Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:163 – البقرة 2:172

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:163
  2. البقرة 2:164
  3. البقرة 2:165
  4. البقرة 2:166
  5. البقرة 2:167
  6. البقرة 2:168
  7. البقرة 2:169
  8. البقرة 2:170
  9. البقرة 2:171
  10. البقرة 2:172

البقرة 2:163

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (من) هذه للتبعيض، يعني: بعض شعائر الله، والشعائر جمع شعيرة، وهي التي تكون علمًا في الدين، يعني من معالم الدين. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من معالم دينه؛ لأن العبادات منها خفية بين الإنسان وبين ربه، ومنها أشياء تكون علمًا، علمًا ظاهرًا بينًا، وهي الشعائر، وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر، بل المراد الطواف بهما من الشعائر؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أضيفت الشعائر إلى الله؛ لأنه هو الذي شرعها، وأثبتها وجعلها طريقًا موصلًا إليه. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ حج في اللغة بمعنى: قصد، و﴿الْبَيْتَ﴾ (أل) للعهد الذهني، والمراد به بيت الله وهو الكعبة، و﴿حَجَّ الْبَيْتَ﴾ قصده لأداء المناسك، وليس قصدًا مطلقا بل القصد لأداء المناسك ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾. وقوله: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ العمرة في اللغة الزيارة، ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ العمرة: الزيارة، والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة، وقوله: ﴿مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ (أو) هنا للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجًّا، وإما أن يكون معتمرًا. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إعراب ﴿لَا جُنَاحَ﴾ (لا) نافية للجنس، و(جناح) اسمها، وخبرها (أن) وما دخلت عليه، أي: لا جناح عليه في الطواف بهما، أو في التطوف بهما، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ الجناح هو الإثم، يعني: فلا إثم عليه في أن يتطوف بهما، وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ أصلها: يتطوف، ولكنه قلبت التاء طاءً لعلة تصريفية فصار: أن يطوف، وقوله: ﴿بِهِمَا﴾ المراد: بينهما، كما تفسره سنة النبي ﷺ، وليس المراد أن يطوف بهما: يدور عليهما كما يطوف بالبيت العتيق، فإن هذا قطعًا لا يراد؛ لأنه شيء غير ممكن، والسنة تفسر القرآن. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قد يبدو في الآية شيء من التعارض، فإنه قال: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ومعلوم أنه إذا كان الصفا والمروة من شعائر الله، فإنه لا يقتصر على نفي الجناح في الطواف بهما، بل إنما يؤمر بالطواف بهما ما دام ذلك من شعائر الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج ٣٢]؛ ولهذا أشكل على بعض التابعين هذه المسألة وسأل عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كيف قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؟ فسأل السائل قال: أرى أن الرجل لو حج أو اعتمر فلم يطف بهما، فليس عليه من بأس، ولكن عائشة رضي الله عنها ردت عليه وقالت: لو كان هذا هو المراد؛ لكان يقول الله عز وجل: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧ / ٢٥٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وصدقت رضي الله عنها؛ لأنها إذا كانت من شعائر الله فمقتضى كونها من الشعائر أن يطاف بها وتعظم، ولو كان ترك الطواف بهما جائزًا لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. ثم بينت رضي الله عنها السبب في أن الله قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ وهو: أن أناسًا من الأنصار يُهِلون لمناة الطاغية، مناة اللي ذكرها في القرآن، وهي في المشلل -مكان قرب مكة- فيُهِلون لها، فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وعلى هذا فيكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج، وليس لبيان أصل الحكم، أفهمتم الآن؟ وعلى هذا فلا يكون في الآية أولها وآخرها شيء من التضارب أو التعارض؛ لأن المراد بالنفي هنا أيش؟ نفي ما وقع في نفوسهم من التحرج، فبين الله تعالى أنه ليس هناك تحرج؛ لأنها من شعائر الله. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قلنا: معنى يطوف بهما أي: بينهما؛ لأن الطواف في الأصل بمعنى التردد، ومنه قول رسول الله ﷺ في الهرة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]]. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ فيه أيضًا سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما، وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، يطوفون بهما ويطوفون بالبيت أيضًا، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فقالوا: لو كان ذلك جائزًا لذكره الله عز وجل، ولكنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فاهمين هذا السبب؟ يقولون: إن هذا من أعمال الجاهلية، والطواف بالبيت أيضًا معروف من قبل، فذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فأنزل الله هذه الآية. وفيه أيضًا سبب ثالث: وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف ونائلة، وقيل: إنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في جوف الكعبة -والعياذ بالله- فمسخهما الله حجارة، فكان من جهل العرب قالوا: هؤلاء مسخوا حجارة إذن لا بد أن هناك سرًّا وسببًا، أخرجوهم عن الكعبة، خلوهم على الجبلين ونبدأ نطوف بهم ونمسحهم، نمسحهما، وعلى هذا يقول أبو طالب: وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ∗∗∗ بِمَفْضَى السّيُولِ مِنْ إِسَافٍوَنَائِلِ يريد هذا، ومفضى السيول: مجرى الوادي المعروف اللي يكون بين الصفا والمروة، فالحاصل أن هذا ثلاثة أسباب في نزول الآية، وأصحها السبب الأول. * طالب: ما يصير الأوسط؟ * الشيخ: لا، الأول ثابت في صحيح البخاري. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فيه قراءة: ﴿وَمَن يَطَّوَّعْ خَيْرًا﴾ على أن تكون تَطَوَّع فعلًا مضارعًا، يَطَّوَّع وأصلها يَتَطَوَّع، فأدغمت أيش؟ فقلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء الثانية. وقوله: ﴿تَطَوَّعَ﴾ معناها فعل الطاعة، ويشمل الواجب والمستحب؟ نعم، يشمل الواجب والمستحب، وتخصيص التطوع بالمستحب هذا اصطلاح فقهي، أما في الشرع فإنه يشمل الواجب والمستحب. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ﴿خَيْرًا﴾ هذه يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول أن تكون منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم، والوجه الثاني: أن تكون مفعولًا لأجله أي: طلبًا للخير، ﴿تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: لأجل الخير وطلبه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ هذه (من) شرطية، و﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل الشرط، و﴿يَطَّوَّعْ﴾ أيضًا فعل الشرط، لكن ﴿يَطَّوَّعْ﴾ تسلط العامل على اللفظ فجزمه، و﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل ماض ما يتسلط على لفظه، أين جواب الشرط؟ جملة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، الجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعني: لقصد الخير، أو تطوع بخير، أي: زائدًا عن الواجب أو هو الواجب والمستحب، كما هو لغة القرآن والحديث. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَاكِرٌ﴾ الله يشكر سبحانه وتعالى؟ نعم، الله تعالى شاكر وشكور؛ لأنه يعطي على العمل أكثر من العمل وهذا شكر ولَّا لا؟ نعم، هذا شكر، يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذا غاية الشكر، لو أن أحدًا أحسن إليك وأعطيته أكثر مما أعطاك تُعَد شاكرًا له؟ نعم، تعد شاكرًا له، بل إن الناس الآن لو قال الْمُحْسَن إليه: شكرًا، يعتبرونه شاكرًا ولَّا لا؟ يعتبرونه شاكرًا حتى باللفظ، فكيف بجزاء الله عز وجل الذي لا منتهى له، «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. وقوله: ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ قرن العلم بالشكر لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع، فإنه معلوم عند الله، معلوم عند الله لا يمكن أن يضيع منه شيء، فإذا علم أن الله تعالى شاكر وأنه عليم، فإن العامل سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله سبحانه وتعالى سيجزيه على عمله بما وعده به، يعني: لو قال قائل: ما مناسبة جواب الشرط للشرط؟ ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: شيخ، وإذا كان الله شاكرًا عليمًا، فما علاقة شكر الله تعالى وعلمه بتطوعنا بالخير؟ * طالب: الجزاء. * الشيخ: إي نعم، الجزاء؛ نقول: الجزاء؛ لأننا نحن نطيع الله، تطوع يعني نفعل الطاعة، نحن نطيع الله عز وجل، والله تعالى يشكر لنا هذه الطاعة ويعطينا أكثر من عملنا. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ -نعوذ بالله-. * طالب: هل يصلح ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ تصلح اسم موصول؟ * الشيخ: لا. * الطالب: والذي يتطوع خيرًا. * الشيخ: لا، (من) شرطية، شرطية؛ لأن فيها الجواب ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾، ثم القراءة الثانية ﴿وَمَنْ يَطَّوَّعْ﴾ واضح مجزومة. * طالب: (...). * الشيخ: اسم الموصول ما يجزم الفعل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يصح (...). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ هذه (إن) واسمها ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، أين خبرها؟ ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ -والعياذ بالله-، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أي: يجحدون ما أنزلنا من البينات والهدى، الكتم بمعنى الإخفاء والجحد وعدم البيان، ولكنه لا يكون كتمًا إلا حيث دعت الحاجة إلى البيان، إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، فمتى دعت الحاجة إلى البيان -بلسان الحال أو المقال- وأخفى الإنسان الحق صار، ويش صار؟ كاتمًا له، بلسان الحال أن ترى إنسانًا يعمل عملًا ليس على الوجه المرضي، هذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق، أفهمتم؟ لسان المقال أن يسألك سائل عن علم وأنت تعلمه، فيجب عليك أن تبلغه، يجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم، أما إذا كنت لا تعلم، فإنه يجب أن تقول: لا أدري، أو: لا أعلم، لكن الكتم إذن كتم ما أنزل الله هو إخفاؤه حين تدعو الحاجة إلى بيانه بلسان الحال أو بلسان المقال، كذلك لو رأيت الناس عمّ فيهم الجهل في مسألة من أمور الدين، فهنا الحاجة داعية إلى البيان يجب أن تبين. * طالب: إذا خفت أصير كاتم. * الشيخ: تكون كاتمًا، لكن قد نقول: إن هذا جائز لك، قد نقول: جائز، ولكنه الخوف إذا كان عدم بيانك للحق يؤدي إلى ضياع الحق، فلا يجوز أن تكتم، ما يجوز تكتم، مثل ما فعل أحمد بن حنبل رحمه الله، فإنه كان لا شك خائفًا على نفسه، ومع ذلك بين، لكنه إنسان يطلب منه شخصيًّا أن يبين ولا يترتب على ذلك ضلال الناس، فله الحق في أن يتأول. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾ يعني: أظهرناه، و﴿لِلنَّاسِ﴾ عمومًا المؤمن والكافر، فإن الله تعالى بيَّن الحق لعموم الناس، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، فكل الناس قد بين الله لهم الحق، لكن منهم من اهتدى، ومنهم من بقي على ضلاله. وقوله تعالى: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ المراد به جميع الكتب، فهو للجنس، وقد سبق لنا أنه ما من نبي إلا ومعه كتاب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ البيان ينقسم إلى قسمين: بيان مفصل، وبيان مجمل، فالمجمل هي: القواعد العامة في الشريعة، والمفصل هو: أن يتكلم أو أن يذكر الله تعالى قضية معينة مفصلة، فمثل آيات الفرائض في الأحكام مفصلة ولَّا لا؟ * طالب: مفصلة. * الشيخ: مفصلة مبينة لا يشذ عنها إلا مسائل قليلة، وهناك آيات مجملة عامة مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، ما قال: أوفوا بعقد البيع والنكاح والرهن والإجارة وما أشبه ذلك، عامة، فهو بيان عام. المحرمات في النكاح مفصل ولَّا مقعد قواعد عامة؟ * طالب: قواعد. * الشيخ: مفصل، المحرمات في النكاح مفصل، كذلك بعض القصص يذكرها الله تعالى مفصلة، وأحيانا مجملة وكل هذا يعتبر بيانًا. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَلْعَنُهُمُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يطردهم ويبعدهم عن رحمته؛ لأن اللعن في اللغة الطرد والإبعاد، وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: يسألون لهم اللعنة، وهم أيضًا بأنفسهم يبغضونهم ويعادونهم، وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ قد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل؛ لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون، فهذا تحصيل حاصل، فيقال: لا؛ لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائمًا به على الوجه الأكمل، قد تقول: قام القائمون بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه، فمعنى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها، هذا معنى ﴿اللَّاعِنُونَ﴾، وليس معنى قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: من قال لعنهم الله، فهو المراد؛ لأن هذا تحصيل حاصل، ولكن معنى ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ أي: ذوو اللعن الذين يعرفون مستحق اللعنة ويوجهونها إليه، فهم ذوو علم بالمستحق، وذوو حكمة في توجيه اللعنة إليه. إذن هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى مع ظهوره وبيانه يستحقون هذا الجزاء -والعياذ بالله- الوخيم من الله ومن عباد الله، عكس ذلك الذين يبينون الحق -ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- الذين يبينون الحق، ماذا يكون لهم؟ يكون لهم المودة والمحبة من الله ومن أولياء الله، وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل: «أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]؛ لأن الذي يبين شريعة الله يلقي الله تعالى في قلوب عباده مودته ومحبته والقبول له حتى في السماء؛ فلهذا يكون عكس هؤلاء الذين يكتمون. ونحن نعلم ذلك وإن لم يرد به نص خاص عن طريق القياس الجلي، وجه ذلك: إذا كان الله تعالى يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه ومن عباده، أفليس -وهو الذي سبقت رحمته غضبه- أفليس من يبينون الهدى والبينات، أفليس من يستحقون أن يكون الله تعالى يثني عليهم بدل اللعنة، ويقربهم بدل البُعد وكذلك أولياؤه؟ الجواب: بلى؛ لأنا نعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، فإذا كان غضبه يستحق هذا الكاتم ما ذكره، فإن رحمته تستحق خلاف ذلك فيمن بين ووضح. قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الاستثناء هنا متصل ولا منقطع؟ * طالب: متصل. * الشيخ: متصل؛ لأنه استثناء من الكاتمين، يعني: إلا إذا تابوا، فالاستثناء متصل ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. * طالب: كيف تعرف الفرق بينهما؟ * الشيخ: المتصل والمنقطع إن كان من جنس المستثنى منه فإنه متصل، وإن كان من غيره فهو منقطع، وكذلك أيضًا المنقطع يقدر بدل (إلّا) (لكن). قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ والتوبة: الرجوع، في اللغة، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وشروطها كم؟ * طالب: خمسة. * الشيخ: خمسة، شروطها خمسة، التوبة شروطها خمسة في حق الله وحق الناس، الشرط الأول؟ * طالب: أن يعزم على أن لا يرجع إلى المعصية. * الشيخ: لا، ما هو بشرط، ابدأ من الأول؟ * الطالب: أن يقلع عن المعصية. * الشيخ: لا. * طالب: الإخلاص لله. * الشيخ: الإخلاص لله، هذه واحدة، بأن لا يحمله على التوبة خوف مخلوق أو رجاء مخلوق أو علو إلى مرتبة أو ما أشبه ذلك. والشرط الثاني؟ * طالب: العزم على أن لا يعود.. * الشيخ: لا، قبل، إحنا ودنا بالترتيب؟ * طالب: الندم. * الشيخ: الندم على ما جرى منه من الذنب، ويش معنى الندم؟ إذا قال قائل: كيف يندم الواحد شو؟ الإنسان يمكن يحط بنفسه ندم نقول: نعم، يتحسف ويتحسر أن وقع منه هذا العمل، هذا الندم على ما فعل من الذنب. الشرط الثالث؟ * طالب: الإقلاع. * الشيخ: الإقلاع عن الذنب، وهذا يدخل فيه أداء حقوق العباد إليهم؛ لأن من لم يؤد الحق إلى العباد ما أقلع، فهو ليس شرطًا مستقلًا، كما قاله بعض العلماء، ولكنه شرط داخل في الإقلاع؛ إذ إن من لم يؤد الحق إلى أهله لم يقلع عن الذنب، فلا بد إذن من الإقلاع عن الذنب. الشرط الرابع؟ * طالب: أن يعزم على أن لا يعود. * الشيخ: الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن لم يعزم فلا توبة. الشرط الخامس؟ * طالب: أن يندم على ما فعل. * الشيخ: قلناها، اتركها، لا تجيبها. * طالب: أن يستخلص (...). * الشيخ: قلنا هذا، يدخل فيه الإقلاع. * طالب: ممكن نقول: أن يعمل صالحًا. * الشيخ: لا. * طالب: رد الوادائع. * الشيخ: هذا الرد الإقلاع. * طالب: أن تقع في موقعها في الوقت. * الشيخ: في الوقت التي تقبل فيه، أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، يعني أن تكون في وقت قبول التوبة، فإن كانت في غير وقتها فإنها لا تقبل، وهو عام وخاص، الخاص: الغرغرة عند الموت ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، والعام: طلوع الشمس من مغربها فلا يقبل بعده توبة، إذن فشروط التوبة تكون خمسة. هذه التوبة، وقد سبق لنا هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ وذكرنا في هذا للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أنها تصح، والثاني: تصح إن كان الذنب من غير الجنس، والثالث: لا تصح، والصحيح أنها تصح، التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق، فلا يستحق وصف التائب ولا يدخل في مدح التائبين، لماذا؟ لأن توبته مقيدة من هذا العمل المعين، مثال ذلك: تاب رجل من الزنا، لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم تصح توبته من الزنا؟ تصح على القول الراجح، لكن ما يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق، وعلى القول بأنه تصح إذا كانت من غير الجنس ما تصح، تاب من الزنا مع الإصرار على الربا؟ تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه، إلا على القول الثالث الذين يقولون: لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب. قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ شوف عظم الكتمان، ذكر الله لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، الإصلاح؛ لأن كتمهم لما أنزل الله يتضمن إفسادًا في الأرض وإضلالًا للخلق، فتوبتهم منه ما تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: ما هو بهذا الرسول الذي سيبعث، كم سيضل من الناس بناء على قولهم؟ يضل منهم عالم، ما يكفي أن يتوبوا ويندموا ويقلعوا ويسلموا حتى يصلحوا ما فسدوا، الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق لا بد أن يصلحوها، وإلا ما تتم التوبة، وقال: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ (بينوا) ويش معنى بينوا؟ أي: أظهروا الحق، ولا يكفي أن يمتنعوا عن الكتمان، بل لا بد أن يكون مقابل الكتمان أيش؟ بيان، بيان وإظهار حتى تزول الآثار التي ترتبت على هذا الكتمان، وفي هذا دليل على عظم العلم، وأنه حمل ثقيل وعبء عظيم على من تحمله، وأن الإنسان على خطر منه إذا لم يقم بواجبه من البيان، وتقدم لنا أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون عنه إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال. * طالب: شيخ ما الفرق بين الإصلاح والبيان؟ * الشيخ: الإصلاح أنهم يحاولون، هؤلاء الذين ضلوا بسببهم، يذهبون إليهم وينصحونهم ويبينون لهم الحق، والبيان على سبيل العموم. * طالب: ولا يقال: إن الإصلاح للنفس والبيان؟ * الشيخ: إصلاح النفس من هذا النوع، والظاهر أن الإصلاح إصلاح غيره. * طالب: الإصلاح يختص بالنفس ولا عام، يعني حالهم يصلحون لو الناس (...)؟ * الشيخ: الآية كما ترونها مطلقة، والذنب الذي حصل مقيد وهو الكتمان، فلا شك أنه يدخل فيه إصلاح ما فسد بكتمانهم، هذا دخول أولي، أما غيره فهو محل شك. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المشار إليهم من؟ ﴿الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾، ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان: أحدهما: توفيقه للتوبة، توفيق العبد للتوبة، والثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. وقوله: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾ (التواب) صيغة مبالغة أو صيغة نسبة أيهما؟ * طالب: صيغة مبالغة. * الشيخ: صيغة مبالغة ونسبة في الحقيقة؛ لأن فعال تأتي للمبالغة وتأتي للنسبة، فإن قيدت بمعمول فهي للمبالغة، وإن أطلقت فإنها للنسبة، أو نقول: هي للمبالغة والنسبة في كل حال، يعني تصلح لهذا ولهذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٤٧)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. ]]، هذه صيغة مبالغة، يعني: كثير الضرب للنساء؛ ولهذا في لفظ آخر: «لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.]]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] هذه؟ * طالب: مبالغة. * الشيخ: لا، هذه نسبة، يتعين أن تكون نسبة؛ لأنك لو قلت: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾: إنها مبالغة، لكان المنفي المبالغة في الظلم، وأما أصل الظلم فليس بمنفي، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذن ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ نقول: هنا (ظلّام) صيغة مبالغة فقط ما تصح نسبة، هنا (التواب). * طالب: .(...) * الشيخ: غلط، صيغة نسبة وليست صيغة مبالغة، نعم، (التواب) تصلح للأمرين جميعًا، فهو سبحانه وتعالى موصوف بالتواب، وهو ذو توبة على جميع العباد، وكذلك موصوف بكثرة التوبة، بكثرة توبته سبحانه وتعالى وكثرة من يتوب عليهم، كم يفعل الإنسان من ذنب فيتوب ويتوب الله عليه؟ كثير، وكم من أناس أذنبوا فتابوا فتاب الله عليهم؟ كثير؛ ولهذا جاءت (التواب). وقوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾ جمع بين التوبة والرحمة؛ لأن بالرحمة الإحسان وبالتوبة زوال العقوبة، فجمع الله بينهما فهو يتوب، وإذا تاب سبحانه وتعالى رحم التائب، ويسره لليسرى، وسهل له أمور الخير، فحصل على الخير العظيم. وفي هذه الآية التفات ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فيها التفات، من أين؟ * طالب: قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾، (...) الخطاب (...). * الشيخ: وين الخطاب؟ * الطالب: يعني في خطاب المتكلم.. أو الغيبة. * طالب آخر: عن الغيبة. * الشيخ: لا، وين الغيبة؟ * الطالب: يتوب الله عليه. * الشيخ: وين يتوب الله عليه؟ * الطالب: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ للمتكلم، و(أنا) للمتكلم أيضًا. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ هذه هي الغيبة. * الشيخ: (...)، ما يعود على الله، ما يعود على الله حتى نقول: هذه التفات. * طالب: بس السياق يقتضي أن يقول: يتوب الله عليهم. * الشيخ: ولا يقتضي ولا شيء. * الشيخ: نوسع لكم شيء، في هذه الآية مع التي قبلها التفات؟ * طالب: الأولى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّه﴾ وهذه يقول: ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: لا بأس، هذه أنتم فتحتوها علي، ولا ما هي عندي، فيها التفات مع الآية التي قبلها مرتين، التفات مرتين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة ١٥٩] هذه بصيغة التعظيم، ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ ما قال: ما أنزلت، فأولئك (...) يصرخ حتى يفز الواحد، هذا من باب التنبيه، فكما يكون التنبيه في الصوت يكون أيضًا في صيغة السياق، إذن ما هي الفائدة في الالتفات في هذه الآيتين؟ نقول: ﴿فَأُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ هذا من باب التعظيم، الالتفات هنا للتعظيم، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، وأمر الملك بكذا وكذا وهو يعني نفسه، فـ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أضاف الله تعالى اللعنة إليه بصيغة الغائب تعظيمًا، تعظيمًا لنفسه سبحانه وتعالى، وهو أبلغ من تعظيم الضمير ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ ولذا جاء في العقوبة. وأما قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فإن المقام مقام رحمة وعطف ولين؛ ولهذا -والله أعلم- جاءت بصيغة الإفراد ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ لأنه من رحمته تبارك وتعالى بهم صار يخبر عن ثوابهم بغير صيغة العظمة الدالة على القوة والبطش، هذا ما ظهر لنا، والعلم عند الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ تقدم لنا مرارًا: أن رحمة الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، حقيقة ولَّا مجازًا؟ حقيقة، وليس المراد بها الإحسان، ولا إرادة الإحسان، فإن إرادة الإحسان والإحسان من آثار الرحمة، بل الرحمة صفة حقيقية وليست كرحمتنا، وقول من أنكر صفة الرحمة حقيقة: إن الرحمة معناه الرقة واللين، والله عز وجل منزه عن ذلك، نقول: هذه رحمة من؟ رحمة المخلوق، ثم إننا قد نمنع بأن الرحمة في كل مواضعها للرقة واللين، فإن من الملوك الجبابرة من يرحمون ومع ذلك ما يقال: إنهم صاروا أوضع من المرحوم. فعلى كل حال نقول: إن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وجميع صفات النقص التي تستلزمها بالنسبة للمخلوقين منتفية عن الله عز وجل، وسبق لنا أيضًا مرارًا: أن رحمة الله تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة لجميع الخلق، والخاصة بالمؤمنين. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. الآيتان قبلها في العلماء الذين كتموا الحق، وهذه في الكفار الذين استكبروا عن الحق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الكفر في اللغة بمعنى الستر، ومنه كافور النخلة لستره الطلع، والمراد به في القرآن والسنة، المراد به: جحد ما يجب لله تعالى من الطاعة والانقياد، وهو نوعان: إما تكذيب وإما استكبار. وقوله: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ﴿وَمَاتُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾، فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول التي لا محل لها، وقوله: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الجملة حال من الفاعل في ﴿مَاتُوا﴾، يعني: أنهم -والعياذ بالله- استمروا على كفرهم إلى الموت، فلم ينزعوا عن الكفر ولم يتوبوا ولم يرجعوا، أين جواب (إن)؟ جملة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ (أولاء) مبتدأ، و(عليهم) جار ومجرور، أولاء؟ إذن (أولاء) مبتدأ و(عليهم) جار ومجرور خبر مقدم لـ(لعنة)، و(لعنة) مبتدأ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول (أولئك)، والجملة من المبتدأ الأول وخبره خبر (إن). ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أي: طرده وإبعاده عن رحمته، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ أي: ولعنة الملائكة، والملائكة تقدم أنهم عالم غيبي محجوبون عن الأعين وربما نراهم، وأنهم خلقوا من نور، وأنهم عباد لله عز وجل ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وأنهم خلقوا من نور ولا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صُمْد لا يأكلون ولا يشربون. وسبق لنا أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لهم وظائف وأعمال خصهم الله تعالى بها، وأن إسرافيل وميكائيل وجبرائيل موكلون بما فيه الحياة؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]؛ لأن هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة، والبعث من النوم حياة؛ فلهذا ناسب أن يكون هذا الاستفتاح في أول عمل يعمله الإنسان بعد أن توفاه الله تعالى بالنوم، وهؤلاء الثلاثة أحدهم مكلف بما فيه حياة القلوب وهو جبريل، والثاني بما فيه حياة الأبدان وهو إسرافيل، والثالث بما فيه حياة النبات وهو ميكائيل، وأفضلهم؟ جبريل؛ ولهذا امتدحه الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠]، وبقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧]، فجبريل أفضل الملائكة على الإطلاق. قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: عليهم لعنة الناس أجمعين، يلعنهم الناس -والعياذ بالله- ويمقتونهم ولا سيما في يوم القيامة، فإن هؤلاء يكونون مبغضين عند جميع الخلق وهم أعداء الله سبحانه وتعالى. * طالب: إسرافيل وميكائيل كيف هذا موكل بحياة الأبدان وهذا موكل بحياة النبات؟ * الشيخ: إسرافيل موكل بحياة الأبدان؛ لأنه موكل بالنفخ في الصور، ينفخ في الصور يوم القيامة، فتتطاير الأرواح منه إلى أجسادهم، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، قطر المطر، والنبات نبات الأرض، وهذا حياة. * طالب: أليس حياة للإنسان والحيوان لماذا خصصناه بالنبات؟ الماء أليس حياة للإنسان والحيوان أيضًا؟ * الشيخ: بلى. * الطالب: لماذا خصصناه بأنه مخصص بحياة النبات؟ * الشيخ: هكذا جاء به الحديث، أنه موكل بالقطر والنبات[[أخرجه أحمد في المسند (٢٤٨٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر.]]. * طالب: شيخ، الأرواح داخل الصور؟ الأرواح ضمن الصور الذي ينفخ فيه؟ * الشيخ: الله أعلم، هل هي ضمن الصور من الآن، أو أنها تدخل فيما بعد؟ كما يدل على ذلك حديث: «أن أرواح المؤمنين في الجنة، وأن أرواح الشهداء معلقة في قناديل تحت العرش »[[أخرجه مسلم (١٨٨٧ / ١٢١)، بلفظ: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فهذا يدل على أنها تجتمع فيه عند النفخ. * طالب: لعنة الملائكة كيف؟ يدعون عليهم باللعنة وأنهم.. * الشيخ: يشمل الأمرين الدعاء عليهم باللعنة وكونهم أيضًا يبغضونهم وينكرونهم، فإن هذا من اللعن. * طالب: كذلك الناس؟ * الشيخ: وكذلك الناس. قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في هذه اللعنة -والعياذ بالله- والمراد فيما يترتب عليها، فإنهم خالدون في النار التي تكون من ثمرات اللعنة ونتائجها. وقال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ والعذاب تثقيلًا وتخفيفًا من أين؟ من الله عز وجل، لكنه جل وعلا لم يضفه إلى نفسه؛ لأن الشر ليس إليه؛ ولهذا قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، لما جاء الخير أضاف الإرادة إلى الله، ولما كان ذاك الشر قال: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا من باب تعظيم الله عز وجل أن لا ينسب الشر إليه وإن كان بتقديره، لكن لا ينسب إليه، فهنا وإن كان العقاب لهؤلاء بتقديره، لكنه لا ينسب إليه؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ ولم يقل: لا نخفف. وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿يُنْظَرُونَ﴾؟ أي: يمهلون، يعني: ما يمهلون بل يؤخذون بالعقاب، ويحتمل أن المراد ﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: بالعين، فلا ينظرون نظر رحمة، نظر رحمة وعناية بهم، وهذا قد يؤيَّد بقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، فإن هذا من احتقارهم وازدرائهم أنهم يوبخون بهذا القول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، وهم أيضًا لا ينظرون فلا يمهلون، يؤخذون بالعذاب -والعياذ بالله- من حين ما يموتون وهم في العذاب، ثم قال.. * طالب: ﴿النَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (...)؟ * الشيخ: ربما أنه يدخل فيها الناس عمومًا؛ لأنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم ببعض. * طالب: شيخ، العذاب أحيانًا ينسب إلى الله تعالى؟ * الشيخ: إي نعم، ينسب إليه، لكن تخفيف العذاب غير مسألة العذاب، العذاب على سبيل الإطلاق عدل، وكذلك عدم التخفيف عدل، لكنه ما ينسب إلى الله. ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إِلَهُكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لجميع الناس، وهو مبتدأ، و﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و﴿وَاحِدٌ﴾ صفة لـ﴿إِلَهٌ﴾، يعني: أن إله الخلق إله واحد، والمراد بالإله: المعبود، لكن هنا المراد به: المعبود بحق، وإلا فالأصل أن الإله يطلق على كل ما عبد بحق أو بباطل، لكن هنا المراد به: إلهكم الحق إله واحد، أما معبوداتكم فإنها -وإن سميتموها آلهة- فإنها لا تستحق أن تكون آلهة، كما هو معلوم؛ لأنها لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تدفع. وقوله: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وحدانيته بالألوهية تستلزم وحدانيته بالربوبية، فهو إله واحد ورب واحد سبحانه وتعالى، والمدبر للكون كله المالك للكون كله، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذه جملة تأكيد للتي قبلها، هذه جملة تأكيد، فإنه لما أثبت أنه إله واحد نفى أن يكون معه إله، وهي في المعنى توكيد لما قبلها. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (لا) نافية للجنس، و﴿إِلَهَ﴾ اسمها، أين خبرها؟ محذوف، والتقدير: حق، لا إله حق إلا هو، وعلى هذا فتكون (إلا) أداة استثناء، و(هو) خبر (لا) ولّا بدل من خبر (لا)؟ الجواب: هي بدل من خبر (لا)، ويدل لذلك قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فرفعها لتكون بدلًا من خبر (لا) النافية للجنس، وزعم بعض المعربين إلى أن ﴿اللَّهُ﴾ هي خبر (لا)، وكذا يكون ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هي خبر (لا)، وهذا مبني على قول من لا يشترط أن يكون معمولها نكرتين، والمشهور عند النحويين أنه يشترط في (لا) النافية للجنس أن يكون معمولها نكرتين، قال ابن مالك في هذا؟ * طالب: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَهْ ∗∗∗ ....................... * الشيخ: (...) للا في نكرة يشمل الاسم والخبر، وعلى رأي هؤلاء يشكل المعنى إذا قلنا: إن (هو) خبر (لا)، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يقتضي أن لا يكون هناك آلهة، لكن هذا يجيب عنه أو يمكن يجاب عنه بأن المراد بالإله هنا: الإله الحق، وهذا حق لا إله إلا الله، فالحصر باعتبار الإله الحق حقيقي ولا إضافي؟ حقيقي، الحصر باعتبار الإله الحق حقيقي لا إضافي، وباعتبار مطلق الإله إضافي؛ لأن الإله الذي نفي لا بد أن يكون مقيدًا بالحق. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر؟ خبر مبتدأ محذوف؟ ولَّا خبر ﴿إِلَهُكُمْ﴾؟ * طالب: خبر ثاني. * الشيخ: إما أنه خبر لـ﴿إِلَهُكُمْ﴾ خبر آخر، وإما أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هو الرحمن الرحيم. وهذان الاسمان مشتقان من الرحمة، لكنهما يختلفان، فإن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، هذا أحسن ما قيل، الرحمن صفة لله تعالى أو اسم لله باعتبار وصفه؛ ولهذا كان المراد به الرحمة العامة الواسعة، وجاءت رحمن على وزن فَعْلَان، وكلمة فعلان تدل على الامتلاء والسعة، أما الرحيم فهي باعتبار الفعل الذي هو إيصال الرحمة إلى المرحوم، فباجتماع الاسمين الكريمين تبين لنا أن رحمة الله تعالى رحمة واسعة عظيمة، وأنها واصلة إلى من شاء من خلقه، وهذان الاسمان هل هما اسم واحد أو اثنان؟ * طالب: اثنان. * الشيخ: اثنان، وإن كانا مشتقين من وصف واحد، وبهذا عرفنا أن الغفار اسم، والغفور اسم، ما نقول: إنهما اسم واحد؛ لأن اختلاف الصيغة يدل على اختلاف المعنى؛ ولهذا أجمع المسلمون أو العلماء على أن ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ اسمين. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. من فوائد هذه الآية: مشروعية الطواف بين الصفا والمروة، ويؤخذ ذلك من قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم في الطواف بهما؛ لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الطواف بهما من طاعة الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الطاعة خير؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، ولا ريب أن طاعة الله سبحانه وتعالى خير للإنسان في مآله وحاله. * ومن فوائد الآية: إثبات اسم الشاكر لله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات العليم اسم لله، ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات صفة الشكر والعلم لله، من أين تؤخذ؟ من ﴿شَاكِرٌ﴾ و﴿عَلِيمٌ﴾؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة، وقد مر علينا أن كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الصفة وعلى الحكم إن كان متعديًا، كل اسم هو يدل على الصفة ويدل أيضًا على الحكم إن كان متعديًا. ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ ويش يدل عليه؟ على العلم هذه الصفة، ويدل على الحكم بأنه أيش؟ يعلم كل شيء، هذا الحكم، ﴿غَفُور﴾ اسم يدل على الصفة وهي المغفرة، يدل على الحكم وهو أنه يغفر؛ ولهذا استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، استدلوا بهذين الاسمين على أن من تاب قبل القدرة عليه سقط عنه العقوبة؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومقتضى ذلك أنه يغفر ويرحم. إذن يستفاد إثبات الاسمين الكريمين: شاكر وعليم، وإثبات ما دلا عليه من الصفتين وهو الشكر والعلم، وقد سبق أن معنى شكر الله للإنسان أنه يثيبه أكثر مما عمل «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. تقدم لنا قبل قليل أن الطواف بالصفا والمروة من الشعائر المشروعة، لكن هل هو ركن أو واجب أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة: فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به. وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج، يجبر بدم ويصح الحج بدونه. وقال آخرون: إنه سنة وليس بواجب، والقول بأنه سنة ضعيف جدًّا؛ لأن قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط، الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين، بقيت الصحة مترددة بين الركنية والوجوب، والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١١٤٣٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وسعى هو عليه الصلاة والسلام، وأقسمت عائشة قالت: «وَاللَّهِ مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ حَتَّى يَطَّوَّفَ بِهِمَا »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧ / ٢٥٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، يعني: بالصفا والمروة، فالأقرب أنه ركن وليس بواجب، وإن كان الموفق رحمه الله -وهو من مشائخ المذهب الكبار في مذهب الإمام أحمد- اختار أنه واجب يجبر بدم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن كتم العلم من كبائر الذنوب، من أين يؤخذ؟ من ترتيب اللعنة على فاعله، والذي يرتب عليه اللعنة لا شك أنه من كبائر الذنوب. * ومن فوائدها: أن ما أنزله الله من الوحي فهو بين لا غموض فيه، وهدًى لا ضلال فيه، بَيِّنٌ ليس فيه غموض، وهدًى ليس فيه ضلال، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. * ويستفاد منه -من فوائد الآية-: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، كيف ذلك؟ لأن الله تعالى أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية وفعلية، فإذا صرفت عن ظاهرها صار القرآن بيانًا أو صار القرآن غير بيان؟ صار القرآن غير بيان، يكون الله تعالى ذكر شيئًا لا يريده، وهذا تعمية على الخلق تعمية لا بيان، فيستفاد من هذه الآية الرد على من؟ على أهل التأويل، والحقيقة أنهم -كما قال شيخ الإسلام-: أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق ومنه باطل، لكن طريقهم باطل ما فيها حق، طريقهم باطل لا حق فيها؛ ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله يسميه التحريف. * ومن فوائد الآية: بيان فضل الله عز وجل على عباده لما أنزله من البينات والهدى؛ لأن الناس محتاجون إلى هذا، ولولا بيان الله تعالى وهدايته ما عرف الناس كيف يتوضؤون، ولا كيف يصلون، ولا كيف يصومون، ولا كيف يحجون، ولكن من فضل الله أن الله تعالى بين ذلك. * ومن فوائد الآية: إثبات علو الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، والنزول إنما يكون من أعلى، وعلو الله عز وجل بذاته ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وقد مر علينا كثيرًا بيان ثبوته بهذه الطرق. * ومن فوائد الآية: قبح هذا الكتمان الذي سلكه هؤلاء؛ لأنه كتمان بعد بيان ليس لهم حجة، يقولون: والله نحن ما تكلمنا؛ لأن الأمر مشتبه علينا، الإنسان الذي لا يتكلم بالعلم لاشتباه الأمر عليه قد يعذر، لكن الذي لا يتكلم مع أن الله بينه للناس يكون هذا أعظم قبحًا -والعياذ بالله- ففيه بيان قبح ما سلكه هؤلاء من كتمان ما أنزل الله تعالى من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية كلها بيان، كلها بيان للناس؛ لأن قوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ المراد به الجنس، لا العهد، فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله، ما ترك الحق غامضًا، بل بينه لأجل أن تقوم الحجة على الخلق؛ لأنه لو كان الأمر غامضًا لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكاتمين ملعونون، لعنهم الله ويلعنهم اللاعنون؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، ويش هي الأفعال الاختيارية؟ كل فعل يتعلق بمشيئته فهو من الأفعال الاختيارية، مثل؟ النزول إلى السماء الدنيا، المجيء للفصل بين العباد، الاستواء على العرش، الضحك، الكلام، التعجب، وما إلى ذلك، كل فعل يتعلق بمشيئة الله عز وجل فإنه من الأفعال الاختيارية، اللعن منها؟ اللعن منها، ويدلك على أنه منها أن له سببًا، وما كان له سبب، فإنه يوجد بالسبب ويعدم بعدمه، إذن فهو -أي اللعن- من الأفعال الاختيارية. * ومن فوائد الآية: جواز الدعاء على كاتم العلم باللعنة، جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾؛ لأن من معنى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الدعاء عليهم باللعنة، تقول: اللهم العنهم. وهل يلعن الشخص المعين أو على سبيل التعميم؟ على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يدرى ماذا يموت عليه، قد يهديه الله كما قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]. بعض الناس يصير عنده غيرة وحنق على بعض الملحدين المتمردين الطغاة المعتدين فتجده يلعنه، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن لعن المعين الحي محرم نهى الله عنه نبيه وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وأما لعنه بعد موته، لعنه بعد موته فهل يجوز أو لا يجوز؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأنه قد أفضى إلى ما قدم. * الشيخ: ما تقولون؟ * طالب: إذا كان مات على (...) يا شيخ؟ * الشيخ: إي مات على الكفر. * الطالب: على الكفر يبقى، يجوز لعنه. * الشيخ: يجوز لعنه. * طالب: ما نستطيع أن نحكم عليه. * الشيخ: ما نستطيع؟ * طالب: ربما يغفر الله له. * الشيخ: لا، إذا مات على الكفر ما هو بأهل النار. * طالب: الفائدة من لعنه بعد الموت؟ * الشيخ: قد نقول بأنه لا يجوز؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وهذا عام، ثم إنه قد يثير ضغائن وأحقادًا، من أين؟ من أقاربه وأصحابه وأصدقائه، فيكون في ذلك مفسدة. ثم إننا نقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأي خير في كونك تلعن واحدًا كافرًا مات، لا شك أنه يجب أن ينفر من طريقته، وأن يقدح في طريقته وأن تذم طريقته، هذا لا بد منه، أما هو شخصيًّا فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه، وإن كان المعروف عند أهل العلم جمهورهم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر. * طالب: فالآية اللي بعدها (...): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: الله لعنه، نعم، تخبر أن الله لعنه، لكن الدعاء عليه غير الإخبار. * طالب: ما دام أن الله لعنه ما يجوز أنا نلعنه؟ * الشيخ: نحن نقول: أيش الفائدة «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[سبق تخريجه.]]. * طالب: ما يكون هذا المؤمنين، أو المسلمين؟ * الشيخ: لا، هذا عام. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ كيف نوفق مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٨ / ٨٦)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]؟ هنا مباح، وهناك.. * الشيخ: إيه، اللعانين: كثيرو اللعن، اللي دائمًا في ألسنتهم هذا الشيء، وأما من لعن من يستحق اللعنة، فهذا ما يعد لعانًا. * طالب: قول عمر بن الخطاب: «قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢ / ٧٢)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، (...) لعن معين؟ * الشيخ: لا، هذا ما هو بالظاهر، (قاتل) ما هي بمعنى لعن، الصحيح أن قاتل بمعنى أهلك وليس بمعنى لعن. * طالب: قول عبد الله بن عمر لما قال ابنه في الحديث الذي رواه (...) لما قال: والله لمنعهن (...) ﷺ: «لعنة الله عليك أقول: قال رسول الله وتقول: والله لمنعهن»، وفي رواية: «سبَّه سبًّا شديدًا»؟ * الشيخ: لا، السب صحيح: «سبًّا شديدًا ما سبه مثله قط»، لكن اللعن ما أدري عن صحته. * الطالب: في رواية: «لَعَنَكَ اللَّهُ». * الشيخ: ما أدري والله عن صحته، أقول: ينظر في ثبوتها، فإذا ثبتت فهذا فعل صحابي قد يخطئ ويصيب. * طالب: فعله مرة (...)؟ * الشيخ: أقول: يكون هذا فعل صحابي حمله عليه الغيرة ولا يعتبر حجة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظم كتم العلم؛ حيث كان من الكبائر، واعلم أن كتم العلم يكون عند دعاء الحاجة إلى بيانه؛ إما بلسان الحال أو بلسان المقال، أما بلسان المقال: فأن يأتي أحد إليك يسألك، فهذا لا بد أن تخبره، فإن «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهذا لا بد أن تخبره. أو بلسان الحال: مثل أن ترى قومًا يعملون عملًا مخالفًا للشرع، هؤلاء محتاجون إلى بيان العلم، فيجب عليك أن تبينه، فصار كتم العلم متى يتحقق؟ إذا دعت الحاجة إلى بيانه إما بلسان المقال أو بلسان الحال، إلا أن أهل العلم يقولون: إذا علم المسؤول أن السائل يريد العنت والمشقة، ويطلب الرخص ولا يريد الحق، فإنه مخير بين أن يجيب وأن يمنع؛ لأن الله قال للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]، ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لأنهم لا يريدون الحق، هؤلاء اليهود يأتون للرسول ﷺ ما يريدون الحق، قالوا: فإذا علم أو ظهر من قرائن الأحوال أن هذا السائل لا يريد الحق إنما يريد العنت والمشقة على المسؤول وإظهار عجزه أمام الناس وما أشبه ذلك، أو يريد تتبع الرخص، ما سألك لأجل يأخذ بقولك ويعمل به على أنه شريعة الله، لكن بيشوف أيش اللي عندك، ثم يروح للثاني ويشوف اللي عنده، وللثالث ويشوف اللي عنده، ولما أفتي بما يوافق الهوى قال: هذا هو القول الصواب ثم أخذ به، وهذا يوجد كثيرًا، كثيرًا ما تشوف بعض الناس يسألك وإذا أجبته قال: أنا سائل فلان وقال: كذا وكذا، ويش معنى هذا؟ معنى هذا أنه يدور شيء أهون يوافق هواه، فإذا علمت بالقرائن أو بالبينات الظاهرة أن هذا الرجل لا يريد الحق، فلك أن تمنع ولك أن تجيب؛ لأننا نعلم أن هذا ما قصد طلب العلم قصد شيئًا آخر. * طالب: دفع الفتوى يا شيخ؟ * الشيخ: دفع الفتوى اختلف فيها أهل العلم هل يجوز أو لا يجوز، والصحيح أنه لا يجوز، الصحيح أنه لا يجوز إلا عند الاشتباه فيجب، وأما إذا كان الأمر واضحًا فلا يجوز. * طالب: لهذه الآية؟ * الشيخ: لهذه الآية ولغيرها؛ ولأن الإنسان قد يدفعها أولًا ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، اللهم إلا أن يكون مبرزًا بالعلم وظاهرًا، فهذا لا بأس، مثل ما قال أبو موسى: «وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُوَافِقَنِي عَلَى ذَلِكَ »[[أخرجه البخاري (٦٧٣٦)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ: وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي.]]، وإلا فالأولى أنه يقول: اسأل أهل العلم، وكان الإمام أحمد رحمه الله يستعمل هذه الطريقة إذا جاءه أحد وسأله وليس عنده في المسألة علم قال: اسأل غيري، أو اسأل أهل العلم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنك إذا أحلتهم على شخص، فقد يخطئ هذا الشخص، قد يخطئ، فأنت حولهم على عامة الناس على عامة العلماء، وأنا أقول: إنه ما يجوز دفع الفتوى؛ لأنه يضيع الناس في الحقيقة لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفْتِي أناس جهال يضلون الناس، فإنه هنا تتعين عليه الفتوى تتعين عليه، ويستعين الله عز وجل ويسأل الله الصواب والتوفيق. * طالب: شيخ، طيب إذا جاءني إنسان ولا خبر (...) أنه ما يفتي إلا بعلم، في علماء باقين هم يفتون بمذاهب، أو يفتون (...)؟ * الشيخ: يعني معناه أن صار عندك أرجح من غيره، وأقرب للصواب؟ * الطالب: فيه اللي ما عنده علم، وفيه اللي ما يفتيك. * الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به، إذا علمت أن اللي غيره ما يفتون بالصواب مثلًا، إنما يفتون بما هب ودب، نعم، يعني: بعض الناس يفتي بما يصلح للسائل اللي يوافق السائل يفتيه ما دام فيه قول لبعض العلماء، يقول: ما دام فيه قول، وهذا أرفق بحاله أنه نفتيه به، خلينا نمشي حاله، مو مشكلة هذه. * طالب: فيه رد على الجبرية. * الشيخ: من أين؟ * الطالب: حيث إن الله لعنهم؛ لأنهم يكتمون ما أنزلنا من البينات. * الشيخ: حيث أضاف الكتمان إليهم وهو فعل، إي نعم، فيه رد على الجبرية حيث أضاف الله الكتمان إليهم وهو فعل، نعم؛ لقوله: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ والكاتم مريد للكتم ولَّا لا؟ نعم. ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. في هذه الآية أو من فوائد هذه الآية: التخصيص بالمخصص المتصل، التخصيص يكون بمخصص متصل، وبمخصص منفصل، الآية هنا مخصص متصل ولَّا لا؟ شوف ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ هذه عامة؟ كل من كتم، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ خصصت، وهذا طريق من طرق التخصيص المتصلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل. يبين في مقابل ما كتم، فيؤخذ منه أن من تاب عن بدعة وضلالة، فإنه يجب أن يبين هذه البدعة والضلالة، وأنه رجع عنها وتاب إلى الله منها، وهذه كانت طريقة أهل العلم، ومما يحضرني الآن ما ذكر عن أبي الحسن الأشعري، أبو الحسن الأشعري كان على مذهب المعتزلة أربعين سنة، وهو على مذهب المعتزلة يؤيد هذا المذهب ويناظر دونه ويرجحه، ثم إنه اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، اتصل به فأخذ من مذهبه، وترك طريق المعتزلة، وصار يبين معائبهم ويفضح عوارهم، ويبين أن مذهبهم باطل على رؤوس الأشهاد، لما رجع عن الاعتزال بين بطلانه ما تركه وسكت، بين بطلانه، ثم إن الله من عليه أخيرًا، فرجع إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الإبانة عن أصول الديانة ، وهو كتاب مشهور معروف، خرج عن مذهب الكُلّابية، وصار مذهبه مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. كذلك أيضًا ابن القيم رحمه الله كان بالأول من الصوفيين، كان صوفيًّا، ولكن الله سبحانه وتعالى من عليه وهداه بواسطة شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قد قال ذلك في كتابه النونية قال: فَاللَّهُ أَنْقَذَنِي بِهِ وَهَدَانِي، فهداه الله عز وجل على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ضلال الصوفية وخطلهم وخطأهم. * طالب: الأشعري يا شيخ ما رد على مذهب الكلابية؟ * الشيخ: إلا بيّن، بيّن كل المذاهب، قال: إن المذاهب باطلة وإنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. * الطالب: كيف اعتنق (...)؟ * الشيخ: صار له أصحاب كبار من أهل العلم قبل أن ينتقل إلى ما انتقل إليه أخيرًا، فحرروا هذا المذهب اللي كان عليه ونصروه حتى قوي. * طالب: لأيش الصوفية يا شيخ بيدرسوه في المعاهد العلمية وبيت الشباب؟ * الشيخ: لا، ما يدرسوه، ما هو مدرس، كان تدرس ليتبين بطلانها يمكن. * الطالب: فيه أئمة أجلاء يا شيخ كانوا وما زالوا موجودين بردو لغاية دلوقتي.. * الشيخ: لا دجالين، لو رأيت ما كتب عن الصوفية لرأيت العجب العجاب -والعياذ بالله- حتى انتهى بهم الأمر إلى أن يقولوا بوحدة الوجود، ابن عربي يقول عن جبته يقول: ما في الجبة إلا الله، يعني: نفسه -والعياذ بالله- فهم أخبث من النصارى، النصارى قالوا: إن الله حل في عيسى وحل في شخص رسول من الرسل، ودولا قالوا: إنه حل في كل شيء، حتى في الكلاب والحمير والخنازير وغيرها -والعياذ بالله- المهم أنك إذا أردت تعرف مذاهب الصوفية، فاقرأ ما كتب عنهم، مثل كتاب هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، بيّن -والعياذ بالله- مخازيهم ومعايبهم، لو لم يكن منهم إلا هذه الأذكار اللي ابتدعوها، ما أنزل اللَّه بها من سلطان. * طالب: حضرات يوم الأربع ويجيبوا يلبسوا جبب بيضا ويلبسوا بتاع دهوة ويقعدوا الذكر: الله، مش عارف إيه، يذكروا الله يا لطيف ألف مرة.. * الشيخ: على كل حال هم ضالون. * الطالب: هذا يا شيخ الإنسان يجب أن يحاربهم فيه. * الشيخ: حاربهم (...). * الطالب: أنا سابقًا كنت أجلس معهم، والله تاب علينا الحمد لله، ومرة مسكوني بعد صلاة المغرب، وقلت لهم: بتعملوا إيه اطلعوا بره، سيبكم بقى من الدجل.. * الشيخ: الحمد لله، بعد ما كنت صوفيا صرت خاميا الآن. * الطالب: والله حصل معايا دي حقيقة المسجد كل يوم.. * الشيخ: احمد ربك إنه أنقذك، الحمد لله. من فوائد الآية: ذكرنا أن توبة أهل البدع -مثلًا- لا تكون إلا بالبيان والإصلاح؛ لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ ثلاث شروط: توبة، رجوع عما حصل من الكتمان، إصلاح لما فسد بكتمانهم، يعني: ما فسد بكتمانهم حيث أخفوا الحق يحصل الفساد، فلا بد من الإصلاح، الثالث بيان أيش؟ بيان الحق، يبينون غاية البيان، وبهذا تذهب سيئاتهم بحسناتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ذنب وإن عظم حتى الدعوة إلى البدع إذا تاب الإنسان منها، فإن الله تعالى يتوب عليه، وقد ذكر ابن كثير رحمه الله أن هذا من خصائص هذه الأمة، وهو أن الداعي إلى البدع والكفر ما تقبل توبته في الأمم السابقة، ولكن هذا إن صح عن الرسول ﷺ، فعلى العين والرأس، فيكون مخصصًا للآية، وإذا لم يصح، فإن ظاهر الآية أن هذا الحكم عام في هذه الأمة وفي غيرها، وأن من تاب مما كتم وأصلح وبين تاب الله عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، التواب على من أذنب، الرحيم على من أخلص وعمل، فالرحمة تجلب الخير والتوبة تدفع الشر، التوبة تدفع الشر، والرحمة تجلب الخير. ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات صفتين من صفات الله، وهما؟ * طالب: التواب. * الشيخ: لا، ما هي التواب، التوبة والرحمة. ويستفاد منهما أيضًا: إثبات حكمين من هذين الاسمين: أن الله يتوب ويرحم؛ ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: قرن العلة بالحكم؛ لأنه قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، ثم علل ذلك بقوله؟ ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كثرة توبة الله عز وجل، كثرة التوبة من الله؛ لأن قوله: ﴿التَّوَّابُ﴾؟ * طالب: صيغة مبالغة. * الشيخ: صيغة مبالغة تدل على الكثرة، وهو كثرة توبة الله، وكثرة من يتوب الله عليهم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمن؟ بكل ما يجب الإيمان به. فيستفاد من الآية الكريمة: أن الكافر مستحق للعنة الله والملائكة والناس أجمعين، يلعن عليهم اللعنة. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه يشترط لثبوت هذا أن يموت على الكفر؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، فلو كفروا ثم رجعوا عن الكفر إلى الإسلام ارتفع عنهم هذا الحكم. ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ والملائكة هم عالم غيبي، من عالم الغيب، لكنهم قد يظهرون أحيانًا، وهم عباد وليسوا أربابًا، وليسوا أولادًا لله عز وجل، بل هم مخلوقون من جملة الخلق، خلقهم الله عز وجل للعبادة فقط؛ ولهذا لا يعصون الله ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، ولهم إرادة، ولهم عقل، خلافًا لمن قال: إنه لا عقول لهم، والقائل بأنهم لا عقول لهم، نقول: أنت الذي لا عقل لك، أما الملائكة فإن لهم إرادة وعقل وفهم، يفهمون عن الله أمره، ويسبحون بحمده، كيف ما يكون لهم عقول؟! نقول: هذا القول لو أخذنا بلازمه لبطلت الشرائع؛ لأن السفير بين الله وبين رسله؟ * الطلبة: جبريل. * الشيخ: جبريل، فإذا قلنا: لا عقل له، صار حامل الرسالة مجنونًا، ومن يثق برسالة حاملها مجنون؟ إذن تبطل الشرائع كلها، كل الشرائع؛ ولهذا هذا القول في الحقيقة لو قيل بأنه كفر لكان له وجه، لو قيل بأن هذا القول كفر لكان له وجه. هل الملائكة أجسام أم أرواح؟ * طالب: أرواح. * الشيخ: أجسام بلا شك وفيهم أرواح؛ لأنهم كما قال الله عز وجل: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام جبريل على صورته التي خلق عليها وله ست مئة جناح قد سد الأفق. * ومن فوائد الآية: أن الكافر يلعنه الكافر، الكافر يلعنه الكافر، من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وقد أخبر الله تعالى عن أهل النار أنه ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وأخبر ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] إلى آخره، فالكافر والعياذ بالله ملعون حتى ممن شاركه في الكفر (...). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يستفاد من هذه الآية: أن الذين يموتون وهم كفار مخلدون في اللعنة -والعياذ بالله- مخلدون في لعنة الله وطرده وإبعاده عن رحمته. ويستفاد منها: أن العذاب لا يخفف عنهم ولا يومًا واحدًا؟ ولا يومًا واحدًا؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، ما سألوا أن يرفع العذاب، ولا سألوا أن يخفف دائمًا، يخفف ولو يومًا واحدًا من أبد الآبدين -والعياذ بالله نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار- يتمنون هذا يتوسلون إلى الملائكة أو بالملائكة إلى الله عز وجل أن يخفف عنهم يومًا واحدًا من العذاب، ولكن يوبخوا إذا سألوا هذا ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر ٥٠]، ماذا تتصورون من الحسرة العظيمة حين ما يقولون ها الكلام لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وأيش الحسرة التي تصير في قلوبهم؟ ما يستطيع أحد أن يتصورها، كيف؟ ليتنا فعلنا، ليتنا اتبعنا الرسل، ليتنا صدقنا، ليتنا اتبعنا الرسول، يتمنون؛ ولهذا يقولون: ﴿بَلَى﴾ ما يستطيعون أن ينكروا أبدًا، ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم، ولكن دعاء لا يقبل ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٥٠] في ضياع -والعياذ بالله-، الشاهد أنه لا يخفف عنهم العذاب. * ومن فوائدها: أنهم لا ينظرون، إما أنه من النظر أو من الإنظار، فهم لا يمهلون ولا ساعة واحدة؛ ولهذا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾ [الزمر ٧١] من يوم يجيئونها تفتح، أهل الجنة ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر ٧٣]؛ لأنهم ما يدخلونها إلا بالشفاعة وبعد أن يقتص من بعضهم لبعض، فإذا جاؤوها هذبوا ونقوا، ثم شفع النبي عليه الصلاة والسلام في دخول الجنة، وحينئذٍ ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣]؛ ولهذا جاءت الواو في أهل الجنة دون أهل النار -والعياذ بالله- فإن أهل النار يفاجؤون بالعذاب، نسأل الله العافية. * طالب: ما يؤخذ من هذا أنه يلعن الكافر إذا مات.. * الشيخ: إذا مات على كفره؟ نحن نقول: قد يكون أنه جائز، لكنه الحديث يدل على أنه لا يجوز: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وأيش الفائدة من لعن الكافر؟ على سبيل العموم جائز، تقول: اللهم العن الكفار، وكان عمر رضي الله عنه وأبو هريرة يلعنون الكفار في القنوت[[حديث عمر أخرجه عبد الرزاق (٤٩٦٩)، وحديث أبي هريرة متفق عليه؛ البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٦٧٦ / ٢٩٦).]]، اللهم العن الكفرة، هذا لا بأس به، والآيات هذه قد تكون على سبيل العموم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، على سبيل العموم: اللهم العن كل كافر، اللهم العن من كتم العلم، وما أشبه ذلك. * طالب: بالنسبة للإنسان (...). * الشيخ: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦3] الخطاب للبشر كله، ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ أيها الناس وأيها البشر، أي: معبودكم الحق الذي تكون عبادته حقًّا واحد، إله واحد، إله بمعنى مألوه، فهي بمعنى اسم المفعول، والمألوه معناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، هذا الذي يعبد حبًّا وتعظيمًا وهو مستحق للعبادة إله واحد فقط لا أكثر، وهذه الجملة ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ﴾ طرفها الأول معرفة، والثاني نكرة موصوفة، ومؤكد بالوحدانية، ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يعني: لا إله معه، ثم أكد هذه الجملة الاسمية بجملة تفيد الحصر فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، هذه الجملة محلها مما قبلها في المعنى أيش؟ توكيد، توكيد أفصح من تأكيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١]. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقدم لنا إعراب ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وأن الصواب في إعرابها: أن (لا) نافية للجنس، و(إله) اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: لا إله حقٌّ، أما من قال: إن التقدير: لا إله موجود، فهذا فيه نظر؛ لأنه يوجد آلهة سوى الله لكنها باطلة، اللهم إلا أن يريد بأن (إله) موصوف بوصف محذوف تقديره: لا إله حقًّا موجود، إن كان أراد هذا، فإنه يعود إلى القول الثاني الذي قدرناه، وهو أن الخبر محذوف وتقديره: حق، وأما من قال في تفسيرها: لا موجود إلا الله، كما قاله مصطفى محمود، هذا الذي ملأ الآفاق كلامًا في وسائل الإعلام، وأعجب به كثير من الناس، هذا يفسر لا إله إلا الله: لا موجود إلا الله، وهذا ينطبق تمامًا على تفسير أهل وحدة الوجود الذين يقولون: إن الخالق والمخلوق شيء واحد؛ لأنه لو قال: لا موجود إلا الله، معناه الخلق هو عين الخالق؛ لأنه لا موجود إلا الله، وبهذا نرى أنه يجب التحرز من هذا الرجل لا سيما عند كلامه في الإلهيات، عند كلامه في الإلهيات خطر عظيم الأخذ بقوله، أما في مسائل أمور الكون، فهذه قد يخطئ وقد يصيب، لكن في مسائل الإلهيات يجب الحذر منه؛ لأن رجلًا يفسر كلمة التوحيد بكلمة الحلول والاتحاد، هذا من أبعد الناس عن التوحيد.. * طالب: لم يصرح بهذا في كتبه. * الشيخ: هو في كتبه أنا قرأته، قرأته في كتابه محاولة تفسير القرآن بالمفهوم العصري ، هذا عنوانه أو هذا معنى العنوان. * طالب: القرآن محاولة.. * الشيخ: إيه. إذن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قلنا: إن خبر (لا) محذوف، والتقدير: حق، وإنما قدرنا هذا؛ لأن هناك آلهة تعبد من دون الله، سماها الله آلهة، لكن ليس لها وأيش ليس لها؟ أحقية في الألوهية؛ ولهذا سماها الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم ٢٣]، يعني: أسماء لا حقيقة لمسماها. قلنا: إن بعض النحويين وبعض العلماء أيضًا قدرها، قدر الخبر بكلمة: موجود، وهذا التقدير لا يطابق الواقع إلا إذا كان يريد أن اسم (لا) موصوف بوصف محذوف تقديره: حقًّا، فهذا صحيح، لا إله حقًّا موجود إلا الله، هذا حق، (إلا) أداة حصر، (وهو) -لا إله إلا هو- بدل من الخبر المحذوف، مبني على الفتح في محل رفع، أما (إلا اللهُ) فهو بدل مرفوع وعلامة رفعه؟ * طالب: الضمة الظاهرة. * الشيخ: ضمة ظاهرة في آخره، وأرانا نقول: هنا مبني على الفتح، وهناك نقول: مرفوع بالضمة؟ لأنه هذا ضمير فهو مبني، وهذا اسم ظاهر فهو معرب. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا خبر يجب علينا اعتقاده؛ إذ لو لم نعتقده لكنا مكذبين لهذا الخبر، وتكذيب خبر الله ورسوله كفر، كفر صريح، إذن يجب علينا أن نعتقد بأنه لا إله حق إلا الله عز وجل، وأن جميع ما يعبد من دون الله فهو باطل؛ لأنه لا ينفع ولا يضر، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥]، هذه الأصنام لو تدعوها إلى يوم القيامة ما استجابوا لكم، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]. فإن قال قائل: إن هؤلاء المشركين قد يفتنون في هذه الآلهة فيدعونها، ثم يأتيهم ما دعوا به؟ فما هو الجواب عن هذه الآية؟ الجواب عن هذه الآية: أنهم ليسوا هم الذين أوجدوه، والله قال: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف ٥]، فهل هذه الأصنام هي التي جاءت بهذا الشيء؟ أو الذي جاء به الله؟ * طالب: الله. * الشيخ: الذي جاء به الله، لكن قد يمتحن الإنسان بتيسير أسباب المعصية، ابتلاء من الله عز وجل، فيكون هذا الشيء حصل عنده؟ * طالب: لا به. * الشيخ: لا به، حصل عنده لا به. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف التقدير؟ هو الرحمن الرحيم، الجملة استئنافية، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾، يعني: هذا الإله هو الرحمن الرحيم، وما سواه مما يعبد من دونه فليس فيه رحمة، خال من الرحمة إطلاقًا. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال ابن حجر: اتفق العلماء على أنهما اسمان من أسماء الله، اتفقوا، مع أن مادتهما واحدة وهي الرحمة، وعلى هذا: فيكون الغفور اسم، والغفار اسم، وإن كانا من المغفرة، لكن لما اختلفا في الصيغة صار كل منهما اسمًا مستقلًا. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الفرق بينهما، أحسن ما رأيت فيه ما قاله ابن القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد ، وكتاب بدائع الفوائد على اسمه بدائع، لكنه ليس مرتبًا، حسب ما يخطر بباله يكتبه رحمه الله، أشبه ما له كتاب ابن الجوزي المسمى صيد الخاطر ، صيد الخاطر متى ما خطر على باله الشيء كتبه، وإن كان بينهما فرق، وابن الجوزي رحمه الله في باب الصفات متذبذب، له كتاب اسمه تأويل آيات الصفات ، كله على مذهب المعتزلة، ينكر إنكارًا شديدًا على المثبتين، حتى إنه في بعض السياقات يلعنهم -والعياذ بالله- يلعنهم، يقول: كيف أنكم تجعلون لله عين ويد وما أشبه ذلك؟ معناه أنكم خلتوه إنسان، ويصرح بالإنكار العظيم في هذا، ورأيت لشيخنا رحمه الله كتاب تعليق على هذا الكتاب على الصفحة اللي فيها اسم الكتاب يقول: إن هذا كلام ابن الجوزي مما خالف فيه مذهب الإمام أحمد بن حنبل، إي نعم، الحاصل أن إحنا ذكرناه؛ لأن ابن الجوزي رحمه الله له كلام يدل على أنه مستقيم في هذا الباب، لكن هذا الكتاب ألفه لهذا الغرض ورد على المثبتين ردًّا شنيعًا. إذن (الرحمن) أقول: أحسن ما رأيت في الفرق بينهما: أن الرحمن باعتبار الوصف، و(الرحيم) باعتبار الفعل؛ ولهذا جاءت رحمن على صيغة (فَعْلان) الذي يدل على السعة والامتلاء، وجاءت الرحيم على صفة (فَعِيل) الدالة على الفعل، فالرحمن باعتبار وصفه، والرحيم باعتبار فعله، أي: إيصال الرحمة إلى من شاء سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا مرارًا أن أسماء الله سبحانه وتعالى لها ثلاث دلالات: تدل دلالة تضمن، وأيش بعد؟ * الطلبة: التزام. * الشيخ: والتزام، والثالث؟ * الطلبة: مطابقة. * الشيخ: مطابقة، فدلالة الاسم على الذات والصفة دلالة؟ مطابقة، ودلالته على الذات وحدها أو الصفة وحدها؟ دلالة التضمن، ودلالته على ما يستلزمه من الصفات الأخرى؟ دلالة التزام، من يسأل؟ * طالب: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ما الذي يمنع أن تكون صفة؟ * الشيخ: أيهما؟ * الطالب: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. * الشيخ: نعم، هما دالان على الرحمة. * الطالب: لا، أقول صفة يعني من الناحية الإعرابية؟ * الشيخ: من الناحية الإعرابية، صفة لأيش؟ * الطالب: صفة للضمير؟ * الشيخ: يقولون: إن الضمير لا يُنعت ولا يُنعت به. * الطالب: ما المانع؟ * الشيخ: هذا كلامهم. * الطالب: إذا تأملناه من الناحية المعنوية فعلًا صفة؟ * الشيخ: لو قلت: لا إله إلا الرحمن الرحيم؟ ما يستقيم الكلام، لا إله إلا هو، ثم استأنف قال: هو الرحمن الرحيم، أبلغ، هذا أبلغ، وهو وإن كان جائزًا فهو على وجه ضعيف. بقينا ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة لله عز وجل صفةً حقيقيةً، وأهل التأويل يقولون: إن الله ليس له رحمة هي صفته، ويفسرون الرحمة إما بالفعل أو بالإرادة، يعني: إما بالإحسان أو بإرادة الإحسان، وهذا مذهب الأشعرية والماتريدية، فيقولون: إن معنى رحمن ومعنى رحيم، أي: مريد للإحسان، أو معناه: محسن بالفعل، وما حجتهم؟ يقولون: لأن الرحمة رقة ولين، وهذا الوصف لا يليق بالله عز وجل، فنقول لهم في الرد على هذا: أولًا: اقتضاء الرحمة للرقة واللين هذا باعتبار رحمة المخلوق، ثم لو فرض أنها مستلزمة لذلك، فأين الدليل على أنه يمتنع أن يكون الله عز وجل لينًا ورؤوفًا ورحيمًا؟ ما هناك دليل على المنع لكننا نقول مع ذلك: إذا كان هذا لا يليق بالرب جل وعلا، فإن الرحمة التي تشيرون إليها هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها تليق به، ولا تستلزم نقصًا كما تستلزمه رحمة المخلوق، على أننا قلنا فيما سبق: إن قولكم: إن الرحمة تستلزم اللين والرقة والضعف، هذا ليس بصحيح، فهؤلاء الملوك قد يكون ملك جبار وقوي وشديد ومع ذلك يرحم، ولا يقال: ذل، ولا يقال: ضعف أمام من رحمه. ثم نقول لهم: إذا قلتم ذلك، فالإرادة ما يريد المريد شيئًا إلا لما له فيه من جلب منفعة أو دفع مضرة، هذا المريد العاقل يعني، ما يريد شيئًا إلا هذا، وهل هذا المعنى يليق بالله؟ ما يليق بالله عز وجل، هم يقولون: هذه إرادة المخلوق التي لا يريد إلا ما فيه جلب منفعة أو دفع مضرة له، هذا المخلوق، أما إرادة الخالق فتليق به، فنقول: إذن هذه رحمة المخلوق، ورحمة الخالق تليق به. ثم من العجب أن تكون نصوص الرحمة في القرآن أكثر من نصوص الإرادة، وجاءت بالوصف، وجاءت بالاسم، وجاءت بالفعل، والإرادة ما جاءت إلا بالفعل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فيقول الله عز وجل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] هذا الصفة، ويقول: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ هذا الاسم، ويقول: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] هذا الفعل، ومع ذلك هذه تؤول والإرادة لا تؤول! لكن -الحمد لله- أهل السنة والجماعة هداهم الله تعالى للصراط المستقيم، وجعلوا جميع باب الصفات بابًا واحدًا، كيف بابًا واحدًا؟ يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويقال: إن وصف الخالق يليق به، ووصف المخلوق يليق به، وإن اتفقا في أصل المعنى، لكن حقيقة المعنى تختلف، واضح؟ وهذا -الحمد لله- مقرر لدينا في العقائد مر علينا كثيرًا. * طالب: شيخ، بعض أهل العلم فسر ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ بأنهما اسمان رقيقان، وإذا رجعنا إلى المعتقد الصحيح، فنحمل على أنه يريد اسمان رقيقان أحدهما أرفق من الآخر؟ لأنه يرى قول: إن الله رفيق يحب الرفق؟ * الشيخ: لا لا، ما يريدون هذا، هم يقولون: رقيقان، يعني: كل واحدة منهم أرق من الثاني. * الطالب: ما راعينا أن بعض أهل العلم عقيدته صحيحة جيدة و(...) رقيقة. * الشيخ: إيه، هم يقولون كذا. * طالب: شيخ، إذا قال قائل: ما الفرق بين مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب المفوضة، إذا كان أهل السنة يثبتون صفة الرحمة لله تبارك وتعالى بمعنى غير المعنى الموجود بالقاموس؛ لأن هذا المعنى من الرقة يليق بالمخلوق، كذلك هؤلاء يقولون: الرحمن، لكن معنى الرحمن هو غير الله ما يعرف معناها، فما الفرق بينهما؟ * الشيخ: الفرق بينهما: أن أهل التفويض يقولون: ما نعرف لهذا معنًى، ما نثبت معنى إطلاقًا، ما هو بالرحمة فقط، الرحمة، والاستواء، والنزول، والمغفرة، والمحبة، وغيرها، ما يثبتون معنى إطلاقًا، يقولون: هذه معانيها مجهولة، ولا شك أن هذا ضرره عظيم. * الطالب: لا معنى للقرآن؟ * الشيخ: معناه: لا معنى من القرآن، وأنه مثل ما قال شيخ الإسلام قال: هذا يجيء المتأول ويجيئون الفلاسفة ويقولون: روحوا أنتم جهال ما تعرفون، إحنا اللي عندنا العلم، فيأتي المتأول ويقول: عندي العلم، ويأتي الفلسفي ويقول: عندي العلم، أنا الذي (...) القرآن، أما أنتم أقررتم على أنفسكم بالجهل، الجاهل هل يمكن أن يدفع شيئًا؟ ما يمكن يدفع؛ ولهذا يقول: إن هذا القول رحمه الله يقول في كتابه العقل والنقل يقول: هذا القول من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، تفويض المعنى، أما تفويض الكيفية، فهذا حق، مهما كنا ما نستطيع أن نعرف كيفية صفات الله عز وجل. * طالب: شيخ، إذا واحد تقدم يعني ولم ينقب يعني عن تفسير ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (...) ما يدري رفيقان أو رقيقان نحملها على أيش؟ * الشيخ: هو المعروف أنهم يقولون: رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، كذا يعبرون، أرق ما تشتبه بأرفق. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف إذا قال: رفيقان ولم ينقط، ثم قال: أحدهما أرق تشتبه بأرفق؟ ما تشتبه، (...) أرق يعني أرف، ولا يستقيم. * طالب: الرحمن يدل على الاسم وعلى الصفة اسم الرحمن، ما الفائدة من الرحيم؟ * الشيخ: إيه زين، تكون الرحيم دالة عليه بحسب الصيغة، والرحمن بحسب الالتزام بحسب اللازم، أو يقال: إنه في مثل هذا إذا قرن أحدهما بالآخر، يكون أحدهما دالًّا على الاسم والصفة فقط، والثاني دالًّا على الاسم والصفة والفعل، ولا مانع من أن يكون الكلمة عند الانفراد لها معنى، وعند الاجتماع لها معنى آخر. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ انتبهوا للآية هذه -إن كنا من ذوي العقول- لأن الآية آخرها: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، يقول الله جل ذكره: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿إِنَّ﴾ هذه للتوكيد و﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه خبرها مقدم، و﴿لَآيَاتٍ﴾ اسمها مؤخر. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ابتداؤها، كيفيتها، قوتها، ما أودع الله فيها إلى آخره، هذه واحدة، و﴿السَّمَاوَاتِ﴾ جمع سما، وتقدم أنها سبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ مفرد يراد به الجنس فيشمل؟ * الطلبة: السبع. * الشيخ: يشمل السبع، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا واحد، إيجادهما، وبقاؤهما وكيفيتهما، وكل ما يتعلق بهما من الشيء الذي لا نعلمه، يعلمه غيرنا مثلًا من علماء الفلك والجيولوجيا يعلمون أكثر مما نعلم في هذا، وهم مع ذلك ما أوتوا من العلم إلا قليلًا، السماء في خلقها بهذا الارتفاع وهذه السعة وهذه القوة، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات ٢٧]، الجواب؟ * طالب: السماء. * الشيخ: السماء، ثم فصّل فقال: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٧، ٢٨]، ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] هذه السماء العظيمة، وكذلك الأرض وما أودع الله فيها من المنافع؛ حيث جعلها متضمنة ومشتملة على جميع ما يحتاج الخلق إليه في حياتهم وبعد مماتهم حتى بعد الممات، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦]، ما ظنكم لو جعل الله هذه الأرض شفافة كالزجاج، فدفن فيها الأموات ينظر الأحياء إلى الأموات، فلا تكون كفاتًا لهم، وما ظنكم لو جعل الله هذه الأرض صلبة كالحديد أو أشد، هل يسهل علينا أن تكون كفاتًا لأمواتنا؟ لا، ولا لنا أيضًا في حياتنا، ثم هذه الأرض أودع الله فيها من المصالح والمعادن شيئًا ما نستطيع الإحاطة به، ويتبين لنا شيئًا فشيئًا كلما تقدمت الصناعة، هذه السماوات والأرض ما أودع الله فيها من المنافع والمصالح. ثانيًا: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر، في الإضاءة والظلمة، في الحر والبرد، في النصر والخذلان، في كل شيء يتعلق بالليل والنهار، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، هذه الليالي والأيام التي تدور على العالم كم فني فيها من أناس، كم عز فيها من أناس، كم ذل فيها من أناس، كم حصل فيها من حوادث ما يعلمها إلا الله، هذا الاختلاف كله آيات تدل على الله عز وجل، وعلى تفرده بالوحدانية سبحانه وتعالى. اختلاف الليل والنهار أيضًا في الطول والقصر ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج ٦١]، على وجه خفي لا يشعر الناس به، يزداد شيئًا فشيئًا، وينقص شيئًا فشيئًا، ليست الشمس تطلع فجأة من مدار السرطان، وفي اليوم الثاني مباشرة من مدار الجدي، أبدًا، ولكنها تنتقل بينهما شيئًا فشيئًا، حتى يحصل الالتئام والتوازن وعدم الكوارث، لو انتقلت فجأة من مدار السرطان إلى مدار الجدي ماذا يحصل؟ لهلك الناس من حر شديد إلى برد شديد، والعكس بالعكس، لكن الله جل وعلا بحكمته ورحمته جعلها تنتقل حتى يختلف الليل والنهار على حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته. ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الله أكبر، هذه أيضًا من آيات الله، فلك محمل بالآدميين، والأمتعة والأرزاق يجري على سطح الماء، هذا من آيات الله، وهذا جاء ما هو أعظم منه الآن وهو الفلك الذي يجري في الهواء، الفلك الذي يجري في الهواء، فإذا أشار الله تعالى إلى شيء من آياته في أمر، فما هو أولى منه يكون أعظم منه دلالة على ذلك، الله جل وعلا أخبرنا بأن الطير التي في جو السماء أن فيها آيات، ولَّا لا؟ إي نعم، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك ١٩]، هذه الطيور ما تحمل إلا نفسها فجعلها الله تعالى آية، فكيف بهذه الطائرات؟ تكون أعظم وأعظم من آيات الله عز وجل. وقوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ بمعنى؟ تسير، و﴿فِي الْبَحْرِ﴾ في للظرفية، فهل المعنى في نفس البحر ولَّا على البحر؟ * طالب: تشملهم. * الشيخ: تشمل هذا وهذا، نعم؛ لأن فيه فلك يجري على سطح الماء، وفيه فلك يجري من داخل الماء، ولَّا لا؟ * طالب: الغواصات. * الشيخ: الغواصات، الغواصات تجري في البحر بما ينفع الناس؛ لأنها يقاتل بها الأعداء ويحمى بها البلاد، فهذا مما ينفع الناس. * الطلبة: (...). * الشيخ: لا، ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس ٢٢]، إذن ﴿الْفُلْكِ﴾ المراد به الجمع هنا، ﴿الْفُلْكِ﴾ يراد به الجمع، ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات ١٤٠]، هذا مفرد، وأظن أني قد ذكرت لكم ما قاله ابن عقيل رحمه الله -وهو من الفقهاء- قال: إن الأحدب الذي يكون حدبته كالراكع ينوي الركوع بقلبه، قال: كـ(فُلك) في العربية، ينوى جمعه وإفراده واللفظ واحد، هذا الإنسان الأحدب إذا بغى يركع وهو أحدب على قدر الركوع وأيش لون يركع؟ * طالب: بالنية. * الشيخ: بالنية، نعم، ﴿الْفُلْكِ﴾ شامل للمفرد والجمع، وهنا يراد بها الجمع ولّا المفرد؟ ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾؟ * طالب: محتملة. * الشيخ: يا إخواني، قلنا: إن الوصف يعين المقصود، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: مفرد؟ لو قال: والفلك اللاتي يجرين في البحر، صار؟ * طالب: جمع. * الشيخ: جمع، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ابن مالك في الألفية يقول: بِاللَّاتِ وَاللَّاءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا ∗∗∗ ......................... (التي) هي المفرد، فعلى هذا تكون هنا الفلك مفرد، لكنه مفرد والمراد به الجنس، فيكون عامًّا. وقوله: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني: مصحوبة بما ينفع الناس، من أين؟ * طالب: الأرزاق. * الشيخ: من الأرزاق، والبضائع، والأنفس، والذخائر وغيرهم.. * طالب: والصيد، وصيد السمك. * الشيخ: إيه وغيرها، بما ينفع؛ لأن (ما) اسم موصول يفيد العموم، كل ما ينفع الناس، فهي من آيات الله عز وجل، الدالة على كمال قدرته وكمال رحمته وتسخيره، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ [إبراهيم ٣٢]. ومن حكمة الله عز وجل أنه قدر في الأرض أقواتها، قدره يعني: جعل قدرًا هنا، وقدرًا هنا، وقدرًا هنا، لأجل أن ينتفع الناس، فيه ناس ما يكثر عندهم البقول، والخضروات، وما أشبه ذلك، يأتيهم من أرض أخرى، وفيه ناس يكثر عندهم نوع من الحشائش ما يوجد في المكان الآخر ينقل إلى المكان الآخر، فيتبادل الناس الأرزاق، وينتفع الناس ويتحركون، كل فيما قدر له. * طالب: غواصات تمشي مسافة طويلة يا شيخ من تحت الماء؟ * الشيخ: إيه، من تحت الماء. * الطالب: كيف يدله؟ * الشيخ: عندهم -سلمك الله- رادارات ما تخطئ، الآن يقولون: فيه صواريخ يجلس وهو مكانه في غرفة القيادة وتضرب الهدف اللي هو يبغي، الآن بدؤوا -عسى الله يكفينا شرهم- بدؤوا يسلحون الجو؛ ولذلك هم في نزاع في تسليح الجو، انتهوا من تسليح الأرض وتلغيمها بالغواصات وغيرها قالوا: نروح بس.. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي والله أمام قدرة الله. * الطالب: (...) الأفغانية ضعيفين وقليلين ولا عنده عدة.. * الشيخ: أمام قدرة الله ما فيه شيء؛ لأن الله جل وعلا لو شاء لخسف بهم، يخسف بهم الأرض ولا يبقى لهم ذكر، أمام قدرة الله ما فيها شيء، ولكن الله جل وعلا جعل قدرته مشروطة ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد ٧]، فإذا وجد هذا الشرط، ونصرنا الله حقًّا بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا نصرنا الله، مثلما نصر اللي قبلنا ينصرنا جل وعلا، المسألة: أقوالنا كثيرة وأفعالنا قليلة. * طالب: كلمنا واحد يقول: أرسلوا عليهم قنابل ذرية.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قنابل ذرية، في (...) أفغانستان يقول: وصارت في حد الخيام ما وصلت إلى الخيام وخدت اثنا عشر يوم والنار تلتهب ولا تنفك يقول: والله ما جت منهم ولا أحد؟ * الشيخ: وعلى كل حال يعني الأحاديث عنهم كثيرة، لكن ما نود أن يمضي الوقت، ولّا حدثني إنسان ثقة قبل يومين جاءني لمي يشاورني في موضوع الجهاد معهم، يقول: إن فيه جبال يتعبون الغزاة في إيصال الماء إلى هذه الجبال، يحمل الواحد الجالون مع التعب ويصعد هذا الجبل، ويحفرون الخنادق لأجل إذا جاءت الطيارات ضربوها، أقلبوا كل الطائرات، يقول: إن فيه طائرات بدأت ترسل عليهم قنابل إذا ضربت القنبلة في الأرض انفجرت الأرض عيونًا، صارت تحفر لهم آبار وهم ما يدرون، وهذا الله على شيء قدير، هذا من آيات الله عز وجل ونصره، ونسأل الله أن ينصرهم ويثبتهم على الحق.. * طالب: قول ابن عقيل في الأحدب (...) إذا كان أحدبًا هل يكفي النية؟ * الشيخ: إي نعم، تكفي. * الطالب: ما يلزمه أنه (...)؟ * الشيخ: لا لا، ما يلزمه لأنه يصير خلاف السنة في هيئة الركوع. * الطالب: هذا عاجز والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. * الشيخ: هذا من تقوى الله.. * الطالب: ما ركع. * الشيخ: هيئته راكع، هم قالوا هكذا. * الطالب: لم تختلف الصفة بين الركوع والقيام؟ * الشيخ: ما هو شرط، يكفي النية، مثل الجلوس لكن ما يستطيع أنه يتحرك، مثل الإنسان اللي ما يستطيع يتحرك برأسه ينوي. * طالب: (...). * الشيخ: ما ندري، ما نستطيع أن نجزم بهذا؛ لأن السماوات ما نستطيع أن نقول: إن السماء الدنيا من نحاس.. * الطالب: لأنه ما قال: والأرضين. * الشيخ: ما نستطيع، جاءت الأرضين في السنة: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]]. * الطالب: لا، بالنسبة للقرآن. * الشيخ: بالنسبة للقرآن ما نقدر نقول، إن الله نوه على ذكر السماوات بالعدد؛ لأنها أعظم من الأرض، ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] مثل العدد. * طالب: ما رأيك يا شيخ في قول من قال: إذا جمعت السماوات يراد بها الأجرام، وإذا قيل: السماء، فهي للعلو؟ * الشيخ: هو صحيح إذا قيل: السماوات، فهي الأجرام بلا شك، إذا قيل: السماء، فهي تحتمل هذا وهذا. قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني: وفيما أنزل الله من السماء من ماء، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، هذا هو الصحيح، وإن كان بعضهم ذكر أنه يحتمل أن المراد به الجرم، السماء المحفوظ، وقال: إن الماء ينزل من السماء على السحاب، ثم ينزل من السحاب على الأرض، لكن هذا خلاف الواقع، وخلاف ما دل عليه القرآن، فالصواب أن المراد بـ﴿السَّمَاءِ﴾ هنا العلو، ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه بيان لـ(ما) في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ المراد به: المطر، هذا الذي أنزله الله من السماء فيه آيات عظيمة، منها: كونه ينزل من السماء، فما الذي حمله إلى السماء؟ الله عز وجل، كذلك كونه ينزل رذاذًا، هذا من آيات الله الدالة على رحمته، لو كان ينزل صبًّا لأهلك العالم، لكنه ينزل رذاذًا، وكونه ينزل من السماء لا يجري من الأرض، هذا أيضًا من آيات الله، لأجل أن ينتفع به سهل الأرض، وجبالها، سهولها وجبالها، ولو كان يمشي لغرق الأسفل قبل أن يصل إلى الأعلى. كذلك من آيات الله: كونه ينزل لا حارًّا ولا باردًا، ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: يجيء علينا البرَد، البرَد ذكره الله تعالى في سياق يدل على أنه نوع من الانتقام ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور ٤٣]، وإن كان الله سبحانه وتعالى قد جعله رحمة، لكن (...). ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم أن (إن) لها اسم وخبر، أين خبرها؟ * طالب: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مقدم. * الشيخ: إي نعم، وما عطف عليه. * الطالب: واسمها: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿لَآيَاتٍ﴾ هل الآيات هنا جمع؟ هل هي لكل فرد من أفراد هذه الأنواع التي عددها الله عز وجل، كل واحد فيه آيات؟ أو أن الآيات موزعة على كل نوع؟ فلكل نوع آية، فيكون في الجميع آيات؟ * طالب: يشمل هذا وهذا. * الشيخ: وأيهم أبلغ؟ * الطالب: الأبلغ أنه في كل شيء. * الشيخ: آية واحدة فقط؟ * الطالب: آيات متعددة. * الشيخ: آيات متعددة، نعم. قوله: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أرنا ثلاث آيات من هذا ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ بين لنا ثلاث آيات ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ * طالب: أولًا: في قوتها. * الشيخ: نعم، في القوة. * الطالب: ثانيًا: في وسعها. * الشيخ: في سعتها. * الطالب: وما جعل الله فيها من النجوم. * الشيخ: إي نعم، الدليل على أن السعة من آيات الله؟ وأنها من قوة الله؟ * طالب: والأرض دحاها. * الشيخ: لا لا، السماء؟ * الطالب: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. * الشيخ: نعم، ﴿بِأَيْدٍ﴾ قوة، و﴿لَمُوسِعُونَ﴾ يعني: سعة أرجائها، وكذلك ما أودع الله فيها من نجوم والكواكب والأفلاك وغيرها، وفي الأرض أيضًا في إيجاد الأرض، وتسخيرها، وتذليلها، وما فيها من الأنهار والأشجار، والجبال، والسهول وغير ذلك، كلها من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا لا، بقوة، ما هي بأيد اللي جمع يد، لا؛ لأنها ما أضيفت إلى الله، فهي مصدر (آد، يئيد، أيدًا)، كـ(باع، يبيع، بيعًا). ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلاف الليل والنهار فيه آيات، اختلافها من أي ناحية؟ * طالب: من آياته اختلافه في طوله وقصره، والبرودة.. * الشيخ: إيلاج هذا في هذا؟ * الطالب: (...) طوله في بعض المناطق (...). * الشيخ: هذا داخل في الطول والقصر. * الطالب: (...). * الشيخ: ألا يدخل في ذلك اختلاف الحوادث؟ اختلاف الحوادث: كون الله يعز أقوامًا ويذل آخرين، ويكون الخصب والرخاء أو العكس؟ * طالب: يدخل فيه. * الشيخ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]. واختلاف الليل والنهار.. * طالب: الصلاة بردو في الليل وفي النهار تختلف؟ * الشيخ: لا ما تختلف. ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ نبغي نؤاخذكم حيث قلتم: في كل واحدة آيات، نبغي من كل واحدة ثلاث آيات على الأقل، ﴿الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أخرج لنا منها ثلاث آيات؟ * طالب: جريانها على سطح البحر، وفي هذا الزمان أصلًا أيضًا.. * الشيخ: ما بعد وصلنا للزمان هذا، جريانها على سطح البحر مع أنه ماء وهي ثقيلة. * طالب: أن كونها تطفو على سطح الماء هذا من الآيات، وثاني شيء: نقل البضائع التي توجد في مكان إلى مكان لا توجد فيه هذه البضائع، الفلك هي التي.. * الشيخ: هي التي تحملها. * الطالب: (...) التي تغوص داخل الماء. * الشيخ: (...). * طالب: ما في البحر من طرقات عظيمة. * الشيخ: هذا في البحر، لكن التوصل بهذه الفلك إلى ما في البحر؛ لأنهم يصيدون فيها. * طالب: هذا ما هو قديم يا شيخ؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ما أذكر أنه قديم. * طالب: الاصطدام في البحر. * الشيخ: إيه في السفن العادية، الشراعية. * الطالب: أقول: من الآيات. * الشيخ: إيه، بس هذه من (...). * طالب: (...) الفلك يعني يراد بها كيد الأعداء تستخدم.. * الشيخ: إيه، استخدامها في الحروب، ونقل الإنسان أيضًا، الإنسان قد يكون له غرض في أنه ينتقل من قارة إلى قارة، أو من مكان إلى مكان، فهذا من الآيات. * طالب: معرفة الاتجاهات. * الشيخ: تصريف الرياح بعد، لها آيات خاصة. * طالب: كونها تمشي على البحر (...). * الشيخ: بالريح يعني؟ إي نعم، إذن الحمد لله ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أيضًا كونها بما ينفع الناس، منافع الناس ما لها حصر. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ هذا أيضًا فيه آيات: إنزال الله للماء من السماء. * طالب: أنزل الماء من السماء قطرات وليس.. * الشيخ: وليس يصب صبًّا، هذه واحدة. * طالب: إذا نزل الماء (...) تحيا ويحيا الإنسان. * الشيخ: إحياء الأرض به، لكن إحياء الأرض الظاهر إن نفس إحياء الأرض فيه آيات، إنزال المطر كونه رذاذًا، هذا من آيات الله، لاحظوا ما نريد من آيات الله الآيات الدالة على القدرة والعظمة فقط، حتى الدالة على الرحمة والدالة على الحكمة، هي من آيات الله، ولَّا لا؟ إي نعم. * طالب: تخزينه في باطن الأرض. * الشيخ: خزنه في باطن الأرض حتى إذا احتاج الناس إليه، ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، استخرجوه وانتفعوا به. * طالب: ورفع القحط عن الناس. * الشيخ: إيه، ما تدخل في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؟ * الطالب: إحياء للأرض، وهذا إحياء لما عليها، هذا إحياء لما على الأرض. * طالب آخر: كونه ينزل من أعلى. * الشيخ: نعم، كونه ينزل من أعلى وليس من أسفل، هذا أيضًا من آيات الله؛ لأنه لو كان يمشي مشيًا على الأرض أغرق الأسفل قبل أن يأتي لأعلى. * طالب: كونه حلوًا (...). * الشيخ: نعم، كونه بهذه الحلاوة، وكونه ليس باردًا ولا حارًّا، ليس باردًا برودة تؤثر على النبات ولا حارًّا. * طالب: كونه ينتح من الأرض عن طريق الشمس ثم ينزل. * الشيخ: كونه أيش؟ * الطالب: كونه ينتح نتح عن طريق الشمس يتبخر، ثم يتألف ثم ينزل، هذه من الآيات العظيمة. * الشيخ: يعني: كونه يصعد من البحر؟ * الطالب: إي نعم، ثم يتكون رذاذًا، ثم.. * الشيخ: هذا قد يسلم به، وقد لا يسلم. * الطالب: هو من آيات الله يا شيخ؟ * الشيخ: إيه، هو من آيات الله لكن بس ما هو كلها (...) هذا، أحيانًا يكون كذلك وأحيانًا لا يكون. * الطالب: إذن أيش غير هذا تكون به السحاب؟ * الشيخ: الله أعلم، بقوله: كن؛ ولهذا أحيانًا نحن نشاهد هنا في القصيم، القصيم ما هو بحوله بحار، نشاهد السماء صحوًا، ونشاهد بأعيننا تنشأ قطعة صغيرة ثم تنتشر. * الطالب: الأصل أنه من طريق التبخر يا شيخ؟ * الشيخ: الله أعلم، ما نجزم. * طالب: كونه ينزل بقدر معين، لو نزل بكثرة لأغرق.. * الشيخ: إي نعم، المهم فيه الآن أخذنا منه ثلاث آيات. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ الذي يحيا هل هو الأرض أو النبات الذي فيها؟ الذي يحيا هو النبات الذي فيها؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، قد يقول القائلون بأن في القرآن مجازًا: إن هذا من المجاز؛ حيث أطلق حياة الأرض على حياة نباتها، ونحن نرد عليهم بأن نقول: إن مثل هذا الأسلوب في اللغة العربية لا يعنى به أبدًا حياة الرمل والتراب والأحجار، وإنما يعنى به؟ * طالب: حياة (...). * الشيخ: ما فيها من الثمار والزروع، وما دام هذا معنى هذا التركيب في الأسلوب العربي بقي هذا حقيقة لا مجازًا؛ لأننا قد قررنا فيما قبل قاعدة فقلنا: إن الكلمات لا يتبين معناها إلا بالسياق، وضم بعضها إلى بعض، وكم كلمة كان لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق، نأتي لمثل (القرية)، كلمة (القرية) التي يدندن حولها من يقولون بالمجاز، نقول: القرية استعملت مرادًا بها أهلها، واستعملت مرادًا بها مساكنهم، بلفظ صريح في الموضعين، واستعملت مرادًا بها أهلها بالقرينة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت ٣١]، وأيش المراد بالقرية؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا يا إخوان، ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ المراد بها المساكن، واضح، ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ المراد بها المساكن، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج ٤٨]، وأيش المراد؟ * الطلبة: أهلها. * الشيخ: أهلها، لا شك في هذا؛ لأن الظلم لا يوصف به المساكن، المساكن ما هي تظلم، فإذن المراد بالقرية أهلها بقرينة قوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾، ولا يمكن لأي واحد أن يقول: إن المتبادر من هذا اللفظ من (القرية) المساكن، ما أحد يقول، أبدًا، وحينئذٍ ما استعملت (القرية) الآن في مجازها، استعلمت في حقيقتها؛ لأن حقيقة الكلام: ما يتبادر إلى الذهن من المعنى، هذه حقيقته، وهو يختلف باختلاف السياق. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢] هذا اللي جعلوا يضربون على وترها من يقولون: إن في القرآن مجازًا، ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ قالوا: معلوم ما هذا المراد ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ هروح للجدران أقول: يا ولد هو سرق أخو يوسف؟ أحد يعقل أن هذا هو المعنى؟! أبدًا، ما أحد يعقل هذا، ولو أن أحدًا قال: إن هذا ظاهر كلام الله، لكان بالحقيقة ساخرًا بكلام الله، فالله ما أراد هذا إطلاقًا، ولا يفهم من هذا المعنى إطلاقًا من هذا اللفظ. وبهذا تبين أن الكلمة يكون لها معنى بحسب السياق، فالمعنى المتبادر من السياق هو حقيقة الكلام، في أي تركيب كان، وحينئذٍ نقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، المراد بلا شك؟ المراد: أحيا به النبات؛ لأنه الذي يوصف بالحياة والنور، أما الأرض نفسها، فإنها رمل وأحجار وتراب، ما يحيا ولا يموت. وقوله ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فيه آيات كثيرة: آيات دالة على الرحمة، وآيات دالة على الحكمة، وآيات دالة على القدرة، آيات دالة على الرحمة بما في هذا الإحياء من المنافع العظيمة: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات ٣١، ٣٢] لمن؟ ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٣]، فكم من نعمة كثيرة في هذه الزروع التي أحياها الله تعالى بالمطر، ولَّا لا؟ لنا ولأنعامنا، قوتًا ودواءً وغير ذلك، واضح؟ هذا دال على الرحمة. فيه آيات دالة على الحكمة وهو: أن حياة هذه الزروع جاءت بسبب، وهو؟ الماء الذي نزل، فمنه نأخذ أن الله جل وعلا يخلق بحكمة، ويقدر بحكمة، الله قادر جل وعلا أن يقول للأرض: أنبتي الزرع، فتنبت بدون ماء، لكن كل شيء مقرون بسبب، فكونه جل وعلا ربط إحياء الأرض بنزول الماء وأيش يدل عليه؟ على الحكمة، وأن كل شيء له نظام خاص لا يتعداه، منذ خلق إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم. فيه آيات دالة على القدرة، وهي: أنك ترى الأرض خاشعة، هامدة، سوداء، شهباء، ما فيها شيء، فإذا أنزل الله عليها المطر بعد نحو شهر تأتي إليها تجدها تهتز أزهارًا، وأوراقًا، وأشجارًا، ﴿إِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، هذه قدرة عظيمة، واللهِ لو أن البشر كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمعوا على أن يخرجوا ورقة من حبة، ورقة واحدة من حبة، يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون، وحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، أليس هذا دليل على القدرة العظيمة؟ نعم، على القدرة العظيمة التي لا منتهى لها، إذن فيه آية على القدرة، وأيش بعد؟ والحكمة، والرحمة. قال: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ نشوف ﴿بَثَّ﴾ وأيش اللي معطوفة عليه؟ ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؟ * طالب: عطف على ﴿أَحْيَا﴾. * الشيخ: على ﴿أَحْيَا﴾؟ إذن معناها: بث الدواب بعد نزول المطر، الظاهر أنها معطوفة على قوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: وفيما بث فيها من كل دابة، وفيما بث في الأرض من كل دابة، أو في الأرض والسماء؟ ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ (كل) أتى بها للدلالة على الأنواع والأجناس، أنواع وأجناس في الأرض من الدواب ما يعلم بها إلا الذي خلقها، ما يعلم بأنواعها وأجناسها -فضلًا عن أفرادها- إلا الذي خلقها سبحانه وتعالى، يعلم هذه الأجناس، وأنواعها، وأفرادها، وأحوالها، وكل ما يصلحها، يعلمه الله عز وجل، وفيها من آيات الله الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وعلمه، وحكمته ما يبهر العقول، شوف -سبحان الله العظيم- تجد هذه الدواب المختلفة المتنوعة، والحشرات الصغيرة، كيف الله هداها لما خلقت له، ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠]، حتى إنك لترى الماء يدخل في جحر الذر، فترى الذر تخرج من هذا الجحر حاملة أولادها، ذر تحمل أولادها، ماذا ترجو من هذه الأولاد؟! لكن رحمة أرحم الراحمين جعل في قلب هذه الذرة رحمة لتحمل أولادها عن الغرق، أنا شاهدته بعيني، وأنتم إذا شئتم جربوا. * طالب: (...) قلب؟ * الشيخ: نعم، لها قلب، ولها عقل يليق بها، فالحاصل أن هذا من آيات الله عز وجل، كذلك أيضًا البهائم، السباع الضارية اللي تأكل ما دون أولادها من الحيوان، تجد أولادها اللي أكبر منها اللي هي تأكل ماذا تصنع به؟ تحنو عليه وتربيه، حتى إذا استقل بنفسه صار عدوًّا لها، أو صارت هي عدوة له، الهرة تربي أولادها، فإذا استغنوا عنها؟ طردتهم، صارت عدوة لهم، هذا من آيات الله عز وجل. في هذه الدواب التي بثها الله في الأرض من آيات الله: أنك ترى بعض الدواب تدب على الأرض، تدب، لكن ما تكاد تدرك جسمها فضلًا عن أعضائها، فضلًا عما في جوفها، ومع ذلك عائشة ولَّا لا؟ -عايشة ما هي عائشة أو لا؟ عايشة- عايشة على ما هي عليه، عايشة وتعرف مصالحها، وتعرف جحرها، وتأوي إليه، هذه من آيات الله، وعلى كل حال نحن ما نعرف الحقيقة، ما درسنا في علم الأحياء، ومن درس في علم الأحياء وجد من هذا ما يبهر العقول، فما بث الله في الأرض من الدواب من أجناسه وأنواعه هذا فيه من آيات الله ما لا يحصى؛ لأن في كل شيء منه آية، وهو لا يحصى أنواعًا أو أجناسًا، فضلًا عن أفرادًا. وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ فيه آيات، يعني: هذه الدواب العظيمة الكثيرة معلومة عند الله أو لا؟ معلومة؛ لأنه خلقها، موضوع فيها الرحمة؛ لأننا نشاهد التراحم بينها، فيها مصالح للعباد، ولَّا لا؟ نعم، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس ٧١، ٧٢]. وهنا آية أيضًا غريبة وهي: تمام قدرة الله عز وجل بخلق الضدين في الحيوان، فيه حيوان يؤذي بني آدم، وفيه حيوان ينتفع به بنو آدم، والخالق واحد، والمادة واحدة، والجنس واحد، ومع ذلك هذا منه غاية الضرر، وهذا منه منافع كثيرة، ولَّا لا؟ البعير أكبر من العقرب، معلوم؟ معلوم، العقرب تلدغ فتؤذي أو تضر، وربما تقتل، والبعير؟ تنفع، ذللها الله عز وجل، يجيء الصبي الصغير اللي يرعاها يأخذ بخطامها ويقودها إلى ما شاء، أو يستدبرها ويسوقها إلى ما شاء، وهذا لا شك أنه من آيات الله، الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة وجعل بعضها نافعًا وبعضها ضارًّا، هذا من آيات الله. * طالب: شيخ، فيها آيات ردًّا على الممثلة الذين مثلوا الله بخلقه؛ فإنها تختلف هذه الجمادات مع.. * الشيخ: إيه، مع اتفاق الاسم. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ عندي فيها قراءة ثانية: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ﴾ أما على قراءة الإفراد فالمراد الجنس، وأما على قراءة الجمع فالمراد أنواعها، ﴿تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ فيه آيات تصريف الرياح؟ إي نعم، فيه آيات كثيرة، والتصريف يشمل: تصريفها من حيث الاتجاه، تصريفها من حيث الشدة وعدمها، تصريفها من حيث المنافع وعدمها، أو لا؟ من حيث الاتجاه: جعلها الله سبحانه وتعالى متجهة: جنوبًا، وشمالًا، وغربًا، وشرقًا، هذه هي الأصول في الجهات، وهناك جهات أخرى تكون بينها وتسمى: النكبة؛ لأنها ليست على الاستقامة في الشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب، فهي نكباء، ناكبة عن الاتجاه الأصلي. هذه الرياح في تصريفها آيات، لو بقيت الريح من اتجاه واحد لأضرت بالعالم، لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدة بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى والجراثيم وغيرها، فتتقابل ويكسر بعضها بعضًا، كذلك أيضًا في تصريفها آيات بالنسبة للسحاب، فبعضها يجمع السحاب، وبعضها يفرقه، وبعضها يلقحه، وبعضها يدره، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور ٤٣]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر ٢٢] قال أهل العلم: إنها تلقح في السحاب، وتلقح أيضًا بعض النبات، بعض النبات الذي يحمل اللقاح إليه هو الرياح، في تصريف الرياح أيضًا آيات للسفن الشراعية، ولَّا لا؟ نعم، فيه أيضًا آيات في إهلاك أناس وإنجاء آخرين، ولَّا لا؟ أهلك الله به عادًا، وطرد به الأحزاب عن رسول الله ﷺ، وأنجى الله رسوله ﷺ بهذه الريح من شر الأحزاب، ففيه آيات، ومن تدبر هذا عرف ما فيها من قدرة الله، ورحمته، وعزته، وحكمته. لو أن جميع مكائن الدنيا كلها، كل مكائن الدنيا اجتمعت وصارت على أقوى ما يكون من نفث هواء، هل يمكن أن تحرك ساكنًا؟ إلا فيما حولها فقط، لكن تصل من أقصى الشمال إلى الجنوب أو العكس؟ ما تصل، والله جل وعلا: كن فيكون، تجد الرياح شديدة شمالية، وفي لحظة تنعكس وتكون جنوبية شديدة، هذا تمام القدرة العظيمة التي يدبرها الله عز وجل بأمر ما يستطيعه البشر؛ ولهذا صار تصريف الرياح آيات من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته. ثم إن في تصريفها أيضًا مصالح للسفن الجوية؛ لأن لها تأثيرًا على الطائرات، لها تأثير على الطائرات كما يقولون، وكذلك بالنسبة للسيارات ما لها تأثير؟ لها تأثير، إذن فالرياح في الحقيقة تصريفها فيه آيات من آيات الله العظيمة الكثيرة. ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ هذه من آيات الله: السحاب المسخر بين السماء والأرض، السحاب هو هذا الغمام والمزن، وسمي: سحابًا؛ لأنه ينسحب انسحابًا في الجو، ما هو بيقفز قفزًا، أنتم تشاهدون الغيم الآن يقفز قفزًا؟ لا، لكنه ينسحب انسحابًا بإذن الله، هذا السحاب المسخر المذلل والذي ذلّله خالقه جل وعلا، ذلّله لمصالح عباده، يرسله الله أحيانًا رحمة وأحيانًا نقمة، هذا السحاب المسخر المذلل بين السماء والأرض فيه آيات، آيات دالة على أي شيء؟ على القدرة، والرحمة، والحكمة، كلها موجودة في هذه الآيات، على القدرة من يستطيع أن يأتي بالسحاب؟ من؟ الله عز وجل، ما أحد يستطيع، ثم من يستطيع أن يدر منه هذا الماء؟ الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان ٣٤]. ثم من يستطيع أن يجعل هذا السحاب أحيانًا متراكمًا، متراكمًا حتى يكون مثل الجبال السود يوحش من يراه، وأحيانًا يكون خفيفًا، وأحيانًا يكون سريعًا، وأحيانًا يكون بطيئًا، وأحيانًا تراه لا يتحرك، نحن شاهدناه كثيرًا نجده مستقر ما يمشي؛ لأنه يمشي بأمر الله، فهو مسخر مذلل بأمر الله عز وجل. ثم هذا السحاب أيضًا مسخر بأمر الله، يسقي هذه الأرض ولا يسقي هذه الأرض، تجده يأتي فوق الرؤوس ويرعد ويبرق، وربما يستقر بعض الاستقرار ولا يمطر، ثم ينصرف إلى قوم آخرين، فيمطر عليهم بدون هذا الرعود والبرق؛ لأنه يؤمر، وأظنه لا يخفى عليكم -أو على أكثركم- قصة الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: «أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ.»، وهذه ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول هذا الرجل: «فَانْطَلَقْتُ فَأَفْرَغَتِ السَّحَابُ مَاءَهَا فِي حَرَّةٍ، ثُمَّ جَرَى الْوَادِي فِي شَطْرِ الْحَرَّةِ، فَأَسْقَى تِلْكَ الْحَدِيقَةِ، فَجَاءَ إِلَى صَاحِبِهَا فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا فُلَانٍ؟ قَالَ: مَاذَا تُرِيدُ؟ أَخْبَرَهُ بِاسْمِهِ، فَإِذَا هُوَ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَهُ فِي السَّحَابِ يَقُولُ: أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: إِنِّي أَقْسِمُهَا، أَوْ أُجَزِّئُهَا أَثْلَاثًا: ثُلْثٌ لِلْفِلَاحَةِ، وَثُلْثٌ لِأَوْلَادِي، وَالثُّلْثُ الثَّالِثُ أَتَصَدَّقُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٤ / ٤٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، الشاهد أن هذا السحاب ينزل ماءه بأمر الله، ويمتنع بأمر الله عز وجل، وكذلك لا يخفى عليكم ما ثبت في الصحيحين من «حديث أنس في قصة الرجل الذي جاء للرسول الله عليه الصلاة والسلام يطلب منه أن يستسقي، النبي عليه الصلاة والسلام سأل الله أن يغيثه، والسماء صحو ما فيها ولا قزعة، فأنشأ الله السحاب وانتشر، ورعد، وبرق، وأمطر، فما نزل الرسول ﷺ من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته - » سبحان الله العظيم لو اجتمع الخلق كلهم على أن يفعلوا هذا الفعل ما استطاعوا، لكن الله خلقه وسخره وأمره، فنزل، آية من آياته، وآية لصدق رسوله- «في الجمعة الثانية طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستسقي لهم فقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»، وجعل يشير بيده حوالينا، كذا، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨)، من حديث أنس رضي الله عنه.]]، انفرجت لأمر الرسول ولَّا لأمر الله؟ لأمر الله، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام موجه، مثلما هو قاسم والله معطي، الرسول موجه، لكن السحاب لو أمره الرسول ﷺ ألف مرة ولم يأمره الرب جل وعلا، ما تحرك، لكن هذا بأمر الله. هذا من تسخير الله سبحانه وتعالى لهذا السحاب المسخر، وإذا رأينا أيضًا لهذا السحاب المسخر، وأظن بعضكم ركب الطائرة، تجد هذا السحاب بعضه تحتك مثل بُعد الأرض، وبعضه فوقك مثل بُعد السحاب عن الأرض، طبقات عظيمة، كنا نظن أن السحاب قبل أن نصعد إلى الجو أن السحاب كله في طبقة واحدة، فإذا هو طبقات عظيمة متباعدة ومتباينة، وشاهدناه أيضًا في الأرض وفي الجو، شاهدناه يجتمع بعضه إلى بعض ويلتئم، وقد ذكروا لنا -أهل الدراية في هذه الأمور- أنه إذا أرعد جانب من السحاب بدأت المزن تتجمع على هذه لترعد، تتجمع بإذن الله، تشاهدونها كأن فيها مغناطيسًا يجذب هذا المتفرق من السحاب إليه، هذا أيضًا من آيات الله عز وجل. وقوله: ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما المراد بالسماء؟ السماء: السقف المرفوع، والأرض أرضنا هذه، وهذه البينية هل تقتضي الملاصقة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، فهي بينها بدون ملاصقة، أنا قصدت بهذا التقرير الرد على الذين أنكروا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٤ / ١٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، وقالوا: لو كان هذا حقيقةً.. الدليل هذا ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، وكذلك تقول: بدر بين مكة والمدينة، هذا في المكان، وبينهم؟ بينهم مسافة واضحة. * طالب: وحملها بين السماء والأرض هل بدون شيء؟ * الشيخ: إي نعم هذا أيضًا من آيات الله، حملها البحار العظيمة بين السماء والأرض، وكونه أيضًا كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور ٤٣]، هذا في الجو جبال من البرد، ولا تستغرب ذلك، لا تستغرب أن يكون فيها جبال من البرد، محمول بقدرة الله عز وجل وبأمره، وإن كان له سبب خلقه الله لحمله، لكن المهم أنه محمول بأمر الله وقدرته، نحن في العام الماضي ذهبنا في الصيف من هنا إلى الدمام، وقال لنا الطيار يتكلم بالطائرة، قال: إن درجة الحرارة خمس وعشرين تحت الصفر، وإحنا في الأرض نحترق، (...) في الصيف، لكن يجينا الحر في وسط النهار، خمس وعشرين تحت الصفر وأيش تقتضي؟ الجماد، يجمد، جماد، نحن نقول: كيف بإذن الله إذا جاء وقت الصيف وهو حر أيش لون ينزل البرد؟ وغالبًا ما يكون البرد في أيام الصيف، ولكن وجدنا أن الجو طبقات عظيمة، طبقات عظيمة، هذا الجزء من طبقات الجو اللي وصل درجة حرارته إلى خمس وعشرين تحت الصفر يقين إن الماء الذي فيه سيجمد، يكون جبال، ومع ذلك ينزله الله عز وجل كما تشاهدون ينزله حبات، حبات إذا لم يوجد له الضرر، إذا لم تقتضي الحكمة أن يضر أحدًا به، فإنه ينزل كما تشاهدون، حبات دقيقة لا تضر حيوانًا، ولا تفسد شجرًا. وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ اللام هذه للتوكيد، و﴿آيَاتٍ﴾ اسم إن منصوب بها، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * طالب: (...) أو نيابة عن (...). * الشيخ: علامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * الطالب: صحيح هذا؟ * الشيخ: لا، لازم تبين، الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنك لو تقول: كسرة ظاهرة في آخره، ظن من سمعك أن من علامات النصب الكسرة وليس كذلك. وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ عرفتم فيما سبق أن كل واحد من هذه الأنواع فيه آيات، كل واحد فيه آيات، ما هو معناها أن الآيات موزعة لكل واحد آية، كل واحد يشتمل على آيات. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ أي لهم عقول، وقد سبق لنا أن العقل ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل الرشد، عقل الإدراك هو مناط التكليف، وعقل الرشد مناط الثناء والمدح، الأول بفقده يُفْقَد التكليف، والثاني بفقده يُفقَد المدح والثناء، أيهما المراد هنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؟ يعني عقل اللي هو مناط التكليف، وهو عقل الإدراك، أو عقل مناط الثناء والمدح، وهو عقل الرشد؟ * الطلبة: الرشد. * الشيخ: الأخير، عقل الرشد، فالإنسان العاقل الذي يستعمل عقله فيما ينفعه، فيعقله عما لا ينبغي؛ لأن العقل سُمي بذلك؛ لأنه يعقل صاحبه عما لا ينبغي، فالإنسان العاقل حقًّا إذا تأمل هذه الأشياء وجد أن فيها آيات تدل على خالقها جل وعلا، وعلى موجدها، أما الإنسان المعرض فهو وإن كان عقله كبيرًا وذكائه قويًّا فإنه لا ينتفع به؛ ولهذا وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يعقلون، مع أنهم في العقل الإدراكي عقلاء ولَّا لا؟ في العقل الإدراكي الذي يدركون به ما ينفعهم ويضرهم، لكن لا يعقلون، موجود فيهم العقل هذا ولَّا لا؟ موجود، لكن نفاه الله عنهم لعدم انتفاعهم به، وعدم عقلهم الرشدي الذي يرشدهم إلى ما فيه مصلحتهم، ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * الطالب: بَثَّ معطوفة على الماء، ما تكون معطوفة على أحيا؟ * الشيخ: نعم لأنك إذا قلت: على أحيا لصار البث مرتبًا على إنزال الماء. * طالب: (...). * الشيخ: الفاء في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ مرتبة على ﴿أَنْزَلَ﴾ فإذن يكون المعطوف عليها مرتبًا على ﴿أَنْزَلَ﴾، وليس الأمر كذلك. * في الآية الكريمة: أن إله الخلق إله واحد وهو الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦٣]. * ومن فوائدها: إثبات اسم الإله والواحد لله، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨] فأثبت اسم الواحد لله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: اختصاص الألوهية بالله؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وفي التفسير أشرنا إلى وجه الإشكال بين هذه الآية وبين ما أثبت الله تعالى من ألوهية أصنام، وقلنا: إن الجمع بينهما الحق والباطل، فألوهية الله حق، وألوهية أولئك باطل. * ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الرحمن، الرحيم، الإله، والواحد، والرحمن الرحيم. * ومن فوائدها: ثبوت أو إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من الصفة والحكم، وبعض العلماء يقول: الصفة والأثر، الصفة ما هي؟ الرحمة، الصفة الرحمة، والحكم أنه يرحم بهذه الرحمة، ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. * الطالب: شيخ، أيش الصفة المشتقة من اسم الواحد؟ * الشيخ: الوحدانية. * ومن فوائد الآية: أنه قد يكون للاسم من أسماء الله معنى إذا انفرد، ومعنا إذا انضم إلى غيره؛ لأن الرحمن لو انفرد لدل على الصفة والحكم، وإذا جُمع مع الرحيم جعل الرحمن للوصف والرحيم للفعل. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: عظم خلق السموات والأرض، ما وجهه؟ * الطالب: لقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ فلولا أنه عظيم ما كان آية، فيستفاد منه عظم خلق السموات والأرض. * ومنها: أن السموات متعددة، تؤخذ من الجمع ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾. * ومنها: أن السموات مخلوقة، فهي إذن معدومة من قبل، فليست أزلية. * فيتفرع على هذه الفائدة: الرد على الفلاسفة الذين يقولون: بقدم الأفلاك، يقولون: بقدم الأفلاك يعني أنها قديمة غير مخلوقة، وأنها أزلية أبدية؛ ولهذا أنكروا انشقاق القمر، وقالوا: إن الأفلاك العلوية ما يمكن يلحقها تغيير، وفسروا قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١] بأن المراد ظهور العلم والنور برسالة النبي ﷺ، ولا شك أن هذا تحريف باطل، مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذن نستفيد من هذه الآية أيش؟ أن السموات مخلوقة، فهي إذن حادثة، ليست قديمة خلافًا للفلاسفة القائلين بقدمها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه السموات والأرض ليصل إلى الآيات التي فيها؛ لأنه قال: فيها آيات، إذن تأمل لتصل إلى هذه الآيات. * ومنها: أن الآيات في خلق السموات والأرض متنوعة بحسب ما تدل عليه من القدرة والحكمة والرحمة وما إلى ذلك، ففيها قدرة وحكمة، هذا الانتظام، وفيها رحمة للخلق. * ومنها: ما في اختلاف الليل والنهار من الآيات؛ لقوله: ﴿اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤]. * ومنها: أن اختلافهما من رحمة الله؛ لأنهما يتضمنان الرحمة والقدرة، وسبق أن اختلاف الليل يتضمن؟ اختلافهما بالطول، والقصر، والظلمة، والنور، والحر، والبرد، والنصر، والخذلان، والجدب، والخصب وغير ذلك، وكذلك أيضًا راحة الناس ومن آياته ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣] * ومن فوائدها أيضًا: ما في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من نعم الله الدالة على آياته، وسبق أن فيها آيات متنوعة. * ومنها أيضًا من فوائد الآية: ما تضمنه إنزال المطر من السماء، فيه آيات؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم فيه آيات عظيمة، كون هذه البحار العظيمة تمشي بين السماء والأرض، وتنزل رذاذًا لا صبًّا، وتنزل أيضًا بحسب أمر الله عز وجل، ما هي تمشي هكذا، تمشي بأمر الله عز وجل كما تقدم تفسيره. * ومنها: ما تضمنه قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤] من الآيات، وأظن سبق الكلام عليها، فهي آيات عظيمة دالة على كمال القدرة، والرحمة، والعظمة، وعلى إحياء الله تعالى الموتى. * ومن فوائد الآية أيضًا: ما تضمنه قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ نشر وفرق من كل دابة، كم عددها؟ ما يُعلم عدها، عَدُّ أجناسها فضلًا عن أنواعها، فضلًا عن أفرادها، هذه الدواب العظيمة المختلفة كِبَرًا وصِغَرًا، ونفعًا وضررًا إلى آخره كلها من آيات الله عز وجل، تجد العقرب تلسعك وهي كبر الأصبع، وتؤذيك، والناقة وهي أكبر من خمسة رجال تنفعك ومسخرة مذللة لك، فهذا من آيات الله عز وجل، وكذلك سبق لنا أيضًا في التفسير إن فيها من آيات الله ما أعطاه الله تعالى من الهداية لما خلقت له، وأن هذه الدواب التي لا تكاد تراها صِغَرًا مهدية شو له؟ لما خلقت له. * ومن فوائد الآية أيضًا: ما في تصريف الرياح من الآيات، وفيها قراءة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ﴾ ، تصريف الرياح إلى جنوب، وشمال، وشرق، وغرب، وبين ذلك، بس؟ وشدة، وقوة، وعكس ذلك، وكذلك أيضًا منافع؛ لأنها تختلف منافعها، ففي كل هذا آيات من آيات الله عز وجل، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يأتوا بمثل العاصفة التي أصابتنا ليلة الجمعة حتى قلبت الجو من الحر إلى البرد يستطيعون؟ أبدًا ما يستطيعون، كل آلاتهم ما يستطيعون، وهذا أمسينا ونحن في حر وأصبحنا في برد -الله أكبر-. * ومن فوائد الآية: ما في السحاب المسخر بين السماء والأرض من الآيات العظيمة، ففيه؟ السحاب المسخر، إنه مسخر مذلل لأيش؟ لمصالح الخلق، يمشي بإذن الله، ويمطر بإذن الله، ويُقْلِع بإذن الله نعم؟ وهو سحاب، جماد، لكنه يفهم ما يؤمر به، ويمتثل ما يؤمر به ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١] ماذا قالتا؟ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] وهما جماد، وقيل لابن آدم: اسجد وصل. فقال: ما أنا بساجد ولا مصل. وهو إنسان له إرادة، شوف الفرق، هذا السحاب المسخر بين السماء والأرض فيه من آيات الله عز وجل ما يبهر العقول، والعالمون بهذه الأمور أكثر منا اطلاعًا على هذا الأمر. * ومن فوائد الآية: مدح العقل، وأن به يستظهر الإنسان الآيات التي تزيده إيمانًا ويقينًا، لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٦٤]، طيب آيات على أيش؟ قلنا: على كل ما تضمنته من الدلالات على ما لله عز وجل من أين؟ من القدرة، والعظمة، والحكمة، والرحمة وغير ذلك، فإنه يستدل بالأثر على المُؤَثِّر، ولله المثل الأعلى، لو أنك وجدت قصرًا محكمًا في بنائه، وفي شكله، وفي كل أحواله استدللت به على أيش؟ على أن بَنْيَهُ له علم، ومعرفة، واطلاع، حنكة، فكذلك هذه السماء والأرض، وما ذكر الله في هذه الآيات، والمراد بالعقل هنا تقدم أن المراد؟ * الطلبة: الرشد. * الشيخ: إي نعم، عقل الرشد الذي يهتدي به الإنسان، أما العقل الذي هو ضد الجنون وهو عقل الإدراك الذي يناط به التكليف فهذا قد لا يفهم الإنسان ما فيها من الآيات، ولو كان عاقلًا بهذا المعنى.

