Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:141 – البقرة 2:150
المحتويات
البقرة 2:141
قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿قُولُوا﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ وأمته جميعًا، والمراد بالقول هنا: القول باللسان وبالقلب، فالقول باللسان نطقه، والقول بالقلب اعتقاده، القلب له قول وفعل، والجسم له قول وفعل، قول الجسم باللسان وفعله بالجوارح، وقول القلب إقراره واعترافه بالشيء، هذا قول، وفعله حركته كمحبته ورجائه وخوفه وخشيته وما أشبه ذلك، هذه لأن هذه حركات قلبية، قولوا بألسنتكم، وأيش بعد؟
* الطلبة: وقلوبكم.
* الشيخ: وقلوبكم ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان تقدم هناك مرارًا كثيرًا أنه في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المتضمن أو المستلزم للقبول والإذعان، ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، الإيمان بالله يتضمن هذه الأمور الأربعة، فلننظر الآن الشيوعيون الذين ينكرون وجود الله آمنوا بالله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما الذي فقد منهم؟ كل الأربعة، كل الأربعة ما دام ما يؤمنون بالوجود ما هم مؤمنين بالربوبية ولا بالألوهية ولا بالأسماء والصفات، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الذين يؤمنون بالله لكن يشركون معه غيره، ويقولون: مثلًا إن القطب الغوث يدبر، وأن الرسول ﷺ يدبر، وما أشبه ذلك، هؤلاء آمنوا بالله باعتبار الوجود، لكن ما آمنوا بالربوبية والألوهية ولا بالأسماء والصفات أيضًا.
الذين يؤمنون بالله وبربوبيته وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره يقولون: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] آمنوا بأيش؟ بالوجود والربوبية دون الألوهية.
الذين يؤمنون بهذا كله لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون، إما أن ينكروا الأسماء والصفات، وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات، وإما أن ينكروا بعض الصفات، هؤلاء ما آمنوا بالله من حيث الأسماء والصفات ما آمنوا حقيقة الإيمان، فإيمانهم ناقص، فالإيمان بالله إذن يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يعني: وآمنا بما أنزل إلينا، فـ(ما) هنا اسم موصول مبني على السكون في محل جر عطفًا على قوله: ﴿اللَّهِ﴾ عطف على الله، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ يشمل القرآن وهو مُنْزَل ويشمل السنة أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فإن الحكمة هي السنة، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ هو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم منزل إليه؟ نعم منزل إليه؛ لأنه نبي ورسول، فهو منزل إليه، ما الذي أنزل إليه؟ الذي نعرف الصحف التي ذكرها الله في موضعين من القرآن، وين؟
* طالب: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأعلى ١٨، ١٩].
* الشيخ: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وأيش بعد؟
* طالب: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٦، ٣٧].
* الشيخ: نعم، في سورة النجم. وما أنزل إلى إسماعيل، إسماعيل نبي منزل إليه، ما الذي أنزل إليه ما ندري، ما علمنا شيئًا لكنه منزل إليه قطعًا، واعلموا أن كل من ذكر في القرآن فإنه نبي رسول، كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو نبي رسول، بعض الناس يشكك، يقول: هل كل اللي في القرآن من الأنبياء؟ بعضهم ما ذكر الله أنه رسول، لكننا نقول: هو رسول، وأيش الدليل؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٨].
وقال في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٤] كل مذكور في القرآن من الأنبياء فإنهم رسل بدون استثناء، ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾.
* طالب: أقول: آدم؟
* الشيخ: لا، آدم ما ذُكِر أن له قومًا وأنه نبي، في القرآن ما ذُكِر أنه نبي، ذُكِر قصته.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: نبي، نبي ورسول.
* طالب: هارون؟
* الشيخ: إي رسول، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.
* طالب: قارون؟
* الشيخ: قارون؟ لا، يقول: هارون.
* الطالب: هارون؟
* الشيخ: ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إسحاق ويعقوب أيضًا منزل إليهم، لكن ما نعرف، ما ذكر ما الذي أنزل إليهم، الأسباط جمع سِبط قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف، وقيل: ما أنزل على الأسباط أي أنبياء بني إسرائيل عامة، كل أنبياء بني إسرائيل اللي ما ذكروا؛ لأن أولاد يعقوب تفرع منهم بنو إسرائيل، فيكون المراد بالأسباط ليس الاثني عشر ابنًا ليعقوب، بل جميع أنبياء بني إسرائيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ما أعطوا، ﴿مَا أُوتِيَ﴾ أوتي بمعنى أُعْطِي، وأتي بمعنى جيء، يعني: أن أتى الثلاثي بمعنى جاء، وأن آتى الرباعي بمعنى أعطى، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٥٤] ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني؟
* الطلبة: أعطيناهم.
* الشيخ: أعطيناهم، ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؟
* طالب: جئناك.
* الشيخ: جئناك وليس معناها أعطيناك، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ما أعطي. من أين أعطوا وأيش أعطوا؟
* طالب: آيات.
* الشيخ: ما أعطوا من الآيات، وما أعطوا من الوحي أيضًا، فإن الله تعالى أعطاهم وحيًا وآيات، موسى أعطي من الآيات؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: لا، من الوحي التوراة، من الآيات تسع: اليد، والعصا، وأيش بعد؟
* طالب: (...) سبحانه وتعالى.
* الشيخ: والآيات التسعة اللي ذكر الله اليد يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، والعصا فيها ثلاث آيات، آيات عظيمة، فيها ثلاث آيات عظيمة: منها أنه يلقيها فتنقلب حية، ومنها أنه يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا، ومنها أنه ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، هذه من آيات الله العظيمة سبحان الله.
وأما عيسى فأوتي أيضًا آيات عظيمة منها: أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، صورة تمثال طير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة ﴿طَائِرًا﴾ يكون طائرًا، وإذا جمعنا بين الآيتين؛ لأنا نحن قلنا: إن الآيتين يعتبران كمعنيين، فيكون طير ويطير بنفس الفعل طائرًا، هل يجوز أن الإنسان يصنع تمثالًا على شكل الطير؟
* طالب: لا، ما يجوز.
* الشيخ: إذا أذن الله له جاز، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] إذا أذن الله جاز، لما أذن الله تعالى للملائكة أن يسجدوا لآدم، بل أمرهم بالسجود لآدم صار سجودهم لآدم طاعة وصار تركه كفرًا، إبليس لما استكبر كفر، بينما لا يسجد أحد الآن لآدمي.
(...) يحيي الموتى بإذن الله ويخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يحييهم قبل الدفن ويخرجهم من قبورهم بعد الدفن ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، وهذه من آيات الله التي أوتيها عيسى، قال أهل العلم: وإنما كانت آية موسى بالعصا؛ لأنه في زمن ارتقى فيه السحر إلى الغاية، وكانت آية عيسى في إخراج الموتى وفي إبراء الأكمه والأبرص؛ لأن الطب ارتقى فيه إلى الغاية، نعم والله سبحانه وتعالى يتحدى كل قوم بما يناسب عصرهم، وكان هذا القرآن آية مدى الدهر؛ لأنه لكل الخلق إلى يوم القيامة.
(...) هنا قد يسأل سائل: لماذا عبر بقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إلى آخره، وفي موسى وعيسى قال: ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ولم يقل: وما أنزل إلى موسى وعيسى، فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير أو لا؟
نقول: بحسب ما يظهر لنا والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية، الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد، لو قال: وما أنزل وما أنزل، تكررت كم مرة؟ أربع مرات، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم، وما أنزل إلى موسى، وما أنزل إلى النبيين، ومعلوم أنه من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر منها.
أما الفائدة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باق إلى زمن الوحي، دينهما باق إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات، النصارى يقولون: عيسى بن مريم يحي الموتى، ويفعل كذا ويفعل كذا، وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك، فبين الله سبحانه تعالى في هذا أن هذه الأمة تؤمن بهذه الآيات، ما أوتوا من وحي وآيات.
وأما قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فهذا والله أعلم أتى بما أوتي النبيون للعموم؛ لأنه ما ذكر في الآية هنا من الأنبياء إلا قليل بالنسبة لعددهم، فلهذا عبر بالإيتاء ليشمل كل الآيات التي أوتوها، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [البقرة ١٦٣]، وقوله: ﴿مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (من) هنا للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص، وإلا فالله تعالى رب الجميع، لكن هذه ربوبية خاصة، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني لأنهم هم لا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات أو بهذا الوحي، فهم يتلقون من الله وليسوا مستقلين بهذه الآيات حتى الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه الآيات يستطيع أن يأتي بها؟ لا، ما يستطيع؛ ولهذا قال لما اقترحوا عدة آيات قال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٣]، فلا أملك أن آتي بالآيات ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠].
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الجملة هذه داخلة في مقول القول، يعني قولوا: آمنا على هذا الوجه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على الأنبياء.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: في الإيمان وليس في الاتباع؛ لأننا في الاتباع مأمورون باتباع من؟ محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، فالشريعة نفرق بينهم ولا نَتْبع إلا شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان، أما في الإيمان وأنهم رسل، وأنهم من عند الله، وأنهم صادقون فيما جاؤوا به، فهم عندنا على حد سواء، كلهم صادقون فيما جاؤوا به، وكلهم رسل من عند الله، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ هل يشمل المنازل أيضًا؟
* طالب: لا يشمل.
* الشيخ: لأيش؟ لاختلافهم في الفضل، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، إذن عندنا التفريق في المنزلة، والتفريق في الشريعة، والتفريق بالإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، أي الأمور الثلاثة التي لا نفرق بين أحد منهم؟ الإيمان بهم، واعتقاد أنهم صادقون، وأنهم رسل من الله عز وجل.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قال: ﴿نَحْنُ﴾ وهنا أتى بضمير الجمع ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ ليشعر المؤمن أنه هو وأخوه كنفس واحدة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨١) ومسلم ٢٥٨٥ / ٦٥) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]] يعني ونحن جميع المؤمنين.
وقوله: ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على من؟ على الله سبحانه وتعالى، يعني ونحن لله، وهذا في عود الضمير على الأسبق، مع أن القاعدة أن يعود الضمير على أقرب مذكور، لكن هنا عاد الضمير على الأسبق؛ لأنه ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ بالله، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي لله مسلمون، مع أنه جاء بعدها عدة أشياء لكنه عاد، إذا قيل: ما الدليل على أنه يعود الضمير على الله عز وجل؟ نقول: الدليل على ذلك أولا: الضمير مفرد، والثاني: أن الإخلاص لمن يكون؟ لله.
وقوله: ﴿لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدم المعمول لغرضين أو لحكمتين: معنوية، ولفظية، المعنوية إفادة الاختصاص الذي نعبر عنه أحيانا بالحصر، والفائدة اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل أيش؟ فواصل الآيات، فإذا قال قائل: أي دليل لكم على أن مراعاة الفواصل معتبرة؟ قلنا: الدليل ما ذكره الله تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أن في الآية الأخرى: بـ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، فقدم هنا هارون على موسى مراعاة لفواصل الآيات، لا نعلم سوى هذا، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، فعلى هذا نقول في قوله: ﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تقديم المعمول لفائدتين: معنوية ولفظية.
وقوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ الإسلام إسلام الشيء للشيء معناه اختصاصه به، فالمراد بالإسلام هنا: الانقياد التام لله عز وجل بإخلاص، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة ١١٢] هنا إسلام القصد ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أما العمل فقال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فالحاصل أن الإسلام هنا يتضمن الانقياد بإخلاص، الانقياد التام بإخلاص لله عز وجل.
* طالب: شيخ، الأسباط ليه مجرورة وهي معطوفة على منصوب؟
* الشيخ: أين أصحاب النحو؟ إشكال، يقول: كيف كانت الأسباط مجرورة وهي معطوفة على أيش؟
* الطالب: على المنصوب؟
* الشيخ: على منصوب.
* الطلبة: على المجرور.
* الشيخ: نقول: هي معطوفة على مجرور، ما قرأت بالاسم الذي لا ينصرف عجمة؟
* الطالب: يعني كلهم داخل عليهم العجمة؟
* الشيخ: إي إي.
* الطالب: إبراهيم.
* الشيخ: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فهمت؟ الدليل على هذا شوف ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (إلى) ما هي بحرف جر؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف؛ لأن الأسماء هذه قبل العروبة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة ١٣٦، ١٣٧]
* طالب: (...).
* الشيخ: خبر (نحن).
* الطالب: (له) ضمير فصل.
* الشيخ: (له)، لا، جار و مجرور متعلق بـ﴿مُسْلِمُونَ﴾.
* الطالب: (نحن).
* الشيخ: مبتدأ؛ ونحن مسلمون له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) ضمير الفصل ما فيها لام حرف الجر (...) ثم إن ضمير الفصل أيضًا تعرفون أن ضمير الفصل يكون بصيغة المرفوع، أو لا؟ بصيغة المرفوع ضمير منفصل مرفوع إن هذا ضمير متصل له.
* طالب: (...) شيخ (...) مبتدأ؟
* الشيخ: لا، ﴿وَنَحْنُ﴾ وأيش محلها من الإعراب؟
* الطالب: مبتدأ (...) خبر.
* الشيخ: لا لا، ونحن مسلمون له، هذا هو المعنى؛ ولهذا قلنا: قدم المعمول، لو كان مبتدأ والخبر مقدم ما قلنا: قدم المعمول، لقلنا: قدم الخبر.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ أحيانًا عيسى يضيف إليه يقول: عيسى بن مريم (...) أحيانًا يقول (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يضر.
* الطالب: ما فيه فوائد؟
* الشيخ: لا، ما فيه.
* طالب: شيخ، موسى عليه السلام يختلف عيسى (...) يختلف عن موسى ولَّا لأن هذا أنزل عليه الإنجيل ويش..؟
* الشيخ: يختلف؟
* الطالب: يعني شرعته مطابقة ولَّا كيف؟
* الشيخ: إي نعم، مطابقة.
* الطالب: بني إسرائيل وإحنا قلنا: أديانهم كلها (...)؟
* الشيخ: كلها مطابقة. الإنجيل مطابق للتوراة إلا أنه فيه بعض التخفيفات على بني إسرائيل (...) والتوراة ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤] حتى عيسى إلا أن الإنجيل فيه بعض الأشياء التي خففت، إي نعم.
* طالب: شيخ، ذكر النبيون بعد موسى وعيسى (...)؟
* الشيخ: ما يدل على هذا، لكنه يفيد عطف العام على الخاص.
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ آمنوا من؟
* الطلبة: اليهود والنصارى.
* الشيخ: اليهود والنصارى؛ لأن هذه الآيات كلها متتابعة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة ١٣٥]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ﴿إِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ﴿بِمِثْلِ﴾ اختلف المعربون في الباء، وفي (مثل)، أيهما الزائد، فقيل: إن (مثل) هي الزائدة، وإن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا، وأن (مثل) زائدة معنى، أي: أنها أفادت زيادة معنى، وهي أنه إن آمنوا ليس مطلق إيمان بل إيمانًا مطابقا لإيمانكم، فعلى هذا يكون الزيادة في كلمة: مثل، والأصل: فإن آمنوا بما آمنتم به، لكن أتى بمثل ليبين أن إيمانهم لا يكفي مطلق الإيمان بما آمنتم به فقط مطلقًا لا، لا بد أن يكون مطابقًا مماثلًا بمثل ما آمنتم به.
وقيل: إن الزائد هو الباء، الزائد هو الباء حرف الجر، وإن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم، مثل ما آمنتم، يعني: مثل الذي آمنتم، والباء الثانية أيضًا زائدة أي: مثل الذي آمنتموه، أي مثل إيمانكم.
فصار عندنا الآن قولان: منهم من يرى أن الزائد (مثل)، ومنهم من يرى أن الزائد الباء، والجميع اتفقوا على أن المراد الزيادة الإعرابية وليست الزيادة المعنوية، بل لها معنى، والمعروف أن الأسماء لا تزاد، وأن الزيادة في الحروف كثيرة، الزيادة في الحروف كثيرة ولَّا لا؟ كما مر علينا في ألفية ابن مالك، لكن الزيادة في الأسماء قليلة، لأيش؟ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها، والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها، ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه، ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن تزاد الأسماء، الاسم كلمة جاءت لمعنى في ذاتها ما يمكن تزاد بخلاف الحرف، فعلى هذا يكون الزيادة في الباء أي: فإن آمنوا مثل ما آمنتموه، أي: مثل إيمانكم، وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد، أي: إن آمنوا إيمانًا مطابقًا لإيمانكم مماثلًا له من كل الوجوه فقد اهتدوا، والفاء هنا رابطة للجواب، جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ آمَنُوا﴾.
وقوله: ﴿اهْتَدَوْا﴾ أي سلكوا سبيل الهداية، والهداية هنا هداية العلم والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفقوا واهتدوا.
وقوله: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الهداية هنا مطلقة ولَّا لا؟ وهو كذلك، هداية مطلقة كما أن المسلمون الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة، بالمناسبة يقولون: إن بعض النصارى في مصر احتجوا على المسلمين، وقالوا: لماذا تستبيحون نساءنا ولا تبيحوننا نساءكم؟ احتجاج صحيح، لأيش أن المسلم يجوز يأخذ النصرانية والنصراني ما يجوز يأخذ المسلمة؟ قالوا: لأننا نؤمن بنبيكم ولا تؤمنون بنبينا، صحيح؟ صحيح؛ لأننا نؤمن بنبيكم وأنتم ما تؤمنون بنبينا، آمنوا بنبينا نعطيكم بناتنا.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿تَوَلَّوْا﴾ تولي الإعراض، تولى بمعنى أعرض، وأيش عنه تولوا؟ عن الإيمان بمثل ما آمنتم به، إن تولوا وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف هذه أتت جملة اسمية للدلالة على الاستمرار والثبوت، وأتت بـ(إنما) الدالة على الحصر، يعني: فما حالهم إلا الشقاق ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ شوف الخبر الآن ظرف بدليل (في) التي للظرفية كأن الشقاق محيط بهم من كل جانب، في شقاق منغمسون في شقاق، والشقاق بمعنى الخلاف، وهو في كل معانيه يدور على هذا حتى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج ٥٣] بعضهم قال: الشقاق هنا بمعنى الضلال، ولكن الصحيح أن معناه الخلاف، في كل ما جاءت في القرآن فهي للخلاف، وإن كان بعضهم يقول: تأتي للخلاف وتأتي للضلال وتأتي للعداء، لكن الصحيح أنها في كل ما جاءت فهي خلاف، حتى العدو مخالف لعدوه، والضال مخالف للمهتدي، ويدل لذلك لأن أصل معنى الشقاق أن يكون أحد الطرفين في شق والثاني في شق آخر، وبهذا يكون خلافه، يعني فإنما هم في خلاف معكم، هذا الخلاف سيؤدي حتمًا إلى العداوة، ولهذا لا شك أن بين المؤمنين وبين اليهود والنصارى عداوة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة ٨٢]، وفي النصارى أيضًا عداوة وعداوتهم ظاهرة، لكن قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢] لعلة وهي ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة ٨٢] إلى آخره، أما النصارى الذين اعتدوا وبغوا على المسلمين، فإنهم لا يدخلون في هذه الآية، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١].
فاليهود والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق وفي خلاف، وهذا الخلاف لا بد أن يؤدي إلى عداوة وبغضاء وبالتالي إلى قتال، والأمر وقع، المسلمون قاتلوا اليهود، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وقاتلوا النصارى الروم كلهم نصارى، ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية، وسيقاتلونهم أيضًا مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم، ولا بد من هذا في المستقبل، فإذن هؤلاء اليهود والنصارى نحن معهم في شقاق؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، وكأن الإنسان إذا سمع ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قد يهاب ويخاف فطمأن الله المؤمنين بقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ هنا ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فالجملة هذه فيها فاعل وفعل ومفعولان، أو لا؟ الفاعل؟
* طالب: الله.
* الشيخ: الله، الله، والمفعول الأول؟
* طالب: الكاف.
* الشيخ: الكاف، والمفعول الثاني؟
* طالب: الهاء.
* الشيخ: الهاء، الضميران متصلان فهل الاتصال هنا واجب؟ أو جائز؟ لو كان في غير القرآن (...) القرآن معلوم، يجب اتباعه.
* طالب: الأول واجب والثاني جائز.
* الشيخ: الأول واجب والثاني جائز؟ تعطينا شواهد من كلام ابن مالك.
* الطالب:
........................ ∗∗∗ أَشْبَهَهُ فِي كُنْتُهُ الخُلْفُ انْتَمَى* الشيخ: كذاك؟
* الطالب: كَذَاكَ خِلْتَنِيهِ.
* الشيخ: أي الثلاثة هذه؟ ابن مالك ذكر (سَلْنِيهِ)، و(كُنْتُهُ)، و(خِلْتَنِيهِ) أي الثلاتة هذه؟
* الطالب: خلتنيه.
* الشيخ: خلتنيه، توافقون على هذا؟
* طالب: إي نعم لها مفعولان، (خلت) لها مفعولان.
* الشيخ: لأن (خلت) لها مفعولان، صح، وهذه لها مفعولان، ولكنه خطأ، يتبين، هذه داخلة في قوله: سَلْنِيهِ.
وَصِلْ أَوِ افْصَلْ هَاءَ سَلْنِيهِ... ∗∗∗ ............................ لأيش؟ لأن (خِلْتَنِيهِ) ناصبة مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ما هي بـ(خال) من أخوات (ظن)؟
* الطلبة: أيوه.
* الشيخ: فهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و(سَلْنِيهِ) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهي من أخوات (كَسَا)، سيكفيكهم ناصبة الآن مفعولين هل أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لأنه ما يصح أن يقال: أنت هم، هل الكاف تكون مبتدأ والهاء تكون خبر؟ ما يصح، واضح؟ إذن هي داخلة في قوله: سَلْنِيهِ وما أشبهها، هذا من (وما أشبهه).
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ السين هنا يقول العلماء: إنها للتنفيس، وفائدتها أمران ذكرناهما من قبل ويبينهما إما حامد وإلا آدم؟ السين هنا للتنفيس وتفيد شيئين أحدهما يعطيني إياه آدم؟ (...).
وقوع الثاني قرب الوقوع، تحققه وقربه بخلاف سوف فإنها تفيد التحقق ولكن مع مهلة، مع مهلة، وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ إذن تكفل الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا فإن الله سبحانه وتعالى فسيكفيك إياهم عن قرب، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب، فإن الرسول ﷺ لم يتوفَّ حتى جلا اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم خيبر وأبقاهم فيها عمالًا، وفي خلافة عمر رضي الله عنه أجلاهم حتى عن خيبر، فكفى الله المؤمنين شرهم والحمد لله.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ من أسماء الله، و﴿الْعَلِيمُ﴾ أيضًا من أسمائه تبارك وتعالى، وقد سبق أن السميع لها معنيان: أحدهما بمعنى المجيب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده أي استجاب أو أجاب أي أجاب لمن حمده، وبمعنى إدراك المسموع، السمع بمعنى إدراك المسموع، وذكرنا فيما سبق في العقيدة: أن هذا السمع يفيد مع الإدراك تهديدًا أو تقريرًا أو تأييدًا، يفيد تهديدًا كما في قوله؟ السمع للتهديد؟
* طالب: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي﴾ [المجادلة ١].
* الشيخ: لا.
* الطالب: الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة.
* الشيخ: نعم ما هي هذه يقول ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] مَنْ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]
* الشيخ: صحيح؟
* طالب: لا.
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح، هذا تهديد، وفي قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠] هذا للتهديد، وللتقرير مثل؟ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] وللتأييد؟ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] فعلى هذا نقول: السميع تفيد شيئين: أولًا إثباتها اسم من أسماء الله، وثانيا: إثبات السمع له، والسمع ينقسم إلى قسمين؟ سمع إجابة وسمع إدراك، وسمع الإدراك ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام، أو سمع الإدراك قد يقتضي التهديد وقد يقتضي التقرير وقد يقتضي التأييد حسب السياق.
وأما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فالعليم أيضًا اسم من أسماء الله، فعلم الله سبحانه وتعالى شامل لكل شيء جملة وتفصيلًا، أما الجملة فلقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] بكل شيء، عام، وأما التفصيل فمثل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] وما تنبت؟ من باب أولى، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ وما من شيء إلا رطب أو يابس ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: فإنه يعلمه ومكتوب أيضًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود ٦] ما من دابة، من يحصي الدواب؟ ما يحصيها إلا الله، أجناسها فضلًا عن أفرادها وأنواعها، إذن علم الله تعالى محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا متعلق بالماضي والحاضر والمستقبل ولَّا لا؟ في الماضي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] ﴿مَا خَلْفَهُمْ﴾ ما مضى و﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الحاضر والمستقبل.
وقوله هنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قد يقول قائل من الناس: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: وهو القوي العزيز؛ لأنه قال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فما هو الجواب عن ختمها بالسمع والعلم؟
* طالب: (...) المدينة هم يعني يوسوسون، وسوسة داخلية.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: القوة والعزة والحكمة تبدأ من علم الله سبحانه وتعالى يعني كلها تدخل في حكمة الله وعلمه فيتخذها ما شاء.
* الشيخ: إي، على كل حال كل شيء له، كل شيء هو مقرون بالعلم وبالحكمة، لكن بس الأنسب يعني فيما يبدو لنا فالظاهر لي والله أعلم إنه لما كان تدبير هؤلاء المشاقين تدبير الكيد للرسول عليه الصلاة والسلام من هؤلاء قد يكون بالأقوال وقد يكون بالأفعال، والتدبير أمر خفي، أمر خفي ما هو حرب يعلن حتى نقول ينبغي أن يقابل بقوة وعزة، قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حتى الأمور اللي ما تدري عنها ولا يبرزونها ولا يظهرون الحراب حرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الله تعالى سميع عليم، هذا ما ظهر لي والله أعلم، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...) الحكمة (...) ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (...).
* الشيخ: يعني أيش؟ يعني من الصعب النطق بها؟
* الطالب: (...) بالمعنى.
* الشيخ: يعني هذه خلاف البلاغة تقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وأما كونها طويلة فلأن فيها معاني، السين لا بد من وجودها، وأيضًا المخاطب فسيكفيكهم لا بد أن يخاطبه بذلك وضمير الغيبة ما أشوف فيها شيء.
* طالب: والفاء جواب الشرط.
* الشيخ: والفاء جواب الشرط.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغة، الصُّبغ معناه اللون كما تعرفون، فما المراد بصبغة الله؟ قالوا: المراد دين الله، صبغة الله دين الله، وسمي الدين صبغة لظهور أثره على العامل به، فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه، يظهر على صفحات وجهه ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها، فهو بمنزلة الصُّبغ للثوب يظهر أثره عليه، وقيل: إنه صبغة، سُميَ صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب، وهل يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعًا؟
* الطلبة: ما يمنع.
* الشيخ: ما يمنع، ما يمنع فهو صبغة للزومه، وهو صبغة أيضًا لظهور أثره على العامل به، ما وجه النصب في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ صبغةَ الله ولم يقل: صبغةُ الله؟ قيل: إنها مصدر معنوي لقوله: ﴿آمَنّا﴾، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فإن ﴿آمَنّا﴾ معناها الدين، وأن التقدير: تدينَّا دين الله، تدينا دين الله ولا ريب أن هذا بعيد؛ لأن ﴿آمَنّا﴾ في آية أخرى قبلها، أو لا؟ قولوا: لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: في الآية السابقة، في آية أخرى قبلها ويبعد أن يكون هذا متعلقًا بها، ولأنه فصل بينهما بفواصل كثيرة، إذن فهو منصوب على الإغراء، يعني: الزموا صبغة الله الزموا صبغة الله، ولا يصدنكم هؤلاء عن دينكم الزموه، وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أضيفت إليه لأنها منه، فإن الشريعة جاءت من الله، ولا أحد يُشرِّع للخلق إلا خالقهم سبحانه وتعالى ﴿ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة ١٣٨] (...).
* طالب: أن من شروط الإمامة أن يقوم الإنسان بما أُمِر به، فإن إبراهيم عليه السلام لما أتم ما أمره الله سبحانه وتعالى به أخبر الله سبحانه وتعالى له أنه سيجعله (...) فيجب قيام الإنسان بالإمامة الاتيان بما (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: أنه لما أمره الله سبحانه وتعالى بما أمر به فامتثل جعله الله للناس إمامًا؟
* الشيخ: إذن يؤخذ منه أن من قام بأوامر الله جعله الله إمامًا، أو لا؟ جعله الله إمامًا وهذا حق، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، قال ابن تيمية رحمه الله: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، مفهوم من قوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
* طالب: (...) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧] يقول بعض المفسرين: إن هذا (...) إسماعيل (...).
* الشيخ: نعم، إي؛ لأن الأصل إبراهيم.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة ١٣٥] ذكرنا فيها أن هذه الدعوى موجودة في أهل البدع من هذه الأمة؟
* الطالب: كل طائفة يدعون إلى ما هم عليه مثلًا الأشعرية يقولون: كونوا أشعرية تهتدوا، والجهمية يقولون: كونوا جهمية تهتدوا، كل يدعي.
* الشيخ: صح، إذن معناه أن من خالف الحق ودعا إليه -يعني إلى طريقه- وظن هو الهدى فهو مشابه لمن؟
* الطلبة: لليهود والنصارى.
* الشيخ: لليهود والنصارى، بماذا رد الله على هؤلاء الذين قالوا: تهتدوا؟
* طالب: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
* الشيخ: وأيش إعراب ﴿مِلَّةَ﴾؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* الطالب: للفعل نتبع. نتبع ملة.
* الشيخ: لفعل محذوف، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم، ما تقولون في هذا؟
* الطلبة: (...)؟
* الشيخ: صحيح، إذن ملة إبراهيم هو اللي فيها الهداية ما هي باليهودية ولا النصرانية.
ما الفائدة من قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة ١٣٩]؟
* طالب: (...) الفائدة.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؟ هذا كلنا يعرف أن لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وأيش الفائدة منه هل هذا تحصيل حاصل كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأيش الفائدة منه؟
* طالب: (...) لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي أن (...) بالله سبحانه وتعالى وهو ربنا وربكم لا ينفعكم (...) بالله لا ينفعكم فإن كل له عمله ومعول على..
قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله.
* ومن فوائدها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله أضافه إلى نفسه، وكل ما يضاف إلى الله، فإنه حق.
* ومن فوائدها: أن دين الله تعالى أحسن الأديان وأكملها وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الإخلاص، إخلاص العبادة له؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر.
* ومنها: أن العقل يقضي التزام الدين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، فإن العقل يهدي إلى أن الواجب أو أن الذي من العقل التزام الأحسن، كل إنسان له عقل سليم، فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن.
ثم قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: التشنيع على من يحاج في أمر يعترف به، فإنهم يحاجون في الله وهم يعترفون بأنه ربهم، فهو ربنا وربكم.
* ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه.
* ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لأنه قال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾، فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم.
* ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة بالعمل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٠٣١)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]]، وهنا يقول: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فيها قراءتان: ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ ، ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾، فعلى الثانية ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ يكون هذا من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله؛ لأنه قال: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ يعني: وقل: أتقولون إن إبراهيم، أما على القراءة بالياء ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ فهذه الجملة من كلام الله كما مر.
* فمن فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، فهذه الدعوى باطلة، إذن ما وصف هؤلاء؟ المسلمون، وصف هؤلاء الإسلام، فإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ليسوا يهودًا ولا نصارى، بل هم مسلمون لله سبحانه وتعالى.
* ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إن هذا جائز عقلًا على الله فنقر به، وهذا يمتنع عقلًا على الله فلا نقر به، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه ناس يقولون هكذا كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم، نقول لهم في الجواب كلهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، هل أنتم أعلم بما يجوز على الله ويمتنع عليه ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه ويجوز له ويجب له؟ الله أعلم، وهذه هي حقيقة حجة ملزمة مقحمة مفحمة أيضًا لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: يجب لله كذا، ويمتنع عليه كذا، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، فإن العالم بشريعة الله شاهد على الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨]، فكل إنسان يكتم علمًا فقد كتم شهادة عنده من الله، ثم إن في هذا عظم إثمه، يؤخذ من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء ٦٩] قيل: إن المراد بالشهداء هم أهل العلم.
* ومنها: كمال علم الله ومراقبته لعباده لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: ثبوت الصفات السلبية، وهي: ما نفاه الله عن نفسه، من أين؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فإن هذه صفة سلبية ما هي ثبوتية، والصفات السلبية -كما مر علينا- متضمنة لإثبات كمال ضده، لكمال مراقبته وعلمه سبحانه وتعالى ليس بغافل عما نعمل.
ومنها: تخويف الإنسان وإنذاره من المخالفة، تؤخذ من أين؟ تخويف الإنسان من المخالفة من أين؟
* طالب: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟ ويش وجه هذا التخويف؟
* الطالب: إثبات أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عن..
* الشيخ: إيه، لكن ويش وجهه من التخويف؟
* الطالب: يعني بيحذر الإنسان، يعني: اعلم أيها الإنسان أن الله مطَّلع عليك في كل أعمالك.
* الشيخ: فإياك والمخالفة، يعني: مثلًا عندما تهدد إنسانًا بشيء تقول: ما أنا بغافل عنك، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إضافة العمل إلى العامل، ففيه رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تعرف وجهه؟ ففيه الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا يعمل بل هو مجبر، واضح؟
* الطلبة: نعم.
البقرة 2:142
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقد تقدم الكلام على فوائدها، فليرجع إلى ما سبق.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قوله: ﴿سَيَقُولُ﴾ السين للتنفيس، وإذا دخلت على المضارع أخلصته للمستقبل، المضارع إذا دخلت عليه (لم) أخلصته للماضي، وإذا دخلت عليه السين أخلصته للمستقبل، وإذا كان مجردًا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ للمستقبل، وقوله: ﴿سَيَقُولُ﴾ تفيد أيضًا مع الاستقبال تفيد تحقيق وقوع هذا الشيء أو لا؟ وقد مر علينا أنها تدل على التحقيق، وتفيد أيضًا قرب هذا الشيء، بخلاف سوف، فإنها تدل على المستقبل البعيد.
وقوله: ﴿السُّفَهَاءُ﴾ جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف لنفسه، وكل من خالف الحكمة في تصرفه فهو سفيه، والسفيه كما لا يؤتمن على المال؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء ٥]، فهو أيضًا غير مؤتمن على الدين، فهؤلاء السفهاء سفهاء في دينهم لا في مالهم، قد يكونون في المال جيدين لكنهم سفهاء في الدين، وما هو سفه الدين؟ سفه الدين بيّنه الله في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، فكل من رغب عن ملة إبراهيم -وهي الانقياد لله عز وجل بكمال التوحيد- فإنه سفيه.
وقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ بيان للسفهاء، وهي في موضع نصب على الحال، يعني: حال كونهم من الناس.
مقول القول: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، هذا مقول القول في قوله: ﴿سَيَقُولُ﴾، فالجملة ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ في موضع نصب على أنها مقول القول، وقوله: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ما إعرابها؟ ويش إعراب ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾؟
* طالب: استفهامية ما.
* الشيخ: نعم، (ما) اسم استفهام، أي: أي شيء ولَّاهم؟
و﴿وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: صرفهم، ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: صرفهم عن قبلتهم.
وقوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: ما يستقبلون، فقبلة الإنسان ما يستقبله، والمراد بها بيت المقدس؛ لأن الرسول ﷺ أول ما قدم المدينة صار متجهًا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، يعني: إما سنة وأربعة أشهر، أو سنة وخمسة أشهر.
إذا كان مستقبلًا بيت المقدس فأين تكون الكعبة؟ أين تكون بالنسبة له؟ على يمينه ولا عن يساره ولا خلفه؟
* طالب: خلفه.
* الشيخ: تكون خلفه.
* طالب: عن يساره.
* الشيخ: تكون عن يساره؟
* الطالب: نعم.
* الطلبة: تكون خلفه.
* الشيخ: تكون خلفه تمامًا، تكون خلفه؛ ولهذا يقول ابن عمر: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦ / ٦٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: مُسْتدبِرَ القبلَة.]]، فعلى هذا كان يستقبل عليه الصلاة والسلام بيت المقدس، يستقبله بأمر أو باجتهاد؟ اختلف فيه أهل العلم، فبعضهم قال: إنه باجتهاد، وإن النبي ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر بخلافه، حتى دخل العرب في الإسلام، فكان يخالف أهل الكتاب، وقال بعض أهل العلم: إنه بأمر من الله؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] ﴿هُدَاهُمُ﴾ عام في كل ما يعملونه، و﴿اقْتَدِهْ﴾ يعني: اقتد، والهاء للسكت، وهذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ في أي سورة؟
* الطلبة: الأنعام.
* الشيخ: في سورة الأنعام وهي مكية، وقالوا: إن الرسول ﷺ في مكة كان يتجه إلى بيت المقدس أيضًا، لكنه يجعل الكعبة بينه وبينه، فيصلي من ناحية ما بين الركن اليماني والحجر الأسود، هكذا قالوا..
* طالب: يستشكل على أن إبراهيم كانت قبلته الكعبة..
* الشيخ: نعم، هو يجمع بينها.
* الطالب: ولما هاجر إلى المدينة كانت إبراهيم قبلته الكعبة، والأنبياء بعضهم (...)؟
* الشيخ: يقولون: إنه -الرسول عليه الصلاة والسلام- لما قيل: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وأمر بالاقتداء بهم صار يجمع بين الأمرين، فيصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود، وحينئذٍ يكون متجهًا إلى الكعبة وإلى بيت المقدس، فالله أعلم بهذا؛ لأنه ما ثبت من الناحية التاريخية هذا الأمر، وإلا قد قيل به، وقيل: إنه في مكة يتجه إلى الكعبة، وفي المدينة اجتهادًا منه اتجه إلى بيت المقدس.
وعلى كل حال، فإنه بأمر الله، سواء كان باجتهاد أقره الله عليه، أو كان بأمر من الله، فبقي الرسول عليه الصلاة والسلام على هذا ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وفرح اليهود بذلك حين وافقهم على قبلتهم، ولكن لما انصرف عن هذه القبلة صار اليهود يتكلمون والمشركون يتكلمون، وقيل: والمنافقون يتكلمون، ويش السبب؟ لأيش انصرف؟ كل يوم له قبلة معناه كل يوم له دين، فهذا الرجل ليس على قدم راسخ، فصاروا -والعياذ بالله- يطعنون، وتأمل قوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ ولم يقل: عن القبلة التي كانوا عليها، فهذه الإضافة تدل على أنهم هم الذين اختاروا هذه القبلة، فكيف ينكرونها اليوم؟ ما قال: عن القبلة ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾، أضافها إليهم كأنهم يكونون هم الذين اختاروها كيف يتولون عنها اليوم؟
وقوله: ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ماضٍ ولَّا مستقبل؟
* الطلبة: ماضٍ.
* الشيخ: ماضٍ، باعتبار قولهم ماضٍ، أما باعتبار الآية الكريمة فليست ماضية، لكن القرآن يتحدث عما سيقال. ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ الله سبحانه وتعالى أعلم نبيه ﷺ بما سيحدث وأعلمه بالجواب عليه.
ومن هنا أخذ النبي عليه الصلاة والسلام هذه القاعدة: أن يعلم بما سيحدث للإنسان، فقال لمعاذ بن جبل وقد بعثه إلى اليمن: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩)، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]] ليكون مستعدًّا، فهنا أخبره الله أن هؤلاء السفهاء سيقولون هذا القول، ثم أعلمه ما يرد عليهم.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ﴿لِلَّهِ﴾ خبر مقدم، و﴿الْمَشْرِقُ﴾ مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر وحقه التأخير يفيد الحصر، يعني: لله وحده المشرق والمغرب، فهو الذي يوجه إن شاء إلى المشرق، وإن شاء إلى المغرب، وإن شاء إلى الشمال، وإن شاء إلى الجنوب، وخص المشرق والمغرب؛ لأن منهما تطلع والشمس وتغرب، ودائمًا تجدون أن النص بالجهات يكون على الشرق والغرب؛ لأنهما الأصل، هما الأصل.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ المشرق مكان الشروق، شروق أيش؟
* طالب: الشمس والقمر.
* الشيخ: الشمس والقمر بس؟
* طالب: والنجوم.
* الشيخ: والنجوم، ذكرت المشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: بالإفراد، والتثنية، والجمع، الإفراد مثل هذه الآية، والتثنية؟
* طالب: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾.
* الشيخ: نعم، والجمع؟
* طالب: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾.
* الشيخ: لا هذا مثنى، إيه في القرآن جمعت أيضًا المشرق والمغرب؟
* الطالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج ٤٠]؟
* الشيخ: ويش رب المشارق والمغارب، اقرأ الآية؟
* طالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾.
* الشيخ: اقرأ الآية؟ اقرأ أول الآية؟
* الطالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾.
* الشيخ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، الجمع بينهما أن الإفراد باعتبار الجهة، أي: جهة المشرق والمغرب، والتثنية باعتبار مشرقي الشتاء والصيف، فإن بينهما بعدًا كبيرًا، والجمع باعتبار مشارق النجوم والقمر والشمس، أو باعتبار مشرق كل يوم ومغربه؛ لأن كل يوم للشمس مشرق ومغرب، وللقمر مشرق ومغرب.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فهو المالك سبحانه وتعالى للجهات، يصرف إليها العباد كيف شاء، ونحن ليس علينا إلا السمع والطاعة، قال لنا: اتجهوا إلى كذا، سمعًا وطاعة، قال: اتجهوا إلى كذا، سمعًا وطاعة، قال: اسجدوا لله، قلنا: سمعًا وطاعة، قال: اسجدوا لآدم فسجد الملائكة، المهم أنك تكون مطيعًا لله هذا المهم، لا أن تتجه إلى كذا أو إلى كذا، فهمتم يا جماعة؟ السجود لغير الله شرك، وكان بالنسبة لآدم حين أمر الله به الملائكة طاعة وعبادة، وقتل النفس بغير حق، ولا سيما قتل الولد من أكبر الكبائر، وحين كان طاعة لله في أمر إبراهيم بقتل ولده كان قربة، فالاعتبار بطاعة الله سبحانه وتعالى.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يَهْدِي﴾ يدل ويوفق، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعول ﴿يَهْدِي﴾، وهي عامة، ولكن سبق لنا أن كل شيء قيد بمشيئة الله، فهو مقرون بالحكمة، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ممن هو أهل للهداية، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المشيئة هي الإرادة الكونية، ولا تنقسم كما تنقسم الإرادة، أما الإرادة فقد سبق لنا أنها تنقسم إلى إرادة الكونية وإرادة الشرعية، أما المشيئة فهي قسم واحد فقط وهي كونية.
وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ صراط على وزن فِعال، وهي بمعنى مفعول؛ أي: مصروط، والصَّرْط هو المرور بسرعة، ومنه قول الناس: ظَرَتُّ كذا، ظَرَتُّ اللحمةَ، ويش معناه؟
* طالب: بلعت بسرعة.
* الشيخ: بلعت بسرعة؛ ولهذا يقال: ظِراط، وصِراط، وسِراط بثلاثة الحروف.
* طالب: سبعية؟
* الشيخ: لا، باللغة العربية، أما القراءة فهي الصراط والسراط بالسين والصاد، الصراط إذن بمعنى مصروط، أي: ممرور به بسرعة، قال أهل العلم: ولا يكون المرور بالصراط بسرعة إلا إذا جمع ثلاثة أوصاف: السعة، والاستقامة، والاستواء، فإذا كان واسعًا مستقيمًا مستويًا فهو صراط، وإلا فهو شويرع، وما أشبه ذلك، هذا الصراط -مثلًا- إذا صار ضيقًا ما يكون صراطًا؛ لأنه ما يمكن المرور عليه بسرعة، إذا كان ملتويًا يمينًا ويسارًا كذلك، إذا كان مرتفعًا ونازلًا فكذلك، فالصراط ما جمع ثلاثة أوصاف، الطريق الذي يجمع ثلاثة أوصاف يسمى صراطًا: السعة، والاستقامة، والاستواء.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هذا توكيد، يعني: صراط مستقيم في المرور عليه والعبور عليه، فهو لا يعيق وإنما هو بين واضح.
* طالب: شيخ، كيف الصراط؛ صراط الآخرة غير؟
* الشيخ: إي غير، ورد به الحديث، قيد هذا بما قيده به النص.
﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ومن هدايته إلى الصراط المستقيم أن هدى هذه الأمة إلى القبلة التي يرضاها الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ عندنا (كاف) وعندنا (ذا) اسم إشارة، فنحتاج إلى معرفة المشار إليه، وإلى معرفة متعلق الجار والمجرور، كذا؟ (كذلك) الكاف هنا اسم بمعنى (مثل)، وهي في محل نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك جعلناكم، فما هو ذلك؟ المشار إليه ما سبق، وهو جعل القبلة إلى الكعبة، أي: مثل هذا الجعل الذي جعلنا لكم -وهو اتجاهكم إلى القبلة- ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إذن فنحن -والحمد لله- هدينا إلى الصراط المستقيم بهذه القبلة، وجعلنا أمة وسطا؛ ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده[[أخرجه أحمد في مسنده (٢٥٠٢٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]] أن مِمَّا يَحْسدُنَا عَلَيْهِ الْيَهُودُ اسْتِقَبَالَ الْكَعْبَةِ، جعلت لنا الكعبة قبلة، فهم يحسدوننا على هذه الخصلة، وكذلك على التأمين خلف الإمام، وكذلك على استقامة الصفوف، المهم أن هذه -استقبال القبلة- مما حسدونا عليه، لماذا؟ لأن الكعبة أول بيت وضع للناس وأعظم بيت في الأرض، ولا يوجد بيت قصده من أركان الإسلام إلا الكعبة، ما يوجد بيت قصده ركن من أركان الإسلام حج إلا الكعبة، فهو أفضل بيت وضع للناس وأول بيت، فإذن نحسد إذا اتجهنا إليه؛ ولهذا أثار اليهود ضجة عظيمة على التولي عن القبلة إلى الكعبة وصاروا -والعياذ بالله- مع المنافقين مع من يناصرهم من المشركين أحدثوا أمرًا عظيمًا، حتى إن بعض المسلمين ارتد -والعياذ بالله- عن الإسلام لما سمع من زخرف القول من هؤلاء اليهود وغيرهم.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ فيها هذه معنى الاعتقاد ولَّا معنى التصيير؟
* الطلبة: التصيير.
* الشيخ: التصيير، يعني: صيرناكم، (الكاف) مفعول أول، و﴿أُمَّةً﴾ مفعول ثاني، ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ الأمة هنا بمعنى الجماعة، وقد مر علينا أنها تطلق في القرآن على أربعة معان؟
* طالب: بمعنى الجماعة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: بمعنى الإيمان.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الزمن.
* الشيخ: نعم، والرابع؟
* الطالب: الدين.
* الشيخ: الدين والملة، صح، مثالها بمعنى الجماعة هذه الآية، مثالها بمعنى الدين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ملة، دي أمة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢].
* الشيخ: نعم، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وبمعنى الإمامة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: نعم، بمعنى الزمن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥].
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾.
﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ﴿وَسَطًا﴾ أي: عدلًا، فالوسط بمعنى العدل الخيار، ومنه الصلاة الوسطى لفضلها، يعني: الفضلى، فالوسط بمعنى العدل الخيار، بدليل قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، واعلم أنه يقال: وسَط، ويقال: وسْط، متى تكون بالسكون؟
* طالب: تكون بالسكون إذا كان وسط جماعة، إذا كان بين أشياء متعددة، وتكون بالفتح إذا كان وسط شيء واحد.
* الشيخ: نعم، إذا كان متوسط شيء واحد فهو بفتح السين، وإذا كان بين جماعة فهي بسكون السين؛ ولهذا يقولون: يكون إمامهم -أي: إمام العراة- وسْطهم، ويقال: يسن أن يقوم عند رأس الرجل في الجنازة ووسَط المرأة.
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدلًا خيارًا. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ اللام في قوله: ﴿لِتَكُونُوا﴾ للتعليل، اللام للتعليل وليست للعاقبة، وقد مر علينا الفرق بين لام العاقبة وبين لام التعليل: أن لام العاقبة تدخل على أمر غير مقصود، لكن النتيجة آلت إليه، ولام التعليل تدخل على أمر؟ مقصود، جعلنا الله أمة وسطًا لهذه الحكمة ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع شهيد، و﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عامة في الدنيا وفي الآخرة، لكن في الآخرة أشد وأعظم وأبين وأظهر، فنحن الآن شهداء على الناس بأن الناس السابقين لنا أتتهم الرسل، وانقسموا إلى قسمين: مصدق ومكذب، وأن من الناس من كذب نبيه ولم يصدقه أحد، ومن الناس من تبعه الرجل والرجلان، ومنهم من تبعه الرهط، ومنهم من تبعه كثير، وأكثر من علمنا أتباعًا من الرسل بعد النبي عليه الصلاة والسلام موسى عليه الصلاة والسلام، نحن شهداء الآن، بماذا علمنا هذه الشهادة؟ من طريق..
* طالب: الوحي.
* الشيخ: نعم، من طريق أزكى الناس وأوثقهم وهو الرسول ﷺ؛ ولهذا قال: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
كذلك نكون شهداء على الناس يوم القيامة إذا حشر الناس، وسئل الرسل: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم، ثم تسأل الأمم: هل بلغتم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ما جاءنا من أحد، فيقال: من يشهد لك؟ -للرسل- فيقول: محمد وأمته، فيستشهدون يوم القيامة ويشهدون، فيكونون شهداء على الناس، إذن ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ في أيش؟ في الدنيا والآخرة، نشهد، لكن شهادتنا في الدنيا ما يظهر لها أثر إلا إقامة الحجة على من عاند منهم وأدركناهم، أما في الآخرة فهي التي لها الأثر العظيم.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ النبي عليه الصلاة والسلام يشهد على أمته بأنه بلغ البلاغ المبين، وقد ثبت عنه ﷺ أنه «قَالَ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي أَعْظَمِ مَجْمَعٍ حَصَلَ لَهُ مَعَ الصَّحَابَةِ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:«اللَّهُمَّ اشْهَدْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٠٣)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، واللفظ له، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]]، فأشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، فترك أمته على المحجة البيضاء، وما مات حتى أكمل الله به الدين، وما بقي شيء يحتاج الناس إليه في دينهم أصلًا وفرعًا إلا بينه عليه الصلاة والسلام بيانًا واضحًا، والحمد لله، فالرسول شهيد على هذه الأمة، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١] يعني: كيف تكون الحال في ذلك اليوم العظيم؟ ولهذا لما «قرأ ابن مسعود على النبي عليه الصلاة والسلام ووصل إلى هذه الآية قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «حَسْبُكَ» (...) قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ »[[أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا أمر عظيم، فنحن شهداء على الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام شهيد علينا، يشهد علينا بأننا بلغنا، وأقيمت علينا الحجة، وما بقي لنا عذر بأي وجه من الوجوه؛ ولهذا لا عذر لأحد بعد أن يتبين له الهدى أن يشاق الله ورسوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥].
* طالب: يسن لمن يقرأ عليه القرآن أن يقول: حسبك؟
* الشيخ: إذا سار بده يقف يقول: حسبك، إي نعم، أو يقول: أوقف، ما فيه شيء.
* الطالب: أقول يعني ما يأخذ من قول الرسول: «حَسْبُكَ» أنه يعني سنة؟
* الشيخ: لا، يؤخذ منه جواز قول الإنسان للقارئ: أوقف، هذا اللي يؤخذ، ما نقول: خله يقرأ ويمل وأنت يجب عليك الاستماع.
* طالب: لا أقول: حسبك يعني؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم، (حسبك) كلمة المراد بها الإيقاف، (حسبك) ولَّا (أوقف) حسب اللغة اللي هو يفهم.
* طالب: ما يقول: صدق الله العظيم؟
* الشيخ: لا، ما هو بها المحل يقوله، محل ثاني، إذا شاف شيء تشهد له الآية الكريمة يقول: صدق الله العظيم، أما إذا كان وقف عند القرآن لا، صدق الله العظيم هذه جاء بها القراء المتأخرون من أكياسهم، إي نعم.
* طالب: ﴿وَسَطًا﴾ ما ينزل تحت هذا المعنى أن هذه الأمة هديت إلى طريق الوسط بين الغلو؟
* الشيخ: إلَّا إلَّا، يدخل في هذا أنها وسط في دينها، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، شوف الفتنة والاختبار ﴿مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ وهي استقبال بيت المقدس، ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، ﴿لِنَعْلَمَ﴾ هل معنى الآية: تجدد العلم لله، وأن الله ما يعلم إلا إذا وقع الشيء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولا أحد يقول بهذا، ولكننا قلنا في الجواب على ذلك: إن المراد علم ظهور أو علمًا يترتب عليه الجزاء؛ لأن علم الله الكائن في الأزل ما يترتب عليه الجزاء حتى يمتحن العبد وينظر، أو علم ظهور، أي: علم بأن الشيء حصل، فيعلمه أنه حاصل، وأما العلم الأول فهو علم بأنه سيحصل، وفرق بين العلم بالشيء أنه سيحصل وبين العلم بأنه قد حصل، وقال بعض أهل المعاني: إن (نعلم) هنا بمعنى الماضي، يعني: إلا لعلمنا، وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، لكن هذا وإن كان له وجه من حيث اللفظ، لكن من حيث المعنى ما له وجه؛ لأنه ما يناسب أن الله ما جعل هذه القبلة إلا لأنه يعلم من يبقى ومن لا يبقى، هذا لا وجه له، لكن ما جعلناها إلا للامتحان، حتى يعلم من يسلم ومن لا يسلم ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، فالصحابة رضي الله عنهم اتبعوا الرسول في هذا ولَّا لا؟
* طالب: أشد الاتباع.
* الشيخ: أشد الاتباع، جاءهم رجل وهم يصلون الفجر في قباء وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل عليه قرآن أمر أن يستقبل الكعبة، وهم ركوع فاستداروا وهم ركوع قبل (...) متجهين إلى الكعبة، هذا الاتباع العظيم، وكذلك في بني سلمة في مسجد القبلتين كذلك أخبروا فاستداروا.
(...) لأيش جاءت بالنصب ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: خبر، ويش الخبر؟ تفيد في المعنى: تكونوا شهداء على الناس، ويشهد الرسول بصدقكم وعدالتكم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ (ما) نافية، و(جعلنا) هنا يحتمل أن تكون بمعنى التصيير بمعنى صيرنا، أو بمعنى شرعنا، فعلى القول الأول تحتاج إلى مفعولين (جعلنا): وما صيرنا القبلة التي كنت عليها، تحتاج إلى مفعولين إذا جعلناها بمعنى التصيير، وعلى الثاني ما تحتاج إلى مفعولين، يصير: وما شرعنا القبلة التي كنت عليها إلا لكذا، فهمتم يا جماعة؟
أما على المعنى الثاني -أن (جعل) بمعنى شرع- فإن الجعل يأتي بمعنى شرع في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] ويش معنى ﴿مَا جَعَلَ﴾؟
* الطلبة: ما شرع.
* الشيخ: أي: ما شرع، وإلا فهو موجود قدرًا، وعلى هذا المعنى لا يبقى في الآية أي إشكال، يعني: ما شرعنا القبلة التي كنت عليها -وهي اتجاهك إلى بيت المقدس- إلا لنعلم من يتبع الرسول إذا صرفناك عنها ممن ينقلب على عقبيه، أما على قراءة التصيير (صيرنا)، فإنها تحتاج إلى مفعولين، أين المفعولان؟
* طالب: الأول الكاف الثانية.
* الشيخ: ويش الكاف الثانية مما؟
* الطالب: ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾، الفاعل يكون في جعلناكم.
* الشيخ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾.
* طالب: محذوف، قطعًا محذوف.
* طالب: المسجد الحرام.
* الشيخ: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلةً إلا لنعلم، وقيل: إن المفعول الأول: ﴿الْقِبْلَةَ﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾، يعني: وما جعلنا القبلة هي التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول، وقيل بالعكس، أي: وما جعلنا التي كنت عليها القبلة، فتكون ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ هي المفعول الأول، و﴿الْقِبْلَةَ﴾ هي المفعول الثاني.
وعندي: أن الوجه الأول من الأوجه الثلاثة هو أقربها: أن يكون المفعول الثاني محذوفًا، وأن تكون ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ صفة للقبلة: ما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لنعلم من يتبع الرسول، وحذف المفعول الثاني من أفعال التصيير كثير، وقد ذكره ابن مالك رحمه الله؟
* طالب:
وَحَذْفُ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ ∗∗∗ .......................
* الشيخ: لا، هذا في الفضلة.
* طالب:
............................ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا
* طالب: في أفعال المقاربة؟
* الشيخ: لا، في ظن وأخواتها، هو ذكر قاعدة عامة في الحقيقة في باب المبتدأ وهو:
وَحَـذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ..... ∗∗∗ ........................
هذه عامة، وأما في باب ظن فقال:
وَلَا تُجِزْ هُنَا بِلَا دَلِيلِ ∗∗∗ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ
فمفهومه: مع الدليل يجوز، وهنا ما في شك أن الدليل واضح، ﴿مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ ما هي القبلة التي كان عليها؟
* طالب: بيت المقدس.
* الشيخ: هي اتجاهه إلى بيت المقدس.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (ما) نافية و(إلا) أداة حصر، وهذا الاستثناء من أعم الأحوال، إذا صار الاستثناء مفرغًا هكذا يقولون: إنه استثناء من أعم الأحوال، يعني: ما جعلنا بأي حال من الأحوال هذه القبلة إلا لهذه الحال فقط: لنعلم من يتبع.
في قوله: ﴿جَعَلْنَا﴾، وفي قوله: ﴿نَعْلَمَ﴾ شيء من الإشكال، وذلك أن (نا) و(نعلم)، ضميران يدلان على الجمع، ومعلوم أن الله إله واحد سبحانه وتعالى، فما الجواب؟
* طالب: أنها لصيغة المعظم نفسه.
* الشيخ: أن (نا) للتعظيم هنا، أنها للتعظيم وليست للجمع، وهذا أمر كثير في القرآن مثل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ما في شك أنه واحد منزل للذكر والحافظ له واحد، فيكون هذا من باب أيش؟
* الطلبة: التعظيم.
* الشيخ: التعظيم.
وقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ اللام للتعليل لنعلمَ، أي: كي نعلم.
﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ ذكر بعض المعربين أن (نعلم) هنا ضُمن معنى نُميز، بدليل قوله: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾، مثل ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال ٣٧]، فقالوا: إن مثل هذا التركيب يدل على أن الفعل للتمييز: لنميز من يتبع ممن ينقلب على عقبيه، وليس هذا ببعيد، أن يكون هذا ضُمن معنى نميز مع أنه دال على العلم؛ إذ لا تمييز إلا بعد العلم، وقد ذكرنا فيما سبق أن الفعل إذا ضُمن معنى فعل آخر، فإنه يدل على معناه الأصلي وعلى معنى المضمن.
وفي قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ شيء من الإشكال أيضًا وسبق قريبًا، وهو أن ظاهره: أن الله لا يعلم إلا بعد وقوع هذا الاختبار، ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى علم ما سيكون إلى يوم القيامة وإلى ما وراءها، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: كيف يقول: ما فعلنا هذا إلا لنعلم وهو عالم؟ الجواب ذكرناه من وجهين: الوجه الأول: أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الجزاء، والعلم الذي يترتب عليه الجزاء ما يكون إلا بعد الامتحان والامتثال أو عدم الامتثال، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإن الله تعالى لا يمكن أن يعاقب أحدًا على حسب علمه قبل أن يمتحنه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، فيكون المراد بالعلم هنا أيش؟ العلم الذي يترتب عليه الجزاء، والقول الثاني -الوجه الثاني-: أن المراد بالعلم الظهور علم الظهور؛ لأن علمه سبحانه وتعالى بما سيكون علم بأنه سيكون، فهمتم؟ وعلمه بما كان علم بأنه كان وظهر وبان، وفرق بين العلمين، فالعلم الأول علم بما سيكون، والثاني علم بما قد كان.
وقال بعض النحويين: إن (نعلم) مضارع بمعنى الماضي، نعلم فعل مضارع بمعنى الماضي، يعني: إلا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وهذا وإن كان له وجه وهو أنه يُعبر بالمضارع عن الماضي أحيانًا لكنه بعيد؛ إذ لا حكمة من ذلك، لأنه يكون معنى الآية: وما جعلنا هذا إلا لأننا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وحينئذٍ يقال: إذن ما الفائدة؟ فالصواب الوجهان الأولان، وأحسنهما أن يكون المراد بالعلم هنا العلم الذي يترتب عليه الجزاء؛ لأنه واضح ولا فيه تكلف.
وقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ يتبع الرسول من المراد بالرسول هنا؟ محمد ﷺ فـ(أل) هنا للعهد الذهني أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أو الذكري؟
* طالب: الذهني، أن يذكر.
* الشيخ: الذهني، يعني: لو ما ذكر من قبل لكنه معلوم بالأذهان أن المراد به محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ﴾ الأصل في الاتباع: المشي خلف الإنسان، وهو يختلف باختلاف السياق؛ إن تعلق بأمور حسية، فمعناه أنك تمشي خلفه في الشارع، في الجادة، وما أشبه ذلك، وبأمور معنوية يكون المراد به التأسي بأفعاله وأقواله، وهنا علق بأمور حسية ولَّا معنوية؟
* الطلبة: معنوية.
* الشيخ: معنوية، فيكون المراد به التأسي في أقواله وأفعاله.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ شوف الفرق العظيم هذا متبع سائر خلفه، والآخر راجع ينقلب على عقبيه يرجع، ما يكفي أنه واقف، لا، راجع، وهذا أشد ما يكون في محادة الله ورسوله أن يكون الإنسان سائرًا على خط معاكس للنبي ﷺ، فيكون محادًّا لله ورسوله، وفعلًا حصل هذا، فإن بعض الذين أسلموا ارتدوا حينما صرفت القبلة وقالوا: إن محمدًا ليس على يقين من أمره، اليوم له قبلة، وغدًا له قبلة، وما علموا أن ذلك مما يؤيد رسالته، هذا في الحقيقة مما يؤيد رسالته؛ لأن الإنسان الكذاب يحرص على ألا يتناقض وألا يتراجع؛ لأن التناقض والتراجع وصمة فيه، لكن الإنسان الصدوق لا يهتم أن يقول ما أوحي إليه، سواء وافق ما كان عليه أولًا أو خالف، فهذا الذي حصل هو في الحقيقة وإن كان اليهود قد طعنوا فيه، وقالوا: إن محمدًا ليس له استقرار من أمره، وتبعهم على ذلك من تبعهم من ضعفاء الإسلام، فإنه في الواقع يدل على صدقه ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ وين العقبين؟
* الطلبة: مؤخر القدم.
* الشيخ: مؤخر القدم، الآن نشوف أسئلة، سؤالك؟
* طالب: المقصود بعلم الله أن سيكون منكم مرضى..
* الشيخ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾.
* طالب: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ﴾ [المزمل ٢٠] هنا علم الله سبحانه وتعالى علم أن سيكون منكم مرضى، وهم لم يكونوا ولكن سيكونوا، ثم إن علمه الله سبحانه وتعالى في القبلة الذين سينقلبون على عقبيهم أيضًا (...)؛ لأن الله سبحانه الله وتعالى يعلم (...)، فيكون هذا أقرب إلى كلمة يعني (...) في الماضي؟
* الشيخ: إيه، الله عالم بأنه سيكون لا شك، لكن ما الفائدة من أنه يشرع هذا وهو قد علم، فالمهم أن فائدة الشرع الذي حصل -تغيير القبلة- الفائدة العظيمة في أن الله تعالى يعلم ليعاقب أو يثيب، فكما قلنا: إن المراد بالعلم يترتب عليه الثواب والعقاب أحسن من قولنا: إن (نعلم) بمعنى (علمنا)، المعنى ما هناك فائدة.
* طالب: (...) الله يعلم؟
* الشيخ: لا، إذا قلنا: علمه يترتب عليه الثواب ما فيه مخالفة إطلاقًا.
