Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:151 – البقرة 2:158

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:151
  2. البقرة 2:152
  3. البقرة 2:153
  4. البقرة 2:154
  5. البقرة 2:155
  6. البقرة 2:156
  7. البقرة 2:157
  8. البقرة 2:158

البقرة 2:151

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٥٠]. هذه الجملة تقدم الكلامُ عليها، وكُررت للتوكيد وتوطئةً لما بعدها؛ لأن الفائدة هنا التوكيد والتوطئة لما بعدها، وهو قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ﴾، وقلنا قبل قليل: إن التكرار في مثل هذه الأمور الهامة يراد منه ثلاثة أمور: الإثبات، والتثبيت، والمدافعة؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. * طالب: من قال يا شيخ: تنزل على الأحوال؟ * الشيخ: لا ما هو بظاهر؛ لأنها عامة، كل واحدة منها عامة، ولذلك لو جاءت واحدة منها بدون الأُخريين لكان الحكم واحدا. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ اللام هنا للتعليل، اقترنت بها (أنْ) المصدرية، و(لا) النافية و﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ(أن) المصدرية، ولا يضر الحيلولةُ بين الناصب والمنصوب بـ(لا) النافية. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ وأيش إعرابه؟ اسم (يكون) إن كانت ناقصة، أو فاعلٌ إن كانت تامة. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ ﴿لِلنَّاسِ﴾ مَن المراد بالناس؟ الآية مجملة فتشمل كلَّ من احتج على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد احتج على المسلمين في هذه المسألة اليهود والمشركون، أما اليهود فقالوا: إن الرجل ترك الملة إلى ملة آبائه فهو رجل يتعبد بهواه وليس على هدى. هذه حجة اليهود، والعياذ بالله! بالأمس الأدنى كان يتَّجه إلى بيت المقدس، والآن أخذته العصبية فاتجه إلى الكعبة، وهذا لا شك أنه ظلم، ظلم من اليهود ولّا هم يعرفون في كتبهم كما ذكر بعض أهل العلم أن محمدا ﷺ سيتجه إلى الكعبة فيكون من صفاته؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الحجة أيضًا لليهود، الحجة لليهود يعني ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، إن هذا التعليل تعليلٌ للبقاء لا للانتقال؛ يعني لئلا يكون للناس عليكم حجة لو بقيتم على بيت المقدس، فما الحجة إذن؟ الحجة أن يقول اليهود: إن محمدا يتجه إلى الكعبة، وعلى هذا فتكون حجة اليهود من وجهين، من الوجهين السلبي والإيجابي، يعني أنكم إن بقيتم احتج عليكم اليهود بأن هذا ليس محمدا الذي أخبرَتْ به التوراة؛ لأن محمدا الذي أخبرت به التوراة يتجه إلى الكعبة. حجة أخرى أنهم يقولون: لو كان محمد رسولا ما صار بالأمس يتجه إلى بيت المقدس والآن يتجه إلى الكعبة، ولكنه رجلٌ يتبع هواه ويداهن، ففي الأول داهننا ثم بعد ذلك أخذته العصبية فاتجه إلى قبلة آبائه وأجداده، فصار حجةُ اليهود من وجهين، سواءٌ إن بقي فحجتُهم أنه لما لم يتجهوا إلى القبلة ما صار الرسولَ المنتظرَ، وإن تحول حجتهم أنه يتعبد بهواه، ما هو على هدى من الله -والعياذ بالله- إذن يكون التعليل هنا تعليلًا للتحول وللبقاء، ذكر بعض العلماء أن الناس يدخل فيها المشركون أيضًا، يدخل فيها المشركون، يحتجون على الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: هذا الرجل خالفنا في عقيدتنا، وخالفنا في قبلتنا حين هاجر إلى المدينة، ثم رجع إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا فيحتجون بهذا، أنتم تعرفون أهل الباطل يموّهون، يعني يقلبون -والعياذ بالله- ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢] يقلبون الحق باطلا؛ لأنهم يريدون غرضا والله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بمثل هؤلاء الذين يقلبون الحقائق ويجعلون من الحق باطلا، وإلا فكيف يمكن أن يكون حجة لهؤلاء وهؤلاء؟ ما في حجة، بل إن تحوله مع تخوفه العظيم عليه الصلاة والسلام مما وقع من الاعتراضات والمضايقات، وتعرفون المسألة احنا ما ندرك حقيقتها، حقيقة اللي حصل، كونه يتحول مع توقعه لهذه المعارضات؛ لأن الله قال له سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ﴾ إذن المسألة سيكون فيها أخذٌ وردٌّ ومضايقات، تحوله مع هذه التوقعات وأيش يدل عليه؟ يدل على صدقه، وفي الحقيقة ليس دليلا على ما يزعم هؤلاء، بل هو أكبر دليل على صدقه وأنه يتعبد بوحي من الله عز وجل، قيل له: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، وقيل: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، ما يريد هو أن يتبع هواه، بل يتبع ما جاءه من الوحي. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على المؤمنين عموما، للرسول عليه الصلاة والسلام ولأتباعه؛ لأن كل حجة يحتج بها على الرسول للتلبيس وإبطال الدعوة فهي في الحقيقة حجة على جميع أتباعه؛ لأن أتباعه إنما تَبِعوه لأنه على الحق، فإذا جاء من يلبِّس صار ذلك تلبيسا لطريقهم ومنهاجهم، فهو حجة على الجميع، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ هل هذه حجة حقيقية أو حجة باطلة؟ حجة باطلة، ولا يلزم من الاحتجاج قبوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ١٦] باطلة، فالاحتجاجات ليست كلُّها مقبولة، إن كانت بحق فهي مقبولة وحجة، وإلا فهي باطلة ولو أقيمت أو ولو صيغت صيغة الدليل والبرهان، حتى لو صاغها من يحتج بها صيغة الدليل والبرهان فإنها تعتبر باطلة، أرأيتم احتجاج الفلاسفة؟ على طريقتهم، احتجاج المعتزلة على طريقتهم، احتجاج الجهمية على طريقتهم، احتجاج القدرية على طريقتهم وهكذا، هذه الحجج هم يأتون بحجج عظيمة لكنها كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ نعم، ما تقوم لهم حجة، حججهم كلها تعتبر شُبَهًا باطلة، هؤلاء الذين يريدون أن يحتجوا على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى مكة أو إلى المسجد الحرام، هل هذه الحجة صحيحة؟ كلا، بل هي من أبطل الحجج، ولكن مع ذلك لا مانع أن الإنسان يتسلح، ولو للحجج الباطلة؛ ولهذا قال الله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والمراد بالذين ظلموا المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوُونَ للحق مهما تبيّن، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ اختُلف في إلا هنا، هل هي متصلة أو منقطعة؟ بمعنى: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمنهم من قال: إنه متصل، ومنهم من قال: إنه منقطع، فالذين قالوا: إنه منقطع قالوا: إلا بمعنى لكن؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم ومخاصمتهم، خذوا بالكم. ومن قال: إنه متصل قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا فيكون مستثنى من الناس؛ لأن الناس منهم ظالم ومنهم من ليس بظالم، والأقرب عندي -والله أعلم- أن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ هذا عام شامل، لكن من ظلم منهم من اليهود أو المشركين فإنه لن يرعَوِيَ لهذه الحكمة التي أبانها الله عز وجل؛ لئلا تنتفي حجة هؤلاء الظالمين. * طالب: شيخ، ما يرد بأنه من قال: الاستثناء متصل ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، هم احتجوا، لو قلنا: اتصال الاستثناء ما لهم حجة ما ذكر لهم حجة؟ * الشيخ: اللي يقرب لي من هذا السياق أنه منقطع. * الطالب: شيخ ما معناه على أن يكون متصل؟ * الشيخ: يقول: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إن الله تعالى بيَّن للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنه ما أحد يحتج عليهم إلا الظالمين، ولكن في الحقيقة هذا ضعيف المعنى، ضعيف جدا، فالذي يظهر لي أن الاستثناء منقطع. قال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الله أكبر، يعني مهما قالوا من الكلام ومهما قالوا من زخارف القول ومهما ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم، لا تخشوهم، فالخشية والخوف متقاربان إلا أن أهل العلم يقولون: إن الفرق أن الخشية لا تكون إلا مع العلم؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] بخلاف الخوف، فقد يخاف الإنسان من الْمَخُوف وهو لا يعلم عن حاله، أما الخشية فلا يكون إلا مع العلم. والفرق الثاني: يقولون: إن الخشية تكون لعِظَم المخشيِّ، والخوف لضعف الخائف وإن كان الْمَخُوفُ ليس بعظيم، فتقول مثلا: الصبي يخاف من المراهق، نعم، لأيش؟ لضعفه، هكذا فُرِّق، وعلى كل حال إن صح هذا الفرق فهو ظاهر، لكن الفرق الأول واضح وهو أن الخشية إنما تكون مع العلم. * طالب: (...) فرق إن الخشية أشد من الخوف من حيث وضعُها؟ * الشيخ: لا، ما هو بظاهر ولّا بعضهم قال: إنها أشد؛ لأن هذه المادة، الخاء والشين، تدل على القوة ومنه الشيخ الكبير، لكن فيها نظر. وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ تخشوا مَن؟ الذين ظلموا، مهما كان ظلمهم لا تخشاهم ما دمتَ على حق لا تخاف من أحد، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ أتى بعد النهي بالأمر؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، أَزِلِ الموانعَ أولًا ثم أثبت، فأولًا فرِّغ قلبك من كل خشية لغير الله، ثم مكن لخشية الله من قلبك، فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلا، فإذا كان المحل قابلا، حينئذ يكون الوارد عليه واردا على شيء لا ممانعة فيه ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ والأمر هنا، كما سيأتينا إن شاء الله في الفوائد، الأمر ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ لأي شيء؟ للوجوب، الوجوب بلا شك، الواجب على المرء أن يخشى الله وحده، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؛ إتمامُ الشيء بلوغ غايته، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، لئلا يكون للناس ولأُتم، ﴿أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ والإتمام بلوغ الشيء غايته، والغالب أنه يكون في الكمال، وقوله: ﴿نِعْمَتِي﴾ النعمة ما هي؟ هي ما يَنْعَمُ به الإنسان، ويقال: نِعمة، ويقال: نَعمة، لكن الغالب في النعمة أن تكون في الخير، والنَّعمة التنعُّم من غير شكر كما قال تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٧]، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ هذه نزلت متى؟ متى نزلت ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؟ * طالب: بعد سورة البقرة، في أول الهجرة. * الشيخ: في أول الهجرة عند تحويل القبلة؛ يعني في السنة الثانية، ولا يعارضها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، نعم لا تعارضها؛ لأن المراد في آية المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] الإتمامُ العام في كل الشريعة، وأما هنا ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ في هذه الشريعة الخاصة وهي استقبال الكعبة بدلا عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن «الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُقلِّب وجهَه في السماء ينتظرُ متى يُؤمر بالتوجّه إلى الكعبة »[[أخرجه البخاري (٣٩٩) من حديث البراء.]]، فهذه لا شك أنها من نعمة الله عز وجل أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي كما قال بعض أهل العلم: هو قبلة جميع الأنبياء كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، أن الكعبة قبلة جميع الأنبياء، وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق هذا مما غيروه في دينهم. وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أضاف الله تعالى النعمة إليه؛ لأنه صاحبها هو الذي يُسديها ويوليها على عباده، ولولا هذه النعمة العظيمة ما بقي الناس طرفة عين، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] في النعمة قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وفي الغضب ما قال: صراط الذين غضبتَ عليهم بل قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعم، وهي نظير قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ثم إن المغضوب عليهم.. الغضب على هؤلاء ليس من الله فقط، بل من الله سبحانه وتعالى ومن أوليائه من الرسل وأتباعهم. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ (لعل) هنا أيش معناها؟ * طالب: للتعليل.. * الشيخ: للتعليل؛ يعني ولأجل أن تهتدوا، والهداية كما مر علينا نوعان: هداية علمية، وهداية عملية، ويقال: هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فالهداية العلمية معناها: أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، والعملية: أن يوفق للعمل بهذا العلم. الأولى وسيلة والثانية غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل، بل إن العلم بدون عمل يكون وبالا على من رُزقه. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ هذه هي العلة الثالثة من هذه العلل، العلة الأولى ما هي؟ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، والعلة الثانية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، والثالثة: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ وهنا الهداية شاملة للهداية العلمية والعملية يعني: علما وعملا، ووجه كونها شاملة: أنهم ما علموا أن مرضاتَ الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علَّمهم الله، ثم إن الله وفَّقهم للاهتداء إليها، هل مانعوا؟ أبدًا، بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلُّون صلاة الفجر، وكان الإمام إلى الشمال والمأمومون إلى الجنوب فأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت إلى الكعبة، فماذا صنعوا؟ توجَّهوا في صلاتهم إلى الكعبة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦ / ١٣) من حديث ابن عمر.]]، فصار الإمام نحو الجنوب والمأمومون نحو الشمال وكلهم وجوههم إلى الكعبة، هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمر الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات والمضايقات، وأيش يدل عليه؟ على قوة إيمانه، وثقته بربه سبحانه وتعالى، وهكذا يجب على كل مؤمن إذا جاء أمرُ الله أن يمتثل الأمرَ، والله سبحانه وتعالى سيجعل له من أمره يسرا؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور، لا يقول: والله هذا أخشى من المضايقات، أخشى أن الناس يعيرونني، أخشى أن الناس يستهزئون بي، هذا لا يضر، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨]. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ [البقرة ١٥٠، ١٥١] هذه أيضًا مِنَّةٌ رابعة وُجهت إلى المؤمنين ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾؛ يعني: هذا داخل في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾، كما أنكم أيضًا، كما أنكم قد أُرسل فيكم هذا الرسول النبي عليه الصلاة والسلام.. إلى آخره؛ يعني: معناه أن نعمة الله علينا التوجُّه إلى الكعبة بدلا عن بيت المقدس أنها عظيمة، كما أن نعمته علينا بالرسول ﷺ عظيمة، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ والإرسال بمعنى البعث، والبعث بمعنى الإرسال أيضًا، يعني أنه مرسل من الله؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق للعبادة وكيف يُعبد؟ * طالب: يعبد بما شرع. * الشيخ: نعم بما شرع، وكيف نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به وهذا مما لا يرضاه؟ لا يمكن ذلك إلا بواسطة الرسل، لو أن الإنسان وُكِلَ إلى عقله بالعبادة ما عرَف يعبد الله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولو وكل إلي عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله، لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب ويمشي، ولو أن الإنسان وكل إلى عقله بالعبادة ما كانت أمتنا أمةً واحدة، فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؟ ومثلٌ بسيط: لو قيل لك: تطهر للصلاة ولم يبيَّن لك هذا الطهور، كيف تتطهر؟ يجي واحد يمكن يقول لك: التطهر لازم أني أتطهر من الإبهام إلى الإبهام، نعم، ويجي واحد يقول: ما أطهر إلا الكف والجبهة والأنف والركبتين وأطراف القدمين؛ لأنها اللي بيشمل السجود، ويجي آخر ويكون عنده شكل ثان، فلولا أن الله أبان لنا كيف نعبده، ما عرفنا كيف نعبده؟ وهذه من نعمة الله بإرسال هذا الرسول محمد ﷺ الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر: «لقد تُوفّي رسول الله ﷺ وما طائرٌ يُقلّب جناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَر لنا منه علمًا، حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول عليه الصلاة والسلام »[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١) من حديث أبي ذر.]]. وهذا عام في كل شيء، كل ما نحتاج إليه في أمور ديننا ودنيانا فقد علَّمنا إياه هذا الرسول؛ ولهذا قال: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ ما سبق، هل المراد منكم نسبا أو منكم جنسا؟ وقد سبق لنا أنه إذا قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨] فالمراد الجنس، وإذا قيل: منكم أو منهم فالمراد النسب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] وقد قال الله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤] والمؤمنون فيهم العرب وغير العرب. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ ما معنى يتلو؟ يقرأ، يقرأ عليكم آياتنا، فيأتي بها كما سمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٧- ١٩] ثلاث مراحل: جمع وقرآن بواسطة جبريل، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بيانه للناس كلهم بيانه معنًى ولّا لفظا؟ لفظا ومعنى؛ ولهذا القرآنُ -والحمد لله- مبيَّنٌ لفظُه ومعناه، ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباها نسبيًّا بحيث يشتبه على شخص دون آخر، أو في حال دون أخرى (...). أنه تقرير له (...)، ما تقولون؟ سؤال: هل قوله ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هل هو تقرير لما سبق أو هو زائد على ما سبق؟ * طالب: زائد. * الشيخ: إذا كان زائدًا على ما سبق، فأين ما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام خارجًا عن الكتاب والسنة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لكن رجحنا أنها عامة، فالظاهر لي أن القول بأنه من باب تقدير ما سبق ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أنه أولى؛ لأنه لو قال قائل: يعلِّمنا ما لم نكن نعلم من أمور الآخرة؛ قلنا: هو داخل في الكتاب والسنة ما يخرج عنها، مهما قدرت من التقديرات وجدته داخلا في الكتاب والسنة، لكنه ذكر للتقرير وبيان النعمة في أنه يعلمنا ما لم نكن نعلم، إذن الأصل في بني آدم الجهل أو العلم؟ الأصل الجهل؛ لأن العلم وارد، فكل ما عَلِمنا من العلم فإنه في الحقيقة وارد على الجهل، وهو مما يدل على نقص الإنسان حيث كان الأصل فيه الجهل، ولكنه يتعلم بتعليم الله. وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هذا ليس على عمومه فإنه يخص منه ما لا يمكن الاطلاع عليه من علم الغيب، فعلم الساعة مثلا، عُلِّمْنَا إياه؟ ما علمنا إياه مع أننا لا نعلمه؛ لأن هناك أشياء من أمور الغيب ما تعلم، حتى أقرب الأمور إلينا ما نعلمها، وهي الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فعلى هذا يكون ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما لم تكونوا تعلمون لكن مما تحتاجون إلي العلم به، أما ما لا يمكن العلم به؛ فإن هذا ما عَلِمناه ولا عَلَّمناه مثل أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله؛ كعلم الساعة ونزول المطر وعلم المستقبل، إلا ما أَطْلع الله عليه رسوله، وكذلك العلم بكيفية أسماء الله وصفاته، فإن هذا لا يمكن الإحاطة به، فكل ما يتعلق بصفات الله فعلمُه لا يمكن الإحاطة بكيفيته؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] مع رؤيتها له، مع رؤيتها لله لكنها لا تدركه، وهذا في الآخرة، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣] أخبرنا الله عن أفعال كثيرة من أفعاله؛ كاستوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، ومجيئه للفصل بين عباده، وغير ذلك من أفعاله، وهل نحن نعلم الكيفية؟ ما نعلمها، أخبرنا الله تعالى عن نفسه أنه يعجب؛ لقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بقراءة بضم التاء وهي قراءة سبعية ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، وكذلك أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الله أنه يضحك: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة.]] فهل يمكن لنا أن نتصور أو أن نبين هذه الكيفية؟ لا، لا يمكن أن نتصورها ولا أن نبين هذه الكيفية؛ لأن هذا مجهول، هذا مجهول لنا، ولا يمكننا الإحاطة به. ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أولًا: إعراب الآية: ﴿اذْكُرُونِي﴾: فعل أمر؟ فيها نون الوقاية وياء المفعول به وواو الفاعل، كم من كلمة صارت؟ أربع كلمات: فعل أمر، والواو فاعل، نون وقاية، ياء مفعول، هذا فعل أمر جوابُه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، لماذا سُكِّنَ الفعل؟ لأنه كان جوابا للأمر، وهو قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، فقوله تعالى: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ يعني: عمل وجزاء، العمل: ذكر الله عز وجل، والجزاء: ذكر الله لعبده، أيُّهما أعظم؟ معلوم الأخير، يعني كون الله يذكرُك أعظمُ من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١] تحبوا الله * الطلبة: لا. * الشيخ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا هو الغاية، الغاية والقصد أن الله يحبك، ما هو أن تحب الله؛ ولهذا لم يأتِ الجواب على الوجه المتوقع، الوجه المتوقع: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تحبوا الله، لكن الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن الشأن كلَّ الشأن أن يحبك الله، هنا ﴿اذْكُرُونِي﴾ هذا ذكر الإنسان لربه، لكن الشأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ فعل أمر، وبماذا يكون ذكرُ الله؟ يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، الأصل: ذكر القلب «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وذكرُ الله باللسان أو بالجوارح بدون القلب هو قصور، ما هو ذكر، الحقيقة أن الذكر ذكر الله تعالى بالقلب، وكيف أذكره بالقلب؟ أذكره بالقلب أن الإنسان بقلبه ينيب إلى الله، ويتوكل عليه ويرجوه ويخافه ويستحضر حُبَّه وعظمته وغير ذلك، وهذا أمر لازم للإنسان، كذلك أيضًا الإنسان يشاهد في الكون أشياء كلها من آيات الله، يشاهد الشمس بعظمتها وانتظامها وطلوعها وغروبها، كذلك القمر، وكذلك النجوم، وكذلك الليل والنهار والأحوال ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] إلى غير ذلك، نستدل بهذه الأشياء على من؟ على من دبَّر هذه الأشياء وخلق هذه الأشياء، وكل شيء منها له دلالة خاصة، منها ما يدل على العظمة، ومنها ما يدل على قوة السلطان، ومنها ما يدل على الحكمة، وكلُّها حكمة لكن بعضها أخص من بعض في الدلالة، هذا ذكر القلب بالمحبة والتعظيم والإنابة والخوف والرجاء والتفكر.. إلى غير ذلك. ذكرُ الله باللسان يشمل الذكر المعروف مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله والله أكبر، وما أشبه ذلك، ويشمل قراءة القرآن، ويشمل الدعاء، ويشمل كلَّ قول يقرِّب إلى الله عز وجل؛ لأن كل قول يقرب إلى الله فهو من الطاعة، والطاعة مأمور بها، وفاعل الطاعة يستشعر أنه يفعلها لأي شيء؟ طاعةً لله وتقرُّبًا إليه، إذن فيكون هذا ذكر، يكون هذا ذكر الله عز وجل، وإذا جعلنا الذكر بهذا المعنى العام أمكن للإنسان أن يجعل جميع أقواله ذكرا لله إذا وفق؛ ولهذا ممكن أن تكون عادة الذاكرين عبادة، وأن تكون عبادة الغافلين عادة، كل هذا من أجل النية، يكون الذكر بالجوارح، كيف الذكر بالجوارح؟ القيام بالصلاة والركوع والسجود، والجهاد، والزكاة، كلُّها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعا لله، وحينئذ تكون ذاكرا لله في هذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥] قال بعض العلماء: ولما تضمنته من ذكر الله أكبر، وهذا أحد القولين في هذه الآية. * طالب: (...). * الشيخ: هذه المسألة يجب أن نعرف المعاني إذا قرنت مع غيرها فُسِّرت بخاصة، وعند الإطلاق تشمل، مثلا: عندنا الفقير والمسكين إذا قُرنا فُسر كلُّ واحد بما يختص به، البر والتقوى إذا قرنا جميعا فسر كل واحد بما يختص بها، وإذا أُفرد أحدهما شمل الآخر، فالذكر عند الإطلاق، أما إذا قال مثلا: هذا الرجل قرأ القرآن وذكر الله، يكون هنا قراءة القرآن خاصة والذكر خاص. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ هل هي من صفات الله؟ وهل هي من الذاتية؟ وهل هي من الإيجابية أو السلبية؟ الجواب عن الأول من صفات الله ولّا لا؟ من صفات الله، وعن الثاني هل هي ذاتية أو فعلية؟ فعلية، وعن الثالث إيجابية أو سلبية؟ إيجابية كذا. وقوله: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ هنا مطلق، ولكن يتبين من صيغة الأمر والجزاء أن يكون الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ﴾ فاذكروني، بفتح الياء؛ يعني ياء المتكلم، يجوز إسكانها وفتحها وحذفُها تخفيفًا، لكنها في القرآن تتوقف على السماع، إنما من حيث اللغة العربية يجوز فيها الفتح والإسكان وأيش بعد؟ والحذف، لكن بالنسبة للقرآن تتوقف على السماع، وهنا فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ ﴿اشْكُرُوا﴾ فعل أمر من شَكَرَ، وقد اختلف أهل العلم بالعربية هل ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ هي اشكروني أو غيرها؟ فقال بعضهم: إنها هي هي، وأنَّ شَكَرَ تتعدى بنفسها وتتعدى باللام، فيقال: شكرَهُ، ويقال: شكرَ له. وقال بعضهم: إنها ليست بمعناها وأن شكر تتعدى بنفسها دائما، وأن المفعول هنا في نحو ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ محذوف؛ يعني: اشكروا لي ما أنعمت عليكم، ما أنعمت عليكم، أو نعمتي، أو ما أشبه ذلك، والخلاف في هذا لا يترتب عليه كبيرُ فائدة؛ لأن الجميع متفقون على أن المراد بهذا الأمر القيامُ بشكر الله عز وجل، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيِه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، خدوا بالكم، فسببه أخص من سبب الحمد، ومتعلَّقُه أعم من متعلَّقِ الحمد، أرجو أن تنتبهوا، الحمد يكون باللسان لكن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، فإذا كان سببه إنعام المحمود كان من الشكر، أعني الحمد، أما الشكر؛ فإن سببه واحد، ما هو؟ * طالب: النعمة. * الشيخ: النعمة، نعمة المشكور، أما متعلَّقُه فثلاثة: يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح، خذوا بالكم من الفرق بين الحمد والشكر، أكثر الناس ما يعرفون الفرق بينهما، فيختلفان إذن من حيث السبب، ويختلفان من حيث المتعلَّق، سبب الحمد أيش قلنا؟ كمال المحمود وإحسان المحمود، فالله جل وعلا يُحمد على كماله وعلى إنعامه، وسبب الشكر؟ النعمة، نعمة المشكور، أما المتعلق؛ فالحمد يكون باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا فـ(يدي): هذا الشكر للجوارح، (لساني): باللسان يعني القول، و(الضمير المحجَّبَ): القلب. ما هو الشكر بالقلب؟ الشكر بالقلب أن يُقِرَّ الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله عز وجل، فيحب الله سبحانه وتعالى لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي في جامعه (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس.]]، فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله، أحب الله؛ لأن النفوس مجبولة على محبة مَن يحسن إليها، هذا تعلُّق الشكر بالقلب، تعلقه باللسان التحدث بنعمة الله لا افتخارا بل شكرا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، وقال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٨ / ٣) من حديث أبي هريرة، والترمذي في جامعه (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد، واللفظ له.]]. أما الشكر بالجوارح؛ فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جُعلت له، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له، فإن هذا من شكر النعمة. وقوله تعالى: ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ على القول بأن شَكَرَ تتعدى بنفسها أو اللام، لا إشكال في الموضوع؛ لأن المعنى: اشكروا لي واشكروني واحد، أما على القول الثاني: أن شَكَرَ تتعدى بنفسها فاللام هنا للإخلاص؛ يعني اشكروا لي لا لغيري، فيكون هنا بيان المشكور له وهو الله عز وجل؛ لأنه هو أهل الشكر. وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أصله: لو قال قائل: كيف ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (لا) ناهية وهنا جاءت النون مع أنها من الأفعال الخمسة؟ فالجواب: أن النون هنا للوقاية وليست نون الإعراب، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ ولّا ﴿يَسْتَعْجِلُونِ﴾؟ يستعجلونِ، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠] فالنون هنا للوقاية، وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ أي: لا تجحدوني أو تجحدوا نعمتي، بل قوموا بشكرها وإعلانها وإظهارها؛ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمةً فإنه يحب منه أن يُرى أثرُ نعمته عليه، إذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه؛ أولًا: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفا بعلمه يقوم ويعمل بما علم. الثاني: من ظهور العلم بالتعليم، يعلِّم الناس ما استطاع، وليس بلازم أن يعلِّمَه في حلقات، قد يعلِّمُ شخصا يصلي إلى جنبه فيخل بأمر من الأمور في الصلاة فيُعَلِّمُهُ، هذا من طرق التعليم. الثالث: من آثار نعمة العلم: أن يدعو الإنسان إلى الله على بصيرة، أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم بالدعوة إلى الله يتكلم بقدر ما يستطيع، حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى عزيمة مثلًا ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم، وكان بعض أهل العلم في مسألة فهو فيما حضر، بعض الناس من أهل العلم يكون معه كتاب إما معه بنفسه أو مع أحد من تلاميذه، فيقرأ الكتاب على الحاضرين ويستفيد ويفيد، وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا وصاروا يترقبونه منه، أما إذا لم يعودهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده، سؤالٍ مثلا حتى ينفتح المجال للناس ويسألون وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها، وهذا لا شك أنه نقص وإن كانوا قد لا يأثمون، لكنه نقص، فالذي ينبغي لطالب العلم حتى وإن لم يُسأل أن يورد هو سؤالًا؛ لأجل أن يفتح الباب للحاضرين فيسألوه، «وقد جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة وأماراتها وقال النبي عليه الصلاة والسلام:«هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنه هو عَلَّمَ جبريل، الذي يجيب مَن؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لماذا جعله معلما؟ لماذا جعله معلما، وهو يسأل؟ * طالب: لأنه صدقه. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه سأله وبسبب سؤاله.. * الشيخ: صار العلم، نعم؛ لأنه تسبَّبَ لهذا العلم، المهم أننا نقول: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ إنه من كفر النعمة أن لا يظهر أثرُها على من أنعم الله عليه، فإنه ينبغي للإنسان ألَّا يسترها؛ لأن الكفر في الأصل هذه المادة (كاف، فاء، راء)، وأيش أصلها في اللغة؟ الستر، ومنه الكُفُرَّى اللي يسميه العوام: الكافور، حق النخل؛ لأنه يستر الثمرة، فالإنسان الذي لا يُرى عليه أثر النعمة فهو في الحقيقة ما أظهرها بل جحدها. ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ تقدم لنا ولا بأس من إعادته أن الكلام إذا صُدِّرَ بالنداء فهو دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب التفات المخاطب إلى مناديه، واضح ولّا لا؟ وسبق لنا أن الله تعالى إذا صَدَّرَ الحكم أو الخبر بوصف الإيمان؛ كان ذلك دليلا على أن التصديق به إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وعلى أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، إن كان خبرا مثل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ﴾ [المائدة ٩٤] هذا خبر، والحكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فالمهم أنه إذا صُدِّرَ الكلام بوصف الإيمان دلَّ ذلك على أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، وتصديقه إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته أو تكذيبه نقص في الإيمان، كذلك أيضًا تصدير الشيء بوصف الإيمان هو في الحقيقة من باب الإغراء، من باب إغراء المخاطب بالتزام الحكم أو تصديق الخبر، كأنه يقال لهم: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم، ولكونكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، أو لا تفعلوا كذا وكذا، أو سيكون كذا وكذا فصدِّقوه، مثلما تقول للإنسان: يا رجل، وأيش معنى (يا رجل)؟ يعني أن مقتضى رجولتك أن تتجنب هذا الشيء، أو أن تقوم بهذا الشيء، أو ما أشبه ذلك. يا مؤمن، هذا إغراء يعني: لإيمانك افعل كذا أو اترك كذا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ استعينوا بها؛ أي: اجعلوها عونًا لكم، ﴿بِالصَّبْرِ﴾؛ أي: اجعلوا الصبر عونا لكم، ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: قُتل فلان صبرا؛ أي: حبسًا. وفي الاصطلاح: هو حبس النفس، حبس النفس على ما ينبغي أن تكون عليه، أو عمَّا ينبغي ألَّا تكون عليه، فهو ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة؛ الصبر على طاعة الله يحتاج إلى مكابدة من وجهين: من وجه التعب النفسي والتعب البدني، الصبر على الطاعة يكابده الإنسان من وجهين أيش؟ * الطلبة: التعب النفسي والبدني. * الشيخ: التعب النفسي والبدني، النفسي: أنك تجده يجاهد نفسه على فعل الطاعة، والبدني: يتعب يتوضأ في أيام السَّبَرَات، ويخرج إلى المساجد في الظلمات، ويركب المشقات للوصول إلى بيت الله وهكذا. الصبر عن المعصية، وأيش يتضمن؟ التعب النفسي فقط؛ لأنه كَفٌّ، ما عليك تعب، اترك هذا الشيء فقط، ففيه التعب نفسي، البدن ما تَحَرَّكَ ولا شيء، بس طلب منه أن يكف، إذن فهو تعب نفسي، لاحظوا أنه قد يكابد الإنسان من التعب النفسي على ترك المحرم أكثر مما يكابده على تعب النفس في الشيء المأمور به؛ أي في الطاعة، خدوا بالكم يا جماعة يعني: قد يكون هناك داعٍ قوي لفعل هذه المعصية يكون مكابدة الإنسان التعب النفسي في تركه أمرًا شديدًا وشاقًّا، ويكون فعله للطاعة ولو كانت أفضل أهون عليه من الناحية النفسية. ثم القسم الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة، فيه معاناة، نفسية ولّا بدنية؟ * طالب: نفسية وبدنية. * الشيخ: الأقدار المؤلمة؟ الأقدار المؤلمة فيها؟ * الطالب: نفسي وبدني، ممكن صار له مرض، كسر. * الشيخ: أي ما أخالف لكن هذا ما هو من فعله، يعني كونه يتألم بالكسر أو ما أشبه ذلك ما هو من فعله، لكن غالبا فيه معاناة نفسية، تعب نفسي؛ لأن الإنسان قد يرى أن من التفريج عن نفسه أن يلطم خده ولّا يشق ثوبه ولّا ينتف شعره وما أشبه ذلك، قد يخفف عنه وإن كان هذا من الشيطان، لكنه يَصْبِرُ نفسه عن هذا الأمر فهذا تعب نفسي. أي الأنواع الثلاثة أفضل؟ الصبر على الطاعة، أو عن المعصية، أو على أقدار الله المؤلمة؟ الصبر على الطاعة أفضل وأقرب إلى الله؛ ولهذا تجدون من الطاعات ما هو من فرائض الإسلام، أركان الإسلام كلها أفعال طاعات، لكن منهيات غير الشرك ما تصل إلى هذا الشيء؛ فلهذا نقول: الصبر على الطاعة أفضلها، ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه اختياري وفعلي، أنت تقدر تفعل ولا تفعل، الصبر على الأقدار المؤلمة هو أدناها؛ وذلك لأن الإنسان كما قال بعض السلف: إما أن يصبر صبر الكرام أو أن يسلوا سُلُوَّ البهائم؛ يعني هو لو مثلا تضجَّر وعجز عن الصبر الآن حين المصيبة، آخر ما له؟ غصبا عليه بيصبر، يسلو ولا كأنها صارت، يوسف عليه الصلاة والسلام كان له عدة أنواع من الصبر؛ عنده الصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة. صبره على الأقدار المؤلمة ظاهر أو لا؟ على ما فعل به إخوته وما كادوا له، وصبره عن المعصية؟ ظاهر أيضًا حين دَعَته امرأة العزيز إلى نفسها ولكن الله سبحانه وتعالى أنقذه حين فزع إليه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف ٣٣] لمَّا لجأ إلى الله عز وجل بصدق ماذا كانت النتيجة والجواب؟ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف ٣٤] سبحان الله العظيم! خلك يا الإنسان دائما تلجأ إلى الله عز وجل، وأحيانا يكون مع الإنسان غفلة عن الله، ثم يصاب بالمصيبة ليلجأ إلى الله حتى يذكر؛ لأن الإنسان مع كثرة النعم وعدم المصائب ينسى ويستمر في هذه الأشياء في هذه النعم يمشي معها ويغفل، لكن إذا أصيب بنكبات حينئذ يرجع إلى الله عز وجل ويصبر، يوسف عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله فأجاب الله دعوته ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾. هل له صبر على الطاعة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش؟ * طالب: صبره على الدعوة إلى الله في السجن، جلس يدعو إلى الله عز وجل. وطلبه تزكية عرضه عليه الصلاة والسلام. أيضًا ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. * الشيخ: يعني عدة مسائل، وكذلك أيضًا قيامه بالملك وتنظيمه، نعم، كل هذه من الصبر على الطاعة، طيب ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ وأيضًا استعينوا بالصبر على مشاقِّ الأمور ومكابداتها، وما أحسن أن يكون الإنسان صابرا منتظرا للفرج؛ لأن النبي ﷺ يقول: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد في مسنده: (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]؛ لأنه إذا كان منتظرًا للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول وأن دوام الحال من المحال، فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا؛ هان عليه الصبر كثيرا، وهذا لا شك أنها من الخصال الحميدة التي جاء بها الإسلام، وهو أيضًا دليل على أن الأمور تسهل بشو؟ بالصبر، مهما بلغت بك الأمور اصبر فتهون؛ ولهذا جعل الله تعالى الصبر عونا فقال: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ كذلك بالصلاة، الصلاة أي الصلاة؟ وأيش الصلاة؟ الدعاء؟ لا، الصلاة الشرعية؛ ولهذا كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه «إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِع إلى الصلاة »؛ الصلاة من أكبر العون على الأمور، لماذا؟ لأن المصلي يقف بين يدي حبيبه سبحانه وتعالى، بين يدي الله، فينسى كل ما سواه، ولكن ترى هذه صلاة الأوابين، ما هي صلاة اللَّعَّابين، نعم، صلاة الأوابين لا صلاة اللعابين، نسأل الله أن يتوب علينا! إذا وقف بين يدي ربه نسي كل شيء، فأقبل عليه واطمئن به وصار له في قلبه نور، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةُ نُورٌ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]] هذا الفرح والسرور والانشراح يهوّن عليك الأمور ولّا لا؟ طبعا يهون، قطعا يهون عليك، قطعا ما هو طبعا، قطعا يهون عليك الأمور؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي (٣٩٣٩) من حديث أنس.]] يهوِّن عليك الأمور فتسهل عليك الصعاب، ثم إن في نفس الصلاة أيضًا أمكنة للدعاء تدعو الله تعالى أن يعينك على هذه الأمور، فتكون الصلاة نفسها عونا وما تتضمنه من الدعاء أيضًا عونا، فيستعين الإنسان بها على كل مهماته وملماته، فالصلاة أمرها عظيم لمن أتى بها على الوجه المشروع، لكن مع الأسف إننا أضعنا الصلاة، نسأل الله أن يتوب علينا! ندخل فيها ونخرج منها، ونحن على ما دخلنا بل إنها بعضُ الناس لا تزيده من الله إلا بُعدًا، نسأل الله السلامة! إذن الاستعانة بالصلاة أمرٌ أمرَ الله به، افرض مثلا أنك كنت في ضائقة من أهلك ضاقت عليك الدنيا، المرأة تبغي، والولد يبغي، وما أشبه ذلك، فتوضأت واتجهت إلى الله وكنتَ تخاطبه بكلامه وتدعوه بحاجاتك، تنسى، فتخرج وكأن الدنيا كلها أمامك واسعة، ونور يتلألأ فتسهل عليك الأمور وتهون عليك، والذي أمرنا بذلك ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ هو عالم بذلك سبحانه وتعالى، عالم به وهو رحيم بنا، لولا أن هذا الدواء ناجح وناجع ما أمر الله به، ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. * طالب: الحديث هو قد ضعف؟ * الشيخ: أيهم؟ * طالب: أن «النبي ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِعَ إلى الصلاة »[[أخرجه أبو داود في سننه (١٣١٩)، وابن جرير في تفسيره (١ / ٦١٨) من حديث حذيقة، واللفظ له.]] لكن تشهد له الآية (...). * الشيخ: إي نعم، الآية تشهد به وأشوف ما يستدلون به شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير كلهم يستدلون به. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه بشرى عظيمة لمن صبر، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يقل مع المصلين، لماذا؟ * طالب: لأن الصلاة من الصبر. * الشيخ: لأن الصلاة طاعة، وقلنا: إن من أقسام الصبر: الصبر على طاعة الله، هذا وجه، الوجه الثاني: أن الصبر أشق بالاستعانة به من الصلاة؛ لأن الصبر مر يا جماعة، الصبر مر. الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ نعم، فهو مُرٌّ يكابده الإنسان ويعاني، ويحصل له انفعالات ويتغير دمه ووجهه ويصابر ويكابد، حتى إنه يكاد مَن يراه يقول: هذا مريض؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ نعم، وجواب ثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى، بدليل أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن الإنسان المصلي يناجي ربَّه، وأن اللهَ قِبَلَ وجهِهِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث ابن عمر.]] وهو على عرشه سبحانه وتعالى، فعلى هذا يكون الجواب من ثلاثة أوجه؛ إذا قال قائل: لماذا لم يقُل في الآية: إن الله مع الصابرين والمصلين؟ فالجواب، عد لنا الوجه الأول؟ * طالب: أن الصلاة من الصبر. * الشيخ: نعم، من الصبر فتكون داخلة فيه، والوجه الثاني؟ * طالب: الصبر أعم. * الشيخ: هذا الذي قاله، سبحان الله! * طالب: إن الصبر أشد من الصلاة. * الشيخ: إي نعم، إن مكابدة الصبر أشق؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين لينشطوا على هذا الأمر، الوجه الثالث؟ * طالب: إن الله إذا كان مع الصابرين فهو من باب أولى مع المصلين. * الشيخ: فهو مع المصلين من باب أولى كما جاءت به السنة، خذوا بالكم يا جماعة، أنا في ظني أن هذه الأوجه الثلاثة يمكن أنا أدورها بعد أيام ما ألقيها، يمكن أنا أدورها ما ألقيها؛ لأن أحيانا الإنسان مع الشرح يمكن يجيب الله له أشياء ما كان تخطر على باله، ويتطلبها في يوم من الأيام ويلاقيها رايحة، فأنتم احرصوا على هذه المسائل، طيب عندنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه المعيّة خاصة ولّا عامة؟ * طالب: خاصة. * الشيخ: هذه خاصة؛ لأن كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، إن ﴿اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤] أضيفت إلى التقوى وهو سبب، ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وما أشبه ذلك، أما المعية المطلقة التي يقصد بها إحاطة الله عز وجل بخلقه علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، فهذه تسمى معية عامة؛ لأنها ما قُيدت بأحد، بل هي عامة، ولها أمثلة كثيرة في القرآن، منها ما هو عام لجميع الخلق، ومنها ما خُصص بقوم تهديدا لهم، مثال العامة لجميع الخلق: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة ٧] فقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ عام ولّا خاص؟ * طالب: خاص. * طالب آخر: لا، عام. * الشيخ: لا، عام عام، أيّ ثلاثة يتناجون؛ مؤمنين، كافرين، فُجّار، أبرار الّلي يكون، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] هذه عامة، وقد تكون خاصة لكنها لا تقتضي النصر والتأييد، وإنما تقتضي التهديد، فهي من قسم العام المقيد كما في قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] هنا لا شك أنها ليس المراد معهم بالنصر والتأييد، لماذا؟ لأنهم لا يستحقونه، لكن المراد تهديدهم بهذه الإحاطة، عندنا عامة مطلقة، وعامة مقيدة بقوم للتهديد، الخاصة أيضًا تنقسم إلى قسمين: مقيدة بوصف، ومقيدة بشخص، المقيدة بوصف مثل؟ ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤] إلى آخره، والمقيدة بشخص؛ كقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام حاكيا عنه أنه قال لأبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؛ ثم هذه المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى حالا في الأرض، فهي ليست معية حلول واختلاط؛ لأن ذلك أمر مستحيل على الله عز وجل، ولم يفهم أحد هذا الفهم إلا مَن اجتالَتْهُ الشياطين فأخرجته عن فطرته، وإلَّا مَن كان جاهلا باللغة العربية أيضًا، فلا أحد يتصور هذا التصور أو يقول هذا القول؛ أنها معية حلول وأن الله سبحانه وتعالى معنا في المكان إلا من جهل الله عز وجل ولم يقدره حقَّ قدره، وكذلك أيضًا جهل المعنى في اللغة العربية، أرجو تنتبهوا لهذا الأمر؛ لأنه أمر مهم، فالذين فهموا هذا الفهم هم الجهمية والمراد قدماؤهم؛ لأن متأخري الجهمية تركوا هذا المسلك وسلكوا مسلك التعطيل المحض؛ حيث قالوا: إن الله تعالى ليس داخلَ العالم ولا خارج العالم، ولا متصل ولا منفصل.. إلى آخر ما تقدَّم لنا في العقيدة، لكنّ متقدِّميهم كانوا يقولون بالحلول. ومن الغرائب أو من العجائبِ والعجائب جمَّةٌ أن هؤلاء القوم يقولون: إن الله معنا في الأرض -والعياذ بالله- وينكرون أن يكون في السماء، ينكرون أن يكون في السماء، فانقلبوا بعقولهم رأسا على عقب، ثم جاء قوم تكيّسوا فتكايسوا، فقالوا: إننا نقول: إن الله معنا في الأرض، وهو على عرشه في السماء؛ يريدون بزعمهم الجمع بين النصوص، ولكنهم في الحقيقة تكايسوا ونُكسوا على رؤوسهم؛ لأن هذا ليس جمعا بين النصوص، بل هذا في الحقيقة إبطال للنصوص، فكيف يكون الله عز وجل فوق عرشه بذاته وفي الأرض بذاته؟! هذا ممكن؟ غير ممكن أبدًا، إلا أن يكون -العياذ بالله- بتعدد الخالق. ولا يمكن أن يحل في الأرض، وهذا قول تبطله الأدلة السمعية والعقلية والفطرية، القرآن والسنة مملوءان بما هو نص أو ظاهر بأن الله تعالى في السماء، والعقل أيضًا يدل على أن الله تعالى في السماء، يدل على ذلك كما قدمنا من وجهين: الوجه الأول: أن العلو صفة كمال ولَّا صفة نقص؟ * الطلبة: صفة كمال. * الشيخ: صفة كمال، فإذا كان صفة كمال لزم أن يكون ثابتًا لله؛ لأن الله تعالى موصوف بالكمال المطلق، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧]. الوجه الثاني من الأدلة العقلية على علو الله أن يقال: العلو ما الذي يقابله؟ * الطلبة: السفل. * الشيخ: السفل، والسفل بلا ريب صفة نقص والله تعالى منزه عن النقص، فوجب ثبوت العلو له، أما الفطرة: فلا تسأل عنها، اذهب إلى عجوز قريبة من الحرم وقل لها: أين الله؟ ماذا تقول؟ * الطلبة: في السماء. * الشيخ: في السماء، ائتِ للصبيان في مدارسهم قل لهم: أين الله؟ يقولون: في السماء، اسأل أي إنسان خائف أو داعي: أين يرتفع قلبه؟ * الطلبة: إلى السماء. * الشيخ: إلى السماء، اسأل المسلمين جميعًا وهم يقولون في سجودهم: سبحان ربي الأعلى أين يجدون قلوبهم ترتفع؟ * الطلبة: إلى العلو. * الشيخ: إلى العلو، ما فيها إشكال، إذن فالفطرة دالة على ثبوت علو الله عز وجل. إجماع المسلمين ما عدا أهل التعطيل على أن الله في السماء، هذا أمر واضح، على هذا يكون من زعم أن معية الله للخلق معية حلول واختلاط فإن قوله يبطل بهذه الأدلة، كل دليل يدل على العلو فإنه يدل على بطلان القول بمعية الحلول والاختلاط واضح؟ فعلى هذا تكون معية الله تعالى لخلقه معية تليق بجلاله وهو سبحانه وتعالى فوق عرشه؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في آية واحدة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤]. وكل شيئين جمع الله بينهما فإنهما لا يمكن أن يتناقضا. قلنا: إن الذي يقول بمعية الحلول والاختلاط مخالف للأدلة الشرعية المثبتة لعلو الله، كذلك أيضًا هو لا يعرف اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية هل تقتضي حقيقة المعية فيها أن يكون الشيء مخالطًا للشيء، أو حالًّا معه في مكان مجتمعًا معه في مكانه؟ لا، ليس كذلك، الإنسان مثلًا يقول: زوجتي معي وهي في البيت وهو في المسجد أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وهذا حقيقة، هذه معية حقيقية مع أنها في مكان وهو في مكان، كذلك أيضًا الضابط أو القائد يقول للجنود: اذهبوا إلى المعركة فأنا معكم، حقيقة ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هو حقيقة، تطلق هذه الكلمة حقيقة مع تباين المكانين ولَّا لا؟ الصبيان الآن يتداركون ويتزاعلون، يجي واحد ولد الجيران يقول: تعال، أنت معي ولا معه؟ أنت معي ولا معه صح ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: حقيقة مع أن كل واحد بيذهب إلى بيته، فالمعية في اللغة العربية لا تقتضي حقيقتها، قصدي لا تستلزم وهو لا تقتضي، لا تستلزم حقيقتها الحلول والاختلاط بين الشيئين. وأقول: لا تستلزم، ولا أقول لا تقتضي؛ لأنها قد تقتضي ذلك، كما لو قيل مثلًا: الماء قدم لي لبنا مع ماء؛ أي مخلوطًا به، وكما يقال: الروح مع البدن؛ أي مختلطة به، وهذا نعم قد تقتضيه، لكنها لا توجبه اللغة العربية، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية : وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة العربية، قال: لا توجبه، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان. فالمهم يا جماعة لا تظنوا أن القرآن يناقض بعضه بعضًا. * الطلبة: حاشاه. * الشيخ: وأنه إذا ثبت أن الله معنا فإنه ينافي أن يكون الله في السماء، فإن هذا غير ممكن، بل نقول: إن القرآن يصدق بعضه بعضًا، ويثبت بعضه بعضًا، ولكن من الناس- من نسأل الله لنا ولكم السلامة- من في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه لأجل فتنة الناس؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وتعطيله عما أراد الله. * طالب: شيخ، من قال منهم أن المعية تخصيص ما في التعميم أول شيء؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا خصصنا قلنا: المعية العامة معية حقيقية على معية الله عز وجل، وقلنا: المعية خاصة، هناك معية خاصة هل يناقض التخصيص التعميم؟ * الشيخ: لا ما يناقضه، يعني المعية الخاصة يجب أن تؤمن بأنها مجتمعة مع المعية العامة؛ بمعنى إذا قيل ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨] فليس معناها أنها معية خاصة مجردة عن المعية العاملة فإنه سبحانه وتعالى مع هؤلاء أيضًا بالعلم والإحاطة والمعنى العام. * طالب: يا شيخ، ومن قال منهم تأول المسألة هذه يعني قال إنه في كل مكان مع أنه على عرشه وقال: إذا كان ينزل إلى سماء الدنيا وهو على عرشه سجانه وتعالى فقد يخلو توقيفه في هذا ما يقال يخلو منه العرش ولا يخلو، لكن إذا كان ينزل إلى السماء الدنيا، فلا يمانع أن الله ليس كمثله شيء؟ * الشيخ: لا، لا، هذا ما يمكن، هذا ما يمكن، لا ما يمكن، حتى النزول إلى السماء الدنيا ما يجوز أن نقول: إن السماء الثانية تكون فوقها ما يجوز نقول هكذا. * طالب: نقول على قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]. * الشيخ: لا لا، ما يكفي؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام: لا يجوز أن نعتمد في إثبات الصفات على نفي المشابهة والمماثلة؛ لأن المعاني اللي هي في نفسها مناقضة لكمال الله ما تُثبت، ولو قلنا على وجه لا يشبه صفات المخلوقين، فهذه مسألة ينبغي التنبه لها؛ يعني ليس كل شيء نثبته لله ونقول: ليس على ما يشبه صفات المخلوقين، إذا كان نقصًا فهو منفي عن الله عز وجل مطلقًا. لو قال قائل مثلًا: أنا بأثبت أن الله سبحانه وتعالى يتعب لا كتعب المخلوقين مثلًا أيش نقول؟ * الطلبة: هذا خطأ. * الشيخ: نقول: هذا خطأ، فكل صفات النقص ما يجوز إثباتها لله مطلقًا، ثم صفات الكمال التي أثبتها الله لنفسه هي التي نقول فيها: على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأنه ما يكفي في نفي النقائص عن الله أن نثبت له النقص ثم نقول: لا تشبه هذا ممنوع، ومسألة خلو العرش منه إذا نزل إلى سماء الدنيا أو عدم خلوه يقول شيخ الإسلام: إن الأرجح عدم الخلو العرش منه؛ لأن العلو ثابت صفة من الصفات الذاتية. وقال بعض العلماء: إن الذي ينبغي لنا أن نسكت؛ يعني المسألة فيها ثلاثة؛ أقوال: قول أنه يخلو العرش منه وينزل إلى السماء الدنيا وعلى أي كيفية ما ندري كيف ينزل، المهم أنه سبحانه وتعالى يقرب من عباده بهذا النزول. والقول الثاني: يقولون: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، والله على كل شيء قدير، ولا ندري كيفيته. والقول الثالث: التوقف، التوقف عن هذا، نُعرض عن هذا كله بألسنتنا وقلوبنا، ونقول: إن الله ينزل وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما أوردوا على النبي عليه الصلاة والسلام هذا السؤال: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ فما دام ما أوردوه فإنه ينبغي أن لا نورده نحن عن أنفسنا ولا عن غيرنا، وهذا قول فيه سلامة، ولكن شيخ الإسلام يقول: إن الأكثر على أنه لا يخلو منه العرش؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء. قال: ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦] ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة ١٥٤] (لا) ناهية، وتقولوا: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل. ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ أي فيمن يقتل؛ لأن المقتول ما يقال له شيء، قد قتل، لكن المعنى فيمن يقتل في سبيل الله. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٥١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بإرسال الرسول. أنا أعتبر اللي يأتي بس يحضر أعتبره مستمعًا وليس طالبًا، ولهذا ما يشعر بأنه جاء يتلقى تلقيًا كاملًا، فأن أحب أن الإنسان يحرص لما كنا في الطلب، الإنسان منا ما يأتي إلا بكتاب؛ إما نشتريه ولَّا نستعيره، المهم ما يأتي الواحد مثلًا بيديه فقط ونحن لسنا على مستوى اللي عليه الأولون؛ يحضر واحد ويُلقي قصيدة مئة بيت وينصرف والناس كلهم حفظوها، ما نحن على مستوى هذا حتى نقول: نكتفي بأن الواحد يأتي بيديه فقط، فأنا أرجو من الإنسان اللي بينتظم إن شاء الله إنه يحرص يدور الكتب التي نحن نقرؤها، يدورها ويحضرها. قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾. أقول: * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بإرسال الرسول ﷺ. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ لأن هذه الآية متعلقة بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٥٠]. فإن هذا من تمام النعمة. ومنها: أن كون الرسول منا فيه زيادة فائدة؛ لأنه أقرب إلى التصديق مما لو كان أجنبيًّا، ولهذا ما بعث الله نبيًّا إلا في قومه إلا رجلًا واحدًا فقط بعثه الله في قومه وفي غير قومه، وهو؟ * الطلبة: محمد عليه الصلاة والسلام. * الشيخ: لا، محمد على عموم الناس، كل الناس قومه. * طالب: شعيب. * الشيخ: شعيب، شعيب أرسل إلى قومه وإلى أصحاب الأيكة. * طالب: ما هم واحد يا شيخ؟ أصحاب الأيكة ما هم واحد؟ * الشيخ: لا، قبيلتين. * من فوائد الآية: أن النبي ﷺ لم يقصر في البلاغة، وأنه بلغ جميع ما أوحي إليه لقوله ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة ١٥١] فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها. ومنها: أن من فوائد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام حصول العلم؛ لأن هذه الآيات كلها علم لقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة ١٥١]. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشريعة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام كلها تزكية للأمة وتنمية لأخلاقها ودعوة للأخلاق الفاضلة، ولهذا كان من القواعد المقررة في الشريعة أنها تأتي بالمصالح الخالصة أو الراجحة، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ أو الراجحة. الشريعة تأتي بالمصالح الخالصة اللي ما فيها مفاسد إطلاقًا، أو الراجحة فيما إذا اشتمل الفعل على مصلحة ومفسدة لكن مصلحته أرجح، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ * الطلبة: أو الراجحة. * الشيخ: أو الراجحة، الخمر فيه مصالح ومفاسد، لكن مفاسده راجحة فلذلك حُرِّم، فلهذا حرم، الحجر على السفيه فيه مصالح وفيه مفاسد لكن مصالحه راجحة، فلذلك قُدم، قدمت المصالح، أو مصالح خالصة ما فيها مفاسد كعبادة الله مثلًا، هذه قاعدة الشريعة، ولهذا قال: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به لقوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن من وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ومهمته التي جاء بها أنه يعلمنا الكتاب والحكمة، الكتاب هو القرآن، والحكمة قيل: إنها السنة، وقيل: ما تتضمنه الشريعة من الأسرار والحكم. * ومن فوائد الآية: الرد على أهل التأويل وأهل التجهيل. وأيش معنى التجهيل؟ * الطالب: أهل التأويل اللي يؤولون. * الشيخ: إي نعم، اللي يؤولون آيات الصفات؛ لأننا نقول لهم: لو كان هذا التأويل من العلم لأيش؟ * الطلبة: لعلمنا إياه النبي. * الشيخ: لعلمنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى أهل التجهيل، الرد على أهل التجهيل، مَن هم أهل التجهيل؟ أهل التجهيل: طائفة يقولون: إن الرسول ﷺ وأصحابه والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات وأحاديثه، ما يدرون أيش معناها، حتى النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري أيش معناها، يسمون هؤلاء أهل التجهيل، يقولون مثلًا: النبي عليه الصلاة والسلام ما يدري وأيش معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]، لو تسأل النبي ﷺ وأيش معناه؟ قال: ما أدري، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة. ]] ولو سألته ما معنى ينزل لقال: لا أدري، هؤلاء يسمون أهل التجهيل. * الطالب: هم يزعمون هذا هو العلم؟ * الشيخ: إيه، يقولون: هذا هو العلم، أن تقول عما لا تعلم: لا أعلم. هذه الآية ترد على طائفتين جميعًا؛ لأنه قال: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام علم الأمة لفظ القرآن ومعناه، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] في القرآن؟ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وأيش بعد الآية؟ * الطلبة: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾. * الشيخ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرسول ﷺ كما بين لكم القرآن ولم يكتم منه حرفًا واحدًا فقد بيَّن معناه، ولهذا إذا استشكل الصحابة شيئًا من المعنى سألوه فعلمهم، ولكن الغالب أنهم ما يستشكلون؛ لأنه نزل بلغتهم وفي عصرهم، يعرفون معناه ومغزاه وأسبابه فلا يُشكل عليهم. إذن النبي عليه الصلاة والسلام* يستفاد من هذه الآية: أنه علمهم لفظ القرآن ومعنى القرآن. * ومن فوائد الآية: اشتمال الشريعة على الحكمة، من أين تؤخذ؟ * الطالب: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. * الشيخ: أي الكلمتين؟ * الطالب: الحكمة. * الشيخ: الحكمة، فالشريعة متضمنة للحكمة تضمنًا كاملًا، فما من شيء في مأموراتها ومنهياتها إلا وهو مشتمل على الحكمة، لكن يرد علينا سؤال: هل الحكمة معلومة لنا؟ * طالب: قد تكون معلومة. * الشيخ: قد تكون معلومة وهو الأكثر، وقد تكون مجهولة، لكن هنا حكمة لازمة لكل حكم، وهو طاعة الله ورسوله، فإن هذه حكمة، هذه أعظم الحكم وهي ثابتة فيما نعقل حكمته وفيما لا نعقلها، ولهذا لما قالت عمرة لعائشة رضي الله عنها: «مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له، من حديث عائشة.]] فبينت الحكمة من ذلك وهو طاعة الله ورسوله، وهذه حكمة لازمة في كل حكم سواء عُقل معناه أم لم يعقل، واضح؟ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الأصل في الإنسان الجهل لقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان الجهل، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨] ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [النحل ٧٨] فبين طرق العلم السمع ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ وبهما الإدراك، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ وبها الوعي والحفظ. وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إذا قال قائل: اضربوا لنا مثلًا وأيش نقول؟ * الطالب: الصلاة. * الشيخ: نعم، كل الشريعة مثال، هل نحن نعرف كيف نصلي؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إلا بتعليم الرسول ﷺ، ما يعرف الإنسان كيف يتوضأ، ما يعرف ما الواجب في أموالهم من الزكاة، ولا يعرف من تُصرف إليهم الزكاة، هذه أحكام شرعية ما نعرفها، وفيه أحكام قدرية ما نعرفها أيضًا، علّمنا إياها الرسول ﷺ، هل نحن نعلم أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ * طالب: ما علمنا إلا بعلم. * الشيخ: إلا بعلم الرسول عليه الصلاة والسلام، هل نعلم أنا خلقنا من آدم وآدم من تراب؟ ما نعلم إلا بما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن الواحد منا يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك إلى آخره؟ إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام. إذن فعلومنا الكونية والشرعية من أين هي متلقاة؟ من الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن أسباب نزول المطر أن الله يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا، ويأمره فينزل المطر إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ومن هنا نعرف أن العلم الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من علوم الكون النافعة سابق على علم أولئك الذين يفتخرون بعلومهم، فالعلوم النافعة الكونية والشرعية أصولها جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، صحيح أن بعض تفصيلاتها ما جاء بها؛ لأنكم تعلمون أنه قد تصدى له قوم في عهده يردون دعوته، فإذا جاء بما لا تدركه عقولهم من أمور الكون فقد يجعلون من ذلك ذريعة إلى التشهير به وتكذيبه كما فعلوا في قصة الإسراء والمعراج. والحاصل يا إخواننا أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، علمنا ما لم نكن نعلم من أمور الكون وأمور الشرع. ومن نعمة الله عز وجل أن أمور الكون جعلها الله سبحانه وتعالى، ذكر أصولها، لكن جعل تفاصيلها موكولة إلى التجارب، وأيش لأجله؟ لأجل يدركها الإنسان بعقله، ما ظنكم لو أن القرآن الكريم فصَّل جميع ما في العقاقير من مضادات حيوية وغير حيوية وما أشبه ذلك كم يصير القرآن من مجلد؟ * الطلبة: يصير مجلدات. * الشيخ: مجلدات عظيمة لا يستطاع حفظه، وتمل تلاوته، ويشق على الناس التزامه، لكن جعل هذه الأمور لها أصولًا ثم جعل فروعها، الأمور الكونية خاصة، الأمور الشرعية إلى الله ورسوله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] لكن الأمور الكونية وُكلت للإنسان، ذُكرت الأصول والتوجيهات العامة، ثم قيل للإنسان: اعمل، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]. فتحت لنا الأبواب وعلينا أن نعمل. والحاصل أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، وأنا لو أورد عليَّ إنسان وقال: طيب وأيش يدرينا الآن على علم الكيمياء هو موجود بالقرآن؟ نعم، نقول: الأصول موجودة، لكن التفاصيل موكولة إلى تجارب الناس؛ لأن هذا الحكمة تقتضيه. ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢]. * يستفاد من هذه الآية: وجوب ذكر الله، من أين نأخذها؟ * طالب: من الأمر. * الشيخ: من الأمر، نعم ووجوب ذكر الله، مطلق الذِّكر واجب، يجب على كل إنسان أن يذكر ربه، بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله يكون عليه تِرة خسارة وحسرة يوم القيامة، فأنت مأمور بذكر الله، لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام، وإلى واجب ومن واجباته، وإلى سنة من سننه بحسب ما تقتضيه الشريعة التفصيلية، إنما مطلق الذكر وأيش حكمه؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب ﴿فَاذْكُرُونِي﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن من ذكر الله ذكره الله، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب الأمر، جواب الأمر، ولهذا جُزمت، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، فهمتم؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله للعبد كذكر العبد لله، أي أنه إذا ذكر الإنسان ربه في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، من أين نأخذها؟ * الطلبة: من الحديث. * الشيخ: لا، ما هو من الحديث من الآية. * طالب: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. * الشيخ: وأيش وجهه أنه إن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منه، وإن ذكره في نفسه ذكره في نفسه؟ * الطالب: الحديث؟ * الشيخ: لا ما نبغي الحديث، نبغي من الآية؟ * الطالب: لأن ذكر الله للعبد أعظم من ذكر العبد لله. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ ولم يفصل. * طالب: شيخ؛ لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ وأذكركم جزاء، والجزاء موافق للعمل. * الشيخ: صح؛ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ وجزاء، والجزاء مرتب على العمل يكون من جنسه، فإذا كان الله عز وجل جعل العقوبة بقدر الذنب فالمثوبة أيضًا بقدر العمل، فوجه الدلالة؛ أنه جعل قوله: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جوابًا على قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، والجواب والجزاء يقتضي أن يكونا متساويين، بمعنى أن هذا على وصف هذا. * ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر، هذه الفائدة الثالثة أظن؟ فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد، وذكر الله للعبد هذا أمر يعني له شأن كبير، شأن عظيم ولَّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نضرب مثل: هذا إنسان قدم عليه رجل من السفر ولما سلم عليه قال: والله الملك يسأل عنك، وأيش يصير هذا الذي قيل له: الملك يسأل عنك؟ وأيش يصير؟ يفرح؟ * الطلبة: أكيد. * الشيخ: ما شاء الله (...) يفرح، أنا أنا يذكرني الملك؟! عاد ملك الملوك إذا ذكرك وأيش يكون المنزلة؟ أعظم وأعظم ما يخطر بالبال، ولهذا تكلمنا قبل يعني مرارًا أنه ليس الشأن بأن تذكر الله أو بأن تحب الله، ولكن الشأن أن يذكرك الله، اللهم اذكرنا فيمن عندك. الشأن أن يذكرك الله عز وجل، وأن يحبك الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] فجعل الجواب ما قال اتبعوني تصدقوا في دعواكم قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ يعني تناله أن الله يحبكم. * ومن فوائد الآية: وجوب الشكر لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وبالمقابل تحريم الكفر، كفر النعمة بأن تُصرف في غير وجهها، فيستعان بها على معصية الله، أو تُمتهن وتذل، ولا تستعمل فيما خلقت له، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل كان يسوق بقرة، نسيت هل هو راكبها أو غير راكبها، المهم أنها التفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنا لم نخلق لهذا[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة. ]]، فالنعمة إذا صرفت في غير ما خُلقت له فهو نوع من الكفر، خلق الله لنا الطعام لنأكله، فإذا ألقيناه في المزابل كأننا قلنا: ما نبغي فضل الله، في غنى عنه، نسأل الله العافية، فالنعمة إذن شكرها أن تصرف في طاعة المنعِم وفيما أنعم به، وفي الجهة التي أنعم الله بها علينا من أجلها. وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ يستفاد منه تحريم كفر النعمة لقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وعندي إشكال من الناحية الإعرابية لأننا ما تكلمنا وقت التفسير، وهي أنه كيف كسرت نون الأفعال الخمسة مع أن نون الأفعال الخمسة مفتوحة، ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ١١، ١٢] وهنا قال: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؟ * طالب: الياء محذوفة (...). * الشيخ: لا ما هي موجودة يا أخي. * طالب: الياء الياء. * طالب آخر: (...) أصلها (...) الوقاية. * الشيخ: أصلها أيش؟ * الطالب: لا تكفروني. * الشيخ: طيب هذه ﴿تكفرونِ﴾. * طالب: حذفت الياء في تكفرون. * طالب: نون وقاية وليست نون الرفع. * الشيخ: إيه، بس ما ترون؟ * طالب: هذه نون الوقاية (...). * الشيخ: إي، هذه نون الوقاية، النون هذه للوقاية وليست نون الفعل؛ يعني نون الرفع، وأصلها لو لم تكن مجزومة، هي جُزمت وحذفت النون للجزم، لو لم تُجزم لكانت تكفرونني، نعم ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: تكفرونني لما جُزمت حذفت النون فصارت تكفروني، وأين الياء؟ * الطالب: حُذفت لتوالي. * طالب: حذفت للترخيم. * الشيخ: حذفت لا للترخيم بل للتخفيف، حذفت للتخفيف، الترخيم في الندا فقط. إذن الفعل هنا مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون الموجودة للوقاية، والياء ياء المتكلم محذوفة للتخفيف. * من فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لِي﴾ ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يعني مخلصين لله عز وجل؛ لأن الشكر طاعة، والطاعة لا بد فيها من الإخلاص ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. * طالب: في الآية تقرر أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه؟ * الشيخ: إي نعم، فيها أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه إي نعم. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ في هذا دليل على فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان، من أين يؤخذ؟ من قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا شك أن الإيمان من أفضل أوصاف الإنسان، وكذلك عبودية الله عز وجل- ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين- من أشرف أوصاف الإنسان، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته يقول: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَاعَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي يقول: لا تقولي: يا محمد، يا علي، يا خالد، تقولي: يا عبد فلانة؛ فإنه أشرف أسمائي. ولهذا وصف الله نبيه محمد ﷺ بالعبودية في أشرف المقامات عند الرسالة، وعند التحدي، وعند النصرة؛ المهم المقامات الشريفة. * ومن فوائد الآية: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة لقوله ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة ١٥٣]. * ومن فوائد الآية: بيان آثار الصلاة الحميدة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين على الأمور. * ومن فوائد الآية: جواز الاستعانة بغير الله فيما يكون عونًا فيه لقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فاستعانة العبادة لله عز وجل والاستعانة بما يكون سببًا للعون، سببًا صحيحًا للعون هي جائزة أيضًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة. ]]. * ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان لقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ فإن توجيه الخطاب للمؤمنين يدل على أن هذا من مقتضى الإيمان، مثل أن تقول: يا رجل انتبه؛ المعنى أن من صفات الرجولة، أو من مقتضيات الرجولة الانتباه، وتقول: يا كريم، أعطِ المسكين، ومن مقتضى الكرم إعطاء المساكين، فمن مقتضى الإيمان أن الإنسان إذا حصل عليه ضيق أن يستعين بالصلاة. * ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر أوْ لا؟ لأنه يعين على الأمور، والصبر ثقيل على النفس ثقيل جدًّا؛ لأنه مثلًا تجد الإنسان إذا أصابه شيء أو ضيق وده بس يتحرك، لكن عندما يطمئن نفسه يصبرها يصبر والعاقبة للمتقين، ولهذا قال تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] ما قال فاشكر مع إن هذا علم، تلاه الله عليه لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ لأيش قال فاصبر وهو علم يستحق الشكر؟ هذا إشارة إلى إن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازعه ويضاده، ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣] بعدها ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان ٢٣] فستجد معارضة وممانعة عظيمة، ولكن لا تطع آثمًا ولا كفورًا، واضح يا جماعة؟ إذن الصبر شاق على النفوس لكن يجب على الإنسان يصبر لو قالت له نفسه الأمارة بالسوء والعجلة: افعل تخلص، لا اصبر، ولهذا من لم يفق للصبر فاته خير كثير، والذي يصبر أيضًا غالبًا ينتظر الفرج، الغالب أن اللي يصبر ولا سيما بإخلاص وحسن نية فإنه ينتظر الفرج، وانتظار الفرج عبادة وباب للفرج لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]، مثلًا رجل أُصيب بحادث في ماله، تعب تعبًا عظيمًا نفسيًّا، لكنه صبر ينتظر الفرج، وما أسرع الفرج! إنسان مثلًا آذاه شخص آذاه؛ إما بماله، أو بعرضه، أو بأهله، المهم أنه آذاه فتجده يصبر ويتحمل وينتظر الفرج فيحصل له، واضح؟ فإذن الصبر من أكبر الأسباب على العون على الأمور الشاقة ولهذا يقولون: إن الصبر مفتاح الفرج، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جعله مفتاح الفرج، جعل الكرب مفتاح الفرج، ولكن جعل الصبر مفتاح النصر، وهو أعظم من الفرج؛ لأن الفرج زوال مكروه فقط، لكن النصر حصول مطلوب؛ وهو أعلى لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ» أعظم من قول بعضهم: الصبر مفتاح الفرج. إذن الصبر واجب ولَّا لا؟ نقول: الاستعانة به على الأمور أرشد الله إليها. وهو واجب في دفع المصائب، يجب أن تصبر على المصائب، وقد سبق لنا أن مقام الإنسان عند المصائب له مقامات كم؟ كم مقامات الإنسان عند المصائب؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: أو أربع؟ أربع ابدؤوا باللي تعرفونه الأول؟ * طالب: الصبر على طاعة الله. * الشيخ: لا لا، هذه مواضع الصبر، لكن مقامات الإنسان عند المصائب عند المصيبة خاصة له مقامات أربعة: جزَع، وصبر، ورضا، وشكر، هذه مقامات الإنسان عند المصائب، كل إنسان يُصاب بمصيبة لا بد أن يحصله أحد المقامات الأربعة؛ إما جزع وتسخط، وإما صبر، وهو واجب، وإما رضا؛ وهو على القول الراجح مستحب وليس بواجب، وإما شكر وهو أعلى من الرضا وهو مستحب وليس بواجب بالاتفاق، فالجزع حرام، والصبر واجب بالاتفاق، والرضا واجب على قول ومستحب على القول الراجح، والشكر مستحب بالاتفاق فيما أعلم (...). ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] أيش المراد بالمعية هنا؟ * الطلبة: الطمأنة. * الشيخ: التهديد؛ يعنى معناه أنها مقتضية للتهديد؛ فهو شيء فوق الإحاطة؛ التهديد شيء فوق الإحاطة كما أن التأييد والنصر فوق الإحاطة؛ لأن الإحاطة ثابتة في الجميع. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] هذه معية الإحاطة والعلم والقدرة والسلطان وغير ذلك من معاني ربوبيته. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤]، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩] وما أشبهها؛ هذه معية خاصة، والمعية الخاصة أيضًا قسمان: معية مضافة إلى شخص، ومعية مضافة إلى وصف؛ المعية المضافة إلى شخص كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، وقوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. وبإجماع السلف أن المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى في الأرض، بل هي معية تقتضي العلم والإحاطة أو النصر والتأييد أو التهديد كما سبق، لكن مع كون الله عز وجل في السماء على عرشه. وما زعم أحد أنها تقتضي أن يكون في الأرض إلا رجل جاهل بالله وجاهل باللغة العربية. أما جهله بالله فلأنه فهم من هذه الآية الكريمة ما يقتضي الكفر، ومحال أن يكون كلام الله عز وجل دالًّا على الكفر، وأيضًا إذا قال: إن الله في الأرض؛ لأن الذين قالوا: إن الله في الأرض، وفهموا منه هذا الفهم انقسموا إلى قسمين: الجهمية قالوا: إنه في الأرض وليس في السماء، أنكروا علوه، وهذا من الدليل على ارتكاسهم والعياذ بالله؛ حيث أقروا بما ينكره العقل، وأنكروا ما يقتضيه العقل، اقتضاء العقل لكون الله تعالى في الأرض أو كونه في السماء؟ أيهما أقوى؟ * الطلبة: في السماء. * الشيخ: كونه في السماء، وهم إذا قالوا: نأخذ بظاهر الآيتين، نقول: ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] ليس كما زعمتم أنه في الأرض، فإنها أضيفت المعية إلى من؟ إلى الله فتقتضي أن تكون معية خاصة به تليق به. ثانيًا: جهلهم باللغة العربية: هل اللغة العربية تقتضي أن المعية معناها المجامعة والمشاركة في المكان؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قصدي هي ما تستلزم ذلك، هي قد تقتضي، لكن لا تستلزم ذلك، ولهذا نقول: مثلًا هذا الرجل معه زوجته وهو في مكتبه وهي في بيتها، ويصح، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه في غزة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ». قَالُوا: وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٣) من حديث أنس.]]. فهذا دليل على أن المعية في اللغة العربية لا تقتضي المجامعة والمشاركة في المكان، قصدي لا تستلزم ذلك فلما لم تستلزمه، وعُلم أن هذا المعنى باطل بالنسبة إلى الله تعين أن يكون معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه محيط بنا وهو في السماء على العرش، ولا عاقل يفهم حتى العجوز في خدر بيتها ما تفهم هذا الفهم الذي فهمه هؤلاء الجهمية. وتحذلقت طائفة من الحلولية وقالوا: نحن نأخذ بظاهر القرآن في الموضوعين ونقول: إن الله معنا في الأرض وهو على عرشه في السماء، وهل هذا ممكن؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، غير ممكن؛ لأننا لو قلنا: إن ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ في الأرض أن يكون معنا في الأرض لكان إما متعددًا وإما متجزئًا، وكلاهما باطل، فتعين أن يكون إما في الأرض، وإما في السماء فالتزمت الجهمية الضالة أن يكون في الأرض دون السماء، ولكن أهل السنة والجماعة التزموا ما دل عليه السمع والعقل والفطرة بأن الله تعالى في السماء، وأن معنى المعية التي أضافها إلى نفسه معنى يختص به ولا يقتضي المجامعة في المكان بأي حال من الأحوال. وأنه درجة ينبغي للإنسان ملازمتها لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] فإن الإنسان إذا علم أن الله معه لا شك أنه سوف ينشط على هذا المقام ويحرص عليه، ليس كما إذا لم يعلم بذلك، إذا علمت أن الله معك لا شك أنك سوف تبقى على هذه المرتبة وتحرص عليها، وكون الإنسان يكون الله تعالى معه مسددًا له ومؤيدًا له ومصبرًا له لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ الآن الصبيان بعضهم مع بعض إذا واحد غاضَب الثاني ثم رأوا ثالثًا يقول الواحد منهما: أنت معي ولا معه؟ إذا قال: أنا معك؛ يفرح. ولهذا لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى قوم يتناضلون قال: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ» وأيش سوَّى مع الجماعة الآخرين قالوا: يا رسول الله، إذا كنت معهم خلاص ما نناضلهم. فقال: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع.]] عليه الصلاة والسلام، فإذا علم الإنسان الصابر أن الله معه يسدده ويؤيده ويصبِّره علم أنه سيفتح له باب النصر وأنه سوف يزيل عنه هذا الأمر الذي اقتضى أن يتحمل الصبر وقد قيل: الصبر مثل اسمه. * الطالب: مُرّ مذاقته. * الشيخ: مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل. فاصبر وستجد. الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ مثل اسمه وأيش هو اسمه؟ * الطلبة: صبر. * الشيخ: لا، اسم الصبر، الصبر الطبيعي فيه شيء يُسمى صبر (...).