البقرة 2:164

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (من) هذه للتبعيض، يعني: بعض شعائر الله، والشعائر جمع شعيرة، وهي التي تكون علمًا في الدين، يعني من معالم الدين. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من معالم دينه؛ لأن العبادات منها خفية بين الإنسان وبين ربه، ومنها أشياء تكون علمًا، علمًا ظاهرًا بينًا، وهي الشعائر، وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر، بل المراد الطواف بهما من الشعائر؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أضيفت الشعائر إلى الله؛ لأنه هو الذي شرعها، وأثبتها وجعلها طريقًا موصلًا إليه. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ حج في اللغة بمعنى: قصد، و﴿الْبَيْتَ﴾ (أل) للعهد الذهني، والمراد به بيت الله وهو الكعبة، و﴿حَجَّ الْبَيْتَ﴾ قصده لأداء المناسك، وليس قصدًا مطلقا بل القصد لأداء المناسك ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾. وقوله: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ العمرة في اللغة الزيارة، ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ العمرة: الزيارة، والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة، وقوله: ﴿مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ (أو) هنا للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجًّا، وإما أن يكون معتمرًا. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إعراب ﴿لَا جُنَاحَ﴾ (لا) نافية للجنس، و(جناح) اسمها، وخبرها (أن) وما دخلت عليه، أي: لا جناح عليه في الطواف بهما، أو في التطوف بهما، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ الجناح هو الإثم، يعني: فلا إثم عليه في أن يتطوف بهما، وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ أصلها: يتطوف، ولكنه قلبت التاء طاءً لعلة تصريفية فصار: أن يطوف، وقوله: ﴿بِهِمَا﴾ المراد: بينهما، كما تفسره سنة النبي ﷺ، وليس المراد أن يطوف بهما: يدور عليهما كما يطوف بالبيت العتيق، فإن هذا قطعًا لا يراد؛ لأنه شيء غير ممكن، والسنة تفسر القرآن. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قد يبدو في الآية شيء من التعارض، فإنه قال: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ومعلوم أنه إذا كان الصفا والمروة من شعائر الله، فإنه لا يقتصر على نفي الجناح في الطواف بهما، بل إنما يؤمر بالطواف بهما ما دام ذلك من شعائر الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج ٣٢]؛ ولهذا أشكل على بعض التابعين هذه المسألة وسأل عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كيف قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؟ فسأل السائل قال: أرى أن الرجل لو حج أو اعتمر فلم يطف بهما، فليس عليه من بأس، ولكن عائشة رضي الله عنها ردت عليه وقالت: لو كان هذا هو المراد؛ لكان يقول الله عز وجل: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧ / ٢٥٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وصدقت رضي الله عنها؛ لأنها إذا كانت من شعائر الله فمقتضى كونها من الشعائر أن يطاف بها وتعظم، ولو كان ترك الطواف بهما جائزًا لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. ثم بينت رضي الله عنها السبب في أن الله قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ وهو: أن أناسًا من الأنصار يُهِلون لمناة الطاغية، مناة اللي ذكرها في القرآن، وهي في المشلل -مكان قرب مكة- فيُهِلون لها، فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وعلى هذا فيكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج، وليس لبيان أصل الحكم، أفهمتم الآن؟ وعلى هذا فلا يكون في الآية أولها وآخرها شيء من التضارب أو التعارض؛ لأن المراد بالنفي هنا أيش؟ نفي ما وقع في نفوسهم من التحرج، فبين الله تعالى أنه ليس هناك تحرج؛ لأنها من شعائر الله. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قلنا: معنى يطوف بهما أي: بينهما؛ لأن الطواف في الأصل بمعنى التردد، ومنه قول رسول الله ﷺ في الهرة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]]. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ فيه أيضًا سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما، وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، يطوفون بهما ويطوفون بالبيت أيضًا، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فقالوا: لو كان ذلك جائزًا لذكره الله عز وجل، ولكنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فاهمين هذا السبب؟ يقولون: إن هذا من أعمال الجاهلية، والطواف بالبيت أيضًا معروف من قبل، فذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فأنزل الله هذه الآية. وفيه أيضًا سبب ثالث: وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف ونائلة، وقيل: إنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في جوف الكعبة -والعياذ بالله- فمسخهما الله حجارة، فكان من جهل العرب قالوا: هؤلاء مسخوا حجارة إذن لا بد أن هناك سرًّا وسببًا، أخرجوهم عن الكعبة، خلوهم على الجبلين ونبدأ نطوف بهم ونمسحهم، نمسحهما، وعلى هذا يقول أبو طالب: وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ∗∗∗ بِمَفْضَى السّيُولِ مِنْ إِسَافٍوَنَائِلِ يريد هذا، ومفضى السيول: مجرى الوادي المعروف اللي يكون بين الصفا والمروة، فالحاصل أن هذا ثلاثة أسباب في نزول الآية، وأصحها السبب الأول. * طالب: ما يصير الأوسط؟ * الشيخ: لا، الأول ثابت في صحيح البخاري. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فيه قراءة: ﴿وَمَن يَطَّوَّعْ خَيْرًا﴾ على أن تكون تَطَوَّع فعلًا مضارعًا، يَطَّوَّع وأصلها يَتَطَوَّع، فأدغمت أيش؟ فقلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء الثانية. وقوله: ﴿تَطَوَّعَ﴾ معناها فعل الطاعة، ويشمل الواجب والمستحب؟ نعم، يشمل الواجب والمستحب، وتخصيص التطوع بالمستحب هذا اصطلاح فقهي، أما في الشرع فإنه يشمل الواجب والمستحب. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ﴿خَيْرًا﴾ هذه يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول أن تكون منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم، والوجه الثاني: أن تكون مفعولًا لأجله أي: طلبًا للخير، ﴿تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: لأجل الخير وطلبه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ هذه (من) شرطية، و﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل الشرط، و﴿يَطَّوَّعْ﴾ أيضًا فعل الشرط، لكن ﴿يَطَّوَّعْ﴾ تسلط العامل على اللفظ فجزمه، و﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل ماض ما يتسلط على لفظه، أين جواب الشرط؟ جملة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، الجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعني: لقصد الخير، أو تطوع بخير، أي: زائدًا عن الواجب أو هو الواجب والمستحب، كما هو لغة القرآن والحديث. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَاكِرٌ﴾ الله يشكر سبحانه وتعالى؟ نعم، الله تعالى شاكر وشكور؛ لأنه يعطي على العمل أكثر من العمل وهذا شكر ولَّا لا؟ نعم، هذا شكر، يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذا غاية الشكر، لو أن أحدًا أحسن إليك وأعطيته أكثر مما أعطاك تُعَد شاكرًا له؟ نعم، تعد شاكرًا له، بل إن الناس الآن لو قال الْمُحْسَن إليه: شكرًا، يعتبرونه شاكرًا ولَّا لا؟ يعتبرونه شاكرًا حتى باللفظ، فكيف بجزاء الله عز وجل الذي لا منتهى له، «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. وقوله: ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ قرن العلم بالشكر لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع، فإنه معلوم عند الله، معلوم عند الله لا يمكن أن يضيع منه شيء، فإذا علم أن الله تعالى شاكر وأنه عليم، فإن العامل سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله سبحانه وتعالى سيجزيه على عمله بما وعده به، يعني: لو قال قائل: ما مناسبة جواب الشرط للشرط؟ ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: شيخ، وإذا كان الله شاكرًا عليمًا، فما علاقة شكر الله تعالى وعلمه بتطوعنا بالخير؟ * طالب: الجزاء. * الشيخ: إي نعم، الجزاء؛ نقول: الجزاء؛ لأننا نحن نطيع الله، تطوع يعني نفعل الطاعة، نحن نطيع الله عز وجل، والله تعالى يشكر لنا هذه الطاعة ويعطينا أكثر من عملنا. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ -نعوذ بالله-. * طالب: هل يصلح ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ تصلح اسم موصول؟ * الشيخ: لا. * الطالب: والذي يتطوع خيرًا. * الشيخ: لا، (من) شرطية، شرطية؛ لأن فيها الجواب ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾، ثم القراءة الثانية ﴿وَمَنْ يَطَّوَّعْ﴾ واضح مجزومة. * طالب: (...). * الشيخ: اسم الموصول ما يجزم الفعل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يصح (...). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ هذه (إن) واسمها ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، أين خبرها؟ ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ -والعياذ بالله-، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أي: يجحدون ما أنزلنا من البينات والهدى، الكتم بمعنى الإخفاء والجحد وعدم البيان، ولكنه لا يكون كتمًا إلا حيث دعت الحاجة إلى البيان، إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، فمتى دعت الحاجة إلى البيان -بلسان الحال أو المقال- وأخفى الإنسان الحق صار، ويش صار؟ كاتمًا له، بلسان الحال أن ترى إنسانًا يعمل عملًا ليس على الوجه المرضي، هذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق، أفهمتم؟ لسان المقال أن يسألك سائل عن علم وأنت تعلمه، فيجب عليك أن تبلغه، يجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم، أما إذا كنت لا تعلم، فإنه يجب أن تقول: لا أدري، أو: لا أعلم، لكن الكتم إذن كتم ما أنزل الله هو إخفاؤه حين تدعو الحاجة إلى بيانه بلسان الحال أو بلسان المقال، كذلك لو رأيت الناس عمّ فيهم الجهل في مسألة من أمور الدين، فهنا الحاجة داعية إلى البيان يجب أن تبين. * طالب: إذا خفت أصير كاتم. * الشيخ: تكون كاتمًا، لكن قد نقول: إن هذا جائز لك، قد نقول: جائز، ولكنه الخوف إذا كان عدم بيانك للحق يؤدي إلى ضياع الحق، فلا يجوز أن تكتم، ما يجوز تكتم، مثل ما فعل أحمد بن حنبل رحمه الله، فإنه كان لا شك خائفًا على نفسه، ومع ذلك بين، لكنه إنسان يطلب منه شخصيًّا أن يبين ولا يترتب على ذلك ضلال الناس، فله الحق في أن يتأول. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾ يعني: أظهرناه، و﴿لِلنَّاسِ﴾ عمومًا المؤمن والكافر، فإن الله تعالى بيَّن الحق لعموم الناس، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، فكل الناس قد بين الله لهم الحق، لكن منهم من اهتدى، ومنهم من بقي على ضلاله. وقوله تعالى: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ المراد به جميع الكتب، فهو للجنس، وقد سبق لنا أنه ما من نبي إلا ومعه كتاب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ البيان ينقسم إلى قسمين: بيان مفصل، وبيان مجمل، فالمجمل هي: القواعد العامة في الشريعة، والمفصل هو: أن يتكلم أو أن يذكر الله تعالى قضية معينة مفصلة، فمثل آيات الفرائض في الأحكام مفصلة ولَّا لا؟ * طالب: مفصلة. * الشيخ: مفصلة مبينة لا يشذ عنها إلا مسائل قليلة، وهناك آيات مجملة عامة مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، ما قال: أوفوا بعقد البيع والنكاح والرهن والإجارة وما أشبه ذلك، عامة، فهو بيان عام. المحرمات في النكاح مفصل ولَّا مقعد قواعد عامة؟ * طالب: قواعد. * الشيخ: مفصل، المحرمات في النكاح مفصل، كذلك بعض القصص يذكرها الله تعالى مفصلة، وأحيانا مجملة وكل هذا يعتبر بيانًا. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَلْعَنُهُمُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يطردهم ويبعدهم عن رحمته؛ لأن اللعن في اللغة الطرد والإبعاد، وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: يسألون لهم اللعنة، وهم أيضًا بأنفسهم يبغضونهم ويعادونهم، وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ قد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل؛ لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون، فهذا تحصيل حاصل، فيقال: لا؛ لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائمًا به على الوجه الأكمل، قد تقول: قام القائمون بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه، فمعنى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها، هذا معنى ﴿اللَّاعِنُونَ﴾، وليس معنى قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: من قال لعنهم الله، فهو المراد؛ لأن هذا تحصيل حاصل، ولكن معنى ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ أي: ذوو اللعن الذين يعرفون مستحق اللعنة ويوجهونها إليه، فهم ذوو علم بالمستحق، وذوو حكمة في توجيه اللعنة إليه. إذن هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى مع ظهوره وبيانه يستحقون هذا الجزاء -والعياذ بالله- الوخيم من الله ومن عباد الله، عكس ذلك الذين يبينون الحق -ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- الذين يبينون الحق، ماذا يكون لهم؟ يكون لهم المودة والمحبة من الله ومن أولياء الله، وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل: «أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]؛ لأن الذي يبين شريعة الله يلقي الله تعالى في قلوب عباده مودته ومحبته والقبول له حتى في السماء؛ فلهذا يكون عكس هؤلاء الذين يكتمون. ونحن نعلم ذلك وإن لم يرد به نص خاص عن طريق القياس الجلي، وجه ذلك: إذا كان الله تعالى يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه ومن عباده، أفليس -وهو الذي سبقت رحمته غضبه- أفليس من يبينون الهدى والبينات، أفليس من يستحقون أن يكون الله تعالى يثني عليهم بدل اللعنة، ويقربهم بدل البُعد وكذلك أولياؤه؟ الجواب: بلى؛ لأنا نعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، فإذا كان غضبه يستحق هذا الكاتم ما ذكره، فإن رحمته تستحق خلاف ذلك فيمن بين ووضح. قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الاستثناء هنا متصل ولا منقطع؟ * طالب: متصل. * الشيخ: متصل؛ لأنه استثناء من الكاتمين، يعني: إلا إذا تابوا، فالاستثناء متصل ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. * طالب: كيف تعرف الفرق بينهما؟ * الشيخ: المتصل والمنقطع إن كان من جنس المستثنى منه فإنه متصل، وإن كان من غيره فهو منقطع، وكذلك أيضًا المنقطع يقدر بدل (إلّا) (لكن). قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ والتوبة: الرجوع، في اللغة، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وشروطها كم؟ * طالب: خمسة. * الشيخ: خمسة، شروطها خمسة، التوبة شروطها خمسة في حق الله وحق الناس، الشرط الأول؟ * طالب: أن يعزم على أن لا يرجع إلى المعصية. * الشيخ: لا، ما هو بشرط، ابدأ من الأول؟ * الطالب: أن يقلع عن المعصية. * الشيخ: لا. * طالب: الإخلاص لله. * الشيخ: الإخلاص لله، هذه واحدة، بأن لا يحمله على التوبة خوف مخلوق أو رجاء مخلوق أو علو إلى مرتبة أو ما أشبه ذلك. والشرط الثاني؟ * طالب: العزم على أن لا يعود.. * الشيخ: لا، قبل، إحنا ودنا بالترتيب؟ * طالب: الندم. * الشيخ: الندم على ما جرى منه من الذنب، ويش معنى الندم؟ إذا قال قائل: كيف يندم الواحد شو؟ الإنسان يمكن يحط بنفسه ندم نقول: نعم، يتحسف ويتحسر أن وقع منه هذا العمل، هذا الندم على ما فعل من الذنب. الشرط الثالث؟ * طالب: الإقلاع. * الشيخ: الإقلاع عن الذنب، وهذا يدخل فيه أداء حقوق العباد إليهم؛ لأن من لم يؤد الحق إلى العباد ما أقلع، فهو ليس شرطًا مستقلًا، كما قاله بعض العلماء، ولكنه شرط داخل في الإقلاع؛ إذ إن من لم يؤد الحق إلى أهله لم يقلع عن الذنب، فلا بد إذن من الإقلاع عن الذنب. الشرط الرابع؟ * طالب: أن يعزم على أن لا يعود. * الشيخ: الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن لم يعزم فلا توبة. الشرط الخامس؟ * طالب: أن يندم على ما فعل. * الشيخ: قلناها، اتركها، لا تجيبها. * طالب: أن يستخلص (...). * الشيخ: قلنا هذا، يدخل فيه الإقلاع. * طالب: ممكن نقول: أن يعمل صالحًا. * الشيخ: لا. * طالب: رد الوادائع. * الشيخ: هذا الرد الإقلاع. * طالب: أن تقع في موقعها في الوقت. * الشيخ: في الوقت التي تقبل فيه، أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، يعني أن تكون في وقت قبول التوبة، فإن كانت في غير وقتها فإنها لا تقبل، وهو عام وخاص، الخاص: الغرغرة عند الموت ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، والعام: طلوع الشمس من مغربها فلا يقبل بعده توبة، إذن فشروط التوبة تكون خمسة. هذه التوبة، وقد سبق لنا هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ وذكرنا في هذا للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أنها تصح، والثاني: تصح إن كان الذنب من غير الجنس، والثالث: لا تصح، والصحيح أنها تصح، التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق، فلا يستحق وصف التائب ولا يدخل في مدح التائبين، لماذا؟ لأن توبته مقيدة من هذا العمل المعين، مثال ذلك: تاب رجل من الزنا، لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم تصح توبته من الزنا؟ تصح على القول الراجح، لكن ما يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق، وعلى القول بأنه تصح إذا كانت من غير الجنس ما تصح، تاب من الزنا مع الإصرار على الربا؟ تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه، إلا على القول الثالث الذين يقولون: لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب. قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ شوف عظم الكتمان، ذكر الله لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، الإصلاح؛ لأن كتمهم لما أنزل الله يتضمن إفسادًا في الأرض وإضلالًا للخلق، فتوبتهم منه ما تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: ما هو بهذا الرسول الذي سيبعث، كم سيضل من الناس بناء على قولهم؟ يضل منهم عالم، ما يكفي أن يتوبوا ويندموا ويقلعوا ويسلموا حتى يصلحوا ما فسدوا، الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق لا بد أن يصلحوها، وإلا ما تتم التوبة، وقال: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ (بينوا) ويش معنى بينوا؟ أي: أظهروا الحق، ولا يكفي أن يمتنعوا عن الكتمان، بل لا بد أن يكون مقابل الكتمان أيش؟ بيان، بيان وإظهار حتى تزول الآثار التي ترتبت على هذا الكتمان، وفي هذا دليل على عظم العلم، وأنه حمل ثقيل وعبء عظيم على من تحمله، وأن الإنسان على خطر منه إذا لم يقم بواجبه من البيان، وتقدم لنا أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون عنه إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال. * طالب: شيخ ما الفرق بين الإصلاح والبيان؟ * الشيخ: الإصلاح أنهم يحاولون، هؤلاء الذين ضلوا بسببهم، يذهبون إليهم وينصحونهم ويبينون لهم الحق، والبيان على سبيل العموم. * طالب: ولا يقال: إن الإصلاح للنفس والبيان؟ * الشيخ: إصلاح النفس من هذا النوع، والظاهر أن الإصلاح إصلاح غيره. * طالب: الإصلاح يختص بالنفس ولا عام، يعني حالهم يصلحون لو الناس (...)؟ * الشيخ: الآية كما ترونها مطلقة، والذنب الذي حصل مقيد وهو الكتمان، فلا شك أنه يدخل فيه إصلاح ما فسد بكتمانهم، هذا دخول أولي، أما غيره فهو محل شك. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المشار إليهم من؟ ﴿الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾، ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان: أحدهما: توفيقه للتوبة، توفيق العبد للتوبة، والثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]. وقوله: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾ (التواب) صيغة مبالغة أو صيغة نسبة أيهما؟ * طالب: صيغة مبالغة. * الشيخ: صيغة مبالغة ونسبة في الحقيقة؛ لأن فعال تأتي للمبالغة وتأتي للنسبة، فإن قيدت بمعمول فهي للمبالغة، وإن أطلقت فإنها للنسبة، أو نقول: هي للمبالغة والنسبة في كل حال، يعني تصلح لهذا ولهذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٤٧)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. ]]، هذه صيغة مبالغة، يعني: كثير الضرب للنساء؛ ولهذا في لفظ آخر: «لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.]]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] هذه؟ * طالب: مبالغة. * الشيخ: لا، هذه نسبة، يتعين أن تكون نسبة؛ لأنك لو قلت: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾: إنها مبالغة، لكان المنفي المبالغة في الظلم، وأما أصل الظلم فليس بمنفي، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذن ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ نقول: هنا (ظلّام) صيغة مبالغة فقط ما تصح نسبة، هنا (التواب). * طالب: .(...) * الشيخ: غلط، صيغة نسبة وليست صيغة مبالغة، نعم، (التواب) تصلح للأمرين جميعًا، فهو سبحانه وتعالى موصوف بالتواب، وهو ذو توبة على جميع العباد، وكذلك موصوف بكثرة التوبة، بكثرة توبته سبحانه وتعالى وكثرة من يتوب عليهم، كم يفعل الإنسان من ذنب فيتوب ويتوب الله عليه؟ كثير، وكم من أناس أذنبوا فتابوا فتاب الله عليهم؟ كثير؛ ولهذا جاءت (التواب). وقوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾ جمع بين التوبة والرحمة؛ لأن بالرحمة الإحسان وبالتوبة زوال العقوبة، فجمع الله بينهما فهو يتوب، وإذا تاب سبحانه وتعالى رحم التائب، ويسره لليسرى، وسهل له أمور الخير، فحصل على الخير العظيم. وفي هذه الآية التفات ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فيها التفات، من أين؟ * طالب: قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾، (...) الخطاب (...). * الشيخ: وين الخطاب؟ * الطالب: يعني في خطاب المتكلم.. أو الغيبة. * طالب آخر: عن الغيبة. * الشيخ: لا، وين الغيبة؟ * الطالب: يتوب الله عليه. * الشيخ: وين يتوب الله عليه؟ * الطالب: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ للمتكلم، و(أنا) للمتكلم أيضًا. * طالب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ هذه هي الغيبة. * الشيخ: (...)، ما يعود على الله، ما يعود على الله حتى نقول: هذه التفات. * طالب: بس السياق يقتضي أن يقول: يتوب الله عليهم. * الشيخ: ولا يقتضي ولا شيء. * الشيخ: نوسع لكم شيء، في هذه الآية مع التي قبلها التفات؟ * طالب: الأولى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّه﴾ وهذه يقول: ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. * الشيخ: لا بأس، هذه أنتم فتحتوها علي، ولا ما هي عندي، فيها التفات مع الآية التي قبلها مرتين، التفات مرتين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة ١٥٩] هذه بصيغة التعظيم، ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ ما قال: ما أنزلت، فأولئك (...) يصرخ حتى يفز الواحد، هذا من باب التنبيه، فكما يكون التنبيه في الصوت يكون أيضًا في صيغة السياق، إذن ما هي الفائدة في الالتفات في هذه الآيتين؟ نقول: ﴿فَأُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ هذا من باب التعظيم، الالتفات هنا للتعظيم، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، وأمر الملك بكذا وكذا وهو يعني نفسه، فـ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أضاف الله تعالى اللعنة إليه بصيغة الغائب تعظيمًا، تعظيمًا لنفسه سبحانه وتعالى، وهو أبلغ من تعظيم الضمير ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ ولذا جاء في العقوبة. وأما قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فإن المقام مقام رحمة وعطف ولين؛ ولهذا -والله أعلم- جاءت بصيغة الإفراد ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ لأنه من رحمته تبارك وتعالى بهم صار يخبر عن ثوابهم بغير صيغة العظمة الدالة على القوة والبطش، هذا ما ظهر لنا، والعلم عند الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ تقدم لنا مرارًا: أن رحمة الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، حقيقة ولَّا مجازًا؟ حقيقة، وليس المراد بها الإحسان، ولا إرادة الإحسان، فإن إرادة الإحسان والإحسان من آثار الرحمة، بل الرحمة صفة حقيقية وليست كرحمتنا، وقول من أنكر صفة الرحمة حقيقة: إن الرحمة معناه الرقة واللين، والله عز وجل منزه عن ذلك، نقول: هذه رحمة من؟ رحمة المخلوق، ثم إننا قد نمنع بأن الرحمة في كل مواضعها للرقة واللين، فإن من الملوك الجبابرة من يرحمون ومع ذلك ما يقال: إنهم صاروا أوضع من المرحوم. فعلى كل حال نقول: إن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وجميع صفات النقص التي تستلزمها بالنسبة للمخلوقين منتفية عن الله عز وجل، وسبق لنا أيضًا مرارًا: أن رحمة الله تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة لجميع الخلق، والخاصة بالمؤمنين. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. الآيتان قبلها في العلماء الذين كتموا الحق، وهذه في الكفار الذين استكبروا عن الحق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الكفر في اللغة بمعنى الستر، ومنه كافور النخلة لستره الطلع، والمراد به في القرآن والسنة، المراد به: جحد ما يجب لله تعالى من الطاعة والانقياد، وهو نوعان: إما تكذيب وإما استكبار. وقوله: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ﴿وَمَاتُوا﴾ معطوفة على ﴿كَفَرُوا﴾، فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول التي لا محل لها، وقوله: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الجملة حال من الفاعل في ﴿مَاتُوا﴾، يعني: أنهم -والعياذ بالله- استمروا على كفرهم إلى الموت، فلم ينزعوا عن الكفر ولم يتوبوا ولم يرجعوا، أين جواب (إن)؟ جملة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ (أولاء) مبتدأ، و(عليهم) جار ومجرور، أولاء؟ إذن (أولاء) مبتدأ و(عليهم) جار ومجرور خبر مقدم لـ(لعنة)، و(لعنة) مبتدأ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول (أولئك)، والجملة من المبتدأ الأول وخبره خبر (إن). ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أي: طرده وإبعاده عن رحمته، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ أي: ولعنة الملائكة، والملائكة تقدم أنهم عالم غيبي محجوبون عن الأعين وربما نراهم، وأنهم خلقوا من نور، وأنهم عباد لله عز وجل ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وأنهم خلقوا من نور ولا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صُمْد لا يأكلون ولا يشربون. وسبق لنا أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لهم وظائف وأعمال خصهم الله تعالى بها، وأن إسرافيل وميكائيل وجبرائيل موكلون بما فيه الحياة؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]؛ لأن هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة، والبعث من النوم حياة؛ فلهذا ناسب أن يكون هذا الاستفتاح في أول عمل يعمله الإنسان بعد أن توفاه الله تعالى بالنوم، وهؤلاء الثلاثة أحدهم مكلف بما فيه حياة القلوب وهو جبريل، والثاني بما فيه حياة الأبدان وهو إسرافيل، والثالث بما فيه حياة النبات وهو ميكائيل، وأفضلهم؟ جبريل؛ ولهذا امتدحه الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠]، وبقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧]، فجبريل أفضل الملائكة على الإطلاق. قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: عليهم لعنة الناس أجمعين، يلعنهم الناس -والعياذ بالله- ويمقتونهم ولا سيما في يوم القيامة، فإن هؤلاء يكونون مبغضين عند جميع الخلق وهم أعداء الله سبحانه وتعالى. * طالب: إسرافيل وميكائيل كيف هذا موكل بحياة الأبدان وهذا موكل بحياة النبات؟ * الشيخ: إسرافيل موكل بحياة الأبدان؛ لأنه موكل بالنفخ في الصور، ينفخ في الصور يوم القيامة، فتتطاير الأرواح منه إلى أجسادهم، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، قطر المطر، والنبات نبات الأرض، وهذا حياة. * طالب: أليس حياة للإنسان والحيوان لماذا خصصناه بالنبات؟ الماء أليس حياة للإنسان والحيوان أيضًا؟ * الشيخ: بلى. * الطالب: لماذا خصصناه بأنه مخصص بحياة النبات؟ * الشيخ: هكذا جاء به الحديث، أنه موكل بالقطر والنبات[[أخرجه أحمد في المسند (٢٤٨٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر.]]. * طالب: شيخ، الأرواح داخل الصور؟ الأرواح ضمن الصور الذي ينفخ فيه؟ * الشيخ: الله أعلم، هل هي ضمن الصور من الآن، أو أنها تدخل فيما بعد؟ كما يدل على ذلك حديث: «أن أرواح المؤمنين في الجنة، وأن أرواح الشهداء معلقة في قناديل تحت العرش »[[أخرجه مسلم (١٨٨٧ / ١٢١)، بلفظ: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فهذا يدل على أنها تجتمع فيه عند النفخ. * طالب: لعنة الملائكة كيف؟ يدعون عليهم باللعنة وأنهم.. * الشيخ: يشمل الأمرين الدعاء عليهم باللعنة وكونهم أيضًا يبغضونهم وينكرونهم، فإن هذا من اللعن. * طالب: كذلك الناس؟ * الشيخ: وكذلك الناس. قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في هذه اللعنة -والعياذ بالله- والمراد فيما يترتب عليها، فإنهم خالدون في النار التي تكون من ثمرات اللعنة ونتائجها. وقال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ والعذاب تثقيلًا وتخفيفًا من أين؟ من الله عز وجل، لكنه جل وعلا لم يضفه إلى نفسه؛ لأن الشر ليس إليه؛ ولهذا قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، لما جاء الخير أضاف الإرادة إلى الله، ولما كان ذاك الشر قال: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا من باب تعظيم الله عز وجل أن لا ينسب الشر إليه وإن كان بتقديره، لكن لا ينسب إليه، فهنا وإن كان العقاب لهؤلاء بتقديره، لكنه لا ينسب إليه؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ ولم يقل: لا نخفف. وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿يُنْظَرُونَ﴾؟ أي: يمهلون، يعني: ما يمهلون بل يؤخذون بالعقاب، ويحتمل أن المراد ﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: بالعين، فلا ينظرون نظر رحمة، نظر رحمة وعناية بهم، وهذا قد يؤيَّد بقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، فإن هذا من احتقارهم وازدرائهم أنهم يوبخون بهذا القول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، وهم أيضًا لا ينظرون فلا يمهلون، يؤخذون بالعذاب -والعياذ بالله- من حين ما يموتون وهم في العذاب، ثم قال.. * طالب: ﴿النَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (...)؟ * الشيخ: ربما أنه يدخل فيها الناس عمومًا؛ لأنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم ببعض. * طالب: شيخ، العذاب أحيانًا ينسب إلى الله تعالى؟ * الشيخ: إي نعم، ينسب إليه، لكن تخفيف العذاب غير مسألة العذاب، العذاب على سبيل الإطلاق عدل، وكذلك عدم التخفيف عدل، لكنه ما ينسب إلى الله. ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إِلَهُكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لجميع الناس، وهو مبتدأ، و﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و﴿وَاحِدٌ﴾ صفة لـ﴿إِلَهٌ﴾، يعني: أن إله الخلق إله واحد، والمراد بالإله: المعبود، لكن هنا المراد به: المعبود بحق، وإلا فالأصل أن الإله يطلق على كل ما عبد بحق أو بباطل، لكن هنا المراد به: إلهكم الحق إله واحد، أما معبوداتكم فإنها -وإن سميتموها آلهة- فإنها لا تستحق أن تكون آلهة، كما هو معلوم؛ لأنها لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تدفع. وقوله: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وحدانيته بالألوهية تستلزم وحدانيته بالربوبية، فهو إله واحد ورب واحد سبحانه وتعالى، والمدبر للكون كله المالك للكون كله، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذه جملة تأكيد للتي قبلها، هذه جملة تأكيد، فإنه لما أثبت أنه إله واحد نفى أن يكون معه إله، وهي في المعنى توكيد لما قبلها. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (لا) نافية للجنس، و﴿إِلَهَ﴾ اسمها، أين خبرها؟ محذوف، والتقدير: حق، لا إله حق إلا هو، وعلى هذا فتكون (إلا) أداة استثناء، و(هو) خبر (لا) ولّا بدل من خبر (لا)؟ الجواب: هي بدل من خبر (لا)، ويدل لذلك قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فرفعها لتكون بدلًا من خبر (لا) النافية للجنس، وزعم بعض المعربين إلى أن ﴿اللَّهُ﴾ هي خبر (لا)، وكذا يكون ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هي خبر (لا)، وهذا مبني على قول من لا يشترط أن يكون معمولها نكرتين، والمشهور عند النحويين أنه يشترط في (لا) النافية للجنس أن يكون معمولها نكرتين، قال ابن مالك في هذا؟ * طالب: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَهْ ∗∗∗ ....................... * الشيخ: (...) للا في نكرة يشمل الاسم والخبر، وعلى رأي هؤلاء يشكل المعنى إذا قلنا: إن (هو) خبر (لا)، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يقتضي أن لا يكون هناك آلهة، لكن هذا يجيب عنه أو يمكن يجاب عنه بأن المراد بالإله هنا: الإله الحق، وهذا حق لا إله إلا الله، فالحصر باعتبار الإله الحق حقيقي ولا إضافي؟ حقيقي، الحصر باعتبار الإله الحق حقيقي لا إضافي، وباعتبار مطلق الإله إضافي؛ لأن الإله الذي نفي لا بد أن يكون مقيدًا بالحق. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر؟ خبر مبتدأ محذوف؟ ولَّا خبر ﴿إِلَهُكُمْ﴾؟ * طالب: خبر ثاني. * الشيخ: إما أنه خبر لـ﴿إِلَهُكُمْ﴾ خبر آخر، وإما أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هو الرحمن الرحيم. وهذان الاسمان مشتقان من الرحمة، لكنهما يختلفان، فإن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، هذا أحسن ما قيل، الرحمن صفة لله تعالى أو اسم لله باعتبار وصفه؛ ولهذا كان المراد به الرحمة العامة الواسعة، وجاءت رحمن على وزن فَعْلَان، وكلمة فعلان تدل على الامتلاء والسعة، أما الرحيم فهي باعتبار الفعل الذي هو إيصال الرحمة إلى المرحوم، فباجتماع الاسمين الكريمين تبين لنا أن رحمة الله تعالى رحمة واسعة عظيمة، وأنها واصلة إلى من شاء من خلقه، وهذان الاسمان هل هما اسم واحد أو اثنان؟ * طالب: اثنان. * الشيخ: اثنان، وإن كانا مشتقين من وصف واحد، وبهذا عرفنا أن الغفار اسم، والغفور اسم، ما نقول: إنهما اسم واحد؛ لأن اختلاف الصيغة يدل على اختلاف المعنى؛ ولهذا أجمع المسلمون أو العلماء على أن ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ اسمين. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. من فوائد هذه الآية: مشروعية الطواف بين الصفا والمروة، ويؤخذ ذلك من قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم في الطواف بهما؛ لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. * ومن فوائد الآية: أن الطواف بهما من طاعة الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: أن الطاعة خير؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، ولا ريب أن طاعة الله سبحانه وتعالى خير للإنسان في مآله وحاله. * ومن فوائد الآية: إثبات اسم الشاكر لله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات العليم اسم لله، ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات صفة الشكر والعلم لله، من أين تؤخذ؟ من ﴿شَاكِرٌ﴾ و﴿عَلِيمٌ﴾؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة، وقد مر علينا أن كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الصفة وعلى الحكم إن كان متعديًا، كل اسم هو يدل على الصفة ويدل أيضًا على الحكم إن كان متعديًا. ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ ويش يدل عليه؟ على العلم هذه الصفة، ويدل على الحكم بأنه أيش؟ يعلم كل شيء، هذا الحكم، ﴿غَفُور﴾ اسم يدل على الصفة وهي المغفرة، يدل على الحكم وهو أنه يغفر؛ ولهذا استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، استدلوا بهذين الاسمين على أن من تاب قبل القدرة عليه سقط عنه العقوبة؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومقتضى ذلك أنه يغفر ويرحم. إذن يستفاد إثبات الاسمين الكريمين: شاكر وعليم، وإثبات ما دلا عليه من الصفتين وهو الشكر والعلم، وقد سبق أن معنى شكر الله للإنسان أنه يثيبه أكثر مما عمل «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».]]. تقدم لنا قبل قليل أن الطواف بالصفا والمروة من الشعائر المشروعة، لكن هل هو ركن أو واجب أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة: فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به. وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج، يجبر بدم ويصح الحج بدونه. وقال آخرون: إنه سنة وليس بواجب، والقول بأنه سنة ضعيف جدًّا؛ لأن قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط، الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين، بقيت الصحة مترددة بين الركنية والوجوب، والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١١٤٣٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وسعى هو عليه الصلاة والسلام، وأقسمت عائشة قالت: «وَاللَّهِ مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ حَتَّى يَطَّوَّفَ بِهِمَا »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧ / ٢٥٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، يعني: بالصفا والمروة، فالأقرب أنه ركن وليس بواجب، وإن كان الموفق رحمه الله -وهو من مشائخ المذهب الكبار في مذهب الإمام أحمد- اختار أنه واجب يجبر بدم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن كتم العلم من كبائر الذنوب، من أين يؤخذ؟ من ترتيب اللعنة على فاعله، والذي يرتب عليه اللعنة لا شك أنه من كبائر الذنوب. * ومن فوائدها: أن ما أنزله الله من الوحي فهو بين لا غموض فيه، وهدًى لا ضلال فيه، بَيِّنٌ ليس فيه غموض، وهدًى ليس فيه ضلال، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. * ويستفاد منه -من فوائد الآية-: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، كيف ذلك؟ لأن الله تعالى أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية وفعلية، فإذا صرفت عن ظاهرها صار القرآن بيانًا أو صار القرآن غير بيان؟ صار القرآن غير بيان، يكون الله تعالى ذكر شيئًا لا يريده، وهذا تعمية على الخلق تعمية لا بيان، فيستفاد من هذه الآية الرد على من؟ على أهل التأويل، والحقيقة أنهم -كما قال شيخ الإسلام-: أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق ومنه باطل، لكن طريقهم باطل ما فيها حق، طريقهم باطل لا حق فيها؛ ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله يسميه التحريف. * ومن فوائد الآية: بيان فضل الله عز وجل على عباده لما أنزله من البينات والهدى؛ لأن الناس محتاجون إلى هذا، ولولا بيان الله تعالى وهدايته ما عرف الناس كيف يتوضؤون، ولا كيف يصلون، ولا كيف يصومون، ولا كيف يحجون، ولكن من فضل الله أن الله تعالى بين ذلك. * ومن فوائد الآية: إثبات علو الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، والنزول إنما يكون من أعلى، وعلو الله عز وجل بذاته ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وقد مر علينا كثيرًا بيان ثبوته بهذه الطرق. * ومن فوائد الآية: قبح هذا الكتمان الذي سلكه هؤلاء؛ لأنه كتمان بعد بيان ليس لهم حجة، يقولون: والله نحن ما تكلمنا؛ لأن الأمر مشتبه علينا، الإنسان الذي لا يتكلم بالعلم لاشتباه الأمر عليه قد يعذر، لكن الذي لا يتكلم مع أن الله بينه للناس يكون هذا أعظم قبحًا -والعياذ بالله- ففيه بيان قبح ما سلكه هؤلاء من كتمان ما أنزل الله تعالى من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية كلها بيان، كلها بيان للناس؛ لأن قوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ المراد به الجنس، لا العهد، فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله، ما ترك الحق غامضًا، بل بينه لأجل أن تقوم الحجة على الخلق؛ لأنه لو كان الأمر غامضًا لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكاتمين ملعونون، لعنهم الله ويلعنهم اللاعنون؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، ويش هي الأفعال الاختيارية؟ كل فعل يتعلق بمشيئته فهو من الأفعال الاختيارية، مثل؟ النزول إلى السماء الدنيا، المجيء للفصل بين العباد، الاستواء على العرش، الضحك، الكلام، التعجب، وما إلى ذلك، كل فعل يتعلق بمشيئة الله عز وجل فإنه من الأفعال الاختيارية، اللعن منها؟ اللعن منها، ويدلك على أنه منها أن له سببًا، وما كان له سبب، فإنه يوجد بالسبب ويعدم بعدمه، إذن فهو -أي اللعن- من الأفعال الاختيارية. * ومن فوائد الآية: جواز الدعاء على كاتم العلم باللعنة، جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾؛ لأن من معنى ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الدعاء عليهم باللعنة، تقول: اللهم العنهم. وهل يلعن الشخص المعين أو على سبيل التعميم؟ على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يدرى ماذا يموت عليه، قد يهديه الله كما قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]. بعض الناس يصير عنده غيرة وحنق على بعض الملحدين المتمردين الطغاة المعتدين فتجده يلعنه، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن لعن المعين الحي محرم نهى الله عنه نبيه وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وأما لعنه بعد موته، لعنه بعد موته فهل يجوز أو لا يجوز؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأنه قد أفضى إلى ما قدم. * الشيخ: ما تقولون؟ * طالب: إذا كان مات على (...) يا شيخ؟ * الشيخ: إي مات على الكفر. * الطالب: على الكفر يبقى، يجوز لعنه. * الشيخ: يجوز لعنه. * طالب: ما نستطيع أن نحكم عليه. * الشيخ: ما نستطيع؟ * طالب: ربما يغفر الله له. * الشيخ: لا، إذا مات على الكفر ما هو بأهل النار. * طالب: الفائدة من لعنه بعد الموت؟ * الشيخ: قد نقول بأنه لا يجوز؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وهذا عام، ثم إنه قد يثير ضغائن وأحقادًا، من أين؟ من أقاربه وأصحابه وأصدقائه، فيكون في ذلك مفسدة. ثم إننا نقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأي خير في كونك تلعن واحدًا كافرًا مات، لا شك أنه يجب أن ينفر من طريقته، وأن يقدح في طريقته وأن تذم طريقته، هذا لا بد منه، أما هو شخصيًّا فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه، وإن كان المعروف عند أهل العلم جمهورهم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر. * طالب: فالآية اللي بعدها (...): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: الله لعنه، نعم، تخبر أن الله لعنه، لكن الدعاء عليه غير الإخبار. * طالب: ما دام أن الله لعنه ما يجوز أنا نلعنه؟ * الشيخ: نحن نقول: أيش الفائدة «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[سبق تخريجه.]]. * طالب: ما يكون هذا المؤمنين، أو المسلمين؟ * الشيخ: لا، هذا عام. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ كيف نوفق مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٨ / ٨٦)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]]؟ هنا مباح، وهناك.. * الشيخ: إيه، اللعانين: كثيرو اللعن، اللي دائمًا في ألسنتهم هذا الشيء، وأما من لعن من يستحق اللعنة، فهذا ما يعد لعانًا. * طالب: قول عمر بن الخطاب: «قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢ / ٧٢)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، (...) لعن معين؟ * الشيخ: لا، هذا ما هو بالظاهر، (قاتل) ما هي بمعنى لعن، الصحيح أن قاتل بمعنى أهلك وليس بمعنى لعن. * طالب: قول عبد الله بن عمر لما قال ابنه في الحديث الذي رواه (...) لما قال: والله لمنعهن (...) ﷺ: «لعنة الله عليك أقول: قال رسول الله وتقول: والله لمنعهن»، وفي رواية: «سبَّه سبًّا شديدًا»؟ * الشيخ: لا، السب صحيح: «سبًّا شديدًا ما سبه مثله قط»، لكن اللعن ما أدري عن صحته. * الطالب: في رواية: «لَعَنَكَ اللَّهُ». * الشيخ: ما أدري والله عن صحته، أقول: ينظر في ثبوتها، فإذا ثبتت فهذا فعل صحابي قد يخطئ ويصيب. * طالب: فعله مرة (...)؟ * الشيخ: أقول: يكون هذا فعل صحابي حمله عليه الغيرة ولا يعتبر حجة. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظم كتم العلم؛ حيث كان من الكبائر، واعلم أن كتم العلم يكون عند دعاء الحاجة إلى بيانه؛ إما بلسان الحال أو بلسان المقال، أما بلسان المقال: فأن يأتي أحد إليك يسألك، فهذا لا بد أن تخبره، فإن «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهذا لا بد أن تخبره. أو بلسان الحال: مثل أن ترى قومًا يعملون عملًا مخالفًا للشرع، هؤلاء محتاجون إلى بيان العلم، فيجب عليك أن تبينه، فصار كتم العلم متى يتحقق؟ إذا دعت الحاجة إلى بيانه إما بلسان المقال أو بلسان الحال، إلا أن أهل العلم يقولون: إذا علم المسؤول أن السائل يريد العنت والمشقة، ويطلب الرخص ولا يريد الحق، فإنه مخير بين أن يجيب وأن يمنع؛ لأن الله قال للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]، ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لأنهم لا يريدون الحق، هؤلاء اليهود يأتون للرسول ﷺ ما يريدون الحق، قالوا: فإذا علم أو ظهر من قرائن الأحوال أن هذا السائل لا يريد الحق إنما يريد العنت والمشقة على المسؤول وإظهار عجزه أمام الناس وما أشبه ذلك، أو يريد تتبع الرخص، ما سألك لأجل يأخذ بقولك ويعمل به على أنه شريعة الله، لكن بيشوف أيش اللي عندك، ثم يروح للثاني ويشوف اللي عنده، وللثالث ويشوف اللي عنده، ولما أفتي بما يوافق الهوى قال: هذا هو القول الصواب ثم أخذ به، وهذا يوجد كثيرًا، كثيرًا ما تشوف بعض الناس يسألك وإذا أجبته قال: أنا سائل فلان وقال: كذا وكذا، ويش معنى هذا؟ معنى هذا أنه يدور شيء أهون يوافق هواه، فإذا علمت بالقرائن أو بالبينات الظاهرة أن هذا الرجل لا يريد الحق، فلك أن تمنع ولك أن تجيب؛ لأننا نعلم أن هذا ما قصد طلب العلم قصد شيئًا آخر. * طالب: دفع الفتوى يا شيخ؟ * الشيخ: دفع الفتوى اختلف فيها أهل العلم هل يجوز أو لا يجوز، والصحيح أنه لا يجوز، الصحيح أنه لا يجوز إلا عند الاشتباه فيجب، وأما إذا كان الأمر واضحًا فلا يجوز. * طالب: لهذه الآية؟ * الشيخ: لهذه الآية ولغيرها؛ ولأن الإنسان قد يدفعها أولًا ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، اللهم إلا أن يكون مبرزًا بالعلم وظاهرًا، فهذا لا بأس، مثل ما قال أبو موسى: «وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُوَافِقَنِي عَلَى ذَلِكَ »[[أخرجه البخاري (٦٧٣٦)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ: وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي.]]، وإلا فالأولى أنه يقول: اسأل أهل العلم، وكان الإمام أحمد رحمه الله يستعمل هذه الطريقة إذا جاءه أحد وسأله وليس عنده في المسألة علم قال: اسأل غيري، أو اسأل أهل العلم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنك إذا أحلتهم على شخص، فقد يخطئ هذا الشخص، قد يخطئ، فأنت حولهم على عامة الناس على عامة العلماء، وأنا أقول: إنه ما يجوز دفع الفتوى؛ لأنه يضيع الناس في الحقيقة لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفْتِي أناس جهال يضلون الناس، فإنه هنا تتعين عليه الفتوى تتعين عليه، ويستعين الله عز وجل ويسأل الله الصواب والتوفيق. * طالب: شيخ، طيب إذا جاءني إنسان ولا خبر (...) أنه ما يفتي إلا بعلم، في علماء باقين هم يفتون بمذاهب، أو يفتون (...)؟ * الشيخ: يعني معناه أن صار عندك أرجح من غيره، وأقرب للصواب؟ * الطالب: فيه اللي ما عنده علم، وفيه اللي ما يفتيك. * الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به، إذا علمت أن اللي غيره ما يفتون بالصواب مثلًا، إنما يفتون بما هب ودب، نعم، يعني: بعض الناس يفتي بما يصلح للسائل اللي يوافق السائل يفتيه ما دام فيه قول لبعض العلماء، يقول: ما دام فيه قول، وهذا أرفق بحاله أنه نفتيه به، خلينا نمشي حاله، مو مشكلة هذه. * طالب: فيه رد على الجبرية. * الشيخ: من أين؟ * الطالب: حيث إن الله لعنهم؛ لأنهم يكتمون ما أنزلنا من البينات. * الشيخ: حيث أضاف الكتمان إليهم وهو فعل، إي نعم، فيه رد على الجبرية حيث أضاف الله الكتمان إليهم وهو فعل، نعم؛ لقوله: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ والكاتم مريد للكتم ولَّا لا؟ نعم. ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. في هذه الآية أو من فوائد هذه الآية: التخصيص بالمخصص المتصل، التخصيص يكون بمخصص متصل، وبمخصص منفصل، الآية هنا مخصص متصل ولَّا لا؟ شوف ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ هذه عامة؟ كل من كتم، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ خصصت، وهذا طريق من طرق التخصيص المتصلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل. يبين في مقابل ما كتم، فيؤخذ منه أن من تاب عن بدعة وضلالة، فإنه يجب أن يبين هذه البدعة والضلالة، وأنه رجع عنها وتاب إلى الله منها، وهذه كانت طريقة أهل العلم، ومما يحضرني الآن ما ذكر عن أبي الحسن الأشعري، أبو الحسن الأشعري كان على مذهب المعتزلة أربعين سنة، وهو على مذهب المعتزلة يؤيد هذا المذهب ويناظر دونه ويرجحه، ثم إنه اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، اتصل به فأخذ من مذهبه، وترك طريق المعتزلة، وصار يبين معائبهم ويفضح عوارهم، ويبين أن مذهبهم باطل على رؤوس الأشهاد، لما رجع عن الاعتزال بين بطلانه ما تركه وسكت، بين بطلانه، ثم إن الله من عليه أخيرًا، فرجع إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الإبانة عن أصول الديانة ، وهو كتاب مشهور معروف، خرج عن مذهب الكُلّابية، وصار مذهبه مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. كذلك أيضًا ابن القيم رحمه الله كان بالأول من الصوفيين، كان صوفيًّا، ولكن الله سبحانه وتعالى من عليه وهداه بواسطة شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قد قال ذلك في كتابه النونية قال: فَاللَّهُ أَنْقَذَنِي بِهِ وَهَدَانِي، فهداه الله عز وجل على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ضلال الصوفية وخطلهم وخطأهم. * طالب: الأشعري يا شيخ ما رد على مذهب الكلابية؟ * الشيخ: إلا بيّن، بيّن كل المذاهب، قال: إن المذاهب باطلة وإنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. * الطالب: كيف اعتنق (...)؟ * الشيخ: صار له أصحاب كبار من أهل العلم قبل أن ينتقل إلى ما انتقل إليه أخيرًا، فحرروا هذا المذهب اللي كان عليه ونصروه حتى قوي. * طالب: لأيش الصوفية يا شيخ بيدرسوه في المعاهد العلمية وبيت الشباب؟ * الشيخ: لا، ما يدرسوه، ما هو مدرس، كان تدرس ليتبين بطلانها يمكن. * الطالب: فيه أئمة أجلاء يا شيخ كانوا وما زالوا موجودين بردو لغاية دلوقتي.. * الشيخ: لا دجالين، لو رأيت ما كتب عن الصوفية لرأيت العجب العجاب -والعياذ بالله- حتى انتهى بهم الأمر إلى أن يقولوا بوحدة الوجود، ابن عربي يقول عن جبته يقول: ما في الجبة إلا الله، يعني: نفسه -والعياذ بالله- فهم أخبث من النصارى، النصارى قالوا: إن الله حل في عيسى وحل في شخص رسول من الرسل، ودولا قالوا: إنه حل في كل شيء، حتى في الكلاب والحمير والخنازير وغيرها -والعياذ بالله- المهم أنك إذا أردت تعرف مذاهب الصوفية، فاقرأ ما كتب عنهم، مثل كتاب هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، بيّن -والعياذ بالله- مخازيهم ومعايبهم، لو لم يكن منهم إلا هذه الأذكار اللي ابتدعوها، ما أنزل اللَّه بها من سلطان. * طالب: حضرات يوم الأربع ويجيبوا يلبسوا جبب بيضا ويلبسوا بتاع دهوة ويقعدوا الذكر: الله، مش عارف إيه، يذكروا الله يا لطيف ألف مرة.. * الشيخ: على كل حال هم ضالون. * الطالب: هذا يا شيخ الإنسان يجب أن يحاربهم فيه. * الشيخ: حاربهم (...). * الطالب: أنا سابقًا كنت أجلس معهم، والله تاب علينا الحمد لله، ومرة مسكوني بعد صلاة المغرب، وقلت لهم: بتعملوا إيه اطلعوا بره، سيبكم بقى من الدجل.. * الشيخ: الحمد لله، بعد ما كنت صوفيا صرت خاميا الآن. * الطالب: والله حصل معايا دي حقيقة المسجد كل يوم.. * الشيخ: احمد ربك إنه أنقذك، الحمد لله. من فوائد الآية: ذكرنا أن توبة أهل البدع -مثلًا- لا تكون إلا بالبيان والإصلاح؛ لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ ثلاث شروط: توبة، رجوع عما حصل من الكتمان، إصلاح لما فسد بكتمانهم، يعني: ما فسد بكتمانهم حيث أخفوا الحق يحصل الفساد، فلا بد من الإصلاح، الثالث بيان أيش؟ بيان الحق، يبينون غاية البيان، وبهذا تذهب سيئاتهم بحسناتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ذنب وإن عظم حتى الدعوة إلى البدع إذا تاب الإنسان منها، فإن الله تعالى يتوب عليه، وقد ذكر ابن كثير رحمه الله أن هذا من خصائص هذه الأمة، وهو أن الداعي إلى البدع والكفر ما تقبل توبته في الأمم السابقة، ولكن هذا إن صح عن الرسول ﷺ، فعلى العين والرأس، فيكون مخصصًا للآية، وإذا لم يصح، فإن ظاهر الآية أن هذا الحكم عام في هذه الأمة وفي غيرها، وأن من تاب مما كتم وأصلح وبين تاب الله عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، التواب على من أذنب، الرحيم على من أخلص وعمل، فالرحمة تجلب الخير والتوبة تدفع الشر، التوبة تدفع الشر، والرحمة تجلب الخير. ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات صفتين من صفات الله، وهما؟ * طالب: التواب. * الشيخ: لا، ما هي التواب، التوبة والرحمة. ويستفاد منهما أيضًا: إثبات حكمين من هذين الاسمين: أن الله يتوب ويرحم؛ ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: قرن العلة بالحكم؛ لأنه قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، ثم علل ذلك بقوله؟ ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كثرة توبة الله عز وجل، كثرة التوبة من الله؛ لأن قوله: ﴿التَّوَّابُ﴾؟ * طالب: صيغة مبالغة. * الشيخ: صيغة مبالغة تدل على الكثرة، وهو كثرة توبة الله، وكثرة من يتوب الله عليهم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمن؟ بكل ما يجب الإيمان به. فيستفاد من الآية الكريمة: أن الكافر مستحق للعنة الله والملائكة والناس أجمعين، يلعن عليهم اللعنة. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه يشترط لثبوت هذا أن يموت على الكفر؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، فلو كفروا ثم رجعوا عن الكفر إلى الإسلام ارتفع عنهم هذا الحكم. ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ والملائكة هم عالم غيبي، من عالم الغيب، لكنهم قد يظهرون أحيانًا، وهم عباد وليسوا أربابًا، وليسوا أولادًا لله عز وجل، بل هم مخلوقون من جملة الخلق، خلقهم الله عز وجل للعبادة فقط؛ ولهذا لا يعصون الله ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، ولهم إرادة، ولهم عقل، خلافًا لمن قال: إنه لا عقول لهم، والقائل بأنهم لا عقول لهم، نقول: أنت الذي لا عقل لك، أما الملائكة فإن لهم إرادة وعقل وفهم، يفهمون عن الله أمره، ويسبحون بحمده، كيف ما يكون لهم عقول؟! نقول: هذا القول لو أخذنا بلازمه لبطلت الشرائع؛ لأن السفير بين الله وبين رسله؟ * الطلبة: جبريل. * الشيخ: جبريل، فإذا قلنا: لا عقل له، صار حامل الرسالة مجنونًا، ومن يثق برسالة حاملها مجنون؟ إذن تبطل الشرائع كلها، كل الشرائع؛ ولهذا هذا القول في الحقيقة لو قيل بأنه كفر لكان له وجه، لو قيل بأن هذا القول كفر لكان له وجه. هل الملائكة أجسام أم أرواح؟ * طالب: أرواح. * الشيخ: أجسام بلا شك وفيهم أرواح؛ لأنهم كما قال الله عز وجل: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام جبريل على صورته التي خلق عليها وله ست مئة جناح قد سد الأفق. * ومن فوائد الآية: أن الكافر يلعنه الكافر، الكافر يلعنه الكافر، من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وقد أخبر الله تعالى عن أهل النار أنه ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وأخبر ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] إلى آخره، فالكافر والعياذ بالله ملعون حتى ممن شاركه في الكفر (...). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يستفاد من هذه الآية: أن الذين يموتون وهم كفار مخلدون في اللعنة -والعياذ بالله- مخلدون في لعنة الله وطرده وإبعاده عن رحمته. ويستفاد منها: أن العذاب لا يخفف عنهم ولا يومًا واحدًا؟ ولا يومًا واحدًا؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، ما سألوا أن يرفع العذاب، ولا سألوا أن يخفف دائمًا، يخفف ولو يومًا واحدًا من أبد الآبدين -والعياذ بالله نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار- يتمنون هذا يتوسلون إلى الملائكة أو بالملائكة إلى الله عز وجل أن يخفف عنهم يومًا واحدًا من العذاب، ولكن يوبخوا إذا سألوا هذا ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر ٥٠]، ماذا تتصورون من الحسرة العظيمة حين ما يقولون ها الكلام لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وأيش الحسرة التي تصير في قلوبهم؟ ما يستطيع أحد أن يتصورها، كيف؟ ليتنا فعلنا، ليتنا اتبعنا الرسل، ليتنا صدقنا، ليتنا اتبعنا الرسول، يتمنون؛ ولهذا يقولون: ﴿بَلَى﴾ ما يستطيعون أن ينكروا أبدًا، ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم، ولكن دعاء لا يقبل ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٥٠] في ضياع -والعياذ بالله-، الشاهد أنه لا يخفف عنهم العذاب. * ومن فوائدها: أنهم لا ينظرون، إما أنه من النظر أو من الإنظار، فهم لا يمهلون ولا ساعة واحدة؛ ولهذا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾ [الزمر ٧١] من يوم يجيئونها تفتح، أهل الجنة ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر ٧٣]؛ لأنهم ما يدخلونها إلا بالشفاعة وبعد أن يقتص من بعضهم لبعض، فإذا جاؤوها هذبوا ونقوا، ثم شفع النبي عليه الصلاة والسلام في دخول الجنة، وحينئذٍ ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣]؛ ولهذا جاءت الواو في أهل الجنة دون أهل النار -والعياذ بالله- فإن أهل النار يفاجؤون بالعذاب، نسأل الله العافية. * طالب: ما يؤخذ من هذا أنه يلعن الكافر إذا مات.. * الشيخ: إذا مات على كفره؟ نحن نقول: قد يكون أنه جائز، لكنه الحديث يدل على أنه لا يجوز: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وأيش الفائدة من لعن الكافر؟ على سبيل العموم جائز، تقول: اللهم العن الكفار، وكان عمر رضي الله عنه وأبو هريرة يلعنون الكفار في القنوت[[حديث عمر أخرجه عبد الرزاق (٤٩٦٩)، وحديث أبي هريرة متفق عليه؛ البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٦٧٦ / ٢٩٦).]]، اللهم العن الكفرة، هذا لا بأس به، والآيات هذه قد تكون على سبيل العموم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، على سبيل العموم: اللهم العن كل كافر، اللهم العن من كتم العلم، وما أشبه ذلك. * طالب: بالنسبة للإنسان (...). * الشيخ: ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦3] الخطاب للبشر كله، ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ أيها الناس وأيها البشر، أي: معبودكم الحق الذي تكون عبادته حقًّا واحد، إله واحد، إله بمعنى مألوه، فهي بمعنى اسم المفعول، والمألوه معناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، هذا الذي يعبد حبًّا وتعظيمًا وهو مستحق للعبادة إله واحد فقط لا أكثر، وهذه الجملة ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ﴾ طرفها الأول معرفة، والثاني نكرة موصوفة، ومؤكد بالوحدانية، ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يعني: لا إله معه، ثم أكد هذه الجملة الاسمية بجملة تفيد الحصر فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، هذه الجملة محلها مما قبلها في المعنى أيش؟ توكيد، توكيد أفصح من تأكيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١]. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقدم لنا إعراب ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وأن الصواب في إعرابها: أن (لا) نافية للجنس، و(إله) اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: لا إله حقٌّ، أما من قال: إن التقدير: لا إله موجود، فهذا فيه نظر؛ لأنه يوجد آلهة سوى الله لكنها باطلة، اللهم إلا أن يريد بأن (إله) موصوف بوصف محذوف تقديره: لا إله حقًّا موجود، إن كان أراد هذا، فإنه يعود إلى القول الثاني الذي قدرناه، وهو أن الخبر محذوف وتقديره: حق، وأما من قال في تفسيرها: لا موجود إلا الله، كما قاله مصطفى محمود، هذا الذي ملأ الآفاق كلامًا في وسائل الإعلام، وأعجب به كثير من الناس، هذا يفسر لا إله إلا الله: لا موجود إلا الله، وهذا ينطبق تمامًا على تفسير أهل وحدة الوجود الذين يقولون: إن الخالق والمخلوق شيء واحد؛ لأنه لو قال: لا موجود إلا الله، معناه الخلق هو عين الخالق؛ لأنه لا موجود إلا الله، وبهذا نرى أنه يجب التحرز من هذا الرجل لا سيما عند كلامه في الإلهيات، عند كلامه في الإلهيات خطر عظيم الأخذ بقوله، أما في مسائل أمور الكون، فهذه قد يخطئ وقد يصيب، لكن في مسائل الإلهيات يجب الحذر منه؛ لأن رجلًا يفسر كلمة التوحيد بكلمة الحلول والاتحاد، هذا من أبعد الناس عن التوحيد.. * طالب: لم يصرح بهذا في كتبه. * الشيخ: هو في كتبه أنا قرأته، قرأته في كتابه محاولة تفسير القرآن بالمفهوم العصري ، هذا عنوانه أو هذا معنى العنوان. * طالب: القرآن محاولة.. * الشيخ: إيه. إذن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قلنا: إن خبر (لا) محذوف، والتقدير: حق، وإنما قدرنا هذا؛ لأن هناك آلهة تعبد من دون الله، سماها الله آلهة، لكن ليس لها وأيش ليس لها؟ أحقية في الألوهية؛ ولهذا سماها الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم ٢٣]، يعني: أسماء لا حقيقة لمسماها. قلنا: إن بعض النحويين وبعض العلماء أيضًا قدرها، قدر الخبر بكلمة: موجود، وهذا التقدير لا يطابق الواقع إلا إذا كان يريد أن اسم (لا) موصوف بوصف محذوف تقديره: حقًّا، فهذا صحيح، لا إله حقًّا موجود إلا الله، هذا حق، (إلا) أداة حصر، (وهو) -لا إله إلا هو- بدل من الخبر المحذوف، مبني على الفتح في محل رفع، أما (إلا اللهُ) فهو بدل مرفوع وعلامة رفعه؟ * طالب: الضمة الظاهرة. * الشيخ: ضمة ظاهرة في آخره، وأرانا نقول: هنا مبني على الفتح، وهناك نقول: مرفوع بالضمة؟ لأنه هذا ضمير فهو مبني، وهذا اسم ظاهر فهو معرب. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا خبر يجب علينا اعتقاده؛ إذ لو لم نعتقده لكنا مكذبين لهذا الخبر، وتكذيب خبر الله ورسوله كفر، كفر صريح، إذن يجب علينا أن نعتقد بأنه لا إله حق إلا الله عز وجل، وأن جميع ما يعبد من دون الله فهو باطل؛ لأنه لا ينفع ولا يضر، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥]، هذه الأصنام لو تدعوها إلى يوم القيامة ما استجابوا لكم، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]. فإن قال قائل: إن هؤلاء المشركين قد يفتنون في هذه الآلهة فيدعونها، ثم يأتيهم ما دعوا به؟ فما هو الجواب عن هذه الآية؟ الجواب عن هذه الآية: أنهم ليسوا هم الذين أوجدوه، والله قال: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف ٥]، فهل هذه الأصنام هي التي جاءت بهذا الشيء؟ أو الذي جاء به الله؟ * طالب: الله. * الشيخ: الذي جاء به الله، لكن قد يمتحن الإنسان بتيسير أسباب المعصية، ابتلاء من الله عز وجل، فيكون هذا الشيء حصل عنده؟ * طالب: لا به. * الشيخ: لا به، حصل عنده لا به. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف التقدير؟ هو الرحمن الرحيم، الجملة استئنافية، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾، يعني: هذا الإله هو الرحمن الرحيم، وما سواه مما يعبد من دونه فليس فيه رحمة، خال من الرحمة إطلاقًا. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال ابن حجر: اتفق العلماء على أنهما اسمان من أسماء الله، اتفقوا، مع أن مادتهما واحدة وهي الرحمة، وعلى هذا: فيكون الغفور اسم، والغفار اسم، وإن كانا من المغفرة، لكن لما اختلفا في الصيغة صار كل منهما اسمًا مستقلًا. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الفرق بينهما، أحسن ما رأيت فيه ما قاله ابن القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد ، وكتاب بدائع الفوائد على اسمه بدائع، لكنه ليس مرتبًا، حسب ما يخطر بباله يكتبه رحمه الله، أشبه ما له كتاب ابن الجوزي المسمى صيد الخاطر ، صيد الخاطر متى ما خطر على باله الشيء كتبه، وإن كان بينهما فرق، وابن الجوزي رحمه الله في باب الصفات متذبذب، له كتاب اسمه تأويل آيات الصفات ، كله على مذهب المعتزلة، ينكر إنكارًا شديدًا على المثبتين، حتى إنه في بعض السياقات يلعنهم -والعياذ بالله- يلعنهم، يقول: كيف أنكم تجعلون لله عين ويد وما أشبه ذلك؟ معناه أنكم خلتوه إنسان، ويصرح بالإنكار العظيم في هذا، ورأيت لشيخنا رحمه الله كتاب تعليق على هذا الكتاب على الصفحة اللي فيها اسم الكتاب يقول: إن هذا كلام ابن الجوزي مما خالف فيه مذهب الإمام أحمد بن حنبل، إي نعم، الحاصل أن إحنا ذكرناه؛ لأن ابن الجوزي رحمه الله له كلام يدل على أنه مستقيم في هذا الباب، لكن هذا الكتاب ألفه لهذا الغرض ورد على المثبتين ردًّا شنيعًا. إذن (الرحمن) أقول: أحسن ما رأيت في الفرق بينهما: أن الرحمن باعتبار الوصف، و(الرحيم) باعتبار الفعل؛ ولهذا جاءت رحمن على صيغة (فَعْلان) الذي يدل على السعة والامتلاء، وجاءت الرحيم على صفة (فَعِيل) الدالة على الفعل، فالرحمن باعتبار وصفه، والرحيم باعتبار فعله، أي: إيصال الرحمة إلى من شاء سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا مرارًا أن أسماء الله سبحانه وتعالى لها ثلاث دلالات: تدل دلالة تضمن، وأيش بعد؟ * الطلبة: التزام. * الشيخ: والتزام، والثالث؟ * الطلبة: مطابقة. * الشيخ: مطابقة، فدلالة الاسم على الذات والصفة دلالة؟ مطابقة، ودلالته على الذات وحدها أو الصفة وحدها؟ دلالة التضمن، ودلالته على ما يستلزمه من الصفات الأخرى؟ دلالة التزام، من يسأل؟ * طالب: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ما الذي يمنع أن تكون صفة؟ * الشيخ: أيهما؟ * الطالب: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. * الشيخ: نعم، هما دالان على الرحمة. * الطالب: لا، أقول صفة يعني من الناحية الإعرابية؟ * الشيخ: من الناحية الإعرابية، صفة لأيش؟ * الطالب: صفة للضمير؟ * الشيخ: يقولون: إن الضمير لا يُنعت ولا يُنعت به. * الطالب: ما المانع؟ * الشيخ: هذا كلامهم. * الطالب: إذا تأملناه من الناحية المعنوية فعلًا صفة؟ * الشيخ: لو قلت: لا إله إلا الرحمن الرحيم؟ ما يستقيم الكلام، لا إله إلا هو، ثم استأنف قال: هو الرحمن الرحيم، أبلغ، هذا أبلغ، وهو وإن كان جائزًا فهو على وجه ضعيف. بقينا ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة لله عز وجل صفةً حقيقيةً، وأهل التأويل يقولون: إن الله ليس له رحمة هي صفته، ويفسرون الرحمة إما بالفعل أو بالإرادة، يعني: إما بالإحسان أو بإرادة الإحسان، وهذا مذهب الأشعرية والماتريدية، فيقولون: إن معنى رحمن ومعنى رحيم، أي: مريد للإحسان، أو معناه: محسن بالفعل، وما حجتهم؟ يقولون: لأن الرحمة رقة ولين، وهذا الوصف لا يليق بالله عز وجل، فنقول لهم في الرد على هذا: أولًا: اقتضاء الرحمة للرقة واللين هذا باعتبار رحمة المخلوق، ثم لو فرض أنها مستلزمة لذلك، فأين الدليل على أنه يمتنع أن يكون الله عز وجل لينًا ورؤوفًا ورحيمًا؟ ما هناك دليل على المنع لكننا نقول مع ذلك: إذا كان هذا لا يليق بالرب جل وعلا، فإن الرحمة التي تشيرون إليها هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها تليق به، ولا تستلزم نقصًا كما تستلزمه رحمة المخلوق، على أننا قلنا فيما سبق: إن قولكم: إن الرحمة تستلزم اللين والرقة والضعف، هذا ليس بصحيح، فهؤلاء الملوك قد يكون ملك جبار وقوي وشديد ومع ذلك يرحم، ولا يقال: ذل، ولا يقال: ضعف أمام من رحمه. ثم نقول لهم: إذا قلتم ذلك، فالإرادة ما يريد المريد شيئًا إلا لما له فيه من جلب منفعة أو دفع مضرة، هذا المريد العاقل يعني، ما يريد شيئًا إلا هذا، وهل هذا المعنى يليق بالله؟ ما يليق بالله عز وجل، هم يقولون: هذه إرادة المخلوق التي لا يريد إلا ما فيه جلب منفعة أو دفع مضرة له، هذا المخلوق، أما إرادة الخالق فتليق به، فنقول: إذن هذه رحمة المخلوق، ورحمة الخالق تليق به. ثم من العجب أن تكون نصوص الرحمة في القرآن أكثر من نصوص الإرادة، وجاءت بالوصف، وجاءت بالاسم، وجاءت بالفعل، والإرادة ما جاءت إلا بالفعل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فيقول الله عز وجل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] هذا الصفة، ويقول: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ هذا الاسم، ويقول: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] هذا الفعل، ومع ذلك هذه تؤول والإرادة لا تؤول! لكن -الحمد لله- أهل السنة والجماعة هداهم الله تعالى للصراط المستقيم، وجعلوا جميع باب الصفات بابًا واحدًا، كيف بابًا واحدًا؟ يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويقال: إن وصف الخالق يليق به، ووصف المخلوق يليق به، وإن اتفقا في أصل المعنى، لكن حقيقة المعنى تختلف، واضح؟ وهذا -الحمد لله- مقرر لدينا في العقائد مر علينا كثيرًا. * طالب: شيخ، بعض أهل العلم فسر ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ بأنهما اسمان رقيقان، وإذا رجعنا إلى المعتقد الصحيح، فنحمل على أنه يريد اسمان رقيقان أحدهما أرفق من الآخر؟ لأنه يرى قول: إن الله رفيق يحب الرفق؟ * الشيخ: لا لا، ما يريدون هذا، هم يقولون: رقيقان، يعني: كل واحدة منهم أرق من الثاني. * الطالب: ما راعينا أن بعض أهل العلم عقيدته صحيحة جيدة و(...) رقيقة. * الشيخ: إيه، هم يقولون كذا. * طالب: شيخ، إذا قال قائل: ما الفرق بين مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب المفوضة، إذا كان أهل السنة يثبتون صفة الرحمة لله تبارك وتعالى بمعنى غير المعنى الموجود بالقاموس؛ لأن هذا المعنى من الرقة يليق بالمخلوق، كذلك هؤلاء يقولون: الرحمن، لكن معنى الرحمن هو غير الله ما يعرف معناها، فما الفرق بينهما؟ * الشيخ: الفرق بينهما: أن أهل التفويض يقولون: ما نعرف لهذا معنًى، ما نثبت معنى إطلاقًا، ما هو بالرحمة فقط، الرحمة، والاستواء، والنزول، والمغفرة، والمحبة، وغيرها، ما يثبتون معنى إطلاقًا، يقولون: هذه معانيها مجهولة، ولا شك أن هذا ضرره عظيم. * الطالب: لا معنى للقرآن؟ * الشيخ: معناه: لا معنى من القرآن، وأنه مثل ما قال شيخ الإسلام قال: هذا يجيء المتأول ويجيئون الفلاسفة ويقولون: روحوا أنتم جهال ما تعرفون، إحنا اللي عندنا العلم، فيأتي المتأول ويقول: عندي العلم، ويأتي الفلسفي ويقول: عندي العلم، أنا الذي (...) القرآن، أما أنتم أقررتم على أنفسكم بالجهل، الجاهل هل يمكن أن يدفع شيئًا؟ ما يمكن يدفع؛ ولهذا يقول: إن هذا القول رحمه الله يقول في كتابه العقل والنقل يقول: هذا القول من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، تفويض المعنى، أما تفويض الكيفية، فهذا حق، مهما كنا ما نستطيع أن نعرف كيفية صفات الله عز وجل. * طالب: شيخ، إذا واحد تقدم يعني ولم ينقب يعني عن تفسير ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (...) ما يدري رفيقان أو رقيقان نحملها على أيش؟ * الشيخ: هو المعروف أنهم يقولون: رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، كذا يعبرون، أرق ما تشتبه بأرفق. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف إذا قال: رفيقان ولم ينقط، ثم قال: أحدهما أرق تشتبه بأرفق؟ ما تشتبه، (...) أرق يعني أرف، ولا يستقيم. * طالب: الرحمن يدل على الاسم وعلى الصفة اسم الرحمن، ما الفائدة من الرحيم؟ * الشيخ: إيه زين، تكون الرحيم دالة عليه بحسب الصيغة، والرحمن بحسب الالتزام بحسب اللازم، أو يقال: إنه في مثل هذا إذا قرن أحدهما بالآخر، يكون أحدهما دالًّا على الاسم والصفة فقط، والثاني دالًّا على الاسم والصفة والفعل، ولا مانع من أن يكون الكلمة عند الانفراد لها معنى، وعند الاجتماع لها معنى آخر. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ انتبهوا للآية هذه -إن كنا من ذوي العقول- لأن الآية آخرها: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، يقول الله جل ذكره: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿إِنَّ﴾ هذه للتوكيد و﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه خبرها مقدم، و﴿لَآيَاتٍ﴾ اسمها مؤخر. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ابتداؤها، كيفيتها، قوتها، ما أودع الله فيها إلى آخره، هذه واحدة، و﴿السَّمَاوَاتِ﴾ جمع سما، وتقدم أنها سبع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ مفرد يراد به الجنس فيشمل؟ * الطلبة: السبع. * الشيخ: يشمل السبع، ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا واحد، إيجادهما، وبقاؤهما وكيفيتهما، وكل ما يتعلق بهما من الشيء الذي لا نعلمه، يعلمه غيرنا مثلًا من علماء الفلك والجيولوجيا يعلمون أكثر مما نعلم في هذا، وهم مع ذلك ما أوتوا من العلم إلا قليلًا، السماء في خلقها بهذا الارتفاع وهذه السعة وهذه القوة، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات ٢٧]، الجواب؟ * طالب: السماء. * الشيخ: السماء، ثم فصّل فقال: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٧، ٢٨]، ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] هذه السماء العظيمة، وكذلك الأرض وما أودع الله فيها من المنافع؛ حيث جعلها متضمنة ومشتملة على جميع ما يحتاج الخلق إليه في حياتهم وبعد مماتهم حتى بعد الممات، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦]، ما ظنكم لو جعل الله هذه الأرض شفافة كالزجاج، فدفن فيها الأموات ينظر الأحياء إلى الأموات، فلا تكون كفاتًا لهم، وما ظنكم لو جعل الله هذه الأرض صلبة كالحديد أو أشد، هل يسهل علينا أن تكون كفاتًا لأمواتنا؟ لا، ولا لنا أيضًا في حياتنا، ثم هذه الأرض أودع الله فيها من المصالح والمعادن شيئًا ما نستطيع الإحاطة به، ويتبين لنا شيئًا فشيئًا كلما تقدمت الصناعة، هذه السماوات والأرض ما أودع الله فيها من المنافع والمصالح. ثانيًا: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر، في الإضاءة والظلمة، في الحر والبرد، في النصر والخذلان، في كل شيء يتعلق بالليل والنهار، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]، هذه الليالي والأيام التي تدور على العالم كم فني فيها من أناس، كم عز فيها من أناس، كم ذل فيها من أناس، كم حصل فيها من حوادث ما يعلمها إلا الله، هذا الاختلاف كله آيات تدل على الله عز وجل، وعلى تفرده بالوحدانية سبحانه وتعالى. اختلاف الليل والنهار أيضًا في الطول والقصر ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج ٦١]، على وجه خفي لا يشعر الناس به، يزداد شيئًا فشيئًا، وينقص شيئًا فشيئًا، ليست الشمس تطلع فجأة من مدار السرطان، وفي اليوم الثاني مباشرة من مدار الجدي، أبدًا، ولكنها تنتقل بينهما شيئًا فشيئًا، حتى يحصل الالتئام والتوازن وعدم الكوارث، لو انتقلت فجأة من مدار السرطان إلى مدار الجدي ماذا يحصل؟ لهلك الناس من حر شديد إلى برد شديد، والعكس بالعكس، لكن الله جل وعلا بحكمته ورحمته جعلها تنتقل حتى يختلف الليل والنهار على حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته. ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الله أكبر، هذه أيضًا من آيات الله، فلك محمل بالآدميين، والأمتعة والأرزاق يجري على سطح الماء، هذا من آيات الله، وهذا جاء ما هو أعظم منه الآن وهو الفلك الذي يجري في الهواء، الفلك الذي يجري في الهواء، فإذا أشار الله تعالى إلى شيء من آياته في أمر، فما هو أولى منه يكون أعظم منه دلالة على ذلك، الله جل وعلا أخبرنا بأن الطير التي في جو السماء أن فيها آيات، ولَّا لا؟ إي نعم، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك ١٩]، هذه الطيور ما تحمل إلا نفسها فجعلها الله تعالى آية، فكيف بهذه الطائرات؟ تكون أعظم وأعظم من آيات الله عز وجل. وقوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ بمعنى؟ تسير، و﴿فِي الْبَحْرِ﴾ في للظرفية، فهل المعنى في نفس البحر ولَّا على البحر؟ * طالب: تشملهم. * الشيخ: تشمل هذا وهذا، نعم؛ لأن فيه فلك يجري على سطح الماء، وفيه فلك يجري من داخل الماء، ولَّا لا؟ * طالب: الغواصات. * الشيخ: الغواصات، الغواصات تجري في البحر بما ينفع الناس؛ لأنها يقاتل بها الأعداء ويحمى بها البلاد، فهذا مما ينفع الناس. * الطلبة: (...). * الشيخ: لا، ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس ٢٢]، إذن ﴿الْفُلْكِ﴾ المراد به الجمع هنا، ﴿الْفُلْكِ﴾ يراد به الجمع، ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات ١٤٠]، هذا مفرد، وأظن أني قد ذكرت لكم ما قاله ابن عقيل رحمه الله -وهو من الفقهاء- قال: إن الأحدب الذي يكون حدبته كالراكع ينوي الركوع بقلبه، قال: كـ(فُلك) في العربية، ينوى جمعه وإفراده واللفظ واحد، هذا الإنسان الأحدب إذا بغى يركع وهو أحدب على قدر الركوع وأيش لون يركع؟ * طالب: بالنية. * الشيخ: بالنية، نعم، ﴿الْفُلْكِ﴾ شامل للمفرد والجمع، وهنا يراد بها الجمع ولّا المفرد؟ ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾؟ * طالب: محتملة. * الشيخ: يا إخواني، قلنا: إن الوصف يعين المقصود، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: مفرد؟ لو قال: والفلك اللاتي يجرين في البحر، صار؟ * طالب: جمع. * الشيخ: جمع، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ابن مالك في الألفية يقول: بِاللَّاتِ وَاللَّاءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا ∗∗∗ ......................... (التي) هي المفرد، فعلى هذا تكون هنا الفلك مفرد، لكنه مفرد والمراد به الجنس، فيكون عامًّا. وقوله: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني: مصحوبة بما ينفع الناس، من أين؟ * طالب: الأرزاق. * الشيخ: من الأرزاق، والبضائع، والأنفس، والذخائر وغيرهم.. * طالب: والصيد، وصيد السمك. * الشيخ: إيه وغيرها، بما ينفع؛ لأن (ما) اسم موصول يفيد العموم، كل ما ينفع الناس، فهي من آيات الله عز وجل، الدالة على كمال قدرته وكمال رحمته وتسخيره، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ [إبراهيم ٣٢]. ومن حكمة الله عز وجل أنه قدر في الأرض أقواتها، قدره يعني: جعل قدرًا هنا، وقدرًا هنا، وقدرًا هنا، لأجل أن ينتفع الناس، فيه ناس ما يكثر عندهم البقول، والخضروات، وما أشبه ذلك، يأتيهم من أرض أخرى، وفيه ناس يكثر عندهم نوع من الحشائش ما يوجد في المكان الآخر ينقل إلى المكان الآخر، فيتبادل الناس الأرزاق، وينتفع الناس ويتحركون، كل فيما قدر له. * طالب: غواصات تمشي مسافة طويلة يا شيخ من تحت الماء؟ * الشيخ: إيه، من تحت الماء. * الطالب: كيف يدله؟ * الشيخ: عندهم -سلمك الله- رادارات ما تخطئ، الآن يقولون: فيه صواريخ يجلس وهو مكانه في غرفة القيادة وتضرب الهدف اللي هو يبغي، الآن بدؤوا -عسى الله يكفينا شرهم- بدؤوا يسلحون الجو؛ ولذلك هم في نزاع في تسليح الجو، انتهوا من تسليح الأرض وتلغيمها بالغواصات وغيرها قالوا: نروح بس.. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي والله أمام قدرة الله. * الطالب: (...) الأفغانية ضعيفين وقليلين ولا عنده عدة.. * الشيخ: أمام قدرة الله ما فيه شيء؛ لأن الله جل وعلا لو شاء لخسف بهم، يخسف بهم الأرض ولا يبقى لهم ذكر، أمام قدرة الله ما فيها شيء، ولكن الله جل وعلا جعل قدرته مشروطة ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد ٧]، فإذا وجد هذا الشرط، ونصرنا الله حقًّا بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا نصرنا الله، مثلما نصر اللي قبلنا ينصرنا جل وعلا، المسألة: أقوالنا كثيرة وأفعالنا قليلة. * طالب: كلمنا واحد يقول: أرسلوا عليهم قنابل ذرية.. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: قنابل ذرية، في (...) أفغانستان يقول: وصارت في حد الخيام ما وصلت إلى الخيام وخدت اثنا عشر يوم والنار تلتهب ولا تنفك يقول: والله ما جت منهم ولا أحد؟ * الشيخ: وعلى كل حال يعني الأحاديث عنهم كثيرة، لكن ما نود أن يمضي الوقت، ولّا حدثني إنسان ثقة قبل يومين جاءني لمي يشاورني في موضوع الجهاد معهم، يقول: إن فيه جبال يتعبون الغزاة في إيصال الماء إلى هذه الجبال، يحمل الواحد الجالون مع التعب ويصعد هذا الجبل، ويحفرون الخنادق لأجل إذا جاءت الطيارات ضربوها، أقلبوا كل الطائرات، يقول: إن فيه طائرات بدأت ترسل عليهم قنابل إذا ضربت القنبلة في الأرض انفجرت الأرض عيونًا، صارت تحفر لهم آبار وهم ما يدرون، وهذا الله على شيء قدير، هذا من آيات الله عز وجل ونصره، ونسأل الله أن ينصرهم ويثبتهم على الحق.. * طالب: قول ابن عقيل في الأحدب (...) إذا كان أحدبًا هل يكفي النية؟ * الشيخ: إي نعم، تكفي. * الطالب: ما يلزمه أنه (...)؟ * الشيخ: لا لا، ما يلزمه لأنه يصير خلاف السنة في هيئة الركوع. * الطالب: هذا عاجز والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. * الشيخ: هذا من تقوى الله.. * الطالب: ما ركع. * الشيخ: هيئته راكع، هم قالوا هكذا. * الطالب: لم تختلف الصفة بين الركوع والقيام؟ * الشيخ: ما هو شرط، يكفي النية، مثل الجلوس لكن ما يستطيع أنه يتحرك، مثل الإنسان اللي ما يستطيع يتحرك برأسه ينوي. * طالب: (...). * الشيخ: ما ندري، ما نستطيع أن نجزم بهذا؛ لأن السماوات ما نستطيع أن نقول: إن السماء الدنيا من نحاس.. * الطالب: لأنه ما قال: والأرضين. * الشيخ: ما نستطيع، جاءت الأرضين في السنة: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]]. * الطالب: لا، بالنسبة للقرآن. * الشيخ: بالنسبة للقرآن ما نقدر نقول، إن الله نوه على ذكر السماوات بالعدد؛ لأنها أعظم من الأرض، ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] مثل العدد. * طالب: ما رأيك يا شيخ في قول من قال: إذا جمعت السماوات يراد بها الأجرام، وإذا قيل: السماء، فهي للعلو؟ * الشيخ: هو صحيح إذا قيل: السماوات، فهي الأجرام بلا شك، إذا قيل: السماء، فهي تحتمل هذا وهذا. قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني: وفيما أنزل الله من السماء من ماء، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، هذا هو الصحيح، وإن كان بعضهم ذكر أنه يحتمل أن المراد به الجرم، السماء المحفوظ، وقال: إن الماء ينزل من السماء على السحاب، ثم ينزل من السحاب على الأرض، لكن هذا خلاف الواقع، وخلاف ما دل عليه القرآن، فالصواب أن المراد بـ﴿السَّمَاءِ﴾ هنا العلو، ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذه بيان لـ(ما) في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ المراد به: المطر، هذا الذي أنزله الله من السماء فيه آيات عظيمة، منها: كونه ينزل من السماء، فما الذي حمله إلى السماء؟ الله عز وجل، كذلك كونه ينزل رذاذًا، هذا من آيات الله الدالة على رحمته، لو كان ينزل صبًّا لأهلك العالم، لكنه ينزل رذاذًا، وكونه ينزل من السماء لا يجري من الأرض، هذا أيضًا من آيات الله، لأجل أن ينتفع به سهل الأرض، وجبالها، سهولها وجبالها، ولو كان يمشي لغرق الأسفل قبل أن يصل إلى الأعلى. كذلك من آيات الله: كونه ينزل لا حارًّا ولا باردًا، ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: يجيء علينا البرَد، البرَد ذكره الله تعالى في سياق يدل على أنه نوع من الانتقام ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور ٤٣]، وإن كان الله سبحانه وتعالى قد جعله رحمة، لكن (...). ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم أن (إن) لها اسم وخبر، أين خبرها؟ * طالب: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مقدم. * الشيخ: إي نعم، وما عطف عليه. * الطالب: واسمها: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿لَآيَاتٍ﴾ هل الآيات هنا جمع؟ هل هي لكل فرد من أفراد هذه الأنواع التي عددها الله عز وجل، كل واحد فيه آيات؟ أو أن الآيات موزعة على كل نوع؟ فلكل نوع آية، فيكون في الجميع آيات؟ * طالب: يشمل هذا وهذا. * الشيخ: وأيهم أبلغ؟ * الطالب: الأبلغ أنه في كل شيء. * الشيخ: آية واحدة فقط؟ * الطالب: آيات متعددة. * الشيخ: آيات متعددة، نعم. قوله: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أرنا ثلاث آيات من هذا ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ بين لنا ثلاث آيات ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ * طالب: أولًا: في قوتها. * الشيخ: نعم، في القوة. * الطالب: ثانيًا: في وسعها. * الشيخ: في سعتها. * الطالب: وما جعل الله فيها من النجوم. * الشيخ: إي نعم، الدليل على أن السعة من آيات الله؟ وأنها من قوة الله؟ * طالب: والأرض دحاها. * الشيخ: لا لا، السماء؟ * الطالب: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. * الشيخ: نعم، ﴿بِأَيْدٍ﴾ قوة، و﴿لَمُوسِعُونَ﴾ يعني: سعة أرجائها، وكذلك ما أودع الله فيها من نجوم والكواكب والأفلاك وغيرها، وفي الأرض أيضًا في إيجاد الأرض، وتسخيرها، وتذليلها، وما فيها من الأنهار والأشجار، والجبال، والسهول وغير ذلك، كلها من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا لا، بقوة، ما هي بأيد اللي جمع يد، لا؛ لأنها ما أضيفت إلى الله، فهي مصدر (آد، يئيد، أيدًا)، كـ(باع، يبيع، بيعًا). ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلاف الليل والنهار فيه آيات، اختلافها من أي ناحية؟ * طالب: من آياته اختلافه في طوله وقصره، والبرودة.. * الشيخ: إيلاج هذا في هذا؟ * الطالب: (...) طوله في بعض المناطق (...). * الشيخ: هذا داخل في الطول والقصر. * الطالب: (...). * الشيخ: ألا يدخل في ذلك اختلاف الحوادث؟ اختلاف الحوادث: كون الله يعز أقوامًا ويذل آخرين، ويكون الخصب والرخاء أو العكس؟ * طالب: يدخل فيه. * الشيخ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]. واختلاف الليل والنهار.. * طالب: الصلاة بردو في الليل وفي النهار تختلف؟ * الشيخ: لا ما تختلف. ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ نبغي نؤاخذكم حيث قلتم: في كل واحدة آيات، نبغي من كل واحدة ثلاث آيات على الأقل، ﴿الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أخرج لنا منها ثلاث آيات؟ * طالب: جريانها على سطح البحر، وفي هذا الزمان أصلًا أيضًا.. * الشيخ: ما بعد وصلنا للزمان هذا، جريانها على سطح البحر مع أنه ماء وهي ثقيلة. * طالب: أن كونها تطفو على سطح الماء هذا من الآيات، وثاني شيء: نقل البضائع التي توجد في مكان إلى مكان لا توجد فيه هذه البضائع، الفلك هي التي.. * الشيخ: هي التي تحملها. * الطالب: (...) التي تغوص داخل الماء. * الشيخ: (...). * طالب: ما في البحر من طرقات عظيمة. * الشيخ: هذا في البحر، لكن التوصل بهذه الفلك إلى ما في البحر؛ لأنهم يصيدون فيها. * طالب: هذا ما هو قديم يا شيخ؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ما أذكر أنه قديم. * طالب: الاصطدام في البحر. * الشيخ: إيه في السفن العادية، الشراعية. * الطالب: أقول: من الآيات. * الشيخ: إيه، بس هذه من (...). * طالب: (...) الفلك يعني يراد بها كيد الأعداء تستخدم.. * الشيخ: إيه، استخدامها في الحروب، ونقل الإنسان أيضًا، الإنسان قد يكون له غرض في أنه ينتقل من قارة إلى قارة، أو من مكان إلى مكان، فهذا من الآيات. * طالب: معرفة الاتجاهات. * الشيخ: تصريف الرياح بعد، لها آيات خاصة. * طالب: كونها تمشي على البحر (...). * الشيخ: بالريح يعني؟ إي نعم، إذن الحمد لله ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أيضًا كونها بما ينفع الناس، منافع الناس ما لها حصر. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ هذا أيضًا فيه آيات: إنزال الله للماء من السماء. * طالب: أنزل الماء من السماء قطرات وليس.. * الشيخ: وليس يصب صبًّا، هذه واحدة. * طالب: إذا نزل الماء (...) تحيا ويحيا الإنسان. * الشيخ: إحياء الأرض به، لكن إحياء الأرض الظاهر إن نفس إحياء الأرض فيه آيات، إنزال المطر كونه رذاذًا، هذا من آيات الله، لاحظوا ما نريد من آيات الله الآيات الدالة على القدرة والعظمة فقط، حتى الدالة على الرحمة والدالة على الحكمة، هي من آيات الله، ولَّا لا؟ إي نعم. * طالب: تخزينه في باطن الأرض. * الشيخ: خزنه في باطن الأرض حتى إذا احتاج الناس إليه، ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، استخرجوه وانتفعوا به. * طالب: ورفع القحط عن الناس. * الشيخ: إيه، ما تدخل في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؟ * الطالب: إحياء للأرض، وهذا إحياء لما عليها، هذا إحياء لما على الأرض. * طالب آخر: كونه ينزل من أعلى. * الشيخ: نعم، كونه ينزل من أعلى وليس من أسفل، هذا أيضًا من آيات الله؛ لأنه لو كان يمشي مشيًا على الأرض أغرق الأسفل قبل أن يأتي لأعلى. * طالب: كونه حلوًا (...). * الشيخ: نعم، كونه بهذه الحلاوة، وكونه ليس باردًا ولا حارًّا، ليس باردًا برودة تؤثر على النبات ولا حارًّا. * طالب: كونه ينتح من الأرض عن طريق الشمس ثم ينزل. * الشيخ: كونه أيش؟ * الطالب: كونه ينتح نتح عن طريق الشمس يتبخر، ثم يتألف ثم ينزل، هذه من الآيات العظيمة. * الشيخ: يعني: كونه يصعد من البحر؟ * الطالب: إي نعم، ثم يتكون رذاذًا، ثم.. * الشيخ: هذا قد يسلم به، وقد لا يسلم. * الطالب: هو من آيات الله يا شيخ؟ * الشيخ: إيه، هو من آيات الله لكن بس ما هو كلها (...) هذا، أحيانًا يكون كذلك وأحيانًا لا يكون. * الطالب: إذن أيش غير هذا تكون به السحاب؟ * الشيخ: الله أعلم، بقوله: كن؛ ولهذا أحيانًا نحن نشاهد هنا في القصيم، القصيم ما هو بحوله بحار، نشاهد السماء صحوًا، ونشاهد بأعيننا تنشأ قطعة صغيرة ثم تنتشر. * الطالب: الأصل أنه من طريق التبخر يا شيخ؟ * الشيخ: الله أعلم، ما نجزم. * طالب: كونه ينزل بقدر معين، لو نزل بكثرة لأغرق.. * الشيخ: إي نعم، المهم فيه الآن أخذنا منه ثلاث آيات. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ الذي يحيا هل هو الأرض أو النبات الذي فيها؟ الذي يحيا هو النبات الذي فيها؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، قد يقول القائلون بأن في القرآن مجازًا: إن هذا من المجاز؛ حيث أطلق حياة الأرض على حياة نباتها، ونحن نرد عليهم بأن نقول: إن مثل هذا الأسلوب في اللغة العربية لا يعنى به أبدًا حياة الرمل والتراب والأحجار، وإنما يعنى به؟ * طالب: حياة (...). * الشيخ: ما فيها من الثمار والزروع، وما دام هذا معنى هذا التركيب في الأسلوب العربي بقي هذا حقيقة لا مجازًا؛ لأننا قد قررنا فيما قبل قاعدة فقلنا: إن الكلمات لا يتبين معناها إلا بالسياق، وضم بعضها إلى بعض، وكم كلمة كان لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق، نأتي لمثل (القرية)، كلمة (القرية) التي يدندن حولها من يقولون بالمجاز، نقول: القرية استعملت مرادًا بها أهلها، واستعملت مرادًا بها مساكنهم، بلفظ صريح في الموضعين، واستعملت مرادًا بها أهلها بالقرينة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت ٣١]، وأيش المراد بالقرية؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا يا إخوان، ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ المراد بها المساكن، واضح، ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ المراد بها المساكن، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج ٤٨]، وأيش المراد؟ * الطلبة: أهلها. * الشيخ: أهلها، لا شك في هذا؛ لأن الظلم لا يوصف به المساكن، المساكن ما هي تظلم، فإذن المراد بالقرية أهلها بقرينة قوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾، ولا يمكن لأي واحد أن يقول: إن المتبادر من هذا اللفظ من (القرية) المساكن، ما أحد يقول، أبدًا، وحينئذٍ ما استعملت (القرية) الآن في مجازها، استعلمت في حقيقتها؛ لأن حقيقة الكلام: ما يتبادر إلى الذهن من المعنى، هذه حقيقته، وهو يختلف باختلاف السياق. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢] هذا اللي جعلوا يضربون على وترها من يقولون: إن في القرآن مجازًا، ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ قالوا: معلوم ما هذا المراد ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ هروح للجدران أقول: يا ولد هو سرق أخو يوسف؟ أحد يعقل أن هذا هو المعنى؟! أبدًا، ما أحد يعقل هذا، ولو أن أحدًا قال: إن هذا ظاهر كلام الله، لكان بالحقيقة ساخرًا بكلام الله، فالله ما أراد هذا إطلاقًا، ولا يفهم من هذا المعنى إطلاقًا من هذا اللفظ. وبهذا تبين أن الكلمة يكون لها معنى بحسب السياق، فالمعنى المتبادر من السياق هو حقيقة الكلام، في أي تركيب كان، وحينئذٍ نقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، المراد بلا شك؟ المراد: أحيا به النبات؛ لأنه الذي يوصف بالحياة والنور، أما الأرض نفسها، فإنها رمل وأحجار وتراب، ما يحيا ولا يموت. وقوله ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فيه آيات كثيرة: آيات دالة على الرحمة، وآيات دالة على الحكمة، وآيات دالة على القدرة، آيات دالة على الرحمة بما في هذا الإحياء من المنافع العظيمة: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات ٣١، ٣٢] لمن؟ ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٣]، فكم من نعمة كثيرة في هذه الزروع التي أحياها الله تعالى بالمطر، ولَّا لا؟ لنا ولأنعامنا، قوتًا ودواءً وغير ذلك، واضح؟ هذا دال على الرحمة. فيه آيات دالة على الحكمة وهو: أن حياة هذه الزروع جاءت بسبب، وهو؟ الماء الذي نزل، فمنه نأخذ أن الله جل وعلا يخلق بحكمة، ويقدر بحكمة، الله قادر جل وعلا أن يقول للأرض: أنبتي الزرع، فتنبت بدون ماء، لكن كل شيء مقرون بسبب، فكونه جل وعلا ربط إحياء الأرض بنزول الماء وأيش يدل عليه؟ على الحكمة، وأن كل شيء له نظام خاص لا يتعداه، منذ خلق إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم. فيه آيات دالة على القدرة، وهي: أنك ترى الأرض خاشعة، هامدة، سوداء، شهباء، ما فيها شيء، فإذا أنزل الله عليها المطر بعد نحو شهر تأتي إليها تجدها تهتز أزهارًا، وأوراقًا، وأشجارًا، ﴿إِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، هذه قدرة عظيمة، واللهِ لو أن البشر كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمعوا على أن يخرجوا ورقة من حبة، ورقة واحدة من حبة، يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون، وحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، أليس هذا دليل على القدرة العظيمة؟ نعم، على القدرة العظيمة التي لا منتهى لها، إذن فيه آية على القدرة، وأيش بعد؟ والحكمة، والرحمة. قال: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ نشوف ﴿بَثَّ﴾ وأيش اللي معطوفة عليه؟ ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؟ * طالب: عطف على ﴿أَحْيَا﴾. * الشيخ: على ﴿أَحْيَا﴾؟ إذن معناها: بث الدواب بعد نزول المطر، الظاهر أنها معطوفة على قوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: وفيما بث فيها من كل دابة، وفيما بث في الأرض من كل دابة، أو في الأرض والسماء؟ ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ (كل) أتى بها للدلالة على الأنواع والأجناس، أنواع وأجناس في الأرض من الدواب ما يعلم بها إلا الذي خلقها، ما يعلم بأنواعها وأجناسها -فضلًا عن أفرادها- إلا الذي خلقها سبحانه وتعالى، يعلم هذه الأجناس، وأنواعها، وأفرادها، وأحوالها، وكل ما يصلحها، يعلمه الله عز وجل، وفيها من آيات الله الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وعلمه، وحكمته ما يبهر العقول، شوف -سبحان الله العظيم- تجد هذه الدواب المختلفة المتنوعة، والحشرات الصغيرة، كيف الله هداها لما خلقت له، ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠]، حتى إنك لترى الماء يدخل في جحر الذر، فترى الذر تخرج من هذا الجحر حاملة أولادها، ذر تحمل أولادها، ماذا ترجو من هذه الأولاد؟! لكن رحمة أرحم الراحمين جعل في قلب هذه الذرة رحمة لتحمل أولادها عن الغرق، أنا شاهدته بعيني، وأنتم إذا شئتم جربوا. * طالب: (...) قلب؟ * الشيخ: نعم، لها قلب، ولها عقل يليق بها، فالحاصل أن هذا من آيات الله عز وجل، كذلك أيضًا البهائم، السباع الضارية اللي تأكل ما دون أولادها من الحيوان، تجد أولادها اللي أكبر منها اللي هي تأكل ماذا تصنع به؟ تحنو عليه وتربيه، حتى إذا استقل بنفسه صار عدوًّا لها، أو صارت هي عدوة له، الهرة تربي أولادها، فإذا استغنوا عنها؟ طردتهم، صارت عدوة لهم، هذا من آيات الله عز وجل. في هذه الدواب التي بثها الله في الأرض من آيات الله: أنك ترى بعض الدواب تدب على الأرض، تدب، لكن ما تكاد تدرك جسمها فضلًا عن أعضائها، فضلًا عما في جوفها، ومع ذلك عائشة ولَّا لا؟ -عايشة ما هي عائشة أو لا؟ عايشة- عايشة على ما هي عليه، عايشة وتعرف مصالحها، وتعرف جحرها، وتأوي إليه، هذه من آيات الله، وعلى كل حال نحن ما نعرف الحقيقة، ما درسنا في علم الأحياء، ومن درس في علم الأحياء وجد من هذا ما يبهر العقول، فما بث الله في الأرض من الدواب من أجناسه وأنواعه هذا فيه من آيات الله ما لا يحصى؛ لأن في كل شيء منه آية، وهو لا يحصى أنواعًا أو أجناسًا، فضلًا عن أفرادًا. وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ فيه آيات، يعني: هذه الدواب العظيمة الكثيرة معلومة عند الله أو لا؟ معلومة؛ لأنه خلقها، موضوع فيها الرحمة؛ لأننا نشاهد التراحم بينها، فيها مصالح للعباد، ولَّا لا؟ نعم، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس ٧١، ٧٢]. وهنا آية أيضًا غريبة وهي: تمام قدرة الله عز وجل بخلق الضدين في الحيوان، فيه حيوان يؤذي بني آدم، وفيه حيوان ينتفع به بنو آدم، والخالق واحد، والمادة واحدة، والجنس واحد، ومع ذلك هذا منه غاية الضرر، وهذا منه منافع كثيرة، ولَّا لا؟ البعير أكبر من العقرب، معلوم؟ معلوم، العقرب تلدغ فتؤذي أو تضر، وربما تقتل، والبعير؟ تنفع، ذللها الله عز وجل، يجيء الصبي الصغير اللي يرعاها يأخذ بخطامها ويقودها إلى ما شاء، أو يستدبرها ويسوقها إلى ما شاء، وهذا لا شك أنه من آيات الله، الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة وجعل بعضها نافعًا وبعضها ضارًّا، هذا من آيات الله. * طالب: شيخ، فيها آيات ردًّا على الممثلة الذين مثلوا الله بخلقه؛ فإنها تختلف هذه الجمادات مع.. * الشيخ: إيه، مع اتفاق الاسم. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ عندي فيها قراءة ثانية: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ﴾ أما على قراءة الإفراد فالمراد الجنس، وأما على قراءة الجمع فالمراد أنواعها، ﴿تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ فيه آيات تصريف الرياح؟ إي نعم، فيه آيات كثيرة، والتصريف يشمل: تصريفها من حيث الاتجاه، تصريفها من حيث الشدة وعدمها، تصريفها من حيث المنافع وعدمها، أو لا؟ من حيث الاتجاه: جعلها الله سبحانه وتعالى متجهة: جنوبًا، وشمالًا، وغربًا، وشرقًا، هذه هي الأصول في الجهات، وهناك جهات أخرى تكون بينها وتسمى: النكبة؛ لأنها ليست على الاستقامة في الشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب، فهي نكباء، ناكبة عن الاتجاه الأصلي. هذه الرياح في تصريفها آيات، لو بقيت الريح من اتجاه واحد لأضرت بالعالم، لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدة بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى والجراثيم وغيرها، فتتقابل ويكسر بعضها بعضًا، كذلك أيضًا في تصريفها آيات بالنسبة للسحاب، فبعضها يجمع السحاب، وبعضها يفرقه، وبعضها يلقحه، وبعضها يدره، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور ٤٣]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر ٢٢] قال أهل العلم: إنها تلقح في السحاب، وتلقح أيضًا بعض النبات، بعض النبات الذي يحمل اللقاح إليه هو الرياح، في تصريف الرياح أيضًا آيات للسفن الشراعية، ولَّا لا؟ نعم، فيه أيضًا آيات في إهلاك أناس وإنجاء آخرين، ولَّا لا؟ أهلك الله به عادًا، وطرد به الأحزاب عن رسول الله ﷺ، وأنجى الله رسوله ﷺ بهذه الريح من شر الأحزاب، ففيه آيات، ومن تدبر هذا عرف ما فيها من قدرة الله، ورحمته، وعزته، وحكمته. لو أن جميع مكائن الدنيا كلها، كل مكائن الدنيا اجتمعت وصارت على أقوى ما يكون من نفث هواء، هل يمكن أن تحرك ساكنًا؟ إلا فيما حولها فقط، لكن تصل من أقصى الشمال إلى الجنوب أو العكس؟ ما تصل، والله جل وعلا: كن فيكون، تجد الرياح شديدة شمالية، وفي لحظة تنعكس وتكون جنوبية شديدة، هذا تمام القدرة العظيمة التي يدبرها الله عز وجل بأمر ما يستطيعه البشر؛ ولهذا صار تصريف الرياح آيات من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته. ثم إن في تصريفها أيضًا مصالح للسفن الجوية؛ لأن لها تأثيرًا على الطائرات، لها تأثير على الطائرات كما يقولون، وكذلك بالنسبة للسيارات ما لها تأثير؟ لها تأثير، إذن فالرياح في الحقيقة تصريفها فيه آيات من آيات الله العظيمة الكثيرة. ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ هذه من آيات الله: السحاب المسخر بين السماء والأرض، السحاب هو هذا الغمام والمزن، وسمي: سحابًا؛ لأنه ينسحب انسحابًا في الجو، ما هو بيقفز قفزًا، أنتم تشاهدون الغيم الآن يقفز قفزًا؟ لا، لكنه ينسحب انسحابًا بإذن الله، هذا السحاب المسخر المذلل والذي ذلّله خالقه جل وعلا، ذلّله لمصالح عباده، يرسله الله أحيانًا رحمة وأحيانًا نقمة، هذا السحاب المسخر المذلل بين السماء والأرض فيه آيات، آيات دالة على أي شيء؟ على القدرة، والرحمة، والحكمة، كلها موجودة في هذه الآيات، على القدرة من يستطيع أن يأتي بالسحاب؟ من؟ الله عز وجل، ما أحد يستطيع، ثم من يستطيع أن يدر منه هذا الماء؟ الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان ٣٤]. ثم من يستطيع أن يجعل هذا السحاب أحيانًا متراكمًا، متراكمًا حتى يكون مثل الجبال السود يوحش من يراه، وأحيانًا يكون خفيفًا، وأحيانًا يكون سريعًا، وأحيانًا يكون بطيئًا، وأحيانًا تراه لا يتحرك، نحن شاهدناه كثيرًا نجده مستقر ما يمشي؛ لأنه يمشي بأمر الله، فهو مسخر مذلل بأمر الله عز وجل. ثم هذا السحاب أيضًا مسخر بأمر الله، يسقي هذه الأرض ولا يسقي هذه الأرض، تجده يأتي فوق الرؤوس ويرعد ويبرق، وربما يستقر بعض الاستقرار ولا يمطر، ثم ينصرف إلى قوم آخرين، فيمطر عليهم بدون هذا الرعود والبرق؛ لأنه يؤمر، وأظنه لا يخفى عليكم -أو على أكثركم- قصة الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: «أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ.»، وهذه ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول هذا الرجل: «فَانْطَلَقْتُ فَأَفْرَغَتِ السَّحَابُ مَاءَهَا فِي حَرَّةٍ، ثُمَّ جَرَى الْوَادِي فِي شَطْرِ الْحَرَّةِ، فَأَسْقَى تِلْكَ الْحَدِيقَةِ، فَجَاءَ إِلَى صَاحِبِهَا فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا فُلَانٍ؟ قَالَ: مَاذَا تُرِيدُ؟ أَخْبَرَهُ بِاسْمِهِ، فَإِذَا هُوَ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَهُ فِي السَّحَابِ يَقُولُ: أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: إِنِّي أَقْسِمُهَا، أَوْ أُجَزِّئُهَا أَثْلَاثًا: ثُلْثٌ لِلْفِلَاحَةِ، وَثُلْثٌ لِأَوْلَادِي، وَالثُّلْثُ الثَّالِثُ أَتَصَدَّقُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٤ / ٤٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، الشاهد أن هذا السحاب ينزل ماءه بأمر الله، ويمتنع بأمر الله عز وجل، وكذلك لا يخفى عليكم ما ثبت في الصحيحين من «حديث أنس في قصة الرجل الذي جاء للرسول الله عليه الصلاة والسلام يطلب منه أن يستسقي، النبي عليه الصلاة والسلام سأل الله أن يغيثه، والسماء صحو ما فيها ولا قزعة، فأنشأ الله السحاب وانتشر، ورعد، وبرق، وأمطر، فما نزل الرسول ﷺ من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته - » سبحان الله العظيم لو اجتمع الخلق كلهم على أن يفعلوا هذا الفعل ما استطاعوا، لكن الله خلقه وسخره وأمره، فنزل، آية من آياته، وآية لصدق رسوله- «في الجمعة الثانية طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستسقي لهم فقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»، وجعل يشير بيده حوالينا، كذا، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨)، من حديث أنس رضي الله عنه.]]، انفرجت لأمر الرسول ولَّا لأمر الله؟ لأمر الله، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام موجه، مثلما هو قاسم والله معطي، الرسول موجه، لكن السحاب لو أمره الرسول ﷺ ألف مرة ولم يأمره الرب جل وعلا، ما تحرك، لكن هذا بأمر الله. هذا من تسخير الله سبحانه وتعالى لهذا السحاب المسخر، وإذا رأينا أيضًا لهذا السحاب المسخر، وأظن بعضكم ركب الطائرة، تجد هذا السحاب بعضه تحتك مثل بُعد الأرض، وبعضه فوقك مثل بُعد السحاب عن الأرض، طبقات عظيمة، كنا نظن أن السحاب قبل أن نصعد إلى الجو أن السحاب كله في طبقة واحدة، فإذا هو طبقات عظيمة متباعدة ومتباينة، وشاهدناه أيضًا في الأرض وفي الجو، شاهدناه يجتمع بعضه إلى بعض ويلتئم، وقد ذكروا لنا -أهل الدراية في هذه الأمور- أنه إذا أرعد جانب من السحاب بدأت المزن تتجمع على هذه لترعد، تتجمع بإذن الله، تشاهدونها كأن فيها مغناطيسًا يجذب هذا المتفرق من السحاب إليه، هذا أيضًا من آيات الله عز وجل. وقوله: ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما المراد بالسماء؟ السماء: السقف المرفوع، والأرض أرضنا هذه، وهذه البينية هل تقتضي الملاصقة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، فهي بينها بدون ملاصقة، أنا قصدت بهذا التقرير الرد على الذين أنكروا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٤ / ١٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، وقالوا: لو كان هذا حقيقةً.. الدليل هذا ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، وكذلك تقول: بدر بين مكة والمدينة، هذا في المكان، وبينهم؟ بينهم مسافة واضحة. * طالب: وحملها بين السماء والأرض هل بدون شيء؟ * الشيخ: إي نعم هذا أيضًا من آيات الله، حملها البحار العظيمة بين السماء والأرض، وكونه أيضًا كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور ٤٣]، هذا في الجو جبال من البرد، ولا تستغرب ذلك، لا تستغرب أن يكون فيها جبال من البرد، محمول بقدرة الله عز وجل وبأمره، وإن كان له سبب خلقه الله لحمله، لكن المهم أنه محمول بأمر الله وقدرته، نحن في العام الماضي ذهبنا في الصيف من هنا إلى الدمام، وقال لنا الطيار يتكلم بالطائرة، قال: إن درجة الحرارة خمس وعشرين تحت الصفر، وإحنا في الأرض نحترق، (...) في الصيف، لكن يجينا الحر في وسط النهار، خمس وعشرين تحت الصفر وأيش تقتضي؟ الجماد، يجمد، جماد، نحن نقول: كيف بإذن الله إذا جاء وقت الصيف وهو حر أيش لون ينزل البرد؟ وغالبًا ما يكون البرد في أيام الصيف، ولكن وجدنا أن الجو طبقات عظيمة، طبقات عظيمة، هذا الجزء من طبقات الجو اللي وصل درجة حرارته إلى خمس وعشرين تحت الصفر يقين إن الماء الذي فيه سيجمد، يكون جبال، ومع ذلك ينزله الله عز وجل كما تشاهدون ينزله حبات، حبات إذا لم يوجد له الضرر، إذا لم تقتضي الحكمة أن يضر أحدًا به، فإنه ينزل كما تشاهدون، حبات دقيقة لا تضر حيوانًا، ولا تفسد شجرًا. وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ اللام هذه للتوكيد، و﴿آيَاتٍ﴾ اسم إن منصوب بها، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * طالب: (...) أو نيابة عن (...). * الشيخ: علامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره. * الطالب: صحيح هذا؟ * الشيخ: لا، لازم تبين، الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنك لو تقول: كسرة ظاهرة في آخره، ظن من سمعك أن من علامات النصب الكسرة وليس كذلك. وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ عرفتم فيما سبق أن كل واحد من هذه الأنواع فيه آيات، كل واحد فيه آيات، ما هو معناها أن الآيات موزعة لكل واحد آية، كل واحد يشتمل على آيات. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ أي لهم عقول، وقد سبق لنا أن العقل ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل الرشد، عقل الإدراك هو مناط التكليف، وعقل الرشد مناط الثناء والمدح، الأول بفقده يُفْقَد التكليف، والثاني بفقده يُفقَد المدح والثناء، أيهما المراد هنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؟ يعني عقل اللي هو مناط التكليف، وهو عقل الإدراك، أو عقل مناط الثناء والمدح، وهو عقل الرشد؟ * الطلبة: الرشد. * الشيخ: الأخير، عقل الرشد، فالإنسان العاقل الذي يستعمل عقله فيما ينفعه، فيعقله عما لا ينبغي؛ لأن العقل سُمي بذلك؛ لأنه يعقل صاحبه عما لا ينبغي، فالإنسان العاقل حقًّا إذا تأمل هذه الأشياء وجد أن فيها آيات تدل على خالقها جل وعلا، وعلى موجدها، أما الإنسان المعرض فهو وإن كان عقله كبيرًا وذكائه قويًّا فإنه لا ينتفع به؛ ولهذا وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يعقلون، مع أنهم في العقل الإدراكي عقلاء ولَّا لا؟ في العقل الإدراكي الذي يدركون به ما ينفعهم ويضرهم، لكن لا يعقلون، موجود فيهم العقل هذا ولَّا لا؟ موجود، لكن نفاه الله عنهم لعدم انتفاعهم به، وعدم عقلهم الرشدي الذي يرشدهم إلى ما فيه مصلحتهم، ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. * الطالب: بَثَّ معطوفة على الماء، ما تكون معطوفة على أحيا؟ * الشيخ: نعم لأنك إذا قلت: على أحيا لصار البث مرتبًا على إنزال الماء. * طالب: (...). * الشيخ: الفاء في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ مرتبة على ﴿أَنْزَلَ﴾ فإذن يكون المعطوف عليها مرتبًا على ﴿أَنْزَلَ﴾، وليس الأمر كذلك. * في الآية الكريمة: أن إله الخلق إله واحد وهو الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦٣]. * ومن فوائدها: إثبات اسم الإله والواحد لله، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨] فأثبت اسم الواحد لله سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: اختصاص الألوهية بالله؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وفي التفسير أشرنا إلى وجه الإشكال بين هذه الآية وبين ما أثبت الله تعالى من ألوهية أصنام، وقلنا: إن الجمع بينهما الحق والباطل، فألوهية الله حق، وألوهية أولئك باطل. * ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الرحمن، الرحيم، الإله، والواحد، والرحمن الرحيم. * ومن فوائدها: ثبوت أو إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من الصفة والحكم، وبعض العلماء يقول: الصفة والأثر، الصفة ما هي؟ الرحمة، الصفة الرحمة، والحكم أنه يرحم بهذه الرحمة، ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. * الطالب: شيخ، أيش الصفة المشتقة من اسم الواحد؟ * الشيخ: الوحدانية. * ومن فوائد الآية: أنه قد يكون للاسم من أسماء الله معنى إذا انفرد، ومعنا إذا انضم إلى غيره؛ لأن الرحمن لو انفرد لدل على الصفة والحكم، وإذا جُمع مع الرحيم جعل الرحمن للوصف والرحيم للفعل. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: عظم خلق السموات والأرض، ما وجهه؟ * الطالب: لقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ فلولا أنه عظيم ما كان آية، فيستفاد منه عظم خلق السموات والأرض. * ومنها: أن السموات متعددة، تؤخذ من الجمع ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾. * ومنها: أن السموات مخلوقة، فهي إذن معدومة من قبل، فليست أزلية. * فيتفرع على هذه الفائدة: الرد على الفلاسفة الذين يقولون: بقدم الأفلاك، يقولون: بقدم الأفلاك يعني أنها قديمة غير مخلوقة، وأنها أزلية أبدية؛ ولهذا أنكروا انشقاق القمر، وقالوا: إن الأفلاك العلوية ما يمكن يلحقها تغيير، وفسروا قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١] بأن المراد ظهور العلم والنور برسالة النبي ﷺ، ولا شك أن هذا تحريف باطل، مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذن نستفيد من هذه الآية أيش؟ أن السموات مخلوقة، فهي إذن حادثة، ليست قديمة خلافًا للفلاسفة القائلين بقدمها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه السموات والأرض ليصل إلى الآيات التي فيها؛ لأنه قال: فيها آيات، إذن تأمل لتصل إلى هذه الآيات. * ومنها: أن الآيات في خلق السموات والأرض متنوعة بحسب ما تدل عليه من القدرة والحكمة والرحمة وما إلى ذلك، ففيها قدرة وحكمة، هذا الانتظام، وفيها رحمة للخلق. * ومنها: ما في اختلاف الليل والنهار من الآيات؛ لقوله: ﴿اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤]. * ومنها: أن اختلافهما من رحمة الله؛ لأنهما يتضمنان الرحمة والقدرة، وسبق أن اختلاف الليل يتضمن؟ اختلافهما بالطول، والقصر، والظلمة، والنور، والحر، والبرد، والنصر، والخذلان، والجدب، والخصب وغير ذلك، وكذلك أيضًا راحة الناس ومن آياته ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣] * ومن فوائدها أيضًا: ما في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من نعم الله الدالة على آياته، وسبق أن فيها آيات متنوعة. * ومنها أيضًا من فوائد الآية: ما تضمنه إنزال المطر من السماء، فيه آيات؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم فيه آيات عظيمة، كون هذه البحار العظيمة تمشي بين السماء والأرض، وتنزل رذاذًا لا صبًّا، وتنزل أيضًا بحسب أمر الله عز وجل، ما هي تمشي هكذا، تمشي بأمر الله عز وجل كما تقدم تفسيره. * ومنها: ما تضمنه قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤] من الآيات، وأظن سبق الكلام عليها، فهي آيات عظيمة دالة على كمال القدرة، والرحمة، والعظمة، وعلى إحياء الله تعالى الموتى. * ومن فوائد الآية أيضًا: ما تضمنه قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ نشر وفرق من كل دابة، كم عددها؟ ما يُعلم عدها، عَدُّ أجناسها فضلًا عن أنواعها، فضلًا عن أفرادها، هذه الدواب العظيمة المختلفة كِبَرًا وصِغَرًا، ونفعًا وضررًا إلى آخره كلها من آيات الله عز وجل، تجد العقرب تلسعك وهي كبر الأصبع، وتؤذيك، والناقة وهي أكبر من خمسة رجال تنفعك ومسخرة مذللة لك، فهذا من آيات الله عز وجل، وكذلك سبق لنا أيضًا في التفسير إن فيها من آيات الله ما أعطاه الله تعالى من الهداية لما خلقت له، وأن هذه الدواب التي لا تكاد تراها صِغَرًا مهدية شو له؟ لما خلقت له. * ومن فوائد الآية أيضًا: ما في تصريف الرياح من الآيات، وفيها قراءة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ﴾ ، تصريف الرياح إلى جنوب، وشمال، وشرق، وغرب، وبين ذلك، بس؟ وشدة، وقوة، وعكس ذلك، وكذلك أيضًا منافع؛ لأنها تختلف منافعها، ففي كل هذا آيات من آيات الله عز وجل، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يأتوا بمثل العاصفة التي أصابتنا ليلة الجمعة حتى قلبت الجو من الحر إلى البرد يستطيعون؟ أبدًا ما يستطيعون، كل آلاتهم ما يستطيعون، وهذا أمسينا ونحن في حر وأصبحنا في برد -الله أكبر-. * ومن فوائد الآية: ما في السحاب المسخر بين السماء والأرض من الآيات العظيمة، ففيه؟ السحاب المسخر، إنه مسخر مذلل لأيش؟ لمصالح الخلق، يمشي بإذن الله، ويمطر بإذن الله، ويُقْلِع بإذن الله نعم؟ وهو سحاب، جماد، لكنه يفهم ما يؤمر به، ويمتثل ما يؤمر به ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١] ماذا قالتا؟ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] وهما جماد، وقيل لابن آدم: اسجد وصل. فقال: ما أنا بساجد ولا مصل. وهو إنسان له إرادة، شوف الفرق، هذا السحاب المسخر بين السماء والأرض فيه من آيات الله عز وجل ما يبهر العقول، والعالمون بهذه الأمور أكثر منا اطلاعًا على هذا الأمر. * ومن فوائد الآية: مدح العقل، وأن به يستظهر الإنسان الآيات التي تزيده إيمانًا ويقينًا، لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٦٤]، طيب آيات على أيش؟ قلنا: على كل ما تضمنته من الدلالات على ما لله عز وجل من أين؟ من القدرة، والعظمة، والحكمة، والرحمة وغير ذلك، فإنه يستدل بالأثر على المُؤَثِّر، ولله المثل الأعلى، لو أنك وجدت قصرًا محكمًا في بنائه، وفي شكله، وفي كل أحواله استدللت به على أيش؟ على أن بَنْيَهُ له علم، ومعرفة، واطلاع، حنكة، فكذلك هذه السماء والأرض، وما ذكر الله في هذه الآيات، والمراد بالعقل هنا تقدم أن المراد؟ * الطلبة: الرشد. * الشيخ: إي نعم، عقل الرشد الذي يهتدي به الإنسان، أما العقل الذي هو ضد الجنون وهو عقل الإدراك الذي يناط به التكليف فهذا قد لا يفهم الإنسان ما فيها من الآيات، ولو كان عاقلًا بهذا المعنى.