* طالب: الأول: علم الجزاء الذي يترتب عليه المعاقبة، والثاني: علم الظهور لله سبحانه تعالى، فكيف الفرق بينهم؟
* الشيخ: الفرق بينهم أن الأول (لنعلم)، يعني معناه: أنه يكون علمنا الأكيد الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، أما الثاني فيقولون: إن العلم الأول علم بأنه سيقع، والعلم الثاني علم بأنه قد وقع، وبينهما فرق، فأنت الآن -مثلًا- إذا علمت بأنه سيكون غدًا كذا وكذا، هذا علم بما سيكون، وطبعًا علمي أنا قد يتخلّف، لكن علم الله ما يتخلّف، فإذا وقع صار هذا علم آخر بأنه قد كان، فالفرق بين العلم الماضي الذي هو علم بأنه سيكون؛ لأنه ما هو بعلم بأنه كان، علم بأنه سيكون، الثاني علم بأنه كان، فيكون المراد بالعلم في قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، أي: العلم الذي يكون بالشيء حين وقوعه، لا العلم الذي يكون بالشيء قبل أن يقع، فيكون معلوم بأنه سيقع.
* طالب: ارتد جماعة، ذُكروا في السير؟
* الشيخ: لا ما ذكروهم، حتى المفسرين ما عينوهم قالوا: ارتد جماعة من المسلمين فقط.
* طالب: ربما من اليهود الذين يقالون: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران ٧٢].
* الشيخ: ربما يكون، ولكن ظاهر القرآن الكريم ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أنهم كانوا مسلمين وانقلبوا على أعقابهم؛ لأن اليهود منقلبون على أعقابهم من الأصل.
* طالب: الرسول قلنا: (أل) للعهد الذهني، تقدم وصف الرسول بالتعريف.
* الشيخ: وين؟
* طالب: بالألف واللام، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، الرسول الثانية تكون (أل) هنا للعهد الذهني؟
* الشيخ: لا، تكون للعهد الذكري، والأولى هي للعهد الذهني.
* طالب: يا شيخ، ﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: يمشي على الوراء؟
* الشيخ: إيه، يمشي على وراء.
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ ﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ الضمير يعود على الواقعة، يعني: وإن كانت هذه الواقعة -وهي تحويل القبلة- لكبيرة، (إن) هنا تقولون إنها نافية؟ يعني: وما كانت لكبيرة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: هذه مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والتقدير: وإنها كانت لكبيرة.
* طالب: شاهد عليها.
* الشيخ: ما هي؟
* طالب:
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَـقَـلَّ الْعَمَلُ ∗∗∗ وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ؎وَلَا يَلِي ذِي اللَّامِ............ ∗∗∗ .....................
* الشيخ: لا.
وَالْفِــعْــلُ إِنْ لَــمْ يَكُ..... ∗∗∗ .....................
* الطالب:
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا ∗∗∗ تُلْفِيهِ بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
* الشيخ: غالبًا.
* الطالب:
.......................... ∗∗∗ ....... بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
* الشيخ: هذا الفعل الناسخ الآن وهو كان.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أين خبر (إن)؟ جملة كان واسمها وخبرها، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ اللام هنا للتوكيد، ويجوز أن نقول: إنها للفصل بين (إن) النافية و(إن) المخففة؛ ولهذا قال ابن مالك:
.......................... ∗∗∗ وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: عظيمة شاقة، فالكِبَر يراد به الشيء الشاق العظيم، ومنه قوله ﷺ في صاحبي القبرين: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، في كبير أي: في أمر شاق عليهما وإن كان من كبائر الذنوب، لكنه بمعنى شاق، يعني هذه المسألة الشاقة إلا على الذين هدى الله، على من تشق هذه المسألة؟ على من يريدون أن يكون الدين بأهوائهم، على الذين يقولون فيما إذا ورد الشرع بخلاف ما يريدون: إنه أمر شاق ويكرهونه، على الذين إذا قيل لهم: هذا حرام، وهم يريدونه شق عليهم ذلك، وهذا كثير، كثير من الناس الآن يشق عليهم جدًّا بعض الأمور الشرعية، سواء كانت مما أمر بفعله أو مما نهي عن فعله، لكن من هداه الله، فإن الأمور الشرعية تكون سهلة عليه، سواء وافقت هواه أم خالفته ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور ٥١]، هذا قول المؤمنين، إذن نقول: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: شاقة.
﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (الذين) اسم موصول ويحتاج إلى صلة.
* طالب: ورابط.
* الشيخ: ورابط، ورابط ولا عائد؟
* طالب: عائد.
* الشيخ: عائد، لا ما هو كله واحد، الرابط في خبر المبتدأ، وأما الصلة فهي عائد، تحتاج إلى عائد.
﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ والعائد ضمير، وهنا ما عندنا ضمير، والتقدير: هداهم الله، فالعائد إذن ضمير منصوب محذوف، ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هداهم الله، والمراد بالهداية هنا هداية العلم وهداية التوفيق، خذوا بالكم، هداية العلم والتوفيق، أما كونها هداية العلم، فلأن الذين يخشون الله هم العلماء ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] العلماء بمن؟
* الطلبة: بالله.
* الشيخ: العلماء به، خلافًا للذين يقولون: المراد بالعلماء علماء العصر اللي يعرفون كيف يصنعون الذرة، وكيف يحفرون الأرض، وما أشبه ذلك، على زعمهم يكون أهل المصانع في أمريكا وروسيا وإنجلترا وفرنسا أخشى لله من المسلمين اليوم؛ لأن عندهم من العلم أكثر مما عندنا، ولكنهم كذبوا في ذلك، إنما المراد: إنما يخشى الله من عباده العلماء به، العلماء بالله، بأسمائه وصفاته، وبأحكامه، وبقضائه وقدره، هؤلاء هم الذين يخشونه، والمعنى أيضًا يقتضي ذلك؛ لأنه لا يخشى إلا من علم أنه أهل للخشية، فحينئذٍ يتعين أن يكون المراد بالعلماء العلماء بالله.
قلنا أيضًا: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ هذه هداية العلم؛ لأنهم إذا علموا خشوا الله سبحانه وتعالى ولم يكرهوا شريعته، ولم يكبر ذلك عليهم ولم يشق، كذلك هداية التوفيق، خدوا بالكم يا جماعة وهي مهمة، هداية التوفيق إذا وفق العبد للانقياد لله سبحانه وتعالى سهل عليه دينه، سهل عليه الدين، وصار أيسر عليه من كل شيء، وبهذا نعرف أن المتبعين للحديث أقوم الناس هداية.
هداية التوفيق -أيضًا- إذا وفق العبد لقبول ما جاء به الشرع سهل عليه الأمر ولم يشق عليه، وقلت: إن أهل الحديث هم أخص الناس بهذا الوصف؛ لأنه لا يشق عليهم إذا جاء حكم عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتبعوه، لكن أهل التعصب من أهل المذاهب يشق عليهم، تجدهم إذا عورض مذهبهم بمقتضى نص عن الرسول عليه الصلاة والسلام بين أمرين؛ إما أن يتعنتوا ولا يبالوا ويدعوا الحديث ويتبعوا ما هم عليه من المذاهب، وهذه خطيرة، وإما أن يتبعوا ما هم عليه من المذاهب مع القلق بمخالفة النص، لكنهم لا يستطيعون أن يتركوا ما هم عليه من التعصب، وهم في قلق من مخالفة النص، أما أهل الحديث فلا يبالون، لا يبالي الواحد منهم إذا علم حديثًا أن يكون له اليوم قول وغدًا قول آخر، والإمام أحمد رحمه الله يوجد عنه أحيانًا في المسألة أقوال متعددة ومتعددة؛ لأنه كلما ظهر له دليل.
* طالب: أخذ به.
* الشيخ: أخذ به وترك الأول، وأحيانًا هو نفسه يصرح بأنه رجع عن الشيء، تبين له الأمر ورجع إليه، وهذا لا يضر الإنسان أبدًا، بل هذا مما يوجب أن يثق الناس به أكثر، إذا علموا أن الإنسان يتبع الدليل حيثما كان.
* طالب: ذكرت أن بعض الناس يكره ما أنزل الله عليهم ويريدون الدين على أهوائهم، لكن ما يكفرون يا شيخ كيف ما أنزل الله؟
* الشيخ: الله ذكر في القرآن أنهم يكفرون ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد ٢٧].
* طالب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٨، ٩].
* الشيخ: ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٩]، قد تكون هذه الكراهة هنا لكل الشرع؛ لأن (ما) هذه اسم موصول تعم كل الشرع، وقد يكون لبعضه، أما لكل الشرع فلا شك في كفرهم، أما لبعضه فهي محل تفصيل؛ لأنه قد يكفر بذلك وقد لا يكفر، حسب ما يكون هذا المكروه.
* طالب: فيه فرق بين أن يكره أو يشق عليه؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن الشاق عليه..
* الطالب: ويعني إنه صعب بس يشق عليه أن يفعل هذا..
* الشيخ: يشق عليه أن يفعل، لكن كراهة..
* الطالب: هذا مسلم ولا غير مسلم؟
* الشيخ: إيه، هذا مسلم، لكن الأول يبغضه يبغض هذا اللي حصل.
* الطالب: (...) السياق في الآية هنا على (...) الكفار أصلًا..
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: في الآية اللي ذكرها الأخ يعني.
* الشيخ: ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
* الطالب: على..
* الشيخ: على العموم؛ على اللي يكفرون على العموم.
* طالب: شيخ، تجد اللي يبغض اللحية (...).
* الشيخ: يعني: يلزم نفسه به، وهو ثقيل عليه، ثقيل عليه لكنه يلزم نفسه به، هذا على كل حال ناقص الإيمان؛ لأنه واجب عليه كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، ما يكفي التسليم لا بد من انتفاء الحرج، يعني: الضيق في الصدر..
* طالب: (...)
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ ولهذا هو يحاول الآن يجاهد نفسه، يجاهد نفسه على أن يفعل، وهذا يرجى له في المستقبل أن يمن الله عليه بقبول الحق والرضا به.
* طالب: شيخ، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكر أن من لا يقبل الإسلام.
* الشيخ: أيهم؟
* طالب: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ولو عمل به.
* الشيخ: والله ما يظهر لي أنه على إطلاقه إذا أبغض أي شيء، إلا إذا أبغضه لكفر به، هذا قد يكون، لكن ما أظن أن مسلم بيبغض هذا الشيء لكفر به، قد يبغضه؛ لأنه مثلًا يحجزه مثلًا عن عمل يريده، مثل لو كره الصلاة في المسجد أو صلاة الجماعة أو ما أشبه ذلك، هو ما كرههم لأنه كافر بها، لكن لأنه عنده زبائن الآن عند الدكان، ورده يفوتهم، هذا قد يقع، في الحقيقة أن المسألة ما هي على إطلاقها، ولا أظن الشيخ رحمه الله أراد الإطلاق، إلا إذا أراد الكره على أنه كافر به، يبغض الله ويقول: ويش هذا الشرع مثلًا، مثل ما يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- يكرهه ويسخر به ويحتقره فهذا نعم، هذه المسائل في الحقيقة دقيقة جدًّا، المسائل هذه دقيقة من أدق ما يكون، وقد يطلق العلماء فيها عبارات بالتحريم والتخويف، وهي في الواقع تحتاج إلى تفصيل.
* طالب: (...).
* الشيخ: إيه، لا بد من الدقة في هذا.
* طالب: بالنسبة للجهلة الذين يكرهون هذا الشيء لأنهم يظنون أنه لم يرد؟
* الشيخ: لا، هذا ما يعتبر، هذا يجب عليه أن يتعلم؛ لأنه مو مثل من علم فَكَرِهَ؛ لأنه يقول: إلى الآن ما استقر عندي أنه مما أنزل الله، نقول: هؤلاء يجب عليهم أن يتعلموا حتى يعرفوا.
* طالب: شيخ، في الجهاد ذكر الله أنه كُره؟ كيف يعنى المسألة هذه؟
* الشيخ: إيه، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة ٢١٦]، يعني: الإنسان يكره أن يقاتل خوفًا على نفسه من القتل، ما هو بيكره لأنه شرع الله ولا يبغيه، ولكن بعض الناس يختلفون، من المؤمنين من يحبون الجهاد والقتال، لكن طبيعة الإنسان بمقتضى الطبيعة يكره أن يقاتل خوفًا من أن يقتل.
* طالب: شيخ، في سورة النساء بين ذلك ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء ٧٧] فهم كرهوا شرعيته لكن مو الصحابة..
* الشيخ: إيه، الصحابة..
قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أضاف الفعل إلى نفسه؛ لأن كل شيء بقضاء الله وقدره.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ عندنا إعراب ومعنى في هذه الآية، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيُضِيعَ﴾ يسمونها؟
* طالب: لام الجحود.
* الشيخ: لام الجحود، الجحود فيه في القرآن جحود؟ جحود يعني نفي، لام النفي؛ ولهذا هذه اللام لها ضابط، وهي أن تقع بعد كون منفي، اللام التي تأتي بعد كون منفي تسمى: لام الجحود.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ وين الكون المنفي؟
* طالب: ما كان.
* الشيخ: ما كان.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧] الكون المنفي؟
* طالب: لم يكن.
* الشيخ: لم يكن الله، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.
أنا غير كائن لأعاقبك؟
* طالب: هذه ليست (...).
* الشيخ: غير (ما)، معناه النفي، غير كائن، يعني: لست كائنًا لأعذبك، هذا من جهة الإعراب.
من جهة المعنى: كل ما جاءت: ما كان الله لكذا -يعني: في القرآن- فهي للأمر الممتنع غاية الامتناع، مثل: لا ينبغي وما ينبغي، إذا جاءت (لا ينبغي) في القرآن أو (ما ينبغي)، فهي للأمر المستحيل، ما هي بالأمر الذي يفضل تركه، نحن إذا قلنا: لا ينبغي أن تفعل كذا، المعنى: المفضل أن تتركه، لكن إذا وجدتم (لا ينبغي) أو (ما ينبغي)، فالمراد أنه ممتنع، مستحيل، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس ٤٠] ممكن؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: غير ممكن، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] معناه؟ ممتنع، مستحيل، «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبِغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، المعنى: أنه مستحيل، هنا إذا قال: ما كان، أو: لم يكن، المعنى أنه غير ممكن، مستحيل.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ أي: أن هذا منتفٍ غاية الانتفاء، ومستحيل غاية الاستحالة، ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (يضيع) بمعنى: يتركه سدًى بدون مجازاة عليه، وقوله: ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ المراد به صلاتهم إلى بيت المقدس، هكذا فسره أهل العلم أن المراد بالإيمان هنا صلاتهم إلى بيت المقدس، وسميت الصلاة: إيمانًا؛ إما لأن الأعمال من الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو الصحيح، واستدلوا بهذه الآية قالوا: إن الإيمان هنا الصلاة إلى بيت المقدس، فالأعمال إيمان، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (٣٥ / ٥٨)، والطبراني في الأوسط (٩٠٠٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للطبراني.]]، فقول: لا إله إلا الله، من الأعمال، من أعمال اللسان، وقوله «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» من أعمال الجوارح، وقوله: «وَالْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»..
* طالب: من أعمال القلوب.
* الشيخ: من أعمال القلوب، كما أن الإيمان أيضًا يطلق على الاعتقاد؛ لقوله: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسِلِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٧٧٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم (٨ / ١)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ» هذا اعتقاد القلب، الإيمان عند أهل السنة والجماعة يشمل: اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح، كل الأربعة.
﴿إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس ما تضيع عند الله، حتى الذين ماتوا في الفترة ما تضيع صلاتهم، ذكر بعض المفسرين: أن سبب نزول هذه الآية: أن اليهود ساروا يقولون للمسلمين: الذين صلوا منكم إلى القبلة ضاعت صلاتهم -القبلة التي قبل التحويل- ضاعت صلاتهم وليس لهم فيها ثواب، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ إذن الإيمان في الحقيقة امتثال أمر الله ورسوله، مع أن استقبال بيت المقدس قبل أن يؤمر الناس بالتوجه إليه، وبعد أن أمروا بالانصراف عنه ليس من الشرع، وهذا كثير يراد بالشرع ما وافق الأمر، وإن كان في بعض الأحيان قد يخالف الشرع، وقد ذكرنا لذلك أمثلة كبيرة عظيمة، فالسجود لغير الله (...).
* طالب: لآدم طاعة.
* الشيخ: ولآدم تركه كفر، ترك السجود لآدم كفر، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وقتل الابن من أعظم الكبائر، وكان في حق إبراهيم؟
* طالب: من أعظم القربات.
* الشيخ: من أعظم القربات، نقول: إذن فالحقيقة أنه لا اعتبار بنوع الفعل، الاعتبار بالأمر بالفعل، أو بالنهي عنه؛ لأن الإنسان عبد.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ رؤوف فيها قراءتان، ﴿لَرَؤُفٌ﴾ بدون واو، و﴿لَرَءُوفٌ﴾ بالواو، وكلاهما قراءتان سبعيتان.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ﴾ أظن هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: أحدهما (إن)، والثاني اللام، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ﴾ و(الناس) أصله الأناس كما تقدم أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ولكنها لكثرة الاستعمال خففت بحذف الهمزة، مثل الله أصلها الإله، ولكثرة استعمالها خففت بحذف الهمزة.
وقوله: ﴿رَءُوفٌ﴾ قال العلماء: إن الرأفة أشد الرحمة، أشدها، فهي رحمة خاصة فيها شيء من اللطافة، والرحيم المتصف بالرحمة، وقالوا: إنه قدمت الرؤوف على الرحيم مع أن الرؤوف أبلغ من أجل مراعاة الفواصل، رحيم مراعاة الفواصل بها أبلغ من رؤوف.
وقوله: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يقل: لرؤوف رحمن؛ لأن هذا يتعلق بفعله، أي: برحمته، وقد ذكرنا على تفسير البسملة: أن الرحمن عائد للصفة، والرحيم عائد للفعل، فهو رحمن واسع الرحمة، ورحيم يرحم بهذه الرحمة، وهذا قريب من معنى قول بعضهم: الرحمن رحمة عامة، والرحيم رحمة خاصة.
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾.
﴿قد﴾ هنا للتحقيق، و﴿نرى﴾ فعل مضارع بمعنى الماضي هكذا؟ لأن المعنى قد رأينا تقلب وجهك في السماء، وقيل: إنه فعل مضارع لا بمعنى الماضي وإن المقصود به الاستمرار والدوام، وهو كناية عن كثرة تقليب الرسول عليه الصلاة والسلام وجهه في السماء؛ لأن (رأينا تقلب) قد لا يدل إلا على مرة واحدة، لكن (نرى) يدل على الاستمرار.
وقوله: ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ كيف تقلبه في السماء؟ نعم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع بصره إلى السماء انتظارًا لنزول جبريل لتحويل القبلة؛ لأنه كان يحب أن تكون القبلة إلى الكعبة؛ حيث إنها أول بيت وُضع للناس، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الكعبة كانت قبلة الأنبياء كلهم، وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق كان من جملة تحريفهم الذي حرفوا به دينهم، هكذا ذكره أظنه مر علي في كتاب الإيمان أو في كتاب النبوات نسيت لكنه ذكر هذا.
* طالب: (...)
* الشيخ: لا، كتاب خاص أنا رأيته قبل أن (...).
وقوله ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (في) للظرفية، ومعلوم أن وجه الرسول في بدنه، ولكن المعنى أنه ينظر في السماء، أي: في العلو.
* طالب: (في) بمعنى (إلى)؟
* الشيخ: لا، في جهة السماء، يقلبه في جهة السماء ينظر.
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ لأن ما بعدها مفرع على ما قبلها، ونولينك أي: نوجهنك، ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ وهذا التقديم ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أعطاه ما يريد، قبل أن يبين له حكمه، ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ (...).
من الناس الذين ليس عندهم حكمة ولا معرفة بأسرار شريعة الله، فيعترضون على تحويل النبي ﷺ من بيت المقدس إلى الكعبة، وأن الله تعالى رد عليهم، بل أمر نبيه أن يرد عليهم بقوله: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وأظن ذكرنا في ﴿قِبْلَتِهِمُ﴾ ثلاث قراءات.
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ولا قراءة؟
* طلبة: ولا قراءة.
* الشيخ: إلا، قراءة فيها (...).
* طلبة: (...).
* الشيخ: القراءة المشهورة ﴿قِبْلَتِهِمُ﴾ يعني: بكسر الهاء، وضم الميم، القراءة الثانية: بضم الهاء والميم ﴿قِبْلَتِهُمُ الَّتِي﴾.
* طالب: وضم التاء؟
* الشيخ: لا، بس ضم الضمير فقط، ضم الضمير بناؤه على الضم.
الشيخ: ماذا قلنا؟
* طالب: قلنا: بجواز تعليل الأحكام بالربوبية.
* الشيخ: لا، تعليل الأحكام بمقتضى الربوبية، الأحكام الشرعية بمقتضى الربوبية لإسكات الناس حتى لا يحصل منازعة، إذا قيل: لأيش كذا؟ تقول: لأن هذا الله رب يفعل ما يشاء، لماذا أحل كذا وحرم كذا؟ تقول: لأنه رب، لماذا توجه الناس من المشرق إلى المغرب، من المغرب إلى المشرق، من بيت المقدس إلى الكعبة؟ لأن ذلك بمقتضى ربوبية الله، ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة ١٤٢].
* ومن فوائد الآية: أن العدو يحتج على عدوه بما يثير نعرته، العدو عدو يحتج على العدو بما يثير نعرته ويُلزمه؛ لقوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾، ما قالوا: عن القبلة، كأنهم يقولون: كنتم تتولون ذلك، فما الذي صرفكم عنه؟ وهذا قد يثير شعور الإنسان حتى يبقى على ما هو عليه، وقال: بالأمس تختارها واليوم تنكرها وتنبذها؟ فالخصم دائمًا يُهيج خصمه يما يثير نعرته ليقيم الحجة عليه ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
* ومن فوائد الآية: عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات مشيئة الله ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقد مر علينا كثيرًا بأن كل آية فيها إثبات المشيئة فهي مقرونة بالحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مجرد مشيئة، بل هو سبحانه وتعالى ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
* ومنها: إثبات أن الهداية بيد الله ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومنها: صحة احتجاج الجبرية على القول بالجبر.
* الطلبة: لا يصح.
* الشيخ: طيب، الآية أمامنا ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
* طالب: ما (...) هذه الآية يعني بالخصوص (...).
* الشيخ: نقول: الجبرية وإن احتجوا بمثل هذه الآية فلا حجة لهم؛ لأن الاحتجاج ببعض القرآن دون بعض كفر به، قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة ٨٥]، القرآن من متكلم واحد، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فمطلقه في موضع يقيَّد في موضع آخر، ومجمله يبيَّن في موضع آخر، بل إن الرسول ﷺ يقيد القرآن ويبينه ويخصصه، واضح؟ فإذن لا دليل فيه إلا مَن نظر بعينِ أعور، الأعور ينظر من جانب العين الصحيحة، لكن من جانب العين العوراء ما يرى، والواجب أن الإنسان ينظر إلى النصوص بعينين ثاقبتين، ما هو بعين واحدة، طيب، إذن هذه الفائدة باطلة، الاحتجاج بالآية على صحة مذهب الجبرية هذا باطل، تمام؟ طيب.
* ومن فوائد الآية: الثناء على هذه الأمة لأنها التي على صراط مستقيم؛ لأن أول مَن يدخل في قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هؤلاء الأمة الذين تولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة.
* طالب: شيخ، أرأيتم تقول: الصراط أنه هو المستقيم (...) قوله: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾؟
* الشيخ: نعم هذه تذكر في التفسير.
طيب إذن من فوائدها: فضيلة هذه الأمة بأنها المهدية إلى صراط مستقيم.
* ومن فوائد الآية: أن معارضة الشرع ضلال، كما أنه سفه فهو أيضًا ضلال؛ لأن الشرع هو الصراط المستقيم، فهو الهداية وما سواه ضلال واعوجاج، نعم، وانتهى الكلام على هذه الآية.
قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن ما اختاره الله لهذه الأمة من استقبال بيته فهو من أجل كونها وسطًا، من أجل كونها وسطًا اختار الله لها أن تتولى أيش؟ المسجد الحرام؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي ومثل ذلك الاختيار لكم اخترناكم فجعلناكم أمة وسطًا.
* ومنها: فضل هذه الأمة على جميع الأمم؛ لقوله..
* طالب: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿وَسَطًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَسَطًا﴾، أي: عدلًا خيارًا.
* ومنها: عدالة هذه الأمة؛ لقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، والشهيد قوله مقبول، والمراد بالأمة هنا أمة الإجابة، ومن هنا نعرف حذق أهل الفقه حيث قالوا: إن العدل من استقام على دين الله؛ لأن هذه الأمة أمة وسط إذا كانت على دين الرسول عليه الصلاة والسلام، فتكون شهيدًا وتُقبل شهادتها إذا استقامت على هذا الدين وكانت أمة حقيقية، فعليه يؤخذ من هذا حد العدل، أن العدل من استقام على دين الله.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الأمة تشهد على الأمم يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، فإذا قال قائل: كيف تشهد وهي لم تَرَ؟
* طالب: نقول: لكنها سمعت.
* الشيخ: نعم، نقول: لكنها سمعت، سمعت عمن خبرُه أصدق من المعاينة، صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن نبينا ﷺ يكون شهيدًا علينا يوم القيامة، شهيدًا علينا بالعدالة، وقيل كما مر: شهيدًا علينا بأنه بلّغ، وأيًّا كان فإنه من فضائل هذه الأمة.
* ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
* ومنها: أنه لا رسول بعده، من أين تؤخذ؟ لأن (أل) هنا للعهد، وهو يخاطب هذه الأمة، فالرسول المعهود فيها واحد، من هو؟ الرسول ﷺ، ويلزم من ذلك أن لا يكون بعده رسول.
* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد يمتحن العباد بالأحكام الشرعية، إيجابًا أو تحريمًا أو نسخًا، من أين نأخذ؟ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، انتبه، انتبه لهذا، إن الله قد يبتليك، قد يبتليك بالمال، يعطيك مالًا ليبلوك، هل تقوم بواجبه ولّا لا، وهذه محنة؛ لأن غالب من ابتُلِي بالمال طغى وشح، طغى من وجه، وشح من وجه آخر، ثم اعتدى في تموُّل المال، فضلّ في تموله والتصرف فيه وتصريفه، مفهوم يا جماعة؟ طيب، احذر من أن الله قد ينعم عليك بالعلم، والعلم عليه ضريبة، وهي أول شيء تقوى الله وخشيته، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فإذا لم تَخْشَ الله بعلمك فاعلم أنه حجة عليك، امتحان من الله عز وجل ما هي هيّن الأمر، كذلك امتحان آخر لأهل العلم أن لا يكتموه -نسأل الله السلامة وأن يعيننا على بذله وتعليمه- أن لا يكتموه في أي مكان حيث دعت الحاجة إلى بيانه من السائل، بلسان الحال أو بلسان المقال؛ السائل بلسان المقال يجي (...) واحد يسألك، والسائل بلسان الحال أن يكون الناس في حاجة إلى بيان حكم الله في هذه المسألة، فهو وإن لم يسأل بلسان المقال ويجي يقول: وعلمني، لكن حال الناس تستدعي أن يبيَّن لهم الحق في هذا الأمر، مفهوم؟ هذه ضريبة أيضًا يجب عليك أن تنتبه لها، خشية الله بعلمك، ثانيًا: بيان ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، إذا أنعم الله عليك بعافية فهذا أيضًا ابتلاء، فالمهم أن الله يبتلي الإنسان بالأحكام الشرعية وبالقضاء الكوني، بالقضاء الشرعي وبالقضاء الكوني، ومر علينا أمثلة من الامتحان بتسهيل أسباب المعصية، يمتحن الإنسان بتسهيل أسباب المعصية له، وذكرنا مثلًا في هذه الأمة ومثلًا في بني إسرائيل؛ في بني إسرائيل في قضية السبت، حيث نُهُوا عن السمك يوم السبت، فصارت تأتيهم ﴿شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف ١٦٣]، وفي هذه الأمة ابتلاهم الله تعالى وهم مُحْرِمون بالصيد، كثير جدًّا وتناله أيديهم ورماحهم، ما يحتاج إلى سهام، يمسك الواحد الصيد بيده ولّا برمحه، (...) عليه ويأخذه، ولكن ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤]، فخافوه بالغيب ولّا لا؟ نعم، رضي الله عنهم، خافوه بالغيب، ما جاؤوه؛ لأنه حرام، فالله سبحانه وتعالى قد يمتحن الإنسان بالتكليف بالعبادة، وأعظم امتحان فيما أعلمه ما جرى لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في ذبح ابنه وحيده وثمرة فؤاده، ما له غيره، وبلغ معه السعي على أكمل ما يكون من تعلق القلب به، ليس صغيرًا فيُهجَر ولا كبيرًا فيُستَغنى عنه، ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات ١٠٢] بالمصاحبة المعية، بالمصاحبة يسعى معه ويذهب معه، وأُمِرَ بأن يذبحه، ووافق؟ وافق، الابن والأب، وأسلما لله رب العالمين، وتلَّه لجبينه على وجهه؛ لئلا يرى وجهه، أو لا يرى الولد السكين فيفزع، أمر الرسول إن صح الحديث «أَنْ تُوَارَى الشِّفَارُ عَنِ الْبَهَائِمِ فِي حَدِّهَا »[[أخرجه ابن ماجه (٣١٧٢)، وأحمد (٥٨٦٤) من حديث ابن عمر.]]، وهذه محنة عظيمة، ومع ذلك قام بها، المهم يا إخواني أن الله سبحانه تعالى قد يبتلي الإنسان بأمور كونية أو شرعية ليعلم سبحانه وتعالى؛ لأنه كما قيل: عند الامتحان يُكرم المرء أو يهان، والذهب لا يُعرف جودته إلا بعرضه على النار، والعود لا يتبين رائحته إلا بمس النار، فلا بد من شيء، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، حيث وُجِّه تَوَجَّه لا يمين ولا يسار، ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة ١٤٣] فيرجع، والعياذ بالله.
* طالب: يا شيخ، تركه (...) مثل القتل..
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: تركه لابنه ولزوجته هي محنة.
* الشيخ: إي هي محنة لكن (...)؟
* الطالب: (...) لو تارك (...) الصلاة؟
* الشيخ: لا هذا أخف بكثير.
* طالب: شيخ، هل يجوز مع بعدك عن (...)؟
* الشيخ: لا لا، ما هي أقوى من هذه، لأن هذا صبر على طاعة الله، قضية إبراهيم صبر على الطاعة وهذه صبر عن معصية.
* طالب: واحدة أكبر من (...)؟
* الشيخ: لا وهي أكبر من (...) أيضًا حتى أكبر من (...)، من حيث النوع ومن حيث الواقع؛ لأن حبس الإنسان النفس عن شهوته أهون من كونه هو يذبح ولده بيده.
* طالب: مهما بلغ من الإيمان لهذه الدرجة.
* الشيخ: يعني صعب جدًّا نسأل الله العافية، والحمد لله على كل حال.
* من فوائد الآية: أن وجوب اتباع الرسول ﷺ؛ كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُول﴾، فالله امتحن العباد ليعلم هل يتبعون الرسول، إذن فاتباع الرسول واجب وإلا لما احتيج إلى محنة الناس عليه.
* ومنها: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾، وعلم الله محيط، علم الله محيط بأيش؟ بكل شيء ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، وقد سبق لنا إشكال في هذه الآية والجواب عليه.
* ومنها: أن الردة عن الإسلام انقلاب؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، فإنها انقلاب إلى الوراء.
* ومنها: أن التقدم حقيقةً في الإسلام، وأما الرجعيون حقيقة هم المخالفون للإسلام، أليس كذلك؟ إي نعم، إحنا ما نقول هذا من عند أنفسنا أو انتصارًا لأنفسنا، نقوله من كلام الله ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، فأي واحد يقول للناس المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله: هؤلاء رجعيون، نقول: بل أنت الرجعي؛ لأن الله سمى مخالفة الرسول ﷺ انقلابًا على العقب، ولا أبْلَغ من هذا الرجوع، إن الإنسان يرجع على عقبيه هذا رجوعًا أعمى - والعياذ بالله - ما يدري أيش اللي وراه.
* ومن فوائد الآية: أن تغيير القبلة شاق، شاق إلا على طائفة معينة من الناس، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، وهذا كما مرّ علينا في التفسير يقع كثيرًا للإنسان، تشق عليه بعض الأوامر الشرعية، واجتناب بعض النواهي الشرعية تشق عليه، لكن بتمام الإيمان تزول هذه المشقة وتكون سهلة، والعلماء اختلفوا أيهما أفضل، رجل يفعل العبادة بمشقة ويترك المعصية بمشقة، وآخر يفعل العبادة بسهولة ويترك المعصية بسهولة، أيهما أفضل؟ قال بعض العلماء: الأول أفضل؛ لأنه مجاهد يجاهد نفسه، يتعب، وقال الآخرون: بل الثاني أفضل؛ لأن العبادة كأنها امتزجت بدمه ولحمه حتى صارت سجية له لا ينبسط إلا بها، فما ترون أنتم؟
* طالب: يفرَّق بين الطاعة والمعصية، في الطاعة تستطيع فعلها، لكن في المعصية تركها مع المشقة آجر، فالثاني أفضل.
* طالب: الأول له أجر المشقة.
* الشيخ: الصحيح أن يقال: أما الذي يفعلها بسهولة ويسر وانقياد فهذا أكمل حالًا بلا شك، حاله أكمل من الأول، أليس كذلك؟ لأنه مطمئن ويفرح، والثاني حاله أدنى، ولكنه يؤجر على مجاهدة نفسه على الطاعة وعلى ترك المعصية، يؤجر، لكن الأول فرق أفضل حاله على الأول أكمل بكثير؛ لأنه يعمل بنور، بنور وإيمان ويقين وثبات، على أن هذا الثاني اللي نحن قلنا: إنه مفضول وله أجر المشقة، ربما يمن الله عز وجل عليه وهو أكرم الأكرمين، حتى تكون العبادة في نفسه سهلة يفعلها بارتياح، وهذا هو معنى قول بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله[[انظر جامع معمر (٢٠٤٧٥)، والمدخل للبيهقي (٥١٩) عن معمر قال: كان يقال: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله.]]، فالإنسان قد يفعل العبادة في الأول بمشقة، ويكون عنده نوع من التعب في تنفيذها، لكن إذا علم الله من نيته صدق القصد والطلب يسّر الله له الطاعة حتى كانت سجية له.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، هذا يدل على أن هذا أكمل حال تكون حاله.
* ومن فوائد الآية: إظهار المنة، إظهار منة الله عز وجل على من هداه الله، من أين نأخذ؟
* طالب: نسب الهداية إليه.
* الشيخ: نسب الهداية إليه، ﴿لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، أتى بـ(الذين) أيضًا اسم الموصول الصريح دون (مَن)، ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، نعم وله المنة علينا والحمد لله، نسأل الله الثبات، بالهداية، الإنسان يرى أعظم منة منّ الله بها عليه أن هداه للإسلام، لا شك أنها أعظم والله من الأكل والشرب والنكاح والمسكن وكل شيء؛ لأنها حياة الدنيا والآخرة، وملاذ الدنيا هي حياة الدنيا فقط تزول، فأعظم منة مَنَّ الله بها على الإنسان أن هداه الله، وهذه يجب إن الإنسان يشعر بها لا يمنّ بدينه على ربه، بل يعتقد أن المنة لله عليه أن هداه حتى يزداد محبة لله عز وجل، كلما فعل عبادة أحب الله عز وجل؛ لتقربه بها إليه، ولأنه هو الذي هداه إليها، وكم من أناس ضلوا، أليس كذلك؟ ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، أكثر من في الأرض كلهم ضالون، فإذن يجب على الإنسان أن يشعر بهذا الشعور يا إخوان، تشعر بأن الله لما هداك للإيمان إن هذه أعظم منة منّ بها عليك، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، ولهذا قال الله للرسول ﷺ في شأن الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات ١٧]، الجواب ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات ١٧] في دعواكم أنكم مؤمنون، فاعرفوا الحقيقة، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وشوف الفضل والكرم هو الذي مَنَّ علينا بالهداية ثم يقول في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فكأننا نحن الذين أحسنا فأحسن إلينا بالجزاء، نِعَم عظيمة، مع أن له الإحسان أولًا وآخرًا، هو الذي أحسن علينا أولًا وأحسن علينا آخرًا، ولكن هذه من منّته سبحانه وتعالى ومن شكره لسعي عبده، ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، سبحان الله، أنت الذي تمن به علينا وتوفقنا له ثم تقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، هذه منة عظيمة في الحقيقة، الحمد لله، إذن ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر عمل عامل إذا كان مبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، كل عمل تعمله صادرًا عن إيمان فإنه لن يضيع، ستجده مسجلًا قولًا كان أو فعلًا أو همًّا بالقلب، «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث أبي هريرة.]] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الرؤوف والرحيم، وما تضمناه من الصفة، وهي: الرأفة والرحمة، فهذان اسمان من أسماء الله تضمنتهما هذه الآية والصفة.
وفيه أيضًا هل نقول: والأثر؟ نعم، والأثر، فإنه مر علينا أن الأسماء الحسنى إذا كانت متعدية تتضمن ثلاثة أمور: الاسم، والصفة، والأثر اللي هو الفعل، وإذا كانت غير متعدية تضمنت أمرين فقط، هما: الاسم، والصفة، فالحي يتضمن الاسم والصفة، والرحيم يتضمن الاسم والصفة والأثر اللي هو الفعل، له رحمة يرحم بها، له رحمة يرحم بها ويرسلها إلى من شاء.
* ومن فوائد الآية: إثبات عموم الرحمة لكل الناس؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وهذه عامة، لكن إن كان الناس مؤمنين كانت رحمته متصلة خاصة متصلة بالدنيا والآخرة، وإلا فإن الكفار تشملهم رحمة الله تعالى في الدنيا وعدله في الآخرة، في الآخرة يجازون بالعدل والقسط، وفي الدنيا بالفضل والإحسان، وربما يعاقبهم الله سبحانه وتعالى بالعدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾.
* طالب: من الفوائد أن العمل من الإيمان.
* الشيخ: إي نعم من فوائد الآية صح، أن العمل من الإيمان، من فوائد الآية أن العمل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِيمَانَكُمْ﴾، فإنها فُسِّرَت بالصلاة إلى بيت المقدس، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، أن العمل داخل في الإيمان، ووجه ذلك هو موجود في الأدلة الشرعية أن العمل من الإيمان، «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، هذا كلام رسول الله ﷺ، فالعمل لا شك أنه من الإيمان، لكن وجه ذلك أنه صادر عن إيمان، صادر عن الإيمان، فالإيمان هو الذي أوجده، ولهذا لا يعد عمل المنافق من الإيمان، السبب؟ عمل المنافق صلاته وذكره لله ونفقاته ما تعد من الإيمان؛ لأنه منزوع من الإيمان، ما هو صادر عن إيمان، ليس صادرًا عن الإيمان، أهل السنة والجماعة يُثبتون أن العمل من الإيمان، يوافقهم على ذلك المعتزلة والخوارج، يقولون: العمل من الإيمان، ويخالفهم في ذلك المرجئة، يقولون: العمل ليس من الإيمان، فهمتم؟ طيب، لكن أهل السنة والجماعة يفارقون المعتزلة والخوارج في أن المعتزلة والخوارج يقولون: إن العمل من الإيمان لكنه إذا فُقِد فُقِد الإيمان، ففاعل الكبيرة عندهم خارج من الإيمان، لكن المعتزلة يقولون إنه في منزلة بين المنزلتين، والخوارج يقولون: إنه كافر، وأهل السنة والجماعة يقولون: لا نسلِّم لكم هذا، فنقول: المؤمن العاصي مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو نقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو نقول هو مؤمن ناقص الإيمان، نعم.
* طالب: شيخ، يستفاد من الآية قبول شهادة الأعمى من قوله: ﴿شُهَدَاء﴾؟
* الشيخ: كل والأصم و الأخرس.
* الطالب: لا أعمى بس؟
* الشيخ: لا، لازم كله فاقد الحواس، نقول: نعم شهادة الأعمى، والأصم، والأخرس، فيما يمكنه إدراكه، فيما يمكنه إدراكه مقبولة، لكن لو يجي أعمى يقول: شهدت أني رأيت الهلال، نقبله؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تُقبل، يجي الأصم الذي ما يسمع المدفعة عند أذنه يقول: سمعت مسارّة فلان وفلان وهم جنبي؟ ما تُقبل، لكن لو يجي الأصم يقول: رأيت فلانًا يعمل كذا، وعيناه سليمتان، يُقبل، فالمهم إن الشهادة مبنية على العدالة وعلى إمكان ما شهد به، كالإدراك، لا بد من إمكان إدراكه ما شهد به، وهذا راجع إلى الأصلين في كل شيء، ترى القوة والأمانة اللي أشار الله إليهما في قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل ٣٩]، القوة والأمانة لو تأملتموها لوجدتموها في كل الأعمال، أنهما ركنان في كل عمل، فالقوة إمكان القيام بالعمل، والأمانة الثقة، فالأخيرة الأمانة ترجع إلى الدين، والقوة ترجع إلى إمكان القيام بالعمل الذي هو يدعي ممارسته.
* طالب: تدل على أن من عمل عملًا بما سمع من شريعة الله وبما علم من شريعة الله فهو مجتهد (...) مجتهد له أجر في هذا.
* الشيخ: من وين؟
* الطالب: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، الصحابة الذين ماتوا.
* الشيخ: لا؛ لأن دوله في وقت عملهم عملوا بالحق ما نُسخ.
* الطالب: قوله: ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ما يدل عليه اللفظ أو ما يدل عليه السياق أنهم ليسوا على قبلة؟
* الشيخ: إي، لأن فيها استعلاء؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، العمل بالشيء يعتبر استعلاء عليه استعلاء معنويًّا كما تقول: أنت على الحال التي أنا أخبره.
* طالب: شيخ، بالنسبة لسؤال ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، ذكرت إن الاعتراض على الشريعة من السفه وأن معارضة الشرع ضلال، مع أن الضلال داخل في السفه؟
* الشيخ: لا، السفه أخص من الضلال؛ لأن الضال قد يكون عن جهل به، عن جهل ما هو عن سفه، هناك مثلًا ضلال وهناك سفه، فالسفيه يعارض، يعني لأن السفه هو عبارة عن مخالفة الرشد، وهو يعارض مع علمه، وأما الضلال فهو عن جهل.
* طالب: (...) في إثبات الحكمة من اللام في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؟
* الشيخ: نعم، في هذه الآية أيضًا في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ إثبات الحكمة لله، إثبات الحكمة، تؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؛ لأن اللام هنا للتعليل، وهذا هو الصحيح، وقد مر علينا أن بعض النحويين يقولون: إن اللام هنا ليست للتعليل لكنها للعاقبة، بمعنى إلا لأننا قد علمنا.
* طالب: شيخ، الفاسقين من هذه الأمة الذين غير عدول هل يكونوا شهداء على الناس؟
* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر ما تُقبل شهادتهم إلا إذا ماتوا على العدالة قُبلت، أو غفر الله لهم.
* طالب: ورد حديث «إن اللعانين لا يكونون شهودًا عند الله».
* الشيخ: نعم، «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٨ / ٨٦) من حديث أبي الدرداء.]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ذكرنا فيها رأيين في التفسير، والآن ذكرنا فيها رأيين، (...) شهيدًا عليكم بتوفيقكم فتكون لكم، وذكرنا شهيدًا عليكم بإبلاغكم أنه أبلغكم، فيكون شاهدًا لنفسه على غيره.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا لا، الأولى بمعنى لكم، المعنى الأول بمعنى لكم.
﴿ ﴾
البقرة 2:143
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقد تقدم الكلام على فوائدها، فليرجع إلى ما سبق.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قوله: ﴿سَيَقُولُ﴾ السين للتنفيس، وإذا دخلت على المضارع أخلصته للمستقبل، المضارع إذا دخلت عليه (لم) أخلصته للماضي، وإذا دخلت عليه السين أخلصته للمستقبل، وإذا كان مجردًا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ للمستقبل، وقوله: ﴿سَيَقُولُ﴾ تفيد أيضًا مع الاستقبال تفيد تحقيق وقوع هذا الشيء أو لا؟ وقد مر علينا أنها تدل على التحقيق، وتفيد أيضًا قرب هذا الشيء، بخلاف سوف، فإنها تدل على المستقبل البعيد.
وقوله: ﴿السُّفَهَاءُ﴾ جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف لنفسه، وكل من خالف الحكمة في تصرفه فهو سفيه، والسفيه كما لا يؤتمن على المال؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء ٥]، فهو أيضًا غير مؤتمن على الدين، فهؤلاء السفهاء سفهاء في دينهم لا في مالهم، قد يكونون في المال جيدين لكنهم سفهاء في الدين، وما هو سفه الدين؟ سفه الدين بيّنه الله في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، فكل من رغب عن ملة إبراهيم -وهي الانقياد لله عز وجل بكمال التوحيد- فإنه سفيه.
وقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ بيان للسفهاء، وهي في موضع نصب على الحال، يعني: حال كونهم من الناس.
مقول القول: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، هذا مقول القول في قوله: ﴿سَيَقُولُ﴾، فالجملة ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ في موضع نصب على أنها مقول القول، وقوله: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ما إعرابها؟ ويش إعراب ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾؟
* طالب: استفهامية ما.
* الشيخ: نعم، (ما) اسم استفهام، أي: أي شيء ولَّاهم؟
و﴿وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: صرفهم، ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: صرفهم عن قبلتهم.
وقوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: ما يستقبلون، فقبلة الإنسان ما يستقبله، والمراد بها بيت المقدس؛ لأن الرسول ﷺ أول ما قدم المدينة صار متجهًا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، يعني: إما سنة وأربعة أشهر، أو سنة وخمسة أشهر.
إذا كان مستقبلًا بيت المقدس فأين تكون الكعبة؟ أين تكون بالنسبة له؟ على يمينه ولا عن يساره ولا خلفه؟
* طالب: خلفه.
* الشيخ: تكون خلفه.
* طالب: عن يساره.
* الشيخ: تكون عن يساره؟
* الطالب: نعم.
* الطلبة: تكون خلفه.
* الشيخ: تكون خلفه تمامًا، تكون خلفه؛ ولهذا يقول ابن عمر: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦ / ٦٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: مُسْتدبِرَ القبلَة.]]، فعلى هذا كان يستقبل عليه الصلاة والسلام بيت المقدس، يستقبله بأمر أو باجتهاد؟ اختلف فيه أهل العلم، فبعضهم قال: إنه باجتهاد، وإن النبي ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر بخلافه، حتى دخل العرب في الإسلام، فكان يخالف أهل الكتاب، وقال بعض أهل العلم: إنه بأمر من الله؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] ﴿هُدَاهُمُ﴾ عام في كل ما يعملونه، و﴿اقْتَدِهْ﴾ يعني: اقتد، والهاء للسكت، وهذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ في أي سورة؟
* الطلبة: الأنعام.
* الشيخ: في سورة الأنعام وهي مكية، وقالوا: إن الرسول ﷺ في مكة كان يتجه إلى بيت المقدس أيضًا، لكنه يجعل الكعبة بينه وبينه، فيصلي من ناحية ما بين الركن اليماني والحجر الأسود، هكذا قالوا..
* طالب: يستشكل على أن إبراهيم كانت قبلته الكعبة..
* الشيخ: نعم، هو يجمع بينها.
* الطالب: ولما هاجر إلى المدينة كانت إبراهيم قبلته الكعبة، والأنبياء بعضهم (...)؟
* الشيخ: يقولون: إنه -الرسول عليه الصلاة والسلام- لما قيل: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وأمر بالاقتداء بهم صار يجمع بين الأمرين، فيصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود، وحينئذٍ يكون متجهًا إلى الكعبة وإلى بيت المقدس، فالله أعلم بهذا؛ لأنه ما ثبت من الناحية التاريخية هذا الأمر، وإلا قد قيل به، وقيل: إنه في مكة يتجه إلى الكعبة، وفي المدينة اجتهادًا منه اتجه إلى بيت المقدس.
وعلى كل حال، فإنه بأمر الله، سواء كان باجتهاد أقره الله عليه، أو كان بأمر من الله، فبقي الرسول عليه الصلاة والسلام على هذا ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وفرح اليهود بذلك حين وافقهم على قبلتهم، ولكن لما انصرف عن هذه القبلة صار اليهود يتكلمون والمشركون يتكلمون، وقيل: والمنافقون يتكلمون، ويش السبب؟ لأيش انصرف؟ كل يوم له قبلة معناه كل يوم له دين، فهذا الرجل ليس على قدم راسخ، فصاروا -والعياذ بالله- يطعنون، وتأمل قوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ ولم يقل: عن القبلة التي كانوا عليها، فهذه الإضافة تدل على أنهم هم الذين اختاروا هذه القبلة، فكيف ينكرونها اليوم؟ ما قال: عن القبلة ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾، أضافها إليهم كأنهم يكونون هم الذين اختاروها كيف يتولون عنها اليوم؟
وقوله: ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ماضٍ ولَّا مستقبل؟
* الطلبة: ماضٍ.
* الشيخ: ماضٍ، باعتبار قولهم ماضٍ، أما باعتبار الآية الكريمة فليست ماضية، لكن القرآن يتحدث عما سيقال. ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ الله سبحانه وتعالى أعلم نبيه ﷺ بما سيحدث وأعلمه بالجواب عليه.
ومن هنا أخذ النبي عليه الصلاة والسلام هذه القاعدة: أن يعلم بما سيحدث للإنسان، فقال لمعاذ بن جبل وقد بعثه إلى اليمن: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩)، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]] ليكون مستعدًّا، فهنا أخبره الله أن هؤلاء السفهاء سيقولون هذا القول، ثم أعلمه ما يرد عليهم.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ﴿لِلَّهِ﴾ خبر مقدم، و﴿الْمَشْرِقُ﴾ مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر وحقه التأخير يفيد الحصر، يعني: لله وحده المشرق والمغرب، فهو الذي يوجه إن شاء إلى المشرق، وإن شاء إلى المغرب، وإن شاء إلى الشمال، وإن شاء إلى الجنوب، وخص المشرق والمغرب؛ لأن منهما تطلع والشمس وتغرب، ودائمًا تجدون أن النص بالجهات يكون على الشرق والغرب؛ لأنهما الأصل، هما الأصل.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ المشرق مكان الشروق، شروق أيش؟
* طالب: الشمس والقمر.
* الشيخ: الشمس والقمر بس؟
* طالب: والنجوم.
* الشيخ: والنجوم، ذكرت المشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: بالإفراد، والتثنية، والجمع، الإفراد مثل هذه الآية، والتثنية؟
* طالب: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾.
* الشيخ: نعم، والجمع؟
* طالب: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾.
* الشيخ: لا هذا مثنى، إيه في القرآن جمعت أيضًا المشرق والمغرب؟
* الطالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج ٤٠]؟
* الشيخ: ويش رب المشارق والمغارب، اقرأ الآية؟
* طالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾.
* الشيخ: اقرأ الآية؟ اقرأ أول الآية؟
* الطالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾.
* الشيخ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، الجمع بينهما أن الإفراد باعتبار الجهة، أي: جهة المشرق والمغرب، والتثنية باعتبار مشرقي الشتاء والصيف، فإن بينهما بعدًا كبيرًا، والجمع باعتبار مشارق النجوم والقمر والشمس، أو باعتبار مشرق كل يوم ومغربه؛ لأن كل يوم للشمس مشرق ومغرب، وللقمر مشرق ومغرب.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فهو المالك سبحانه وتعالى للجهات، يصرف إليها العباد كيف شاء، ونحن ليس علينا إلا السمع والطاعة، قال لنا: اتجهوا إلى كذا، سمعًا وطاعة، قال: اتجهوا إلى كذا، سمعًا وطاعة، قال: اسجدوا لله، قلنا: سمعًا وطاعة، قال: اسجدوا لآدم فسجد الملائكة، المهم أنك تكون مطيعًا لله هذا المهم، لا أن تتجه إلى كذا أو إلى كذا، فهمتم يا جماعة؟ السجود لغير الله شرك، وكان بالنسبة لآدم حين أمر الله به الملائكة طاعة وعبادة، وقتل النفس بغير حق، ولا سيما قتل الولد من أكبر الكبائر، وحين كان طاعة لله في أمر إبراهيم بقتل ولده كان قربة، فالاعتبار بطاعة الله سبحانه وتعالى.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يَهْدِي﴾ يدل ويوفق، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعول ﴿يَهْدِي﴾، وهي عامة، ولكن سبق لنا أن كل شيء قيد بمشيئة الله، فهو مقرون بالحكمة، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ممن هو أهل للهداية، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المشيئة هي الإرادة الكونية، ولا تنقسم كما تنقسم الإرادة، أما الإرادة فقد سبق لنا أنها تنقسم إلى إرادة الكونية وإرادة الشرعية، أما المشيئة فهي قسم واحد فقط وهي كونية.
وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ صراط على وزن فِعال، وهي بمعنى مفعول؛ أي: مصروط، والصَّرْط هو المرور بسرعة، ومنه قول الناس: ظَرَتُّ كذا، ظَرَتُّ اللحمةَ، ويش معناه؟
* طالب: بلعت بسرعة.
* الشيخ: بلعت بسرعة؛ ولهذا يقال: ظِراط، وصِراط، وسِراط بثلاثة الحروف.
* طالب: سبعية؟
* الشيخ: لا، باللغة العربية، أما القراءة فهي الصراط والسراط بالسين والصاد، الصراط إذن بمعنى مصروط، أي: ممرور به بسرعة، قال أهل العلم: ولا يكون المرور بالصراط بسرعة إلا إذا جمع ثلاثة أوصاف: السعة، والاستقامة، والاستواء، فإذا كان واسعًا مستقيمًا مستويًا فهو صراط، وإلا فهو شويرع، وما أشبه ذلك، هذا الصراط -مثلًا- إذا صار ضيقًا ما يكون صراطًا؛ لأنه ما يمكن المرور عليه بسرعة، إذا كان ملتويًا يمينًا ويسارًا كذلك، إذا كان مرتفعًا ونازلًا فكذلك، فالصراط ما جمع ثلاثة أوصاف، الطريق الذي يجمع ثلاثة أوصاف يسمى صراطًا: السعة، والاستقامة، والاستواء.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هذا توكيد، يعني: صراط مستقيم في المرور عليه والعبور عليه، فهو لا يعيق وإنما هو بين واضح.
* طالب: شيخ، كيف الصراط؛ صراط الآخرة غير؟
* الشيخ: إي غير، ورد به الحديث، قيد هذا بما قيده به النص.
﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ومن هدايته إلى الصراط المستقيم أن هدى هذه الأمة إلى القبلة التي يرضاها الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ عندنا (كاف) وعندنا (ذا) اسم إشارة، فنحتاج إلى معرفة المشار إليه، وإلى معرفة متعلق الجار والمجرور، كذا؟ (كذلك) الكاف هنا اسم بمعنى (مثل)، وهي في محل نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك جعلناكم، فما هو ذلك؟ المشار إليه ما سبق، وهو جعل القبلة إلى الكعبة، أي: مثل هذا الجعل الذي جعلنا لكم -وهو اتجاهكم إلى القبلة- ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إذن فنحن -والحمد لله- هدينا إلى الصراط المستقيم بهذه القبلة، وجعلنا أمة وسطا؛ ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده[[أخرجه أحمد في مسنده (٢٥٠٢٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]] أن مِمَّا يَحْسدُنَا عَلَيْهِ الْيَهُودُ اسْتِقَبَالَ الْكَعْبَةِ، جعلت لنا الكعبة قبلة، فهم يحسدوننا على هذه الخصلة، وكذلك على التأمين خلف الإمام، وكذلك على استقامة الصفوف، المهم أن هذه -استقبال القبلة- مما حسدونا عليه، لماذا؟ لأن الكعبة أول بيت وضع للناس وأعظم بيت في الأرض، ولا يوجد بيت قصده من أركان الإسلام إلا الكعبة، ما يوجد بيت قصده ركن من أركان الإسلام حج إلا الكعبة، فهو أفضل بيت وضع للناس وأول بيت، فإذن نحسد إذا اتجهنا إليه؛ ولهذا أثار اليهود ضجة عظيمة على التولي عن القبلة إلى الكعبة وصاروا -والعياذ بالله- مع المنافقين مع من يناصرهم من المشركين أحدثوا أمرًا عظيمًا، حتى إن بعض المسلمين ارتد -والعياذ بالله- عن الإسلام لما سمع من زخرف القول من هؤلاء اليهود وغيرهم.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ فيها هذه معنى الاعتقاد ولَّا معنى التصيير؟
* الطلبة: التصيير.
* الشيخ: التصيير، يعني: صيرناكم، (الكاف) مفعول أول، و﴿أُمَّةً﴾ مفعول ثاني، ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ الأمة هنا بمعنى الجماعة، وقد مر علينا أنها تطلق في القرآن على أربعة معان؟
* طالب: بمعنى الجماعة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: بمعنى الإيمان.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الزمن.
* الشيخ: نعم، والرابع؟
* الطالب: الدين.
* الشيخ: الدين والملة، صح، مثالها بمعنى الجماعة هذه الآية، مثالها بمعنى الدين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ملة، دي أمة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢].
* الشيخ: نعم، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وبمعنى الإمامة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: نعم، بمعنى الزمن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥].
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾.
﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ﴿وَسَطًا﴾ أي: عدلًا، فالوسط بمعنى العدل الخيار، ومنه الصلاة الوسطى لفضلها، يعني: الفضلى، فالوسط بمعنى العدل الخيار، بدليل قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، واعلم أنه يقال: وسَط، ويقال: وسْط، متى تكون بالسكون؟
* طالب: تكون بالسكون إذا كان وسط جماعة، إذا كان بين أشياء متعددة، وتكون بالفتح إذا كان وسط شيء واحد.
* الشيخ: نعم، إذا كان متوسط شيء واحد فهو بفتح السين، وإذا كان بين جماعة فهي بسكون السين؛ ولهذا يقولون: يكون إمامهم -أي: إمام العراة- وسْطهم، ويقال: يسن أن يقوم عند رأس الرجل في الجنازة ووسَط المرأة.
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدلًا خيارًا. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ اللام في قوله: ﴿لِتَكُونُوا﴾ للتعليل، اللام للتعليل وليست للعاقبة، وقد مر علينا الفرق بين لام العاقبة وبين لام التعليل: أن لام العاقبة تدخل على أمر غير مقصود، لكن النتيجة آلت إليه، ولام التعليل تدخل على أمر؟ مقصود، جعلنا الله أمة وسطًا لهذه الحكمة ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع شهيد، و﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عامة في الدنيا وفي الآخرة، لكن في الآخرة أشد وأعظم وأبين وأظهر، فنحن الآن شهداء على الناس بأن الناس السابقين لنا أتتهم الرسل، وانقسموا إلى قسمين: مصدق ومكذب، وأن من الناس من كذب نبيه ولم يصدقه أحد، ومن الناس من تبعه الرجل والرجلان، ومنهم من تبعه الرهط، ومنهم من تبعه كثير، وأكثر من علمنا أتباعًا من الرسل بعد النبي عليه الصلاة والسلام موسى عليه الصلاة والسلام، نحن شهداء الآن، بماذا علمنا هذه الشهادة؟ من طريق..
* طالب: الوحي.
* الشيخ: نعم، من طريق أزكى الناس وأوثقهم وهو الرسول ﷺ؛ ولهذا قال: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
كذلك نكون شهداء على الناس يوم القيامة إذا حشر الناس، وسئل الرسل: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم، ثم تسأل الأمم: هل بلغتم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ما جاءنا من أحد، فيقال: من يشهد لك؟ -للرسل- فيقول: محمد وأمته، فيستشهدون يوم القيامة ويشهدون، فيكونون شهداء على الناس، إذن ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ في أيش؟ في الدنيا والآخرة، نشهد، لكن شهادتنا في الدنيا ما يظهر لها أثر إلا إقامة الحجة على من عاند منهم وأدركناهم، أما في الآخرة فهي التي لها الأثر العظيم.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ النبي عليه الصلاة والسلام يشهد على أمته بأنه بلغ البلاغ المبين، وقد ثبت عنه ﷺ أنه «قَالَ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي أَعْظَمِ مَجْمَعٍ حَصَلَ لَهُ مَعَ الصَّحَابَةِ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:«اللَّهُمَّ اشْهَدْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٠٣)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، واللفظ له، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]]، فأشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، فترك أمته على المحجة البيضاء، وما مات حتى أكمل الله به الدين، وما بقي شيء يحتاج الناس إليه في دينهم أصلًا وفرعًا إلا بينه عليه الصلاة والسلام بيانًا واضحًا، والحمد لله، فالرسول شهيد على هذه الأمة، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١] يعني: كيف تكون الحال في ذلك اليوم العظيم؟ ولهذا لما «قرأ ابن مسعود على النبي عليه الصلاة والسلام ووصل إلى هذه الآية قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «حَسْبُكَ» (...) قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ »[[أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا أمر عظيم، فنحن شهداء على الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام شهيد علينا، يشهد علينا بأننا بلغنا، وأقيمت علينا الحجة، وما بقي لنا عذر بأي وجه من الوجوه؛ ولهذا لا عذر لأحد بعد أن يتبين له الهدى أن يشاق الله ورسوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥].
* طالب: يسن لمن يقرأ عليه القرآن أن يقول: حسبك؟
* الشيخ: إذا سار بده يقف يقول: حسبك، إي نعم، أو يقول: أوقف، ما فيه شيء.
* الطالب: أقول يعني ما يأخذ من قول الرسول: «حَسْبُكَ» أنه يعني سنة؟
* الشيخ: لا، يؤخذ منه جواز قول الإنسان للقارئ: أوقف، هذا اللي يؤخذ، ما نقول: خله يقرأ ويمل وأنت يجب عليك الاستماع.
* طالب: لا أقول: حسبك يعني؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم، (حسبك) كلمة المراد بها الإيقاف، (حسبك) ولَّا (أوقف) حسب اللغة اللي هو يفهم.
* طالب: ما يقول: صدق الله العظيم؟
* الشيخ: لا، ما هو بها المحل يقوله، محل ثاني، إذا شاف شيء تشهد له الآية الكريمة يقول: صدق الله العظيم، أما إذا كان وقف عند القرآن لا، صدق الله العظيم هذه جاء بها القراء المتأخرون من أكياسهم، إي نعم.
* طالب: ﴿وَسَطًا﴾ ما ينزل تحت هذا المعنى أن هذه الأمة هديت إلى طريق الوسط بين الغلو؟
* الشيخ: إلَّا إلَّا، يدخل في هذا أنها وسط في دينها، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، شوف الفتنة والاختبار ﴿مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ وهي استقبال بيت المقدس، ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، ﴿لِنَعْلَمَ﴾ هل معنى الآية: تجدد العلم لله، وأن الله ما يعلم إلا إذا وقع الشيء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولا أحد يقول بهذا، ولكننا قلنا في الجواب على ذلك: إن المراد علم ظهور أو علمًا يترتب عليه الجزاء؛ لأن علم الله الكائن في الأزل ما يترتب عليه الجزاء حتى يمتحن العبد وينظر، أو علم ظهور، أي: علم بأن الشيء حصل، فيعلمه أنه حاصل، وأما العلم الأول فهو علم بأنه سيحصل، وفرق بين العلم بالشيء أنه سيحصل وبين العلم بأنه قد حصل، وقال بعض أهل المعاني: إن (نعلم) هنا بمعنى الماضي، يعني: إلا لعلمنا، وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، لكن هذا وإن كان له وجه من حيث اللفظ، لكن من حيث المعنى ما له وجه؛ لأنه ما يناسب أن الله ما جعل هذه القبلة إلا لأنه يعلم من يبقى ومن لا يبقى، هذا لا وجه له، لكن ما جعلناها إلا للامتحان، حتى يعلم من يسلم ومن لا يسلم ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، فالصحابة رضي الله عنهم اتبعوا الرسول في هذا ولَّا لا؟
* طالب: أشد الاتباع.
* الشيخ: أشد الاتباع، جاءهم رجل وهم يصلون الفجر في قباء وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل عليه قرآن أمر أن يستقبل الكعبة، وهم ركوع فاستداروا وهم ركوع قبل (...) متجهين إلى الكعبة، هذا الاتباع العظيم، وكذلك في بني سلمة في مسجد القبلتين كذلك أخبروا فاستداروا.
(...) لأيش جاءت بالنصب ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: خبر، ويش الخبر؟ تفيد في المعنى: تكونوا شهداء على الناس، ويشهد الرسول بصدقكم وعدالتكم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ (ما) نافية، و(جعلنا) هنا يحتمل أن تكون بمعنى التصيير بمعنى صيرنا، أو بمعنى شرعنا، فعلى القول الأول تحتاج إلى مفعولين (جعلنا): وما صيرنا القبلة التي كنت عليها، تحتاج إلى مفعولين إذا جعلناها بمعنى التصيير، وعلى الثاني ما تحتاج إلى مفعولين، يصير: وما شرعنا القبلة التي كنت عليها إلا لكذا، فهمتم يا جماعة؟
أما على المعنى الثاني -أن (جعل) بمعنى شرع- فإن الجعل يأتي بمعنى شرع في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] ويش معنى ﴿مَا جَعَلَ﴾؟
* الطلبة: ما شرع.
