالب: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأعلى ١٨، ١٩].
* الشيخ: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وأيش بعد؟
* طالب: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧].
* الشيخ: نعم، في سورة النجم. وما أنزل إلى إسماعيل، إسماعيل نبي منزل إليه، ما الذي أنزل إليه ما ندري، ما علمنا شيئًا لكنه منزل إليه قطعًا، واعلموا أن كل من ذكر في القرآن فإنه نبي رسول، كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو نبي رسول، بعض الناس يشكك، يقول: هل كل اللي في القرآن من الأنبياء؟ بعضهم ما ذكر الله أنه رسول، لكننا نقول: هو رسول، وأيش الدليل؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٨].
وقال في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٤] كل مذكور في القرآن من الأنبياء فإنهم رسل بدون استثناء، ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾.
* طالب: أقول: آدم؟
* الشيخ: لا، آدم ما ذُكِر أن له قومًا وأنه نبي، في القرآن ما ذُكِر أنه نبي، ذُكِر قصته.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: نبي، نبي ورسول.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: إي رسول، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
* طالب: قارون؟
* الشيخ: قارون؟ لا، يقول: هارون.
* الطالب: هارون؟
* الشيخ: ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إسحاق ويعقوب أيضًا منزل إليهم، لكن ما نعرف، ما ذكر ما الذي أنزل إليهم، الأسباط جمع سِبط قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف، وقيل: ما أنزل على الأسباط أي أنبياء بني إسرائيل عامة، كل أنبياء بني إسرائيل اللي ما ذكروا؛ لأن أولاد يعقوب تفرع منهم بنو إسرائيل، فيكون المراد بالأسباط ليس الاثني عشر ابنًا ليعقوب، بل جميع أنبياء بني إسرائيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ما أعطوا، ﴿مَا أُوتِيَ﴾ أوتي بمعنى أُعْطِي، وأتي بمعنى جيء، يعني: أن أتى الثلاثي بمعنى جاء، وأن آتى الرباعي بمعنى أعطى، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني؟
* الطلبة: أعطيناهم.
* الشيخ: أعطيناهم، ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* طالب: جئناك.
* الشيخ: جئناك وليس معناها أعطيناك، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ما أعطي. من أين أعطوا وأيش أعطوا؟
* طالب: آيات.
* الشيخ: ما أعطوا من الآيات، وما أعطوا من الوحي أيضًا، فإن الله تعالى أعطاهم وحيًا وآيات، موسى أعطي من الآيات؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: لا، من الوحي التوراة، من الآيات تسع: اليد، والعصا، وأيش بعد؟
* طالب: (...) سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والآيات التسعة اللي ذكر الله اليد يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، والعصا فيها ثلاث آيات، آيات عظيمة، فيها ثلاث آيات عظيمة: منها أنه يلقيها فتنقلب حية، ومنها أنه يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا، ومنها أنه ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، هذه من آيات الله العظيمة سبحان الله.
وأما عيسى فأوتي أيضًا آيات عظيمة منها: أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، صورة تمثال طير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة ﴿طَائِرًا﴾ يكون طائرًا، وإذا جمعنا بين الآيتين؛ لأنا نحن قلنا: إن الآيتين يعتبران كمعنيين، فيكون طير ويطير بنفس الفعل طائرًا، هل يجوز أن الإنسان يصنع تمثالًا على شكل الطير؟
* طالب: لا، ما يجوز.
* الشيخ: إذا أذن الله له جاز، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] إذا أذن الله جاز، لما أذن الله تعالى للملائكة أن يسجدوا لآدم، بل أمرهم بالسجود لآدم صار سجودهم لآدم طاعة وصار تركه كفرًا، إبليس لما استكبر كفر، بينما لا يسجد أحد الآن لآدمي.
(...) يحيي الموتى بإذن الله ويخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يحييهم قبل الدفن ويخرجهم من قبورهم بعد الدفن ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، وهذه من آيات الله التي أوتيها عيسى، قال أهل العلم: وإنما كانت آية موسى بالعصا؛ لأنه في زمن ارتقى فيه السحر إلى الغاية، وكانت آية عيسى في إخراج الموتى وفي إبراء الأكمه والأبرص؛ لأن الطب ارتقى فيه إلى الغاية، نعم والله سبحانه وتعالى يتحدى كل قوم بما يناسب عصرهم، وكان هذا القرآن آية مدى الدهر؛ لأنه لكل الخلق إلى يوم القيامة.
(...) هنا قد يسأل سائل: لماذا عبر بقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى آخره، وفي موسى وعيسى قال: ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ولم يقل: وما أنزل إلى موسى وعيسى، فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير أو لا؟
نقول: بحسب ما يظهر لنا والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية، الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد، لو قال: وما أنزل وما أنزل، تكررت كم مرة؟ أربع مرات، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم، وما أنزل إلى موسى، وما أنزل إلى النبيين، ومعلوم أنه من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر منها.
أما الفائدة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باق إلى زمن الوحي، دينهما باق إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات، النصارى يقولون: عيسى بن مريم يحي الموتى، ويفعل كذا ويفعل كذا، وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك، فبين الله سبحانه تعالى في هذا أن هذه الأمة تؤمن بهذه الآيات، ما أوتوا من وحي وآيات.
وأما قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فهذا والله أعلم أتى بما أوتي النبيون للعموم؛ لأنه ما ذكر في الآية هنا من الأنبياء إلا قليل بالنسبة لعددهم، فلهذا عبر بالإيتاء ليشمل كل الآيات التي أوتوها، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [البقرة ١٦٣]، وقوله: ﴿مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (من) هنا للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص، وإلا فالله تعالى رب الجميع، لكن هذه ربوبية خاصة، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني لأنهم هم لا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات أو بهذا الوحي، فهم يتلقون من الله وليسوا مستقلين بهذه الآيات حتى الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه الآيات يستطيع أن يأتي بها؟ لا، ما يستطيع؛ ولهذا قال لما اقترحوا عدة آيات قال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٣]، فلا أملك أن آتي بالآيات ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠].
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الجملة هذه داخلة في مقول القول، يعني قولوا: آمنا على هذا الوجه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على الأنبياء.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: في الإيمان وليس في الاتباع؛ لأننا في الاتباع مأمورون باتباع من؟ محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، فالشريعة نفرق بينهم ولا نَتْبع إلا شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان، أما في الإيمان وأنهم رسل، وأنهم من عند الله، وأنهم صادقون فيما جاؤوا به، فهم عندنا على حد سواء، كلهم صادقون فيما جاؤوا به، وكلهم رسل من عند الله، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ هل يشمل المنازل أيضًا؟
* طالب: لا يشمل.
* الشيخ: لأيش؟ لاختلافهم في الفضل، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، إذن عندنا التفريق في المنزلة، والتفريق في الشريعة، والتفريق بالإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، أي الأمور الثلاثة التي لا نفرق بين أحد منهم؟ الإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، وأنهم رسل من الله عز وجل.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قال: ﴿نَحْنُ﴾ وهنا أتى بضمير الجمع ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ ليشعر المؤمن أنه هو وأخوه كنفس واحدة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨١) ومسلم ٢٥٨٥ / ٦٥) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]] يعني ونحن جميع المؤمنين.
وقوله: ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على من؟ على الله سبحانه وتعالى، يعني ونحن لله، وهذا في عود الضمير على الأسبق، مع أن القاعدة أن يعود الضمير على أقرب مذكور، لكن هنا عاد الضمير على الأسبق؛ لأنه ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ بالله، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي لله مسلمون، مع أنه جاء بعدها عدة أشياء لكنه عاد، إذا قيل: ما الدليل على أنه يعود الضمير على الله عز وجل؟ نقول: الدليل على ذلك أولا: الضمير مفرد، والثاني: أن الإخلاص لمن يكون؟ لله.
وقوله: ﴿لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدم المعمول لغرضين أو لحكمتين: معنوية، ولفظية، المعنوية إفادة الاختصاص الذي نعبر عنه أحيانا بالحصر، والفائدة اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل أيش؟ فواصل الآيات، فإذا قال قائل: أي دليل لكم على أن مراعاة الفواصل معتبرة؟ قلنا: الدليل ما ذكره الله تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أن في الآية الأخرى: بـ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، فقدم هنا هارون على موسى مراعاة لفواصل الآيات، لا نعلم سوى هذا، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، فعلى هذا نقول في قوله: ﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تقديم المعمول لفائدتين: معنوية ولفظية.
وقوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ الإسلام إسلام الشيء للشيء معناه اختصاصه به، فالمراد بالإسلام هنا: الانقياد التام لله عز وجل بإخلاص، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة ١١٢] هنا إسلام القصد ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أما العمل فقال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فالحاصل أن الإسلام هنا يتضمن الانقياد بإخلاص، الانقياد التام بإخلاص لله عز وجل.
* طالب: شيخ، الأسباط ليه مجرورة وهي معطوفة على منصوب؟
* الشيخ: أين أصحاب النحو؟ إشكال، يقول: كيف كانت الأسباط مجرورة وهي معطوفة على أيش؟
* الطالب: على المنصوب؟
* الشيخ: على منصوب.
* الطلبة: على المجرور.
* الشيخ: نقول: هي معطوفة على مجرور، ما قرأت بالاسم الذي لا ينصرف عجمة؟
* الطالب: يعني كلهم داخل عليهم العجمة؟
* الشيخ: إي إي.
* الطالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فهمت؟ الدليل على هذا شوف ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (إلى) ما هي بحرف جر؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف؛ لأن الأسماء هذه قبل العروبة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة ١٣٦، ١٣٧]
* طالب: (...).
* الشيخ: خبر (نحن).
* الطالب: (له) ضمير فصل.
* الشيخ: (له)، لا، جار و مجرور متعلق بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾.
* الطالب: (نحن).
* الشيخ: مبتدأ؛ ونحن مسلمون له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) ضمير الفصل ما فيها لام حرف الجر (...) ثم إن ضمير الفصل أيضًا تعرفون أن ضمير الفصل يكون بصيغة المرفوع، أو لا؟ بصيغة المرفوع ضمير منفصل مرفوع إن هذا ضمير متصل له.
* طالب: (...) شيخ (...) مبتدأ؟
* الشيخ: لا، ﴿وَنَحْنُ﴾ وأيش محلها من الإعراب؟
* الطالب: مبتدأ (...) خبر.
* الشيخ: لا لا، ونحن مسلمون له، هذا هو المعنى؛ ولهذا قلنا: قدم المعمول، لو كان مبتدأ والخبر مقدم ما قلنا: قدم المعمول، لقلنا: قدم الخبر.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ أحيانًا عيسى يضيف إليه يقول: عيسى بن مريم (...) أحيانًا يقول (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يضر.
* الطالب: ما فيه فوائد؟
* الشيخ: لا، ما فيه.
* طالب: شيخ، موسى عليه السلام يختلف عيسى (...) يختلف عن موسى ولَّا لأن هذا أنزل عليه الإنجيل ويش..؟
* الشيخ: يختلف؟
* الطالب: يعني شرعته مطابقة ولَّا كيف؟
* الشيخ: إي نعم، مطابقة.
* الطالب: بني إسرائيل وإحنا قلنا: أديانهم كلها (...)؟
* الشيخ: كلها مطابقة. الإنجيل مطابق للتوراة إلا أنه فيه بعض التخفيفات على بني إسرائيل (...) والتوراة ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤] حتى عيسى إلا أن الإنجيل فيه بعض الأشياء التي خففت، إي نعم.
* طالب: شيخ، ذكر النبيون بعد موسى وعيسى (...)؟
* الشيخ: ما يدل على هذا، لكنه يفيد عطف العام على الخاص.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ آمنوا من؟
* الطلبة: اليهود والنصارى.
* الشيخ: اليهود والنصارى؛ لأن هذه الآيات كلها متتابعة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة ١٣٥]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ﴿إِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ﴿بِمِثْلِ﴾ اختلف المعربون في الباء، وفي (مثل)، أيهما الزائد، فقيل: إن (مثل) هي الزائدة، وإن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا، وأن (مثل) زائدة معنى، أي: أنها أفادت زيادة معنى، وهي أنه إن آمنوا ليس مطلق إيمان بل إيمانًا مطابقا لإيمانكم، فعلى هذا يكون الزيادة في كلمة: مثل، والأصل: فإن آمنوا بما آمنتم به، لكن أتى بمثل ليبين أن إيمانهم لا يكفي مطلق الإيمان بما آمنتم به فقط مطلقًا لا، لا بد أن يكون مطابقًا مماثلًا بمثل ما آمنتم به.
وقيل: إن الزائد هو الباء، الزائد هو الباء حرف الجر، وإن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم، مثل ما آمنتم، يعني: مثل الذي آمنتم، والباء الثانية أيضًا زائدة أي: مثل الذي آمنتموه، أي مثل إيمانكم.
فصار عندنا الآن قولان: منهم من يرى أن الزائد (مثل)، ومنهم من يرى أن الزائد الباء، والجميع اتفقوا على أن المراد الزيادة الإعرابية وليست الزيادة المعنوية، بل لها معنى، والمعروف أن الأسماء لا تزاد، وأن الزيادة في الحروف كثيرة، الزيادة في الحروف كثيرة ولَّا لا؟ كما مر علينا في ألفية ابن مالك، لكن الزيادة في الأسماء قليلة، لأيش؟ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها، والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها، ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه، ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن تزاد الأسماء، الاسم كلمة جاءت لمعنى في ذاتها ما يمكن تزاد بخلاف الحرف، فعلى هذا يكون الزيادة في الباء أي: فإن آمنوا مثل ما آمنتموه، أي: مثل إيمانكم، وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد، أي: إن آمنوا إيمانًا مطابقًا لإيمانكم مماثلًا له من كل الوجوه فقد اهتدوا، والفاء هنا رابطة للجواب، جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ آمَنُوا﴾.
وقوله: ﴿اهْتَدَوْا﴾ أي سلكوا سبيل الهداية، والهداية هنا هداية العلم والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفقوا واهتدوا.
وقوله: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الهداية هنا مطلقة ولَّا لا؟ وهو كذلك، هداية مطلقة كما أن المسلمون الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة، بالمناسبة يقولون: إن بعض النصارى في مصر احتجوا على المسلمين، وقالوا: لماذا تستبيحون نساءنا ولا تبيحوننا نساءكم؟ احتجاج صحيح، لأيش أن المسلم يجوز يأخذ النصرانية والنصراني ما يجوز يأخذ المسلمة؟ قالوا: لأننا نؤمن بنبيكم ولا تؤمنون بنبينا، صحيح؟ صحيح؛ لأننا نؤمن بنبيكم وأنتم ما تؤمنون بنبينا، آمنوا بنبينا نعطيكم بناتنا.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿تَوَلَّوْا﴾ تولي الإعراض، تولى بمعنى أعرض، وأيش عنه تولوا؟ عن الإيمان بمثل ما آمنتم به، إن تولوا وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف هذه أتت جملة اسمية للدلالة على الاستمرار والثبوت، وأتت بـ(إنما) الدالة على الحصر، يعني: فما حالهم إلا الشقاق ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف الخبر الآن ظرف بدليل (في) التي للظرفية كأن الشقاق محيط بهم من كل جانب، في شقاق منغمسون في شقاق، والشقاق بمعنى الخلاف، وهو في كل معانيه يدور على هذا حتى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج ٥٣] بعضهم قال: الشقاق هنا بمعنى الضلال، ولكن الصحيح أن معناه الخلاف، في كل ما جاءت في القرآن فهي للخلاف، وإن كان بعضهم يقول: تأتي للخلاف وتأتي للضلال وتأتي للعداء، لكن الصحيح أنها في كل ما جاءت فهي خلاف، حتى العدو مخالف لعدوه، والضال مخالف للمهتدي، ويدل لذلك لأن أصل معنى الشقاق أن يكون أحد الطرفين في شق والثاني في شق آخر، وبهذا يكون خلافه، يعني فإنما هم في خلاف معكم، هذا الخلاف سيؤدي حتمًا إلى العداوة، ولهذا لا شك أن بين المؤمنين وبين اليهود والنصارى عداوة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة ٨٢]، وفي النصارى أيضًا عداوة وعداوتهم ظاهرة، لكن قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢] لعلة وهي ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة ٨٢] إلى آخره، أما النصارى الذين اعتدوا وبغوا على المسلمين، فإنهم لا يدخلون في هذه الآية، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١].
فاليهود والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق وفي خلاف، وهذا الخلاف لا بد أن يؤدي إلى عداوة وبغضاء وبالتالي إلى قتال، والأمر وقع، المسلمون قاتلوا اليهود، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وقاتلوا النصارى الروم كلهم نصارى، ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية، وسيقاتلونهم أيضًا مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم، ولا بد من هذا في المستقبل، فإذن هؤلاء اليهود والنصارى نحن معهم في شقاق؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، وكأن الإنسان إذا سمع ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قد يهاب ويخاف فطمأن الله المؤمنين بقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ هنا ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فالجملة هذه فيها فاعل وفعل ومفعولان، أو لا؟ الفاعل؟
* طالب: الله.
* الشيخ: الله، الله، والمفعول الأول؟
* طالب: الكاف.
* الشيخ: الكاف، والمفعول الثاني؟
* طالب: الهاء.
* الشيخ: الهاء، الضميران متصلان فهل الاتصال هنا واجب؟ أو جائز؟ لو كان في غير القرآن (...) القرآن معلوم، يجب اتباعه.
* طالب: الأول واجب والثاني جائز.
* الشيخ: الأول واجب والثاني جائز؟ تعطينا شواهد من كلام ابن مالك.
* الطالب:
........................ ∗∗∗ أَشْبَهَهُ فِي كُنْتُهُ الخُلْفُ انْتَمَى* الشيخ: كذاك؟
* الطالب: كَذَاكَ خِلْتَنِيهِ.
* الشيخ: أي الثلاثة هذه؟ ابن مالك ذكر (سَلْنِيهِ)، و(كُنْتُهُ)، و(خِلْتَنِيهِ) أي الثلاتة هذه؟
* الطالب: خلتنيه.
* الشيخ: خلتنيه، توافقون على هذا؟
* طالب: إي نعم لها مفعولان، (خلت) لها مفعولان.
* الشيخ: لأن (خلت) لها مفعولان، صح، وهذه لها مفعولان، ولكنه خطأ، يتبين، هذه داخلة في قوله: سَلْنِيهِ.
وَصِلْ أَوِ افْصَلْ هَاءَ سَلْنِيهِ... ∗∗∗ ............................ لأيش؟ لأن (خِلْتَنِيهِ) ناصبة مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ما هي بـ(خال) من أخوات (ظن)؟
* الطلبة: أيوه.
* الشيخ: فهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و(سَلْنِيهِ) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهي من أخوات (كَسَا)، سيكفيكهم ناصبة الآن مفعولين هل أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لأنه ما يصح أن يقال: أنت هم، هل الكاف تكون مبتدأ والهاء تكون خبر؟ ما يصح، واضح؟ إذن هي داخلة في قوله: سَلْنِيهِ وما أشبهها، هذا من (وما أشبهه).
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ السين هنا يقول العلماء: إنها للتنفيس، وفائدتها أمران ذكرناهما من قبل ويبينهما إما حامد وإلا آدم؟ السين هنا للتنفيس وتفيد شيئين أحدهما يعطيني إياه آدم؟ (...).
وقوع الثاني قرب الوقوع، تحققه وقربه بخلاف سوف فإنها تفيد التحقق ولكن مع مهلة، مع مهلة، وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ إذن تكفل الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا فإن الله سبحانه وتعالى فسيكفيك إياهم عن قرب، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب، فإن الرسول ﷺ لم يتوفَّ حتى جلا اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم خيبر وأبقاهم فيها عمالًا، وفي خلافة عمر رضي الله عنه أجلاهم حتى عن خيبر، فكفى الله المؤمنين شرهم والحمد لله.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ من أسماء الله، و﴿الْعَلِيمُ﴾ أيضًا من أسمائه تبارك وتعالى، وقد سبق أن السميع لها معنيان: أحدهما بمعنى المجيب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده أي استجاب أو أجاب أي أجاب لمن حمده، وبمعنى إدراك المسموع، السمع بمعنى إدراك المسموع، وذكرنا فيما سبق في العقيدة: أن هذا السمع يفيد مع الإدراك تهديدًا أو تقريرًا أو تأييدًا، يفيد تهديدًا كما في قوله؟ السمع للتهديد؟
* طالب: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي﴾ [المجادلة ١].