البقرة 2:152

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٥٠]. هذه الجملة تقدم الكلامُ عليها، وكُررت للتوكيد وتوطئةً لما بعدها؛ لأن الفائدة هنا التوكيد والتوطئة لما بعدها، وهو قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ﴾، وقلنا قبل قليل: إن التكرار في مثل هذه الأمور الهامة يراد منه ثلاثة أمور: الإثبات، والتثبيت، والمدافعة؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. * طالب: من قال يا شيخ: تنزل على الأحوال؟ * الشيخ: لا ما هو بظاهر؛ لأنها عامة، كل واحدة منها عامة، ولذلك لو جاءت واحدة منها بدون الأُخريين لكان الحكم واحدا. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ اللام هنا للتعليل، اقترنت بها (أنْ) المصدرية، و(لا) النافية و﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ(أن) المصدرية، ولا يضر الحيلولةُ بين الناصب والمنصوب بـ(لا) النافية. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ وأيش إعرابه؟ اسم (يكون) إن كانت ناقصة، أو فاعلٌ إن كانت تامة. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ ﴿لِلنَّاسِ﴾ مَن المراد بالناس؟ الآية مجملة فتشمل كلَّ من احتج على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد احتج على المسلمين في هذه المسألة اليهود والمشركون، أما اليهود فقالوا: إن الرجل ترك الملة إلى ملة آبائه فهو رجل يتعبد بهواه وليس على هدى. هذه حجة اليهود، والعياذ بالله! بالأمس الأدنى كان يتَّجه إلى بيت المقدس، والآن أخذته العصبية فاتجه إلى الكعبة، وهذا لا شك أنه ظلم، ظلم من اليهود ولّا هم يعرفون في كتبهم كما ذكر بعض أهل العلم أن محمدا ﷺ سيتجه إلى الكعبة فيكون من صفاته؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الحجة أيضًا لليهود، الحجة لليهود يعني ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، إن هذا التعليل تعليلٌ للبقاء لا للانتقال؛ يعني لئلا يكون للناس عليكم حجة لو بقيتم على بيت المقدس، فما الحجة إذن؟ الحجة أن يقول اليهود: إن محمدا يتجه إلى الكعبة، وعلى هذا فتكون حجة اليهود من وجهين، من الوجهين السلبي والإيجابي، يعني أنكم إن بقيتم احتج عليكم اليهود بأن هذا ليس محمدا الذي أخبرَتْ به التوراة؛ لأن محمدا الذي أخبرت به التوراة يتجه إلى الكعبة. حجة أخرى أنهم يقولون: لو كان محمد رسولا ما صار بالأمس يتجه إلى بيت المقدس والآن يتجه إلى الكعبة، ولكنه رجلٌ يتبع هواه ويداهن، ففي الأول داهننا ثم بعد ذلك أخذته العصبية فاتجه إلى قبلة آبائه وأجداده، فصار حجةُ اليهود من وجهين، سواءٌ إن بقي فحجتُهم أنه لما لم يتجهوا إلى القبلة ما صار الرسولَ المنتظرَ، وإن تحول حجتهم أنه يتعبد بهواه، ما هو على هدى من الله -والعياذ بالله- إذن يكون التعليل هنا تعليلًا للتحول وللبقاء، ذكر بعض العلماء أن الناس يدخل فيها المشركون أيضًا، يدخل فيها المشركون، يحتجون على الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: هذا الرجل خالفنا في عقيدتنا، وخالفنا في قبلتنا حين هاجر إلى المدينة، ثم رجع إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا فيحتجون بهذا، أنتم تعرفون أهل الباطل يموّهون، يعني يقلبون -والعياذ بالله- ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢] يقلبون الحق باطلا؛ لأنهم يريدون غرضا والله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بمثل هؤلاء الذين يقلبون الحقائق ويجعلون من الحق باطلا، وإلا فكيف يمكن أن يكون حجة لهؤلاء وهؤلاء؟ ما في حجة، بل إن تحوله مع تخوفه العظيم عليه الصلاة والسلام مما وقع من الاعتراضات والمضايقات، وتعرفون المسألة احنا ما ندرك حقيقتها، حقيقة اللي حصل، كونه يتحول مع توقعه لهذه المعارضات؛ لأن الله قال له سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ﴾ إذن المسألة سيكون فيها أخذٌ وردٌّ ومضايقات، تحوله مع هذه التوقعات وأيش يدل عليه؟ يدل على صدقه، وفي الحقيقة ليس دليلا على ما يزعم هؤلاء، بل هو أكبر دليل على صدقه وأنه يتعبد بوحي من الله عز وجل، قيل له: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، وقيل: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، ما يريد هو أن يتبع هواه، بل يتبع ما جاءه من الوحي. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على المؤمنين عموما، للرسول عليه الصلاة والسلام ولأتباعه؛ لأن كل حجة يحتج بها على الرسول للتلبيس وإبطال الدعوة فهي في الحقيقة حجة على جميع أتباعه؛ لأن أتباعه إنما تَبِعوه لأنه على الحق، فإذا جاء من يلبِّس صار ذلك تلبيسا لطريقهم ومنهاجهم، فهو حجة على الجميع، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ هل هذه حجة حقيقية أو حجة باطلة؟ حجة باطلة، ولا يلزم من الاحتجاج قبوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ١٦] باطلة، فالاحتجاجات ليست كلُّها مقبولة، إن كانت بحق فهي مقبولة وحجة، وإلا فهي باطلة ولو أقيمت أو ولو صيغت صيغة الدليل والبرهان، حتى لو صاغها من يحتج بها صيغة الدليل والبرهان فإنها تعتبر باطلة، أرأيتم احتجاج الفلاسفة؟ على طريقتهم، احتجاج المعتزلة على طريقتهم، احتجاج الجهمية على طريقتهم، احتجاج القدرية على طريقتهم وهكذا، هذه الحجج هم يأتون بحجج عظيمة لكنها كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ نعم، ما تقوم لهم حجة، حججهم كلها تعتبر شُبَهًا باطلة، هؤلاء الذين يريدون أن يحتجوا على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى مكة أو إلى المسجد الحرام، هل هذه الحجة صحيحة؟ كلا، بل هي من أبطل الحجج، ولكن مع ذلك لا مانع أن الإنسان يتسلح، ولو للحجج الباطلة؛ ولهذا قال الله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والمراد بالذين ظلموا المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوُونَ للحق مهما تبيّن، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ اختُلف في إلا هنا، هل هي متصلة أو منقطعة؟ بمعنى: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمنهم من قال: إنه متصل، ومنهم من قال: إنه منقطع، فالذين قالوا: إنه منقطع قالوا: إلا بمعنى لكن؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم ومخاصمتهم، خذوا بالكم. ومن قال: إنه متصل قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا فيكون مستثنى من الناس؛ لأن الناس منهم ظالم ومنهم من ليس بظالم، والأقرب عندي -والله أعلم- أن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ هذا عام شامل، لكن من ظلم منهم من اليهود أو المشركين فإنه لن يرعَوِيَ لهذه الحكمة التي أبانها الله عز وجل؛ لئلا تنتفي حجة هؤلاء الظالمين. * طالب: شيخ، ما يرد بأنه من قال: الاستثناء متصل ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، هم احتجوا، لو قلنا: اتصال الاستثناء ما لهم حجة ما ذكر لهم حجة؟ * الشيخ: اللي يقرب لي من هذا السياق أنه منقطع. * الطالب: شيخ ما معناه على أن يكون متصل؟ * الشيخ: يقول: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إن الله تعالى بيَّن للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنه ما أحد يحتج عليهم إلا الظالمين، ولكن في الحقيقة هذا ضعيف المعنى، ضعيف جدا، فالذي يظهر لي أن الاستثناء منقطع. قال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الله أكبر، يعني مهما قالوا من الكلام ومهما قالوا من زخارف القول ومهما ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم، لا تخشوهم، فالخشية والخوف متقاربان إلا أن أهل العلم يقولون: إن الفرق أن الخشية لا تكون إلا مع العلم؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] بخلاف الخوف، فقد يخاف الإنسان من الْمَخُوف وهو لا يعلم عن حاله، أما الخشية فلا يكون إلا مع العلم. والفرق الثاني: يقولون: إن الخشية تكون لعِظَم المخشيِّ، والخوف لضعف الخائف وإن كان الْمَخُوفُ ليس بعظيم، فتقول مثلا: الصبي يخاف من المراهق، نعم، لأيش؟ لضعفه، هكذا فُرِّق، وعلى كل حال إن صح هذا الفرق فهو ظاهر، لكن الفرق الأول واضح وهو أن الخشية إنما تكون مع العلم. * طالب: (...) فرق إن الخشية أشد من الخوف من حيث وضعُها؟ * الشيخ: لا، ما هو بظاهر ولّا بعضهم قال: إنها أشد؛ لأن هذه المادة، الخاء والشين، تدل على القوة ومنه الشيخ الكبير، لكن فيها نظر. وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ تخشوا مَن؟ الذين ظلموا، مهما كان ظلمهم لا تخشاهم ما دمتَ على حق لا تخاف من أحد، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ أتى بعد النهي بالأمر؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، أَزِلِ الموانعَ أولًا ثم أثبت، فأولًا فرِّغ قلبك من كل خشية لغير الله، ثم مكن لخشية الله من قلبك، فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلا، فإذا كان المحل قابلا، حينئذ يكون الوارد عليه واردا على شيء لا ممانعة فيه ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ والأمر هنا، كما سيأتينا إن شاء الله في الفوائد، الأمر ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ لأي شيء؟ للوجوب، الوجوب بلا شك، الواجب على المرء أن يخشى الله وحده، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؛ إتمامُ الشيء بلوغ غايته، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، لئلا يكون للناس ولأُتم، ﴿أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ والإتمام بلوغ الشيء غايته، والغالب أنه يكون في الكمال، وقوله: ﴿نِعْمَتِي﴾ النعمة ما هي؟ هي ما يَنْعَمُ به الإنسان، ويقال: نِعمة، ويقال: نَعمة، لكن الغالب في النعمة أن تكون في الخير، والنَّعمة التنعُّم من غير شكر كما قال تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٧]، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ هذه نزلت متى؟ متى نزلت ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؟ * طالب: بعد سورة البقرة، في أول الهجرة. * الشيخ: في أول الهجرة عند تحويل القبلة؛ يعني في السنة الثانية، ولا يعارضها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، نعم لا تعارضها؛ لأن المراد في آية المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] الإتمامُ العام في كل الشريعة، وأما هنا ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ في هذه الشريعة الخاصة وهي استقبال الكعبة بدلا عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن «الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُقلِّب وجهَه في السماء ينتظرُ متى يُؤمر بالتوجّه إلى الكعبة »[[أخرجه البخاري (٣٩٩) من حديث البراء.]]، فهذه لا شك أنها من نعمة الله عز وجل أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي كما قال بعض أهل العلم: هو قبلة جميع الأنبياء كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، أن الكعبة قبلة جميع الأنبياء، وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق هذا مما غيروه في دينهم. وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أضاف الله تعالى النعمة إليه؛ لأنه صاحبها هو الذي يُسديها ويوليها على عباده، ولولا هذه النعمة العظيمة ما بقي الناس طرفة عين، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] في النعمة قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وفي الغضب ما قال: صراط الذين غضبتَ عليهم بل قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعم، وهي نظير قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ثم إن المغضوب عليهم.. الغضب على هؤلاء ليس من الله فقط، بل من الله سبحانه وتعالى ومن أوليائه من الرسل وأتباعهم. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ (لعل) هنا أيش معناها؟ * طالب: للتعليل.. * الشيخ: للتعليل؛ يعني ولأجل أن تهتدوا، والهداية كما مر علينا نوعان: هداية علمية، وهداية عملية، ويقال: هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فالهداية العلمية معناها: أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، والعملية: أن يوفق للعمل بهذا العلم. الأولى وسيلة والثانية غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل، بل إن العلم بدون عمل يكون وبالا على من رُزقه. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ هذه هي العلة الثالثة من هذه العلل، العلة الأولى ما هي؟ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، والعلة الثانية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، والثالثة: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ وهنا الهداية شاملة للهداية العلمية والعملية يعني: علما وعملا، ووجه كونها شاملة: أنهم ما علموا أن مرضاتَ الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علَّمهم الله، ثم إن الله وفَّقهم للاهتداء إليها، هل مانعوا؟ أبدًا، بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلُّون صلاة الفجر، وكان الإمام إلى الشمال والمأمومون إلى الجنوب فأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت إلى الكعبة، فماذا صنعوا؟ توجَّهوا في صلاتهم إلى الكعبة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦ / ١٣) من حديث ابن عمر.]]، فصار الإمام نحو الجنوب والمأمومون نحو الشمال وكلهم وجوههم إلى الكعبة، هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمر الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات والمضايقات، وأيش يدل عليه؟ على قوة إيمانه، وثقته بربه سبحانه وتعالى، وهكذا يجب على كل مؤمن إذا جاء أمرُ الله أن يمتثل الأمرَ، والله سبحانه وتعالى سيجعل له من أمره يسرا؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور، لا يقول: والله هذا أخشى من المضايقات، أخشى أن الناس يعيرونني، أخشى أن الناس يستهزئون بي، هذا لا يضر، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨]. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ [البقرة ١٥٠، ١٥١] هذه أيضًا مِنَّةٌ رابعة وُجهت إلى المؤمنين ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾؛ يعني: هذا داخل في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾، كما أنكم أيضًا، كما أنكم قد أُرسل فيكم هذا الرسول النبي عليه الصلاة والسلام.. إلى آخره؛ يعني: معناه أن نعمة الله علينا التوجُّه إلى الكعبة بدلا عن بيت المقدس أنها عظيمة، كما أن نعمته علينا بالرسول ﷺ عظيمة، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ والإرسال بمعنى البعث، والبعث بمعنى الإرسال أيضًا، يعني أنه مرسل من الله؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق للعبادة وكيف يُعبد؟ * طالب: يعبد بما شرع. * الشيخ: نعم بما شرع، وكيف نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به وهذا مما لا يرضاه؟ لا يمكن ذلك إلا بواسطة الرسل، لو أن الإنسان وُكِلَ إلى عقله بالعبادة ما عرَف يعبد الله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولو وكل إلي عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله، لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب ويمشي، ولو أن الإنسان وكل إلى عقله بالعبادة ما كانت أمتنا أمةً واحدة، فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؟ ومثلٌ بسيط: لو قيل لك: تطهر للصلاة ولم يبيَّن لك هذا الطهور، كيف تتطهر؟ يجي واحد يمكن يقول لك: التطهر لازم أني أتطهر من الإبهام إلى الإبهام، نعم، ويجي واحد يقول: ما أطهر إلا الكف والجبهة والأنف والركبتين وأطراف القدمين؛ لأنها اللي بيشمل السجود، ويجي آخر ويكون عنده شكل ثان، فلولا أن الله أبان لنا كيف نعبده، ما عرفنا كيف نعبده؟ وهذه من نعمة الله بإرسال هذا الرسول محمد ﷺ الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر: «لقد تُوفّي رسول الله ﷺ وما طائرٌ يُقلّب جناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَر لنا منه علمًا، حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول عليه الصلاة والسلام »[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١) من حديث أبي ذر.]]. وهذا عام في كل شيء، كل ما نحتاج إليه في أمور ديننا ودنيانا فقد علَّمنا إياه هذا الرسول؛ ولهذا قال: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ ما سبق، هل المراد منكم نسبا أو منكم جنسا؟ وقد سبق لنا أنه إذا قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨] فالمراد الجنس، وإذا قيل: منكم أو منهم فالمراد النسب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] وقد قال الله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤] والمؤمنون فيهم العرب وغير العرب. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ ما معنى يتلو؟ يقرأ، يقرأ عليكم آياتنا، فيأتي بها كما سمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٧- ١٩] ثلاث مراحل: جمع وقرآن بواسطة جبريل، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بيانه للناس كلهم بيانه معنًى ولّا لفظا؟ لفظا ومعنى؛ ولهذا القرآنُ -والحمد لله- مبيَّنٌ لفظُه ومعناه، ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباها نسبيًّا بحيث يشتبه على شخص دون آخر، أو في حال دون أخرى (...). أنه تقرير له (...)، ما تقولون؟ سؤال: هل قوله ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هل هو تقرير لما سبق أو هو زائد على ما سبق؟ * طالب: زائد. * الشيخ: إذا كان زائدًا على ما سبق، فأين ما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام خارجًا عن الكتاب والسنة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لكن رجحنا أنها عامة، فالظاهر لي أن القول بأنه من باب تقدير ما سبق ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أنه أولى؛ لأنه لو قال قائل: يعلِّمنا ما لم نكن نعلم من أمور الآخرة؛ قلنا: هو داخل في الكتاب والسنة ما يخرج عنها، مهما قدرت من التقديرات وجدته داخلا في الكتاب والسنة، لكنه ذكر للتقرير وبيان النعمة في أنه يعلمنا ما لم نكن نعلم، إذن الأصل في بني آدم الجهل أو العلم؟ الأصل الجهل؛ لأن العلم وارد، فكل ما عَلِمنا من العلم فإنه في الحقيقة وارد على الجهل، وهو مما يدل على نقص الإنسان حيث كان الأصل فيه الجهل، ولكنه يتعلم بتعليم الله. وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هذا ليس على عمومه فإنه يخص منه ما لا يمكن الاطلاع عليه من علم الغيب، فعلم الساعة مثلا، عُلِّمْنَا إياه؟ ما علمنا إياه مع أننا لا نعلمه؛ لأن هناك أشياء من أمور الغيب ما تعلم، حتى أقرب الأمور إلينا ما نعلمها، وهي الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فعلى هذا يكون ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما لم تكونوا تعلمون لكن مما تحتاجون إلي العلم به، أما ما لا يمكن العلم به؛ فإن هذا ما عَلِمناه ولا عَلَّمناه مثل أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله؛ كعلم الساعة ونزول المطر وعلم المستقبل، إلا ما أَطْلع الله عليه رسوله، وكذلك العلم بكيفية أسماء الله وصفاته، فإن هذا لا يمكن الإحاطة به، فكل ما يتعلق بصفات الله فعلمُه لا يمكن الإحاطة بكيفيته؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] مع رؤيتها له، مع رؤيتها لله لكنها لا تدركه، وهذا في الآخرة، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣] أخبرنا الله عن أفعال كثيرة من أفعاله؛ كاستوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، ومجيئه للفصل بين عباده، وغير ذلك من أفعاله، وهل نحن نعلم الكيفية؟ ما نعلمها، أخبرنا الله تعالى عن نفسه أنه يعجب؛ لقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بقراءة بضم التاء وهي قراءة سبعية ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، وكذلك أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الله أنه يضحك: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة.]] فهل يمكن لنا أن نتصور أو أن نبين هذه الكيفية؟ لا، لا يمكن أن نتصورها ولا أن نبين هذه الكيفية؛ لأن هذا مجهول، هذا مجهول لنا، ولا يمكننا الإحاطة به. ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أولًا: إعراب الآية: ﴿اذْكُرُونِي﴾: فعل أمر؟ فيها نون الوقاية وياء المفعول به وواو الفاعل، كم من كلمة صارت؟ أربع كلمات: فعل أمر، والواو فاعل، نون وقاية، ياء مفعول، هذا فعل أمر جوابُه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، لماذا سُكِّنَ الفعل؟ لأنه كان جوابا للأمر، وهو قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، فقوله تعالى: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ يعني: عمل وجزاء، العمل: ذكر الله عز وجل، والجزاء: ذكر الله لعبده، أيُّهما أعظم؟ معلوم الأخير، يعني كون الله يذكرُك أعظمُ من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١] تحبوا الله * الطلبة: لا. * الشيخ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا هو الغاية، الغاية والقصد أن الله يحبك، ما هو أن تحب الله؛ ولهذا لم يأتِ الجواب على الوجه المتوقع، الوجه المتوقع: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تحبوا الله، لكن الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن الشأن كلَّ الشأن أن يحبك الله، هنا ﴿اذْكُرُونِي﴾ هذا ذكر الإنسان لربه، لكن الشأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ فعل أمر، وبماذا يكون ذكرُ الله؟ يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، الأصل: ذكر القلب «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وذكرُ الله باللسان أو بالجوارح بدون القلب هو قصور، ما هو ذكر، الحقيقة أن الذكر ذكر الله تعالى بالقلب، وكيف أذكره بالقلب؟ أذكره بالقلب أن الإنسان بقلبه ينيب إلى الله، ويتوكل عليه ويرجوه ويخافه ويستحضر حُبَّه وعظمته وغير ذلك، وهذا أمر لازم للإنسان، كذلك أيضًا الإنسان يشاهد في الكون أشياء كلها من آيات الله، يشاهد الشمس بعظمتها وانتظامها وطلوعها وغروبها، كذلك القمر، وكذلك النجوم، وكذلك الليل والنهار والأحوال ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] إلى غير ذلك، نستدل بهذه الأشياء على من؟ على من دبَّر هذه الأشياء وخلق هذه الأشياء، وكل شيء منها له دلالة خاصة، منها ما يدل على العظمة، ومنها ما يدل على قوة السلطان، ومنها ما يدل على الحكمة، وكلُّها حكمة لكن بعضها أخص من بعض في الدلالة، هذا ذكر القلب بالمحبة والتعظيم والإنابة والخوف والرجاء والتفكر.. إلى غير ذلك. ذكرُ الله باللسان يشمل الذكر المعروف مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله والله أكبر، وما أشبه ذلك، ويشمل قراءة القرآن، ويشمل الدعاء، ويشمل كلَّ قول يقرِّب إلى الله عز وجل؛ لأن كل قول يقرب إلى الله فهو من الطاعة، والطاعة مأمور بها، وفاعل الطاعة يستشعر أنه يفعلها لأي شيء؟ طاعةً لله وتقرُّبًا إليه، إذن فيكون هذا ذكر، يكون هذا ذكر الله عز وجل، وإذا جعلنا الذكر بهذا المعنى العام أمكن للإنسان أن يجعل جميع أقواله ذكرا لله إذا وفق؛ ولهذا ممكن أن تكون عادة الذاكرين عبادة، وأن تكون عبادة الغافلين عادة، كل هذا من أجل النية، يكون الذكر بالجوارح، كيف الذكر بالجوارح؟ القيام بالصلاة والركوع والسجود، والجهاد، والزكاة، كلُّها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعا لله، وحينئذ تكون ذاكرا لله في هذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥] قال بعض العلماء: ولما تضمنته من ذكر الله أكبر، وهذا أحد القولين في هذه الآية. * طالب: (...). * الشيخ: هذه المسألة يجب أن نعرف المعاني إذا قرنت مع غيرها فُسِّرت بخاصة، وعند الإطلاق تشمل، مثلا: عندنا الفقير والمسكين إذا قُرنا فُسر كلُّ واحد بما يختص به، البر والتقوى إذا قرنا جميعا فسر كل واحد بما يختص بها، وإذا أُفرد أحدهما شمل الآخر، فالذكر عند الإطلاق، أما إذا قال مثلا: هذا الرجل قرأ القرآن وذكر الله، يكون هنا قراءة القرآن خاصة والذكر خاص. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ هل هي من صفات الله؟ وهل هي من الذاتية؟ وهل هي من الإيجابية أو السلبية؟ الجواب عن الأول من صفات الله ولّا لا؟ من صفات الله، وعن الثاني هل هي ذاتية أو فعلية؟ فعلية، وعن الثالث إيجابية أو سلبية؟ إيجابية كذا. وقوله: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ هنا مطلق، ولكن يتبين من صيغة الأمر والجزاء أن يكون الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ﴾ فاذكروني، بفتح الياء؛ يعني ياء المتكلم، يجوز إسكانها وفتحها وحذفُها تخفيفًا، لكنها في القرآن تتوقف على السماع، إنما من حيث اللغة العربية يجوز فيها الفتح والإسكان وأيش بعد؟ والحذف، لكن بالنسبة للقرآن تتوقف على السماع، وهنا فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ ﴿اشْكُرُوا﴾ فعل أمر من شَكَرَ، وقد اختلف أهل العلم بالعربية هل ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ هي اشكروني أو غيرها؟ فقال بعضهم: إنها هي هي، وأنَّ شَكَرَ تتعدى بنفسها وتتعدى باللام، فيقال: شكرَهُ، ويقال: شكرَ له. وقال بعضهم: إنها ليست بمعناها وأن شكر تتعدى بنفسها دائما، وأن المفعول هنا في نحو ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ محذوف؛ يعني: اشكروا لي ما أنعمت عليكم، ما أنعمت عليكم، أو نعمتي، أو ما أشبه ذلك، والخلاف في هذا لا يترتب عليه كبيرُ فائدة؛ لأن الجميع متفقون على أن المراد بهذا الأمر القيامُ بشكر الله عز وجل، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيِه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، خدوا بالكم، فسببه أخص من سبب الحمد، ومتعلَّقُه أعم من متعلَّقِ الحمد، أرجو أن تنتبهوا، الحمد يكون باللسان لكن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، فإذا كان سببه إنعام المحمود كان من الشكر، أعني الحمد، أما الشكر؛ فإن سببه واحد، ما هو؟ * طالب: النعمة. * الشيخ: النعمة، نعمة المشكور، أما متعلَّقُه فثلاثة: يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح، خذوا بالكم من الفرق بين الحمد والشكر، أكثر الناس ما يعرفون الفرق بينهما، فيختلفان إذن من حيث السبب، ويختلفان من حيث المتعلَّق، سبب الحمد أيش قلنا؟ كمال المحمود وإحسان المحمود، فالله جل وعلا يُحمد على كماله وعلى إنعامه، وسبب الشكر؟ النعمة، نعمة المشكور، أما المتعلق؛ فالحمد يكون باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا فـ(يدي): هذا الشكر للجوارح، (لساني): باللسان يعني القول، و(الضمير المحجَّبَ): القلب. ما هو الشكر بالقلب؟ الشكر بالقلب أن يُقِرَّ الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله عز وجل، فيحب الله سبحانه وتعالى لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي في جامعه (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس.]]، فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله، أحب الله؛ لأن النفوس مجبولة على محبة مَن يحسن إليها، هذا تعلُّق الشكر بالقلب، تعلقه باللسان التحدث بنعمة الله لا افتخارا بل شكرا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، وقال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٨ / ٣) من حديث أبي هريرة، والترمذي في جامعه (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد، واللفظ له.]]. أما الشكر بالجوارح؛ فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جُعلت له، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له، فإن هذا من شكر النعمة. وقوله تعالى: ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ على القول بأن شَكَرَ تتعدى بنفسها أو اللام، لا إشكال في الموضوع؛ لأن المعنى: اشكروا لي واشكروني واحد، أما على القول الثاني: أن شَكَرَ تتعدى بنفسها فاللام هنا للإخلاص؛ يعني اشكروا لي لا لغيري، فيكون هنا بيان المشكور له وهو الله عز وجل؛ لأنه هو أهل الشكر. وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أصله: لو قال قائل: كيف ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (لا) ناهية وهنا جاءت النون مع أنها من الأفعال الخمسة؟ فالجواب: أن النون هنا للوقاية وليست نون الإعراب، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ ولّا ﴿يَسْتَعْجِلُونِ﴾؟ يستعجلونِ، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠] فالنون هنا للوقاية، وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ أي: لا تجحدوني أو تجحدوا نعمتي، بل قوموا بشكرها وإعلانها وإظهارها؛ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمةً فإنه يحب منه أن يُرى أثرُ نعمته عليه، إذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه؛ أولًا: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفا بعلمه يقوم ويعمل بما علم. الثاني: من ظهور العلم بالتعليم، يعلِّم الناس ما استطاع، وليس بلازم أن يعلِّمَه في حلقات، قد يعلِّمُ شخصا يصلي إلى جنبه فيخل بأمر من الأمور في الصلاة فيُعَلِّمُهُ، هذا من طرق التعليم. الثالث: من آثار نعمة العلم: أن يدعو الإنسان إلى الله على بصيرة، أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم بالدعوة إلى الله يتكلم بقدر ما يستطيع، حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى عزيمة مثلًا ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم، وكان بعض أهل العلم في مسألة فهو فيما حضر، بعض الناس من أهل العلم يكون معه كتاب إما معه بنفسه أو مع أحد من تلاميذه، فيقرأ الكتاب على الحاضرين ويستفيد ويفيد، وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا وصاروا يترقبونه منه، أما إذا لم يعودهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده، سؤالٍ مثلا حتى ينفتح المجال للناس ويسألون وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها، وهذا لا شك أنه نقص وإن كانوا قد لا يأثمون، لكنه نقص، فالذي ينبغي لطالب العلم حتى وإن لم يُسأل أن يورد هو سؤالًا؛ لأجل أن يفتح الباب للحاضرين فيسألوه، «وقد جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة وأماراتها وقال النبي عليه الصلاة والسلام:«هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنه هو عَلَّمَ جبريل، الذي يجيب مَن؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لماذا جعله معلما؟ لماذا جعله معلما، وهو يسأل؟ * طالب: لأنه صدقه. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه سأله وبسبب سؤاله.. * الشيخ: صار العلم، نعم؛ لأنه تسبَّبَ لهذا العلم، المهم أننا نقول: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ إنه من كفر النعمة أن لا يظهر أثرُها على من أنعم الله عليه، فإنه ينبغي للإنسان ألَّا يسترها؛ لأن الكفر في الأصل هذه المادة (كاف، فاء، راء)، وأيش أصلها في اللغة؟ الستر، ومنه الكُفُرَّى اللي يسميه العوام: الكافور، حق النخل؛ لأنه يستر الثمرة، فالإنسان الذي لا يُرى عليه أثر النعمة فهو في الحقيقة ما أظهرها بل جحدها. ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ تقدم لنا ولا بأس من إعادته أن الكلام إذا صُدِّرَ بالنداء فهو دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب التفات المخاطب إلى مناديه، واضح ولّا لا؟ وسبق لنا أن الله تعالى إذا صَدَّرَ الحكم أو الخبر بوصف الإيمان؛ كان ذلك دليلا على أن التصديق به إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وعلى أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، إن كان خبرا مثل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ﴾ [المائدة ٩٤] هذا خبر، والحكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فالمهم أنه إذا صُدِّرَ الكلام بوصف الإيمان دلَّ ذلك على أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، وتصديقه إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته أو تكذيبه نقص في الإيمان، كذلك أيضًا تصدير الشيء بوصف الإيمان هو في الحقيقة من باب الإغراء، من باب إغراء المخاطب بالتزام الحكم أو تصديق الخبر، كأنه يقال لهم: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم، ولكونكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، أو لا تفعلوا كذا وكذا، أو سيكون كذا وكذا فصدِّقوه، مثلما تقول للإنسان: يا رجل، وأيش معنى (يا رجل)؟ يعني أن مقتضى رجولتك أن تتجنب هذا الشيء، أو أن تقوم بهذا الشيء، أو ما أشبه ذلك. يا مؤمن، هذا إغراء يعني: لإيمانك افعل كذا أو اترك كذا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ استعينوا بها؛ أي: اجعلوها عونًا لكم، ﴿بِالصَّبْرِ﴾؛ أي: اجعلوا الصبر عونا لكم، ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: قُتل فلان صبرا؛ أي: حبسًا. وفي الاصطلاح: هو حبس النفس، حبس النفس على ما ينبغي أن تكون عليه، أو عمَّا ينبغي ألَّا تكون عليه، فهو ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة؛ الصبر على طاعة الله يحتاج إلى مكابدة من وجهين: من وجه التعب النفسي والتعب البدني، الصبر على الطاعة يكابده الإنسان من وجهين أيش؟ * الطلبة: التعب النفسي والبدني. * الشيخ: التعب النفسي والبدني، النفسي: أنك تجده يجاهد نفسه على فعل الطاعة، والبدني: يتعب يتوضأ في أيام السَّبَرَات، ويخرج إلى المساجد في الظلمات، ويركب المشقات للوصول إلى بيت الله وهكذا. الصبر عن المعصية، وأيش يتضمن؟ التعب النفسي فقط؛ لأنه كَفٌّ، ما عليك تعب، اترك هذا الشيء فقط، ففيه التعب نفسي، البدن ما تَحَرَّكَ ولا شيء، بس طلب منه أن يكف، إذن فهو تعب نفسي، لاحظوا أنه قد يكابد الإنسان من التعب النفسي على ترك المحرم أكثر مما يكابده على تعب النفس في الشيء المأمور به؛ أي في الطاعة، خدوا بالكم يا جماعة يعني: قد يكون هناك داعٍ قوي لفعل هذه المعصية يكون مكابدة الإنسان التعب النفسي في تركه أمرًا شديدًا وشاقًّا، ويكون فعله للطاعة ولو كانت أفضل أهون عليه من الناحية النفسية. ثم القسم الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة، فيه معاناة، نفسية ولّا بدنية؟ * طالب: نفسية وبدنية. * الشيخ: الأقدار المؤلمة؟ الأقدار المؤلمة فيها؟ * الطالب: نفسي وبدني، ممكن صار له مرض، كسر. * الشيخ: أي ما أخالف لكن هذا ما هو من فعله، يعني كونه يتألم بالكسر أو ما أشبه ذلك ما هو من فعله، لكن غالبا فيه معاناة نفسية، تعب نفسي؛ لأن الإنسان قد يرى أن من التفريج عن نفسه أن يلطم خده ولّا يشق ثوبه ولّا ينتف شعره وما أشبه ذلك، قد يخفف عنه وإن كان هذا من الشيطان، لكنه يَصْبِرُ نفسه عن هذا الأمر فهذا تعب نفسي. أي الأنواع الثلاثة أفضل؟ الصبر على الطاعة، أو عن المعصية، أو على أقدار الله المؤلمة؟ الصبر على الطاعة أفضل وأقرب إلى الله؛ ولهذا تجدون من الطاعات ما هو من فرائض الإسلام، أركان الإسلام كلها أفعال طاعات، لكن منهيات غير الشرك ما تصل إلى هذا الشيء؛ فلهذا نقول: الصبر على الطاعة أفضلها، ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه اختياري وفعلي، أنت تقدر تفعل ولا تفعل، الصبر على الأقدار المؤلمة هو أدناها؛ وذلك لأن الإنسان كما قال بعض السلف: إما أن يصبر صبر الكرام أو أن يسلوا سُلُوَّ البهائم؛ يعني هو لو مثلا تضجَّر وعجز عن الصبر الآن حين المصيبة، آخر ما له؟ غصبا عليه بيصبر، يسلو ولا كأنها صارت، يوسف عليه الصلاة والسلام كان له عدة أنواع من الصبر؛ عنده الصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة. صبره على الأقدار المؤلمة ظاهر أو لا؟ على ما فعل به إخوته وما كادوا له، وصبره عن المعصية؟ ظاهر أيضًا حين دَعَته امرأة العزيز إلى نفسها ولكن الله سبحانه وتعالى أنقذه حين فزع إليه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف ٣٣] لمَّا لجأ إلى الله عز وجل بصدق ماذا كانت النتيجة والجواب؟ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف ٣٤] سبحان الله العظيم! خلك يا الإنسان دائما تلجأ إلى الله عز وجل، وأحيانا يكون مع الإنسان غفلة عن الله، ثم يصاب بالمصيبة ليلجأ إلى الله حتى يذكر؛ لأن الإنسان مع كثرة النعم وعدم المصائب ينسى ويستمر في هذه الأشياء في هذه النعم يمشي معها ويغفل، لكن إذا أصيب بنكبات حينئذ يرجع إلى الله عز وجل ويصبر، يوسف عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله فأجاب الله دعوته ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾. هل له صبر على الطاعة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش؟ * طالب: صبره على الدعوة إلى الله في السجن، جلس يدعو إلى الله عز وجل. وطلبه تزكية عرضه عليه الصلاة والسلام. أيضًا ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. * الشيخ: يعني عدة مسائل، وكذلك أيضًا قيامه بالملك وتنظيمه، نعم، كل هذه من الصبر على الطاعة، طيب ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ وأيضًا استعينوا بالصبر على مشاقِّ الأمور ومكابداتها، وما أحسن أن يكون الإنسان صابرا منتظرا للفرج؛ لأن النبي ﷺ يقول: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد في مسنده: (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]؛ لأنه إذا كان منتظرًا للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول وأن دوام الحال من المحال، فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا؛ هان عليه الصبر كثيرا، وهذا لا شك أنها من الخصال الحميدة التي جاء بها الإسلام، وهو أيضًا دليل على أن الأمور تسهل بشو؟ بالصبر، مهما بلغت بك الأمور اصبر فتهون؛ ولهذا جعل الله تعالى الصبر عونا فقال: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ كذلك بالصلاة، الصلاة أي الصلاة؟ وأيش الصلاة؟ الدعاء؟ لا، الصلاة الشرعية؛ ولهذا كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه «إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِع إلى الصلاة »؛ الصلاة من أكبر العون على الأمور، لماذا؟ لأن المصلي يقف بين يدي حبيبه سبحانه وتعالى، بين يدي الله، فينسى كل ما سواه، ولكن ترى هذه صلاة الأوابين، ما هي صلاة اللَّعَّابين، نعم، صلاة الأوابين لا صلاة اللعابين، نسأل الله أن يتوب علينا! إذا وقف بين يدي ربه نسي كل شيء، فأقبل عليه واطمئن به وصار له في قلبه نور، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةُ نُورٌ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]] هذا الفرح والسرور والانشراح يهوّن عليك الأمور ولّا لا؟ طبعا يهون، قطعا يهون عليك، قطعا ما هو طبعا، قطعا يهون عليك الأمور؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي (٣٩٣٩) من حديث أنس.]] يهوِّن عليك الأمور فتسهل عليك الصعاب، ثم إن في نفس الصلاة أيضًا أمكنة للدعاء تدعو الله تعالى أن يعينك على هذه الأمور، فتكون الصلاة نفسها عونا وما تتضمنه من الدعاء أيضًا عونا، فيستعين الإنسان بها على كل مهماته وملماته، فالصلاة أمرها عظيم لمن أتى بها على الوجه المشروع، لكن مع الأسف إننا أضعنا الصلاة، نسأل الله أن يتوب علينا! ندخل فيها ونخرج منها، ونحن على ما دخلنا بل إنها بعضُ الناس لا تزيده من الله إلا بُعدًا، نسأل الله السلامة! إذن الاستعانة بالصلاة أمرٌ أمرَ الله به، افرض مثلا أنك كنت في ضائقة من أهلك ضاقت عليك الدنيا، المرأة تبغي، والولد يبغي، وما أشبه ذلك، فتوضأت واتجهت إلى الله وكنتَ تخاطبه بكلامه وتدعوه بحاجاتك، تنسى، فتخرج وكأن الدنيا كلها أمامك واسعة، ونور يتلألأ فتسهل عليك الأمور وتهون عليك، والذي أمرنا بذلك ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ هو عالم بذلك سبحانه وتعالى، عالم به وهو رحيم بنا، لولا أن هذا الدواء ناجح وناجع ما أمر الله به، ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. * طالب: الحديث هو قد ضعف؟ * الشيخ: أيهم؟ * طالب: أن «النبي ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِعَ إلى الصلاة »[[أخرجه أبو داود في سننه (١٣١٩)، وابن جرير في تفسيره (١ / ٦١٨) من حديث حذيقة، واللفظ له.]] لكن تشهد له الآية (...). * الشيخ: إي نعم، الآية تشهد به وأشوف ما يستدلون به شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير كلهم يستدلون به. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه بشرى عظيمة لمن صبر، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يقل مع المصلين، لماذا؟ * طالب: لأن الصلاة من الصبر. * الشيخ: لأن الصلاة طاعة، وقلنا: إن من أقسام الصبر: الصبر على طاعة الله، هذا وجه، الوجه الثاني: أن الصبر أشق بالاستعانة به من الصلاة؛ لأن الصبر مر يا جماعة، الصبر مر. الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ نعم، فهو مُرٌّ يكابده الإنسان ويعاني، ويحصل له انفعالات ويتغير دمه ووجهه ويصابر ويكابد، حتى إنه يكاد مَن يراه يقول: هذا مريض؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ نعم، وجواب ثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى، بدليل أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن الإنسان المصلي يناجي ربَّه، وأن اللهَ قِبَلَ وجهِهِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث ابن عمر.]] وهو على عرشه سبحانه وتعالى، فعلى هذا يكون الجواب من ثلاثة أوجه؛ إذا قال قائل: لماذا لم يقُل في الآية: إن الله مع الصابرين والمصلين؟ فالجواب، عد لنا الوجه الأول؟ * طالب: أن الصلاة من الصبر. * الشيخ: نعم، من الصبر فتكون داخلة فيه، والوجه الثاني؟ * طالب: الصبر أعم. * الشيخ: هذا الذي قاله، سبحان الله! * طالب: إن الصبر أشد من الصلاة. * الشيخ: إي نعم، إن مكابدة الصبر أشق؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين لينشطوا على هذا الأمر، الوجه الثالث؟ * طالب: إن الله إذا كان مع الصابرين فهو من باب أولى مع المصلين. * الشيخ: فهو مع المصلين من باب أولى كما جاءت به السنة، خذوا بالكم يا جماعة، أنا في ظني أن هذه الأوجه الثلاثة يمكن أنا أدورها بعد أيام ما ألقيها، يمكن أنا أدورها ما ألقيها؛ لأن أحيانا الإنسان مع الشرح يمكن يجيب الله له أشياء ما كان تخطر على باله، ويتطلبها في يوم من الأيام ويلاقيها رايحة، فأنتم احرصوا على هذه المسائل، طيب عندنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه المعيّة خاصة ولّا عامة؟ * طالب: خاصة. * الشيخ: هذه خاصة؛ لأن كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، إن ﴿اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤] أضيفت إلى التقوى وهو سبب، ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وما أشبه ذلك، أما المعية المطلقة التي يقصد بها إحاطة الله عز وجل بخلقه علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، فهذه تسمى معية عامة؛ لأنها ما قُيدت بأحد، بل هي عامة، ولها أمثلة كثيرة في القرآن، منها ما هو عام لجميع الخلق، ومنها ما خُصص بقوم تهديدا لهم، مثال العامة لجميع الخلق: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة ٧] فقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ عام ولّا خاص؟ * طالب: خاص. * طالب آخر: لا، عام. * الشيخ: لا، عام عام، أيّ ثلاثة يتناجون؛ مؤمنين، كافرين، فُجّار، أبرار الّلي يكون، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] هذه عامة، وقد تكون خاصة لكنها لا تقتضي النصر والتأييد، وإنما تقتضي التهديد، فهي من قسم العام المقيد كما في قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] هنا لا شك أنها ليس المراد معهم بالنصر والتأييد، لماذا؟ لأنهم لا يستحقونه، لكن المراد تهديدهم بهذه الإحاطة، عندنا عامة مطلقة، وعامة مقيدة بقوم للتهديد، الخاصة أيضًا تنقسم إلى قسمين: مقيدة بوصف، ومقيدة بشخص، المقيدة بوصف مثل؟ ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤] إلى آخره، والمقيدة بشخص؛ كقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام حاكيا عنه أنه قال لأبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؛ ثم هذه المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى حالا في الأرض، فهي ليست معية حلول واختلاط؛ لأن ذلك أمر مستحيل على الله عز وجل، ولم يفهم أحد هذا الفهم إلا مَن اجتالَتْهُ الشياطين فأخرجته عن فطرته، وإلَّا مَن كان جاهلا باللغة العربية أيضًا، فلا أحد يتصور هذا التصور أو يقول هذا القول؛ أنها معية حلول وأن الله سبحانه وتعالى معنا في المكان إلا من جهل الله عز وجل ولم يقدره حقَّ قدره، وكذلك أيضًا جهل المعنى في اللغة العربية، أرجو تنتبهوا لهذا الأمر؛ لأنه أمر مهم، فالذين فهموا هذا الفهم هم الجهمية والمراد قدماؤهم؛ لأن متأخري الجهمية تركوا هذا المسلك وسلكوا مسلك التعطيل المحض؛ حيث قالوا: إن الله تعالى ليس داخلَ العالم ولا خارج العالم، ولا متصل ولا منفصل.. إلى آخر ما تقدَّم لنا في العقيدة، لكنّ متقدِّميهم كانوا يقولون بالحلول. ومن الغرائب أو من العجائبِ والعجائب جمَّةٌ أن هؤلاء القوم يقولون: إن الله معنا في الأرض -والعياذ بالله- وينكرون أن يكون في السماء، ينكرون أن يكون في السماء، فانقلبوا بعقولهم رأسا على عقب، ثم جاء قوم تكيّسوا فتكايسوا، فقالوا: إننا نقول: إن الله معنا في الأرض، وهو على عرشه في السماء؛ يريدون بزعمهم الجمع بين النصوص، ولكنهم في الحقيقة تكايسوا ونُكسوا على رؤوسهم؛ لأن هذا ليس جمعا بين النصوص، بل هذا في الحقيقة إبطال للنصوص، فكيف يكون الله عز وجل فوق عرشه بذاته وفي الأرض بذاته؟! هذا ممكن؟ غير ممكن أبدًا، إلا أن يكون -العياذ بالله- بتعدد الخالق. ولا يمكن أن يحل في الأرض، وهذا قول تبطله الأدلة السمعية والعقلية والفطرية، القرآن والسنة مملوءان بما هو نص أو ظاهر بأن الله تعالى في السماء، والعقل أيضًا يدل على أن الله تعالى في السماء، يدل على ذلك كما قدمنا من وجهين: الوجه الأول: أن العلو صفة كمال ولَّا صفة نقص؟ * الطلبة: صفة كمال. * الشيخ: صفة كمال، فإذا كان صفة كمال لزم أن يكون ثابتًا لله؛ لأن الله تعالى موصوف بالكمال المطلق، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧]. الوجه الثاني من الأدلة العقلية على علو الله أن يقال: العلو ما الذي يقابله؟ * الطلبة: السفل. * الشيخ: السفل، والسفل بلا ريب صفة نقص والله تعالى منزه عن النقص، فوجب ثبوت العلو له، أما الفطرة: فلا تسأل عنها، اذهب إلى عجوز قريبة من الحرم وقل لها: أين الله؟ ماذا تقول؟ * الطلبة: في السماء. * الشيخ: في السماء، ائتِ للصبيان في مدارسهم قل لهم: أين الله؟ يقولون: في السماء، اسأل أي إنسان خائف أو داعي: أين يرتفع قلبه؟ * الطلبة: إلى السماء. * الشيخ: إلى السماء، اسأل المسلمين جميعًا وهم يقولون في سجودهم: سبحان ربي الأعلى أين يجدون قلوبهم ترتفع؟ * الطلبة: إلى العلو. * الشيخ: إلى العلو، ما فيها إشكال، إذن فالفطرة دالة على ثبوت علو الله عز وجل. إجماع المسلمين ما عدا أهل التعطيل على أن الله في السماء، هذا أمر واضح، على هذا يكون من زعم أن معية الله للخلق معية حلول واختلاط فإن قوله يبطل بهذه الأدلة، كل دليل يدل على العلو فإنه يدل على بطلان القول بمعية الحلول والاختلاط واضح؟ فعلى هذا تكون معية الله تعالى لخلقه معية تليق بجلاله وهو سبحانه وتعالى فوق عرشه؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في آية واحدة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤]. وكل شيئين جمع الله بينهما فإنهما لا يمكن أن يتناقضا. قلنا: إن الذي يقول بمعية الحلول والاختلاط مخالف للأدلة الشرعية المثبتة لعلو الله، كذلك أيضًا هو لا يعرف اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية هل تقتضي حقيقة المعية فيها أن يكون الشيء مخالطًا للشيء، أو حالًّا معه في مكان مجتمعًا معه في مكانه؟ لا، ليس كذلك، الإنسان مثلًا يقول: زوجتي معي وهي في البيت وهو في المسجد أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وهذا حقيقة، هذه معية حقيقية مع أنها في مكان وهو في مكان، كذلك أيضًا الضابط أو القائد يقول للجنود: اذهبوا إلى المعركة فأنا معكم، حقيقة ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هو حقيقة، تطلق هذه الكلمة حقيقة مع تباين المكانين ولَّا لا؟ الصبيان الآن يتداركون ويتزاعلون، يجي واحد ولد الجيران يقول: تعال، أنت معي ولا معه؟ أنت معي ولا معه صح ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: حقيقة مع أن كل واحد بيذهب إلى بيته، فالمعية في اللغة العربية لا تقتضي حقيقتها، قصدي لا تستلزم وهو لا تقتضي، لا تستلزم حقيقتها الحلول والاختلاط بين الشيئين. وأقول: لا تستلزم، ولا أقول لا تقتضي؛ لأنها قد تقتضي ذلك، كما لو قيل مثلًا: الماء قدم لي لبنا مع ماء؛ أي مخلوطًا به، وكما يقال: الروح مع البدن؛ أي مختلطة به، وهذا نعم قد تقتضيه، لكنها لا توجبه اللغة العربية، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية : وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة العربية، قال: لا توجبه، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان. فالمهم يا جماعة لا تظنوا أن القرآن يناقض بعضه بعضًا. * الطلبة: حاشاه. * الشيخ: وأنه إذا ثبت أن الله معنا فإنه ينافي أن يكون الله في السماء، فإن هذا غير ممكن، بل نقول: إن القرآن يصدق بعضه بعضًا، ويثبت بعضه بعضًا، ولكن من الناس- من نسأل الله لنا ولكم السلامة- من في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه لأجل فتنة الناس؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وتعطيله عما أراد الله. * طالب: شيخ، من قال منهم أن المعية تخصيص ما في التعميم أول شيء؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا خصصنا قلنا: المعية العامة معية حقيقية على معية الله عز وجل، وقلنا: المعية خاصة، هناك معية خاصة هل يناقض التخصيص التعميم؟ * الشيخ: لا ما يناقضه، يعني المعية الخاصة يجب أن تؤمن بأنها مجتمعة مع المعية العامة؛ بمعنى إذا قيل ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨] فليس معناها أنها معية خاصة مجردة عن المعية العاملة فإنه سبحانه وتعالى مع هؤلاء أيضًا بالعلم والإحاطة والمعنى العام. * طالب: يا شيخ، ومن قال منهم تأول المسألة هذه يعني قال إنه في كل مكان مع أنه على عرشه وقال: إذا كان ينزل إلى سماء الدنيا وهو على عرشه سجانه وتعالى فقد يخلو توقيفه في هذا ما يقال يخلو منه العرش ولا يخلو، لكن إذا كان ينزل إلى السماء الدنيا، فلا يمانع أن الله ليس كمثله شيء؟ * الشيخ: لا، لا، هذا ما يمكن، هذا ما يمكن، لا ما يمكن، حتى النزول إلى السماء الدنيا ما يجوز أن نقول: إن السماء الثانية تكون فوقها ما يجوز نقول هكذا. * طالب: نقول على قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]. * الشيخ: لا لا، ما يكفي؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام: لا يجوز أن نعتمد في إثبات الصفات على نفي المشابهة والمماثلة؛ لأن المعاني اللي هي في نفسها مناقضة لكمال الله ما تُثبت، ولو قلنا على وجه لا يشبه صفات المخلوقين، فهذه مسألة ينبغي التنبه لها؛ يعني ليس كل شيء نثبته لله ونقول: ليس على ما يشبه صفات المخلوقين، إذا كان نقصًا فهو منفي عن الله عز وجل مطلقًا. لو قال قائل مثلًا: أنا بأثبت أن الله سبحانه وتعالى يتعب لا كتعب المخلوقين مثلًا أيش نقول؟ * الطلبة: هذا خطأ. * الشيخ: نقول: هذا خطأ، فكل صفات النقص ما يجوز إثباتها لله مطلقًا، ثم صفات الكمال التي أثبتها الله لنفسه هي التي نقول فيها: على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأنه ما يكفي في نفي النقائص عن الله أن نثبت له النقص ثم نقول: لا تشبه هذا ممنوع، ومسألة خلو العرش منه إذا نزل إلى سماء الدنيا أو عدم خلوه يقول شيخ الإسلام: إن الأرجح عدم الخلو العرش منه؛ لأن العلو ثابت صفة من الصفات الذاتية. وقال بعض العلماء: إن الذي ينبغي لنا أن نسكت؛ يعني المسألة فيها ثلاثة؛ أقوال: قول أنه يخلو العرش منه وينزل إلى السماء الدنيا وعلى أي كيفية ما ندري كيف ينزل، المهم أنه سبحانه وتعالى يقرب من عباده بهذا النزول. والقول الثاني: يقولون: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، والله على كل شيء قدير، ولا ندري كيفيته. والقول الثالث: التوقف، التوقف عن هذا، نُعرض عن هذا كله بألسنتنا وقلوبنا، ونقول: إن الله ينزل وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما أوردوا على النبي عليه الصلاة والسلام هذا السؤال: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ فما دام ما أوردوه فإنه ينبغي أن لا نورده نحن عن أنفسنا ولا عن غيرنا، وهذا قول فيه سلامة، ولكن شيخ الإسلام يقول: إن الأكثر على أنه لا يخلو منه العرش؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء. قال: ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦] ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة ١٥٤] (لا) ناهية، وتقولوا: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل. ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ أي فيمن يقتل؛ لأن المقتول ما يقال له شيء، قد قتل، لكن المعنى فيمن يقتل في سبيل الله. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٥١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بإرسال الرسول. أنا أعتبر اللي يأتي بس يحضر أعتبره مستمعًا وليس طالبًا، ولهذا ما يشعر بأنه جاء يتلقى تلقيًا كاملًا، فأن أحب أن الإنسان يحرص لما كنا في الطلب، الإنسان منا ما يأتي إلا بكتاب؛ إما نشتريه ولَّا نستعيره، المهم ما يأتي الواحد مثلًا بيديه فقط ونحن لسنا على مستوى اللي عليه الأولون؛ يحضر واحد ويُلقي قصيدة مئة بيت وينصرف والناس كلهم حفظوها، ما نحن على مستوى هذا حتى نقول: نكتفي بأن الواحد يأتي بيديه فقط، فأنا أرجو من الإنسان اللي بينتظم إن شاء الله إنه يحرص يدور الكتب التي نحن نقرؤها، يدورها ويحضرها. قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾. أقول: * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بإرسال الرسول ﷺ. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ لأن هذه الآية متعلقة بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٥٠]. فإن هذا من تمام النعمة. ومنها: أن كون الرسول منا فيه زيادة فائدة؛ لأنه أقرب إلى التصديق مما لو كان أجنبيًّا، ولهذا ما بعث الله نبيًّا إلا في قومه إلا رجلًا واحدًا فقط بعثه الله في قومه وفي غير قومه، وهو؟ * الطلبة: محمد عليه الصلاة والسلام. * الشيخ: لا، محمد على عموم الناس، كل الناس قومه. * طالب: شعيب. * الشيخ: شعيب، شعيب أرسل إلى قومه وإلى أصحاب الأيكة. * طالب: ما هم واحد يا شيخ؟ أصحاب الأيكة ما هم واحد؟ * الشيخ: لا، قبيلتين. * من فوائد الآية: أن النبي ﷺ لم يقصر في البلاغة، وأنه بلغ جميع ما أوحي إليه لقوله ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة ١٥١] فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها. ومنها: أن من فوائد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام حصول العلم؛ لأن هذه الآيات كلها علم لقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة ١٥١]. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشريعة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام كلها تزكية للأمة وتنمية لأخلاقها ودعوة للأخلاق الفاضلة، ولهذا كان من القواعد المقررة في الشريعة أنها تأتي بالمصالح الخالصة أو الراجحة، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ أو الراجحة. الشريعة تأتي بالمصالح الخالصة اللي ما فيها مفاسد إطلاقًا، أو الراجحة فيما إذا اشتمل الفعل على مصلحة ومفسدة لكن مصلحته أرجح، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ * الطلبة: أو الراجحة. * الشيخ: أو الراجحة، الخمر فيه مصالح ومفاسد، لكن مفاسده راجحة فلذلك حُرِّم، فلهذا حرم، الحجر على السفيه فيه مصالح وفيه مفاسد لكن مصالحه راجحة، فلذلك قُدم، قدمت المصالح، أو مصالح خالصة ما فيها مفاسد كعبادة الله مثلًا، هذه قاعدة الشريعة، ولهذا قال: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به لقوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن من وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ومهمته التي جاء بها أنه يعلمنا الكتاب والحكمة، الكتاب هو القرآن، والحكمة قيل: إنها السنة، وقيل: ما تتضمنه الشريعة من الأسرار والحكم. * ومن فوائد الآية: الرد على أهل التأويل وأهل التجهيل. وأيش معنى التجهيل؟ * الطالب: أهل التأويل اللي يؤولون. * الشيخ: إي نعم، اللي يؤولون آيات الصفات؛ لأننا نقول لهم: لو كان هذا التأويل من العلم لأيش؟ * الطلبة: لعلمنا إياه النبي. * الشيخ: لعلمنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى أهل التجهيل، الرد على أهل التجهيل، مَن هم أهل التجهيل؟ أهل التجهيل: طائفة يقولون: إن الرسول ﷺ وأصحابه والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات وأحاديثه، ما يدرون أيش معناها، حتى النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري أيش معناها، يسمون هؤلاء أهل التجهيل، يقولون مثلًا: النبي عليه الصلاة والسلام ما يدري وأيش معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]، لو تسأل النبي ﷺ وأيش معناه؟ قال: ما أدري، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة. ]] ولو سألته ما معنى ينزل لقال: لا أدري، هؤلاء يسمون أهل التجهيل. * الطالب: هم يزعمون هذا هو العلم؟ * الشيخ: إيه، يقولون: هذا هو العلم، أن تقول عما لا تعلم: لا أعلم. هذه الآية ترد على طائفتين جميعًا؛ لأنه قال: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام علم الأمة لفظ القرآن ومعناه، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] في القرآن؟ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وأيش بعد الآية؟ * الطلبة: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾. * الشيخ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرسول ﷺ كما بين لكم القرآن ولم يكتم منه حرفًا واحدًا فقد بيَّن معناه، ولهذا إذا استشكل الصحابة شيئًا من المعنى سألوه فعلمهم، ولكن الغالب أنهم ما يستشكلون؛ لأنه نزل بلغتهم وفي عصرهم، يعرفون معناه ومغزاه وأسبابه فلا يُشكل عليهم. إذن النبي عليه الصلاة والسلام* يستفاد من هذه الآية: أنه علمهم لفظ القرآن ومعنى القرآن. * ومن فوائد الآية: اشتمال الشريعة على الحكمة، من أين تؤخذ؟ * الطالب: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. * الشيخ: أي الكلمتين؟ * الطالب: الحكمة. * الشيخ: الحكمة، فالشريعة متضمنة للحكمة تضمنًا كاملًا، فما من شيء في مأموراتها ومنهياتها إلا وهو مشتمل على الحكمة، لكن يرد علينا سؤال: هل الحكمة معلومة لنا؟ * طالب: قد تكون معلومة. * الشيخ: قد تكون معلومة وهو الأكثر، وقد تكون مجهولة، لكن هنا حكمة لازمة لكل حكم، وهو طاعة الله ورسوله، فإن هذه حكمة، هذه أعظم الحكم وهي ثابتة فيما نعقل حكمته وفيما لا نعقلها، ولهذا لما قالت عمرة لعائشة رضي الله عنها: «مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له، من حديث عائشة.]] فبينت الحكمة من ذلك وهو طاعة الله ورسوله، وهذه حكمة لازمة في كل حكم سواء عُقل معناه أم لم يعقل، واضح؟ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الأصل في الإنسان الجهل لقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان الجهل، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨] ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [النحل ٧٨] فبين طرق العلم السمع ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ وبهما الإدراك، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ وبها الوعي والحفظ. وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إذا قال قائل: اضربوا لنا مثلًا وأيش نقول؟ * الطالب: الصلاة. * الشيخ: نعم، كل الشريعة مثال، هل نحن نعرف كيف نصلي؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إلا بتعليم الرسول ﷺ، ما يعرف الإنسان كيف يتوضأ، ما يعرف ما الواجب في أموالهم من الزكاة، ولا يعرف من تُصرف إليهم الزكاة، هذه أحكام شرعية ما نعرفها، وفيه أحكام قدرية ما نعرفها أيضًا، علّمنا إياها الرسول ﷺ، هل نحن نعلم أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ * طالب: ما علمنا إلا بعلم. * الشيخ: إلا بعلم الرسول عليه الصلاة والسلام، هل نعلم أنا خلقنا من آدم وآدم من تراب؟ ما نعلم إلا بما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن الواحد منا يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك إلى آخره؟ إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام. إذن فعلومنا الكونية والشرعية من أين هي متلقاة؟ من الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن أسباب نزول المطر أن الله يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا، ويأمره فينزل المطر إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ومن هنا نعرف أن العلم الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من علوم الكون النافعة سابق على علم أولئك الذين يفتخرون بعلومهم، فالعلوم النافعة الكونية والشرعية أصولها جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، صحيح أن بعض تفصيلاتها ما جاء بها؛ لأنكم تعلمون أنه قد تصدى له قوم في عهده يردون دعوته، فإذا جاء بما لا تدركه عقولهم من أمور الكون فقد يجعلون من ذلك ذريعة إلى التشهير به وتكذيبه كما فعلوا في قصة الإسراء والمعراج. والحاصل يا إخواننا أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، علمنا ما لم نكن نعلم من أمور الكون وأمور الشرع. ومن نعمة الله عز وجل أن أمور الكون جعلها الله سبحانه وتعالى، ذكر أصولها، لكن جعل تفاصيلها موكولة إلى التجارب، وأيش لأجله؟ لأجل يدركها الإنسان بعقله، ما ظنكم لو أن القرآن الكريم فصَّل جميع ما في العقاقير من مضادات حيوية وغير حيوية وما أشبه ذلك كم يصير القرآن من مجلد؟ * الطلبة: يصير مجلدات. * الشيخ: مجلدات عظيمة لا يستطاع حفظه، وتمل تلاوته، ويشق على الناس التزامه، لكن جعل هذه الأمور لها أصولًا ثم جعل فروعها، الأمور الكونية خاصة، الأمور الشرعية إلى الله ورسوله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] لكن الأمور الكونية وُكلت للإنسان، ذُكرت الأصول والتوجيهات العامة، ثم قيل للإنسان: اعمل، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]. فتحت لنا الأبواب وعلينا أن نعمل. والحاصل أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، وأنا لو أورد عليَّ إنسان وقال: طيب وأيش يدرينا الآن على علم الكيمياء هو موجود بالقرآن؟ نعم، نقول: الأصول موجودة، لكن التفاصيل موكولة إلى تجارب الناس؛ لأن هذا الحكمة تقتضيه. ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢]. * يستفاد من هذه الآية: وجوب ذكر الله، من أين نأخذها؟ * طالب: من الأمر. * الشيخ: من الأمر، نعم ووجوب ذكر الله، مطلق الذِّكر واجب، يجب على كل إنسان أن يذكر ربه، بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله يكون عليه تِرة خسارة وحسرة يوم القيامة، فأنت مأمور بذكر الله، لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام، وإلى واجب ومن واجباته، وإلى سنة من سننه بحسب ما تقتضيه الشريعة التفصيلية، إنما مطلق الذكر وأيش حكمه؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب ﴿فَاذْكُرُونِي﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن من ذكر الله ذكره الله، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب الأمر، جواب الأمر، ولهذا جُزمت، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، فهمتم؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله للعبد كذكر العبد لله، أي أنه إذا ذكر الإنسان ربه في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، من أين نأخذها؟ * الطلبة: من الحديث. * الشيخ: لا، ما هو من الحديث من الآية. * طالب: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. * الشيخ: وأيش وجهه أنه إن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منه، وإن ذكره في نفسه ذكره في نفسه؟ * الطالب: الحديث؟ * الشيخ: لا ما نبغي الحديث، نبغي من الآية؟ * الطالب: لأن ذكر الله للعبد أعظم من ذكر العبد لله. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ ولم يفصل. * طالب: شيخ؛ لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ وأذكركم جزاء، والجزاء موافق للعمل. * الشيخ: صح؛ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ وجزاء، والجزاء مرتب على العمل يكون من جنسه، فإذا كان الله عز وجل جعل العقوبة بقدر الذنب فالمثوبة أيضًا بقدر العمل، فوجه الدلالة؛ أنه جعل قوله: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جوابًا على قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، والجواب والجزاء يقتضي أن يكونا متساويين، بمعنى أن هذا على وصف هذا. * ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر، هذه الفائدة الثالثة أظن؟ فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد، وذكر الله للعبد هذا أمر يعني له شأن كبير، شأن عظيم ولَّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نضرب مثل: هذا إنسان قدم عليه رجل من السفر ولما سلم عليه قال: والله الملك يسأل عنك، وأيش يصير هذا الذي قيل له: الملك يسأل عنك؟ وأيش يصير؟ يفرح؟ * الطلبة: أكيد. * الشيخ: ما شاء الله (...) يفرح، أنا أنا يذكرني الملك؟! عاد ملك الملوك إذا ذكرك وأيش يكون المنزلة؟ أعظم وأعظم ما يخطر بالبال، ولهذا تكلمنا قبل يعني مرارًا أنه ليس الشأن بأن تذكر الله أو بأن تحب الله، ولكن الشأن أن يذكرك الله، اللهم اذكرنا فيمن عندك. الشأن أن يذكرك الله عز وجل، وأن يحبك الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] فجعل الجواب ما قال اتبعوني تصدقوا في دعواكم قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ يعني تناله أن الله يحبكم. * ومن فوائد الآية: وجوب الشكر لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وبالمقابل تحريم الكفر، كفر النعمة بأن تُصرف في غير وجهها، فيستعان بها على معصية الله، أو تُمتهن وتذل، ولا تستعمل فيما خلقت له، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل كان يسوق بقرة، نسيت هل هو راكبها أو غير راكبها، المهم أنها التفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنا لم نخلق لهذا[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة. ]]، فالنعمة إذا صرفت في غير ما خُلقت له فهو نوع من الكفر، خلق الله لنا الطعام لنأكله، فإذا ألقيناه في المزابل كأننا قلنا: ما نبغي فضل الله، في غنى عنه، نسأل الله العافية، فالنعمة إذن شكرها أن تصرف في طاعة المنعِم وفيما أنعم به، وفي الجهة التي أنعم الله بها علينا من أجلها. وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ يستفاد منه تحريم كفر النعمة لقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وعندي إشكال من الناحية الإعرابية لأننا ما تكلمنا وقت التفسير، وهي أنه كيف كسرت نون الأفعال الخمسة مع أن نون الأفعال الخمسة مفتوحة، ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ١١، ١٢] وهنا قال: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؟ * طالب: الياء محذوفة (...). * الشيخ: لا ما هي موجودة يا أخي. * طالب: الياء الياء. * طالب آخر: (...) أصلها (...) الوقاية. * الشيخ: أصلها أيش؟ * الطالب: لا تكفروني. * الشيخ: طيب هذه ﴿تكفرونِ﴾. * طالب: حذفت الياء في تكفرون. * طالب: نون وقاية وليست نون الرفع. * الشيخ: إيه، بس ما ترون؟ * طالب: هذه نون الوقاية (...). * الشيخ: إي، هذه نون الوقاية، النون هذه للوقاية وليست نون الفعل؛ يعني نون الرفع، وأصلها لو لم تكن مجزومة، هي جُزمت وحذفت النون للجزم، لو لم تُجزم لكانت تكفرونني، نعم ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: تكفرونني لما جُزمت حذفت النون فصارت تكفروني، وأين الياء؟ * الطالب: حُذفت لتوالي. * طالب: حذفت للترخيم. * الشيخ: حذفت لا للترخيم بل للتخفيف، حذفت للتخفيف، الترخيم في الندا فقط. إذن الفعل هنا مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون الموجودة للوقاية، والياء ياء المتكلم محذوفة للتخفيف. * من فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لِي﴾ ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يعني مخلصين لله عز وجل؛ لأن الشكر طاعة، والطاعة لا بد فيها من الإخلاص ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. * طالب: في الآية تقرر أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه؟ * الشيخ: إي نعم، فيها أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه إي نعم. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ في هذا دليل على فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان، من أين يؤخذ؟ من قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا شك أن الإيمان من أفضل أوصاف الإنسان، وكذلك عبودية الله عز وجل- ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين- من أشرف أوصاف الإنسان، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته يقول: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَاعَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي يقول: لا تقولي: يا محمد، يا علي، يا خالد، تقولي: يا عبد فلانة؛ فإنه أشرف أسمائي. ولهذا وصف الله نبيه محمد ﷺ بالعبودية في أشرف المقامات عند الرسالة، وعند التحدي، وعند النصرة؛ المهم المقامات الشريفة. * ومن فوائد الآية: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة لقوله ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة ١٥٣]. * ومن فوائد الآية: بيان آثار الصلاة الحميدة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين على الأمور. * ومن فوائد الآية: جواز الاستعانة بغير الله فيما يكون عونًا فيه لقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فاستعانة العبادة لله عز وجل والاستعانة بما يكون سببًا للعون، سببًا صحيحًا للعون هي جائزة أيضًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة. ]]. * ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان لقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ فإن توجيه الخطاب للمؤمنين يدل على أن هذا من مقتضى الإيمان، مثل أن تقول: يا رجل انتبه؛ المعنى أن من صفات الرجولة، أو من مقتضيات الرجولة الانتباه، وتقول: يا كريم، أعطِ المسكين، ومن مقتضى الكرم إعطاء المساكين، فمن مقتضى الإيمان أن الإنسان إذا حصل عليه ضيق أن يستعين بالصلاة. * ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر أوْ لا؟ لأنه يعين على الأمور، والصبر ثقيل على النفس ثقيل جدًّا؛ لأنه مثلًا تجد الإنسان إذا أصابه شيء أو ضيق وده بس يتحرك، لكن عندما يطمئن نفسه يصبرها يصبر والعاقبة للمتقين، ولهذا قال تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] ما قال فاشكر مع إن هذا علم، تلاه الله عليه لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ لأيش قال فاصبر وهو علم يستحق الشكر؟ هذا إشارة إلى إن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازعه ويضاده، ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣] بعدها ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان ٢٣] فستجد معارضة وممانعة عظيمة، ولكن لا تطع آثمًا ولا كفورًا، واضح يا جماعة؟ إذن الصبر شاق على النفوس لكن يجب على الإنسان يصبر لو قالت له نفسه الأمارة بالسوء والعجلة: افعل تخلص، لا اصبر، ولهذا من لم يفق للصبر فاته خير كثير، والذي يصبر أيضًا غالبًا ينتظر الفرج، الغالب أن اللي يصبر ولا سيما بإخلاص وحسن نية فإنه ينتظر الفرج، وانتظار الفرج عبادة وباب للفرج لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]، مثلًا رجل أُصيب بحادث في ماله، تعب تعبًا عظيمًا نفسيًّا، لكنه صبر ينتظر الفرج، وما أسرع الفرج! إنسان مثلًا آذاه شخص آذاه؛ إما بماله، أو بعرضه، أو بأهله، المهم أنه آذاه فتجده يصبر ويتحمل وينتظر الفرج فيحصل له، واضح؟ فإذن الصبر من أكبر الأسباب على العون على الأمور الشاقة ولهذا يقولون: إن الصبر مفتاح الفرج، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جعله مفتاح الفرج، جعل الكرب مفتاح الفرج، ولكن جعل الصبر مفتاح النصر، وهو أعظم من الفرج؛ لأن الفرج زوال مكروه فقط، لكن النصر حصول مطلوب؛ وهو أعلى لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ» أعظم من قول بعضهم: الصبر مفتاح الفرج. إذن الصبر واجب ولَّا لا؟ نقول: الاستعانة به على الأمور أرشد الله إليها. وهو واجب في دفع المصائب، يجب أن تصبر على المصائب، وقد سبق لنا أن مقام الإنسان عند المصائب له مقامات كم؟ كم مقامات الإنسان عند المصائب؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: أو أربع؟ أربع ابدؤوا باللي تعرفونه الأول؟ * طالب: الصبر على طاعة الله. * الشيخ: لا لا، هذه مواضع الصبر، لكن مقامات الإنسان عند المصائب عند المصيبة خاصة له مقامات أربعة: جزَع، وصبر، ورضا، وشكر، هذه مقامات الإنسان عند المصائب، كل إنسان يُصاب بمصيبة لا بد أن يحصله أحد المقامات الأربعة؛ إما جزع وتسخط، وإما صبر، وهو واجب، وإما رضا؛ وهو على القول الراجح مستحب وليس بواجب، وإما شكر وهو أعلى من الرضا وهو مستحب وليس بواجب بالاتفاق، فالجزع حرام، والصبر واجب بالاتفاق، والرضا واجب على قول ومستحب على القول الراجح، والشكر مستحب بالاتفاق فيما أعلم (...). ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] أيش المراد بالمعية هنا؟ * الطلبة: الطمأنة. * الشيخ: التهديد؛ يعنى معناه أنها مقتضية للتهديد؛ فهو شيء فوق الإحاطة؛ التهديد شيء فوق الإحاطة كما أن التأييد والنصر فوق الإحاطة؛ لأن الإحاطة ثابتة في الجميع. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] هذه معية الإحاطة والعلم والقدرة والسلطان وغير ذلك من معاني ربوبيته. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤]، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩] وما أشبهها؛ هذه معية خاصة، والمعية الخاصة أيضًا قسمان: معية مضافة إلى شخص، ومعية مضافة إلى وصف؛ المعية المضافة إلى شخص كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، وقوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. وبإجماع السلف أن المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى في الأرض، بل هي معية تقتضي العلم والإحاطة أو النصر والتأييد أو التهديد كما سبق، لكن مع كون الله عز وجل في السماء على عرشه. وما زعم أحد أنها تقتضي أن يكون في الأرض إلا رجل جاهل بالله وجاهل باللغة العربية. أما جهله بالله فلأنه فهم من هذه الآية الكريمة ما يقتضي الكفر، ومحال أن يكون كلام الله عز وجل دالًّا على الكفر، وأيضًا إذا قال: إن الله في الأرض؛ لأن الذين قالوا: إن الله في الأرض، وفهموا منه هذا الفهم انقسموا إلى قسمين: الجهمية قالوا: إنه في الأرض وليس في السماء، أنكروا علوه، وهذا من الدليل على ارتكاسهم والعياذ بالله؛ حيث أقروا بما ينكره العقل، وأنكروا ما يقتضيه العقل، اقتضاء العقل لكون الله تعالى في الأرض أو كونه في السماء؟ أيهما أقوى؟ * الطلبة: في السماء. * الشيخ: كونه في السماء، وهم إذا قالوا: نأخذ بظاهر الآيتين، نقول: ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] ليس كما زعمتم أنه في الأرض، فإنها أضيفت المعية إلى من؟ إلى الله فتقتضي أن تكون معية خاصة به تليق به. ثانيًا: جهلهم باللغة العربية: هل اللغة العربية تقتضي أن المعية معناها المجامعة والمشاركة في المكان؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قصدي هي ما تستلزم ذلك، هي قد تقتضي، لكن لا تستلزم ذلك، ولهذا نقول: مثلًا هذا الرجل معه زوجته وهو في مكتبه وهي في بيتها، ويصح، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه في غزة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ». قَالُوا: وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٣) من حديث أنس.]]. فهذا دليل على أن المعية في اللغة العربية لا تقتضي المجامعة والمشاركة في المكان، قصدي لا تستلزم ذلك فلما لم تستلزمه، وعُلم أن هذا المعنى باطل بالنسبة إلى الله تعين أن يكون معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه محيط بنا وهو في السماء على العرش، ولا عاقل يفهم حتى العجوز في خدر بيتها ما تفهم هذا الفهم الذي فهمه هؤلاء الجهمية. وتحذلقت طائفة من الحلولية وقالوا: نحن نأخذ بظاهر القرآن في الموضوعين ونقول: إن الله معنا في الأرض وهو على عرشه في السماء، وهل هذا ممكن؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، غير ممكن؛ لأننا لو قلنا: إن ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ في الأرض أن يكون معنا في الأرض لكان إما متعددًا وإما متجزئًا، وكلاهما باطل، فتعين أن يكون إما في الأرض، وإما في السماء فالتزمت الجهمية الضالة أن يكون في الأرض دون السماء، ولكن أهل السنة والجماعة التزموا ما دل عليه السمع والعقل والفطرة بأن الله تعالى في السماء، وأن معنى المعية التي أضافها إلى نفسه معنى يختص به ولا يقتضي المجامعة في المكان بأي حال من الأحوال. وأنه درجة ينبغي للإنسان ملازمتها لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] فإن الإنسان إذا علم أن الله معه لا شك أنه سوف ينشط على هذا المقام ويحرص عليه، ليس كما إذا لم يعلم بذلك، إذا علمت أن الله معك لا شك أنك سوف تبقى على هذه المرتبة وتحرص عليها، وكون الإنسان يكون الله تعالى معه مسددًا له ومؤيدًا له ومصبرًا له لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ الآن الصبيان بعضهم مع بعض إذا واحد غاضَب الثاني ثم رأوا ثالثًا يقول الواحد منهما: أنت معي ولا معه؟ إذا قال: أنا معك؛ يفرح. ولهذا لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى قوم يتناضلون قال: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ» وأيش سوَّى مع الجماعة الآخرين قالوا: يا رسول الله، إذا كنت معهم خلاص ما نناضلهم. فقال: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع.]] عليه الصلاة والسلام، فإذا علم الإنسان الصابر أن الله معه يسدده ويؤيده ويصبِّره علم أنه سيفتح له باب النصر وأنه سوف يزيل عنه هذا الأمر الذي اقتضى أن يتحمل الصبر وقد قيل: الصبر مثل اسمه. * الطالب: مُرّ مذاقته. * الشيخ: مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل. فاصبر وستجد. الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ مثل اسمه وأيش هو اسمه؟ * الطلبة: صبر. * الشيخ: لا، اسم الصبر، الصبر الطبيعي فيه شيء يُسمى صبر (...).