* الشيخ: أي: ما شرع، وإلا فهو موجود قدرًا، وعلى هذا المعنى لا يبقى في الآية أي إشكال، يعني: ما شرعنا القبلة التي كنت عليها -وهي اتجاهك إلى بيت المقدس- إلا لنعلم من يتبع الرسول إذا صرفناك عنها ممن ينقلب على عقبيه، أما على قراءة التصيير (صيرنا)، فإنها تحتاج إلى مفعولين، أين المفعولان؟
* طالب: الأول الكاف الثانية.
* الشيخ: ويش الكاف الثانية مما؟
* الطالب: ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾، الفاعل يكون في جعلناكم.
* الشيخ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾.
* طالب: محذوف، قطعًا محذوف.
* طالب: المسجد الحرام.
* الشيخ: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلةً إلا لنعلم، وقيل: إن المفعول الأول: ﴿الْقِبْلَةَ﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾، يعني: وما جعلنا القبلة هي التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول، وقيل بالعكس، أي: وما جعلنا التي كنت عليها القبلة، فتكون ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ هي المفعول الأول، و﴿الْقِبْلَةَ﴾ هي المفعول الثاني.
وعندي: أن الوجه الأول من الأوجه الثلاثة هو أقربها: أن يكون المفعول الثاني محذوفًا، وأن تكون ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ صفة للقبلة: ما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لنعلم من يتبع الرسول، وحذف المفعول الثاني من أفعال التصيير كثير، وقد ذكره ابن مالك رحمه الله؟
* طالب:
وَحَذْفُ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ ∗∗∗ .......................
* الشيخ: لا، هذا في الفضلة.
* طالب:
............................ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا
* طالب: في أفعال المقاربة؟
* الشيخ: لا، في ظن وأخواتها، هو ذكر قاعدة عامة في الحقيقة في باب المبتدأ وهو:
وَحَـذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ..... ∗∗∗ ........................
هذه عامة، وأما في باب ظن فقال:
وَلَا تُجِزْ هُنَا بِلَا دَلِيلِ ∗∗∗ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ
فمفهومه: مع الدليل يجوز، وهنا ما في شك أن الدليل واضح، ﴿مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ ما هي القبلة التي كان عليها؟
* طالب: بيت المقدس.
* الشيخ: هي اتجاهه إلى بيت المقدس.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (ما) نافية و(إلا) أداة حصر، وهذا الاستثناء من أعم الأحوال، إذا صار الاستثناء مفرغًا هكذا يقولون: إنه استثناء من أعم الأحوال، يعني: ما جعلنا بأي حال من الأحوال هذه القبلة إلا لهذه الحال فقط: لنعلم من يتبع.
في قوله: ﴿جَعَلْنَا﴾، وفي قوله: ﴿نَعْلَمَ﴾ شيء من الإشكال، وذلك أن (نا) و(نعلم)، ضميران يدلان على الجمع، ومعلوم أن الله إله واحد سبحانه وتعالى، فما الجواب؟
* طالب: أنها لصيغة المعظم نفسه.
* الشيخ: أن (نا) للتعظيم هنا، أنها للتعظيم وليست للجمع، وهذا أمر كثير في القرآن مثل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ما في شك أنه واحد منزل للذكر والحافظ له واحد، فيكون هذا من باب أيش؟
* الطلبة: التعظيم.
* الشيخ: التعظيم.
وقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ اللام للتعليل لنعلمَ، أي: كي نعلم.
﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ ذكر بعض المعربين أن (نعلم) هنا ضُمن معنى نُميز، بدليل قوله: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾، مثل ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال ٣٧]، فقالوا: إن مثل هذا التركيب يدل على أن الفعل للتمييز: لنميز من يتبع ممن ينقلب على عقبيه، وليس هذا ببعيد، أن يكون هذا ضُمن معنى نميز مع أنه دال على العلم؛ إذ لا تمييز إلا بعد العلم، وقد ذكرنا فيما سبق أن الفعل إذا ضُمن معنى فعل آخر، فإنه يدل على معناه الأصلي وعلى معنى المضمن.
وفي قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ شيء من الإشكال أيضًا وسبق قريبًا، وهو أن ظاهره: أن الله لا يعلم إلا بعد وقوع هذا الاختبار، ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى علم ما سيكون إلى يوم القيامة وإلى ما وراءها، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: كيف يقول: ما فعلنا هذا إلا لنعلم وهو عالم؟ الجواب ذكرناه من وجهين: الوجه الأول: أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الجزاء، والعلم الذي يترتب عليه الجزاء ما يكون إلا بعد الامتحان والامتثال أو عدم الامتثال، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإن الله تعالى لا يمكن أن يعاقب أحدًا على حسب علمه قبل أن يمتحنه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، فيكون المراد بالعلم هنا أيش؟ العلم الذي يترتب عليه الجزاء، والقول الثاني -الوجه الثاني-: أن المراد بالعلم الظهور علم الظهور؛ لأن علمه سبحانه وتعالى بما سيكون علم بأنه سيكون، فهمتم؟ وعلمه بما كان علم بأنه كان وظهر وبان، وفرق بين العلمين، فالعلم الأول علم بما سيكون، والثاني علم بما قد كان.
وقال بعض النحويين: إن (نعلم) مضارع بمعنى الماضي، نعلم فعل مضارع بمعنى الماضي، يعني: إلا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وهذا وإن كان له وجه وهو أنه يُعبر بالمضارع عن الماضي أحيانًا لكنه بعيد؛ إذ لا حكمة من ذلك، لأنه يكون معنى الآية: وما جعلنا هذا إلا لأننا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وحينئذٍ يقال: إذن ما الفائدة؟ فالصواب الوجهان الأولان، وأحسنهما أن يكون المراد بالعلم هنا العلم الذي يترتب عليه الجزاء؛ لأنه واضح ولا فيه تكلف.
وقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ يتبع الرسول من المراد بالرسول هنا؟ محمد ﷺ فـ(أل) هنا للعهد الذهني أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أو الذكري؟
* طالب: الذهني، أن يذكر.
* الشيخ: الذهني، يعني: لو ما ذكر من قبل لكنه معلوم بالأذهان أن المراد به محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ﴾ الأصل في الاتباع: المشي خلف الإنسان، وهو يختلف باختلاف السياق؛ إن تعلق بأمور حسية، فمعناه أنك تمشي خلفه في الشارع، في الجادة، وما أشبه ذلك، وبأمور معنوية يكون المراد به التأسي بأفعاله وأقواله، وهنا علق بأمور حسية ولَّا معنوية؟
* الطلبة: معنوية.
* الشيخ: معنوية، فيكون المراد به التأسي في أقواله وأفعاله.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ شوف الفرق العظيم هذا متبع سائر خلفه، والآخر راجع ينقلب على عقبيه يرجع، ما يكفي أنه واقف، لا، راجع، وهذا أشد ما يكون في محادة الله ورسوله أن يكون الإنسان سائرًا على خط معاكس للنبي ﷺ، فيكون محادًّا لله ورسوله، وفعلًا حصل هذا، فإن بعض الذين أسلموا ارتدوا حينما صرفت القبلة وقالوا: إن محمدًا ليس على يقين من أمره، اليوم له قبلة، وغدًا له قبلة، وما علموا أن ذلك مما يؤيد رسالته، هذا في الحقيقة مما يؤيد رسالته؛ لأن الإنسان الكذاب يحرص على ألا يتناقض وألا يتراجع؛ لأن التناقض والتراجع وصمة فيه، لكن الإنسان الصدوق لا يهتم أن يقول ما أوحي إليه، سواء وافق ما كان عليه أولًا أو خالف، فهذا الذي حصل هو في الحقيقة وإن كان اليهود قد طعنوا فيه، وقالوا: إن محمدًا ليس له استقرار من أمره، وتبعهم على ذلك من تبعهم من ضعفاء الإسلام، فإنه في الواقع يدل على صدقه ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ وين العقبين؟
* الطلبة: مؤخر القدم.
* الشيخ: مؤخر القدم، الآن نشوف أسئلة، سؤالك؟
* طالب: المقصود بعلم الله أن سيكون منكم مرضى..
* الشيخ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾.
* طالب: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ﴾ [المزمل ٢٠] هنا علم الله سبحانه وتعالى علم أن سيكون منكم مرضى، وهم لم يكونوا ولكن سيكونوا، ثم إن علمه الله سبحانه وتعالى في القبلة الذين سينقلبون على عقبيهم أيضًا (...)؛ لأن الله سبحانه الله وتعالى يعلم (...)، فيكون هذا أقرب إلى كلمة يعني (...) في الماضي؟
* الشيخ: إيه، الله عالم بأنه سيكون لا شك، لكن ما الفائدة من أنه يشرع هذا وهو قد علم، فالمهم أن فائدة الشرع الذي حصل -تغيير القبلة- الفائدة العظيمة في أن الله تعالى يعلم ليعاقب أو يثيب، فكما قلنا: إن المراد بالعلم يترتب عليه الثواب والعقاب أحسن من قولنا: إن (نعلم) بمعنى (علمنا)، المعنى ما هناك فائدة.
* طالب: (...) الله يعلم؟
* الشيخ: لا، إذا قلنا: علمه يترتب عليه الثواب ما فيه مخالفة إطلاقًا.
* طالب: الأول: علم الجزاء الذي يترتب عليه المعاقبة، والثاني: علم الظهور لله سبحانه تعالى، فكيف الفرق بينهم؟
* الشيخ: الفرق بينهم أن الأول (لنعلم)، يعني معناه: أنه يكون علمنا الأكيد الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، أما الثاني فيقولون: إن العلم الأول علم بأنه سيقع، والعلم الثاني علم بأنه قد وقع، وبينهما فرق، فأنت الآن -مثلًا- إذا علمت بأنه سيكون غدًا كذا وكذا، هذا علم بما سيكون، وطبعًا علمي أنا قد يتخلّف، لكن علم الله ما يتخلّف، فإذا وقع صار هذا علم آخر بأنه قد كان، فالفرق بين العلم الماضي الذي هو علم بأنه سيكون؛ لأنه ما هو بعلم بأنه كان، علم بأنه سيكون، الثاني علم بأنه كان، فيكون المراد بالعلم في قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، أي: العلم الذي يكون بالشيء حين وقوعه، لا العلم الذي يكون بالشيء قبل أن يقع، فيكون معلوم بأنه سيقع.
* طالب: ارتد جماعة، ذُكروا في السير؟
* الشيخ: لا ما ذكروهم، حتى المفسرين ما عينوهم قالوا: ارتد جماعة من المسلمين فقط.
* طالب: ربما من اليهود الذين يقالون: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران ٧٢].
* الشيخ: ربما يكون، ولكن ظاهر القرآن الكريم ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أنهم كانوا مسلمين وانقلبوا على أعقابهم؛ لأن اليهود منقلبون على أعقابهم من الأصل.
* طالب: الرسول قلنا: (أل) للعهد الذهني، تقدم وصف الرسول بالتعريف.
* الشيخ: وين؟
* طالب: بالألف واللام، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، الرسول الثانية تكون (أل) هنا للعهد الذهني؟
* الشيخ: لا، تكون للعهد الذكري، والأولى هي للعهد الذهني.
* طالب: يا شيخ، ﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: يمشي على الوراء؟
* الشيخ: إيه، يمشي على وراء.
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ ﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ الضمير يعود على الواقعة، يعني: وإن كانت هذه الواقعة -وهي تحويل القبلة- لكبيرة، (إن) هنا تقولون إنها نافية؟ يعني: وما كانت لكبيرة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: هذه مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والتقدير: وإنها كانت لكبيرة.
* طالب: شاهد عليها.
* الشيخ: ما هي؟
* طالب:
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَـقَـلَّ الْعَمَلُ ∗∗∗ وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ؎وَلَا يَلِي ذِي اللَّامِ............ ∗∗∗ .....................
* الشيخ: لا.
وَالْفِــعْــلُ إِنْ لَــمْ يَكُ..... ∗∗∗ .....................
* الطالب:
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا ∗∗∗ تُلْفِيهِ بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
* الشيخ: غالبًا.
* الطالب:
.......................... ∗∗∗ ....... بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
* الشيخ: هذا الفعل الناسخ الآن وهو كان.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أين خبر (إن)؟ جملة كان واسمها وخبرها، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ اللام هنا للتوكيد، ويجوز أن نقول: إنها للفصل بين (إن) النافية و(إن) المخففة؛ ولهذا قال ابن مالك:
.......................... ∗∗∗ وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: عظيمة شاقة، فالكِبَر يراد به الشيء الشاق العظيم، ومنه قوله ﷺ في صاحبي القبرين: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، في كبير أي: في أمر شاق عليهما وإن كان من كبائر الذنوب، لكنه بمعنى شاق، يعني هذه المسألة الشاقة إلا على الذين هدى الله، على من تشق هذه المسألة؟ على من يريدون أن يكون الدين بأهوائهم، على الذين يقولون فيما إذا ورد الشرع بخلاف ما يريدون: إنه أمر شاق ويكرهونه، على الذين إذا قيل لهم: هذا حرام، وهم يريدونه شق عليهم ذلك، وهذا كثير، كثير من الناس الآن يشق عليهم جدًّا بعض الأمور الشرعية، سواء كانت مما أمر بفعله أو مما نهي عن فعله، لكن من هداه الله، فإن الأمور الشرعية تكون سهلة عليه، سواء وافقت هواه أم خالفته ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور ٥١]، هذا قول المؤمنين، إذن نقول: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: شاقة.
﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (الذين) اسم موصول ويحتاج إلى صلة.
* طالب: ورابط.
* الشيخ: ورابط، ورابط ولا عائد؟
* طالب: عائد.
* الشيخ: عائد، لا ما هو كله واحد، الرابط في خبر المبتدأ، وأما الصلة فهي عائد، تحتاج إلى عائد.
﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ والعائد ضمير، وهنا ما عندنا ضمير، والتقدير: هداهم الله، فالعائد إذن ضمير منصوب محذوف، ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هداهم الله، والمراد بالهداية هنا هداية العلم وهداية التوفيق، خذوا بالكم، هداية العلم والتوفيق، أما كونها هداية العلم، فلأن الذين يخشون الله هم العلماء ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] العلماء بمن؟
* الطلبة: بالله.
* الشيخ: العلماء به، خلافًا للذين يقولون: المراد بالعلماء علماء العصر اللي يعرفون كيف يصنعون الذرة، وكيف يحفرون الأرض، وما أشبه ذلك، على زعمهم يكون أهل المصانع في أمريكا وروسيا وإنجلترا وفرنسا أخشى لله من المسلمين اليوم؛ لأن عندهم من العلم أكثر مما عندنا، ولكنهم كذبوا في ذلك، إنما المراد: إنما يخشى الله من عباده العلماء به، العلماء بالله، بأسمائه وصفاته، وبأحكامه، وبقضائه وقدره، هؤلاء هم الذين يخشونه، والمعنى أيضًا يقتضي ذلك؛ لأنه لا يخشى إلا من علم أنه أهل للخشية، فحينئذٍ يتعين أن يكون المراد بالعلماء العلماء بالله.
قلنا أيضًا: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ هذه هداية العلم؛ لأنهم إذا علموا خشوا الله سبحانه وتعالى ولم يكرهوا شريعته، ولم يكبر ذلك عليهم ولم يشق، كذلك هداية التوفيق، خدوا بالكم يا جماعة وهي مهمة، هداية التوفيق إذا وفق العبد للانقياد لله سبحانه وتعالى سهل عليه دينه، سهل عليه الدين، وصار أيسر عليه من كل شيء، وبهذا نعرف أن المتبعين للحديث أقوم الناس هداية.
هداية التوفيق -أيضًا- إذا وفق العبد لقبول ما جاء به الشرع سهل عليه الأمر ولم يشق عليه، وقلت: إن أهل الحديث هم أخص الناس بهذا الوصف؛ لأنه لا يشق عليهم إذا جاء حكم عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتبعوه، لكن أهل التعصب من أهل المذاهب يشق عليهم، تجدهم إذا عورض مذهبهم بمقتضى نص عن الرسول عليه الصلاة والسلام بين أمرين؛ إما أن يتعنتوا ولا يبالوا ويدعوا الحديث ويتبعوا ما هم عليه من المذاهب، وهذه خطيرة، وإما أن يتبعوا ما هم عليه من المذاهب مع القلق بمخالفة النص، لكنهم لا يستطيعون أن يتركوا ما هم عليه من التعصب، وهم في قلق من مخالفة النص، أما أهل الحديث فلا يبالون، لا يبالي الواحد منهم إذا علم حديثًا أن يكون له اليوم قول وغدًا قول آخر، والإمام أحمد رحمه الله يوجد عنه أحيانًا في المسألة أقوال متعددة ومتعددة؛ لأنه كلما ظهر له دليل.
* طالب: أخذ به.
* الشيخ: أخذ به وترك الأول، وأحيانًا هو نفسه يصرح بأنه رجع عن الشيء، تبين له الأمر ورجع إليه، وهذا لا يضر الإنسان أبدًا، بل هذا مما يوجب أن يثق الناس به أكثر، إذا علموا أن الإنسان يتبع الدليل حيثما كان.
* طالب: ذكرت أن بعض الناس يكره ما أنزل الله عليهم ويريدون الدين على أهوائهم، لكن ما يكفرون يا شيخ كيف ما أنزل الله؟
* الشيخ: الله ذكر في القرآن أنهم يكفرون ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد ٢٧].
* طالب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٨، ٩].
* الشيخ: ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٩]، قد تكون هذه الكراهة هنا لكل الشرع؛ لأن (ما) هذه اسم موصول تعم كل الشرع، وقد يكون لبعضه، أما لكل الشرع فلا شك في كفرهم، أما لبعضه فهي محل تفصيل؛ لأنه قد يكفر بذلك وقد لا يكفر، حسب ما يكون هذا المكروه.
* طالب: فيه فرق بين أن يكره أو يشق عليه؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن الشاق عليه..
* الطالب: ويعني إنه صعب بس يشق عليه أن يفعل هذا..
* الشيخ: يشق عليه أن يفعل، لكن كراهة..
* الطالب: هذا مسلم ولا غير مسلم؟
* الشيخ: إيه، هذا مسلم، لكن الأول يبغضه يبغض هذا اللي حصل.
* الطالب: (...) السياق في الآية هنا على (...) الكفار أصلًا..
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: في الآية اللي ذكرها الأخ يعني.
* الشيخ: ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
* الطالب: على..
* الشيخ: على العموم؛ على اللي يكفرون على العموم.
* طالب: شيخ، تجد اللي يبغض اللحية (...).
* الشيخ: يعني: يلزم نفسه به، وهو ثقيل عليه، ثقيل عليه لكنه يلزم نفسه به، هذا على كل حال ناقص الإيمان؛ لأنه واجب عليه كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، ما يكفي التسليم لا بد من انتفاء الحرج، يعني: الضيق في الصدر..
* طالب: (...)
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ ولهذا هو يحاول الآن يجاهد نفسه، يجاهد نفسه على أن يفعل، وهذا يرجى له في المستقبل أن يمن الله عليه بقبول الحق والرضا به.
* طالب: شيخ، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكر أن من لا يقبل الإسلام.
* الشيخ: أيهم؟
* طالب: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ولو عمل به.
* الشيخ: والله ما يظهر لي أنه على إطلاقه إذا أبغض أي شيء، إلا إذا أبغضه لكفر به، هذا قد يكون، لكن ما أظن أن مسلم بيبغض هذا الشيء لكفر به، قد يبغضه؛ لأنه مثلًا يحجزه مثلًا عن عمل يريده، مثل لو كره الصلاة في المسجد أو صلاة الجماعة أو ما أشبه ذلك، هو ما كرههم لأنه كافر بها، لكن لأنه عنده زبائن الآن عند الدكان، ورده يفوتهم، هذا قد يقع، في الحقيقة أن المسألة ما هي على إطلاقها، ولا أظن الشيخ رحمه الله أراد الإطلاق، إلا إذا أراد الكره على أنه كافر به، يبغض الله ويقول: ويش هذا الشرع مثلًا، مثل ما يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- يكرهه ويسخر به ويحتقره فهذا نعم، هذه المسائل في الحقيقة دقيقة جدًّا، المسائل هذه دقيقة من أدق ما يكون، وقد يطلق العلماء فيها عبارات بالتحريم والتخويف، وهي في الواقع تحتاج إلى تفصيل.
* طالب: (...).
* الشيخ: إيه، لا بد من الدقة في هذا.
* طالب: بالنسبة للجهلة الذين يكرهون هذا الشيء لأنهم يظنون أنه لم يرد؟
* الشيخ: لا، هذا ما يعتبر، هذا يجب عليه أن يتعلم؛ لأنه مو مثل من علم فَكَرِهَ؛ لأنه يقول: إلى الآن ما استقر عندي أنه مما أنزل الله، نقول: هؤلاء يجب عليهم أن يتعلموا حتى يعرفوا.
* طالب: شيخ، في الجهاد ذكر الله أنه كُره؟ كيف يعنى المسألة هذه؟
* الشيخ: إيه، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة ٢١٦]، يعني: الإنسان يكره أن يقاتل خوفًا على نفسه من القتل، ما هو بيكره لأنه شرع الله ولا يبغيه، ولكن بعض الناس يختلفون، من المؤمنين من يحبون الجهاد والقتال، لكن طبيعة الإنسان بمقتضى الطبيعة يكره أن يقاتل خوفًا من أن يقتل.
* طالب: شيخ، في سورة النساء بين ذلك ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء ٧٧] فهم كرهوا شرعيته لكن مو الصحابة..
* الشيخ: إيه، الصحابة..
قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أضاف الفعل إلى نفسه؛ لأن كل شيء بقضاء الله وقدره.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ عندنا إعراب ومعنى في هذه الآية، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيُضِيعَ﴾ يسمونها؟
* طالب: لام الجحود.
* الشيخ: لام الجحود، الجحود فيه في القرآن جحود؟ جحود يعني نفي، لام النفي؛ ولهذا هذه اللام لها ضابط، وهي أن تقع بعد كون منفي، اللام التي تأتي بعد كون منفي تسمى: لام الجحود.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ وين الكون المنفي؟
* طالب: ما كان.
* الشيخ: ما كان.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧] الكون المنفي؟
* طالب: لم يكن.
* الشيخ: لم يكن الله، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.
أنا غير كائن لأعاقبك؟
* طالب: هذه ليست (...).
* الشيخ: غير (ما)، معناه النفي، غير كائن، يعني: لست كائنًا لأعذبك، هذا من جهة الإعراب.
من جهة المعنى: كل ما جاءت: ما كان الله لكذا -يعني: في القرآن- فهي للأمر الممتنع غاية الامتناع، مثل: لا ينبغي وما ينبغي، إذا جاءت (لا ينبغي) في القرآن أو (ما ينبغي)، فهي للأمر المستحيل، ما هي بالأمر الذي يفضل تركه، نحن إذا قلنا: لا ينبغي أن تفعل كذا، المعنى: المفضل أن تتركه، لكن إذا وجدتم (لا ينبغي) أو (ما ينبغي)، فالمراد أنه ممتنع، مستحيل، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس ٤٠] ممكن؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: غير ممكن، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] معناه؟ ممتنع، مستحيل، «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبِغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، المعنى: أنه مستحيل، هنا إذا قال: ما كان، أو: لم يكن، المعنى أنه غير ممكن، مستحيل.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ أي: أن هذا منتفٍ غاية الانتفاء، ومستحيل غاية الاستحالة، ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (يضيع) بمعنى: يتركه سدًى بدون مجازاة عليه، وقوله: ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ المراد به صلاتهم إلى بيت المقدس، هكذا فسره أهل العلم أن المراد بالإيمان هنا صلاتهم إلى بيت المقدس، وسميت الصلاة: إيمانًا؛ إما لأن الأعمال من الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو الصحيح، واستدلوا بهذه الآية قالوا: إن الإيمان هنا الصلاة إلى بيت المقدس، فالأعمال إيمان، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (٣٥ / ٥٨)، والطبراني في الأوسط (٩٠٠٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للطبراني.]]، فقول: لا إله إلا الله، من الأعمال، من أعمال اللسان، وقوله «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» من أعمال الجوارح، وقوله: «وَالْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»..
* طالب: من أعمال القلوب.
* الشيخ: من أعمال القلوب، كما أن الإيمان أيضًا يطلق على الاعتقاد؛ لقوله: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسِلِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٧٧٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم (٨ / ١)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ» هذا اعتقاد القلب، الإيمان عند أهل السنة والجماعة يشمل: اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح، كل الأربعة.
﴿إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس ما تضيع عند الله، حتى الذين ماتوا في الفترة ما تضيع صلاتهم، ذكر بعض المفسرين: أن سبب نزول هذه الآية: أن اليهود ساروا يقولون للمسلمين: الذين صلوا منكم إلى القبلة ضاعت صلاتهم -القبلة التي قبل التحويل- ضاعت صلاتهم وليس لهم فيها ثواب، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ إذن الإيمان في الحقيقة امتثال أمر الله ورسوله، مع أن استقبال بيت المقدس قبل أن يؤمر الناس بالتوجه إليه، وبعد أن أمروا بالانصراف عنه ليس من الشرع، وهذا كثير يراد بالشرع ما وافق الأمر، وإن كان في بعض الأحيان قد يخالف الشرع، وقد ذكرنا لذلك أمثلة كبيرة عظيمة، فالسجود لغير الله (...).
* طالب: لآدم طاعة.
* الشيخ: ولآدم تركه كفر، ترك السجود لآدم كفر، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وقتل الابن من أعظم الكبائر، وكان في حق إبراهيم؟
* طالب: من أعظم القربات.
* الشيخ: من أعظم القربات، نقول: إذن فالحقيقة أنه لا اعتبار بنوع الفعل، الاعتبار بالأمر بالفعل، أو بالنهي عنه؛ لأن الإنسان عبد.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ رؤوف فيها قراءتان، ﴿لَرَؤُفٌ﴾ بدون واو، و﴿لَرَءُوفٌ﴾ بالواو، وكلاهما قراءتان سبعيتان.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ﴾ أظن هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: أحدهما (إن)، والثاني اللام، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ﴾ و(الناس) أصله الأناس كما تقدم أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ولكنها لكثرة الاستعمال خففت بحذف الهمزة، مثل الله أصلها الإله، ولكثرة استعمالها خففت بحذف الهمزة.
وقوله: ﴿رَءُوفٌ﴾ قال العلماء: إن الرأفة أشد الرحمة، أشدها، فهي رحمة خاصة فيها شيء من اللطافة، والرحيم المتصف بالرحمة، وقالوا: إنه قدمت الرؤوف على الرحيم مع أن الرؤوف أبلغ من أجل مراعاة الفواصل، رحيم مراعاة الفواصل بها أبلغ من رؤوف.
وقوله: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يقل: لرؤوف رحمن؛ لأن هذا يتعلق بفعله، أي: برحمته، وقد ذكرنا على تفسير البسملة: أن الرحمن عائد للصفة، والرحيم عائد للفعل، فهو رحمن واسع الرحمة، ورحيم يرحم بهذه الرحمة، وهذا قريب من معنى قول بعضهم: الرحمن رحمة عامة، والرحيم رحمة خاصة.
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾.
﴿قد﴾ هنا للتحقيق، و﴿نرى﴾ فعل مضارع بمعنى الماضي هكذا؟ لأن المعنى قد رأينا تقلب وجهك في السماء، وقيل: إنه فعل مضارع لا بمعنى الماضي وإن المقصود به الاستمرار والدوام، وهو كناية عن كثرة تقليب الرسول عليه الصلاة والسلام وجهه في السماء؛ لأن (رأينا تقلب) قد لا يدل إلا على مرة واحدة، لكن (نرى) يدل على الاستمرار.
وقوله: ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ كيف تقلبه في السماء؟ نعم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع بصره إلى السماء انتظارًا لنزول جبريل لتحويل القبلة؛ لأنه كان يحب أن تكون القبلة إلى الكعبة؛ حيث إنها أول بيت وُضع للناس، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الكعبة كانت قبلة الأنبياء كلهم، وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق كان من جملة تحريفهم الذي حرفوا به دينهم، هكذا ذكره أظنه مر علي في كتاب الإيمان أو في كتاب النبوات نسيت لكنه ذكر هذا.
* طالب: (...)
* الشيخ: لا، كتاب خاص أنا رأيته قبل أن (...).
وقوله ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (في) للظرفية، ومعلوم أن وجه الرسول في بدنه، ولكن المعنى أنه ينظر في السماء، أي: في العلو.
* طالب: (في) بمعنى (إلى)؟
* الشيخ: لا، في جهة السماء، يقلبه في جهة السماء ينظر.
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ لأن ما بعدها مفرع على ما قبلها، ونولينك أي: نوجهنك، ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ وهذا التقديم ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أعطاه ما يريد، قبل أن يبين له حكمه، ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ (...).
من الناس الذين ليس عندهم حكمة ولا معرفة بأسرار شريعة الله، فيعترضون على تحويل النبي ﷺ من بيت المقدس إلى الكعبة، وأن الله تعالى رد عليهم، بل أمر نبيه أن يرد عليهم بقوله: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وأظن ذكرنا في ﴿قِبْلَتِهِمُ﴾ ثلاث قراءات.
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ولا قراءة؟
* طلبة: ولا قراءة.
* الشيخ: إلا، قراءة فيها (...).
* طلبة: (...).
* الشيخ: القراءة المشهورة ﴿قِبْلَتِهِمُ﴾ يعني: بكسر الهاء، وضم الميم، القراءة الثانية: بضم الهاء والميم ﴿قِبْلَتِهُمُ الَّتِي﴾.
* طالب: وضم التاء؟
* الشيخ: لا، بس ضم الضمير فقط، ضم الضمير بناؤه على الضم.
الشيخ: ماذا قلنا؟
* طالب: قلنا: بجواز تعليل الأحكام بالربوبية.
* الشيخ: لا، تعليل الأحكام بمقتضى الربوبية، الأحكام الشرعية بمقتضى الربوبية لإسكات الناس حتى لا يحصل منازعة، إذا قيل: لأيش كذا؟ تقول: لأن هذا الله رب يفعل ما يشاء، لماذا أحل كذا وحرم كذا؟ تقول: لأنه رب، لماذا توجه الناس من المشرق إلى المغرب، من المغرب إلى المشرق، من بيت المقدس إلى الكعبة؟ لأن ذلك بمقتضى ربوبية الله، ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة ١٤٢].
* ومن فوائد الآية: أن العدو يحتج على عدوه بما يثير نعرته، العدو عدو يحتج على العدو بما يثير نعرته ويُلزمه؛ لقوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾، ما قالوا: عن القبلة، كأنهم يقولون: كنتم تتولون ذلك، فما الذي صرفكم عنه؟ وهذا قد يثير شعور الإنسان حتى يبقى على ما هو عليه، وقال: بالأمس تختارها واليوم تنكرها وتنبذها؟ فالخصم دائمًا يُهيج خصمه يما يثير نعرته ليقيم الحجة عليه ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
* ومن فوائد الآية: عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات مشيئة الله ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقد مر علينا كثيرًا بأن كل آية فيها إثبات المشيئة فهي مقرونة بالحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مجرد مشيئة، بل هو سبحانه وتعالى ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
* ومنها: إثبات أن الهداية بيد الله ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومنها: صحة احتجاج الجبرية على القول بالجبر.
* الطلبة: لا يصح.
* الشيخ: طيب، الآية أمامنا ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
* طالب: ما (...) هذه الآية يعني بالخصوص (...).
* الشيخ: نقول: الجبرية وإن احتجوا بمثل هذه الآية فلا حجة لهم؛ لأن الاحتجاج ببعض القرآن دون بعض كفر به، قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة ٨٥]، القرآن من متكلم واحد، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فمطلقه في موضع يقيَّد في موضع آخر، ومجمله يبيَّن في موضع آخر، بل إن الرسول ﷺ يقيد القرآن ويبينه ويخصصه، واضح؟ فإذن لا دليل فيه إلا مَن نظر بعينِ أعور، الأعور ينظر من جانب العين الصحيحة، لكن من جانب العين العوراء ما يرى، والواجب أن الإنسان ينظر إلى النصوص بعينين ثاقبتين، ما هو بعين واحدة، طيب، إذن هذه الفائدة باطلة، الاحتجاج بالآية على صحة مذهب الجبرية هذا باطل، تمام؟ طيب.
* ومن فوائد الآية: الثناء على هذه الأمة لأنها التي على صراط مستقيم؛ لأن أول مَن يدخل في قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هؤلاء الأمة الذين تولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة.
* طالب: شيخ، أرأيتم تقول: الصراط أنه هو المستقيم (...) قوله: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾؟
* الشيخ: نعم هذه تذكر في التفسير.
طيب إذن من فوائدها: فضيلة هذه الأمة بأنها المهدية إلى صراط مستقيم.
* ومن فوائد الآية: أن معارضة الشرع ضلال، كما أنه سفه فهو أيضًا ضلال؛ لأن الشرع هو الصراط المستقيم، فهو الهداية وما سواه ضلال واعوجاج، نعم، وانتهى الكلام على هذه الآية.
قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن ما اختاره الله لهذه الأمة من استقبال بيته فهو من أجل كونها وسطًا، من أجل كونها وسطًا اختار الله لها أن تتولى أيش؟ المسجد الحرام؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي ومثل ذلك الاختيار لكم اخترناكم فجعلناكم أمة وسطًا.
* ومنها: فضل هذه الأمة على جميع الأمم؛ لقوله..
* طالب: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿وَسَطًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَسَطًا﴾، أي: عدلًا خيارًا.
* ومنها: عدالة هذه الأمة؛ لقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، والشهيد قوله مقبول، والمراد بالأمة هنا أمة الإجابة، ومن هنا نعرف حذق أهل الفقه حيث قالوا: إن العدل من استقام على دين الله؛ لأن هذه الأمة أمة وسط إذا كانت على دين الرسول عليه الصلاة والسلام، فتكون شهيدًا وتُقبل شهادتها إذا استقامت على هذا الدين وكانت أمة حقيقية، فعليه يؤخذ من هذا حد العدل، أن العدل من استقام على دين الله.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الأمة تشهد على الأمم يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، فإذا قال قائل: كيف تشهد وهي لم تَرَ؟
* طالب: نقول: لكنها سمعت.
* الشيخ: نعم، نقول: لكنها سمعت، سمعت عمن خبرُه أصدق من المعاينة، صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن نبينا ﷺ يكون شهيدًا علينا يوم القيامة، شهيدًا علينا بالعدالة، وقيل كما مر: شهيدًا علينا بأنه بلّغ، وأيًّا كان فإنه من فضائل هذه الأمة.
* ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
* ومنها: أنه لا رسول بعده، من أين تؤخذ؟ لأن (أل) هنا للعهد، وهو يخاطب هذه الأمة، فالرسول المعهود فيها واحد، من هو؟ الرسول ﷺ، ويلزم من ذلك أن لا يكون بعده رسول.
* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد يمتحن العباد بالأحكام الشرعية، إيجابًا أو تحريمًا أو نسخًا، من أين نأخذ؟ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، انتبه، انتبه لهذا، إن الله قد يبتليك، قد يبتليك بالمال، يعطيك مالًا ليبلوك، هل تقوم بواجبه ولّا لا، وهذه محنة؛ لأن غالب من ابتُلِي بالمال طغى وشح، طغى من وجه، وشح من وجه آخر، ثم اعتدى في تموُّل المال، فضلّ في تموله والتصرف فيه وتصريفه، مفهوم يا جماعة؟ طيب، احذر من أن الله قد ينعم عليك بالعلم، والعلم عليه ضريبة، وهي أول شيء تقوى الله وخشيته، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فإذا لم تَخْشَ الله بعلمك فاعلم أنه حجة عليك، امتحان من الله عز وجل ما هي هيّن الأمر، كذلك امتحان آخر لأهل العلم أن لا يكتموه -نسأل الله السلامة وأن يعيننا على بذله وتعليمه- أن لا يكتموه في أي مكان حيث دعت الحاجة إلى بيانه من السائل، بلسان الحال أو بلسان المقال؛ السائل بلسان المقال يجي (...) واحد يسألك، والسائل بلسان الحال أن يكون الناس في حاجة إلى بيان حكم الله في هذه المسألة، فهو وإن لم يسأل بلسان المقال ويجي يقول: وعلمني، لكن حال الناس تستدعي أن يبيَّن لهم الحق في هذا الأمر، مفهوم؟ هذه ضريبة أيضًا يجب عليك أن تنتبه لها، خشية الله بعلمك، ثانيًا: بيان ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، إذا أنعم الله عليك بعافية فهذا أيضًا ابتلاء، فالمهم أن الله يبتلي الإنسان بالأحكام الشرعية وبالقضاء الكوني، بالقضاء الشرعي وبالقضاء الكوني، ومر علينا أمثلة من الامتحان بتسهيل أسباب المعصية، يمتحن الإنسان بتسهيل أسباب المعصية له، وذكرنا مثلًا في هذه الأمة ومثلًا في بني إسرائيل؛ في بني إسرائيل في قضية السبت، حيث نُهُوا عن السمك يوم السبت، فصارت تأتيهم ﴿شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف ١٦٣]، وفي هذه الأمة ابتلاهم الله تعالى وهم مُحْرِمون بالصيد، كثير جدًّا وتناله أيديهم ورماحهم، ما يحتاج إلى سهام، يمسك الواحد الصيد بيده ولّا برمحه، (...) عليه ويأخذه، ولكن ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤]، فخافوه بالغيب ولّا لا؟ نعم، رضي الله عنهم، خافوه بالغيب، ما جاؤوه؛ لأنه حرام، فالله سبحانه وتعالى قد يمتحن الإنسان بالتكليف بالعبادة، وأعظم امتحان فيما أعلمه ما جرى لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في ذبح ابنه وحيده وثمرة فؤاده، ما له غيره، وبلغ معه السعي على أكمل ما يكون من تعلق القلب به، ليس صغيرًا فيُهجَر ولا كبيرًا فيُستَغنى عنه، ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات ١٠٢] بالمصاحبة المعية، بالمصاحبة يسعى معه ويذهب معه، وأُمِرَ بأن يذبحه، ووافق؟ وافق، الابن والأب، وأسلما لله رب العالمين، وتلَّه لجبينه على وجهه؛ لئلا يرى وجهه، أو لا يرى الولد السكين فيفزع، أمر الرسول إن صح الحديث «أَنْ تُوَارَى الشِّفَارُ عَنِ الْبَهَائِمِ فِي حَدِّهَا »[[أخرجه ابن ماجه (٣١٧٢)، وأحمد (٥٨٦٤) من حديث ابن عمر.]]، وهذه محنة عظيمة، ومع ذلك قام بها، المهم يا إخواني أن الله سبحانه تعالى قد يبتلي الإنسان بأمور كونية أو شرعية ليعلم سبحانه وتعالى؛ لأنه كما قيل: عند الامتحان يُكرم المرء أو يهان، والذهب لا يُعرف جودته إلا بعرضه على النار، والعود لا يتبين رائحته إلا بمس النار، فلا بد من شيء، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، حيث وُجِّه تَوَجَّه لا يمين ولا يسار، ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة ١٤٣] فيرجع، والعياذ بالله.
* طالب: يا شيخ، تركه (...) مثل القتل..
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: تركه لابنه ولزوجته هي محنة.
* الشيخ: إي هي محنة لكن (...)؟
* الطالب: (...) لو تارك (...) الصلاة؟
* الشيخ: لا هذا أخف بكثير.
* طالب: شيخ، هل يجوز مع بعدك عن (...)؟
* الشيخ: لا لا، ما هي أقوى من هذه، لأن هذا صبر على طاعة الله، قضية إبراهيم صبر على الطاعة وهذه صبر عن معصية.
* طالب: واحدة أكبر من (...)؟
* الشيخ: لا وهي أكبر من (...) أيضًا حتى أكبر من (...)، من حيث النوع ومن حيث الواقع؛ لأن حبس الإنسان النفس عن شهوته أهون من كونه هو يذبح ولده بيده.
* طالب: مهما بلغ من الإيمان لهذه الدرجة.
* الشيخ: يعني صعب جدًّا نسأل الله العافية، والحمد لله على كل حال.
* من فوائد الآية: أن وجوب اتباع الرسول ﷺ؛ كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُول﴾، فالله امتحن العباد ليعلم هل يتبعون الرسول، إذن فاتباع الرسول واجب وإلا لما احتيج إلى محنة الناس عليه.
* ومنها: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾، وعلم الله محيط، علم الله محيط بأيش؟ بكل شيء ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، وقد سبق لنا إشكال في هذه الآية والجواب عليه.
* ومنها: أن الردة عن الإسلام انقلاب؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، فإنها انقلاب إلى الوراء.
* ومنها: أن التقدم حقيقةً في الإسلام، وأما الرجعيون حقيقة هم المخالفون للإسلام، أليس كذلك؟ إي نعم، إحنا ما نقول هذا من عند أنفسنا أو انتصارًا لأنفسنا، نقوله من كلام الله ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، فأي واحد يقول للناس المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله: هؤلاء رجعيون، نقول: بل أنت الرجعي؛ لأن الله سمى مخالفة الرسول ﷺ انقلابًا على العقب، ولا أبْلَغ من هذا الرجوع، إن الإنسان يرجع على عقبيه هذا رجوعًا أعمى - والعياذ بالله - ما يدري أيش اللي وراه.
* ومن فوائد الآية: أن تغيير القبلة شاق، شاق إلا على طائفة معينة من الناس، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، وهذا كما مرّ علينا في التفسير يقع كثيرًا للإنسان، تشق عليه بعض الأوامر الشرعية، واجتناب بعض النواهي الشرعية تشق عليه، لكن بتمام الإيمان تزول هذه المشقة وتكون سهلة، والعلماء اختلفوا أيهما أفضل، رجل يفعل العبادة بمشقة ويترك المعصية بمشقة، وآخر يفعل العبادة بسهولة ويترك المعصية بسهولة، أيهما أفضل؟ قال بعض العلماء: الأول أفضل؛ لأنه مجاهد يجاهد نفسه، يتعب، وقال الآخرون: بل الثاني أفضل؛ لأن العبادة كأنها امتزجت بدمه ولحمه حتى صارت سجية له لا ينبسط إلا بها، فما ترون أنتم؟
* طالب: يفرَّق بين الطاعة والمعصية، في الطاعة تستطيع فعلها، لكن في المعصية تركها مع المشقة آجر، فالثاني أفضل.
* طالب: الأول له أجر المشقة.
* الشيخ: الصحيح أن يقال: أما الذي يفعلها بسهولة ويسر وانقياد فهذا أكمل حالًا بلا شك، حاله أكمل من الأول، أليس كذلك؟ لأنه مطمئن ويفرح، والثاني حاله أدنى، ولكنه يؤجر على مجاهدة نفسه على الطاعة وعلى ترك المعصية، يؤجر، لكن الأول فرق أفضل حاله على الأول أكمل بكثير؛ لأنه يعمل بنور، بنور وإيمان ويقين وثبات، على أن هذا الثاني اللي نحن قلنا: إنه مفضول وله أجر المشقة، ربما يمن الله عز وجل عليه وهو أكرم الأكرمين، حتى تكون العبادة في نفسه سهلة يفعلها بارتياح، وهذا هو معنى قول بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله[[انظر جامع معمر (٢٠٤٧٥)، والمدخل للبيهقي (٥١٩) عن معمر قال: كان يقال: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله.]]، فالإنسان قد يفعل العبادة في الأول بمشقة، ويكون عنده نوع من التعب في تنفيذها، لكن إذا علم الله من نيته صدق القصد والطلب يسّر الله له الطاعة حتى كانت سجية له.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، هذا يدل على أن هذا أكمل حال تكون حاله.
* ومن فوائد الآية: إظهار المنة، إظهار منة الله عز وجل على من هداه الله، من أين نأخذ؟
* طالب: نسب الهداية إليه.
* الشيخ: نسب الهداية إليه، ﴿لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، أتى بـ(الذين) أيضًا اسم الموصول الصريح دون (مَن)، ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، نعم وله المنة علينا والحمد لله، نسأل الله الثبات، بالهداية، الإنسان يرى أعظم منة منّ الله بها عليه أن هداه للإسلام، لا شك أنها أعظم والله من الأكل والشرب والنكاح والمسكن وكل شيء؛ لأنها حياة الدنيا والآخرة، وملاذ الدنيا هي حياة الدنيا فقط تزول، فأعظم منة مَنَّ الله بها على الإنسان أن هداه الله، وهذه يجب إن الإنسان يشعر بها لا يمنّ بدينه على ربه، بل يعتقد أن المنة لله عليه أن هداه حتى يزداد محبة لله عز وجل، كلما فعل عبادة أحب الله عز وجل؛ لتقربه بها إليه، ولأنه هو الذي هداه إليها، وكم من أناس ضلوا، أليس كذلك؟ ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، أكثر من في الأرض كلهم ضالون، فإذن يجب على الإنسان أن يشعر بهذا الشعور يا إخوان، تشعر بأن الله لما هداك للإيمان إن هذه أعظم منة منّ بها عليك، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، ولهذا قال الله للرسول ﷺ في شأن الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات ١٧]، الجواب ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات ١٧] في دعواكم أنكم مؤمنون، فاعرفوا الحقيقة، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وشوف الفضل والكرم هو الذي مَنَّ علينا بالهداية ثم يقول في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فكأننا نحن الذين أحسنا فأحسن إلينا بالجزاء، نِعَم عظيمة، مع أن له الإحسان أولًا وآخرًا، هو الذي أحسن علينا أولًا وأحسن علينا آخرًا، ولكن هذه من منّته سبحانه وتعالى ومن شكره لسعي عبده، ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، سبحان الله، أنت الذي تمن به علينا وتوفقنا له ثم تقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، هذه منة عظيمة في الحقيقة، الحمد لله، إذن ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر عمل عامل إذا كان مبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، كل عمل تعمله صادرًا عن إيمان فإنه لن يضيع، ستجده مسجلًا قولًا كان أو فعلًا أو همًّا بالقلب، «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث أبي هريرة.]] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الرؤوف والرحيم، وما تضمناه من الصفة، وهي: الرأفة والرحمة، فهذان اسمان من أسماء الله تضمنتهما هذه الآية والصفة.
وفيه أيضًا هل نقول: والأثر؟ نعم، والأثر، فإنه مر علينا أن الأسماء الحسنى إذا كانت متعدية تتضمن ثلاثة أمور: الاسم، والصفة، والأثر اللي هو الفعل، وإذا كانت غير متعدية تضمنت أمرين فقط، هما: الاسم، والصفة، فالحي يتضمن الاسم والصفة، والرحيم يتضمن الاسم والصفة والأثر اللي هو الفعل، له رحمة يرحم بها، له رحمة يرحم بها ويرسلها إلى من شاء.
* ومن فوائد الآية: إثبات عموم الرحمة لكل الناس؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وهذه عامة، لكن إن كان الناس مؤمنين كانت رحمته متصلة خاصة متصلة بالدنيا والآخرة، وإلا فإن الكفار تشملهم رحمة الله تعالى في الدنيا وعدله في الآخرة، في الآخرة يجازون بالعدل والقسط، وفي الدنيا بالفضل والإحسان، وربما يعاقبهم الله سبحانه وتعالى بالعدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾.
* طالب: من الفوائد أن العمل من الإيمان.
* الشيخ: إي نعم من فوائد الآية صح، أن العمل من الإيمان، من فوائد الآية أن العمل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِيمَانَكُمْ﴾، فإنها فُسِّرَت بالصلاة إلى بيت المقدس، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، أن العمل داخل في الإيمان، ووجه ذلك هو موجود في الأدلة الشرعية أن العمل من الإيمان، «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، هذا كلام رسول الله ﷺ، فالعمل لا شك أنه من الإيمان، لكن وجه ذلك أنه صادر عن إيمان، صادر عن الإيمان، فالإيمان هو الذي أوجده، ولهذا لا يعد عمل المنافق من الإيمان، السبب؟ عمل المنافق صلاته وذكره لله ونفقاته ما تعد من الإيمان؛ لأنه منزوع من الإيمان، ما هو صادر عن إيمان، ليس صادرًا عن الإيمان، أهل السنة والجماعة يُثبتون أن العمل من الإيمان، يوافقهم على ذلك المعتزلة والخوارج، يقولون: العمل من الإيمان، ويخالفهم في ذلك المرجئة، يقولون: العمل ليس من الإيمان، فهمتم؟ طيب، لكن أهل السنة والجماعة يفارقون المعتزلة والخوارج في أن المعتزلة والخوارج يقولون: إن العمل من الإيمان لكنه إذا فُقِد فُقِد الإيمان، ففاعل الكبيرة عندهم خارج من الإيمان، لكن المعتزلة يقولون إنه في منزلة بين المنزلتين، والخوارج يقولون: إنه كافر، وأهل السنة والجماعة يقولون: لا نسلِّم لكم هذا، فنقول: المؤمن العاصي مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو نقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو نقول هو مؤمن ناقص الإيمان، نعم.
* طالب: شيخ، يستفاد من الآية قبول شهادة الأعمى من قوله: ﴿شُهَدَاء﴾؟
* الشيخ: كل والأصم و الأخرس.
* الطالب: لا أعمى بس؟
* الشيخ: لا، لازم كله فاقد الحواس، نقول: نعم شهادة الأعمى، والأصم، والأخرس، فيما يمكنه إدراكه، فيما يمكنه إدراكه مقبولة، لكن لو يجي أعمى يقول: شهدت أني رأيت الهلال، نقبله؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تُقبل، يجي الأصم الذي ما يسمع المدفعة عند أذنه يقول: سمعت مسارّة فلان وفلان وهم جنبي؟ ما تُقبل، لكن لو يجي الأصم يقول: رأيت فلانًا يعمل كذا، وعيناه سليمتان، يُقبل، فالمهم إن الشهادة مبنية على العدالة وعلى إمكان ما شهد به، كالإدراك، لا بد من إمكان إدراكه ما شهد به، وهذا راجع إلى الأصلين في كل شيء، ترى القوة والأمانة اللي أشار الله إليهما في قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل ٣٩]، القوة والأمانة لو تأملتموها لوجدتموها في كل الأعمال، أنهما ركنان في كل عمل، فالقوة إمكان القيام بالعمل، والأمانة الثقة، فالأخيرة الأمانة ترجع إلى الدين، والقوة ترجع إلى إمكان القيام بالعمل الذي هو يدعي ممارسته.
* طالب: تدل على أن من عمل عملًا بما سمع من شريعة الله وبما علم من شريعة الله فهو مجتهد (...) مجتهد له أجر في هذا.
* الشيخ: من وين؟
* الطالب: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، الصحابة الذين ماتوا.
* الشيخ: لا؛ لأن دوله في وقت عملهم عملوا بالحق ما نُسخ.
* الطالب: قوله: ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ما يدل عليه اللفظ أو ما يدل عليه السياق أنهم ليسوا على قبلة؟
* الشيخ: إي، لأن فيها استعلاء؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، العمل بالشيء يعتبر استعلاء عليه استعلاء معنويًّا كما تقول: أنت على الحال التي أنا أخبره.
* طالب: شيخ، بالنسبة لسؤال ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، ذكرت إن الاعتراض على الشريعة من السفه وأن معارضة الشرع ضلال، مع أن الضلال داخل في السفه؟
* الشيخ: لا، السفه أخص من الضلال؛ لأن الضال قد يكون عن جهل به، عن جهل ما هو عن سفه، هناك مثلًا ضلال وهناك سفه، فالسفيه يعارض، يعني لأن السفه هو عبارة عن مخالفة الرشد، وهو يعارض مع علمه، وأما الضلال فهو عن جهل.
* طالب: (...) في إثبات الحكمة من اللام في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؟
* الشيخ: نعم، في هذه الآية أيضًا في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ إثبات الحكمة لله، إثبات الحكمة، تؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؛ لأن اللام هنا للتعليل، وهذا هو الصحيح، وقد مر علينا أن بعض النحويين يقولون: إن اللام هنا ليست للتعليل لكنها للعاقبة، بمعنى إلا لأننا قد علمنا.
* طالب: شيخ، الفاسقين من هذه الأمة الذين غير عدول هل يكونوا شهداء على الناس؟
* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر ما تُقبل شهادتهم إلا إذا ماتوا على العدالة قُبلت، أو غفر الله لهم.
* طالب: ورد حديث «إن اللعانين لا يكونون شهودًا عند الله».
* الشيخ: نعم، «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٨ / ٨٦) من حديث أبي الدرداء.]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ذكرنا فيها رأيين في التفسير، والآن ذكرنا فيها رأيين، (...) شهيدًا عليكم بتوفيقكم فتكون لكم، وذكرنا شهيدًا عليكم بإبلاغكم أنه أبلغكم، فيكون شاهدًا لنفسه على غيره.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا لا، الأولى بمعنى لكم، المعنى الأول بمعنى لكم.
﴿ ﴾
البقرة 2:144
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الفاء ذكرنا أنها للتفريع، واللام في قوله: ﴿لَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ موطئة للقسم، فالجملة إذن مؤكدة بثلاثة، بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، والنون، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، وأتى بها بصيغة التعظيم ﴿لَنُوَلِّيَنَّكَ﴾؛ لأنه سبحانه وتعالى عظيم، فالنون هنا للعظمة، وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ المعنى: فلنجعلنك تتولى قبلة، فلنجعلنك تتولى قبلة، وعلى هذا فتكون الكاف مفعولًا أول، و(قبلة) مفعولًا ثانيًا، وقيل: إن المعنى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾: فلنحولنك، وعلى هذا المعنى يكون قوله: ﴿قِبْلَةً﴾ منصوبًا بنزع الخافض، أي: فلنحولنك إلى قبلة ترضاها، مفهوم؟ وقوله: ﴿قِبْلَةً﴾ معنى القبلة الشيء الذي يُستقبل ويوليه الإنسان وجهه، وقوله: ﴿قِبْلَةً﴾ نُكِّرت للتعظيم (قبلة)، وقوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي: تطمئن إليها وتحبها وتقبلها، والرسول عليه الصلاة والسلام قَبِلَ هذا وهذا، لكنه يحب أن يُصرف إلى الكعبة.
قال الله تعالى بعد أن قدم هذه المقدمة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وَلِّهِ: اسْتَقْبِله، استقبل بوجهك، وقوله: ﴿وَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾، (وجه) مفعول أول، و(شطر) مفعول ثان، والمراد بالشطر هنا الجهة، يعني جهة المسجد الحرام، وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، المراد به أيضًا جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن مستقبلًا لها، وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾، المسجِد في الأصل مكان السجود، وقيل: إن المسجَد مكان السجود، مسجَد بالفتح، والمسجِد المكان المعد للسجود، فيكون بينهما فرق، بينهما فرق هو أن المكان المبني المعد للسجود يسمى مسجِد بالكسر، وأما المكان الذي سجدت فيه بالفعل فيسمى مسجَد، وقوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، (الحرام) صفة مشبهة من الحُرم وهو المنع، وسمي حرامًا؛ لأنه يُمنع فيه من أشياء لا تُمنع في غيره، ولأنه محترم معظم، والمراد به أيش؟ المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة وما حولها من البناء المعروف، وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، عَدَل عن قوله عن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام إلى الخطاب لأمته، فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؛ لأن خطاب النبي ﷺ خطاب له وللأمة؛ إذ إنه الإمام، والخطاب إذا وُجِّه للإمام فهو خطاب له ولأمته، ونظير ذلك أن الوزير مثلًا يقول للقائد: اتجه إلى كذا، المعنى اتجه ومن يتبعك من الجنود، فهكذا الخطاب الموجه للرسول ﷺ يكون له وللأمة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، فخاطب النبي ﷺ أولًا، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾؛ لأن الحكم له ولأمته، على أنه إن كانت هذه الآية بعد نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فإنما وجَّه الخطاب إلى الأمة؛ لأنه لا يمكن أن يقع من الرسول عليه الصلاة والسلام طلاق، قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، هذه (حيثما) ظرف مكان لكنها شرطية زيدت عليها (ما) لفظًا لا معنى للتوكيد، ويجوز في غير القرآن أن تقول: حيث كنت، ولكنها في القرآن لا تغيَّر، وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ هذا فعل الشرط، أين جواب الشرط؟
كان في مكة ومن كان (...) ومن كان بعيدًا عنها، ولهذا جاء التعبير بقوله: ﴿شَطْرَهُ﴾، أي: نحوه؛ ويشمل من كان في جوف الكعبة ولّا لا؟ نعم يشمله؛ لأنه لعموم قوله: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، إذن إذا كان في جوف الكعبة يَستقبل أمام وجهه من أي الجهات كان، أليس كذلك؟ من أي الجهات إلا أن بعض أهل العلم يقول: لا يستقبل الباب إذا كان مفتوحًا ما لم يكن له عتبة؛ لأنه لا بد من شاخص يكون بين يديه، حتى يصح أن يقال إنه ولّى وجهه شطره، طيب إذا كنا خارج البيت لكن في المسجد ندور عليه ولّا لا؟ ندور عليه؛ لأننا لو استقمنا في صف مستقيم ما ولّينا وجوهنا نحوه أي شطره، يصير من خرج عن مُسامكته ولّى وجهه جهة غيره؛ لأنه محصور الآن، وإذا ابتعدنا فإننا، بعض العلماء يقول: إن كنت في مكة فاستقبِل المسجد، وإن كنت خارج مكة فاستقبل مكة، لكن هذا تقريبي، إنما الصواب في هذه المسألة أن من أمكنه مشاهدة عين الكعبة وجب عليه استقبال العين لا يخرج عن مسامكتها، ومن لا يمكنه مشاهدتها لبُعد أو حيلولة شيء دونها استكفى بالجهة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
* طالب: وإن حال عمود يا شيخ بينهما؟
* الشيخ: لا، حال عمود يمكن أن يتجه، يعني في المسجد؟
* الطالب: عمود أو شيء موضوع (...)؟
* الشيخ: إي هذا يمكن يصيب عينها ولو حال.
* طالب: ما هو مقصود النظر المقصود الجهة.
* الشيخ: إي نعم المقصود أنك تكون أنت محاذيًا لها.
* طالب: على هذا القول ما يجوز أن يصلى فوق ظهر الكعبة؟
* الشيخ: نعم على القول بأنه لا بد من شاخص ما نصلي فوق سطحها، لكن سطحها فيه جدار، السطح فيه جدار، فيه جدار يصل إلى فوق الركبة، إي نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، ما فيه شيء أبدًا؛ ولذلك قلت لك: عتبة الباب تجزئ عند الذين يقولون: لا بد من شاخص، يقولون: عتبة الباب تجزئ.
* الطالب: (...) يصلي ولا؟
* الشيخ: لا، بس يقولون المهم أن يكون شاخص بين يديه، يعني يكون شيء مرتفع يكون بين يديه.
وقوله: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يشمل من كان في الطائرة؟ نعم، أو في الباخرة، أو في القطار، أو في السيارة فلا بد أن يستقبل القبلة، ولكن عند ذكر الفوائد سنذكر إن شاء الله ما يُستثنى من ذلك.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والمراد بالكتاب الجنس، وهو التوراة والإنجيل، والذين أوتوه هم اليهود والنصارى، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾ اللام هنا للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بـ (إنّ) واللام، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿أَنَّهُ﴾ أي: استقبالك المسجد الحرام، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، لكنهم -والعياذ بالله– يشوهوه، وإلا فهم يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيستقبل الكعبة، من أين علموا ذلك؟ مما جاء في كتبهم من وصف الرسول ﷺ، فإنهم يعلمون أن هذا النبي الأمي سوف يتجه إلى الكعبة، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾، العلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا وأيش بعد؟ مطابقًا للواقع، وقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ذكرنا أن الحق معناه الشيء الثابت، فإن أضيف إلى الخبر فهو الصدق، وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، الرب تقدمنا مرارًا وتكرارًا أنه الخالق المالك الكامل السلطان، وإنما أضاف الربوبية هنا إليهم ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ لإقامة الحجة عليهم، حيث يعترفون بربوبيته، ومن اعترف بربوبيته لزم أن يعترف بأحكامه وتصرفه؛ لأن الرب له الملك المطلق يتصرف كيف يشاء، وإلا فهو رب الجميع، لكن هذا فائدة إضافته إليهم.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هنا حجازية ولّا تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: وأيش الدليل؟
* طالب: لأنها عملت.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: وتدخل حتى التميمية.
* طالب: أقول: القرآن بقراءة الحجاز.
* الشيخ: هذه صح؛ لأن القرآن بلغة قريش، والدليل على هذا قوله في سورة يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، ولم يقل: بشرٌ، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١]، فالقرآن بلغة قريش، وقريش حجازيون ليسوا تميميين، وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾، الباء زائدةٌ إعرابًا مفيدة معنى، ما فائدتها؟
* الطلبة: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، إذن الباء حرف جر من حيث الإعراب زائد، و(غافل) خبر (ما) منصوب بها وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾ الغفلة: اللهو والسهو عن الشيء، وقوله: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) اسم موصول تفيد العموم، يعني عن أي عمل يعملونه، سواء كان عملًا قلبيًّا أم جارحيًّا، يعني أن يتعلق بالجوارح أو يتعلق بالقلوب، فيشمل الاعتقاد ويشمل القول والفعل، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يفيد التهديد لهؤلاء؛ لأن الغرض من هذه الجملة تهديدهم على مخالفتهم، حيث أنكروا ما يعلمون أنه الحق من ربهم، وهذه الصفة ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من صفات الله الإيجابية ثبوتية أو السلبية؟ السلبية المنفية، وقد ذكرنا فيما سبق أن الصفات السلبية لا يُقصد بها مجرد السلب والنفي، وإنما يقصد بها مع ذلك إثبات كمال الضد، فمثلًا ﴿مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ تستلزم كمال العلم والمراقبة لأعمالهم الذي لا يعتريها أي غفلة، وقد ذكرنا فيما سبق أن النفي المجرد لا يستلزم كمالًا؛ لأنه قد يستلزم نقصًا وقد لا يدل على مدح ولا نقص، أو نسيتم؟ مثال النفي الذي يستلزم النقص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذه ليست تستلزم الكمال، ما يمكن يكون نفي لله يستلزم النقص أبدًا، يعني نفي الغفلة ما تستلزم النقص؛ لأنه لكماله ليس بغافل، من يعرف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو نفي، نفي شيء مذموم، وهو ما يستلزم الكمال، بل هو نقص.
* طالب: قولك: الضعيف لا يظلم.
* الشيخ: ممكن.
* الطالب: ما ظلم لضعفه لأنه عاجز عن الظلم.
* طالب: من غير القرآن ولا من القرآن؟
* الشيخ: لا، من غير القرآن.
* الطالب:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
* الشيخ: صح
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
عندما أسمع هذا الكلام أقول: إن هؤلاء القوم أوفياء وغير معتدين، أوفياء لا يغدرون بذمة، غير معتدين لا يظلمون الناس، والواقع أنه وصفهم بالنقص، وصفهم بالنقص، فهمتم؟ وكذلك قول الشاعر:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْـلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السوءِإِحْسَانَاهذا يذمهم ولا يمدحهم؟
* طالب: الظاهر إنه يمدحهم.
* الشيخ: ظاهر الكلام أنه يمدحهم والواقع أنه يريد؟
* الطلبة: الذم.
* الشيخ: إي نعم، أما الذي لا يستلزم نقصًا ولا مدحًا فمثل لو قلت: جدارنا لا يظلم أحدًا، الجدار لا يظلم أحد؛ لأنه غير قابل للظلم، فنفي الظلم عنه ليس مدحًا لكن بالنسبة لله عز وجل الأمر بالعكس، كل صفة منفية عنه فإنها تستلزم كمال ضدها من المدح.
قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، في ﴿لَئِنْ﴾ أمران متنازعان: قسم وشرط؛ قسم مدلول عليه باللام؛ لأن اللام واقعة في جواب القسم المقدَّر، أي: والله لئن، الثاني المنازِع للقسم (إن) الشرطية، وكل من القسم والشرط يحتاج إلى جواب، أين الجواب في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؟ قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، هذا الجواب هل هو جواب للشرط أو جواب للقسم؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: جواب للشرط؟
* طالب: للقسم قبل الشرط.