* الشيخ: لا.
* الطالب: الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة.
* الشيخ: نعم ما هي هذه يقول ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] مَنْ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: لا.
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح، هذا تهديد، وفي قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠] هذا للتهديد، وللتقرير مثل؟ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] وللتأييد؟ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] فعلى هذا نقول: السميع تفيد شيئين: أولًا إثباتها اسم من أسماء الله، وثانيا: إثبات السمع له، والسمع ينقسم إلى قسمين؟ سمع إجابة وسمع إدراك، وسمع الإدراك ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام، أو سمع الإدراك قد يقتضي التهديد وقد يقتضي التقرير وقد يقتضي التأييد حسب السياق.
وأما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فالعليم أيضًا اسم من أسماء الله، فعلم الله سبحانه وتعالى شامل لكل شيء جملة وتفصيلًا، أما الجملة فلقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] بكل شيء، عام، وأما التفصيل فمثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] وما تنبت؟ من باب أولى، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ وما من شيء إلا رطب أو يابس ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: فإنه يعلمه ومكتوب أيضًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦] ما من دابة، من يحصي الدواب؟ ما يحصيها إلا الله، أجناسها فضلًا عن أفرادها وأنواعها، إذن علم الله تعالى محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا متعلق بالماضي والحاضر والمستقبل ولَّا لا؟ في الماضي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿مَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى و﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الحاضر والمستقبل.
وقوله هنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قد يقول قائل من الناس: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: وهو القوي العزيز؛ لأنه قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فما هو الجواب عن ختمها بالسمع والعلم؟
* طالب: (...) المدينة هم يعني يوسوسون، وسوسة داخلية.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: القوة والعزة والحكمة تبدأ من علم الله سبحانه وتعالى يعني كلها تدخل في حكمة الله وعلمه فيتخذها ما شاء.
* الشيخ: إي، على كل حال كل شيء له، كل شيء هو مقرون بالعلم وبالحكمة، لكن بس الأنسب يعني فيما يبدو لنا فالظاهر لي والله أعلم إنه لما كان تدبير هؤلاء المشاقين تدبير الكيد للرسول عليه الصلاة والسلام من هؤلاء قد يكون بالأقوال وقد يكون بالأفعال، والتدبير أمر خفي، أمر خفي ما هو حرب يعلن حتى نقول ينبغي أن يقابل بقوة وعزة، قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حتى الأمور اللي ما تدري عنها ولا يبرزونها ولا يظهرون الحراب حرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الله تعالى سميع عليم، هذا ما ظهر لي والله أعلم، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...) الحكمة (...) ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (...).
* الشيخ: يعني أيش؟ يعني من الصعب النطق بها؟
* الطالب: (...) بالمعنى.
* الشيخ: يعني هذه خلاف البلاغة تقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وأما كونها طويلة فلأن فيها معاني، السين لا بد من وجودها، وأيضًا المخاطب فسيكفيكهم لا بد أن يخاطبه بذلك وضمير الغيبة ما أشوف فيها شيء.
* طالب: والفاء جواب الشرط.
* الشيخ: والفاء جواب الشرط.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغة، الصُّبغ معناه اللون كما تعرفون، فما المراد بصبغة الله؟ قالوا: المراد دين الله، صبغة الله دين الله، وسمي الدين صبغة لظهور أثره على العامل به، فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه، يظهر على صفحات وجهه ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها، فهو بمنزلة الصُّبغ للثوب يظهر أثره عليه، وقيل: إنه صبغة، سُميَ صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب، وهل يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعًا؟
* الطلبة: ما يمنع.
* الشيخ: ما يمنع، ما يمنع فهو صبغة للزومه، وهو صبغة أيضًا لظهور أثره على العامل به، ما وجه النصب في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغةَ الله ولم يقل: صبغةُ الله؟ قيل: إنها مصدر معنوي لقوله: ﴿آمَنّا﴾، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فإن ﴿آمَنّا﴾ معناها الدين، وأن التقدير: تدينَّا دين الله، تدينا دين الله ولا ريب أن هذا بعيد؛ لأن ﴿آمَنّا﴾ في آية أخرى قبلها، أو لا؟ قولوا: لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في الآية السابقة، في آية أخرى قبلها ويبعد أن يكون هذا متعلقًا بها، ولأنه فصل بينهما بفواصل كثيرة، إذن فهو منصوب على الإغراء، يعني: الزموا صبغة الله الزموا صبغة الله، ولا يصدنكم هؤلاء عن دينكم الزموه، وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أضيفت إليه لأنها منه، فإن الشريعة جاءت من الله، ولا أحد يُشرِّع للخلق إلا خالقهم سبحانه وتعالى ﴿ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة ١٣٨] (...).
* طالب: أن من شروط الإمامة أن يقوم الإنسان بما أُمِر به، فإن إبراهيم عليه السلام لما أتم ما أمره الله سبحانه وتعالى به أخبر الله سبحانه وتعالى له أنه سيجعله (...) فيجب قيام الإنسان بالإمامة الاتيان بما (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: أنه لما أمره الله سبحانه وتعالى بما أمر به فامتثل جعله الله للناس إمامًا؟
* الشيخ: إذن يؤخذ منه أن من قام بأوامر الله جعله الله إمامًا، أو لا؟ جعله الله إمامًا وهذا حق، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، قال ابن تيمية رحمه الله: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، مفهوم من قوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
* طالب: (...) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧] يقول بعض المفسرين: إن هذا (...) إسماعيل (...).
* الشيخ: نعم، إي؛ لأن الأصل إبراهيم.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة ١٣٥] ذكرنا فيها أن هذه الدعوى موجودة في أهل البدع من هذه الأمة؟
* الطالب: كل طائفة يدعون إلى ما هم عليه مثلًا الأشعرية يقولون: كونوا أشعرية تهتدوا، والجهمية يقولون: كونوا جهمية تهتدوا، كل يدعي.
* الشيخ: صح، إذن معناه أن من خالف الحق ودعا إليه -يعني إلى طريقه- وظن هو الهدى فهو مشابه لمن؟
* الطلبة: لليهود والنصارى.
* الشيخ: لليهود والنصارى، بماذا رد الله على هؤلاء الذين قالوا: تهتدوا؟
* طالب: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: وأيش إعراب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: للفعل نتبع. نتبع ملة.
* الشيخ: لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، ما تقولون في هذا؟
* الطلبة: (...)؟
* الشيخ: صحيح، إذن ملة إبراهيم هو اللي فيها الهداية ما هي باليهودية ولا النصرانية.
ما الفائدة من قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة ١٣٩]؟
* طالب: (...) الفائدة.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؟ هذا كلنا يعرف أن لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وأيش الفائدة منه هل هذا تحصيل حاصل كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأيش الفائدة منه؟
* طالب: (...) لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي أن (...) بالله سبحانه وتعالى وهو ربنا وربكم لا ينفعكم (...) بالله لا ينفعكم فإن كل له عمله ومعول على..
قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله.
* ومن فوائدها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، وكل ما يضاف إلى الله، فإنه حق.
* ومن فوائدها: أن دين الله تعالى أحسن الأديان وأكملها وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإخلاص، إخلاص العبادة له؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر.
* ومنها: أن العقل يقضي التزام الدين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، فإن العقل يهدي إلى أن الواجب أو أن الذي من العقل التزام الأحسن، كل إنسان له عقل سليم، فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن.
ثم قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: التشنيع على من يحاج في أمر يعترف به، فإنهم يحاجون في الله وهم يعترفون بأنه ربهم، فهو ربنا وربكم.
* ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه.
* ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لأنه قال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾، فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم.
* ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة بالعمل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٠٣١)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وهنا يقول: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فيها قراءتان: ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ ، ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾، فعلى الثانية ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ يكون هذا من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله؛ لأنه قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ يعني: وقل: أتقولون إن إبراهيم، أما على القراءة بالياء ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ فهذه الجملة من كلام الله كما مر.
* فمن فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، فهذه الدعوى باطلة، إذن ما وصف هؤلاء؟ المسلمون، وصف هؤلاء الإسلام، فإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ليسوا يهودًا ولا نصارى، بل هم مسلمون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إن هذا جائز عقلًا على الله فنقر به، وهذا يمتنع عقلًا على الله فلا نقر به، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه ناس يقولون هكذا كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم، نقول لهم في الجواب كلهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، هل أنتم أعلم بما يجوز على الله ويمتنع عليه ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه ويجوز له ويجب له؟ الله أعلم، وهذه هي حقيقة حجة ملزمة مقحمة مفحمة أيضًا لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: يجب لله كذا، ويمتنع عليه كذا، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، فإن العالم بشريعة الله شاهد على الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فكل إنسان يكتم علمًا فقد كتم شهادة عنده من الله، ثم إن في هذا عظم إثمه، يؤخذ من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء ٦٩] قيل: إن المراد بالشهداء هم أهل العلم.
* ومنها: كمال علم الله ومراقبته لعباده لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: ثبوت الصفات السلبية، وهي: ما نفاه الله عن نفسه، من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فإن هذه صفة سلبية ما هي ثبوتية، والصفات السلبية -كما مر علينا- متضمنة لإثبات كمال ضده، لكمال مراقبته وعلمه سبحانه وتعالى ليس بغافل عما نعمل.
ومنها: تخويف الإنسان وإنذاره من المخالفة، تؤخذ من أين؟ تخويف الإنسان من المخالفة من أين؟
* طالب: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟ ويش وجه هذا التخويف؟
* الطالب: إثبات أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عن..
* الشيخ: إيه، لكن ويش وجهه من التخويف؟
* الطالب: يعني بيحذر الإنسان، يعني: اعلم أيها الإنسان أن الله مطَّلع عليك في كل أعمالك.
* الشيخ: فإياك والمخالفة، يعني: مثلًا عندما تهدد إنسانًا بشيء تقول: ما أنا بغافل عنك، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إضافة العمل إلى العامل، ففيه رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تعرف وجهه؟ ففيه الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا يعمل بل هو مجبر، واضح؟
* الطلبة: نعم.
البقرة 2:137
قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿قُولُوا﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ وأمته جميعًا، والمراد بالقول هنا: القول باللسان وبالقلب، فالقول باللسان نطقه، والقول بالقلب اعتقاده، القلب له قول وفعل، والجسم له قول وفعل، قول الجسم باللسان وفعله بالجوارح، وقول القلب إقراره واعترافه بالشيء، هذا قول، وفعله حركته كمحبته ورجائه وخوفه وخشيته وما أشبه ذلك، هذه لأن هذه حركات قلبية، قولوا بألسنتكم، وأيش بعد؟
* الطلبة: وقلوبكم.
* الشيخ: وقلوبكم ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان تقدم هناك مرارًا كثيرًا أنه في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المتضمن أو المستلزم للقبول والإذعان، ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، الإيمان بالله يتضمن هذه الأمور الأربعة، فلننظر الآن الشيوعيون الذين ينكرون وجود الله آمنوا بالله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما الذي فقد منهم؟ كل الأربعة، كل الأربعة ما دام ما يؤمنون بالوجود ما هم مؤمنين بالربوبية ولا بالألوهية ولا بالأسماء والصفات، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الذين يؤمنون بالله لكن يشركون معه غيره، ويقولون: مثلًا إن القطب الغوث يدبر، وأن الرسول ﷺ يدبر، وما أشبه ذلك، هؤلاء آمنوا بالله باعتبار الوجود، لكن ما آمنوا بالربوبية والألوهية ولا بالأسماء والصفات أيضًا.
الذين يؤمنون بالله وبربوبيته وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره يقولون: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] آمنوا بأيش؟ بالوجود والربوبية دون الألوهية.
الذين يؤمنون بهذا كله لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون، إما أن ينكروا الأسماء والصفات، وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات، وإما أن ينكروا بعض الصفات، هؤلاء ما آمنوا بالله من حيث الأسماء والصفات ما آمنوا حقيقة الإيمان، فإيمانهم ناقص، فالإيمان بالله إذن يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يعني: وآمنا بما أنزل إلينا، فـ(ما) هنا اسم موصول مبني على السكون في محل جر عطفًا على قوله: ﴿اللَّهِ﴾ عطف على الله، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ يشمل القرآن وهو مُنْزَل ويشمل السنة أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فإن الحكمة هي السنة، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ هو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم منزل إليه؟ نعم منزل إليه؛ لأنه نبي ورسول، فهو منزل إليه، ما الذي أنزل إليه؟ الذي نعرف الصحف التي ذكرها الله في موضعين من القرآن، وين؟
* طالب: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأعلى ١٨، ١٩].
* الشيخ: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وأيش بعد؟
* طالب: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧].
* الشيخ: نعم، في سورة النجم. وما أنزل إلى إسماعيل، إسماعيل نبي منزل إليه، ما الذي أنزل إليه ما ندري، ما علمنا شيئًا لكنه منزل إليه قطعًا، واعلموا أن كل من ذكر في القرآن فإنه نبي رسول، كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو نبي رسول، بعض الناس يشكك، يقول: هل كل اللي في القرآن من الأنبياء؟ بعضهم ما ذكر الله أنه رسول، لكننا نقول: هو رسول، وأيش الدليل؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٨].
وقال في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٤] كل مذكور في القرآن من الأنبياء فإنهم رسل بدون استثناء، ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾.
* طالب: أقول: آدم؟
* الشيخ: لا، آدم ما ذُكِر أن له قومًا وأنه نبي، في القرآن ما ذُكِر أنه نبي، ذُكِر قصته.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: نبي، نبي ورسول.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: إي رسول، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
* طالب: قارون؟
* الشيخ: قارون؟ لا، يقول: هارون.
* الطالب: هارون؟
* الشيخ: ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إسحاق ويعقوب أيضًا منزل إليهم، لكن ما نعرف، ما ذكر ما الذي أنزل إليهم، الأسباط جمع سِبط قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف، وقيل: ما أنزل على الأسباط أي أنبياء بني إسرائيل عامة، كل أنبياء بني إسرائيل اللي ما ذكروا؛ لأن أولاد يعقوب تفرع منهم بنو إسرائيل، فيكون المراد بالأسباط ليس الاثني عشر ابنًا ليعقوب، بل جميع أنبياء بني إسرائيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ما أعطوا، ﴿مَا أُوتِيَ﴾ أوتي بمعنى أُعْطِي، وأتي بمعنى جيء، يعني: أن أتى الثلاثي بمعنى جاء، وأن آتى الرباعي بمعنى أعطى، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني؟
* الطلبة: أعطيناهم.
* الشيخ: أعطيناهم، ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* طالب: جئناك.
* الشيخ: جئناك وليس معناها أعطيناك، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ما أعطي. من أين أعطوا وأيش أعطوا؟
* طالب: آيات.
* الشيخ: ما أعطوا من الآيات، وما أعطوا من الوحي أيضًا، فإن الله تعالى أعطاهم وحيًا وآيات، موسى أعطي من الآيات؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: لا، من الوحي التوراة، من الآيات تسع: اليد، والعصا، وأيش بعد؟
* طالب: (...) سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والآيات التسعة اللي ذكر الله اليد يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، والعصا فيها ثلاث آيات، آيات عظيمة، فيها ثلاث آيات عظيمة: منها أنه يلقيها فتنقلب حية، ومنها أنه يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا، ومنها أنه ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، هذه من آيات الله العظيمة سبحان الله.
وأما عيسى فأوتي أيضًا آيات عظيمة منها: أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، صورة تمثال طير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة ﴿طَائِرًا﴾ يكون طائرًا، وإذا جمعنا بين الآيتين؛ لأنا نحن قلنا: إن الآيتين يعتبران كمعنيين، فيكون طير ويطير بنفس الفعل طائرًا، هل يجوز أن الإنسان يصنع تمثالًا على شكل الطير؟
* طالب: لا، ما يجوز.
* الشيخ: إذا أذن الله له جاز، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] إذا أذن الله جاز، لما أذن الله تعالى للملائكة أن يسجدوا لآدم، بل أمرهم بالسجود لآدم صار سجودهم لآدم طاعة وصار تركه كفرًا، إبليس لما استكبر كفر، بينما لا يسجد أحد الآن لآدمي.
(...) يحيي الموتى بإذن الله ويخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يحييهم قبل الدفن ويخرجهم من قبورهم بعد الدفن ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، وهذه من آيات الله التي أوتيها عيسى، قال أهل العلم: وإنما كانت آية موسى بالعصا؛ لأنه في زمن ارتقى فيه السحر إلى الغاية، وكانت آية عيسى في إخراج الموتى وفي إبراء الأكمه والأبرص؛ لأن الطب ارتقى فيه إلى الغاية، نعم والله سبحانه وتعالى يتحدى كل قوم بما يناسب عصرهم، وكان هذا القرآن آية مدى الدهر؛ لأنه لكل الخلق إلى يوم القيامة.
(...) هنا قد يسأل سائل: لماذا عبر بقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى آخره، وفي موسى وعيسى قال: ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ولم يقل: وما أنزل إلى موسى وعيسى، فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير أو لا؟
نقول: بحسب ما يظهر لنا والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية، الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد، لو قال: وما أنزل وما أنزل، تكررت كم مرة؟ أربع مرات، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم، وما أنزل إلى موسى، وما أنزل إلى النبيين، ومعلوم أنه من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر منها.
أما الفائدة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باق إلى زمن الوحي، دينهما باق إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات، النصارى يقولون: عيسى بن مريم يحي الموتى، ويفعل كذا ويفعل كذا، وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك، فبين الله سبحانه تعالى في هذا أن هذه الأمة تؤمن بهذه الآيات، ما أوتوا من وحي وآيات.
وأما قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فهذا والله أعلم أتى بما أوتي النبيون للعموم؛ لأنه ما ذكر في الآية هنا من الأنبياء إلا قليل بالنسبة لعددهم، فلهذا عبر بالإيتاء ليشمل كل الآيات التي أوتوها، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [البقرة ١٦٣]، وقوله: ﴿مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (من) هنا للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص، وإلا فالله تعالى رب الجميع، لكن هذه ربوبية خاصة، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني لأنهم هم لا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات أو بهذا الوحي، فهم يتلقون من الله وليسوا مستقلين بهذه الآيات حتى الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه الآيات يستطيع أن يأتي بها؟ لا، ما يستطيع؛ ولهذا قال لما اقترحوا عدة آيات قال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٣]، فلا أملك أن آتي بالآيات ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠].
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الجملة هذه داخلة في مقول القول، يعني قولوا: آمنا على هذا الوجه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على الأنبياء.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: في الإيمان وليس في الاتباع؛ لأننا في الاتباع مأمورون باتباع من؟ محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، فالشريعة نفرق بينهم ولا نَتْبع إلا شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان، أما في الإيمان وأنهم رسل، وأنهم من عند الله، وأنهم صادقون فيما جاؤوا به، فهم عندنا على حد سواء، كلهم صادقون فيما جاؤوا به، وكلهم رسل من عند الله، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ هل يشمل المنازل أيضًا؟
* طالب: لا يشمل.
* الشيخ: لأيش؟ لاختلافهم في الفضل، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، إذن عندنا التفريق في المنزلة، والتفريق في الشريعة، والتفريق بالإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، أي الأمور الثلاثة التي لا نفرق بين أحد منهم؟ الإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، وأنهم رسل من الله عز وجل.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قال: ﴿نَحْنُ﴾ وهنا أتى بضمير الجمع ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ ليشعر المؤمن أنه هو وأخوه كنفس واحدة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨١) ومسلم ٢٥٨٥ / ٦٥) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]] يعني ونحن جميع المؤمنين.
وقوله: ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على من؟ على الله سبحانه وتعالى، يعني ونحن لله، وهذا في عود الضمير على الأسبق، مع أن القاعدة أن يعود الضمير على أقرب مذكور، لكن هنا عاد الضمير على الأسبق؛ لأنه ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ بالله، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي لله مسلمون، مع أنه جاء بعدها عدة أشياء لكنه عاد، إذا قيل: ما الدليل على أنه يعود الضمير على الله عز وجل؟ نقول: الدليل على ذلك أولا: الضمير مفرد، والثاني: أن الإخلاص لمن يكون؟ لله.