البقرة 2:165

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة ١٦٥] ﴿مِنَ﴾ بمعنى: بعض، فهي للتبعيض ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ وأتى بها بعد أن ذكر ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ واستدل على ألوهيته بما في خلق السموات والأرض وما ذكر من الآيات، فهمتم؟ بَيَّن بعد ذلك أن من الناس مع هذه الآيات الواضحة ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ و﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبتدأ ولَّا لا؟ ﴿مَنْ يَتَّخِذُ﴾ ﴿مَنْ﴾ * الطالب: اسم موصول. * الشيخ: اسم موصول مبتدأ مؤخر، وعند بعض النحويين: أن من التبعيضية اسم، فيرى أن من مبتدأ، ويقول: بعض الناس، وعلى هذا ﴿مَنْ يَتَّخِذُ﴾ خبره، لكن المشهور ما قلناه أولًا، ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ ﴿مِنْ دُونِ﴾ أي من سواه، وغيره، يعني من المخلوقات. وقوله: ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع ند، وهو الشبيه والنظير؛ لأنه من نَادَّه يُنَادُّه إذا كان نظيرًا له مكافئًا له. قال: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: هذه الأنداد ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يحبونهم، ولم يقل: يحبونهن، مع أن الغالب في هذه الأنداد أنها من غير العاقل، وغير العاقل ماذا يكون ضميره؟ مؤنث ولَّا مذكر؟ ضميره مؤنث، لكنه أتى لها بضمير العاقل باعتبار عقيدة عابديها؛ لأنهم يعتقدون أنها تنفع وتضر فهمتم؟ * الطالب: سؤال يا شيخ، ويش لون غير العاقل ليس له ضمير (...)؟ * الشيخ: يعني: مثلًا الشيء اللي غير العاقل ما يؤتى له بضمير العاقل، النون لجماعة العقلاء، فإذا أردت أن تجمع أو أن تتحدث عن ضمير جماعة غير عقلاء تأتي بالنون، ولَّا تأتي بها الدالة على التأنيث، ما تأتي بالميم الدالة على جمع العقلاء، لكنه هنا قاله من باب أيش؟ من باب مخاطباتهم بما يعتقدون. وقوله: ﴿أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ﴾ جملة ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ صفة لأنداد، ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي: كحبهم لله أو لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: أو كحب المؤمنين لله؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) محتملة، لكن الأول أظهر، ولهذا جعلهم أندادًا أي: هؤلاء جعلوا هذه الأصنام مساوية لله، فيحبونهم كحب الله، وحب الله عز وجل حب عبادة، ورغبة، ورهبة، فهم يحبون هذه الأصنام حب عبادة، ورغبة، ورهبة، يعتقدون أنها تنفع وتضر، ولا فرق في ذلك بين من يتخذ محبوبًا إلى الله، أو غير محبوب إليه، فمن اتخذ النبي ﷺ ندا لله بالمحبة والتعظيم، كمن اتخذ صنمًا من شجر أو حجر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وهذا الصنم كلاهما لا يستحق أن يكون ندًّا لله عز وجل، ولهذا لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨] وكان ظاهر الآية يشمل الأنبياء الذين عُبِدُوا من دون الله، استثناهم الله في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] ولو عُبِدُوا من دون الله. وقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿أَشَدُّ﴾ خبره، و﴿حُبًّا﴾؟ * طالب: تمييز. * الشيخ: تَميُّز ولا تمييز؟ * الطالب: تمييز. * الشيخ: فيها ياءين؟ * الطالب: إي نعم. * الطالب: لا، تمييز؟ * الشيخ: ياءين إي نعم، تمييز؛ لأنها بعد أفعل. * طالب: (...)، بياء واحدة. * الشيخ: تمييز ما تعرف التمييز؟ مثل الذي قال للملك كأن وجهك دينار؟ طيب ﴿أَشَدُّ حُبًّا﴾ تمييز؛ لأنه جاء بعد أيش؟ بعد أفعل التفضيل، مثل: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف ٣٤]، ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ أين المفضل عليه؟ لأن أشد اسم تفضيل يقتضي مفضلًا ومفضلًا عليه، المفضل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو حب الذين آمنوا، المفضل عليه أشد حبًّا لله من هؤلاء، طيب من هؤلاء لمن؟ قيل: لأصنامهم، وقيل: لله، والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لأصنامهم، وقيل المعنى: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لله، كلا القولين صحيح، أما الأول: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لأصنامهم؛ لأن حب المؤمنين لله حب رهبة ورغبة في الضراء والسراء، أليس كذلك؟ حب هؤلاء لأصنامهم في السراء فقط، وعند الضراء يلجئون إلى من؟ إلى الله عز وجل، فإذن ليس حبهم لهؤلاء كحب المؤمنين لله عز وجل، ثم نقول: إن بعضهم يصرح يقول: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، أما الوجه الثاني في الآية والذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء لله، فوجه التفضيل ظاهر؛ لأن حب المؤمنين لله خالص لا يشركه شيء، وحب هؤلاء مشترك، يحبون الله ويجعلون معه الأصنام ندًّا، وكلا المعنيين حق، فالذين آمنوا أشد حبًّا لله في هذا وفي هذا. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إلى آخره، هل يمكن أن نرجئ الكلام على المحبة إلى كتاب التوحيد إن شاء الله، لأن المؤلف رحمه الله عنون بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، وهناك إن شاء الله تذكر أقسام المحبة، وما كان منها نافعًا وما كان منها ضارًّا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ إلى آخره، هذه الآية فيها قراءات، أولا: ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ ، والقراءة التي قرأنا قبل: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وفيها قراءة: ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يُرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ ، فالقراءات إذن ثلاثة، قراءة على التاء، القراءة على التاء يتولد منها قراءتان: ﴿يُرَوْنَ﴾ وأيش بعد؟ و﴿يَرَوْنَ﴾، ﴿يُرَوْنَ﴾ و﴿يَرَوْنَ﴾، هذه على قراءة: ترى، ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يُرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ ، ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ ، أما على قراءة الياء: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ بالفتح. قال: ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كلمة (لو) هل هي للتمني أو للشرط؟ لا شك أنها للشرط، وعلى هذا فتحتاج إلى شرط وجواب، أنتم معنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أين شرطها؟ * الطلبة: ﴿يَرَى﴾. * الشيخ: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ أو ﴿تَرَى﴾ على القراءتين، طيب ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وأيش محلها من الإعراب؟ * الطلبة: فاعل. * الشيخ: فاعل على قراءة: ﴿يَرَى﴾، ومفعول به على قراءة: ﴿تَرَى﴾ ، وقوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ ﴿يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ و﴿يُرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ ما محل الواو في ﴿يَرَوْنَ﴾ أو ﴿يُرَوْنَ﴾ ؟ أما على قراءة ﴿يَرَوْنَ﴾ فمحلها الرفع على أنها فاعل، وأما على قراءة ﴿يُرَوْنَ﴾ فمحلها؟ * الطلبة: الرفع. * الشيخ: الرفع على أنها نائب فاعل، وهي في محل المفعول الأول، و﴿الْعَذَابَ﴾ مفعول ثان، وعلى قراءة ﴿يَرَوْنَ﴾ الواو فاعل و﴿الْعَذَابَ﴾ مفعول به، طيب هذا الإعراب، ﴿لَوْ تَرَى﴾ شرطية قلنا، فعل الشرط ﴿يَرَى﴾ أو ﴿تَرَى﴾ ، أين جواب الشرط؟ جواب الشرط محذوف، وتقديره على حسب القراءتين، أما على قراءة: ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ فالتقدير: لرأيت أمرًا فظيعًا أو أمرًا عظيمًا، فهمتم؟ لرأيت أمرًا عظيمًا، وأما على قراءة: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ هو محذوف أيضًا، لكن التقدير يختلف، لرأوا أنهم على ضلال في اتخاذ الأنداد، عرفتم؟ المهم على كلا التقديرين الجواب محذوف، فإذا قال قائل: ما هي الحكمة من حذف الجواب أو حذف المفعول أو ما أشبه ذلك؟ أليس ذكره أَبْيَن وأظهر؟ قلنا: بلى الذكر أبين وأظهر، لكن الحذف أعظم في التفخيم وأشد في التهويل، والمقام مقام تفخيم وتهويل للأمر وتشديد له، فمن أجل المقام صار حذفه أبلغ لموافقته لمقتضى الحال، وهذا هو البلاغة عرفتم؟ أن يكون الكلام موافقًا لمقتضى الحال، يفخم في مقام التفخيم، ويهون في مقام التهوين، ويؤكد في مقام التوكيد، ويجرد من التوكيد في مقام لا يحتاج إلى التوكيد. * طالب: يا شيخ، أين موضع المفعول المحذوف؟ * الشيخ: طيب هذا الموضع، قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تقدم لنا عدة مرات أن الظلم في الأصل هو النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، لكنه يختلف بحسب السياق، فقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هنا أي: نقصوا الله حقه؛ حيث جعلوا له أندادًا، وهم أيضًا ظلموا أنفسهم، أي: نقصوها حقها؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها، ولهذا قال الله تعالى في سورة الشمس وضحاها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠] فالنفس أمانة عندك، فإذا عصيت ربك فإنك ظالم لنفسك. وقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ إذ ظرف بمعنى حين، يعني: حين يرون العذاب، قال بعض المعربين: وإذ هنا بمعنى إذا، تأتي إذ بمعنى إذا؟ إي نعم؛ لأنها إذا تعلقت بمضارع ما تكون للماضي، إذ إن الماضي؟ الماضي للماضي، والمضارع للمستقبل، هنا اللي ما في الآية: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ للماضي ولَّا للمستقبل؟ * طالب: المستقبل. * الشيخ: المستقبل؟ نعم، للمستقبل، فتكون بمعنى إذا ولو يرى الذين ظلموا إذا يرون العذاب، نظيرها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر ٧٠، ٧١] إذ الأغلال أي: إذا الأغلال في أعناقهم، فالمهم أن (إذ) إذا كانت العامل فيها فعلًا مضارعًا فهي للمستقبل بمعنى إذا، فإذا قال قائل: ما الحكمة في أنها جاءت وهي للماضي في محل المستقبل؟ قلنا: لتحقق وقوعه، صار كأن المستقبل أمر ماض، ونظيره في الفعل قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل ١] أتى هذه بمعني المستقبل، أصلًا بمعنى الماضي، لكن في هذه الآية بمعنى المستقبل؛ لأنه قال: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لو كان قد جاء ما صح أنه قال: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. وقوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ قلنا: إن فيها قراءة ﴿يُرَوْنَ﴾ متى تكون ﴿يُرَوْنَ﴾ إذا كانت الأولى ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ فعلى قراءة ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ كما هي اللي معنا ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ الرؤية هنا بصرية، ولهذا لم تنصب إلا مفعولًا واحدًا، وكذلك على قراءة: ﴿إِذْ يُرَوْنَ﴾ هي بصرية، لكنها تعدت إلى مفعولين بالهمزة، لأن يُرى ثلاثي ولَّا رباعي؟ * طالب: رباعي. * الشيخ: يُرى رباعي؟ الآن يُرى، لو قال لك إنسان: ما تقول في يُرَى هل هو ثلاثي ولَّا رباعي؟ * طالب: ثلاثي، نرجع إلى الأصل. * الشيخ: طيب، ولو قال لك قائل: ما تقول في يَرَى؟ * طالب: ثلاثي. * الشيخ: كلهم ثلاثي؟ أما من جهة يَرَى فهي ثلاثية، صح، وأما يُرى فهي رباعية؛ لأنها من أَراه يُرِيه، فيُرون أي يجعلون يرون، فهي من أراه وليست من رآه، وإذا كانت من أراه، أرى كم؟ رباعي، وأصل أراه -كما تعرفون- أرآه هذا أصلها، لكن فيها حذف الهمزة تخفيفًا. الحاصل أن ﴿يُرَوْنَ﴾ هي أيضًا بصرية، أي: يريهم الله عز وجل أيش؟ يريهم العذاب. وقوله: ﴿إِذْ يُرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ العذاب معناه العقوبة -والعياذ بالله- الذين تحصل لهم على أفعالهم. ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ هذه وأيش إعرابها؟ على قراءة ﴿يَرَى﴾ نعم؟ على قراءة ﴿يَرَى﴾ تكون مفعول ﴿يرى﴾ ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ كون القوة لله جميعًا، وأما على قراءة ﴿تَرَى﴾ ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ماذا تكون؟ قلنا: التقدير لرأيت أمرًا عظيمًا أن القوة لله، فتكون بدلًا من مفعول رأيت المحذوفة أي: لرأيت أمرًا عظيمًا، لرأيت أن القوة لله جميعًا، فتكون بدلًا من مفعول الجواب المحذوف. وقوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ اللام هنا بمعنى أيش؟ اللام بمعنى الاختصاص، يعني: أن الذي يختص بالقوة الكاملة من جميع الوجوه هو الله. ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ تقدم أن الله والعلم علم على الله عز وجل، وأن أصله: الإله، فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال تخفيفًا، و﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿جَمِيعًا﴾ حال من القوة، يعني: حال كونها جميعًا لا يشذ منها شيء، فكل القوة لله سبحانه وتعالى. إذا قال قائل: كيف يصح أن القوة لله جميعًا مع أن في غيره قوة؟ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم ٥٤] فالإنسان فيه قوة؟ فالجواب؟ ليست قوة الإنسان كقوة الله عز وجل، ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يكون تقدير الجواب إذا كانت على قراءة: ﴿يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تقدير الجواب ينبغي أن يكون بعد قوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أو بعد قوله أيضًا: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ يعني: لو يروا أن القوة إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب لعلموا أنهم في ضلال بجعل الأنداد لله. * طالب: يا شيخ؟ ما يكون ﴿الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة يعني ما في أحد له قوة أبدًا؟ * الشيخ: لا فيه من القوة، الناس يمشون ويسعون. * الطالب: من قدرة الله. * الشيخ: حتى في الدنيا من قدرة الله ومن قوة الله، فالقوة التي لا يضاهيها قوة لله جميعًا، ما للمخلوق منها شيء. * طالب: جمع الجمع يا شيخ (...) إعراب وأن. * الشيخ: لأن القوة، ما هي بأن. * طالب: إي، أن القوة وأيشها إعرابها؟ * الشيخ: مفعول ﴿يرى﴾. * طالب: لا، على قراءة: ﴿تَرَى﴾؟ * الشيخ: على قراءة ﴿تَرَى﴾ قلنا: تكون قبل، قبل ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لرأيتَ أمرًا عظيمًا أن القوة لله جميعا تكون بدلًا من مفعول الجواب المحذوف. * الطالب: يكون تقدير الجواب هذا في قراءة: ﴿يَرَى﴾؟ * الشيخ: في قراءة: ﴿يَرَى﴾ نعم في قراءة: ﴿يَرَى﴾. قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ يعني: ولرأوا أيضًا أن الله، أو لرأيت على القراءة الثانية ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ أي: قويه. طيب فإذا قيل: كيف يكون الله شديد العذاب وشديد العقاب مع أنه أرحم بالوالدة من ولدها؟ فيقال الجواب على ذلك بسيط: أن هذا من كمال عزه وسلطانه وعدله، وأنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، لو رحم هؤلاء الكافرين به لكان لا فرق بينهم وبين المؤمنين به، وهذا ينافي العدل، والله جل وعلا هو أحكم الحاكمين ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠] فمن حكمه الحسن أنه نزل هؤلاء في منزلتهم وهؤلاء في منزلتهم، فهؤلاء استحقوا العذاب باختيارهم هم، أليس كذلك؟ هما أنذروا، وجاءتهم الرسل بالبينات وأوضحوا لهم، وأخبروهم بأنهم سيستحقون هذا العذاب أخبروهم، فهم على بصيرة من الأمر، وعلى بينة من الأمر، فاختاروا لأنفسهم أسوأ الحالين، فهل في ذلك من ظلم؟ أبدًا ما فيه ظلم، بل فيه كمال العدل، وشدة عذاب الله لهؤلاء أمر معلوم، في القرآن وفي السنة. (...) والاستسقاء ومعلوم أن الاستغاثة تكون عند الضرورة، ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف ٢٩] نسأل الله العافية. يشوي الوجوه، فما بالك إذا وصل إلى الأمعاء؟ ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]، ومع ذلك تتقطع وتلتئم بسرعة، كما أنها تنضج جلودهم -والعياذ بالله- و ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ [النساء ٥٦] شوف ﴿كُلَّمَا﴾ للتكرار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦] الحكمة؟ ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٣ - ٤٦] -نسأل الله العافية- شجرة هذه الخبيثة مثل المهل، ترى الزيت اللي يكون فوقه ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ الماء اللي يفوح ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٧، ٤٨] ما هي أعظم من هذا العذاب -والعياذ بالله- ويقال له أيضًا تبكيتًا، وتوبيخًا، وتنديمًا، وتلويمًا يقال له: ﴿ذُقْ﴾ أيضًا يذكر، يذكر بحالة يتقطع أسفًا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ما هو بهنا، وين؟ في الدنيا، حتى يتذكر هذه الحالة ويزداد ندمًا -والعياذ بالله- كيف أبدلت تلك الحال بهذا الحال ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] فالله جل وعلا أشد العذاب ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ لأنه حكم عدل، فهؤلاء استحقوا ما عذبوا به؛ لأنهم كانوا على بينة من الأمر، ما عُمِّي عليهم الأمر، ولا أخفي عنهم، ولا لُبِّسَ عليم، ولكن –والعياذ بالله- اختاروا لأنفسهم هذا فكان ما كان. (...) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ (...) رحمة لمن؟ للمؤمنين، فإنه لا شك أن المؤمنين يسرون بعذاب أعداء الله، فهو رحمة بهم. من فوائد الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. * من فوائد الآية: أن بعض الناس يجعل لله ندًا في المحبة، يحبه كحب الله؛ لقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن المحبة من العبادات بدليل: أن الله جعل من سوى غيره به فيها جعله مشركًا متخذًا لله ندا، ونعم هي من العبادات بل هي مبنى العبادة، لأن مبنى العبادة على الحب والتعظيم. * ومن فوائدها: أن من فعل ذلك فهو ظالم؛ لقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾. * ومنها: إثبات القوة لله، من قوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. فإذا قال قائل: إثبات القوة لله يقتضي المشابهة، وأن يكون شبيهًا للخلق؛ لأن الإنسان له قوة، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤] فما هو الجواب؟ * الطالب: الجواب عن هذا أن قوة الله سبحانه وتعالى تختلف عن قوة المخلوق بدليل هذه الآية، أن بعد قوة المخلوق ضعف وقبلها ضعف، وأن قوة الله فإنها ليس بعدها ضعف ولا قبلها ضعف. * الشيخ: صح، أن يقال أن القوة للمخلوق غير القوة لله عز وجل، وهكذا نقول في بقية الصفات، والذين أنكروا الصفات تقدم لنا أنهم يحتجون بأن أيش؟ إثباتها يستلزم التشبيه، ونحن نقول: هذا لا يستلزم التشبيه؛ لأنها تختص بالخالق، فهنا معنى مشترك كلي، عام، وهناك شيء خاص، المعنى المشترك الكلي لا شك أن القوة واحدة، بمعنى أن القوة هي ضد الضعف، لكن القوة التي يختص بها الخالق هذه لا يشاركه فيها المخلوق، ولولا أننا نفهم أن هناك معنى كليًّا مشتركًا ما فهمنا معنى القوة ولا غيرها من صفات الله، مثل ما في الجنة نخل ورمان وفاكهة مثلًا ولحم طير، هل هذه الفاكهة والنخل والرمان ولحم الطير مثل ما في الدنيا؟ لا، لكنها تشترك في المعنى العام، الكلي العام، أنها نخل لكن ليس النخل كالنخل، ولا الرمان كالرمان، ولا الفاكهة كالفاكهة، ولا الطير كالطير. * ومن فوائد الآية: أن المؤمن محب لله عز وجل أكثر من محبة هؤلاء لأصنامهم؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. * ومنها: أنه كلما ازداد الإيمان ازدادت محبة الله، كلما ازداد إيمان العبد ازدادت محبته لله، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * الشيخ: إي، ما وجه أنه كلما ازداد الإيمان ازدادت المحبة؟ * الطالب: إذا علق الحكم على وصف (...). * الشيخ: أن الله تعالى رتب المحبة على الإيمان، وقد ذكرنا من قبل قاعدة مهمة وهي: أن الحكم إذا علق على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف وينقص بنقصه، فكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله عز وجل ازداد حبًّا له. * ومن فوائد الآية: إثبات وصف الشدة لله عز وجل في فعله، الشدة لله في فعله؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾، وهل الشديد من أسمائه؟ * طالب: لا. * الشيخ: ليس من أسماء الله، ليس من أسماء الله الشديد وإن كان يوصف به بعض فعله، لكن ليس ما يوصف به بعض فعله أن يشتق له منه اسم، بل ولا ما اتصف به لا يلزم أن يشتق منه؛ لأن الله يقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢] ولا يلزم، أو ولا يجوز على الأصح أن يشتق من هذه الصفات أسماء لله، ما يجوز أن يشتق منها أسماء لله، لكن كل اسم نشتق منه له صفة؟ نعم كل اسم من أسمائه فله منه صفة.