* الشيخ: لا، هذا جواب للقسم، يقول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
والمؤخر الآن هو الشرط، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿مَا تَبِعُوا﴾ جوابًا للقسم لا محل له من الإعراب؛ لأن جملة جواب القسم ليس لها محل من الإعراب، وجواب الشرط المحذوف دل عليه جواب القسم، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ إن وأيش؟
* الطلبة: شرطية.
* الشيخ: شرطية، و ﴿أَتَيْتَ﴾ بمعنى جئت، ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: اليهود والنصارى، ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ الباء للمصاحبة، يعني مصطحبًا لكل آية، ﴿آيَةٍ﴾ أي: علامة على صدق ما أتيت به إليهم، لئن أتيتهم بكل آية تدل على صدق ما أتيت به، ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، أيّ شيء قبلته؟ الكعبة، يعني لا يتبعون هذه القبلة ولا يتولونها، لو تأتيهم بكل آية، وذلك لأنهم لا يريدون الحق، وإنما هم معاندون؛ لأن الذي يعلم الحق ولا يتبعه معاند، ما فيه فائدة، تأتيه بكل آية ما يفهم ما يقبل، وقوله: ﴿بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ قد نقول: إنهم كما لا يتبعون قبلته لا يتبعون دينه أيضًا، نعم لا يتبعون دينه؛ لأنه من لازم اتباع الدين أن يتبعوا القبلة، وقوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، قد يقول قائل: إن هذه القبلة من خصائص هذه الأمة؛ لأنه أضافها إليهم، فقال: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، ولكن الظاهر والله أعلم أن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران ٩٦].
وهكذا قال شيخ الإسلام: إن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء، لكن أتباعهم من اليهود والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة.
قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، الواو هنا واو العطف ولّا واو الاستئناف؟
* طالب: واو العطف.
* الشيخ: الواو هذه عاطفة أو استئنافية؟
* طالب: استئنافية.
* الشيخ: هذه استئنافية؛ لأننا لو جعلناها عاطفة على قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ لصار المعنى: وما أنت بتابع قبلتهم في حال إتيانك بالآيات التي تدل على صدق ما جئت به، ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبعهم مطلقًا، وهذا هو السر في التعبير والله أعلم للجملة الاسمية في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾، و(هم)، أتى بالجملة الفعلية في قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، فهم لا يتبعون قبلة الرسول، والنبي عليه الصلاة والسلام مستحيل أن يكون تابعًا لقبلتهم؛ لأن قبلتهم هذه منكرة لم يأت بها الشرع، ثم لو فُرِض أن الأديان التي هم عليها قد جاءت بهذه القبلة فإنها نُسِخَت بقبلة الإسلام، وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، وأيش اللي ناصب ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾؟
* طالب: باسم الفاعل.
* الشيخ: إي نعم، منصوبة باسم الفاعل، طيب في غير القرآن لو أضيف (بتابعِ قبلتِهم) صحَّ وكانت الإضافة لفظية.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، ﴿مَا بَعْضُهُمْ﴾، أي: الذين أوتوا الكتاب، ﴿بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، فاليهود ما تتبع قبلة النصارى، والنصارى ما تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار، واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق، ولهذا يكذِّبون عيسى ﷺ ويقولون إنه -والعياذ الله- ولد زنا، وفعلًا حاولوا قتله وشُبِّه لهم فقتلوا الشبيه، وصاروا يقولون: إننا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، يفتخرون بذلك، قتلهم الله، هؤلاء بعضهم لبعض عدو، لكنهم مع ذلك بالنسبة للمسلمين بعضهم لبعض ولي، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١]، فبعضهم يتولى بعضًا على المسلمين لكن بالنسبة لإقرار بعضهم على دين بعض لا يقرون، هؤلاء لا يقرون اليهود، وهؤلاء لا يقرون النصارى، ولهذا سبق لنا أن اليهود قالت: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣].
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، هل لكل من اليهود والنصارى قبلة ولّا لا؟
* الشيخ: إي نعم، هذه نحتاج تنبيه عليها، ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، قبلة اليهود إلى بيت المقدس، إلى الصخرة، وقبلة النصارى إلى المشرق، يتجهون نحو الشمس، فاليهود يقولون للنصارى: أنتم ضالون، والنصارى يقولون لليهود: أنتم ضالون، ولا يتبع بعضهم بعضًا في القبلة، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ نقول فيها مثل ما قلنا في ﴿ولئن أتيت﴾، ففيها قسم وشرط، والجواب للقسم ولّا للشرط؟ للقسم، وهو قوله: ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾، ولهذا لم تقترن بالفاء، ولو كانت جوابًا للشرط لوجب اقترانها بالفاء لأنها جملة اسمية، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للنبي ﷺ، و(إن) الشرطية لا تقتضي أو لا تستلزم وجود شرطها، لا تستلزم وجود الشرط، (إن) الشرطية لا تستلزم وجود الشرط، وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: هل من الممكن أن الرسول ﷺ يتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم؟ لا، ما يمكن، كيف يقول: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾، نقول: هذه لا تستلزم جواب شرطها، جواب وقوع الشرط، ما تستلزم، ألم يقل الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وهل يمكن هذا؟ لا، ألم يقل الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] وهذا يمكن ولّا لا؟ ما يمكن، إذن فالشرط المعلق بـ(إن) لا يستلزم الوقوع، ولاحظوا الفرق نحن لسنا نقول: لا يمكن وقوعه، نقول: لا يستلزم الوقوع، بمعنى أنه قد يقع في بعض الأشياء، وقد لا يقع في بعض الأشياء، ما أدري اللغة مفهومة؟ أقول: فرق بين لا يستلزم الوقوع، وبين لا يقتضي الوقوع، إذا قلنا: لا يقتضي الوقوع، هذا ليس بصحيح؛ فإن المعلق بـ(إن) قد يقع، وإذا قلنا: لا يستلزم، فالمعنى ليس بلازم الوقوع، ليس بلازم، قد يعلق بـ(إن) وهو غير ممكن، وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع (هوى)، والأصل في الهوى، الهوى بمعنى الميل، ومنه يقال للنجم: هوى، إذا مال وسقط، ويطلق الهوى في الغالب على الميل عن الحق، ويقابله الهدى، فيقال: اتَّبَعَ الهوى بعد الهدى، فهمتم؟ وهل يطلق الهوى على الهدى؟ إن صح الحديث وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥)، والبيهقي في المدخل (٢٠٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر، ولكن مع ذلك فالغالب أن الهوى يكون في الشر، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ متعلق بـ(اتبعت).
* طالب: الحديث هذا ما يصح.
* الشيخ: أقول: إن صح، إذا ما صح ما عاد يكون فيه شاهد على أن الهوى يأتي بمعنى الهدى.
* الطالب: الحديث النظر فيه من باب اللغة بغض النظر عن صحته؟
* الشيخ: لا، بس لو ما صح فإنه لا يصح أن نقول: إن الهوى يكون في الشيء المحمود؛ لأن كل ما في القرآن والسنة من ذكر الهوى فإنها في الأشياء المذمومة.
* طالب: هذا الحديث وإن كنا نقول قدح بعضهم في سنده وبعضهم حسنه، لكن شاهده من القرآن ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء ٦٥].
* الشيخ: إي هو معناه صحيح، المعنى لا شك صحيح، لكن اللفظ، طيب قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هذا متعلق بـ(اتبعت)، يعني إذا وقع هذا الاتباع بعد العلم فإنه يكون الظلم، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾، وردت في القرآن على ثلاثة أوجه: هذا أحدها، والثاني: ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد ٣٧]، والثالث: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة ١٢٠]، كذا؟ أما ﴿بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ و﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ فلا فرق بينهما، إلا أنه عبر بـ(ما) عن (الذي)، وأما ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾ فهي أبلغ من قوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ﴾، أشد؛ لأن (مِن) تدل على أنه جاءه العلم وتَمَهَّل، وحصل هذا الأمر بعد مجيء العلم، نظير ذلك - أن دخول (من) يكون أبلغ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] أشد من قوله: و(بيننا وبينك حجاب)؛ لأن (من) تدل على مسافة قبل الحجاب ثم حجاب، بخلاف (وبيننا وبينك حجاب) فهي ما تدل على هذا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، المراد بالعلم أيش؟ علم الشريعة والوحي الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿إِنَّكَ﴾ هذه جواب القسم، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (إذن)، هي (إذٍ) اللي مرت علينا بالإضافة ولّا غيرها؟
* طالب: لا، هذه ظرف.
* الشيخ: هي ظرف ما فيه شك، لكن حين قلنا: إنها (إِذْ، وإِذَنْ، وإِذَا)، وأن هذه الأدوات الثلاث تنازعت الأزمنة: (إِذْ) للماضي، و(إذَا) للمستقبل، و(إذن) للحاضر، يعني ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾ في حال اتباعك أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم، في هذه الحال ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، الله، أكده بـ(إن) و(إذن) واللام، في قوله: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وصدق الله عز وجل، اللي يتبع أهواء الضالين والمغضوب عليهم بعد ما جاءه العلم الصحيح الشرعي فهو لا شك من الظالمين، وتأمل اللطف في الخطاب للرسول ﷺ، لم يقل: إنك إذن ظالم، قال: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا لا شك أنه أيش؟ تلطف في الأسلوب؛ لأني الآن لو أقول لك: أنت رجل ظالم، أيهما أشد وقعًا، أو أن أقول: أنت من الظالمين؟ الأول أشد وقعًا، أشد وقع في النفس، ولهذا نقول: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ من باب التلطف في الأسلوب للرسول ﷺ، نظيره شوف، نظيره قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس ١ - ٣] عندما تقرأ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تظن أن العابس والمتولي مَن؟ غير الرسول عليه الصلاة والسلام، غير الرسول، تظن أنه رجل آخر، ولكن المراد به الرسول عليه الصلاة والسلام، النبي ﷺ، فعليه يكون الله عز وجل تلطف في الأسلوب بالنسبة لقوله: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن الظالمين فيها ضمير مستتر يعود على من؟ على غير الرسول، على الظالم، لكن لو قال: إنك ظالم، صار الضمير يعود عليه نفسه، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: خاص بالرسول ولّا..؟
* الشيخ: وأيش اللي خاص؟
* الطالب: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ..﴾؟
* الشيخ: لا، الرسول وغيره. وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
* طالب: شيخ، (...)؟
* الشيخ: لا، المراد الظالمين الذين لم يعدلوا في تصرفهم؛ لأن الظلم هو في الأصل النقص، وهو عدم العدل، فقد يكون يصل إلى درجة الكفر وقد لا يصل، حسب ما اتبع فيه، إن اتبعهم في أمر لا يُخرج عن الملة لم يكن خارجًا عن الملة، وإن اتبعهم في أمر يخرج صار خارجًا.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، فأين الخبر؟
* طالب: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: جملة ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾: أعطيناهم، والإيتاء هنا شرعي ولا كوني؟
* الطلبة: كوني وشرعي.
* الشيخ: نعم جامع بينهما، كونيًّا شرعيًّا؛ لأن الكتاب شرعي، والإعطاء هنا كوني، قدر الله تعالى أن ينزل عليهم الكتاب فنزل، وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، الفعل هنا ناصب مفعولين، أولهما: الهاء، والثاني: الكتاب، أصلهما المبتدأ والخبر ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إي نعم، إذن من أخوات (كسا) الذي قال فيها ابن مالك:
وَالثَّانِي مِنْهُمَا كَثَانِي اثْنَيْ كَسَا ∗∗∗ .......................
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، الضمير في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعود إلى النبي ﷺ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، الكاف للتشبيه، و(ما) مصدرية، أي؟
* طالب: أي يعلمون..
* الشيخ: لا لا، قصدي ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ﴾ الكاف؟
* الطالب: للتشبيه.
* الشيخ: للتشبيه، وهي حرف جر، و(ما)؟
* طالب: مصدرية.
* الشيخ: مصدرية، أي؟
* الطالب: يعلمون.
* الشيخ: لا، أوِّلها بمصدر، أي: كمعرفة أبنائهم، نعم، وهنا عبر بـ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ دون (يعلمونه)؛ لأن الغالب أن العلم يعبَّر به عن الأمور المعقولة التي تدرَك بالحس الباطن، والمعرفة تطلق أو يعبر بها عن الأمور المحسوسة المدركة بالحس، فأنا أقول لك: أعرفت فلانًا؟ أو أقول لك: أعلمت فلانًا، وأيش تقول؟
* الطلبة: عرفت.
* الشيخ: عرفت فلان، ما تقول: علمت، لكني أقول: أعرفت فلانًا فعلمتَ ما فعل، فهنا جعلنا العلم في الفعل، والمعرفة في الجسم، فهنا (يعرفونه) ليست بمعنى (يعلمونه)؛ لأن المعلومات تكون في المعقولات أو في الصفات، أما في الأشخاص فإنه يطلق فيها المعرفة، وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾ جمع (ابن) وخصه دون البنت؛ لأن تعلق الإنسان بالذكر أقوى من تعلقه بالأنثى فهو به أعرف، أليس كذلك؟
* طالب: ما تعم البنت؟
* الشيخ: لا الابن ما تعم البنت، الأولاد هي اللي تعم البنت والولد.
* الطالب: تغليبًا؟
* الشيخ: لا لا، ما هو تغليبًا، ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾؛ لأن تعلق الإنسان بالابن أكثر من تعلقه بالبنت، فيكون معرفته له أكثر من معرفته للبنت، واضح؟ هذا هو السبب في أنه عبر بالأبناء دون البنات.
* طالب: والبنون بردو الأولاد الذكور فقط؟
* الشيخ: لا، البنون ذكور فقط، عبر بالأبناء دون الأولاد أو دون البنات؛ لأن تعلق الإنسان بالابن الذكر أكثر من تعلقه بالبنت فيكون به أعرف، يكون به أعرف، وقد ذكر الله عن الإنسان أنه إذا بُشِّر بالأنثى ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل ٥٨]، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف ١٧]، ولهذا يجزئ في غسل بول الذكر، يجزئ فيه النضح دون بول الأنثى الصغيرة اللي ما تاكل الطعام، أو الذكر الصغير اللي ما ياكل الطعام، الذكر يجزئ فيه النضح، والأنثى لا بد فيه من الغسل، وذلك لأن الابن يُلْطَف به أكثر من البنت في الغالب، وهناك بعد علة أخرى وعلة ثالثة قرأناها في الفقه، العلة الثانية هي أن بول الذكر ينتشر؛ لأنه يخرج بارزًا بقوة فيلوث من الثياب ما هو أكثر فيشق التحرز منه، وقالوا أيضًا: إن الذكر أقوى طبيعة من الأنثى، وأنه يُلَطِّف الفضلات أكثر من تلطيف الأنثى، وقيل: لأن الأنثى خلقت من دم، والذكر من طين، لكن هذا ما هو بصحيح، إنما الاعتبارات الأولى هي أقرب، وقال بعضهم: إنه تعبدي ما نعرف الحكمة، وعلى كل حال هذه مسألة ما هي من بحثنا، إنما نقول: عبر بالأبناء لهذا السبب، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، الله أكبر، العدل في التعبير القرآني، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ﴾، يعني طائفة منهم تكتم الحق، وعُلم من ذلك أن طائفة أخرى لا تكتم الحق، وهذا هو الواقع، فإن من النصارى كالنجاشي مَن آمن، ومن اليهود كعبد الله بن سلام مَن آمن ولم يكتم الحق، لكن فريقًا منهم يكتمون الحق، أي يخفونه فلا يبينونه، ما يبينونه - والعياذ بالله - ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف إنكم تتبينون الهدى من محمد وأصحابه، إذا بيّنتموه يحاجونكم به عند الله، أفلا تعقلون؟ فهم يتواصون بالكتمان، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾، أين فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾؟
* الطلبة: الواو.
* الشيخ: الواو، يعني: يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه حق، وهذا أبلغ في الذم؛ أن يكونوا كاتمين الحق وهم يعلمون به، فيكونون قد كتموه عن علم فهم عامدون ظالمون، ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون به.
قال الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* * *
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
من هنا ابتدأ الحكم بتغيير القبلة، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات رؤية الله عز وجل، من قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾.
* ومن فوائدها: جواز النظر إلى السماء، ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، وأنه ليس سوء أدب مع الله إلا في حال الصلاة، في حال الصلاة لا يجوز أن يرفع الإنسان بصره إلى السماء.
* ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء.
أن يتوجه إلى الكعبة ولكن هل فعل؟
* الطلبة: لم يفعل.
* الشيخ: لم يفعل إلا بعد أن أمره الله به.
* ومنها: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، فإن ضمير الجمع هنا للتعظيم.
* ومنها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لقوله:﴿تَرْضَاهَا﴾ مع قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾.
* ومن الفوائد: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام لقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء، حيث عبر به عن سائر الجسم، ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه لقوله: ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وإذا ولَّى الإنسان وجهه فإنه ينظر تلقاء وجهه. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمشهور عند المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه، وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ »[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦٥٦١) من حديث ابن سيرين.]]. وقال بعض العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظر إلى موضع السجود، وأما المأموم فينظر إلى إمامه، واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري وهي:« أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَمَا صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّارُ، فقال لهم: «وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْت وَتَأَخَّرْتُ»[[أخرجه البخاري (١٢١٢) من حديث عائشة.]] وهذا دليل على أنهم يرونه.
* ومنها: أنه لما صُنع له المنبر قام يصلي عليه فكان يقوم ويركع ويرفع، فإذا أراد السجود نزل وقال: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤ / ٤٤) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] وهذا دليل على أنهم يرونه.
* ومنها أيضًا: أنهم لما أخبروا أن الرسول عليه الصلاة والسلام« كان يقرأُ في صلاةِ السِّرِّ، قيل لهم: بمَ تعرفون ذلك؟ قالوا: باضْطِرابِ لحيتِهِ »[[أخرجه البخاري (٧٤٦) من حديث خباب بن الأرت.]]. وهذه كلها في الصحيح، فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الإتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم وقد يجلس، ساهيًا مثلًا، فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به، أما الإمام والمنفرد فإنهما ينظران إلى موضع السجود، وهذا القول لا بأس به، ولا سيما إذا كان المأموم محتاجًا إلى ذلك، كما لو كان لا يسمع مثلًا فيريد أن ينظر إلى الإمام ليقتدي به أو نحو ذلك.
* طالب: إذا كان بعيدًا يلحظ عليه؟
* الشيخ: إي نعم، يلحظ عليه إن احتاج الالتفات ولا بدون التفات؟ ولقد استثنى بعض العلماء الذين يقولون إنه ينظر إلى موضع السجود استثنوا من ذلك إذا كان في التشهد فإنه ينظر إلى إشارته لقول ابن الزبير أو الزبير نسيت «كانَ لا يُجاوِزُ بصرُهُ إشارَتَهُ »[[أخرجه أبو داود (٩٩٠) من حديث عبد الله بن الزبير.]] فعند التشهد عند الإشارة تنظر إلى الأصبع.
ومنها مما يستثنى من ذلك عند بعضهم إذا كنت في المسجد الحرام، إن كنت مشاهدًا الكعبة فإنك تنظر إلى الكعبة.
ومنها: إذا كنت في خوف حولك العدو فإنك تنظر إلى جهة العدو، فهذه المسائل الثلاث التي تستثنى نقول: أما موضوع استثناء التشهد أو رفع الأصبع عند التشهد فهذا قد ورد به الحديث فهو مستثنى، وأما إذا كانت الكعبة أمامك فلا وجه له، لا وجه لكونك تشاهد الكعبة، لا سيما أن الإنسان إذا شاهد الكعبة والناس يطوفون حولها قد يحصل انشغال، وأما إذا كان في الخوف فإن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ١٠٢] وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعث طليعة فكان ينظر نحو الشعب هل جاءت طليعة أم لا[[أخرجه أبو داود (٢٥٠١)، وابن خزيمة (٤٨٦) من حديث سهل بن الحنظلية.]]، فهذا دليل على أنه ينظر في حال الخوف إلى ما يتقي به هذا الخوف، ولا حرج عليه.
* طالب: صلاة الخوف فيه ناس (...)؟
* الشيخ: (...) هذه واضحة.
وقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* من فوائد الآية: عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام؛ أي ذي الحرمة، ولهذا كان من يدخله آمنًا، وكان من يدخله يُشرع له أن يأتي بنسك إما وجوبًا وإما استحبابًا. بخلاف غيره، ولهذا كل شيء فيه آمن، كل ما فيه حياة فهو آمن حتى الجماد، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لا، حتى الجماد، الشجر، الشجر آمن ما يجوز قطعه في المسجد الحرام.
* الطالب: هو نبات؟
* الشيخ: إي، حي، هو حي ولهذا لو يبس الشجر جاز كسره ولا حرمة له.
ومنها: وجوب الاتجاه إلى القبلة في أي مكان كان الإنسان من بر أو بحر أو جو لقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ويسقط الاستقبال في مواضع منها كما مر علينا، يسقط استقبال القبلة في مواضع؟
* طالب: في صلاة التنفل في السفر إلا حيث..
* الشيخ: حيث كان وجهه، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: عند الخوف الشديد.
* الشيخ: عند الخوف الشديد إذا كان لا يمكن استقبال القبلة، والثالث؟
* طالب: إذا صار ما يدري القبلة أين.
* الشيخ: لا.
* طالب: إذا كان على راحلة في نافلة.
* الشيخ: ذكرها الأخ.
* طالب: إذا كان مريضًا.
* الشيخ: يعني عند العجز، عند العجز عن استقبال القبلة لمرض أو صلب، لو صلب عن القبلة أو نحو ذلك، والموضع الرابع، هل يمكن نجعله من هذه المواضع إذا اشتبهت عليه القبلة ولّا ما يمكن؟
* الطلبة: ما يمكن.
* الشيخ: ما يمكن؛ لأنه مأمور أن يجتهد، مأمور أن يجتهد، لكن لو أخطأ فهو معذور، وإلا فإنه لا بد أن يكون حين الصلاة يرى أن ما اتجه إليه هو الصواب، إذن فالاشتباه ما يستثنى؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما يجوز يصلي إلا وهو يعتقد أنه إلى القبلة بخلاف الذي ذكرناه قبل قليل، العاجز يعرف أن القبلة خلفه يُصلي إلى غير القبلة وهو يعرف، وكذلك في شدة الخوف، وكذلك المتنفِّل في السفر.
* طالب: القتال يا شيخ؟
* الشيخ: في شدة الخوف.
* طالب: شدة الخوف ما يدخل في العجز؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في العجز؛ لأنه قادر، يستطيع لكن خائف، يستطيع أنه يتجه ويقف لكن يخاف على نفسه، العاجز ما يقدر يتحرك ما يقدر يتجه، إذن ثلاثة أشياء تستثنى.
* ومن فوائد الآيات: أن الشرع يلاحظ اتحاد المسلمين في اتجاههم البدني كما يلاحظ اتحادهم في اتجاههم القلبي الفكري؛ لأنه يقول: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآن المسلمون في أقطاب الدنيا كلها كلهم متجهون إلى قبلة واحدة، هذا توحيد ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: توحيد، ولا سيما أنهم يتجهون هذا الاتجاه، ويتحدون هذا الاتحاد في أعظم مشعر عملي، أو في أعظم فريضة عملية وهي الصلاة، فيدل هذا على أن الشرع يراعي مراعاة تامة توحيد المسلمين في دينهم، توحيدهم في الاتجاه البدني، وكذلك في الاتجاه القلبي الفكري، وأنا عدلت عن كلمة الروحي؛ لأني ما أعتبرها؛ لأنه لا ينبغي أن نقول: روحي وجسمي، الروح والجسم شيء واحد، وتطهير الروح هو تطهير الجسم، وهذه كلمة الروح جاءت فيما يظهر من النصارى، ولهذا ما تجدها إلا في عبارات المتأخرين الذين تأثروا بالثقافة الغربية، تجدها غالبًا في كلام العلماء السابقين دائمًا يقولون: الجسم والقلب كما قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة ١٠] فجعل الشيء معلقًا بالقلب.
* طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء ٨٥]؟
* الشيخ: إي، ما هذا الذي يعنون، هم يعنون بالروح ما يتعلق بالعبادات، ما يتعلق بالعبادات هو الروح، يقولون لك: الروح، والحقيقة أن العبادات مصلحتها للبدن وللروح جميعًا، والروح من البدن والبدن منها.
* ومن فوائد الآية: عناد اليهود والنصارى، بيان عناد اليهود والنصارى لقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ولكن مع ذلك -والعياذ بالله- شنعوا على النبي عليه الصلاة والسلام تشنيعًا عظيمًا.
* ومن فوائد الآية: أن ما كان من عند الله فهو حق لقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ مضافًا إلى من؟
* الطلبة: إلى الله تعالى.
* الشيخ: إلى الله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
* ومنها: أن هؤلاء المعاندين من أهل الكتاب يعاندون مع علمهم التام ومع إقرارهم بربوبية الله، وكان عليهم حين يكونون قد أقروا بربوبية الله لهم وعلموا الحق كان عليهم أن ينقادوا له، وأن يكونوا أولى الناس باتباعه؛ لأن عندهم علمًا بذلك.
* ومنها: انتفاء غفلة الله عز وجل عن أعمالهم المتضمن لكمال علمه وإحاطته بهم، ما يكفي أن نقول: انتفاء الغفلة فقط بل نقول: المتضمن لكمال العلم والإحاطة لقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: صحة تقسيم الصفات إلى ثبوتية وسلبية؛ لأن اللي معنا هنا سلبية، فالصفات المنفية بأي أداة من أداة النفي سواء (ما) أو (ليس) أو (لا) أو (غير) أو ما أشبه ذلك فإنها من الصفات السلبية، وقد مر علينا أن الله لا ينفي عن نفسه إلا ما هو نقص، وأن كل نفي فهو متضمن لكمال ضده؛ لأنه لكمال ضده انتفى عنه هذا الشيء، فلتمام علمه وإحاطته انتفى عنه الغفلة.
* ومنها: تهديد هؤلاء المعاندين الذين أوتوا الكتاب وعلموا الحق؛ لأن قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ هذا فيه تهديد واضح.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة ١٤٥]
* طالب: (...) في الآية السابقة أن توجهه لبيت المقدس كان (...) من الله؟
* الشيخ: إي نعم، هذه الآية مرت علينا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم من قوله: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
* الطالب: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ما يستفاد أن القرآن (...)؟
* الشيخ: لا ما يستفاد، لكن يستفاد إثبات الكتب السابقة التي كانت من الرسالة.
قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسول ﷺ كان حريصًا على هداية الخلق؛ لأن قوله: ولئن أتيتهم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ دليل على أنه كان عليه الصلاة والسلام يعرض الآيات، ويبين الحقائق ولكن لا ينتفعون.
* ومنها: قوة عناد هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، وأنه مهما أوتوا من الآيات فإنهم لم ينصاعوا لها ولن يتبعوها.
* ومن فوائد الآية: وجوب الانقياد للحق إذا ظهرت آياته؛ لأن هذه الآية سيقت مساق الذم، فدل هذا على وجوب اتباع الحق إذا تبين الآيات.
* ومنها: ذم بعض المتعصبين في تقليدهم، كيف ذلك؟ لأن من المتعصبين بمذاهبهم من إذا أُتوا بكل آية ما تبعوها، وإذا أتيتهم بكلام من كلام مشايخهم قالوا: على السمع والطاعة، ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية أكثر النقول عن العلماء من الأشاعرة وغيرهم وقال: إنه ليس كل من نقلنا قوله فإننا نقول به، ولكن لما كان بعض الطوائف منتحلًا إلى إمام أو مذهب صار لو أُتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم، وهذا من الدعاء بالحكمة أن الإنسان يقنع المعارض بما لا يمكنه نفيه، ومعارضته، إذا أتى إليه بشيء من كلام مقلَّده، هو ما يمكن أن يحيد عنه، هؤلاء المتعصبون للمذاهب إذا قلنا لهم: هذا الإمام الشافعي، الإمام مالك، الإمام أحمد، الإمام أبو حنيفة، كلهم ينكرون تقليدهم مع مخالفة الكتاب والسنة، ويقولون: اضربوا بأقوالنا عرض الحائط. ولهم عبارات في هذا المعنى كثيرة، إذا كانوا هم يقولون هكذا، فهل الذين يتعصبون لهم مع مخالفة الدليل هل هم مقلدون لهم حقيقة؟
* الطلبة: كلا.
* الشيخ: كلا، ما قلدوهم حقيقة، لو قلدوهم حقيقة لكانوا إذا تبين لهم الدليل أخذوا به، لكنهم ما قلدوهم حقيقة بل تعصبوا تعصبًا لا يحمدون عليه ما دام قام الدليل، أما إذا لم يقُم الدليل عند الإنسان سواء كان ممن يطلب الدليل ويستطيع أن يعرف الحكم بالأدلة فهذا على كل حال يُعذر إذا قلد من يرى أنه أقرب إلى الحق، أما مع وضوح الدليل وبيانه فإن التقليد حرام، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن التقليد بمنزلة أكل الميتة، متى يحل؟
* الطلبة: للضرورة.
* الشيخ: للضرورة، يحل للضرورة، أما مع وجود لحم مذكّى فلا تأكل الميتة، مع وجود الدليل من الكتاب والسنة وتبينه للإنسان فإنه لا يحل له أن يقلد، ولهذا ما أمر الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤] أما إذا كنا نعلم بالبينات والزبر فلا نسألهم. نقول بالبينات والزبر.
* ومنها؛ من فوائد الآية: استحالة أن يتبع المسلم أحدًا من اليهود والنصارى، ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ ووجه الاستحالة أن الجملة هنا جاءت بالاسمية، وما أنت بتابع قبلتهم، فالمؤمن حقيقة لا يمكن أن يتابع أعداء الله، وأن يأخذ بآرائهم وأفكارهم واتجاهاتهم، وقد حمى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك غاية الحماية حيث قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٣١) من حديث عبد الله بن عمر.]] حتى نحذر ونبعد عن التشبه بأعداء الله والتقليد لهم سواء في أمور العبادة أو في أمور العادة، فإن التشبه بهم حرام وقد يؤدي إلى الكفر والشرك -والعياذ بالله- فالمهم أن قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يستفاد منه أن المؤمن لا يمكن أن يتابع هؤلاء في دينهم.
* ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضًا، بل يضلل بعضهم بعضًا، فاليهود يرون النصارى غير مسلمين، والنصارى يرون اليهود غير مسلمين أيضًا، كل منهم يضلل الآخر، لكنهم على الإسلام يد واحدة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]، هم على الإسلام يد واحدة؛ لأنهم كلهم أعداء الإسلام، وهم فيما بينهم أيضًا يُضلل بعضهم بعضًا، كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة.
* ومن فوائد الآية: أن اتباع اليهود والنصارى اتباع للهوى لا للهدى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
* ومنها أيضًا: أنهم ليسوا على هدى؛ اليهود والنصارى، حيث جعل الله تعالى ما هم عليه هوى وليس بهدى.
* ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يؤاخذ بالأمر بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة عليه لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الإنسان قد يتابع غيره جهلًا فلا يؤاخذ به، وإن كان يسمى ضالًّا لكنه ليس بظالم، ما يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه، أما من جهل الحق ولم يُوفق له فيقال: إنه ضال، لكن لا يقال: إنه ظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة.
* ومن فوائد الآية: بيان أن العلم حقيقة هو علم الشريعة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أتى بـ (أل) المفيدة للكمال ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾، ولا شك أن العلم الكامل الذي هو محل الحمد والثناء هو العلم بأي شيء؟
* الطلبة: بالشريعة.
* الشيخ: بالشريعة، ولذلك نحن نقول: إن عصر النبوة هو عصر العلم، وليس عصرنا الآن هو عصر العلم، عصرنا حقيقة هو عصر الجهل، عصر الجهل بالله وبشريعته، أما أنه هو علم بالدنيا ما هو علم؛ لأن هذا علم هل يبقى العلم هذا؟
* الطلبة: لا، يزول.
* الشيخ: يزول بزوال الدنيا، ما يبقى، لكن العلم بالشريعة يبقى؛ لأنه هو الطريق والوسيلة إلى الوصول إلى الله عز وجل وإلى دار كرامته، فهو العلم الحقيقي الباقي، ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ كثيرًا ما نسمع من يلهث يقول: هذا عصر العلم، عصر التقدم، وبعضهم يقول: عصر النور أيضًا يبالغ. هذا خطأ، نعم، نقول: عصر العلم، يجب أن يقيد، يجب أن يقيد لا بأس، الناس الآن عندهم من العلوم المادة ما ليس عند من قبلهم، لكن أن نقول: العلم اللي هو محل الثناء، العلم عند الإطلاق هو العلم الشرعي ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
* ومنها أيضًا؛ من فوائد الآية: أن الظلم والعدل وغير ذلك مقرون بالأعمال لا بالأشخاص بمعنى ليس بين الله تعالى وبين أحد من الخلق شيء يحابيه ويراعيه به، كل من خالفه فهو ظالم، ما نقول مثلًا: هذا قريب من الرسول ﷺ فتُكفّر سيئاته لقربه من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو نقول: هذا إنسان من قريش من سلالة الأشراف من سلالة بني هاشم تكفر عنه سيئاته، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول الله له: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فما بالك بمن دون الرسول ﷺ، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: يعني ما هنا أحد يحابَى من قبل الله عز وجل من أجل نسبه أو حسبه أو جاهه بين الناس، لا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
* ومن فوائد الآية: جواز التعليق على شرط لا يتحقق ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هذا أمر معلق لكنه متعلق ما يمكن يقع، لا يمكن أن يقع لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم ٣] النبي ﷺ يقول الله فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ فالذي لا ينطق عن الهوى لا يمكن أن يسأل عن الهوى، إذا كان النطق لا ينطق به عن الهوى فالعمل كذلك، فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبع أهواءهم.
* ومن فوائد الآية: تحذير الأمة من اتّباع أهواء غير المؤمنين، وجه ذلك إذا كان هذا الوصف يكون للرسول عليه الصلاة والسلام لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى، فهذا فيه التحذير أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله، وليت أننا نوقظ الأمة مما وقعت فيه الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ونبين لهم أن هذا هو الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، والظلم مرتع مبتغيه وخيم، حتى يكون الناس اتباعهم لأي شيء؟
* الطلبة: للهدى.
* الشيخ: للهدى الذي جاء به محمد ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم ٢٣].
* طالب: أقول: بناء على القاعدة أن الإنسان ما يؤاخذ إلا بعد قيام الحجة هل لنا أن نقول لعباد القبور: إنهم ضلال وليسوا بمشركين، أن نقول: فعلهم شرك ولا يؤاخذون إلا إذا أقيمت عليهم الحجة؟
* الشيخ: إلا إذا أقمت الحجة نعم؛ لكننا نعاملهم معاملة المشرك بالنسبة لعدم الصلاة عليهم مثلًا أو عدم دفنهم في قبور المسلمين وما أشبه ذلك؛ لأن ظاهرهم الآن ظاهر فعل الشرك، لكن عند الله ما نجزم بأنهم في النار، قد تكون ما قامت عليه الحجة، ثم إن هذا حقيقة بالنسبة للبلاد الإسلامية القريبة هذا شيء في ظني أنه فرض مستحيل، إنها مسألة فرضية؛ يعني عندهم من يقول: إن هذا شرك، يسمعون من يقول: هذا شرك، ما تخلو الأرض من عالم يبين الحق، مثلًا لنفرض في هذه البلاد العربية اللي فيها الآن القبور تُعبد من دون الله، يعني أتظنون أنه ليس فيهم عالم يهديهم إلى الحق؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه، فيهم علماء يبينون لهم أن هذا غلط، وأن هذا حرام، وأن هذا شرك وكفر، لكن هم يصرون؛ لأن لهم أناس يقلدونهم يرون أنهم اللي على الحق.
* طالب: يحصل عملية (...) موجّه (...)؟
* الشيخ: لا ما يمكن، الخطاب صريح ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر ٦٥] ﴿أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ صريح، وقلنا في أثناء التفسير: إن التعليق ما يجري على الوقوع، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هذا ما ممكن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، بس بالنسبة لله عند الله ما ينفعهم هذا.
* الطالب: أيش مقتضاه؟ ما هو مقتضاه؟
* الشيخ: مقتضاه أنهم أشرف الناس جنسًا؛ يعني جنس بني آدم الناس معادن، فالجنس جنس بني هاشم ثم جنس قريش، ثم جنس العرب أفضل من غيرهم باعتبار الجنس.
* الطالب: ما بيصير الثواب أكثر على العمل؟
* الشيخ: لا قد يكون الثواب أكثر، وقد يكون أقل حسب ما في قلب الإنسان من الإيمان، ولهذا لو يجي ناس من بني هاشم من بعض الصحابة نقول: ما بلغ مد أحدهم «لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[البخاري (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ له، ومسلم (٢٥٤٠ / ٢٢١) من حديث أبي هريرة.]] ولو كان من بني هاشم.
* طالب: إذن ما يستفيدون من هذا القرب؟
* الشيخ: يستفيدون قال الرسول: «خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه البخاري (٣٣٧٤) من حديث أبي هريرة.]] يستفيدون بأنهم إذا كانوا في التقوى مع غيرهم سواء فهم مقدمون في الأحكام، أما عند الله درجاتهم عند الله فالظاهر -والله أعلم- أنه يكون لهم في ذلك شرف، لكن غير مؤمن ما يستفيد من قُربه من الرسول ﷺ.
* طالب: ذكرت في كتاب (...)، أنت ذكرته في كتاب ملخص أنه يقول بتقليد (...) له من العلم بالشيء (...).
* الشيخ: آه صحيح، اللي ما يستطيع يستفيد إلى العلم بالشيء يقلد.
* الطالب: السؤال: أن عليه أن يسأل (...)؟
* الشيخ: إي، هو هذا يسأل اللي يقلد، حتى الآن الإنسان الذي يمكنه معرفة الحق بدليله من طلبة العلم أحيانًا تأتيهم مسائل ما يستطيعون أن يصلوا إلى الدليل، ما يستطيعون فما هو فرضه، تجي مسائل تتطلب العجلة وعدم التأني يعني تتطلب الحكم الفوري وأنت الإنسان ما عندك أدلة الآن والبحث عن هذه الأدلة قد يكون صعبًا بحيث تفوت المسألة قبل البت في الحكم فيها، فماذا نصنع حينئذٍ؟
* طالب: نقلد.
* الشيخ: ما لنا إلا التقليد، نشوف أقرب الناس إلى الصواب في ظننا ونقلده.
* طالب: شيخ، الرسول عليه الصلاة والسلام كيف (...) كيف أكد (...)، الجواب ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؟
* الشيخ: إي نعم، هذا أُكد لأجل التحذير للمبالغة في التحذير، ولهذا أُكّد في الحقيقة ما هو بس بـ(إن) و(اللام)، أُكّد بالقسم ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ فأصل الجملة كلها مؤكدة بالقسم، ثم جواب القسم مؤكد بـ (إن) و(اللام).
* طالب: الروح أليس نفسها هي القلب؟
* الشيخ: القلب، لا، الروح يراد بها النفس التي بها حياة الجسم، فكل ما به الحياة فهو روح، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢] فسمى الله القرآن روحًا؛ لأن به الحياة.
* الطالب: فضيلة الشيخ، كيف يكون به الحياة القلب؟
* الشيخ: إي نعم، القلب يكون به حياة، والرقبة تكون فيها حياة أيضًا لو قُطعت رقبة الإنسان ما بقي له حياة.
* الطالب: لو بحيث يعني أن الكل بيتكون من القلب يعني؟
* الشيخ: لا ما يسمى، ما أعرف أنه سمي روحًا، إنما كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]].
* طالب: شيخ، واللي في الحديث: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ»[[أخرجه البخاري (٣٣٣٦) من حديث عائشة، ومسلم (٢٦٣٨ / ١٥٩) من حديث أبي هريرة.]] (...)؟
* الشيخ: إي، هذا صحيح؛ لأن نفسك اللي في جسمك تعرف نفس الرجل الآخر من الناس بمجرد ما تقابله تألفه، وبمجرد ما تشاهده تُنكره، أهل الفسق إذا رأوا الفاسق ألفته نفوسهم، وإذا رأوا أهل الخير نكرت نكرتهم، وكذلك أهل الخير مع أهل الفسق هذا معنى قوله: «جُنْدٌ مُجَنَّدَةٌ».
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦] هذا عود على حال أو على بيان حال اليهود والنصارى، هل عنادهم عن جهل بالرسول ﷺ؟ لا، ليستفاد به قوة الإنكار عليهم؛ لأنهم كانوا يعاندون عن عِلم.
* ومن فوائد الآية: أن نبوة الرسول ﷺ ثابتة في الرسالات السابقة لقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فهو يعرف من ابنه أكثر مما يعرف من بنته.
تلطف الله في الخطاب للرسول ﷺ حين قال، بينا في التفسير ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ولم يقل: إنك ظالم؛ لأن هذه العبارة ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أرق من قوله: إنك ظالم، وذكرنا شاهدًا بينًا لذلك في تلطف الخطاب من الله جل وعلا إلى النبي ﷺ، وهو؟
* طالب: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة ٤٣].
* الشيخ: غيرها؟
* طالب: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
* الشيخ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣] ولم يقل: عبست وتوليت.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ما معنى قوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾؟ ما معنى ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾؟
* الطالب: معناه أعطيناهم.
* الشيخ: كم تنصب من مفعول؟ أين المفعول الأول؟
* الطالب: الأول الضمير، والثاني الكتاب.
* الشيخ: أين خبر المبتدأ؟ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ لأن الذين مبتدأ فأين خبره؟
* الطالب: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، أحسنت. الضمير في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعود إلى من؟
* الطالب: يعود على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
* الشيخ: الضمير في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ الهاء، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ الهاء تعود على من؟
* الطالب: على محمد ﷺ.
* الشيخ: على النبي ﷺ نعم. فيه إشكال لم يسبق له ذكر؟
* طالب: كيف هذا الإشكال؟
* الشيخ: وأيش الإشكال إنه ما سبق له ذكر الرسول ﷺ؟
* الطالب: لكنه معروف في العهد الذهني.
* الشيخ: ما في هذا الضمير.
* الطالب: مذكور في كتب (...).
* الشيخ: إي، نحن تكلمنا عن الصياغة اللي معنا الآن، سياق القرآن ما سبق ذكر للرسول ﷺ حتى نقول الضمير يرجع إليه.
* الطالب: لأن القرآن بلسان النبي ﷺ..
* طالب آخر: (...) للعلم به.
* الشيخ: إي نعم، هذا معلوم من السياق وقد نقول: إنه سبق ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣] ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة ١٤٣] ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾.
* طالب: إذا قلنا: الضمير يعود على أقرب مذكور أقرب مذكور الكتاب؟
* الشيخ: يعرفون الكتاب ويش الفائدة من معرفة كتابهم؟
* الطالب: يعرفون أنه الحق.
* الشيخ: يعرفون أن كتابهم حق؟
* الطالب: الكتاب القرآن.
* الشيخ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى بني إسرائيل يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم.
لماذا خص الأبناء؟ لماذا خص الأبناء دون البنات ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾؟
* الطالب: ما أعرف.
* الشيخ: ذكرناها في التفسير.
* طالب: يعني (...).
* الشيخ: يعني كونه يعرفه معرفة أبنائه أشد من معرفة بناته لشدة عنايته بهم، هذا قول وأيش القول الثاني؟ وأيش تقول؟
* الطالب: من باب التغليب.
* الشيخ: لا، ما فيها إلا هذا، لكن لعله يريد أن يكون كابن جني لكل مسألة قولان، ما فيها إلا هذه، خص الأبناء بالذكر لتعلق النفس بهم أكثر من تعلقها بالبنات، فيكون معرفة الإنسان لهم أكثر من معرفة البنات.
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ما موضع الجملة من الإعراب؟
* طالب: منصوب على الحال.
* الشيخ: على الحال، من أين؟
* الطالب: يعلمون (...) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: حال من الكتاب، الكتاب ما هو بعلاقة؟
* الطالب: ما هو الكتاب.
* الشيخ: وينه؟ أعطني صاحب الحال ونصّ عليه؟
* طالب: الذين، أو الواو.
* طالب آخر: حال من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾.
* الشيخ: من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾. لماذا قيد كتمانهم بالعلم؟ لأيش قيدها بالعلم قال: ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؟
(...) ومن النصارى؟
* طالب: النجاشي.
* الشيخ: النجاشي، نعم.
* طالب: ورقة.
* الشيخ: ورقة، لا، من العرب، لكنه تنصَّر.
البقرة 2:145
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الفاء ذكرنا أنها للتفريع، واللام في قوله: ﴿لَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ موطئة للقسم، فالجملة إذن مؤكدة بثلاثة، بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، والنون، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، وأتى بها بصيغة التعظيم ﴿لَنُوَلِّيَنَّكَ﴾؛ لأنه سبحانه وتعالى عظيم، فالنون هنا للعظمة، وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ المعنى: فلنجعلنك تتولى قبلة، فلنجعلنك تتولى قبلة، وعلى هذا فتكون الكاف مفعولًا أول، و(قبلة) مفعولًا ثانيًا، وقيل: إن المعنى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾: فلنحولنك، وعلى هذا المعنى يكون قوله: ﴿قِبْلَةً﴾ منصوبًا بنزع الخافض، أي: فلنحولنك إلى قبلة ترضاها، مفهوم؟ وقوله: ﴿قِبْلَةً﴾ معنى القبلة الشيء الذي يُستقبل ويوليه الإنسان وجهه، وقوله: ﴿قِبْلَةً﴾ نُكِّرت للتعظيم (قبلة)، وقوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي: تطمئن إليها وتحبها وتقبلها، والرسول عليه الصلاة والسلام قَبِلَ هذا وهذا، لكنه يحب أن يُصرف إلى الكعبة.
قال الله تعالى بعد أن قدم هذه المقدمة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وَلِّهِ: اسْتَقْبِله، استقبل بوجهك، وقوله: ﴿وَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾، (وجه) مفعول أول، و(شطر) مفعول ثان، والمراد بالشطر هنا الجهة، يعني جهة المسجد الحرام، وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، المراد به أيضًا جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن مستقبلًا لها، وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾، المسجِد في الأصل مكان السجود، وقيل: إن المسجَد مكان السجود، مسجَد بالفتح، والمسجِد المكان المعد للسجود، فيكون بينهما فرق، بينهما فرق هو أن المكان المبني المعد للسجود يسمى مسجِد بالكسر، وأما المكان الذي سجدت فيه بالفعل فيسمى مسجَد، وقوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، (الحرام) صفة مشبهة من الحُرم وهو المنع، وسمي حرامًا؛ لأنه يُمنع فيه من أشياء لا تُمنع في غيره، ولأنه محترم معظم، والمراد به أيش؟ المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة وما حولها من البناء المعروف، وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، عَدَل عن قوله عن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام إلى الخطاب لأمته، فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؛ لأن خطاب النبي ﷺ خطاب له وللأمة؛ إذ إنه الإمام، والخطاب إذا وُجِّه للإمام فهو خطاب له ولأمته، ونظير ذلك أن الوزير مثلًا يقول للقائد: اتجه إلى كذا، المعنى اتجه ومن يتبعك من الجنود، فهكذا الخطاب الموجه للرسول ﷺ يكون له وللأمة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، فخاطب النبي ﷺ أولًا، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾؛ لأن الحكم له ولأمته، على أنه إن كانت هذه الآية بعد نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فإنما وجَّه الخطاب إلى الأمة؛ لأنه لا يمكن أن يقع من الرسول عليه الصلاة والسلام طلاق، قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، هذه (حيثما) ظرف مكان لكنها شرطية زيدت عليها (ما) لفظًا لا معنى للتوكيد، ويجوز في غير القرآن أن تقول: حيث كنت، ولكنها في القرآن لا تغيَّر، وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ هذا فعل الشرط، أين جواب الشرط؟
كان في مكة ومن كان (...) ومن كان بعيدًا عنها، ولهذا جاء التعبير بقوله: ﴿شَطْرَهُ﴾، أي: نحوه؛ ويشمل من كان في جوف الكعبة ولّا لا؟ نعم يشمله؛ لأنه لعموم قوله: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، إذن إذا كان في جوف الكعبة يَستقبل أمام وجهه من أي الجهات كان، أليس كذلك؟ من أي الجهات إلا أن بعض أهل العلم يقول: لا يستقبل الباب إذا كان مفتوحًا ما لم يكن له عتبة؛ لأنه لا بد من شاخص يكون بين يديه، حتى يصح أن يقال إنه ولّى وجهه شطره، طيب إذا كنا خارج البيت لكن في المسجد ندور عليه ولّا لا؟ ندور عليه؛ لأننا لو استقمنا في صف مستقيم ما ولّينا وجوهنا نحوه أي شطره، يصير من خرج عن مُسامكته ولّى وجهه جهة غيره؛ لأنه محصور الآن، وإذا ابتعدنا فإننا، بعض العلماء يقول: إن كنت في مكة فاستقبِل المسجد، وإن كنت خارج مكة فاستقبل مكة، لكن هذا تقريبي، إنما الصواب في هذه المسألة أن من أمكنه مشاهدة عين الكعبة وجب عليه استقبال العين لا يخرج عن مسامكتها، ومن لا يمكنه مشاهدتها لبُعد أو حيلولة شيء دونها استكفى بالجهة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
* طالب: وإن حال عمود يا شيخ بينهما؟
* الشيخ: لا، حال عمود يمكن أن يتجه، يعني في المسجد؟
* الطالب: عمود أو شيء موضوع (...)؟
* الشيخ: إي هذا يمكن يصيب عينها ولو حال.
* طالب: ما هو مقصود النظر المقصود الجهة.
* الشيخ: إي نعم المقصود أنك تكون أنت محاذيًا لها.
* طالب: على هذا القول ما يجوز أن يصلى فوق ظهر الكعبة؟
* الشيخ: نعم على القول بأنه لا بد من شاخص ما نصلي فوق سطحها، لكن سطحها فيه جدار، السطح فيه جدار، فيه جدار يصل إلى فوق الركبة، إي نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، ما فيه شيء أبدًا؛ ولذلك قلت لك: عتبة الباب تجزئ عند الذين يقولون: لا بد من شاخص، يقولون: عتبة الباب تجزئ.
* الطالب: (...) يصلي ولا؟
* الشيخ: لا، بس يقولون المهم أن يكون شاخص بين يديه، يعني يكون شيء مرتفع يكون بين يديه.
وقوله: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يشمل من كان في الطائرة؟ نعم، أو في الباخرة، أو في القطار، أو في السيارة فلا بد أن يستقبل القبلة، ولكن عند ذكر الفوائد سنذكر إن شاء الله ما يُستثنى من ذلك.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والمراد بالكتاب الجنس، وهو التوراة والإنجيل، والذين أوتوه هم اليهود والنصارى، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾ اللام هنا للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بـ (إنّ) واللام، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿أَنَّهُ﴾ أي: استقبالك المسجد الحرام، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، لكنهم -والعياذ بالله– يشوهوه، وإلا فهم يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيستقبل الكعبة، من أين علموا ذلك؟ مما جاء في كتبهم من وصف الرسول ﷺ، فإنهم يعلمون أن هذا النبي الأمي سوف يتجه إلى الكعبة، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾، العلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا وأيش بعد؟ مطابقًا للواقع، وقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ذكرنا أن الحق معناه الشيء الثابت، فإن أضيف إلى الخبر فهو الصدق، وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، الرب تقدمنا مرارًا وتكرارًا أنه الخالق المالك الكامل السلطان، وإنما أضاف الربوبية هنا إليهم ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ لإقامة الحجة عليهم، حيث يعترفون بربوبيته، ومن اعترف بربوبيته لزم أن يعترف بأحكامه وتصرفه؛ لأن الرب له الملك المطلق يتصرف كيف يشاء، وإلا فهو رب الجميع، لكن هذا فائدة إضافته إليهم.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هنا حجازية ولّا تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: وأيش الدليل؟
* طالب: لأنها عملت.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: وتدخل حتى التميمية.
* طالب: أقول: القرآن بقراءة الحجاز.
* الشيخ: هذه صح؛ لأن القرآن بلغة قريش، والدليل على هذا قوله في سورة يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، ولم يقل: بشرٌ، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١]، فالقرآن بلغة قريش، وقريش حجازيون ليسوا تميميين، وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾، الباء زائدةٌ إعرابًا مفيدة معنى، ما فائدتها؟
* الطلبة: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، إذن الباء حرف جر من حيث الإعراب زائد، و(غافل) خبر (ما) منصوب بها وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾ الغفلة: اللهو والسهو عن الشيء، وقوله: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) اسم موصول تفيد العموم، يعني عن أي عمل يعملونه، سواء كان عملًا قلبيًّا أم جارحيًّا، يعني أن يتعلق بالجوارح أو يتعلق بالقلوب، فيشمل الاعتقاد ويشمل القول والفعل، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يفيد التهديد لهؤلاء؛ لأن الغرض من هذه الجملة تهديدهم على مخالفتهم، حيث أنكروا ما يعلمون أنه الحق من ربهم، وهذه الصفة ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من صفات الله الإيجابية ثبوتية أو السلبية؟ السلبية المنفية، وقد ذكرنا فيما سبق أن الصفات السلبية لا يُقصد بها مجرد السلب والنفي، وإنما يقصد بها مع ذلك إثبات كمال الضد، فمثلًا ﴿مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ تستلزم كمال العلم والمراقبة لأعمالهم الذي لا يعتريها أي غفلة، وقد ذكرنا فيما سبق أن النفي المجرد لا يستلزم كمالًا؛ لأنه قد يستلزم نقصًا وقد لا يدل على مدح ولا نقص، أو نسيتم؟ مثال النفي الذي يستلزم النقص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذه ليست تستلزم الكمال، ما يمكن يكون نفي لله يستلزم النقص أبدًا، يعني نفي الغفلة ما تستلزم النقص؛ لأنه لكماله ليس بغافل، من يعرف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو نفي، نفي شيء مذموم، وهو ما يستلزم الكمال، بل هو نقص.
* طالب: قولك: الضعيف لا يظلم.
* الشيخ: ممكن.
* الطالب: ما ظلم لضعفه لأنه عاجز عن الظلم.
* طالب: من غير القرآن ولا من القرآن؟
* الشيخ: لا، من غير القرآن.
* الطالب:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
* الشيخ: صح
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
عندما أسمع هذا الكلام أقول: إن هؤلاء القوم أوفياء وغير معتدين، أوفياء لا يغدرون بذمة، غير معتدين لا يظلمون الناس، والواقع أنه وصفهم بالنقص، وصفهم بالنقص، فهمتم؟ وكذلك قول الشاعر:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْـلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السوءِإِحْسَانَاهذا يذمهم ولا يمدحهم؟
* طالب: الظاهر إنه يمدحهم.
* الشيخ: ظاهر الكلام أنه يمدحهم والواقع أنه يريد؟
* الطلبة: الذم.
* الشيخ: إي نعم، أما الذي لا يستلزم نقصًا ولا مدحًا فمثل لو قلت: جدارنا لا يظلم أحدًا، الجدار لا يظلم أحد؛ لأنه غير قابل للظلم، فنفي الظلم عنه ليس مدحًا لكن بالنسبة لله عز وجل الأمر بالعكس، كل صفة منفية عنه فإنها تستلزم كمال ضدها من المدح.
قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، في ﴿لَئِنْ﴾ أمران متنازعان: قسم وشرط؛ قسم مدلول عليه باللام؛ لأن اللام واقعة في جواب القسم المقدَّر، أي: والله لئن، الثاني المنازِع للقسم (إن) الشرطية، وكل من القسم والشرط يحتاج إلى جواب، أين الجواب في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؟ قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، هذا الجواب هل هو جواب للشرط أو جواب للقسم؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: جواب للشرط؟
* طالب: للقسم قبل الشرط.
* الشيخ: لا، هذا جواب للقسم، يقول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
والمؤخر الآن هو الشرط، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿مَا تَبِعُوا﴾ جوابًا للقسم لا محل له من الإعراب؛ لأن جملة جواب القسم ليس لها محل من الإعراب، وجواب الشرط المحذوف دل عليه جواب القسم، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ إن وأيش؟
* الطلبة: شرطية.
* الشيخ: شرطية، و ﴿أَتَيْتَ﴾ بمعنى جئت، ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: اليهود والنصارى، ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ الباء للمصاحبة، يعني مصطحبًا لكل آية، ﴿آيَةٍ﴾ أي: علامة على صدق ما أتيت به إليهم، لئن أتيتهم بكل آية تدل على صدق ما أتيت به، ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، أيّ شيء قبلته؟ الكعبة، يعني لا يتبعون هذه القبلة ولا يتولونها، لو تأتيهم بكل آية، وذلك لأنهم لا يريدون الحق، وإنما هم معاندون؛ لأن الذي يعلم الحق ولا يتبعه معاند، ما فيه فائدة، تأتيه بكل آية ما يفهم ما يقبل، وقوله: ﴿بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ قد نقول: إنهم كما لا يتبعون قبلته لا يتبعون دينه أيضًا، نعم لا يتبعون دينه؛ لأنه من لازم اتباع الدين أن يتبعوا القبلة، وقوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، قد يقول قائل: إن هذه القبلة من خصائص هذه الأمة؛ لأنه أضافها إليهم، فقال: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، ولكن الظاهر والله أعلم أن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران ٩٦].
وهكذا قال شيخ الإسلام: إن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء، لكن أتباعهم من اليهود والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة.
قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، الواو هنا واو العطف ولّا واو الاستئناف؟
* طالب: واو العطف.
* الشيخ: الواو هذه عاطفة أو استئنافية؟
* طالب: استئنافية.
* الشيخ: هذه استئنافية؛ لأننا لو جعلناها عاطفة على قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ لصار المعنى: وما أنت بتابع قبلتهم في حال إتيانك بالآيات التي تدل على صدق ما جئت به، ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبعهم مطلقًا، وهذا هو السر في التعبير والله أعلم للجملة الاسمية في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾، و(هم)، أتى بالجملة الفعلية في قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، فهم لا يتبعون قبلة الرسول، والنبي عليه الصلاة والسلام مستحيل أن يكون تابعًا لقبلتهم؛ لأن قبلتهم هذه منكرة لم يأت بها الشرع، ثم لو فُرِض أن الأديان التي هم عليها قد جاءت بهذه القبلة فإنها نُسِخَت بقبلة الإسلام، وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، وأيش اللي ناصب ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾؟
* طالب: باسم الفاعل.
* الشيخ: إي نعم، منصوبة باسم الفاعل، طيب في غير القرآن لو أضيف (بتابعِ قبلتِهم) صحَّ وكانت الإضافة لفظية.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، ﴿مَا بَعْضُهُمْ﴾، أي: الذين أوتوا الكتاب، ﴿بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، فاليهود ما تتبع قبلة النصارى، والنصارى ما تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار، واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق، ولهذا يكذِّبون عيسى ﷺ ويقولون إنه -والعياذ الله- ولد زنا، وفعلًا حاولوا قتله وشُبِّه لهم فقتلوا الشبيه، وصاروا يقولون: إننا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، يفتخرون بذلك، قتلهم الله، هؤلاء بعضهم لبعض عدو، لكنهم مع ذلك بالنسبة للمسلمين بعضهم لبعض ولي، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١]، فبعضهم يتولى بعضًا على المسلمين لكن بالنسبة لإقرار بعضهم على دين بعض لا يقرون، هؤلاء لا يقرون اليهود، وهؤلاء لا يقرون النصارى، ولهذا سبق لنا أن اليهود قالت: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣].
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، هل لكل من اليهود والنصارى قبلة ولّا لا؟
* الشيخ: إي نعم، هذه نحتاج تنبيه عليها، ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، قبلة اليهود إلى بيت المقدس، إلى الصخرة، وقبلة النصارى إلى المشرق، يتجهون نحو الشمس، فاليهود يقولون للنصارى: أنتم ضالون، والنصارى يقولون لليهود: أنتم ضالون، ولا يتبع بعضهم بعضًا في القبلة، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ نقول فيها مثل ما قلنا في ﴿ولئن أتيت﴾، ففيها قسم وشرط، والجواب للقسم ولّا للشرط؟ للقسم، وهو قوله: ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾، ولهذا لم تقترن بالفاء، ولو كانت جوابًا للشرط لوجب اقترانها بالفاء لأنها جملة اسمية، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للنبي ﷺ، و(إن) الشرطية لا تقتضي أو لا تستلزم وجود شرطها، لا تستلزم وجود الشرط، (إن) الشرطية لا تستلزم وجود الشرط، وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: هل من الممكن أن الرسول ﷺ يتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم؟ لا، ما يمكن، كيف يقول: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾، نقول: هذه لا تستلزم جواب شرطها، جواب وقوع الشرط، ما تستلزم، ألم يقل الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وهل يمكن هذا؟ لا، ألم يقل الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] وهذا يمكن ولّا لا؟ ما يمكن، إذن فالشرط المعلق بـ(إن) لا يستلزم الوقوع، ولاحظوا الفرق نحن لسنا نقول: لا يمكن وقوعه، نقول: لا يستلزم الوقوع، بمعنى أنه قد يقع في بعض الأشياء، وقد لا يقع في بعض الأشياء، ما أدري اللغة مفهومة؟ أقول: فرق بين لا يستلزم الوقوع، وبين لا يقتضي الوقوع، إذا قلنا: لا يقتضي الوقوع، هذا ليس بصحيح؛ فإن المعلق بـ(إن) قد يقع، وإذا قلنا: لا يستلزم، فالمعنى ليس بلازم الوقوع، ليس بلازم، قد يعلق بـ(إن) وهو غير ممكن، وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع (هوى)، والأصل في الهوى، الهوى بمعنى الميل، ومنه يقال للنجم: هوى، إذا مال وسقط، ويطلق الهوى في الغالب على الميل عن الحق، ويقابله الهدى، فيقال: اتَّبَعَ الهوى بعد الهدى، فهمتم؟ وهل يطلق الهوى على الهدى؟ إن صح الحديث وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥)، والبيهقي في المدخل (٢٠٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر، ولكن مع ذلك فالغالب أن الهوى يكون في الشر، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ متعلق بـ(اتبعت).
* طالب: الحديث هذا ما يصح.
* الشيخ: أقول: إن صح، إذا ما صح ما عاد يكون فيه شاهد على أن الهوى يأتي بمعنى الهدى.
* الطالب: الحديث النظر فيه من باب اللغة بغض النظر عن صحته؟
* الشيخ: لا، بس لو ما صح فإنه لا يصح أن نقول: إن الهوى يكون في الشيء المحمود؛ لأن كل ما في القرآن والسنة من ذكر الهوى فإنها في الأشياء المذمومة.
* طالب: هذا الحديث وإن كنا نقول قدح بعضهم في سنده وبعضهم حسنه، لكن شاهده من القرآن ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء ٦٥].
* الشيخ: إي هو معناه صحيح، المعنى لا شك صحيح، لكن اللفظ، طيب قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هذا متعلق بـ(اتبعت)، يعني إذا وقع هذا الاتباع بعد العلم فإنه يكون الظلم، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾، وردت في القرآن على ثلاثة أوجه: هذا أحدها، والثاني: ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد ٣٧]، والثالث: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة ١٢٠]، كذا؟ أما ﴿بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ و﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ فلا فرق بينهما، إلا أنه عبر بـ(ما) عن (الذي)، وأما ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾ فهي أبلغ من قوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ﴾، أشد؛ لأن (مِن) تدل على أنه جاءه العلم وتَمَهَّل، وحصل هذا الأمر بعد مجيء العلم، نظير ذلك - أن دخول (من) يكون أبلغ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] أشد من قوله: و(بيننا وبينك حجاب)؛ لأن (من) تدل على مسافة قبل الحجاب ثم حجاب، بخلاف (وبيننا وبينك حجاب) فهي ما تدل على هذا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، المراد بالعلم أيش؟ علم الشريعة والوحي الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿إِنَّكَ﴾ هذه جواب القسم، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (إذن)، هي (إذٍ) اللي مرت علينا بالإضافة ولّا غيرها؟
* طالب: لا، هذه ظرف.