البقرة 2:153

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٥٠]. هذه الجملة تقدم الكلامُ عليها، وكُررت للتوكيد وتوطئةً لما بعدها؛ لأن الفائدة هنا التوكيد والتوطئة لما بعدها، وهو قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ﴾، وقلنا قبل قليل: إن التكرار في مثل هذه الأمور الهامة يراد منه ثلاثة أمور: الإثبات، والتثبيت، والمدافعة؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾. * طالب: من قال يا شيخ: تنزل على الأحوال؟ * الشيخ: لا ما هو بظاهر؛ لأنها عامة، كل واحدة منها عامة، ولذلك لو جاءت واحدة منها بدون الأُخريين لكان الحكم واحدا. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ اللام هنا للتعليل، اقترنت بها (أنْ) المصدرية، و(لا) النافية و﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ(أن) المصدرية، ولا يضر الحيلولةُ بين الناصب والمنصوب بـ(لا) النافية. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ وأيش إعرابه؟ اسم (يكون) إن كانت ناقصة، أو فاعلٌ إن كانت تامة. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ ﴿لِلنَّاسِ﴾ مَن المراد بالناس؟ الآية مجملة فتشمل كلَّ من احتج على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد احتج على المسلمين في هذه المسألة اليهود والمشركون، أما اليهود فقالوا: إن الرجل ترك الملة إلى ملة آبائه فهو رجل يتعبد بهواه وليس على هدى. هذه حجة اليهود، والعياذ بالله! بالأمس الأدنى كان يتَّجه إلى بيت المقدس، والآن أخذته العصبية فاتجه إلى الكعبة، وهذا لا شك أنه ظلم، ظلم من اليهود ولّا هم يعرفون في كتبهم كما ذكر بعض أهل العلم أن محمدا ﷺ سيتجه إلى الكعبة فيكون من صفاته؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الحجة أيضًا لليهود، الحجة لليهود يعني ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، إن هذا التعليل تعليلٌ للبقاء لا للانتقال؛ يعني لئلا يكون للناس عليكم حجة لو بقيتم على بيت المقدس، فما الحجة إذن؟ الحجة أن يقول اليهود: إن محمدا يتجه إلى الكعبة، وعلى هذا فتكون حجة اليهود من وجهين، من الوجهين السلبي والإيجابي، يعني أنكم إن بقيتم احتج عليكم اليهود بأن هذا ليس محمدا الذي أخبرَتْ به التوراة؛ لأن محمدا الذي أخبرت به التوراة يتجه إلى الكعبة. حجة أخرى أنهم يقولون: لو كان محمد رسولا ما صار بالأمس يتجه إلى بيت المقدس والآن يتجه إلى الكعبة، ولكنه رجلٌ يتبع هواه ويداهن، ففي الأول داهننا ثم بعد ذلك أخذته العصبية فاتجه إلى قبلة آبائه وأجداده، فصار حجةُ اليهود من وجهين، سواءٌ إن بقي فحجتُهم أنه لما لم يتجهوا إلى القبلة ما صار الرسولَ المنتظرَ، وإن تحول حجتهم أنه يتعبد بهواه، ما هو على هدى من الله -والعياذ بالله- إذن يكون التعليل هنا تعليلًا للتحول وللبقاء، ذكر بعض العلماء أن الناس يدخل فيها المشركون أيضًا، يدخل فيها المشركون، يحتجون على الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: هذا الرجل خالفنا في عقيدتنا، وخالفنا في قبلتنا حين هاجر إلى المدينة، ثم رجع إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا فيحتجون بهذا، أنتم تعرفون أهل الباطل يموّهون، يعني يقلبون -والعياذ بالله- ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢] يقلبون الحق باطلا؛ لأنهم يريدون غرضا والله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بمثل هؤلاء الذين يقلبون الحقائق ويجعلون من الحق باطلا، وإلا فكيف يمكن أن يكون حجة لهؤلاء وهؤلاء؟ ما في حجة، بل إن تحوله مع تخوفه العظيم عليه الصلاة والسلام مما وقع من الاعتراضات والمضايقات، وتعرفون المسألة احنا ما ندرك حقيقتها، حقيقة اللي حصل، كونه يتحول مع توقعه لهذه المعارضات؛ لأن الله قال له سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ﴾ إذن المسألة سيكون فيها أخذٌ وردٌّ ومضايقات، تحوله مع هذه التوقعات وأيش يدل عليه؟ يدل على صدقه، وفي الحقيقة ليس دليلا على ما يزعم هؤلاء، بل هو أكبر دليل على صدقه وأنه يتعبد بوحي من الله عز وجل، قيل له: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، وقيل: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، ما يريد هو أن يتبع هواه، بل يتبع ما جاءه من الوحي. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على المؤمنين عموما، للرسول عليه الصلاة والسلام ولأتباعه؛ لأن كل حجة يحتج بها على الرسول للتلبيس وإبطال الدعوة فهي في الحقيقة حجة على جميع أتباعه؛ لأن أتباعه إنما تَبِعوه لأنه على الحق، فإذا جاء من يلبِّس صار ذلك تلبيسا لطريقهم ومنهاجهم، فهو حجة على الجميع، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ هل هذه حجة حقيقية أو حجة باطلة؟ حجة باطلة، ولا يلزم من الاحتجاج قبوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ١٦] باطلة، فالاحتجاجات ليست كلُّها مقبولة، إن كانت بحق فهي مقبولة وحجة، وإلا فهي باطلة ولو أقيمت أو ولو صيغت صيغة الدليل والبرهان، حتى لو صاغها من يحتج بها صيغة الدليل والبرهان فإنها تعتبر باطلة، أرأيتم احتجاج الفلاسفة؟ على طريقتهم، احتجاج المعتزلة على طريقتهم، احتجاج الجهمية على طريقتهم، احتجاج القدرية على طريقتهم وهكذا، هذه الحجج هم يأتون بحجج عظيمة لكنها كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ نعم، ما تقوم لهم حجة، حججهم كلها تعتبر شُبَهًا باطلة، هؤلاء الذين يريدون أن يحتجوا على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى مكة أو إلى المسجد الحرام، هل هذه الحجة صحيحة؟ كلا، بل هي من أبطل الحجج، ولكن مع ذلك لا مانع أن الإنسان يتسلح، ولو للحجج الباطلة؛ ولهذا قال الله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والمراد بالذين ظلموا المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوُونَ للحق مهما تبيّن، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ اختُلف في إلا هنا، هل هي متصلة أو منقطعة؟ بمعنى: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمنهم من قال: إنه متصل، ومنهم من قال: إنه منقطع، فالذين قالوا: إنه منقطع قالوا: إلا بمعنى لكن؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم ومخاصمتهم، خذوا بالكم. ومن قال: إنه متصل قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا فيكون مستثنى من الناس؛ لأن الناس منهم ظالم ومنهم من ليس بظالم، والأقرب عندي -والله أعلم- أن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ هذا عام شامل، لكن من ظلم منهم من اليهود أو المشركين فإنه لن يرعَوِيَ لهذه الحكمة التي أبانها الله عز وجل؛ لئلا تنتفي حجة هؤلاء الظالمين. * طالب: شيخ، ما يرد بأنه من قال: الاستثناء متصل ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، هم احتجوا، لو قلنا: اتصال الاستثناء ما لهم حجة ما ذكر لهم حجة؟ * الشيخ: اللي يقرب لي من هذا السياق أنه منقطع. * الطالب: شيخ ما معناه على أن يكون متصل؟ * الشيخ: يقول: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إن الله تعالى بيَّن للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنه ما أحد يحتج عليهم إلا الظالمين، ولكن في الحقيقة هذا ضعيف المعنى، ضعيف جدا، فالذي يظهر لي أن الاستثناء منقطع. قال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الله أكبر، يعني مهما قالوا من الكلام ومهما قالوا من زخارف القول ومهما ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم، لا تخشوهم، فالخشية والخوف متقاربان إلا أن أهل العلم يقولون: إن الفرق أن الخشية لا تكون إلا مع العلم؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] بخلاف الخوف، فقد يخاف الإنسان من الْمَخُوف وهو لا يعلم عن حاله، أما الخشية فلا يكون إلا مع العلم. والفرق الثاني: يقولون: إن الخشية تكون لعِظَم المخشيِّ، والخوف لضعف الخائف وإن كان الْمَخُوفُ ليس بعظيم، فتقول مثلا: الصبي يخاف من المراهق، نعم، لأيش؟ لضعفه، هكذا فُرِّق، وعلى كل حال إن صح هذا الفرق فهو ظاهر، لكن الفرق الأول واضح وهو أن الخشية إنما تكون مع العلم. * طالب: (...) فرق إن الخشية أشد من الخوف من حيث وضعُها؟ * الشيخ: لا، ما هو بظاهر ولّا بعضهم قال: إنها أشد؛ لأن هذه المادة، الخاء والشين، تدل على القوة ومنه الشيخ الكبير، لكن فيها نظر. وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ تخشوا مَن؟ الذين ظلموا، مهما كان ظلمهم لا تخشاهم ما دمتَ على حق لا تخاف من أحد، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ أتى بعد النهي بالأمر؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، أَزِلِ الموانعَ أولًا ثم أثبت، فأولًا فرِّغ قلبك من كل خشية لغير الله، ثم مكن لخشية الله من قلبك، فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلا، فإذا كان المحل قابلا، حينئذ يكون الوارد عليه واردا على شيء لا ممانعة فيه ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ والأمر هنا، كما سيأتينا إن شاء الله في الفوائد، الأمر ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ لأي شيء؟ للوجوب، الوجوب بلا شك، الواجب على المرء أن يخشى الله وحده، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؛ إتمامُ الشيء بلوغ غايته، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، لئلا يكون للناس ولأُتم، ﴿أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ والإتمام بلوغ الشيء غايته، والغالب أنه يكون في الكمال، وقوله: ﴿نِعْمَتِي﴾ النعمة ما هي؟ هي ما يَنْعَمُ به الإنسان، ويقال: نِعمة، ويقال: نَعمة، لكن الغالب في النعمة أن تكون في الخير، والنَّعمة التنعُّم من غير شكر كما قال تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٧]، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ هذه نزلت متى؟ متى نزلت ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؟ * طالب: بعد سورة البقرة، في أول الهجرة. * الشيخ: في أول الهجرة عند تحويل القبلة؛ يعني في السنة الثانية، ولا يعارضها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، نعم لا تعارضها؛ لأن المراد في آية المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] الإتمامُ العام في كل الشريعة، وأما هنا ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ في هذه الشريعة الخاصة وهي استقبال الكعبة بدلا عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن «الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُقلِّب وجهَه في السماء ينتظرُ متى يُؤمر بالتوجّه إلى الكعبة »[[أخرجه البخاري (٣٩٩) من حديث البراء.]]، فهذه لا شك أنها من نعمة الله عز وجل أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي كما قال بعض أهل العلم: هو قبلة جميع الأنبياء كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، أن الكعبة قبلة جميع الأنبياء، وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق هذا مما غيروه في دينهم. وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أضاف الله تعالى النعمة إليه؛ لأنه صاحبها هو الذي يُسديها ويوليها على عباده، ولولا هذه النعمة العظيمة ما بقي الناس طرفة عين، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] في النعمة قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وفي الغضب ما قال: صراط الذين غضبتَ عليهم بل قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعم، وهي نظير قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ثم إن المغضوب عليهم.. الغضب على هؤلاء ليس من الله فقط، بل من الله سبحانه وتعالى ومن أوليائه من الرسل وأتباعهم. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ (لعل) هنا أيش معناها؟ * طالب: للتعليل.. * الشيخ: للتعليل؛ يعني ولأجل أن تهتدوا، والهداية كما مر علينا نوعان: هداية علمية، وهداية عملية، ويقال: هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فالهداية العلمية معناها: أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، والعملية: أن يوفق للعمل بهذا العلم. الأولى وسيلة والثانية غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل، بل إن العلم بدون عمل يكون وبالا على من رُزقه. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ هذه هي العلة الثالثة من هذه العلل، العلة الأولى ما هي؟ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، والعلة الثانية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، والثالثة: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ وهنا الهداية شاملة للهداية العلمية والعملية يعني: علما وعملا، ووجه كونها شاملة: أنهم ما علموا أن مرضاتَ الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علَّمهم الله، ثم إن الله وفَّقهم للاهتداء إليها، هل مانعوا؟ أبدًا، بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلُّون صلاة الفجر، وكان الإمام إلى الشمال والمأمومون إلى الجنوب فأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت إلى الكعبة، فماذا صنعوا؟ توجَّهوا في صلاتهم إلى الكعبة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦ / ١٣) من حديث ابن عمر.]]، فصار الإمام نحو الجنوب والمأمومون نحو الشمال وكلهم وجوههم إلى الكعبة، هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمر الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات والمضايقات، وأيش يدل عليه؟ على قوة إيمانه، وثقته بربه سبحانه وتعالى، وهكذا يجب على كل مؤمن إذا جاء أمرُ الله أن يمتثل الأمرَ، والله سبحانه وتعالى سيجعل له من أمره يسرا؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور، لا يقول: والله هذا أخشى من المضايقات، أخشى أن الناس يعيرونني، أخشى أن الناس يستهزئون بي، هذا لا يضر، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨]. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ [البقرة ١٥٠، ١٥١] هذه أيضًا مِنَّةٌ رابعة وُجهت إلى المؤمنين ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾؛ يعني: هذا داخل في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾، كما أنكم أيضًا، كما أنكم قد أُرسل فيكم هذا الرسول النبي عليه الصلاة والسلام.. إلى آخره؛ يعني: معناه أن نعمة الله علينا التوجُّه إلى الكعبة بدلا عن بيت المقدس أنها عظيمة، كما أن نعمته علينا بالرسول ﷺ عظيمة، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ والإرسال بمعنى البعث، والبعث بمعنى الإرسال أيضًا، يعني أنه مرسل من الله؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق للعبادة وكيف يُعبد؟ * طالب: يعبد بما شرع. * الشيخ: نعم بما شرع، وكيف نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به وهذا مما لا يرضاه؟ لا يمكن ذلك إلا بواسطة الرسل، لو أن الإنسان وُكِلَ إلى عقله بالعبادة ما عرَف يعبد الله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولو وكل إلي عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله، لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب ويمشي، ولو أن الإنسان وكل إلى عقله بالعبادة ما كانت أمتنا أمةً واحدة، فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؟ ومثلٌ بسيط: لو قيل لك: تطهر للصلاة ولم يبيَّن لك هذا الطهور، كيف تتطهر؟ يجي واحد يمكن يقول لك: التطهر لازم أني أتطهر من الإبهام إلى الإبهام، نعم، ويجي واحد يقول: ما أطهر إلا الكف والجبهة والأنف والركبتين وأطراف القدمين؛ لأنها اللي بيشمل السجود، ويجي آخر ويكون عنده شكل ثان، فلولا أن الله أبان لنا كيف نعبده، ما عرفنا كيف نعبده؟ وهذه من نعمة الله بإرسال هذا الرسول محمد ﷺ الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر: «لقد تُوفّي رسول الله ﷺ وما طائرٌ يُقلّب جناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَر لنا منه علمًا، حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول عليه الصلاة والسلام »[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١) من حديث أبي ذر.]]. وهذا عام في كل شيء، كل ما نحتاج إليه في أمور ديننا ودنيانا فقد علَّمنا إياه هذا الرسول؛ ولهذا قال: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ ما سبق، هل المراد منكم نسبا أو منكم جنسا؟ وقد سبق لنا أنه إذا قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨] فالمراد الجنس، وإذا قيل: منكم أو منهم فالمراد النسب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] وقد قال الله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤] والمؤمنون فيهم العرب وغير العرب. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ ما معنى يتلو؟ يقرأ، يقرأ عليكم آياتنا، فيأتي بها كما سمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٧- ١٩] ثلاث مراحل: جمع وقرآن بواسطة جبريل، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بيانه للناس كلهم بيانه معنًى ولّا لفظا؟ لفظا ومعنى؛ ولهذا القرآنُ -والحمد لله- مبيَّنٌ لفظُه ومعناه، ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباها نسبيًّا بحيث يشتبه على شخص دون آخر، أو في حال دون أخرى (...). أنه تقرير له (...)، ما تقولون؟ سؤال: هل قوله ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هل هو تقرير لما سبق أو هو زائد على ما سبق؟ * طالب: زائد. * الشيخ: إذا كان زائدًا على ما سبق، فأين ما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام خارجًا عن الكتاب والسنة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لكن رجحنا أنها عامة، فالظاهر لي أن القول بأنه من باب تقدير ما سبق ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أنه أولى؛ لأنه لو قال قائل: يعلِّمنا ما لم نكن نعلم من أمور الآخرة؛ قلنا: هو داخل في الكتاب والسنة ما يخرج عنها، مهما قدرت من التقديرات وجدته داخلا في الكتاب والسنة، لكنه ذكر للتقرير وبيان النعمة في أنه يعلمنا ما لم نكن نعلم، إذن الأصل في بني آدم الجهل أو العلم؟ الأصل الجهل؛ لأن العلم وارد، فكل ما عَلِمنا من العلم فإنه في الحقيقة وارد على الجهل، وهو مما يدل على نقص الإنسان حيث كان الأصل فيه الجهل، ولكنه يتعلم بتعليم الله. وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هذا ليس على عمومه فإنه يخص منه ما لا يمكن الاطلاع عليه من علم الغيب، فعلم الساعة مثلا، عُلِّمْنَا إياه؟ ما علمنا إياه مع أننا لا نعلمه؛ لأن هناك أشياء من أمور الغيب ما تعلم، حتى أقرب الأمور إلينا ما نعلمها، وهي الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فعلى هذا يكون ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما لم تكونوا تعلمون لكن مما تحتاجون إلي العلم به، أما ما لا يمكن العلم به؛ فإن هذا ما عَلِمناه ولا عَلَّمناه مثل أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله؛ كعلم الساعة ونزول المطر وعلم المستقبل، إلا ما أَطْلع الله عليه رسوله، وكذلك العلم بكيفية أسماء الله وصفاته، فإن هذا لا يمكن الإحاطة به، فكل ما يتعلق بصفات الله فعلمُه لا يمكن الإحاطة بكيفيته؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] مع رؤيتها له، مع رؤيتها لله لكنها لا تدركه، وهذا في الآخرة، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣] أخبرنا الله عن أفعال كثيرة من أفعاله؛ كاستوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، ومجيئه للفصل بين عباده، وغير ذلك من أفعاله، وهل نحن نعلم الكيفية؟ ما نعلمها، أخبرنا الله تعالى عن نفسه أنه يعجب؛ لقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بقراءة بضم التاء وهي قراءة سبعية ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، وكذلك أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الله أنه يضحك: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة.]] فهل يمكن لنا أن نتصور أو أن نبين هذه الكيفية؟ لا، لا يمكن أن نتصورها ولا أن نبين هذه الكيفية؛ لأن هذا مجهول، هذا مجهول لنا، ولا يمكننا الإحاطة به. ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أولًا: إعراب الآية: ﴿اذْكُرُونِي﴾: فعل أمر؟ فيها نون الوقاية وياء المفعول به وواو الفاعل، كم من كلمة صارت؟ أربع كلمات: فعل أمر، والواو فاعل، نون وقاية، ياء مفعول، هذا فعل أمر جوابُه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، لماذا سُكِّنَ الفعل؟ لأنه كان جوابا للأمر، وهو قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، فقوله تعالى: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ يعني: عمل وجزاء، العمل: ذكر الله عز وجل، والجزاء: ذكر الله لعبده، أيُّهما أعظم؟ معلوم الأخير، يعني كون الله يذكرُك أعظمُ من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١] تحبوا الله * الطلبة: لا. * الشيخ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا هو الغاية، الغاية والقصد أن الله يحبك، ما هو أن تحب الله؛ ولهذا لم يأتِ الجواب على الوجه المتوقع، الوجه المتوقع: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تحبوا الله، لكن الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن الشأن كلَّ الشأن أن يحبك الله، هنا ﴿اذْكُرُونِي﴾ هذا ذكر الإنسان لربه، لكن الشأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ فعل أمر، وبماذا يكون ذكرُ الله؟ يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، الأصل: ذكر القلب «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وذكرُ الله باللسان أو بالجوارح بدون القلب هو قصور، ما هو ذكر، الحقيقة أن الذكر ذكر الله تعالى بالقلب، وكيف أذكره بالقلب؟ أذكره بالقلب أن الإنسان بقلبه ينيب إلى الله، ويتوكل عليه ويرجوه ويخافه ويستحضر حُبَّه وعظمته وغير ذلك، وهذا أمر لازم للإنسان، كذلك أيضًا الإنسان يشاهد في الكون أشياء كلها من آيات الله، يشاهد الشمس بعظمتها وانتظامها وطلوعها وغروبها، كذلك القمر، وكذلك النجوم، وكذلك الليل والنهار والأحوال ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] إلى غير ذلك، نستدل بهذه الأشياء على من؟ على من دبَّر هذه الأشياء وخلق هذه الأشياء، وكل شيء منها له دلالة خاصة، منها ما يدل على العظمة، ومنها ما يدل على قوة السلطان، ومنها ما يدل على الحكمة، وكلُّها حكمة لكن بعضها أخص من بعض في الدلالة، هذا ذكر القلب بالمحبة والتعظيم والإنابة والخوف والرجاء والتفكر.. إلى غير ذلك. ذكرُ الله باللسان يشمل الذكر المعروف مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله والله أكبر، وما أشبه ذلك، ويشمل قراءة القرآن، ويشمل الدعاء، ويشمل كلَّ قول يقرِّب إلى الله عز وجل؛ لأن كل قول يقرب إلى الله فهو من الطاعة، والطاعة مأمور بها، وفاعل الطاعة يستشعر أنه يفعلها لأي شيء؟ طاعةً لله وتقرُّبًا إليه، إذن فيكون هذا ذكر، يكون هذا ذكر الله عز وجل، وإذا جعلنا الذكر بهذا المعنى العام أمكن للإنسان أن يجعل جميع أقواله ذكرا لله إذا وفق؛ ولهذا ممكن أن تكون عادة الذاكرين عبادة، وأن تكون عبادة الغافلين عادة، كل هذا من أجل النية، يكون الذكر بالجوارح، كيف الذكر بالجوارح؟ القيام بالصلاة والركوع والسجود، والجهاد، والزكاة، كلُّها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعا لله، وحينئذ تكون ذاكرا لله في هذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥] قال بعض العلماء: ولما تضمنته من ذكر الله أكبر، وهذا أحد القولين في هذه الآية. * طالب: (...). * الشيخ: هذه المسألة يجب أن نعرف المعاني إذا قرنت مع غيرها فُسِّرت بخاصة، وعند الإطلاق تشمل، مثلا: عندنا الفقير والمسكين إذا قُرنا فُسر كلُّ واحد بما يختص به، البر والتقوى إذا قرنا جميعا فسر كل واحد بما يختص بها، وإذا أُفرد أحدهما شمل الآخر، فالذكر عند الإطلاق، أما إذا قال مثلا: هذا الرجل قرأ القرآن وذكر الله، يكون هنا قراءة القرآن خاصة والذكر خاص. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ هل هي من صفات الله؟ وهل هي من الذاتية؟ وهل هي من الإيجابية أو السلبية؟ الجواب عن الأول من صفات الله ولّا لا؟ من صفات الله، وعن الثاني هل هي ذاتية أو فعلية؟ فعلية، وعن الثالث إيجابية أو سلبية؟ إيجابية كذا. وقوله: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ هنا مطلق، ولكن يتبين من صيغة الأمر والجزاء أن يكون الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ﴾ فاذكروني، بفتح الياء؛ يعني ياء المتكلم، يجوز إسكانها وفتحها وحذفُها تخفيفًا، لكنها في القرآن تتوقف على السماع، إنما من حيث اللغة العربية يجوز فيها الفتح والإسكان وأيش بعد؟ والحذف، لكن بالنسبة للقرآن تتوقف على السماع، وهنا فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ ﴿اشْكُرُوا﴾ فعل أمر من شَكَرَ، وقد اختلف أهل العلم بالعربية هل ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ هي اشكروني أو غيرها؟ فقال بعضهم: إنها هي هي، وأنَّ شَكَرَ تتعدى بنفسها وتتعدى باللام، فيقال: شكرَهُ، ويقال: شكرَ له. وقال بعضهم: إنها ليست بمعناها وأن شكر تتعدى بنفسها دائما، وأن المفعول هنا في نحو ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ محذوف؛ يعني: اشكروا لي ما أنعمت عليكم، ما أنعمت عليكم، أو نعمتي، أو ما أشبه ذلك، والخلاف في هذا لا يترتب عليه كبيرُ فائدة؛ لأن الجميع متفقون على أن المراد بهذا الأمر القيامُ بشكر الله عز وجل، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيِه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، خدوا بالكم، فسببه أخص من سبب الحمد، ومتعلَّقُه أعم من متعلَّقِ الحمد، أرجو أن تنتبهوا، الحمد يكون باللسان لكن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، فإذا كان سببه إنعام المحمود كان من الشكر، أعني الحمد، أما الشكر؛ فإن سببه واحد، ما هو؟ * طالب: النعمة. * الشيخ: النعمة، نعمة المشكور، أما متعلَّقُه فثلاثة: يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح، خذوا بالكم من الفرق بين الحمد والشكر، أكثر الناس ما يعرفون الفرق بينهما، فيختلفان إذن من حيث السبب، ويختلفان من حيث المتعلَّق، سبب الحمد أيش قلنا؟ كمال المحمود وإحسان المحمود، فالله جل وعلا يُحمد على كماله وعلى إنعامه، وسبب الشكر؟ النعمة، نعمة المشكور، أما المتعلق؛ فالحمد يكون باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا فـ(يدي): هذا الشكر للجوارح، (لساني): باللسان يعني القول، و(الضمير المحجَّبَ): القلب. ما هو الشكر بالقلب؟ الشكر بالقلب أن يُقِرَّ الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله عز وجل، فيحب الله سبحانه وتعالى لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي في جامعه (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس.]]، فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله، أحب الله؛ لأن النفوس مجبولة على محبة مَن يحسن إليها، هذا تعلُّق الشكر بالقلب، تعلقه باللسان التحدث بنعمة الله لا افتخارا بل شكرا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، وقال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٨ / ٣) من حديث أبي هريرة، والترمذي في جامعه (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد، واللفظ له.]]. أما الشكر بالجوارح؛ فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جُعلت له، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له، فإن هذا من شكر النعمة. وقوله تعالى: ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ على القول بأن شَكَرَ تتعدى بنفسها أو اللام، لا إشكال في الموضوع؛ لأن المعنى: اشكروا لي واشكروني واحد، أما على القول الثاني: أن شَكَرَ تتعدى بنفسها فاللام هنا للإخلاص؛ يعني اشكروا لي لا لغيري، فيكون هنا بيان المشكور له وهو الله عز وجل؛ لأنه هو أهل الشكر. وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أصله: لو قال قائل: كيف ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (لا) ناهية وهنا جاءت النون مع أنها من الأفعال الخمسة؟ فالجواب: أن النون هنا للوقاية وليست نون الإعراب، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ ولّا ﴿يَسْتَعْجِلُونِ﴾؟ يستعجلونِ، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠] فالنون هنا للوقاية، وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ أي: لا تجحدوني أو تجحدوا نعمتي، بل قوموا بشكرها وإعلانها وإظهارها؛ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمةً فإنه يحب منه أن يُرى أثرُ نعمته عليه، إذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه؛ أولًا: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفا بعلمه يقوم ويعمل بما علم. الثاني: من ظهور العلم بالتعليم، يعلِّم الناس ما استطاع، وليس بلازم أن يعلِّمَه في حلقات، قد يعلِّمُ شخصا يصلي إلى جنبه فيخل بأمر من الأمور في الصلاة فيُعَلِّمُهُ، هذا من طرق التعليم. الثالث: من آثار نعمة العلم: أن يدعو الإنسان إلى الله على بصيرة، أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم بالدعوة إلى الله يتكلم بقدر ما يستطيع، حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى عزيمة مثلًا ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم، وكان بعض أهل العلم في مسألة فهو فيما حضر، بعض الناس من أهل العلم يكون معه كتاب إما معه بنفسه أو مع أحد من تلاميذه، فيقرأ الكتاب على الحاضرين ويستفيد ويفيد، وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا وصاروا يترقبونه منه، أما إذا لم يعودهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده، سؤالٍ مثلا حتى ينفتح المجال للناس ويسألون وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها، وهذا لا شك أنه نقص وإن كانوا قد لا يأثمون، لكنه نقص، فالذي ينبغي لطالب العلم حتى وإن لم يُسأل أن يورد هو سؤالًا؛ لأجل أن يفتح الباب للحاضرين فيسألوه، «وقد جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة وأماراتها وقال النبي عليه الصلاة والسلام:«هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنه هو عَلَّمَ جبريل، الذي يجيب مَن؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لماذا جعله معلما؟ لماذا جعله معلما، وهو يسأل؟ * طالب: لأنه صدقه. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه سأله وبسبب سؤاله.. * الشيخ: صار العلم، نعم؛ لأنه تسبَّبَ لهذا العلم، المهم أننا نقول: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ إنه من كفر النعمة أن لا يظهر أثرُها على من أنعم الله عليه، فإنه ينبغي للإنسان ألَّا يسترها؛ لأن الكفر في الأصل هذه المادة (كاف، فاء، راء)، وأيش أصلها في اللغة؟ الستر، ومنه الكُفُرَّى اللي يسميه العوام: الكافور، حق النخل؛ لأنه يستر الثمرة، فالإنسان الذي لا يُرى عليه أثر النعمة فهو في الحقيقة ما أظهرها بل جحدها. ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ تقدم لنا ولا بأس من إعادته أن الكلام إذا صُدِّرَ بالنداء فهو دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب التفات المخاطب إلى مناديه، واضح ولّا لا؟ وسبق لنا أن الله تعالى إذا صَدَّرَ الحكم أو الخبر بوصف الإيمان؛ كان ذلك دليلا على أن التصديق به إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وعلى أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، إن كان خبرا مثل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ﴾ [المائدة ٩٤] هذا خبر، والحكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فالمهم أنه إذا صُدِّرَ الكلام بوصف الإيمان دلَّ ذلك على أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، وتصديقه إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته أو تكذيبه نقص في الإيمان، كذلك أيضًا تصدير الشيء بوصف الإيمان هو في الحقيقة من باب الإغراء، من باب إغراء المخاطب بالتزام الحكم أو تصديق الخبر، كأنه يقال لهم: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم، ولكونكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، أو لا تفعلوا كذا وكذا، أو سيكون كذا وكذا فصدِّقوه، مثلما تقول للإنسان: يا رجل، وأيش معنى (يا رجل)؟ يعني أن مقتضى رجولتك أن تتجنب هذا الشيء، أو أن تقوم بهذا الشيء، أو ما أشبه ذلك. يا مؤمن، هذا إغراء يعني: لإيمانك افعل كذا أو اترك كذا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ استعينوا بها؛ أي: اجعلوها عونًا لكم، ﴿بِالصَّبْرِ﴾؛ أي: اجعلوا الصبر عونا لكم، ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: قُتل فلان صبرا؛ أي: حبسًا. وفي الاصطلاح: هو حبس النفس، حبس النفس على ما ينبغي أن تكون عليه، أو عمَّا ينبغي ألَّا تكون عليه، فهو ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة؛ الصبر على طاعة الله يحتاج إلى مكابدة من وجهين: من وجه التعب النفسي والتعب البدني، الصبر على الطاعة يكابده الإنسان من وجهين أيش؟ * الطلبة: التعب النفسي والبدني. * الشيخ: التعب النفسي والبدني، النفسي: أنك تجده يجاهد نفسه على فعل الطاعة، والبدني: يتعب يتوضأ في أيام السَّبَرَات، ويخرج إلى المساجد في الظلمات، ويركب المشقات للوصول إلى بيت الله وهكذا. الصبر عن المعصية، وأيش يتضمن؟ التعب النفسي فقط؛ لأنه كَفٌّ، ما عليك تعب، اترك هذا الشيء فقط، ففيه التعب نفسي، البدن ما تَحَرَّكَ ولا شيء، بس طلب منه أن يكف، إذن فهو تعب نفسي، لاحظوا أنه قد يكابد الإنسان من التعب النفسي على ترك المحرم أكثر مما يكابده على تعب النفس في الشيء المأمور به؛ أي في الطاعة، خدوا بالكم يا جماعة يعني: قد يكون هناك داعٍ قوي لفعل هذه المعصية يكون مكابدة الإنسان التعب النفسي في تركه أمرًا شديدًا وشاقًّا، ويكون فعله للطاعة ولو كانت أفضل أهون عليه من الناحية النفسية. ثم القسم الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة، فيه معاناة، نفسية ولّا بدنية؟ * طالب: نفسية وبدنية. * الشيخ: الأقدار المؤلمة؟ الأقدار المؤلمة فيها؟ * الطالب: نفسي وبدني، ممكن صار له مرض، كسر. * الشيخ: أي ما أخالف لكن هذا ما هو من فعله، يعني كونه يتألم بالكسر أو ما أشبه ذلك ما هو من فعله، لكن غالبا فيه معاناة نفسية، تعب نفسي؛ لأن الإنسان قد يرى أن من التفريج عن نفسه أن يلطم خده ولّا يشق ثوبه ولّا ينتف شعره وما أشبه ذلك، قد يخفف عنه وإن كان هذا من الشيطان، لكنه يَصْبِرُ نفسه عن هذا الأمر فهذا تعب نفسي. أي الأنواع الثلاثة أفضل؟ الصبر على الطاعة، أو عن المعصية، أو على أقدار الله المؤلمة؟ الصبر على الطاعة أفضل وأقرب إلى الله؛ ولهذا تجدون من الطاعات ما هو من فرائض الإسلام، أركان الإسلام كلها أفعال طاعات، لكن منهيات غير الشرك ما تصل إلى هذا الشيء؛ فلهذا نقول: الصبر على الطاعة أفضلها، ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه اختياري وفعلي، أنت تقدر تفعل ولا تفعل، الصبر على الأقدار المؤلمة هو أدناها؛ وذلك لأن الإنسان كما قال بعض السلف: إما أن يصبر صبر الكرام أو أن يسلوا سُلُوَّ البهائم؛ يعني هو لو مثلا تضجَّر وعجز عن الصبر الآن حين المصيبة، آخر ما له؟ غصبا عليه بيصبر، يسلو ولا كأنها صارت، يوسف عليه الصلاة والسلام كان له عدة أنواع من الصبر؛ عنده الصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة. صبره على الأقدار المؤلمة ظاهر أو لا؟ على ما فعل به إخوته وما كادوا له، وصبره عن المعصية؟ ظاهر أيضًا حين دَعَته امرأة العزيز إلى نفسها ولكن الله سبحانه وتعالى أنقذه حين فزع إليه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف ٣٣] لمَّا لجأ إلى الله عز وجل بصدق ماذا كانت النتيجة والجواب؟ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف ٣٤] سبحان الله العظيم! خلك يا الإنسان دائما تلجأ إلى الله عز وجل، وأحيانا يكون مع الإنسان غفلة عن الله، ثم يصاب بالمصيبة ليلجأ إلى الله حتى يذكر؛ لأن الإنسان مع كثرة النعم وعدم المصائب ينسى ويستمر في هذه الأشياء في هذه النعم يمشي معها ويغفل، لكن إذا أصيب بنكبات حينئذ يرجع إلى الله عز وجل ويصبر، يوسف عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله فأجاب الله دعوته ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾. هل له صبر على الطاعة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش؟ * طالب: صبره على الدعوة إلى الله في السجن، جلس يدعو إلى الله عز وجل. وطلبه تزكية عرضه عليه الصلاة والسلام. أيضًا ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. * الشيخ: يعني عدة مسائل، وكذلك أيضًا قيامه بالملك وتنظيمه، نعم، كل هذه من الصبر على الطاعة، طيب ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ وأيضًا استعينوا بالصبر على مشاقِّ الأمور ومكابداتها، وما أحسن أن يكون الإنسان صابرا منتظرا للفرج؛ لأن النبي ﷺ يقول: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد في مسنده: (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]؛ لأنه إذا كان منتظرًا للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول وأن دوام الحال من المحال، فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا؛ هان عليه الصبر كثيرا، وهذا لا شك أنها من الخصال الحميدة التي جاء بها الإسلام، وهو أيضًا دليل على أن الأمور تسهل بشو؟ بالصبر، مهما بلغت بك الأمور اصبر فتهون؛ ولهذا جعل الله تعالى الصبر عونا فقال: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ كذلك بالصلاة، الصلاة أي الصلاة؟ وأيش الصلاة؟ الدعاء؟ لا، الصلاة الشرعية؛ ولهذا كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه «إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِع إلى الصلاة »؛ الصلاة من أكبر العون على الأمور، لماذا؟ لأن المصلي يقف بين يدي حبيبه سبحانه وتعالى، بين يدي الله، فينسى كل ما سواه، ولكن ترى هذه صلاة الأوابين، ما هي صلاة اللَّعَّابين، نعم، صلاة الأوابين لا صلاة اللعابين، نسأل الله أن يتوب علينا! إذا وقف بين يدي ربه نسي كل شيء، فأقبل عليه واطمئن به وصار له في قلبه نور، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةُ نُورٌ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]] هذا الفرح والسرور والانشراح يهوّن عليك الأمور ولّا لا؟ طبعا يهون، قطعا يهون عليك، قطعا ما هو طبعا، قطعا يهون عليك الأمور؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي (٣٩٣٩) من حديث أنس.]] يهوِّن عليك الأمور فتسهل عليك الصعاب، ثم إن في نفس الصلاة أيضًا أمكنة للدعاء تدعو الله تعالى أن يعينك على هذه الأمور، فتكون الصلاة نفسها عونا وما تتضمنه من الدعاء أيضًا عونا، فيستعين الإنسان بها على كل مهماته وملماته، فالصلاة أمرها عظيم لمن أتى بها على الوجه المشروع، لكن مع الأسف إننا أضعنا الصلاة، نسأل الله أن يتوب علينا! ندخل فيها ونخرج منها، ونحن على ما دخلنا بل إنها بعضُ الناس لا تزيده من الله إلا بُعدًا، نسأل الله السلامة! إذن الاستعانة بالصلاة أمرٌ أمرَ الله به، افرض مثلا أنك كنت في ضائقة من أهلك ضاقت عليك الدنيا، المرأة تبغي، والولد يبغي، وما أشبه ذلك، فتوضأت واتجهت إلى الله وكنتَ تخاطبه بكلامه وتدعوه بحاجاتك، تنسى، فتخرج وكأن الدنيا كلها أمامك واسعة، ونور يتلألأ فتسهل عليك الأمور وتهون عليك، والذي أمرنا بذلك ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ هو عالم بذلك سبحانه وتعالى، عالم به وهو رحيم بنا، لولا أن هذا الدواء ناجح وناجع ما أمر الله به، ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. * طالب: الحديث هو قد ضعف؟ * الشيخ: أيهم؟ * طالب: أن «النبي ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِعَ إلى الصلاة »[[أخرجه أبو داود في سننه (١٣١٩)، وابن جرير في تفسيره (١ / ٦١٨) من حديث حذيقة، واللفظ له.]] لكن تشهد له الآية (...). * الشيخ: إي نعم، الآية تشهد به وأشوف ما يستدلون به شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير كلهم يستدلون به. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه بشرى عظيمة لمن صبر، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يقل مع المصلين، لماذا؟ * طالب: لأن الصلاة من الصبر. * الشيخ: لأن الصلاة طاعة، وقلنا: إن من أقسام الصبر: الصبر على طاعة الله، هذا وجه، الوجه الثاني: أن الصبر أشق بالاستعانة به من الصلاة؛ لأن الصبر مر يا جماعة، الصبر مر. الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ نعم، فهو مُرٌّ يكابده الإنسان ويعاني، ويحصل له انفعالات ويتغير دمه ووجهه ويصابر ويكابد، حتى إنه يكاد مَن يراه يقول: هذا مريض؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ نعم، وجواب ثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى، بدليل أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن الإنسان المصلي يناجي ربَّه، وأن اللهَ قِبَلَ وجهِهِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث ابن عمر.]] وهو على عرشه سبحانه وتعالى، فعلى هذا يكون الجواب من ثلاثة أوجه؛ إذا قال قائل: لماذا لم يقُل في الآية: إن الله مع الصابرين والمصلين؟ فالجواب، عد لنا الوجه الأول؟ * طالب: أن الصلاة من الصبر. * الشيخ: نعم، من الصبر فتكون داخلة فيه، والوجه الثاني؟ * طالب: الصبر أعم. * الشيخ: هذا الذي قاله، سبحان الله! * طالب: إن الصبر أشد من الصلاة. * الشيخ: إي نعم، إن مكابدة الصبر أشق؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين لينشطوا على هذا الأمر، الوجه الثالث؟ * طالب: إن الله إذا كان مع الصابرين فهو من باب أولى مع المصلين. * الشيخ: فهو مع المصلين من باب أولى كما جاءت به السنة، خذوا بالكم يا جماعة، أنا في ظني أن هذه الأوجه الثلاثة يمكن أنا أدورها بعد أيام ما ألقيها، يمكن أنا أدورها ما ألقيها؛ لأن أحيانا الإنسان مع الشرح يمكن يجيب الله له أشياء ما كان تخطر على باله، ويتطلبها في يوم من الأيام ويلاقيها رايحة، فأنتم احرصوا على هذه المسائل، طيب عندنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه المعيّة خاصة ولّا عامة؟ * طالب: خاصة. * الشيخ: هذه خاصة؛ لأن كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، إن ﴿اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤] أضيفت إلى التقوى وهو سبب، ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وما أشبه ذلك، أما المعية المطلقة التي يقصد بها إحاطة الله عز وجل بخلقه علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، فهذه تسمى معية عامة؛ لأنها ما قُيدت بأحد، بل هي عامة، ولها أمثلة كثيرة في القرآن، منها ما هو عام لجميع الخلق، ومنها ما خُصص بقوم تهديدا لهم، مثال العامة لجميع الخلق: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة ٧] فقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ عام ولّا خاص؟ * طالب: خاص. * طالب آخر: لا، عام. * الشيخ: لا، عام عام، أيّ ثلاثة يتناجون؛ مؤمنين، كافرين، فُجّار، أبرار الّلي يكون، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] هذه عامة، وقد تكون خاصة لكنها لا تقتضي النصر والتأييد، وإنما تقتضي التهديد، فهي من قسم العام المقيد كما في قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] هنا لا شك أنها ليس المراد معهم بالنصر والتأييد، لماذا؟ لأنهم لا يستحقونه، لكن المراد تهديدهم بهذه الإحاطة، عندنا عامة مطلقة، وعامة مقيدة بقوم للتهديد، الخاصة أيضًا تنقسم إلى قسمين: مقيدة بوصف، ومقيدة بشخص، المقيدة بوصف مثل؟ ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤] إلى آخره، والمقيدة بشخص؛ كقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام حاكيا عنه أنه قال لأبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؛ ثم هذه المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى حالا في الأرض، فهي ليست معية حلول واختلاط؛ لأن ذلك أمر مستحيل على الله عز وجل، ولم يفهم أحد هذا الفهم إلا مَن اجتالَتْهُ الشياطين فأخرجته عن فطرته، وإلَّا مَن كان جاهلا باللغة العربية أيضًا، فلا أحد يتصور هذا التصور أو يقول هذا القول؛ أنها معية حلول وأن الله سبحانه وتعالى معنا في المكان إلا من جهل الله عز وجل ولم يقدره حقَّ قدره، وكذلك أيضًا جهل المعنى في اللغة العربية، أرجو تنتبهوا لهذا الأمر؛ لأنه أمر مهم، فالذين فهموا هذا الفهم هم الجهمية والمراد قدماؤهم؛ لأن متأخري الجهمية تركوا هذا المسلك وسلكوا مسلك التعطيل المحض؛ حيث قالوا: إن الله تعالى ليس داخلَ العالم ولا خارج العالم، ولا متصل ولا منفصل.. إلى آخر ما تقدَّم لنا في العقيدة، لكنّ متقدِّميهم كانوا يقولون بالحلول. ومن الغرائب أو من العجائبِ والعجائب جمَّةٌ أن هؤلاء القوم يقولون: إن الله معنا في الأرض -والعياذ بالله- وينكرون أن يكون في السماء، ينكرون أن يكون في السماء، فانقلبوا بعقولهم رأسا على عقب، ثم جاء قوم تكيّسوا فتكايسوا، فقالوا: إننا نقول: إن الله معنا في الأرض، وهو على عرشه في السماء؛ يريدون بزعمهم الجمع بين النصوص، ولكنهم في الحقيقة تكايسوا ونُكسوا على رؤوسهم؛ لأن هذا ليس جمعا بين النصوص، بل هذا في الحقيقة إبطال للنصوص، فكيف يكون الله عز وجل فوق عرشه بذاته وفي الأرض بذاته؟! هذا ممكن؟ غير ممكن أبدًا، إلا أن يكون -العياذ بالله- بتعدد الخالق. ولا يمكن أن يحل في الأرض، وهذا قول تبطله الأدلة السمعية والعقلية والفطرية، القرآن والسنة مملوءان بما هو نص أو ظاهر بأن الله تعالى في السماء، والعقل أيضًا يدل على أن الله تعالى في السماء، يدل على ذلك كما قدمنا من وجهين: الوجه الأول: أن العلو صفة كمال ولَّا صفة نقص؟ * الطلبة: صفة كمال. * الشيخ: صفة كمال، فإذا كان صفة كمال لزم أن يكون ثابتًا لله؛ لأن الله تعالى موصوف بالكمال المطلق، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧]. الوجه الثاني من الأدلة العقلية على علو الله أن يقال: العلو ما الذي يقابله؟ * الطلبة: السفل. * الشيخ: السفل، والسفل بلا ريب صفة نقص والله تعالى منزه عن النقص، فوجب ثبوت العلو له، أما الفطرة: فلا تسأل عنها، اذهب إلى عجوز قريبة من الحرم وقل لها: أين الله؟ ماذا تقول؟ * الطلبة: في السماء. * الشيخ: في السماء، ائتِ للصبيان في مدارسهم قل لهم: أين الله؟ يقولون: في السماء، اسأل أي إنسان خائف أو داعي: أين يرتفع قلبه؟ * الطلبة: إلى السماء. * الشيخ: إلى السماء، اسأل المسلمين جميعًا وهم يقولون في سجودهم: سبحان ربي الأعلى أين يجدون قلوبهم ترتفع؟ * الطلبة: إلى العلو. * الشيخ: إلى العلو، ما فيها إشكال، إذن فالفطرة دالة على ثبوت علو الله عز وجل. إجماع المسلمين ما عدا أهل التعطيل على أن الله في السماء، هذا أمر واضح، على هذا يكون من زعم أن معية الله للخلق معية حلول واختلاط فإن قوله يبطل بهذه الأدلة، كل دليل يدل على العلو فإنه يدل على بطلان القول بمعية الحلول والاختلاط واضح؟ فعلى هذا تكون معية الله تعالى لخلقه معية تليق بجلاله وهو سبحانه وتعالى فوق عرشه؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في آية واحدة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤]. وكل شيئين جمع الله بينهما فإنهما لا يمكن أن يتناقضا. قلنا: إن الذي يقول بمعية الحلول والاختلاط مخالف للأدلة الشرعية المثبتة لعلو الله، كذلك أيضًا هو لا يعرف اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية هل تقتضي حقيقة المعية فيها أن يكون الشيء مخالطًا للشيء، أو حالًّا معه في مكان مجتمعًا معه في مكانه؟ لا، ليس كذلك، الإنسان مثلًا يقول: زوجتي معي وهي في البيت وهو في المسجد أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وهذا حقيقة، هذه معية حقيقية مع أنها في مكان وهو في مكان، كذلك أيضًا الضابط أو القائد يقول للجنود: اذهبوا إلى المعركة فأنا معكم، حقيقة ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: هو حقيقة، تطلق هذه الكلمة حقيقة مع تباين المكانين ولَّا لا؟ الصبيان الآن يتداركون ويتزاعلون، يجي واحد ولد الجيران يقول: تعال، أنت معي ولا معه؟ أنت معي ولا معه صح ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: حقيقة مع أن كل واحد بيذهب إلى بيته، فالمعية في اللغة العربية لا تقتضي حقيقتها، قصدي لا تستلزم وهو لا تقتضي، لا تستلزم حقيقتها الحلول والاختلاط بين الشيئين. وأقول: لا تستلزم، ولا أقول لا تقتضي؛ لأنها قد تقتضي ذلك، كما لو قيل مثلًا: الماء قدم لي لبنا مع ماء؛ أي مخلوطًا به، وكما يقال: الروح مع البدن؛ أي مختلطة به، وهذا نعم قد تقتضيه، لكنها لا توجبه اللغة العربية، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية : وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة العربية، قال: لا توجبه، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان. فالمهم يا جماعة لا تظنوا أن القرآن يناقض بعضه بعضًا. * الطلبة: حاشاه. * الشيخ: وأنه إذا ثبت أن الله معنا فإنه ينافي أن يكون الله في السماء، فإن هذا غير ممكن، بل نقول: إن القرآن يصدق بعضه بعضًا، ويثبت بعضه بعضًا، ولكن من الناس- من نسأل الله لنا ولكم السلامة- من في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه لأجل فتنة الناس؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وتعطيله عما أراد الله. * طالب: شيخ، من قال منهم أن المعية تخصيص ما في التعميم أول شيء؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا خصصنا قلنا: المعية العامة معية حقيقية على معية الله عز وجل، وقلنا: المعية خاصة، هناك معية خاصة هل يناقض التخصيص التعميم؟ * الشيخ: لا ما يناقضه، يعني المعية الخاصة يجب أن تؤمن بأنها مجتمعة مع المعية العامة؛ بمعنى إذا قيل ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨] فليس معناها أنها معية خاصة مجردة عن المعية العاملة فإنه سبحانه وتعالى مع هؤلاء أيضًا بالعلم والإحاطة والمعنى العام. * طالب: يا شيخ، ومن قال منهم تأول المسألة هذه يعني قال إنه في كل مكان مع أنه على عرشه وقال: إذا كان ينزل إلى سماء الدنيا وهو على عرشه سجانه وتعالى فقد يخلو توقيفه في هذا ما يقال يخلو منه العرش ولا يخلو، لكن إذا كان ينزل إلى السماء الدنيا، فلا يمانع أن الله ليس كمثله شيء؟ * الشيخ: لا، لا، هذا ما يمكن، هذا ما يمكن، لا ما يمكن، حتى النزول إلى السماء الدنيا ما يجوز أن نقول: إن السماء الثانية تكون فوقها ما يجوز نقول هكذا. * طالب: نقول على قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]. * الشيخ: لا لا، ما يكفي؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام: لا يجوز أن نعتمد في إثبات الصفات على نفي المشابهة والمماثلة؛ لأن المعاني اللي هي في نفسها مناقضة لكمال الله ما تُثبت، ولو قلنا على وجه لا يشبه صفات المخلوقين، فهذه مسألة ينبغي التنبه لها؛ يعني ليس كل شيء نثبته لله ونقول: ليس على ما يشبه صفات المخلوقين، إذا كان نقصًا فهو منفي عن الله عز وجل مطلقًا. لو قال قائل مثلًا: أنا بأثبت أن الله سبحانه وتعالى يتعب لا كتعب المخلوقين مثلًا أيش نقول؟ * الطلبة: هذا خطأ. * الشيخ: نقول: هذا خطأ، فكل صفات النقص ما يجوز إثباتها لله مطلقًا، ثم صفات الكمال التي أثبتها الله لنفسه هي التي نقول فيها: على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأنه ما يكفي في نفي النقائص عن الله أن نثبت له النقص ثم نقول: لا تشبه هذا ممنوع، ومسألة خلو العرش منه إذا نزل إلى سماء الدنيا أو عدم خلوه يقول شيخ الإسلام: إن الأرجح عدم الخلو العرش منه؛ لأن العلو ثابت صفة من الصفات الذاتية. وقال بعض العلماء: إن الذي ينبغي لنا أن نسكت؛ يعني المسألة فيها ثلاثة؛ أقوال: قول أنه يخلو العرش منه وينزل إلى السماء الدنيا وعلى أي كيفية ما ندري كيف ينزل، المهم أنه سبحانه وتعالى يقرب من عباده بهذا النزول. والقول الثاني: يقولون: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، والله على كل شيء قدير، ولا ندري كيفيته. والقول الثالث: التوقف، التوقف عن هذا، نُعرض عن هذا كله بألسنتنا وقلوبنا، ونقول: إن الله ينزل وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما أوردوا على النبي عليه الصلاة والسلام هذا السؤال: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ فما دام ما أوردوه فإنه ينبغي أن لا نورده نحن عن أنفسنا ولا عن غيرنا، وهذا قول فيه سلامة، ولكن شيخ الإسلام يقول: إن الأكثر على أنه لا يخلو منه العرش؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء. قال: ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦] ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة ١٥٤] (لا) ناهية، وتقولوا: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل. ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ أي فيمن يقتل؛ لأن المقتول ما يقال له شيء، قد قتل، لكن المعنى فيمن يقتل في سبيل الله. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٥١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بإرسال الرسول. أنا أعتبر اللي يأتي بس يحضر أعتبره مستمعًا وليس طالبًا، ولهذا ما يشعر بأنه جاء يتلقى تلقيًا كاملًا، فأن أحب أن الإنسان يحرص لما كنا في الطلب، الإنسان منا ما يأتي إلا بكتاب؛ إما نشتريه ولَّا نستعيره، المهم ما يأتي الواحد مثلًا بيديه فقط ونحن لسنا على مستوى اللي عليه الأولون؛ يحضر واحد ويُلقي قصيدة مئة بيت وينصرف والناس كلهم حفظوها، ما نحن على مستوى هذا حتى نقول: نكتفي بأن الواحد يأتي بيديه فقط، فأنا أرجو من الإنسان اللي بينتظم إن شاء الله إنه يحرص يدور الكتب التي نحن نقرؤها، يدورها ويحضرها. قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾. أقول: * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بإرسال الرسول ﷺ. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ لأن هذه الآية متعلقة بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٥٠]. فإن هذا من تمام النعمة. ومنها: أن كون الرسول منا فيه زيادة فائدة؛ لأنه أقرب إلى التصديق مما لو كان أجنبيًّا، ولهذا ما بعث الله نبيًّا إلا في قومه إلا رجلًا واحدًا فقط بعثه الله في قومه وفي غير قومه، وهو؟ * الطلبة: محمد عليه الصلاة والسلام. * الشيخ: لا، محمد على عموم الناس، كل الناس قومه. * طالب: شعيب. * الشيخ: شعيب، شعيب أرسل إلى قومه وإلى أصحاب الأيكة. * طالب: ما هم واحد يا شيخ؟ أصحاب الأيكة ما هم واحد؟ * الشيخ: لا، قبيلتين. * من فوائد الآية: أن النبي ﷺ لم يقصر في البلاغة، وأنه بلغ جميع ما أوحي إليه لقوله ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة ١٥١] فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها. ومنها: أن من فوائد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام حصول العلم؛ لأن هذه الآيات كلها علم لقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة ١٥١]. * ومن فوائدها أيضًا: أن الشريعة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام كلها تزكية للأمة وتنمية لأخلاقها ودعوة للأخلاق الفاضلة، ولهذا كان من القواعد المقررة في الشريعة أنها تأتي بالمصالح الخالصة أو الراجحة، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ أو الراجحة. الشريعة تأتي بالمصالح الخالصة اللي ما فيها مفاسد إطلاقًا، أو الراجحة فيما إذا اشتمل الفعل على مصلحة ومفسدة لكن مصلحته أرجح، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ * الطلبة: أو الراجحة. * الشيخ: أو الراجحة، الخمر فيه مصالح ومفاسد، لكن مفاسده راجحة فلذلك حُرِّم، فلهذا حرم، الحجر على السفيه فيه مصالح وفيه مفاسد لكن مصالحه راجحة، فلذلك قُدم، قدمت المصالح، أو مصالح خالصة ما فيها مفاسد كعبادة الله مثلًا، هذه قاعدة الشريعة، ولهذا قال: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به لقوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن من وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ومهمته التي جاء بها أنه يعلمنا الكتاب والحكمة، الكتاب هو القرآن، والحكمة قيل: إنها السنة، وقيل: ما تتضمنه الشريعة من الأسرار والحكم. * ومن فوائد الآية: الرد على أهل التأويل وأهل التجهيل. وأيش معنى التجهيل؟ * الطالب: أهل التأويل اللي يؤولون. * الشيخ: إي نعم، اللي يؤولون آيات الصفات؛ لأننا نقول لهم: لو كان هذا التأويل من العلم لأيش؟ * الطلبة: لعلمنا إياه النبي. * الشيخ: لعلمنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى أهل التجهيل، الرد على أهل التجهيل، مَن هم أهل التجهيل؟ أهل التجهيل: طائفة يقولون: إن الرسول ﷺ وأصحابه والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات وأحاديثه، ما يدرون أيش معناها، حتى النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري أيش معناها، يسمون هؤلاء أهل التجهيل، يقولون مثلًا: النبي عليه الصلاة والسلام ما يدري وأيش معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]، لو تسأل النبي ﷺ وأيش معناه؟ قال: ما أدري، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة. ]] ولو سألته ما معنى ينزل لقال: لا أدري، هؤلاء يسمون أهل التجهيل. * الطالب: هم يزعمون هذا هو العلم؟ * الشيخ: إيه، يقولون: هذا هو العلم، أن تقول عما لا تعلم: لا أعلم. هذه الآية ترد على طائفتين جميعًا؛ لأنه قال: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام علم الأمة لفظ القرآن ومعناه، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] في القرآن؟ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وأيش بعد الآية؟ * الطلبة: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾. * الشيخ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرسول ﷺ كما بين لكم القرآن ولم يكتم منه حرفًا واحدًا فقد بيَّن معناه، ولهذا إذا استشكل الصحابة شيئًا من المعنى سألوه فعلمهم، ولكن الغالب أنهم ما يستشكلون؛ لأنه نزل بلغتهم وفي عصرهم، يعرفون معناه ومغزاه وأسبابه فلا يُشكل عليهم. إذن النبي عليه الصلاة والسلام* يستفاد من هذه الآية: أنه علمهم لفظ القرآن ومعنى القرآن. * ومن فوائد الآية: اشتمال الشريعة على الحكمة، من أين تؤخذ؟ * الطالب: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. * الشيخ: أي الكلمتين؟ * الطالب: الحكمة. * الشيخ: الحكمة، فالشريعة متضمنة للحكمة تضمنًا كاملًا، فما من شيء في مأموراتها ومنهياتها إلا وهو مشتمل على الحكمة، لكن يرد علينا سؤال: هل الحكمة معلومة لنا؟ * طالب: قد تكون معلومة. * الشيخ: قد تكون معلومة وهو الأكثر، وقد تكون مجهولة، لكن هنا حكمة لازمة لكل حكم، وهو طاعة الله ورسوله، فإن هذه حكمة، هذه أعظم الحكم وهي ثابتة فيما نعقل حكمته وفيما لا نعقلها، ولهذا لما قالت عمرة لعائشة رضي الله عنها: «مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له، من حديث عائشة.]] فبينت الحكمة من ذلك وهو طاعة الله ورسوله، وهذه حكمة لازمة في كل حكم سواء عُقل معناه أم لم يعقل، واضح؟ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الأصل في الإنسان الجهل لقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان الجهل، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨] ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [النحل ٧٨] فبين طرق العلم السمع ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ وبهما الإدراك، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ وبها الوعي والحفظ. وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إذا قال قائل: اضربوا لنا مثلًا وأيش نقول؟ * الطالب: الصلاة. * الشيخ: نعم، كل الشريعة مثال، هل نحن نعرف كيف نصلي؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إلا بتعليم الرسول ﷺ، ما يعرف الإنسان كيف يتوضأ، ما يعرف ما الواجب في أموالهم من الزكاة، ولا يعرف من تُصرف إليهم الزكاة، هذه أحكام شرعية ما نعرفها، وفيه أحكام قدرية ما نعرفها أيضًا، علّمنا إياها الرسول ﷺ، هل نحن نعلم أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ * طالب: ما علمنا إلا بعلم. * الشيخ: إلا بعلم الرسول عليه الصلاة والسلام، هل نعلم أنا خلقنا من آدم وآدم من تراب؟ ما نعلم إلا بما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن الواحد منا يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك إلى آخره؟ إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام. إذن فعلومنا الكونية والشرعية من أين هي متلقاة؟ من الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن أسباب نزول المطر أن الله يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا، ويأمره فينزل المطر إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ومن هنا نعرف أن العلم الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من علوم الكون النافعة سابق على علم أولئك الذين يفتخرون بعلومهم، فالعلوم النافعة الكونية والشرعية أصولها جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، صحيح أن بعض تفصيلاتها ما جاء بها؛ لأنكم تعلمون أنه قد تصدى له قوم في عهده يردون دعوته، فإذا جاء بما لا تدركه عقولهم من أمور الكون فقد يجعلون من ذلك ذريعة إلى التشهير به وتكذيبه كما فعلوا في قصة الإسراء والمعراج. والحاصل يا إخواننا أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، علمنا ما لم نكن نعلم من أمور الكون وأمور الشرع. ومن نعمة الله عز وجل أن أمور الكون جعلها الله سبحانه وتعالى، ذكر أصولها، لكن جعل تفاصيلها موكولة إلى التجارب، وأيش لأجله؟ لأجل يدركها الإنسان بعقله، ما ظنكم لو أن القرآن الكريم فصَّل جميع ما في العقاقير من مضادات حيوية وغير حيوية وما أشبه ذلك كم يصير القرآن من مجلد؟ * الطلبة: يصير مجلدات. * الشيخ: مجلدات عظيمة لا يستطاع حفظه، وتمل تلاوته، ويشق على الناس التزامه، لكن جعل هذه الأمور لها أصولًا ثم جعل فروعها، الأمور الكونية خاصة، الأمور الشرعية إلى الله ورسوله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] لكن الأمور الكونية وُكلت للإنسان، ذُكرت الأصول والتوجيهات العامة، ثم قيل للإنسان: اعمل، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]. فتحت لنا الأبواب وعلينا أن نعمل. والحاصل أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، وأنا لو أورد عليَّ إنسان وقال: طيب وأيش يدرينا الآن على علم الكيمياء هو موجود بالقرآن؟ نعم، نقول: الأصول موجودة، لكن التفاصيل موكولة إلى تجارب الناس؛ لأن هذا الحكمة تقتضيه. ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢]. * يستفاد من هذه الآية: وجوب ذكر الله، من أين نأخذها؟ * طالب: من الأمر. * الشيخ: من الأمر، نعم ووجوب ذكر الله، مطلق الذِّكر واجب، يجب على كل إنسان أن يذكر ربه، بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله يكون عليه تِرة خسارة وحسرة يوم القيامة، فأنت مأمور بذكر الله، لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام، وإلى واجب ومن واجباته، وإلى سنة من سننه بحسب ما تقتضيه الشريعة التفصيلية، إنما مطلق الذكر وأيش حكمه؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب ﴿فَاذْكُرُونِي﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن من ذكر الله ذكره الله، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب الأمر، جواب الأمر، ولهذا جُزمت، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، فهمتم؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله للعبد كذكر العبد لله، أي أنه إذا ذكر الإنسان ربه في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، من أين نأخذها؟ * الطلبة: من الحديث. * الشيخ: لا، ما هو من الحديث من الآية. * طالب: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. * الشيخ: وأيش وجهه أنه إن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منه، وإن ذكره في نفسه ذكره في نفسه؟ * الطالب: الحديث؟ * الشيخ: لا ما نبغي الحديث، نبغي من الآية؟ * الطالب: لأن ذكر الله للعبد أعظم من ذكر العبد لله. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ ولم يفصل. * طالب: شيخ؛ لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ وأذكركم جزاء، والجزاء موافق للعمل. * الشيخ: صح؛ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ وجزاء، والجزاء مرتب على العمل يكون من جنسه، فإذا كان الله عز وجل جعل العقوبة بقدر الذنب فالمثوبة أيضًا بقدر العمل، فوجه الدلالة؛ أنه جعل قوله: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جوابًا على قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، والجواب والجزاء يقتضي أن يكونا متساويين، بمعنى أن هذا على وصف هذا. * ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر، هذه الفائدة الثالثة أظن؟ فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد، وذكر الله للعبد هذا أمر يعني له شأن كبير، شأن عظيم ولَّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نضرب مثل: هذا إنسان قدم عليه رجل من السفر ولما سلم عليه قال: والله الملك يسأل عنك، وأيش يصير هذا الذي قيل له: الملك يسأل عنك؟ وأيش يصير؟ يفرح؟ * الطلبة: أكيد. * الشيخ: ما شاء الله (...) يفرح، أنا أنا يذكرني الملك؟! عاد ملك الملوك إذا ذكرك وأيش يكون المنزلة؟ أعظم وأعظم ما يخطر بالبال، ولهذا تكلمنا قبل يعني مرارًا أنه ليس الشأن بأن تذكر الله أو بأن تحب الله، ولكن الشأن أن يذكرك الله، اللهم اذكرنا فيمن عندك. الشأن أن يذكرك الله عز وجل، وأن يحبك الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] فجعل الجواب ما قال اتبعوني تصدقوا في دعواكم قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ يعني تناله أن الله يحبكم. * ومن فوائد الآية: وجوب الشكر لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وبالمقابل تحريم الكفر، كفر النعمة بأن تُصرف في غير وجهها، فيستعان بها على معصية الله، أو تُمتهن وتذل، ولا تستعمل فيما خلقت له، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل كان يسوق بقرة، نسيت هل هو راكبها أو غير راكبها، المهم أنها التفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنا لم نخلق لهذا[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة. ]]، فالنعمة إذا صرفت في غير ما خُلقت له فهو نوع من الكفر، خلق الله لنا الطعام لنأكله، فإذا ألقيناه في المزابل كأننا قلنا: ما نبغي فضل الله، في غنى عنه، نسأل الله العافية، فالنعمة إذن شكرها أن تصرف في طاعة المنعِم وفيما أنعم به، وفي الجهة التي أنعم الله بها علينا من أجلها. وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ يستفاد منه تحريم كفر النعمة لقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وعندي إشكال من الناحية الإعرابية لأننا ما تكلمنا وقت التفسير، وهي أنه كيف كسرت نون الأفعال الخمسة مع أن نون الأفعال الخمسة مفتوحة، ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ١١، ١٢] وهنا قال: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؟ * طالب: الياء محذوفة (...). * الشيخ: لا ما هي موجودة يا أخي. * طالب: الياء الياء. * طالب آخر: (...) أصلها (...) الوقاية. * الشيخ: أصلها أيش؟ * الطالب: لا تكفروني. * الشيخ: طيب هذه ﴿تكفرونِ﴾. * طالب: حذفت الياء في تكفرون. * طالب: نون وقاية وليست نون الرفع. * الشيخ: إيه، بس ما ترون؟ * طالب: هذه نون الوقاية (...). * الشيخ: إي، هذه نون الوقاية، النون هذه للوقاية وليست نون الفعل؛ يعني نون الرفع، وأصلها لو لم تكن مجزومة، هي جُزمت وحذفت النون للجزم، لو لم تُجزم لكانت تكفرونني، نعم ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: تكفرونني لما جُزمت حذفت النون فصارت تكفروني، وأين الياء؟ * الطالب: حُذفت لتوالي. * طالب: حذفت للترخيم. * الشيخ: حذفت لا للترخيم بل للتخفيف، حذفت للتخفيف، الترخيم في الندا فقط. إذن الفعل هنا مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون الموجودة للوقاية، والياء ياء المتكلم محذوفة للتخفيف. * من فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لِي﴾ ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يعني مخلصين لله عز وجل؛ لأن الشكر طاعة، والطاعة لا بد فيها من الإخلاص ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. * طالب: في الآية تقرر أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه؟ * الشيخ: إي نعم، فيها أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه إي نعم. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ في هذا دليل على فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان، من أين يؤخذ؟ من قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا شك أن الإيمان من أفضل أوصاف الإنسان، وكذلك عبودية الله عز وجل- ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين- من أشرف أوصاف الإنسان، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته يقول: لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَاعَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي يقول: لا تقولي: يا محمد، يا علي، يا خالد، تقولي: يا عبد فلانة؛ فإنه أشرف أسمائي. ولهذا وصف الله نبيه محمد ﷺ بالعبودية في أشرف المقامات عند الرسالة، وعند التحدي، وعند النصرة؛ المهم المقامات الشريفة. * ومن فوائد الآية: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة لقوله ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة ١٥٣]. * ومن فوائد الآية: بيان آثار الصلاة الحميدة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين على الأمور. * ومن فوائد الآية: جواز الاستعانة بغير الله فيما يكون عونًا فيه لقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فاستعانة العبادة لله عز وجل والاستعانة بما يكون سببًا للعون، سببًا صحيحًا للعون هي جائزة أيضًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة. ]]. * ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان لقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ فإن توجيه الخطاب للمؤمنين يدل على أن هذا من مقتضى الإيمان، مثل أن تقول: يا رجل انتبه؛ المعنى أن من صفات الرجولة، أو من مقتضيات الرجولة الانتباه، وتقول: يا كريم، أعطِ المسكين، ومن مقتضى الكرم إعطاء المساكين، فمن مقتضى الإيمان أن الإنسان إذا حصل عليه ضيق أن يستعين بالصلاة. * ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر أوْ لا؟ لأنه يعين على الأمور، والصبر ثقيل على النفس ثقيل جدًّا؛ لأنه مثلًا تجد الإنسان إذا أصابه شيء أو ضيق وده بس يتحرك، لكن عندما يطمئن نفسه يصبرها يصبر والعاقبة للمتقين، ولهذا قال تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] ما قال فاشكر مع إن هذا علم، تلاه الله عليه لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ لأيش قال فاصبر وهو علم يستحق الشكر؟ هذا إشارة إلى إن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازعه ويضاده، ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣] بعدها ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان ٢٣] فستجد معارضة وممانعة عظيمة، ولكن لا تطع آثمًا ولا كفورًا، واضح يا جماعة؟ إذن الصبر شاق على النفوس لكن يجب على الإنسان يصبر لو قالت له نفسه الأمارة بالسوء والعجلة: افعل تخلص، لا اصبر، ولهذا من لم يفق للصبر فاته خير كثير، والذي يصبر أيضًا غالبًا ينتظر الفرج، الغالب أن اللي يصبر ولا سيما بإخلاص وحسن نية فإنه ينتظر الفرج، وانتظار الفرج عبادة وباب للفرج لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]، مثلًا رجل أُصيب بحادث في ماله، تعب تعبًا عظيمًا نفسيًّا، لكنه صبر ينتظر الفرج، وما أسرع الفرج! إنسان مثلًا آذاه شخص آذاه؛ إما بماله، أو بعرضه، أو بأهله، المهم أنه آذاه فتجده يصبر ويتحمل وينتظر الفرج فيحصل له، واضح؟ فإذن الصبر من أكبر الأسباب على العون على الأمور الشاقة ولهذا يقولون: إن الصبر مفتاح الفرج، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جعله مفتاح الفرج، جعل الكرب مفتاح الفرج، ولكن جعل الصبر مفتاح النصر، وهو أعظم من الفرج؛ لأن الفرج زوال مكروه فقط، لكن النصر حصول مطلوب؛ وهو أعلى لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ» أعظم من قول بعضهم: الصبر مفتاح الفرج. إذن الصبر واجب ولَّا لا؟ نقول: الاستعانة به على الأمور أرشد الله إليها. وهو واجب في دفع المصائب، يجب أن تصبر على المصائب، وقد سبق لنا أن مقام الإنسان عند المصائب له مقامات كم؟ كم مقامات الإنسان عند المصائب؟ * الطلبة: ثلاثة. * الشيخ: أو أربع؟ أربع ابدؤوا باللي تعرفونه الأول؟ * طالب: الصبر على طاعة الله. * الشيخ: لا لا، هذه مواضع الصبر، لكن مقامات الإنسان عند المصائب عند المصيبة خاصة له مقامات أربعة: جزَع، وصبر، ورضا، وشكر، هذه مقامات الإنسان عند المصائب، كل إنسان يُصاب بمصيبة لا بد أن يحصله أحد المقامات الأربعة؛ إما جزع وتسخط، وإما صبر، وهو واجب، وإما رضا؛ وهو على القول الراجح مستحب وليس بواجب، وإما شكر وهو أعلى من الرضا وهو مستحب وليس بواجب بالاتفاق، فالجزع حرام، والصبر واجب بالاتفاق، والرضا واجب على قول ومستحب على القول الراجح، والشكر مستحب بالاتفاق فيما أعلم (...). ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] أيش المراد بالمعية هنا؟ * الطلبة: الطمأنة. * الشيخ: التهديد؛ يعنى معناه أنها مقتضية للتهديد؛ فهو شيء فوق الإحاطة؛ التهديد شيء فوق الإحاطة كما أن التأييد والنصر فوق الإحاطة؛ لأن الإحاطة ثابتة في الجميع. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] هذه معية الإحاطة والعلم والقدرة والسلطان وغير ذلك من معاني ربوبيته. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤]، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩] وما أشبهها؛ هذه معية خاصة، والمعية الخاصة أيضًا قسمان: معية مضافة إلى شخص، ومعية مضافة إلى وصف؛ المعية المضافة إلى شخص كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، وقوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. وبإجماع السلف أن المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى في الأرض، بل هي معية تقتضي العلم والإحاطة أو النصر والتأييد أو التهديد كما سبق، لكن مع كون الله عز وجل في السماء على عرشه. وما زعم أحد أنها تقتضي أن يكون في الأرض إلا رجل جاهل بالله وجاهل باللغة العربية. أما جهله بالله فلأنه فهم من هذه الآية الكريمة ما يقتضي الكفر، ومحال أن يكون كلام الله عز وجل دالًّا على الكفر، وأيضًا إذا قال: إن الله في الأرض؛ لأن الذين قالوا: إن الله في الأرض، وفهموا منه هذا الفهم انقسموا إلى قسمين: الجهمية قالوا: إنه في الأرض وليس في السماء، أنكروا علوه، وهذا من الدليل على ارتكاسهم والعياذ بالله؛ حيث أقروا بما ينكره العقل، وأنكروا ما يقتضيه العقل، اقتضاء العقل لكون الله تعالى في الأرض أو كونه في السماء؟ أيهما أقوى؟ * الطلبة: في السماء. * الشيخ: كونه في السماء، وهم إذا قالوا: نأخذ بظاهر الآيتين، نقول: ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] ليس كما زعمتم أنه في الأرض، فإنها أضيفت المعية إلى من؟ إلى الله فتقتضي أن تكون معية خاصة به تليق به. ثانيًا: جهلهم باللغة العربية: هل اللغة العربية تقتضي أن المعية معناها المجامعة والمشاركة في المكان؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، قصدي هي ما تستلزم ذلك، هي قد تقتضي، لكن لا تستلزم ذلك، ولهذا نقول: مثلًا هذا الرجل معه زوجته وهو في مكتبه وهي في بيتها، ويصح، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه في غزة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ». قَالُوا: وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٣) من حديث أنس.]]. فهذا دليل على أن المعية في اللغة العربية لا تقتضي المجامعة والمشاركة في المكان، قصدي لا تستلزم ذلك فلما لم تستلزمه، وعُلم أن هذا المعنى باطل بالنسبة إلى الله تعين أن يكون معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه محيط بنا وهو في السماء على العرش، ولا عاقل يفهم حتى العجوز في خدر بيتها ما تفهم هذا الفهم الذي فهمه هؤلاء الجهمية. وتحذلقت طائفة من الحلولية وقالوا: نحن نأخذ بظاهر القرآن في الموضوعين ونقول: إن الله معنا في الأرض وهو على عرشه في السماء، وهل هذا ممكن؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، غير ممكن؛ لأننا لو قلنا: إن ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ في الأرض أن يكون معنا في الأرض لكان إما متعددًا وإما متجزئًا، وكلاهما باطل، فتعين أن يكون إما في الأرض، وإما في السماء فالتزمت الجهمية الضالة أن يكون في الأرض دون السماء، ولكن أهل السنة والجماعة التزموا ما دل عليه السمع والعقل والفطرة بأن الله تعالى في السماء، وأن معنى المعية التي أضافها إلى نفسه معنى يختص به ولا يقتضي المجامعة في المكان بأي حال من الأحوال. وأنه درجة ينبغي للإنسان ملازمتها لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] فإن الإنسان إذا علم أن الله معه لا شك أنه سوف ينشط على هذا المقام ويحرص عليه، ليس كما إذا لم يعلم بذلك، إذا علمت أن الله معك لا شك أنك سوف تبقى على هذه المرتبة وتحرص عليها، وكون الإنسان يكون الله تعالى معه مسددًا له ومؤيدًا له ومصبرًا له لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ الآن الصبيان بعضهم مع بعض إذا واحد غاضَب الثاني ثم رأوا ثالثًا يقول الواحد منهما: أنت معي ولا معه؟ إذا قال: أنا معك؛ يفرح. ولهذا لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى قوم يتناضلون قال: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ» وأيش سوَّى مع الجماعة الآخرين قالوا: يا رسول الله، إذا كنت معهم خلاص ما نناضلهم. فقال: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع.]] عليه الصلاة والسلام، فإذا علم الإنسان الصابر أن الله معه يسدده ويؤيده ويصبِّره علم أنه سيفتح له باب النصر وأنه سوف يزيل عنه هذا الأمر الذي اقتضى أن يتحمل الصبر وقد قيل: الصبر مثل اسمه. * الطالب: مُرّ مذاقته. * الشيخ: مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل. فاصبر وستجد. الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ مثل اسمه وأيش هو اسمه؟ * الطلبة: صبر. * الشيخ: لا، اسم الصبر، الصبر الطبيعي فيه شيء يُسمى صبر (...).