وقوله: ﴿لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدم المعمول لغرضين أو لحكمتين: معنوية، ولفظية، المعنوية إفادة الاختصاص الذي نعبر عنه أحيانا بالحصر، والفائدة اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل أيش؟ فواصل الآيات، فإذا قال قائل: أي دليل لكم على أن مراعاة الفواصل معتبرة؟ قلنا: الدليل ما ذكره الله تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أن في الآية الأخرى: بـ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، فقدم هنا هارون على موسى مراعاة لفواصل الآيات، لا نعلم سوى هذا، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، فعلى هذا نقول في قوله: ﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تقديم المعمول لفائدتين: معنوية ولفظية.
وقوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ الإسلام إسلام الشيء للشيء معناه اختصاصه به، فالمراد بالإسلام هنا: الانقياد التام لله عز وجل بإخلاص، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة ١١٢] هنا إسلام القصد ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أما العمل فقال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فالحاصل أن الإسلام هنا يتضمن الانقياد بإخلاص، الانقياد التام بإخلاص لله عز وجل.
* طالب: شيخ، الأسباط ليه مجرورة وهي معطوفة على منصوب؟
* الشيخ: أين أصحاب النحو؟ إشكال، يقول: كيف كانت الأسباط مجرورة وهي معطوفة على أيش؟
* الطالب: على المنصوب؟
* الشيخ: على منصوب.
* الطلبة: على المجرور.
* الشيخ: نقول: هي معطوفة على مجرور، ما قرأت بالاسم الذي لا ينصرف عجمة؟
* الطالب: يعني كلهم داخل عليهم العجمة؟
* الشيخ: إي إي.
* الطالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فهمت؟ الدليل على هذا شوف ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (إلى) ما هي بحرف جر؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف؛ لأن الأسماء هذه قبل العروبة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة ١٣٦، ١٣٧]
* طالب: (...).
* الشيخ: خبر (نحن).
* الطالب: (له) ضمير فصل.
* الشيخ: (له)، لا، جار و مجرور متعلق بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾.
* الطالب: (نحن).
* الشيخ: مبتدأ؛ ونحن مسلمون له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) ضمير الفصل ما فيها لام حرف الجر (...) ثم إن ضمير الفصل أيضًا تعرفون أن ضمير الفصل يكون بصيغة المرفوع، أو لا؟ بصيغة المرفوع ضمير منفصل مرفوع إن هذا ضمير متصل له.
* طالب: (...) شيخ (...) مبتدأ؟
* الشيخ: لا، ﴿وَنَحْنُ﴾ وأيش محلها من الإعراب؟
* الطالب: مبتدأ (...) خبر.
* الشيخ: لا لا، ونحن مسلمون له، هذا هو المعنى؛ ولهذا قلنا: قدم المعمول، لو كان مبتدأ والخبر مقدم ما قلنا: قدم المعمول، لقلنا: قدم الخبر.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ أحيانًا عيسى يضيف إليه يقول: عيسى بن مريم (...) أحيانًا يقول (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يضر.
* الطالب: ما فيه فوائد؟
* الشيخ: لا، ما فيه.
* طالب: شيخ، موسى عليه السلام يختلف عيسى (...) يختلف عن موسى ولَّا لأن هذا أنزل عليه الإنجيل ويش..؟
* الشيخ: يختلف؟
* الطالب: يعني شرعته مطابقة ولَّا كيف؟
* الشيخ: إي نعم، مطابقة.
* الطالب: بني إسرائيل وإحنا قلنا: أديانهم كلها (...)؟
* الشيخ: كلها مطابقة. الإنجيل مطابق للتوراة إلا أنه فيه بعض التخفيفات على بني إسرائيل (...) والتوراة ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤] حتى عيسى إلا أن الإنجيل فيه بعض الأشياء التي خففت، إي نعم.
* طالب: شيخ، ذكر النبيون بعد موسى وعيسى (...)؟
* الشيخ: ما يدل على هذا، لكنه يفيد عطف العام على الخاص.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ آمنوا من؟
* الطلبة: اليهود والنصارى.
* الشيخ: اليهود والنصارى؛ لأن هذه الآيات كلها متتابعة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة ١٣٥]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ﴿إِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ﴿بِمِثْلِ﴾ اختلف المعربون في الباء، وفي (مثل)، أيهما الزائد، فقيل: إن (مثل) هي الزائدة، وإن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا، وأن (مثل) زائدة معنى، أي: أنها أفادت زيادة معنى، وهي أنه إن آمنوا ليس مطلق إيمان بل إيمانًا مطابقا لإيمانكم، فعلى هذا يكون الزيادة في كلمة: مثل، والأصل: فإن آمنوا بما آمنتم به، لكن أتى بمثل ليبين أن إيمانهم لا يكفي مطلق الإيمان بما آمنتم به فقط مطلقًا لا، لا بد أن يكون مطابقًا مماثلًا بمثل ما آمنتم به.
وقيل: إن الزائد هو الباء، الزائد هو الباء حرف الجر، وإن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم، مثل ما آمنتم، يعني: مثل الذي آمنتم، والباء الثانية أيضًا زائدة أي: مثل الذي آمنتموه، أي مثل إيمانكم.
فصار عندنا الآن قولان: منهم من يرى أن الزائد (مثل)، ومنهم من يرى أن الزائد الباء، والجميع اتفقوا على أن المراد الزيادة الإعرابية وليست الزيادة المعنوية، بل لها معنى، والمعروف أن الأسماء لا تزاد، وأن الزيادة في الحروف كثيرة، الزيادة في الحروف كثيرة ولَّا لا؟ كما مر علينا في ألفية ابن مالك، لكن الزيادة في الأسماء قليلة، لأيش؟ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها، والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها، ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه، ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن تزاد الأسماء، الاسم كلمة جاءت لمعنى في ذاتها ما يمكن تزاد بخلاف الحرف، فعلى هذا يكون الزيادة في الباء أي: فإن آمنوا مثل ما آمنتموه، أي: مثل إيمانكم، وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد، أي: إن آمنوا إيمانًا مطابقًا لإيمانكم مماثلًا له من كل الوجوه فقد اهتدوا، والفاء هنا رابطة للجواب، جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ آمَنُوا﴾.
وقوله: ﴿اهْتَدَوْا﴾ أي سلكوا سبيل الهداية، والهداية هنا هداية العلم والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفقوا واهتدوا.
وقوله: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الهداية هنا مطلقة ولَّا لا؟ وهو كذلك، هداية مطلقة كما أن المسلمون الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة، بالمناسبة يقولون: إن بعض النصارى في مصر احتجوا على المسلمين، وقالوا: لماذا تستبيحون نساءنا ولا تبيحوننا نساءكم؟ احتجاج صحيح، لأيش أن المسلم يجوز يأخذ النصرانية والنصراني ما يجوز يأخذ المسلمة؟ قالوا: لأننا نؤمن بنبيكم ولا تؤمنون بنبينا، صحيح؟ صحيح؛ لأننا نؤمن بنبيكم وأنتم ما تؤمنون بنبينا، آمنوا بنبينا نعطيكم بناتنا.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿تَوَلَّوْا﴾ تولي الإعراض، تولى بمعنى أعرض، وأيش عنه تولوا؟ عن الإيمان بمثل ما آمنتم به، إن تولوا وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف هذه أتت جملة اسمية للدلالة على الاستمرار والثبوت، وأتت بـ(إنما) الدالة على الحصر، يعني: فما حالهم إلا الشقاق ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف الخبر الآن ظرف بدليل (في) التي للظرفية كأن الشقاق محيط بهم من كل جانب، في شقاق منغمسون في شقاق، والشقاق بمعنى الخلاف، وهو في كل معانيه يدور على هذا حتى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج ٥٣] بعضهم قال: الشقاق هنا بمعنى الضلال، ولكن الصحيح أن معناه الخلاف، في كل ما جاءت في القرآن فهي للخلاف، وإن كان بعضهم يقول: تأتي للخلاف وتأتي للضلال وتأتي للعداء، لكن الصحيح أنها في كل ما جاءت فهي خلاف، حتى العدو مخالف لعدوه، والضال مخالف للمهتدي، ويدل لذلك لأن أصل معنى الشقاق أن يكون أحد الطرفين في شق والثاني في شق آخر، وبهذا يكون خلافه، يعني فإنما هم في خلاف معكم، هذا الخلاف سيؤدي حتمًا إلى العداوة، ولهذا لا شك أن بين المؤمنين وبين اليهود والنصارى عداوة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة ٨٢]، وفي النصارى أيضًا عداوة وعداوتهم ظاهرة، لكن قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢] لعلة وهي ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة ٨٢] إلى آخره، أما النصارى الذين اعتدوا وبغوا على المسلمين، فإنهم لا يدخلون في هذه الآية، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١].
فاليهود والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق وفي خلاف، وهذا الخلاف لا بد أن يؤدي إلى عداوة وبغضاء وبالتالي إلى قتال، والأمر وقع، المسلمون قاتلوا اليهود، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وقاتلوا النصارى الروم كلهم نصارى، ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية، وسيقاتلونهم أيضًا مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم، ولا بد من هذا في المستقبل، فإذن هؤلاء اليهود والنصارى نحن معهم في شقاق؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، وكأن الإنسان إذا سمع ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قد يهاب ويخاف فطمأن الله المؤمنين بقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ هنا ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فالجملة هذه فيها فاعل وفعل ومفعولان، أو لا؟ الفاعل؟
* طالب: الله.
* الشيخ: الله، الله، والمفعول الأول؟
* طالب: الكاف.
* الشيخ: الكاف، والمفعول الثاني؟
* طالب: الهاء.
* الشيخ: الهاء، الضميران متصلان فهل الاتصال هنا واجب؟ أو جائز؟ لو كان في غير القرآن (...) القرآن معلوم، يجب اتباعه.
* طالب: الأول واجب والثاني جائز.
* الشيخ: الأول واجب والثاني جائز؟ تعطينا شواهد من كلام ابن مالك.
* الطالب:
........................ ∗∗∗ أَشْبَهَهُ فِي كُنْتُهُ الخُلْفُ انْتَمَى* الشيخ: كذاك؟
* الطالب: كَذَاكَ خِلْتَنِيهِ.
* الشيخ: أي الثلاثة هذه؟ ابن مالك ذكر (سَلْنِيهِ)، و(كُنْتُهُ)، و(خِلْتَنِيهِ) أي الثلاتة هذه؟
* الطالب: خلتنيه.
* الشيخ: خلتنيه، توافقون على هذا؟
* طالب: إي نعم لها مفعولان، (خلت) لها مفعولان.
* الشيخ: لأن (خلت) لها مفعولان، صح، وهذه لها مفعولان، ولكنه خطأ، يتبين، هذه داخلة في قوله: سَلْنِيهِ.
وَصِلْ أَوِ افْصَلْ هَاءَ سَلْنِيهِ... ∗∗∗ ............................ لأيش؟ لأن (خِلْتَنِيهِ) ناصبة مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ما هي بـ(خال) من أخوات (ظن)؟
* الطلبة: أيوه.
* الشيخ: فهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و(سَلْنِيهِ) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهي من أخوات (كَسَا)، سيكفيكهم ناصبة الآن مفعولين هل أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لأنه ما يصح أن يقال: أنت هم، هل الكاف تكون مبتدأ والهاء تكون خبر؟ ما يصح، واضح؟ إذن هي داخلة في قوله: سَلْنِيهِ وما أشبهها، هذا من (وما أشبهه).
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ السين هنا يقول العلماء: إنها للتنفيس، وفائدتها أمران ذكرناهما من قبل ويبينهما إما حامد وإلا آدم؟ السين هنا للتنفيس وتفيد شيئين أحدهما يعطيني إياه آدم؟ (...).
وقوع الثاني قرب الوقوع، تحققه وقربه بخلاف سوف فإنها تفيد التحقق ولكن مع مهلة، مع مهلة، وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ إذن تكفل الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا فإن الله سبحانه وتعالى فسيكفيك إياهم عن قرب، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب، فإن الرسول ﷺ لم يتوفَّ حتى جلا اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم خيبر وأبقاهم فيها عمالًا، وفي خلافة عمر رضي الله عنه أجلاهم حتى عن خيبر، فكفى الله المؤمنين شرهم والحمد لله.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ من أسماء الله، و﴿الْعَلِيمُ﴾ أيضًا من أسمائه تبارك وتعالى، وقد سبق أن السميع لها معنيان: أحدهما بمعنى المجيب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده أي استجاب أو أجاب أي أجاب لمن حمده، وبمعنى إدراك المسموع، السمع بمعنى إدراك المسموع، وذكرنا فيما سبق في العقيدة: أن هذا السمع يفيد مع الإدراك تهديدًا أو تقريرًا أو تأييدًا، يفيد تهديدًا كما في قوله؟ السمع للتهديد؟
* طالب: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي﴾ [المجادلة ١].
* الشيخ: لا.
* الطالب: الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة.
* الشيخ: نعم ما هي هذه يقول ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] مَنْ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: لا.
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح، هذا تهديد، وفي قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠] هذا للتهديد، وللتقرير مثل؟ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] وللتأييد؟ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] فعلى هذا نقول: السميع تفيد شيئين: أولًا إثباتها اسم من أسماء الله، وثانيا: إثبات السمع له، والسمع ينقسم إلى قسمين؟ سمع إجابة وسمع إدراك، وسمع الإدراك ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام، أو سمع الإدراك قد يقتضي التهديد وقد يقتضي التقرير وقد يقتضي التأييد حسب السياق.
وأما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فالعليم أيضًا اسم من أسماء الله، فعلم الله سبحانه وتعالى شامل لكل شيء جملة وتفصيلًا، أما الجملة فلقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] بكل شيء، عام، وأما التفصيل فمثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] وما تنبت؟ من باب أولى، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ وما من شيء إلا رطب أو يابس ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: فإنه يعلمه ومكتوب أيضًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦] ما من دابة، من يحصي الدواب؟ ما يحصيها إلا الله، أجناسها فضلًا عن أفرادها وأنواعها، إذن علم الله تعالى محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا متعلق بالماضي والحاضر والمستقبل ولَّا لا؟ في الماضي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿مَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى و﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الحاضر والمستقبل.
وقوله هنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قد يقول قائل من الناس: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: وهو القوي العزيز؛ لأنه قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فما هو الجواب عن ختمها بالسمع والعلم؟
* طالب: (...) المدينة هم يعني يوسوسون، وسوسة داخلية.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: القوة والعزة والحكمة تبدأ من علم الله سبحانه وتعالى يعني كلها تدخل في حكمة الله وعلمه فيتخذها ما شاء.
* الشيخ: إي، على كل حال كل شيء له، كل شيء هو مقرون بالعلم وبالحكمة، لكن بس الأنسب يعني فيما يبدو لنا فالظاهر لي والله أعلم إنه لما كان تدبير هؤلاء المشاقين تدبير الكيد للرسول عليه الصلاة والسلام من هؤلاء قد يكون بالأقوال وقد يكون بالأفعال، والتدبير أمر خفي، أمر خفي ما هو حرب يعلن حتى نقول ينبغي أن يقابل بقوة وعزة، قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حتى الأمور اللي ما تدري عنها ولا يبرزونها ولا يظهرون الحراب حرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الله تعالى سميع عليم، هذا ما ظهر لي والله أعلم، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...) الحكمة (...) ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (...).
* الشيخ: يعني أيش؟ يعني من الصعب النطق بها؟
* الطالب: (...) بالمعنى.
* الشيخ: يعني هذه خلاف البلاغة تقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وأما كونها طويلة فلأن فيها معاني، السين لا بد من وجودها، وأيضًا المخاطب فسيكفيكهم لا بد أن يخاطبه بذلك وضمير الغيبة ما أشوف فيها شيء.
* طالب: والفاء جواب الشرط.
* الشيخ: والفاء جواب الشرط.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغة، الصُّبغ معناه اللون كما تعرفون، فما المراد بصبغة الله؟ قالوا: المراد دين الله، صبغة الله دين الله، وسمي الدين صبغة لظهور أثره على العامل به، فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه، يظهر على صفحات وجهه ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها، فهو بمنزلة الصُّبغ للثوب يظهر أثره عليه، وقيل: إنه صبغة، سُميَ صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب، وهل يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعًا؟
* الطلبة: ما يمنع.
* الشيخ: ما يمنع، ما يمنع فهو صبغة للزومه، وهو صبغة أيضًا لظهور أثره على العامل به، ما وجه النصب في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغةَ الله ولم يقل: صبغةُ الله؟ قيل: إنها مصدر معنوي لقوله: ﴿آمَنّا﴾، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فإن ﴿آمَنّا﴾ معناها الدين، وأن التقدير: تدينَّا دين الله، تدينا دين الله ولا ريب أن هذا بعيد؛ لأن ﴿آمَنّا﴾ في آية أخرى قبلها، أو لا؟ قولوا: لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في الآية السابقة، في آية أخرى قبلها ويبعد أن يكون هذا متعلقًا بها، ولأنه فصل بينهما بفواصل كثيرة، إذن فهو منصوب على الإغراء، يعني: الزموا صبغة الله الزموا صبغة الله، ولا يصدنكم هؤلاء عن دينكم الزموه، وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أضيفت إليه لأنها منه، فإن الشريعة جاءت من الله، ولا أحد يُشرِّع للخلق إلا خالقهم سبحانه وتعالى ﴿ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة ١٣٨] (...).
* طالب: أن من شروط الإمامة أن يقوم الإنسان بما أُمِر به، فإن إبراهيم عليه السلام لما أتم ما أمره الله سبحانه وتعالى به أخبر الله سبحانه وتعالى له أنه سيجعله (...) فيجب قيام الإنسان بالإمامة الاتيان بما (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: أنه لما أمره الله سبحانه وتعالى بما أمر به فامتثل جعله الله للناس إمامًا؟
* الشيخ: إذن يؤخذ منه أن من قام بأوامر الله جعله الله إمامًا، أو لا؟ جعله الله إمامًا وهذا حق، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، قال ابن تيمية رحمه الله: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، مفهوم من قوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
* طالب: (...) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧] يقول بعض المفسرين: إن هذا (...) إسماعيل (...).
* الشيخ: نعم، إي؛ لأن الأصل إبراهيم.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة ١٣٥] ذكرنا فيها أن هذه الدعوى موجودة في أهل البدع من هذه الأمة؟
* الطالب: كل طائفة يدعون إلى ما هم عليه مثلًا الأشعرية يقولون: كونوا أشعرية تهتدوا، والجهمية يقولون: كونوا جهمية تهتدوا، كل يدعي.
* الشيخ: صح، إذن معناه أن من خالف الحق ودعا إليه -يعني إلى طريقه- وظن هو الهدى فهو مشابه لمن؟
* الطلبة: لليهود والنصارى.
* الشيخ: لليهود والنصارى، بماذا رد الله على هؤلاء الذين قالوا: تهتدوا؟
* طالب: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: وأيش إعراب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: للفعل نتبع. نتبع ملة.
* الشيخ: لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، ما تقولون في هذا؟
* الطلبة: (...)؟
* الشيخ: صحيح، إذن ملة إبراهيم هو اللي فيها الهداية ما هي باليهودية ولا النصرانية.
ما الفائدة من قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة ١٣٩]؟
* طالب: (...) الفائدة.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؟ هذا كلنا يعرف أن لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وأيش الفائدة منه هل هذا تحصيل حاصل كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأيش الفائدة منه؟
* طالب: (...) لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي أن (...) بالله سبحانه وتعالى وهو ربنا وربكم لا ينفعكم (...) بالله لا ينفعكم فإن كل له عمله ومعول على..
قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله.
* ومن فوائدها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، وكل ما يضاف إلى الله، فإنه حق.
* ومن فوائدها: أن دين الله تعالى أحسن الأديان وأكملها وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإخلاص، إخلاص العبادة له؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر.
* ومنها: أن العقل يقضي التزام الدين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، فإن العقل يهدي إلى أن الواجب أو أن الذي من العقل التزام الأحسن، كل إنسان له عقل سليم، فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن.
ثم قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: التشنيع على من يحاج في أمر يعترف به، فإنهم يحاجون في الله وهم يعترفون بأنه ربهم، فهو ربنا وربكم.
* ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه.
* ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لأنه قال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾، فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم.
* ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة بالعمل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٠٣١)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وهنا يقول: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فيها قراءتان: ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ ، ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾، فعلى الثانية ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ يكون هذا من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله؛ لأنه قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ يعني: وقل: أتقولون إن إبراهيم، أما على القراءة بالياء ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ فهذه الجملة من كلام الله كما مر.
* فمن فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، فهذه الدعوى باطلة، إذن ما وصف هؤلاء؟ المسلمون، وصف هؤلاء الإسلام، فإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ليسوا يهودًا ولا نصارى، بل هم مسلمون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إن هذا جائز عقلًا على الله فنقر به، وهذا يمتنع عقلًا على الله فلا نقر به، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه ناس يقولون هكذا كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم، نقول لهم في الجواب كلهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، هل أنتم أعلم بما يجوز على الله ويمتنع عليه ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه ويجوز له ويجب له؟ الله أعلم، وهذه هي حقيقة حجة ملزمة مقحمة مفحمة أيضًا لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: يجب لله كذا، ويمتنع عليه كذا، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، فإن العالم بشريعة الله شاهد على الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فكل إنسان يكتم علمًا فقد كتم شهادة عنده من الله، ثم إن في هذا عظم إثمه، يؤخذ من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء ٦٩] قيل: إن المراد بالشهداء هم أهل العلم.
* ومنها: كمال علم الله ومراقبته لعباده لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: ثبوت الصفات السلبية، وهي: ما نفاه الله عن نفسه، من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فإن هذه صفة سلبية ما هي ثبوتية، والصفات السلبية -كما مر علينا- متضمنة لإثبات كمال ضده، لكمال مراقبته وعلمه سبحانه وتعالى ليس بغافل عما نعمل.
ومنها: تخويف الإنسان وإنذاره من المخالفة، تؤخذ من أين؟ تخويف الإنسان من المخالفة من أين؟
* طالب: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟ ويش وجه هذا التخويف؟
* الطالب: إثبات أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عن..
* الشيخ: إيه، لكن ويش وجهه من التخويف؟
* الطالب: يعني بيحذر الإنسان، يعني: اعلم أيها الإنسان أن الله مطَّلع عليك في كل أعمالك.
* الشيخ: فإياك والمخالفة، يعني: مثلًا عندما تهدد إنسانًا بشيء تقول: ما أنا بغافل عنك، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إضافة العمل إلى العامل، ففيه رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تعرف وجهه؟ ففيه الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا يعمل بل هو مجبر، واضح؟
* الطلبة: نعم.
البقرة 2:138
قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿قُولُوا﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ وأمته جميعًا، والمراد بالقول هنا: القول باللسان وبالقلب، فالقول باللسان نطقه، والقول بالقلب اعتقاده، القلب له قول وفعل، والجسم له قول وفعل، قول الجسم باللسان وفعله بالجوارح، وقول القلب إقراره واعترافه بالشيء، هذا قول، وفعله حركته كمحبته ورجائه وخوفه وخشيته وما أشبه ذلك، هذه لأن هذه حركات قلبية، قولوا بألسنتكم، وأيش بعد؟
* الطلبة: وقلوبكم.
* الشيخ: وقلوبكم ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان تقدم هناك مرارًا كثيرًا أنه في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المتضمن أو المستلزم للقبول والإذعان، ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، الإيمان بالله يتضمن هذه الأمور الأربعة، فلننظر الآن الشيوعيون الذين ينكرون وجود الله آمنوا بالله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما الذي فقد منهم؟ كل الأربعة، كل الأربعة ما دام ما يؤمنون بالوجود ما هم مؤمنين بالربوبية ولا بالألوهية ولا بالأسماء والصفات، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الذين يؤمنون بالله لكن يشركون معه غيره، ويقولون: مثلًا إن القطب الغوث يدبر، وأن الرسول ﷺ يدبر، وما أشبه ذلك، هؤلاء آمنوا بالله باعتبار الوجود، لكن ما آمنوا بالربوبية والألوهية ولا بالأسماء والصفات أيضًا.
الذين يؤمنون بالله وبربوبيته وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره يقولون: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] آمنوا بأيش؟ بالوجود والربوبية دون الألوهية.
الذين يؤمنون بهذا كله لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون، إما أن ينكروا الأسماء والصفات، وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات، وإما أن ينكروا بعض الصفات، هؤلاء ما آمنوا بالله من حيث الأسماء والصفات ما آمنوا حقيقة الإيمان، فإيمانهم ناقص، فالإيمان بالله إذن يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يعني: وآمنا بما أنزل إلينا، فـ(ما) هنا اسم موصول مبني على السكون في محل جر عطفًا على قوله: ﴿اللَّهِ﴾ عطف على الله، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ يشمل القرآن وهو مُنْزَل ويشمل السنة أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فإن الحكمة هي السنة، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ هو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم منزل إليه؟ نعم منزل إليه؛ لأنه نبي ورسول، فهو منزل إليه، ما الذي أنزل إليه؟ الذي نعرف الصحف التي ذكرها الله في موضعين من القرآن، وين؟
* طالب: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأعلى ١٨، ١٩].
* الشيخ: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وأيش بعد؟
* طالب: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧].
* الشيخ: نعم، في سورة النجم. وما أنزل إلى إسماعيل، إسماعيل نبي منزل إليه، ما الذي أنزل إليه ما ندري، ما علمنا شيئًا لكنه منزل إليه قطعًا، واعلموا أن كل من ذكر في القرآن فإنه نبي رسول، كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو نبي رسول، بعض الناس يشكك، يقول: هل كل اللي في القرآن من الأنبياء؟ بعضهم ما ذكر الله أنه رسول، لكننا نقول: هو رسول، وأيش الدليل؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٨].
وقال في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٤] كل مذكور في القرآن من الأنبياء فإنهم رسل بدون استثناء، ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾.
* طالب: أقول: آدم؟
* الشيخ: لا، آدم ما ذُكِر أن له قومًا وأنه نبي، في القرآن ما ذُكِر أنه نبي، ذُكِر قصته.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: نبي، نبي ورسول.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: إي رسول، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
* طالب: قارون؟
* الشيخ: قارون؟ لا، يقول: هارون.
* الطالب: هارون؟
* الشيخ: ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إسحاق ويعقوب أيضًا منزل إليهم، لكن ما نعرف، ما ذكر ما الذي أنزل إليهم، الأسباط جمع سِبط قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف، وقيل: ما أنزل على الأسباط أي أنبياء بني إسرائيل عامة، كل أنبياء بني إسرائيل اللي ما ذكروا؛ لأن أولاد يعقوب تفرع منهم بنو إسرائيل، فيكون المراد بالأسباط ليس الاثني عشر ابنًا ليعقوب، بل جميع أنبياء بني إسرائيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ما أعطوا، ﴿مَا أُوتِيَ﴾ أوتي بمعنى أُعْطِي، وأتي بمعنى جيء، يعني: أن أتى الثلاثي بمعنى جاء، وأن آتى الرباعي بمعنى أعطى، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني؟
* الطلبة: أعطيناهم.
* الشيخ: أعطيناهم، ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* طالب: جئناك.
* الشيخ: جئناك وليس معناها أعطيناك، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ما أعطي. من أين أعطوا وأيش أعطوا؟
* طالب: آيات.
* الشيخ: ما أعطوا من الآيات، وما أعطوا من الوحي أيضًا، فإن الله تعالى أعطاهم وحيًا وآيات، موسى أعطي من الآيات؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: لا، من الوحي التوراة، من الآيات تسع: اليد، والعصا، وأيش بعد؟
* طالب: (...) سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والآيات التسعة اللي ذكر الله اليد يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، والعصا فيها ثلاث آيات، آيات عظيمة، فيها ثلاث آيات عظيمة: منها أنه يلقيها فتنقلب حية، ومنها أنه يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا، ومنها أنه ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، هذه من آيات الله العظيمة سبحان الله.
وأما عيسى فأوتي أيضًا آيات عظيمة منها: أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، صورة تمثال طير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة ﴿طَائِرًا﴾ يكون طائرًا، وإذا جمعنا بين الآيتين؛ لأنا نحن قلنا: إن الآيتين يعتبران كمعنيين، فيكون طير ويطير بنفس الفعل طائرًا، هل يجوز أن الإنسان يصنع تمثالًا على شكل الطير؟
* طالب: لا، ما يجوز.
* الشيخ: إذا أذن الله له جاز، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] إذا أذن الله جاز، لما أذن الله تعالى للملائكة أن يسجدوا لآدم، بل أمرهم بالسجود لآدم صار سجودهم لآدم طاعة وصار تركه كفرًا، إبليس لما استكبر كفر، بينما لا يسجد أحد الآن لآدمي.
(...) يحيي الموتى بإذن الله ويخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يحييهم قبل الدفن ويخرجهم من قبورهم بعد الدفن ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، وهذه من آيات الله التي أوتيها عيسى، قال أهل العلم: وإنما كانت آية موسى بالعصا؛ لأنه في زمن ارتقى فيه السحر إلى الغاية، وكانت آية عيسى في إخراج الموتى وفي إبراء الأكمه والأبرص؛ لأن الطب ارتقى فيه إلى الغاية، نعم والله سبحانه وتعالى يتحدى كل قوم بما يناسب عصرهم، وكان هذا القرآن آية مدى الدهر؛ لأنه لكل الخلق إلى يوم القيامة.
(...) هنا قد يسأل سائل: لماذا عبر بقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى آخره، وفي موسى وعيسى قال: ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ولم يقل: وما أنزل إلى موسى وعيسى، فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير أو لا؟
نقول: بحسب ما يظهر لنا والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية، الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد، لو قال: وما أنزل وما أنزل، تكررت كم مرة؟ أربع مرات، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم، وما أنزل إلى موسى، وما أنزل إلى النبيين، ومعلوم أنه من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر منها.
أما الفائدة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باق إلى زمن الوحي، دينهما باق إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات، النصارى يقولون: عيسى بن مريم يحي الموتى، ويفعل كذا ويفعل كذا، وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك، فبين الله سبحانه تعالى في هذا أن هذه الأمة تؤمن بهذه الآيات، ما أوتوا من وحي وآيات.
وأما قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فهذا والله أعلم أتى بما أوتي النبيون للعموم؛ لأنه ما ذكر في الآية هنا من الأنبياء إلا قليل بالنسبة لعددهم، فلهذا عبر بالإيتاء ليشمل كل الآيات التي أوتوها، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [البقرة ١٦٣]، وقوله: ﴿مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (من) هنا للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص، وإلا فالله تعالى رب الجميع، لكن هذه ربوبية خاصة، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني لأنهم هم لا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات أو بهذا الوحي، فهم يتلقون من الله وليسوا مستقلين بهذه الآيات حتى الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه الآيات يستطيع أن يأتي بها؟ لا، ما يستطيع؛ ولهذا قال لما اقترحوا عدة آيات قال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٣]، فلا أملك أن آتي بالآيات ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠].
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الجملة هذه داخلة في مقول القول، يعني قولوا: آمنا على هذا الوجه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على الأنبياء.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: في الإيمان وليس في الاتباع؛ لأننا في الاتباع مأمورون باتباع من؟ محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، فالشريعة نفرق بينهم ولا نَتْبع إلا شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان، أما في الإيمان وأنهم رسل، وأنهم من عند الله، وأنهم صادقون فيما جاؤوا به، فهم عندنا على حد سواء، كلهم صادقون فيما جاؤوا به، وكلهم رسل من عند الله، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ هل يشمل المنازل أيضًا؟
* طالب: لا يشمل.
* الشيخ: لأيش؟ لاختلافهم في الفضل، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، إذن عندنا التفريق في المنزلة، والتفريق في الشريعة، والتفريق بالإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، أي الأمور الثلاثة التي لا نفرق بين أحد منهم؟ الإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، وأنهم رسل من الله عز وجل.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قال: ﴿نَحْنُ﴾ وهنا أتى بضمير الجمع ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ ليشعر المؤمن أنه هو وأخوه كنفس واحدة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨١) ومسلم ٢٥٨٥ / ٦٥) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]] يعني ونحن جميع المؤمنين.
وقوله: ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على من؟ على الله سبحانه وتعالى، يعني ونحن لله، وهذا في عود الضمير على الأسبق، مع أن القاعدة أن يعود الضمير على أقرب مذكور، لكن هنا عاد الضمير على الأسبق؛ لأنه ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ بالله، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي لله مسلمون، مع أنه جاء بعدها عدة أشياء لكنه عاد، إذا قيل: ما الدليل على أنه يعود الضمير على الله عز وجل؟ نقول: الدليل على ذلك أولا: الضمير مفرد، والثاني: أن الإخلاص لمن يكون؟ لله.
وقوله: ﴿لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدم المعمول لغرضين أو لحكمتين: معنوية، ولفظية، المعنوية إفادة الاختصاص الذي نعبر عنه أحيانا بالحصر، والفائدة اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل أيش؟ فواصل الآيات، فإذا قال قائل: أي دليل لكم على أن مراعاة الفواصل معتبرة؟ قلنا: الدليل ما ذكره الله تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أن في الآية الأخرى: بـ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، فقدم هنا هارون على موسى مراعاة لفواصل الآيات، لا نعلم سوى هذا، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، فعلى هذا نقول في قوله: ﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تقديم المعمول لفائدتين: معنوية ولفظية.
وقوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ الإسلام إسلام الشيء للشيء معناه اختصاصه به، فالمراد بالإسلام هنا: الانقياد التام لله عز وجل بإخلاص، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة ١١٢] هنا إسلام القصد ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أما العمل فقال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فالحاصل أن الإسلام هنا يتضمن الانقياد بإخلاص، الانقياد التام بإخلاص لله عز وجل.
* طالب: شيخ، الأسباط ليه مجرورة وهي معطوفة على منصوب؟
* الشيخ: أين أصحاب النحو؟ إشكال، يقول: كيف كانت الأسباط مجرورة وهي معطوفة على أيش؟
* الطالب: على المنصوب؟
* الشيخ: على منصوب.
* الطلبة: على المجرور.
* الشيخ: نقول: هي معطوفة على مجرور، ما قرأت بالاسم الذي لا ينصرف عجمة؟
* الطالب: يعني كلهم داخل عليهم العجمة؟
* الشيخ: إي إي.
* الطالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فهمت؟ الدليل على هذا شوف ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (إلى) ما هي بحرف جر؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف؛ لأن الأسماء هذه قبل العروبة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة ١٣٦، ١٣٧]
* طالب: (...).
* الشيخ: خبر (نحن).
* الطالب: (له) ضمير فصل.
* الشيخ: (له)، لا، جار و مجرور متعلق بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾.
* الطالب: (نحن).
* الشيخ: مبتدأ؛ ونحن مسلمون له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) ضمير الفصل ما فيها لام حرف الجر (...) ثم إن ضمير الفصل أيضًا تعرفون أن ضمير الفصل يكون بصيغة المرفوع، أو لا؟ بصيغة المرفوع ضمير منفصل مرفوع إن هذا ضمير متصل له.
* طالب: (...) شيخ (...) مبتدأ؟
* الشيخ: لا، ﴿وَنَحْنُ﴾ وأيش محلها من الإعراب؟
* الطالب: مبتدأ (...) خبر.
* الشيخ: لا لا، ونحن مسلمون له، هذا هو المعنى؛ ولهذا قلنا: قدم المعمول، لو كان مبتدأ والخبر مقدم ما قلنا: قدم المعمول، لقلنا: قدم الخبر.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ أحيانًا عيسى يضيف إليه يقول: عيسى بن مريم (...) أحيانًا يقول (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يضر.
* الطالب: ما فيه فوائد؟
* الشيخ: لا، ما فيه.
* طالب: شيخ، موسى عليه السلام يختلف عيسى (...) يختلف عن موسى ولَّا لأن هذا أنزل عليه الإنجيل ويش..؟
* الشيخ: يختلف؟
* الطالب: يعني شرعته مطابقة ولَّا كيف؟
* الشيخ: إي نعم، مطابقة.
* الطالب: بني إسرائيل وإحنا قلنا: أديانهم كلها (...)؟
* الشيخ: كلها مطابقة. الإنجيل مطابق للتوراة إلا أنه فيه بعض التخفيفات على بني إسرائيل (...) والتوراة ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤] حتى عيسى إلا أن الإنجيل فيه بعض الأشياء التي خففت، إي نعم.
* طالب: شيخ، ذكر النبيون بعد موسى وعيسى (...)؟
* الشيخ: ما يدل على هذا، لكنه يفيد عطف العام على الخاص.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ آمنوا من؟
* الطلبة: اليهود والنصارى.
* الشيخ: اليهود والنصارى؛ لأن هذه الآيات كلها متتابعة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة ١٣٥]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ﴿إِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ﴿بِمِثْلِ﴾ اختلف المعربون في الباء، وفي (مثل)، أيهما الزائد، فقيل: إن (مثل) هي الزائدة، وإن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا، وأن (مثل) زائدة معنى، أي: أنها أفادت زيادة معنى، وهي أنه إن آمنوا ليس مطلق إيمان بل إيمانًا مطابقا لإيمانكم، فعلى هذا يكون الزيادة في كلمة: مثل، والأصل: فإن آمنوا بما آمنتم به، لكن أتى بمثل ليبين أن إيمانهم لا يكفي مطلق الإيمان بما آمنتم به فقط مطلقًا لا، لا بد أن يكون مطابقًا مماثلًا بمثل ما آمنتم به.
وقيل: إن الزائد هو الباء، الزائد هو الباء حرف الجر، وإن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم، مثل ما آمنتم، يعني: مثل الذي آمنتم، والباء الثانية أيضًا زائدة أي: مثل الذي آمنتموه، أي مثل إيمانكم.
فصار عندنا الآن قولان: منهم من يرى أن الزائد (مثل)، ومنهم من يرى أن الزائد الباء، والجميع اتفقوا على أن المراد الزيادة الإعرابية وليست الزيادة المعنوية، بل لها معنى، والمعروف أن الأسماء لا تزاد، وأن الزيادة في الحروف كثيرة، الزيادة في الحروف كثيرة ولَّا لا؟ كما مر علينا في ألفية ابن مالك، لكن الزيادة في الأسماء قليلة، لأيش؟ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها، والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها، ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه، ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن تزاد الأسماء، الاسم كلمة جاءت لمعنى في ذاتها ما يمكن تزاد بخلاف الحرف، فعلى هذا يكون الزيادة في الباء أي: فإن آمنوا مثل ما آمنتموه، أي: مثل إيمانكم، وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد، أي: إن آمنوا إيمانًا مطابقًا لإيمانكم مماثلًا له من كل الوجوه فقد اهتدوا، والفاء هنا رابطة للجواب، جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ آمَنُوا﴾.
وقوله: ﴿اهْتَدَوْا﴾ أي سلكوا سبيل الهداية، والهداية هنا هداية العلم والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفقوا واهتدوا.
وقوله: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الهداية هنا مطلقة ولَّا لا؟ وهو كذلك، هداية مطلقة كما أن المسلمون الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة، بالمناسبة يقولون: إن بعض النصارى في مصر احتجوا على المسلمين، وقالوا: لماذا تستبيحون نساءنا ولا تبيحوننا نساءكم؟ احتجاج صحيح، لأيش أن المسلم يجوز يأخذ النصرانية والنصراني ما يجوز يأخذ المسلمة؟ قالوا: لأننا نؤمن بنبيكم ولا تؤمنون بنبينا، صحيح؟ صحيح؛ لأننا نؤمن بنبيكم وأنتم ما تؤمنون بنبينا، آمنوا بنبينا نعطيكم بناتنا.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿تَوَلَّوْا﴾ تولي الإعراض، تولى بمعنى أعرض، وأيش عنه تولوا؟ عن الإيمان بمثل ما آمنتم به، إن تولوا وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف هذه أتت جملة اسمية للدلالة على الاستمرار والثبوت، وأتت بـ(إنما) الدالة على الحصر، يعني: فما حالهم إلا الشقاق ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف الخبر الآن ظرف بدليل (في) التي للظرفية كأن الشقاق محيط بهم من كل جانب، في شقاق منغمسون في شقاق، والشقاق بمعنى الخلاف، وهو في كل معانيه يدور على هذا حتى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج ٥٣] بعضهم قال: الشقاق هنا بمعنى الضلال، ولكن الصحيح أن معناه الخلاف، في كل ما جاءت في القرآن فهي للخلاف، وإن كان بعضهم يقول: تأتي للخلاف وتأتي للضلال وتأتي للعداء، لكن الصحيح أنها في كل ما جاءت فهي خلاف، حتى العدو مخالف لعدوه، والضال مخالف للمهتدي، ويدل لذلك لأن أصل معنى الشقاق أن يكون أحد الطرفين في شق والثاني في شق آخر، وبهذا يكون خلافه، يعني فإنما هم في خلاف معكم، هذا الخلاف سيؤدي حتمًا إلى العداوة، ولهذا لا شك أن بين المؤمنين وبين اليهود والنصارى عداوة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة ٨٢]، وفي النصارى أيضًا عداوة وعداوتهم ظاهرة، لكن قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢] لعلة وهي ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة ٨٢] إلى آخره، أما النصارى الذين اعتدوا وبغوا على المسلمين، فإنهم لا يدخلون في هذه الآية، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١].