* الشيخ: هي ظرف ما فيه شك، لكن حين قلنا: إنها (إِذْ، وإِذَنْ، وإِذَا)، وأن هذه الأدوات الثلاث تنازعت الأزمنة: (إِذْ) للماضي، و(إذَا) للمستقبل، و(إذن) للحاضر، يعني ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾ في حال اتباعك أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم، في هذه الحال ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، الله، أكده بـ(إن) و(إذن) واللام، في قوله: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وصدق الله عز وجل، اللي يتبع أهواء الضالين والمغضوب عليهم بعد ما جاءه العلم الصحيح الشرعي فهو لا شك من الظالمين، وتأمل اللطف في الخطاب للرسول ﷺ، لم يقل: إنك إذن ظالم، قال: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا لا شك أنه أيش؟ تلطف في الأسلوب؛ لأني الآن لو أقول لك: أنت رجل ظالم، أيهما أشد وقعًا، أو أن أقول: أنت من الظالمين؟ الأول أشد وقعًا، أشد وقع في النفس، ولهذا نقول: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ من باب التلطف في الأسلوب للرسول ﷺ، نظيره شوف، نظيره قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس ١ - ٣] عندما تقرأ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تظن أن العابس والمتولي مَن؟ غير الرسول عليه الصلاة والسلام، غير الرسول، تظن أنه رجل آخر، ولكن المراد به الرسول عليه الصلاة والسلام، النبي ﷺ، فعليه يكون الله عز وجل تلطف في الأسلوب بالنسبة لقوله: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن الظالمين فيها ضمير مستتر يعود على من؟ على غير الرسول، على الظالم، لكن لو قال: إنك ظالم، صار الضمير يعود عليه نفسه، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: خاص بالرسول ولّا..؟
* الشيخ: وأيش اللي خاص؟
* الطالب: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ..﴾؟
* الشيخ: لا، الرسول وغيره. وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
* طالب: شيخ، (...)؟
* الشيخ: لا، المراد الظالمين الذين لم يعدلوا في تصرفهم؛ لأن الظلم هو في الأصل النقص، وهو عدم العدل، فقد يكون يصل إلى درجة الكفر وقد لا يصل، حسب ما اتبع فيه، إن اتبعهم في أمر لا يُخرج عن الملة لم يكن خارجًا عن الملة، وإن اتبعهم في أمر يخرج صار خارجًا.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، فأين الخبر؟
* طالب: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: جملة ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾: أعطيناهم، والإيتاء هنا شرعي ولا كوني؟
* الطلبة: كوني وشرعي.
* الشيخ: نعم جامع بينهما، كونيًّا شرعيًّا؛ لأن الكتاب شرعي، والإعطاء هنا كوني، قدر الله تعالى أن ينزل عليهم الكتاب فنزل، وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، الفعل هنا ناصب مفعولين، أولهما: الهاء، والثاني: الكتاب، أصلهما المبتدأ والخبر ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إي نعم، إذن من أخوات (كسا) الذي قال فيها ابن مالك:
وَالثَّانِي مِنْهُمَا كَثَانِي اثْنَيْ كَسَا ∗∗∗ .......................
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، الضمير في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعود إلى النبي ﷺ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، الكاف للتشبيه، و(ما) مصدرية، أي؟
* طالب: أي يعلمون..
* الشيخ: لا لا، قصدي ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ﴾ الكاف؟
* الطالب: للتشبيه.
* الشيخ: للتشبيه، وهي حرف جر، و(ما)؟
* طالب: مصدرية.
* الشيخ: مصدرية، أي؟
* الطالب: يعلمون.
* الشيخ: لا، أوِّلها بمصدر، أي: كمعرفة أبنائهم، نعم، وهنا عبر بـ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ دون (يعلمونه)؛ لأن الغالب أن العلم يعبَّر به عن الأمور المعقولة التي تدرَك بالحس الباطن، والمعرفة تطلق أو يعبر بها عن الأمور المحسوسة المدركة بالحس، فأنا أقول لك: أعرفت فلانًا؟ أو أقول لك: أعلمت فلانًا، وأيش تقول؟
* الطلبة: عرفت.
* الشيخ: عرفت فلان، ما تقول: علمت، لكني أقول: أعرفت فلانًا فعلمتَ ما فعل، فهنا جعلنا العلم في الفعل، والمعرفة في الجسم، فهنا (يعرفونه) ليست بمعنى (يعلمونه)؛ لأن المعلومات تكون في المعقولات أو في الصفات، أما في الأشخاص فإنه يطلق فيها المعرفة، وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾ جمع (ابن) وخصه دون البنت؛ لأن تعلق الإنسان بالذكر أقوى من تعلقه بالأنثى فهو به أعرف، أليس كذلك؟
* طالب: ما تعم البنت؟
* الشيخ: لا الابن ما تعم البنت، الأولاد هي اللي تعم البنت والولد.
* الطالب: تغليبًا؟
* الشيخ: لا لا، ما هو تغليبًا، ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾؛ لأن تعلق الإنسان بالابن أكثر من تعلقه بالبنت، فيكون معرفته له أكثر من معرفته للبنت، واضح؟ هذا هو السبب في أنه عبر بالأبناء دون البنات.
* طالب: والبنون بردو الأولاد الذكور فقط؟
* الشيخ: لا، البنون ذكور فقط، عبر بالأبناء دون الأولاد أو دون البنات؛ لأن تعلق الإنسان بالابن الذكر أكثر من تعلقه بالبنت فيكون به أعرف، يكون به أعرف، وقد ذكر الله عن الإنسان أنه إذا بُشِّر بالأنثى ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل ٥٨]، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف ١٧]، ولهذا يجزئ في غسل بول الذكر، يجزئ فيه النضح دون بول الأنثى الصغيرة اللي ما تاكل الطعام، أو الذكر الصغير اللي ما ياكل الطعام، الذكر يجزئ فيه النضح، والأنثى لا بد فيه من الغسل، وذلك لأن الابن يُلْطَف به أكثر من البنت في الغالب، وهناك بعد علة أخرى وعلة ثالثة قرأناها في الفقه، العلة الثانية هي أن بول الذكر ينتشر؛ لأنه يخرج بارزًا بقوة فيلوث من الثياب ما هو أكثر فيشق التحرز منه، وقالوا أيضًا: إن الذكر أقوى طبيعة من الأنثى، وأنه يُلَطِّف الفضلات أكثر من تلطيف الأنثى، وقيل: لأن الأنثى خلقت من دم، والذكر من طين، لكن هذا ما هو بصحيح، إنما الاعتبارات الأولى هي أقرب، وقال بعضهم: إنه تعبدي ما نعرف الحكمة، وعلى كل حال هذه مسألة ما هي من بحثنا، إنما نقول: عبر بالأبناء لهذا السبب، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، الله أكبر، العدل في التعبير القرآني، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ﴾، يعني طائفة منهم تكتم الحق، وعُلم من ذلك أن طائفة أخرى لا تكتم الحق، وهذا هو الواقع، فإن من النصارى كالنجاشي مَن آمن، ومن اليهود كعبد الله بن سلام مَن آمن ولم يكتم الحق، لكن فريقًا منهم يكتمون الحق، أي يخفونه فلا يبينونه، ما يبينونه - والعياذ بالله - ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف إنكم تتبينون الهدى من محمد وأصحابه، إذا بيّنتموه يحاجونكم به عند الله، أفلا تعقلون؟ فهم يتواصون بالكتمان، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾، أين فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾؟
* الطلبة: الواو.
* الشيخ: الواو، يعني: يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه حق، وهذا أبلغ في الذم؛ أن يكونوا كاتمين الحق وهم يعلمون به، فيكونون قد كتموه عن علم فهم عامدون ظالمون، ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون به.
قال الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* * *
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
من هنا ابتدأ الحكم بتغيير القبلة، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات رؤية الله عز وجل، من قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾.
* ومن فوائدها: جواز النظر إلى السماء، ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، وأنه ليس سوء أدب مع الله إلا في حال الصلاة، في حال الصلاة لا يجوز أن يرفع الإنسان بصره إلى السماء.
* ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء.
أن يتوجه إلى الكعبة ولكن هل فعل؟
* الطلبة: لم يفعل.
* الشيخ: لم يفعل إلا بعد أن أمره الله به.
* ومنها: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، فإن ضمير الجمع هنا للتعظيم.
* ومنها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لقوله:﴿تَرْضَاهَا﴾ مع قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾.
* ومن الفوائد: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام لقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء، حيث عبر به عن سائر الجسم، ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه لقوله: ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وإذا ولَّى الإنسان وجهه فإنه ينظر تلقاء وجهه. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمشهور عند المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه، وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ »[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦٥٦١) من حديث ابن سيرين.]]. وقال بعض العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظر إلى موضع السجود، وأما المأموم فينظر إلى إمامه، واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري وهي:« أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَمَا صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّارُ، فقال لهم: «وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْت وَتَأَخَّرْتُ»[[أخرجه البخاري (١٢١٢) من حديث عائشة.]] وهذا دليل على أنهم يرونه.
* ومنها: أنه لما صُنع له المنبر قام يصلي عليه فكان يقوم ويركع ويرفع، فإذا أراد السجود نزل وقال: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤ / ٤٤) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] وهذا دليل على أنهم يرونه.
* ومنها أيضًا: أنهم لما أخبروا أن الرسول عليه الصلاة والسلام« كان يقرأُ في صلاةِ السِّرِّ، قيل لهم: بمَ تعرفون ذلك؟ قالوا: باضْطِرابِ لحيتِهِ »[[أخرجه البخاري (٧٤٦) من حديث خباب بن الأرت.]]. وهذه كلها في الصحيح، فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الإتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم وقد يجلس، ساهيًا مثلًا، فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به، أما الإمام والمنفرد فإنهما ينظران إلى موضع السجود، وهذا القول لا بأس به، ولا سيما إذا كان المأموم محتاجًا إلى ذلك، كما لو كان لا يسمع مثلًا فيريد أن ينظر إلى الإمام ليقتدي به أو نحو ذلك.
* طالب: إذا كان بعيدًا يلحظ عليه؟
* الشيخ: إي نعم، يلحظ عليه إن احتاج الالتفات ولا بدون التفات؟ ولقد استثنى بعض العلماء الذين يقولون إنه ينظر إلى موضع السجود استثنوا من ذلك إذا كان في التشهد فإنه ينظر إلى إشارته لقول ابن الزبير أو الزبير نسيت «كانَ لا يُجاوِزُ بصرُهُ إشارَتَهُ »[[أخرجه أبو داود (٩٩٠) من حديث عبد الله بن الزبير.]] فعند التشهد عند الإشارة تنظر إلى الأصبع.
ومنها مما يستثنى من ذلك عند بعضهم إذا كنت في المسجد الحرام، إن كنت مشاهدًا الكعبة فإنك تنظر إلى الكعبة.
ومنها: إذا كنت في خوف حولك العدو فإنك تنظر إلى جهة العدو، فهذه المسائل الثلاث التي تستثنى نقول: أما موضوع استثناء التشهد أو رفع الأصبع عند التشهد فهذا قد ورد به الحديث فهو مستثنى، وأما إذا كانت الكعبة أمامك فلا وجه له، لا وجه لكونك تشاهد الكعبة، لا سيما أن الإنسان إذا شاهد الكعبة والناس يطوفون حولها قد يحصل انشغال، وأما إذا كان في الخوف فإن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ١٠٢] وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعث طليعة فكان ينظر نحو الشعب هل جاءت طليعة أم لا[[أخرجه أبو داود (٢٥٠١)، وابن خزيمة (٤٨٦) من حديث سهل بن الحنظلية.]]، فهذا دليل على أنه ينظر في حال الخوف إلى ما يتقي به هذا الخوف، ولا حرج عليه.
* طالب: صلاة الخوف فيه ناس (...)؟
* الشيخ: (...) هذه واضحة.
وقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* من فوائد الآية: عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام؛ أي ذي الحرمة، ولهذا كان من يدخله آمنًا، وكان من يدخله يُشرع له أن يأتي بنسك إما وجوبًا وإما استحبابًا. بخلاف غيره، ولهذا كل شيء فيه آمن، كل ما فيه حياة فهو آمن حتى الجماد، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لا، حتى الجماد، الشجر، الشجر آمن ما يجوز قطعه في المسجد الحرام.
* الطالب: هو نبات؟
* الشيخ: إي، حي، هو حي ولهذا لو يبس الشجر جاز كسره ولا حرمة له.
ومنها: وجوب الاتجاه إلى القبلة في أي مكان كان الإنسان من بر أو بحر أو جو لقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ويسقط الاستقبال في مواضع منها كما مر علينا، يسقط استقبال القبلة في مواضع؟
* طالب: في صلاة التنفل في السفر إلا حيث..
* الشيخ: حيث كان وجهه، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: عند الخوف الشديد.
* الشيخ: عند الخوف الشديد إذا كان لا يمكن استقبال القبلة، والثالث؟
* طالب: إذا صار ما يدري القبلة أين.
* الشيخ: لا.
* طالب: إذا كان على راحلة في نافلة.
* الشيخ: ذكرها الأخ.
* طالب: إذا كان مريضًا.
* الشيخ: يعني عند العجز، عند العجز عن استقبال القبلة لمرض أو صلب، لو صلب عن القبلة أو نحو ذلك، والموضع الرابع، هل يمكن نجعله من هذه المواضع إذا اشتبهت عليه القبلة ولّا ما يمكن؟
* الطلبة: ما يمكن.
* الشيخ: ما يمكن؛ لأنه مأمور أن يجتهد، مأمور أن يجتهد، لكن لو أخطأ فهو معذور، وإلا فإنه لا بد أن يكون حين الصلاة يرى أن ما اتجه إليه هو الصواب، إذن فالاشتباه ما يستثنى؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما يجوز يصلي إلا وهو يعتقد أنه إلى القبلة بخلاف الذي ذكرناه قبل قليل، العاجز يعرف أن القبلة خلفه يُصلي إلى غير القبلة وهو يعرف، وكذلك في شدة الخوف، وكذلك المتنفِّل في السفر.
* طالب: القتال يا شيخ؟
* الشيخ: في شدة الخوف.
* طالب: شدة الخوف ما يدخل في العجز؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في العجز؛ لأنه قادر، يستطيع لكن خائف، يستطيع أنه يتجه ويقف لكن يخاف على نفسه، العاجز ما يقدر يتحرك ما يقدر يتجه، إذن ثلاثة أشياء تستثنى.
* ومن فوائد الآيات: أن الشرع يلاحظ اتحاد المسلمين في اتجاههم البدني كما يلاحظ اتحادهم في اتجاههم القلبي الفكري؛ لأنه يقول: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآن المسلمون في أقطاب الدنيا كلها كلهم متجهون إلى قبلة واحدة، هذا توحيد ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: توحيد، ولا سيما أنهم يتجهون هذا الاتجاه، ويتحدون هذا الاتحاد في أعظم مشعر عملي، أو في أعظم فريضة عملية وهي الصلاة، فيدل هذا على أن الشرع يراعي مراعاة تامة توحيد المسلمين في دينهم، توحيدهم في الاتجاه البدني، وكذلك في الاتجاه القلبي الفكري، وأنا عدلت عن كلمة الروحي؛ لأني ما أعتبرها؛ لأنه لا ينبغي أن نقول: روحي وجسمي، الروح والجسم شيء واحد، وتطهير الروح هو تطهير الجسم، وهذه كلمة الروح جاءت فيما يظهر من النصارى، ولهذا ما تجدها إلا في عبارات المتأخرين الذين تأثروا بالثقافة الغربية، تجدها غالبًا في كلام العلماء السابقين دائمًا يقولون: الجسم والقلب كما قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة ١٠] فجعل الشيء معلقًا بالقلب.
* طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء ٨٥]؟
* الشيخ: إي، ما هذا الذي يعنون، هم يعنون بالروح ما يتعلق بالعبادات، ما يتعلق بالعبادات هو الروح، يقولون لك: الروح، والحقيقة أن العبادات مصلحتها للبدن وللروح جميعًا، والروح من البدن والبدن منها.
* ومن فوائد الآية: عناد اليهود والنصارى، بيان عناد اليهود والنصارى لقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ولكن مع ذلك -والعياذ بالله- شنعوا على النبي عليه الصلاة والسلام تشنيعًا عظيمًا.
* ومن فوائد الآية: أن ما كان من عند الله فهو حق لقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ مضافًا إلى من؟
* الطلبة: إلى الله تعالى.
* الشيخ: إلى الله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
* ومنها: أن هؤلاء المعاندين من أهل الكتاب يعاندون مع علمهم التام ومع إقرارهم بربوبية الله، وكان عليهم حين يكونون قد أقروا بربوبية الله لهم وعلموا الحق كان عليهم أن ينقادوا له، وأن يكونوا أولى الناس باتباعه؛ لأن عندهم علمًا بذلك.
* ومنها: انتفاء غفلة الله عز وجل عن أعمالهم المتضمن لكمال علمه وإحاطته بهم، ما يكفي أن نقول: انتفاء الغفلة فقط بل نقول: المتضمن لكمال العلم والإحاطة لقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: صحة تقسيم الصفات إلى ثبوتية وسلبية؛ لأن اللي معنا هنا سلبية، فالصفات المنفية بأي أداة من أداة النفي سواء (ما) أو (ليس) أو (لا) أو (غير) أو ما أشبه ذلك فإنها من الصفات السلبية، وقد مر علينا أن الله لا ينفي عن نفسه إلا ما هو نقص، وأن كل نفي فهو متضمن لكمال ضده؛ لأنه لكمال ضده انتفى عنه هذا الشيء، فلتمام علمه وإحاطته انتفى عنه الغفلة.
* ومنها: تهديد هؤلاء المعاندين الذين أوتوا الكتاب وعلموا الحق؛ لأن قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ هذا فيه تهديد واضح.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة ١٤٥]
* طالب: (...) في الآية السابقة أن توجهه لبيت المقدس كان (...) من الله؟
* الشيخ: إي نعم، هذه الآية مرت علينا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم من قوله: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
* الطالب: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ما يستفاد أن القرآن (...)؟
* الشيخ: لا ما يستفاد، لكن يستفاد إثبات الكتب السابقة التي كانت من الرسالة.
قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسول ﷺ كان حريصًا على هداية الخلق؛ لأن قوله: ولئن أتيتهم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ دليل على أنه كان عليه الصلاة والسلام يعرض الآيات، ويبين الحقائق ولكن لا ينتفعون.
* ومنها: قوة عناد هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، وأنه مهما أوتوا من الآيات فإنهم لم ينصاعوا لها ولن يتبعوها.
* ومن فوائد الآية: وجوب الانقياد للحق إذا ظهرت آياته؛ لأن هذه الآية سيقت مساق الذم، فدل هذا على وجوب اتباع الحق إذا تبين الآيات.
* ومنها: ذم بعض المتعصبين في تقليدهم، كيف ذلك؟ لأن من المتعصبين بمذاهبهم من إذا أُتوا بكل آية ما تبعوها، وإذا أتيتهم بكلام من كلام مشايخهم قالوا: على السمع والطاعة، ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية أكثر النقول عن العلماء من الأشاعرة وغيرهم وقال: إنه ليس كل من نقلنا قوله فإننا نقول به، ولكن لما كان بعض الطوائف منتحلًا إلى إمام أو مذهب صار لو أُتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم، وهذا من الدعاء بالحكمة أن الإنسان يقنع المعارض بما لا يمكنه نفيه، ومعارضته، إذا أتى إليه بشيء من كلام مقلَّده، هو ما يمكن أن يحيد عنه، هؤلاء المتعصبون للمذاهب إذا قلنا لهم: هذا الإمام الشافعي، الإمام مالك، الإمام أحمد، الإمام أبو حنيفة، كلهم ينكرون تقليدهم مع مخالفة الكتاب والسنة، ويقولون: اضربوا بأقوالنا عرض الحائط. ولهم عبارات في هذا المعنى كثيرة، إذا كانوا هم يقولون هكذا، فهل الذين يتعصبون لهم مع مخالفة الدليل هل هم مقلدون لهم حقيقة؟
* الطلبة: كلا.
* الشيخ: كلا، ما قلدوهم حقيقة، لو قلدوهم حقيقة لكانوا إذا تبين لهم الدليل أخذوا به، لكنهم ما قلدوهم حقيقة بل تعصبوا تعصبًا لا يحمدون عليه ما دام قام الدليل، أما إذا لم يقُم الدليل عند الإنسان سواء كان ممن يطلب الدليل ويستطيع أن يعرف الحكم بالأدلة فهذا على كل حال يُعذر إذا قلد من يرى أنه أقرب إلى الحق، أما مع وضوح الدليل وبيانه فإن التقليد حرام، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن التقليد بمنزلة أكل الميتة، متى يحل؟
* الطلبة: للضرورة.
* الشيخ: للضرورة، يحل للضرورة، أما مع وجود لحم مذكّى فلا تأكل الميتة، مع وجود الدليل من الكتاب والسنة وتبينه للإنسان فإنه لا يحل له أن يقلد، ولهذا ما أمر الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤] أما إذا كنا نعلم بالبينات والزبر فلا نسألهم. نقول بالبينات والزبر.
* ومنها؛ من فوائد الآية: استحالة أن يتبع المسلم أحدًا من اليهود والنصارى، ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ ووجه الاستحالة أن الجملة هنا جاءت بالاسمية، وما أنت بتابع قبلتهم، فالمؤمن حقيقة لا يمكن أن يتابع أعداء الله، وأن يأخذ بآرائهم وأفكارهم واتجاهاتهم، وقد حمى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك غاية الحماية حيث قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٣١) من حديث عبد الله بن عمر.]] حتى نحذر ونبعد عن التشبه بأعداء الله والتقليد لهم سواء في أمور العبادة أو في أمور العادة، فإن التشبه بهم حرام وقد يؤدي إلى الكفر والشرك -والعياذ بالله- فالمهم أن قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يستفاد منه أن المؤمن لا يمكن أن يتابع هؤلاء في دينهم.
* ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضًا، بل يضلل بعضهم بعضًا، فاليهود يرون النصارى غير مسلمين، والنصارى يرون اليهود غير مسلمين أيضًا، كل منهم يضلل الآخر، لكنهم على الإسلام يد واحدة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]، هم على الإسلام يد واحدة؛ لأنهم كلهم أعداء الإسلام، وهم فيما بينهم أيضًا يُضلل بعضهم بعضًا، كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة.
* ومن فوائد الآية: أن اتباع اليهود والنصارى اتباع للهوى لا للهدى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
* ومنها أيضًا: أنهم ليسوا على هدى؛ اليهود والنصارى، حيث جعل الله تعالى ما هم عليه هوى وليس بهدى.
* ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يؤاخذ بالأمر بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة عليه لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الإنسان قد يتابع غيره جهلًا فلا يؤاخذ به، وإن كان يسمى ضالًّا لكنه ليس بظالم، ما يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه، أما من جهل الحق ولم يُوفق له فيقال: إنه ضال، لكن لا يقال: إنه ظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة.
* ومن فوائد الآية: بيان أن العلم حقيقة هو علم الشريعة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أتى بـ (أل) المفيدة للكمال ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾، ولا شك أن العلم الكامل الذي هو محل الحمد والثناء هو العلم بأي شيء؟
* الطلبة: بالشريعة.
* الشيخ: بالشريعة، ولذلك نحن نقول: إن عصر النبوة هو عصر العلم، وليس عصرنا الآن هو عصر العلم، عصرنا حقيقة هو عصر الجهل، عصر الجهل بالله وبشريعته، أما أنه هو علم بالدنيا ما هو علم؛ لأن هذا علم هل يبقى العلم هذا؟
* الطلبة: لا، يزول.
* الشيخ: يزول بزوال الدنيا، ما يبقى، لكن العلم بالشريعة يبقى؛ لأنه هو الطريق والوسيلة إلى الوصول إلى الله عز وجل وإلى دار كرامته، فهو العلم الحقيقي الباقي، ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ كثيرًا ما نسمع من يلهث يقول: هذا عصر العلم، عصر التقدم، وبعضهم يقول: عصر النور أيضًا يبالغ. هذا خطأ، نعم، نقول: عصر العلم، يجب أن يقيد، يجب أن يقيد لا بأس، الناس الآن عندهم من العلوم المادة ما ليس عند من قبلهم، لكن أن نقول: العلم اللي هو محل الثناء، العلم عند الإطلاق هو العلم الشرعي ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
* ومنها أيضًا؛ من فوائد الآية: أن الظلم والعدل وغير ذلك مقرون بالأعمال لا بالأشخاص بمعنى ليس بين الله تعالى وبين أحد من الخلق شيء يحابيه ويراعيه به، كل من خالفه فهو ظالم، ما نقول مثلًا: هذا قريب من الرسول ﷺ فتُكفّر سيئاته لقربه من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو نقول: هذا إنسان من قريش من سلالة الأشراف من سلالة بني هاشم تكفر عنه سيئاته، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول الله له: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فما بالك بمن دون الرسول ﷺ، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: يعني ما هنا أحد يحابَى من قبل الله عز وجل من أجل نسبه أو حسبه أو جاهه بين الناس، لا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
* ومن فوائد الآية: جواز التعليق على شرط لا يتحقق ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هذا أمر معلق لكنه متعلق ما يمكن يقع، لا يمكن أن يقع لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم ٣] النبي ﷺ يقول الله فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ فالذي لا ينطق عن الهوى لا يمكن أن يسأل عن الهوى، إذا كان النطق لا ينطق به عن الهوى فالعمل كذلك، فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبع أهواءهم.
* ومن فوائد الآية: تحذير الأمة من اتّباع أهواء غير المؤمنين، وجه ذلك إذا كان هذا الوصف يكون للرسول عليه الصلاة والسلام لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى، فهذا فيه التحذير أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله، وليت أننا نوقظ الأمة مما وقعت فيه الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ونبين لهم أن هذا هو الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، والظلم مرتع مبتغيه وخيم، حتى يكون الناس اتباعهم لأي شيء؟
* الطلبة: للهدى.
* الشيخ: للهدى الذي جاء به محمد ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم ٢٣].
* طالب: أقول: بناء على القاعدة أن الإنسان ما يؤاخذ إلا بعد قيام الحجة هل لنا أن نقول لعباد القبور: إنهم ضلال وليسوا بمشركين، أن نقول: فعلهم شرك ولا يؤاخذون إلا إذا أقيمت عليهم الحجة؟
* الشيخ: إلا إذا أقمت الحجة نعم؛ لكننا نعاملهم معاملة المشرك بالنسبة لعدم الصلاة عليهم مثلًا أو عدم دفنهم في قبور المسلمين وما أشبه ذلك؛ لأن ظاهرهم الآن ظاهر فعل الشرك، لكن عند الله ما نجزم بأنهم في النار، قد تكون ما قامت عليه الحجة، ثم إن هذا حقيقة بالنسبة للبلاد الإسلامية القريبة هذا شيء في ظني أنه فرض مستحيل، إنها مسألة فرضية؛ يعني عندهم من يقول: إن هذا شرك، يسمعون من يقول: هذا شرك، ما تخلو الأرض من عالم يبين الحق، مثلًا لنفرض في هذه البلاد العربية اللي فيها الآن القبور تُعبد من دون الله، يعني أتظنون أنه ليس فيهم عالم يهديهم إلى الحق؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه، فيهم علماء يبينون لهم أن هذا غلط، وأن هذا حرام، وأن هذا شرك وكفر، لكن هم يصرون؛ لأن لهم أناس يقلدونهم يرون أنهم اللي على الحق.
* طالب: يحصل عملية (...) موجّه (...)؟
* الشيخ: لا ما يمكن، الخطاب صريح ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر ٦٥] ﴿أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ صريح، وقلنا في أثناء التفسير: إن التعليق ما يجري على الوقوع، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هذا ما ممكن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، بس بالنسبة لله عند الله ما ينفعهم هذا.
* الطالب: أيش مقتضاه؟ ما هو مقتضاه؟
* الشيخ: مقتضاه أنهم أشرف الناس جنسًا؛ يعني جنس بني آدم الناس معادن، فالجنس جنس بني هاشم ثم جنس قريش، ثم جنس العرب أفضل من غيرهم باعتبار الجنس.
* الطالب: ما بيصير الثواب أكثر على العمل؟
* الشيخ: لا قد يكون الثواب أكثر، وقد يكون أقل حسب ما في قلب الإنسان من الإيمان، ولهذا لو يجي ناس من بني هاشم من بعض الصحابة نقول: ما بلغ مد أحدهم «لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[البخاري (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ له، ومسلم (٢٥٤٠ / ٢٢١) من حديث أبي هريرة.]] ولو كان من بني هاشم.
* طالب: إذن ما يستفيدون من هذا القرب؟
* الشيخ: يستفيدون قال الرسول: «خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه البخاري (٣٣٧٤) من حديث أبي هريرة.]] يستفيدون بأنهم إذا كانوا في التقوى مع غيرهم سواء فهم مقدمون في الأحكام، أما عند الله درجاتهم عند الله فالظاهر -والله أعلم- أنه يكون لهم في ذلك شرف، لكن غير مؤمن ما يستفيد من قُربه من الرسول ﷺ.
* طالب: ذكرت في كتاب (...)، أنت ذكرته في كتاب ملخص أنه يقول بتقليد (...) له من العلم بالشيء (...).
* الشيخ: آه صحيح، اللي ما يستطيع يستفيد إلى العلم بالشيء يقلد.
* الطالب: السؤال: أن عليه أن يسأل (...)؟
* الشيخ: إي، هو هذا يسأل اللي يقلد، حتى الآن الإنسان الذي يمكنه معرفة الحق بدليله من طلبة العلم أحيانًا تأتيهم مسائل ما يستطيعون أن يصلوا إلى الدليل، ما يستطيعون فما هو فرضه، تجي مسائل تتطلب العجلة وعدم التأني يعني تتطلب الحكم الفوري وأنت الإنسان ما عندك أدلة الآن والبحث عن هذه الأدلة قد يكون صعبًا بحيث تفوت المسألة قبل البت في الحكم فيها، فماذا نصنع حينئذٍ؟
* طالب: نقلد.
* الشيخ: ما لنا إلا التقليد، نشوف أقرب الناس إلى الصواب في ظننا ونقلده.
* طالب: شيخ، الرسول عليه الصلاة والسلام كيف (...) كيف أكد (...)، الجواب ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؟
* الشيخ: إي نعم، هذا أُكد لأجل التحذير للمبالغة في التحذير، ولهذا أُكّد في الحقيقة ما هو بس بـ(إن) و(اللام)، أُكّد بالقسم ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ فأصل الجملة كلها مؤكدة بالقسم، ثم جواب القسم مؤكد بـ (إن) و(اللام).
* طالب: الروح أليس نفسها هي القلب؟
* الشيخ: القلب، لا، الروح يراد بها النفس التي بها حياة الجسم، فكل ما به الحياة فهو روح، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢] فسمى الله القرآن روحًا؛ لأن به الحياة.
* الطالب: فضيلة الشيخ، كيف يكون به الحياة القلب؟
* الشيخ: إي نعم، القلب يكون به حياة، والرقبة تكون فيها حياة أيضًا لو قُطعت رقبة الإنسان ما بقي له حياة.
* الطالب: لو بحيث يعني أن الكل بيتكون من القلب يعني؟
* الشيخ: لا ما يسمى، ما أعرف أنه سمي روحًا، إنما كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]].
* طالب: شيخ، واللي في الحديث: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ»[[أخرجه البخاري (٣٣٣٦) من حديث عائشة، ومسلم (٢٦٣٨ / ١٥٩) من حديث أبي هريرة.]] (...)؟
* الشيخ: إي، هذا صحيح؛ لأن نفسك اللي في جسمك تعرف نفس الرجل الآخر من الناس بمجرد ما تقابله تألفه، وبمجرد ما تشاهده تُنكره، أهل الفسق إذا رأوا الفاسق ألفته نفوسهم، وإذا رأوا أهل الخير نكرت نكرتهم، وكذلك أهل الخير مع أهل الفسق هذا معنى قوله: «جُنْدٌ مُجَنَّدَةٌ».
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦] هذا عود على حال أو على بيان حال اليهود والنصارى، هل عنادهم عن جهل بالرسول ﷺ؟ لا، ليستفاد به قوة الإنكار عليهم؛ لأنهم كانوا يعاندون عن عِلم.
* ومن فوائد الآية: أن نبوة الرسول ﷺ ثابتة في الرسالات السابقة لقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فهو يعرف من ابنه أكثر مما يعرف من بنته.
تلطف الله في الخطاب للرسول ﷺ حين قال، بينا في التفسير ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ولم يقل: إنك ظالم؛ لأن هذه العبارة ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أرق من قوله: إنك ظالم، وذكرنا شاهدًا بينًا لذلك في تلطف الخطاب من الله جل وعلا إلى النبي ﷺ، وهو؟
* طالب: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة ٤٣].
* الشيخ: غيرها؟
* طالب: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
* الشيخ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣] ولم يقل: عبست وتوليت.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ما معنى قوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾؟ ما معنى ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾؟
* الطالب: معناه أعطيناهم.
* الشيخ: كم تنصب من مفعول؟ أين المفعول الأول؟
* الطالب: الأول الضمير، والثاني الكتاب.
* الشيخ: أين خبر المبتدأ؟ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ لأن الذين مبتدأ فأين خبره؟
* الطالب: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، أحسنت. الضمير في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعود إلى من؟
* الطالب: يعود على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
* الشيخ: الضمير في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ الهاء، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ الهاء تعود على من؟
* الطالب: على محمد ﷺ.
* الشيخ: على النبي ﷺ نعم. فيه إشكال لم يسبق له ذكر؟
* طالب: كيف هذا الإشكال؟
* الشيخ: وأيش الإشكال إنه ما سبق له ذكر الرسول ﷺ؟
* الطالب: لكنه معروف في العهد الذهني.
* الشيخ: ما في هذا الضمير.
* الطالب: مذكور في كتب (...).
* الشيخ: إي، نحن تكلمنا عن الصياغة اللي معنا الآن، سياق القرآن ما سبق ذكر للرسول ﷺ حتى نقول الضمير يرجع إليه.
* الطالب: لأن القرآن بلسان النبي ﷺ..
* طالب آخر: (...) للعلم به.
* الشيخ: إي نعم، هذا معلوم من السياق وقد نقول: إنه سبق ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣] ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة ١٤٣] ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾.
* طالب: إذا قلنا: الضمير يعود على أقرب مذكور أقرب مذكور الكتاب؟
* الشيخ: يعرفون الكتاب ويش الفائدة من معرفة كتابهم؟
* الطالب: يعرفون أنه الحق.
* الشيخ: يعرفون أن كتابهم حق؟
* الطالب: الكتاب القرآن.
* الشيخ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى بني إسرائيل يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم.
لماذا خص الأبناء؟ لماذا خص الأبناء دون البنات ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾؟
* الطالب: ما أعرف.
* الشيخ: ذكرناها في التفسير.
* طالب: يعني (...).
* الشيخ: يعني كونه يعرفه معرفة أبنائه أشد من معرفة بناته لشدة عنايته بهم، هذا قول وأيش القول الثاني؟ وأيش تقول؟
* الطالب: من باب التغليب.
* الشيخ: لا، ما فيها إلا هذا، لكن لعله يريد أن يكون كابن جني لكل مسألة قولان، ما فيها إلا هذه، خص الأبناء بالذكر لتعلق النفس بهم أكثر من تعلقها بالبنات، فيكون معرفة الإنسان لهم أكثر من معرفة البنات.
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ما موضع الجملة من الإعراب؟
* طالب: منصوب على الحال.
* الشيخ: على الحال، من أين؟
* الطالب: يعلمون (...) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: حال من الكتاب، الكتاب ما هو بعلاقة؟
* الطالب: ما هو الكتاب.
* الشيخ: وينه؟ أعطني صاحب الحال ونصّ عليه؟
* طالب: الذين، أو الواو.
* طالب آخر: حال من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾.
* الشيخ: من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾. لماذا قيد كتمانهم بالعلم؟ لأيش قيدها بالعلم قال: ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؟
(...) ومن النصارى؟
* طالب: النجاشي.
* الشيخ: النجاشي، نعم.
* طالب: ورقة.
* الشيخ: ورقة، لا، من العرب، لكنه تنصَّر.
البقرة 2:146
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الفاء ذكرنا أنها للتفريع، واللام في قوله: ﴿لَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ موطئة للقسم، فالجملة إذن مؤكدة بثلاثة، بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، والنون، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، وأتى بها بصيغة التعظيم ﴿لَنُوَلِّيَنَّكَ﴾؛ لأنه سبحانه وتعالى عظيم، فالنون هنا للعظمة، وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ المعنى: فلنجعلنك تتولى قبلة، فلنجعلنك تتولى قبلة، وعلى هذا فتكون الكاف مفعولًا أول، و(قبلة) مفعولًا ثانيًا، وقيل: إن المعنى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾: فلنحولنك، وعلى هذا المعنى يكون قوله: ﴿قِبْلَةً﴾ منصوبًا بنزع الخافض، أي: فلنحولنك إلى قبلة ترضاها، مفهوم؟ وقوله: ﴿قِبْلَةً﴾ معنى القبلة الشيء الذي يُستقبل ويوليه الإنسان وجهه، وقوله: ﴿قِبْلَةً﴾ نُكِّرت للتعظيم (قبلة)، وقوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي: تطمئن إليها وتحبها وتقبلها، والرسول عليه الصلاة والسلام قَبِلَ هذا وهذا، لكنه يحب أن يُصرف إلى الكعبة.
قال الله تعالى بعد أن قدم هذه المقدمة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وَلِّهِ: اسْتَقْبِله، استقبل بوجهك، وقوله: ﴿وَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾، (وجه) مفعول أول، و(شطر) مفعول ثان، والمراد بالشطر هنا الجهة، يعني جهة المسجد الحرام، وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، المراد به أيضًا جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن مستقبلًا لها، وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾، المسجِد في الأصل مكان السجود، وقيل: إن المسجَد مكان السجود، مسجَد بالفتح، والمسجِد المكان المعد للسجود، فيكون بينهما فرق، بينهما فرق هو أن المكان المبني المعد للسجود يسمى مسجِد بالكسر، وأما المكان الذي سجدت فيه بالفعل فيسمى مسجَد، وقوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، (الحرام) صفة مشبهة من الحُرم وهو المنع، وسمي حرامًا؛ لأنه يُمنع فيه من أشياء لا تُمنع في غيره، ولأنه محترم معظم، والمراد به أيش؟ المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة وما حولها من البناء المعروف، وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، عَدَل عن قوله عن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام إلى الخطاب لأمته، فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؛ لأن خطاب النبي ﷺ خطاب له وللأمة؛ إذ إنه الإمام، والخطاب إذا وُجِّه للإمام فهو خطاب له ولأمته، ونظير ذلك أن الوزير مثلًا يقول للقائد: اتجه إلى كذا، المعنى اتجه ومن يتبعك من الجنود، فهكذا الخطاب الموجه للرسول ﷺ يكون له وللأمة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، فخاطب النبي ﷺ أولًا، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾؛ لأن الحكم له ولأمته، على أنه إن كانت هذه الآية بعد نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فإنما وجَّه الخطاب إلى الأمة؛ لأنه لا يمكن أن يقع من الرسول عليه الصلاة والسلام طلاق، قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، هذه (حيثما) ظرف مكان لكنها شرطية زيدت عليها (ما) لفظًا لا معنى للتوكيد، ويجوز في غير القرآن أن تقول: حيث كنت، ولكنها في القرآن لا تغيَّر، وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ هذا فعل الشرط، أين جواب الشرط؟
كان في مكة ومن كان (...) ومن كان بعيدًا عنها، ولهذا جاء التعبير بقوله: ﴿شَطْرَهُ﴾، أي: نحوه؛ ويشمل من كان في جوف الكعبة ولّا لا؟ نعم يشمله؛ لأنه لعموم قوله: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، إذن إذا كان في جوف الكعبة يَستقبل أمام وجهه من أي الجهات كان، أليس كذلك؟ من أي الجهات إلا أن بعض أهل العلم يقول: لا يستقبل الباب إذا كان مفتوحًا ما لم يكن له عتبة؛ لأنه لا بد من شاخص يكون بين يديه، حتى يصح أن يقال إنه ولّى وجهه شطره، طيب إذا كنا خارج البيت لكن في المسجد ندور عليه ولّا لا؟ ندور عليه؛ لأننا لو استقمنا في صف مستقيم ما ولّينا وجوهنا نحوه أي شطره، يصير من خرج عن مُسامكته ولّى وجهه جهة غيره؛ لأنه محصور الآن، وإذا ابتعدنا فإننا، بعض العلماء يقول: إن كنت في مكة فاستقبِل المسجد، وإن كنت خارج مكة فاستقبل مكة، لكن هذا تقريبي، إنما الصواب في هذه المسألة أن من أمكنه مشاهدة عين الكعبة وجب عليه استقبال العين لا يخرج عن مسامكتها، ومن لا يمكنه مشاهدتها لبُعد أو حيلولة شيء دونها استكفى بالجهة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
* طالب: وإن حال عمود يا شيخ بينهما؟
* الشيخ: لا، حال عمود يمكن أن يتجه، يعني في المسجد؟
* الطالب: عمود أو شيء موضوع (...)؟
* الشيخ: إي هذا يمكن يصيب عينها ولو حال.
* طالب: ما هو مقصود النظر المقصود الجهة.
* الشيخ: إي نعم المقصود أنك تكون أنت محاذيًا لها.
* طالب: على هذا القول ما يجوز أن يصلى فوق ظهر الكعبة؟
* الشيخ: نعم على القول بأنه لا بد من شاخص ما نصلي فوق سطحها، لكن سطحها فيه جدار، السطح فيه جدار، فيه جدار يصل إلى فوق الركبة، إي نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، ما فيه شيء أبدًا؛ ولذلك قلت لك: عتبة الباب تجزئ عند الذين يقولون: لا بد من شاخص، يقولون: عتبة الباب تجزئ.
* الطالب: (...) يصلي ولا؟
* الشيخ: لا، بس يقولون المهم أن يكون شاخص بين يديه، يعني يكون شيء مرتفع يكون بين يديه.
وقوله: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يشمل من كان في الطائرة؟ نعم، أو في الباخرة، أو في القطار، أو في السيارة فلا بد أن يستقبل القبلة، ولكن عند ذكر الفوائد سنذكر إن شاء الله ما يُستثنى من ذلك.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والمراد بالكتاب الجنس، وهو التوراة والإنجيل، والذين أوتوه هم اليهود والنصارى، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾ اللام هنا للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بـ (إنّ) واللام، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿أَنَّهُ﴾ أي: استقبالك المسجد الحرام، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، لكنهم -والعياذ بالله– يشوهوه، وإلا فهم يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيستقبل الكعبة، من أين علموا ذلك؟ مما جاء في كتبهم من وصف الرسول ﷺ، فإنهم يعلمون أن هذا النبي الأمي سوف يتجه إلى الكعبة، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾، العلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا وأيش بعد؟ مطابقًا للواقع، وقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ذكرنا أن الحق معناه الشيء الثابت، فإن أضيف إلى الخبر فهو الصدق، وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، الرب تقدمنا مرارًا وتكرارًا أنه الخالق المالك الكامل السلطان، وإنما أضاف الربوبية هنا إليهم ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ لإقامة الحجة عليهم، حيث يعترفون بربوبيته، ومن اعترف بربوبيته لزم أن يعترف بأحكامه وتصرفه؛ لأن الرب له الملك المطلق يتصرف كيف يشاء، وإلا فهو رب الجميع، لكن هذا فائدة إضافته إليهم.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هنا حجازية ولّا تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: وأيش الدليل؟
* طالب: لأنها عملت.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: وتدخل حتى التميمية.
* طالب: أقول: القرآن بقراءة الحجاز.
* الشيخ: هذه صح؛ لأن القرآن بلغة قريش، والدليل على هذا قوله في سورة يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، ولم يقل: بشرٌ، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١]، فالقرآن بلغة قريش، وقريش حجازيون ليسوا تميميين، وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾، الباء زائدةٌ إعرابًا مفيدة معنى، ما فائدتها؟
* الطلبة: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، إذن الباء حرف جر من حيث الإعراب زائد، و(غافل) خبر (ما) منصوب بها وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾ الغفلة: اللهو والسهو عن الشيء، وقوله: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) اسم موصول تفيد العموم، يعني عن أي عمل يعملونه، سواء كان عملًا قلبيًّا أم جارحيًّا، يعني أن يتعلق بالجوارح أو يتعلق بالقلوب، فيشمل الاعتقاد ويشمل القول والفعل، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يفيد التهديد لهؤلاء؛ لأن الغرض من هذه الجملة تهديدهم على مخالفتهم، حيث أنكروا ما يعلمون أنه الحق من ربهم، وهذه الصفة ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من صفات الله الإيجابية ثبوتية أو السلبية؟ السلبية المنفية، وقد ذكرنا فيما سبق أن الصفات السلبية لا يُقصد بها مجرد السلب والنفي، وإنما يقصد بها مع ذلك إثبات كمال الضد، فمثلًا ﴿مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ تستلزم كمال العلم والمراقبة لأعمالهم الذي لا يعتريها أي غفلة، وقد ذكرنا فيما سبق أن النفي المجرد لا يستلزم كمالًا؛ لأنه قد يستلزم نقصًا وقد لا يدل على مدح ولا نقص، أو نسيتم؟ مثال النفي الذي يستلزم النقص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذه ليست تستلزم الكمال، ما يمكن يكون نفي لله يستلزم النقص أبدًا، يعني نفي الغفلة ما تستلزم النقص؛ لأنه لكماله ليس بغافل، من يعرف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو نفي، نفي شيء مذموم، وهو ما يستلزم الكمال، بل هو نقص.
* طالب: قولك: الضعيف لا يظلم.
* الشيخ: ممكن.
* الطالب: ما ظلم لضعفه لأنه عاجز عن الظلم.
* طالب: من غير القرآن ولا من القرآن؟
* الشيخ: لا، من غير القرآن.
* الطالب:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
* الشيخ: صح
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
عندما أسمع هذا الكلام أقول: إن هؤلاء القوم أوفياء وغير معتدين، أوفياء لا يغدرون بذمة، غير معتدين لا يظلمون الناس، والواقع أنه وصفهم بالنقص، وصفهم بالنقص، فهمتم؟ وكذلك قول الشاعر:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْـلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السوءِإِحْسَانَاهذا يذمهم ولا يمدحهم؟
* طالب: الظاهر إنه يمدحهم.
* الشيخ: ظاهر الكلام أنه يمدحهم والواقع أنه يريد؟
* الطلبة: الذم.
* الشيخ: إي نعم، أما الذي لا يستلزم نقصًا ولا مدحًا فمثل لو قلت: جدارنا لا يظلم أحدًا، الجدار لا يظلم أحد؛ لأنه غير قابل للظلم، فنفي الظلم عنه ليس مدحًا لكن بالنسبة لله عز وجل الأمر بالعكس، كل صفة منفية عنه فإنها تستلزم كمال ضدها من المدح.
قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، في ﴿لَئِنْ﴾ أمران متنازعان: قسم وشرط؛ قسم مدلول عليه باللام؛ لأن اللام واقعة في جواب القسم المقدَّر، أي: والله لئن، الثاني المنازِع للقسم (إن) الشرطية، وكل من القسم والشرط يحتاج إلى جواب، أين الجواب في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؟ قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، هذا الجواب هل هو جواب للشرط أو جواب للقسم؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: جواب للشرط؟
* طالب: للقسم قبل الشرط.
* الشيخ: لا، هذا جواب للقسم، يقول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
والمؤخر الآن هو الشرط، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿مَا تَبِعُوا﴾ جوابًا للقسم لا محل له من الإعراب؛ لأن جملة جواب القسم ليس لها محل من الإعراب، وجواب الشرط المحذوف دل عليه جواب القسم، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ إن وأيش؟
* الطلبة: شرطية.
* الشيخ: شرطية، و ﴿أَتَيْتَ﴾ بمعنى جئت، ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: اليهود والنصارى، ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ الباء للمصاحبة، يعني مصطحبًا لكل آية، ﴿آيَةٍ﴾ أي: علامة على صدق ما أتيت به إليهم، لئن أتيتهم بكل آية تدل على صدق ما أتيت به، ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، أيّ شيء قبلته؟ الكعبة، يعني لا يتبعون هذه القبلة ولا يتولونها، لو تأتيهم بكل آية، وذلك لأنهم لا يريدون الحق، وإنما هم معاندون؛ لأن الذي يعلم الحق ولا يتبعه معاند، ما فيه فائدة، تأتيه بكل آية ما يفهم ما يقبل، وقوله: ﴿بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ قد نقول: إنهم كما لا يتبعون قبلته لا يتبعون دينه أيضًا، نعم لا يتبعون دينه؛ لأنه من لازم اتباع الدين أن يتبعوا القبلة، وقوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، قد يقول قائل: إن هذه القبلة من خصائص هذه الأمة؛ لأنه أضافها إليهم، فقال: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، ولكن الظاهر والله أعلم أن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران ٩٦].
وهكذا قال شيخ الإسلام: إن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء، لكن أتباعهم من اليهود والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة.
قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، الواو هنا واو العطف ولّا واو الاستئناف؟
* طالب: واو العطف.
* الشيخ: الواو هذه عاطفة أو استئنافية؟
* طالب: استئنافية.
* الشيخ: هذه استئنافية؛ لأننا لو جعلناها عاطفة على قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ لصار المعنى: وما أنت بتابع قبلتهم في حال إتيانك بالآيات التي تدل على صدق ما جئت به، ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبعهم مطلقًا، وهذا هو السر في التعبير والله أعلم للجملة الاسمية في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾، و(هم)، أتى بالجملة الفعلية في قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، فهم لا يتبعون قبلة الرسول، والنبي عليه الصلاة والسلام مستحيل أن يكون تابعًا لقبلتهم؛ لأن قبلتهم هذه منكرة لم يأت بها الشرع، ثم لو فُرِض أن الأديان التي هم عليها قد جاءت بهذه القبلة فإنها نُسِخَت بقبلة الإسلام، وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، وأيش اللي ناصب ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾؟
* طالب: باسم الفاعل.
* الشيخ: إي نعم، منصوبة باسم الفاعل، طيب في غير القرآن لو أضيف (بتابعِ قبلتِهم) صحَّ وكانت الإضافة لفظية.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، ﴿مَا بَعْضُهُمْ﴾، أي: الذين أوتوا الكتاب، ﴿بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، فاليهود ما تتبع قبلة النصارى، والنصارى ما تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار، واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق، ولهذا يكذِّبون عيسى ﷺ ويقولون إنه -والعياذ الله- ولد زنا، وفعلًا حاولوا قتله وشُبِّه لهم فقتلوا الشبيه، وصاروا يقولون: إننا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، يفتخرون بذلك، قتلهم الله، هؤلاء بعضهم لبعض عدو، لكنهم مع ذلك بالنسبة للمسلمين بعضهم لبعض ولي، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١]، فبعضهم يتولى بعضًا على المسلمين لكن بالنسبة لإقرار بعضهم على دين بعض لا يقرون، هؤلاء لا يقرون اليهود، وهؤلاء لا يقرون النصارى، ولهذا سبق لنا أن اليهود قالت: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣].
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، هل لكل من اليهود والنصارى قبلة ولّا لا؟
* الشيخ: إي نعم، هذه نحتاج تنبيه عليها، ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، قبلة اليهود إلى بيت المقدس، إلى الصخرة، وقبلة النصارى إلى المشرق، يتجهون نحو الشمس، فاليهود يقولون للنصارى: أنتم ضالون، والنصارى يقولون لليهود: أنتم ضالون، ولا يتبع بعضهم بعضًا في القبلة، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ نقول فيها مثل ما قلنا في ﴿ولئن أتيت﴾، ففيها قسم وشرط، والجواب للقسم ولّا للشرط؟ للقسم، وهو قوله: ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾، ولهذا لم تقترن بالفاء، ولو كانت جوابًا للشرط لوجب اقترانها بالفاء لأنها جملة اسمية، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للنبي ﷺ، و(إن) الشرطية لا تقتضي أو لا تستلزم وجود شرطها، لا تستلزم وجود الشرط، (إن) الشرطية لا تستلزم وجود الشرط، وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: هل من الممكن أن الرسول ﷺ يتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم؟ لا، ما يمكن، كيف يقول: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾، نقول: هذه لا تستلزم جواب شرطها، جواب وقوع الشرط، ما تستلزم، ألم يقل الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وهل يمكن هذا؟ لا، ألم يقل الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] وهذا يمكن ولّا لا؟ ما يمكن، إذن فالشرط المعلق بـ(إن) لا يستلزم الوقوع، ولاحظوا الفرق نحن لسنا نقول: لا يمكن وقوعه، نقول: لا يستلزم الوقوع، بمعنى أنه قد يقع في بعض الأشياء، وقد لا يقع في بعض الأشياء، ما أدري اللغة مفهومة؟ أقول: فرق بين لا يستلزم الوقوع، وبين لا يقتضي الوقوع، إذا قلنا: لا يقتضي الوقوع، هذا ليس بصحيح؛ فإن المعلق بـ(إن) قد يقع، وإذا قلنا: لا يستلزم، فالمعنى ليس بلازم الوقوع، ليس بلازم، قد يعلق بـ(إن) وهو غير ممكن، وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع (هوى)، والأصل في الهوى، الهوى بمعنى الميل، ومنه يقال للنجم: هوى، إذا مال وسقط، ويطلق الهوى في الغالب على الميل عن الحق، ويقابله الهدى، فيقال: اتَّبَعَ الهوى بعد الهدى، فهمتم؟ وهل يطلق الهوى على الهدى؟ إن صح الحديث وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥)، والبيهقي في المدخل (٢٠٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر، ولكن مع ذلك فالغالب أن الهوى يكون في الشر، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ متعلق بـ(اتبعت).
* طالب: الحديث هذا ما يصح.
* الشيخ: أقول: إن صح، إذا ما صح ما عاد يكون فيه شاهد على أن الهوى يأتي بمعنى الهدى.
* الطالب: الحديث النظر فيه من باب اللغة بغض النظر عن صحته؟
* الشيخ: لا، بس لو ما صح فإنه لا يصح أن نقول: إن الهوى يكون في الشيء المحمود؛ لأن كل ما في القرآن والسنة من ذكر الهوى فإنها في الأشياء المذمومة.
* طالب: هذا الحديث وإن كنا نقول قدح بعضهم في سنده وبعضهم حسنه، لكن شاهده من القرآن ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء ٦٥].
* الشيخ: إي هو معناه صحيح، المعنى لا شك صحيح، لكن اللفظ، طيب قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هذا متعلق بـ(اتبعت)، يعني إذا وقع هذا الاتباع بعد العلم فإنه يكون الظلم، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾، وردت في القرآن على ثلاثة أوجه: هذا أحدها، والثاني: ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد ٣٧]، والثالث: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة ١٢٠]، كذا؟ أما ﴿بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ و﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ فلا فرق بينهما، إلا أنه عبر بـ(ما) عن (الذي)، وأما ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾ فهي أبلغ من قوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ﴾، أشد؛ لأن (مِن) تدل على أنه جاءه العلم وتَمَهَّل، وحصل هذا الأمر بعد مجيء العلم، نظير ذلك - أن دخول (من) يكون أبلغ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] أشد من قوله: و(بيننا وبينك حجاب)؛ لأن (من) تدل على مسافة قبل الحجاب ثم حجاب، بخلاف (وبيننا وبينك حجاب) فهي ما تدل على هذا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، المراد بالعلم أيش؟ علم الشريعة والوحي الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿إِنَّكَ﴾ هذه جواب القسم، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (إذن)، هي (إذٍ) اللي مرت علينا بالإضافة ولّا غيرها؟
* طالب: لا، هذه ظرف.
* الشيخ: هي ظرف ما فيه شك، لكن حين قلنا: إنها (إِذْ، وإِذَنْ، وإِذَا)، وأن هذه الأدوات الثلاث تنازعت الأزمنة: (إِذْ) للماضي، و(إذَا) للمستقبل، و(إذن) للحاضر، يعني ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾ في حال اتباعك أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم، في هذه الحال ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، الله، أكده بـ(إن) و(إذن) واللام، في قوله: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وصدق الله عز وجل، اللي يتبع أهواء الضالين والمغضوب عليهم بعد ما جاءه العلم الصحيح الشرعي فهو لا شك من الظالمين، وتأمل اللطف في الخطاب للرسول ﷺ، لم يقل: إنك إذن ظالم، قال: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا لا شك أنه أيش؟ تلطف في الأسلوب؛ لأني الآن لو أقول لك: أنت رجل ظالم، أيهما أشد وقعًا، أو أن أقول: أنت من الظالمين؟ الأول أشد وقعًا، أشد وقع في النفس، ولهذا نقول: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ من باب التلطف في الأسلوب للرسول ﷺ، نظيره شوف، نظيره قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس ١ - ٣] عندما تقرأ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تظن أن العابس والمتولي مَن؟ غير الرسول عليه الصلاة والسلام، غير الرسول، تظن أنه رجل آخر، ولكن المراد به الرسول عليه الصلاة والسلام، النبي ﷺ، فعليه يكون الله عز وجل تلطف في الأسلوب بالنسبة لقوله: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن الظالمين فيها ضمير مستتر يعود على من؟ على غير الرسول، على الظالم، لكن لو قال: إنك ظالم، صار الضمير يعود عليه نفسه، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: خاص بالرسول ولّا..؟
* الشيخ: وأيش اللي خاص؟
* الطالب: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ..﴾؟
* الشيخ: لا، الرسول وغيره. وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
* طالب: شيخ، (...)؟
* الشيخ: لا، المراد الظالمين الذين لم يعدلوا في تصرفهم؛ لأن الظلم هو في الأصل النقص، وهو عدم العدل، فقد يكون يصل إلى درجة الكفر وقد لا يصل، حسب ما اتبع فيه، إن اتبعهم في أمر لا يُخرج عن الملة لم يكن خارجًا عن الملة، وإن اتبعهم في أمر يخرج صار خارجًا.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، فأين الخبر؟
* طالب: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: جملة ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾: أعطيناهم، والإيتاء هنا شرعي ولا كوني؟
* الطلبة: كوني وشرعي.
* الشيخ: نعم جامع بينهما، كونيًّا شرعيًّا؛ لأن الكتاب شرعي، والإعطاء هنا كوني، قدر الله تعالى أن ينزل عليهم الكتاب فنزل، وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، الفعل هنا ناصب مفعولين، أولهما: الهاء، والثاني: الكتاب، أصلهما المبتدأ والخبر ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إي نعم، إذن من أخوات (كسا) الذي قال فيها ابن مالك:
وَالثَّانِي مِنْهُمَا كَثَانِي اثْنَيْ كَسَا ∗∗∗ .......................
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، الضمير في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعود إلى النبي ﷺ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، الكاف للتشبيه، و(ما) مصدرية، أي؟
* طالب: أي يعلمون..
* الشيخ: لا لا، قصدي ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ﴾ الكاف؟
* الطالب: للتشبيه.
* الشيخ: للتشبيه، وهي حرف جر، و(ما)؟
* طالب: مصدرية.
* الشيخ: مصدرية، أي؟
* الطالب: يعلمون.
* الشيخ: لا، أوِّلها بمصدر، أي: كمعرفة أبنائهم، نعم، وهنا عبر بـ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ دون (يعلمونه)؛ لأن الغالب أن العلم يعبَّر به عن الأمور المعقولة التي تدرَك بالحس الباطن، والمعرفة تطلق أو يعبر بها عن الأمور المحسوسة المدركة بالحس، فأنا أقول لك: أعرفت فلانًا؟ أو أقول لك: أعلمت فلانًا، وأيش تقول؟
* الطلبة: عرفت.
* الشيخ: عرفت فلان، ما تقول: علمت، لكني أقول: أعرفت فلانًا فعلمتَ ما فعل، فهنا جعلنا العلم في الفعل، والمعرفة في الجسم، فهنا (يعرفونه) ليست بمعنى (يعلمونه)؛ لأن المعلومات تكون في المعقولات أو في الصفات، أما في الأشخاص فإنه يطلق فيها المعرفة، وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾ جمع (ابن) وخصه دون البنت؛ لأن تعلق الإنسان بالذكر أقوى من تعلقه بالأنثى فهو به أعرف، أليس كذلك؟
* طالب: ما تعم البنت؟
* الشيخ: لا الابن ما تعم البنت، الأولاد هي اللي تعم البنت والولد.
* الطالب: تغليبًا؟
* الشيخ: لا لا، ما هو تغليبًا، ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾؛ لأن تعلق الإنسان بالابن أكثر من تعلقه بالبنت، فيكون معرفته له أكثر من معرفته للبنت، واضح؟ هذا هو السبب في أنه عبر بالأبناء دون البنات.
* طالب: والبنون بردو الأولاد الذكور فقط؟
* الشيخ: لا، البنون ذكور فقط، عبر بالأبناء دون الأولاد أو دون البنات؛ لأن تعلق الإنسان بالابن الذكر أكثر من تعلقه بالبنت فيكون به أعرف، يكون به أعرف، وقد ذكر الله عن الإنسان أنه إذا بُشِّر بالأنثى ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل ٥٨]، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف ١٧]، ولهذا يجزئ في غسل بول الذكر، يجزئ فيه النضح دون بول الأنثى الصغيرة اللي ما تاكل الطعام، أو الذكر الصغير اللي ما ياكل الطعام، الذكر يجزئ فيه النضح، والأنثى لا بد فيه من الغسل، وذلك لأن الابن يُلْطَف به أكثر من البنت في الغالب، وهناك بعد علة أخرى وعلة ثالثة قرأناها في الفقه، العلة الثانية هي أن بول الذكر ينتشر؛ لأنه يخرج بارزًا بقوة فيلوث من الثياب ما هو أكثر فيشق التحرز منه، وقالوا أيضًا: إن الذكر أقوى طبيعة من الأنثى، وأنه يُلَطِّف الفضلات أكثر من تلطيف الأنثى، وقيل: لأن الأنثى خلقت من دم، والذكر من طين، لكن هذا ما هو بصحيح، إنما الاعتبارات الأولى هي أقرب، وقال بعضهم: إنه تعبدي ما نعرف الحكمة، وعلى كل حال هذه مسألة ما هي من بحثنا، إنما نقول: عبر بالأبناء لهذا السبب، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، الله أكبر، العدل في التعبير القرآني، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ﴾، يعني طائفة منهم تكتم الحق، وعُلم من ذلك أن طائفة أخرى لا تكتم الحق، وهذا هو الواقع، فإن من النصارى كالنجاشي مَن آمن، ومن اليهود كعبد الله بن سلام مَن آمن ولم يكتم الحق، لكن فريقًا منهم يكتمون الحق، أي يخفونه فلا يبينونه، ما يبينونه - والعياذ بالله - ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف إنكم تتبينون الهدى من محمد وأصحابه، إذا بيّنتموه يحاجونكم به عند الله، أفلا تعقلون؟ فهم يتواصون بالكتمان، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾، أين فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾؟
* الطلبة: الواو.
* الشيخ: الواو، يعني: يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه حق، وهذا أبلغ في الذم؛ أن يكونوا كاتمين الحق وهم يعلمون به، فيكونون قد كتموه عن علم فهم عامدون ظالمون، ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون به.
قال الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* * *
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
من هنا ابتدأ الحكم بتغيير القبلة، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات رؤية الله عز وجل، من قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾.
* ومن فوائدها: جواز النظر إلى السماء، ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، وأنه ليس سوء أدب مع الله إلا في حال الصلاة، في حال الصلاة لا يجوز أن يرفع الإنسان بصره إلى السماء.
* ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء.
أن يتوجه إلى الكعبة ولكن هل فعل؟
* الطلبة: لم يفعل.
* الشيخ: لم يفعل إلا بعد أن أمره الله به.
* ومنها: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، فإن ضمير الجمع هنا للتعظيم.
* ومنها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لقوله:﴿تَرْضَاهَا﴾ مع قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾.
* ومن الفوائد: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام لقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء، حيث عبر به عن سائر الجسم، ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه لقوله: ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وإذا ولَّى الإنسان وجهه فإنه ينظر تلقاء وجهه. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمشهور عند المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه، وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ »[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦٥٦١) من حديث ابن سيرين.]]. وقال بعض العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظر إلى موضع السجود، وأما المأموم فينظر إلى إمامه، واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري وهي:« أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَمَا صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّارُ، فقال لهم: «وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْت وَتَأَخَّرْتُ»[[أخرجه البخاري (١٢١٢) من حديث عائشة.]] وهذا دليل على أنهم يرونه.
* ومنها: أنه لما صُنع له المنبر قام يصلي عليه فكان يقوم ويركع ويرفع، فإذا أراد السجود نزل وقال: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤ / ٤٤) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] وهذا دليل على أنهم يرونه.