البقرة 2:154

(لا) هذه نافية ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ ناهية، ولهذا جزمت الفعل والدليل على جزمه؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٤] ﴿لِمَنْ﴾ أي فيمن، والنهي هنا عن القول يشمل القول باللسان والقول بالقلب؛ أما القول باللسان بأن يقول: إنهم ماتوا، والقول بالقلب أن يعتقد أنهم ماتوا، فهمتم؟ وقوله: ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ لمن يقتل في سبيل الله، والمقتول في سبيل الله هو الذي قُتل من أجل أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والناس يختلفون في القتال؛ أي في الباعث لهم عليه، منهم من يكون الباعث له عليه الحميَّة على قومه كقتال العرب؛ لأن العرب يقاتلون حمية؛ يصرحون بذلك يقولون: إننا نقاتل للعروبة، وبهذا يبطلون ما يحصل لهم من الشهادة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري. ]] ولو أنهم قالوا بدلًا من أن نقاتل من أجل العروبة نقاتل من أجل الإسلام وحماية بلاد الإسلام لكانوا يقاتلون في سبيل الله. يقاتل الإنسان شجاعة، أيش معنى شجاعة؟ يعني هو إنسان شجاع يحب القتال، فيقاتل من أجل ذلك، فهل هو في سبيل الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، يقاتل ليُرى مكانه ويُعرف أنه بارز شجاع، هذا أيضًا ليس في سبيل الله، ليس في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فالذي يقتل في سبيل الله؛ أي في طريقه وهو دينه؛ أي من أجل هذا الدين وإعلائه، هذا لا تقولوا أموات. وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره؟ * طالب: هم. * الشيخ: هم أموات. والنهي هنا قد يقول الإنسان إنه مُشكل، كيف لا نقول أموات وهم ماتوا؟ فنقول: إن المراد هنا لا تقولوا أموات موتًا مطلقًا دون الموت اللي هو مفارقة الروح الجسم فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكانوا باقين يأكلون ويشربون، لكن الموت المطلق لا، بدليل الإضراب الإبطالي في قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يعني بل هم أحياء، فأحياء خبر مبتدأ محذوف ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ جمع حي. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٩] عند الله؛ لأنه لو فضلت أرواحهم في أجواف طير خضر.. * طالب: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]. * الشيخ: إي ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ولكن أنتم أيها الأحياء في الدنيا لا تشعرون هذه الحياة في الآخرة، نعم نحن لا نشعر، ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها؛ لأنها من عالم الغيب، وعالم الغيب لا يحيط به شعور الحي، ولهذا يجب التوقف في عالم الغيب على ما جاء به الوحي، ما نتقدم ولا نتأخر، لا في هذا الباب ولا في غيره، حتى في أسماء الله وصفاته، وحتى فيما أخبر الله به عن الجنة وعن النار وما أشبه ذلك يجب علينا أن نتوقف لا نتجاوز ولا نقصر. فلو قال قائل: كيف يعذبون في النار أبد الآبدين ويبقون ونحن نرى أن النار تحرق؟ وأيش الجواب؟ نقول: نعم يحرقون، ولكن تبدل أجسادهم. ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦] وتتقطع أمعاؤهم، تتقطع أمعاؤهم ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥] لكن عالم الآخرة ليس كعالم الدنيا. ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ﴾ لكن هنا هل هي عاملة أو لا؟ * طالب: غير عاملة. * الشيخ: غير عاملة؟ * الطالب: لأنها مخففة. * الشيخ: لأنها مخففة، وإذا خُففت (لكن) لم تعمل، هل على ذلك شاهد من كلام ابن مالك؟ * الطالب: نعم وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ ∗∗∗ .................... * الشيخ: إي، إن. * الطالب: هذه من أخواتها. * الطالب: إي، لكن هذه (لكن). * الطالب: وخففت (لكن) فنوي وَخُفِّفَتْ (كَأَنَّ) أَيْضًا... ∗∗∗ .................... * طالب: شيخ، هل فيه فرق بين (...)؟ * الشيخ: لا فرق بين المهاجم والمدافع. * طالب: لكن يعني اللي في سبيل الله بيروح يزور العدو؟ * الشيخ: كيف يزور العدو؟ وأيشنو يزور العدو؟ (...). ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥]. هذه عدة أشياء، مصائب أربعة: أولًا: قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم، واللام، والنون؛ نون التوكيد، والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح ولَّا لا؟ * طالب: نعم، مبني على الفتح. * الشيخ: وين آخر الفعل؟ * الطالب: الواو. * الشيخ: الواو أصلها (نبلوا)، فلما اتصلت بها نون التوكيد فتحت، فتحت على الفتح. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ وهذا قسم من الله عز وجل مؤكد، و(نبلوا) بمعنى نختبر. وقوله: ﴿نَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الخوف هو الذعر وهو شامل للخوف العام والخوف الخاص، الخوف العام كأن تكون البلاد مهددة بعدو، والخوف الخاص كأن يكون الإنسان يُبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه، وهذا حاصل وهذا حاصل أيضًا. وقوله: ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ الجوع ضد الشبع، والجوع له سببان: السبب الأول: قلة الطعام، والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام، فهمتم؟ هناك سبب ثالث أيضًا: وهو المرض الذي يتعذر معه الشبع، يكون المال كثيرًا والطعام كثيرًا، لكن يأكل ولا يشبع، هذا أيضًا من البلاء، هذا من البلاء. والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه، بل كل المصائب ما تدرك إلا لمن جربها، أما من لم يجرب فإنه لا يدري، وهو له شأن عظيم وكبير، وإذا أردت أن تعرفه فأنت في الصيام في الأيام الطويلة تجد نفسك إذا جعت متألِّمًا متكلفًا خاويًا مع أنك ترجو أنك تفطر يعني ترجو أو تعلم علم اليقين أن هذا الجوع سيزول كيف هذا الجوع الذي يكون ابتلاءً؟ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ﴿نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ الأموال التي للتجارة كالمكاسب. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ هل يشمل المواشي وشبهها، أو نقول: إن المواشي أنفس لكنها داخلة في الأموال؟ * طالب: داخلة في المال. * الشيخ: داخلة في المال، فيكون الأنفس هنا أنفس الآدميين البشر. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ الثمرات هي ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، وهذا يقع أيضًا، تأتي الكوارث نسأل الله السلامة والعافية تجترف الأناسي والمواشي والثمار والأموال وتأتي عواصف كذلك، لكنها عند الكثير من الناس ظواهر طبيعية لا تحرك لهم ضميرًا ولا تفزع لهم شعورًا والعياذ بالله، ما يرونها شيئًا يقولون: هذه كوارث طبيعية، وهذه مسألة يعني جارٍ بها العادة، وهذا خطأ عظيم، هذا خطأ يجب أن نجعل هذه الأشياء من الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد، هذا الابتلاء بالنسبة لمن وقع عليه ظاهر جدًّا، وبالنسبة لمن لم يقع عليه وسمع به ظاهر أيضًا؛ لأنه يختبر من لم يصبه هل يتعظ ويعتبر أوْ لا، أليس كذلك؟ لأن المصاب بهذا الشيء ما فيه شك أنه مبتلى، لكن السالم منه مبتلى أيضًا؛ لأنه يجعله عظة وعبرة لقد قال الله تعالى في القرية التي كانت قردة خاسئين، قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]. وقال سبحانه وتعالى لما ذكر قصص المكذبين للرسل في قصة يوسف أظن: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥]. علِم جل ذكره أن الناس ينقسمون في هذه المصائب التي ابتلوا بها إلى قسمين: صابر، وساخط؛ الساخط هل سخطه يرد القضاء؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يرده، لكن يكون ذلك عليه حسرة، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨]. قبلها ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٦]. لا ليرفع الأمر الواقع، لكن يكون هذا حسرة في القلب، إذا لم يصبر وسخط صار حسرة في قلبه لا يجدي له شيئًا، ولهذا قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، أو تسلو سلو البهائم؛ لأن الإنسان مهما كان الدنيا تتعاقب وينسي بعضها بعضًا فيسلو، وقدِّر الآن في نفسك، هل نحن ما أصبنا بمصائب؟ أصبنا بمصائب؛ بمصائب في أبداننا، بمصائب في أهلينا، وبمصائب بأموالنا، لكن مع مرور الزمن تُنسى، إذن لا نكتسب أجرًا إذا لم نصبر، لكن إذا صبرنا اكتسبنا أجرًا وما قدره الله سوف يقع. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥] من هم الصابرون؟ هم الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، هؤلاء المصابرون في هذا الباب الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، وقد مر علينا أن مقامات الإنسان عند المصيبة أربعة؛ أربعة مقامات. * الطالب: السخط من كل شيء، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر. * الشيخ: نعم أربع مقامات: التسخط، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر، التسخُّط محرم، ولهذا تبرأ النبي ﷺ ممن تسخط، قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه مسلم (١٠٣ / ١٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود. ]] الصبر واجب؛ لأن الله تعالى أمر به في آيات كثيرة، والأصل في الأمر ما هو؟ * الطلبة: الوجوب. * الشيخ: الوجوب، ولأنه لا معنى لعدم التسخط إلا الصبر، أما الرضا فإن في وجوبه لأهل العلم قولين، والصواب أنه سُنة وليس بواجب، وأما الشكر فإنه مستحب بالاتفاق، وهو أعلى من الرضا. نحتاج الآن إلى الفرق بين الرضا والصبر، الفرق بينهما؟ * الطالب: الرضا لما يحب ويكره لما (...). * الشيخ: أصلًا لما يحب مو مصيبة اللي يحب كله مصيبة، خلينا نقول: والله يعطينا اللي (...). * طالب: الرضا أعم من السخط. * الشيخ: يا سلام! ذكرناه ذاك اليوم. * طالب: الصبر أن يحبس نفسه ويجاهدها مع الألم. * الشيخ: إي، مع الألم والكراهة لما وقع، والرضا؟ * الطالب: والرضا أن يرضى بما قدر الله له. * الشيخ: ضد الكراهة؛ يعني معناه أنه يكون لا فرق عنده بين ما وقع وما لم يقع كله واحد، فيكون كالميت بين يدي الغاسل، يعني أنه ما يهمه، ماشي مع قضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر، وإن أصابه ضراء صبر ورضي، ولا يكون في نفسه أقل كراهة، وهذه حالة عظيمة متى تحصل للإنسان، ولهذا الذين قالوا بعدم الوجوب وقالوا بالاستحباب قالوا: إنها شاقة على النفوس، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. أما الشكر، فكيف يشكر من أُصيب؟ الآن لو أمسك واحد منكم وأضربه إن كان يقدر يضرب نضربه مجازاة، وإن ما يقدر؟ * الطالب: يصيح. * الشيخ: يصيح!! وهو يكره، وربما يقول: هذا مطوعنا لا بد أن نصبر عليه، لكن كيف بيشكر؟ نقول: يمكن إن الإنسان يصاب بالمصائب من الله عز وجل ويشكر الله عليها من وجهين: يشكر الله أولًا: إنه يعلم أن الله ما فعل ذلك إلا لحكمة، لحكمة قد يكون من صلاح الإنسان لو يستمر في النعم يمكن يطغى ويزداد ويستعلي؛ لأنه بشر ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. إذا رأى نفسه أنه مستغنٍ، وأنه ما يحتاج إلى أحد ولا شيء ففي الحال ربما يطغى ويزيد والعياذ بالله. فهو يشكر الله أنه على هذه النعمة؛ لأنها قد تكون تربية له، عرفتم؟ مثل ما يضرب الأب ابنه ليؤدبه. ثانيًا: يشكر الله على أن هذه المصائب مفيدة على كل حال غير إفادة تربية الإنسان ومعرفة نفسه، والرجوع إلى الله، مفيدة لأنك إن صبرت أثبت ثواب الصابرين، وإلا إذا لم ترضَ أو لم تشكر فإنك يُكفَّر بها عنك كما أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢ / ٤٩) من حديث عائشة بلفظ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكهَا» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ...».]] إنه يُكفر بها عن الإنسان، إذن يُشكر الله على هذا الأمر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نعم، يشكر الله على هذا الأمر، هذا وجه كون الإنسان يشكر من المصائب. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]. إذا أصابتهم المصيبة وتحقق وقوعها فيهم ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام تشير؟ * طالب: إلى الملك. * الشيخ: للملك يعني إنا ملك لله، والمملوك يفعل فيه المالك ما شاء، فإذا كنا ملكًا لله فهو سبحانه وتعالى ربنا يفعل بنا ما شاء، أوجدنا وأمدنا وأعدنا، وإذا شاء منعنا، فله الأمر كله نحن إلى الله، نحن لله، ثم مع ذلك بإقرارهم بالملك بأنهم مملوكون لله يرجون ثوابه، ولهذا يقولون: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنرجو الذي أصابنا بهذه المصيبة عند رجوعنا إليه أن يجزينا بأفضل منها، فهم جمعوا هنا بين الإقرار بالربوبية في قولهم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وبين الإقرار والإيمان بالجزاء، بالجزاء الذي يستلزم العمل الصالح؛ لأنهم يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنحن نرجو ثوابه مع أنه فعل بنا ما هو ملكه وبيده، وهذا جمعوا بين عمل القلب والنطق باللسان؛ عمل القلب الصبر، والنطق باللسان يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وجاءت السنة بزيادة على هذا أيضًا بأن يقول الإنسان: «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]] واخْلُف ولَّا وأَخْلف؟ * طالب: وأخلف. * الشيخ: أخلف «أَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» من الرباعي؛ لأنه من الثلاثي معناه أن الشيء خلف غيره، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة. ]] أي كن خليفة له، لكن أخْلِف أي اجعل له خلفًا منه، وهنا نقول: أخلِف لي، يعني اجعل لي خلفًا منها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ [سبأ ٣٩]؟ * الطلبة: يُخلفه، يَخلفه. * الشيخ: لا تلحنون، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الله يهديكم ما عندكم شجاعة، ما عندكم شجاعة إطلاقًا كيف تنهزمون أمامي وأنتم على صواب؟ * طالب: فهو يُخْلِفُهُ. * الشيخ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي يجعل له خلفًا، ما هو بهو نفسه يخلفه ويصير بداله (...) يكون يُخلفه يجعل له خلفًا، فإذا كانت من الرباعي فمعنى (أَخْلف عليه) أي جعل له خلفًا عنه، أما إذا كان من الثلاثي (خَلَفَه) هو نفسه صار خلف، عرفتم؟ طيب هنا «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة.]]؟ يعني اجعل لي خلفا خيرًا منها، فإذن نقول: ما أرشد الله إليه، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها؛ إذا قالها الإنسان مؤمنًا محتسبًا آجره الله عز وجل في مصيبته وأخلف له خيرًا منها. والشاهد في هذا قصة أم سلمة رضي الله عنها كانت تحب ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة، ولما مات وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد حدثها بهذا الحديث، قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]]، فكانت تفكر بنفسها تقول: من هو اللي بيصير خلفًا عن أبي سلمة؟ هي مؤمنة بأنه سيوجد خلف خير منه لكن من هو اللي بيصير؟ ما كان يجول في فكرها أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيكون، وسبحان الله من كان خلفًا؟ * طالب: رسول الله ﷺ. * الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام، أخلف الله لها خيرًا منه، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام له عند موته رضي الله عنه قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ»، وَأَخْلِفْهُ فِي عَقِبِه، لا غلط، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة.]]. * طالب: شيخ، وأَخْلفه؟ * الشيخ: لا، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» إي، يعني يكون خلفًا. ما الذي حصل؟ خلفه في عقبه أفضل خليفة، مَنْ؟ النبي عليه الصلاة والسلام، وبقية الأدعية نرجو أنها أُجيبت؛ لأن الله عز وجل كريم جواد. * طالب: شيخ، الآية هذه ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هل نقول: إنه من الصبر الواجب أو من الرضا؟ * الشيخ: لا، هذا من الصبر الواجب. طيب قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وأين خبر إنَّ؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: صائرون. * الشيخ: إنا صائرون لله؟ * الطالب: لا أظن أنها راجعون. * الشيخ: وإنا إليه راجعون الذي بعده؟ * الطالب: راجعون الخبر. * الشيخ: الخبر راجعون؟ * طالب: نعم. * طالب: ممكن نقول: الجار (لله) جملة (...) هذا هو الخبر. * الشيخ: الخبر وين؟ * طالب: فإنا نحن. * طالب: الجملة هذه جملة، هذه الجملة جملة.. * الشيخ: الجار والمجرور هو الخبر، ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ هو الخبر، لكن هل إنه هو الخبر نفسه ولا متعلق بمحذوف تقديره كائنًا؟ * الطلبة: متعلق. * الشيخ: فيها الخلاف على قولين؛ وأما ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فخبر إن قوله: ﴿رَاجِعُونَ﴾ وإليه متعلقة بـ (راجعون)، وقدمت على راجعون لإفادة الحصر هذا من ناحية المعنوية، ولمناسبة الآي من الناحية اللفظية. * طالب: ما يحتاج إلى التقدير؟ * الشيخ: أيهم؟ في الأخيرة؟ * الطالب: في إنا إليه راجعون. * الشيخ: لا ما حاجة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ١٥٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة هنا إشارة للبعيد لعلو مرتبتهم رضي الله عنهم وجعلنا منهم. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المتصفون بهذه الصفات ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عليهم خبر مقدم و﴿صَلَوَاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر صح؟ * طالب: أولئك مبتدأ. * الشيخ: وعليهم صلوات، عليهم: عليهم خبر مقدم، وصلوات مبتدأ مؤخر. * الطالب: لا، صلوات مبتدأ ثانٍ. * الشيخ: طيب وعليهم؟ * الطالب: عليهم خبر مقدم. * الشيخ: مقدم إي، إذن عليهم خبر مقدم وصلوات مبتدأ مؤخر لكنه مبتدأ ثانٍ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ للأول. ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلوات اختلف العلماء في معناها، ولكن أصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى، فالمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعًا لذكرهم وإعلاء لشأنهم. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ رحمة عطفها على الصلوات يدل على أنها مغايرة، ويدل على ضعف من قال إن الصلاة من الله بمعنى الرحمة. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني يزول يحصل لهم بها المطلوب؛ لأن الرحمة إما حصول مطلوب وإما زوال مكروه، فهنا الرحمة تشمل الأمرين: زوال المكروه وحصول المحبوب. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ هذه جملة اسمية مسوقة على سبيل الحصر، ما طريق الحصر هنا؟ * طالب: الإشارة. * الشيخ: لا، الإشارة ما هي من طريق الحصر. * طالب: ضمير الفصل (هم). * الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، وأولئك أي الصابرون الذين يقولون ما ذكر هم المهتدون الذين اهتدوا إلى طريق الحق ووضعوه في نصابه، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية، عكس هؤلاء الذين لا يصبرون على المصائب لا بقلوبهم ولا بألسنتهم ولا بجوارحهم، مهتدون ولَّا ضالون؟ * الطلبة: ضالون. * الشيخ: ضالون، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من أعمال الكفر، فقال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة. ]]، والنياحة عنوان على عدم الصبر، فدل ذلك على أن الهداية في الصبر، وتسليم الأمر إلى الله عز وجل، وانتظار ثوابه واحتسابه، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨]. من فوائد الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]. أولًا: تحريم إطلاق الموت على الشهداء لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ وعلم من قولنا: إطلاق أنه إذا أريد بذلك الموت الذي هو مفارقة الروح الجسد فهو صحيح، ولهذا يقولون دائمًا: مات شهيدًا، فيقيدون هذا الموت، ما يطلقونه. * طالب: شيخ، هل يصح القول: إن هذا شهيد، يعني هم لا يدرون نية الذي هذا مات، هل يصح إن هم يقولون: مات شهيدًا؟ يعني الآن كل ما واحد يموت.. * الشيخ: أما بالنسبة للصحابة فنقول: مات شهيدًا. * الطالب: في غير الصحابة؟ * الشيخ: لا، في هذا الصحابة ما نجزم به المعين، المعين ما نجزم به له، ولكن نقول: من قُتل ظلمًا، من قتل في دفاعه عن الحق فهو شهيد، فيكون الشهادة لهم من باب الشهادة العامة. * طالب: هل يجوز أن نقول: الشهيد كذا وكذا، على اعتبار أنه شهيد؟ * الشيخ: إيه، أولًا: بالنسبة لأحكام الدنيا نعامله معاملة الشهداء، ما نغسله ولا نكفنه ونصلي عليه وندفنه في ثيابه. * طالب: لو قُتل داخل الأرض يعني ليس في جهاد؟ * الشيخ: في الجهاد، في الجهاد بارك الله فيكم، اللي قتل في سبيل الله. * الطالب: يعني أعداؤه قتلوه بالرصاص مثلًا؟ * الشيخ:لا لا ما هو، هذا فيه خلاف بين العلماء، إنما الذي قُتل في سبيل الله، لكن بالنسبة للشهادة له بالشهادة في الآخرة، هذا ما نجزم به، ولكن نقول: من مات على هذا النوع من الموت فهو شهيد، فهذه شهادة عامة مثل ما نقول: كل مؤمن في الجنة، لكن هل تشهد لفلان المعين بأنه في الجنة؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما تشهد، ولهذا ما ينبغي أن نقول: فلان شهيد إلا من ثبتت شهادته بالنص مثل شهداء أحد ونحوهم. * طالب: إذا أجمع على ذلك كثير من الناس؟ * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على أنه شهيد وأن الله اصطفاه؟ * الشيخ: إذا أجمعوا على الثناء عليه فقد اختلف في هذا أهل العلم، شيخ الإسلام يرى أنه يجوز الشهادة له بالجنة، والشهادة له بالشهادة أيضًا، وبعض العلماء يقول: لا، نقف على ما جاء به النص. والحمد لله إذا كان عند الله تعالى من أهل الجنة ومن الشهداء فإن امتناعنا عن الشهادة له لا يمنع ذلك عند الله، واضح؟ وإن كان من غير الشهداء أو غير المؤمنين فإننا نحن عرَّضنا أنفسنا للخطر. * طالب: هل يجوز يعني نطلق على أي واحد مات من الصحابة أنه مات شهيد؛ يعني يجوز يعني إن الإنسان يطلق. * الشيخ: اللي قتلوا في سبيل الله. * الطالب: من الصحابة. * الشيخ: إي؛ لأن شهداء أحد ثبت هذا اللفظ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وأقره الله. * طالب: أظن كان فيه واحد من الصحابة يقول: فلان شهيد، فقال له النبي ﷺ: «كلا (...)». * الشيخ: لا، قالوا: في الجنة. * طالب: قالوا: فلان شهيد (...). * الشيخ: إي، شهيد ولَّا في الجنة؟ * الطالب: إي، هذا قالوا: هنيئا له بالشهادة. * الشيخ: إي، لكن هذا قال شهيد ولَّا في الجنة؟ * طلبة: (...). * الشيخ: على كل حال، هذا يكون خرج به النص، فما نص عليه الرسول ما نتكلم فيه سواء إثباتًا أو سلبًا. قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ فيه إثبات حياة الشهداء لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ويرد على هذا القول أو على هذه الفائدة سؤال: هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟ فإذا قال قائل: ما الدليل على أن الأنبياء أحياء؟ لأنهم أفضل من الشهداء، يعني بلا شك أفضل من الشهداء، وإذا كانوا أفضل وجعل الله تعالى للشهداء هذه الحياة دل هذا على أنهم أحياء، وهذا هو المعروف عند أهل العلم، وإنما جعل الله الشهيد حيًّا؛ لأنه أمات نفسه في سبيل الله، فهو الذي تسبب للموت في سبيل الله، فجزاه الله تعالى على هذا الموت بأن جعله حيًّا عنده. * ويستفاد من هذا: أن فضل الله سبحانه وتعالى على العامل أكمل من عمل العامل؛ وذلك لأن العامل الذي هو الشهيد أمات نفسه، فحرمها بقاء سنتين أو ثلاث سنين أو عشر سنين أو مئة سنة، أليس كذلك؟ لكن حياته بهذه الشهادة لها منتهى؟ أبدًا، إلى البعث، ثم تأتي الحياة الأبدية، وهذا دليل على أن كرم الله تعالى بالعطاء والثواب أكثر من عمل العامل، وهذا أمر معروف لكم جميعًا «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. * ومنها: فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ لأنه نص ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يقصد أن هذا جهاد فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله، لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله، أي: في الطريق الموصل إلى الله أبلغ، نظيرها الآن نحن جميعًا إذا أذن المؤذن توضأنا وجئنا إلى المسجد وصلينا وحرصنا على أن تكون الصلاة كاملة، كذا ولَّا لا؟ هذا واقع، لكن هل نحن نشعر عندما نتوضأ أننا نمتثل أمر الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، ولّا ما نشعر بهذا الشعور؟ * طالب: نشعر. * الشيخ: كلما توضأت؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما في شك، لكن هل تشعر أنك تفعل ما أمر الله بك على سبيل العموم، لكن هل تشعر بأنك الآن تمثل الامتثال لأمر الله عند الوضوء؟ أو تشعر بأنك تتوضأ للصلاة وبس؟ * طالب: أتوضأ للصلاة وبس. * الشيخ: أتوضأ للصلاة وبس، هذا هو الأغلب، يعني: يندر أن الإنسان يتذكر ويقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، فالآن غسلت وجهي وغسلت يدي ومسحت رأسي وغسلت رجلي، عرفتم؟ فالغالب علينا نية العمل لا نية المعمول له، هذا الغالب علينا، كذلك عندما تأتي لتقيم الصلاة تحرص على كمالها وخشوعها، يعني: يندر أنك تستشعر أنك ممتثل لقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، هذا ما أقول: إنه ما يوجد، يوجد، لكنه قليل، أكثر الناس يقول: لأجل أنا أصلي، أكمل صلاتي لأنها أفضل؛ لأنها أفضل من الصلاة الناقصة، لكن شعورنا أن هذا امتثال لأمر ربنا، هذا أمر قليل، المهم أن كلمة ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مهمة ويجب أن تلاحظ. * ومن فوائد الآية: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «إِذَا دُفِنَ الْإِنْسَانُ جَاءَهُ مَلَكَانِ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَجَاءَهُ مَلَكَانِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيَّهِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٤٧٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٩٢) واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. * ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * ومنها: أنهم يتنعمون في الجنة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. * ومنها: إثبات علو الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الصفا والمروة جبلان معروفان، يقال: للصفا جبل أبي قُبَيْس، وللثاني: قُعَيْقِعَان، وهما شرقي الكعبة، وقد كانت أم إسماعيل رضي الله عنها تصعد عليهما لتتحسس هل حولها أحد، وذلك بعد أن نفد منها التمر والماء وتقلص لبنها فجاع ابنها.

البقرة 2:155

(لا) هذه نافية ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ ناهية، ولهذا جزمت الفعل والدليل على جزمه؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٤] ﴿لِمَنْ﴾ أي فيمن، والنهي هنا عن القول يشمل القول باللسان والقول بالقلب؛ أما القول باللسان بأن يقول: إنهم ماتوا، والقول بالقلب أن يعتقد أنهم ماتوا، فهمتم؟ وقوله: ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ لمن يقتل في سبيل الله، والمقتول في سبيل الله هو الذي قُتل من أجل أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والناس يختلفون في القتال؛ أي في الباعث لهم عليه، منهم من يكون الباعث له عليه الحميَّة على قومه كقتال العرب؛ لأن العرب يقاتلون حمية؛ يصرحون بذلك يقولون: إننا نقاتل للعروبة، وبهذا يبطلون ما يحصل لهم من الشهادة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري. ]] ولو أنهم قالوا بدلًا من أن نقاتل من أجل العروبة نقاتل من أجل الإسلام وحماية بلاد الإسلام لكانوا يقاتلون في سبيل الله. يقاتل الإنسان شجاعة، أيش معنى شجاعة؟ يعني هو إنسان شجاع يحب القتال، فيقاتل من أجل ذلك، فهل هو في سبيل الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، يقاتل ليُرى مكانه ويُعرف أنه بارز شجاع، هذا أيضًا ليس في سبيل الله، ليس في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فالذي يقتل في سبيل الله؛ أي في طريقه وهو دينه؛ أي من أجل هذا الدين وإعلائه، هذا لا تقولوا أموات. وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره؟ * طالب: هم. * الشيخ: هم أموات. والنهي هنا قد يقول الإنسان إنه مُشكل، كيف لا نقول أموات وهم ماتوا؟ فنقول: إن المراد هنا لا تقولوا أموات موتًا مطلقًا دون الموت اللي هو مفارقة الروح الجسم فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكانوا باقين يأكلون ويشربون، لكن الموت المطلق لا، بدليل الإضراب الإبطالي في قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يعني بل هم أحياء، فأحياء خبر مبتدأ محذوف ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ جمع حي. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٩] عند الله؛ لأنه لو فضلت أرواحهم في أجواف طير خضر.. * طالب: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]. * الشيخ: إي ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ولكن أنتم أيها الأحياء في الدنيا لا تشعرون هذه الحياة في الآخرة، نعم نحن لا نشعر، ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها؛ لأنها من عالم الغيب، وعالم الغيب لا يحيط به شعور الحي، ولهذا يجب التوقف في عالم الغيب على ما جاء به الوحي، ما نتقدم ولا نتأخر، لا في هذا الباب ولا في غيره، حتى في أسماء الله وصفاته، وحتى فيما أخبر الله به عن الجنة وعن النار وما أشبه ذلك يجب علينا أن نتوقف لا نتجاوز ولا نقصر. فلو قال قائل: كيف يعذبون في النار أبد الآبدين ويبقون ونحن نرى أن النار تحرق؟ وأيش الجواب؟ نقول: نعم يحرقون، ولكن تبدل أجسادهم. ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦] وتتقطع أمعاؤهم، تتقطع أمعاؤهم ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥] لكن عالم الآخرة ليس كعالم الدنيا. ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ﴾ لكن هنا هل هي عاملة أو لا؟ * طالب: غير عاملة. * الشيخ: غير عاملة؟ * الطالب: لأنها مخففة. * الشيخ: لأنها مخففة، وإذا خُففت (لكن) لم تعمل، هل على ذلك شاهد من كلام ابن مالك؟ * الطالب: نعم وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ ∗∗∗ .................... * الشيخ: إي، إن. * الطالب: هذه من أخواتها. * الطالب: إي، لكن هذه (لكن). * الطالب: وخففت (لكن) فنوي وَخُفِّفَتْ (كَأَنَّ) أَيْضًا... ∗∗∗ .................... * طالب: شيخ، هل فيه فرق بين (...)؟ * الشيخ: لا فرق بين المهاجم والمدافع. * طالب: لكن يعني اللي في سبيل الله بيروح يزور العدو؟ * الشيخ: كيف يزور العدو؟ وأيشنو يزور العدو؟ (...). ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥]. هذه عدة أشياء، مصائب أربعة: أولًا: قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم، واللام، والنون؛ نون التوكيد، والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح ولَّا لا؟ * طالب: نعم، مبني على الفتح. * الشيخ: وين آخر الفعل؟ * الطالب: الواو. * الشيخ: الواو أصلها (نبلوا)، فلما اتصلت بها نون التوكيد فتحت، فتحت على الفتح. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ وهذا قسم من الله عز وجل مؤكد، و(نبلوا) بمعنى نختبر. وقوله: ﴿نَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الخوف هو الذعر وهو شامل للخوف العام والخوف الخاص، الخوف العام كأن تكون البلاد مهددة بعدو، والخوف الخاص كأن يكون الإنسان يُبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه، وهذا حاصل وهذا حاصل أيضًا. وقوله: ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ الجوع ضد الشبع، والجوع له سببان: السبب الأول: قلة الطعام، والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام، فهمتم؟ هناك سبب ثالث أيضًا: وهو المرض الذي يتعذر معه الشبع، يكون المال كثيرًا والطعام كثيرًا، لكن يأكل ولا يشبع، هذا أيضًا من البلاء، هذا من البلاء. والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه، بل كل المصائب ما تدرك إلا لمن جربها، أما من لم يجرب فإنه لا يدري، وهو له شأن عظيم وكبير، وإذا أردت أن تعرفه فأنت في الصيام في الأيام الطويلة تجد نفسك إذا جعت متألِّمًا متكلفًا خاويًا مع أنك ترجو أنك تفطر يعني ترجو أو تعلم علم اليقين أن هذا الجوع سيزول كيف هذا الجوع الذي يكون ابتلاءً؟ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ﴿نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ الأموال التي للتجارة كالمكاسب. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ هل يشمل المواشي وشبهها، أو نقول: إن المواشي أنفس لكنها داخلة في الأموال؟ * طالب: داخلة في المال. * الشيخ: داخلة في المال، فيكون الأنفس هنا أنفس الآدميين البشر. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ الثمرات هي ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، وهذا يقع أيضًا، تأتي الكوارث نسأل الله السلامة والعافية تجترف الأناسي والمواشي والثمار والأموال وتأتي عواصف كذلك، لكنها عند الكثير من الناس ظواهر طبيعية لا تحرك لهم ضميرًا ولا تفزع لهم شعورًا والعياذ بالله، ما يرونها شيئًا يقولون: هذه كوارث طبيعية، وهذه مسألة يعني جارٍ بها العادة، وهذا خطأ عظيم، هذا خطأ يجب أن نجعل هذه الأشياء من الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد، هذا الابتلاء بالنسبة لمن وقع عليه ظاهر جدًّا، وبالنسبة لمن لم يقع عليه وسمع به ظاهر أيضًا؛ لأنه يختبر من لم يصبه هل يتعظ ويعتبر أوْ لا، أليس كذلك؟ لأن المصاب بهذا الشيء ما فيه شك أنه مبتلى، لكن السالم منه مبتلى أيضًا؛ لأنه يجعله عظة وعبرة لقد قال الله تعالى في القرية التي كانت قردة خاسئين، قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]. وقال سبحانه وتعالى لما ذكر قصص المكذبين للرسل في قصة يوسف أظن: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥]. علِم جل ذكره أن الناس ينقسمون في هذه المصائب التي ابتلوا بها إلى قسمين: صابر، وساخط؛ الساخط هل سخطه يرد القضاء؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يرده، لكن يكون ذلك عليه حسرة، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨]. قبلها ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٦]. لا ليرفع الأمر الواقع، لكن يكون هذا حسرة في القلب، إذا لم يصبر وسخط صار حسرة في قلبه لا يجدي له شيئًا، ولهذا قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، أو تسلو سلو البهائم؛ لأن الإنسان مهما كان الدنيا تتعاقب وينسي بعضها بعضًا فيسلو، وقدِّر الآن في نفسك، هل نحن ما أصبنا بمصائب؟ أصبنا بمصائب؛ بمصائب في أبداننا، بمصائب في أهلينا، وبمصائب بأموالنا، لكن مع مرور الزمن تُنسى، إذن لا نكتسب أجرًا إذا لم نصبر، لكن إذا صبرنا اكتسبنا أجرًا وما قدره الله سوف يقع. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥] من هم الصابرون؟ هم الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، هؤلاء المصابرون في هذا الباب الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، وقد مر علينا أن مقامات الإنسان عند المصيبة أربعة؛ أربعة مقامات. * الطالب: السخط من كل شيء، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر. * الشيخ: نعم أربع مقامات: التسخط، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر، التسخُّط محرم، ولهذا تبرأ النبي ﷺ ممن تسخط، قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه مسلم (١٠٣ / ١٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود. ]] الصبر واجب؛ لأن الله تعالى أمر به في آيات كثيرة، والأصل في الأمر ما هو؟ * الطلبة: الوجوب. * الشيخ: الوجوب، ولأنه لا معنى لعدم التسخط إلا الصبر، أما الرضا فإن في وجوبه لأهل العلم قولين، والصواب أنه سُنة وليس بواجب، وأما الشكر فإنه مستحب بالاتفاق، وهو أعلى من الرضا. نحتاج الآن إلى الفرق بين الرضا والصبر، الفرق بينهما؟ * الطالب: الرضا لما يحب ويكره لما (...). * الشيخ: أصلًا لما يحب مو مصيبة اللي يحب كله مصيبة، خلينا نقول: والله يعطينا اللي (...). * طالب: الرضا أعم من السخط. * الشيخ: يا سلام! ذكرناه ذاك اليوم. * طالب: الصبر أن يحبس نفسه ويجاهدها مع الألم. * الشيخ: إي، مع الألم والكراهة لما وقع، والرضا؟ * الطالب: والرضا أن يرضى بما قدر الله له. * الشيخ: ضد الكراهة؛ يعني معناه أنه يكون لا فرق عنده بين ما وقع وما لم يقع كله واحد، فيكون كالميت بين يدي الغاسل، يعني أنه ما يهمه، ماشي مع قضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر، وإن أصابه ضراء صبر ورضي، ولا يكون في نفسه أقل كراهة، وهذه حالة عظيمة متى تحصل للإنسان، ولهذا الذين قالوا بعدم الوجوب وقالوا بالاستحباب قالوا: إنها شاقة على النفوس، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. أما الشكر، فكيف يشكر من أُصيب؟ الآن لو أمسك واحد منكم وأضربه إن كان يقدر يضرب نضربه مجازاة، وإن ما يقدر؟ * الطالب: يصيح. * الشيخ: يصيح!! وهو يكره، وربما يقول: هذا مطوعنا لا بد أن نصبر عليه، لكن كيف بيشكر؟ نقول: يمكن إن الإنسان يصاب بالمصائب من الله عز وجل ويشكر الله عليها من وجهين: يشكر الله أولًا: إنه يعلم أن الله ما فعل ذلك إلا لحكمة، لحكمة قد يكون من صلاح الإنسان لو يستمر في النعم يمكن يطغى ويزداد ويستعلي؛ لأنه بشر ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. إذا رأى نفسه أنه مستغنٍ، وأنه ما يحتاج إلى أحد ولا شيء ففي الحال ربما يطغى ويزيد والعياذ بالله. فهو يشكر الله أنه على هذه النعمة؛ لأنها قد تكون تربية له، عرفتم؟ مثل ما يضرب الأب ابنه ليؤدبه. ثانيًا: يشكر الله على أن هذه المصائب مفيدة على كل حال غير إفادة تربية الإنسان ومعرفة نفسه، والرجوع إلى الله، مفيدة لأنك إن صبرت أثبت ثواب الصابرين، وإلا إذا لم ترضَ أو لم تشكر فإنك يُكفَّر بها عنك كما أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢ / ٤٩) من حديث عائشة بلفظ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكهَا» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ...».]] إنه يُكفر بها عن الإنسان، إذن يُشكر الله على هذا الأمر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نعم، يشكر الله على هذا الأمر، هذا وجه كون الإنسان يشكر من المصائب. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]. إذا أصابتهم المصيبة وتحقق وقوعها فيهم ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام تشير؟ * طالب: إلى الملك. * الشيخ: للملك يعني إنا ملك لله، والمملوك يفعل فيه المالك ما شاء، فإذا كنا ملكًا لله فهو سبحانه وتعالى ربنا يفعل بنا ما شاء، أوجدنا وأمدنا وأعدنا، وإذا شاء منعنا، فله الأمر كله نحن إلى الله، نحن لله، ثم مع ذلك بإقرارهم بالملك بأنهم مملوكون لله يرجون ثوابه، ولهذا يقولون: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنرجو الذي أصابنا بهذه المصيبة عند رجوعنا إليه أن يجزينا بأفضل منها، فهم جمعوا هنا بين الإقرار بالربوبية في قولهم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وبين الإقرار والإيمان بالجزاء، بالجزاء الذي يستلزم العمل الصالح؛ لأنهم يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنحن نرجو ثوابه مع أنه فعل بنا ما هو ملكه وبيده، وهذا جمعوا بين عمل القلب والنطق باللسان؛ عمل القلب الصبر، والنطق باللسان يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وجاءت السنة بزيادة على هذا أيضًا بأن يقول الإنسان: «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]] واخْلُف ولَّا وأَخْلف؟ * طالب: وأخلف. * الشيخ: أخلف «أَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» من الرباعي؛ لأنه من الثلاثي معناه أن الشيء خلف غيره، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة. ]] أي كن خليفة له، لكن أخْلِف أي اجعل له خلفًا منه، وهنا نقول: أخلِف لي، يعني اجعل لي خلفًا منها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ [سبأ ٣٩]؟ * الطلبة: يُخلفه، يَخلفه. * الشيخ: لا تلحنون، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الله يهديكم ما عندكم شجاعة، ما عندكم شجاعة إطلاقًا كيف تنهزمون أمامي وأنتم على صواب؟ * طالب: فهو يُخْلِفُهُ. * الشيخ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي يجعل له خلفًا، ما هو بهو نفسه يخلفه ويصير بداله (...) يكون يُخلفه يجعل له خلفًا، فإذا كانت من الرباعي فمعنى (أَخْلف عليه) أي جعل له خلفًا عنه، أما إذا كان من الثلاثي (خَلَفَه) هو نفسه صار خلف، عرفتم؟ طيب هنا «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة.]]؟ يعني اجعل لي خلفا خيرًا منها، فإذن نقول: ما أرشد الله إليه، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها؛ إذا قالها الإنسان مؤمنًا محتسبًا آجره الله عز وجل في مصيبته وأخلف له خيرًا منها. والشاهد في هذا قصة أم سلمة رضي الله عنها كانت تحب ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة، ولما مات وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد حدثها بهذا الحديث، قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]]، فكانت تفكر بنفسها تقول: من هو اللي بيصير خلفًا عن أبي سلمة؟ هي مؤمنة بأنه سيوجد خلف خير منه لكن من هو اللي بيصير؟ ما كان يجول في فكرها أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيكون، وسبحان الله من كان خلفًا؟ * طالب: رسول الله ﷺ. * الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام، أخلف الله لها خيرًا منه، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام له عند موته رضي الله عنه قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ»، وَأَخْلِفْهُ فِي عَقِبِه، لا غلط، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة.]]. * طالب: شيخ، وأَخْلفه؟ * الشيخ: لا، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» إي، يعني يكون خلفًا. ما الذي حصل؟ خلفه في عقبه أفضل خليفة، مَنْ؟ النبي عليه الصلاة والسلام، وبقية الأدعية نرجو أنها أُجيبت؛ لأن الله عز وجل كريم جواد. * طالب: شيخ، الآية هذه ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هل نقول: إنه من الصبر الواجب أو من الرضا؟ * الشيخ: لا، هذا من الصبر الواجب. طيب قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وأين خبر إنَّ؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: صائرون. * الشيخ: إنا صائرون لله؟ * الطالب: لا أظن أنها راجعون. * الشيخ: وإنا إليه راجعون الذي بعده؟ * الطالب: راجعون الخبر. * الشيخ: الخبر راجعون؟ * طالب: نعم. * طالب: ممكن نقول: الجار (لله) جملة (...) هذا هو الخبر. * الشيخ: الخبر وين؟ * طالب: فإنا نحن. * طالب: الجملة هذه جملة، هذه الجملة جملة.. * الشيخ: الجار والمجرور هو الخبر، ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ هو الخبر، لكن هل إنه هو الخبر نفسه ولا متعلق بمحذوف تقديره كائنًا؟ * الطلبة: متعلق. * الشيخ: فيها الخلاف على قولين؛ وأما ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فخبر إن قوله: ﴿رَاجِعُونَ﴾ وإليه متعلقة بـ (راجعون)، وقدمت على راجعون لإفادة الحصر هذا من ناحية المعنوية، ولمناسبة الآي من الناحية اللفظية. * طالب: ما يحتاج إلى التقدير؟ * الشيخ: أيهم؟ في الأخيرة؟ * الطالب: في إنا إليه راجعون. * الشيخ: لا ما حاجة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ١٥٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة هنا إشارة للبعيد لعلو مرتبتهم رضي الله عنهم وجعلنا منهم. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المتصفون بهذه الصفات ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عليهم خبر مقدم و﴿صَلَوَاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر صح؟ * طالب: أولئك مبتدأ. * الشيخ: وعليهم صلوات، عليهم: عليهم خبر مقدم، وصلوات مبتدأ مؤخر. * الطالب: لا، صلوات مبتدأ ثانٍ. * الشيخ: طيب وعليهم؟ * الطالب: عليهم خبر مقدم. * الشيخ: مقدم إي، إذن عليهم خبر مقدم وصلوات مبتدأ مؤخر لكنه مبتدأ ثانٍ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ للأول. ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلوات اختلف العلماء في معناها، ولكن أصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى، فالمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعًا لذكرهم وإعلاء لشأنهم. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ رحمة عطفها على الصلوات يدل على أنها مغايرة، ويدل على ضعف من قال إن الصلاة من الله بمعنى الرحمة. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني يزول يحصل لهم بها المطلوب؛ لأن الرحمة إما حصول مطلوب وإما زوال مكروه، فهنا الرحمة تشمل الأمرين: زوال المكروه وحصول المحبوب. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ هذه جملة اسمية مسوقة على سبيل الحصر، ما طريق الحصر هنا؟ * طالب: الإشارة. * الشيخ: لا، الإشارة ما هي من طريق الحصر. * طالب: ضمير الفصل (هم). * الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، وأولئك أي الصابرون الذين يقولون ما ذكر هم المهتدون الذين اهتدوا إلى طريق الحق ووضعوه في نصابه، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية، عكس هؤلاء الذين لا يصبرون على المصائب لا بقلوبهم ولا بألسنتهم ولا بجوارحهم، مهتدون ولَّا ضالون؟ * الطلبة: ضالون. * الشيخ: ضالون، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من أعمال الكفر، فقال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة. ]]، والنياحة عنوان على عدم الصبر، فدل ذلك على أن الهداية في الصبر، وتسليم الأمر إلى الله عز وجل، وانتظار ثوابه واحتسابه، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨]. من فوائد الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]. أولًا: تحريم إطلاق الموت على الشهداء لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ وعلم من قولنا: إطلاق أنه إذا أريد بذلك الموت الذي هو مفارقة الروح الجسد فهو صحيح، ولهذا يقولون دائمًا: مات شهيدًا، فيقيدون هذا الموت، ما يطلقونه. * طالب: شيخ، هل يصح القول: إن هذا شهيد، يعني هم لا يدرون نية الذي هذا مات، هل يصح إن هم يقولون: مات شهيدًا؟ يعني الآن كل ما واحد يموت.. * الشيخ: أما بالنسبة للصحابة فنقول: مات شهيدًا. * الطالب: في غير الصحابة؟ * الشيخ: لا، في هذا الصحابة ما نجزم به المعين، المعين ما نجزم به له، ولكن نقول: من قُتل ظلمًا، من قتل في دفاعه عن الحق فهو شهيد، فيكون الشهادة لهم من باب الشهادة العامة. * طالب: هل يجوز أن نقول: الشهيد كذا وكذا، على اعتبار أنه شهيد؟ * الشيخ: إيه، أولًا: بالنسبة لأحكام الدنيا نعامله معاملة الشهداء، ما نغسله ولا نكفنه ونصلي عليه وندفنه في ثيابه. * طالب: لو قُتل داخل الأرض يعني ليس في جهاد؟ * الشيخ: في الجهاد، في الجهاد بارك الله فيكم، اللي قتل في سبيل الله. * الطالب: يعني أعداؤه قتلوه بالرصاص مثلًا؟ * الشيخ:لا لا ما هو، هذا فيه خلاف بين العلماء، إنما الذي قُتل في سبيل الله، لكن بالنسبة للشهادة له بالشهادة في الآخرة، هذا ما نجزم به، ولكن نقول: من مات على هذا النوع من الموت فهو شهيد، فهذه شهادة عامة مثل ما نقول: كل مؤمن في الجنة، لكن هل تشهد لفلان المعين بأنه في الجنة؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما تشهد، ولهذا ما ينبغي أن نقول: فلان شهيد إلا من ثبتت شهادته بالنص مثل شهداء أحد ونحوهم. * طالب: إذا أجمع على ذلك كثير من الناس؟ * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على أنه شهيد وأن الله اصطفاه؟ * الشيخ: إذا أجمعوا على الثناء عليه فقد اختلف في هذا أهل العلم، شيخ الإسلام يرى أنه يجوز الشهادة له بالجنة، والشهادة له بالشهادة أيضًا، وبعض العلماء يقول: لا، نقف على ما جاء به النص. والحمد لله إذا كان عند الله تعالى من أهل الجنة ومن الشهداء فإن امتناعنا عن الشهادة له لا يمنع ذلك عند الله، واضح؟ وإن كان من غير الشهداء أو غير المؤمنين فإننا نحن عرَّضنا أنفسنا للخطر. * طالب: هل يجوز يعني نطلق على أي واحد مات من الصحابة أنه مات شهيد؛ يعني يجوز يعني إن الإنسان يطلق. * الشيخ: اللي قتلوا في سبيل الله. * الطالب: من الصحابة. * الشيخ: إي؛ لأن شهداء أحد ثبت هذا اللفظ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وأقره الله. * طالب: أظن كان فيه واحد من الصحابة يقول: فلان شهيد، فقال له النبي ﷺ: «كلا (...)». * الشيخ: لا، قالوا: في الجنة. * طالب: قالوا: فلان شهيد (...). * الشيخ: إي، شهيد ولَّا في الجنة؟ * الطالب: إي، هذا قالوا: هنيئا له بالشهادة. * الشيخ: إي، لكن هذا قال شهيد ولَّا في الجنة؟ * طلبة: (...). * الشيخ: على كل حال، هذا يكون خرج به النص، فما نص عليه الرسول ما نتكلم فيه سواء إثباتًا أو سلبًا. قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ فيه إثبات حياة الشهداء لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ويرد على هذا القول أو على هذه الفائدة سؤال: هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟ فإذا قال قائل: ما الدليل على أن الأنبياء أحياء؟ لأنهم أفضل من الشهداء، يعني بلا شك أفضل من الشهداء، وإذا كانوا أفضل وجعل الله تعالى للشهداء هذه الحياة دل هذا على أنهم أحياء، وهذا هو المعروف عند أهل العلم، وإنما جعل الله الشهيد حيًّا؛ لأنه أمات نفسه في سبيل الله، فهو الذي تسبب للموت في سبيل الله، فجزاه الله تعالى على هذا الموت بأن جعله حيًّا عنده. * ويستفاد من هذا: أن فضل الله سبحانه وتعالى على العامل أكمل من عمل العامل؛ وذلك لأن العامل الذي هو الشهيد أمات نفسه، فحرمها بقاء سنتين أو ثلاث سنين أو عشر سنين أو مئة سنة، أليس كذلك؟ لكن حياته بهذه الشهادة لها منتهى؟ أبدًا، إلى البعث، ثم تأتي الحياة الأبدية، وهذا دليل على أن كرم الله تعالى بالعطاء والثواب أكثر من عمل العامل، وهذا أمر معروف لكم جميعًا «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. * ومنها: فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ لأنه نص ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يقصد أن هذا جهاد فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله، لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله، أي: في الطريق الموصل إلى الله أبلغ، نظيرها الآن نحن جميعًا إذا أذن المؤذن توضأنا وجئنا إلى المسجد وصلينا وحرصنا على أن تكون الصلاة كاملة، كذا ولَّا لا؟ هذا واقع، لكن هل نحن نشعر عندما نتوضأ أننا نمتثل أمر الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، ولّا ما نشعر بهذا الشعور؟ * طالب: نشعر. * الشيخ: كلما توضأت؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما في شك، لكن هل تشعر أنك تفعل ما أمر الله بك على سبيل العموم، لكن هل تشعر بأنك الآن تمثل الامتثال لأمر الله عند الوضوء؟ أو تشعر بأنك تتوضأ للصلاة وبس؟ * طالب: أتوضأ للصلاة وبس. * الشيخ: أتوضأ للصلاة وبس، هذا هو الأغلب، يعني: يندر أن الإنسان يتذكر ويقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، فالآن غسلت وجهي وغسلت يدي ومسحت رأسي وغسلت رجلي، عرفتم؟ فالغالب علينا نية العمل لا نية المعمول له، هذا الغالب علينا، كذلك عندما تأتي لتقيم الصلاة تحرص على كمالها وخشوعها، يعني: يندر أنك تستشعر أنك ممتثل لقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، هذا ما أقول: إنه ما يوجد، يوجد، لكنه قليل، أكثر الناس يقول: لأجل أنا أصلي، أكمل صلاتي لأنها أفضل؛ لأنها أفضل من الصلاة الناقصة، لكن شعورنا أن هذا امتثال لأمر ربنا، هذا أمر قليل، المهم أن كلمة ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مهمة ويجب أن تلاحظ. * ومن فوائد الآية: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «إِذَا دُفِنَ الْإِنْسَانُ جَاءَهُ مَلَكَانِ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَجَاءَهُ مَلَكَانِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيَّهِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٤٧٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٩٢) واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. * ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * ومنها: أنهم يتنعمون في الجنة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. * ومنها: إثبات علو الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الصفا والمروة جبلان معروفان، يقال: للصفا جبل أبي قُبَيْس، وللثاني: قُعَيْقِعَان، وهما شرقي الكعبة، وقد كانت أم إسماعيل رضي الله عنها تصعد عليهما لتتحسس هل حولها أحد، وذلك بعد أن نفد منها التمر والماء وتقلص لبنها فجاع ابنها.