فاليهود والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق وفي خلاف، وهذا الخلاف لا بد أن يؤدي إلى عداوة وبغضاء وبالتالي إلى قتال، والأمر وقع، المسلمون قاتلوا اليهود، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وقاتلوا النصارى الروم كلهم نصارى، ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية، وسيقاتلونهم أيضًا مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم، ولا بد من هذا في المستقبل، فإذن هؤلاء اليهود والنصارى نحن معهم في شقاق؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، وكأن الإنسان إذا سمع ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قد يهاب ويخاف فطمأن الله المؤمنين بقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ هنا ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فالجملة هذه فيها فاعل وفعل ومفعولان، أو لا؟ الفاعل؟
* طالب: الله.
* الشيخ: الله، الله، والمفعول الأول؟
* طالب: الكاف.
* الشيخ: الكاف، والمفعول الثاني؟
* طالب: الهاء.
* الشيخ: الهاء، الضميران متصلان فهل الاتصال هنا واجب؟ أو جائز؟ لو كان في غير القرآن (...) القرآن معلوم، يجب اتباعه.
* طالب: الأول واجب والثاني جائز.
* الشيخ: الأول واجب والثاني جائز؟ تعطينا شواهد من كلام ابن مالك.
* الطالب:
........................ ∗∗∗ أَشْبَهَهُ فِي كُنْتُهُ الخُلْفُ انْتَمَى* الشيخ: كذاك؟
* الطالب: كَذَاكَ خِلْتَنِيهِ.
* الشيخ: أي الثلاثة هذه؟ ابن مالك ذكر (سَلْنِيهِ)، و(كُنْتُهُ)، و(خِلْتَنِيهِ) أي الثلاتة هذه؟
* الطالب: خلتنيه.
* الشيخ: خلتنيه، توافقون على هذا؟
* طالب: إي نعم لها مفعولان، (خلت) لها مفعولان.
* الشيخ: لأن (خلت) لها مفعولان، صح، وهذه لها مفعولان، ولكنه خطأ، يتبين، هذه داخلة في قوله: سَلْنِيهِ.
وَصِلْ أَوِ افْصَلْ هَاءَ سَلْنِيهِ... ∗∗∗ ............................ لأيش؟ لأن (خِلْتَنِيهِ) ناصبة مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ما هي بـ(خال) من أخوات (ظن)؟
* الطلبة: أيوه.
* الشيخ: فهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و(سَلْنِيهِ) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهي من أخوات (كَسَا)، سيكفيكهم ناصبة الآن مفعولين هل أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لأنه ما يصح أن يقال: أنت هم، هل الكاف تكون مبتدأ والهاء تكون خبر؟ ما يصح، واضح؟ إذن هي داخلة في قوله: سَلْنِيهِ وما أشبهها، هذا من (وما أشبهه).
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ السين هنا يقول العلماء: إنها للتنفيس، وفائدتها أمران ذكرناهما من قبل ويبينهما إما حامد وإلا آدم؟ السين هنا للتنفيس وتفيد شيئين أحدهما يعطيني إياه آدم؟ (...).
وقوع الثاني قرب الوقوع، تحققه وقربه بخلاف سوف فإنها تفيد التحقق ولكن مع مهلة، مع مهلة، وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ إذن تكفل الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا فإن الله سبحانه وتعالى فسيكفيك إياهم عن قرب، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب، فإن الرسول ﷺ لم يتوفَّ حتى جلا اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم خيبر وأبقاهم فيها عمالًا، وفي خلافة عمر رضي الله عنه أجلاهم حتى عن خيبر، فكفى الله المؤمنين شرهم والحمد لله.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ من أسماء الله، و﴿الْعَلِيمُ﴾ أيضًا من أسمائه تبارك وتعالى، وقد سبق أن السميع لها معنيان: أحدهما بمعنى المجيب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده أي استجاب أو أجاب أي أجاب لمن حمده، وبمعنى إدراك المسموع، السمع بمعنى إدراك المسموع، وذكرنا فيما سبق في العقيدة: أن هذا السمع يفيد مع الإدراك تهديدًا أو تقريرًا أو تأييدًا، يفيد تهديدًا كما في قوله؟ السمع للتهديد؟
* طالب: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي﴾ [المجادلة ١].
* الشيخ: لا.
* الطالب: الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة.
* الشيخ: نعم ما هي هذه يقول ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] مَنْ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: لا.
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح، هذا تهديد، وفي قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠] هذا للتهديد، وللتقرير مثل؟ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] وللتأييد؟ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] فعلى هذا نقول: السميع تفيد شيئين: أولًا إثباتها اسم من أسماء الله، وثانيا: إثبات السمع له، والسمع ينقسم إلى قسمين؟ سمع إجابة وسمع إدراك، وسمع الإدراك ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام، أو سمع الإدراك قد يقتضي التهديد وقد يقتضي التقرير وقد يقتضي التأييد حسب السياق.
وأما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فالعليم أيضًا اسم من أسماء الله، فعلم الله سبحانه وتعالى شامل لكل شيء جملة وتفصيلًا، أما الجملة فلقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] بكل شيء، عام، وأما التفصيل فمثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] وما تنبت؟ من باب أولى، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ وما من شيء إلا رطب أو يابس ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: فإنه يعلمه ومكتوب أيضًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦] ما من دابة، من يحصي الدواب؟ ما يحصيها إلا الله، أجناسها فضلًا عن أفرادها وأنواعها، إذن علم الله تعالى محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا متعلق بالماضي والحاضر والمستقبل ولَّا لا؟ في الماضي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿مَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى و﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الحاضر والمستقبل.
وقوله هنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قد يقول قائل من الناس: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: وهو القوي العزيز؛ لأنه قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فما هو الجواب عن ختمها بالسمع والعلم؟
* طالب: (...) المدينة هم يعني يوسوسون، وسوسة داخلية.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: القوة والعزة والحكمة تبدأ من علم الله سبحانه وتعالى يعني كلها تدخل في حكمة الله وعلمه فيتخذها ما شاء.
* الشيخ: إي، على كل حال كل شيء له، كل شيء هو مقرون بالعلم وبالحكمة، لكن بس الأنسب يعني فيما يبدو لنا فالظاهر لي والله أعلم إنه لما كان تدبير هؤلاء المشاقين تدبير الكيد للرسول عليه الصلاة والسلام من هؤلاء قد يكون بالأقوال وقد يكون بالأفعال، والتدبير أمر خفي، أمر خفي ما هو حرب يعلن حتى نقول ينبغي أن يقابل بقوة وعزة، قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حتى الأمور اللي ما تدري عنها ولا يبرزونها ولا يظهرون الحراب حرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الله تعالى سميع عليم، هذا ما ظهر لي والله أعلم، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...) الحكمة (...) ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (...).
* الشيخ: يعني أيش؟ يعني من الصعب النطق بها؟
* الطالب: (...) بالمعنى.
* الشيخ: يعني هذه خلاف البلاغة تقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وأما كونها طويلة فلأن فيها معاني، السين لا بد من وجودها، وأيضًا المخاطب فسيكفيكهم لا بد أن يخاطبه بذلك وضمير الغيبة ما أشوف فيها شيء.
* طالب: والفاء جواب الشرط.
* الشيخ: والفاء جواب الشرط.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغة، الصُّبغ معناه اللون كما تعرفون، فما المراد بصبغة الله؟ قالوا: المراد دين الله، صبغة الله دين الله، وسمي الدين صبغة لظهور أثره على العامل به، فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه، يظهر على صفحات وجهه ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها، فهو بمنزلة الصُّبغ للثوب يظهر أثره عليه، وقيل: إنه صبغة، سُميَ صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب، وهل يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعًا؟
* الطلبة: ما يمنع.
* الشيخ: ما يمنع، ما يمنع فهو صبغة للزومه، وهو صبغة أيضًا لظهور أثره على العامل به، ما وجه النصب في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغةَ الله ولم يقل: صبغةُ الله؟ قيل: إنها مصدر معنوي لقوله: ﴿آمَنّا﴾، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فإن ﴿آمَنّا﴾ معناها الدين، وأن التقدير: تدينَّا دين الله، تدينا دين الله ولا ريب أن هذا بعيد؛ لأن ﴿آمَنّا﴾ في آية أخرى قبلها، أو لا؟ قولوا: لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في الآية السابقة، في آية أخرى قبلها ويبعد أن يكون هذا متعلقًا بها، ولأنه فصل بينهما بفواصل كثيرة، إذن فهو منصوب على الإغراء، يعني: الزموا صبغة الله الزموا صبغة الله، ولا يصدنكم هؤلاء عن دينكم الزموه، وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أضيفت إليه لأنها منه، فإن الشريعة جاءت من الله، ولا أحد يُشرِّع للخلق إلا خالقهم سبحانه وتعالى ﴿ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة ١٣٨] (...).
* طالب: أن من شروط الإمامة أن يقوم الإنسان بما أُمِر به، فإن إبراهيم عليه السلام لما أتم ما أمره الله سبحانه وتعالى به أخبر الله سبحانه وتعالى له أنه سيجعله (...) فيجب قيام الإنسان بالإمامة الاتيان بما (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: أنه لما أمره الله سبحانه وتعالى بما أمر به فامتثل جعله الله للناس إمامًا؟
* الشيخ: إذن يؤخذ منه أن من قام بأوامر الله جعله الله إمامًا، أو لا؟ جعله الله إمامًا وهذا حق، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، قال ابن تيمية رحمه الله: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، مفهوم من قوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
* طالب: (...) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧] يقول بعض المفسرين: إن هذا (...) إسماعيل (...).
* الشيخ: نعم، إي؛ لأن الأصل إبراهيم.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة ١٣٥] ذكرنا فيها أن هذه الدعوى موجودة في أهل البدع من هذه الأمة؟
* الطالب: كل طائفة يدعون إلى ما هم عليه مثلًا الأشعرية يقولون: كونوا أشعرية تهتدوا، والجهمية يقولون: كونوا جهمية تهتدوا، كل يدعي.
* الشيخ: صح، إذن معناه أن من خالف الحق ودعا إليه -يعني إلى طريقه- وظن هو الهدى فهو مشابه لمن؟
* الطلبة: لليهود والنصارى.
* الشيخ: لليهود والنصارى، بماذا رد الله على هؤلاء الذين قالوا: تهتدوا؟
* طالب: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: وأيش إعراب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: للفعل نتبع. نتبع ملة.
* الشيخ: لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، ما تقولون في هذا؟
* الطلبة: (...)؟
* الشيخ: صحيح، إذن ملة إبراهيم هو اللي فيها الهداية ما هي باليهودية ولا النصرانية.
ما الفائدة من قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة ١٣٩]؟
* طالب: (...) الفائدة.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؟ هذا كلنا يعرف أن لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وأيش الفائدة منه هل هذا تحصيل حاصل كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأيش الفائدة منه؟
* طالب: (...) لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي أن (...) بالله سبحانه وتعالى وهو ربنا وربكم لا ينفعكم (...) بالله لا ينفعكم فإن كل له عمله ومعول على..
قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله.
* ومن فوائدها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، وكل ما يضاف إلى الله، فإنه حق.
* ومن فوائدها: أن دين الله تعالى أحسن الأديان وأكملها وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإخلاص، إخلاص العبادة له؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر.
* ومنها: أن العقل يقضي التزام الدين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، فإن العقل يهدي إلى أن الواجب أو أن الذي من العقل التزام الأحسن، كل إنسان له عقل سليم، فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن.
ثم قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: التشنيع على من يحاج في أمر يعترف به، فإنهم يحاجون في الله وهم يعترفون بأنه ربهم، فهو ربنا وربكم.
* ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه.
* ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لأنه قال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾، فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم.
* ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة بالعمل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٠٣١)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وهنا يقول: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فيها قراءتان: ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ ، ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾، فعلى الثانية ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ يكون هذا من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله؛ لأنه قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ يعني: وقل: أتقولون إن إبراهيم، أما على القراءة بالياء ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ فهذه الجملة من كلام الله كما مر.
* فمن فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، فهذه الدعوى باطلة، إذن ما وصف هؤلاء؟ المسلمون، وصف هؤلاء الإسلام، فإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ليسوا يهودًا ولا نصارى، بل هم مسلمون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إن هذا جائز عقلًا على الله فنقر به، وهذا يمتنع عقلًا على الله فلا نقر به، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه ناس يقولون هكذا كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم، نقول لهم في الجواب كلهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، هل أنتم أعلم بما يجوز على الله ويمتنع عليه ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه ويجوز له ويجب له؟ الله أعلم، وهذه هي حقيقة حجة ملزمة مقحمة مفحمة أيضًا لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: يجب لله كذا، ويمتنع عليه كذا، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، فإن العالم بشريعة الله شاهد على الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فكل إنسان يكتم علمًا فقد كتم شهادة عنده من الله، ثم إن في هذا عظم إثمه، يؤخذ من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء ٦٩] قيل: إن المراد بالشهداء هم أهل العلم.
* ومنها: كمال علم الله ومراقبته لعباده لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: ثبوت الصفات السلبية، وهي: ما نفاه الله عن نفسه، من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فإن هذه صفة سلبية ما هي ثبوتية، والصفات السلبية -كما مر علينا- متضمنة لإثبات كمال ضده، لكمال مراقبته وعلمه سبحانه وتعالى ليس بغافل عما نعمل.
ومنها: تخويف الإنسان وإنذاره من المخالفة، تؤخذ من أين؟ تخويف الإنسان من المخالفة من أين؟
* طالب: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟ ويش وجه هذا التخويف؟
* الطالب: إثبات أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عن..
* الشيخ: إيه، لكن ويش وجهه من التخويف؟
* الطالب: يعني بيحذر الإنسان، يعني: اعلم أيها الإنسان أن الله مطَّلع عليك في كل أعمالك.
* الشيخ: فإياك والمخالفة، يعني: مثلًا عندما تهدد إنسانًا بشيء تقول: ما أنا بغافل عنك، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إضافة العمل إلى العامل، ففيه رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تعرف وجهه؟ ففيه الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا يعمل بل هو مجبر، واضح؟
* الطلبة: نعم.
البقرة 2:139
قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿قُولُوا﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ وأمته جميعًا، والمراد بالقول هنا: القول باللسان وبالقلب، فالقول باللسان نطقه، والقول بالقلب اعتقاده، القلب له قول وفعل، والجسم له قول وفعل، قول الجسم باللسان وفعله بالجوارح، وقول القلب إقراره واعترافه بالشيء، هذا قول، وفعله حركته كمحبته ورجائه وخوفه وخشيته وما أشبه ذلك، هذه لأن هذه حركات قلبية، قولوا بألسنتكم، وأيش بعد؟
* الطلبة: وقلوبكم.
* الشيخ: وقلوبكم ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان تقدم هناك مرارًا كثيرًا أنه في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المتضمن أو المستلزم للقبول والإذعان، ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، الإيمان بالله يتضمن هذه الأمور الأربعة، فلننظر الآن الشيوعيون الذين ينكرون وجود الله آمنوا بالله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما الذي فقد منهم؟ كل الأربعة، كل الأربعة ما دام ما يؤمنون بالوجود ما هم مؤمنين بالربوبية ولا بالألوهية ولا بالأسماء والصفات، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الذين يؤمنون بالله لكن يشركون معه غيره، ويقولون: مثلًا إن القطب الغوث يدبر، وأن الرسول ﷺ يدبر، وما أشبه ذلك، هؤلاء آمنوا بالله باعتبار الوجود، لكن ما آمنوا بالربوبية والألوهية ولا بالأسماء والصفات أيضًا.
الذين يؤمنون بالله وبربوبيته وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره يقولون: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] آمنوا بأيش؟ بالوجود والربوبية دون الألوهية.
الذين يؤمنون بهذا كله لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون، إما أن ينكروا الأسماء والصفات، وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات، وإما أن ينكروا بعض الصفات، هؤلاء ما آمنوا بالله من حيث الأسماء والصفات ما آمنوا حقيقة الإيمان، فإيمانهم ناقص، فالإيمان بالله إذن يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يعني: وآمنا بما أنزل إلينا، فـ(ما) هنا اسم موصول مبني على السكون في محل جر عطفًا على قوله: ﴿اللَّهِ﴾ عطف على الله، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ يشمل القرآن وهو مُنْزَل ويشمل السنة أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فإن الحكمة هي السنة، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ هو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم منزل إليه؟ نعم منزل إليه؛ لأنه نبي ورسول، فهو منزل إليه، ما الذي أنزل إليه؟ الذي نعرف الصحف التي ذكرها الله في موضعين من القرآن، وين؟
* طالب: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأعلى ١٨، ١٩].
* الشيخ: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وأيش بعد؟
* طالب: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧].
* الشيخ: نعم، في سورة النجم. وما أنزل إلى إسماعيل، إسماعيل نبي منزل إليه، ما الذي أنزل إليه ما ندري، ما علمنا شيئًا لكنه منزل إليه قطعًا، واعلموا أن كل من ذكر في القرآن فإنه نبي رسول، كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو نبي رسول، بعض الناس يشكك، يقول: هل كل اللي في القرآن من الأنبياء؟ بعضهم ما ذكر الله أنه رسول، لكننا نقول: هو رسول، وأيش الدليل؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٨].
وقال في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٤] كل مذكور في القرآن من الأنبياء فإنهم رسل بدون استثناء، ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾.
* طالب: أقول: آدم؟
* الشيخ: لا، آدم ما ذُكِر أن له قومًا وأنه نبي، في القرآن ما ذُكِر أنه نبي، ذُكِر قصته.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: نبي، نبي ورسول.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: إي رسول، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
* طالب: قارون؟
* الشيخ: قارون؟ لا، يقول: هارون.
* الطالب: هارون؟
* الشيخ: ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إسحاق ويعقوب أيضًا منزل إليهم، لكن ما نعرف، ما ذكر ما الذي أنزل إليهم، الأسباط جمع سِبط قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف، وقيل: ما أنزل على الأسباط أي أنبياء بني إسرائيل عامة، كل أنبياء بني إسرائيل اللي ما ذكروا؛ لأن أولاد يعقوب تفرع منهم بنو إسرائيل، فيكون المراد بالأسباط ليس الاثني عشر ابنًا ليعقوب، بل جميع أنبياء بني إسرائيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ما أعطوا، ﴿مَا أُوتِيَ﴾ أوتي بمعنى أُعْطِي، وأتي بمعنى جيء، يعني: أن أتى الثلاثي بمعنى جاء، وأن آتى الرباعي بمعنى أعطى، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني؟
* الطلبة: أعطيناهم.
* الشيخ: أعطيناهم، ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* طالب: جئناك.
* الشيخ: جئناك وليس معناها أعطيناك، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ما أعطي. من أين أعطوا وأيش أعطوا؟
* طالب: آيات.
* الشيخ: ما أعطوا من الآيات، وما أعطوا من الوحي أيضًا، فإن الله تعالى أعطاهم وحيًا وآيات، موسى أعطي من الآيات؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: لا، من الوحي التوراة، من الآيات تسع: اليد، والعصا، وأيش بعد؟
* طالب: (...) سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والآيات التسعة اللي ذكر الله اليد يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، والعصا فيها ثلاث آيات، آيات عظيمة، فيها ثلاث آيات عظيمة: منها أنه يلقيها فتنقلب حية، ومنها أنه يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا، ومنها أنه ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، هذه من آيات الله العظيمة سبحان الله.