* ومنها أيضًا: أنهم لما أخبروا أن الرسول عليه الصلاة والسلام« كان يقرأُ في صلاةِ السِّرِّ، قيل لهم: بمَ تعرفون ذلك؟ قالوا: باضْطِرابِ لحيتِهِ »[[أخرجه البخاري (٧٤٦) من حديث خباب بن الأرت.]]. وهذه كلها في الصحيح، فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الإتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم وقد يجلس، ساهيًا مثلًا، فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به، أما الإمام والمنفرد فإنهما ينظران إلى موضع السجود، وهذا القول لا بأس به، ولا سيما إذا كان المأموم محتاجًا إلى ذلك، كما لو كان لا يسمع مثلًا فيريد أن ينظر إلى الإمام ليقتدي به أو نحو ذلك.
* طالب: إذا كان بعيدًا يلحظ عليه؟
* الشيخ: إي نعم، يلحظ عليه إن احتاج الالتفات ولا بدون التفات؟ ولقد استثنى بعض العلماء الذين يقولون إنه ينظر إلى موضع السجود استثنوا من ذلك إذا كان في التشهد فإنه ينظر إلى إشارته لقول ابن الزبير أو الزبير نسيت «كانَ لا يُجاوِزُ بصرُهُ إشارَتَهُ »[[أخرجه أبو داود (٩٩٠) من حديث عبد الله بن الزبير.]] فعند التشهد عند الإشارة تنظر إلى الأصبع.
ومنها مما يستثنى من ذلك عند بعضهم إذا كنت في المسجد الحرام، إن كنت مشاهدًا الكعبة فإنك تنظر إلى الكعبة.
ومنها: إذا كنت في خوف حولك العدو فإنك تنظر إلى جهة العدو، فهذه المسائل الثلاث التي تستثنى نقول: أما موضوع استثناء التشهد أو رفع الأصبع عند التشهد فهذا قد ورد به الحديث فهو مستثنى، وأما إذا كانت الكعبة أمامك فلا وجه له، لا وجه لكونك تشاهد الكعبة، لا سيما أن الإنسان إذا شاهد الكعبة والناس يطوفون حولها قد يحصل انشغال، وأما إذا كان في الخوف فإن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ١٠٢] وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعث طليعة فكان ينظر نحو الشعب هل جاءت طليعة أم لا[[أخرجه أبو داود (٢٥٠١)، وابن خزيمة (٤٨٦) من حديث سهل بن الحنظلية.]]، فهذا دليل على أنه ينظر في حال الخوف إلى ما يتقي به هذا الخوف، ولا حرج عليه.
* طالب: صلاة الخوف فيه ناس (...)؟
* الشيخ: (...) هذه واضحة.
وقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* من فوائد الآية: عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام؛ أي ذي الحرمة، ولهذا كان من يدخله آمنًا، وكان من يدخله يُشرع له أن يأتي بنسك إما وجوبًا وإما استحبابًا. بخلاف غيره، ولهذا كل شيء فيه آمن، كل ما فيه حياة فهو آمن حتى الجماد، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لا، حتى الجماد، الشجر، الشجر آمن ما يجوز قطعه في المسجد الحرام.
* الطالب: هو نبات؟
* الشيخ: إي، حي، هو حي ولهذا لو يبس الشجر جاز كسره ولا حرمة له.
ومنها: وجوب الاتجاه إلى القبلة في أي مكان كان الإنسان من بر أو بحر أو جو لقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ويسقط الاستقبال في مواضع منها كما مر علينا، يسقط استقبال القبلة في مواضع؟
* طالب: في صلاة التنفل في السفر إلا حيث..
* الشيخ: حيث كان وجهه، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: عند الخوف الشديد.
* الشيخ: عند الخوف الشديد إذا كان لا يمكن استقبال القبلة، والثالث؟
* طالب: إذا صار ما يدري القبلة أين.
* الشيخ: لا.
* طالب: إذا كان على راحلة في نافلة.
* الشيخ: ذكرها الأخ.
* طالب: إذا كان مريضًا.
* الشيخ: يعني عند العجز، عند العجز عن استقبال القبلة لمرض أو صلب، لو صلب عن القبلة أو نحو ذلك، والموضع الرابع، هل يمكن نجعله من هذه المواضع إذا اشتبهت عليه القبلة ولّا ما يمكن؟
* الطلبة: ما يمكن.
* الشيخ: ما يمكن؛ لأنه مأمور أن يجتهد، مأمور أن يجتهد، لكن لو أخطأ فهو معذور، وإلا فإنه لا بد أن يكون حين الصلاة يرى أن ما اتجه إليه هو الصواب، إذن فالاشتباه ما يستثنى؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما يجوز يصلي إلا وهو يعتقد أنه إلى القبلة بخلاف الذي ذكرناه قبل قليل، العاجز يعرف أن القبلة خلفه يُصلي إلى غير القبلة وهو يعرف، وكذلك في شدة الخوف، وكذلك المتنفِّل في السفر.
* طالب: القتال يا شيخ؟
* الشيخ: في شدة الخوف.
* طالب: شدة الخوف ما يدخل في العجز؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في العجز؛ لأنه قادر، يستطيع لكن خائف، يستطيع أنه يتجه ويقف لكن يخاف على نفسه، العاجز ما يقدر يتحرك ما يقدر يتجه، إذن ثلاثة أشياء تستثنى.
* ومن فوائد الآيات: أن الشرع يلاحظ اتحاد المسلمين في اتجاههم البدني كما يلاحظ اتحادهم في اتجاههم القلبي الفكري؛ لأنه يقول: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآن المسلمون في أقطاب الدنيا كلها كلهم متجهون إلى قبلة واحدة، هذا توحيد ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: توحيد، ولا سيما أنهم يتجهون هذا الاتجاه، ويتحدون هذا الاتحاد في أعظم مشعر عملي، أو في أعظم فريضة عملية وهي الصلاة، فيدل هذا على أن الشرع يراعي مراعاة تامة توحيد المسلمين في دينهم، توحيدهم في الاتجاه البدني، وكذلك في الاتجاه القلبي الفكري، وأنا عدلت عن كلمة الروحي؛ لأني ما أعتبرها؛ لأنه لا ينبغي أن نقول: روحي وجسمي، الروح والجسم شيء واحد، وتطهير الروح هو تطهير الجسم، وهذه كلمة الروح جاءت فيما يظهر من النصارى، ولهذا ما تجدها إلا في عبارات المتأخرين الذين تأثروا بالثقافة الغربية، تجدها غالبًا في كلام العلماء السابقين دائمًا يقولون: الجسم والقلب كما قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة ١٠] فجعل الشيء معلقًا بالقلب.
* طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء ٨٥]؟
* الشيخ: إي، ما هذا الذي يعنون، هم يعنون بالروح ما يتعلق بالعبادات، ما يتعلق بالعبادات هو الروح، يقولون لك: الروح، والحقيقة أن العبادات مصلحتها للبدن وللروح جميعًا، والروح من البدن والبدن منها.
* ومن فوائد الآية: عناد اليهود والنصارى، بيان عناد اليهود والنصارى لقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ولكن مع ذلك -والعياذ بالله- شنعوا على النبي عليه الصلاة والسلام تشنيعًا عظيمًا.
* ومن فوائد الآية: أن ما كان من عند الله فهو حق لقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ مضافًا إلى من؟
* الطلبة: إلى الله تعالى.
* الشيخ: إلى الله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
* ومنها: أن هؤلاء المعاندين من أهل الكتاب يعاندون مع علمهم التام ومع إقرارهم بربوبية الله، وكان عليهم حين يكونون قد أقروا بربوبية الله لهم وعلموا الحق كان عليهم أن ينقادوا له، وأن يكونوا أولى الناس باتباعه؛ لأن عندهم علمًا بذلك.
* ومنها: انتفاء غفلة الله عز وجل عن أعمالهم المتضمن لكمال علمه وإحاطته بهم، ما يكفي أن نقول: انتفاء الغفلة فقط بل نقول: المتضمن لكمال العلم والإحاطة لقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: صحة تقسيم الصفات إلى ثبوتية وسلبية؛ لأن اللي معنا هنا سلبية، فالصفات المنفية بأي أداة من أداة النفي سواء (ما) أو (ليس) أو (لا) أو (غير) أو ما أشبه ذلك فإنها من الصفات السلبية، وقد مر علينا أن الله لا ينفي عن نفسه إلا ما هو نقص، وأن كل نفي فهو متضمن لكمال ضده؛ لأنه لكمال ضده انتفى عنه هذا الشيء، فلتمام علمه وإحاطته انتفى عنه الغفلة.
* ومنها: تهديد هؤلاء المعاندين الذين أوتوا الكتاب وعلموا الحق؛ لأن قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ هذا فيه تهديد واضح.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة ١٤٥]
* طالب: (...) في الآية السابقة أن توجهه لبيت المقدس كان (...) من الله؟
* الشيخ: إي نعم، هذه الآية مرت علينا.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم من قوله: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
* الطالب: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ما يستفاد أن القرآن (...)؟
* الشيخ: لا ما يستفاد، لكن يستفاد إثبات الكتب السابقة التي كانت من الرسالة.
قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسول ﷺ كان حريصًا على هداية الخلق؛ لأن قوله: ولئن أتيتهم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ دليل على أنه كان عليه الصلاة والسلام يعرض الآيات، ويبين الحقائق ولكن لا ينتفعون.
* ومنها: قوة عناد هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، وأنه مهما أوتوا من الآيات فإنهم لم ينصاعوا لها ولن يتبعوها.
* ومن فوائد الآية: وجوب الانقياد للحق إذا ظهرت آياته؛ لأن هذه الآية سيقت مساق الذم، فدل هذا على وجوب اتباع الحق إذا تبين الآيات.
* ومنها: ذم بعض المتعصبين في تقليدهم، كيف ذلك؟ لأن من المتعصبين بمذاهبهم من إذا أُتوا بكل آية ما تبعوها، وإذا أتيتهم بكلام من كلام مشايخهم قالوا: على السمع والطاعة، ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية أكثر النقول عن العلماء من الأشاعرة وغيرهم وقال: إنه ليس كل من نقلنا قوله فإننا نقول به، ولكن لما كان بعض الطوائف منتحلًا إلى إمام أو مذهب صار لو أُتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم، وهذا من الدعاء بالحكمة أن الإنسان يقنع المعارض بما لا يمكنه نفيه، ومعارضته، إذا أتى إليه بشيء من كلام مقلَّده، هو ما يمكن أن يحيد عنه، هؤلاء المتعصبون للمذاهب إذا قلنا لهم: هذا الإمام الشافعي، الإمام مالك، الإمام أحمد، الإمام أبو حنيفة، كلهم ينكرون تقليدهم مع مخالفة الكتاب والسنة، ويقولون: اضربوا بأقوالنا عرض الحائط. ولهم عبارات في هذا المعنى كثيرة، إذا كانوا هم يقولون هكذا، فهل الذين يتعصبون لهم مع مخالفة الدليل هل هم مقلدون لهم حقيقة؟
* الطلبة: كلا.
* الشيخ: كلا، ما قلدوهم حقيقة، لو قلدوهم حقيقة لكانوا إذا تبين لهم الدليل أخذوا به، لكنهم ما قلدوهم حقيقة بل تعصبوا تعصبًا لا يحمدون عليه ما دام قام الدليل، أما إذا لم يقُم الدليل عند الإنسان سواء كان ممن يطلب الدليل ويستطيع أن يعرف الحكم بالأدلة فهذا على كل حال يُعذر إذا قلد من يرى أنه أقرب إلى الحق، أما مع وضوح الدليل وبيانه فإن التقليد حرام، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن التقليد بمنزلة أكل الميتة، متى يحل؟
* الطلبة: للضرورة.
* الشيخ: للضرورة، يحل للضرورة، أما مع وجود لحم مذكّى فلا تأكل الميتة، مع وجود الدليل من الكتاب والسنة وتبينه للإنسان فإنه لا يحل له أن يقلد، ولهذا ما أمر الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤] أما إذا كنا نعلم بالبينات والزبر فلا نسألهم. نقول بالبينات والزبر.
* ومنها؛ من فوائد الآية: استحالة أن يتبع المسلم أحدًا من اليهود والنصارى، ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ ووجه الاستحالة أن الجملة هنا جاءت بالاسمية، وما أنت بتابع قبلتهم، فالمؤمن حقيقة لا يمكن أن يتابع أعداء الله، وأن يأخذ بآرائهم وأفكارهم واتجاهاتهم، وقد حمى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك غاية الحماية حيث قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٣١) من حديث عبد الله بن عمر.]] حتى نحذر ونبعد عن التشبه بأعداء الله والتقليد لهم سواء في أمور العبادة أو في أمور العادة، فإن التشبه بهم حرام وقد يؤدي إلى الكفر والشرك -والعياذ بالله- فالمهم أن قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يستفاد منه أن المؤمن لا يمكن أن يتابع هؤلاء في دينهم.
* ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضًا، بل يضلل بعضهم بعضًا، فاليهود يرون النصارى غير مسلمين، والنصارى يرون اليهود غير مسلمين أيضًا، كل منهم يضلل الآخر، لكنهم على الإسلام يد واحدة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]، هم على الإسلام يد واحدة؛ لأنهم كلهم أعداء الإسلام، وهم فيما بينهم أيضًا يُضلل بعضهم بعضًا، كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة.
* ومن فوائد الآية: أن اتباع اليهود والنصارى اتباع للهوى لا للهدى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
* ومنها أيضًا: أنهم ليسوا على هدى؛ اليهود والنصارى، حيث جعل الله تعالى ما هم عليه هوى وليس بهدى.
* ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يؤاخذ بالأمر بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة عليه لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الإنسان قد يتابع غيره جهلًا فلا يؤاخذ به، وإن كان يسمى ضالًّا لكنه ليس بظالم، ما يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه، أما من جهل الحق ولم يُوفق له فيقال: إنه ضال، لكن لا يقال: إنه ظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة.
* ومن فوائد الآية: بيان أن العلم حقيقة هو علم الشريعة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أتى بـ (أل) المفيدة للكمال ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾، ولا شك أن العلم الكامل الذي هو محل الحمد والثناء هو العلم بأي شيء؟
* الطلبة: بالشريعة.
* الشيخ: بالشريعة، ولذلك نحن نقول: إن عصر النبوة هو عصر العلم، وليس عصرنا الآن هو عصر العلم، عصرنا حقيقة هو عصر الجهل، عصر الجهل بالله وبشريعته، أما أنه هو علم بالدنيا ما هو علم؛ لأن هذا علم هل يبقى العلم هذا؟
* الطلبة: لا، يزول.
* الشيخ: يزول بزوال الدنيا، ما يبقى، لكن العلم بالشريعة يبقى؛ لأنه هو الطريق والوسيلة إلى الوصول إلى الله عز وجل وإلى دار كرامته، فهو العلم الحقيقي الباقي، ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ كثيرًا ما نسمع من يلهث يقول: هذا عصر العلم، عصر التقدم، وبعضهم يقول: عصر النور أيضًا يبالغ. هذا خطأ، نعم، نقول: عصر العلم، يجب أن يقيد، يجب أن يقيد لا بأس، الناس الآن عندهم من العلوم المادة ما ليس عند من قبلهم، لكن أن نقول: العلم اللي هو محل الثناء، العلم عند الإطلاق هو العلم الشرعي ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
* ومنها أيضًا؛ من فوائد الآية: أن الظلم والعدل وغير ذلك مقرون بالأعمال لا بالأشخاص بمعنى ليس بين الله تعالى وبين أحد من الخلق شيء يحابيه ويراعيه به، كل من خالفه فهو ظالم، ما نقول مثلًا: هذا قريب من الرسول ﷺ فتُكفّر سيئاته لقربه من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو نقول: هذا إنسان من قريش من سلالة الأشراف من سلالة بني هاشم تكفر عنه سيئاته، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول الله له: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فما بالك بمن دون الرسول ﷺ، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: يعني ما هنا أحد يحابَى من قبل الله عز وجل من أجل نسبه أو حسبه أو جاهه بين الناس، لا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
* ومن فوائد الآية: جواز التعليق على شرط لا يتحقق ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هذا أمر معلق لكنه متعلق ما يمكن يقع، لا يمكن أن يقع لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم ٣] النبي ﷺ يقول الله فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ فالذي لا ينطق عن الهوى لا يمكن أن يسأل عن الهوى، إذا كان النطق لا ينطق به عن الهوى فالعمل كذلك، فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبع أهواءهم.
* ومن فوائد الآية: تحذير الأمة من اتّباع أهواء غير المؤمنين، وجه ذلك إذا كان هذا الوصف يكون للرسول عليه الصلاة والسلام لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى، فهذا فيه التحذير أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله، وليت أننا نوقظ الأمة مما وقعت فيه الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ونبين لهم أن هذا هو الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، والظلم مرتع مبتغيه وخيم، حتى يكون الناس اتباعهم لأي شيء؟
* الطلبة: للهدى.
* الشيخ: للهدى الذي جاء به محمد ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم ٢٣].
* طالب: أقول: بناء على القاعدة أن الإنسان ما يؤاخذ إلا بعد قيام الحجة هل لنا أن نقول لعباد القبور: إنهم ضلال وليسوا بمشركين، أن نقول: فعلهم شرك ولا يؤاخذون إلا إذا أقيمت عليهم الحجة؟
* الشيخ: إلا إذا أقمت الحجة نعم؛ لكننا نعاملهم معاملة المشرك بالنسبة لعدم الصلاة عليهم مثلًا أو عدم دفنهم في قبور المسلمين وما أشبه ذلك؛ لأن ظاهرهم الآن ظاهر فعل الشرك، لكن عند الله ما نجزم بأنهم في النار، قد تكون ما قامت عليه الحجة، ثم إن هذا حقيقة بالنسبة للبلاد الإسلامية القريبة هذا شيء في ظني أنه فرض مستحيل، إنها مسألة فرضية؛ يعني عندهم من يقول: إن هذا شرك، يسمعون من يقول: هذا شرك، ما تخلو الأرض من عالم يبين الحق، مثلًا لنفرض في هذه البلاد العربية اللي فيها الآن القبور تُعبد من دون الله، يعني أتظنون أنه ليس فيهم عالم يهديهم إلى الحق؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فيه، فيهم علماء يبينون لهم أن هذا غلط، وأن هذا حرام، وأن هذا شرك وكفر، لكن هم يصرون؛ لأن لهم أناس يقلدونهم يرون أنهم اللي على الحق.
* طالب: يحصل عملية (...) موجّه (...)؟
* الشيخ: لا ما يمكن، الخطاب صريح ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر ٦٥] ﴿أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ صريح، وقلنا في أثناء التفسير: إن التعليق ما يجري على الوقوع، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هذا ما ممكن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، بس بالنسبة لله عند الله ما ينفعهم هذا.
* الطالب: أيش مقتضاه؟ ما هو مقتضاه؟
* الشيخ: مقتضاه أنهم أشرف الناس جنسًا؛ يعني جنس بني آدم الناس معادن، فالجنس جنس بني هاشم ثم جنس قريش، ثم جنس العرب أفضل من غيرهم باعتبار الجنس.
* الطالب: ما بيصير الثواب أكثر على العمل؟
* الشيخ: لا قد يكون الثواب أكثر، وقد يكون أقل حسب ما في قلب الإنسان من الإيمان، ولهذا لو يجي ناس من بني هاشم من بعض الصحابة نقول: ما بلغ مد أحدهم «لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[البخاري (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ له، ومسلم (٢٥٤٠ / ٢٢١) من حديث أبي هريرة.]] ولو كان من بني هاشم.
* طالب: إذن ما يستفيدون من هذا القرب؟
* الشيخ: يستفيدون قال الرسول: «خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه البخاري (٣٣٧٤) من حديث أبي هريرة.]] يستفيدون بأنهم إذا كانوا في التقوى مع غيرهم سواء فهم مقدمون في الأحكام، أما عند الله درجاتهم عند الله فالظاهر -والله أعلم- أنه يكون لهم في ذلك شرف، لكن غير مؤمن ما يستفيد من قُربه من الرسول ﷺ.
* طالب: ذكرت في كتاب (...)، أنت ذكرته في كتاب ملخص أنه يقول بتقليد (...) له من العلم بالشيء (...).
* الشيخ: آه صحيح، اللي ما يستطيع يستفيد إلى العلم بالشيء يقلد.
* الطالب: السؤال: أن عليه أن يسأل (...)؟
* الشيخ: إي، هو هذا يسأل اللي يقلد، حتى الآن الإنسان الذي يمكنه معرفة الحق بدليله من طلبة العلم أحيانًا تأتيهم مسائل ما يستطيعون أن يصلوا إلى الدليل، ما يستطيعون فما هو فرضه، تجي مسائل تتطلب العجلة وعدم التأني يعني تتطلب الحكم الفوري وأنت الإنسان ما عندك أدلة الآن والبحث عن هذه الأدلة قد يكون صعبًا بحيث تفوت المسألة قبل البت في الحكم فيها، فماذا نصنع حينئذٍ؟
* طالب: نقلد.
* الشيخ: ما لنا إلا التقليد، نشوف أقرب الناس إلى الصواب في ظننا ونقلده.
* طالب: شيخ، الرسول عليه الصلاة والسلام كيف (...) كيف أكد (...)، الجواب ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؟
* الشيخ: إي نعم، هذا أُكد لأجل التحذير للمبالغة في التحذير، ولهذا أُكّد في الحقيقة ما هو بس بـ(إن) و(اللام)، أُكّد بالقسم ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ فأصل الجملة كلها مؤكدة بالقسم، ثم جواب القسم مؤكد بـ (إن) و(اللام).
* طالب: الروح أليس نفسها هي القلب؟
* الشيخ: القلب، لا، الروح يراد بها النفس التي بها حياة الجسم، فكل ما به الحياة فهو روح، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢] فسمى الله القرآن روحًا؛ لأن به الحياة.
* الطالب: فضيلة الشيخ، كيف يكون به الحياة القلب؟
* الشيخ: إي نعم، القلب يكون به حياة، والرقبة تكون فيها حياة أيضًا لو قُطعت رقبة الإنسان ما بقي له حياة.
* الطالب: لو بحيث يعني أن الكل بيتكون من القلب يعني؟
* الشيخ: لا ما يسمى، ما أعرف أنه سمي روحًا، إنما كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]].
* طالب: شيخ، واللي في الحديث: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ»[[أخرجه البخاري (٣٣٣٦) من حديث عائشة، ومسلم (٢٦٣٨ / ١٥٩) من حديث أبي هريرة.]] (...)؟
* الشيخ: إي، هذا صحيح؛ لأن نفسك اللي في جسمك تعرف نفس الرجل الآخر من الناس بمجرد ما تقابله تألفه، وبمجرد ما تشاهده تُنكره، أهل الفسق إذا رأوا الفاسق ألفته نفوسهم، وإذا رأوا أهل الخير نكرت نكرتهم، وكذلك أهل الخير مع أهل الفسق هذا معنى قوله: «جُنْدٌ مُجَنَّدَةٌ».
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦] هذا عود على حال أو على بيان حال اليهود والنصارى، هل عنادهم عن جهل بالرسول ﷺ؟ لا، ليستفاد به قوة الإنكار عليهم؛ لأنهم كانوا يعاندون عن عِلم.
* ومن فوائد الآية: أن نبوة الرسول ﷺ ثابتة في الرسالات السابقة لقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فهو يعرف من ابنه أكثر مما يعرف من بنته.
تلطف الله في الخطاب للرسول ﷺ حين قال، بينا في التفسير ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ولم يقل: إنك ظالم؛ لأن هذه العبارة ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أرق من قوله: إنك ظالم، وذكرنا شاهدًا بينًا لذلك في تلطف الخطاب من الله جل وعلا إلى النبي ﷺ، وهو؟
* طالب: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة ٤٣].
* الشيخ: غيرها؟
* طالب: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
* الشيخ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣] ولم يقل: عبست وتوليت.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ما معنى قوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾؟ ما معنى ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾؟
* الطالب: معناه أعطيناهم.
* الشيخ: كم تنصب من مفعول؟ أين المفعول الأول؟
* الطالب: الأول الضمير، والثاني الكتاب.
* الشيخ: أين خبر المبتدأ؟ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ لأن الذين مبتدأ فأين خبره؟
* الطالب: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، أحسنت. الضمير في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعود إلى من؟
* الطالب: يعود على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
* الشيخ: الضمير في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ الهاء، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ الهاء تعود على من؟
* الطالب: على محمد ﷺ.
* الشيخ: على النبي ﷺ نعم. فيه إشكال لم يسبق له ذكر؟
* طالب: كيف هذا الإشكال؟
* الشيخ: وأيش الإشكال إنه ما سبق له ذكر الرسول ﷺ؟
* الطالب: لكنه معروف في العهد الذهني.
* الشيخ: ما في هذا الضمير.
* الطالب: مذكور في كتب (...).
* الشيخ: إي، نحن تكلمنا عن الصياغة اللي معنا الآن، سياق القرآن ما سبق ذكر للرسول ﷺ حتى نقول الضمير يرجع إليه.
* الطالب: لأن القرآن بلسان النبي ﷺ..
* طالب آخر: (...) للعلم به.
* الشيخ: إي نعم، هذا معلوم من السياق وقد نقول: إنه سبق ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣] ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة ١٤٣] ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾.
* طالب: إذا قلنا: الضمير يعود على أقرب مذكور أقرب مذكور الكتاب؟
* الشيخ: يعرفون الكتاب ويش الفائدة من معرفة كتابهم؟
* الطالب: يعرفون أنه الحق.
* الشيخ: يعرفون أن كتابهم حق؟
* الطالب: الكتاب القرآن.
* الشيخ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى بني إسرائيل يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم.
لماذا خص الأبناء؟ لماذا خص الأبناء دون البنات ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾؟
* الطالب: ما أعرف.
* الشيخ: ذكرناها في التفسير.
* طالب: يعني (...).
* الشيخ: يعني كونه يعرفه معرفة أبنائه أشد من معرفة بناته لشدة عنايته بهم، هذا قول وأيش القول الثاني؟ وأيش تقول؟
* الطالب: من باب التغليب.
* الشيخ: لا، ما فيها إلا هذا، لكن لعله يريد أن يكون كابن جني لكل مسألة قولان، ما فيها إلا هذه، خص الأبناء بالذكر لتعلق النفس بهم أكثر من تعلقها بالبنات، فيكون معرفة الإنسان لهم أكثر من معرفة البنات.
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ما موضع الجملة من الإعراب؟
* طالب: منصوب على الحال.
* الشيخ: على الحال، من أين؟
* الطالب: يعلمون (...) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: حال من الكتاب، الكتاب ما هو بعلاقة؟
* الطالب: ما هو الكتاب.
* الشيخ: وينه؟ أعطني صاحب الحال ونصّ عليه؟
* طالب: الذين، أو الواو.
* طالب آخر: حال من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾.
* الشيخ: من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾. لماذا قيد كتمانهم بالعلم؟ لأيش قيدها بالعلم قال: ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؟
(...) ومن النصارى؟
* طالب: النجاشي.
* الشيخ: النجاشي، نعم.
* طالب: ورقة.
* الشيخ: ورقة، لا، من العرب، لكنه تنصَّر.
البقرة 2:147
قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة ١٤٧]، قال الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره.
وهنا الجملة لتقرير ما سبق؛ يعني أن الحق ثابت وحاصل من ربك، وقيل: إن ﴿الْحَقُّ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا الحق من ربك، فيكون في هذا تقوية للرسول ﷺ، وأنهم لما كتموا الحق لا تكن في مرية منه؛ لأن الإنسان بشر فقد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام لما أنكر هؤلاء الذين أوتوا الكتاب أنكروا الحق، قد يعتري الإنسان شيء من الشبهة وإن كان بعيدًا، فبيَّن أن ما جاء به هو الحق، قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهنا الربوبية خاصة ولَّا عامة؟
* الطلبة: خاصة.
* الشيخ: خاصة؛ لأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين، لكن أضافها إلى النبي ﷺ؛ لأن المقام يقتضيه حيث هو مقام التثبيت والنصرة، فلولا أن الله ثبت الرسول عليه الصلاة والسلام لكان كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٤] إذن فالربوبية هنا خاصة، وجاءت على وجه الخصوص؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ومن هو الرب؟
هو الخالق المالِك المدبر، وهو الذي خلق الخلق كله، وهو مالك الخلق كله، وهو المدبر للخلق كله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ هنا (لا) ناهية، والفعل بعدها مبني على الفتح في محل جزم ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ وإنما بُني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد؛ لأن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد صار مبنيًّا على الفتح دائمًا. وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ الخطاب لمن؟
* الطلبة: للرسول ﷺ.
* الشيخ: الخطاب للرسول ﷺ، وهذا النهي لا يقتضي أن يقع منه امتراء، كما أن الشر لا يقتضي أن يقع منه، فقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس ٩٤].
ما نقول: إن هذا التعليق يدل على وقوع الشك من الرسول عليه الصلاة والسلام بل ولا على جوازه، فإن الشرط قد يُعلق بما لا يمكن وقوعه، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هل يمكن هذا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يمكن، مستحيل، هنا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الامتراء، وليس يعنى ذلك أنه يمكن أن يقع منه بل نهاه ليستمر على انتفاء الامتراء عنه، كما أن الأمر بالإيمان للمؤمن ليس معناه تجديد الإيمان بل معناه الاستمرار عليه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦].
ومن المعلوم أن الإيمان ما يتم إلا بهذا وقد تم من قبل، لكن المراد أيش؟ الثبوت عليه والاستمرار عليه، هنا النهي فلا تكونن من الممترين؛ المراد الاستمرار على عدم امترائه، لا أن هذا الأمر وقع منه.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ما معنى من الامتراء؟ الشك، معناه الشك بالأمر الواقع، فما دام أن الحق من الله فإنه يجب أن يؤمن الإنسان به وأن لا يلحقه بذلك شك ولا مرية.
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ الجملة ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، لكن الخبر مقدم على المبتدأ، أين الخبر؟
* طالب: ﴿وِجْهَةٌ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَلِكُلٍّ﴾ هذا الخبر، والمبتدأ ﴿وِجْهَةٌ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فيها قراءتان: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ والقراءة الثانية: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ فتح، ﴿مُوَلَّاهَا﴾ بالفتح، أما على القراءة الأولى ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فالمعنى هو مستقبلها كما في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وأما على قراءة الفتح ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ أي هو مأمور بأن يستقبلها، مُوَلَّاهَا شرعًا؛ أي قد أمر بأن يتولاها ويستقبله. وقوله: ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ الوِجهة والوَجه والجهة معناها واحد؛ أي لكل من الناس جهة يتولاها، وهل المراد الجهة الحسية أو الجهة المعنوية، أو يشمل الأمرين؟
* الطلبة: يشمل الأمرين.
* الشيخ: يشمل الأمرين، ما يمكن يتفق الناس على وجهة واحدة، كل له وجهة؛ اليهود لهم وجهة، والنصارى لهم وجهة، والبوذيون لهم وجهة، والمشركون لهم وجهة، والشيوعيون لهم وجهة، والمسلمون لهم وجهة، كل واحد له وجهة مُولَّاها من قِبل الله شرعًا، أو قدرًا وشرعًا، أو قدرًا فقط، فالوجهة التي يتبعها المشركون واليهود والنصارى وما أشبه ذلك هذه وجهة قدرية، أما شرعية ما جعلها الله لهم؛ لأن الله ما شرع الكفر أبدًا ولا شرع شيئًا من خصال الكفر ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣].
وقوله: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ أو ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ الجملة في محل رفع صفة لأيش؟
* الطلبة: لـ﴿وِجْهَةٌ﴾.
* الشيخ: لـ﴿وِجْهَةٌ﴾، وليس هذا المعنى أو ليس المراد بهذه الجملة تقرير ما عليه أهل الكفر من الكفر، ولكن بيان أنه لا ينبغي لكم أيها المسلمون أن تقولوا: لماذا انفردنا عن غيرنا بهذه القبلة؛ لأن لكل أحد وجهة ولاه الله إياها.
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ﴿اسْتَبِقُوا﴾ من السبْق، أمر من السبْق، لكن الاستباق يدل على الافتعال؛ يعني على صدور السباق من اثنين؛ أي ليسبق بعضكم بعضًا، وقوله: ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ كان مقتضى العامل استبقوا أن تجر بـ(إلى) كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وكما في قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [الحديد ٢١] لكن هنا عُدِّيت بنفسها ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ لأجل أن يتضمن الفعل استبقوا فعلًا متعديًا بنفسه، المعنى: فافعلوا الخيرات متسابقين إليها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧] ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة ١٤٨] كان مقتضى الاستباق أن يتعدى بـ (إلى)، فاستبقوا إلى، الدليل أن هذا مقتضاه قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد ٢١] لكن هنا تعدى الفعل بنفسه إلى الخيرات؟
الجواب: لأنه ضمن معنى فعل يتعدى بنفسه، والمعنى: افعلوا الخيرات متسابقين إليها، وهذا هو فائدة التضمين، فائدة تضمين الفعل فعلًا آخر لأجل أن يدل التضمين على معنى فعل المضمن، ومعنى الفعل المضمن فيه عرفتم؟ استبقوا الآن تضمنت معنيين، ما هما؟ الفعل، والسبق إليه.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] قلنا: إن ﴿يَشْرَبُ﴾ مضمنة معنى يَروى، فعلى هذا تدل ﴿يَشْرَبُ﴾ على معنيين: الشرب مع الرِّي، بخلاف ما لو قال: يشرب منه؛ فإنها قد لا تدل على الري.
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أَيْنَ مَا﴾ هذه (أين) الشرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، و﴿تَكُونُوا﴾ فعل الشرط مجزومًا بأيش مجزوم؟
* طالب: بحذف النون.
* الشيخ: بحذف النون، والواو فاعل؛ لأن كان هنا تامة أو لا؟ وليست ناقصة، يعني أين ما توجدوا يأتِ بكم الله، يأتِ، لماذا لم يقل (يأتي) بالياء؟
* الطالب: لأنه جواب الشرط.
* الشيخ: لأنه جواب الشرط؛ لأن جواب الشرط يكون مجزومًا، فهي مجزومة بحذف الياء والكسرة قبلها دليل عليه. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ في بر أو بحر أو جو فإن الله يأت بكم جميعا، متى يأتي بهم؟ يوم القيامة، يحشر الله تعالى الأولين والآخرين في مقام واحد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠].
الأولين منذ خلق الله الكون إلى أن ينتهي، يجمعهم الله تبارك وتعالى في هذا اليوم إلى ميقات يوم معلوم ويحاسبهم سبحانه تعالى، وقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ حتى لو كانوا في الجو؟ يتصور هذا؟
* طالب: نعم.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: هذا الجو؟ هذا كائن في الأرض في البر، ما في (...).
* طالب: يقولون يا شيخ بأن الإنسان إذا ارتفع عن مستوى الجاذبية كان معلقًا في الجو لا ينزل الأرض ولا يصعد؟
* الشيخ: إي، لكن هل يموت في هذا المكان؟
* الطالب: ما فيه هواء.
* الشيخ: إي، نقول: هل يموت؟
* الطالب: يموت، يموت آه. لو فرضنا..
* الشيخ: ولو بقي حيًّا أيضًا، لكن قوله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف ٢٥] تقديم المعمول هنا المعروف أنه يدل على الحصر، فظاهره يدل أنه لا يموت الإنسان إلا في الأرض، وأنه ما يمكن يموت أحد معلقًا في الهواء، ولا بد أن يرجع.
* طالب: حديث الرجل يا شيخ الذي قال لأولاده؟
* الشيخ: هذا قال: «اذْرُونِي فِي الْيَمِّ»[[أخرجه البخاري (3479) من حديث حذيفة بهذا اللفظ، وهومتفق عليه؛ البخاري (3481)، ومسلم (2756 / 24) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* الطالب: ذروه في البحر، البحر من الأرض.
* طالب آخر: هل الجو ما هو تبع الأرض؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد أن يكون في الأرض نفسها ينزل، بس مشكلتنا الآن لو ماتوا فوق؟
* الطلبة: يرجع للأرض.
* الشيخ: يرجع للأرض إي، هذا هو الظاهر. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾.
* طالب: إذا مات في القمر؟
* الشيخ: لا أظن ما يصير، هذا ما يصير.
* الطالب: ولكن القمر تبع الأرض؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: القمر من الكواكب التي تبع الأرض.
* الشيخ: لا، لا، القمر قمر والأرض أرض.
* طالب: شيخ، (أينما) جمعت بشرط، شرطية؟
* الشيخ: لا، أو نقول: (أين) شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد.
* الطالب: ويصح أن نعربها جميعها؟
* الشيخ: ويصح أن نعربها جميعًا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة مؤكدة بـ(إن) ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾. وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ قدم على عامله وهو ﴿قَدِيرٌ﴾ لإفادة العموم هنا؛ يعني أن القدرة على كل شيء، ما يعجزه شيء سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ القدير ما معناه؟ هو الفاعل بدون عجز لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] شوف علَّل وما كان الله ليعجزه لماذا؟
لأنه عليم قدير، والعجز إما من جهل الفاعل أو من عدم قدرته. إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ما معنى القدير؟ هو الفاعل بدون عجز، فالقدرة إذن صفة يتمكن بها الفاعل من الفعل بدون عجز، هذا القدرة، الفرق بينها وبين القوة؟ الفرق بينها وبين القوة أو هي بمعنى القوة؟
* طالب: تختلف.
* الشيخ: القدرة هي أن يتمكن من الفعل بدون عجز، والقوة أن يتمكن من الفعل بدون ضعف، مثال ذلك ليتضح المقام: رجل قلنا له: احمل هذا الحجر، فأراد أن يحمله عجز، ما الذي انتفى عنه الآن؟
* الطلبة: القدرة.
* الشيخ: القدرة زين، الرجل الثاني قلنا: احمله فحمل لكن بضعف، يا الله حمله، انتفى عنه القوة. الثالث: حمله كأنه ريشة، هذا قوة مع القدرة، فإذن كل قوي فهو قادر فالقوة أخص؛ لأن كل قوي فهو قادر، لكنها تفترق عنها بأن القدرة تختص بذي الشعور، والقوة لا تختص به، فإنه يقال للحديد: قوي، ولا يقال له: قادر، أليس كذلك؟
إذن فالقوة أكمل من القدرة فيمن يتصف بالقدرة، لكن القدرة تختص بذي الشعور والإرادة والقوة لا تختص بدليل أنك تقول: الحديد قوي ولا تقول: الحديد قادر، واضح؟ هل الله يوصف بالقدرة فقط أو بالقدرة والقوة؟
* الطلبة: بالقدرة والقوة.
* الشيخ: بالقدرة والقوة، وفي عدة آيات من القرآن الكريم وصف الله نفسه بالقوة، فهو سبحانه وتعالى قوي قدير، أما الآدمي فإنه عاجز ضعيف ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، فأصل الإنسان الضعف ومنتهاه الضعف، وكذلك العجز كما قال الله تعالى ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة ٢٦٤].
قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقدم أننا نبهنا على كلمة يقولها بعض الناس، فيقول: إن الله على ما يشاء قدير، وقلنا: إن هذا لا ينبغي:
أولًا: لأنه خلاف إطلاق النص، النص مطلق.
وثانيًا: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة فيما يشاء الله دون ما لم يشأه، والله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، قادر على هذا وهذا.
وثالثا: أنه يفهم مذهب المعتزلة القدرية الذين قالوا: إن الله عز وجل لا يشاء أفعال العبد فهو غير قادر عليها، ولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، لا بأس أن تقيد بالمشيئة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩].
فإن ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾ عائدة على الجمع ما هي على القدرة، فهو قدير شاء أم لم يشأ، قدير على الشيء شاءه أم لم يشأه، لكن جمعهم ما يقع إلا بالمشيئة، ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]] لأنه يتكلم عن فعل معين، ولهذا قال: قادر، ولم يقل: قدير، أتى باسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة الدالة على الاتصاف بها بالقدرة.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٩] الله أكبر ما أعظم هذا الحدث! ولهذا أكده الله عدة مرات ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ من حيث قريب، (من) حرف جر، و(حيث) مضموم ويش لون هذا؟ في العادة أن (من) حرف الجر تجر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء ٧٩] ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ كيفها هنا قال: ﴿مِنْ حَيْثُ﴾؟
* الطلبة: لأنها مضمومة، مبنية على الضم.
* الشيخ: لأنها مبنية على الضم، والمبني بناء محكم ما يتغير أوْ لا؟ قال ابن مالك في الألفية:
* طالب: حيث وإذ وإن ينون.
* الشيخ: لا، لا النص على بناء حيث
.......................... ∗∗∗ كَأَيْنَ أَمْسِ حَيْثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ
فحيثُ مبنية على الضم، إذن (من) حرف جر، و(حيث) اسم مجرور بـ (مِن) أو اسم مبني على الضم في محل جر؟
* طالب: مبني على الضم.
* الشيخ: اسم مبني على الضم، ما نقول: مجرور؛ لأنه ما جر، اسم مبني على الضم في محل جر. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الخطاب هنا إما أن يكون للرسول ﷺ وإما أن يكون لكل من يتأتّى خطابه، من حيث خرجت أيها الإنسان ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ يعني قبّله، اجعله مستقبلًا، ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ متى؟
عند الصلاة طبعًا عند الصلاة، ما هو المعنى: كلما خرجت لازم يصير وجهك لمة القبلة، لا مو هذا معقول. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي عند الصلاة.
وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ ما معنى شطر المسجد؟
* الطلبة: الجهة.
* الشيخ: أي جهته، جهة المسجد، والمسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة لقول النبي ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»[[أخرجه أحمد في مسنده (١١٧٣٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]] بل لقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح ٢٥]. وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المراد؟
* طالب: جهة.
* الشيخ: كيف جهة؟! شطر بمعنى جهة نعم، جهة المسجد الحرام، ووصف بالحرام لاحترامه وتعظيمه، ولذلك كان هذا المسجد محترمًا معظمًا حتى ما حوله صار محترمًا معظمًا، البلد آمن حتى الأشجار التي لا إحساس لها آمنة في هذا المكان، ولهذا حرم النبي عليه الصلاة والسلام «أَنْ يُخْتَلَى خَلَاهَا أَوْ يُعْضَدَ شَوْكُهُ أَوْ يُقْطَعُ شَجَرُهُ »[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس.]] كل ذلك لاحترام هذا المكان.
* طالب: قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ورد (...)؟
* الشيخ: إي، ﴿مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني أي مكان تخرج حتى في البر في البحر إذا خرجت في أي مكان.
* طالب: لماذا يا شيخ يعني ما قال: تجاه البيت؟
* الشيخ: إي؛ لأن المسجد الحرام فيه الكعبة، والإنسان البعيد ما يمكن أن يصيب عين الكعبة، وهو في الحقيقة إذا قال قائل هذا الإيراد نقول: لأن الكعبة في المسجد، فمن تولى المسجد تمامًا، فطبعًا المسجد مركزه هي الكعبة، أين ما كنت فإنك تنصب إلى الكعبة.
* طالب: ما معنى الإيراد؟
* الشيخ: الإيراد يقول: لماذا لم يقل: فول وجهك الكعبة بل شطر المسجد الحرام؟ نقول: لأن الكعبة فيه.
* طالب: إن شطر المسجد تقال للتوسيع وأن تتسع دائرته يبعد عنه.
* الشيخ: إي نعم، إي، لكن إذا قلنا: إن اتسعت دائرته، وقلنا: إنك إذا اتجهت إلى قلب المسجد فقلب المسجد هي الكعبة ما هو معناها لو فرضنا، الآن ما هو لو فرضنا، الواقع الآن المسجد أوسع من الكعبة، فهل إذا كان الإنسان من الشمال أو من الجنوب إذا اتجه إلى الشمال خلى الكعبة عن يساره، صحيح أنه متجه إلى جزء من المسجد، إلى جزء منه، لكنه لم يتجه إلى قلب المسجد؛ لأن قلب المسجد هي الكعبة.
* طالب: يفهم من قوله ﴿شَطْرَ﴾ إذن هي قلبه؟
* الشيخ: إي نعم شطره؛ لأن المراد جهته جهة المسجد، وبعضهم يقول: نحو المسجد، نحو المسجد الحرام، تعبير الجلالين يقول: نحو المسجد الحرام.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* الطالب: ما هو الوجه؟
* الشيخ: أردت من المراد بالوجه جميع البدن، لكنه نص على الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إنه أي توليك شطر المسجد الحرام للحق، ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ﴾ اللام هنا للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بمؤكدين: إحداهما (إن)، والثانية: اللام. وقول: ﴿لَلْحَقُّ﴾ الحق تقدم لنا أنه بمعنى الشيء الثابت؛ لأنه محقوق؛ أي مثبت. ومنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦] حقت بمعنى ثبتت ووجبت. فقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ إن كان في مقام الأحكام فالمراد به العدل، وإن كان في مقام الأخبار فالمراد به الصدق، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام ١١٥].
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تقدم الكلام عليه، وأن هذه ربوبية خاصة، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وفي قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هل هي حجازية ولا تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: ما فيه دليل أنها حجازية؛ لأنها دخلت على الباء في الخبر، والباء في الخبر تمنع أن تكون معلومة هل هي حجازية أو تميمية، ولكننا نقول: القرآن الكريم نزل بلغة العرب بلغة قريش، والدليل على ذلك أنها إذا جاءت في مكان آخر نصبت الخبر كما في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] لو كانت تميمية لقال: ما هذا بشر، فعُلم من ذلك أن (ما) بالقرآن إذا تمت شروطها فإنها تعمل عمل (ليس) حجازية، كيف نعرب ﴿بِغَافِلٍ﴾؟
نعربه فنقول: (الباء) حرف جر زائد للتوكيد، وقلت لكم فيما سبق: إن الأولى أن نقول: الباء للتوكيد فقط، ما نقول: زائد لئلا يفهم السامع أن في القرآن ما ليس له معنى، فنقول: الباء للتوكيد، وغافل: خبر ما منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر، ولا أحد يقول: إنه زائد.
وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾ ما معنى الغفلة؟ الغفلة الذهول عن الشيء وعدم الفراغ له، والله سبحانه وتعالى نفى الغفلة عن نفسه ليثبت بذلك كمال علمه ومراقبته، فالصفة إذن من الصفات السلبية التي يُراد بها نفيُها مع إثبات كمال ضدِّها؛ أي لكمال علمه وكمال مراقبته لا يغفل عن ما يعمل الناس، وقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء خطاب للمسلمين، و﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء خطاب لمن؟ لهؤلاء الذين اعترضوا على النبي ﷺ، فإن الله تعالى ليس بغافل عنهم، بل سوف يجازيهم بما يستحقون.
* طالب: دائمًا يا شيخ (عَمَّا تَعْمَلُونَ) و(عَمَّا يَعْمَلُونَ) فيها قراءتين؟
* الشيخ: لا لا، ليس بدائم، أحيانا (عَمَّا يَعْمَلُونَ) بالياء وأحيانًا بالتاء وأحيانًا بها قراءتان.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أن ما جاء من عند الله فهو حق لقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* ومنها: أن ما خالف عما جاء من الله فهو باطل لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢].
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالنبي ﷺ بذكره بالربوبية الخاصة لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد سبق لنا غير مرة أن ربوبية الله سبحانه وتعالى عامة وخاصة، وأنهما اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢].
* ومن فوائد الآية: أن الشك ينافي الإيمان لقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه قد يُنهى عن الشيء مع استحالة وقوعه لقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فإن النبي عليه الصلاة والسلام لن يكون من ذلك، من هؤلاء الصنف.
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول ﷺ بالتثبيت؛ لأن قوله له: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقتضي ثباته عليه، وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يقتضي استمراره على هذا الثبات، ولا شك أن في هذا من تأييد الرسول عليه الصلاة والسلام وتثبيته ما هو ظاهر.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن الأمم قد تختلف مناهجها، وإن اتفقت على أصل واحد وهو الإسلام، لكن تختلف المناهج لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].
* ومن فوائدها: أن الإنسان يجب عليه اتباع الحق ولا ينظر إلى غيره، لا يقل: والله الناس على كذا فكيف أشذ عنهم؟ بل يجب عليه أن يتبع الحق أين ما كان؛ لأن قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ يشتمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية؛ يعني ما وجّه الله العباد إليه شرعًا، وما وجههم إليه قدرًا؛ فالوجهة القدرية معروف من الناس من يهديه الله سبحانه وتعالى فيكون اتجاهه إلى الحق، ومن الناس من يُخذل فيضل فيكون اتجاهه إلى الباطل، فلا يغرنك اتجاه غيرك إلى الباطل إذا كنت على الحق ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، ويشمل ما قلت قبل قليل يشمل الوجهة الشرعية، وهي اختلاف الشرائع بينها فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقًّا، فإنها حق من الله.
* ومن فوائد الآية: وجوب المسابقة إلى الخير لقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
* ومنها: أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأن الاستباق إلى الخير لا يكون إلا بالمبادرة إلى فعله، فهذه الآية مما يستدل به على أن الأمر للفورية.
* ومنها: البلاغة التامة في قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، دون استبقوا إلى الخيرات، وإن كان بعض الناس يقولون: إنها نُزع منها حرف الجر، فليس بصحيح، الآية ما فيها نزع؛ لأن استبقوا الخيرات يشمل الاستباق إليها والاستباق فيها، ما هو المعنى إذا وصلت إلى الخير فتقف، لا حتى بنفس فعلك للخير، كن مسابقًا، وهذا يشبهه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] لم يقل: اهدنا إلى الصراط؛ لأن المطلوب أن يصل الإنسان إلى الصراط ويستمر فيه، ولهذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هذه مثلها، وإن كان بعض المفسرين نحا إلى أنها منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: استبقوا إلى الخيرات، لكنها الصواب أنها ليست كذلك.
* من فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بالخلق أينما كانوا لقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾.
* ومنها: الإشارة إلى البعث؛ لأن الإتيان بالجمع متى يكون؟
* الطلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣].
* ومن فوائد الآية: إثبات قدرة الله عز وجل، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأنها شاملة لكل شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
* طالب: شيخ، ألا يستفاد من الآية الرد على الجبرية (...)؟
* الشيخ: إي نعم، قد يستفاد على قراءة: ﴿مُوَلِّيهَا﴾ أو ﴿مُوَلَّاهَا﴾ ففيها قراءة هو ﴿مُوَلَّاهَا﴾ قد يحتجون به لكن لا مانع أن نبحث هذا، على قراءة ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ واضح أن الفاعل هو الإنسان المتجه. وعلى قراءة: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ معناه أن الله هو الذي ولَّاه إياها، وليس فيه دليل على مذهب الجبرية، يعني ليس فيه دليل لهم بأنه حق؛ لأن المراد بـ﴿مُوَلَّاهَا﴾ الوجهة الشرعية، المراد بها الوجهة الشرعية، أما على ﴿مُوَلِّيهَا﴾ فتشمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية، أما ﴿مُوَلَّاهَا﴾ فإنها إنما يراد بها الوجهة الشرعية، يعني مُولًّى إياها موجه إليها، وقد تكون أيضًا للوجهة القدرية ولا مانع، فيكون الله سبحانه وتعالى يوليه إياها حينما زاغ، إذا زاغ عن الحق أزاغ الله قلوبهم.
* طالب: شيخ، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (...)؟
* الشيخ: إي نعم، حتى ما فيها دليل ما فيها دليل أصلًا. قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: وجوب التوجه إلى المسجد الحرام أين ما كان الإنسان لقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾.
* ومن وفوائدها أيضًا: أن الأمر الهام يُكرر لتثبيته، والتثبيت عليه، ودفع المعارضة فيه، فالأمور الهامة وهذا أمر هام كون المسلمين يُنقلون من وجهة إلى وجهة للقبلة أمر هام له شأنه العظيم، ولهذا ارتد من ارتد من الناس، نسأل الله العافية، فيكرر لأمور ثلاثة؛ وهي: تثبيته، والتثبيت عليه، ودفع المعارضة، حتى لا أحد يعارض؛ لأنه إذا كلما كرر معناه أنه أمر ثابت محكم يجب الثبوت عليه، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات حرمة المسجد الحرام لقوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومن فوائدها: أن التوجه إلى القبلة هو الحق، وأنه ليس صادرًا عن هوى لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فأثبت فيه الحقية مؤكدًا بـ (إن) و(اللام).
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالنبي عليه الصلاة والسلام بالربوبية الخاصة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.
* ومن فوائدها: كمال عِلم الله سبحانه وتعالى ومراقبته لخلقه، نأخذها من قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قراءتان.
(...) لأن العدم المحض ليس بشيء فضلا عن أن يكون مدحًا، فإن العدم ليس بالشيء، لكنه يكون شيئا إذا تضمن إثباتًا، كل ما نفى الله عن نفسه فإنه صفة نقص وعيب، ويتضمن كم؟
شيئين: نفيَ هذه الصفة المعيّنة المنفية، والثاني: إثبات كمال ضدها، وبهذا نعلم أن صفات الله سبحانه وتعالى كاملة ليس فيها عيب بوجه من الوجوه.
ومنها: إضافة العمل إلى الإنسان، فيكون فيه رد على مَن؟ الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾؟ ولا شك أن الإنسان يضاف إليه عملُه، وعمله كسب له إن كان في الخير، واكتساب إن كان في الشر؛ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ وعلى كل حال، الناسُ في هذه المسألة، كما مرَّ علينا في العقيدة، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم يرون أن الإنسان مجبر على العمل، ما يفعل شيئا باختيارٍ أبدًا، وما فعلُه الاختياري إلا كفعله الاضطراري؛ كمَن نزل من السطح مع الدرج درجةً درجةً، هو في الحقيقة كمن سقط بدون عِلمه من أعلى السطح، عرفتم؟ هذا مقبول لدي المعقول ولّا لا؟ غير مقبول.
ومنهم من قال: إن الإنسان مستقلٌّ بعلمه، وأن الله سبحانه وتعالى لا يصرف العبد إطلاقًا، فالعبد له الحرية الكاملة في عمله، ولا تعلُّقَ لمشيئة الله به، ولا تعلق لتقدير الله وخلقه بعمل الإنسان، الإنسان حرٌّ تام الحرية، وهذا في الحقيقة قولٌ باطلٌ أيضًا؛ لأنه يستلزم أن يكون في خلق الله ما لا يقدر عليه الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لأنه ما دام الإنسان حُرَّا في تصرفه، معناه: يقدر يعاكس ما يريد الله، فيكون في خلق الله ما لا يقدر عليه الله، بل ما لا يشاؤه الله. وهذا أيضًا قول باطل، إذا تبين لنا بطلان هذا وهذا، فإنه لا بد أن يكون الحق في سواهما، فما هو الحق إذن؟ الحق أن نقول: إن الإنسان يفعل الفعل باختياره، ونعني بذلك: الفعل الاختياري، يقع منه باختياره، دون رعشة المرتعش وحركة النائم لما يدري، لكنَّا نريد ما يفعل الإنسان باختياره، يقع ذلك باختياره ولكنه تحت مشيئة الله وهو بخلق الله أيضًا، ووجه كونه بخلق الله أن الإنسان مخلوق لله وفعله كائن بأمرين: بعزيمة صادقة وقدرة، توافقون على هذا؟
* الطلبة: نعم
* الشيخ: مَن خلق العزيمة الصادقة والقدرة؟ الله عز وجل هو الذي خلق العزيمة الصادقة والقدرة، فالإنسان بصفاته وأجزائه وجميع ما فيه كلِّه مخلوق لله عز وجل، ولا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريده ولا يشاؤه، بل هو بمشيئته، هذا القول الوسط أخذت بيديه بالأدلة جميعا؛ لأن الذين قالوا: إن الإنسان مجبر أخذوا بدليل واحد وأطلقوا من أيديهم الدليل الآخر، والذين قالوا: إنه مستقل، أخذوا بدليل واحد وأطلقوا الدليل الثاني، لكن أهل السنة والجماعة -والحمد الله- أخذوا بأيديهم بالدليلين وقالوا: الإنسان يفعل باختياره، ولكنَّ تصرفه تحت مشيئة الله عز وجل؛ ولهذا إذا جاء الأمر بغير اختياره رفع عنه حكمه؛ فالنائم لا حكمَ لفعله ولا لقوله، والمكرَه على الشيء لا حكم لفعله، بل أبلغ من ذلك الجاهلُ بالشيء لا حكم لفعله، مع أنه قد قصد الفعل لكنه لجهله يُعفى عنه، كل هذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
البقرة 2:148
قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة ١٤٧]، قال الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره.
وهنا الجملة لتقرير ما سبق؛ يعني أن الحق ثابت وحاصل من ربك، وقيل: إن ﴿الْحَقُّ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا الحق من ربك، فيكون في هذا تقوية للرسول ﷺ، وأنهم لما كتموا الحق لا تكن في مرية منه؛ لأن الإنسان بشر فقد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام لما أنكر هؤلاء الذين أوتوا الكتاب أنكروا الحق، قد يعتري الإنسان شيء من الشبهة وإن كان بعيدًا، فبيَّن أن ما جاء به هو الحق، قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهنا الربوبية خاصة ولَّا عامة؟
* الطلبة: خاصة.
* الشيخ: خاصة؛ لأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين، لكن أضافها إلى النبي ﷺ؛ لأن المقام يقتضيه حيث هو مقام التثبيت والنصرة، فلولا أن الله ثبت الرسول عليه الصلاة والسلام لكان كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٤] إذن فالربوبية هنا خاصة، وجاءت على وجه الخصوص؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ومن هو الرب؟
هو الخالق المالِك المدبر، وهو الذي خلق الخلق كله، وهو مالك الخلق كله، وهو المدبر للخلق كله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ هنا (لا) ناهية، والفعل بعدها مبني على الفتح في محل جزم ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ وإنما بُني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد؛ لأن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد صار مبنيًّا على الفتح دائمًا. وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ الخطاب لمن؟
* الطلبة: للرسول ﷺ.
* الشيخ: الخطاب للرسول ﷺ، وهذا النهي لا يقتضي أن يقع منه امتراء، كما أن الشر لا يقتضي أن يقع منه، فقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس ٩٤].
ما نقول: إن هذا التعليق يدل على وقوع الشك من الرسول عليه الصلاة والسلام بل ولا على جوازه، فإن الشرط قد يُعلق بما لا يمكن وقوعه، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هل يمكن هذا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يمكن، مستحيل، هنا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الامتراء، وليس يعنى ذلك أنه يمكن أن يقع منه بل نهاه ليستمر على انتفاء الامتراء عنه، كما أن الأمر بالإيمان للمؤمن ليس معناه تجديد الإيمان بل معناه الاستمرار عليه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦].
ومن المعلوم أن الإيمان ما يتم إلا بهذا وقد تم من قبل، لكن المراد أيش؟ الثبوت عليه والاستمرار عليه، هنا النهي فلا تكونن من الممترين؛ المراد الاستمرار على عدم امترائه، لا أن هذا الأمر وقع منه.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ما معنى من الامتراء؟ الشك، معناه الشك بالأمر الواقع، فما دام أن الحق من الله فإنه يجب أن يؤمن الإنسان به وأن لا يلحقه بذلك شك ولا مرية.
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ الجملة ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، لكن الخبر مقدم على المبتدأ، أين الخبر؟
* طالب: ﴿وِجْهَةٌ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَلِكُلٍّ﴾ هذا الخبر، والمبتدأ ﴿وِجْهَةٌ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فيها قراءتان: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ والقراءة الثانية: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ فتح، ﴿مُوَلَّاهَا﴾ بالفتح، أما على القراءة الأولى ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فالمعنى هو مستقبلها كما في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وأما على قراءة الفتح ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ أي هو مأمور بأن يستقبلها، مُوَلَّاهَا شرعًا؛ أي قد أمر بأن يتولاها ويستقبله. وقوله: ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ الوِجهة والوَجه والجهة معناها واحد؛ أي لكل من الناس جهة يتولاها، وهل المراد الجهة الحسية أو الجهة المعنوية، أو يشمل الأمرين؟
* الطلبة: يشمل الأمرين.
* الشيخ: يشمل الأمرين، ما يمكن يتفق الناس على وجهة واحدة، كل له وجهة؛ اليهود لهم وجهة، والنصارى لهم وجهة، والبوذيون لهم وجهة، والمشركون لهم وجهة، والشيوعيون لهم وجهة، والمسلمون لهم وجهة، كل واحد له وجهة مُولَّاها من قِبل الله شرعًا، أو قدرًا وشرعًا، أو قدرًا فقط، فالوجهة التي يتبعها المشركون واليهود والنصارى وما أشبه ذلك هذه وجهة قدرية، أما شرعية ما جعلها الله لهم؛ لأن الله ما شرع الكفر أبدًا ولا شرع شيئًا من خصال الكفر ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣].
وقوله: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ أو ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ الجملة في محل رفع صفة لأيش؟
* الطلبة: لـ﴿وِجْهَةٌ﴾.
* الشيخ: لـ﴿وِجْهَةٌ﴾، وليس هذا المعنى أو ليس المراد بهذه الجملة تقرير ما عليه أهل الكفر من الكفر، ولكن بيان أنه لا ينبغي لكم أيها المسلمون أن تقولوا: لماذا انفردنا عن غيرنا بهذه القبلة؛ لأن لكل أحد وجهة ولاه الله إياها.
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ﴿اسْتَبِقُوا﴾ من السبْق، أمر من السبْق، لكن الاستباق يدل على الافتعال؛ يعني على صدور السباق من اثنين؛ أي ليسبق بعضكم بعضًا، وقوله: ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ كان مقتضى العامل استبقوا أن تجر بـ(إلى) كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وكما في قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [الحديد ٢١] لكن هنا عُدِّيت بنفسها ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ لأجل أن يتضمن الفعل استبقوا فعلًا متعديًا بنفسه، المعنى: فافعلوا الخيرات متسابقين إليها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧] ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة ١٤٨] كان مقتضى الاستباق أن يتعدى بـ (إلى)، فاستبقوا إلى، الدليل أن هذا مقتضاه قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد ٢١] لكن هنا تعدى الفعل بنفسه إلى الخيرات؟
الجواب: لأنه ضمن معنى فعل يتعدى بنفسه، والمعنى: افعلوا الخيرات متسابقين إليها، وهذا هو فائدة التضمين، فائدة تضمين الفعل فعلًا آخر لأجل أن يدل التضمين على معنى فعل المضمن، ومعنى الفعل المضمن فيه عرفتم؟ استبقوا الآن تضمنت معنيين، ما هما؟ الفعل، والسبق إليه.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] قلنا: إن ﴿يَشْرَبُ﴾ مضمنة معنى يَروى، فعلى هذا تدل ﴿يَشْرَبُ﴾ على معنيين: الشرب مع الرِّي، بخلاف ما لو قال: يشرب منه؛ فإنها قد لا تدل على الري.
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أَيْنَ مَا﴾ هذه (أين) الشرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، و﴿تَكُونُوا﴾ فعل الشرط مجزومًا بأيش مجزوم؟
* طالب: بحذف النون.
* الشيخ: بحذف النون، والواو فاعل؛ لأن كان هنا تامة أو لا؟ وليست ناقصة، يعني أين ما توجدوا يأتِ بكم الله، يأتِ، لماذا لم يقل (يأتي) بالياء؟
* الطالب: لأنه جواب الشرط.
* الشيخ: لأنه جواب الشرط؛ لأن جواب الشرط يكون مجزومًا، فهي مجزومة بحذف الياء والكسرة قبلها دليل عليه. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ في بر أو بحر أو جو فإن الله يأت بكم جميعا، متى يأتي بهم؟ يوم القيامة، يحشر الله تعالى الأولين والآخرين في مقام واحد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠].
الأولين منذ خلق الله الكون إلى أن ينتهي، يجمعهم الله تبارك وتعالى في هذا اليوم إلى ميقات يوم معلوم ويحاسبهم سبحانه تعالى، وقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ حتى لو كانوا في الجو؟ يتصور هذا؟
* طالب: نعم.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: هذا الجو؟ هذا كائن في الأرض في البر، ما في (...).
* طالب: يقولون يا شيخ بأن الإنسان إذا ارتفع عن مستوى الجاذبية كان معلقًا في الجو لا ينزل الأرض ولا يصعد؟
* الشيخ: إي، لكن هل يموت في هذا المكان؟
* الطالب: ما فيه هواء.
* الشيخ: إي، نقول: هل يموت؟
* الطالب: يموت، يموت آه. لو فرضنا..
* الشيخ: ولو بقي حيًّا أيضًا، لكن قوله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف ٢٥] تقديم المعمول هنا المعروف أنه يدل على الحصر، فظاهره يدل أنه لا يموت الإنسان إلا في الأرض، وأنه ما يمكن يموت أحد معلقًا في الهواء، ولا بد أن يرجع.