البقرة 2:156

(لا) هذه نافية ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ ناهية، ولهذا جزمت الفعل والدليل على جزمه؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٤] ﴿لِمَنْ﴾ أي فيمن، والنهي هنا عن القول يشمل القول باللسان والقول بالقلب؛ أما القول باللسان بأن يقول: إنهم ماتوا، والقول بالقلب أن يعتقد أنهم ماتوا، فهمتم؟ وقوله: ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ لمن يقتل في سبيل الله، والمقتول في سبيل الله هو الذي قُتل من أجل أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والناس يختلفون في القتال؛ أي في الباعث لهم عليه، منهم من يكون الباعث له عليه الحميَّة على قومه كقتال العرب؛ لأن العرب يقاتلون حمية؛ يصرحون بذلك يقولون: إننا نقاتل للعروبة، وبهذا يبطلون ما يحصل لهم من الشهادة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري. ]] ولو أنهم قالوا بدلًا من أن نقاتل من أجل العروبة نقاتل من أجل الإسلام وحماية بلاد الإسلام لكانوا يقاتلون في سبيل الله. يقاتل الإنسان شجاعة، أيش معنى شجاعة؟ يعني هو إنسان شجاع يحب القتال، فيقاتل من أجل ذلك، فهل هو في سبيل الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، يقاتل ليُرى مكانه ويُعرف أنه بارز شجاع، هذا أيضًا ليس في سبيل الله، ليس في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فالذي يقتل في سبيل الله؛ أي في طريقه وهو دينه؛ أي من أجل هذا الدين وإعلائه، هذا لا تقولوا أموات. وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره؟ * طالب: هم. * الشيخ: هم أموات. والنهي هنا قد يقول الإنسان إنه مُشكل، كيف لا نقول أموات وهم ماتوا؟ فنقول: إن المراد هنا لا تقولوا أموات موتًا مطلقًا دون الموت اللي هو مفارقة الروح الجسم فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكانوا باقين يأكلون ويشربون، لكن الموت المطلق لا، بدليل الإضراب الإبطالي في قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يعني بل هم أحياء، فأحياء خبر مبتدأ محذوف ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ جمع حي. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٩] عند الله؛ لأنه لو فضلت أرواحهم في أجواف طير خضر.. * طالب: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]. * الشيخ: إي ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ولكن أنتم أيها الأحياء في الدنيا لا تشعرون هذه الحياة في الآخرة، نعم نحن لا نشعر، ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها؛ لأنها من عالم الغيب، وعالم الغيب لا يحيط به شعور الحي، ولهذا يجب التوقف في عالم الغيب على ما جاء به الوحي، ما نتقدم ولا نتأخر، لا في هذا الباب ولا في غيره، حتى في أسماء الله وصفاته، وحتى فيما أخبر الله به عن الجنة وعن النار وما أشبه ذلك يجب علينا أن نتوقف لا نتجاوز ولا نقصر. فلو قال قائل: كيف يعذبون في النار أبد الآبدين ويبقون ونحن نرى أن النار تحرق؟ وأيش الجواب؟ نقول: نعم يحرقون، ولكن تبدل أجسادهم. ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦] وتتقطع أمعاؤهم، تتقطع أمعاؤهم ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥] لكن عالم الآخرة ليس كعالم الدنيا. ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ﴾ لكن هنا هل هي عاملة أو لا؟ * طالب: غير عاملة. * الشيخ: غير عاملة؟ * الطالب: لأنها مخففة. * الشيخ: لأنها مخففة، وإذا خُففت (لكن) لم تعمل، هل على ذلك شاهد من كلام ابن مالك؟ * الطالب: نعم وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ ∗∗∗ .................... * الشيخ: إي، إن. * الطالب: هذه من أخواتها. * الطالب: إي، لكن هذه (لكن). * الطالب: وخففت (لكن) فنوي وَخُفِّفَتْ (كَأَنَّ) أَيْضًا... ∗∗∗ .................... * طالب: شيخ، هل فيه فرق بين (...)؟ * الشيخ: لا فرق بين المهاجم والمدافع. * طالب: لكن يعني اللي في سبيل الله بيروح يزور العدو؟ * الشيخ: كيف يزور العدو؟ وأيشنو يزور العدو؟ (...). ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥]. هذه عدة أشياء، مصائب أربعة: أولًا: قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم، واللام، والنون؛ نون التوكيد، والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح ولَّا لا؟ * طالب: نعم، مبني على الفتح. * الشيخ: وين آخر الفعل؟ * الطالب: الواو. * الشيخ: الواو أصلها (نبلوا)، فلما اتصلت بها نون التوكيد فتحت، فتحت على الفتح. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ وهذا قسم من الله عز وجل مؤكد، و(نبلوا) بمعنى نختبر. وقوله: ﴿نَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الخوف هو الذعر وهو شامل للخوف العام والخوف الخاص، الخوف العام كأن تكون البلاد مهددة بعدو، والخوف الخاص كأن يكون الإنسان يُبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه، وهذا حاصل وهذا حاصل أيضًا. وقوله: ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ الجوع ضد الشبع، والجوع له سببان: السبب الأول: قلة الطعام، والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام، فهمتم؟ هناك سبب ثالث أيضًا: وهو المرض الذي يتعذر معه الشبع، يكون المال كثيرًا والطعام كثيرًا، لكن يأكل ولا يشبع، هذا أيضًا من البلاء، هذا من البلاء. والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه، بل كل المصائب ما تدرك إلا لمن جربها، أما من لم يجرب فإنه لا يدري، وهو له شأن عظيم وكبير، وإذا أردت أن تعرفه فأنت في الصيام في الأيام الطويلة تجد نفسك إذا جعت متألِّمًا متكلفًا خاويًا مع أنك ترجو أنك تفطر يعني ترجو أو تعلم علم اليقين أن هذا الجوع سيزول كيف هذا الجوع الذي يكون ابتلاءً؟ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ﴿نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ الأموال التي للتجارة كالمكاسب. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ هل يشمل المواشي وشبهها، أو نقول: إن المواشي أنفس لكنها داخلة في الأموال؟ * طالب: داخلة في المال. * الشيخ: داخلة في المال، فيكون الأنفس هنا أنفس الآدميين البشر. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ الثمرات هي ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، وهذا يقع أيضًا، تأتي الكوارث نسأل الله السلامة والعافية تجترف الأناسي والمواشي والثمار والأموال وتأتي عواصف كذلك، لكنها عند الكثير من الناس ظواهر طبيعية لا تحرك لهم ضميرًا ولا تفزع لهم شعورًا والعياذ بالله، ما يرونها شيئًا يقولون: هذه كوارث طبيعية، وهذه مسألة يعني جارٍ بها العادة، وهذا خطأ عظيم، هذا خطأ يجب أن نجعل هذه الأشياء من الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد، هذا الابتلاء بالنسبة لمن وقع عليه ظاهر جدًّا، وبالنسبة لمن لم يقع عليه وسمع به ظاهر أيضًا؛ لأنه يختبر من لم يصبه هل يتعظ ويعتبر أوْ لا، أليس كذلك؟ لأن المصاب بهذا الشيء ما فيه شك أنه مبتلى، لكن السالم منه مبتلى أيضًا؛ لأنه يجعله عظة وعبرة لقد قال الله تعالى في القرية التي كانت قردة خاسئين، قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]. وقال سبحانه وتعالى لما ذكر قصص المكذبين للرسل في قصة يوسف أظن: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥]. علِم جل ذكره أن الناس ينقسمون في هذه المصائب التي ابتلوا بها إلى قسمين: صابر، وساخط؛ الساخط هل سخطه يرد القضاء؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يرده، لكن يكون ذلك عليه حسرة، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨]. قبلها ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٦]. لا ليرفع الأمر الواقع، لكن يكون هذا حسرة في القلب، إذا لم يصبر وسخط صار حسرة في قلبه لا يجدي له شيئًا، ولهذا قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، أو تسلو سلو البهائم؛ لأن الإنسان مهما كان الدنيا تتعاقب وينسي بعضها بعضًا فيسلو، وقدِّر الآن في نفسك، هل نحن ما أصبنا بمصائب؟ أصبنا بمصائب؛ بمصائب في أبداننا، بمصائب في أهلينا، وبمصائب بأموالنا، لكن مع مرور الزمن تُنسى، إذن لا نكتسب أجرًا إذا لم نصبر، لكن إذا صبرنا اكتسبنا أجرًا وما قدره الله سوف يقع. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥] من هم الصابرون؟ هم الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، هؤلاء المصابرون في هذا الباب الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، وقد مر علينا أن مقامات الإنسان عند المصيبة أربعة؛ أربعة مقامات. * الطالب: السخط من كل شيء، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر. * الشيخ: نعم أربع مقامات: التسخط، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر، التسخُّط محرم، ولهذا تبرأ النبي ﷺ ممن تسخط، قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه مسلم (١٠٣ / ١٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود. ]] الصبر واجب؛ لأن الله تعالى أمر به في آيات كثيرة، والأصل في الأمر ما هو؟ * الطلبة: الوجوب. * الشيخ: الوجوب، ولأنه لا معنى لعدم التسخط إلا الصبر، أما الرضا فإن في وجوبه لأهل العلم قولين، والصواب أنه سُنة وليس بواجب، وأما الشكر فإنه مستحب بالاتفاق، وهو أعلى من الرضا. نحتاج الآن إلى الفرق بين الرضا والصبر، الفرق بينهما؟ * الطالب: الرضا لما يحب ويكره لما (...). * الشيخ: أصلًا لما يحب مو مصيبة اللي يحب كله مصيبة، خلينا نقول: والله يعطينا اللي (...). * طالب: الرضا أعم من السخط. * الشيخ: يا سلام! ذكرناه ذاك اليوم. * طالب: الصبر أن يحبس نفسه ويجاهدها مع الألم. * الشيخ: إي، مع الألم والكراهة لما وقع، والرضا؟ * الطالب: والرضا أن يرضى بما قدر الله له. * الشيخ: ضد الكراهة؛ يعني معناه أنه يكون لا فرق عنده بين ما وقع وما لم يقع كله واحد، فيكون كالميت بين يدي الغاسل، يعني أنه ما يهمه، ماشي مع قضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر، وإن أصابه ضراء صبر ورضي، ولا يكون في نفسه أقل كراهة، وهذه حالة عظيمة متى تحصل للإنسان، ولهذا الذين قالوا بعدم الوجوب وقالوا بالاستحباب قالوا: إنها شاقة على النفوس، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. أما الشكر، فكيف يشكر من أُصيب؟ الآن لو أمسك واحد منكم وأضربه إن كان يقدر يضرب نضربه مجازاة، وإن ما يقدر؟ * الطالب: يصيح. * الشيخ: يصيح!! وهو يكره، وربما يقول: هذا مطوعنا لا بد أن نصبر عليه، لكن كيف بيشكر؟ نقول: يمكن إن الإنسان يصاب بالمصائب من الله عز وجل ويشكر الله عليها من وجهين: يشكر الله أولًا: إنه يعلم أن الله ما فعل ذلك إلا لحكمة، لحكمة قد يكون من صلاح الإنسان لو يستمر في النعم يمكن يطغى ويزداد ويستعلي؛ لأنه بشر ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. إذا رأى نفسه أنه مستغنٍ، وأنه ما يحتاج إلى أحد ولا شيء ففي الحال ربما يطغى ويزيد والعياذ بالله. فهو يشكر الله أنه على هذه النعمة؛ لأنها قد تكون تربية له، عرفتم؟ مثل ما يضرب الأب ابنه ليؤدبه. ثانيًا: يشكر الله على أن هذه المصائب مفيدة على كل حال غير إفادة تربية الإنسان ومعرفة نفسه، والرجوع إلى الله، مفيدة لأنك إن صبرت أثبت ثواب الصابرين، وإلا إذا لم ترضَ أو لم تشكر فإنك يُكفَّر بها عنك كما أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢ / ٤٩) من حديث عائشة بلفظ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكهَا» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ...».]] إنه يُكفر بها عن الإنسان، إذن يُشكر الله على هذا الأمر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نعم، يشكر الله على هذا الأمر، هذا وجه كون الإنسان يشكر من المصائب. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]. إذا أصابتهم المصيبة وتحقق وقوعها فيهم ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام تشير؟ * طالب: إلى الملك. * الشيخ: للملك يعني إنا ملك لله، والمملوك يفعل فيه المالك ما شاء، فإذا كنا ملكًا لله فهو سبحانه وتعالى ربنا يفعل بنا ما شاء، أوجدنا وأمدنا وأعدنا، وإذا شاء منعنا، فله الأمر كله نحن إلى الله، نحن لله، ثم مع ذلك بإقرارهم بالملك بأنهم مملوكون لله يرجون ثوابه، ولهذا يقولون: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنرجو الذي أصابنا بهذه المصيبة عند رجوعنا إليه أن يجزينا بأفضل منها، فهم جمعوا هنا بين الإقرار بالربوبية في قولهم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وبين الإقرار والإيمان بالجزاء، بالجزاء الذي يستلزم العمل الصالح؛ لأنهم يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنحن نرجو ثوابه مع أنه فعل بنا ما هو ملكه وبيده، وهذا جمعوا بين عمل القلب والنطق باللسان؛ عمل القلب الصبر، والنطق باللسان يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وجاءت السنة بزيادة على هذا أيضًا بأن يقول الإنسان: «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]] واخْلُف ولَّا وأَخْلف؟ * طالب: وأخلف. * الشيخ: أخلف «أَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» من الرباعي؛ لأنه من الثلاثي معناه أن الشيء خلف غيره، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة. ]] أي كن خليفة له، لكن أخْلِف أي اجعل له خلفًا منه، وهنا نقول: أخلِف لي، يعني اجعل لي خلفًا منها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ [سبأ ٣٩]؟ * الطلبة: يُخلفه، يَخلفه. * الشيخ: لا تلحنون، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الله يهديكم ما عندكم شجاعة، ما عندكم شجاعة إطلاقًا كيف تنهزمون أمامي وأنتم على صواب؟ * طالب: فهو يُخْلِفُهُ. * الشيخ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي يجعل له خلفًا، ما هو بهو نفسه يخلفه ويصير بداله (...) يكون يُخلفه يجعل له خلفًا، فإذا كانت من الرباعي فمعنى (أَخْلف عليه) أي جعل له خلفًا عنه، أما إذا كان من الثلاثي (خَلَفَه) هو نفسه صار خلف، عرفتم؟ طيب هنا «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة.]]؟ يعني اجعل لي خلفا خيرًا منها، فإذن نقول: ما أرشد الله إليه، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها؛ إذا قالها الإنسان مؤمنًا محتسبًا آجره الله عز وجل في مصيبته وأخلف له خيرًا منها. والشاهد في هذا قصة أم سلمة رضي الله عنها كانت تحب ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة، ولما مات وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد حدثها بهذا الحديث، قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]]، فكانت تفكر بنفسها تقول: من هو اللي بيصير خلفًا عن أبي سلمة؟ هي مؤمنة بأنه سيوجد خلف خير منه لكن من هو اللي بيصير؟ ما كان يجول في فكرها أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيكون، وسبحان الله من كان خلفًا؟ * طالب: رسول الله ﷺ. * الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام، أخلف الله لها خيرًا منه، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام له عند موته رضي الله عنه قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ»، وَأَخْلِفْهُ فِي عَقِبِه، لا غلط، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة.]]. * طالب: شيخ، وأَخْلفه؟ * الشيخ: لا، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» إي، يعني يكون خلفًا. ما الذي حصل؟ خلفه في عقبه أفضل خليفة، مَنْ؟ النبي عليه الصلاة والسلام، وبقية الأدعية نرجو أنها أُجيبت؛ لأن الله عز وجل كريم جواد. * طالب: شيخ، الآية هذه ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هل نقول: إنه من الصبر الواجب أو من الرضا؟ * الشيخ: لا، هذا من الصبر الواجب. طيب قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وأين خبر إنَّ؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: صائرون. * الشيخ: إنا صائرون لله؟ * الطالب: لا أظن أنها راجعون. * الشيخ: وإنا إليه راجعون الذي بعده؟ * الطالب: راجعون الخبر. * الشيخ: الخبر راجعون؟ * طالب: نعم. * طالب: ممكن نقول: الجار (لله) جملة (...) هذا هو الخبر. * الشيخ: الخبر وين؟ * طالب: فإنا نحن. * طالب: الجملة هذه جملة، هذه الجملة جملة.. * الشيخ: الجار والمجرور هو الخبر، ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ هو الخبر، لكن هل إنه هو الخبر نفسه ولا متعلق بمحذوف تقديره كائنًا؟ * الطلبة: متعلق. * الشيخ: فيها الخلاف على قولين؛ وأما ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فخبر إن قوله: ﴿رَاجِعُونَ﴾ وإليه متعلقة بـ (راجعون)، وقدمت على راجعون لإفادة الحصر هذا من ناحية المعنوية، ولمناسبة الآي من الناحية اللفظية. * طالب: ما يحتاج إلى التقدير؟ * الشيخ: أيهم؟ في الأخيرة؟ * الطالب: في إنا إليه راجعون. * الشيخ: لا ما حاجة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ١٥٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة هنا إشارة للبعيد لعلو مرتبتهم رضي الله عنهم وجعلنا منهم. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المتصفون بهذه الصفات ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عليهم خبر مقدم و﴿صَلَوَاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر صح؟ * طالب: أولئك مبتدأ. * الشيخ: وعليهم صلوات، عليهم: عليهم خبر مقدم، وصلوات مبتدأ مؤخر. * الطالب: لا، صلوات مبتدأ ثانٍ. * الشيخ: طيب وعليهم؟ * الطالب: عليهم خبر مقدم. * الشيخ: مقدم إي، إذن عليهم خبر مقدم وصلوات مبتدأ مؤخر لكنه مبتدأ ثانٍ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ للأول. ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلوات اختلف العلماء في معناها، ولكن أصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى، فالمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعًا لذكرهم وإعلاء لشأنهم. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ رحمة عطفها على الصلوات يدل على أنها مغايرة، ويدل على ضعف من قال إن الصلاة من الله بمعنى الرحمة. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني يزول يحصل لهم بها المطلوب؛ لأن الرحمة إما حصول مطلوب وإما زوال مكروه، فهنا الرحمة تشمل الأمرين: زوال المكروه وحصول المحبوب. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ هذه جملة اسمية مسوقة على سبيل الحصر، ما طريق الحصر هنا؟ * طالب: الإشارة. * الشيخ: لا، الإشارة ما هي من طريق الحصر. * طالب: ضمير الفصل (هم). * الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، وأولئك أي الصابرون الذين يقولون ما ذكر هم المهتدون الذين اهتدوا إلى طريق الحق ووضعوه في نصابه، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية، عكس هؤلاء الذين لا يصبرون على المصائب لا بقلوبهم ولا بألسنتهم ولا بجوارحهم، مهتدون ولَّا ضالون؟ * الطلبة: ضالون. * الشيخ: ضالون، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من أعمال الكفر، فقال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة. ]]، والنياحة عنوان على عدم الصبر، فدل ذلك على أن الهداية في الصبر، وتسليم الأمر إلى الله عز وجل، وانتظار ثوابه واحتسابه، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨]. من فوائد الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]. أولًا: تحريم إطلاق الموت على الشهداء لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ وعلم من قولنا: إطلاق أنه إذا أريد بذلك الموت الذي هو مفارقة الروح الجسد فهو صحيح، ولهذا يقولون دائمًا: مات شهيدًا، فيقيدون هذا الموت، ما يطلقونه. * طالب: شيخ، هل يصح القول: إن هذا شهيد، يعني هم لا يدرون نية الذي هذا مات، هل يصح إن هم يقولون: مات شهيدًا؟ يعني الآن كل ما واحد يموت.. * الشيخ: أما بالنسبة للصحابة فنقول: مات شهيدًا. * الطالب: في غير الصحابة؟ * الشيخ: لا، في هذا الصحابة ما نجزم به المعين، المعين ما نجزم به له، ولكن نقول: من قُتل ظلمًا، من قتل في دفاعه عن الحق فهو شهيد، فيكون الشهادة لهم من باب الشهادة العامة. * طالب: هل يجوز أن نقول: الشهيد كذا وكذا، على اعتبار أنه شهيد؟ * الشيخ: إيه، أولًا: بالنسبة لأحكام الدنيا نعامله معاملة الشهداء، ما نغسله ولا نكفنه ونصلي عليه وندفنه في ثيابه. * طالب: لو قُتل داخل الأرض يعني ليس في جهاد؟ * الشيخ: في الجهاد، في الجهاد بارك الله فيكم، اللي قتل في سبيل الله. * الطالب: يعني أعداؤه قتلوه بالرصاص مثلًا؟ * الشيخ:لا لا ما هو، هذا فيه خلاف بين العلماء، إنما الذي قُتل في سبيل الله، لكن بالنسبة للشهادة له بالشهادة في الآخرة، هذا ما نجزم به، ولكن نقول: من مات على هذا النوع من الموت فهو شهيد، فهذه شهادة عامة مثل ما نقول: كل مؤمن في الجنة، لكن هل تشهد لفلان المعين بأنه في الجنة؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما تشهد، ولهذا ما ينبغي أن نقول: فلان شهيد إلا من ثبتت شهادته بالنص مثل شهداء أحد ونحوهم. * طالب: إذا أجمع على ذلك كثير من الناس؟ * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على أنه شهيد وأن الله اصطفاه؟ * الشيخ: إذا أجمعوا على الثناء عليه فقد اختلف في هذا أهل العلم، شيخ الإسلام يرى أنه يجوز الشهادة له بالجنة، والشهادة له بالشهادة أيضًا، وبعض العلماء يقول: لا، نقف على ما جاء به النص. والحمد لله إذا كان عند الله تعالى من أهل الجنة ومن الشهداء فإن امتناعنا عن الشهادة له لا يمنع ذلك عند الله، واضح؟ وإن كان من غير الشهداء أو غير المؤمنين فإننا نحن عرَّضنا أنفسنا للخطر. * طالب: هل يجوز يعني نطلق على أي واحد مات من الصحابة أنه مات شهيد؛ يعني يجوز يعني إن الإنسان يطلق. * الشيخ: اللي قتلوا في سبيل الله. * الطالب: من الصحابة. * الشيخ: إي؛ لأن شهداء أحد ثبت هذا اللفظ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وأقره الله. * طالب: أظن كان فيه واحد من الصحابة يقول: فلان شهيد، فقال له النبي ﷺ: «كلا (...)». * الشيخ: لا، قالوا: في الجنة. * طالب: قالوا: فلان شهيد (...). * الشيخ: إي، شهيد ولَّا في الجنة؟ * الطالب: إي، هذا قالوا: هنيئا له بالشهادة. * الشيخ: إي، لكن هذا قال شهيد ولَّا في الجنة؟ * طلبة: (...). * الشيخ: على كل حال، هذا يكون خرج به النص، فما نص عليه الرسول ما نتكلم فيه سواء إثباتًا أو سلبًا. قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ فيه إثبات حياة الشهداء لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ويرد على هذا القول أو على هذه الفائدة سؤال: هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟ فإذا قال قائل: ما الدليل على أن الأنبياء أحياء؟ لأنهم أفضل من الشهداء، يعني بلا شك أفضل من الشهداء، وإذا كانوا أفضل وجعل الله تعالى للشهداء هذه الحياة دل هذا على أنهم أحياء، وهذا هو المعروف عند أهل العلم، وإنما جعل الله الشهيد حيًّا؛ لأنه أمات نفسه في سبيل الله، فهو الذي تسبب للموت في سبيل الله، فجزاه الله تعالى على هذا الموت بأن جعله حيًّا عنده. * ويستفاد من هذا: أن فضل الله سبحانه وتعالى على العامل أكمل من عمل العامل؛ وذلك لأن العامل الذي هو الشهيد أمات نفسه، فحرمها بقاء سنتين أو ثلاث سنين أو عشر سنين أو مئة سنة، أليس كذلك؟ لكن حياته بهذه الشهادة لها منتهى؟ أبدًا، إلى البعث، ثم تأتي الحياة الأبدية، وهذا دليل على أن كرم الله تعالى بالعطاء والثواب أكثر من عمل العامل، وهذا أمر معروف لكم جميعًا «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. * ومنها: فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ لأنه نص ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يقصد أن هذا جهاد فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله، لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله، أي: في الطريق الموصل إلى الله أبلغ، نظيرها الآن نحن جميعًا إذا أذن المؤذن توضأنا وجئنا إلى المسجد وصلينا وحرصنا على أن تكون الصلاة كاملة، كذا ولَّا لا؟ هذا واقع، لكن هل نحن نشعر عندما نتوضأ أننا نمتثل أمر الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، ولّا ما نشعر بهذا الشعور؟ * طالب: نشعر. * الشيخ: كلما توضأت؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما في شك، لكن هل تشعر أنك تفعل ما أمر الله بك على سبيل العموم، لكن هل تشعر بأنك الآن تمثل الامتثال لأمر الله عند الوضوء؟ أو تشعر بأنك تتوضأ للصلاة وبس؟ * طالب: أتوضأ للصلاة وبس. * الشيخ: أتوضأ للصلاة وبس، هذا هو الأغلب، يعني: يندر أن الإنسان يتذكر ويقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، فالآن غسلت وجهي وغسلت يدي ومسحت رأسي وغسلت رجلي، عرفتم؟ فالغالب علينا نية العمل لا نية المعمول له، هذا الغالب علينا، كذلك عندما تأتي لتقيم الصلاة تحرص على كمالها وخشوعها، يعني: يندر أنك تستشعر أنك ممتثل لقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، هذا ما أقول: إنه ما يوجد، يوجد، لكنه قليل، أكثر الناس يقول: لأجل أنا أصلي، أكمل صلاتي لأنها أفضل؛ لأنها أفضل من الصلاة الناقصة، لكن شعورنا أن هذا امتثال لأمر ربنا، هذا أمر قليل، المهم أن كلمة ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مهمة ويجب أن تلاحظ. * ومن فوائد الآية: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «إِذَا دُفِنَ الْإِنْسَانُ جَاءَهُ مَلَكَانِ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَجَاءَهُ مَلَكَانِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيَّهِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٤٧٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٩٢) واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. * ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * ومنها: أنهم يتنعمون في الجنة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. * ومنها: إثبات علو الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الصفا والمروة جبلان معروفان، يقال: للصفا جبل أبي قُبَيْس، وللثاني: قُعَيْقِعَان، وهما شرقي الكعبة، وقد كانت أم إسماعيل رضي الله عنها تصعد عليهما لتتحسس هل حولها أحد، وذلك بعد أن نفد منها التمر والماء وتقلص لبنها فجاع ابنها.

البقرة 2:157

(لا) هذه نافية ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ ناهية، ولهذا جزمت الفعل والدليل على جزمه؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٤] ﴿لِمَنْ﴾ أي فيمن، والنهي هنا عن القول يشمل القول باللسان والقول بالقلب؛ أما القول باللسان بأن يقول: إنهم ماتوا، والقول بالقلب أن يعتقد أنهم ماتوا، فهمتم؟ وقوله: ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ لمن يقتل في سبيل الله، والمقتول في سبيل الله هو الذي قُتل من أجل أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والناس يختلفون في القتال؛ أي في الباعث لهم عليه، منهم من يكون الباعث له عليه الحميَّة على قومه كقتال العرب؛ لأن العرب يقاتلون حمية؛ يصرحون بذلك يقولون: إننا نقاتل للعروبة، وبهذا يبطلون ما يحصل لهم من الشهادة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري. ]] ولو أنهم قالوا بدلًا من أن نقاتل من أجل العروبة نقاتل من أجل الإسلام وحماية بلاد الإسلام لكانوا يقاتلون في سبيل الله. يقاتل الإنسان شجاعة، أيش معنى شجاعة؟ يعني هو إنسان شجاع يحب القتال، فيقاتل من أجل ذلك، فهل هو في سبيل الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، يقاتل ليُرى مكانه ويُعرف أنه بارز شجاع، هذا أيضًا ليس في سبيل الله، ليس في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فالذي يقتل في سبيل الله؛ أي في طريقه وهو دينه؛ أي من أجل هذا الدين وإعلائه، هذا لا تقولوا أموات. وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره؟ * طالب: هم. * الشيخ: هم أموات. والنهي هنا قد يقول الإنسان إنه مُشكل، كيف لا نقول أموات وهم ماتوا؟ فنقول: إن المراد هنا لا تقولوا أموات موتًا مطلقًا دون الموت اللي هو مفارقة الروح الجسم فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكانوا باقين يأكلون ويشربون، لكن الموت المطلق لا، بدليل الإضراب الإبطالي في قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يعني بل هم أحياء، فأحياء خبر مبتدأ محذوف ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ جمع حي. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٩] عند الله؛ لأنه لو فضلت أرواحهم في أجواف طير خضر.. * طالب: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]. * الشيخ: إي ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ولكن أنتم أيها الأحياء في الدنيا لا تشعرون هذه الحياة في الآخرة، نعم نحن لا نشعر، ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها؛ لأنها من عالم الغيب، وعالم الغيب لا يحيط به شعور الحي، ولهذا يجب التوقف في عالم الغيب على ما جاء به الوحي، ما نتقدم ولا نتأخر، لا في هذا الباب ولا في غيره، حتى في أسماء الله وصفاته، وحتى فيما أخبر الله به عن الجنة وعن النار وما أشبه ذلك يجب علينا أن نتوقف لا نتجاوز ولا نقصر. فلو قال قائل: كيف يعذبون في النار أبد الآبدين ويبقون ونحن نرى أن النار تحرق؟ وأيش الجواب؟ نقول: نعم يحرقون، ولكن تبدل أجسادهم. ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦] وتتقطع أمعاؤهم، تتقطع أمعاؤهم ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥] لكن عالم الآخرة ليس كعالم الدنيا. ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ﴾ لكن هنا هل هي عاملة أو لا؟ * طالب: غير عاملة. * الشيخ: غير عاملة؟ * الطالب: لأنها مخففة. * الشيخ: لأنها مخففة، وإذا خُففت (لكن) لم تعمل، هل على ذلك شاهد من كلام ابن مالك؟ * الطالب: نعم وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ ∗∗∗ .................... * الشيخ: إي، إن. * الطالب: هذه من أخواتها. * الطالب: إي، لكن هذه (لكن). * الطالب: وخففت (لكن) فنوي وَخُفِّفَتْ (كَأَنَّ) أَيْضًا... ∗∗∗ .................... * طالب: شيخ، هل فيه فرق بين (...)؟ * الشيخ: لا فرق بين المهاجم والمدافع. * طالب: لكن يعني اللي في سبيل الله بيروح يزور العدو؟ * الشيخ: كيف يزور العدو؟ وأيشنو يزور العدو؟ (...). ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥]. هذه عدة أشياء، مصائب أربعة: أولًا: قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم، واللام، والنون؛ نون التوكيد، والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح ولَّا لا؟ * طالب: نعم، مبني على الفتح. * الشيخ: وين آخر الفعل؟ * الطالب: الواو. * الشيخ: الواو أصلها (نبلوا)، فلما اتصلت بها نون التوكيد فتحت، فتحت على الفتح. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ وهذا قسم من الله عز وجل مؤكد، و(نبلوا) بمعنى نختبر. وقوله: ﴿نَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الخوف هو الذعر وهو شامل للخوف العام والخوف الخاص، الخوف العام كأن تكون البلاد مهددة بعدو، والخوف الخاص كأن يكون الإنسان يُبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه، وهذا حاصل وهذا حاصل أيضًا. وقوله: ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ الجوع ضد الشبع، والجوع له سببان: السبب الأول: قلة الطعام، والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام، فهمتم؟ هناك سبب ثالث أيضًا: وهو المرض الذي يتعذر معه الشبع، يكون المال كثيرًا والطعام كثيرًا، لكن يأكل ولا يشبع، هذا أيضًا من البلاء، هذا من البلاء. والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه، بل كل المصائب ما تدرك إلا لمن جربها، أما من لم يجرب فإنه لا يدري، وهو له شأن عظيم وكبير، وإذا أردت أن تعرفه فأنت في الصيام في الأيام الطويلة تجد نفسك إذا جعت متألِّمًا متكلفًا خاويًا مع أنك ترجو أنك تفطر يعني ترجو أو تعلم علم اليقين أن هذا الجوع سيزول كيف هذا الجوع الذي يكون ابتلاءً؟ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ﴿نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ الأموال التي للتجارة كالمكاسب. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ هل يشمل المواشي وشبهها، أو نقول: إن المواشي أنفس لكنها داخلة في الأموال؟ * طالب: داخلة في المال. * الشيخ: داخلة في المال، فيكون الأنفس هنا أنفس الآدميين البشر. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ الثمرات هي ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، وهذا يقع أيضًا، تأتي الكوارث نسأل الله السلامة والعافية تجترف الأناسي والمواشي والثمار والأموال وتأتي عواصف كذلك، لكنها عند الكثير من الناس ظواهر طبيعية لا تحرك لهم ضميرًا ولا تفزع لهم شعورًا والعياذ بالله، ما يرونها شيئًا يقولون: هذه كوارث طبيعية، وهذه مسألة يعني جارٍ بها العادة، وهذا خطأ عظيم، هذا خطأ يجب أن نجعل هذه الأشياء من الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد، هذا الابتلاء بالنسبة لمن وقع عليه ظاهر جدًّا، وبالنسبة لمن لم يقع عليه وسمع به ظاهر أيضًا؛ لأنه يختبر من لم يصبه هل يتعظ ويعتبر أوْ لا، أليس كذلك؟ لأن المصاب بهذا الشيء ما فيه شك أنه مبتلى، لكن السالم منه مبتلى أيضًا؛ لأنه يجعله عظة وعبرة لقد قال الله تعالى في القرية التي كانت قردة خاسئين، قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]. وقال سبحانه وتعالى لما ذكر قصص المكذبين للرسل في قصة يوسف أظن: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥]. علِم جل ذكره أن الناس ينقسمون في هذه المصائب التي ابتلوا بها إلى قسمين: صابر، وساخط؛ الساخط هل سخطه يرد القضاء؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يرده، لكن يكون ذلك عليه حسرة، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨]. قبلها ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٦]. لا ليرفع الأمر الواقع، لكن يكون هذا حسرة في القلب، إذا لم يصبر وسخط صار حسرة في قلبه لا يجدي له شيئًا، ولهذا قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، أو تسلو سلو البهائم؛ لأن الإنسان مهما كان الدنيا تتعاقب وينسي بعضها بعضًا فيسلو، وقدِّر الآن في نفسك، هل نحن ما أصبنا بمصائب؟ أصبنا بمصائب؛ بمصائب في أبداننا، بمصائب في أهلينا، وبمصائب بأموالنا، لكن مع مرور الزمن تُنسى، إذن لا نكتسب أجرًا إذا لم نصبر، لكن إذا صبرنا اكتسبنا أجرًا وما قدره الله سوف يقع. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥] من هم الصابرون؟ هم الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، هؤلاء المصابرون في هذا الباب الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، وقد مر علينا أن مقامات الإنسان عند المصيبة أربعة؛ أربعة مقامات. * الطالب: السخط من كل شيء، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر. * الشيخ: نعم أربع مقامات: التسخط، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر، التسخُّط محرم، ولهذا تبرأ النبي ﷺ ممن تسخط، قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه مسلم (١٠٣ / ١٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود. ]] الصبر واجب؛ لأن الله تعالى أمر به في آيات كثيرة، والأصل في الأمر ما هو؟ * الطلبة: الوجوب. * الشيخ: الوجوب، ولأنه لا معنى لعدم التسخط إلا الصبر، أما الرضا فإن في وجوبه لأهل العلم قولين، والصواب أنه سُنة وليس بواجب، وأما الشكر فإنه مستحب بالاتفاق، وهو أعلى من الرضا. نحتاج الآن إلى الفرق بين الرضا والصبر، الفرق بينهما؟ * الطالب: الرضا لما يحب ويكره لما (...). * الشيخ: أصلًا لما يحب مو مصيبة اللي يحب كله مصيبة، خلينا نقول: والله يعطينا اللي (...). * طالب: الرضا أعم من السخط. * الشيخ: يا سلام! ذكرناه ذاك اليوم. * طالب: الصبر أن يحبس نفسه ويجاهدها مع الألم. * الشيخ: إي، مع الألم والكراهة لما وقع، والرضا؟ * الطالب: والرضا أن يرضى بما قدر الله له. * الشيخ: ضد الكراهة؛ يعني معناه أنه يكون لا فرق عنده بين ما وقع وما لم يقع كله واحد، فيكون كالميت بين يدي الغاسل، يعني أنه ما يهمه، ماشي مع قضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر، وإن أصابه ضراء صبر ورضي، ولا يكون في نفسه أقل كراهة، وهذه حالة عظيمة متى تحصل للإنسان، ولهذا الذين قالوا بعدم الوجوب وقالوا بالاستحباب قالوا: إنها شاقة على النفوس، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. أما الشكر، فكيف يشكر من أُصيب؟ الآن لو أمسك واحد منكم وأضربه إن كان يقدر يضرب نضربه مجازاة، وإن ما يقدر؟ * الطالب: يصيح. * الشيخ: يصيح!! وهو يكره، وربما يقول: هذا مطوعنا لا بد أن نصبر عليه، لكن كيف بيشكر؟ نقول: يمكن إن الإنسان يصاب بالمصائب من الله عز وجل ويشكر الله عليها من وجهين: يشكر الله أولًا: إنه يعلم أن الله ما فعل ذلك إلا لحكمة، لحكمة قد يكون من صلاح الإنسان لو يستمر في النعم يمكن يطغى ويزداد ويستعلي؛ لأنه بشر ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. إذا رأى نفسه أنه مستغنٍ، وأنه ما يحتاج إلى أحد ولا شيء ففي الحال ربما يطغى ويزيد والعياذ بالله. فهو يشكر الله أنه على هذه النعمة؛ لأنها قد تكون تربية له، عرفتم؟ مثل ما يضرب الأب ابنه ليؤدبه. ثانيًا: يشكر الله على أن هذه المصائب مفيدة على كل حال غير إفادة تربية الإنسان ومعرفة نفسه، والرجوع إلى الله، مفيدة لأنك إن صبرت أثبت ثواب الصابرين، وإلا إذا لم ترضَ أو لم تشكر فإنك يُكفَّر بها عنك كما أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢ / ٤٩) من حديث عائشة بلفظ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكهَا» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ...».]] إنه يُكفر بها عن الإنسان، إذن يُشكر الله على هذا الأمر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نعم، يشكر الله على هذا الأمر، هذا وجه كون الإنسان يشكر من المصائب. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]. إذا أصابتهم المصيبة وتحقق وقوعها فيهم ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام تشير؟ * طالب: إلى الملك. * الشيخ: للملك يعني إنا ملك لله، والمملوك يفعل فيه المالك ما شاء، فإذا كنا ملكًا لله فهو سبحانه وتعالى ربنا يفعل بنا ما شاء، أوجدنا وأمدنا وأعدنا، وإذا شاء منعنا، فله الأمر كله نحن إلى الله، نحن لله، ثم مع ذلك بإقرارهم بالملك بأنهم مملوكون لله يرجون ثوابه، ولهذا يقولون: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنرجو الذي أصابنا بهذه المصيبة عند رجوعنا إليه أن يجزينا بأفضل منها، فهم جمعوا هنا بين الإقرار بالربوبية في قولهم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وبين الإقرار والإيمان بالجزاء، بالجزاء الذي يستلزم العمل الصالح؛ لأنهم يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فنحن نرجو ثوابه مع أنه فعل بنا ما هو ملكه وبيده، وهذا جمعوا بين عمل القلب والنطق باللسان؛ عمل القلب الصبر، والنطق باللسان يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وجاءت السنة بزيادة على هذا أيضًا بأن يقول الإنسان: «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]] واخْلُف ولَّا وأَخْلف؟ * طالب: وأخلف. * الشيخ: أخلف «أَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» من الرباعي؛ لأنه من الثلاثي معناه أن الشيء خلف غيره، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة. ]] أي كن خليفة له، لكن أخْلِف أي اجعل له خلفًا منه، وهنا نقول: أخلِف لي، يعني اجعل لي خلفًا منها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ [سبأ ٣٩]؟ * الطلبة: يُخلفه، يَخلفه. * الشيخ: لا تلحنون، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الله يهديكم ما عندكم شجاعة، ما عندكم شجاعة إطلاقًا كيف تنهزمون أمامي وأنتم على صواب؟ * طالب: فهو يُخْلِفُهُ. * الشيخ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي يجعل له خلفًا، ما هو بهو نفسه يخلفه ويصير بداله (...) يكون يُخلفه يجعل له خلفًا، فإذا كانت من الرباعي فمعنى (أَخْلف عليه) أي جعل له خلفًا عنه، أما إذا كان من الثلاثي (خَلَفَه) هو نفسه صار خلف، عرفتم؟ طيب هنا «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة.]]؟ يعني اجعل لي خلفا خيرًا منها، فإذن نقول: ما أرشد الله إليه، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها؛ إذا قالها الإنسان مؤمنًا محتسبًا آجره الله عز وجل في مصيبته وأخلف له خيرًا منها. والشاهد في هذا قصة أم سلمة رضي الله عنها كانت تحب ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة، ولما مات وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد حدثها بهذا الحديث، قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣) من حديث أم سلمة. ]]، فكانت تفكر بنفسها تقول: من هو اللي بيصير خلفًا عن أبي سلمة؟ هي مؤمنة بأنه سيوجد خلف خير منه لكن من هو اللي بيصير؟ ما كان يجول في فكرها أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيكون، وسبحان الله من كان خلفًا؟ * طالب: رسول الله ﷺ. * الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام، أخلف الله لها خيرًا منه، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام له عند موته رضي الله عنه قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ»، وَأَخْلِفْهُ فِي عَقِبِه، لا غلط، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة.]]. * طالب: شيخ، وأَخْلفه؟ * الشيخ: لا، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» إي، يعني يكون خلفًا. ما الذي حصل؟ خلفه في عقبه أفضل خليفة، مَنْ؟ النبي عليه الصلاة والسلام، وبقية الأدعية نرجو أنها أُجيبت؛ لأن الله عز وجل كريم جواد. * طالب: شيخ، الآية هذه ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هل نقول: إنه من الصبر الواجب أو من الرضا؟ * الشيخ: لا، هذا من الصبر الواجب. طيب قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وأين خبر إنَّ؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: صائرون. * الشيخ: إنا صائرون لله؟ * الطالب: لا أظن أنها راجعون. * الشيخ: وإنا إليه راجعون الذي بعده؟ * الطالب: راجعون الخبر. * الشيخ: الخبر راجعون؟ * طالب: نعم. * طالب: ممكن نقول: الجار (لله) جملة (...) هذا هو الخبر. * الشيخ: الخبر وين؟ * طالب: فإنا نحن. * طالب: الجملة هذه جملة، هذه الجملة جملة.. * الشيخ: الجار والمجرور هو الخبر، ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ هو الخبر، لكن هل إنه هو الخبر نفسه ولا متعلق بمحذوف تقديره كائنًا؟ * الطلبة: متعلق. * الشيخ: فيها الخلاف على قولين؛ وأما ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فخبر إن قوله: ﴿رَاجِعُونَ﴾ وإليه متعلقة بـ (راجعون)، وقدمت على راجعون لإفادة الحصر هذا من ناحية المعنوية، ولمناسبة الآي من الناحية اللفظية. * طالب: ما يحتاج إلى التقدير؟ * الشيخ: أيهم؟ في الأخيرة؟ * الطالب: في إنا إليه راجعون. * الشيخ: لا ما حاجة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ١٥٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة هنا إشارة للبعيد لعلو مرتبتهم رضي الله عنهم وجعلنا منهم. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المتصفون بهذه الصفات ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عليهم خبر مقدم و﴿صَلَوَاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر صح؟ * طالب: أولئك مبتدأ. * الشيخ: وعليهم صلوات، عليهم: عليهم خبر مقدم، وصلوات مبتدأ مؤخر. * الطالب: لا، صلوات مبتدأ ثانٍ. * الشيخ: طيب وعليهم؟ * الطالب: عليهم خبر مقدم. * الشيخ: مقدم إي، إذن عليهم خبر مقدم وصلوات مبتدأ مؤخر لكنه مبتدأ ثانٍ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ للأول. ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلوات اختلف العلماء في معناها، ولكن أصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى، فالمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعًا لذكرهم وإعلاء لشأنهم. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ رحمة عطفها على الصلوات يدل على أنها مغايرة، ويدل على ضعف من قال إن الصلاة من الله بمعنى الرحمة. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني يزول يحصل لهم بها المطلوب؛ لأن الرحمة إما حصول مطلوب وإما زوال مكروه، فهنا الرحمة تشمل الأمرين: زوال المكروه وحصول المحبوب. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ هذه جملة اسمية مسوقة على سبيل الحصر، ما طريق الحصر هنا؟ * طالب: الإشارة. * الشيخ: لا، الإشارة ما هي من طريق الحصر. * طالب: ضمير الفصل (هم). * الشيخ: ضمير الفصل ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، وأولئك أي الصابرون الذين يقولون ما ذكر هم المهتدون الذين اهتدوا إلى طريق الحق ووضعوه في نصابه، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية، عكس هؤلاء الذين لا يصبرون على المصائب لا بقلوبهم ولا بألسنتهم ولا بجوارحهم، مهتدون ولَّا ضالون؟ * الطلبة: ضالون. * الشيخ: ضالون، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من أعمال الكفر، فقال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة. ]]، والنياحة عنوان على عدم الصبر، فدل ذلك على أن الهداية في الصبر، وتسليم الأمر إلى الله عز وجل، وانتظار ثوابه واحتسابه، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨]. من فوائد الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]. أولًا: تحريم إطلاق الموت على الشهداء لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ وعلم من قولنا: إطلاق أنه إذا أريد بذلك الموت الذي هو مفارقة الروح الجسد فهو صحيح، ولهذا يقولون دائمًا: مات شهيدًا، فيقيدون هذا الموت، ما يطلقونه. * طالب: شيخ، هل يصح القول: إن هذا شهيد، يعني هم لا يدرون نية الذي هذا مات، هل يصح إن هم يقولون: مات شهيدًا؟ يعني الآن كل ما واحد يموت.. * الشيخ: أما بالنسبة للصحابة فنقول: مات شهيدًا. * الطالب: في غير الصحابة؟ * الشيخ: لا، في هذا الصحابة ما نجزم به المعين، المعين ما نجزم به له، ولكن نقول: من قُتل ظلمًا، من قتل في دفاعه عن الحق فهو شهيد، فيكون الشهادة لهم من باب الشهادة العامة. * طالب: هل يجوز أن نقول: الشهيد كذا وكذا، على اعتبار أنه شهيد؟ * الشيخ: إيه، أولًا: بالنسبة لأحكام الدنيا نعامله معاملة الشهداء، ما نغسله ولا نكفنه ونصلي عليه وندفنه في ثيابه. * طالب: لو قُتل داخل الأرض يعني ليس في جهاد؟ * الشيخ: في الجهاد، في الجهاد بارك الله فيكم، اللي قتل في سبيل الله. * الطالب: يعني أعداؤه قتلوه بالرصاص مثلًا؟ * الشيخ:لا لا ما هو، هذا فيه خلاف بين العلماء، إنما الذي قُتل في سبيل الله، لكن بالنسبة للشهادة له بالشهادة في الآخرة، هذا ما نجزم به، ولكن نقول: من مات على هذا النوع من الموت فهو شهيد، فهذه شهادة عامة مثل ما نقول: كل مؤمن في الجنة، لكن هل تشهد لفلان المعين بأنه في الجنة؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما تشهد، ولهذا ما ينبغي أن نقول: فلان شهيد إلا من ثبتت شهادته بالنص مثل شهداء أحد ونحوهم. * طالب: إذا أجمع على ذلك كثير من الناس؟ * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على أنه شهيد وأن الله اصطفاه؟ * الشيخ: إذا أجمعوا على الثناء عليه فقد اختلف في هذا أهل العلم، شيخ الإسلام يرى أنه يجوز الشهادة له بالجنة، والشهادة له بالشهادة أيضًا، وبعض العلماء يقول: لا، نقف على ما جاء به النص. والحمد لله إذا كان عند الله تعالى من أهل الجنة ومن الشهداء فإن امتناعنا عن الشهادة له لا يمنع ذلك عند الله، واضح؟ وإن كان من غير الشهداء أو غير المؤمنين فإننا نحن عرَّضنا أنفسنا للخطر. * طالب: هل يجوز يعني نطلق على أي واحد مات من الصحابة أنه مات شهيد؛ يعني يجوز يعني إن الإنسان يطلق. * الشيخ: اللي قتلوا في سبيل الله. * الطالب: من الصحابة. * الشيخ: إي؛ لأن شهداء أحد ثبت هذا اللفظ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وأقره الله. * طالب: أظن كان فيه واحد من الصحابة يقول: فلان شهيد، فقال له النبي ﷺ: «كلا (...)». * الشيخ: لا، قالوا: في الجنة. * طالب: قالوا: فلان شهيد (...). * الشيخ: إي، شهيد ولَّا في الجنة؟ * الطالب: إي، هذا قالوا: هنيئا له بالشهادة. * الشيخ: إي، لكن هذا قال شهيد ولَّا في الجنة؟ * طلبة: (...). * الشيخ: على كل حال، هذا يكون خرج به النص، فما نص عليه الرسول ما نتكلم فيه سواء إثباتًا أو سلبًا. قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ فيه إثبات حياة الشهداء لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ويرد على هذا القول أو على هذه الفائدة سؤال: هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟ فإذا قال قائل: ما الدليل على أن الأنبياء أحياء؟ لأنهم أفضل من الشهداء، يعني بلا شك أفضل من الشهداء، وإذا كانوا أفضل وجعل الله تعالى للشهداء هذه الحياة دل هذا على أنهم أحياء، وهذا هو المعروف عند أهل العلم، وإنما جعل الله الشهيد حيًّا؛ لأنه أمات نفسه في سبيل الله، فهو الذي تسبب للموت في سبيل الله، فجزاه الله تعالى على هذا الموت بأن جعله حيًّا عنده. * ويستفاد من هذا: أن فضل الله سبحانه وتعالى على العامل أكمل من عمل العامل؛ وذلك لأن العامل الذي هو الشهيد أمات نفسه، فحرمها بقاء سنتين أو ثلاث سنين أو عشر سنين أو مئة سنة، أليس كذلك؟ لكن حياته بهذه الشهادة لها منتهى؟ أبدًا، إلى البعث، ثم تأتي الحياة الأبدية، وهذا دليل على أن كرم الله تعالى بالعطاء والثواب أكثر من عمل العامل، وهذا أمر معروف لكم جميعًا «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. * ومنها: فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ لأنه نص ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يقصد أن هذا جهاد فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله، لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله، أي: في الطريق الموصل إلى الله أبلغ، نظيرها الآن نحن جميعًا إذا أذن المؤذن توضأنا وجئنا إلى المسجد وصلينا وحرصنا على أن تكون الصلاة كاملة، كذا ولَّا لا؟ هذا واقع، لكن هل نحن نشعر عندما نتوضأ أننا نمتثل أمر الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، ولّا ما نشعر بهذا الشعور؟ * طالب: نشعر. * الشيخ: كلما توضأت؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما في شك، لكن هل تشعر أنك تفعل ما أمر الله بك على سبيل العموم، لكن هل تشعر بأنك الآن تمثل الامتثال لأمر الله عند الوضوء؟ أو تشعر بأنك تتوضأ للصلاة وبس؟ * طالب: أتوضأ للصلاة وبس. * الشيخ: أتوضأ للصلاة وبس، هذا هو الأغلب، يعني: يندر أن الإنسان يتذكر ويقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، فالآن غسلت وجهي وغسلت يدي ومسحت رأسي وغسلت رجلي، عرفتم؟ فالغالب علينا نية العمل لا نية المعمول له، هذا الغالب علينا، كذلك عندما تأتي لتقيم الصلاة تحرص على كمالها وخشوعها، يعني: يندر أنك تستشعر أنك ممتثل لقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، هذا ما أقول: إنه ما يوجد، يوجد، لكنه قليل، أكثر الناس يقول: لأجل أنا أصلي، أكمل صلاتي لأنها أفضل؛ لأنها أفضل من الصلاة الناقصة، لكن شعورنا أن هذا امتثال لأمر ربنا، هذا أمر قليل، المهم أن كلمة ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مهمة ويجب أن تلاحظ. * ومن فوائد الآية: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «إِذَا دُفِنَ الْإِنْسَانُ جَاءَهُ مَلَكَانِ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَجَاءَهُ مَلَكَانِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيَّهِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٤٧٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٩٢) واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. * ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. * ومنها: أنهم يتنعمون في الجنة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. * ومنها: إثبات علو الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الصفا والمروة جبلان معروفان، يقال: للصفا جبل أبي قُبَيْس، وللثاني: قُعَيْقِعَان، وهما شرقي الكعبة، وقد كانت أم إسماعيل رضي الله عنها تصعد عليهما لتتحسس هل حولها أحد، وذلك بعد أن نفد منها التمر والماء وتقلص لبنها فجاع ابنها.