وأما عيسى فأوتي أيضًا آيات عظيمة منها: أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، صورة تمثال طير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة ﴿طَائِرًا﴾ يكون طائرًا، وإذا جمعنا بين الآيتين؛ لأنا نحن قلنا: إن الآيتين يعتبران كمعنيين، فيكون طير ويطير بنفس الفعل طائرًا، هل يجوز أن الإنسان يصنع تمثالًا على شكل الطير؟
* طالب: لا، ما يجوز.
* الشيخ: إذا أذن الله له جاز، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] إذا أذن الله جاز، لما أذن الله تعالى للملائكة أن يسجدوا لآدم، بل أمرهم بالسجود لآدم صار سجودهم لآدم طاعة وصار تركه كفرًا، إبليس لما استكبر كفر، بينما لا يسجد أحد الآن لآدمي.
(...) يحيي الموتى بإذن الله ويخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يحييهم قبل الدفن ويخرجهم من قبورهم بعد الدفن ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، وهذه من آيات الله التي أوتيها عيسى، قال أهل العلم: وإنما كانت آية موسى بالعصا؛ لأنه في زمن ارتقى فيه السحر إلى الغاية، وكانت آية عيسى في إخراج الموتى وفي إبراء الأكمه والأبرص؛ لأن الطب ارتقى فيه إلى الغاية، نعم والله سبحانه وتعالى يتحدى كل قوم بما يناسب عصرهم، وكان هذا القرآن آية مدى الدهر؛ لأنه لكل الخلق إلى يوم القيامة.
(...) هنا قد يسأل سائل: لماذا عبر بقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى آخره، وفي موسى وعيسى قال: ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ولم يقل: وما أنزل إلى موسى وعيسى، فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير أو لا؟
نقول: بحسب ما يظهر لنا والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية، الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد، لو قال: وما أنزل وما أنزل، تكررت كم مرة؟ أربع مرات، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم، وما أنزل إلى موسى، وما أنزل إلى النبيين، ومعلوم أنه من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر منها.
أما الفائدة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باق إلى زمن الوحي، دينهما باق إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات، النصارى يقولون: عيسى بن مريم يحي الموتى، ويفعل كذا ويفعل كذا، وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك، فبين الله سبحانه تعالى في هذا أن هذه الأمة تؤمن بهذه الآيات، ما أوتوا من وحي وآيات.
وأما قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فهذا والله أعلم أتى بما أوتي النبيون للعموم؛ لأنه ما ذكر في الآية هنا من الأنبياء إلا قليل بالنسبة لعددهم، فلهذا عبر بالإيتاء ليشمل كل الآيات التي أوتوها، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [البقرة ١٦٣]، وقوله: ﴿مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (من) هنا للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص، وإلا فالله تعالى رب الجميع، لكن هذه ربوبية خاصة، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني لأنهم هم لا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات أو بهذا الوحي، فهم يتلقون من الله وليسوا مستقلين بهذه الآيات حتى الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه الآيات يستطيع أن يأتي بها؟ لا، ما يستطيع؛ ولهذا قال لما اقترحوا عدة آيات قال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٣]، فلا أملك أن آتي بالآيات ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠].
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الجملة هذه داخلة في مقول القول، يعني قولوا: آمنا على هذا الوجه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على الأنبياء.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: في الإيمان وليس في الاتباع؛ لأننا في الاتباع مأمورون باتباع من؟ محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، فالشريعة نفرق بينهم ولا نَتْبع إلا شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان، أما في الإيمان وأنهم رسل، وأنهم من عند الله، وأنهم صادقون فيما جاؤوا به، فهم عندنا على حد سواء، كلهم صادقون فيما جاؤوا به، وكلهم رسل من عند الله، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ هل يشمل المنازل أيضًا؟
* طالب: لا يشمل.
* الشيخ: لأيش؟ لاختلافهم في الفضل، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، إذن عندنا التفريق في المنزلة، والتفريق في الشريعة، والتفريق بالإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، أي الأمور الثلاثة التي لا نفرق بين أحد منهم؟ الإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، وأنهم رسل من الله عز وجل.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قال: ﴿نَحْنُ﴾ وهنا أتى بضمير الجمع ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ ليشعر المؤمن أنه هو وأخوه كنفس واحدة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨١) ومسلم ٢٥٨٥ / ٦٥) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]] يعني ونحن جميع المؤمنين.
وقوله: ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على من؟ على الله سبحانه وتعالى، يعني ونحن لله، وهذا في عود الضمير على الأسبق، مع أن القاعدة أن يعود الضمير على أقرب مذكور، لكن هنا عاد الضمير على الأسبق؛ لأنه ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ بالله، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي لله مسلمون، مع أنه جاء بعدها عدة أشياء لكنه عاد، إذا قيل: ما الدليل على أنه يعود الضمير على الله عز وجل؟ نقول: الدليل على ذلك أولا: الضمير مفرد، والثاني: أن الإخلاص لمن يكون؟ لله.
وقوله: ﴿لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدم المعمول لغرضين أو لحكمتين: معنوية، ولفظية، المعنوية إفادة الاختصاص الذي نعبر عنه أحيانا بالحصر، والفائدة اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل أيش؟ فواصل الآيات، فإذا قال قائل: أي دليل لكم على أن مراعاة الفواصل معتبرة؟ قلنا: الدليل ما ذكره الله تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أن في الآية الأخرى: بـ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، فقدم هنا هارون على موسى مراعاة لفواصل الآيات، لا نعلم سوى هذا، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، فعلى هذا نقول في قوله: ﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تقديم المعمول لفائدتين: معنوية ولفظية.
وقوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ الإسلام إسلام الشيء للشيء معناه اختصاصه به، فالمراد بالإسلام هنا: الانقياد التام لله عز وجل بإخلاص، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة ١١٢] هنا إسلام القصد ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أما العمل فقال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فالحاصل أن الإسلام هنا يتضمن الانقياد بإخلاص، الانقياد التام بإخلاص لله عز وجل.
* طالب: شيخ، الأسباط ليه مجرورة وهي معطوفة على منصوب؟
* الشيخ: أين أصحاب النحو؟ إشكال، يقول: كيف كانت الأسباط مجرورة وهي معطوفة على أيش؟
* الطالب: على المنصوب؟
* الشيخ: على منصوب.
* الطلبة: على المجرور.
* الشيخ: نقول: هي معطوفة على مجرور، ما قرأت بالاسم الذي لا ينصرف عجمة؟
* الطالب: يعني كلهم داخل عليهم العجمة؟
* الشيخ: إي إي.
* الطالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فهمت؟ الدليل على هذا شوف ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (إلى) ما هي بحرف جر؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف؛ لأن الأسماء هذه قبل العروبة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة ١٣٦، ١٣٧]
* طالب: (...).
* الشيخ: خبر (نحن).
* الطالب: (له) ضمير فصل.
* الشيخ: (له)، لا، جار و مجرور متعلق بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾.
* الطالب: (نحن).
* الشيخ: مبتدأ؛ ونحن مسلمون له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) ضمير الفصل ما فيها لام حرف الجر (...) ثم إن ضمير الفصل أيضًا تعرفون أن ضمير الفصل يكون بصيغة المرفوع، أو لا؟ بصيغة المرفوع ضمير منفصل مرفوع إن هذا ضمير متصل له.
* طالب: (...) شيخ (...) مبتدأ؟
* الشيخ: لا، ﴿وَنَحْنُ﴾ وأيش محلها من الإعراب؟
* الطالب: مبتدأ (...) خبر.
* الشيخ: لا لا، ونحن مسلمون له، هذا هو المعنى؛ ولهذا قلنا: قدم المعمول، لو كان مبتدأ والخبر مقدم ما قلنا: قدم المعمول، لقلنا: قدم الخبر.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ أحيانًا عيسى يضيف إليه يقول: عيسى بن مريم (...) أحيانًا يقول (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يضر.
* الطالب: ما فيه فوائد؟
* الشيخ: لا، ما فيه.
* طالب: شيخ، موسى عليه السلام يختلف عيسى (...) يختلف عن موسى ولَّا لأن هذا أنزل عليه الإنجيل ويش..؟
* الشيخ: يختلف؟
* الطالب: يعني شرعته مطابقة ولَّا كيف؟
* الشيخ: إي نعم، مطابقة.
* الطالب: بني إسرائيل وإحنا قلنا: أديانهم كلها (...)؟
* الشيخ: كلها مطابقة. الإنجيل مطابق للتوراة إلا أنه فيه بعض التخفيفات على بني إسرائيل (...) والتوراة ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤] حتى عيسى إلا أن الإنجيل فيه بعض الأشياء التي خففت، إي نعم.
* طالب: شيخ، ذكر النبيون بعد موسى وعيسى (...)؟
* الشيخ: ما يدل على هذا، لكنه يفيد عطف العام على الخاص.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ آمنوا من؟
* الطلبة: اليهود والنصارى.
* الشيخ: اليهود والنصارى؛ لأن هذه الآيات كلها متتابعة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة ١٣٥]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ﴿إِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ﴿بِمِثْلِ﴾ اختلف المعربون في الباء، وفي (مثل)، أيهما الزائد، فقيل: إن (مثل) هي الزائدة، وإن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا، وأن (مثل) زائدة معنى، أي: أنها أفادت زيادة معنى، وهي أنه إن آمنوا ليس مطلق إيمان بل إيمانًا مطابقا لإيمانكم، فعلى هذا يكون الزيادة في كلمة: مثل، والأصل: فإن آمنوا بما آمنتم به، لكن أتى بمثل ليبين أن إيمانهم لا يكفي مطلق الإيمان بما آمنتم به فقط مطلقًا لا، لا بد أن يكون مطابقًا مماثلًا بمثل ما آمنتم به.
وقيل: إن الزائد هو الباء، الزائد هو الباء حرف الجر، وإن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم، مثل ما آمنتم، يعني: مثل الذي آمنتم، والباء الثانية أيضًا زائدة أي: مثل الذي آمنتموه، أي مثل إيمانكم.
فصار عندنا الآن قولان: منهم من يرى أن الزائد (مثل)، ومنهم من يرى أن الزائد الباء، والجميع اتفقوا على أن المراد الزيادة الإعرابية وليست الزيادة المعنوية، بل لها معنى، والمعروف أن الأسماء لا تزاد، وأن الزيادة في الحروف كثيرة، الزيادة في الحروف كثيرة ولَّا لا؟ كما مر علينا في ألفية ابن مالك، لكن الزيادة في الأسماء قليلة، لأيش؟ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها، والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها، ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه، ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن تزاد الأسماء، الاسم كلمة جاءت لمعنى في ذاتها ما يمكن تزاد بخلاف الحرف، فعلى هذا يكون الزيادة في الباء أي: فإن آمنوا مثل ما آمنتموه، أي: مثل إيمانكم، وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد، أي: إن آمنوا إيمانًا مطابقًا لإيمانكم مماثلًا له من كل الوجوه فقد اهتدوا، والفاء هنا رابطة للجواب، جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ آمَنُوا﴾.
وقوله: ﴿اهْتَدَوْا﴾ أي سلكوا سبيل الهداية، والهداية هنا هداية العلم والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفقوا واهتدوا.
وقوله: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الهداية هنا مطلقة ولَّا لا؟ وهو كذلك، هداية مطلقة كما أن المسلمون الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة، بالمناسبة يقولون: إن بعض النصارى في مصر احتجوا على المسلمين، وقالوا: لماذا تستبيحون نساءنا ولا تبيحوننا نساءكم؟ احتجاج صحيح، لأيش أن المسلم يجوز يأخذ النصرانية والنصراني ما يجوز يأخذ المسلمة؟ قالوا: لأننا نؤمن بنبيكم ولا تؤمنون بنبينا، صحيح؟ صحيح؛ لأننا نؤمن بنبيكم وأنتم ما تؤمنون بنبينا، آمنوا بنبينا نعطيكم بناتنا.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿تَوَلَّوْا﴾ تولي الإعراض، تولى بمعنى أعرض، وأيش عنه تولوا؟ عن الإيمان بمثل ما آمنتم به، إن تولوا وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف هذه أتت جملة اسمية للدلالة على الاستمرار والثبوت، وأتت بـ(إنما) الدالة على الحصر، يعني: فما حالهم إلا الشقاق ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف الخبر الآن ظرف بدليل (في) التي للظرفية كأن الشقاق محيط بهم من كل جانب، في شقاق منغمسون في شقاق، والشقاق بمعنى الخلاف، وهو في كل معانيه يدور على هذا حتى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج ٥٣] بعضهم قال: الشقاق هنا بمعنى الضلال، ولكن الصحيح أن معناه الخلاف، في كل ما جاءت في القرآن فهي للخلاف، وإن كان بعضهم يقول: تأتي للخلاف وتأتي للضلال وتأتي للعداء، لكن الصحيح أنها في كل ما جاءت فهي خلاف، حتى العدو مخالف لعدوه، والضال مخالف للمهتدي، ويدل لذلك لأن أصل معنى الشقاق أن يكون أحد الطرفين في شق والثاني في شق آخر، وبهذا يكون خلافه، يعني فإنما هم في خلاف معكم، هذا الخلاف سيؤدي حتمًا إلى العداوة، ولهذا لا شك أن بين المؤمنين وبين اليهود والنصارى عداوة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة ٨٢]، وفي النصارى أيضًا عداوة وعداوتهم ظاهرة، لكن قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢] لعلة وهي ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة ٨٢] إلى آخره، أما النصارى الذين اعتدوا وبغوا على المسلمين، فإنهم لا يدخلون في هذه الآية، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١].
فاليهود والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق وفي خلاف، وهذا الخلاف لا بد أن يؤدي إلى عداوة وبغضاء وبالتالي إلى قتال، والأمر وقع، المسلمون قاتلوا اليهود، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وقاتلوا النصارى الروم كلهم نصارى، ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية، وسيقاتلونهم أيضًا مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم، ولا بد من هذا في المستقبل، فإذن هؤلاء اليهود والنصارى نحن معهم في شقاق؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، وكأن الإنسان إذا سمع ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قد يهاب ويخاف فطمأن الله المؤمنين بقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ هنا ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فالجملة هذه فيها فاعل وفعل ومفعولان، أو لا؟ الفاعل؟
* طالب: الله.
* الشيخ: الله، الله، والمفعول الأول؟
* طالب: الكاف.
* الشيخ: الكاف، والمفعول الثاني؟
* طالب: الهاء.
* الشيخ: الهاء، الضميران متصلان فهل الاتصال هنا واجب؟ أو جائز؟ لو كان في غير القرآن (...) القرآن معلوم، يجب اتباعه.
* طالب: الأول واجب والثاني جائز.
* الشيخ: الأول واجب والثاني جائز؟ تعطينا شواهد من كلام ابن مالك.
* الطالب:
........................ ∗∗∗ أَشْبَهَهُ فِي كُنْتُهُ الخُلْفُ انْتَمَى* الشيخ: كذاك؟
* الطالب: كَذَاكَ خِلْتَنِيهِ.
* الشيخ: أي الثلاثة هذه؟ ابن مالك ذكر (سَلْنِيهِ)، و(كُنْتُهُ)، و(خِلْتَنِيهِ) أي الثلاتة هذه؟
* الطالب: خلتنيه.
* الشيخ: خلتنيه، توافقون على هذا؟
* طالب: إي نعم لها مفعولان، (خلت) لها مفعولان.
* الشيخ: لأن (خلت) لها مفعولان، صح، وهذه لها مفعولان، ولكنه خطأ، يتبين، هذه داخلة في قوله: سَلْنِيهِ.
وَصِلْ أَوِ افْصَلْ هَاءَ سَلْنِيهِ... ∗∗∗ ............................ لأيش؟ لأن (خِلْتَنِيهِ) ناصبة مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ما هي بـ(خال) من أخوات (ظن)؟
* الطلبة: أيوه.
* الشيخ: فهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و(سَلْنِيهِ) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهي من أخوات (كَسَا)، سيكفيكهم ناصبة الآن مفعولين هل أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لأنه ما يصح أن يقال: أنت هم، هل الكاف تكون مبتدأ والهاء تكون خبر؟ ما يصح، واضح؟ إذن هي داخلة في قوله: سَلْنِيهِ وما أشبهها، هذا من (وما أشبهه).
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ السين هنا يقول العلماء: إنها للتنفيس، وفائدتها أمران ذكرناهما من قبل ويبينهما إما حامد وإلا آدم؟ السين هنا للتنفيس وتفيد شيئين أحدهما يعطيني إياه آدم؟ (...).
وقوع الثاني قرب الوقوع، تحققه وقربه بخلاف سوف فإنها تفيد التحقق ولكن مع مهلة، مع مهلة، وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ إذن تكفل الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا فإن الله سبحانه وتعالى فسيكفيك إياهم عن قرب، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب، فإن الرسول ﷺ لم يتوفَّ حتى جلا اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم خيبر وأبقاهم فيها عمالًا، وفي خلافة عمر رضي الله عنه أجلاهم حتى عن خيبر، فكفى الله المؤمنين شرهم والحمد لله.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ من أسماء الله، و﴿الْعَلِيمُ﴾ أيضًا من أسمائه تبارك وتعالى، وقد سبق أن السميع لها معنيان: أحدهما بمعنى المجيب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده أي استجاب أو أجاب أي أجاب لمن حمده، وبمعنى إدراك المسموع، السمع بمعنى إدراك المسموع، وذكرنا فيما سبق في العقيدة: أن هذا السمع يفيد مع الإدراك تهديدًا أو تقريرًا أو تأييدًا، يفيد تهديدًا كما في قوله؟ السمع للتهديد؟
* طالب: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي﴾ [المجادلة ١].
* الشيخ: لا.
* الطالب: الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة.
* الشيخ: نعم ما هي هذه يقول ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] مَنْ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: لا.
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح، هذا تهديد، وفي قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠] هذا للتهديد، وللتقرير مثل؟ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] وللتأييد؟ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] فعلى هذا نقول: السميع تفيد شيئين: أولًا إثباتها اسم من أسماء الله، وثانيا: إثبات السمع له، والسمع ينقسم إلى قسمين؟ سمع إجابة وسمع إدراك، وسمع الإدراك ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام، أو سمع الإدراك قد يقتضي التهديد وقد يقتضي التقرير وقد يقتضي التأييد حسب السياق.
وأما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فالعليم أيضًا اسم من أسماء الله، فعلم الله سبحانه وتعالى شامل لكل شيء جملة وتفصيلًا، أما الجملة فلقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] بكل شيء، عام، وأما التفصيل فمثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] وما تنبت؟ من باب أولى، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ وما من شيء إلا رطب أو يابس ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: فإنه يعلمه ومكتوب أيضًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦] ما من دابة، من يحصي الدواب؟ ما يحصيها إلا الله، أجناسها فضلًا عن أفرادها وأنواعها، إذن علم الله تعالى محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا متعلق بالماضي والحاضر والمستقبل ولَّا لا؟ في الماضي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿مَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى و﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الحاضر والمستقبل.
وقوله هنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قد يقول قائل من الناس: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: وهو القوي العزيز؛ لأنه قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فما هو الجواب عن ختمها بالسمع والعلم؟
* طالب: (...) المدينة هم يعني يوسوسون، وسوسة داخلية.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: القوة والعزة والحكمة تبدأ من علم الله سبحانه وتعالى يعني كلها تدخل في حكمة الله وعلمه فيتخذها ما شاء.
* الشيخ: إي، على كل حال كل شيء له، كل شيء هو مقرون بالعلم وبالحكمة، لكن بس الأنسب يعني فيما يبدو لنا فالظاهر لي والله أعلم إنه لما كان تدبير هؤلاء المشاقين تدبير الكيد للرسول عليه الصلاة والسلام من هؤلاء قد يكون بالأقوال وقد يكون بالأفعال، والتدبير أمر خفي، أمر خفي ما هو حرب يعلن حتى نقول ينبغي أن يقابل بقوة وعزة، قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حتى الأمور اللي ما تدري عنها ولا يبرزونها ولا يظهرون الحراب حرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الله تعالى سميع عليم، هذا ما ظهر لي والله أعلم، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...) الحكمة (...) ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (...).