* طالب: حديث الرجل يا شيخ الذي قال لأولاده؟
* الشيخ: هذا قال: «اذْرُونِي فِي الْيَمِّ»[[أخرجه البخاري (3479) من حديث حذيفة بهذا اللفظ، وهومتفق عليه؛ البخاري (3481)، ومسلم (2756 / 24) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* الطالب: ذروه في البحر، البحر من الأرض.
* طالب آخر: هل الجو ما هو تبع الأرض؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد أن يكون في الأرض نفسها ينزل، بس مشكلتنا الآن لو ماتوا فوق؟
* الطلبة: يرجع للأرض.
* الشيخ: يرجع للأرض إي، هذا هو الظاهر. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾.
* طالب: إذا مات في القمر؟
* الشيخ: لا أظن ما يصير، هذا ما يصير.
* الطالب: ولكن القمر تبع الأرض؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: القمر من الكواكب التي تبع الأرض.
* الشيخ: لا، لا، القمر قمر والأرض أرض.
* طالب: شيخ، (أينما) جمعت بشرط، شرطية؟
* الشيخ: لا، أو نقول: (أين) شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد.
* الطالب: ويصح أن نعربها جميعها؟
* الشيخ: ويصح أن نعربها جميعًا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة مؤكدة بـ(إن) ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾. وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ قدم على عامله وهو ﴿قَدِيرٌ﴾ لإفادة العموم هنا؛ يعني أن القدرة على كل شيء، ما يعجزه شيء سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ القدير ما معناه؟ هو الفاعل بدون عجز لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] شوف علَّل وما كان الله ليعجزه لماذا؟
لأنه عليم قدير، والعجز إما من جهل الفاعل أو من عدم قدرته. إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ما معنى القدير؟ هو الفاعل بدون عجز، فالقدرة إذن صفة يتمكن بها الفاعل من الفعل بدون عجز، هذا القدرة، الفرق بينها وبين القوة؟ الفرق بينها وبين القوة أو هي بمعنى القوة؟
* طالب: تختلف.
* الشيخ: القدرة هي أن يتمكن من الفعل بدون عجز، والقوة أن يتمكن من الفعل بدون ضعف، مثال ذلك ليتضح المقام: رجل قلنا له: احمل هذا الحجر، فأراد أن يحمله عجز، ما الذي انتفى عنه الآن؟
* الطلبة: القدرة.
* الشيخ: القدرة زين، الرجل الثاني قلنا: احمله فحمل لكن بضعف، يا الله حمله، انتفى عنه القوة. الثالث: حمله كأنه ريشة، هذا قوة مع القدرة، فإذن كل قوي فهو قادر فالقوة أخص؛ لأن كل قوي فهو قادر، لكنها تفترق عنها بأن القدرة تختص بذي الشعور، والقوة لا تختص به، فإنه يقال للحديد: قوي، ولا يقال له: قادر، أليس كذلك؟
إذن فالقوة أكمل من القدرة فيمن يتصف بالقدرة، لكن القدرة تختص بذي الشعور والإرادة والقوة لا تختص بدليل أنك تقول: الحديد قوي ولا تقول: الحديد قادر، واضح؟ هل الله يوصف بالقدرة فقط أو بالقدرة والقوة؟
* الطلبة: بالقدرة والقوة.
* الشيخ: بالقدرة والقوة، وفي عدة آيات من القرآن الكريم وصف الله نفسه بالقوة، فهو سبحانه وتعالى قوي قدير، أما الآدمي فإنه عاجز ضعيف ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، فأصل الإنسان الضعف ومنتهاه الضعف، وكذلك العجز كما قال الله تعالى ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة ٢٦٤].
قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقدم أننا نبهنا على كلمة يقولها بعض الناس، فيقول: إن الله على ما يشاء قدير، وقلنا: إن هذا لا ينبغي:
أولًا: لأنه خلاف إطلاق النص، النص مطلق.
وثانيًا: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة فيما يشاء الله دون ما لم يشأه، والله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، قادر على هذا وهذا.
وثالثا: أنه يفهم مذهب المعتزلة القدرية الذين قالوا: إن الله عز وجل لا يشاء أفعال العبد فهو غير قادر عليها، ولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، لا بأس أن تقيد بالمشيئة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩].
فإن ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾ عائدة على الجمع ما هي على القدرة، فهو قدير شاء أم لم يشأ، قدير على الشيء شاءه أم لم يشأه، لكن جمعهم ما يقع إلا بالمشيئة، ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]] لأنه يتكلم عن فعل معين، ولهذا قال: قادر، ولم يقل: قدير، أتى باسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة الدالة على الاتصاف بها بالقدرة.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٩] الله أكبر ما أعظم هذا الحدث! ولهذا أكده الله عدة مرات ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ من حيث قريب، (من) حرف جر، و(حيث) مضموم ويش لون هذا؟ في العادة أن (من) حرف الجر تجر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء ٧٩] ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ كيفها هنا قال: ﴿مِنْ حَيْثُ﴾؟
* الطلبة: لأنها مضمومة، مبنية على الضم.
* الشيخ: لأنها مبنية على الضم، والمبني بناء محكم ما يتغير أوْ لا؟ قال ابن مالك في الألفية:
* طالب: حيث وإذ وإن ينون.
* الشيخ: لا، لا النص على بناء حيث
.......................... ∗∗∗ كَأَيْنَ أَمْسِ حَيْثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ
فحيثُ مبنية على الضم، إذن (من) حرف جر، و(حيث) اسم مجرور بـ (مِن) أو اسم مبني على الضم في محل جر؟
* طالب: مبني على الضم.
* الشيخ: اسم مبني على الضم، ما نقول: مجرور؛ لأنه ما جر، اسم مبني على الضم في محل جر. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الخطاب هنا إما أن يكون للرسول ﷺ وإما أن يكون لكل من يتأتّى خطابه، من حيث خرجت أيها الإنسان ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ يعني قبّله، اجعله مستقبلًا، ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ متى؟
عند الصلاة طبعًا عند الصلاة، ما هو المعنى: كلما خرجت لازم يصير وجهك لمة القبلة، لا مو هذا معقول. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي عند الصلاة.
وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ ما معنى شطر المسجد؟
* الطلبة: الجهة.
* الشيخ: أي جهته، جهة المسجد، والمسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة لقول النبي ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»[[أخرجه أحمد في مسنده (١١٧٣٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]] بل لقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح ٢٥]. وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المراد؟
* طالب: جهة.
* الشيخ: كيف جهة؟! شطر بمعنى جهة نعم، جهة المسجد الحرام، ووصف بالحرام لاحترامه وتعظيمه، ولذلك كان هذا المسجد محترمًا معظمًا حتى ما حوله صار محترمًا معظمًا، البلد آمن حتى الأشجار التي لا إحساس لها آمنة في هذا المكان، ولهذا حرم النبي عليه الصلاة والسلام «أَنْ يُخْتَلَى خَلَاهَا أَوْ يُعْضَدَ شَوْكُهُ أَوْ يُقْطَعُ شَجَرُهُ »[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس.]] كل ذلك لاحترام هذا المكان.
* طالب: قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ورد (...)؟
* الشيخ: إي، ﴿مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني أي مكان تخرج حتى في البر في البحر إذا خرجت في أي مكان.
* طالب: لماذا يا شيخ يعني ما قال: تجاه البيت؟
* الشيخ: إي؛ لأن المسجد الحرام فيه الكعبة، والإنسان البعيد ما يمكن أن يصيب عين الكعبة، وهو في الحقيقة إذا قال قائل هذا الإيراد نقول: لأن الكعبة في المسجد، فمن تولى المسجد تمامًا، فطبعًا المسجد مركزه هي الكعبة، أين ما كنت فإنك تنصب إلى الكعبة.
* طالب: ما معنى الإيراد؟
* الشيخ: الإيراد يقول: لماذا لم يقل: فول وجهك الكعبة بل شطر المسجد الحرام؟ نقول: لأن الكعبة فيه.
* طالب: إن شطر المسجد تقال للتوسيع وأن تتسع دائرته يبعد عنه.
* الشيخ: إي نعم، إي، لكن إذا قلنا: إن اتسعت دائرته، وقلنا: إنك إذا اتجهت إلى قلب المسجد فقلب المسجد هي الكعبة ما هو معناها لو فرضنا، الآن ما هو لو فرضنا، الواقع الآن المسجد أوسع من الكعبة، فهل إذا كان الإنسان من الشمال أو من الجنوب إذا اتجه إلى الشمال خلى الكعبة عن يساره، صحيح أنه متجه إلى جزء من المسجد، إلى جزء منه، لكنه لم يتجه إلى قلب المسجد؛ لأن قلب المسجد هي الكعبة.
* طالب: يفهم من قوله ﴿شَطْرَ﴾ إذن هي قلبه؟
* الشيخ: إي نعم شطره؛ لأن المراد جهته جهة المسجد، وبعضهم يقول: نحو المسجد، نحو المسجد الحرام، تعبير الجلالين يقول: نحو المسجد الحرام.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* الطالب: ما هو الوجه؟
* الشيخ: أردت من المراد بالوجه جميع البدن، لكنه نص على الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إنه أي توليك شطر المسجد الحرام للحق، ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ﴾ اللام هنا للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بمؤكدين: إحداهما (إن)، والثانية: اللام. وقول: ﴿لَلْحَقُّ﴾ الحق تقدم لنا أنه بمعنى الشيء الثابت؛ لأنه محقوق؛ أي مثبت. ومنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦] حقت بمعنى ثبتت ووجبت. فقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ إن كان في مقام الأحكام فالمراد به العدل، وإن كان في مقام الأخبار فالمراد به الصدق، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام ١١٥].
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تقدم الكلام عليه، وأن هذه ربوبية خاصة، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وفي قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هل هي حجازية ولا تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: ما فيه دليل أنها حجازية؛ لأنها دخلت على الباء في الخبر، والباء في الخبر تمنع أن تكون معلومة هل هي حجازية أو تميمية، ولكننا نقول: القرآن الكريم نزل بلغة العرب بلغة قريش، والدليل على ذلك أنها إذا جاءت في مكان آخر نصبت الخبر كما في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] لو كانت تميمية لقال: ما هذا بشر، فعُلم من ذلك أن (ما) بالقرآن إذا تمت شروطها فإنها تعمل عمل (ليس) حجازية، كيف نعرب ﴿بِغَافِلٍ﴾؟
نعربه فنقول: (الباء) حرف جر زائد للتوكيد، وقلت لكم فيما سبق: إن الأولى أن نقول: الباء للتوكيد فقط، ما نقول: زائد لئلا يفهم السامع أن في القرآن ما ليس له معنى، فنقول: الباء للتوكيد، وغافل: خبر ما منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر، ولا أحد يقول: إنه زائد.
وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾ ما معنى الغفلة؟ الغفلة الذهول عن الشيء وعدم الفراغ له، والله سبحانه وتعالى نفى الغفلة عن نفسه ليثبت بذلك كمال علمه ومراقبته، فالصفة إذن من الصفات السلبية التي يُراد بها نفيُها مع إثبات كمال ضدِّها؛ أي لكمال علمه وكمال مراقبته لا يغفل عن ما يعمل الناس، وقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء خطاب للمسلمين، و﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء خطاب لمن؟ لهؤلاء الذين اعترضوا على النبي ﷺ، فإن الله تعالى ليس بغافل عنهم، بل سوف يجازيهم بما يستحقون.
* طالب: دائمًا يا شيخ (عَمَّا تَعْمَلُونَ) و(عَمَّا يَعْمَلُونَ) فيها قراءتين؟
* الشيخ: لا لا، ليس بدائم، أحيانا (عَمَّا يَعْمَلُونَ) بالياء وأحيانًا بالتاء وأحيانًا بها قراءتان.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أن ما جاء من عند الله فهو حق لقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* ومنها: أن ما خالف عما جاء من الله فهو باطل لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢].
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالنبي ﷺ بذكره بالربوبية الخاصة لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد سبق لنا غير مرة أن ربوبية الله سبحانه وتعالى عامة وخاصة، وأنهما اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢].
* ومن فوائد الآية: أن الشك ينافي الإيمان لقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه قد يُنهى عن الشيء مع استحالة وقوعه لقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فإن النبي عليه الصلاة والسلام لن يكون من ذلك، من هؤلاء الصنف.
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول ﷺ بالتثبيت؛ لأن قوله له: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقتضي ثباته عليه، وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يقتضي استمراره على هذا الثبات، ولا شك أن في هذا من تأييد الرسول عليه الصلاة والسلام وتثبيته ما هو ظاهر.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن الأمم قد تختلف مناهجها، وإن اتفقت على أصل واحد وهو الإسلام، لكن تختلف المناهج لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].
* ومن فوائدها: أن الإنسان يجب عليه اتباع الحق ولا ينظر إلى غيره، لا يقل: والله الناس على كذا فكيف أشذ عنهم؟ بل يجب عليه أن يتبع الحق أين ما كان؛ لأن قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ يشتمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية؛ يعني ما وجّه الله العباد إليه شرعًا، وما وجههم إليه قدرًا؛ فالوجهة القدرية معروف من الناس من يهديه الله سبحانه وتعالى فيكون اتجاهه إلى الحق، ومن الناس من يُخذل فيضل فيكون اتجاهه إلى الباطل، فلا يغرنك اتجاه غيرك إلى الباطل إذا كنت على الحق ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، ويشمل ما قلت قبل قليل يشمل الوجهة الشرعية، وهي اختلاف الشرائع بينها فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقًّا، فإنها حق من الله.
* ومن فوائد الآية: وجوب المسابقة إلى الخير لقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
* ومنها: أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأن الاستباق إلى الخير لا يكون إلا بالمبادرة إلى فعله، فهذه الآية مما يستدل به على أن الأمر للفورية.
* ومنها: البلاغة التامة في قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، دون استبقوا إلى الخيرات، وإن كان بعض الناس يقولون: إنها نُزع منها حرف الجر، فليس بصحيح، الآية ما فيها نزع؛ لأن استبقوا الخيرات يشمل الاستباق إليها والاستباق فيها، ما هو المعنى إذا وصلت إلى الخير فتقف، لا حتى بنفس فعلك للخير، كن مسابقًا، وهذا يشبهه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] لم يقل: اهدنا إلى الصراط؛ لأن المطلوب أن يصل الإنسان إلى الصراط ويستمر فيه، ولهذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هذه مثلها، وإن كان بعض المفسرين نحا إلى أنها منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: استبقوا إلى الخيرات، لكنها الصواب أنها ليست كذلك.
* من فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بالخلق أينما كانوا لقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾.
* ومنها: الإشارة إلى البعث؛ لأن الإتيان بالجمع متى يكون؟
* الطلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣].
* ومن فوائد الآية: إثبات قدرة الله عز وجل، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأنها شاملة لكل شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
* طالب: شيخ، ألا يستفاد من الآية الرد على الجبرية (...)؟
* الشيخ: إي نعم، قد يستفاد على قراءة: ﴿مُوَلِّيهَا﴾ أو ﴿مُوَلَّاهَا﴾ ففيها قراءة هو ﴿مُوَلَّاهَا﴾ قد يحتجون به لكن لا مانع أن نبحث هذا، على قراءة ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ واضح أن الفاعل هو الإنسان المتجه. وعلى قراءة: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ معناه أن الله هو الذي ولَّاه إياها، وليس فيه دليل على مذهب الجبرية، يعني ليس فيه دليل لهم بأنه حق؛ لأن المراد بـ﴿مُوَلَّاهَا﴾ الوجهة الشرعية، المراد بها الوجهة الشرعية، أما على ﴿مُوَلِّيهَا﴾ فتشمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية، أما ﴿مُوَلَّاهَا﴾ فإنها إنما يراد بها الوجهة الشرعية، يعني مُولًّى إياها موجه إليها، وقد تكون أيضًا للوجهة القدرية ولا مانع، فيكون الله سبحانه وتعالى يوليه إياها حينما زاغ، إذا زاغ عن الحق أزاغ الله قلوبهم.
* طالب: شيخ، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (...)؟
* الشيخ: إي نعم، حتى ما فيها دليل ما فيها دليل أصلًا. قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: وجوب التوجه إلى المسجد الحرام أين ما كان الإنسان لقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾.
* ومن وفوائدها أيضًا: أن الأمر الهام يُكرر لتثبيته، والتثبيت عليه، ودفع المعارضة فيه، فالأمور الهامة وهذا أمر هام كون المسلمين يُنقلون من وجهة إلى وجهة للقبلة أمر هام له شأنه العظيم، ولهذا ارتد من ارتد من الناس، نسأل الله العافية، فيكرر لأمور ثلاثة؛ وهي: تثبيته، والتثبيت عليه، ودفع المعارضة، حتى لا أحد يعارض؛ لأنه إذا كلما كرر معناه أنه أمر ثابت محكم يجب الثبوت عليه، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات حرمة المسجد الحرام لقوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومن فوائدها: أن التوجه إلى القبلة هو الحق، وأنه ليس صادرًا عن هوى لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فأثبت فيه الحقية مؤكدًا بـ (إن) و(اللام).
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالنبي عليه الصلاة والسلام بالربوبية الخاصة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.
* ومن فوائدها: كمال عِلم الله سبحانه وتعالى ومراقبته لخلقه، نأخذها من قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قراءتان.
(...) لأن العدم المحض ليس بشيء فضلا عن أن يكون مدحًا، فإن العدم ليس بالشيء، لكنه يكون شيئا إذا تضمن إثباتًا، كل ما نفى الله عن نفسه فإنه صفة نقص وعيب، ويتضمن كم؟
شيئين: نفيَ هذه الصفة المعيّنة المنفية، والثاني: إثبات كمال ضدها، وبهذا نعلم أن صفات الله سبحانه وتعالى كاملة ليس فيها عيب بوجه من الوجوه.
ومنها: إضافة العمل إلى الإنسان، فيكون فيه رد على مَن؟ الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾؟ ولا شك أن الإنسان يضاف إليه عملُه، وعمله كسب له إن كان في الخير، واكتساب إن كان في الشر؛ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ وعلى كل حال، الناسُ في هذه المسألة، كما مرَّ علينا في العقيدة، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم يرون أن الإنسان مجبر على العمل، ما يفعل شيئا باختيارٍ أبدًا، وما فعلُه الاختياري إلا كفعله الاضطراري؛ كمَن نزل من السطح مع الدرج درجةً درجةً، هو في الحقيقة كمن سقط بدون عِلمه من أعلى السطح، عرفتم؟ هذا مقبول لدي المعقول ولّا لا؟ غير مقبول.
ومنهم من قال: إن الإنسان مستقلٌّ بعلمه، وأن الله سبحانه وتعالى لا يصرف العبد إطلاقًا، فالعبد له الحرية الكاملة في عمله، ولا تعلُّقَ لمشيئة الله به، ولا تعلق لتقدير الله وخلقه بعمل الإنسان، الإنسان حرٌّ تام الحرية، وهذا في الحقيقة قولٌ باطلٌ أيضًا؛ لأنه يستلزم أن يكون في خلق الله ما لا يقدر عليه الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لأنه ما دام الإنسان حُرَّا في تصرفه، معناه: يقدر يعاكس ما يريد الله، فيكون في خلق الله ما لا يقدر عليه الله، بل ما لا يشاؤه الله. وهذا أيضًا قول باطل، إذا تبين لنا بطلان هذا وهذا، فإنه لا بد أن يكون الحق في سواهما، فما هو الحق إذن؟ الحق أن نقول: إن الإنسان يفعل الفعل باختياره، ونعني بذلك: الفعل الاختياري، يقع منه باختياره، دون رعشة المرتعش وحركة النائم لما يدري، لكنَّا نريد ما يفعل الإنسان باختياره، يقع ذلك باختياره ولكنه تحت مشيئة الله وهو بخلق الله أيضًا، ووجه كونه بخلق الله أن الإنسان مخلوق لله وفعله كائن بأمرين: بعزيمة صادقة وقدرة، توافقون على هذا؟
* الطلبة: نعم
* الشيخ: مَن خلق العزيمة الصادقة والقدرة؟ الله عز وجل هو الذي خلق العزيمة الصادقة والقدرة، فالإنسان بصفاته وأجزائه وجميع ما فيه كلِّه مخلوق لله عز وجل، ولا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريده ولا يشاؤه، بل هو بمشيئته، هذا القول الوسط أخذت بيديه بالأدلة جميعا؛ لأن الذين قالوا: إن الإنسان مجبر أخذوا بدليل واحد وأطلقوا من أيديهم الدليل الآخر، والذين قالوا: إنه مستقل، أخذوا بدليل واحد وأطلقوا الدليل الثاني، لكن أهل السنة والجماعة -والحمد الله- أخذوا بأيديهم بالدليلين وقالوا: الإنسان يفعل باختياره، ولكنَّ تصرفه تحت مشيئة الله عز وجل؛ ولهذا إذا جاء الأمر بغير اختياره رفع عنه حكمه؛ فالنائم لا حكمَ لفعله ولا لقوله، والمكرَه على الشيء لا حكم لفعله، بل أبلغ من ذلك الجاهلُ بالشيء لا حكم لفعله، مع أنه قد قصد الفعل لكنه لجهله يُعفى عنه، كل هذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
البقرة 2:149
قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة ١٤٧]، قال الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره.
وهنا الجملة لتقرير ما سبق؛ يعني أن الحق ثابت وحاصل من ربك، وقيل: إن ﴿الْحَقُّ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا الحق من ربك، فيكون في هذا تقوية للرسول ﷺ، وأنهم لما كتموا الحق لا تكن في مرية منه؛ لأن الإنسان بشر فقد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام لما أنكر هؤلاء الذين أوتوا الكتاب أنكروا الحق، قد يعتري الإنسان شيء من الشبهة وإن كان بعيدًا، فبيَّن أن ما جاء به هو الحق، قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهنا الربوبية خاصة ولَّا عامة؟
* الطلبة: خاصة.
* الشيخ: خاصة؛ لأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين، لكن أضافها إلى النبي ﷺ؛ لأن المقام يقتضيه حيث هو مقام التثبيت والنصرة، فلولا أن الله ثبت الرسول عليه الصلاة والسلام لكان كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٤] إذن فالربوبية هنا خاصة، وجاءت على وجه الخصوص؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ومن هو الرب؟
هو الخالق المالِك المدبر، وهو الذي خلق الخلق كله، وهو مالك الخلق كله، وهو المدبر للخلق كله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ هنا (لا) ناهية، والفعل بعدها مبني على الفتح في محل جزم ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ وإنما بُني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد؛ لأن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد صار مبنيًّا على الفتح دائمًا. وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ الخطاب لمن؟
* الطلبة: للرسول ﷺ.
* الشيخ: الخطاب للرسول ﷺ، وهذا النهي لا يقتضي أن يقع منه امتراء، كما أن الشر لا يقتضي أن يقع منه، فقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس ٩٤].
ما نقول: إن هذا التعليق يدل على وقوع الشك من الرسول عليه الصلاة والسلام بل ولا على جوازه، فإن الشرط قد يُعلق بما لا يمكن وقوعه، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هل يمكن هذا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يمكن، مستحيل، هنا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الامتراء، وليس يعنى ذلك أنه يمكن أن يقع منه بل نهاه ليستمر على انتفاء الامتراء عنه، كما أن الأمر بالإيمان للمؤمن ليس معناه تجديد الإيمان بل معناه الاستمرار عليه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦].
ومن المعلوم أن الإيمان ما يتم إلا بهذا وقد تم من قبل، لكن المراد أيش؟ الثبوت عليه والاستمرار عليه، هنا النهي فلا تكونن من الممترين؛ المراد الاستمرار على عدم امترائه، لا أن هذا الأمر وقع منه.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ما معنى من الامتراء؟ الشك، معناه الشك بالأمر الواقع، فما دام أن الحق من الله فإنه يجب أن يؤمن الإنسان به وأن لا يلحقه بذلك شك ولا مرية.
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ الجملة ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، لكن الخبر مقدم على المبتدأ، أين الخبر؟
* طالب: ﴿وِجْهَةٌ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَلِكُلٍّ﴾ هذا الخبر، والمبتدأ ﴿وِجْهَةٌ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فيها قراءتان: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ والقراءة الثانية: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ فتح، ﴿مُوَلَّاهَا﴾ بالفتح، أما على القراءة الأولى ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فالمعنى هو مستقبلها كما في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وأما على قراءة الفتح ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ أي هو مأمور بأن يستقبلها، مُوَلَّاهَا شرعًا؛ أي قد أمر بأن يتولاها ويستقبله. وقوله: ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ الوِجهة والوَجه والجهة معناها واحد؛ أي لكل من الناس جهة يتولاها، وهل المراد الجهة الحسية أو الجهة المعنوية، أو يشمل الأمرين؟
* الطلبة: يشمل الأمرين.
* الشيخ: يشمل الأمرين، ما يمكن يتفق الناس على وجهة واحدة، كل له وجهة؛ اليهود لهم وجهة، والنصارى لهم وجهة، والبوذيون لهم وجهة، والمشركون لهم وجهة، والشيوعيون لهم وجهة، والمسلمون لهم وجهة، كل واحد له وجهة مُولَّاها من قِبل الله شرعًا، أو قدرًا وشرعًا، أو قدرًا فقط، فالوجهة التي يتبعها المشركون واليهود والنصارى وما أشبه ذلك هذه وجهة قدرية، أما شرعية ما جعلها الله لهم؛ لأن الله ما شرع الكفر أبدًا ولا شرع شيئًا من خصال الكفر ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣].
وقوله: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ أو ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ الجملة في محل رفع صفة لأيش؟
* الطلبة: لـ﴿وِجْهَةٌ﴾.
* الشيخ: لـ﴿وِجْهَةٌ﴾، وليس هذا المعنى أو ليس المراد بهذه الجملة تقرير ما عليه أهل الكفر من الكفر، ولكن بيان أنه لا ينبغي لكم أيها المسلمون أن تقولوا: لماذا انفردنا عن غيرنا بهذه القبلة؛ لأن لكل أحد وجهة ولاه الله إياها.
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ﴿اسْتَبِقُوا﴾ من السبْق، أمر من السبْق، لكن الاستباق يدل على الافتعال؛ يعني على صدور السباق من اثنين؛ أي ليسبق بعضكم بعضًا، وقوله: ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ كان مقتضى العامل استبقوا أن تجر بـ(إلى) كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وكما في قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [الحديد ٢١] لكن هنا عُدِّيت بنفسها ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ لأجل أن يتضمن الفعل استبقوا فعلًا متعديًا بنفسه، المعنى: فافعلوا الخيرات متسابقين إليها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧] ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة ١٤٨] كان مقتضى الاستباق أن يتعدى بـ (إلى)، فاستبقوا إلى، الدليل أن هذا مقتضاه قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد ٢١] لكن هنا تعدى الفعل بنفسه إلى الخيرات؟
الجواب: لأنه ضمن معنى فعل يتعدى بنفسه، والمعنى: افعلوا الخيرات متسابقين إليها، وهذا هو فائدة التضمين، فائدة تضمين الفعل فعلًا آخر لأجل أن يدل التضمين على معنى فعل المضمن، ومعنى الفعل المضمن فيه عرفتم؟ استبقوا الآن تضمنت معنيين، ما هما؟ الفعل، والسبق إليه.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] قلنا: إن ﴿يَشْرَبُ﴾ مضمنة معنى يَروى، فعلى هذا تدل ﴿يَشْرَبُ﴾ على معنيين: الشرب مع الرِّي، بخلاف ما لو قال: يشرب منه؛ فإنها قد لا تدل على الري.
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أَيْنَ مَا﴾ هذه (أين) الشرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، و﴿تَكُونُوا﴾ فعل الشرط مجزومًا بأيش مجزوم؟
* طالب: بحذف النون.
* الشيخ: بحذف النون، والواو فاعل؛ لأن كان هنا تامة أو لا؟ وليست ناقصة، يعني أين ما توجدوا يأتِ بكم الله، يأتِ، لماذا لم يقل (يأتي) بالياء؟
* الطالب: لأنه جواب الشرط.
* الشيخ: لأنه جواب الشرط؛ لأن جواب الشرط يكون مجزومًا، فهي مجزومة بحذف الياء والكسرة قبلها دليل عليه. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ في بر أو بحر أو جو فإن الله يأت بكم جميعا، متى يأتي بهم؟ يوم القيامة، يحشر الله تعالى الأولين والآخرين في مقام واحد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠].
الأولين منذ خلق الله الكون إلى أن ينتهي، يجمعهم الله تبارك وتعالى في هذا اليوم إلى ميقات يوم معلوم ويحاسبهم سبحانه تعالى، وقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ حتى لو كانوا في الجو؟ يتصور هذا؟
* طالب: نعم.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: هذا الجو؟ هذا كائن في الأرض في البر، ما في (...).
* طالب: يقولون يا شيخ بأن الإنسان إذا ارتفع عن مستوى الجاذبية كان معلقًا في الجو لا ينزل الأرض ولا يصعد؟
* الشيخ: إي، لكن هل يموت في هذا المكان؟
* الطالب: ما فيه هواء.
* الشيخ: إي، نقول: هل يموت؟
* الطالب: يموت، يموت آه. لو فرضنا..
* الشيخ: ولو بقي حيًّا أيضًا، لكن قوله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف ٢٥] تقديم المعمول هنا المعروف أنه يدل على الحصر، فظاهره يدل أنه لا يموت الإنسان إلا في الأرض، وأنه ما يمكن يموت أحد معلقًا في الهواء، ولا بد أن يرجع.
* طالب: حديث الرجل يا شيخ الذي قال لأولاده؟
* الشيخ: هذا قال: «اذْرُونِي فِي الْيَمِّ»[[أخرجه البخاري (3479) من حديث حذيفة بهذا اللفظ، وهومتفق عليه؛ البخاري (3481)، ومسلم (2756 / 24) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* الطالب: ذروه في البحر، البحر من الأرض.
* طالب آخر: هل الجو ما هو تبع الأرض؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد أن يكون في الأرض نفسها ينزل، بس مشكلتنا الآن لو ماتوا فوق؟
* الطلبة: يرجع للأرض.
* الشيخ: يرجع للأرض إي، هذا هو الظاهر. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾.
* طالب: إذا مات في القمر؟
* الشيخ: لا أظن ما يصير، هذا ما يصير.
* الطالب: ولكن القمر تبع الأرض؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: القمر من الكواكب التي تبع الأرض.
* الشيخ: لا، لا، القمر قمر والأرض أرض.
* طالب: شيخ، (أينما) جمعت بشرط، شرطية؟
* الشيخ: لا، أو نقول: (أين) شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد.
* الطالب: ويصح أن نعربها جميعها؟
* الشيخ: ويصح أن نعربها جميعًا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جملة مؤكدة بـ(إن) ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾. وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ قدم على عامله وهو ﴿قَدِيرٌ﴾ لإفادة العموم هنا؛ يعني أن القدرة على كل شيء، ما يعجزه شيء سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ القدير ما معناه؟ هو الفاعل بدون عجز لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] شوف علَّل وما كان الله ليعجزه لماذا؟
لأنه عليم قدير، والعجز إما من جهل الفاعل أو من عدم قدرته. إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ما معنى القدير؟ هو الفاعل بدون عجز، فالقدرة إذن صفة يتمكن بها الفاعل من الفعل بدون عجز، هذا القدرة، الفرق بينها وبين القوة؟ الفرق بينها وبين القوة أو هي بمعنى القوة؟
* طالب: تختلف.
* الشيخ: القدرة هي أن يتمكن من الفعل بدون عجز، والقوة أن يتمكن من الفعل بدون ضعف، مثال ذلك ليتضح المقام: رجل قلنا له: احمل هذا الحجر، فأراد أن يحمله عجز، ما الذي انتفى عنه الآن؟
* الطلبة: القدرة.
* الشيخ: القدرة زين، الرجل الثاني قلنا: احمله فحمل لكن بضعف، يا الله حمله، انتفى عنه القوة. الثالث: حمله كأنه ريشة، هذا قوة مع القدرة، فإذن كل قوي فهو قادر فالقوة أخص؛ لأن كل قوي فهو قادر، لكنها تفترق عنها بأن القدرة تختص بذي الشعور، والقوة لا تختص به، فإنه يقال للحديد: قوي، ولا يقال له: قادر، أليس كذلك؟
إذن فالقوة أكمل من القدرة فيمن يتصف بالقدرة، لكن القدرة تختص بذي الشعور والإرادة والقوة لا تختص بدليل أنك تقول: الحديد قوي ولا تقول: الحديد قادر، واضح؟ هل الله يوصف بالقدرة فقط أو بالقدرة والقوة؟
* الطلبة: بالقدرة والقوة.
* الشيخ: بالقدرة والقوة، وفي عدة آيات من القرآن الكريم وصف الله نفسه بالقوة، فهو سبحانه وتعالى قوي قدير، أما الآدمي فإنه عاجز ضعيف ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، فأصل الإنسان الضعف ومنتهاه الضعف، وكذلك العجز كما قال الله تعالى ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة ٢٦٤].
قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقدم أننا نبهنا على كلمة يقولها بعض الناس، فيقول: إن الله على ما يشاء قدير، وقلنا: إن هذا لا ينبغي:
أولًا: لأنه خلاف إطلاق النص، النص مطلق.
وثانيًا: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة فيما يشاء الله دون ما لم يشأه، والله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، قادر على هذا وهذا.
وثالثا: أنه يفهم مذهب المعتزلة القدرية الذين قالوا: إن الله عز وجل لا يشاء أفعال العبد فهو غير قادر عليها، ولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، لا بأس أن تقيد بالمشيئة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩].
فإن ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾ عائدة على الجمع ما هي على القدرة، فهو قدير شاء أم لم يشأ، قدير على الشيء شاءه أم لم يشأه، لكن جمعهم ما يقع إلا بالمشيئة، ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]] لأنه يتكلم عن فعل معين، ولهذا قال: قادر، ولم يقل: قدير، أتى باسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة الدالة على الاتصاف بها بالقدرة.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٩] الله أكبر ما أعظم هذا الحدث! ولهذا أكده الله عدة مرات ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ من حيث قريب، (من) حرف جر، و(حيث) مضموم ويش لون هذا؟ في العادة أن (من) حرف الجر تجر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء ٧٩] ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ كيفها هنا قال: ﴿مِنْ حَيْثُ﴾؟
* الطلبة: لأنها مضمومة، مبنية على الضم.
* الشيخ: لأنها مبنية على الضم، والمبني بناء محكم ما يتغير أوْ لا؟ قال ابن مالك في الألفية:
* طالب: حيث وإذ وإن ينون.
* الشيخ: لا، لا النص على بناء حيث
.......................... ∗∗∗ كَأَيْنَ أَمْسِ حَيْثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ
فحيثُ مبنية على الضم، إذن (من) حرف جر، و(حيث) اسم مجرور بـ (مِن) أو اسم مبني على الضم في محل جر؟
* طالب: مبني على الضم.
* الشيخ: اسم مبني على الضم، ما نقول: مجرور؛ لأنه ما جر، اسم مبني على الضم في محل جر. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الخطاب هنا إما أن يكون للرسول ﷺ وإما أن يكون لكل من يتأتّى خطابه، من حيث خرجت أيها الإنسان ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ يعني قبّله، اجعله مستقبلًا، ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ متى؟
عند الصلاة طبعًا عند الصلاة، ما هو المعنى: كلما خرجت لازم يصير وجهك لمة القبلة، لا مو هذا معقول. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي عند الصلاة.
وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ ما معنى شطر المسجد؟
* الطلبة: الجهة.
* الشيخ: أي جهته، جهة المسجد، والمسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة لقول النبي ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»[[أخرجه أحمد في مسنده (١١٧٣٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]] بل لقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح ٢٥]. وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المراد؟
* طالب: جهة.
* الشيخ: كيف جهة؟! شطر بمعنى جهة نعم، جهة المسجد الحرام، ووصف بالحرام لاحترامه وتعظيمه، ولذلك كان هذا المسجد محترمًا معظمًا حتى ما حوله صار محترمًا معظمًا، البلد آمن حتى الأشجار التي لا إحساس لها آمنة في هذا المكان، ولهذا حرم النبي عليه الصلاة والسلام «أَنْ يُخْتَلَى خَلَاهَا أَوْ يُعْضَدَ شَوْكُهُ أَوْ يُقْطَعُ شَجَرُهُ »[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس.]] كل ذلك لاحترام هذا المكان.
* طالب: قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ورد (...)؟
* الشيخ: إي، ﴿مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني أي مكان تخرج حتى في البر في البحر إذا خرجت في أي مكان.
* طالب: لماذا يا شيخ يعني ما قال: تجاه البيت؟
* الشيخ: إي؛ لأن المسجد الحرام فيه الكعبة، والإنسان البعيد ما يمكن أن يصيب عين الكعبة، وهو في الحقيقة إذا قال قائل هذا الإيراد نقول: لأن الكعبة في المسجد، فمن تولى المسجد تمامًا، فطبعًا المسجد مركزه هي الكعبة، أين ما كنت فإنك تنصب إلى الكعبة.
* طالب: ما معنى الإيراد؟
* الشيخ: الإيراد يقول: لماذا لم يقل: فول وجهك الكعبة بل شطر المسجد الحرام؟ نقول: لأن الكعبة فيه.
* طالب: إن شطر المسجد تقال للتوسيع وأن تتسع دائرته يبعد عنه.
* الشيخ: إي نعم، إي، لكن إذا قلنا: إن اتسعت دائرته، وقلنا: إنك إذا اتجهت إلى قلب المسجد فقلب المسجد هي الكعبة ما هو معناها لو فرضنا، الآن ما هو لو فرضنا، الواقع الآن المسجد أوسع من الكعبة، فهل إذا كان الإنسان من الشمال أو من الجنوب إذا اتجه إلى الشمال خلى الكعبة عن يساره، صحيح أنه متجه إلى جزء من المسجد، إلى جزء منه، لكنه لم يتجه إلى قلب المسجد؛ لأن قلب المسجد هي الكعبة.
* طالب: يفهم من قوله ﴿شَطْرَ﴾ إذن هي قلبه؟
* الشيخ: إي نعم شطره؛ لأن المراد جهته جهة المسجد، وبعضهم يقول: نحو المسجد، نحو المسجد الحرام، تعبير الجلالين يقول: نحو المسجد الحرام.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* الطالب: ما هو الوجه؟
* الشيخ: أردت من المراد بالوجه جميع البدن، لكنه نص على الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إنه أي توليك شطر المسجد الحرام للحق، ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ﴾ اللام هنا للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بمؤكدين: إحداهما (إن)، والثانية: اللام. وقول: ﴿لَلْحَقُّ﴾ الحق تقدم لنا أنه بمعنى الشيء الثابت؛ لأنه محقوق؛ أي مثبت. ومنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٩٦] حقت بمعنى ثبتت ووجبت. فقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ إن كان في مقام الأحكام فالمراد به العدل، وإن كان في مقام الأخبار فالمراد به الصدق، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام ١١٥].
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تقدم الكلام عليه، وأن هذه ربوبية خاصة، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وفي قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هل هي حجازية ولا تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: ما فيه دليل أنها حجازية؛ لأنها دخلت على الباء في الخبر، والباء في الخبر تمنع أن تكون معلومة هل هي حجازية أو تميمية، ولكننا نقول: القرآن الكريم نزل بلغة العرب بلغة قريش، والدليل على ذلك أنها إذا جاءت في مكان آخر نصبت الخبر كما في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] لو كانت تميمية لقال: ما هذا بشر، فعُلم من ذلك أن (ما) بالقرآن إذا تمت شروطها فإنها تعمل عمل (ليس) حجازية، كيف نعرب ﴿بِغَافِلٍ﴾؟
نعربه فنقول: (الباء) حرف جر زائد للتوكيد، وقلت لكم فيما سبق: إن الأولى أن نقول: الباء للتوكيد فقط، ما نقول: زائد لئلا يفهم السامع أن في القرآن ما ليس له معنى، فنقول: الباء للتوكيد، وغافل: خبر ما منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر، ولا أحد يقول: إنه زائد.
وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾ ما معنى الغفلة؟ الغفلة الذهول عن الشيء وعدم الفراغ له، والله سبحانه وتعالى نفى الغفلة عن نفسه ليثبت بذلك كمال علمه ومراقبته، فالصفة إذن من الصفات السلبية التي يُراد بها نفيُها مع إثبات كمال ضدِّها؛ أي لكمال علمه وكمال مراقبته لا يغفل عن ما يعمل الناس، وقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء خطاب للمسلمين، و﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء خطاب لمن؟ لهؤلاء الذين اعترضوا على النبي ﷺ، فإن الله تعالى ليس بغافل عنهم، بل سوف يجازيهم بما يستحقون.
* طالب: دائمًا يا شيخ (عَمَّا تَعْمَلُونَ) و(عَمَّا يَعْمَلُونَ) فيها قراءتين؟
* الشيخ: لا لا، ليس بدائم، أحيانا (عَمَّا يَعْمَلُونَ) بالياء وأحيانًا بالتاء وأحيانًا بها قراءتان.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أن ما جاء من عند الله فهو حق لقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* ومنها: أن ما خالف عما جاء من الله فهو باطل لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢].
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالنبي ﷺ بذكره بالربوبية الخاصة لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد سبق لنا غير مرة أن ربوبية الله سبحانه وتعالى عامة وخاصة، وأنهما اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢].
* ومن فوائد الآية: أن الشك ينافي الإيمان لقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه قد يُنهى عن الشيء مع استحالة وقوعه لقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فإن النبي عليه الصلاة والسلام لن يكون من ذلك، من هؤلاء الصنف.
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول ﷺ بالتثبيت؛ لأن قوله له: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقتضي ثباته عليه، وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يقتضي استمراره على هذا الثبات، ولا شك أن في هذا من تأييد الرسول عليه الصلاة والسلام وتثبيته ما هو ظاهر.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن الأمم قد تختلف مناهجها، وإن اتفقت على أصل واحد وهو الإسلام، لكن تختلف المناهج لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].
* ومن فوائدها: أن الإنسان يجب عليه اتباع الحق ولا ينظر إلى غيره، لا يقل: والله الناس على كذا فكيف أشذ عنهم؟ بل يجب عليه أن يتبع الحق أين ما كان؛ لأن قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ يشتمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية؛ يعني ما وجّه الله العباد إليه شرعًا، وما وجههم إليه قدرًا؛ فالوجهة القدرية معروف من الناس من يهديه الله سبحانه وتعالى فيكون اتجاهه إلى الحق، ومن الناس من يُخذل فيضل فيكون اتجاهه إلى الباطل، فلا يغرنك اتجاه غيرك إلى الباطل إذا كنت على الحق ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، ويشمل ما قلت قبل قليل يشمل الوجهة الشرعية، وهي اختلاف الشرائع بينها فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقًّا، فإنها حق من الله.
* ومن فوائد الآية: وجوب المسابقة إلى الخير لقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
* ومنها: أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأن الاستباق إلى الخير لا يكون إلا بالمبادرة إلى فعله، فهذه الآية مما يستدل به على أن الأمر للفورية.
* ومنها: البلاغة التامة في قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، دون استبقوا إلى الخيرات، وإن كان بعض الناس يقولون: إنها نُزع منها حرف الجر، فليس بصحيح، الآية ما فيها نزع؛ لأن استبقوا الخيرات يشمل الاستباق إليها والاستباق فيها، ما هو المعنى إذا وصلت إلى الخير فتقف، لا حتى بنفس فعلك للخير، كن مسابقًا، وهذا يشبهه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] لم يقل: اهدنا إلى الصراط؛ لأن المطلوب أن يصل الإنسان إلى الصراط ويستمر فيه، ولهذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هذه مثلها، وإن كان بعض المفسرين نحا إلى أنها منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: استبقوا إلى الخيرات، لكنها الصواب أنها ليست كذلك.
* من فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بالخلق أينما كانوا لقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾.
* ومنها: الإشارة إلى البعث؛ لأن الإتيان بالجمع متى يكون؟
* الطلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣].
* ومن فوائد الآية: إثبات قدرة الله عز وجل، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأنها شاملة لكل شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
* طالب: شيخ، ألا يستفاد من الآية الرد على الجبرية (...)؟
* الشيخ: إي نعم، قد يستفاد على قراءة: ﴿مُوَلِّيهَا﴾ أو ﴿مُوَلَّاهَا﴾ ففيها قراءة هو ﴿مُوَلَّاهَا﴾ قد يحتجون به لكن لا مانع أن نبحث هذا، على قراءة ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ واضح أن الفاعل هو الإنسان المتجه. وعلى قراءة: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ معناه أن الله هو الذي ولَّاه إياها، وليس فيه دليل على مذهب الجبرية، يعني ليس فيه دليل لهم بأنه حق؛ لأن المراد بـ﴿مُوَلَّاهَا﴾ الوجهة الشرعية، المراد بها الوجهة الشرعية، أما على ﴿مُوَلِّيهَا﴾ فتشمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية، أما ﴿مُوَلَّاهَا﴾ فإنها إنما يراد بها الوجهة الشرعية، يعني مُولًّى إياها موجه إليها، وقد تكون أيضًا للوجهة القدرية ولا مانع، فيكون الله سبحانه وتعالى يوليه إياها حينما زاغ، إذا زاغ عن الحق أزاغ الله قلوبهم.
* طالب: شيخ، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (...)؟
* الشيخ: إي نعم، حتى ما فيها دليل ما فيها دليل أصلًا. قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: وجوب التوجه إلى المسجد الحرام أين ما كان الإنسان لقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾.
* ومن وفوائدها أيضًا: أن الأمر الهام يُكرر لتثبيته، والتثبيت عليه، ودفع المعارضة فيه، فالأمور الهامة وهذا أمر هام كون المسلمين يُنقلون من وجهة إلى وجهة للقبلة أمر هام له شأنه العظيم، ولهذا ارتد من ارتد من الناس، نسأل الله العافية، فيكرر لأمور ثلاثة؛ وهي: تثبيته، والتثبيت عليه، ودفع المعارضة، حتى لا أحد يعارض؛ لأنه إذا كلما كرر معناه أنه أمر ثابت محكم يجب الثبوت عليه، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات حرمة المسجد الحرام لقوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومن فوائدها: أن التوجه إلى القبلة هو الحق، وأنه ليس صادرًا عن هوى لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فأثبت فيه الحقية مؤكدًا بـ (إن) و(اللام).
* ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالنبي عليه الصلاة والسلام بالربوبية الخاصة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.
* ومن فوائدها: كمال عِلم الله سبحانه وتعالى ومراقبته لخلقه، نأخذها من قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قراءتان.
(...) لأن العدم المحض ليس بشيء فضلا عن أن يكون مدحًا، فإن العدم ليس بالشيء، لكنه يكون شيئا إذا تضمن إثباتًا، كل ما نفى الله عن نفسه فإنه صفة نقص وعيب، ويتضمن كم؟
شيئين: نفيَ هذه الصفة المعيّنة المنفية، والثاني: إثبات كمال ضدها، وبهذا نعلم أن صفات الله سبحانه وتعالى كاملة ليس فيها عيب بوجه من الوجوه.
ومنها: إضافة العمل إلى الإنسان، فيكون فيه رد على مَن؟ الجبرية؛ لقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾؟ ولا شك أن الإنسان يضاف إليه عملُه، وعمله كسب له إن كان في الخير، واكتساب إن كان في الشر؛ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ وعلى كل حال، الناسُ في هذه المسألة، كما مرَّ علينا في العقيدة، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم يرون أن الإنسان مجبر على العمل، ما يفعل شيئا باختيارٍ أبدًا، وما فعلُه الاختياري إلا كفعله الاضطراري؛ كمَن نزل من السطح مع الدرج درجةً درجةً، هو في الحقيقة كمن سقط بدون عِلمه من أعلى السطح، عرفتم؟ هذا مقبول لدي المعقول ولّا لا؟ غير مقبول.
ومنهم من قال: إن الإنسان مستقلٌّ بعلمه، وأن الله سبحانه وتعالى لا يصرف العبد إطلاقًا، فالعبد له الحرية الكاملة في عمله، ولا تعلُّقَ لمشيئة الله به، ولا تعلق لتقدير الله وخلقه بعمل الإنسان، الإنسان حرٌّ تام الحرية، وهذا في الحقيقة قولٌ باطلٌ أيضًا؛ لأنه يستلزم أن يكون في خلق الله ما لا يقدر عليه الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لأنه ما دام الإنسان حُرَّا في تصرفه، معناه: يقدر يعاكس ما يريد الله، فيكون في خلق الله ما لا يقدر عليه الله، بل ما لا يشاؤه الله. وهذا أيضًا قول باطل، إذا تبين لنا بطلان هذا وهذا، فإنه لا بد أن يكون الحق في سواهما، فما هو الحق إذن؟ الحق أن نقول: إن الإنسان يفعل الفعل باختياره، ونعني بذلك: الفعل الاختياري، يقع منه باختياره، دون رعشة المرتعش وحركة النائم لما يدري، لكنَّا نريد ما يفعل الإنسان باختياره، يقع ذلك باختياره ولكنه تحت مشيئة الله وهو بخلق الله أيضًا، ووجه كونه بخلق الله أن الإنسان مخلوق لله وفعله كائن بأمرين: بعزيمة صادقة وقدرة، توافقون على هذا؟
* الطلبة: نعم
* الشيخ: مَن خلق العزيمة الصادقة والقدرة؟ الله عز وجل هو الذي خلق العزيمة الصادقة والقدرة، فالإنسان بصفاته وأجزائه وجميع ما فيه كلِّه مخلوق لله عز وجل، ولا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريده ولا يشاؤه، بل هو بمشيئته، هذا القول الوسط أخذت بيديه بالأدلة جميعا؛ لأن الذين قالوا: إن الإنسان مجبر أخذوا بدليل واحد وأطلقوا من أيديهم الدليل الآخر، والذين قالوا: إنه مستقل، أخذوا بدليل واحد وأطلقوا الدليل الثاني، لكن أهل السنة والجماعة -والحمد الله- أخذوا بأيديهم بالدليلين وقالوا: الإنسان يفعل باختياره، ولكنَّ تصرفه تحت مشيئة الله عز وجل؛ ولهذا إذا جاء الأمر بغير اختياره رفع عنه حكمه؛ فالنائم لا حكمَ لفعله ولا لقوله، والمكرَه على الشيء لا حكم لفعله، بل أبلغ من ذلك الجاهلُ بالشيء لا حكم لفعله، مع أنه قد قصد الفعل لكنه لجهله يُعفى عنه، كل هذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
البقرة 2:150
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٥٠]. هذه الجملة تقدم الكلامُ عليها، وكُررت للتوكيد وتوطئةً لما بعدها؛ لأن الفائدة هنا التوكيد والتوطئة لما بعدها، وهو قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ﴾، وقلنا قبل قليل: إن التكرار في مثل هذه الأمور الهامة يراد منه ثلاثة أمور: الإثبات، والتثبيت، والمدافعة؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
* طالب: من قال يا شيخ: تنزل على الأحوال؟
* الشيخ: لا ما هو بظاهر؛ لأنها عامة، كل واحدة منها عامة، ولذلك لو جاءت واحدة منها بدون الأُخريين لكان الحكم واحدا. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ اللام هنا للتعليل، اقترنت بها (أنْ) المصدرية، و(لا) النافية و﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ(أن) المصدرية، ولا يضر الحيلولةُ بين الناصب والمنصوب بـ(لا) النافية. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ وأيش إعرابه؟ اسم (يكون) إن كانت ناقصة، أو فاعلٌ إن كانت تامة. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ ﴿لِلنَّاسِ﴾ مَن المراد بالناس؟ الآية مجملة فتشمل كلَّ من احتج على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد احتج على المسلمين في هذه المسألة اليهود والمشركون، أما اليهود فقالوا: إن الرجل ترك الملة إلى ملة آبائه فهو رجل يتعبد بهواه وليس على هدى. هذه حجة اليهود، والعياذ بالله! بالأمس الأدنى كان يتَّجه إلى بيت المقدس، والآن أخذته العصبية فاتجه إلى الكعبة، وهذا لا شك أنه ظلم، ظلم من اليهود ولّا هم يعرفون في كتبهم كما ذكر بعض أهل العلم أن محمدا ﷺ سيتجه إلى الكعبة فيكون من صفاته؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الحجة أيضًا لليهود، الحجة لليهود يعني ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، إن هذا التعليل تعليلٌ للبقاء لا للانتقال؛ يعني لئلا يكون للناس عليكم حجة لو بقيتم على بيت المقدس، فما الحجة إذن؟ الحجة أن يقول اليهود: إن محمدا يتجه إلى الكعبة، وعلى هذا فتكون حجة اليهود من وجهين، من الوجهين السلبي والإيجابي، يعني أنكم إن بقيتم احتج عليكم اليهود بأن هذا ليس محمدا الذي أخبرَتْ به التوراة؛ لأن محمدا الذي أخبرت به التوراة يتجه إلى الكعبة. حجة أخرى أنهم يقولون: لو كان محمد رسولا ما صار بالأمس يتجه إلى بيت المقدس والآن يتجه إلى الكعبة، ولكنه رجلٌ يتبع هواه ويداهن، ففي الأول داهننا ثم بعد ذلك أخذته العصبية فاتجه إلى قبلة آبائه وأجداده، فصار حجةُ اليهود من وجهين، سواءٌ إن بقي فحجتُهم أنه لما لم يتجهوا إلى القبلة ما صار الرسولَ المنتظرَ، وإن تحول حجتهم أنه يتعبد بهواه، ما هو على هدى من الله -والعياذ بالله- إذن يكون التعليل هنا تعليلًا للتحول وللبقاء، ذكر بعض العلماء أن الناس يدخل فيها المشركون أيضًا، يدخل فيها المشركون، يحتجون على الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: هذا الرجل خالفنا في عقيدتنا، وخالفنا في قبلتنا حين هاجر إلى المدينة، ثم رجع إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا فيحتجون بهذا، أنتم تعرفون أهل الباطل يموّهون، يعني يقلبون -والعياذ بالله- ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢] يقلبون الحق باطلا؛ لأنهم يريدون غرضا والله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بمثل هؤلاء الذين يقلبون الحقائق ويجعلون من الحق باطلا، وإلا فكيف يمكن أن يكون حجة لهؤلاء وهؤلاء؟ ما في حجة، بل إن تحوله مع تخوفه العظيم عليه الصلاة والسلام مما وقع من الاعتراضات والمضايقات، وتعرفون المسألة احنا ما ندرك حقيقتها، حقيقة اللي حصل، كونه يتحول مع توقعه لهذه المعارضات؛ لأن الله قال له سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ﴾ إذن المسألة سيكون فيها أخذٌ وردٌّ ومضايقات، تحوله مع هذه التوقعات وأيش يدل عليه؟ يدل على صدقه، وفي الحقيقة ليس دليلا على ما يزعم هؤلاء، بل هو أكبر دليل على صدقه وأنه يتعبد بوحي من الله عز وجل، قيل له: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، وقيل: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، ما يريد هو أن يتبع هواه، بل يتبع ما جاءه من الوحي.
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على المؤمنين عموما، للرسول عليه الصلاة والسلام ولأتباعه؛ لأن كل حجة يحتج بها على الرسول للتلبيس وإبطال الدعوة فهي في الحقيقة حجة على جميع أتباعه؛ لأن أتباعه إنما تَبِعوه لأنه على الحق، فإذا جاء من يلبِّس صار ذلك تلبيسا لطريقهم ومنهاجهم، فهو حجة على الجميع، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ هل هذه حجة حقيقية أو حجة باطلة؟ حجة باطلة، ولا يلزم من الاحتجاج قبوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ١٦] باطلة، فالاحتجاجات ليست كلُّها مقبولة، إن كانت بحق فهي مقبولة وحجة، وإلا فهي باطلة ولو أقيمت أو ولو صيغت صيغة الدليل والبرهان، حتى لو صاغها من يحتج بها صيغة الدليل والبرهان فإنها تعتبر باطلة، أرأيتم احتجاج الفلاسفة؟ على طريقتهم، احتجاج المعتزلة على طريقتهم، احتجاج الجهمية على طريقتهم، احتجاج القدرية على طريقتهم وهكذا، هذه الحجج هم يأتون بحجج عظيمة لكنها كما قيل:
حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ
نعم، ما تقوم لهم حجة، حججهم كلها تعتبر شُبَهًا باطلة، هؤلاء الذين يريدون أن يحتجوا على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى مكة أو إلى المسجد الحرام، هل هذه الحجة صحيحة؟ كلا، بل هي من أبطل الحجج، ولكن مع ذلك لا مانع أن الإنسان يتسلح، ولو للحجج الباطلة؛ ولهذا قال الله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والمراد بالذين ظلموا المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوُونَ للحق مهما تبيّن، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ اختُلف في إلا هنا، هل هي متصلة أو منقطعة؟ بمعنى: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمنهم من قال: إنه متصل، ومنهم من قال: إنه منقطع، فالذين قالوا: إنه منقطع قالوا: إلا بمعنى لكن؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم ومخاصمتهم، خذوا بالكم. ومن قال: إنه متصل قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا فيكون مستثنى من الناس؛ لأن الناس منهم ظالم ومنهم من ليس بظالم، والأقرب عندي -والله أعلم- أن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ هذا عام شامل، لكن من ظلم منهم من اليهود أو المشركين فإنه لن يرعَوِيَ لهذه الحكمة التي أبانها الله عز وجل؛ لئلا تنتفي حجة هؤلاء الظالمين.
* طالب: شيخ، ما يرد بأنه من قال: الاستثناء متصل ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، هم احتجوا، لو قلنا: اتصال الاستثناء ما لهم حجة ما ذكر لهم حجة؟
* الشيخ: اللي يقرب لي من هذا السياق أنه منقطع.
* الطالب: شيخ ما معناه على أن يكون متصل؟
* الشيخ: يقول: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إن الله تعالى بيَّن للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنه ما أحد يحتج عليهم إلا الظالمين، ولكن في الحقيقة هذا ضعيف المعنى، ضعيف جدا، فالذي يظهر لي أن الاستثناء منقطع. قال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الله أكبر، يعني مهما قالوا من الكلام ومهما قالوا من زخارف القول ومهما ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم، لا تخشوهم، فالخشية والخوف متقاربان إلا أن أهل العلم يقولون: إن الفرق أن الخشية لا تكون إلا مع العلم؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] بخلاف الخوف، فقد يخاف الإنسان من الْمَخُوف وهو لا يعلم عن حاله، أما الخشية فلا يكون إلا مع العلم. والفرق الثاني: يقولون: إن الخشية تكون لعِظَم المخشيِّ، والخوف لضعف الخائف وإن كان الْمَخُوفُ ليس بعظيم، فتقول مثلا: الصبي يخاف من المراهق، نعم، لأيش؟ لضعفه، هكذا فُرِّق، وعلى كل حال إن صح هذا الفرق فهو ظاهر، لكن الفرق الأول واضح وهو أن الخشية إنما تكون مع العلم.
* طالب: (...) فرق إن الخشية أشد من الخوف من حيث وضعُها؟
* الشيخ: لا، ما هو بظاهر ولّا بعضهم قال: إنها أشد؛ لأن هذه المادة، الخاء والشين، تدل على القوة ومنه الشيخ الكبير، لكن فيها نظر.
وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ تخشوا مَن؟ الذين ظلموا، مهما كان ظلمهم لا تخشاهم ما دمتَ على حق لا تخاف من أحد، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ أتى بعد النهي بالأمر؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، أَزِلِ الموانعَ أولًا ثم أثبت، فأولًا فرِّغ قلبك من كل خشية لغير الله، ثم مكن لخشية الله من قلبك، فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلا، فإذا كان المحل قابلا، حينئذ يكون الوارد عليه واردا على شيء لا ممانعة فيه ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ والأمر هنا، كما سيأتينا إن شاء الله في الفوائد، الأمر ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ لأي شيء؟ للوجوب، الوجوب بلا شك، الواجب على المرء أن يخشى الله وحده، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؛ إتمامُ الشيء بلوغ غايته، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، لئلا يكون للناس ولأُتم، ﴿أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ والإتمام بلوغ الشيء غايته، والغالب أنه يكون في الكمال، وقوله: ﴿نِعْمَتِي﴾ النعمة ما هي؟ هي ما يَنْعَمُ به الإنسان، ويقال: نِعمة، ويقال: نَعمة، لكن الغالب في النعمة أن تكون في الخير، والنَّعمة التنعُّم من غير شكر كما قال تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٧]، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ هذه نزلت متى؟ متى نزلت ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؟
* طالب: بعد سورة البقرة، في أول الهجرة.
* الشيخ: في أول الهجرة عند تحويل القبلة؛ يعني في السنة الثانية، ولا يعارضها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، نعم لا تعارضها؛ لأن المراد في آية المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] الإتمامُ العام في كل الشريعة، وأما هنا ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ في هذه الشريعة الخاصة وهي استقبال الكعبة بدلا عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن «الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُقلِّب وجهَه في السماء ينتظرُ متى يُؤمر بالتوجّه إلى الكعبة »[[أخرجه البخاري (٣٩٩) من حديث البراء.]]، فهذه لا شك أنها من نعمة الله عز وجل أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي كما قال بعض أهل العلم: هو قبلة جميع الأنبياء كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، أن الكعبة قبلة جميع الأنبياء، وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق هذا مما غيروه في دينهم.
وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أضاف الله تعالى النعمة إليه؛ لأنه صاحبها هو الذي يُسديها ويوليها على عباده، ولولا هذه النعمة العظيمة ما بقي الناس طرفة عين، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] في النعمة قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وفي الغضب ما قال: صراط الذين غضبتَ عليهم بل قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعم، وهي نظير قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ثم إن المغضوب عليهم.. الغضب على هؤلاء ليس من الله فقط، بل من الله سبحانه وتعالى ومن أوليائه من الرسل وأتباعهم. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ (لعل) هنا أيش معناها؟
* طالب: للتعليل..
* الشيخ: للتعليل؛ يعني ولأجل أن تهتدوا، والهداية كما مر علينا نوعان: هداية علمية، وهداية عملية، ويقال: هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فالهداية العلمية معناها: أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، والعملية: أن يوفق للعمل بهذا العلم. الأولى وسيلة والثانية غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل، بل إن العلم بدون عمل يكون وبالا على من رُزقه.
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ هذه هي العلة الثالثة من هذه العلل، العلة الأولى ما هي؟ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، والعلة الثانية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، والثالثة: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ وهنا الهداية شاملة للهداية العلمية والعملية يعني: علما وعملا، ووجه كونها شاملة: أنهم ما علموا أن مرضاتَ الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علَّمهم الله، ثم إن الله وفَّقهم للاهتداء إليها، هل مانعوا؟ أبدًا، بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلُّون صلاة الفجر، وكان الإمام إلى الشمال والمأمومون إلى الجنوب فأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت إلى الكعبة، فماذا صنعوا؟ توجَّهوا في صلاتهم إلى الكعبة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦ / ١٣) من حديث ابن عمر.]]، فصار الإمام نحو الجنوب والمأمومون نحو الشمال وكلهم وجوههم إلى الكعبة، هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمر الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات والمضايقات، وأيش يدل عليه؟ على قوة إيمانه، وثقته بربه سبحانه وتعالى، وهكذا يجب على كل مؤمن إذا جاء أمرُ الله أن يمتثل الأمرَ، والله سبحانه وتعالى سيجعل له من أمره يسرا؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور، لا يقول: والله هذا أخشى من المضايقات، أخشى أن الناس يعيرونني، أخشى أن الناس يستهزئون بي، هذا لا يضر، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨].
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ [البقرة ١٥٠، ١٥١] هذه أيضًا مِنَّةٌ رابعة وُجهت إلى المؤمنين ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾؛ يعني: هذا داخل في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾، كما أنكم أيضًا، كما أنكم قد أُرسل فيكم هذا الرسول النبي عليه الصلاة والسلام.. إلى آخره؛ يعني: معناه أن نعمة الله علينا التوجُّه إلى الكعبة بدلا عن بيت المقدس أنها عظيمة، كما أن نعمته علينا بالرسول ﷺ عظيمة، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ والإرسال بمعنى البعث، والبعث بمعنى الإرسال أيضًا، يعني أنه مرسل من الله؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق للعبادة وكيف يُعبد؟
* طالب: يعبد بما شرع.