البقرة 2:166

قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] إذ ظرف عامله محذوف، التقدير: اذكر إذ تبرأ، وهل المراد بالذكر هنا التذكر؟ أو الإخبار بالشيء؟ أو الأمران؟ هل المعنى اذكر للناس هذا الأمر؟ أو تذكر أيها الإنسان هذا الأمر؟ الظاهر إنه هذا وهذا، إن الله تعالى يُذكِّرنا ويأمرنا أن نذكر لغيرنا. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأ تخلى، تبرأ التخلي والبعد، ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهم الرؤساء، والسادة يتبرؤون من الذين اتبعوا، وهم الأتباع والضعفاء وما أشبههم، من ذلك مثلًا رؤساء الكفر يدعون الناس إلى الكفر مثل فرعون دعا إلى الكفر فهو مُتَّبَع وقومه متبِعون، وكذلك غيره من رؤساء الكفر والضلال هؤلاء أيضًا مُتَّبَعون ومن تبعهم فهو متبِع هؤلاء يتبرأ بعضهم من بعض، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى مناقشة بعضهم لبعض ومحاجة بعضهم بعضا في عدة آيات. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهل يشمل هذا من اتبع أئمة الهدى؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: يشمل، من اتبع أئمة الهدى؟ ما يشملهم، ما يشملهم لا شك، فالمتبعون للرسول لا تتبرأ منهم الرسل، والمتبعون لأئمة الهدى ما تتبرأ منهم، الدليل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧] فالأخلة والأحبة في يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض إلا المتقين. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] نحن أمامنا الآن فعل ماض في تبرأ وفعل ماض في رأوا مع أن هذا الأمر مستقبل، لكن لتحقق وقوعه عُبِّر عنه بالماضي، وهذا كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] أي: أنه سيأتي بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ رأوه بأعينهم كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣] والعذاب هو العقوبة التي يعاقب الله بها من يستحقها. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] -أعوذ بالله- ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ الباء هنا إما أن تكون بمعنى عن أو تقطعت بهم صلة بمعنى أنهم يعني هم كأنهم متشبثون بها الآن، ثم تتقطع بهم كما ينقطع الحبل بمن تمسك به للنجاة من الغرق. وقوله: ﴿الْأَسْبَابُ﴾ جمع سبب، فما هي هذه الأسباب؟ المراد بها كل سبب يعلقون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين نعم؟ مثل قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] وقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٩] هذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظنًّا منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تَقَطَّع بهم ولا يجدون سبيلًا إلى الوصول إلى غاياتهم. وفسرها ابن عباس -رضي الله عنهما- بالمودة[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣١١٣) من طريق عطاء عن ابن عباس. ]] ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] أي المودة، وهذا له نظر وجه قوي من النظر؛ لأن الآية في سياق قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فهم يرجون من هذا الحب أن يصلوا إلى مرادهم ولكنه لا ينفعهم، ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ وهكذا كل من تمسك بسبب لم يجعله الله سببا للنجاة فإنه يخونه أحوج ما يكون إليه، فالمتمسكون بدعاء الأولياء، ودعاء الأنبياء، ودعاء الرسل، ومن باب أولى دعاء الأشجار، والأحجار وما أشبه ذلك تخونهم هذه أحوج ما يكونون إليه، فدعاؤهم للرسول مثلًا بأن ينقذهم من النار ما ينفعهم، وكذلك دعاؤهم لمن دون الرسل لا ينفعهم. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧] يقولون ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ الأتباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ لو هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني يعني: ليت لنا كرة فنتبرأَ، والدليل أنها للتمني: أن الفعل نُصِبَ بعدها ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾، وهو منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية. وقد مر علينا أن لو تأتي باللغة العربية على كم من وجه؟ على ثلاثة أوجه: أن تكون شرطية، وأن تكون للتمني، وأن تكون مصدرية، فقوله تعالى: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] هذه مصدرية، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] هذه شرطية، وقوله هنا: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٦٧] هذه للتمني، مثلها أيضًا ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢] وفي آية: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر ٥٨]. قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ الكرة الرجوع إلى الشيء، والمراد هنا الرجوع إلى أيش؟ إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ فنتبرأ منهم هناك في الدنيا لو رجعنا، كما تبرءوا منا هنا في الآخرة، فنجازَيهم بما جازَوْنا به، لكن كما يقول العوام: (التمني راس مال المفاليس)، ينفعهم هذا التمني ولَّا لا؟ لا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة ١٦٧] -أعوذ بالله- ﴿كَذَلِكَ﴾ إعراب ﴿كَذَلِكَ﴾ من يقوم به منكم؟ * طالب: الكاف للتشبيه، حرف جر، وذا اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، واللام (...) والكاف (...). * الشيخ: طيب والجار والمجرور وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: مفعول به. * الشيخ: توافقون على؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما توافقوه؟ وأيش عندك، وأيش تخالفه فيه؟ * الطالب: (...) إعرابه؟ * الشيخ: إيه، نبغي إعرابه. * الطالب: الكاف متعلقة (...). * الشيخ: المتبوعين نعم ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾، وهذه كثيرًا ما تقع في القرآن مثل: ﴿وَكَذَلِكَ يفعلون﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣]، كثيرة جدًّا في القرآن، وهم يقولون: الكاف هنا اسم بمعنى مثل وهي مفعول مطلق عاملها الفعل وبعدها. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة ١٦٧] هذه أيضًا نريد منكم أن تعربوها؟ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾؟ * طالب: ﴿يُرِيهِمُ﴾ فعل مضارع. * الشيخ: جميل. * طالب: لا، (يري) فعل مضارع ينصب مفعولين، والهاء في ﴿يُرِيهِمُ﴾ مفعول أول (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: ولفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. * الشيخ: نعم. * الطالب: و﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مفعول ثان، والهاء مضاف إليه. * الشيخ: نعم. * الطالب: و﴿حَسَرَاتٍ﴾ مفعول ثالث، * الشيخ: أنت قلت ينصب مفعولين. * الطالب: لا، ينصب ثلاثة. * الشيخ: ينصب ثلاثة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: وأيش اللي خلاه ينصب ثلاث مفاعيل؟ * الطالب: لأنه من أرى. * الشيخ: من أرى يري؟ يعني إذن زيادة الهمزة هي التي جعلته ينصب ثلاثة مفاعيل، طيب هل لهذا شاهد من كلام ابن مالك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، أعطيناه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يجعلهم يرون أعمالهم حسرات عليهم، ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ ﴿حَسَرَاتٍ﴾ جمع حسرة وهي الندم مع الانكماش، والحزن -والعياذ بالله- هؤلاء يُرَوْن أعمالهم يوم القيامة على هذا الوجه يتحسرون، شوف الآن، هؤلاء الأتباع ماذا يكون شعورهم في ذلك الوقت؟ شعورهم بالندم والخيبة والخسران لا يُتَصَوَّر، فالأعمال التي عملوها لهؤلاء المتبوعين صارت خسارة عليهم وندمًا، ضاعت بها دنياهم وآخرتهم -والعياذ بالله- وهذا أعظم ما يكون من الحسرة، أعظم ما يكون من الحسرة هو مثل هذا، أن يفوت الإنسان دنياه وآخرته من أجل اتِّباع هؤلاء السادة والأشراف الوجهاء، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد ما يتفرع على هذا الأمر العظيم. قال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ﴿مَا﴾ هذه نافية لكنها تعمل عمل ليس، و﴿هُمْ﴾ اسمها و﴿بِخَارِجِينَ﴾ خبرها مؤكدا بالباء. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ إذن فهم أيش؟ خالدون فيها، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الخلود في النار مؤبد، في كم موضع من القرآن؟ في ثلاثة مواضع: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، التأبيد ذكره الله في هذه المواضع الثلاثة، وبه نعرف ضعف قول من قال من السلف والخلف بأن النار تفنى وتزول، هي ومن فيها، ووجه الضعف أن نقول: إن تأبيد خلود الخالد وأيش يستلزم؟ تأبيد المحل الذي يخلد فيه، وإلا لما صح أن يكون مؤبدًّا، لو كانت النار تفنى ما صار هناك تأبيد للخالد فيها؛ لأنه ينقطع، فالصواب الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة: أن النار والجنة لا تفنيان، أما الجنة فبالاتفاق، وأما النار ففيها خلاف عن بعض السلف والخلف، والصواب أنها لا تفنى. * طالب: شيخ يريدون علينا التأبيد في القاتل وجميعًا ونحن لا نقول بهذا؟ * الشيخ: ما فيه أبد، القاتل ما فيه التأبيد، لا ما فيه التأبيد. ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ١٦٨] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه الآية جاءت في سورة البقرة، وسورة البقرة مدنية، وقد سبق أنه جاء أيضًا مثلها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١] وقد ذكر كثير من المؤلفين في أصول التفسير أن الغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ١٠٤]؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة صارت المدينة بلاد إسلام، وهي أول بلد إسلامي في هذه الرسالة، فصار التوجيه إليها بالخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لكن هذه القاعدة ليست قاعدة، بل إنها ضابط هش؛ لأن كثيرا من الآيات، من السور المدنية فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، سورة النساء مدنية ولَّا مكية؟ مدنية، وفيها عدة آيات فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ تقدم أن الناس أصلها: الأُناس، حذفت الهمزة منها تخفيفًا، والمراد بالناس بنو آدم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿كُلُوا﴾ هذه فعل أمر، وقوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ يَحْتَمل أن تكون (من) لبيان الجنس، ويحتمل أن تكون للتبعيض، لكن كونها لبيان الجنس أولى ويرجحه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] كل ما في الأرض، ما هو البعض، فعلى هذا يكون الراجح من الاحتمالين أن تكون ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس أي: كلوا من هذا ما شئتم. وقوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل كل ما في الأرض من أشجار، وزروع، وبقول، وغيرها، كل ما في الأرض، ومن حيوان أيضًا، ومن حيوان؛ لأنه في الأرض. وقوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ هل ﴿حَلَالًا﴾ هنا منصوبة على أنها حال من (ما) أو مفعول لـ﴿كُلُوا﴾؟ * الطلبة: حال. * الشيخ: الظاهر أنها حال، يعني: كلوه حال كونه حلالًا، أي محللًا، فهي بمعنى اسم المفعول محللًا. وقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ هذا أيضًا حال أخرى، يعني حال كونه طيبًا، والطيب يشمل الطيب في ذاته والطيب في كسبه، الطيب في ذاته ما ليس بمحرم؛ لأن كل محرم فهو خبيث والدليل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧]، ودليل آخر: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥] وعلى هذا فنقول: إن الطيب يشمل الطيب في عينه والطيب في كسبه، طيب الطيب في عينه قلنا: ما ليس بخبيث، والطيب في كسبه ما اكتُسِبَ على وجه مشروع، فعلى هذا ما اكتُسِب بالربا طيب ولَّا غير طيب؟ ليس بطيب، حلوان الكاهن؟ * طلبة: ليس بطيب. * الشيخ: ليس بطيب، خبيث، مهر البغي يعني أجرة الزانية؟ * طالب: ليس بطيب. * الشيخ: ليس بطيب خبيث، ثمن الكلب؟ طيب، ثمن الدخان؟ * طلبة: خبيث. * الشيخ: خبيث؟ نعم، إذن الطيب نقول: ما طاب أيش؟ في عينه وفي كسبه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ﴿لَا تَتَّبِعُوا﴾ ﴿لَا﴾ ناهية، والاتباع معناه: أن يأخذ الإنسان بما عمله غيره كمتَّبِع الأثر الذي يتْبَع أثر البعير وأثر الدابة وما أشبهها. وقوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ جمع خطوة، والخُطوة بالضم غير الخَطوة بالفتح، الخَطوة المرة من الخُطى، والخُطوة هي فعل الإنسان يعني كونه ينقُل قدمه من مكان إلى آخر ليمشي. وقوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: أعماله التي يعملها ويخطو إليها، وهو شامل للشرك فما دونه، وقد علمنا أن الشيطان -كما عَلَّمنا الله عز وجل- يأمر بأي شيء؟ يأمر بالفحشاء ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٩]، فكل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان، سواء كان عن استكبار، أو تكذيب، أو استهزاء أو غير ذلك، كل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان؛ لأنه يأمر به وينادي به ويدعو إليه فهو من خطواته، ومنه الأكل بالشمال؛ لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، فمن أكل بشماله أو شرب بشماله فقد اتبع خطوات الشيطان، ولهذا القول الراجح في هذه المسألة أن ذلك محرم، وأنه ما يجوز الإنسان أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله، لكن إذا قال قائل: إذا كنت تأكل وأردت أن تشرب، وأيش تسوي؟ تشرب باليسرى؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: يقولون: اشرب باليسرى؛ لئلا تلوث الكأس، فنقول هذا ليس بصحيح؛ لأن الكأس لا يتلوث ولو شربت باليمنى من الممكن أن تمسكه بأسفله بين إبهامك والسبابة وتشرب، إن قُدِّر أن يتلوث فهو يتلوث شيئًا يسيرًا في عقبه، وليس في أعلاه الذي يشرب منه الناس حتى نقول إنك قذرته عليهم، لكن من أجل أن الناس صاروا يتهاونون بهذه المسألة أو أنهم يعتقدون ما ذهب إليه كثير من أهل العلم من أن الشرب بالشمال مكروه صار الأمر عندهم هينًا، وإلا من علم أنه محرم فالمحرم كما هو معروف للجميع ما يُحلِّه إلا الضرورة. * طالب: شيخ طيب حط الكأس كذا جائز ولَّا؟ * الشيخ: نعم إذا جعله هكذا هو بين الجواز والتحريم، كما أنه بين اليمنى واليسرى ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق ٣] فكما أنك الآن ما تمحضت اليمنى ولا اليسرى فأنت ما وقعت في النهي ولا وافقت الأمر، ما وافقت الأمر ولا وقعت في النهي، ما نقول: إنك فعلت محرمًا؛ لأنه ما تمحضت اليسرى، ولكنه لا شك أن الأكمل أن يكون باليمنى خالصًا. * طالب: لو شرب بكلتا اليدين؟ * الشيخ: نفس الشيء إلا لصار ثقيل، ما يقدر باليمنى فهذا لا بأس هذه حاجة. * طالب: والأكل. * الشيخ: الأكل، ما أظنه علة. * طالب: أكل بالثنتين؟ * الشيخ: أكل بالثنتين؟ إيه، يكون هذا شبهه. * طالب: عظم أو شيء. * الشيخ: عظم ولا بطيخة. * الطلبة: خبز. * الشيخ: لا، خبز يمسكه باليسرى ويقطع باليمنى ما فيه شيء، وكذلك العظم حتى العظم مو لازم (...)، على كل حال مع الحاجة لا بأس؛ لأنا قلنا: إن هذا ما تمحض باليسار فلا وقع في النهي. * طالب: (...). * الشيخ: إيه، وده يقرمش ها العصب اللي.. * الطالب: شيخ، اللي يشكل يا شيخ المصاصة، إذا كان فيه مصاصة (...) ومسكها باليسرى مسك الكوب باليسرى؟ * الشيخ: (...)؟ * الطالب: لا، يعني ولو يعني إذا وقع الشيء لا (...). * الشيخ: نقول هذا شرب باليسار. * طالب: ما شرب باليسار. * الشيخ: كيف؟ * طالب: شرب بالمصاصه؟ * الشيخ: لكن حتى أصله، أصله حتى لو أن الكأس معه ما شرب من نفس اليد هو شارب بوسيلة الكأس، الكأس وسيلة، يعني هذا بدل أن يشرب من حافة الكأس شرب من هذه الماسورة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يمسك هذا الكأس باليمين أو هذا اللي تمص ومص. * طالب: (...) بدون قصد؟ * الشيخ: ويش بدون قصد. * الطالب: (...). * الشيخ: إذا كان الإنسان ساهيًا تلك الساعة وغافلًا فهو من جنس اللي فعل محرمًا غافلًا ما عليه ذنب، لكنه يجب الإنسان ينتبه إلى هذه الأشياء. * الطالب: يعني، يحرم شيخ؟ * الشيخ: نعم، يحرم. * طالب: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. طيب ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الشيطان هل هو من (شطن) فالنون أصلية، أو من (شاط) فالنون زائدة؟ نقول: هو من (شطن)؛ لأنه مصروف في القرآن ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير ٢٥] ولو كان من (شاط) لكانت النون زائدة والألف زائدة فيكون ممنوعًا من الصرف، إلا أنه قد يقال: لا يمنع من الصرف؛ لأن مؤنثه (شيطانة)، والذي يمنع من الصرف إذا كان مؤنثه فعلى، مثل سكران وسكرى (...). إذا بَعُدَ عن رحمة الله، لبعده عن رحمة الله سبحانه وتعالى. وقال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ العدو هو ضد الصديق، وقد حده الفقهاء رحمهم الله بقولهم: من سرَّه مساءة شخص أو غمه فرحُه فهو عدو، فالعدو من يحزن لفرحك ويُسَرُّ لحزنك، هذا هو العدو. قال: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بَيِّن العداوة، ظاهر العداوة، وقد كان عدوًّا لأبينا آدم عليه الصلاة والسلام فما زالت عداوته إلى قيام الساعة، إلى أن يأتي الله بأمره، قال الله تعالى عنه: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء ١١٨، ١١٩] قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ نسأل الله السلامة والعافية. * الطالب: مثال (لو) الشرطية (...) مثال الشرطية؟ * الشيخ: إي نعم مثل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود ١١٨]. (...) وضم الميم، والموجود الآن؟ * طالب: هذا الموجود. * الشيخ: هذا الموجود، فيه قراءة بكسرهما ﴿بِهِمِ الْأَسْبَابُ﴾ ، في قراءة ثالثة: بضمهما ﴿بِهُمُ الْأَسْبَابُ﴾ . * طالب: موجودة يا شيخ ﴿بِهُمُ الْأَسْبَابُ﴾ . * الشيخ: لا ما هي موجودة القراءات الآن ثلاث: ضمهما، والثانية؟ وكسرهما، والثالثة: كسر الهاء وضم الميم. * طالب: قراءة حفص؟ * الشيخ: كذلك، والله ما أعرف من اللي قالها من القراءة السبعية، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ فيها أيضًا ثلاث قراءات مثلها: كسر الهاء والميم ﴿يُرِيهِمِ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ، وضمهما ﴿يُرِيهُمُ اللَّهُ﴾ ، وكسر الهاء وضم الميم ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾. مناقشة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ في بيان الامتنان، لا في بيان التكليف، وكون الإنسان يجب عليه أن يأكل ما يسد رمقه يفهم من دليل آخر، وإلا يجب على الإنسان أن يأكل ما يسد رمقه. * الطالب: كيف سيقت للبيان؟ * الشيخ: لبيان الامتنان، امتنان الله سبحانه وتعالى علينا حيث أباح لنا كل ما في الأرض. * الطالب: هل هذه قاعدة؟ * الشيخ: إي نعم، ما سيق لبيان الامتنان فليس به التكليف. * الطالب: أليس للوجوب؟ * الشيخ: لا لا، ليس للوجوب. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، يعني أن تريد أن يكون كلوا منصبًا على طيبًا؟ لا، طيبًا ستأتي إن شاء الله في الفوائد اللي بعدها اللي وجه للمؤمنين. * طالب: ما أخرج عن وجوب الامتنان؟ * الشيخ: نعم، طيب قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ (من) هنا؟ هي للتبعيض ولَّا لبيان الجنس؟ * طالب: لبيان الجنس. * الشيخ: وأيش الدليل؟ الدليل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ لأن الأرض بيان للجنس. * الشيخ: إيه لكن من هل المراد كلوا بعض ما في الأرض؟ * الطالب: لا، لبينان الجنس ما هي للتبعيض. * الشيخ: وأيش الدليل؟ * الطالب: قوله تعالى (...). * الشيخ: أنا أريد دليل على هذا القول. * الطالب: (...). * الشيخ: لهما جميعًا؟ * الطالب: نعم (...). * الشيخ: بينهما فرق. * الطالب: دليل على الجنس قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] * الشيخ: إيه زين هذا دليل على أنها للجنس ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فما هذه عامة، طيب. قوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ ما الفرق بين حلالًا وطيبا؟ * طالب: طيِّبًا توكيد للحلال. * الشيخ: كيف توكيد للحلال؟ وأيش وجه أنها توكيد الحلال؟ * الطالب: لأن الحلال (...) طيبًا. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: الدليل قول الرسول ﷺ أحل للمؤمنين كما أحل للأنبياء كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا﴾ [البقرة ١٧٢]. * الشيخ: «إن الله أمر»[[أخرجه مسلم ( ١٠١٥ / ٦٥) .]]، لا، نبغى غيرها، نبغى الدليل على أن كل حلال فهو طيب؟ من يعرف؟ * طالب: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ * الشيخ: قول الله تعالى في وصف النبي ﷺ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٧]. قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ما هي الخطوات؟ * الطالب: خطواته سبله وطرقه. * الشيخ: ومنها؟ * الطالب: ومنها الأمر بالفحشاء والمنكر. * الشيخ: طيب، كلمة الشيطان النون فيها أصلية ولَّا زائدة؟ * طالب: أصلها شطن؟ * الشيخ: إيه، فإني أسأل هل النون أصلية أو زائدة؟ * الطالب: أصلية؛ لأنها شطن. * الشيخ: من شطن بمعنى؟ * الطالب: الشطط وهو البعد؟ * الشيخ: من البعد، طيب؛ لأنه بعيد عن رحمة الله سبحانه وتعالى. هل لك أن تأتي لنا بشاهد يدل على أن النون أصلية من القرآن؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير ٢٥] مصروف دل على أنها أصلية، لو كانت غير أصلية كان يمنع من الصرف. * الشيخ: يمنع من الصرف إذا قصد به العلمية. قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ما محل الجملة مما قبلها في المعنى؟ * طالب: قلنا قول ثان: إنه يكون من (شطا)؛ الشيطان. * الشيخ: من (شاط). * الطالب: من (شاط) يعني مستور. * الشيخ: تكون النون زائدة ويكون منصرف أيضًا؛ لأن شيطان مؤنثه شيطانة. أقول: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ما محل الجملة مما قبلها في المعنى؟ * طالب: مؤكدة لما قبلها. * الشيخ: مؤكدة. * طالب: بيان حال الشيطان، تقريبًا. * الشيخ: بيان حال الشيطان؟ يعني مؤكدة الحقيقة، كأنها مؤكدة. * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليلية. الشيخ: قول مبين. * الطالب: يعني بيِّن. * الشيخ: أي بيِّن، مِن؟ الفعل منها أيش؟ * الطالب: الفعل منها من (أبان). * الشيخ: من أبان، وأبان بمعنى؟ * الطالب: أظهر. * الشيخ: بمعنى أظهر، إذن مبين مظهِر؟ * طالب: من (بان). * الشيخ: من (بان يَبين) فهو بيِّن، لكن هذه مبين. * الطالب: بين ومبين. * الشيخ: لا. * طالب: مِن (أبان) بس اللازمة ليس المتعدية. * الشيخ: صح، من (أبان) اللازمة؛ لأننا قلنا لكم: إن (أبان) تأتي لازمة ومتعدية، فيقال: أبان الشيء؛ أي أظهره، ويقال: أبان الصبح؛ بمعنى ظهر وبان. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم يسِّر. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم لقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ ولو كانوا ينفعونهم ما تبرؤوا منهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع بل يقتصر على البراءة منهم، والتباعد عنهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبيًّا. * ومن فوائد الآية: ثبوت العقاب، ويتفرع عليه ثبوت البعث لقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يجمع بين الأتباع والمتبوعين توبيخًا وتنديمًا لهم؛ لأن لا شك أن هذا أعظم الحسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه أشد، فيجمع الله بينهم ويتبرأ بعضهم من بعض. * ومن فوائد الآية: أن جميع الأسباب الباطلة تتقطع يوم القيامة وتزول، كل الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله لا تنفع صاحبها يوم القيامة. ذكرنا أن هذه الآية يراد بها المتبوعون بأيش؟ * الطلبة: بالباطل. * الشيخ: بالباطل، بخلاف المتبوعين بالحق، فالرسل لا يتبرؤون من أتباعهم، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]. * ومن فوائد الآية اللي بعدها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧]. * من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرؤوا منهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة، وهو ممكن ولَّا غير ممكن؟ * طالب: غير ممكن. * الشيخ: غير ممكن، وما يزيدهم هذا إلا حسرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: تحسُّر هؤلاء وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح، فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسرًا لا نظير له، ولا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن الاستعتاب منه، في الدنيا قد تحسر على ما فاتك لكن تسعى في جبر هذا الشيء، لكن هناك ما فيها. * ومنها: إثبات نكال الله بهم لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. * ومنها: خلودهم في النار لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. * ومنها: إثبات النار، وأنها حق لقوله: ﴿مِنَ النَّارِ﴾ وهو كذلك، وهي موجودة الآن ولَّا لا؟ * طالب: موجودة. * الشيخ: نعم، هي موجودة الآن. ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ١٦٨]. * طالب: يا شيخ، ذكر في بعض النصوص أن النار في الأرض؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: شو الجمع بين إثبات هذا وأنها موجودة؟ * الشيخ: نقول: الله أعلم، الأرض ما أحطنا بها، يمكن تكون بمكان غير معلوم لنا؛ يعني في جهة سفلى لكنها ما هي في الأرض نفسها، الله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية: إظهار منة الله على عباده حيث أباح لهم جميع ما في الأرض، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن الأصل فيما في الأرض الحِل والطيب حتى يتبين أنه حرام، وهل يؤخذ من هذه الآية أن الكفار مخاطبون بالفروع، بفروع الشريعة أو لا يؤخذ؟ * الطلبة: يؤخذ. * الشيخ: يؤخذ؟ * الطلبة: يؤخذ. * الشيخ: ما وجه ذلك؟ * الطلبة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وهم داخلون في هذا الخطاب، فيكونون مخاطبين بفروع الشريعة، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن ليس معنى خطابهم بذلك أنهم يلزمون بها حال الكفر، لا؛ لأننا ندعوهم أولًا إلى أي شيء؟ إلى الإسلام ثم نلزمهم بأحكامه، وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ الدليل على الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة ٥٤] فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؟ هذا عبث وظلم! وأما الثاني: أن معنى كونهم مخاطبين أننا لا نلزمهم بالقضاء: الدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. ولهذا ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا ممن أسلم أن يؤدي زكاته الماضية، أو أن يصوم شهر رمضان، أو أن يقضي الصلوات، إذن ما الفائدة؟ قال أهل العلم: الفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها: زيادة عقوبتهم في الآخرة، وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٣٩ - ٤٧]. إذن هذه الآية ربما يستدل بها على أن الكفار مخاطبون بالفروع كما أنهم مخاطبون بالأصول بالإجماع. * طالب: كل الآية يا شيخ؟ * الشيخ: إي، كل (...) كل الآية، الآية فيها أمر ونهي. * الطالب: تعقيب. * طالب: بالنسبة للمسلم اللي يتهاون بالزكاة يؤمر بقضائها ولَّا لا؟ * الشيخ: فيه خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال يؤمر؛ لأنه ما لها وقت، ابتداء الوقت محدد وانتهاؤه غير محدد، وهذا هو الصحيح. * الطالب: يعني يؤمر. * الشيخ: أنه يؤمر بخلاف المحدد وقته ابتداءً وانتهاءً فلا يؤمر به، على القول الراجح. * طالب: بس فيه تعقيب على ذكر (...) في الآيات (...) يقول: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ هنا لما ذكر عموم الناس ذكر أيضًا. * الشيخ: ما وصلنا لهذا. * ومن فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وهل من ذلك تحريم الأكل بالشمال والشرب بالشمال؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبُ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٥)، والترمذي برقم (١٧٩٩) من حديث عبد الله بن عمر، واللفظ للترمذي. ]]. * ومن ذلك أيضًا: معصية الله عز وجل، فإن معصية الله والاستكبار عن أمره من خطوات الشيطان. أو لا؟ ومنها من اتباع خطوات الشيطان: القياس الفاسد. * طالب: (...). * الشيخ: وأيش وجهه؟ * الطالب: أول من قاس إبليس. * الشيخ: يقولون: أول من قاس قياسًا فاسدًا إبليس؛ لأن الله لما أمره أن يسجد لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]؛ يعني فكان الأولى أنه هو اللي يسجد لي، فهذا قياس في مقابلة النص، فاسد الاعتبار. ومن اتباع خطوات الشيطان أيضًا: الحسد؛ فإن الحسد من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسدًا لآدم، فالحسد من اتباع خطوات الشيطان، وهو أيضًا من دأب اليهود، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]، وكل خلق ذميم أو عمل سوء فإنه من خطوات الشيطان. * ومن فوائد الآية: تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم، من أين نأخذها؟ ﴿إِنَّهُ﴾ الجملة مؤكدة بـ (إن) ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. * ومن فوائدها: ظهور بلاغة القرآن، وذلك بقرن الحكم بعلته، فإن قرن الحكم لعلته له فوائد منها: الطمأنينة، والحث، والترغيب أو الترهيب. المهم لها فوائد ذكرناها فيما سبق، ذكرنا فيما سبق ثلاث فوائد، ولعلكم تستحضرونها، قرن الحكم بعلته له ثلاث فوائد، من يبينها؟ * طالب: التأكيد. * الشيخ: التأكيد؟ * طالب: نعم، أو شدة يعني (...). * الشيخ: لا، لعل وهمك راح لشيء آخر. * طالب: أولًا: اطمئنان المخاطب. ثانيًا: كمال الشريعة الإسلامية. * الشيخ: وهو كمال الشريعة الإسلامية. * الطالب: نعم، ثالثًا: القياس على هذه العموم، عموم الحكم. * الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]. كلمة ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ تعليل، يستفاد منها الفوائد الثلاثة: أولًا: طمأنينة المخاطب إلى تحريم هذا الشيء، وأنه حُرم لنجاسته وخبثه. وثانيًا: ظهور سمو الشريعة، وحكمها وأسرارها، وأنها ما تثبت حكمًا إلا لعلة. وثالثًا: عموم الحكم بعموم العلة؛ يعني القياس، فكل ما كان نجسًا وإن لم يكن من هؤلاء الثلاثة فهو محرم. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير الشديد من خطوات الشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وما أظن أحدًا يؤمن بعداوة أحد ويتبعه أبدًا، أو لا؟ كل عاقل يؤمن بالعداوة من أي نفس لا يمكن أن يتبع ذلك، ففيه التحذير من اتباع خطوات الشيطان، فإذا قيل: ما هي خطوات الشيطان؟ نقول: كل المعاصي خطوات الشيطان، كل المعاصي فإنها خطوات الشيطان.

البقرة 2:167

قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] إذ ظرف عامله محذوف، التقدير: اذكر إذ تبرأ، وهل المراد بالذكر هنا التذكر؟ أو الإخبار بالشيء؟ أو الأمران؟ هل المعنى اذكر للناس هذا الأمر؟ أو تذكر أيها الإنسان هذا الأمر؟ الظاهر إنه هذا وهذا، إن الله تعالى يُذكِّرنا ويأمرنا أن نذكر لغيرنا. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأ تخلى، تبرأ التخلي والبعد، ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهم الرؤساء، والسادة يتبرؤون من الذين اتبعوا، وهم الأتباع والضعفاء وما أشبههم، من ذلك مثلًا رؤساء الكفر يدعون الناس إلى الكفر مثل فرعون دعا إلى الكفر فهو مُتَّبَع وقومه متبِعون، وكذلك غيره من رؤساء الكفر والضلال هؤلاء أيضًا مُتَّبَعون ومن تبعهم فهو متبِع هؤلاء يتبرأ بعضهم من بعض، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى مناقشة بعضهم لبعض ومحاجة بعضهم بعضا في عدة آيات. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهل يشمل هذا من اتبع أئمة الهدى؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: يشمل، من اتبع أئمة الهدى؟ ما يشملهم، ما يشملهم لا شك، فالمتبعون للرسول لا تتبرأ منهم الرسل، والمتبعون لأئمة الهدى ما تتبرأ منهم، الدليل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧] فالأخلة والأحبة في يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض إلا المتقين. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] نحن أمامنا الآن فعل ماض في تبرأ وفعل ماض في رأوا مع أن هذا الأمر مستقبل، لكن لتحقق وقوعه عُبِّر عنه بالماضي، وهذا كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] أي: أنه سيأتي بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ رأوه بأعينهم كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣] والعذاب هو العقوبة التي يعاقب الله بها من يستحقها. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] -أعوذ بالله- ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ الباء هنا إما أن تكون بمعنى عن أو تقطعت بهم صلة بمعنى أنهم يعني هم كأنهم متشبثون بها الآن، ثم تتقطع بهم كما ينقطع الحبل بمن تمسك به للنجاة من الغرق. وقوله: ﴿الْأَسْبَابُ﴾ جمع سبب، فما هي هذه الأسباب؟ المراد بها كل سبب يعلقون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين نعم؟ مثل قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] وقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٩] هذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظنًّا منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تَقَطَّع بهم ولا يجدون سبيلًا إلى الوصول إلى غاياتهم. وفسرها ابن عباس -رضي الله عنهما- بالمودة[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣١١٣) من طريق عطاء عن ابن عباس. ]] ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] أي المودة، وهذا له نظر وجه قوي من النظر؛ لأن الآية في سياق قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فهم يرجون من هذا الحب أن يصلوا إلى مرادهم ولكنه لا ينفعهم، ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ وهكذا كل من تمسك بسبب لم يجعله الله سببا للنجاة فإنه يخونه أحوج ما يكون إليه، فالمتمسكون بدعاء الأولياء، ودعاء الأنبياء، ودعاء الرسل، ومن باب أولى دعاء الأشجار، والأحجار وما أشبه ذلك تخونهم هذه أحوج ما يكونون إليه، فدعاؤهم للرسول مثلًا بأن ينقذهم من النار ما ينفعهم، وكذلك دعاؤهم لمن دون الرسل لا ينفعهم. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧] يقولون ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ الأتباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ لو هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني يعني: ليت لنا كرة فنتبرأَ، والدليل أنها للتمني: أن الفعل نُصِبَ بعدها ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾، وهو منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية. وقد مر علينا أن لو تأتي باللغة العربية على كم من وجه؟ على ثلاثة أوجه: أن تكون شرطية، وأن تكون للتمني، وأن تكون مصدرية، فقوله تعالى: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] هذه مصدرية، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] هذه شرطية، وقوله هنا: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٦٧] هذه للتمني، مثلها أيضًا ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢] وفي آية: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر ٥٨]. قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ الكرة الرجوع إلى الشيء، والمراد هنا الرجوع إلى أيش؟ إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ فنتبرأ منهم هناك في الدنيا لو رجعنا، كما تبرءوا منا هنا في الآخرة، فنجازَيهم بما جازَوْنا به، لكن كما يقول العوام: (التمني راس مال المفاليس)، ينفعهم هذا التمني ولَّا لا؟ لا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة ١٦٧] -أعوذ بالله- ﴿كَذَلِكَ﴾ إعراب ﴿كَذَلِكَ﴾ من يقوم به منكم؟ * طالب: الكاف للتشبيه، حرف جر، وذا اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، واللام (...) والكاف (...). * الشيخ: طيب والجار والمجرور وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: مفعول به. * الشيخ: توافقون على؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما توافقوه؟ وأيش عندك، وأيش تخالفه فيه؟ * الطالب: (...) إعرابه؟ * الشيخ: إيه، نبغي إعرابه. * الطالب: الكاف متعلقة (...). * الشيخ: المتبوعين نعم ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾، وهذه كثيرًا ما تقع في القرآن مثل: ﴿وَكَذَلِكَ يفعلون﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣]، كثيرة جدًّا في القرآن، وهم يقولون: الكاف هنا اسم بمعنى مثل وهي مفعول مطلق عاملها الفعل وبعدها. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة ١٦٧] هذه أيضًا نريد منكم أن تعربوها؟ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾؟ * طالب: ﴿يُرِيهِمُ﴾ فعل مضارع. * الشيخ: جميل. * طالب: لا، (يري) فعل مضارع ينصب مفعولين، والهاء في ﴿يُرِيهِمُ﴾ مفعول أول (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: ولفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. * الشيخ: نعم. * الطالب: و﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مفعول ثان، والهاء مضاف إليه. * الشيخ: نعم. * الطالب: و﴿حَسَرَاتٍ﴾ مفعول ثالث، * الشيخ: أنت قلت ينصب مفعولين. * الطالب: لا، ينصب ثلاثة. * الشيخ: ينصب ثلاثة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: وأيش اللي خلاه ينصب ثلاث مفاعيل؟ * الطالب: لأنه من أرى. * الشيخ: من أرى يري؟ يعني إذن زيادة الهمزة هي التي جعلته ينصب ثلاثة مفاعيل، طيب هل لهذا شاهد من كلام ابن مالك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، أعطيناه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يجعلهم يرون أعمالهم حسرات عليهم، ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ ﴿حَسَرَاتٍ﴾ جمع حسرة وهي الندم مع الانكماش، والحزن -والعياذ بالله- هؤلاء يُرَوْن أعمالهم يوم القيامة على هذا الوجه يتحسرون، شوف الآن، هؤلاء الأتباع ماذا يكون شعورهم في ذلك الوقت؟ شعورهم بالندم والخيبة والخسران لا يُتَصَوَّر، فالأعمال التي عملوها لهؤلاء المتبوعين صارت خسارة عليهم وندمًا، ضاعت بها دنياهم وآخرتهم -والعياذ بالله- وهذا أعظم ما يكون من الحسرة، أعظم ما يكون من الحسرة هو مثل هذا، أن يفوت الإنسان دنياه وآخرته من أجل اتِّباع هؤلاء السادة والأشراف الوجهاء، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد ما يتفرع على هذا الأمر العظيم. قال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ﴿مَا﴾ هذه نافية لكنها تعمل عمل ليس، و﴿هُمْ﴾ اسمها و﴿بِخَارِجِينَ﴾ خبرها مؤكدا بالباء. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ إذن فهم أيش؟ خالدون فيها، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الخلود في النار مؤبد، في كم موضع من القرآن؟ في ثلاثة مواضع: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، التأبيد ذكره الله في هذه المواضع الثلاثة، وبه نعرف ضعف قول من قال من السلف والخلف بأن النار تفنى وتزول، هي ومن فيها، ووجه الضعف أن نقول: إن تأبيد خلود الخالد وأيش يستلزم؟ تأبيد المحل الذي يخلد فيه، وإلا لما صح أن يكون مؤبدًّا، لو كانت النار تفنى ما صار هناك تأبيد للخالد فيها؛ لأنه ينقطع، فالصواب الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة: أن النار والجنة لا تفنيان، أما الجنة فبالاتفاق، وأما النار ففيها خلاف عن بعض السلف والخلف، والصواب أنها لا تفنى. * طالب: شيخ يريدون علينا التأبيد في القاتل وجميعًا ونحن لا نقول بهذا؟ * الشيخ: ما فيه أبد، القاتل ما فيه التأبيد، لا ما فيه التأبيد. ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ١٦٨] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه الآية جاءت في سورة البقرة، وسورة البقرة مدنية، وقد سبق أنه جاء أيضًا مثلها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١] وقد ذكر كثير من المؤلفين في أصول التفسير أن الغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ١٠٤]؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة صارت المدينة بلاد إسلام، وهي أول بلد إسلامي في هذه الرسالة، فصار التوجيه إليها بالخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لكن هذه القاعدة ليست قاعدة، بل إنها ضابط هش؛ لأن كثيرا من الآيات، من السور المدنية فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، سورة النساء مدنية ولَّا مكية؟ مدنية، وفيها عدة آيات فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ تقدم أن الناس أصلها: الأُناس، حذفت الهمزة منها تخفيفًا، والمراد بالناس بنو آدم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿كُلُوا﴾ هذه فعل أمر، وقوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ يَحْتَمل أن تكون (من) لبيان الجنس، ويحتمل أن تكون للتبعيض، لكن كونها لبيان الجنس أولى ويرجحه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] كل ما في الأرض، ما هو البعض، فعلى هذا يكون الراجح من الاحتمالين أن تكون ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس أي: كلوا من هذا ما شئتم. وقوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل كل ما في الأرض من أشجار، وزروع، وبقول، وغيرها، كل ما في الأرض، ومن حيوان أيضًا، ومن حيوان؛ لأنه في الأرض. وقوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ هل ﴿حَلَالًا﴾ هنا منصوبة على أنها حال من (ما) أو مفعول لـ﴿كُلُوا﴾؟ * الطلبة: حال. * الشيخ: الظاهر أنها حال، يعني: كلوه حال كونه حلالًا، أي محللًا، فهي بمعنى اسم المفعول محللًا. وقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ هذا أيضًا حال أخرى، يعني حال كونه طيبًا، والطيب يشمل الطيب في ذاته والطيب في كسبه، الطيب في ذاته ما ليس بمحرم؛ لأن كل محرم فهو خبيث والدليل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧]، ودليل آخر: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥] وعلى هذا فنقول: إن الطيب يشمل الطيب في عينه والطيب في كسبه، طيب الطيب في عينه قلنا: ما ليس بخبيث، والطيب في كسبه ما اكتُسِبَ على وجه مشروع، فعلى هذا ما اكتُسِب بالربا طيب ولَّا غير طيب؟ ليس بطيب، حلوان الكاهن؟ * طلبة: ليس بطيب. * الشيخ: ليس بطيب، خبيث، مهر البغي يعني أجرة الزانية؟ * طالب: ليس بطيب. * الشيخ: ليس بطيب خبيث، ثمن الكلب؟ طيب، ثمن الدخان؟ * طلبة: خبيث. * الشيخ: خبيث؟ نعم، إذن الطيب نقول: ما طاب أيش؟ في عينه وفي كسبه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ﴿لَا تَتَّبِعُوا﴾ ﴿لَا﴾ ناهية، والاتباع معناه: أن يأخذ الإنسان بما عمله غيره كمتَّبِع الأثر الذي يتْبَع أثر البعير وأثر الدابة وما أشبهها. وقوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ جمع خطوة، والخُطوة بالضم غير الخَطوة بالفتح، الخَطوة المرة من الخُطى، والخُطوة هي فعل الإنسان يعني كونه ينقُل قدمه من مكان إلى آخر ليمشي. وقوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: أعماله التي يعملها ويخطو إليها، وهو شامل للشرك فما دونه، وقد علمنا أن الشيطان -كما عَلَّمنا الله عز وجل- يأمر بأي شيء؟ يأمر بالفحشاء ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٩]، فكل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان، سواء كان عن استكبار، أو تكذيب، أو استهزاء أو غير ذلك، كل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان؛ لأنه يأمر به وينادي به ويدعو إليه فهو من خطواته، ومنه الأكل بالشمال؛ لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، فمن أكل بشماله أو شرب بشماله فقد اتبع خطوات الشيطان، ولهذا القول الراجح في هذه المسألة أن ذلك محرم، وأنه ما يجوز الإنسان أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله، لكن إذا قال قائل: إذا كنت تأكل وأردت أن تشرب، وأيش تسوي؟ تشرب باليسرى؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: يقولون: اشرب باليسرى؛ لئلا تلوث الكأس، فنقول هذا ليس بصحيح؛ لأن الكأس لا يتلوث ولو شربت باليمنى من الممكن أن تمسكه بأسفله بين إبهامك والسبابة وتشرب، إن قُدِّر أن يتلوث فهو يتلوث شيئًا يسيرًا في عقبه، وليس في أعلاه الذي يشرب منه الناس حتى نقول إنك قذرته عليهم، لكن من أجل أن الناس صاروا يتهاونون بهذه المسألة أو أنهم يعتقدون ما ذهب إليه كثير من أهل العلم من أن الشرب بالشمال مكروه صار الأمر عندهم هينًا، وإلا من علم أنه محرم فالمحرم كما هو معروف للجميع ما يُحلِّه إلا الضرورة. * طالب: شيخ طيب حط الكأس كذا جائز ولَّا؟ * الشيخ: نعم إذا جعله هكذا هو بين الجواز والتحريم، كما أنه بين اليمنى واليسرى ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق ٣] فكما أنك الآن ما تمحضت اليمنى ولا اليسرى فأنت ما وقعت في النهي ولا وافقت الأمر، ما وافقت الأمر ولا وقعت في النهي، ما نقول: إنك فعلت محرمًا؛ لأنه ما تمحضت اليسرى، ولكنه لا شك أن الأكمل أن يكون باليمنى خالصًا. * طالب: لو شرب بكلتا اليدين؟ * الشيخ: نفس الشيء إلا لصار ثقيل، ما يقدر باليمنى فهذا لا بأس هذه حاجة. * طالب: والأكل. * الشيخ: الأكل، ما أظنه علة. * طالب: أكل بالثنتين؟ * الشيخ: أكل بالثنتين؟ إيه، يكون هذا شبهه. * طالب: عظم أو شيء. * الشيخ: عظم ولا بطيخة. * الطلبة: خبز. * الشيخ: لا، خبز يمسكه باليسرى ويقطع باليمنى ما فيه شيء، وكذلك العظم حتى العظم مو لازم (...)، على كل حال مع الحاجة لا بأس؛ لأنا قلنا: إن هذا ما تمحض باليسار فلا وقع في النهي. * طالب: (...). * الشيخ: إيه، وده يقرمش ها العصب اللي.. * الطالب: شيخ، اللي يشكل يا شيخ المصاصة، إذا كان فيه مصاصة (...) ومسكها باليسرى مسك الكوب باليسرى؟ * الشيخ: (...)؟ * الطالب: لا، يعني ولو يعني إذا وقع الشيء لا (...). * الشيخ: نقول هذا شرب باليسار. * طالب: ما شرب باليسار. * الشيخ: كيف؟ * طالب: شرب بالمصاصه؟ * الشيخ: لكن حتى أصله، أصله حتى لو أن الكأس معه ما شرب من نفس اليد هو شارب بوسيلة الكأس، الكأس وسيلة، يعني هذا بدل أن يشرب من حافة الكأس شرب من هذه الماسورة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يمسك هذا الكأس باليمين أو هذا اللي تمص ومص. * طالب: (...) بدون قصد؟ * الشيخ: ويش بدون قصد. * الطالب: (...). * الشيخ: إذا كان الإنسان ساهيًا تلك الساعة وغافلًا فهو من جنس اللي فعل محرمًا غافلًا ما عليه ذنب، لكنه يجب الإنسان ينتبه إلى هذه الأشياء. * الطالب: يعني، يحرم شيخ؟ * الشيخ: نعم، يحرم. * طالب: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. طيب ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الشيطان هل هو من (شطن) فالنون أصلية، أو من (شاط) فالنون زائدة؟ نقول: هو من (شطن)؛ لأنه مصروف في القرآن ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير ٢٥] ولو كان من (شاط) لكانت النون زائدة والألف زائدة فيكون ممنوعًا من الصرف، إلا أنه قد يقال: لا يمنع من الصرف؛ لأن مؤنثه (شيطانة)، والذي يمنع من الصرف إذا كان مؤنثه فعلى، مثل سكران وسكرى (...). إذا بَعُدَ عن رحمة الله، لبعده عن رحمة الله سبحانه وتعالى. وقال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ العدو هو ضد الصديق، وقد حده الفقهاء رحمهم الله بقولهم: من سرَّه مساءة شخص أو غمه فرحُه فهو عدو، فالعدو من يحزن لفرحك ويُسَرُّ لحزنك، هذا هو العدو. قال: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بَيِّن العداوة، ظاهر العداوة، وقد كان عدوًّا لأبينا آدم عليه الصلاة والسلام فما زالت عداوته إلى قيام الساعة، إلى أن يأتي الله بأمره، قال الله تعالى عنه: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء ١١٨، ١١٩] قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ نسأل الله السلامة والعافية. * الطالب: مثال (لو) الشرطية (...) مثال الشرطية؟ * الشيخ: إي نعم مثل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود ١١٨]. (...) وضم الميم، والموجود الآن؟ * طالب: هذا الموجود. * الشيخ: هذا الموجود، فيه قراءة بكسرهما ﴿بِهِمِ الْأَسْبَابُ﴾ ، في قراءة ثالثة: بضمهما ﴿بِهُمُ الْأَسْبَابُ﴾ . * طالب: موجودة يا شيخ ﴿بِهُمُ الْأَسْبَابُ﴾ . * الشيخ: لا ما هي موجودة القراءات الآن ثلاث: ضمهما، والثانية؟ وكسرهما، والثالثة: كسر الهاء وضم الميم. * طالب: قراءة حفص؟ * الشيخ: كذلك، والله ما أعرف من اللي قالها من القراءة السبعية، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ فيها أيضًا ثلاث قراءات مثلها: كسر الهاء والميم ﴿يُرِيهِمِ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ، وضمهما ﴿يُرِيهُمُ اللَّهُ﴾ ، وكسر الهاء وضم الميم ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾. مناقشة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ في بيان الامتنان، لا في بيان التكليف، وكون الإنسان يجب عليه أن يأكل ما يسد رمقه يفهم من دليل آخر، وإلا يجب على الإنسان أن يأكل ما يسد رمقه. * الطالب: كيف سيقت للبيان؟ * الشيخ: لبيان الامتنان، امتنان الله سبحانه وتعالى علينا حيث أباح لنا كل ما في الأرض. * الطالب: هل هذه قاعدة؟ * الشيخ: إي نعم، ما سيق لبيان الامتنان فليس به التكليف. * الطالب: أليس للوجوب؟ * الشيخ: لا لا، ليس للوجوب. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، يعني أن تريد أن يكون كلوا منصبًا على طيبًا؟ لا، طيبًا ستأتي إن شاء الله في الفوائد اللي بعدها اللي وجه للمؤمنين. * طالب: ما أخرج عن وجوب الامتنان؟ * الشيخ: نعم، طيب قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ (من) هنا؟ هي للتبعيض ولَّا لبيان الجنس؟ * طالب: لبيان الجنس. * الشيخ: وأيش الدليل؟ الدليل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ لأن الأرض بيان للجنس. * الشيخ: إيه لكن من هل المراد كلوا بعض ما في الأرض؟ * الطالب: لا، لبينان الجنس ما هي للتبعيض. * الشيخ: وأيش الدليل؟ * الطالب: قوله تعالى (...). * الشيخ: أنا أريد دليل على هذا القول. * الطالب: (...). * الشيخ: لهما جميعًا؟ * الطالب: نعم (...). * الشيخ: بينهما فرق. * الطالب: دليل على الجنس قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] * الشيخ: إيه زين هذا دليل على أنها للجنس ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فما هذه عامة، طيب. قوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ ما الفرق بين حلالًا وطيبا؟ * طالب: طيِّبًا توكيد للحلال. * الشيخ: كيف توكيد للحلال؟ وأيش وجه أنها توكيد الحلال؟ * الطالب: لأن الحلال (...) طيبًا. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: الدليل قول الرسول ﷺ أحل للمؤمنين كما أحل للأنبياء كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا﴾ [البقرة ١٧٢]. * الشيخ: «إن الله أمر»[[أخرجه مسلم ( ١٠١٥ / ٦٥) .]]، لا، نبغى غيرها، نبغى الدليل على أن كل حلال فهو طيب؟ من يعرف؟ * طالب: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ * الشيخ: قول الله تعالى في وصف النبي ﷺ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٧]. قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ما هي الخطوات؟ * الطالب: خطواته سبله وطرقه. * الشيخ: ومنها؟ * الطالب: ومنها الأمر بالفحشاء والمنكر. * الشيخ: طيب، كلمة الشيطان النون فيها أصلية ولَّا زائدة؟ * طالب: أصلها شطن؟ * الشيخ: إيه، فإني أسأل هل النون أصلية أو زائدة؟ * الطالب: أصلية؛ لأنها شطن. * الشيخ: من شطن بمعنى؟ * الطالب: الشطط وهو البعد؟ * الشيخ: من البعد، طيب؛ لأنه بعيد عن رحمة الله سبحانه وتعالى. هل لك أن تأتي لنا بشاهد يدل على أن النون أصلية من القرآن؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير ٢٥] مصروف دل على أنها أصلية، لو كانت غير أصلية كان يمنع من الصرف. * الشيخ: يمنع من الصرف إذا قصد به العلمية. قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ما محل الجملة مما قبلها في المعنى؟ * طالب: قلنا قول ثان: إنه يكون من (شطا)؛ الشيطان. * الشيخ: من (شاط). * الطالب: من (شاط) يعني مستور. * الشيخ: تكون النون زائدة ويكون منصرف أيضًا؛ لأن شيطان مؤنثه شيطانة. أقول: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ما محل الجملة مما قبلها في المعنى؟ * طالب: مؤكدة لما قبلها. * الشيخ: مؤكدة. * طالب: بيان حال الشيطان، تقريبًا. * الشيخ: بيان حال الشيطان؟ يعني مؤكدة الحقيقة، كأنها مؤكدة. * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليلية. الشيخ: قول مبين. * الطالب: يعني بيِّن. * الشيخ: أي بيِّن، مِن؟ الفعل منها أيش؟ * الطالب: الفعل منها من (أبان). * الشيخ: من أبان، وأبان بمعنى؟ * الطالب: أظهر. * الشيخ: بمعنى أظهر، إذن مبين مظهِر؟ * طالب: من (بان). * الشيخ: من (بان يَبين) فهو بيِّن، لكن هذه مبين. * الطالب: بين ومبين. * الشيخ: لا. * طالب: مِن (أبان) بس اللازمة ليس المتعدية. * الشيخ: صح، من (أبان) اللازمة؛ لأننا قلنا لكم: إن (أبان) تأتي لازمة ومتعدية، فيقال: أبان الشيء؛ أي أظهره، ويقال: أبان الصبح؛ بمعنى ظهر وبان. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم يسِّر. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم لقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ ولو كانوا ينفعونهم ما تبرؤوا منهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع بل يقتصر على البراءة منهم، والتباعد عنهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبيًّا. * ومن فوائد الآية: ثبوت العقاب، ويتفرع عليه ثبوت البعث لقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يجمع بين الأتباع والمتبوعين توبيخًا وتنديمًا لهم؛ لأن لا شك أن هذا أعظم الحسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه أشد، فيجمع الله بينهم ويتبرأ بعضهم من بعض. * ومن فوائد الآية: أن جميع الأسباب الباطلة تتقطع يوم القيامة وتزول، كل الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله لا تنفع صاحبها يوم القيامة. ذكرنا أن هذه الآية يراد بها المتبوعون بأيش؟ * الطلبة: بالباطل. * الشيخ: بالباطل، بخلاف المتبوعين بالحق، فالرسل لا يتبرؤون من أتباعهم، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]. * ومن فوائد الآية اللي بعدها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧]. * من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرؤوا منهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة، وهو ممكن ولَّا غير ممكن؟ * طالب: غير ممكن. * الشيخ: غير ممكن، وما يزيدهم هذا إلا حسرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: تحسُّر هؤلاء وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح، فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسرًا لا نظير له، ولا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن الاستعتاب منه، في الدنيا قد تحسر على ما فاتك لكن تسعى في جبر هذا الشيء، لكن هناك ما فيها. * ومنها: إثبات نكال الله بهم لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. * ومنها: خلودهم في النار لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. * ومنها: إثبات النار، وأنها حق لقوله: ﴿مِنَ النَّارِ﴾ وهو كذلك، وهي موجودة الآن ولَّا لا؟ * طالب: موجودة. * الشيخ: نعم، هي موجودة الآن. ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ١٦٨]. * طالب: يا شيخ، ذكر في بعض النصوص أن النار في الأرض؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: شو الجمع بين إثبات هذا وأنها موجودة؟ * الشيخ: نقول: الله أعلم، الأرض ما أحطنا بها، يمكن تكون بمكان غير معلوم لنا؛ يعني في جهة سفلى لكنها ما هي في الأرض نفسها، الله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية: إظهار منة الله على عباده حيث أباح لهم جميع ما في الأرض، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن الأصل فيما في الأرض الحِل والطيب حتى يتبين أنه حرام، وهل يؤخذ من هذه الآية أن الكفار مخاطبون بالفروع، بفروع الشريعة أو لا يؤخذ؟ * الطلبة: يؤخذ. * الشيخ: يؤخذ؟ * الطلبة: يؤخذ. * الشيخ: ما وجه ذلك؟ * الطلبة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وهم داخلون في هذا الخطاب، فيكونون مخاطبين بفروع الشريعة، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن ليس معنى خطابهم بذلك أنهم يلزمون بها حال الكفر، لا؛ لأننا ندعوهم أولًا إلى أي شيء؟ إلى الإسلام ثم نلزمهم بأحكامه، وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ الدليل على الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة ٥٤] فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؟ هذا عبث وظلم! وأما الثاني: أن معنى كونهم مخاطبين أننا لا نلزمهم بالقضاء: الدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. ولهذا ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا ممن أسلم أن يؤدي زكاته الماضية، أو أن يصوم شهر رمضان، أو أن يقضي الصلوات، إذن ما الفائدة؟ قال أهل العلم: الفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها: زيادة عقوبتهم في الآخرة، وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٣٩ - ٤٧]. إذن هذه الآية ربما يستدل بها على أن الكفار مخاطبون بالفروع كما أنهم مخاطبون بالأصول بالإجماع. * طالب: كل الآية يا شيخ؟ * الشيخ: إي، كل (...) كل الآية، الآية فيها أمر ونهي. * الطالب: تعقيب. * طالب: بالنسبة للمسلم اللي يتهاون بالزكاة يؤمر بقضائها ولَّا لا؟ * الشيخ: فيه خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال يؤمر؛ لأنه ما لها وقت، ابتداء الوقت محدد وانتهاؤه غير محدد، وهذا هو الصحيح. * الطالب: يعني يؤمر. * الشيخ: أنه يؤمر بخلاف المحدد وقته ابتداءً وانتهاءً فلا يؤمر به، على القول الراجح. * طالب: بس فيه تعقيب على ذكر (...) في الآيات (...) يقول: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ هنا لما ذكر عموم الناس ذكر أيضًا. * الشيخ: ما وصلنا لهذا. * ومن فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وهل من ذلك تحريم الأكل بالشمال والشرب بالشمال؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبُ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٥)، والترمذي برقم (١٧٩٩) من حديث عبد الله بن عمر، واللفظ للترمذي. ]]. * ومن ذلك أيضًا: معصية الله عز وجل، فإن معصية الله والاستكبار عن أمره من خطوات الشيطان. أو لا؟ ومنها من اتباع خطوات الشيطان: القياس الفاسد. * طالب: (...). * الشيخ: وأيش وجهه؟ * الطالب: أول من قاس إبليس. * الشيخ: يقولون: أول من قاس قياسًا فاسدًا إبليس؛ لأن الله لما أمره أن يسجد لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]؛ يعني فكان الأولى أنه هو اللي يسجد لي، فهذا قياس في مقابلة النص، فاسد الاعتبار. ومن اتباع خطوات الشيطان أيضًا: الحسد؛ فإن الحسد من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسدًا لآدم، فالحسد من اتباع خطوات الشيطان، وهو أيضًا من دأب اليهود، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]، وكل خلق ذميم أو عمل سوء فإنه من خطوات الشيطان. * ومن فوائد الآية: تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم، من أين نأخذها؟ ﴿إِنَّهُ﴾ الجملة مؤكدة بـ (إن) ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. * ومن فوائدها: ظهور بلاغة القرآن، وذلك بقرن الحكم بعلته، فإن قرن الحكم لعلته له فوائد منها: الطمأنينة، والحث، والترغيب أو الترهيب. المهم لها فوائد ذكرناها فيما سبق، ذكرنا فيما سبق ثلاث فوائد، ولعلكم تستحضرونها، قرن الحكم بعلته له ثلاث فوائد، من يبينها؟ * طالب: التأكيد. * الشيخ: التأكيد؟ * طالب: نعم، أو شدة يعني (...). * الشيخ: لا، لعل وهمك راح لشيء آخر. * طالب: أولًا: اطمئنان المخاطب. ثانيًا: كمال الشريعة الإسلامية. * الشيخ: وهو كمال الشريعة الإسلامية. * الطالب: نعم، ثالثًا: القياس على هذه العموم، عموم الحكم. * الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]. كلمة ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ تعليل، يستفاد منها الفوائد الثلاثة: أولًا: طمأنينة المخاطب إلى تحريم هذا الشيء، وأنه حُرم لنجاسته وخبثه. وثانيًا: ظهور سمو الشريعة، وحكمها وأسرارها، وأنها ما تثبت حكمًا إلا لعلة. وثالثًا: عموم الحكم بعموم العلة؛ يعني القياس، فكل ما كان نجسًا وإن لم يكن من هؤلاء الثلاثة فهو محرم. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير الشديد من خطوات الشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وما أظن أحدًا يؤمن بعداوة أحد ويتبعه أبدًا، أو لا؟ كل عاقل يؤمن بالعداوة من أي نفس لا يمكن أن يتبع ذلك، ففيه التحذير من اتباع خطوات الشيطان، فإذا قيل: ما هي خطوات الشيطان؟ نقول: كل المعاصي خطوات الشيطان، كل المعاصي فإنها خطوات الشيطان.