* الشيخ: يعني أيش؟ يعني من الصعب النطق بها؟
* الطالب: (...) بالمعنى.
* الشيخ: يعني هذه خلاف البلاغة تقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وأما كونها طويلة فلأن فيها معاني، السين لا بد من وجودها، وأيضًا المخاطب فسيكفيكهم لا بد أن يخاطبه بذلك وضمير الغيبة ما أشوف فيها شيء.
* طالب: والفاء جواب الشرط.
* الشيخ: والفاء جواب الشرط.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغة، الصُّبغ معناه اللون كما تعرفون، فما المراد بصبغة الله؟ قالوا: المراد دين الله، صبغة الله دين الله، وسمي الدين صبغة لظهور أثره على العامل به، فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه، يظهر على صفحات وجهه ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها، فهو بمنزلة الصُّبغ للثوب يظهر أثره عليه، وقيل: إنه صبغة، سُميَ صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب، وهل يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعًا؟
* الطلبة: ما يمنع.
* الشيخ: ما يمنع، ما يمنع فهو صبغة للزومه، وهو صبغة أيضًا لظهور أثره على العامل به، ما وجه النصب في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغةَ الله ولم يقل: صبغةُ الله؟ قيل: إنها مصدر معنوي لقوله: ﴿آمَنّا﴾، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فإن ﴿آمَنّا﴾ معناها الدين، وأن التقدير: تدينَّا دين الله، تدينا دين الله ولا ريب أن هذا بعيد؛ لأن ﴿آمَنّا﴾ في آية أخرى قبلها، أو لا؟ قولوا: لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في الآية السابقة، في آية أخرى قبلها ويبعد أن يكون هذا متعلقًا بها، ولأنه فصل بينهما بفواصل كثيرة، إذن فهو منصوب على الإغراء، يعني: الزموا صبغة الله الزموا صبغة الله، ولا يصدنكم هؤلاء عن دينكم الزموه، وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أضيفت إليه لأنها منه، فإن الشريعة جاءت من الله، ولا أحد يُشرِّع للخلق إلا خالقهم سبحانه وتعالى ﴿ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة ١٣٨] (...).
* طالب: أن من شروط الإمامة أن يقوم الإنسان بما أُمِر به، فإن إبراهيم عليه السلام لما أتم ما أمره الله سبحانه وتعالى به أخبر الله سبحانه وتعالى له أنه سيجعله (...) فيجب قيام الإنسان بالإمامة الاتيان بما (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: أنه لما أمره الله سبحانه وتعالى بما أمر به فامتثل جعله الله للناس إمامًا؟
* الشيخ: إذن يؤخذ منه أن من قام بأوامر الله جعله الله إمامًا، أو لا؟ جعله الله إمامًا وهذا حق، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، قال ابن تيمية رحمه الله: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، مفهوم من قوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
* طالب: (...) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧] يقول بعض المفسرين: إن هذا (...) إسماعيل (...).
* الشيخ: نعم، إي؛ لأن الأصل إبراهيم.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة ١٣٥] ذكرنا فيها أن هذه الدعوى موجودة في أهل البدع من هذه الأمة؟
* الطالب: كل طائفة يدعون إلى ما هم عليه مثلًا الأشعرية يقولون: كونوا أشعرية تهتدوا، والجهمية يقولون: كونوا جهمية تهتدوا، كل يدعي.
* الشيخ: صح، إذن معناه أن من خالف الحق ودعا إليه -يعني إلى طريقه- وظن هو الهدى فهو مشابه لمن؟
* الطلبة: لليهود والنصارى.
* الشيخ: لليهود والنصارى، بماذا رد الله على هؤلاء الذين قالوا: تهتدوا؟
* طالب: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: وأيش إعراب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: للفعل نتبع. نتبع ملة.
* الشيخ: لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، ما تقولون في هذا؟
* الطلبة: (...)؟
* الشيخ: صحيح، إذن ملة إبراهيم هو اللي فيها الهداية ما هي باليهودية ولا النصرانية.
ما الفائدة من قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة ١٣٩]؟
* طالب: (...) الفائدة.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؟ هذا كلنا يعرف أن لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وأيش الفائدة منه هل هذا تحصيل حاصل كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأيش الفائدة منه؟
* طالب: (...) لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي أن (...) بالله سبحانه وتعالى وهو ربنا وربكم لا ينفعكم (...) بالله لا ينفعكم فإن كل له عمله ومعول على..
قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله.
* ومن فوائدها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، وكل ما يضاف إلى الله، فإنه حق.
* ومن فوائدها: أن دين الله تعالى أحسن الأديان وأكملها وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإخلاص، إخلاص العبادة له؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر.
* ومنها: أن العقل يقضي التزام الدين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، فإن العقل يهدي إلى أن الواجب أو أن الذي من العقل التزام الأحسن، كل إنسان له عقل سليم، فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن.
ثم قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: التشنيع على من يحاج في أمر يعترف به، فإنهم يحاجون في الله وهم يعترفون بأنه ربهم، فهو ربنا وربكم.
* ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه.
* ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لأنه قال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾، فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم.
* ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة بالعمل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٠٣١)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وهنا يقول: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فيها قراءتان: ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ ، ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾، فعلى الثانية ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ يكون هذا من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله؛ لأنه قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ يعني: وقل: أتقولون إن إبراهيم، أما على القراءة بالياء ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ فهذه الجملة من كلام الله كما مر.
* فمن فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، فهذه الدعوى باطلة، إذن ما وصف هؤلاء؟ المسلمون، وصف هؤلاء الإسلام، فإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ليسوا يهودًا ولا نصارى، بل هم مسلمون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إن هذا جائز عقلًا على الله فنقر به، وهذا يمتنع عقلًا على الله فلا نقر به، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه ناس يقولون هكذا كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم، نقول لهم في الجواب كلهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، هل أنتم أعلم بما يجوز على الله ويمتنع عليه ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه ويجوز له ويجب له؟ الله أعلم، وهذه هي حقيقة حجة ملزمة مقحمة مفحمة أيضًا لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: يجب لله كذا، ويمتنع عليه كذا، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، فإن العالم بشريعة الله شاهد على الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فكل إنسان يكتم علمًا فقد كتم شهادة عنده من الله، ثم إن في هذا عظم إثمه، يؤخذ من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء ٦٩] قيل: إن المراد بالشهداء هم أهل العلم.
* ومنها: كمال علم الله ومراقبته لعباده لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: ثبوت الصفات السلبية، وهي: ما نفاه الله عن نفسه، من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فإن هذه صفة سلبية ما هي ثبوتية، والصفات السلبية -كما مر علينا- متضمنة لإثبات كمال ضده، لكمال مراقبته وعلمه سبحانه وتعالى ليس بغافل عما نعمل.
ومنها: تخويف الإنسان وإنذاره من المخالفة، تؤخذ من أين؟ تخويف الإنسان من المخالفة من أين؟
* طالب: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟ ويش وجه هذا التخويف؟
* الطالب: إثبات أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عن..
* الشيخ: إيه، لكن ويش وجهه من التخويف؟
* الطالب: يعني بيحذر الإنسان، يعني: اعلم أيها الإنسان أن الله مطَّلع عليك في كل أعمالك.
* الشيخ: فإياك والمخالفة، يعني: مثلًا عندما تهدد إنسانًا بشيء تقول: ما أنا بغافل عنك، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إضافة العمل إلى العامل، ففيه رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تعرف وجهه؟ ففيه الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا يعمل بل هو مجبر، واضح؟
* الطلبة: نعم.
البقرة 2:140
قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿قُولُوا﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ وأمته جميعًا، والمراد بالقول هنا: القول باللسان وبالقلب، فالقول باللسان نطقه، والقول بالقلب اعتقاده، القلب له قول وفعل، والجسم له قول وفعل، قول الجسم باللسان وفعله بالجوارح، وقول القلب إقراره واعترافه بالشيء، هذا قول، وفعله حركته كمحبته ورجائه وخوفه وخشيته وما أشبه ذلك، هذه لأن هذه حركات قلبية، قولوا بألسنتكم، وأيش بعد؟
* الطلبة: وقلوبكم.
* الشيخ: وقلوبكم ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان تقدم هناك مرارًا كثيرًا أنه في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المتضمن أو المستلزم للقبول والإذعان، ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، الإيمان بالله يتضمن هذه الأمور الأربعة، فلننظر الآن الشيوعيون الذين ينكرون وجود الله آمنوا بالله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما الذي فقد منهم؟ كل الأربعة، كل الأربعة ما دام ما يؤمنون بالوجود ما هم مؤمنين بالربوبية ولا بالألوهية ولا بالأسماء والصفات، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الذين يؤمنون بالله لكن يشركون معه غيره، ويقولون: مثلًا إن القطب الغوث يدبر، وأن الرسول ﷺ يدبر، وما أشبه ذلك، هؤلاء آمنوا بالله باعتبار الوجود، لكن ما آمنوا بالربوبية والألوهية ولا بالأسماء والصفات أيضًا.
الذين يؤمنون بالله وبربوبيته وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره يقولون: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] آمنوا بأيش؟ بالوجود والربوبية دون الألوهية.
الذين يؤمنون بهذا كله لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون، إما أن ينكروا الأسماء والصفات، وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات، وإما أن ينكروا بعض الصفات، هؤلاء ما آمنوا بالله من حيث الأسماء والصفات ما آمنوا حقيقة الإيمان، فإيمانهم ناقص، فالإيمان بالله إذن يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يعني: وآمنا بما أنزل إلينا، فـ(ما) هنا اسم موصول مبني على السكون في محل جر عطفًا على قوله: ﴿اللَّهِ﴾ عطف على الله، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ يشمل القرآن وهو مُنْزَل ويشمل السنة أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فإن الحكمة هي السنة، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ هو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم منزل إليه؟ نعم منزل إليه؛ لأنه نبي ورسول، فهو منزل إليه، ما الذي أنزل إليه؟ الذي نعرف الصحف التي ذكرها الله في موضعين من القرآن، وين؟
* طالب: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأعلى ١٨، ١٩].
* الشيخ: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وأيش بعد؟
* طالب: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧].
* الشيخ: نعم، في سورة النجم. وما أنزل إلى إسماعيل، إسماعيل نبي منزل إليه، ما الذي أنزل إليه ما ندري، ما علمنا شيئًا لكنه منزل إليه قطعًا، واعلموا أن كل من ذكر في القرآن فإنه نبي رسول، كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو نبي رسول، بعض الناس يشكك، يقول: هل كل اللي في القرآن من الأنبياء؟ بعضهم ما ذكر الله أنه رسول، لكننا نقول: هو رسول، وأيش الدليل؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٨].
وقال في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٤] كل مذكور في القرآن من الأنبياء فإنهم رسل بدون استثناء، ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾.
* طالب: أقول: آدم؟
* الشيخ: لا، آدم ما ذُكِر أن له قومًا وأنه نبي، في القرآن ما ذُكِر أنه نبي، ذُكِر قصته.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: نبي، نبي ورسول.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: إي رسول، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
* طالب: قارون؟
* الشيخ: قارون؟ لا، يقول: هارون.
* الطالب: هارون؟
* الشيخ: ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إسحاق ويعقوب أيضًا منزل إليهم، لكن ما نعرف، ما ذكر ما الذي أنزل إليهم، الأسباط جمع سِبط قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف، وقيل: ما أنزل على الأسباط أي أنبياء بني إسرائيل عامة، كل أنبياء بني إسرائيل اللي ما ذكروا؛ لأن أولاد يعقوب تفرع منهم بنو إسرائيل، فيكون المراد بالأسباط ليس الاثني عشر ابنًا ليعقوب، بل جميع أنبياء بني إسرائيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ما أعطوا، ﴿مَا أُوتِيَ﴾ أوتي بمعنى أُعْطِي، وأتي بمعنى جيء، يعني: أن أتى الثلاثي بمعنى جاء، وأن آتى الرباعي بمعنى أعطى، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني؟
* الطلبة: أعطيناهم.
* الشيخ: أعطيناهم، ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* طالب: جئناك.
* الشيخ: جئناك وليس معناها أعطيناك، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ما أعطي. من أين أعطوا وأيش أعطوا؟
* طالب: آيات.
* الشيخ: ما أعطوا من الآيات، وما أعطوا من الوحي أيضًا، فإن الله تعالى أعطاهم وحيًا وآيات، موسى أعطي من الآيات؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: لا، من الوحي التوراة، من الآيات تسع: اليد، والعصا، وأيش بعد؟
* طالب: (...) سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والآيات التسعة اللي ذكر الله اليد يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، والعصا فيها ثلاث آيات، آيات عظيمة، فيها ثلاث آيات عظيمة: منها أنه يلقيها فتنقلب حية، ومنها أنه يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا، ومنها أنه ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، هذه من آيات الله العظيمة سبحان الله.
وأما عيسى فأوتي أيضًا آيات عظيمة منها: أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، صورة تمثال طير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة ﴿طَائِرًا﴾ يكون طائرًا، وإذا جمعنا بين الآيتين؛ لأنا نحن قلنا: إن الآيتين يعتبران كمعنيين، فيكون طير ويطير بنفس الفعل طائرًا، هل يجوز أن الإنسان يصنع تمثالًا على شكل الطير؟
* طالب: لا، ما يجوز.
* الشيخ: إذا أذن الله له جاز، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] إذا أذن الله جاز، لما أذن الله تعالى للملائكة أن يسجدوا لآدم، بل أمرهم بالسجود لآدم صار سجودهم لآدم طاعة وصار تركه كفرًا، إبليس لما استكبر كفر، بينما لا يسجد أحد الآن لآدمي.
(...) يحيي الموتى بإذن الله ويخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يحييهم قبل الدفن ويخرجهم من قبورهم بعد الدفن ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، وهذه من آيات الله التي أوتيها عيسى، قال أهل العلم: وإنما كانت آية موسى بالعصا؛ لأنه في زمن ارتقى فيه السحر إلى الغاية، وكانت آية عيسى في إخراج الموتى وفي إبراء الأكمه والأبرص؛ لأن الطب ارتقى فيه إلى الغاية، نعم والله سبحانه وتعالى يتحدى كل قوم بما يناسب عصرهم، وكان هذا القرآن آية مدى الدهر؛ لأنه لكل الخلق إلى يوم القيامة.
(...) هنا قد يسأل سائل: لماذا عبر بقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى آخره، وفي موسى وعيسى قال: ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ولم يقل: وما أنزل إلى موسى وعيسى، فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير أو لا؟
نقول: بحسب ما يظهر لنا والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية، الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد، لو قال: وما أنزل وما أنزل، تكررت كم مرة؟ أربع مرات، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم، وما أنزل إلى موسى، وما أنزل إلى النبيين، ومعلوم أنه من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر منها.
أما الفائدة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باق إلى زمن الوحي، دينهما باق إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات، النصارى يقولون: عيسى بن مريم يحي الموتى، ويفعل كذا ويفعل كذا، وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك، فبين الله سبحانه تعالى في هذا أن هذه الأمة تؤمن بهذه الآيات، ما أوتوا من وحي وآيات.
وأما قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فهذا والله أعلم أتى بما أوتي النبيون للعموم؛ لأنه ما ذكر في الآية هنا من الأنبياء إلا قليل بالنسبة لعددهم، فلهذا عبر بالإيتاء ليشمل كل الآيات التي أوتوها، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [البقرة ١٦٣]، وقوله: ﴿مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (من) هنا للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص، وإلا فالله تعالى رب الجميع، لكن هذه ربوبية خاصة، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني لأنهم هم لا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات أو بهذا الوحي، فهم يتلقون من الله وليسوا مستقلين بهذه الآيات حتى الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه الآيات يستطيع أن يأتي بها؟ لا، ما يستطيع؛ ولهذا قال لما اقترحوا عدة آيات قال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٣]، فلا أملك أن آتي بالآيات ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠].
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الجملة هذه داخلة في مقول القول، يعني قولوا: آمنا على هذا الوجه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على الأنبياء.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: في الإيمان وليس في الاتباع؛ لأننا في الاتباع مأمورون باتباع من؟ محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، فالشريعة نفرق بينهم ولا نَتْبع إلا شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان، أما في الإيمان وأنهم رسل، وأنهم من عند الله، وأنهم صادقون فيما جاؤوا به، فهم عندنا على حد سواء، كلهم صادقون فيما جاؤوا به، وكلهم رسل من عند الله، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ هل يشمل المنازل أيضًا؟
* طالب: لا يشمل.
* الشيخ: لأيش؟ لاختلافهم في الفضل، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، إذن عندنا التفريق في المنزلة، والتفريق في الشريعة، والتفريق بالإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، أي الأمور الثلاثة التي لا نفرق بين أحد منهم؟ الإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، وأنهم رسل من الله عز وجل.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قال: ﴿نَحْنُ﴾ وهنا أتى بضمير الجمع ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ ليشعر المؤمن أنه هو وأخوه كنفس واحدة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨١) ومسلم ٢٥٨٥ / ٦٥) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]] يعني ونحن جميع المؤمنين.
وقوله: ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على من؟ على الله سبحانه وتعالى، يعني ونحن لله، وهذا في عود الضمير على الأسبق، مع أن القاعدة أن يعود الضمير على أقرب مذكور، لكن هنا عاد الضمير على الأسبق؛ لأنه ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ بالله، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي لله مسلمون، مع أنه جاء بعدها عدة أشياء لكنه عاد، إذا قيل: ما الدليل على أنه يعود الضمير على الله عز وجل؟ نقول: الدليل على ذلك أولا: الضمير مفرد، والثاني: أن الإخلاص لمن يكون؟ لله.
وقوله: ﴿لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدم المعمول لغرضين أو لحكمتين: معنوية، ولفظية، المعنوية إفادة الاختصاص الذي نعبر عنه أحيانا بالحصر، والفائدة اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل أيش؟ فواصل الآيات، فإذا قال قائل: أي دليل لكم على أن مراعاة الفواصل معتبرة؟ قلنا: الدليل ما ذكره الله تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أن في الآية الأخرى: بـ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، فقدم هنا هارون على موسى مراعاة لفواصل الآيات، لا نعلم سوى هذا، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، فعلى هذا نقول في قوله: ﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تقديم المعمول لفائدتين: معنوية ولفظية.
وقوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ الإسلام إسلام الشيء للشيء معناه اختصاصه به، فالمراد بالإسلام هنا: الانقياد التام لله عز وجل بإخلاص، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة ١١٢] هنا إسلام القصد ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أما العمل فقال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فالحاصل أن الإسلام هنا يتضمن الانقياد بإخلاص، الانقياد التام بإخلاص لله عز وجل.
* طالب: شيخ، الأسباط ليه مجرورة وهي معطوفة على منصوب؟
* الشيخ: أين أصحاب النحو؟ إشكال، يقول: كيف كانت الأسباط مجرورة وهي معطوفة على أيش؟
* الطالب: على المنصوب؟
* الشيخ: على منصوب.
* الطلبة: على المجرور.
* الشيخ: نقول: هي معطوفة على مجرور، ما قرأت بالاسم الذي لا ينصرف عجمة؟
* الطالب: يعني كلهم داخل عليهم العجمة؟
* الشيخ: إي إي.
* الطالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فهمت؟ الدليل على هذا شوف ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (إلى) ما هي بحرف جر؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف؛ لأن الأسماء هذه قبل العروبة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة ١٣٦، ١٣٧]
* طالب: (...).
* الشيخ: خبر (نحن).
* الطالب: (له) ضمير فصل.
* الشيخ: (له)، لا، جار و مجرور متعلق بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾.
* الطالب: (نحن).
* الشيخ: مبتدأ؛ ونحن مسلمون له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) ضمير الفصل ما فيها لام حرف الجر (...) ثم إن ضمير الفصل أيضًا تعرفون أن ضمير الفصل يكون بصيغة المرفوع، أو لا؟ بصيغة المرفوع ضمير منفصل مرفوع إن هذا ضمير متصل له.
* طالب: (...) شيخ (...) مبتدأ؟
* الشيخ: لا، ﴿وَنَحْنُ﴾ وأيش محلها من الإعراب؟
* الطالب: مبتدأ (...) خبر.