* الشيخ: نعم بما شرع، وكيف نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به وهذا مما لا يرضاه؟ لا يمكن ذلك إلا بواسطة الرسل، لو أن الإنسان وُكِلَ إلى عقله بالعبادة ما عرَف يعبد الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولو وكل إلي عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله، لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب ويمشي، ولو أن الإنسان وكل إلى عقله بالعبادة ما كانت أمتنا أمةً واحدة، فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؟ ومثلٌ بسيط: لو قيل لك: تطهر للصلاة ولم يبيَّن لك هذا الطهور، كيف تتطهر؟ يجي واحد يمكن يقول لك: التطهر لازم أني أتطهر من الإبهام إلى الإبهام، نعم، ويجي واحد يقول: ما أطهر إلا الكف والجبهة والأنف والركبتين وأطراف القدمين؛ لأنها اللي بيشمل السجود، ويجي آخر ويكون عنده شكل ثان، فلولا أن الله أبان لنا كيف نعبده، ما عرفنا كيف نعبده؟ وهذه من نعمة الله بإرسال هذا الرسول محمد ﷺ الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر: «لقد تُوفّي رسول الله ﷺ وما طائرٌ يُقلّب جناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَر لنا منه علمًا، حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول عليه الصلاة والسلام »[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١) من حديث أبي ذر.]]. وهذا عام في كل شيء، كل ما نحتاج إليه في أمور ديننا ودنيانا فقد علَّمنا إياه هذا الرسول؛ ولهذا قال: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ ما سبق، هل المراد منكم نسبا أو منكم جنسا؟ وقد سبق لنا أنه إذا قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨] فالمراد الجنس، وإذا قيل: منكم أو منهم فالمراد النسب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] وقد قال الله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤] والمؤمنون فيهم العرب وغير العرب.
﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ ما معنى يتلو؟ يقرأ، يقرأ عليكم آياتنا، فيأتي بها كما سمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٧- ١٩] ثلاث مراحل: جمع وقرآن بواسطة جبريل، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بيانه للناس كلهم بيانه معنًى ولّا لفظا؟ لفظا ومعنى؛ ولهذا القرآنُ -والحمد لله- مبيَّنٌ لفظُه ومعناه، ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباها نسبيًّا بحيث يشتبه على شخص دون آخر، أو في حال دون أخرى (...).
أنه تقرير له (...)، ما تقولون؟ سؤال: هل قوله ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هل هو تقرير لما سبق أو هو زائد على ما سبق؟
* طالب: زائد.
* الشيخ: إذا كان زائدًا على ما سبق، فأين ما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام خارجًا عن الكتاب والسنة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن رجحنا أنها عامة، فالظاهر لي أن القول بأنه من باب تقدير ما سبق ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أنه أولى؛ لأنه لو قال قائل: يعلِّمنا ما لم نكن نعلم من أمور الآخرة؛ قلنا: هو داخل في الكتاب والسنة ما يخرج عنها، مهما قدرت من التقديرات وجدته داخلا في الكتاب والسنة، لكنه ذكر للتقرير وبيان النعمة في أنه يعلمنا ما لم نكن نعلم، إذن الأصل في بني آدم الجهل أو العلم؟ الأصل الجهل؛ لأن العلم وارد، فكل ما عَلِمنا من العلم فإنه في الحقيقة وارد على الجهل، وهو مما يدل على نقص الإنسان حيث كان الأصل فيه الجهل، ولكنه يتعلم بتعليم الله.
وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هذا ليس على عمومه فإنه يخص منه ما لا يمكن الاطلاع عليه من علم الغيب، فعلم الساعة مثلا، عُلِّمْنَا إياه؟ ما علمنا إياه مع أننا لا نعلمه؛ لأن هناك أشياء من أمور الغيب ما تعلم، حتى أقرب الأمور إلينا ما نعلمها، وهي الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فعلى هذا يكون ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما لم تكونوا تعلمون لكن مما تحتاجون إلي العلم به، أما ما لا يمكن العلم به؛ فإن هذا ما عَلِمناه ولا عَلَّمناه مثل أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله؛ كعلم الساعة ونزول المطر وعلم المستقبل، إلا ما أَطْلع الله عليه رسوله، وكذلك العلم بكيفية أسماء الله وصفاته، فإن هذا لا يمكن الإحاطة به، فكل ما يتعلق بصفات الله فعلمُه لا يمكن الإحاطة بكيفيته؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] مع رؤيتها له، مع رؤيتها لله لكنها لا تدركه، وهذا في الآخرة، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣] أخبرنا الله عن أفعال كثيرة من أفعاله؛ كاستوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، ومجيئه للفصل بين عباده، وغير ذلك من أفعاله، وهل نحن نعلم الكيفية؟ ما نعلمها، أخبرنا الله تعالى عن نفسه أنه يعجب؛ لقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بقراءة بضم التاء وهي قراءة سبعية ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، وكذلك أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الله أنه يضحك: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة.]] فهل يمكن لنا أن نتصور أو أن نبين هذه الكيفية؟ لا، لا يمكن أن نتصورها ولا أن نبين هذه الكيفية؛ لأن هذا مجهول، هذا مجهول لنا، ولا يمكننا الإحاطة به.
ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
أولًا: إعراب الآية:
﴿اذْكُرُونِي﴾: فعل أمر؟ فيها نون الوقاية وياء المفعول به وواو الفاعل، كم من كلمة صارت؟ أربع كلمات: فعل أمر، والواو فاعل، نون وقاية، ياء مفعول، هذا فعل أمر جوابُه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، لماذا سُكِّنَ الفعل؟ لأنه كان جوابا للأمر، وهو قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، فقوله تعالى: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ يعني: عمل وجزاء، العمل: ذكر الله عز وجل، والجزاء: ذكر الله لعبده، أيُّهما أعظم؟ معلوم الأخير، يعني كون الله يذكرُك أعظمُ من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١] تحبوا الله
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا هو الغاية، الغاية والقصد أن الله يحبك، ما هو أن تحب الله؛ ولهذا لم يأتِ الجواب على الوجه المتوقع، الوجه المتوقع: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تحبوا الله، لكن الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن الشأن كلَّ الشأن أن يحبك الله، هنا ﴿اذْكُرُونِي﴾ هذا ذكر الإنسان لربه، لكن الشأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ فعل أمر، وبماذا يكون ذكرُ الله؟ يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، الأصل: ذكر القلب «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وذكرُ الله باللسان أو بالجوارح بدون القلب هو قصور، ما هو ذكر، الحقيقة أن الذكر ذكر الله تعالى بالقلب، وكيف أذكره بالقلب؟ أذكره بالقلب أن الإنسان بقلبه ينيب إلى الله، ويتوكل عليه ويرجوه ويخافه ويستحضر حُبَّه وعظمته وغير ذلك، وهذا أمر لازم للإنسان، كذلك أيضًا الإنسان يشاهد في الكون أشياء كلها من آيات الله، يشاهد الشمس بعظمتها وانتظامها وطلوعها وغروبها، كذلك القمر، وكذلك النجوم، وكذلك الليل والنهار والأحوال ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] إلى غير ذلك، نستدل بهذه الأشياء على من؟ على من دبَّر هذه الأشياء وخلق هذه الأشياء، وكل شيء منها له دلالة خاصة، منها ما يدل على العظمة، ومنها ما يدل على قوة السلطان، ومنها ما يدل على الحكمة، وكلُّها حكمة لكن بعضها أخص من بعض في الدلالة، هذا ذكر القلب بالمحبة والتعظيم والإنابة والخوف والرجاء والتفكر.. إلى غير ذلك.
ذكرُ الله باللسان يشمل الذكر المعروف مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله والله أكبر، وما أشبه ذلك، ويشمل قراءة القرآن، ويشمل الدعاء، ويشمل كلَّ قول يقرِّب إلى الله عز وجل؛ لأن كل قول يقرب إلى الله فهو من الطاعة، والطاعة مأمور بها، وفاعل الطاعة يستشعر أنه يفعلها لأي شيء؟ طاعةً لله وتقرُّبًا إليه، إذن فيكون هذا ذكر، يكون هذا ذكر الله عز وجل، وإذا جعلنا الذكر بهذا المعنى العام أمكن للإنسان أن يجعل جميع أقواله ذكرا لله إذا وفق؛ ولهذا ممكن أن تكون عادة الذاكرين عبادة، وأن تكون عبادة الغافلين عادة، كل هذا من أجل النية، يكون الذكر بالجوارح، كيف الذكر بالجوارح؟ القيام بالصلاة والركوع والسجود، والجهاد، والزكاة، كلُّها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعا لله، وحينئذ تكون ذاكرا لله في هذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥] قال بعض العلماء: ولما تضمنته من ذكر الله أكبر، وهذا أحد القولين في هذه الآية.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه المسألة يجب أن نعرف المعاني إذا قرنت مع غيرها فُسِّرت بخاصة، وعند الإطلاق تشمل، مثلا: عندنا الفقير والمسكين إذا قُرنا فُسر كلُّ واحد بما يختص به، البر والتقوى إذا قرنا جميعا فسر كل واحد بما يختص بها، وإذا أُفرد أحدهما شمل الآخر، فالذكر عند الإطلاق، أما إذا قال مثلا: هذا الرجل قرأ القرآن وذكر الله، يكون هنا قراءة القرآن خاصة والذكر خاص.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ هل هي من صفات الله؟ وهل هي من الذاتية؟ وهل هي من الإيجابية أو السلبية؟ الجواب عن الأول من صفات الله ولّا لا؟ من صفات الله، وعن الثاني هل هي ذاتية أو فعلية؟ فعلية، وعن الثالث إيجابية أو سلبية؟ إيجابية كذا.
وقوله: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ هنا مطلق، ولكن يتبين من صيغة الأمر والجزاء أن يكون الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ﴾ فاذكروني، بفتح الياء؛ يعني ياء المتكلم، يجوز إسكانها وفتحها وحذفُها تخفيفًا، لكنها في القرآن تتوقف على السماع، إنما من حيث اللغة العربية يجوز فيها الفتح والإسكان وأيش بعد؟ والحذف، لكن بالنسبة للقرآن تتوقف على السماع، وهنا فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ ﴿اشْكُرُوا﴾ فعل أمر من شَكَرَ، وقد اختلف أهل العلم بالعربية هل ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ هي اشكروني أو غيرها؟ فقال بعضهم: إنها هي هي، وأنَّ شَكَرَ تتعدى بنفسها وتتعدى باللام، فيقال: شكرَهُ، ويقال: شكرَ له. وقال بعضهم: إنها ليست بمعناها وأن شكر تتعدى بنفسها دائما، وأن المفعول هنا في نحو ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ محذوف؛ يعني: اشكروا لي ما أنعمت عليكم، ما أنعمت عليكم، أو نعمتي، أو ما أشبه ذلك، والخلاف في هذا لا يترتب عليه كبيرُ فائدة؛ لأن الجميع متفقون على أن المراد بهذا الأمر القيامُ بشكر الله عز وجل، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيِه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، خدوا بالكم، فسببه أخص من سبب الحمد، ومتعلَّقُه أعم من متعلَّقِ الحمد، أرجو أن تنتبهوا، الحمد يكون باللسان لكن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، فإذا كان سببه إنعام المحمود كان من الشكر، أعني الحمد، أما الشكر؛ فإن سببه واحد، ما هو؟
* طالب: النعمة.
* الشيخ: النعمة، نعمة المشكور، أما متعلَّقُه فثلاثة: يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح، خذوا بالكم من الفرق بين الحمد والشكر، أكثر الناس ما يعرفون الفرق بينهما، فيختلفان إذن من حيث السبب، ويختلفان من حيث المتعلَّق، سبب الحمد أيش قلنا؟ كمال المحمود وإحسان المحمود، فالله جل وعلا يُحمد على كماله وعلى إنعامه، وسبب الشكر؟ النعمة، نعمة المشكور، أما المتعلق؛ فالحمد يكون باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وعليه قول الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
فـ(يدي): هذا الشكر للجوارح، (لساني): باللسان يعني القول، و(الضمير المحجَّبَ): القلب.
ما هو الشكر بالقلب؟ الشكر بالقلب أن يُقِرَّ الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله عز وجل، فيحب الله سبحانه وتعالى لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي في جامعه (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس.]]، فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله، أحب الله؛ لأن النفوس مجبولة على محبة مَن يحسن إليها، هذا تعلُّق الشكر بالقلب، تعلقه باللسان التحدث بنعمة الله لا افتخارا بل شكرا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، وقال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٨ / ٣) من حديث أبي هريرة، والترمذي في جامعه (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد، واللفظ له.]]. أما الشكر بالجوارح؛ فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جُعلت له، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له، فإن هذا من شكر النعمة.
وقوله تعالى: ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ على القول بأن شَكَرَ تتعدى بنفسها أو اللام، لا إشكال في الموضوع؛ لأن المعنى: اشكروا لي واشكروني واحد، أما على القول الثاني: أن شَكَرَ تتعدى بنفسها فاللام هنا للإخلاص؛ يعني اشكروا لي لا لغيري، فيكون هنا بيان المشكور له وهو الله عز وجل؛ لأنه هو أهل الشكر.
وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أصله: لو قال قائل: كيف ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (لا) ناهية وهنا جاءت النون مع أنها من الأفعال الخمسة؟ فالجواب: أن النون هنا للوقاية وليست نون الإعراب، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ ولّا ﴿يَسْتَعْجِلُونِ﴾؟ يستعجلونِ، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠] فالنون هنا للوقاية، وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ أي: لا تجحدوني أو تجحدوا نعمتي، بل قوموا بشكرها وإعلانها وإظهارها؛ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمةً فإنه يحب منه أن يُرى أثرُ نعمته عليه، إذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه؛ أولًا: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفا بعلمه يقوم ويعمل بما علم. الثاني: من ظهور العلم بالتعليم، يعلِّم الناس ما استطاع، وليس بلازم أن يعلِّمَه في حلقات، قد يعلِّمُ شخصا يصلي إلى جنبه فيخل بأمر من الأمور في الصلاة فيُعَلِّمُهُ، هذا من طرق التعليم. الثالث: من آثار نعمة العلم: أن يدعو الإنسان إلى الله على بصيرة، أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم بالدعوة إلى الله يتكلم بقدر ما يستطيع، حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى عزيمة مثلًا ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم، وكان بعض أهل العلم في مسألة فهو فيما حضر، بعض الناس من أهل العلم يكون معه كتاب إما معه بنفسه أو مع أحد من تلاميذه، فيقرأ الكتاب على الحاضرين ويستفيد ويفيد، وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا وصاروا يترقبونه منه، أما إذا لم يعودهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده، سؤالٍ مثلا حتى ينفتح المجال للناس ويسألون وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها، وهذا لا شك أنه نقص وإن كانوا قد لا يأثمون، لكنه نقص، فالذي ينبغي لطالب العلم حتى وإن لم يُسأل أن يورد هو سؤالًا؛ لأجل أن يفتح الباب للحاضرين فيسألوه، «وقد جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة وأماراتها وقال النبي عليه الصلاة والسلام:«هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنه هو عَلَّمَ جبريل، الذي يجيب مَن؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لماذا جعله معلما؟ لماذا جعله معلما، وهو يسأل؟
* طالب: لأنه صدقه.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأنه سأله وبسبب سؤاله..
* الشيخ: صار العلم، نعم؛ لأنه تسبَّبَ لهذا العلم، المهم أننا نقول: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ إنه من كفر النعمة أن لا يظهر أثرُها على من أنعم الله عليه، فإنه ينبغي للإنسان ألَّا يسترها؛ لأن الكفر في الأصل هذه المادة (كاف، فاء، راء)، وأيش أصلها في اللغة؟ الستر، ومنه الكُفُرَّى اللي يسميه العوام: الكافور، حق النخل؛ لأنه يستر الثمرة، فالإنسان الذي لا يُرى عليه أثر النعمة فهو في الحقيقة ما أظهرها بل جحدها.
﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ تقدم لنا ولا بأس من إعادته أن الكلام إذا صُدِّرَ بالنداء فهو دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب التفات المخاطب إلى مناديه، واضح ولّا لا؟ وسبق لنا أن الله تعالى إذا صَدَّرَ الحكم أو الخبر بوصف الإيمان؛ كان ذلك دليلا على أن التصديق به إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وعلى أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، إن كان خبرا مثل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ﴾ [المائدة ٩٤] هذا خبر، والحكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فالمهم أنه إذا صُدِّرَ الكلام بوصف الإيمان دلَّ ذلك على أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، وتصديقه إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته أو تكذيبه نقص في الإيمان، كذلك أيضًا تصدير الشيء بوصف الإيمان هو في الحقيقة من باب الإغراء، من باب إغراء المخاطب بالتزام الحكم أو تصديق الخبر، كأنه يقال لهم: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم، ولكونكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، أو لا تفعلوا كذا وكذا، أو سيكون كذا وكذا فصدِّقوه، مثلما تقول للإنسان: يا رجل، وأيش معنى (يا رجل)؟ يعني أن مقتضى رجولتك أن تتجنب هذا الشيء، أو أن تقوم بهذا الشيء، أو ما أشبه ذلك. يا مؤمن، هذا إغراء يعني: لإيمانك افعل كذا أو اترك كذا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ استعينوا بها؛ أي: اجعلوها عونًا لكم، ﴿بِالصَّبْرِ﴾؛ أي: اجعلوا الصبر عونا لكم، ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: قُتل فلان صبرا؛ أي: حبسًا.
وفي الاصطلاح: هو حبس النفس، حبس النفس على ما ينبغي أن تكون عليه، أو عمَّا ينبغي ألَّا تكون عليه، فهو ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة؛ الصبر على طاعة الله يحتاج إلى مكابدة من وجهين: من وجه التعب النفسي والتعب البدني، الصبر على الطاعة يكابده الإنسان من وجهين أيش؟
* الطلبة: التعب النفسي والبدني.
* الشيخ: التعب النفسي والبدني، النفسي: أنك تجده يجاهد نفسه على فعل الطاعة، والبدني: يتعب يتوضأ في أيام السَّبَرَات، ويخرج إلى المساجد في الظلمات، ويركب المشقات للوصول إلى بيت الله وهكذا. الصبر عن المعصية، وأيش يتضمن؟ التعب النفسي فقط؛ لأنه كَفٌّ، ما عليك تعب، اترك هذا الشيء فقط، ففيه التعب نفسي، البدن ما تَحَرَّكَ ولا شيء، بس طلب منه أن يكف، إذن فهو تعب نفسي، لاحظوا أنه قد يكابد الإنسان من التعب النفسي على ترك المحرم أكثر مما يكابده على تعب النفس في الشيء المأمور به؛ أي في الطاعة، خدوا بالكم يا جماعة يعني: قد يكون هناك داعٍ قوي لفعل هذه المعصية يكون مكابدة الإنسان التعب النفسي في تركه أمرًا شديدًا وشاقًّا، ويكون فعله للطاعة ولو كانت أفضل أهون عليه من الناحية النفسية. ثم القسم الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة، فيه معاناة، نفسية ولّا بدنية؟
* طالب: نفسية وبدنية.
* الشيخ: الأقدار المؤلمة؟ الأقدار المؤلمة فيها؟
* الطالب: نفسي وبدني، ممكن صار له مرض، كسر.
* الشيخ: أي ما أخالف لكن هذا ما هو من فعله، يعني كونه يتألم بالكسر أو ما أشبه ذلك ما هو من فعله، لكن غالبا فيه معاناة نفسية، تعب نفسي؛ لأن الإنسان قد يرى أن من التفريج عن نفسه أن يلطم خده ولّا يشق ثوبه ولّا ينتف شعره وما أشبه ذلك، قد يخفف عنه وإن كان هذا من الشيطان، لكنه يَصْبِرُ نفسه عن هذا الأمر فهذا تعب نفسي.
أي الأنواع الثلاثة أفضل؟ الصبر على الطاعة، أو عن المعصية، أو على أقدار الله المؤلمة؟ الصبر على الطاعة أفضل وأقرب إلى الله؛ ولهذا تجدون من الطاعات ما هو من فرائض الإسلام، أركان الإسلام كلها أفعال طاعات، لكن منهيات غير الشرك ما تصل إلى هذا الشيء؛ فلهذا نقول: الصبر على الطاعة أفضلها، ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه اختياري وفعلي، أنت تقدر تفعل ولا تفعل، الصبر على الأقدار المؤلمة هو أدناها؛ وذلك لأن الإنسان كما قال بعض السلف: إما أن يصبر صبر الكرام أو أن يسلوا سُلُوَّ البهائم؛ يعني هو لو مثلا تضجَّر وعجز عن الصبر الآن حين المصيبة، آخر ما له؟ غصبا عليه بيصبر، يسلو ولا كأنها صارت، يوسف عليه الصلاة والسلام كان له عدة أنواع من الصبر؛ عنده الصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة. صبره على الأقدار المؤلمة ظاهر أو لا؟ على ما فعل به إخوته وما كادوا له، وصبره عن المعصية؟ ظاهر أيضًا حين دَعَته امرأة العزيز إلى نفسها ولكن الله سبحانه وتعالى أنقذه حين فزع إليه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف ٣٣] لمَّا لجأ إلى الله عز وجل بصدق ماذا كانت النتيجة والجواب؟ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف ٣٤] سبحان الله العظيم! خلك يا الإنسان دائما تلجأ إلى الله عز وجل، وأحيانا يكون مع الإنسان غفلة عن الله، ثم يصاب بالمصيبة ليلجأ إلى الله حتى يذكر؛ لأن الإنسان مع كثرة النعم وعدم المصائب ينسى ويستمر في هذه الأشياء في هذه النعم يمشي معها ويغفل، لكن إذا أصيب بنكبات حينئذ يرجع إلى الله عز وجل ويصبر، يوسف عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله فأجاب الله دعوته ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾. هل له صبر على الطاعة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وأيش؟
* طالب: صبره على الدعوة إلى الله في السجن، جلس يدعو إلى الله عز وجل. وطلبه تزكية عرضه عليه الصلاة والسلام. أيضًا ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
* الشيخ: يعني عدة مسائل، وكذلك أيضًا قيامه بالملك وتنظيمه، نعم، كل هذه من الصبر على الطاعة، طيب ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ وأيضًا استعينوا بالصبر على مشاقِّ الأمور ومكابداتها، وما أحسن أن يكون الإنسان صابرا منتظرا للفرج؛ لأن النبي ﷺ يقول: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد في مسنده: (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]؛ لأنه إذا كان منتظرًا للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول وأن دوام الحال من المحال، فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا؛ هان عليه الصبر كثيرا، وهذا لا شك أنها من الخصال الحميدة التي جاء بها الإسلام، وهو أيضًا دليل على أن الأمور تسهل بشو؟ بالصبر، مهما بلغت بك الأمور اصبر فتهون؛ ولهذا جعل الله تعالى الصبر عونا فقال: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ كذلك بالصلاة، الصلاة أي الصلاة؟ وأيش الصلاة؟ الدعاء؟ لا، الصلاة الشرعية؛ ولهذا كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه «إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِع إلى الصلاة »؛ الصلاة من أكبر العون على الأمور، لماذا؟ لأن المصلي يقف بين يدي حبيبه سبحانه وتعالى، بين يدي الله، فينسى كل ما سواه، ولكن ترى هذه صلاة الأوابين، ما هي صلاة اللَّعَّابين، نعم، صلاة الأوابين لا صلاة اللعابين، نسأل الله أن يتوب علينا! إذا وقف بين يدي ربه نسي كل شيء، فأقبل عليه واطمئن به وصار له في قلبه نور، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةُ نُورٌ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]] هذا الفرح والسرور والانشراح يهوّن عليك الأمور ولّا لا؟ طبعا يهون، قطعا يهون عليك، قطعا ما هو طبعا، قطعا يهون عليك الأمور؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي (٣٩٣٩) من حديث أنس.]] يهوِّن عليك الأمور فتسهل عليك الصعاب، ثم إن في نفس الصلاة أيضًا أمكنة للدعاء تدعو الله تعالى أن يعينك على هذه الأمور، فتكون الصلاة نفسها عونا وما تتضمنه من الدعاء أيضًا عونا، فيستعين الإنسان بها على كل مهماته وملماته، فالصلاة أمرها عظيم لمن أتى بها على الوجه المشروع، لكن مع الأسف إننا أضعنا الصلاة، نسأل الله أن يتوب علينا! ندخل فيها ونخرج منها، ونحن على ما دخلنا بل إنها بعضُ الناس لا تزيده من الله إلا بُعدًا، نسأل الله السلامة! إذن الاستعانة بالصلاة أمرٌ أمرَ الله به، افرض مثلا أنك كنت في ضائقة من أهلك ضاقت عليك الدنيا، المرأة تبغي، والولد يبغي، وما أشبه ذلك، فتوضأت واتجهت إلى الله وكنتَ تخاطبه بكلامه وتدعوه بحاجاتك، تنسى، فتخرج وكأن الدنيا كلها أمامك واسعة، ونور يتلألأ فتسهل عليك الأمور وتهون عليك، والذي أمرنا بذلك ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ هو عالم بذلك سبحانه وتعالى، عالم به وهو رحيم بنا، لولا أن هذا الدواء ناجح وناجع ما أمر الله به، ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
* طالب: الحديث هو قد ضعف؟
* الشيخ: أيهم؟
* طالب: أن «النبي ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِعَ إلى الصلاة »[[أخرجه أبو داود في سننه (١٣١٩)، وابن جرير في تفسيره (١ / ٦١٨) من حديث حذيقة، واللفظ له.]] لكن تشهد له الآية (...).
* الشيخ: إي نعم، الآية تشهد به وأشوف ما يستدلون به شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير كلهم يستدلون به.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه بشرى عظيمة لمن صبر، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يقل مع المصلين، لماذا؟
* طالب: لأن الصلاة من الصبر.
* الشيخ: لأن الصلاة طاعة، وقلنا: إن من أقسام الصبر: الصبر على طاعة الله، هذا وجه، الوجه الثاني: أن الصبر أشق بالاستعانة به من الصلاة؛ لأن الصبر مر يا جماعة، الصبر مر.
الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
نعم، فهو مُرٌّ يكابده الإنسان ويعاني، ويحصل له انفعالات ويتغير دمه ووجهه ويصابر ويكابد، حتى إنه يكاد مَن يراه يقول: هذا مريض؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ نعم، وجواب ثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى، بدليل أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن الإنسان المصلي يناجي ربَّه، وأن اللهَ قِبَلَ وجهِهِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث ابن عمر.]] وهو على عرشه سبحانه وتعالى، فعلى هذا يكون الجواب من ثلاثة أوجه؛ إذا قال قائل: لماذا لم يقُل في الآية: إن الله مع الصابرين والمصلين؟ فالجواب، عد لنا الوجه الأول؟
* طالب: أن الصلاة من الصبر.
* الشيخ: نعم، من الصبر فتكون داخلة فيه، والوجه الثاني؟
* طالب: الصبر أعم.
* الشيخ: هذا الذي قاله، سبحان الله!
* طالب: إن الصبر أشد من الصلاة.
* الشيخ: إي نعم، إن مكابدة الصبر أشق؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين لينشطوا على هذا الأمر، الوجه الثالث؟
* طالب: إن الله إذا كان مع الصابرين فهو من باب أولى مع المصلين.
* الشيخ: فهو مع المصلين من باب أولى كما جاءت به السنة، خذوا بالكم يا جماعة، أنا في ظني أن هذه الأوجه الثلاثة يمكن أنا أدورها بعد أيام ما ألقيها، يمكن أنا أدورها ما ألقيها؛ لأن أحيانا الإنسان مع الشرح يمكن يجيب الله له أشياء ما كان تخطر على باله، ويتطلبها في يوم من الأيام ويلاقيها رايحة، فأنتم احرصوا على هذه المسائل، طيب عندنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه المعيّة خاصة ولّا عامة؟
* طالب: خاصة.
* الشيخ: هذه خاصة؛ لأن كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، إن ﴿اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤] أضيفت إلى التقوى وهو سبب، ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وما أشبه ذلك، أما المعية المطلقة التي يقصد بها إحاطة الله عز وجل بخلقه علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، فهذه تسمى معية عامة؛ لأنها ما قُيدت بأحد، بل هي عامة، ولها أمثلة كثيرة في القرآن، منها ما هو عام لجميع الخلق، ومنها ما خُصص بقوم تهديدا لهم، مثال العامة لجميع الخلق: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة ٧] فقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ عام ولّا خاص؟
* طالب: خاص.
* طالب آخر: لا، عام.
* الشيخ: لا، عام عام، أيّ ثلاثة يتناجون؛ مؤمنين، كافرين، فُجّار، أبرار الّلي يكون، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] هذه عامة، وقد تكون خاصة لكنها لا تقتضي النصر والتأييد، وإنما تقتضي التهديد، فهي من قسم العام المقيد كما في قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] هنا لا شك أنها ليس المراد معهم بالنصر والتأييد، لماذا؟ لأنهم لا يستحقونه، لكن المراد تهديدهم بهذه الإحاطة، عندنا عامة مطلقة، وعامة مقيدة بقوم للتهديد، الخاصة أيضًا تنقسم إلى قسمين: مقيدة بوصف، ومقيدة بشخص، المقيدة بوصف مثل؟ ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤] إلى آخره، والمقيدة بشخص؛ كقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام حاكيا عنه أنه قال لأبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؛ ثم هذه المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى حالا في الأرض، فهي ليست معية حلول واختلاط؛ لأن ذلك أمر مستحيل على الله عز وجل، ولم يفهم أحد هذا الفهم إلا مَن اجتالَتْهُ الشياطين فأخرجته عن فطرته، وإلَّا مَن كان جاهلا باللغة العربية أيضًا، فلا أحد يتصور هذا التصور أو يقول هذا القول؛ أنها معية حلول وأن الله سبحانه وتعالى معنا في المكان إلا من جهل الله عز وجل ولم يقدره حقَّ قدره، وكذلك أيضًا جهل المعنى في اللغة العربية، أرجو تنتبهوا لهذا الأمر؛ لأنه أمر مهم، فالذين فهموا هذا الفهم هم الجهمية والمراد قدماؤهم؛ لأن متأخري الجهمية تركوا هذا المسلك وسلكوا مسلك التعطيل المحض؛ حيث قالوا: إن الله تعالى ليس داخلَ العالم ولا خارج العالم، ولا متصل ولا منفصل.. إلى آخر ما تقدَّم لنا في العقيدة، لكنّ متقدِّميهم كانوا يقولون بالحلول. ومن الغرائب أو من العجائبِ والعجائب جمَّةٌ
أن هؤلاء القوم يقولون: إن الله معنا في الأرض -والعياذ بالله- وينكرون أن يكون في السماء، ينكرون أن يكون في السماء، فانقلبوا بعقولهم رأسا على عقب، ثم جاء قوم تكيّسوا فتكايسوا، فقالوا: إننا نقول: إن الله معنا في الأرض، وهو على عرشه في السماء؛ يريدون بزعمهم الجمع بين النصوص، ولكنهم في الحقيقة تكايسوا ونُكسوا على رؤوسهم؛ لأن هذا ليس جمعا بين النصوص، بل هذا في الحقيقة إبطال للنصوص، فكيف يكون الله عز وجل فوق عرشه بذاته وفي الأرض بذاته؟! هذا ممكن؟ غير ممكن أبدًا، إلا أن يكون -العياذ بالله- بتعدد الخالق.
ولا يمكن أن يحل في الأرض، وهذا قول تبطله الأدلة السمعية والعقلية والفطرية، القرآن والسنة مملوءان بما هو نص أو ظاهر بأن الله تعالى في السماء، والعقل أيضًا يدل على أن الله تعالى في السماء، يدل على ذلك كما قدمنا من وجهين: الوجه الأول: أن العلو صفة كمال ولَّا صفة نقص؟
* الطلبة: صفة كمال.
* الشيخ: صفة كمال، فإذا كان صفة كمال لزم أن يكون ثابتًا لله؛ لأن الله تعالى موصوف بالكمال المطلق، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧].
الوجه الثاني من الأدلة العقلية على علو الله أن يقال: العلو ما الذي يقابله؟
* الطلبة: السفل.
* الشيخ: السفل، والسفل بلا ريب صفة نقص والله تعالى منزه عن النقص، فوجب ثبوت العلو له، أما الفطرة: فلا تسأل عنها، اذهب إلى عجوز قريبة من الحرم وقل لها: أين الله؟ ماذا تقول؟
* الطلبة: في السماء.
* الشيخ: في السماء، ائتِ للصبيان في مدارسهم قل لهم: أين الله؟ يقولون: في السماء، اسأل أي إنسان خائف أو داعي: أين يرتفع قلبه؟
* الطلبة: إلى السماء.
* الشيخ: إلى السماء، اسأل المسلمين جميعًا وهم يقولون في سجودهم: سبحان ربي الأعلى أين يجدون قلوبهم ترتفع؟
* الطلبة: إلى العلو.
* الشيخ: إلى العلو، ما فيها إشكال، إذن فالفطرة دالة على ثبوت علو الله عز وجل. إجماع المسلمين ما عدا أهل التعطيل على أن الله في السماء، هذا أمر واضح، على هذا يكون من زعم أن معية الله للخلق معية حلول واختلاط فإن قوله يبطل بهذه الأدلة، كل دليل يدل على العلو فإنه يدل على بطلان القول بمعية الحلول والاختلاط واضح؟
فعلى هذا تكون معية الله تعالى لخلقه معية تليق بجلاله وهو سبحانه وتعالى فوق عرشه؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في آية واحدة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤]. وكل شيئين جمع الله بينهما فإنهما لا يمكن أن يتناقضا.
قلنا: إن الذي يقول بمعية الحلول والاختلاط مخالف للأدلة الشرعية المثبتة لعلو الله، كذلك أيضًا هو لا يعرف اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية هل تقتضي حقيقة المعية فيها أن يكون الشيء مخالطًا للشيء، أو حالًّا معه في مكان مجتمعًا معه في مكانه؟
لا، ليس كذلك، الإنسان مثلًا يقول: زوجتي معي وهي في البيت وهو في المسجد أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وهذا حقيقة، هذه معية حقيقية مع أنها في مكان وهو في مكان، كذلك أيضًا الضابط أو القائد يقول للجنود: اذهبوا إلى المعركة فأنا معكم، حقيقة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: هو حقيقة، تطلق هذه الكلمة حقيقة مع تباين المكانين ولَّا لا؟ الصبيان الآن يتداركون ويتزاعلون، يجي واحد ولد الجيران يقول: تعال، أنت معي ولا معه؟ أنت معي ولا معه صح ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: حقيقة مع أن كل واحد بيذهب إلى بيته، فالمعية في اللغة العربية لا تقتضي حقيقتها، قصدي لا تستلزم وهو لا تقتضي، لا تستلزم حقيقتها الحلول والاختلاط بين الشيئين. وأقول: لا تستلزم، ولا أقول لا تقتضي؛ لأنها قد تقتضي ذلك، كما لو قيل مثلًا: الماء قدم لي لبنا مع ماء؛ أي مخلوطًا به، وكما يقال: الروح مع البدن؛ أي مختلطة به، وهذا نعم قد تقتضيه، لكنها لا توجبه اللغة العربية، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية : وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة العربية، قال: لا توجبه، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان.
فالمهم يا جماعة لا تظنوا أن القرآن يناقض بعضه بعضًا.
* الطلبة: حاشاه.
* الشيخ: وأنه إذا ثبت أن الله معنا فإنه ينافي أن يكون الله في السماء، فإن هذا غير ممكن، بل نقول: إن القرآن يصدق بعضه بعضًا، ويثبت بعضه بعضًا، ولكن من الناس- من نسأل الله لنا ولكم السلامة- من في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه لأجل فتنة الناس؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وتعطيله عما أراد الله.
* طالب: شيخ، من قال منهم أن المعية تخصيص ما في التعميم أول شيء؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: إذا خصصنا قلنا: المعية العامة معية حقيقية على معية الله عز وجل، وقلنا: المعية خاصة، هناك معية خاصة هل يناقض التخصيص التعميم؟
* الشيخ: لا ما يناقضه، يعني المعية الخاصة يجب أن تؤمن بأنها مجتمعة مع المعية العامة؛ بمعنى إذا قيل ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨] فليس معناها أنها معية خاصة مجردة عن المعية العاملة فإنه سبحانه وتعالى مع هؤلاء أيضًا بالعلم والإحاطة والمعنى العام.
* طالب: يا شيخ، ومن قال منهم تأول المسألة هذه يعني قال إنه في كل مكان مع أنه على عرشه وقال: إذا كان ينزل إلى سماء الدنيا وهو على عرشه سجانه وتعالى فقد يخلو توقيفه في هذا ما يقال يخلو منه العرش ولا يخلو، لكن إذا كان ينزل إلى السماء الدنيا، فلا يمانع أن الله ليس كمثله شيء؟
* الشيخ: لا، لا، هذا ما يمكن، هذا ما يمكن، لا ما يمكن، حتى النزول إلى السماء الدنيا ما يجوز أن نقول: إن السماء الثانية تكون فوقها ما يجوز نقول هكذا.
* طالب: نقول على قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].
* الشيخ: لا لا، ما يكفي؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام: لا يجوز أن نعتمد في إثبات الصفات على نفي المشابهة والمماثلة؛ لأن المعاني اللي هي في نفسها مناقضة لكمال الله ما تُثبت، ولو قلنا على وجه لا يشبه صفات المخلوقين، فهذه مسألة ينبغي التنبه لها؛ يعني ليس كل شيء نثبته لله ونقول: ليس على ما يشبه صفات المخلوقين، إذا كان نقصًا فهو منفي عن الله عز وجل مطلقًا.
لو قال قائل مثلًا: أنا بأثبت أن الله سبحانه وتعالى يتعب لا كتعب المخلوقين مثلًا أيش نقول؟
* الطلبة: هذا خطأ.
* الشيخ: نقول: هذا خطأ، فكل صفات النقص ما يجوز إثباتها لله مطلقًا، ثم صفات الكمال التي أثبتها الله لنفسه هي التي نقول فيها: على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأنه ما يكفي في نفي النقائص عن الله أن نثبت له النقص ثم نقول: لا تشبه هذا ممنوع، ومسألة خلو العرش منه إذا نزل إلى سماء الدنيا أو عدم خلوه يقول شيخ الإسلام: إن الأرجح عدم الخلو العرش منه؛ لأن العلو ثابت صفة من الصفات الذاتية.
وقال بعض العلماء: إن الذي ينبغي لنا أن نسكت؛ يعني المسألة فيها ثلاثة؛ أقوال: قول أنه يخلو العرش منه وينزل إلى السماء الدنيا وعلى أي كيفية ما ندري كيف ينزل، المهم أنه سبحانه وتعالى يقرب من عباده بهذا النزول.
والقول الثاني: يقولون: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، والله على كل شيء قدير، ولا ندري كيفيته.
والقول الثالث: التوقف، التوقف عن هذا، نُعرض عن هذا كله بألسنتنا وقلوبنا، ونقول: إن الله ينزل وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما أوردوا على النبي عليه الصلاة والسلام هذا السؤال: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ فما دام ما أوردوه فإنه ينبغي أن لا نورده نحن عن أنفسنا ولا عن غيرنا، وهذا قول فيه سلامة، ولكن شيخ الإسلام يقول: إن الأكثر على أنه لا يخلو منه العرش؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء.
قال: ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦] ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣].
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة ١٥٤] (لا) ناهية، وتقولوا: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل.
﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ أي فيمن يقتل؛ لأن المقتول ما يقال له شيء، قد قتل، لكن المعنى فيمن يقتل في سبيل الله.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٥١].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بإرسال الرسول.
أنا أعتبر اللي يأتي بس يحضر أعتبره مستمعًا وليس طالبًا، ولهذا ما يشعر بأنه جاء يتلقى تلقيًا كاملًا، فأن أحب أن الإنسان يحرص لما كنا في الطلب، الإنسان منا ما يأتي إلا بكتاب؛ إما نشتريه ولَّا نستعيره، المهم ما يأتي الواحد مثلًا بيديه فقط ونحن لسنا على مستوى اللي عليه الأولون؛ يحضر واحد ويُلقي قصيدة مئة بيت وينصرف والناس كلهم حفظوها، ما نحن على مستوى هذا حتى نقول: نكتفي بأن الواحد يأتي بيديه فقط، فأنا أرجو من الإنسان اللي بينتظم إن شاء الله إنه يحرص يدور الكتب التي نحن نقرؤها، يدورها ويحضرها.
قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾. أقول: * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بإرسال الرسول ﷺ. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ لأن هذه الآية متعلقة بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٥٠]. فإن هذا من تمام النعمة.
ومنها: أن كون الرسول منا فيه زيادة فائدة؛ لأنه أقرب إلى التصديق مما لو كان أجنبيًّا، ولهذا ما بعث الله نبيًّا إلا في قومه إلا رجلًا واحدًا فقط بعثه الله في قومه وفي غير قومه، وهو؟
* الطلبة: محمد عليه الصلاة والسلام.
* الشيخ: لا، محمد على عموم الناس، كل الناس قومه.
* طالب: شعيب.
* الشيخ: شعيب، شعيب أرسل إلى قومه وإلى أصحاب الأيكة.
* طالب: ما هم واحد يا شيخ؟ أصحاب الأيكة ما هم واحد؟
* الشيخ: لا، قبيلتين.
* من فوائد الآية: أن النبي ﷺ لم يقصر في البلاغة، وأنه بلغ جميع ما أوحي إليه لقوله ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة ١٥١] فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها.
ومنها: أن من فوائد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام حصول العلم؛ لأن هذه الآيات كلها علم لقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة ١٥١].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الشريعة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام كلها تزكية للأمة وتنمية لأخلاقها ودعوة للأخلاق الفاضلة، ولهذا كان من القواعد المقررة في الشريعة أنها تأتي بالمصالح الخالصة أو الراجحة، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ أو الراجحة.
الشريعة تأتي بالمصالح الخالصة اللي ما فيها مفاسد إطلاقًا، أو الراجحة فيما إذا اشتمل الفعل على مصلحة ومفسدة لكن مصلحته أرجح، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟
* الطلبة: أو الراجحة.
* الشيخ: أو الراجحة، الخمر فيه مصالح ومفاسد، لكن مفاسده راجحة فلذلك حُرِّم، فلهذا حرم، الحجر على السفيه فيه مصالح وفيه مفاسد لكن مصالحه راجحة، فلذلك قُدم، قدمت المصالح، أو مصالح خالصة ما فيها مفاسد كعبادة الله مثلًا، هذه قاعدة الشريعة، ولهذا قال: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به لقوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن من وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ومهمته التي جاء بها أنه يعلمنا الكتاب والحكمة، الكتاب هو القرآن، والحكمة قيل: إنها السنة، وقيل: ما تتضمنه الشريعة من الأسرار والحكم.
* ومن فوائد الآية: الرد على أهل التأويل وأهل التجهيل. وأيش معنى التجهيل؟
* الطالب: أهل التأويل اللي يؤولون.
* الشيخ: إي نعم، اللي يؤولون آيات الصفات؛ لأننا نقول لهم: لو كان هذا التأويل من العلم لأيش؟
* الطلبة: لعلمنا إياه النبي.
* الشيخ: لعلمنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى أهل التجهيل، الرد على أهل التجهيل، مَن هم أهل التجهيل؟
أهل التجهيل: طائفة يقولون: إن الرسول ﷺ وأصحابه والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات وأحاديثه، ما يدرون أيش معناها، حتى النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري أيش معناها، يسمون هؤلاء أهل التجهيل، يقولون مثلًا: النبي عليه الصلاة والسلام ما يدري وأيش معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]، لو تسأل النبي ﷺ وأيش معناه؟ قال: ما أدري، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة. ]] ولو سألته ما معنى ينزل لقال: لا أدري، هؤلاء يسمون أهل التجهيل.
* الطالب: هم يزعمون هذا هو العلم؟
* الشيخ: إيه، يقولون: هذا هو العلم، أن تقول عما لا تعلم: لا أعلم. هذه الآية ترد على طائفتين جميعًا؛ لأنه قال: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام علم الأمة لفظ القرآن ومعناه، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل ٤٤] في القرآن؟ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وأيش بعد الآية؟
* الطلبة: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾.
* الشيخ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرسول ﷺ كما بين لكم القرآن ولم يكتم منه حرفًا واحدًا فقد بيَّن معناه، ولهذا إذا استشكل الصحابة شيئًا من المعنى سألوه فعلمهم، ولكن الغالب أنهم ما يستشكلون؛ لأنه نزل بلغتهم وفي عصرهم، يعرفون معناه ومغزاه وأسبابه فلا يُشكل عليهم.
إذن النبي عليه الصلاة والسلام* يستفاد من هذه الآية: أنه علمهم لفظ القرآن ومعنى القرآن.
* ومن فوائد الآية: اشتمال الشريعة على الحكمة، من أين تؤخذ؟
* الطالب: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
* الشيخ: أي الكلمتين؟
* الطالب: الحكمة.
* الشيخ: الحكمة، فالشريعة متضمنة للحكمة تضمنًا كاملًا، فما من شيء في مأموراتها ومنهياتها إلا وهو مشتمل على الحكمة، لكن يرد علينا سؤال: هل الحكمة معلومة لنا؟
* طالب: قد تكون معلومة.
* الشيخ: قد تكون معلومة وهو الأكثر، وقد تكون مجهولة، لكن هنا حكمة لازمة لكل حكم، وهو طاعة الله ورسوله، فإن هذه حكمة، هذه أعظم الحكم وهي ثابتة فيما نعقل حكمته وفيما لا نعقلها، ولهذا لما قالت عمرة لعائشة رضي الله عنها: «مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له، من حديث عائشة.]] فبينت الحكمة من ذلك وهو طاعة الله ورسوله، وهذه حكمة لازمة في كل حكم سواء عُقل معناه أم لم يعقل، واضح؟ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الأصل في الإنسان الجهل لقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان الجهل، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨] ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [النحل ٧٨] فبين طرق العلم السمع ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ وبهما الإدراك، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ وبها الوعي والحفظ.
وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إذا قال قائل: اضربوا لنا مثلًا وأيش نقول؟
* الطالب: الصلاة.
* الشيخ: نعم، كل الشريعة مثال، هل نحن نعرف كيف نصلي؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: إلا بتعليم الرسول ﷺ، ما يعرف الإنسان كيف يتوضأ، ما يعرف ما الواجب في أموالهم من الزكاة، ولا يعرف من تُصرف إليهم الزكاة، هذه أحكام شرعية ما نعرفها، وفيه أحكام قدرية ما نعرفها أيضًا، علّمنا إياها الرسول ﷺ، هل نحن نعلم أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟
* طالب: ما علمنا إلا بعلم.
* الشيخ: إلا بعلم الرسول عليه الصلاة والسلام، هل نعلم أنا خلقنا من آدم وآدم من تراب؟ ما نعلم إلا بما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن الواحد منا يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك إلى آخره؟ إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن فعلومنا الكونية والشرعية من أين هي متلقاة؟ من الرسول عليه الصلاة والسلام.
هل نعلم أن أسباب نزول المطر أن الله يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا، ويأمره فينزل المطر إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام؟
ومن هنا نعرف أن العلم الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من علوم الكون النافعة سابق على علم أولئك الذين يفتخرون بعلومهم، فالعلوم النافعة الكونية والشرعية أصولها جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، صحيح أن بعض تفصيلاتها ما جاء بها؛ لأنكم تعلمون أنه قد تصدى له قوم في عهده يردون دعوته، فإذا جاء بما لا تدركه عقولهم من أمور الكون فقد يجعلون من ذلك ذريعة إلى التشهير به وتكذيبه كما فعلوا في قصة الإسراء والمعراج.
والحاصل يا إخواننا أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، علمنا ما لم نكن نعلم من أمور الكون وأمور الشرع.
ومن نعمة الله عز وجل أن أمور الكون جعلها الله سبحانه وتعالى، ذكر أصولها، لكن جعل تفاصيلها موكولة إلى التجارب، وأيش لأجله؟ لأجل يدركها الإنسان بعقله، ما ظنكم لو أن القرآن الكريم فصَّل جميع ما في العقاقير من مضادات حيوية وغير حيوية وما أشبه ذلك كم يصير القرآن من مجلد؟
* الطلبة: يصير مجلدات.
* الشيخ: مجلدات عظيمة لا يستطاع حفظه، وتمل تلاوته، ويشق على الناس التزامه، لكن جعل هذه الأمور لها أصولًا ثم جعل فروعها، الأمور الكونية خاصة، الأمور الشرعية إلى الله ورسوله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] لكن الأمور الكونية وُكلت للإنسان، ذُكرت الأصول والتوجيهات العامة، ثم قيل للإنسان: اعمل، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]. فتحت لنا الأبواب وعلينا أن نعمل.
والحاصل أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، وأنا لو أورد عليَّ إنسان وقال: طيب وأيش يدرينا الآن على علم الكيمياء هو موجود بالقرآن؟ نعم، نقول: الأصول موجودة، لكن التفاصيل موكولة إلى تجارب الناس؛ لأن هذا الحكمة تقتضيه.
ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢].
* يستفاد من هذه الآية: وجوب ذكر الله، من أين نأخذها؟
* طالب: من الأمر.
* الشيخ: من الأمر، نعم ووجوب ذكر الله، مطلق الذِّكر واجب، يجب على كل إنسان أن يذكر ربه، بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله يكون عليه تِرة خسارة وحسرة يوم القيامة، فأنت مأمور بذكر الله، لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام، وإلى واجب ومن واجباته، وإلى سنة من سننه بحسب ما تقتضيه الشريعة التفصيلية، إنما مطلق الذكر وأيش حكمه؟
* طالب: واجب.
* الشيخ: واجب ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن من ذكر الله ذكره الله، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب الأمر، جواب الأمر، ولهذا جُزمت، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، فهمتم؟
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله للعبد كذكر العبد لله، أي أنه إذا ذكر الإنسان ربه في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، من أين نأخذها؟
* الطلبة: من الحديث.
* الشيخ: لا، ما هو من الحديث من الآية.
* طالب: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
* الشيخ: وأيش وجهه أنه إن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منه، وإن ذكره في نفسه ذكره في نفسه؟
* الطالب: الحديث؟
* الشيخ: لا ما نبغي الحديث، نبغي من الآية؟
* الطالب: لأن ذكر الله للعبد أعظم من ذكر العبد لله.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ ولم يفصل.
* طالب: شيخ؛ لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ وأذكركم جزاء، والجزاء موافق للعمل.
* الشيخ: صح؛ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ وجزاء، والجزاء مرتب على العمل يكون من جنسه، فإذا كان الله عز وجل جعل العقوبة بقدر الذنب فالمثوبة أيضًا بقدر العمل، فوجه الدلالة؛ أنه جعل قوله: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جوابًا على قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، والجواب والجزاء يقتضي أن يكونا متساويين، بمعنى أن هذا على وصف هذا.
* ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر، هذه الفائدة الثالثة أظن؟
فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد، وذكر الله للعبد هذا أمر يعني له شأن كبير، شأن عظيم ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: نضرب مثل: هذا إنسان قدم عليه رجل من السفر ولما سلم عليه قال: والله الملك يسأل عنك، وأيش يصير هذا الذي قيل له: الملك يسأل عنك؟ وأيش يصير؟ يفرح؟
* الطلبة: أكيد.
* الشيخ: ما شاء الله (...) يفرح، أنا أنا يذكرني الملك؟! عاد ملك الملوك إذا ذكرك وأيش يكون المنزلة؟ أعظم وأعظم ما يخطر بالبال، ولهذا تكلمنا قبل يعني مرارًا أنه ليس الشأن بأن تذكر الله أو بأن تحب الله، ولكن الشأن أن يذكرك الله، اللهم اذكرنا فيمن عندك.
الشأن أن يذكرك الله عز وجل، وأن يحبك الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] فجعل الجواب ما قال اتبعوني تصدقوا في دعواكم قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ يعني تناله أن الله يحبكم.
* ومن فوائد الآية: وجوب الشكر لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وبالمقابل تحريم الكفر، كفر النعمة بأن تُصرف في غير وجهها، فيستعان بها على معصية الله، أو تُمتهن وتذل، ولا تستعمل فيما خلقت له، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل كان يسوق بقرة، نسيت هل هو راكبها أو غير راكبها، المهم أنها التفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنا لم نخلق لهذا[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة. ]]، فالنعمة إذا صرفت في غير ما خُلقت له فهو نوع من الكفر، خلق الله لنا الطعام لنأكله، فإذا ألقيناه في المزابل كأننا قلنا: ما نبغي فضل الله، في غنى عنه، نسأل الله العافية، فالنعمة إذن شكرها أن تصرف في طاعة المنعِم وفيما أنعم به، وفي الجهة التي أنعم الله بها علينا من أجلها.
وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ يستفاد منه تحريم كفر النعمة لقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وعندي إشكال من الناحية الإعرابية لأننا ما تكلمنا وقت التفسير، وهي أنه كيف كسرت نون الأفعال الخمسة مع أن نون الأفعال الخمسة مفتوحة، ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ١١، ١٢] وهنا قال: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؟
* طالب: الياء محذوفة (...).
* الشيخ: لا ما هي موجودة يا أخي.
* طالب: الياء الياء.
* طالب آخر: (...) أصلها (...) الوقاية.
* الشيخ: أصلها أيش؟
* الطالب: لا تكفروني.
* الشيخ: طيب هذه ﴿تكفرونِ﴾.
* طالب: حذفت الياء في تكفرون.
* طالب: نون وقاية وليست نون الرفع.
* الشيخ: إيه، بس ما ترون؟
* طالب: هذه نون الوقاية (...).
* الشيخ: إي، هذه نون الوقاية، النون هذه للوقاية وليست نون الفعل؛ يعني نون الرفع، وأصلها لو لم تكن مجزومة، هي جُزمت وحذفت النون للجزم، لو لم تُجزم لكانت تكفرونني، نعم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تكفرونني لما جُزمت حذفت النون فصارت تكفروني، وأين الياء؟
* الطالب: حُذفت لتوالي.
* طالب: حذفت للترخيم.
* الشيخ: حذفت لا للترخيم بل للتخفيف، حذفت للتخفيف، الترخيم في الندا فقط.
إذن الفعل هنا مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون الموجودة للوقاية، والياء ياء المتكلم محذوفة للتخفيف.
* من فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص، من أين تؤخذ؟
من قوله: ﴿لِي﴾ ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يعني مخلصين لله عز وجل؛ لأن الشكر طاعة، والطاعة لا بد فيها من الإخلاص ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠].
* طالب: في الآية تقرر أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه؟
* الشيخ: إي نعم، فيها أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه إي نعم. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ في هذا دليل على فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان، من أين يؤخذ؟ من قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا شك أن الإيمان من أفضل أوصاف الإنسان، وكذلك عبودية الله عز وجل- ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين- من أشرف أوصاف الإنسان، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته يقول:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَاعَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي
يقول: لا تقولي: يا محمد، يا علي، يا خالد، تقولي: يا عبد فلانة؛ فإنه أشرف أسمائي. ولهذا وصف الله نبيه محمد ﷺ بالعبودية في أشرف المقامات عند الرسالة، وعند التحدي، وعند النصرة؛ المهم المقامات الشريفة.
* ومن فوائد الآية: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة لقوله ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة ١٥٣].
* ومن فوائد الآية: بيان آثار الصلاة الحميدة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين على الأمور.
* ومن فوائد الآية: جواز الاستعانة بغير الله فيما يكون عونًا فيه لقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فاستعانة العبادة لله عز وجل والاستعانة بما يكون سببًا للعون، سببًا صحيحًا للعون هي جائزة أيضًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة. ]].
* ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان لقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ فإن توجيه الخطاب للمؤمنين يدل على أن هذا من مقتضى الإيمان، مثل أن تقول: يا رجل انتبه؛ المعنى أن من صفات الرجولة، أو من مقتضيات الرجولة الانتباه، وتقول: يا كريم، أعطِ المسكين، ومن مقتضى الكرم إعطاء المساكين، فمن مقتضى الإيمان أن الإنسان إذا حصل عليه ضيق أن يستعين بالصلاة.
* ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر أوْ لا؟ لأنه يعين على الأمور، والصبر ثقيل على النفس ثقيل جدًّا؛ لأنه مثلًا تجد الإنسان إذا أصابه شيء أو ضيق وده بس يتحرك، لكن عندما يطمئن نفسه يصبرها يصبر والعاقبة للمتقين، ولهذا قال تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] ما قال فاشكر مع إن هذا علم، تلاه الله عليه لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ لأيش قال فاصبر وهو علم يستحق الشكر؟
هذا إشارة إلى إن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازعه ويضاده، ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣] بعدها ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان ٢٣] فستجد معارضة وممانعة عظيمة، ولكن لا تطع آثمًا ولا كفورًا، واضح يا جماعة؟
إذن الصبر شاق على النفوس لكن يجب على الإنسان يصبر لو قالت له نفسه الأمارة بالسوء والعجلة: افعل تخلص، لا اصبر، ولهذا من لم يفق للصبر فاته خير كثير، والذي يصبر أيضًا غالبًا ينتظر الفرج، الغالب أن اللي يصبر ولا سيما بإخلاص وحسن نية فإنه ينتظر الفرج، وانتظار الفرج عبادة وباب للفرج لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]، مثلًا رجل أُصيب بحادث في ماله، تعب تعبًا عظيمًا نفسيًّا، لكنه صبر ينتظر الفرج، وما أسرع الفرج! إنسان مثلًا آذاه شخص آذاه؛ إما بماله، أو بعرضه، أو بأهله، المهم أنه آذاه فتجده يصبر ويتحمل وينتظر الفرج فيحصل له، واضح؟
فإذن الصبر من أكبر الأسباب على العون على الأمور الشاقة ولهذا يقولون: إن الصبر مفتاح الفرج، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جعله مفتاح الفرج، جعل الكرب مفتاح الفرج، ولكن جعل الصبر مفتاح النصر، وهو أعظم من الفرج؛ لأن الفرج زوال مكروه فقط، لكن النصر حصول مطلوب؛ وهو أعلى لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ» أعظم من قول بعضهم: الصبر مفتاح الفرج.
إذن الصبر واجب ولَّا لا؟ نقول: الاستعانة به على الأمور أرشد الله إليها.
وهو واجب في دفع المصائب، يجب أن تصبر على المصائب، وقد سبق لنا أن مقام الإنسان عند المصائب له مقامات كم؟ كم مقامات الإنسان عند المصائب؟
* الطلبة: ثلاثة.
* الشيخ: أو أربع؟ أربع ابدؤوا باللي تعرفونه الأول؟
* طالب: الصبر على طاعة الله.
* الشيخ: لا لا، هذه مواضع الصبر، لكن مقامات الإنسان عند المصائب عند المصيبة خاصة له مقامات أربعة: جزَع، وصبر، ورضا، وشكر، هذه مقامات الإنسان عند المصائب، كل إنسان يُصاب بمصيبة لا بد أن يحصله أحد المقامات الأربعة؛ إما جزع وتسخط، وإما صبر، وهو واجب، وإما رضا؛ وهو على القول الراجح مستحب وليس بواجب، وإما شكر وهو أعلى من الرضا وهو مستحب وليس بواجب بالاتفاق، فالجزع حرام، والصبر واجب بالاتفاق، والرضا واجب على قول ومستحب على القول الراجح، والشكر مستحب بالاتفاق فيما أعلم (...).
﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] أيش المراد بالمعية هنا؟
* الطلبة: الطمأنة.
* الشيخ: التهديد؛ يعنى معناه أنها مقتضية للتهديد؛ فهو شيء فوق الإحاطة؛ التهديد شيء فوق الإحاطة كما أن التأييد والنصر فوق الإحاطة؛ لأن الإحاطة ثابتة في الجميع.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] هذه معية الإحاطة والعلم والقدرة والسلطان وغير ذلك من معاني ربوبيته.
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤]، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩] وما أشبهها؛ هذه معية خاصة، والمعية الخاصة أيضًا قسمان: معية مضافة إلى شخص، ومعية مضافة إلى وصف؛ المعية المضافة إلى شخص كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، وقوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
وبإجماع السلف أن المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى في الأرض، بل هي معية تقتضي العلم والإحاطة أو النصر والتأييد أو التهديد كما سبق، لكن مع كون الله عز وجل في السماء على عرشه.
وما زعم أحد أنها تقتضي أن يكون في الأرض إلا رجل جاهل بالله وجاهل باللغة العربية.
أما جهله بالله فلأنه فهم من هذه الآية الكريمة ما يقتضي الكفر، ومحال أن يكون كلام الله عز وجل دالًّا على الكفر، وأيضًا إذا قال: إن الله في الأرض؛ لأن الذين قالوا: إن الله في الأرض، وفهموا منه هذا الفهم انقسموا إلى قسمين: الجهمية قالوا: إنه في الأرض وليس في السماء، أنكروا علوه، وهذا من الدليل على ارتكاسهم والعياذ بالله؛ حيث أقروا بما ينكره العقل، وأنكروا ما يقتضيه العقل، اقتضاء العقل لكون الله تعالى في الأرض أو كونه في السماء؟ أيهما أقوى؟
* الطلبة: في السماء.
* الشيخ: كونه في السماء، وهم إذا قالوا: نأخذ بظاهر الآيتين، نقول: ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] ليس كما زعمتم أنه في الأرض، فإنها أضيفت المعية إلى من؟ إلى الله فتقتضي أن تكون معية خاصة به تليق به.
ثانيًا: جهلهم باللغة العربية: هل اللغة العربية تقتضي أن المعية معناها المجامعة والمشاركة في المكان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، قصدي هي ما تستلزم ذلك، هي قد تقتضي، لكن لا تستلزم ذلك، ولهذا نقول: مثلًا هذا الرجل معه زوجته وهو في مكتبه وهي في بيتها، ويصح، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه في غزة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ». قَالُوا: وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٣) من حديث أنس.]]. فهذا دليل على أن المعية في اللغة العربية لا تقتضي المجامعة والمشاركة في المكان، قصدي لا تستلزم ذلك فلما لم تستلزمه، وعُلم أن هذا المعنى باطل بالنسبة إلى الله تعين أن يكون معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه محيط بنا وهو في السماء على العرش، ولا عاقل يفهم حتى العجوز في خدر بيتها ما تفهم هذا الفهم الذي فهمه هؤلاء الجهمية. وتحذلقت طائفة من الحلولية وقالوا: نحن نأخذ بظاهر القرآن في الموضوعين ونقول: إن الله معنا في الأرض وهو على عرشه في السماء، وهل هذا ممكن؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، غير ممكن؛ لأننا لو قلنا: إن ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ في الأرض أن يكون معنا في الأرض لكان إما متعددًا وإما متجزئًا، وكلاهما باطل، فتعين أن يكون إما في الأرض، وإما في السماء فالتزمت الجهمية الضالة أن يكون في الأرض دون السماء، ولكن أهل السنة والجماعة التزموا ما دل عليه السمع والعقل والفطرة بأن الله تعالى في السماء، وأن معنى المعية التي أضافها إلى نفسه معنى يختص به ولا يقتضي المجامعة في المكان بأي حال من الأحوال.
وأنه درجة ينبغي للإنسان ملازمتها لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] فإن الإنسان إذا علم أن الله معه لا شك أنه سوف ينشط على هذا المقام ويحرص عليه، ليس كما إذا لم يعلم بذلك، إذا علمت أن الله معك لا شك أنك سوف تبقى على هذه المرتبة وتحرص عليها، وكون الإنسان يكون الله تعالى معه مسددًا له ومؤيدًا له ومصبرًا له لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ الآن الصبيان بعضهم مع بعض إذا واحد غاضَب الثاني ثم رأوا ثالثًا يقول الواحد منهما: أنت معي ولا معه؟ إذا قال: أنا معك؛ يفرح. ولهذا لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى قوم يتناضلون قال: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ» وأيش سوَّى مع الجماعة الآخرين قالوا: يا رسول الله، إذا كنت معهم خلاص ما نناضلهم. فقال: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع.]] عليه الصلاة والسلام، فإذا علم الإنسان الصابر أن الله معه يسدده ويؤيده ويصبِّره علم أنه سيفتح له باب النصر وأنه سوف يزيل عنه هذا الأمر الذي اقتضى أن يتحمل الصبر وقد قيل:
الصبر مثل اسمه.
* الطالب: مُرّ مذاقته.
* الشيخ: مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل. فاصبر وستجد.
الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
مثل اسمه وأيش هو اسمه؟
* الطلبة: صبر.
* الشيخ: لا، اسم الصبر، الصبر الطبيعي فيه شيء يُسمى صبر (...).