البقرة 2:168

قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] إذ ظرف عامله محذوف، التقدير: اذكر إذ تبرأ، وهل المراد بالذكر هنا التذكر؟ أو الإخبار بالشيء؟ أو الأمران؟ هل المعنى اذكر للناس هذا الأمر؟ أو تذكر أيها الإنسان هذا الأمر؟ الظاهر إنه هذا وهذا، إن الله تعالى يُذكِّرنا ويأمرنا أن نذكر لغيرنا. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأ تخلى، تبرأ التخلي والبعد، ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهم الرؤساء، والسادة يتبرؤون من الذين اتبعوا، وهم الأتباع والضعفاء وما أشبههم، من ذلك مثلًا رؤساء الكفر يدعون الناس إلى الكفر مثل فرعون دعا إلى الكفر فهو مُتَّبَع وقومه متبِعون، وكذلك غيره من رؤساء الكفر والضلال هؤلاء أيضًا مُتَّبَعون ومن تبعهم فهو متبِع هؤلاء يتبرأ بعضهم من بعض، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى مناقشة بعضهم لبعض ومحاجة بعضهم بعضا في عدة آيات. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهل يشمل هذا من اتبع أئمة الهدى؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: يشمل، من اتبع أئمة الهدى؟ ما يشملهم، ما يشملهم لا شك، فالمتبعون للرسول لا تتبرأ منهم الرسل، والمتبعون لأئمة الهدى ما تتبرأ منهم، الدليل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧] فالأخلة والأحبة في يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض إلا المتقين. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] نحن أمامنا الآن فعل ماض في تبرأ وفعل ماض في رأوا مع أن هذا الأمر مستقبل، لكن لتحقق وقوعه عُبِّر عنه بالماضي، وهذا كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] أي: أنه سيأتي بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ رأوه بأعينهم كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣] والعذاب هو العقوبة التي يعاقب الله بها من يستحقها. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] -أعوذ بالله- ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ الباء هنا إما أن تكون بمعنى عن أو تقطعت بهم صلة بمعنى أنهم يعني هم كأنهم متشبثون بها الآن، ثم تتقطع بهم كما ينقطع الحبل بمن تمسك به للنجاة من الغرق. وقوله: ﴿الْأَسْبَابُ﴾ جمع سبب، فما هي هذه الأسباب؟ المراد بها كل سبب يعلقون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين نعم؟ مثل قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] وقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٩] هذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظنًّا منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تَقَطَّع بهم ولا يجدون سبيلًا إلى الوصول إلى غاياتهم. وفسرها ابن عباس -رضي الله عنهما- بالمودة[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣١١٣) من طريق عطاء عن ابن عباس. ]] ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] أي المودة، وهذا له نظر وجه قوي من النظر؛ لأن الآية في سياق قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فهم يرجون من هذا الحب أن يصلوا إلى مرادهم ولكنه لا ينفعهم، ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ وهكذا كل من تمسك بسبب لم يجعله الله سببا للنجاة فإنه يخونه أحوج ما يكون إليه، فالمتمسكون بدعاء الأولياء، ودعاء الأنبياء، ودعاء الرسل، ومن باب أولى دعاء الأشجار، والأحجار وما أشبه ذلك تخونهم هذه أحوج ما يكونون إليه، فدعاؤهم للرسول مثلًا بأن ينقذهم من النار ما ينفعهم، وكذلك دعاؤهم لمن دون الرسل لا ينفعهم. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧] يقولون ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ الأتباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ لو هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني يعني: ليت لنا كرة فنتبرأَ، والدليل أنها للتمني: أن الفعل نُصِبَ بعدها ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾، وهو منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية. وقد مر علينا أن لو تأتي باللغة العربية على كم من وجه؟ على ثلاثة أوجه: أن تكون شرطية، وأن تكون للتمني، وأن تكون مصدرية، فقوله تعالى: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] هذه مصدرية، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] هذه شرطية، وقوله هنا: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٦٧] هذه للتمني، مثلها أيضًا ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢] وفي آية: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر ٥٨]. قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ الكرة الرجوع إلى الشيء، والمراد هنا الرجوع إلى أيش؟ إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ فنتبرأ منهم هناك في الدنيا لو رجعنا، كما تبرءوا منا هنا في الآخرة، فنجازَيهم بما جازَوْنا به، لكن كما يقول العوام: (التمني راس مال المفاليس)، ينفعهم هذا التمني ولَّا لا؟ لا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة ١٦٧] -أعوذ بالله- ﴿كَذَلِكَ﴾ إعراب ﴿كَذَلِكَ﴾ من يقوم به منكم؟ * طالب: الكاف للتشبيه، حرف جر، وذا اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، واللام (...) والكاف (...). * الشيخ: طيب والجار والمجرور وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: مفعول به. * الشيخ: توافقون على؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما توافقوه؟ وأيش عندك، وأيش تخالفه فيه؟ * الطالب: (...) إعرابه؟ * الشيخ: إيه، نبغي إعرابه. * الطالب: الكاف متعلقة (...). * الشيخ: المتبوعين نعم ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾، وهذه كثيرًا ما تقع في القرآن مثل: ﴿وَكَذَلِكَ يفعلون﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣]، كثيرة جدًّا في القرآن، وهم يقولون: الكاف هنا اسم بمعنى مثل وهي مفعول مطلق عاملها الفعل وبعدها. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة ١٦٧] هذه أيضًا نريد منكم أن تعربوها؟ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾؟ * طالب: ﴿يُرِيهِمُ﴾ فعل مضارع. * الشيخ: جميل. * طالب: لا، (يري) فعل مضارع ينصب مفعولين، والهاء في ﴿يُرِيهِمُ﴾ مفعول أول (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: ولفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. * الشيخ: نعم. * الطالب: و﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مفعول ثان، والهاء مضاف إليه. * الشيخ: نعم. * الطالب: و﴿حَسَرَاتٍ﴾ مفعول ثالث، * الشيخ: أنت قلت ينصب مفعولين. * الطالب: لا، ينصب ثلاثة. * الشيخ: ينصب ثلاثة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: وأيش اللي خلاه ينصب ثلاث مفاعيل؟ * الطالب: لأنه من أرى. * الشيخ: من أرى يري؟ يعني إذن زيادة الهمزة هي التي جعلته ينصب ثلاثة مفاعيل، طيب هل لهذا شاهد من كلام ابن مالك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، أعطيناه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يجعلهم يرون أعمالهم حسرات عليهم، ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ ﴿حَسَرَاتٍ﴾ جمع حسرة وهي الندم مع الانكماش، والحزن -والعياذ بالله- هؤلاء يُرَوْن أعمالهم يوم القيامة على هذا الوجه يتحسرون، شوف الآن، هؤلاء الأتباع ماذا يكون شعورهم في ذلك الوقت؟ شعورهم بالندم والخيبة والخسران لا يُتَصَوَّر، فالأعمال التي عملوها لهؤلاء المتبوعين صارت خسارة عليهم وندمًا، ضاعت بها دنياهم وآخرتهم -والعياذ بالله- وهذا أعظم ما يكون من الحسرة، أعظم ما يكون من الحسرة هو مثل هذا، أن يفوت الإنسان دنياه وآخرته من أجل اتِّباع هؤلاء السادة والأشراف الوجهاء، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد ما يتفرع على هذا الأمر العظيم. قال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ﴿مَا﴾ هذه نافية لكنها تعمل عمل ليس، و﴿هُمْ﴾ اسمها و﴿بِخَارِجِينَ﴾ خبرها مؤكدا بالباء. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ إذن فهم أيش؟ خالدون فيها، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الخلود في النار مؤبد، في كم موضع من القرآن؟ في ثلاثة مواضع: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، التأبيد ذكره الله في هذه المواضع الثلاثة، وبه نعرف ضعف قول من قال من السلف والخلف بأن النار تفنى وتزول، هي ومن فيها، ووجه الضعف أن نقول: إن تأبيد خلود الخالد وأيش يستلزم؟ تأبيد المحل الذي يخلد فيه، وإلا لما صح أن يكون مؤبدًّا، لو كانت النار تفنى ما صار هناك تأبيد للخالد فيها؛ لأنه ينقطع، فالصواب الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة: أن النار والجنة لا تفنيان، أما الجنة فبالاتفاق، وأما النار ففيها خلاف عن بعض السلف والخلف، والصواب أنها لا تفنى. * طالب: شيخ يريدون علينا التأبيد في القاتل وجميعًا ونحن لا نقول بهذا؟ * الشيخ: ما فيه أبد، القاتل ما فيه التأبيد، لا ما فيه التأبيد. ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ١٦٨] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه الآية جاءت في سورة البقرة، وسورة البقرة مدنية، وقد سبق أنه جاء أيضًا مثلها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١] وقد ذكر كثير من المؤلفين في أصول التفسير أن الغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ١٠٤]؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة صارت المدينة بلاد إسلام، وهي أول بلد إسلامي في هذه الرسالة، فصار التوجيه إليها بالخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لكن هذه القاعدة ليست قاعدة، بل إنها ضابط هش؛ لأن كثيرا من الآيات، من السور المدنية فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، سورة النساء مدنية ولَّا مكية؟ مدنية، وفيها عدة آيات فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ تقدم أن الناس أصلها: الأُناس، حذفت الهمزة منها تخفيفًا، والمراد بالناس بنو آدم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿كُلُوا﴾ هذه فعل أمر، وقوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ يَحْتَمل أن تكون (من) لبيان الجنس، ويحتمل أن تكون للتبعيض، لكن كونها لبيان الجنس أولى ويرجحه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] كل ما في الأرض، ما هو البعض، فعلى هذا يكون الراجح من الاحتمالين أن تكون ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس أي: كلوا من هذا ما شئتم. وقوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل كل ما في الأرض من أشجار، وزروع، وبقول، وغيرها، كل ما في الأرض، ومن حيوان أيضًا، ومن حيوان؛ لأنه في الأرض. وقوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ هل ﴿حَلَالًا﴾ هنا منصوبة على أنها حال من (ما) أو مفعول لـ﴿كُلُوا﴾؟ * الطلبة: حال. * الشيخ: الظاهر أنها حال، يعني: كلوه حال كونه حلالًا، أي محللًا، فهي بمعنى اسم المفعول محللًا. وقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ هذا أيضًا حال أخرى، يعني حال كونه طيبًا، والطيب يشمل الطيب في ذاته والطيب في كسبه، الطيب في ذاته ما ليس بمحرم؛ لأن كل محرم فهو خبيث والدليل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧]، ودليل آخر: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥] وعلى هذا فنقول: إن الطيب يشمل الطيب في عينه والطيب في كسبه، طيب الطيب في عينه قلنا: ما ليس بخبيث، والطيب في كسبه ما اكتُسِبَ على وجه مشروع، فعلى هذا ما اكتُسِب بالربا طيب ولَّا غير طيب؟ ليس بطيب، حلوان الكاهن؟ * طلبة: ليس بطيب. * الشيخ: ليس بطيب، خبيث، مهر البغي يعني أجرة الزانية؟ * طالب: ليس بطيب. * الشيخ: ليس بطيب خبيث، ثمن الكلب؟ طيب، ثمن الدخان؟ * طلبة: خبيث. * الشيخ: خبيث؟ نعم، إذن الطيب نقول: ما طاب أيش؟ في عينه وفي كسبه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ﴿لَا تَتَّبِعُوا﴾ ﴿لَا﴾ ناهية، والاتباع معناه: أن يأخذ الإنسان بما عمله غيره كمتَّبِع الأثر الذي يتْبَع أثر البعير وأثر الدابة وما أشبهها. وقوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ جمع خطوة، والخُطوة بالضم غير الخَطوة بالفتح، الخَطوة المرة من الخُطى، والخُطوة هي فعل الإنسان يعني كونه ينقُل قدمه من مكان إلى آخر ليمشي. وقوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: أعماله التي يعملها ويخطو إليها، وهو شامل للشرك فما دونه، وقد علمنا أن الشيطان -كما عَلَّمنا الله عز وجل- يأمر بأي شيء؟ يأمر بالفحشاء ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٩]، فكل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان، سواء كان عن استكبار، أو تكذيب، أو استهزاء أو غير ذلك، كل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان؛ لأنه يأمر به وينادي به ويدعو إليه فهو من خطواته، ومنه الأكل بالشمال؛ لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، فمن أكل بشماله أو شرب بشماله فقد اتبع خطوات الشيطان، ولهذا القول الراجح في هذه المسألة أن ذلك محرم، وأنه ما يجوز الإنسان أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله، لكن إذا قال قائل: إذا كنت تأكل وأردت أن تشرب، وأيش تسوي؟ تشرب باليسرى؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: يقولون: اشرب باليسرى؛ لئلا تلوث الكأس، فنقول هذا ليس بصحيح؛ لأن الكأس لا يتلوث ولو شربت باليمنى من الممكن أن تمسكه بأسفله بين إبهامك والسبابة وتشرب، إن قُدِّر أن يتلوث فهو يتلوث شيئًا يسيرًا في عقبه، وليس في أعلاه الذي يشرب منه الناس حتى نقول إنك قذرته عليهم، لكن من أجل أن الناس صاروا يتهاونون بهذه المسألة أو أنهم يعتقدون ما ذهب إليه كثير من أهل العلم من أن الشرب بالشمال مكروه صار الأمر عندهم هينًا، وإلا من علم أنه محرم فالمحرم كما هو معروف للجميع ما يُحلِّه إلا الضرورة. * طالب: شيخ طيب حط الكأس كذا جائز ولَّا؟ * الشيخ: نعم إذا جعله هكذا هو بين الجواز والتحريم، كما أنه بين اليمنى واليسرى ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق ٣] فكما أنك الآن ما تمحضت اليمنى ولا اليسرى فأنت ما وقعت في النهي ولا وافقت الأمر، ما وافقت الأمر ولا وقعت في النهي، ما نقول: إنك فعلت محرمًا؛ لأنه ما تمحضت اليسرى، ولكنه لا شك أن الأكمل أن يكون باليمنى خالصًا. * طالب: لو شرب بكلتا اليدين؟ * الشيخ: نفس الشيء إلا لصار ثقيل، ما يقدر باليمنى فهذا لا بأس هذه حاجة. * طالب: والأكل. * الشيخ: الأكل، ما أظنه علة. * طالب: أكل بالثنتين؟ * الشيخ: أكل بالثنتين؟ إيه، يكون هذا شبهه. * طالب: عظم أو شيء. * الشيخ: عظم ولا بطيخة. * الطلبة: خبز. * الشيخ: لا، خبز يمسكه باليسرى ويقطع باليمنى ما فيه شيء، وكذلك العظم حتى العظم مو لازم (...)، على كل حال مع الحاجة لا بأس؛ لأنا قلنا: إن هذا ما تمحض باليسار فلا وقع في النهي. * طالب: (...). * الشيخ: إيه، وده يقرمش ها العصب اللي.. * الطالب: شيخ، اللي يشكل يا شيخ المصاصة، إذا كان فيه مصاصة (...) ومسكها باليسرى مسك الكوب باليسرى؟ * الشيخ: (...)؟ * الطالب: لا، يعني ولو يعني إذا وقع الشيء لا (...). * الشيخ: نقول هذا شرب باليسار. * طالب: ما شرب باليسار. * الشيخ: كيف؟ * طالب: شرب بالمصاصه؟ * الشيخ: لكن حتى أصله، أصله حتى لو أن الكأس معه ما شرب من نفس اليد هو شارب بوسيلة الكأس، الكأس وسيلة، يعني هذا بدل أن يشرب من حافة الكأس شرب من هذه الماسورة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يمسك هذا الكأس باليمين أو هذا اللي تمص ومص. * طالب: (...) بدون قصد؟ * الشيخ: ويش بدون قصد. * الطالب: (...). * الشيخ: إذا كان الإنسان ساهيًا تلك الساعة وغافلًا فهو من جنس اللي فعل محرمًا غافلًا ما عليه ذنب، لكنه يجب الإنسان ينتبه إلى هذه الأشياء. * الطالب: يعني، يحرم شيخ؟ * الشيخ: نعم، يحرم. * طالب: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. طيب ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الشيطان هل هو من (شطن) فالنون أصلية، أو من (شاط) فالنون زائدة؟ نقول: هو من (شطن)؛ لأنه مصروف في القرآن ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير ٢٥] ولو كان من (شاط) لكانت النون زائدة والألف زائدة فيكون ممنوعًا من الصرف، إلا أنه قد يقال: لا يمنع من الصرف؛ لأن مؤنثه (شيطانة)، والذي يمنع من الصرف إذا كان مؤنثه فعلى، مثل سكران وسكرى (...). إذا بَعُدَ عن رحمة الله، لبعده عن رحمة الله سبحانه وتعالى. وقال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ العدو هو ضد الصديق، وقد حده الفقهاء رحمهم الله بقولهم: من سرَّه مساءة شخص أو غمه فرحُه فهو عدو، فالعدو من يحزن لفرحك ويُسَرُّ لحزنك، هذا هو العدو. قال: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بَيِّن العداوة، ظاهر العداوة، وقد كان عدوًّا لأبينا آدم عليه الصلاة والسلام فما زالت عداوته إلى قيام الساعة، إلى أن يأتي الله بأمره، قال الله تعالى عنه: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء ١١٨، ١١٩] قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ نسأل الله السلامة والعافية. * الطالب: مثال (لو) الشرطية (...) مثال الشرطية؟ * الشيخ: إي نعم مثل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود ١١٨]. (...) وضم الميم، والموجود الآن؟ * طالب: هذا الموجود. * الشيخ: هذا الموجود، فيه قراءة بكسرهما ﴿بِهِمِ الْأَسْبَابُ﴾ ، في قراءة ثالثة: بضمهما ﴿بِهُمُ الْأَسْبَابُ﴾ . * طالب: موجودة يا شيخ ﴿بِهُمُ الْأَسْبَابُ﴾ . * الشيخ: لا ما هي موجودة القراءات الآن ثلاث: ضمهما، والثانية؟ وكسرهما، والثالثة: كسر الهاء وضم الميم. * طالب: قراءة حفص؟ * الشيخ: كذلك، والله ما أعرف من اللي قالها من القراءة السبعية، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ فيها أيضًا ثلاث قراءات مثلها: كسر الهاء والميم ﴿يُرِيهِمِ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ، وضمهما ﴿يُرِيهُمُ اللَّهُ﴾ ، وكسر الهاء وضم الميم ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾. مناقشة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ في بيان الامتنان، لا في بيان التكليف، وكون الإنسان يجب عليه أن يأكل ما يسد رمقه يفهم من دليل آخر، وإلا يجب على الإنسان أن يأكل ما يسد رمقه. * الطالب: كيف سيقت للبيان؟ * الشيخ: لبيان الامتنان، امتنان الله سبحانه وتعالى علينا حيث أباح لنا كل ما في الأرض. * الطالب: هل هذه قاعدة؟ * الشيخ: إي نعم، ما سيق لبيان الامتنان فليس به التكليف. * الطالب: أليس للوجوب؟ * الشيخ: لا لا، ليس للوجوب. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، يعني أن تريد أن يكون كلوا منصبًا على طيبًا؟ لا، طيبًا ستأتي إن شاء الله في الفوائد اللي بعدها اللي وجه للمؤمنين. * طالب: ما أخرج عن وجوب الامتنان؟ * الشيخ: نعم، طيب قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ (من) هنا؟ هي للتبعيض ولَّا لبيان الجنس؟ * طالب: لبيان الجنس. * الشيخ: وأيش الدليل؟ الدليل؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ لأن الأرض بيان للجنس. * الشيخ: إيه لكن من هل المراد كلوا بعض ما في الأرض؟ * الطالب: لا، لبينان الجنس ما هي للتبعيض. * الشيخ: وأيش الدليل؟ * الطالب: قوله تعالى (...). * الشيخ: أنا أريد دليل على هذا القول. * الطالب: (...). * الشيخ: لهما جميعًا؟ * الطالب: نعم (...). * الشيخ: بينهما فرق. * الطالب: دليل على الجنس قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] * الشيخ: إيه زين هذا دليل على أنها للجنس ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فما هذه عامة، طيب. قوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ ما الفرق بين حلالًا وطيبا؟ * طالب: طيِّبًا توكيد للحلال. * الشيخ: كيف توكيد للحلال؟ وأيش وجه أنها توكيد الحلال؟ * الطالب: لأن الحلال (...) طيبًا. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: الدليل قول الرسول ﷺ أحل للمؤمنين كما أحل للأنبياء كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا﴾ [البقرة ١٧٢]. * الشيخ: «إن الله أمر»[[أخرجه مسلم ( ١٠١٥ / ٦٥) .]]، لا، نبغى غيرها، نبغى الدليل على أن كل حلال فهو طيب؟ من يعرف؟ * طالب: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ * الشيخ: قول الله تعالى في وصف النبي ﷺ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٧]. قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ما هي الخطوات؟ * الطالب: خطواته سبله وطرقه. * الشيخ: ومنها؟ * الطالب: ومنها الأمر بالفحشاء والمنكر. * الشيخ: طيب، كلمة الشيطان النون فيها أصلية ولَّا زائدة؟ * طالب: أصلها شطن؟ * الشيخ: إيه، فإني أسأل هل النون أصلية أو زائدة؟ * الطالب: أصلية؛ لأنها شطن. * الشيخ: من شطن بمعنى؟ * الطالب: الشطط وهو البعد؟ * الشيخ: من البعد، طيب؛ لأنه بعيد عن رحمة الله سبحانه وتعالى. هل لك أن تأتي لنا بشاهد يدل على أن النون أصلية من القرآن؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير ٢٥] مصروف دل على أنها أصلية، لو كانت غير أصلية كان يمنع من الصرف. * الشيخ: يمنع من الصرف إذا قصد به العلمية. قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ما محل الجملة مما قبلها في المعنى؟ * طالب: قلنا قول ثان: إنه يكون من (شطا)؛ الشيطان. * الشيخ: من (شاط). * الطالب: من (شاط) يعني مستور. * الشيخ: تكون النون زائدة ويكون منصرف أيضًا؛ لأن شيطان مؤنثه شيطانة. أقول: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ما محل الجملة مما قبلها في المعنى؟ * طالب: مؤكدة لما قبلها. * الشيخ: مؤكدة. * طالب: بيان حال الشيطان، تقريبًا. * الشيخ: بيان حال الشيطان؟ يعني مؤكدة الحقيقة، كأنها مؤكدة. * طالب: تعليلية. * الشيخ: تعليلية. الشيخ: قول مبين. * الطالب: يعني بيِّن. * الشيخ: أي بيِّن، مِن؟ الفعل منها أيش؟ * الطالب: الفعل منها من (أبان). * الشيخ: من أبان، وأبان بمعنى؟ * الطالب: أظهر. * الشيخ: بمعنى أظهر، إذن مبين مظهِر؟ * طالب: من (بان). * الشيخ: من (بان يَبين) فهو بيِّن، لكن هذه مبين. * الطالب: بين ومبين. * الشيخ: لا. * طالب: مِن (أبان) بس اللازمة ليس المتعدية. * الشيخ: صح، من (أبان) اللازمة؛ لأننا قلنا لكم: إن (أبان) تأتي لازمة ومتعدية، فيقال: أبان الشيء؛ أي أظهره، ويقال: أبان الصبح؛ بمعنى ظهر وبان. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم يسِّر. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم لقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ ولو كانوا ينفعونهم ما تبرؤوا منهم. * ومن فوائدها أيضًا: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع بل يقتصر على البراءة منهم، والتباعد عنهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبيًّا. * ومن فوائد الآية: ثبوت العقاب، ويتفرع عليه ثبوت البعث لقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يجمع بين الأتباع والمتبوعين توبيخًا وتنديمًا لهم؛ لأن لا شك أن هذا أعظم الحسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه أشد، فيجمع الله بينهم ويتبرأ بعضهم من بعض. * ومن فوائد الآية: أن جميع الأسباب الباطلة تتقطع يوم القيامة وتزول، كل الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله لا تنفع صاحبها يوم القيامة. ذكرنا أن هذه الآية يراد بها المتبوعون بأيش؟ * الطلبة: بالباطل. * الشيخ: بالباطل، بخلاف المتبوعين بالحق، فالرسل لا يتبرؤون من أتباعهم، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]. * ومن فوائد الآية اللي بعدها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧]. * من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرؤوا منهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة، وهو ممكن ولَّا غير ممكن؟ * طالب: غير ممكن. * الشيخ: غير ممكن، وما يزيدهم هذا إلا حسرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: تحسُّر هؤلاء وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح، فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسرًا لا نظير له، ولا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن الاستعتاب منه، في الدنيا قد تحسر على ما فاتك لكن تسعى في جبر هذا الشيء، لكن هناك ما فيها. * ومنها: إثبات نكال الله بهم لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. * ومنها: خلودهم في النار لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. * ومنها: إثبات النار، وأنها حق لقوله: ﴿مِنَ النَّارِ﴾ وهو كذلك، وهي موجودة الآن ولَّا لا؟ * طالب: موجودة. * الشيخ: نعم، هي موجودة الآن. ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ١٦٨]. * طالب: يا شيخ، ذكر في بعض النصوص أن النار في الأرض؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: شو الجمع بين إثبات هذا وأنها موجودة؟ * الشيخ: نقول: الله أعلم، الأرض ما أحطنا بها، يمكن تكون بمكان غير معلوم لنا؛ يعني في جهة سفلى لكنها ما هي في الأرض نفسها، الله أعلم. * ومن فوائد هذه الآية: إظهار منة الله على عباده حيث أباح لهم جميع ما في الأرض، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن الأصل فيما في الأرض الحِل والطيب حتى يتبين أنه حرام، وهل يؤخذ من هذه الآية أن الكفار مخاطبون بالفروع، بفروع الشريعة أو لا يؤخذ؟ * الطلبة: يؤخذ. * الشيخ: يؤخذ؟ * الطلبة: يؤخذ. * الشيخ: ما وجه ذلك؟ * الطلبة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وهم داخلون في هذا الخطاب، فيكونون مخاطبين بفروع الشريعة، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن ليس معنى خطابهم بذلك أنهم يلزمون بها حال الكفر، لا؛ لأننا ندعوهم أولًا إلى أي شيء؟ إلى الإسلام ثم نلزمهم بأحكامه، وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ الدليل على الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة ٥٤] فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؟ هذا عبث وظلم! وأما الثاني: أن معنى كونهم مخاطبين أننا لا نلزمهم بالقضاء: الدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. ولهذا ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا ممن أسلم أن يؤدي زكاته الماضية، أو أن يصوم شهر رمضان، أو أن يقضي الصلوات، إذن ما الفائدة؟ قال أهل العلم: الفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها: زيادة عقوبتهم في الآخرة، وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٣٩ - ٤٧]. إذن هذه الآية ربما يستدل بها على أن الكفار مخاطبون بالفروع كما أنهم مخاطبون بالأصول بالإجماع. * طالب: كل الآية يا شيخ؟ * الشيخ: إي، كل (...) كل الآية، الآية فيها أمر ونهي. * الطالب: تعقيب. * طالب: بالنسبة للمسلم اللي يتهاون بالزكاة يؤمر بقضائها ولَّا لا؟ * الشيخ: فيه خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال يؤمر؛ لأنه ما لها وقت، ابتداء الوقت محدد وانتهاؤه غير محدد، وهذا هو الصحيح. * الطالب: يعني يؤمر. * الشيخ: أنه يؤمر بخلاف المحدد وقته ابتداءً وانتهاءً فلا يؤمر به، على القول الراجح. * طالب: بس فيه تعقيب على ذكر (...) في الآيات (...) يقول: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ هنا لما ذكر عموم الناس ذكر أيضًا. * الشيخ: ما وصلنا لهذا. * ومن فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وهل من ذلك تحريم الأكل بالشمال والشرب بالشمال؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبُ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٥)، والترمذي برقم (١٧٩٩) من حديث عبد الله بن عمر، واللفظ للترمذي. ]]. * ومن ذلك أيضًا: معصية الله عز وجل، فإن معصية الله والاستكبار عن أمره من خطوات الشيطان. أو لا؟ ومنها من اتباع خطوات الشيطان: القياس الفاسد. * طالب: (...). * الشيخ: وأيش وجهه؟ * الطالب: أول من قاس إبليس. * الشيخ: يقولون: أول من قاس قياسًا فاسدًا إبليس؛ لأن الله لما أمره أن يسجد لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]؛ يعني فكان الأولى أنه هو اللي يسجد لي، فهذا قياس في مقابلة النص، فاسد الاعتبار. ومن اتباع خطوات الشيطان أيضًا: الحسد؛ فإن الحسد من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسدًا لآدم، فالحسد من اتباع خطوات الشيطان، وهو أيضًا من دأب اليهود، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]، وكل خلق ذميم أو عمل سوء فإنه من خطوات الشيطان. * ومن فوائد الآية: تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم، من أين نأخذها؟ ﴿إِنَّهُ﴾ الجملة مؤكدة بـ (إن) ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. * ومن فوائدها: ظهور بلاغة القرآن، وذلك بقرن الحكم بعلته، فإن قرن الحكم لعلته له فوائد منها: الطمأنينة، والحث، والترغيب أو الترهيب. المهم لها فوائد ذكرناها فيما سبق، ذكرنا فيما سبق ثلاث فوائد، ولعلكم تستحضرونها، قرن الحكم بعلته له ثلاث فوائد، من يبينها؟ * طالب: التأكيد. * الشيخ: التأكيد؟ * طالب: نعم، أو شدة يعني (...). * الشيخ: لا، لعل وهمك راح لشيء آخر. * طالب: أولًا: اطمئنان المخاطب. ثانيًا: كمال الشريعة الإسلامية. * الشيخ: وهو كمال الشريعة الإسلامية. * الطالب: نعم، ثالثًا: القياس على هذه العموم، عموم الحكم. * الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]. كلمة ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ تعليل، يستفاد منها الفوائد الثلاثة: أولًا: طمأنينة المخاطب إلى تحريم هذا الشيء، وأنه حُرم لنجاسته وخبثه. وثانيًا: ظهور سمو الشريعة، وحكمها وأسرارها، وأنها ما تثبت حكمًا إلا لعلة. وثالثًا: عموم الحكم بعموم العلة؛ يعني القياس، فكل ما كان نجسًا وإن لم يكن من هؤلاء الثلاثة فهو محرم. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير الشديد من خطوات الشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وما أظن أحدًا يؤمن بعداوة أحد ويتبعه أبدًا، أو لا؟ كل عاقل يؤمن بالعداوة من أي نفس لا يمكن أن يتبع ذلك، ففيه التحذير من اتباع خطوات الشيطان، فإذا قيل: ما هي خطوات الشيطان؟ نقول: كل المعاصي خطوات الشيطان، كل المعاصي فإنها خطوات الشيطان.