* الشيخ: لا لا، ونحن مسلمون له، هذا هو المعنى؛ ولهذا قلنا: قدم المعمول، لو كان مبتدأ والخبر مقدم ما قلنا: قدم المعمول، لقلنا: قدم الخبر.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ أحيانًا عيسى يضيف إليه يقول: عيسى بن مريم (...) أحيانًا يقول (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يضر.
* الطالب: ما فيه فوائد؟
* الشيخ: لا، ما فيه.
* طالب: شيخ، موسى عليه السلام يختلف عيسى (...) يختلف عن موسى ولَّا لأن هذا أنزل عليه الإنجيل ويش..؟
* الشيخ: يختلف؟
* الطالب: يعني شرعته مطابقة ولَّا كيف؟
* الشيخ: إي نعم، مطابقة.
* الطالب: بني إسرائيل وإحنا قلنا: أديانهم كلها (...)؟
* الشيخ: كلها مطابقة. الإنجيل مطابق للتوراة إلا أنه فيه بعض التخفيفات على بني إسرائيل (...) والتوراة ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤] حتى عيسى إلا أن الإنجيل فيه بعض الأشياء التي خففت، إي نعم.
* طالب: شيخ، ذكر النبيون بعد موسى وعيسى (...)؟
* الشيخ: ما يدل على هذا، لكنه يفيد عطف العام على الخاص.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ آمنوا من؟
* الطلبة: اليهود والنصارى.
* الشيخ: اليهود والنصارى؛ لأن هذه الآيات كلها متتابعة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة ١٣٥]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ﴿إِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ﴿بِمِثْلِ﴾ اختلف المعربون في الباء، وفي (مثل)، أيهما الزائد، فقيل: إن (مثل) هي الزائدة، وإن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا، وأن (مثل) زائدة معنى، أي: أنها أفادت زيادة معنى، وهي أنه إن آمنوا ليس مطلق إيمان بل إيمانًا مطابقا لإيمانكم، فعلى هذا يكون الزيادة في كلمة: مثل، والأصل: فإن آمنوا بما آمنتم به، لكن أتى بمثل ليبين أن إيمانهم لا يكفي مطلق الإيمان بما آمنتم به فقط مطلقًا لا، لا بد أن يكون مطابقًا مماثلًا بمثل ما آمنتم به.
وقيل: إن الزائد هو الباء، الزائد هو الباء حرف الجر، وإن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم، مثل ما آمنتم، يعني: مثل الذي آمنتم، والباء الثانية أيضًا زائدة أي: مثل الذي آمنتموه، أي مثل إيمانكم.
فصار عندنا الآن قولان: منهم من يرى أن الزائد (مثل)، ومنهم من يرى أن الزائد الباء، والجميع اتفقوا على أن المراد الزيادة الإعرابية وليست الزيادة المعنوية، بل لها معنى، والمعروف أن الأسماء لا تزاد، وأن الزيادة في الحروف كثيرة، الزيادة في الحروف كثيرة ولَّا لا؟ كما مر علينا في ألفية ابن مالك، لكن الزيادة في الأسماء قليلة، لأيش؟ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها، والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها، ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه، ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن تزاد الأسماء، الاسم كلمة جاءت لمعنى في ذاتها ما يمكن تزاد بخلاف الحرف، فعلى هذا يكون الزيادة في الباء أي: فإن آمنوا مثل ما آمنتموه، أي: مثل إيمانكم، وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد، أي: إن آمنوا إيمانًا مطابقًا لإيمانكم مماثلًا له من كل الوجوه فقد اهتدوا، والفاء هنا رابطة للجواب، جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ آمَنُوا﴾.
وقوله: ﴿اهْتَدَوْا﴾ أي سلكوا سبيل الهداية، والهداية هنا هداية العلم والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفقوا واهتدوا.
وقوله: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الهداية هنا مطلقة ولَّا لا؟ وهو كذلك، هداية مطلقة كما أن المسلمون الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة، بالمناسبة يقولون: إن بعض النصارى في مصر احتجوا على المسلمين، وقالوا: لماذا تستبيحون نساءنا ولا تبيحوننا نساءكم؟ احتجاج صحيح، لأيش أن المسلم يجوز يأخذ النصرانية والنصراني ما يجوز يأخذ المسلمة؟ قالوا: لأننا نؤمن بنبيكم ولا تؤمنون بنبينا، صحيح؟ صحيح؛ لأننا نؤمن بنبيكم وأنتم ما تؤمنون بنبينا، آمنوا بنبينا نعطيكم بناتنا.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿تَوَلَّوْا﴾ تولي الإعراض، تولى بمعنى أعرض، وأيش عنه تولوا؟ عن الإيمان بمثل ما آمنتم به، إن تولوا وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف هذه أتت جملة اسمية للدلالة على الاستمرار والثبوت، وأتت بـ(إنما) الدالة على الحصر، يعني: فما حالهم إلا الشقاق ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف الخبر الآن ظرف بدليل (في) التي للظرفية كأن الشقاق محيط بهم من كل جانب، في شقاق منغمسون في شقاق، والشقاق بمعنى الخلاف، وهو في كل معانيه يدور على هذا حتى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج ٥٣] بعضهم قال: الشقاق هنا بمعنى الضلال، ولكن الصحيح أن معناه الخلاف، في كل ما جاءت في القرآن فهي للخلاف، وإن كان بعضهم يقول: تأتي للخلاف وتأتي للضلال وتأتي للعداء، لكن الصحيح أنها في كل ما جاءت فهي خلاف، حتى العدو مخالف لعدوه، والضال مخالف للمهتدي، ويدل لذلك لأن أصل معنى الشقاق أن يكون أحد الطرفين في شق والثاني في شق آخر، وبهذا يكون خلافه، يعني فإنما هم في خلاف معكم، هذا الخلاف سيؤدي حتمًا إلى العداوة، ولهذا لا شك أن بين المؤمنين وبين اليهود والنصارى عداوة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة ٨٢]، وفي النصارى أيضًا عداوة وعداوتهم ظاهرة، لكن قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢] لعلة وهي ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة ٨٢] إلى آخره، أما النصارى الذين اعتدوا وبغوا على المسلمين، فإنهم لا يدخلون في هذه الآية، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١].
فاليهود والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق وفي خلاف، وهذا الخلاف لا بد أن يؤدي إلى عداوة وبغضاء وبالتالي إلى قتال، والأمر وقع، المسلمون قاتلوا اليهود، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وقاتلوا النصارى الروم كلهم نصارى، ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية، وسيقاتلونهم أيضًا مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم، ولا بد من هذا في المستقبل، فإذن هؤلاء اليهود والنصارى نحن معهم في شقاق؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، وكأن الإنسان إذا سمع ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قد يهاب ويخاف فطمأن الله المؤمنين بقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ هنا ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فالجملة هذه فيها فاعل وفعل ومفعولان، أو لا؟ الفاعل؟
* طالب: الله.
* الشيخ: الله، الله، والمفعول الأول؟
* طالب: الكاف.
* الشيخ: الكاف، والمفعول الثاني؟
* طالب: الهاء.
* الشيخ: الهاء، الضميران متصلان فهل الاتصال هنا واجب؟ أو جائز؟ لو كان في غير القرآن (...) القرآن معلوم، يجب اتباعه.
* طالب: الأول واجب والثاني جائز.
* الشيخ: الأول واجب والثاني جائز؟ تعطينا شواهد من كلام ابن مالك.
* الطالب:
........................ ∗∗∗ أَشْبَهَهُ فِي كُنْتُهُ الخُلْفُ انْتَمَى* الشيخ: كذاك؟
* الطالب: كَذَاكَ خِلْتَنِيهِ.
* الشيخ: أي الثلاثة هذه؟ ابن مالك ذكر (سَلْنِيهِ)، و(كُنْتُهُ)، و(خِلْتَنِيهِ) أي الثلاتة هذه؟
* الطالب: خلتنيه.
* الشيخ: خلتنيه، توافقون على هذا؟
* طالب: إي نعم لها مفعولان، (خلت) لها مفعولان.
* الشيخ: لأن (خلت) لها مفعولان، صح، وهذه لها مفعولان، ولكنه خطأ، يتبين، هذه داخلة في قوله: سَلْنِيهِ.
وَصِلْ أَوِ افْصَلْ هَاءَ سَلْنِيهِ... ∗∗∗ ............................ لأيش؟ لأن (خِلْتَنِيهِ) ناصبة مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ما هي بـ(خال) من أخوات (ظن)؟
* الطلبة: أيوه.
* الشيخ: فهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و(سَلْنِيهِ) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهي من أخوات (كَسَا)، سيكفيكهم ناصبة الآن مفعولين هل أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لأنه ما يصح أن يقال: أنت هم، هل الكاف تكون مبتدأ والهاء تكون خبر؟ ما يصح، واضح؟ إذن هي داخلة في قوله: سَلْنِيهِ وما أشبهها، هذا من (وما أشبهه).
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ السين هنا يقول العلماء: إنها للتنفيس، وفائدتها أمران ذكرناهما من قبل ويبينهما إما حامد وإلا آدم؟ السين هنا للتنفيس وتفيد شيئين أحدهما يعطيني إياه آدم؟ (...).
وقوع الثاني قرب الوقوع، تحققه وقربه بخلاف سوف فإنها تفيد التحقق ولكن مع مهلة، مع مهلة، وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ إذن تكفل الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا فإن الله سبحانه وتعالى فسيكفيك إياهم عن قرب، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب، فإن الرسول ﷺ لم يتوفَّ حتى جلا اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم خيبر وأبقاهم فيها عمالًا، وفي خلافة عمر رضي الله عنه أجلاهم حتى عن خيبر، فكفى الله المؤمنين شرهم والحمد لله.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ من أسماء الله، و﴿الْعَلِيمُ﴾ أيضًا من أسمائه تبارك وتعالى، وقد سبق أن السميع لها معنيان: أحدهما بمعنى المجيب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده أي استجاب أو أجاب أي أجاب لمن حمده، وبمعنى إدراك المسموع، السمع بمعنى إدراك المسموع، وذكرنا فيما سبق في العقيدة: أن هذا السمع يفيد مع الإدراك تهديدًا أو تقريرًا أو تأييدًا، يفيد تهديدًا كما في قوله؟ السمع للتهديد؟
* طالب: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي﴾ [المجادلة ١].
* الشيخ: لا.
* الطالب: الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة.
* الشيخ: نعم ما هي هذه يقول ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] مَنْ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: لا.
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح، هذا تهديد، وفي قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠] هذا للتهديد، وللتقرير مثل؟ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] وللتأييد؟ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] فعلى هذا نقول: السميع تفيد شيئين: أولًا إثباتها اسم من أسماء الله، وثانيا: إثبات السمع له، والسمع ينقسم إلى قسمين؟ سمع إجابة وسمع إدراك، وسمع الإدراك ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام، أو سمع الإدراك قد يقتضي التهديد وقد يقتضي التقرير وقد يقتضي التأييد حسب السياق.
وأما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فالعليم أيضًا اسم من أسماء الله، فعلم الله سبحانه وتعالى شامل لكل شيء جملة وتفصيلًا، أما الجملة فلقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] بكل شيء، عام، وأما التفصيل فمثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] وما تنبت؟ من باب أولى، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ وما من شيء إلا رطب أو يابس ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: فإنه يعلمه ومكتوب أيضًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦] ما من دابة، من يحصي الدواب؟ ما يحصيها إلا الله، أجناسها فضلًا عن أفرادها وأنواعها، إذن علم الله تعالى محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا متعلق بالماضي والحاضر والمستقبل ولَّا لا؟ في الماضي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿مَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى و﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الحاضر والمستقبل.
وقوله هنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قد يقول قائل من الناس: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: وهو القوي العزيز؛ لأنه قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فما هو الجواب عن ختمها بالسمع والعلم؟
* طالب: (...) المدينة هم يعني يوسوسون، وسوسة داخلية.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: القوة والعزة والحكمة تبدأ من علم الله سبحانه وتعالى يعني كلها تدخل في حكمة الله وعلمه فيتخذها ما شاء.
* الشيخ: إي، على كل حال كل شيء له، كل شيء هو مقرون بالعلم وبالحكمة، لكن بس الأنسب يعني فيما يبدو لنا فالظاهر لي والله أعلم إنه لما كان تدبير هؤلاء المشاقين تدبير الكيد للرسول عليه الصلاة والسلام من هؤلاء قد يكون بالأقوال وقد يكون بالأفعال، والتدبير أمر خفي، أمر خفي ما هو حرب يعلن حتى نقول ينبغي أن يقابل بقوة وعزة، قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حتى الأمور اللي ما تدري عنها ولا يبرزونها ولا يظهرون الحراب حرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الله تعالى سميع عليم، هذا ما ظهر لي والله أعلم، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...) الحكمة (...) ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (...).
* الشيخ: يعني أيش؟ يعني من الصعب النطق بها؟
* الطالب: (...) بالمعنى.
* الشيخ: يعني هذه خلاف البلاغة تقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وأما كونها طويلة فلأن فيها معاني، السين لا بد من وجودها، وأيضًا المخاطب فسيكفيكهم لا بد أن يخاطبه بذلك وضمير الغيبة ما أشوف فيها شيء.
* طالب: والفاء جواب الشرط.
* الشيخ: والفاء جواب الشرط.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغة، الصُّبغ معناه اللون كما تعرفون، فما المراد بصبغة الله؟ قالوا: المراد دين الله، صبغة الله دين الله، وسمي الدين صبغة لظهور أثره على العامل به، فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه، يظهر على صفحات وجهه ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها، فهو بمنزلة الصُّبغ للثوب يظهر أثره عليه، وقيل: إنه صبغة، سُميَ صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب، وهل يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعًا؟
* الطلبة: ما يمنع.
* الشيخ: ما يمنع، ما يمنع فهو صبغة للزومه، وهو صبغة أيضًا لظهور أثره على العامل به، ما وجه النصب في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغةَ الله ولم يقل: صبغةُ الله؟ قيل: إنها مصدر معنوي لقوله: ﴿آمَنّا﴾، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فإن ﴿آمَنّا﴾ معناها الدين، وأن التقدير: تدينَّا دين الله، تدينا دين الله ولا ريب أن هذا بعيد؛ لأن ﴿آمَنّا﴾ في آية أخرى قبلها، أو لا؟ قولوا: لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في الآية السابقة، في آية أخرى قبلها ويبعد أن يكون هذا متعلقًا بها، ولأنه فصل بينهما بفواصل كثيرة، إذن فهو منصوب على الإغراء، يعني: الزموا صبغة الله الزموا صبغة الله، ولا يصدنكم هؤلاء عن دينكم الزموه، وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أضيفت إليه لأنها منه، فإن الشريعة جاءت من الله، ولا أحد يُشرِّع للخلق إلا خالقهم سبحانه وتعالى ﴿ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة ١٣٨] (...).
* طالب: أن من شروط الإمامة أن يقوم الإنسان بما أُمِر به، فإن إبراهيم عليه السلام لما أتم ما أمره الله سبحانه وتعالى به أخبر الله سبحانه وتعالى له أنه سيجعله (...) فيجب قيام الإنسان بالإمامة الاتيان بما (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: أنه لما أمره الله سبحانه وتعالى بما أمر به فامتثل جعله الله للناس إمامًا؟
* الشيخ: إذن يؤخذ منه أن من قام بأوامر الله جعله الله إمامًا، أو لا؟ جعله الله إمامًا وهذا حق، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، قال ابن تيمية رحمه الله: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، مفهوم من قوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
* طالب: (...) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧] يقول بعض المفسرين: إن هذا (...) إسماعيل (...).
* الشيخ: نعم، إي؛ لأن الأصل إبراهيم.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة ١٣٥] ذكرنا فيها أن هذه الدعوى موجودة في أهل البدع من هذه الأمة؟
* الطالب: كل طائفة يدعون إلى ما هم عليه مثلًا الأشعرية يقولون: كونوا أشعرية تهتدوا، والجهمية يقولون: كونوا جهمية تهتدوا، كل يدعي.
* الشيخ: صح، إذن معناه أن من خالف الحق ودعا إليه -يعني إلى طريقه- وظن هو الهدى فهو مشابه لمن؟
* الطلبة: لليهود والنصارى.
* الشيخ: لليهود والنصارى، بماذا رد الله على هؤلاء الذين قالوا: تهتدوا؟
* طالب: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: وأيش إعراب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: للفعل نتبع. نتبع ملة.
* الشيخ: لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، ما تقولون في هذا؟
* الطلبة: (...)؟
* الشيخ: صحيح، إذن ملة إبراهيم هو اللي فيها الهداية ما هي باليهودية ولا النصرانية.
ما الفائدة من قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة ١٣٩]؟
* طالب: (...) الفائدة.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؟ هذا كلنا يعرف أن لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وأيش الفائدة منه هل هذا تحصيل حاصل كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأيش الفائدة منه؟
* طالب: (...) لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي أن (...) بالله سبحانه وتعالى وهو ربنا وربكم لا ينفعكم (...) بالله لا ينفعكم فإن كل له عمله ومعول على..
قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله.
* ومن فوائدها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، وكل ما يضاف إلى الله، فإنه حق.
* ومن فوائدها: أن دين الله تعالى أحسن الأديان وأكملها وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإخلاص، إخلاص العبادة له؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر.
* ومنها: أن العقل يقضي التزام الدين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، فإن العقل يهدي إلى أن الواجب أو أن الذي من العقل التزام الأحسن، كل إنسان له عقل سليم، فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن.
ثم قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: التشنيع على من يحاج في أمر يعترف به، فإنهم يحاجون في الله وهم يعترفون بأنه ربهم، فهو ربنا وربكم.
* ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه.
* ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لأنه قال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾، فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم.
* ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة بالعمل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٠٣١)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وهنا يقول: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فيها قراءتان: ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ ، ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾، فعلى الثانية ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ يكون هذا من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله؛ لأنه قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ يعني: وقل: أتقولون إن إبراهيم، أما على القراءة بالياء ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ فهذه الجملة من كلام الله كما مر.
* فمن فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، فهذه الدعوى باطلة، إذن ما وصف هؤلاء؟ المسلمون، وصف هؤلاء الإسلام، فإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ليسوا يهودًا ولا نصارى، بل هم مسلمون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إن هذا جائز عقلًا على الله فنقر به، وهذا يمتنع عقلًا على الله فلا نقر به، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه ناس يقولون هكذا كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم، نقول لهم في الجواب كلهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، هل أنتم أعلم بما يجوز على الله ويمتنع عليه ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه ويجوز له ويجب له؟ الله أعلم، وهذه هي حقيقة حجة ملزمة مقحمة مفحمة أيضًا لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: يجب لله كذا، ويمتنع عليه كذا، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، فإن العالم بشريعة الله شاهد على الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فكل إنسان يكتم علمًا فقد كتم شهادة عنده من الله، ثم إن في هذا عظم إثمه، يؤخذ من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء ٦٩] قيل: إن المراد بالشهداء هم أهل العلم.
* ومنها: كمال علم الله ومراقبته لعباده لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: ثبوت الصفات السلبية، وهي: ما نفاه الله عن نفسه، من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فإن هذه صفة سلبية ما هي ثبوتية، والصفات السلبية -كما مر علينا- متضمنة لإثبات كمال ضده، لكمال مراقبته وعلمه سبحانه وتعالى ليس بغافل عما نعمل.
ومنها: تخويف الإنسان وإنذاره من المخالفة، تؤخذ من أين؟ تخويف الإنسان من المخالفة من أين؟
* طالب: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟ ويش وجه هذا التخويف؟
* الطالب: إثبات أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عن..
* الشيخ: إيه، لكن ويش وجهه من التخويف؟
* الطالب: يعني بيحذر الإنسان، يعني: اعلم أيها الإنسان أن الله مطَّلع عليك في كل أعمالك.
* الشيخ: فإياك والمخالفة، يعني: مثلًا عندما تهدد إنسانًا بشيء تقول: ما أنا بغافل عنك، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إضافة العمل إلى العامل، ففيه رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تعرف وجهه؟ ففيه الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا يعمل بل هو مجبر، واضح؟
* الطلبة: نعم.