البقرة 2:158

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (من) هذه للتبعيض، يعني: بعض شعائر الله، والشعائر جمع شعيرة، وهي التي تكون علمًا في الدين، يعني من معالم الدين. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من معالم دينه؛ لأن العبادات منها خفية بين الإنسان وبين ربه، ومنها أشياء تكون علمًا، علمًا ظاهرًا بينًا، وهي الشعائر، وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر، بل المراد الطواف بهما من الشعائر؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أضيفت الشعائر إلى الله؛ لأنه هو الذي شرعها، وأثبتها وجعلها طريقًا موصلًا إليه. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ حج في اللغة بمعنى: قصد، و﴿الْبَيْتَ﴾ (أل) للعهد الذهني، والمراد به بيت الله وهو الكعبة، و﴿حَجَّ الْبَيْتَ﴾ قصده لأداء المناسك، وليس قصدًا مطلقا بل القصد لأداء المناسك ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾. وقوله: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ العمرة في اللغة الزيارة، ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ العمرة: الزيارة، والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة، وقوله: ﴿مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ (أو) هنا للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجًّا، وإما أن يكون معتمرًا. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إعراب ﴿لَا جُنَاحَ﴾ (لا) نافية للجنس، و(جناح) اسمها، وخبرها (أن) وما دخلت عليه، أي: لا جناح عليه في الطواف بهما، أو في التطوف بهما، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ الجناح هو الإثم، يعني: فلا إثم عليه في أن يتطوف بهما، وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ أصلها: يتطوف، ولكنه قلبت التاء طاءً لعلة تصريفية فصار: أن يطوف، وقوله: ﴿بِهِمَا﴾ المراد: بينهما، كما تفسره سنة النبي ﷺ، وليس المراد أن يطوف بهما: يدور عليهما كما يطوف بالبيت العتيق، فإن هذا قطعًا لا يراد؛ لأنه شيء غير ممكن، والسنة تفسر القرآن. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قد يبدو في الآية شيء من التعارض، فإنه قال: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ومعلوم أنه إذا كان الصفا والمروة من شعائر الله، فإنه لا يقتصر على نفي الجناح في الطواف بهما، بل إنما يؤمر بالطواف بهما ما دام ذلك من شعائر الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج ٣٢]؛ ولهذا أشكل على بعض التابعين هذه المسألة وسأل عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كيف قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؟ فسأل السائل قال: أرى أن الرجل لو حج أو اعتمر فلم يطف بهما، فليس عليه من بأس، ولكن عائشة رضي الله عنها ردت عليه وقالت: لو كان هذا هو المراد؛ لكان يقول الله عز وجل: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧ / ٢٥٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وصدقت رضي الله عنها؛ لأنها إذا كانت من شعائر الله فمقتضى كونها من الشعائر أن يطاف بها وتعظم، ولو كان ترك الطواف بهما جائزًا لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. ثم بينت رضي الله عنها السبب في أن الله قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ وهو: أن أناسًا من الأنصار يُهِلون لمناة الطاغية، مناة اللي ذكرها في القرآن، وهي في المشلل -مكان قرب مكة- فيُهِلون لها، فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وعلى هذا فيكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج، وليس لبيان أصل الحكم، أفهمتم الآن؟ وعلى هذا فلا يكون في الآية أولها وآخرها شيء من التضارب أو التعارض؛ لأن المراد بالنفي هنا أيش؟ نفي ما وقع في نفوسهم من التحرج، فبين الله تعالى أنه ليس هناك تحرج؛ لأنها من شعائر الله. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قلنا: معنى يطوف بهما أي: بينهما؛ لأن الطواف في الأصل بمعنى التردد، ومنه قول رسول الله ﷺ في الهرة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]]. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ فيه أيضًا سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما، وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، يطوفون بهما ويطوفون بالبيت أيضًا، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فقالوا: لو كان ذلك جائزًا لذكره الله عز وجل، ولكنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فاهمين هذا السبب؟ يقولون: إن هذا من أعمال الجاهلية، والطواف بالبيت أيضًا معروف من قبل، فذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فأنزل الله هذه الآية. وفيه أيضًا سبب ثالث: وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف ونائلة، وقيل: إنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في جوف الكعبة -والعياذ بالله- فمسخهما الله حجارة، فكان من جهل العرب قالوا: هؤلاء مسخوا حجارة إذن لا بد أن هناك سرًّا وسببًا، أخرجوهم عن الكعبة، خلوهم على الجبلين ونبدأ نطوف بهم ونمسحهم، نمسحهما، وعلى هذا يقول أبو طالب: وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ∗∗∗ بِمَفْضَى السّيُولِ مِنْ إِسَافٍوَنَائِلِ يريد هذا، ومفضى السيول: مجرى الوادي المعروف اللي يكون بين الصفا والمروة، فالحاصل أن هذا ثلاثة أسباب في نزول الآية، وأصحها السبب الأول. * طالب: ما يصير الأوسط؟ * الشيخ: لا، الأول ثابت في صحيح البخاري. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فيه قراءة: ﴿وَمَن يَطَّوَّعْ خَيْرًا﴾ على أن تكون تَطَوَّع فعلًا مضارعًا، يَطَّوَّع وأصلها يَتَطَوَّع، فأدغمت أيش؟ فقلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء الثانية. وقوله: ﴿تَطَوَّعَ﴾ معناها فعل الطاعة، ويشمل الواجب والمستحب؟ نعم، يشمل الواجب والمستحب، وتخصيص التطوع بالمستحب هذا اصطلاح فقهي، أما في الشرع فإنه يشمل الواجب والمستحب. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ﴿خَيْرًا﴾ هذه يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول أن تكون منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم، والوجه الثاني: أن تكون مفعولًا لأجله أي: طلبًا للخير، ﴿تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: لأجل الخير وطلبه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ هذه (من) شرطية، و﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل الشرط، و﴿يَطَّوَّعْ﴾ أيضًا فعل الشرط، لكن ﴿يَطَّوَّعْ﴾ تسلط العامل على اللفظ فجزمه، و﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل ماض ما يتسلط على لفظه، أين جواب الشرط؟ جملة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، الجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعني: لقصد الخير، أو تطوع بخير، أي: زائدًا عن الواجب أو هو الواجب والمستحب، كما هو لغة القرآن والحديث. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَاكِرٌ﴾ الله يشكر سبحانه وتعالى؟ نعم، الله تعالى شاكر وشكور؛ لأنه يعطي على العمل أكثر من العمل وهذا شكر ولَّا لا؟ نعم، هذا شكر، يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذا غاية الشكر، لو أن أحدًا أحسن إليك وأعطيته أكثر مما أعطاك تُعَد شاكرًا له؟ نعم، تعد شاكرًا له، بل إن الناس الآن لو قال الْمُحْسَن إليه: شكرًا، يعتبرونه شاكرًا ولَّا لا؟ يعتبرونه شاكرًا حتى باللفظ، فكيف بجزاء الله عز وجل الذي لا منتهى له، «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. وقوله: ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ قرن العلم بالشكر لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع، فإنه معلوم عند الله، معلوم عند الله لا يمكن أن يضيع منه شيء، فإذا علم أن الله تعالى شاكر وأنه عليم، فإن العامل سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله سبحانه وتعالى سيجزيه على عمله بما وعده به، يعني: لو قال قائل: ما مناسبة جواب الشرط للشرط؟ ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: شيخ، وإذا كان الله شاكرًا عليمًا، فما علاقة شكر الله تعالى وعلمه بتطوعنا بالخير؟ * طالب: الجزاء. * الشيخ: إي نعم، الجزاء؛ نقول: الجزاء؛ لأننا نحن نطيع الله، تطوع يعني نفعل الطاعة، نحن نطيع الله عز وجل، والله تعالى يشكر لنا هذه الطاعة ويعطينا أكثر من عملنا. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ -نعوذ بالله-. * طالب: هل يصلح ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ تصلح اسم موصول؟ * الشيخ: لا. * الطالب: والذي يتطوع خيرًا. * الشيخ: لا، (من) شرطية، شرطية؛ لأن فيها الجواب ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾، ثم القراءة الثانية ﴿وَمَنْ يَطَّوَّعْ﴾ واضح مجزومة. * طالب: (...). * الشيخ: اسم الموصول ما يجزم الفعل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يصح (...). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ هذه (إن) واسمها ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، أين خبرها؟ ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ -والعياذ بالله-، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أي: يجحدون ما أنزلنا من البينات والهدى، الكتم بمعنى الإخفاء والجحد وعدم البيان، ولكنه لا يكون كتمًا إلا حيث دعت الحاجة إلى البيان، إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، فمتى دعت الحاجة إلى البيان -بلسان الحال أو المقال- وأخفى الإنسان الحق صار، ويش صار؟ كاتمًا له، بلسان الحال أن ترى إنسانًا يعمل عملًا ليس على الوجه المرضي، هذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق، أفهمتم؟ لسان المقال أن يسألك سائل عن علم وأنت تعلمه، فيجب عليك أن تبلغه، يجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم، أما إذا كنت لا تعلم، فإنه يجب أن تقول: لا أدري، أو: لا أعلم، لكن الكتم إذن كتم ما أنزل الله هو إخفاؤه حين تدعو الحاجة إلى بيانه بلسان الحال أو بلسان المقال، كذلك لو رأيت الناس عمّ فيهم الجهل في مسألة من أمور الدين، فهنا الحاجة داعية إلى البيان يجب أن تبين. * طالب: إذا خفت أصير كاتم. * الشيخ: تكون كاتمًا، لكن قد نقول: إن هذا جائز لك، قد نقول: جائز، ولكنه الخوف إذا كان عدم بيانك للحق يؤدي إلى ضياع الحق، فلا يجوز أن تكتم، ما يجوز تكتم، مثل ما فعل أحمد بن حنبل رحمه الله، فإنه كان لا شك خائفًا على نفسه، ومع ذلك بين، لكنه إنسان يطلب منه شخصيًّا أن يبين ولا يترتب على ذلك ضلال الناس، فله الحق في أن يتأول. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾ يعني: أظهرناه، و﴿لِلنَّاسِ﴾ عمومًا المؤمن والكافر، فإن الله تعالى بيَّن الحق لعموم الناس، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، فكل الناس قد بين الله لهم الحق، لكن منهم من اهتدى، ومنهم من بقي على ضلاله. وقوله تعالى: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ المراد به جميع الكتب، فهو للجنس، وقد سبق لنا أنه ما من نبي إلا ومعه كتاب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ البيان ينقسم إلى قسمين: بيان مفصل، وبيان مجمل، فالمجمل هي: القواعد العامة في الشريعة، والمفصل هو: أن يتكلم أو أن يذكر الله تعالى قضية معينة مفصلة، فمثل آيات الفرائض في الأحكام مفصلة ولَّا لا؟ * طالب: مفصلة. * الشيخ: مفصلة مبينة لا يشذ عنها إلا مسائل قليلة، وهناك آيات مجملة عامة مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، ما قال: أوفوا بعقد البيع والنكاح والرهن والإجارة وما أشبه ذلك، عامة، فهو بيان عام. المحرمات في النكاح مفصل ولَّا مقعد قواعد عامة؟ * طالب: قواعد. * الشيخ: مفصل، المحرمات في النكاح مفصل، كذلك بعض القصص يذكرها الله تعالى مفصلة، وأحيانا مجملة وكل هذا يعتبر بيانًا. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَلْعَنُهُمُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يطردهم ويبعدهم عن رحمته؛ لأن اللعن في اللغة الطرد والإبعاد، وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: يسألون لهم اللعنة، وهم أيضًا بأنفسهم يبغضونهم ويعادونهم، وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ قد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل؛ لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون، فهذا تحصيل حاصل، فيقال: لا؛ لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائمًا به على الوجه الأكمل، قد تقول: قام القائمون بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه، فمعنى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها، هذا معنى ﴿اللَّاعِنُونَ﴾، وليس معنى قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: من قال لعنهم الله، فهو المراد؛ لأن هذا تحصيل حاصل، ولكن معنى ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ أي: ذوو اللعن الذين يعرفون مستحق اللعنة ويوجهونها إليه، فهم ذوو علم بالمستحق، وذوو حكمة في توجيه اللعنة إليه. إذن هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى مع ظهوره وبيانه يستحقون هذا الجزاء -والعياذ بالله- الوخيم من الله ومن عباد الله، عكس ذلك الذين يبينون الحق -ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- الذين يبينون الحق، ماذا يكون لهم؟ يكون لهم المودة والمحبة من الله ومن أولياء الله، وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل: «أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]؛ لأن الذي يبين شريعة الله يلقي الله تعالى في قلوب عباده مودته ومحبته والقبول له حتى في السماء؛ فلهذا يكون عكس هؤلاء الذين يكتمون. ونحن نعلم ذلك وإن لم يرد به نص خاص عن طريق القياس الجلي، وجه ذلك: إذا كان الله تعالى يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه ومن عباده، أفليس -وهو الذي سبقت رحمته غضبه- أفليس من يبينون الهدى والبينات، أفليس من يستحقون أن يكون الله تعالى يثني عليهم بدل اللعنة، ويقربهم بدل البُعد وكذلك أولياؤه؟ الجواب: بلى؛ لأنا نعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، فإذا كان غضبه يستحق هذا الكاتم ما ذكره، فإن رحمته تستحق خلاف ذلك فيمن بين ووضح. قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الاستثناء هنا متصل ولا منقطع؟ * طالب: متصل. * الشيخ: متصل؛ لأنه استثناء من الكاتمين، يعني: إلا إذا تابوا، فالاستثناء متصل ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. * طالب: كيف تعرف الفرق بينهما؟ * الشيخ: المتصل والمنقطع إن كان من جنس المستثنى منه فإنه متصل، وإن كان من غيره فهو منقطع، وكذلك أيضًا المنقطع يقدر بدل (إلّا) (لكن). قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ والتوبة: الرجوع، في اللغة، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وشروطها كم؟ * طالب: خمسة. * الشيخ: خمسة، شروطها خمسة، التوبة شروطها خمسة في حق الله وحق الناس، الشرط الأول؟ * طالب: أن يعزم على أن لا يرجع إلى المعصية. * الشيخ: لا، ما هو بشرط، ابدأ من الأول؟ * الطالب: أن يقلع عن المعصية. * الشيخ: لا. * طالب: الإخلاص لله. * الشيخ: الإخلاص لله، هذه واحدة، بأن لا يحمله على التوبة خوف مخلوق أو رجاء مخلوق أو علو إلى مرتبة أو ما أشبه ذلك. والشرط الثاني؟ * طالب: العزم على أن لا يعود.. * الشيخ: لا، قبل، إحنا ودنا بالترتيب؟ * طالب: الندم. * الشيخ: الندم على ما جرى منه من الذنب، ويش معنى الندم؟ إذا قال قائل: كيف يندم الواحد شو؟ الإنسان يمكن يحط بنفسه ندم نقول: نعم، يتحسف ويتحسر أن وقع منه هذا العمل، هذا الندم على ما فعل من الذنب. الشرط الثالث؟ * طالب: الإقلاع. * الشيخ: الإقلاع عن الذنب، وهذا يدخل فيه أداء حقوق العباد إليهم؛ لأن من لم يؤد الحق إلى العباد ما أقلع، فهو ليس شرطًا مستقلًا، كما قاله بعض العلماء، ولكنه شرط داخل في الإقلاع؛ إذ إن من لم يؤد الحق إلى أهله لم يقلع عن الذنب، فلا بد إذن من الإقلاع عن الذنب. الشرط الرابع؟ * طالب: أن يعزم على أن لا يعود. * الشيخ: الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن لم يعزم فلا توبة. الشرط الخامس؟ * طالب: أن يندم على ما فعل. * الشيخ: قلناها، اتركها، لا تجيبها. * طالب: أن يستخلص (...). * الشيخ: قلنا هذا، يدخل فيه الإقلاع. * طالب: ممكن نقول: أن يعمل صالحًا. * الشيخ: لا. * طالب: رد الوادائع. * الشيخ: هذا الرد الإقلاع. * طالب: أن تقع في موقعها في الوقت. * الشيخ: في الوقت التي تقبل فيه، أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، يعني أن تكون في وقت قبول التوبة، فإن كانت في غير وقتها فإنها لا تقبل، وهو عام وخاص، الخاص: الغرغرة عند الموت ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، والعام: طلوع الشمس من مغربها فلا يقبل بعده توبة، إذن فشروط التوبة تكون خمسة. هذه التوبة، وقد سبق لنا هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ وذكرنا في هذا للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أنها تصح، والثاني: تصح إن كان الذنب من غير الجنس، والثالث: لا تصح، والصحيح أنها تصح، التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق، فلا يستحق وصف التائب ولا يدخل في مدح التائبين، لماذا؟ لأن توبته مقيدة من هذا العمل المعين، مثال ذلك: تاب رجل من الزنا، لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم تصح توبته من الزنا؟ تصح على القول الراجح، لكن ما يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق، وعلى القول بأنه تصح إذا كانت من غير الجنس ما تصح، تاب من الزنا مع الإصرار على الربا؟ تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه، إلا على القول الثالث الذين يقولون: لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب. قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ شوف عظم الكتمان، ذكر الله لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، الإصلاح؛ لأن كتمهم لما أنزل الله يتضمن إفسادًا في الأرض وإضلالًا للخلق، فتوبتهم منه ما تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: ما هو بهذا الرسول الذي سيبعث، كم سيضل من الناس بناء على قولهم؟ يضل منهم عالم، ما يكفي أن يتوبوا ويندموا ويقلعوا ويسلموا حتى يصلحوا ما فسدوا، الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق لا بد أن يصلحوها، وإلا ما تتم التوبة، وقال: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ (بينوا) ويش معنى بينوا؟ أي: أظهروا الحق، ولا يكفي أن يمتنعوا عن الكتمان، بل لا بد أن يكون مقابل الكتمان أيش؟ بيان، بيان وإظهار حتى تزول الآثار التي ترتبت على هذا الكتمان، وفي هذا دليل على عظم العلم، وأنه حمل ثقيل وعبء عظيم على من تحمله، وأن الإنسان على خطر منه إذا لم يقم بواجبه من البيان، وتقدم لنا أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون عنه إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال. * طالب: شيخ ما الفرق بين الإصلاح والبيان؟ * الشيخ: الإصلاح أنهم يحاولون، هؤلاء الذين ضلوا بسببهم، يذهبون إليهم وينصحونهم ويبينون لهم الحق، والبيان على سبيل العموم. * طالب: ولا يقال: إن الإصلاح للنفس والبيان؟ * الشيخ: إصلاح النفس من هذا النوع، والظاهر أن الإصلاح إصلاح غيره. * طالب: الإصلاح يختص بالنفس ولا عام، يعني حالهم يصلحون لو الناس (...)؟ * الشيخ: الآية كما ترونها مطلقة، والذنب الذي حصل مقيد وهو الكتمان، فلا شك أنه يدخل فيه إصلاح ما فسد بكتمانهم، هذا دخول أولي، أما غيره فهو محل شك. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المشار إليهم من؟ ﴿الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾، ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان: أحدهما: توفيقه للتوبة، توفيق العبد للتوبة، والثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. وقوله: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾ (التواب) صيغة مبالغة أو صيغة نسبة أيهما؟ * طالب: صيغة مبالغة. * الشيخ: صيغة مبالغة ونسبة في الحقيقة؛ لأن فعال تأتي للمبالغة وتأتي للنسبة، فإن قيدت بمعمول فهي للمبالغة، وإن أطلقت فإنها للنسبة، أو نقول: هي للمبالغة والنسبة في كل حال، يعني تصلح لهذا ولهذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٤٧)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. ]]، هذه صيغة مبالغة، يعني: كثير الضرب للنساء؛ ولهذا في لفظ آخر: «لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.]]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] هذه؟ * طالب: مبالغة. * الشيخ: لا، هذه نسبة، يتعين أن تكون نسبة؛ لأنك لو قلت: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾: إنها مبالغة، لكان المنفي المبالغة في الظلم، وأما أصل الظلم فليس بمنفي، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذن ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ نقول: هنا (ظلّام) صيغة مبالغة فقط ما تصح نسبة، هنا (التواب). * طالب: .(...) * الشيخ: غلط، صيغة نسبة وليست صيغة مبالغة، نعم، (التواب) تصلح للأمرين جميعًا، فهو سبحانه وتعالى موصوف بالتواب، وهو ذو توبة على جميع العباد، وكذلك موصوف بكثرة التوبة، بكثرة توبته سبحانه وتعالى وكثرة من يتوب عليهم، كم يفعل الإنسان من ذنب فيتوب ويتوب الله عليه؟ كثير، وكم من أناس أذنبوا فتابوا فتاب الله عليهم؟ كثير؛ ولهذا جاءت (التواب). وقوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾ جمع بين التوبة والرحمة؛ لأن بالرحمة الإحسان وبالتوبة زوال العقوبة، فجمع الله بينهما فهو يتوب، وإذا تاب سبحانه وتعالى رحم التائب، ويسره لليسرى، وسهل له أمور الخير، فحصل على الخير العظيم. وفي هذه الآية التفات ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فيها التفات، من أين؟ * طالب: قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾، (...) الخطاب (...). * الشيخ: وين الخطاب؟ * الطالب: يعني في خطاب المتكلم.. أو الغيبة. * طالب آخر: عن الغيبة. * الشيخ: لا، وين الغيبة؟ * الطالب: يتوب الله عليه. * الشيخ: وين يتوب الله عليه؟ * الطالب: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ للمتكلم، و(أنا) للمتكلم أيضًا. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ هذه هي الغيبة. * الشيخ: (...)، ما يعود على الله، ما يعود على الله حتى نقول: هذه التفات. * طالب: بس السياق يقتضي أن يقول: يتوب الله عليهم. * الشيخ: ولا يقتضي ولا شيء. * الشيخ: نوسع لكم شيء، في هذه الآية مع التي قبلها التفات؟ * طالب: الأولى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّه﴾ وهذه يقول: ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: لا بأس، هذه أنتم فتحتوها علي، ولا ما هي عندي، فيها التفات مع الآية التي قبلها مرتين، التفات مرتين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة ١٥٩] هذه بصيغة التعظيم، ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ ما قال: ما أنزلت، فأولئك (...) يصرخ حتى يفز الواحد، هذا من باب التنبيه، فكما يكون التنبيه في الصوت يكون أيضًا في صيغة السياق، إذن ما هي الفائدة في الالتفات في هذه الآيتين؟ نقول: ﴿فَأُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ هذا من باب التعظيم، الالتفات هنا للتعظيم، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، وأمر الملك بكذا وكذا وهو يعني نفسه، فـ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أضاف الله تعالى اللعنة إليه بصيغة الغائب تعظيمًا، تعظيمًا لنفسه سبحانه وتعالى، وهو أبلغ من تعظيم الضمير ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ ولذا جاء في العقوبة. وأما قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فإن المقام مقام رحمة وعطف ولين؛ ولهذا -والله أعلم- جاءت بصيغة الإفراد ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ لأنه من رحمته تبارك وتعالى بهم صار يخبر عن ثوابهم بغير صيغة العظمة الدالة على القوة والبطش، هذا ما ظهر لنا، والعلم عند الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ تقدم لنا مرارًا: أن رحمة الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، حقيقة ولَّا مجازًا؟ حقيقة، وليس المراد بها الإحسان، ولا إرادة الإحسان، فإن إرادة الإحسان والإحسان من آثار الرحمة، بل الرحمة صفة حقيقية وليست كرحمتنا، وقول من أنكر صفة الرحمة حقيقة: إن الرحمة معناه الرقة واللين، والله عز وجل منزه عن ذلك، نقول: هذه رحمة من؟ رحمة المخلوق، ثم إننا قد نمنع بأن الرحمة في كل مواضعها للرقة واللين، فإن من الملوك الجبابرة من يرحمون ومع ذلك ما يقال: إنهم صاروا أوضع من المرحوم. فعلى كل حال نقول: إن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وجميع صفات النقص التي تستلزمها بالنسبة للمخلوقين منتفية عن الله عز وجل، وسبق لنا أيضًا مرارًا: أن رحمة الله تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة لجميع الخلق، والخاصة بالمؤمنين. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. الآيتان قبلها في العلماء الذين كتموا الحق، وهذه في الكفار الذين استكبروا عن الحق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الكفر في اللغة بمعنى الستر، ومنه كافور النخلة لستره الطلع، والمراد به في القرآن والسنة، المراد به: جحد ما يجب لله تعالى من الطاعة والانقياد، وهو نوعان: إما تكذيب وإما استكبار. وقوله: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ﴿وَمَاتُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾، فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول التي لا محل لها، وقوله: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الجملة حال من الفاعل في ﴿مَاتُوا﴾، يعني: أنهم -والعياذ بالله- استمروا على كفرهم إلى الموت، فلم ينزعوا عن الكفر ولم يتوبوا ولم يرجعوا، أين جواب (إن)؟ جملة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ (أولاء) مبتدأ، و(عليهم) جار ومجرور، أولاء؟ إذن (أولاء) مبتدأ و(عليهم) جار ومجرور خبر مقدم لـ(لعنة)، و(لعنة) مبتدأ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول (أولئك)، والجملة من المبتدأ الأول وخبره خبر (إن). ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أي: طرده وإبعاده عن رحمته، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ أي: ولعنة الملائكة، والملائكة تقدم أنهم عالم غيبي محجوبون عن الأعين وربما نراهم، وأنهم خلقوا من نور، وأنهم عباد لله عز وجل ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وأنهم خلقوا من نور ولا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صُمْد لا يأكلون ولا يشربون. وسبق لنا أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لهم وظائف وأعمال خصهم الله تعالى بها، وأن إسرافيل وميكائيل وجبرائيل موكلون بما فيه الحياة؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]؛ لأن هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة، والبعث من النوم حياة؛ فلهذا ناسب أن يكون هذا الاستفتاح في أول عمل يعمله الإنسان بعد أن توفاه الله تعالى بالنوم، وهؤلاء الثلاثة أحدهم مكلف بما فيه حياة القلوب وهو جبريل، والثاني بما فيه حياة الأبدان وهو إسرافيل، والثالث بما فيه حياة النبات وهو ميكائيل، وأفضلهم؟ جبريل؛ ولهذا امتدحه الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠]، وبقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧]، فجبريل أفضل الملائكة على الإطلاق. قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: عليهم لعنة الناس أجمعين، يلعنهم الناس -والعياذ بالله- ويمقتونهم ولا سيما في يوم القيامة، فإن هؤلاء يكونون مبغضين عند جميع الخلق وهم أعداء الله سبحانه وتعالى. * طالب: إسرافيل وميكائيل كيف هذا موكل بحياة الأبدان وهذا موكل بحياة النبات؟ * الشيخ: إسرافيل موكل بحياة الأبدان؛ لأنه موكل بالنفخ في الصور، ينفخ في الصور يوم القيامة، فتتطاير الأرواح منه إلى أجسادهم، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، قطر المطر، والنبات نبات الأرض، وهذا حياة. * طالب: أليس حياة للإنسان والحيوان لماذا خصصناه بالنبات؟ الماء أليس حياة للإنسان والحيوان أيضًا؟ * الشيخ: بلى. * الطالب: لماذا خصصناه بأنه مخصص بحياة النبات؟ * الشيخ: هكذا جاء به الحديث، أنه موكل بالقطر والنبات[[أخرجه أحمد في المسند (٢٤٨٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر.]]. * طالب: شيخ، الأرواح داخل الصور؟ الأرواح ضمن الصور الذي ينفخ فيه؟ * الشيخ: الله أعلم، هل هي ضمن الصور من الآن، أو أنها تدخل فيما بعد؟ كما يدل على ذلك حديث: «أن أرواح المؤمنين في الجنة، وأن أرواح الشهداء معلقة في قناديل تحت العرش »[[أخرجه مسلم (١٨٨٧ / ١٢١)، بلفظ: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فهذا يدل على أنها تجتمع فيه عند النفخ. * طالب: لعنة الملائكة كيف؟ يدعون عليهم باللعنة وأنهم.. * الشيخ: يشمل الأمرين الدعاء عليهم باللعنة وكونهم أيضًا يبغضونهم وينكرونهم، فإن هذا من اللعن. * طالب: كذلك الناس؟ * الشيخ: وكذلك الناس. قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في هذه اللعنة -والعياذ بالله- والمراد فيما يترتب عليها، فإنهم خالدون في النار التي تكون من ثمرات اللعنة ونتائجها. وقال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ والعذاب تثقيلًا وتخفيفًا من أين؟ من الله عز وجل، لكنه جل وعلا لم يضفه إلى نفسه؛ لأن الشر ليس إليه؛ ولهذا قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، لما جاء الخير أضاف الإرادة إلى الله، ولما كان ذاك الشر قال: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا من باب تعظيم الله عز وجل أن لا ينسب الشر إليه وإن كان بتقديره، لكن لا ينسب إليه، فهنا وإن كان العقاب لهؤلاء بتقديره، لكنه لا ينسب إليه؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ ولم يقل: لا نخفف. وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿يُنْظَرُونَ﴾؟ أي: يمهلون، يعني: ما يمهلون بل يؤخذون بالعقاب، ويحتمل أن المراد ﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: بالعين، فلا ينظرون نظر رحمة، نظر رحمة وعناية بهم، وهذا قد يؤيَّد بقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، فإن هذا من احتقارهم وازدرائهم أنهم يوبخون بهذا القول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، وهم أيضًا لا ينظرون فلا يمهلون، يؤخذون بالعذاب -والعياذ بالله- من حين ما يموتون وهم في العذاب، ثم قال.. * طالب: ﴿النَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (...)؟ * الشيخ: ربما أنه يدخل فيها الناس عمومًا؛ لأنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم ببعض. * طالب: شيخ، العذاب أحيانًا ينسب إلى الله تعالى؟ * الشيخ: إي نعم، ينسب إليه، لكن تخفيف العذاب غير مسألة العذاب، العذاب على سبيل الإطلاق عدل، وكذلك عدم التخفيف عدل، لكنه ما ينسب إلى الله. ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إِلَهُكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لجميع الناس، وهو مبتدأ، و﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و﴿وَاحِدٌ﴾ صفة لـ﴿إِلَهٌ﴾، يعني: أن إله الخلق إله واحد، والمراد بالإله: المعبود، لكن هنا المراد به: المعبود بحق، وإلا فالأصل أن الإله يطلق على كل ما عبد بحق أو بباطل، لكن هنا المراد به: إلهكم الحق إله واحد، أما معبوداتكم فإنها -وإن سميتموها آلهة- فإنها لا تستحق أن تكون آلهة، كما هو معلوم؛ لأنها لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تدفع. وقوله: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وحدانيته بالألوهية تستلزم وحدانيته بالربوبية، فهو إله واحد ورب واحد سبحانه وتعالى، والمدبر للكون كله المالك للكون كله، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذه جملة تأكيد للتي قبلها، هذه جملة تأكيد، فإنه لما أثبت أنه إله واحد نفى أن يكون معه إله، وهي في المعنى توكيد لما قبلها. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (لا) نافية للجنس، و﴿إِلَهَ﴾ اسمها، أين خبرها؟ محذوف، والتقدير: حق، لا إله حق إلا هو، وعلى هذا فتكون (إلا) أداة استثناء، و(هو) خبر (لا) ولّا بدل من خبر (لا)؟ الجواب: هي بدل من خبر (لا)، ويدل لذلك قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فرفعها لتكون بدلًا من خبر (لا) النافية للجنس، وزعم بعض المعربين إلى أن ﴿اللَّهُ﴾ هي خبر (لا)، وكذا يكون ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هي خبر (لا)، وهذا مبني على قول من لا يشترط أن يكون معمولها نكرتين، والمشهور عند النحويين أنه يشترط في (لا) النافية للجنس أن يكون معمولها نكرتين، قال ابن مالك في هذا؟ * طالب: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَهْ ∗∗∗ ....................... * الشيخ: (...) للا في نكرة يشمل الاسم والخبر، وعلى رأي هؤلاء يشكل المعنى إذا قلنا: إن (هو) خبر (لا)، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يقتضي أن لا يكون هناك آلهة، لكن هذا يجيب عنه أو يمكن يجاب عنه بأن المراد بالإله هنا: الإله الحق، وهذا حق لا إله إلا الله، فالحصر باعتبار الإله الحق حقيقي ولا إضافي؟ حقيقي، الحصر باعتبار الإله الحق حقيقي لا إضافي، وباعتبار مطلق الإله إضافي؛ لأن الإله الذي نفي لا بد أن يكون مقيدًا بالحق. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر؟ خبر مبتدأ محذوف؟ ولَّا خبر ﴿إِلَهُكُمْ﴾؟ * طالب: خبر ثاني. * الشيخ: إما أنه خبر لـ﴿إِلَهُكُمْ﴾ خبر آخر، وإما أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هو الرحمن الرحيم. وهذان الاسمان مشتقان من الرحمة، لكنهما يختلفان، فإن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، هذا أحسن ما قيل، الرحمن صفة لله تعالى أو اسم لله باعتبار وصفه؛ ولهذا كان المراد به الرحمة العامة الواسعة، وجاءت رحمن على وزن فَعْلَان، وكلمة فعلان تدل على الامتلاء والسعة، أما الرحيم فهي باعتبار الفعل الذي هو إيصال الرحمة إلى المرحوم، فباجتماع الاسمين الكريمين تبين لنا أن رحمة الله تعالى رحمة واسعة عظيمة، وأنها واصلة إلى من شاء من خلقه، وهذان الاسمان هل هما اسم واحد أو اثنان؟ * طالب: اثنان. * الشيخ: اثنان، وإن كانا مشتقين من وصف واحد، وبهذا عرفنا أن الغفار اسم، والغفور اسم، ما نقول: إنهما اسم واحد؛ لأن اختلاف الصيغة يدل على اختلاف المعنى؛ ولهذا أجمع المسلمون أو العلماء على أن ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ اسمين. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. من فوائد هذه الآية: مشروعية الطواف بين الصفا والمروة، ويؤخذ ذلك من قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم في الطواف بهما؛ لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الطواف بهما من طاعة الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الطاعة خير؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، ولا ريب أن طاعة الله سبحانه وتعالى خير للإنسان في مآله وحاله. * ومن فوائد الآية: إثبات اسم الشاكر لله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات العليم اسم لله، ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات صفة الشكر والعلم لله، من أين تؤخذ؟ من ﴿شَاكِرٌ﴾ و﴿عَلِيمٌ﴾؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة، وقد مر علينا أن كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الصفة وعلى الحكم إن كان متعديًا، كل اسم هو يدل على الصفة ويدل أيضًا على الحكم إن كان متعديًا. ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ ويش يدل عليه؟ على العلم هذه الصفة، ويدل على الحكم بأنه أيش؟ يعلم كل شيء، هذا الحكم، ﴿غَفُور﴾ اسم يدل على الصفة وهي المغفرة، يدل على الحكم وهو أنه يغفر؛ ولهذا استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، استدلوا بهذين الاسمين على أن من تاب قبل القدرة عليه سقط عنه العقوبة؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومقتضى ذلك أنه يغفر ويرحم. إذن يستفاد إثبات الاسمين الكريمين: شاكر وعليم، وإثبات ما دلا عليه من الصفتين وهو الشكر والعلم، وقد سبق أن معنى شكر الله للإنسان أنه يثيبه أكثر مما عمل «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. تقدم لنا قبل قليل أن الطواف بالصفا والمروة من الشعائر المشروعة، لكن هل هو ركن أو واجب أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة: فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به. وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج، يجبر بدم ويصح الحج بدونه. وقال آخرون: إنه سنة وليس بواجب، والقول بأنه سنة ضعيف جدًّا؛ لأن قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط، الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين، بقيت الصحة مترددة بين الركنية والوجوب، والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١١٤٣٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وسعى هو عليه الصلاة والسلام، وأقسمت عائشة قالت: «وَاللَّهِ مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ حَتَّى يَطَّوَّفَ بِهِمَا »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧ / ٢٥٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، يعني: بالصفا والمروة، فالأقرب أنه ركن وليس بواجب، وإن كان الموفق رحمه الله -وهو من مشائخ المذهب الكبار في مذهب الإمام أحمد- اختار أنه واجب يجبر بدم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن كتم العلم من كبائر الذنوب، من أين يؤخذ؟ من ترتيب اللعنة على فاعله، والذي يرتب عليه اللعنة لا شك أنه من كبائر الذنوب. * ومن فوائدها: أن ما أنزله الله من الوحي فهو بين لا غموض فيه، وهدًى لا ضلال فيه، بَيِّنٌ ليس فيه غموض، وهدًى ليس فيه ضلال، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. * ويستفاد منه -من فوائد الآية-: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، كيف ذلك؟ لأن الله تعالى أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية وفعلية، فإذا صرفت عن ظاهرها صار القرآن بيانًا أو صار القرآن غير بيان؟ صار القرآن غير بيان، يكون الله تعالى ذكر شيئًا لا يريده، وهذا تعمية على الخلق تعمية لا بيان، فيستفاد من هذه الآية الرد على من؟ على أهل التأويل، والحقيقة أنهم -كما قال شيخ الإسلام-: أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق ومنه باطل، لكن طريقهم باطل ما فيها حق، طريقهم باطل لا حق فيها؛ ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله يسميه التحريف. * ومن فوائد الآية: بيان فضل الله عز وجل على عباده لما أنزله من البينات والهدى؛ لأن الناس محتاجون إلى هذا، ولولا بيان الله تعالى وهدايته ما عرف الناس كيف يتوضؤون، ولا كيف يصلون، ولا كيف يصومون، ولا كيف يحجون، ولكن من فضل الله أن الله تعالى بين ذلك. * ومن فوائد الآية: إثبات علو الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، والنزول إنما يكون من أعلى، وعلو الله عز وجل بذاته ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وقد مر علينا كثيرًا بيان ثبوته بهذه الطرق. * ومن فوائد الآية: قبح هذا الكتمان الذي سلكه هؤلاء؛ لأنه كتمان بعد بيان ليس لهم حجة، يقولون: والله نحن ما تكلمنا؛ لأن الأمر مشتبه علينا، الإنسان الذي لا يتكلم بالعلم لاشتباه الأمر عليه قد يعذر، لكن الذي لا يتكلم مع أن الله بينه للناس يكون هذا أعظم قبحًا -والعياذ بالله- ففيه بيان قبح ما سلكه هؤلاء من كتمان ما أنزل الله تعالى من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية كلها بيان، كلها بيان للناس؛ لأن قوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ المراد به الجنس، لا العهد، فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله، ما ترك الحق غامضًا، بل بينه لأجل أن تقوم الحجة على الخلق؛ لأنه لو كان الأمر غامضًا لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكاتمين ملعونون، لعنهم الله ويلعنهم اللاعنون؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، ويش هي الأفعال الاختيارية؟ كل فعل يتعلق بمشيئته فهو من الأفعال الاختيارية، مثل؟ النزول إلى السماء الدنيا، المجيء للفصل بين العباد، الاستواء على العرش، الضحك، الكلام، التعجب، وما إلى ذلك، كل فعل يتعلق بمشيئة الله عز وجل فإنه من الأفعال الاختيارية، اللعن منها؟ اللعن منها، ويدلك على أنه منها أن له سببًا، وما كان له سبب، فإنه يوجد بالسبب ويعدم بعدمه، إذن فهو -أي اللعن- من الأفعال الاختيارية. * ومن فوائد الآية: جواز الدعاء على كاتم العلم باللعنة، جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾؛ لأن من معنى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الدعاء عليهم باللعنة، تقول: اللهم العنهم. وهل يلعن الشخص المعين أو على سبيل التعميم؟ على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يدرى ماذا يموت عليه، قد يهديه الله كما قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]. بعض الناس يصير عنده غيرة وحنق على بعض الملحدين المتمردين الطغاة المعتدين فتجده يلعنه، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن لعن المعين الحي محرم نهى الله عنه نبيه وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وأما لعنه بعد موته، لعنه بعد موته فهل يجوز أو لا يجوز؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأنه قد أفضى إلى ما قدم. * الشيخ: ما تقولون؟ * طالب: إذا كان مات على (...) يا شيخ؟ * الشيخ: إي مات على الكفر. * الطالب: على الكفر يبقى، يجوز لعنه. * الشيخ: يجوز لعنه. * طالب: ما نستطيع أن نحكم عليه. * الشيخ: ما نستطيع؟ * طالب: ربما يغفر الله له. * الشيخ: لا، إذا مات على الكفر ما هو بأهل النار. * طالب: الفائدة من لعنه بعد الموت؟ * الشيخ: قد نقول بأنه لا يجوز؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وهذا عام، ثم إنه قد يثير ضغائن وأحقادًا، من أين؟ من أقاربه وأصحابه وأصدقائه، فيكون في ذلك مفسدة. ثم إننا نقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأي خير في كونك تلعن واحدًا كافرًا مات، لا شك أنه يجب أن ينفر من طريقته، وأن يقدح في طريقته وأن تذم طريقته، هذا لا بد منه، أما هو شخصيًّا فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه، وإن كان المعروف عند أهل العلم جمهورهم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر. * طالب: فالآية اللي بعدها (...): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: الله لعنه، نعم، تخبر أن الله لعنه، لكن الدعاء عليه غير الإخبار. * طالب: ما دام أن الله لعنه ما يجوز أنا نلعنه؟ * الشيخ: نحن نقول: أيش الفائدة «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[سبق تخريجه.]]. * طالب: ما يكون هذا المؤمنين، أو المسلمين؟ * الشيخ: لا، هذا عام. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ كيف نوفق مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٨ / ٨٦)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]؟ هنا مباح، وهناك.. * الشيخ: إيه، اللعانين: كثيرو اللعن، اللي دائمًا في ألسنتهم هذا الشيء، وأما من لعن من يستحق اللعنة، فهذا ما يعد لعانًا. * طالب: قول عمر بن الخطاب: «قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢ / ٧٢)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، (...) لعن معين؟ * الشيخ: لا، هذا ما هو بالظاهر، (قاتل) ما هي بمعنى لعن، الصحيح أن قاتل بمعنى أهلك وليس بمعنى لعن. * طالب: قول عبد الله بن عمر لما قال ابنه في الحديث الذي رواه (...) لما قال: والله لمنعهن (...) ﷺ: «لعنة الله عليك أقول: قال رسول الله وتقول: والله لمنعهن»، وفي رواية: «سبَّه سبًّا شديدًا»؟ * الشيخ: لا، السب صحيح: «سبًّا شديدًا ما سبه مثله قط»، لكن اللعن ما أدري عن صحته. * الطالب: في رواية: «لَعَنَكَ اللَّهُ». * الشيخ: ما أدري والله عن صحته، أقول: ينظر في ثبوتها، فإذا ثبتت فهذا فعل صحابي قد يخطئ ويصيب. * طالب: فعله مرة (...)؟ * الشيخ: أقول: يكون هذا فعل صحابي حمله عليه الغيرة ولا يعتبر حجة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظم كتم العلم؛ حيث كان من الكبائر، واعلم أن كتم العلم يكون عند دعاء الحاجة إلى بيانه؛ إما بلسان الحال أو بلسان المقال، أما بلسان المقال: فأن يأتي أحد إليك يسألك، فهذا لا بد أن تخبره، فإن «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهذا لا بد أن تخبره. أو بلسان الحال: مثل أن ترى قومًا يعملون عملًا مخالفًا للشرع، هؤلاء محتاجون إلى بيان العلم، فيجب عليك أن تبينه، فصار كتم العلم متى يتحقق؟ إذا دعت الحاجة إلى بيانه إما بلسان المقال أو بلسان الحال، إلا أن أهل العلم يقولون: إذا علم المسؤول أن السائل يريد العنت والمشقة، ويطلب الرخص ولا يريد الحق، فإنه مخير بين أن يجيب وأن يمنع؛ لأن الله قال للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]، ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لأنهم لا يريدون الحق، هؤلاء اليهود يأتون للرسول ﷺ ما يريدون الحق، قالوا: فإذا علم أو ظهر من قرائن الأحوال أن هذا السائل لا يريد الحق إنما يريد العنت والمشقة على المسؤول وإظهار عجزه أمام الناس وما أشبه ذلك، أو يريد تتبع الرخص، ما سألك لأجل يأخذ بقولك ويعمل به على أنه شريعة الله، لكن بيشوف أيش اللي عندك، ثم يروح للثاني ويشوف اللي عنده، وللثالث ويشوف اللي عنده، ولما أفتي بما يوافق الهوى قال: هذا هو القول الصواب ثم أخذ به، وهذا يوجد كثيرًا، كثيرًا ما تشوف بعض الناس يسألك وإذا أجبته قال: أنا سائل فلان وقال: كذا وكذا، ويش معنى هذا؟ معنى هذا أنه يدور شيء أهون يوافق هواه، فإذا علمت بالقرائن أو بالبينات الظاهرة أن هذا الرجل لا يريد الحق، فلك أن تمنع ولك أن تجيب؛ لأننا نعلم أن هذا ما قصد طلب العلم قصد شيئًا آخر. * طالب: دفع الفتوى يا شيخ؟ * الشيخ: دفع الفتوى اختلف فيها أهل العلم هل يجوز أو لا يجوز، والصحيح أنه لا يجوز، الصحيح أنه لا يجوز إلا عند الاشتباه فيجب، وأما إذا كان الأمر واضحًا فلا يجوز. * طالب: لهذه الآية؟ * الشيخ: لهذه الآية ولغيرها؛ ولأن الإنسان قد يدفعها أولًا ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، اللهم إلا أن يكون مبرزًا بالعلم وظاهرًا، فهذا لا بأس، مثل ما قال أبو موسى: «وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُوَافِقَنِي عَلَى ذَلِكَ »[[أخرجه البخاري (٦٧٣٦)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ: وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي.]]، وإلا فالأولى أنه يقول: اسأل أهل العلم، وكان الإمام أحمد رحمه الله يستعمل هذه الطريقة إذا جاءه أحد وسأله وليس عنده في المسألة علم قال: اسأل غيري، أو اسأل أهل العلم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنك إذا أحلتهم على شخص، فقد يخطئ هذا الشخص، قد يخطئ، فأنت حولهم على عامة الناس على عامة العلماء، وأنا أقول: إنه ما يجوز دفع الفتوى؛ لأنه يضيع الناس في الحقيقة لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفْتِي أناس جهال يضلون الناس، فإنه هنا تتعين عليه الفتوى تتعين عليه، ويستعين الله عز وجل ويسأل الله الصواب والتوفيق. * طالب: شيخ، طيب إذا جاءني إنسان ولا خبر (...) أنه ما يفتي إلا بعلم، في علماء باقين هم يفتون بمذاهب، أو يفتون (...)؟ * الشيخ: يعني معناه أن صار عندك أرجح من غيره، وأقرب للصواب؟ * الطالب: فيه اللي ما عنده علم، وفيه اللي ما يفتيك. * الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به، إذا علمت أن اللي غيره ما يفتون بالصواب مثلًا، إنما يفتون بما هب ودب، نعم، يعني: بعض الناس يفتي بما يصلح للسائل اللي يوافق السائل يفتيه ما دام فيه قول لبعض العلماء، يقول: ما دام فيه قول، وهذا أرفق بحاله أنه نفتيه به، خلينا نمشي حاله، مو مشكلة هذه. * طالب: فيه رد على الجبرية. * الشيخ: من أين؟ * الطالب: حيث إن الله لعنهم؛ لأنهم يكتمون ما أنزلنا من البينات. * الشيخ: حيث أضاف الكتمان إليهم وهو فعل، إي نعم، فيه رد على الجبرية حيث أضاف الله الكتمان إليهم وهو فعل، نعم؛ لقوله: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ والكاتم مريد للكتم ولَّا لا؟ نعم. ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. في هذه الآية أو من فوائد هذه الآية: التخصيص بالمخصص المتصل، التخصيص يكون بمخصص متصل، وبمخصص منفصل، الآية هنا مخصص متصل ولَّا لا؟ شوف ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ هذه عامة؟ كل من كتم، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ خصصت، وهذا طريق من طرق التخصيص المتصلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل. يبين في مقابل ما كتم، فيؤخذ منه أن من تاب عن بدعة وضلالة، فإنه يجب أن يبين هذه البدعة والضلالة، وأنه رجع عنها وتاب إلى الله منها، وهذه كانت طريقة أهل العلم، ومما يحضرني الآن ما ذكر عن أبي الحسن الأشعري، أبو الحسن الأشعري كان على مذهب المعتزلة أربعين سنة، وهو على مذهب المعتزلة يؤيد هذا المذهب ويناظر دونه ويرجحه، ثم إنه اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، اتصل به فأخذ من مذهبه، وترك طريق المعتزلة، وصار يبين معائبهم ويفضح عوارهم، ويبين أن مذهبهم باطل على رؤوس الأشهاد، لما رجع عن الاعتزال بين بطلانه ما تركه وسكت، بين بطلانه، ثم إن الله من عليه أخيرًا، فرجع إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الإبانة عن أصول الديانة ، وهو كتاب مشهور معروف، خرج عن مذهب الكُلّابية، وصار مذهبه مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. كذلك أيضًا ابن القيم رحمه الله كان بالأول من الصوفيين، كان صوفيًّا، ولكن الله سبحانه وتعالى من عليه وهداه بواسطة شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قد قال ذلك في كتابه النونية قال: فَاللَّهُ أَنْقَذَنِي بِهِ وَهَدَانِي، فهداه الله عز وجل على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ضلال الصوفية وخطلهم وخطأهم. * طالب: الأشعري يا شيخ ما رد على مذهب الكلابية؟ * الشيخ: إلا بيّن، بيّن كل المذاهب، قال: إن المذاهب باطلة وإنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. * الطالب: كيف اعتنق (...)؟ * الشيخ: صار له أصحاب كبار من أهل العلم قبل أن ينتقل إلى ما انتقل إليه أخيرًا، فحرروا هذا المذهب اللي كان عليه ونصروه حتى قوي. * طالب: لأيش الصوفية يا شيخ بيدرسوه في المعاهد العلمية وبيت الشباب؟ * الشيخ: لا، ما يدرسوه، ما هو مدرس، كان تدرس ليتبين بطلانها يمكن. * الطالب: فيه أئمة أجلاء يا شيخ كانوا وما زالوا موجودين بردو لغاية دلوقتي.. * الشيخ: لا دجالين، لو رأيت ما كتب عن الصوفية لرأيت العجب العجاب -والعياذ بالله- حتى انتهى بهم الأمر إلى أن يقولوا بوحدة الوجود، ابن عربي يقول عن جبته يقول: ما في الجبة إلا الله، يعني: نفسه -والعياذ بالله- فهم أخبث من النصارى، النصارى قالوا: إن الله حل في عيسى وحل في شخص رسول من الرسل، ودولا قالوا: إنه حل في كل شيء، حتى في الكلاب والحمير والخنازير وغيرها -والعياذ بالله- المهم أنك إذا أردت تعرف مذاهب الصوفية، فاقرأ ما كتب عنهم، مثل كتاب هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، بيّن -والعياذ بالله- مخازيهم ومعايبهم، لو لم يكن منهم إلا هذه الأذكار اللي ابتدعوها، ما أنزل اللَّه بها من سلطان. * طالب: حضرات يوم الأربع ويجيبوا يلبسوا جبب بيضا ويلبسوا بتاع دهوة ويقعدوا الذكر: الله، مش عارف إيه، يذكروا الله يا لطيف ألف مرة.. * الشيخ: على كل حال هم ضالون. * الطالب: هذا يا شيخ الإنسان يجب أن يحاربهم فيه. * الشيخ: حاربهم (...). * الطالب: أنا سابقًا كنت أجلس معهم، والله تاب علينا الحمد لله، ومرة مسكوني بعد صلاة المغرب، وقلت لهم: بتعملوا إيه اطلعوا بره، سيبكم بقى من الدجل.. * الشيخ: الحمد لله، بعد ما كنت صوفيا صرت خاميا الآن. * الطالب: والله حصل معايا دي حقيقة المسجد كل يوم.. * الشيخ: احمد ربك إنه أنقذك، الحمد لله. من فوائد الآية: ذكرنا أن توبة أهل البدع -مثلًا- لا تكون إلا بالبيان والإصلاح؛ لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ ثلاث شروط: توبة، رجوع عما حصل من الكتمان، إصلاح لما فسد بكتمانهم، يعني: ما فسد بكتمانهم حيث أخفوا الحق يحصل الفساد، فلا بد من الإصلاح، الثالث بيان أيش؟ بيان الحق، يبينون غاية البيان، وبهذا تذهب سيئاتهم بحسناتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ذنب وإن عظم حتى الدعوة إلى البدع إذا تاب الإنسان منها، فإن الله تعالى يتوب عليه، وقد ذكر ابن كثير رحمه الله أن هذا من خصائص هذه الأمة، وهو أن الداعي إلى البدع والكفر ما تقبل توبته في الأمم السابقة، ولكن هذا إن صح عن الرسول ﷺ، فعلى العين والرأس، فيكون مخصصًا للآية، وإذا لم يصح، فإن ظاهر الآية أن هذا الحكم عام في هذه الأمة وفي غيرها، وأن من تاب مما كتم وأصلح وبين تاب الله عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، التواب على من أذنب، الرحيم على من أخلص وعمل، فالرحمة تجلب الخير والتوبة تدفع الشر، التوبة تدفع الشر، والرحمة تجلب الخير. ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات صفتين من صفات الله، وهما؟ * طالب: التواب. * الشيخ: لا، ما هي التواب، التوبة والرحمة. ويستفاد منهما أيضًا: إثبات حكمين من هذين الاسمين: أن الله يتوب ويرحم؛ ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: قرن العلة بالحكم؛ لأنه قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، ثم علل ذلك بقوله؟ ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كثرة توبة الله عز وجل، كثرة التوبة من الله؛ لأن قوله: ﴿التَّوَّابُ﴾؟ * طالب: صيغة مبالغة. * الشيخ: صيغة مبالغة تدل على الكثرة، وهو كثرة توبة الله، وكثرة من يتوب الله عليهم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمن؟ بكل ما يجب الإيمان به. فيستفاد من الآية الكريمة: أن الكافر مستحق للعنة الله والملائكة والناس أجمعين، يلعن عليهم اللعنة. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه يشترط لثبوت هذا أن يموت على الكفر؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، فلو كفروا ثم رجعوا عن الكفر إلى الإسلام ارتفع عنهم هذا الحكم. ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ والملائكة هم عالم غيبي، من عالم الغيب، لكنهم قد يظهرون أحيانًا، وهم عباد وليسوا أربابًا، وليسوا أولادًا لله عز وجل، بل هم مخلوقون من جملة الخلق، خلقهم الله عز وجل للعبادة فقط؛ ولهذا لا يعصون الله ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، ولهم إرادة، ولهم عقل، خلافًا لمن قال: إنه لا عقول لهم، والقائل بأنهم لا عقول لهم، نقول: أنت الذي لا عقل لك، أما الملائكة فإن لهم إرادة وعقل وفهم، يفهمون عن الله أمره، ويسبحون بحمده، كيف ما يكون لهم عقول؟! نقول: هذا القول لو أخذنا بلازمه لبطلت الشرائع؛ لأن السفير بين الله وبين رسله؟ * الطلبة: جبريل. * الشيخ: جبريل، فإذا قلنا: لا عقل له، صار حامل الرسالة مجنونًا، ومن يثق برسالة حاملها مجنون؟ إذن تبطل الشرائع كلها، كل الشرائع؛ ولهذا هذا القول في الحقيقة لو قيل بأنه كفر لكان له وجه، لو قيل بأن هذا القول كفر لكان له وجه. هل الملائكة أجسام أم أرواح؟ * طالب: أرواح. * الشيخ: أجسام بلا شك وفيهم أرواح؛ لأنهم كما قال الله عز وجل: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام جبريل على صورته التي خلق عليها وله ست مئة جناح قد سد الأفق. * ومن فوائد الآية: أن الكافر يلعنه الكافر، الكافر يلعنه الكافر، من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وقد أخبر الله تعالى عن أهل النار أنه ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وأخبر ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] إلى آخره، فالكافر والعياذ بالله ملعون حتى ممن شاركه في الكفر (...). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يستفاد من هذه الآية: أن الذين يموتون وهم كفار مخلدون في اللعنة -والعياذ بالله- مخلدون في لعنة الله وطرده وإبعاده عن رحمته. ويستفاد منها: أن العذاب لا يخفف عنهم ولا يومًا واحدًا؟ ولا يومًا واحدًا؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، ما سألوا أن يرفع العذاب، ولا سألوا أن يخفف دائمًا، يخفف ولو يومًا واحدًا من أبد الآبدين -والعياذ بالله نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار- يتمنون هذا يتوسلون إلى الملائكة أو بالملائكة إلى الله عز وجل أن يخفف عنهم يومًا واحدًا من العذاب، ولكن يوبخوا إذا سألوا هذا ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر ٥٠]، ماذا تتصورون من الحسرة العظيمة حين ما يقولون ها الكلام لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وأيش الحسرة التي تصير في قلوبهم؟ ما يستطيع أحد أن يتصورها، كيف؟ ليتنا فعلنا، ليتنا اتبعنا الرسل، ليتنا صدقنا، ليتنا اتبعنا الرسول، يتمنون؛ ولهذا يقولون: ﴿بَلَى﴾ ما يستطيعون أن ينكروا أبدًا، ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم، ولكن دعاء لا يقبل ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٥٠] في ضياع -والعياذ بالله-، الشاهد أنه لا يخفف عنهم العذاب. * ومن فوائدها: أنهم لا ينظرون، إما أنه من النظر أو من الإنظار، فهم لا يمهلون ولا ساعة واحدة؛ ولهذا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾ [الزمر ٧١] من يوم يجيئونها تفتح، أهل الجنة ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر ٧٣]؛ لأنهم ما يدخلونها إلا بالشفاعة وبعد أن يقتص من بعضهم لبعض، فإذا جاؤوها هذبوا ونقوا، ثم شفع النبي عليه الصلاة والسلام في دخول الجنة، وحينئذٍ ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣]؛ ولهذا جاءت الواو في أهل الجنة دون أهل النار -والعياذ بالله- فإن أهل النار يفاجؤون بالعذاب، نسأل الله العافية. * طالب: ما يؤخذ من هذا أنه يلعن الكافر إذا مات.. * الشيخ: إذا مات على كفره؟ نحن نقول: قد يكون أنه جائز، لكنه الحديث يدل على أنه لا يجوز: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وأيش الفائدة من لعن الكافر؟ على سبيل العموم جائز، تقول: اللهم العن الكفار، وكان عمر رضي الله عنه وأبو هريرة يلعنون الكفار في القنوت[[حديث عمر أخرجه عبد الرزاق (٤٩٦٩)، وحديث أبي هريرة متفق عليه؛ البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٦٧٦ / ٢٩٦).]]، اللهم العن الكفرة، هذا لا بأس به، والآيات هذه قد تكون على سبيل العموم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، على سبيل العموم: اللهم العن كل كافر، اللهم العن من كتم العلم، وما أشبه ذلك. * طالب: بالنسبة للإنسان (...). * الشيخ: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦3] الخطاب للبشر كله، ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ أيها الناس وأيها البشر، أي: معبودكم الحق الذي تكون عبادته حقًّا واحد، إله واحد، إله بمعنى مألوه، فهي بمعنى اسم المفعول، والمألوه معناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، هذا الذي يعبد حبًّا وتعظيمًا وهو مستحق للعبادة إله واحد فقط لا أكثر، وهذه الجملة ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ﴾ طرفها الأول معرفة، والثاني نكرة موصوفة، ومؤكد بالوحدانية، ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يعني: لا إله معه، ثم أكد هذه الجملة الاسمية بجملة تفيد الحصر فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، هذه الجملة محلها مما قبلها في المعنى أيش؟ توكيد، توكيد أفصح من تأكيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١]. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقدم لنا إعراب ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وأن الصواب في إعرابها: أن (لا) نافية للجنس، و(إله) اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: لا إله حقٌّ، أما من قال: إن التقدير: لا إله موجود، فهذا فيه نظر؛ لأنه يوجد آلهة سوى الله لكنها باطلة، اللهم إلا أن يريد بأن (إله) موصوف بوصف محذوف تقديره: لا إله حقًّا موجود، إن كان أراد هذا، فإنه يعود إلى القول الثاني الذي قدرناه، وهو أن الخبر محذوف وتقديره: حق، وأما من قال في تفسيرها: لا موجود إلا الله، كما قاله مصطفى محمود، هذا الذي ملأ الآفاق كلامًا في وسائل الإعلام، وأعجب به كثير من الناس، هذا يفسر لا إله إلا الله: لا موجود إلا الله، وهذا ينطبق تمامًا على تفسير أهل وحدة الوجود الذين يقولون: إن الخالق والمخلوق شيء واحد؛ لأنه لو قال: لا موجود إلا الله، معناه الخلق هو عين الخالق؛ لأنه لا موجود إلا الله، وبهذا نرى أنه يجب التحرز من هذا الرجل لا سيما عند كلامه في الإلهيات، عند كلامه في الإلهيات خطر عظيم الأخذ بقوله، أما في مسائل أمور الكون، فهذه قد يخطئ وقد يصيب، لكن في مسائل الإلهيات يجب الحذر منه؛ لأن رجلًا يفسر كلمة التوحيد بكلمة الحلول والاتحاد، هذا من أبعد الناس عن التوحيد.. * طالب: لم يصرح بهذا في كتبه. * الشيخ: هو في كتبه أنا قرأته، قرأته في كتابه محاولة تفسير القرآن بالمفهوم العصري ، هذا عنوانه أو هذا معنى العنوان. * طالب: القرآن محاولة.. * الشيخ: إيه. إذن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قلنا: إن خبر (لا) محذوف، والتقدير: حق، وإنما قدرنا هذا؛ لأن هناك آلهة تعبد من دون الله، سماها الله آلهة، لكن ليس لها وأيش ليس لها؟ أحقية في الألوهية؛ ولهذا سماها الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم ٢٣]، يعني: أسماء لا حقيقة لمسماها. قلنا: إن بعض النحويين وبعض العلماء أيضًا قدرها، قدر الخبر بكلمة: موجود، وهذا التقدير لا يطابق الواقع إلا إذا كان يريد أن اسم (لا) موصوف بوصف محذوف تقديره: حقًّا، فهذا صحيح، لا إله حقًّا موجود إلا الله، هذا حق، (إلا) أداة حصر، (وهو) -لا إله إلا هو- بدل من الخبر المحذوف، مبني على الفتح في محل رفع، أما (إلا اللهُ) فهو بدل مرفوع وعلامة رفعه؟ * طالب: الضمة الظاهرة. * الشيخ: ضمة ظاهرة في آخره، وأرانا نقول: هنا مبني على الفتح، وهناك نقول: مرفوع بالضمة؟ لأنه هذا ضمير فهو مبني، وهذا اسم ظاهر فهو معرب. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا خبر يجب علينا اعتقاده؛ إذ لو لم نعتقده لكنا مكذبين لهذا الخبر، وتكذيب خبر الله ورسوله كفر، كفر صريح، إذن يجب علينا أن نعتقد بأنه لا إله حق إلا الله عز وجل، وأن جميع ما يعبد من دون الله فهو باطل؛ لأنه لا ينفع ولا يضر، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥]، هذه الأصنام لو تدعوها إلى يوم القيامة ما استجابوا لكم، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]. فإن قال قائل: إن هؤلاء المشركين قد يفتنون في هذه الآلهة فيدعونها، ثم يأتيهم ما دعوا به؟ فما هو الجواب عن هذه الآية؟ الجواب عن هذه الآية: أنهم ليسوا هم الذين أوجدوه، والله قال: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف ٥]، فهل هذه الأصنام هي التي جاءت بهذا الشيء؟ أو الذي جاء به الله؟ * طالب: الله. * الشيخ: الذي جاء به الله، لكن قد يمتحن الإنسان بتيسير أسباب المعصية، ابتلاء من الله عز وجل، فيكون هذا الشيء حصل عنده؟ * طالب: لا به. * الشيخ: لا به، حصل عنده لا به. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف التقدير؟ هو الرحمن الرحيم، الجملة استئنافية، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾، يعني: هذا الإله هو الرحمن الرحيم، وما سواه مما يعبد من دونه فليس فيه رحمة، خال من الرحمة إطلاقًا. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال ابن حجر: اتفق العلماء على أنهما اسمان من أسماء الله، اتفقوا، مع أن مادتهما واحدة وهي الرحمة، وعلى هذا: فيكون الغفور اسم، والغفار اسم، وإن كانا من المغفرة، لكن لما اختلفا في الصيغة صار كل منهما اسمًا مستقلًا. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الفرق بينهما، أحسن ما رأيت فيه ما قاله ابن القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد ، وكتاب بدائع الفوائد على اسمه بدائع، لكنه ليس مرتبًا، حسب ما يخطر بباله يكتبه رحمه الله، أشبه ما له كتاب ابن الجوزي المسمى صيد الخاطر ، صيد الخاطر متى ما خطر على باله الشيء كتبه، وإن كان بينهما فرق، وابن الجوزي رحمه الله في باب الصفات متذبذب، له كتاب اسمه تأويل آيات الصفات ، كله على مذهب المعتزلة، ينكر إنكارًا شديدًا على المثبتين، حتى إنه في بعض السياقات يلعنهم -والعياذ بالله- يلعنهم، يقول: كيف أنكم تجعلون لله عين ويد وما أشبه ذلك؟ معناه أنكم خلتوه إنسان، ويصرح بالإنكار العظيم في هذا، ورأيت لشيخنا رحمه الله كتاب تعليق على هذا الكتاب على الصفحة اللي فيها اسم الكتاب يقول: إن هذا كلام ابن الجوزي مما خالف فيه مذهب الإمام أحمد بن حنبل، إي نعم، الحاصل أن إحنا ذكرناه؛ لأن ابن الجوزي رحمه الله له كلام يدل على أنه مستقيم في هذا الباب، لكن هذا الكتاب ألفه لهذا الغرض ورد على المثبتين ردًّا شنيعًا. إذن (الرحمن) أقول: أحسن ما رأيت في الفرق بينهما: أن الرحمن باعتبار الوصف، و(الرحيم) باعتبار الفعل؛ ولهذا جاءت رحمن على صيغة (فَعْلان) الذي يدل على السعة والامتلاء، وجاءت الرحيم على صفة (فَعِيل) الدالة على الفعل، فالرحمن باعتبار وصفه، والرحيم باعتبار فعله، أي: إيصال الرحمة إلى من شاء سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا مرارًا أن أسماء الله سبحانه وتعالى لها ثلاث دلالات: تدل دلالة تضمن، وأيش بعد؟ * الطلبة: التزام. * الشيخ: والتزام، والثالث؟ * الطلبة: مطابقة. * الشيخ: مطابقة، فدلالة الاسم على الذات والصفة دلالة؟ مطابقة، ودلالته على الذات وحدها أو الصفة وحدها؟ دلالة التضمن، ودلالته على ما يستلزمه من الصفات الأخرى؟ دلالة التزام، من يسأل؟ * طالب: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ما الذي يمنع أن تكون صفة؟ * الشيخ: أيهما؟ * الطالب: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. * الشيخ: نعم، هما دالان على الرحمة. * الطالب: لا، أقول صفة يعني من الناحية الإعرابية؟ * الشيخ: من الناحية الإعرابية، صفة لأيش؟ * الطالب: صفة للضمير؟ * الشيخ: يقولون: إن الضمير لا يُنعت ولا يُنعت به. * الطالب: ما المانع؟ * الشيخ: هذا كلامهم. * الطالب: إذا تأملناه من الناحية المعنوية فعلًا صفة؟ * الشيخ: لو قلت: لا إله إلا الرحمن الرحيم؟ ما يستقيم الكلام، لا إله إلا هو، ثم استأنف قال: هو الرحمن الرحيم، أبلغ، هذا أبلغ، وهو وإن كان جائزًا فهو على وجه ضعيف. بقينا ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة لله عز وجل صفةً حقيقيةً، وأهل التأويل يقولون: إن الله ليس له رحمة هي صفته، ويفسرون الرحمة إما بالفعل أو بالإرادة، يعني: إما بالإحسان أو بإرادة الإحسان، وهذا مذهب الأشعرية والماتريدية، فيقولون: إن معنى رحمن ومعنى رحيم، أي: مريد للإحسان، أو معناه: محسن بالفعل، وما حجتهم؟ يقولون: لأن الرحمة رقة ولين، وهذا الوصف لا يليق بالله عز وجل، فنقول لهم في الرد على هذا: أولًا: اقتضاء الرحمة للرقة واللين هذا باعتبار رحمة المخلوق، ثم لو فرض أنها مستلزمة لذلك، فأين الدليل على أنه يمتنع أن يكون الله عز وجل لينًا ورؤوفًا ورحيمًا؟ ما هناك دليل على المنع لكننا نقول مع ذلك: إذا كان هذا لا يليق بالرب جل وعلا، فإن الرحمة التي تشيرون إليها هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها تليق به، ولا تستلزم نقصًا كما تستلزمه رحمة المخلوق، على أننا قلنا فيما سبق: إن قولكم: إن الرحمة تستلزم اللين والرقة والضعف، هذا ليس بصحيح، فهؤلاء الملوك قد يكون ملك جبار وقوي وشديد ومع ذلك يرحم، ولا يقال: ذل، ولا يقال: ضعف أمام من رحمه. ثم نقول لهم: إذا قلتم ذلك، فالإرادة ما يريد المريد شيئًا إلا لما له فيه من جلب منفعة أو دفع مضرة، هذا المريد العاقل يعني، ما يريد شيئًا إلا هذا، وهل هذا المعنى يليق بالله؟ ما يليق بالله عز وجل، هم يقولون: هذه إرادة المخلوق التي لا يريد إلا ما فيه جلب منفعة أو دفع مضرة له، هذا المخلوق، أما إرادة الخالق فتليق به، فنقول: إذن هذه رحمة المخلوق، ورحمة الخالق تليق به. ثم من العجب أن تكون نصوص الرحمة في القرآن أكثر من نصوص الإرادة، وجاءت بالوصف، وجاءت بالاسم، وجاءت بالفعل، والإرادة ما جاءت إلا بالفعل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فيقول الله عز وجل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] هذا الصفة، ويقول: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ هذا الاسم، ويقول: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] هذا الفعل، ومع ذلك هذه تؤول والإرادة لا تؤول! لكن -الحمد لله- أهل السنة والجماعة هداهم الله تعالى للصراط المستقيم، وجعلوا جميع باب الصفات بابًا واحدًا، كيف بابًا واحدًا؟ يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويقال: إن وصف الخالق يليق به، ووصف المخلوق يليق به، وإن اتفقا في أصل المعنى، لكن حقيقة المعنى تختلف، واضح؟ وهذا -الحمد لله- مقرر لدينا في العقائد مر علينا كثيرًا. * طالب: شيخ، بعض أهل العلم فسر ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ بأنهما اسمان رقيقان، وإذا رجعنا إلى المعتقد الصحيح، فنحمل على أنه يريد اسمان رقيقان أحدهما أرفق من الآخر؟ لأنه يرى قول: إن الله رفيق يحب الرفق؟ * الشيخ: لا لا، ما يريدون هذا، هم يقولون: رقيقان، يعني: كل واحدة منهم أرق من الثاني. * الطالب: ما راعينا أن بعض أهل العلم عقيدته صحيحة جيدة و(...) رقيقة. * الشيخ: إيه، هم يقولون كذا. * طالب: شيخ، إذا قال قائل: ما الفرق بين مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب المفوضة، إذا كان أهل السنة يثبتون صفة الرحمة لله تبارك وتعالى بمعنى غير المعنى الموجود بالقاموس؛ لأن هذا المعنى من الرقة يليق بالمخلوق، كذلك هؤلاء يقولون: الرحمن، لكن معنى الرحمن هو غير الله ما يعرف معناها، فما الفرق بينهما؟ * الشيخ: الفرق بينهما: أن أهل التفويض يقولون: ما نعرف لهذا معنًى، ما نثبت معنى إطلاقًا، ما هو بالرحمة فقط، الرحمة، والاستواء، والنزول، والمغفرة، والمحبة، وغيرها، ما يثبتون معنى إطلاقًا، يقولون: هذه معانيها مجهولة، ولا شك أن هذا ضرره عظيم. * الطالب: لا معنى للقرآن؟ * الشيخ: معناه: لا معنى من القرآن، وأنه مثل ما قال شيخ الإسلام قال: هذا يجيء المتأول ويجيئون الفلاسفة ويقولون: روحوا أنتم جهال ما تعرفون، إحنا اللي عندنا العلم، فيأتي المتأول ويقول: عندي العلم، ويأتي الفلسفي ويقول: عندي العلم، أنا الذي (...) القرآن، أما أنتم أقررتم على أنفسكم بالجهل، الجاهل هل يمكن أن يدفع شيئًا؟ ما يمكن يدفع؛ ولهذا يقول: إن هذا القول رحمه الله يقول في كتابه العقل والنقل يقول: هذا القول من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، تفويض المعنى، أما تفويض الكيفية، فهذا حق، مهما كنا ما نستطيع أن نعرف كيفية صفات الله عز وجل. * طالب: شيخ، إذا واحد تقدم يعني ولم ينقب يعني عن تفسير ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (...) ما يدري رفيقان أو رقيقان نحملها على أيش؟ * الشيخ: هو المعروف أنهم يقولون: رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، كذا يعبرون، أرق ما تشتبه بأرفق. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف إذا قال: رفيقان ولم ينقط، ثم قال: أحدهما أرق تشتبه بأرفق؟ ما تشتبه، (...) أرق يعني أرف، ولا يستقيم. * طالب: الرحمن يدل على الاسم وعلى الصفة اسم الرحمن، ما الفائدة من الرحيم؟ * الشيخ: إيه زين، تكون الرحيم دالة عليه بحسب الصيغة، والرحمن بحسب الالتزام بحسب اللازم، أو يقال: إنه في مثل هذا إذا قرن أحدهما بالآخر، يكون أحدهما دالًّا على الاسم والصفة فقط، والثاني دالًّا على الاسم والصفة والفعل، ولا مانع من أن يكون الكلمة عند الانفراد لها معنى، وعند الاجتماع لها معنى آخر. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ انتبهوا للآية هذه -إن كنا من ذوي العقول- لأن الآية آخرها: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، يقول الله جل ذكره: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿إِنَّ﴾ هذه للتوكيد و﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه خبرها مقدم، و﴿لَآيَاتٍ﴾ اسمها مؤخر. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ابتداؤها، كيفيتها، قوتها، ما أودع الله فيها إلى آخره، هذه واحدة، و﴿السَّمَاوَاتِ﴾ جمع سما، وتقدم أنها سبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ مفرد يراد به الجنس فيشمل؟ * الطلبة: السبع. * الشيخ: يشمل السبع، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا واحد، إيجادهما، وبقاؤهما وكيفيتهما، وكل ما يتعلق بهما من الشيء الذي لا نعلمه، يعلمه غيرنا مثلًا من علماء الفلك والجيولوجيا يعلمون أكثر مما نعلم في هذا، وهم مع ذلك ما أوتوا من العلم إلا قليلًا، السماء في خلقها بهذا الارتفاع وهذه السعة وهذه القوة، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات ٢٧]، الجواب؟ * طالب: السماء. * الشيخ: السماء، ثم فصّل فقال: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٧، ٢٨]، ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] هذه السماء العظيمة، وكذلك الأرض وما أودع الله فيها من المنافع؛ حيث جعلها متضمنة ومشتملة على جميع ما يحتاج الخلق إليه في حياتهم وبعد مماتهم حتى بعد الممات، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦]، ما ظنكم لو جعل الله هذه الأرض شفافة كالزجاج، فدفن فيها الأموات ينظر الأحياء إلى الأموات، فلا تكون كفاتًا لهم، وما ظنكم لو جعل الله هذه الأرض صلبة كالحديد أو أشد، هل يسهل علينا أن تكون كفاتًا لأمواتنا؟ لا، ولا لنا أيضًا في حياتنا، ثم هذه الأرض أودع الله فيها من المصالح والمعادن شيئًا ما نستطيع الإحاطة به، ويتبين لنا شيئًا فشيئًا كلما تقدمت الصناعة، هذه السماوات والأرض ما أودع الله فيها من المنافع والمصالح. ثانيًا: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر، في الإضاءة والظلمة، في الحر والبرد، في النصر والخذلان، في كل شيء يتعلق بالليل والنهار، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، هذه الليالي والأيام التي تدور على العالم كم فني فيها من أناس، كم عز فيها من أناس، كم ذل فيها من أناس، كم حصل فيها من حوادث ما يعلمها إلا الله، هذا الاختلاف كله آيات تدل على الله عز وجل، وعلى تفرده بالوحدانية سبحانه وتعالى. اختلاف الليل والنهار أيضًا في الطول والقصر ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج ٦١]، على وجه خفي لا يشعر الناس به، يزداد شيئًا فشيئًا، وينقص شيئًا فشيئًا، ليست الشمس تطلع فجأة من مدار السرطان، وفي اليوم الثاني مباشرة من مدار الجدي، أبدًا، ولكنها تنتقل بينهما شيئًا فشيئًا، حتى يحصل الالتئام والتوازن وعدم الكوارث، لو انتقلت فجأة من مدار السرطان إلى مدار الجدي ماذا يحصل؟ لهلك الناس من حر شديد إلى برد شديد، والعكس بالعكس، لكن الله جل وعلا بحكمته ورحمته جعلها تنتقل حتى يختلف الليل والنهار على حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته. ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الله أكبر، هذه أيضًا من آيات الله، فلك محمل بالآدميين، والأمتعة والأرزاق يجري على سطح الماء، هذا من آيات الله، وهذا جاء ما هو أعظم منه الآن وهو الفلك الذي يجري في الهواء، الفلك الذي يجري في الهواء، فإذا أشار الله تعالى إلى شيء من آياته في أمر، فما هو أولى منه يكون أعظم منه دلالة على ذلك، الله جل وعلا أخبرنا بأن الطير التي في جو السماء أن فيها آيات، ولَّا لا؟ إي نعم، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك ١٩]، هذه الطيور ما تحمل إلا نفسها فجعلها الله تعالى آية، فكيف بهذه الطائرات؟ تكون أعظم وأعظم من آيات الله عز وجل. وقوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ بمعنى؟ تسير، و﴿فِي الْبَحْرِ﴾ في للظرفية، فهل المعنى في نفس البحر ولَّا على البحر؟ * طالب: تشملهم. * الشيخ: تشمل هذا وهذا، نعم؛ لأن فيه فلك يجري على سطح الماء، وفيه فلك يجري من داخل الماء، ولَّا لا؟ * طالب: الغواصات. * الشيخ: الغواصات، الغواصات تجري في البحر بما ينفع الناس؛ لأنها يقاتل بها الأعداء ويحمى بها البلاد، فهذا مما ينفع الناس. * الطلبة: (...). * الشيخ: لا، ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس ٢٢]، إذن ﴿الْفُلْكِ﴾ المراد به الجمع هنا، ﴿الْفُلْكِ﴾ يراد به الجمع، ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات ١٤٠]، هذا مفرد، وأظن أني قد ذكرت لكم ما قاله ابن عقيل رحمه الله -وهو من الفقهاء- قال: إن الأحدب الذي يكون حدبته كالراكع ينوي الركوع بقلبه، قال: كـ(فُلك) في العربية، ينوى جمعه وإفراده واللفظ واحد، هذا الإنسان الأحدب إذا بغى يركع وهو أحدب على قدر الركوع وأيش لون يركع؟ * طالب: بالنية. * الشيخ: بالنية، نعم، ﴿الْفُلْكِ﴾ شامل للمفرد والجمع، وهنا يراد بها الجمع ولّا المفرد؟ ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾؟ * طالب: محتملة. * الشيخ: يا إخواني، قلنا: إن الوصف يعين المقصود، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: مفرد؟ لو قال: والفلك اللاتي يجرين في البحر، صار؟ * طالب: جمع. * الشيخ: جمع، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ابن مالك في الألفية يقول: بِاللَّاتِ وَاللَّاءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا ∗∗∗ ......................... (التي) هي المفرد، فعلى هذا تكون هنا الفلك مفرد، لكنه مفرد والمراد به الجنس، فيكون عامًّا. وقوله: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني: مصحوبة بما ينفع الناس، من أين؟ * طالب: الأرزاق. * الشيخ: من الأرزاق، والبضائع، والأنفس، والذخائر وغيرهم.. * طالب: والصيد، وصيد السمك. * الشيخ: إيه وغيرها، بما ينفع؛ لأن (ما) اسم موصول يفيد العموم، كل ما ينفع الناس، فهي من آيات الله عز وجل، الدالة على كمال قدرته وكمال رحمته وتسخيره، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ [إبراهيم ٣٢]. ومن حكمة الله عز وجل أنه قدر في الأرض أقواتها، قدره يعني: جعل قدرًا هنا، وقدرًا هنا، وقدرًا هنا، لأجل أن ينتفع الناس، فيه ناس ما يكثر عندهم البقول، والخضروات، وما أشبه ذلك، يأتيهم من أرض أخرى، وفيه ناس يكثر عندهم نوع من الحشائش ما يوجد في المكان الآخر ينقل إلى المكان الآخر، فيتبادل الناس الأرزاق، وينتفع الناس ويتحركون، كل فيما قدر له. * طالب: غواصات تمشي مسافة طويلة يا شيخ من تحت الماء؟ * الشيخ: إيه، من تحت الماء. * الطالب: كيف يدله؟ * الشيخ: عندهم -سلمك الله- رادارات ما تخطئ، الآن يقولون: فيه صواريخ يجلس وهو مكانه في غرفة القيادة وتضرب الهدف اللي هو يبغي، الآن بدؤوا -عسى الله يكفينا شرهم- بدؤوا يسلحون الجو؛ ولذلك هم في نزاع في تسليح الجو، انتهوا من تسليح الأرض وتلغيمها بالغواصات وغيرها قالوا: نروح بس.. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي والله أمام قدرة الله. * الطالب: (...) الأفغانية ضعيفين وقليلين ولا عنده عدة.. * الشيخ: أمام قدرة الله ما فيه شيء؛ لأن الله جل وعلا لو شاء لخسف بهم، يخسف بهم الأرض ولا يبقى لهم ذكر، أمام قدرة الله ما فيها شيء، ولكن الله جل وعلا جعل قدرته مشروطة ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد ٧]، فإذا وجد هذا الشرط، ونصرنا الله حقًّا بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا نصرنا الله، مثلما نصر اللي قبلنا ينصرنا جل وعلا، المسألة: أقوالنا كثيرة وأفعالنا قليلة. * طالب: كلمنا واحد يقول: أرسلوا عليهم قنابل ذرية.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قنابل ذرية، في (...) أفغانستان يقول: وصارت في حد الخيام ما وصلت إلى الخيام وخدت اثنا عشر يوم والنار تلتهب ولا تنفك يقول: والله ما جت منهم ولا أحد؟ * الشيخ: وعلى كل حال يعني الأحاديث عنهم كثيرة، لكن ما نود أن يمضي الوقت، ولّا حدثني إنسان ثقة قبل يومين جاءني لمي يشاورني في موضوع الجهاد معهم، يقول: إن فيه جبال يتعبون الغزاة في إيصال الماء إلى هذه الجبال، يحمل الواحد الجالون مع التعب ويصعد هذا الجبل، ويحفرون الخنادق لأجل إذا جاءت الطيارات ضربوها، أقلبوا كل الطائرات، يقول: إن فيه طائرات بدأت ترسل عليهم قنابل إذا ضربت القنبلة في الأرض انفجرت الأرض عيونًا، صارت تحفر لهم آبار وهم ما يدرون، وهذا الله على شيء قدير، هذا من آيات الله عز وجل ونصره، ونسأل الله أن ينصرهم ويثبتهم على الحق.. * طالب: قول ابن عقيل في الأحدب (...) إذا كان أحدبًا هل يكفي النية؟ * الشيخ: إي نعم، تكفي. * الطالب: ما يلزمه أنه (...)؟ * الشيخ: لا لا، ما يلزمه لأنه يصير خلاف السنة في هيئة الركوع. * الطالب: هذا عاجز والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. * الشيخ: هذا من تقوى الله.. * الطالب: ما ركع. * الشيخ: هيئته راكع، هم قالوا هكذا. * الطالب: لم تختلف الصفة بين الركوع والقيام؟ * الشيخ: ما هو شرط، يكفي النية، مثل الجلوس لكن ما يستطيع أنه يتحرك، مثل الإنسان اللي ما يستطيع يتحرك برأسه ينوي. * طالب: (...). * الشيخ: ما ندري، ما نستطيع أن نجزم بهذا؛ لأن السماوات ما نستطيع أن نقول: إن السماء الدنيا من نحاس.. * الطالب: لأنه ما قال: والأرضين. * الشيخ: ما نستطيع، جاءت الأرضين في السنة: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]]. * الطالب: لا، بالنسبة للقرآن. * الشيخ: بالنسبة للقرآن ما نقدر نقول، إن الله نوه على ذكر السماوات بالعدد؛ لأنها أعظم من الأرض، ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] مثل العدد. * طالب: ما رأيك يا شيخ في قول من قال: إذا جمعت السماوات يراد بها الأجرام، وإذا قيل: السماء، فهي للعلو؟ * الشيخ: هو صحيح إذا قيل: السماوات، فهي الأجرام بلا شك، إذا قيل: السماء، فهي تحتمل هذا وهذا. قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني: وفيما أنزل الله من السماء من ماء، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، هذا هو الصحيح، وإن كان بعضهم ذكر أنه يحتمل أن المراد به الجرم، السماء المحفوظ، وقال: إن الماء ينزل من السماء على السحاب، ثم ينزل من السحاب على الأرض، لكن هذا خلاف الواقع، وخلاف ما دل عليه القرآن، فالصواب أن المراد بـ﴿السَّمَاءِ﴾ هنا العلو، ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه بيان لـ(ما) في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ المراد به: المطر، هذا الذي أنزله الله من السماء فيه آيات عظيمة، منها: كونه ينزل من السماء، فما الذي حمله إلى السماء؟ الله عز وجل، كذلك كونه ينزل رذاذًا، هذا من آيات الله الدالة على رحمته، لو كان ينزل صبًّا لأهلك العالم، لكنه ينزل رذاذًا، وكونه ينزل من السماء لا يجري من الأرض، هذا أيضًا من آيات الله، لأجل أن ينتفع به سهل الأرض، وجبالها، سهولها وجبالها، ولو كان يمشي لغرق الأسفل قبل أن يصل إلى الأعلى. كذلك من آيات الله: كونه ينزل لا حارًّا ولا باردًا، ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: يجيء علينا البرَد، البرَد ذكره الله تعالى في سياق يدل على أنه نوع من الانتقام ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور ٤٣]، وإن كان الله سبحانه وتعالى قد جعله رحمة، لكن (...). ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم أن (إن) لها اسم وخبر، أين خبرها؟ * طالب: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مقدم. * الشيخ: إي نعم، وما عطف عليه. * الطالب: واسمها: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿لَآيَاتٍ﴾ هل الآيات هنا جمع؟ هل هي لكل فرد من أفراد هذه الأنواع التي عددها الله عز وجل، كل واحد فيه آيات؟ أو أن الآيات موزعة على كل نوع؟ فلكل نوع آية، فيكون في الجميع آيات؟ * طالب: يشمل هذا وهذا. * الشيخ: وأيهم أبلغ؟ * الطالب: الأبلغ أنه في كل شيء. * الشيخ: آية واحدة فقط؟ * الطالب: آيات متعددة. * الشيخ: آيات متعددة، نعم. قوله: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أرنا ثلاث آيات من هذا ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ بين لنا ثلاث آيات ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ * طالب: أولًا: في قوتها. * الشيخ: نعم، في القوة. * الطالب: ثانيًا: في وسعها. * الشيخ: في سعتها. * الطالب: وما جعل الله فيها من النجوم. * الشيخ: إي نعم، الدليل على أن السعة من آيات الله؟ وأنها من قوة الله؟ * طالب: والأرض دحاها. * الشيخ: لا لا، السماء؟ * الطالب: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. * الشيخ: نعم، ﴿بِأَيْدٍ﴾ قوة، و﴿لَمُوسِعُونَ﴾ يعني: سعة أرجائها، وكذلك ما أودع الله فيها من نجوم والكواكب والأفلاك وغيرها، وفي الأرض أيضًا في إيجاد الأرض، وتسخيرها، وتذليلها، وما فيها من الأنهار والأشجار، والجبال، والسهول وغير ذلك، كلها من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا لا، بقوة، ما هي بأيد اللي جمع يد، لا؛ لأنها ما أضيفت إلى الله، فهي مصدر (آد، يئيد، أيدًا)، كـ(باع، يبيع، بيعًا). ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلاف الليل والنهار فيه آيات، اختلافها من أي ناحية؟ * طالب: من آياته اختلافه في طوله وقصره، والبرودة.. * الشيخ: إيلاج هذا في هذا؟ * الطالب: (...) طوله في بعض المناطق (...). * الشيخ: هذا داخل في الطول والقصر. * الطالب: (...). * الشيخ: ألا يدخل في ذلك اختلاف الحوادث؟ اختلاف الحوادث: كون الله يعز أقوامًا ويذل آخرين، ويكون الخصب والرخاء أو العكس؟ * طالب: يدخل فيه. * الشيخ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]. واختلاف الليل والنهار.. * طالب: الصلاة بردو في الليل وفي النهار تختلف؟ * الشيخ: لا ما تختلف. ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ نبغي نؤاخذكم حيث قلتم: في كل واحدة آيات، نبغي من كل واحدة ثلاث آيات على الأقل، ﴿الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أخرج لنا منها ثلاث آيات؟ * طالب: جريانها على سطح البحر، وفي هذا الزمان أصلًا أيضًا.. * الشيخ: ما بعد وصلنا للزمان هذا، جريانها على سطح البحر مع أنه ماء وهي ثقيلة. * طالب: أن كونها تطفو على سطح الماء هذا من الآيات، وثاني شيء: نقل البضائع التي توجد في مكان إلى مكان لا توجد فيه هذه البضائع، الفلك هي التي.. * الشيخ: هي التي تحملها. * الطالب: (...) التي تغوص داخل الماء. * الشيخ: (...). * طالب: ما في البحر من طرقات عظيمة. * الشيخ: هذا في البحر، لكن التوصل بهذه الفلك إلى ما في البحر؛ لأنهم يصيدون فيها. * طالب: هذا ما هو قديم يا شيخ؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ما أذكر أنه قديم. * طالب: الاصطدام في البحر. * الشيخ: إيه في السفن العادية، الشراعية. * الطالب: أقول: من الآيات. * الشيخ: إيه، بس هذه من (...). * طالب: (...) الفلك يعني يراد بها كيد الأعداء تستخدم.. * الشيخ: إيه، استخدامها في الحروب، ونقل الإنسان أيضًا، الإنسان قد يكون له غرض في أنه ينتقل من قارة إلى قارة، أو من مكان إلى مكان، فهذا من الآيات. * طالب: معرفة الاتجاهات. * الشيخ: تصريف الرياح بعد، لها آيات خاصة. * طالب: كونها تمشي على البحر (...). * الشيخ: بالريح يعني؟ إي نعم، إذن الحمد لله ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أيضًا كونها بما ينفع الناس، منافع الناس ما لها حصر. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ هذا أيضًا فيه آيات: إنزال الله للماء من السماء. * طالب: أنزل الماء من السماء قطرات وليس.. * الشيخ: وليس يصب صبًّا، هذه واحدة. * طالب: إذا نزل الماء (...) تحيا ويحيا الإنسان. * الشيخ: إحياء الأرض به، لكن إحياء الأرض الظاهر إن نفس إحياء الأرض فيه آيات، إنزال المطر كونه رذاذًا، هذا من آيات الله، لاحظوا ما نريد من آيات الله الآيات الدالة على القدرة والعظمة فقط، حتى الدالة على الرحمة والدالة على الحكمة، هي من آيات الله، ولَّا لا؟ إي نعم. * طالب: تخزينه في باطن الأرض. * الشيخ: خزنه في باطن الأرض حتى إذا احتاج الناس إليه، ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، استخرجوه وانتفعوا به. * طالب: ورفع القحط عن الناس. * الشيخ: إيه، ما تدخل في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؟ * الطالب: إحياء للأرض، وهذا إحياء لما عليها، هذا إحياء لما على الأرض. * طالب آخر: كونه ينزل من أعلى. * الشيخ: نعم، كونه ينزل من أعلى وليس من أسفل، هذا أيضًا من آيات الله؛ لأنه لو كان يمشي مشيًا على الأرض أغرق الأسفل قبل أن يأتي لأعلى. * طالب: كونه حلوًا (...). * الشيخ: نعم، كونه بهذه الحلاوة، وكونه ليس باردًا ولا حارًّا، ليس باردًا برودة تؤثر على النبات ولا حارًّا. * طالب: كونه ينتح من الأرض عن طريق الشمس ثم ينزل. * الشيخ: كونه أيش؟ * الطالب: كونه ينتح نتح عن طريق الشمس يتبخر، ثم يتألف ثم ينزل، هذه من الآيات العظيمة. * الشيخ: يعني: كونه يصعد من البحر؟ * الطالب: إي نعم، ثم يتكون رذاذًا، ثم.. * الشيخ: هذا قد يسلم به، وقد لا يسلم. * الطالب: هو من آيات الله يا شيخ؟ * الشيخ: إيه، هو من آيات الله لكن بس ما هو كلها (...) هذا، أحيانًا يكون كذلك وأحيانًا لا يكون. * الطالب: إذن أيش غير هذا تكون به السحاب؟ * الشيخ: الله أعلم، بقوله: كن؛ ولهذا أحيانًا نحن نشاهد هنا في القصيم، القصيم ما هو بحوله بحار، نشاهد السماء صحوًا، ونشاهد بأعيننا تنشأ قطعة صغيرة ثم تنتشر. * الطالب: الأصل أنه من طريق التبخر يا شيخ؟ * الشيخ: الله أعلم، ما نجزم. * طالب: كونه ينزل بقدر معين، لو نزل بكثرة لأغرق.. * الشيخ: إي نعم، المهم فيه الآن أخذنا منه ثلاث آيات. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ الذي يحيا هل هو الأرض أو النبات الذي فيها؟ الذي يحيا هو النبات الذي فيها؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، قد يقول القائلون بأن في القرآن مجازًا: إن هذا من المجاز؛ حيث أطلق حياة الأرض على حياة نباتها، ونحن نرد عليهم بأن نقول: إن مثل هذا الأسلوب في اللغة العربية لا يعنى به أبدًا حياة الرمل والتراب والأحجار، وإنما يعنى به؟ * طالب: حياة (...). * الشيخ: ما فيها من الثمار والزروع، وما دام هذا معنى هذا التركيب في الأسلوب العربي بقي هذا حقيقة لا مجازًا؛ لأننا قد قررنا فيما قبل قاعدة فقلنا: إن الكلمات لا يتبين معناها إلا بالسياق، وضم بعضها إلى بعض، وكم كلمة كان لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق، نأتي لمثل (القرية)، كلمة (القرية) التي يدندن حولها من يقولون بالمجاز، نقول: القرية استعملت مرادًا بها أهلها، واستعملت مرادًا بها مساكنهم، بلفظ صريح في الموضعين، واستعملت مرادًا بها أهلها بالقرينة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت ٣١]، وأيش المراد بالقرية؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا يا إخوان، ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ المراد بها المساكن، واضح، ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ المراد بها المساكن، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج ٤٨]، وأيش المراد؟ * الطلبة: أهلها. * الشيخ: أهلها، لا شك في هذا؛ لأن الظلم لا يوصف به المساكن، المساكن ما هي تظلم، فإذن المراد بالقرية أهلها بقرينة قوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾، ولا يمكن لأي واحد أن يقول: إن المتبادر من هذا اللفظ من (القرية) المساكن، ما أحد يقول، أبدًا، وحينئذٍ ما استعملت (القرية) الآن في مجازها، استعلمت في حقيقتها؛ لأن حقيقة الكلام: ما يتبادر إلى الذهن من المعنى، هذه حقيقته، وهو يختلف باختلاف السياق. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢] هذا اللي جعلوا يضربون على وترها من يقولون: إن في القرآن مجازًا، ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ قالوا: معلوم ما هذا المراد ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ هروح للجدران أقول: يا ولد هو سرق أخو يوسف؟ أحد يعقل أن هذا هو المعنى؟! أبدًا، ما أحد يعقل هذا، ولو أن أحدًا قال: إن هذا ظاهر كلام الله، لكان بالحقيقة ساخرًا بكلام الله، فالله ما أراد هذا إطلاقًا، ولا يفهم من هذا المعنى إطلاقًا من هذا اللفظ. وبهذا تبين أن الكلمة يكون لها معنى بحسب السياق، فالمعنى المتبادر من السياق هو حقيقة الكلام، في أي تركيب كان، وحينئذٍ نقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، المراد بلا شك؟ المراد: أحيا به النبات؛ لأنه الذي يوصف بالحياة والنور، أما الأرض نفسها، فإنها رمل وأحجار وتراب، ما يحيا ولا يموت. وقوله ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فيه آيات كثيرة: آيات دالة على الرحمة، وآيات دالة على الحكمة، وآيات دالة على القدرة، آيات دالة على الرحمة بما في هذا الإحياء من المنافع العظيمة: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات ٣١، ٣٢] لمن؟ ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٣]، فكم من نعمة كثيرة في هذه الزروع التي أحياها الله تعالى بالمطر، ولَّا لا؟ لنا ولأنعامنا، قوتًا ودواءً وغير ذلك، واضح؟ هذا دال على الرحمة. فيه آيات دالة على الحكمة وهو: أن حياة هذه الزروع جاءت بسبب، وهو؟ الماء الذي نزل، فمنه نأخذ أن الله جل وعلا يخلق بحكمة، ويقدر بحكمة، الله قادر جل وعلا أن يقول للأرض: أنبتي الزرع، فتنبت بدون ماء، لكن كل شيء مقرون بسبب، فكونه جل وعلا ربط إحياء الأرض بنزول الماء وأيش يدل عليه؟ على الحكمة، وأن كل شيء له نظام خاص لا يتعداه، منذ خلق إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم. فيه آيات دالة على القدرة، وهي: أنك ترى الأرض خاشعة، هامدة، سوداء، شهباء، ما فيها شيء، فإذا أنزل الله عليها المطر بعد نحو شهر تأتي إليها تجدها تهتز أزهارًا، وأوراقًا، وأشجارًا، ﴿إِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، هذه قدرة عظيمة، واللهِ لو أن البشر كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمعوا على أن يخرجوا ورقة من حبة، ورقة واحدة من حبة، يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون، وحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، أليس هذا دليل على القدرة العظيمة؟ نعم، على القدرة العظيمة التي لا منتهى لها، إذن فيه آية على القدرة، وأيش بعد؟ والحكمة، والرحمة. قال: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ نشوف ﴿بَثَّ﴾ وأيش اللي معطوفة عليه؟ ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؟ * طالب: عطف على ﴿أَحْيَا﴾. * الشيخ: على ﴿أَحْيَا﴾؟ إذن معناها: بث الدواب بعد نزول المطر، الظاهر أنها معطوفة على قوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: وفيما بث فيها من كل دابة، وفيما بث في الأرض من كل دابة، أو في الأرض والسماء؟ ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ (كل) أتى بها للدلالة على الأنواع والأجناس، أنواع وأجناس في الأرض من الدواب ما يعلم بها إلا الذي خلقها، ما يعلم بأنواعها وأجناسها -فضلًا عن أفرادها- إلا الذي خلقها سبحانه وتعالى، يعلم هذه الأجناس، وأنواعها، وأفرادها، وأحوالها، وكل ما يصلحها، يعلمه الله عز وجل، وفيها من آيات الله الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وعلمه، وحكمته ما يبهر العقول، شوف -سبحان الله العظيم- تجد هذه الدواب المختلفة المتنوعة، والحشرات الصغيرة، كيف الله هداها لما خلقت له، ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠]، حتى إنك لترى الماء يدخل في جحر الذر، فترى الذر تخرج من هذا الجحر حاملة أولادها، ذر تحمل أولادها، ماذا ترجو من هذه الأولاد؟! لكن رحمة أرحم الراحمين جعل في قلب هذه الذرة رحمة لتحمل أولادها عن الغرق، أنا شاهدته بعيني، وأنتم إذا شئتم جربوا. * طالب: (...) قلب؟ * الشيخ: نعم، لها قلب، ولها عقل يليق بها، فالحاصل أن هذا من آيات الله عز وجل، كذلك أيضًا البهائم، السباع الضارية اللي تأكل ما دون أولادها من الحيوان، تجد أولادها اللي أكبر منها اللي هي تأكل ماذا تصنع به؟ تحنو عليه وتربيه، حتى إذا استقل بنفسه صار عدوًّا لها، أو صارت هي عدوة له، الهرة تربي أولادها، فإذا استغنوا عنها؟ طردتهم، صارت عدوة لهم، هذا من آيات الله عز وجل. في هذه الدواب التي بثها الله في الأرض من آيات الله: أنك ترى بعض الدواب تدب على الأرض، تدب، لكن ما تكاد تدرك جسمها فضلًا عن أعضائها، فضلًا عما في جوفها، ومع ذلك عائشة ولَّا لا؟ -عايشة ما هي عائشة أو لا؟ عايشة- عايشة على ما هي عليه، عايشة وتعرف مصالحها، وتعرف جحرها، وتأوي إليه، هذه من آيات الله، وعلى كل حال نحن ما نعرف الحقيقة، ما درسنا في علم الأحياء، ومن درس في علم الأحياء وجد من هذا ما يبهر العقول، فما بث الله في الأرض من الدواب من أجناسه وأنواعه هذا فيه من آيات الله ما لا يحصى؛ لأن في كل شيء منه آية، وهو لا يحصى أنواعًا أو أجناسًا، فضلًا عن أفرادًا. وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ فيه آيات، يعني: هذه الدواب العظيمة الكثيرة معلومة عند الله أو لا؟ معلومة؛ لأنه خلقها، موضوع فيها الرحمة؛ لأننا نشاهد التراحم بينها، فيها مصالح للعباد، ولَّا لا؟ نعم، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس ٧١، ٧٢]. وهنا آية أيضًا غريبة وهي: تمام قدرة الله عز وجل بخلق الضدين في الحيوان، فيه حيوان يؤذي بني آدم، وفيه حيوان ينتفع به بنو آدم، والخالق واحد، والمادة واحدة، والجنس واحد، ومع ذلك هذا منه غاية الضرر، وهذا منه منافع كثيرة، ولَّا لا؟ البعير أكبر من العقرب، معلوم؟ معلوم، العقرب تلدغ فتؤذي أو تضر، وربما تقتل، والبعير؟ تنفع، ذللها الله عز وجل، يجيء الصبي الصغير اللي يرعاها يأخذ بخطامها ويقودها إلى ما شاء، أو يستدبرها ويسوقها إلى ما شاء، وهذا لا شك أنه من آيات الله، الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة وجعل بعضها نافعًا وبعضها ضارًّا، هذا من آيات الله. * طالب: شيخ، فيها آيات ردًّا على الممثلة الذين مثلوا الله بخلقه؛ فإنها تختلف هذه الجمادات مع.. * الشيخ: إيه، مع اتفاق الاسم. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ عندي فيها قراءة ثانية: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ﴾ أما على قراءة الإفراد فالمراد الجنس، وأما على قراءة الجمع فالمراد أنواعها، ﴿تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ فيه آيات تصريف الرياح؟ إي نعم، فيه آيات كثيرة، والتصريف يشمل: تصريفها من حيث الاتجاه، تصريفها من حيث الشدة وعدمها، تصريفها من حيث المنافع وعدمها، أو لا؟ من حيث الاتجاه: جعلها الله سبحانه وتعالى متجهة: جنوبًا، وشمالًا، وغربًا، وشرقًا، هذه هي الأصول في الجهات، وهناك جهات أخرى تكون بينها وتسمى: النكبة؛ لأنها ليست على الاستقامة في الشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب، فهي نكباء، ناكبة عن الاتجاه الأصلي. هذه الرياح في تصريفها آيات، لو بقيت الريح من اتجاه واحد لأضرت بالعالم، لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدة بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى والجراثيم وغيرها، فتتقابل ويكسر بعضها بعضًا، كذلك أيضًا في تصريفها آيات بالنسبة للسحاب، فبعضها يجمع السحاب، وبعضها يفرقه، وبعضها يلقحه، وبعضها يدره، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور ٤٣]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر ٢٢] قال أهل العلم: إنها تلقح في السحاب، وتلقح أيضًا بعض النبات، بعض النبات الذي يحمل اللقاح إليه هو الرياح، في تصريف الرياح أيضًا آيات للسفن الشراعية، ولَّا لا؟ نعم، فيه أيضًا آيات في إهلاك أناس وإنجاء آخرين، ولَّا لا؟ أهلك الله به عادًا، وطرد به الأحزاب عن رسول الله ﷺ، وأنجى الله رسوله ﷺ بهذه الريح من شر الأحزاب، ففيه آيات، ومن تدبر هذا عرف ما فيها من قدرة الله، ورحمته، وعزته، وحكمته. لو أن جميع مكائن الدنيا كلها، كل مكائن الدنيا اجتمعت وصارت على أقوى ما يكون من نفث هواء، هل يمكن أن تحرك ساكنًا؟ إلا فيما حولها فقط، لكن تصل من أقصى الشمال إلى الجنوب أو العكس؟ ما تصل، والله جل وعلا: كن فيكون، تجد الرياح شديدة شمالية، وفي لحظة تنعكس وتكون جنوبية شديدة، هذا تمام القدرة العظيمة التي يدبرها الله عز وجل بأمر ما يستطيعه البشر؛ ولهذا صار تصريف الرياح آيات من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته. ثم إن في تصريفها أيضًا مصالح للسفن الجوية؛ لأن لها تأثيرًا على الطائرات، لها تأثير على الطائرات كما يقولون، وكذلك بالنسبة للسيارات ما لها تأثير؟ لها تأثير، إذن فالرياح في الحقيقة تصريفها فيه آيات من آيات الله العظيمة الكثيرة. ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ هذه من آيات الله: السحاب المسخر بين السماء والأرض، السحاب هو هذا الغمام والمزن، وسمي: سحابًا؛ لأنه ينسحب انسحابًا في الجو، ما هو بيقفز قفزًا، أنتم تشاهدون الغيم الآن يقفز قفزًا؟ لا، لكنه ينسحب انسحابًا بإذن الله، هذا السحاب المسخر المذلل والذي ذلّله خالقه جل وعلا، ذلّله لمصالح عباده، يرسله الله أحيانًا رحمة وأحيانًا نقمة، هذا السحاب المسخر المذلل بين السماء والأرض فيه آيات، آيات دالة على أي شيء؟ على القدرة، والرحمة، والحكمة، كلها موجودة في هذه الآيات، على القدرة من يستطيع أن يأتي بالسحاب؟ من؟ الله عز وجل، ما أحد يستطيع، ثم من يستطيع أن يدر منه هذا الماء؟ الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان ٣٤]. ثم من يستطيع أن يجعل هذا السحاب أحيانًا متراكمًا، متراكمًا حتى يكون مثل الجبال السود يوحش من يراه، وأحيانًا يكون خفيفًا، وأحيانًا يكون سريعًا، وأحيانًا يكون بطيئًا، وأحيانًا تراه لا يتحرك، نحن شاهدناه كثيرًا نجده مستقر ما يمشي؛ لأنه يمشي بأمر الله، فهو مسخر مذلل بأمر الله عز وجل. ثم هذا السحاب أيضًا مسخر بأمر الله، يسقي هذه الأرض ولا يسقي هذه الأرض، تجده يأتي فوق الرؤوس ويرعد ويبرق، وربما يستقر بعض الاستقرار ولا يمطر، ثم ينصرف إلى قوم آخرين، فيمطر عليهم بدون هذا الرعود والبرق؛ لأنه يؤمر، وأظنه لا يخفى عليكم -أو على أكثركم- قصة الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: «أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ.»، وهذه ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول هذا الرجل: «فَانْطَلَقْتُ فَأَفْرَغَتِ السَّحَابُ مَاءَهَا فِي حَرَّةٍ، ثُمَّ جَرَى الْوَادِي فِي شَطْرِ الْحَرَّةِ، فَأَسْقَى تِلْكَ الْحَدِيقَةِ، فَجَاءَ إِلَى صَاحِبِهَا فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا فُلَانٍ؟ قَالَ: مَاذَا تُرِيدُ؟ أَخْبَرَهُ بِاسْمِهِ، فَإِذَا هُوَ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَهُ فِي السَّحَابِ يَقُولُ: أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: إِنِّي أَقْسِمُهَا، أَوْ أُجَزِّئُهَا أَثْلَاثًا: ثُلْثٌ لِلْفِلَاحَةِ، وَثُلْثٌ لِأَوْلَادِي، وَالثُّلْثُ الثَّالِثُ أَتَصَدَّقُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٤ / ٤٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، الشاهد أن هذا السحاب ينزل ماءه بأمر الله، ويمتنع بأمر الله عز وجل، وكذلك لا يخفى عليكم ما ثبت في الصحيحين من «حديث أنس في قصة الرجل الذي جاء للرسول الله عليه الصلاة والسلام يطلب منه أن يستسقي، النبي عليه الصلاة والسلام سأل الله أن يغيثه، والسماء صحو ما فيها ولا قزعة، فأنشأ الله السحاب وانتشر، ورعد، وبرق، وأمطر، فما نزل الرسول ﷺ من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته - » سبحان الله العظيم لو اجتمع الخلق كلهم على أن يفعلوا هذا الفعل ما استطاعوا، لكن الله خلقه وسخره وأمره، فنزل، آية من آياته، وآية لصدق رسوله- «في الجمعة الثانية طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستسقي لهم فقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»، وجعل يشير بيده حوالينا، كذا، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨)، من حديث أنس رضي الله عنه.]]، انفرجت لأمر الرسول ولَّا لأمر الله؟ لأمر الله، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام موجه، مثلما هو قاسم والله معطي، الرسول موجه، لكن السحاب لو أمره الرسول ﷺ ألف مرة ولم يأمره الرب جل وعلا، ما تحرك، لكن هذا بأمر الله. هذا من تسخير الله سبحانه وتعالى لهذا السحاب المسخر، وإذا رأينا أيضًا لهذا السحاب المسخر، وأظن بعضكم ركب الطائرة، تجد هذا السحاب بعضه تحتك مثل بُعد الأرض، وبعضه فوقك مثل بُعد السحاب عن الأرض، طبقات عظيمة، كنا نظن أن السحاب قبل أن نصعد إلى الجو أن السحاب كله في طبقة واحدة، فإذا هو طبقات عظيمة متباعدة ومتباينة، وشاهدناه أيضًا في الأرض وفي الجو، شاهدناه يجتمع بعضه إلى بعض ويلتئم، وقد ذكروا لنا -أهل الدراية في هذه الأمور- أنه إذا أرعد جانب من السحاب بدأت المزن تتجمع على هذه لترعد، تتجمع بإذن الله، تشاهدونها كأن فيها مغناطيسًا يجذب هذا المتفرق من السحاب إليه، هذا أيضًا من آيات الله عز وجل. وقوله: ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما المراد بالسماء؟ السماء: السقف المرفوع، والأرض أرضنا هذه، وهذه البينية هل تقتضي الملاصقة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، فهي بينها بدون ملاصقة، أنا قصدت بهذا التقرير الرد على الذين أنكروا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٤ / ١٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، وقالوا: لو كان هذا حقيقةً.. الدليل هذا ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، وكذلك تقول: بدر بين مكة والمدينة، هذا في المكان، وبينهم؟ بينهم مسافة واضحة. * طالب: وحملها بين السماء والأرض هل بدون شيء؟ * الشيخ: إي نعم هذا أيضًا من آيات الله، حملها البحار العظيمة بين السماء والأرض، وكونه أيضًا كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور ٤٣]، هذا في الجو جبال من البرد، ولا تستغرب ذلك، لا تستغرب أن يكون فيها جبال من البرد، محمول بقدرة الله عز وجل وبأمره، وإن كان له سبب خلقه الله لحمله، لكن المهم أنه محمول بأمر الله وقدرته، نحن في العام الماضي ذهبنا في الصيف من هنا إلى الدمام، وقال لنا الطيار يتكلم بالطائرة، قال: إن درجة الحرارة خمس وعشرين تحت الصفر، وإحنا في الأرض نحترق، (...) في الصيف، لكن يجينا الحر في وسط النهار، خمس وعشرين تحت الصفر وأيش تقتضي؟ الجماد، يجمد، جماد، نحن نقول: كيف بإذن الله إذا جاء وقت الصيف وهو حر أيش لون ينزل البرد؟ وغالبًا ما يكون البرد في أيام الصيف، ولكن وجدنا أن الجو طبقات عظيمة، طبقات عظيمة، هذا الجزء من طبقات الجو اللي وصل درجة حرارته إلى خمس وعشرين تحت الصفر يقين إن الماء الذي فيه سيجمد، يكون جبال، ومع ذلك ينزله الله عز وجل كما تشاهدون ينزله حبات، حبات إذا لم يوجد له الضرر، إذا لم تقتضي الحكمة أن يضر أحدًا به، فإنه ينزل كما تشاهدون، حبات دقيقة لا تضر حيوانًا، ولا تفسد شجرًا. وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ اللام هذه للتوكيد، و﴿آيَاتٍ﴾ اسم إن منصوب بها، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * طالب: (...) أو نيابة عن (...). * الشيخ: علامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * الطالب: صحيح هذا؟ * الشيخ: لا، لازم تبين، الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنك لو تقول: كسرة ظاهرة في آخره، ظن من سمعك أن من علامات النصب الكسرة وليس كذلك. وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ عرفتم فيما سبق أن كل واحد من هذه الأنواع فيه آيات، كل واحد فيه آيات، ما هو معناها أن الآيات موزعة لكل واحد آية، كل واحد يشتمل على آيات. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ أي لهم عقول، وقد سبق لنا أن العقل ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل الرشد، عقل الإدراك هو مناط التكليف، وعقل الرشد مناط الثناء والمدح، الأول بفقده يُفْقَد التكليف، والثاني بفقده يُفقَد المدح والثناء، أيهما المراد هنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؟ يعني عقل اللي هو مناط التكليف، وهو عقل الإدراك، أو عقل مناط الثناء والمدح، وهو عقل الرشد؟ * الطلبة: الرشد. * الشيخ: الأخير، عقل الرشد، فالإنسان العاقل الذي يستعمل عقله فيما ينفعه، فيعقله عما لا ينبغي؛ لأن العقل سُمي بذلك؛ لأنه يعقل صاحبه عما لا ينبغي، فالإنسان العاقل حقًّا إذا تأمل هذه الأشياء وجد أن فيها آيات تدل على خالقها جل وعلا، وعلى موجدها، أما الإنسان المعرض فهو وإن كان عقله كبيرًا وذكائه قويًّا فإنه لا ينتفع به؛ ولهذا وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يعقلون، مع أنهم في العقل الإدراكي عقلاء ولَّا لا؟ في العقل الإدراكي الذي يدركون به ما ينفعهم ويضرهم، لكن لا يعقلون، موجود فيهم العقل هذا ولَّا لا؟ موجود، لكن نفاه الله عنهم لعدم انتفاعهم به، وعدم عقلهم الرشدي الذي يرشدهم إلى ما فيه مصلحتهم، ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * الطالب: بَثَّ معطوفة على الماء، ما تكون معطوفة على أحيا؟ * الشيخ: نعم لأنك إذا قلت: على أحيا لصار البث مرتبًا على إنزال الماء. * طالب: (...). * الشيخ: الفاء في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ مرتبة على ﴿أَنْزَلَ﴾ فإذن يكون المعطوف عليها مرتبًا على ﴿أَنْزَلَ﴾، وليس الأمر كذلك. * في الآية الكريمة: أن إله الخلق إله واحد وهو الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦٣]. * ومن فوائدها: إثبات اسم الإله والواحد لله، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨] فأثبت اسم الواحد لله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: اختصاص الألوهية بالله؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وفي التفسير أشرنا إلى وجه الإشكال بين هذه الآية وبين ما أثبت الله تعالى من ألوهية أصنام، وقلنا: إن الجمع بينهما الحق والباطل، فألوهية الله حق، وألوهية أولئك باطل. * ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الرحمن، الرحيم، الإله، والواحد، والرحمن الرحيم. * ومن فوائدها: ثبوت أو إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من الصفة والحكم، وبعض العلماء يقول: الصفة والأثر، الصفة ما هي؟ الرحمة، الصفة الرحمة، والحكم أنه يرحم بهذه الرحمة، ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. * الطالب: شيخ، أيش الصفة المشتقة من اسم الواحد؟ * الشيخ: الوحدانية. * ومن فوائد الآية: أنه قد يكون للاسم من أسماء الله معنى إذا انفرد، ومعنا إذا انضم إلى غيره؛ لأن الرحمن لو انفرد لدل على الصفة والحكم، وإذا جُمع مع الرحيم جعل الرحمن للوصف والرحيم للفعل. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: عظم خلق السموات والأرض، ما وجهه؟ * الطالب: لقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ فلولا أنه عظيم ما كان آية، فيستفاد منه عظم خلق السموات والأرض. * ومنها: أن السموات متعددة، تؤخذ من الجمع ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾. * ومنها: أن السموات مخلوقة، فهي إذن معدومة من قبل، فليست أزلية. * فيتفرع على هذه الفائدة: الرد على الفلاسفة الذين يقولون: بقدم الأفلاك، يقولون: بقدم الأفلاك يعني أنها قديمة غير مخلوقة، وأنها أزلية أبدية؛ ولهذا أنكروا انشقاق القمر، وقالوا: إن الأفلاك العلوية ما يمكن يلحقها تغيير، وفسروا قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١] بأن المراد ظهور العلم والنور برسالة النبي ﷺ، ولا شك أن هذا تحريف باطل، مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذن نستفيد من هذه الآية أيش؟ أن السموات مخلوقة، فهي إذن حادثة، ليست قديمة خلافًا للفلاسفة القائلين بقدمها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه السموات والأرض ليصل إلى الآيات التي فيها؛ لأنه قال: فيها آيات، إذن تأمل لتصل إلى هذه الآيات. * ومنها: أن الآيات في خلق السموات والأرض متنوعة بحسب ما تدل عليه من القدرة والحكمة والرحمة وما إلى ذلك، ففيها قدرة وحكمة، هذا الانتظام، وفيها رحمة للخلق. * ومنها: ما في اختلاف الليل والنهار من الآيات؛ لقوله: ﴿اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤]. * ومنها: أن اختلافهما من رحمة الله؛ لأنهما يتضمنان الرحمة والقدرة، وسبق أن اختلاف الليل يتضمن؟ اختلافهما بالطول، والقصر، والظلمة، والنور، والحر، والبرد، والنصر، والخذلان، والجدب، والخصب وغير ذلك، وكذلك أيضًا راحة الناس ومن آياته ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣] * ومن فوائدها أيضًا: ما في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من نعم الله الدالة على آياته، وسبق أن فيها آيات متنوعة. * ومنها أيضًا من فوائد الآية: ما تضمنه إنزال المطر من السماء، فيه آيات؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم فيه آيات عظيمة، كون هذه البحار العظيمة تمشي بين السماء والأرض، وتنزل رذاذًا لا صبًّا، وتنزل أيضًا بحسب أمر الله عز وجل، ما هي تمشي هكذا، تمشي بأمر الله عز وجل كما تقدم تفسيره. * ومنها: ما تضمنه قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤] من الآيات، وأظن سبق الكلام عليها، فهي آيات عظيمة دالة على كمال القدرة، والرحمة، والعظمة، وعلى إحياء الله تعالى الموتى. * ومن فوائد الآية أيضًا: ما تضمنه قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ نشر وفرق من كل دابة، كم عددها؟ ما يُعلم عدها، عَدُّ أجناسها فضلًا عن أنواعها، فضلًا عن أفرادها، هذه الدواب العظيمة المختلفة كِبَرًا وصِغَرًا، ونفعًا وضررًا إلى آخره كلها من آيات الله عز وجل، تجد العقرب تلسعك وهي كبر الأصبع، وتؤذيك، والناقة وهي أكبر من خمسة رجال تنفعك ومسخرة مذللة لك، فهذا من آيات الله عز وجل، وكذلك سبق لنا أيضًا في التفسير إن فيها من آيات الله ما أعطاه الله تعالى من الهداية لما خلقت له، وأن هذه الدواب التي لا تكاد تراها صِغَرًا مهدية شو له؟ لما خلقت له. * ومن فوائد الآية أيضًا: ما في تصريف الرياح من الآيات، وفيها قراءة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ﴾ ، تصريف الرياح إلى جنوب، وشمال، وشرق، وغرب، وبين ذلك، بس؟ وشدة، وقوة، وعكس ذلك، وكذلك أيضًا منافع؛ لأنها تختلف منافعها، ففي كل هذا آيات من آيات الله عز وجل، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يأتوا بمثل العاصفة التي أصابتنا ليلة الجمعة حتى قلبت الجو من الحر إلى البرد يستطيعون؟ أبدًا ما يستطيعون، كل آلاتهم ما يستطيعون، وهذا أمسينا ونحن في حر وأصبحنا في برد -الله أكبر-. * ومن فوائد الآية: ما في السحاب المسخر بين السماء والأرض من الآيات العظيمة، ففيه؟ السحاب المسخر، إنه مسخر مذلل لأيش؟ لمصالح الخلق، يمشي بإذن الله، ويمطر بإذن الله، ويُقْلِع بإذن الله نعم؟ وهو سحاب، جماد، لكنه يفهم ما يؤمر به، ويمتثل ما يؤمر به ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١] ماذا قالتا؟ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] وهما جماد، وقيل لابن آدم: اسجد وصل. فقال: ما أنا بساجد ولا مصل. وهو إنسان له إرادة، شوف الفرق، هذا السحاب المسخر بين السماء والأرض فيه من آيات الله عز وجل ما يبهر العقول، والعالمون بهذه الأمور أكثر منا اطلاعًا على هذا الأمر. * ومن فوائد الآية: مدح العقل، وأن به يستظهر الإنسان الآيات التي تزيده إيمانًا ويقينًا، لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٦٤]، طيب آيات على أيش؟ قلنا: على كل ما تضمنته من الدلالات على ما لله عز وجل من أين؟ من القدرة، والعظمة، والحكمة، والرحمة وغير ذلك، فإنه يستدل بالأثر على المُؤَثِّر، ولله المثل الأعلى، لو أنك وجدت قصرًا محكمًا في بنائه، وفي شكله، وفي كل أحواله استدللت به على أيش؟ على أن بَنْيَهُ له علم، ومعرفة، واطلاع، حنكة، فكذلك هذه السماء والأرض، وما ذكر الله في هذه الآيات، والمراد بالعقل هنا تقدم أن المراد؟ * الطلبة: الرشد. * الشيخ: إي نعم، عقل الرشد الذي يهتدي به الإنسان، أما العقل الذي هو ضد الجنون وهو عقل الإدراك الذي يناط به التكليف فهذا قد لا يفهم الإنسان ما فيها من الآيات، ولو كان عاقلًا بهذا المعنى.