البقرة 2:169

﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا الحصر، وقد مر علينا أظن في البلاغة، أو لا؟ فإذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عمن سواه؛ يعني ما يأمركم إلا بذلك، إلا بالسوء إلى آخره. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ أي الشيطان، والخطاب لمن؟ للناس جميعًا؛ لأن الآيات كلها سياقها للناس. ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ السوء: كل ما يسوء من المعاصي الصغيرة؛ فإنها سيئات، هذا السوء. الفحشاء: المعاصي الكبيرة، فالزنا من الفحشاء، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وكذلك نكاح الإنسان ما نكح أبوه من النساء من الفحشاء؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: من الفحشاء، وكذلك البخل بالزكاة من الفحشاء، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]. المهم أن السوء: المعاصي الصغار، والفحشاء: المعاصي الكبار، فهو يأمر بهذا وبهذا، مع أن المعاصي الصغار تقع مُكفَّرة بالأعمال الصالحة، لكنه يأمر بها؛ لأنه إذا فعلها الإنسان مرة بعد أخرى فإنه يفسق ويقسو قلبه، ثم لا ندري أيضًا هذه الصلاة ما كل صلاة تُكَفِّر، بعض الصلوات عسى أن تبرئ الذمة فضلًا عن أن تكون مُكفّرة، والصلوات المكفرة هي التي أكملها الإنسان بقدر استطاعته. وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ (أن تقول) معطوفة على ﴿السُّوء﴾؛ يعني وبقولكم، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور عطفًا على قوله: ﴿بِالسُّوءِ﴾ يعني وقولكم. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ تقولوا عليه أي: تنسبوا إليه القول. ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (ما) مفعول (تقولون). وقوله: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يشمل كل ما قيل على الله من أوصاف، وأفعال، وأحكام، وأسماء، كل ما قيل على الله من هذه الأربعة فهو داخل في هذه الآية، فمن أثبت لله اسمًا لا يعلم أنه اسم له فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن أثبت لله صفة لم يعلم أن الله وصف نفسه بها فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله فعلًا لم يفعله فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله حُكمًا لم يشرعه، فقال: هذا حلال وهذا حرام، والله لم يشرعه بهذا، فقد قال على الله ما لا يعلم، إذن فهو شامل لأيش؟ للأسماء، والصفات، والأفعال، والأحكام، كل من قال على الله ما لا يعلم فإنه داخل في هذه الآية، وفعله من أوامر الشيطان ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وعطْف ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ على ﴿السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ من باب عطف الخاص على العام، فإنه داخل إما في السوء أو الفحشاء، وهو أيضًا إلى الفحشاء أقرب. وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قلنا: الآيات يشمل هذه الأنواع الأربعة، والقول على الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قاله، فهذا ما حكمه؟ * طالب: جائز. * الشيخ: هذا واجب أو جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: المهم أنه جائز ويصل إلى حد الوجوب إذا دعت الحاجة إليه. الثاني: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، فهذا حرام، أشد الأنواع. الثالث: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله، هذا حرام أيضًا، فصار القول على الله حرامًا في حالين، ما هما؟ أن يقول ما لا يعلم، أو أن يقول ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذه الجملة لها فروع كثيرة إن شاء الله نذكرها في المستقبل. (...) وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، كل هذا يدخل فيه (...) يأمر الشيطان أولياءه بذلك. إذا قال قائل: أنا لا أسمع أن الشيطان يأمرني، فكيف أستدل أو أعرف أنه أمر؟ * طالب: (...) الوسوسة هو يوسوس في أذن الناس، وكذلك أنهم يعملون السوء والفحشاء، فكل أمر فيه معصية لله ورسوله فهو من أمر الشيطان. * الشيخ: يعني معناه أن الإنسان إذا فعل معصية أو قال على الله ما لا يعلم علم أن الشيطان أمره بذلك، وما الواحد ما يسمع الشيطان يقول: افعل كذا، افعل كذا، قل كذا، لكن هو إذا فعل أو قال هذه الأشياء التي ذكر الله عز وجل عُلم أن الشيطان أمره به. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أظن أننا كنا نتكلم عليها؟ قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يشمل القول على الله في ذاته، فالقائلين بأنه سبحانه وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا فوق العالم ولا تحته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم، بل بما يُعلم أن الأمر خلافه، كذلك يشمل القول على الله بأسمائه وصفاته، مثل من يقول: إن أسماء الله سبحانه وتعالى لا تدل على صفات، فهو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، فهو عليم بذاته لا بعلمه ووصفه، وهؤلاء المعتزلة والجهمية ما يثبتون صفة، يثبتون أسماء ما تدل على معانيها. ويشمل أيضًا من أثبت بعض الصفات دون بعض، مثل الأشاعرة قالوا: أراد بكذا بما نفوه، أراد به كذا ولم يُرد كذا، فقالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم، والثاني: أنهم أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده، فقالوا مثلًا: استوى إنه بمعنى استولى، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني استولى عليه، قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم، والثاني: إثباتهم أن معناها الاستيلاء بلا علم، فقالوا على الله بلا علم من وجهين. كذلك القائلون على الله بلا علم بأفعاله، أفعاله مثل أن يثبتوا أسبابًا لم يجعلها الله أسبابًا كمثل المنجمين والخرَّاصين وشبههم، هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته، فيقولون: سبب وجود هذا كذا وكذا وهو لا يُعلم أنه سبب له لا كونًا ولا شرعًا، فيقولون على الله بلا علم، مثل: الدُّبلة يقولون: إنها سبب لمحبة الزوج لزوجته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ لأننا لا نعلم أن ذلك سبب لا شرعًا ولا حسًّا ولا قدرًا. كذلك القائلين على الله بلا علم بأحكامه، وهم كثيرون جدًّا، منهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذين يقولون: نحن علماء، أو يتصورون أنفسهم علماء وليس عندهم علم، هؤلاء أيضًا يقولون على الله بلا علم، ومن الأشياء التي مرت عليّ قريبًا وهي غريبة: أن رجلًا ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق، فقال له: طلق امرأتك مرتين أنا ما أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة ٢٢٩]. يقول: أنا ما أدري هو إمام؛ إمام مسجد، فحسبت أن الأمر كما يقول، فقلت: نعم، اكتب: إني طلقت امرأتي طلقتين، مع أن هذا هذا حرام، ما يجوز للإنسان أن يطلق طلقتين، تلاعب بكتاب الله عز وجل، ومعنى الآية واضح؛ يعني الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ -الثالثة- ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠]، لكن هذا من الجهل العظيم، هذا جهل مركب. قَـالَ حِـمَـارُ الْـحَـكِــيــمِ يَــوْمًا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ؎لِأَنَّــــــنِــــي جَــــــاهِـــــلٌبَــــسِيــــطٌ ∗∗∗ وَصَــــاحِـــبِـــي جَــــاهِـــلٌمُــــرَكَّــــبْ صادق الحمار هذا؟! على كل حال إن هذا -والعياذ بالله- من القول على الله بلا علم، فالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه وصفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان، والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف والسيادة والجاه، وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله عز وجل، ولم يتقدم بين يديه ويدي رسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم أن الله قاله إما في كتابه أو في سنة رسوله ﷺ التي هي بأمره، فالحاصل أن هذا من القول على الله ما لا يعلم. ما رأيكم فيمن قال على الله ما يعلم أن قول الله خلافه؟ * الطلبة: هذا أشد. * الشيخ: هذا أشد؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذا أشد، فالمراتب إذن ثلاث، المراتب في القول على الله ثلاث: أن يقول ما يعلم أن الله قاله، وأن يقول ما يعلم أن الله لم يقله هاتان مرتبتان، والثالثة: أن يقول ما لا يعلم أن الله قاله فهمتم؟ بينهم فرق الثاني والثالثة؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، بينهم فرق، الثالثة: يعلم أن الله قال بخلافه، الثانية، والثالثة: لا يعلم أن الله قاله، فقال على الله ما لم يعلم، وهو محرم، فإذا قال قائل: ألستم تبيحون الفتوى بالظن أو بغلبة الظن؟ فما هو الجواب؟ * طلبة: نعم. * طلبة: بلى. * الشيخ: بلى، الجواب: بلى، لا نعم، فما الجواب عن الآية: ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟ الجواب على الآية أننا في الحقيقة إذا أفتينا بالظن فقد قلنا على الله ما نعلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أباح لنا أن نفتي بذلك في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. وفي قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. ومعلوم أن غلبة الظن خير من التوقف، وكثير من مسائل الفقه التي يتكلم بها العلماء ويحكمون بها، كثير منها ما أقول كلها أو أكثرها، لا كثير منها يكون مبنيًّا على غلبة الظن والرجحان، وليس أمرًا قطعيًّا لا في الدلالة ولا في المدلول الذي يستدل به، لا في الدلالة ولا في الدليل. * طالب: شيخ، هل أي فتوى هي قول على الله؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني مثل اللي قال لواحد: هذا حرام وهذا حلال واضح إنه قول على الله، لكن لو يسأل مثلًا واحد في أمر مشتبه وفيه خلاف والأمر بسيط يقول له: افعل كذا بس، يعني يقول: له افعل كذا، ما قال هذا حرام ولا حلال، هل هذا قول على الله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنه سأله عن دين يدين الله به، والله تعالى لا يُدان له إلا بما شرع. * الطالب: بس هذه أقرب المعنى المشهورة يعني يقول له: افعل كذا؟ * الشيخ: لا لا، المشهورة -بارك الله فيك- في غير المسائل الدينية، اللي مشهورة محضة مبنية على الرأي هذه غير المسائل الدينية، أما المسائل الدينية فأنا ما أمرته إلا بناء على أن الشرع هو هكذا، فهذا هو القول على الله. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة ١٧٠]. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ (قيل) هذه مبنية للمجهول، وأصلها؟ * طالب: (قال). * الشيخ: لا، أصلها؟ * طالب: (قَوَلَ). * طالب: (قَوَلَ)، أو (قُول). * الشيخ: (قَوَلَ)، قَوَلَ أصل (قال). * طالب: (قُوِلَ). * الشيخ: (قُوِلَ) أو لا؟ مثل: ضُرِبَ، هذا أصلها، لكن صار فيها إعلال، وهي أن الواو مكسورة فقلبت ياء، ثم كسر ما قبلها للمناسبة فقيل: قيل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: لمن؟ * طالب: الذين قالوا على الله. * الشيخ: لا. * طالب: للكفار. * الشيخ: للكفار ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ اتبعوا: يعني خذوا به فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (ما) اسم موصول يفيد العموم، والله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ الكتاب والحكمة، وقد قال كثير من أهل العلم: إن المراد بالحكمة السنة. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قلنا: إنها اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى صلة وعائد، الصلة هي قوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أين العائد؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: العائد محذوف، تقديره: ما أنزله الله، إذا قيل لهم هذا القول لا يلينون ولا يقبلون بل يُكابرون. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ (بل) هذه للإضراب الإبطالي؛ يعني قالوا مبطلين لهذا القول الذي قيل لهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (ما) أي الذي فهو اسم موصول، (ألفينا) وجدنا، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان ٢١]. والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد ذكرنا فيما سبق في قواعد التفسير أننا نرجع في تفسير القرآن إلى القرآن، ثم السنة، ثم أقوال الصحابة، ثم بعد ذلك قول كبار التابعين المعتنين بالتفسير كمجاهد وقتادة ونحوهما على خلاف في هذا في المسألة الثانية في مسألة التابعين. وقوله: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي ما وجدناهم عليه من الهدى ولَّا من الضلال؟ * الطلبة: من الضلال. * الطلبة: من العمل. * الشيخ: من العمل حقًّا كان أو باطلًا. وقوله: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ﴿آبَاءَنَا﴾ المراد بهم آباء الصلب والأجداد أيضًا حتى ما توارثوه عن أجدادهم داخل في ذلك، هذا هو الجواب، وهو جواب غير سديد، بل هو جواب باطل خطأ، ولهذا أبطله الله عز وجل في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ نشوف مصطفى يعرب لنا ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾؟ * الطالب: الهمزة للاستفهام، كلها أو. * الشيخ: (أوَ) كلها للاستفهام؟ * الطالب: إي. * الشيخ: نعم، و(لَوْ)؟ * طالب: (لو) أداة امتناع. * الشيخ: أداة امتناع؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أداة امتناع لوجود. * الشيخ: لوجود؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما تقولون في الإعراب؟ الهمزة؟ * طالب: الهمزة للاستفهام. * الشيخ: أوْ (أوَ)؟ * الطالب: لا الهمزة فقط. * الشيخ: فقط؟ * الطالب: إي، والواو للعطف، وقدم الاستفهام على العطف، ففيه مذهبان لعلماء النحو إما أن يجعل التجوز في الفعل. * الشيخ: ما فيه التجوز إما أن يجعل. * الطالب: إي؟ * الشيخ: ما فيه التجوز. * الطالب: يعني إما أن نقدر فعلًا مثلًا: إما أن نقدر فعلًا فنقول: إما أن يكون على المذهب الأول إما أن تكون الاستفهام قدم على أصلها (وأولو كان) فقدم الاستفهام على العطف هذا. * الشيخ: هذا رأي. * الطالب: هذا رأي، ورأي ثاني: أن نقدر فعل مناسب بعد الهمزة. * الشيخ: وتكون الواو حرف عطف على هذا الفعل، على ذلك فعل المقدر، كيف نقدره هنا على هذا الرأي؟ * طالب: فيتْبَعون. * الشيخ: أيتَّبِعون؟ * الطالب: أيتَّبِعون ولو كان آباؤهم. * الشيخ: ولو كان آباؤهم، طيب ولو؟ * الطالب: ولو هنا شرطية. * الشيخ: زين، أين فعل الشرط؟ * الطالب: فعل الشرط محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: التقدير فاتبعونه أو كما هداهم. * طالب: فعل الشرط كان. * الشيخ: فعل الشرط كان، صح. * طالب: وجواب الشرط محذوف. * الشيخ: وجواب الشرط محذوف على أنه مشهور. * الطالب: أو ما يحتاج. * الشيخ: أو لا يحتاج على القول الثاني. يقول عز وجل: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ في هذه الحال التي لا يستحقون أن يتبعوا ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لا يعقلونه المراد بالعقل هنا: عقل التصرف، لا عقل الإدراك؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن العقل عقلان: عقل تصرف، وعقل إدراك، فعقل الإدراك هو مناط التكليف الذي يتكلم عليه الفقهاء ويقولون: من شرط وجوب كذا وكذا أن يكون عاقلًا، أما عقل التصرف فهو محل المدح والثناء؛ بمعنى أن يكون لدى الإنسان عقل يمنعه عما يضره، فهنا أيّ العقلين يراد؟ * الطلبة: التصرف. * الشيخ: عقل التصرف، فآباؤهم أذكياء، وآباؤهم يدركون ما ينفعهم ويضرهم، لكن ليس عندهم حسن تصرف. وقوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أي لا يتصرفون (...) عاقل بحيث يُدركون ما ينفعهم ويضرهم فيتبعون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم، فإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئًا حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فهم يبيعون ويشترون ويتحرون الأفضل والأحسن لهم، فيقال: هذا ليس بشيء بالنسبة إلى ما يتعلق في أمور الآخرة، ليس بشيء بالنسبة لما يتعلق بأمور الآخرة، أو يقال: إن المراد بهذا العموم الخصوص؛ لأن المقام هنا مقام منهاج، منهاج وعمل ليس مقام دنيا وبيع وشراء ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ فيكون المراد هنا المراد بكلمة ﴿شَيْئًا﴾ اللي هي عامة وأيش المراد؟ * الطلبة: أمور الآخرة.. * الشيخ: شيئًا من أمور الآخرة، وكلا الأمرين يرجعان إلى معنى واحد، أو كلا الاحتمالين يرجعان إلى معنى واحد، لكن هل نقول: الفرق، هل نقول: إن ﴿شَيْئًا﴾ أريد بها العموم أصلًا، لكن خرجت منها أمور الدنيا؛ لأنها تافهة ليست بشيء، أو نقول: إن أمور الدنيا لم ترد بها أصلًا؛ لأن المقام هنا في مقام عمل ومقام آخرة. وقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ لا يعقلون ولا يهتدون، إذا قيل: إذا فسرتم العقل بأنه عقل الرشد فهو الاهتداء، فكيف يجمع بينهما؟ قلنا: الجمع بينهما أن العقل بالنسبة للتصور وحسن الإرادة والاهتداء بالنسبة للعمل والسلوك؛ يعني هم لا يهتدون فيعملون عملًا يكون هداية وليسوا أيضًا يعقلون فيدركون إدراكًا يتصرفون فيه تصرفًا نافعًا لهم، هؤلاء الذين بهذا الوصف لا يعقلون ولا يهتدون هل يستحقون أن يُتبعوا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، ولهذا جاءت همزة الإنكار في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. وسنتكلم إن شاء الله على فوائد هذه الآية بما يدل على أن كثيرًا من أهل الضلال الذين يتعصبون لأئمتهم داخلون في هذه الآية ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولون: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ حتى ولو كان آباؤهم في هذا الوصف الذي لا يعقلون فيه ولا يهتدون فهم يتبعونهم، ولا يقولون: هو نافع ولَّا ضار يتبعونه في كل حال، فما هو أقرب شبه لهؤلاء؟ أقرب شبه الآية التي بعدها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة ١٧١] يعني كمثل الراعي، الراعي الذي ينعق ينادي بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، ما هو الذي لا يسمع إلا دعاء ونداء ولا يفهم؟ * الطلبة: البهائم. * الشيخ: البهائم، الماشية، فهؤلاء مثلهم كمثل إنسان يدعو بهائم ما تفهم إلا الصوت. ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدعاء: إذا كان يدعو شيئًا معينًا باسمه، والنداء العام تكون للعام؛ لأن البهائم الآن، فيه بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، توافقون على هذا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نعم، إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، وفيها النداء العام لجميع البهائم، هذا ما يختص به واحد دون الآخر، وأظن ما يحتاج إلى التمثيل به؛ لأنه معلوم لديكم، فراعي الإبل مثلًا يدوهي لها والدوهات نداء ولَّا دعاء؟ * الطلبة: نداء. * الشيخ: نداء لأنه عام، ولهذا تُقبل إليه الإبل جميعًا، لكن إذا كان مثلًا إذا كان له ناقة مسميها باسم خاص، وقال لها: يا فلانة. تأتي إليه من بين سائر الإبل، وهذا شيء معروف، لكن مع ذلك هل تأتي على أساس أنها تعقل وتفهم وتهتدي ربما يناديها لأجل أن يذبحها تشوف السكين معه ويناديها وتجي، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: هؤلاء مثلهم، الكفار مثلهم في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذا المعنى الذي هذه الحال التي عليها آباؤهم. ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ وما أكثر المشابهين للكافرين في ذلك! ما أكثر الذي يتبعون الداعي والمنادي وهم كالبهائم لا يعقلون ولا يفكرون، فالدعوة إلى العصبية والقومية وما أشبه ذلك من هذا النوع ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: من هذا النوع، لا يفكر الدعاة لها ماذا يترتب عليها من تفريق المسلمين وتمزيق كلمتهم وكونهم يجعلون الرابطة هي أيش؟ * طالب: اللغة (...). * الشيخ: اللغة والقومية، لكن الرابطة الدينية التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات ١٠] ولم يقل: إنما العرب إخوة، قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هذه تدخل لك جميع المؤمنين ولو كانوا غير عرب أو لا؟ وتخرج من ليس بمؤمن ولو كان عربيًّا، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧]. وكذلك ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ [الممتحنة ٤]، شوف لقومهم! ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤] إلى آخر الآية، شوف هذا هو الحقيقة الرابطة، فكون الناس يعني انجرفوا في هذا الدعاء إلى هذه القومية هو داخل في مثل هذه الآية أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء. * طالب: لا يسمع (...) البهائم. * الشيخ: إي نعم، البهائم التي لا تسمع إلا بس مجرد الدعاء والنداء ولا تفهم ولا تعقل. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿صُمٌّ﴾ جمع (أصم)، والأصم: هو الذي لا يسمع. ﴿عُمْيٌ﴾ جمع (أعمى)، والأعمى هو الذي لا يبصر. ﴿بُكْمٌ﴾ جمع (أبكم)، وهو الذي لا ينطق، وهنا من حيث اللغة العربية محل قوله: ﴿صُمٌّ﴾ أيش؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر مبتدأ محذوف تقديره (هم صُمّ). فيه أيضًا إشكال ﴿عُمْيٌ﴾ نحن قلنا: إن الضمة لا تظهر على الياء، فإذا قلت: جاء القاضي تقول: القاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، وهنا ﴿عُمْيٌ﴾ ضمتين بعد ما هي بضمة واحدة، فما هو الجواب على هذا الإشكال؟ * طالب: من أعمى. * الشيخ: (...) نرى أنها ياء وظهرت عليها الضمة. نقول: إن الياء اللي هي حرف علة ما يظهر عليها هي التي يُكسر ما قبلها، والواو التي يُضم ما قبلها، أما الياء الساكن ما قبلها أو الواو الساكن ما قبلها فإنها تظهر عليها الضمة، وتظهر عليها الكسرة فاهمين؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الياء التي ما تظهر عليها الضمة ولا الكسرة هي التي كسر ما قبلها، والواو التي ما تظهر عليها الضمة والكسرة هي التي ضُم ما قبلها، أما ما كان الذي قبله ساكنًا فهو تظهر عليه الضمة والكسرة، تقول: اشتريت دلوًا، وهذا دلوٌ، ظهرت الضمة على الواو؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأن اللي قبله ساكن، ونظرت إلى دلوٍ، ظهر عليها الكسرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وكذلك غزوٌ، وغزوٍ، وهنا (عُميٌ)، ونظرت إلى (عُميٍ)، وكذلك ظبيٌ، ونظرت إلى ظبيٍ، إذن زال الإشكال. وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ صم عن أيش؟ * الطلبة: عن سماع الحق. * الشيخ: عن سماع الحق، وإن كانوا يسمعون غيره، لكن سماع غيره لا فائدة منه فهو كالعدم، ولهذا قال: ﴿صُمٌّ﴾. ﴿بُكْمٌ﴾ يعني لا ينطقون، صحيح ما ينطقون؟ * الطلبة: لا ينطقون. * الشيخ: لا ينطقون، وربما يكونون فصحاء، لكن لا ينطقون بالحق والعياذ بالله، ونطقهم بغير الحق كالعدم لعدم نفعه. كذلك ﴿عُمْيٌ﴾ لا يبصرون، هكذا ولكن حقيقة الأمر قد تكون أعينهم من أحسن الأعين، لكنهم لا يبصرون الحق والعياذ بالله، لا يبصرون الآيات، ولا يبصرون من يقول بالآيات أيضًا، لا ينتفعون به. وقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الفاء للتفريع؛ يعني أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها؛ يعني فلكونهم عميًا وبكمًا وصمًّا هم لا يعقلون؛ أي لا يعقلون عقل رشد، وإن كان عندهم عقل إدراك، لكن ما عندهم عقل رشد، فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل الذي هو حقيقة العقل، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، ولهذا يسمى عقلًا ويسمى حِجْرًا؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] أي: لذي عقل؛ لأنه أيضًا يحجر صاحبه عما يضره. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وأيش إعراب ﴿دُعَاءً﴾ ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً﴾؟ * طالب: مستثنى بـ (إلا)؟ * الشيخ: مستثنى بـ (إلا) ما قولكم؟ * طالب: صحيح. * طالب: مفعول به منصوب. * الشيخ: مفعول به منصوب؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: هذان قولان ما قولك؟ * طالب: لا، صحيح مستثنى. * الشيخ: صحيح مستثنى. * طالب: مفعول به منصوب لـ﴿يَسْمَعُ﴾. * الشيخ: إي صحيح؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ لأن (لا) نافية و﴿يَسْمَعُ﴾ فعل مضارع، ما جاء المفعول، المفعول به إذن ﴿دُعَاءً﴾، ولو أردت تعرف المفرغ احذف النفي واحذف (إلا)، فقل: يسمع دعاء مثلًا، ما قام إلا زيد، تقول: قام زيد هو اللي ييبن لك الإعراب. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة وأمرًا لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الشيطان لا يأمر إلا بالشر، لا يأمر بالخير، أن الشيطان لا يأمر بالخير، من أين أخذنا أنه لا يأمر بالخير؟ * الطلبة: من الحصر. * الشيخ: من الحصر ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾. * طالب: حديث أبي هريرة، أن أبي هريرة قال.. * الشيخ: نعم، فصدق وهو كذوب، هذا نادر، هذا نادر. * ومن فوائدها؛ من فوئد الآية: أن الإنسان إذا همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان فليحذرها؛ لأنه ما عندنا علامة بينة، الشيطان ما هو يقف أمامنا يقول: افعلوا، لكن عندما يكون الأمر الذي نهم به من السوء والفحشاء نعرف أنه من أوامر الشيطان. * ومن فوائدها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان لقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. * ومن فوائدها: تحريم الفتوى بلا علم، من أين نأخذها؟ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله. * ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله وصفاته، من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾. * الشيخ: لأنهم قالوا على الله بلا علم، وقد سبق أنهم قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: إن الله لم يُرد كذا، فنفوا ما هو ظاهر الكلام، وقالوا: إنه أراد كذا فأثبتوا ما يخالف ظاهر الكلام، وهذا قول على الله بلا علم. * طالب: شيخ، قال أهل التأويل ولا أهل التحريف؟ * الشيخ: لا هم يسمون الآن معروفين بأهل التأويل، ولَّا هو حقيقة أن ما سموه تأويلًا فهو تحريف. * طالب: متى يكون التأويل محمودًا يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الآن المعروف عند أهل العلم أهل التأويل إذا قيل: أهل التأويل يريدون بهم هؤلاء، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، مشهور عندهم، أهل التأويل وأهل الأخذ بالظاهر. * طالب: أهل التفسير؛ يعني يطلق عليهم أهل التأويل؟ * الشيخ: يُطلق عليهم، لكن التأويل عند المتأخرين ما هو معروف عندهم إلا صرف اللفظ عن ظاهره، وإذا قيل: أهل التأويل لا تفكر أنهم يريدون أهل التفسير أبدًا إلا في اصطلاح المتقدمين مثل ابن جرير ونحوه، أما المتأخرين إذا سمعت أهل التأويل فهم الذين يؤولون الصفات، آيات الصفات وأحاديثها، وهو في الحقيقة تحريف، نحن لا نوافقهم على أن هذا من باب التأويل، نقول: هو تحريف في الواقع؛ لأن التأويل الذي لا دليل عليه تحريف وتغيير للمعنى عما أراد الله، إنما هذا هو المعروف عند أهل العلم أن أهل التأويل هم الذين يصرفون ظواهر نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بالأسماء والصفات. * ومن فوائدها: وجوب تعظيم الله عز وجل، وأنه لو ساغ القول على غيره لم يسغ القول عليه، ووجه ذلك أنه خصَّص بعد التعميم، وأين التخصيص بعد التعميم؟ * الطلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ هذا تخصيص بعد قوله: ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ فإن القول على الله بلا علم لا شك أنه من السوء والفحشاء. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. * من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى لقوله: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ مع أن آباءهم ليس عندهم عقول ولا هدى كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾. * ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء، أو لا؟ هم يقولون: نتبع ما ألفينا عليه آباءنا والمتعصب لمذهبه: ما وجدنا عليه مشائخنا، فهذا فيه شبه منهم، والواجب أن الإنسان إذا قيل له: اتبع ما أنزل الله أن يقول: سمعنا وأطعنا. * ومنها من فوائدها: أنه لا يجب الانصياع إلا إلى ما أنزل الله أو لا؟ ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أما الانقياد لقول عالم أو ما أشبه ذلك فلا، لا انقياد إلا لما أنزل الله عز وجل وهو الكتاب والحكمة، وقد سبق أن أهل العلم اختلفوا فيما قاله الصحابي، وأن مذهب الإمام أحمد أنه حُجة ما لم يخالف الدليل أو يعارضه قول صحابي آخر، فإن خالف الدليل طُرح واتُّبع الدليل، وإن عارضه قول صحابي آخر وجب الترجيح ويُنظر أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فيُؤخذ به، فإن لم نعرف أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فإننا ننظر أيهما أقرب إلى الصواب من حيث العلم، والصحابة يختلفون في هذا. * ومن فوائد الآية: بيان عناد هؤلاء يقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما يقول: اتبعوا ما نحن عليه، ما أنزل الله، فيعاندون ويقولون: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. * ومن فوائدها: أن كل من خالف الحق وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدى من قوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. * طالب: شيخ قلنا: التابعي (...) فيه خلاف (...) قتادة.. * الشيخ: إي نعم، ومجاهد، والله فيه خلاف بين أهل العلم ولم يتبين لي أن الصواب وجوب اتباعهم، وجوب اتباعهم فيه نظر. وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ إلى آخره. * يستفاد منه: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي ما تسمع إلا صوتًا دعاء ونداء، ما تفهم شيئًا تعقله وتفهمه وتعرف فائدته ومضرة مخالفته. * ومن فوائدها أيضًا على التفسير الآخر: أن هؤلاء -والعياذ بالله- قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من الحق ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. * ومنها على التفسير الثالث: أن هذه الأصنام لا يمكن أن تستجيب لهم، لكن هذا القول، كما تعلمون، وإن كان اختاره ابن جرير، لكنه ضعيف؛ لأن الأصنام لا تسمع، فلا ينطبق التشبيه عليها وهو يقول: بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.

البقرة 2:170

﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا الحصر، وقد مر علينا أظن في البلاغة، أو لا؟ فإذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عمن سواه؛ يعني ما يأمركم إلا بذلك، إلا بالسوء إلى آخره. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ أي الشيطان، والخطاب لمن؟ للناس جميعًا؛ لأن الآيات كلها سياقها للناس. ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ السوء: كل ما يسوء من المعاصي الصغيرة؛ فإنها سيئات، هذا السوء. الفحشاء: المعاصي الكبيرة، فالزنا من الفحشاء، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وكذلك نكاح الإنسان ما نكح أبوه من النساء من الفحشاء؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: من الفحشاء، وكذلك البخل بالزكاة من الفحشاء، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]. المهم أن السوء: المعاصي الصغار، والفحشاء: المعاصي الكبار، فهو يأمر بهذا وبهذا، مع أن المعاصي الصغار تقع مُكفَّرة بالأعمال الصالحة، لكنه يأمر بها؛ لأنه إذا فعلها الإنسان مرة بعد أخرى فإنه يفسق ويقسو قلبه، ثم لا ندري أيضًا هذه الصلاة ما كل صلاة تُكَفِّر، بعض الصلوات عسى أن تبرئ الذمة فضلًا عن أن تكون مُكفّرة، والصلوات المكفرة هي التي أكملها الإنسان بقدر استطاعته. وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ (أن تقول) معطوفة على ﴿السُّوء﴾؛ يعني وبقولكم، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور عطفًا على قوله: ﴿بِالسُّوءِ﴾ يعني وقولكم. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ تقولوا عليه أي: تنسبوا إليه القول. ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (ما) مفعول (تقولون). وقوله: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يشمل كل ما قيل على الله من أوصاف، وأفعال، وأحكام، وأسماء، كل ما قيل على الله من هذه الأربعة فهو داخل في هذه الآية، فمن أثبت لله اسمًا لا يعلم أنه اسم له فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن أثبت لله صفة لم يعلم أن الله وصف نفسه بها فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله فعلًا لم يفعله فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله حُكمًا لم يشرعه، فقال: هذا حلال وهذا حرام، والله لم يشرعه بهذا، فقد قال على الله ما لا يعلم، إذن فهو شامل لأيش؟ للأسماء، والصفات، والأفعال، والأحكام، كل من قال على الله ما لا يعلم فإنه داخل في هذه الآية، وفعله من أوامر الشيطان ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وعطْف ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ على ﴿السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ من باب عطف الخاص على العام، فإنه داخل إما في السوء أو الفحشاء، وهو أيضًا إلى الفحشاء أقرب. وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قلنا: الآيات يشمل هذه الأنواع الأربعة، والقول على الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قاله، فهذا ما حكمه؟ * طالب: جائز. * الشيخ: هذا واجب أو جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: المهم أنه جائز ويصل إلى حد الوجوب إذا دعت الحاجة إليه. الثاني: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، فهذا حرام، أشد الأنواع. الثالث: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله، هذا حرام أيضًا، فصار القول على الله حرامًا في حالين، ما هما؟ أن يقول ما لا يعلم، أو أن يقول ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذه الجملة لها فروع كثيرة إن شاء الله نذكرها في المستقبل. (...) وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، كل هذا يدخل فيه (...) يأمر الشيطان أولياءه بذلك. إذا قال قائل: أنا لا أسمع أن الشيطان يأمرني، فكيف أستدل أو أعرف أنه أمر؟ * طالب: (...) الوسوسة هو يوسوس في أذن الناس، وكذلك أنهم يعملون السوء والفحشاء، فكل أمر فيه معصية لله ورسوله فهو من أمر الشيطان. * الشيخ: يعني معناه أن الإنسان إذا فعل معصية أو قال على الله ما لا يعلم علم أن الشيطان أمره بذلك، وما الواحد ما يسمع الشيطان يقول: افعل كذا، افعل كذا، قل كذا، لكن هو إذا فعل أو قال هذه الأشياء التي ذكر الله عز وجل عُلم أن الشيطان أمره به. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أظن أننا كنا نتكلم عليها؟ قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يشمل القول على الله في ذاته، فالقائلين بأنه سبحانه وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا فوق العالم ولا تحته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم، بل بما يُعلم أن الأمر خلافه، كذلك يشمل القول على الله بأسمائه وصفاته، مثل من يقول: إن أسماء الله سبحانه وتعالى لا تدل على صفات، فهو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، فهو عليم بذاته لا بعلمه ووصفه، وهؤلاء المعتزلة والجهمية ما يثبتون صفة، يثبتون أسماء ما تدل على معانيها. ويشمل أيضًا من أثبت بعض الصفات دون بعض، مثل الأشاعرة قالوا: أراد بكذا بما نفوه، أراد به كذا ولم يُرد كذا، فقالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم، والثاني: أنهم أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده، فقالوا مثلًا: استوى إنه بمعنى استولى، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني استولى عليه، قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم، والثاني: إثباتهم أن معناها الاستيلاء بلا علم، فقالوا على الله بلا علم من وجهين. كذلك القائلون على الله بلا علم بأفعاله، أفعاله مثل أن يثبتوا أسبابًا لم يجعلها الله أسبابًا كمثل المنجمين والخرَّاصين وشبههم، هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته، فيقولون: سبب وجود هذا كذا وكذا وهو لا يُعلم أنه سبب له لا كونًا ولا شرعًا، فيقولون على الله بلا علم، مثل: الدُّبلة يقولون: إنها سبب لمحبة الزوج لزوجته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ لأننا لا نعلم أن ذلك سبب لا شرعًا ولا حسًّا ولا قدرًا. كذلك القائلين على الله بلا علم بأحكامه، وهم كثيرون جدًّا، منهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذين يقولون: نحن علماء، أو يتصورون أنفسهم علماء وليس عندهم علم، هؤلاء أيضًا يقولون على الله بلا علم، ومن الأشياء التي مرت عليّ قريبًا وهي غريبة: أن رجلًا ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق، فقال له: طلق امرأتك مرتين أنا ما أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة ٢٢٩]. يقول: أنا ما أدري هو إمام؛ إمام مسجد، فحسبت أن الأمر كما يقول، فقلت: نعم، اكتب: إني طلقت امرأتي طلقتين، مع أن هذا هذا حرام، ما يجوز للإنسان أن يطلق طلقتين، تلاعب بكتاب الله عز وجل، ومعنى الآية واضح؛ يعني الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ -الثالثة- ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠]، لكن هذا من الجهل العظيم، هذا جهل مركب. قَـالَ حِـمَـارُ الْـحَـكِــيــمِ يَــوْمًا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ؎لِأَنَّــــــنِــــي جَــــــاهِـــــلٌبَــــسِيــــطٌ ∗∗∗ وَصَــــاحِـــبِـــي جَــــاهِـــلٌمُــــرَكَّــــبْ صادق الحمار هذا؟! على كل حال إن هذا -والعياذ بالله- من القول على الله بلا علم، فالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه وصفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان، والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف والسيادة والجاه، وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله عز وجل، ولم يتقدم بين يديه ويدي رسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم أن الله قاله إما في كتابه أو في سنة رسوله ﷺ التي هي بأمره، فالحاصل أن هذا من القول على الله ما لا يعلم. ما رأيكم فيمن قال على الله ما يعلم أن قول الله خلافه؟ * الطلبة: هذا أشد. * الشيخ: هذا أشد؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذا أشد، فالمراتب إذن ثلاث، المراتب في القول على الله ثلاث: أن يقول ما يعلم أن الله قاله، وأن يقول ما يعلم أن الله لم يقله هاتان مرتبتان، والثالثة: أن يقول ما لا يعلم أن الله قاله فهمتم؟ بينهم فرق الثاني والثالثة؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، بينهم فرق، الثالثة: يعلم أن الله قال بخلافه، الثانية، والثالثة: لا يعلم أن الله قاله، فقال على الله ما لم يعلم، وهو محرم، فإذا قال قائل: ألستم تبيحون الفتوى بالظن أو بغلبة الظن؟ فما هو الجواب؟ * طلبة: نعم. * طلبة: بلى. * الشيخ: بلى، الجواب: بلى، لا نعم، فما الجواب عن الآية: ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟ الجواب على الآية أننا في الحقيقة إذا أفتينا بالظن فقد قلنا على الله ما نعلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أباح لنا أن نفتي بذلك في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. وفي قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. ومعلوم أن غلبة الظن خير من التوقف، وكثير من مسائل الفقه التي يتكلم بها العلماء ويحكمون بها، كثير منها ما أقول كلها أو أكثرها، لا كثير منها يكون مبنيًّا على غلبة الظن والرجحان، وليس أمرًا قطعيًّا لا في الدلالة ولا في المدلول الذي يستدل به، لا في الدلالة ولا في الدليل. * طالب: شيخ، هل أي فتوى هي قول على الله؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني مثل اللي قال لواحد: هذا حرام وهذا حلال واضح إنه قول على الله، لكن لو يسأل مثلًا واحد في أمر مشتبه وفيه خلاف والأمر بسيط يقول له: افعل كذا بس، يعني يقول: له افعل كذا، ما قال هذا حرام ولا حلال، هل هذا قول على الله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنه سأله عن دين يدين الله به، والله تعالى لا يُدان له إلا بما شرع. * الطالب: بس هذه أقرب المعنى المشهورة يعني يقول له: افعل كذا؟ * الشيخ: لا لا، المشهورة -بارك الله فيك- في غير المسائل الدينية، اللي مشهورة محضة مبنية على الرأي هذه غير المسائل الدينية، أما المسائل الدينية فأنا ما أمرته إلا بناء على أن الشرع هو هكذا، فهذا هو القول على الله. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة ١٧٠]. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ (قيل) هذه مبنية للمجهول، وأصلها؟ * طالب: (قال). * الشيخ: لا، أصلها؟ * طالب: (قَوَلَ). * طالب: (قَوَلَ)، أو (قُول). * الشيخ: (قَوَلَ)، قَوَلَ أصل (قال). * طالب: (قُوِلَ). * الشيخ: (قُوِلَ) أو لا؟ مثل: ضُرِبَ، هذا أصلها، لكن صار فيها إعلال، وهي أن الواو مكسورة فقلبت ياء، ثم كسر ما قبلها للمناسبة فقيل: قيل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: لمن؟ * طالب: الذين قالوا على الله. * الشيخ: لا. * طالب: للكفار. * الشيخ: للكفار ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ اتبعوا: يعني خذوا به فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (ما) اسم موصول يفيد العموم، والله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ الكتاب والحكمة، وقد قال كثير من أهل العلم: إن المراد بالحكمة السنة. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قلنا: إنها اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى صلة وعائد، الصلة هي قوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أين العائد؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: العائد محذوف، تقديره: ما أنزله الله، إذا قيل لهم هذا القول لا يلينون ولا يقبلون بل يُكابرون. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ (بل) هذه للإضراب الإبطالي؛ يعني قالوا مبطلين لهذا القول الذي قيل لهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (ما) أي الذي فهو اسم موصول، (ألفينا) وجدنا، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان ٢١]. والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد ذكرنا فيما سبق في قواعد التفسير أننا نرجع في تفسير القرآن إلى القرآن، ثم السنة، ثم أقوال الصحابة، ثم بعد ذلك قول كبار التابعين المعتنين بالتفسير كمجاهد وقتادة ونحوهما على خلاف في هذا في المسألة الثانية في مسألة التابعين. وقوله: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي ما وجدناهم عليه من الهدى ولَّا من الضلال؟ * الطلبة: من الضلال. * الطلبة: من العمل. * الشيخ: من العمل حقًّا كان أو باطلًا. وقوله: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ﴿آبَاءَنَا﴾ المراد بهم آباء الصلب والأجداد أيضًا حتى ما توارثوه عن أجدادهم داخل في ذلك، هذا هو الجواب، وهو جواب غير سديد، بل هو جواب باطل خطأ، ولهذا أبطله الله عز وجل في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ نشوف مصطفى يعرب لنا ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾؟ * الطالب: الهمزة للاستفهام، كلها أو. * الشيخ: (أوَ) كلها للاستفهام؟ * الطالب: إي. * الشيخ: نعم، و(لَوْ)؟ * طالب: (لو) أداة امتناع. * الشيخ: أداة امتناع؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أداة امتناع لوجود. * الشيخ: لوجود؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما تقولون في الإعراب؟ الهمزة؟ * طالب: الهمزة للاستفهام. * الشيخ: أوْ (أوَ)؟ * الطالب: لا الهمزة فقط. * الشيخ: فقط؟ * الطالب: إي، والواو للعطف، وقدم الاستفهام على العطف، ففيه مذهبان لعلماء النحو إما أن يجعل التجوز في الفعل. * الشيخ: ما فيه التجوز إما أن يجعل. * الطالب: إي؟ * الشيخ: ما فيه التجوز. * الطالب: يعني إما أن نقدر فعلًا مثلًا: إما أن نقدر فعلًا فنقول: إما أن يكون على المذهب الأول إما أن تكون الاستفهام قدم على أصلها (وأولو كان) فقدم الاستفهام على العطف هذا. * الشيخ: هذا رأي. * الطالب: هذا رأي، ورأي ثاني: أن نقدر فعل مناسب بعد الهمزة. * الشيخ: وتكون الواو حرف عطف على هذا الفعل، على ذلك فعل المقدر، كيف نقدره هنا على هذا الرأي؟ * طالب: فيتْبَعون. * الشيخ: أيتَّبِعون؟ * الطالب: أيتَّبِعون ولو كان آباؤهم. * الشيخ: ولو كان آباؤهم، طيب ولو؟ * الطالب: ولو هنا شرطية. * الشيخ: زين، أين فعل الشرط؟ * الطالب: فعل الشرط محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: التقدير فاتبعونه أو كما هداهم. * طالب: فعل الشرط كان. * الشيخ: فعل الشرط كان، صح. * طالب: وجواب الشرط محذوف. * الشيخ: وجواب الشرط محذوف على أنه مشهور. * الطالب: أو ما يحتاج. * الشيخ: أو لا يحتاج على القول الثاني. يقول عز وجل: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ في هذه الحال التي لا يستحقون أن يتبعوا ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لا يعقلونه المراد بالعقل هنا: عقل التصرف، لا عقل الإدراك؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن العقل عقلان: عقل تصرف، وعقل إدراك، فعقل الإدراك هو مناط التكليف الذي يتكلم عليه الفقهاء ويقولون: من شرط وجوب كذا وكذا أن يكون عاقلًا، أما عقل التصرف فهو محل المدح والثناء؛ بمعنى أن يكون لدى الإنسان عقل يمنعه عما يضره، فهنا أيّ العقلين يراد؟ * الطلبة: التصرف. * الشيخ: عقل التصرف، فآباؤهم أذكياء، وآباؤهم يدركون ما ينفعهم ويضرهم، لكن ليس عندهم حسن تصرف. وقوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أي لا يتصرفون (...) عاقل بحيث يُدركون ما ينفعهم ويضرهم فيتبعون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم، فإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئًا حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فهم يبيعون ويشترون ويتحرون الأفضل والأحسن لهم، فيقال: هذا ليس بشيء بالنسبة إلى ما يتعلق في أمور الآخرة، ليس بشيء بالنسبة لما يتعلق بأمور الآخرة، أو يقال: إن المراد بهذا العموم الخصوص؛ لأن المقام هنا مقام منهاج، منهاج وعمل ليس مقام دنيا وبيع وشراء ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ فيكون المراد هنا المراد بكلمة ﴿شَيْئًا﴾ اللي هي عامة وأيش المراد؟ * الطلبة: أمور الآخرة.. * الشيخ: شيئًا من أمور الآخرة، وكلا الأمرين يرجعان إلى معنى واحد، أو كلا الاحتمالين يرجعان إلى معنى واحد، لكن هل نقول: الفرق، هل نقول: إن ﴿شَيْئًا﴾ أريد بها العموم أصلًا، لكن خرجت منها أمور الدنيا؛ لأنها تافهة ليست بشيء، أو نقول: إن أمور الدنيا لم ترد بها أصلًا؛ لأن المقام هنا في مقام عمل ومقام آخرة. وقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ لا يعقلون ولا يهتدون، إذا قيل: إذا فسرتم العقل بأنه عقل الرشد فهو الاهتداء، فكيف يجمع بينهما؟ قلنا: الجمع بينهما أن العقل بالنسبة للتصور وحسن الإرادة والاهتداء بالنسبة للعمل والسلوك؛ يعني هم لا يهتدون فيعملون عملًا يكون هداية وليسوا أيضًا يعقلون فيدركون إدراكًا يتصرفون فيه تصرفًا نافعًا لهم، هؤلاء الذين بهذا الوصف لا يعقلون ولا يهتدون هل يستحقون أن يُتبعوا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، ولهذا جاءت همزة الإنكار في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. وسنتكلم إن شاء الله على فوائد هذه الآية بما يدل على أن كثيرًا من أهل الضلال الذين يتعصبون لأئمتهم داخلون في هذه الآية ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولون: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ حتى ولو كان آباؤهم في هذا الوصف الذي لا يعقلون فيه ولا يهتدون فهم يتبعونهم، ولا يقولون: هو نافع ولَّا ضار يتبعونه في كل حال، فما هو أقرب شبه لهؤلاء؟ أقرب شبه الآية التي بعدها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة ١٧١] يعني كمثل الراعي، الراعي الذي ينعق ينادي بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، ما هو الذي لا يسمع إلا دعاء ونداء ولا يفهم؟ * الطلبة: البهائم. * الشيخ: البهائم، الماشية، فهؤلاء مثلهم كمثل إنسان يدعو بهائم ما تفهم إلا الصوت. ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدعاء: إذا كان يدعو شيئًا معينًا باسمه، والنداء العام تكون للعام؛ لأن البهائم الآن، فيه بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، توافقون على هذا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نعم، إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، وفيها النداء العام لجميع البهائم، هذا ما يختص به واحد دون الآخر، وأظن ما يحتاج إلى التمثيل به؛ لأنه معلوم لديكم، فراعي الإبل مثلًا يدوهي لها والدوهات نداء ولَّا دعاء؟ * الطلبة: نداء. * الشيخ: نداء لأنه عام، ولهذا تُقبل إليه الإبل جميعًا، لكن إذا كان مثلًا إذا كان له ناقة مسميها باسم خاص، وقال لها: يا فلانة. تأتي إليه من بين سائر الإبل، وهذا شيء معروف، لكن مع ذلك هل تأتي على أساس أنها تعقل وتفهم وتهتدي ربما يناديها لأجل أن يذبحها تشوف السكين معه ويناديها وتجي، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: هؤلاء مثلهم، الكفار مثلهم في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذا المعنى الذي هذه الحال التي عليها آباؤهم. ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ وما أكثر المشابهين للكافرين في ذلك! ما أكثر الذي يتبعون الداعي والمنادي وهم كالبهائم لا يعقلون ولا يفكرون، فالدعوة إلى العصبية والقومية وما أشبه ذلك من هذا النوع ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: من هذا النوع، لا يفكر الدعاة لها ماذا يترتب عليها من تفريق المسلمين وتمزيق كلمتهم وكونهم يجعلون الرابطة هي أيش؟ * طالب: اللغة (...). * الشيخ: اللغة والقومية، لكن الرابطة الدينية التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات ١٠] ولم يقل: إنما العرب إخوة، قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هذه تدخل لك جميع المؤمنين ولو كانوا غير عرب أو لا؟ وتخرج من ليس بمؤمن ولو كان عربيًّا، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧]. وكذلك ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ [الممتحنة ٤]، شوف لقومهم! ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤] إلى آخر الآية، شوف هذا هو الحقيقة الرابطة، فكون الناس يعني انجرفوا في هذا الدعاء إلى هذه القومية هو داخل في مثل هذه الآية أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء. * طالب: لا يسمع (...) البهائم. * الشيخ: إي نعم، البهائم التي لا تسمع إلا بس مجرد الدعاء والنداء ولا تفهم ولا تعقل. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿صُمٌّ﴾ جمع (أصم)، والأصم: هو الذي لا يسمع. ﴿عُمْيٌ﴾ جمع (أعمى)، والأعمى هو الذي لا يبصر. ﴿بُكْمٌ﴾ جمع (أبكم)، وهو الذي لا ينطق، وهنا من حيث اللغة العربية محل قوله: ﴿صُمٌّ﴾ أيش؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر مبتدأ محذوف تقديره (هم صُمّ). فيه أيضًا إشكال ﴿عُمْيٌ﴾ نحن قلنا: إن الضمة لا تظهر على الياء، فإذا قلت: جاء القاضي تقول: القاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، وهنا ﴿عُمْيٌ﴾ ضمتين بعد ما هي بضمة واحدة، فما هو الجواب على هذا الإشكال؟ * طالب: من أعمى. * الشيخ: (...) نرى أنها ياء وظهرت عليها الضمة. نقول: إن الياء اللي هي حرف علة ما يظهر عليها هي التي يُكسر ما قبلها، والواو التي يُضم ما قبلها، أما الياء الساكن ما قبلها أو الواو الساكن ما قبلها فإنها تظهر عليها الضمة، وتظهر عليها الكسرة فاهمين؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الياء التي ما تظهر عليها الضمة ولا الكسرة هي التي كسر ما قبلها، والواو التي ما تظهر عليها الضمة والكسرة هي التي ضُم ما قبلها، أما ما كان الذي قبله ساكنًا فهو تظهر عليه الضمة والكسرة، تقول: اشتريت دلوًا، وهذا دلوٌ، ظهرت الضمة على الواو؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأن اللي قبله ساكن، ونظرت إلى دلوٍ، ظهر عليها الكسرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وكذلك غزوٌ، وغزوٍ، وهنا (عُميٌ)، ونظرت إلى (عُميٍ)، وكذلك ظبيٌ، ونظرت إلى ظبيٍ، إذن زال الإشكال. وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ صم عن أيش؟ * الطلبة: عن سماع الحق. * الشيخ: عن سماع الحق، وإن كانوا يسمعون غيره، لكن سماع غيره لا فائدة منه فهو كالعدم، ولهذا قال: ﴿صُمٌّ﴾. ﴿بُكْمٌ﴾ يعني لا ينطقون، صحيح ما ينطقون؟ * الطلبة: لا ينطقون. * الشيخ: لا ينطقون، وربما يكونون فصحاء، لكن لا ينطقون بالحق والعياذ بالله، ونطقهم بغير الحق كالعدم لعدم نفعه. كذلك ﴿عُمْيٌ﴾ لا يبصرون، هكذا ولكن حقيقة الأمر قد تكون أعينهم من أحسن الأعين، لكنهم لا يبصرون الحق والعياذ بالله، لا يبصرون الآيات، ولا يبصرون من يقول بالآيات أيضًا، لا ينتفعون به. وقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الفاء للتفريع؛ يعني أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها؛ يعني فلكونهم عميًا وبكمًا وصمًّا هم لا يعقلون؛ أي لا يعقلون عقل رشد، وإن كان عندهم عقل إدراك، لكن ما عندهم عقل رشد، فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل الذي هو حقيقة العقل، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، ولهذا يسمى عقلًا ويسمى حِجْرًا؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] أي: لذي عقل؛ لأنه أيضًا يحجر صاحبه عما يضره. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وأيش إعراب ﴿دُعَاءً﴾ ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً﴾؟ * طالب: مستثنى بـ (إلا)؟ * الشيخ: مستثنى بـ (إلا) ما قولكم؟ * طالب: صحيح. * طالب: مفعول به منصوب. * الشيخ: مفعول به منصوب؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: هذان قولان ما قولك؟ * طالب: لا، صحيح مستثنى. * الشيخ: صحيح مستثنى. * طالب: مفعول به منصوب لـ﴿يَسْمَعُ﴾. * الشيخ: إي صحيح؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ لأن (لا) نافية و﴿يَسْمَعُ﴾ فعل مضارع، ما جاء المفعول، المفعول به إذن ﴿دُعَاءً﴾، ولو أردت تعرف المفرغ احذف النفي واحذف (إلا)، فقل: يسمع دعاء مثلًا، ما قام إلا زيد، تقول: قام زيد هو اللي ييبن لك الإعراب. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة وأمرًا لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الشيطان لا يأمر إلا بالشر، لا يأمر بالخير، أن الشيطان لا يأمر بالخير، من أين أخذنا أنه لا يأمر بالخير؟ * الطلبة: من الحصر. * الشيخ: من الحصر ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾. * طالب: حديث أبي هريرة، أن أبي هريرة قال.. * الشيخ: نعم، فصدق وهو كذوب، هذا نادر، هذا نادر. * ومن فوائدها؛ من فوئد الآية: أن الإنسان إذا همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان فليحذرها؛ لأنه ما عندنا علامة بينة، الشيطان ما هو يقف أمامنا يقول: افعلوا، لكن عندما يكون الأمر الذي نهم به من السوء والفحشاء نعرف أنه من أوامر الشيطان. * ومن فوائدها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان لقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. * ومن فوائدها: تحريم الفتوى بلا علم، من أين نأخذها؟ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله. * ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله وصفاته، من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾. * الشيخ: لأنهم قالوا على الله بلا علم، وقد سبق أنهم قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: إن الله لم يُرد كذا، فنفوا ما هو ظاهر الكلام، وقالوا: إنه أراد كذا فأثبتوا ما يخالف ظاهر الكلام، وهذا قول على الله بلا علم. * طالب: شيخ، قال أهل التأويل ولا أهل التحريف؟ * الشيخ: لا هم يسمون الآن معروفين بأهل التأويل، ولَّا هو حقيقة أن ما سموه تأويلًا فهو تحريف. * طالب: متى يكون التأويل محمودًا يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الآن المعروف عند أهل العلم أهل التأويل إذا قيل: أهل التأويل يريدون بهم هؤلاء، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، مشهور عندهم، أهل التأويل وأهل الأخذ بالظاهر. * طالب: أهل التفسير؛ يعني يطلق عليهم أهل التأويل؟ * الشيخ: يُطلق عليهم، لكن التأويل عند المتأخرين ما هو معروف عندهم إلا صرف اللفظ عن ظاهره، وإذا قيل: أهل التأويل لا تفكر أنهم يريدون أهل التفسير أبدًا إلا في اصطلاح المتقدمين مثل ابن جرير ونحوه، أما المتأخرين إذا سمعت أهل التأويل فهم الذين يؤولون الصفات، آيات الصفات وأحاديثها، وهو في الحقيقة تحريف، نحن لا نوافقهم على أن هذا من باب التأويل، نقول: هو تحريف في الواقع؛ لأن التأويل الذي لا دليل عليه تحريف وتغيير للمعنى عما أراد الله، إنما هذا هو المعروف عند أهل العلم أن أهل التأويل هم الذين يصرفون ظواهر نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بالأسماء والصفات. * ومن فوائدها: وجوب تعظيم الله عز وجل، وأنه لو ساغ القول على غيره لم يسغ القول عليه، ووجه ذلك أنه خصَّص بعد التعميم، وأين التخصيص بعد التعميم؟ * الطلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ هذا تخصيص بعد قوله: ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ فإن القول على الله بلا علم لا شك أنه من السوء والفحشاء. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. * من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى لقوله: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ مع أن آباءهم ليس عندهم عقول ولا هدى كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾. * ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء، أو لا؟ هم يقولون: نتبع ما ألفينا عليه آباءنا والمتعصب لمذهبه: ما وجدنا عليه مشائخنا، فهذا فيه شبه منهم، والواجب أن الإنسان إذا قيل له: اتبع ما أنزل الله أن يقول: سمعنا وأطعنا. * ومنها من فوائدها: أنه لا يجب الانصياع إلا إلى ما أنزل الله أو لا؟ ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أما الانقياد لقول عالم أو ما أشبه ذلك فلا، لا انقياد إلا لما أنزل الله عز وجل وهو الكتاب والحكمة، وقد سبق أن أهل العلم اختلفوا فيما قاله الصحابي، وأن مذهب الإمام أحمد أنه حُجة ما لم يخالف الدليل أو يعارضه قول صحابي آخر، فإن خالف الدليل طُرح واتُّبع الدليل، وإن عارضه قول صحابي آخر وجب الترجيح ويُنظر أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فيُؤخذ به، فإن لم نعرف أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فإننا ننظر أيهما أقرب إلى الصواب من حيث العلم، والصحابة يختلفون في هذا. * ومن فوائد الآية: بيان عناد هؤلاء يقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما يقول: اتبعوا ما نحن عليه، ما أنزل الله، فيعاندون ويقولون: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. * ومن فوائدها: أن كل من خالف الحق وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدى من قوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. * طالب: شيخ قلنا: التابعي (...) فيه خلاف (...) قتادة.. * الشيخ: إي نعم، ومجاهد، والله فيه خلاف بين أهل العلم ولم يتبين لي أن الصواب وجوب اتباعهم، وجوب اتباعهم فيه نظر. وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ إلى آخره. * يستفاد منه: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي ما تسمع إلا صوتًا دعاء ونداء، ما تفهم شيئًا تعقله وتفهمه وتعرف فائدته ومضرة مخالفته. * ومن فوائدها أيضًا على التفسير الآخر: أن هؤلاء -والعياذ بالله- قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من الحق ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. * ومنها على التفسير الثالث: أن هذه الأصنام لا يمكن أن تستجيب لهم، لكن هذا القول، كما تعلمون، وإن كان اختاره ابن جرير، لكنه ضعيف؛ لأن الأصنام لا تسمع، فلا ينطبق التشبيه عليها وهو يقول: بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.

البقرة 2:171

﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا الحصر، وقد مر علينا أظن في البلاغة، أو لا؟ فإذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عمن سواه؛ يعني ما يأمركم إلا بذلك، إلا بالسوء إلى آخره. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ أي الشيطان، والخطاب لمن؟ للناس جميعًا؛ لأن الآيات كلها سياقها للناس. ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ السوء: كل ما يسوء من المعاصي الصغيرة؛ فإنها سيئات، هذا السوء. الفحشاء: المعاصي الكبيرة، فالزنا من الفحشاء، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وكذلك نكاح الإنسان ما نكح أبوه من النساء من الفحشاء؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: من الفحشاء، وكذلك البخل بالزكاة من الفحشاء، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]. المهم أن السوء: المعاصي الصغار، والفحشاء: المعاصي الكبار، فهو يأمر بهذا وبهذا، مع أن المعاصي الصغار تقع مُكفَّرة بالأعمال الصالحة، لكنه يأمر بها؛ لأنه إذا فعلها الإنسان مرة بعد أخرى فإنه يفسق ويقسو قلبه، ثم لا ندري أيضًا هذه الصلاة ما كل صلاة تُكَفِّر، بعض الصلوات عسى أن تبرئ الذمة فضلًا عن أن تكون مُكفّرة، والصلوات المكفرة هي التي أكملها الإنسان بقدر استطاعته. وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ (أن تقول) معطوفة على ﴿السُّوء﴾؛ يعني وبقولكم، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور عطفًا على قوله: ﴿بِالسُّوءِ﴾ يعني وقولكم. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ تقولوا عليه أي: تنسبوا إليه القول. ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (ما) مفعول (تقولون). وقوله: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يشمل كل ما قيل على الله من أوصاف، وأفعال، وأحكام، وأسماء، كل ما قيل على الله من هذه الأربعة فهو داخل في هذه الآية، فمن أثبت لله اسمًا لا يعلم أنه اسم له فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن أثبت لله صفة لم يعلم أن الله وصف نفسه بها فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله فعلًا لم يفعله فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله حُكمًا لم يشرعه، فقال: هذا حلال وهذا حرام، والله لم يشرعه بهذا، فقد قال على الله ما لا يعلم، إذن فهو شامل لأيش؟ للأسماء، والصفات، والأفعال، والأحكام، كل من قال على الله ما لا يعلم فإنه داخل في هذه الآية، وفعله من أوامر الشيطان ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وعطْف ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ على ﴿السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ من باب عطف الخاص على العام، فإنه داخل إما في السوء أو الفحشاء، وهو أيضًا إلى الفحشاء أقرب. وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قلنا: الآيات يشمل هذه الأنواع الأربعة، والقول على الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قاله، فهذا ما حكمه؟ * طالب: جائز. * الشيخ: هذا واجب أو جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: المهم أنه جائز ويصل إلى حد الوجوب إذا دعت الحاجة إليه. الثاني: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، فهذا حرام، أشد الأنواع. الثالث: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله، هذا حرام أيضًا، فصار القول على الله حرامًا في حالين، ما هما؟ أن يقول ما لا يعلم، أو أن يقول ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذه الجملة لها فروع كثيرة إن شاء الله نذكرها في المستقبل. (...) وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، كل هذا يدخل فيه (...) يأمر الشيطان أولياءه بذلك. إذا قال قائل: أنا لا أسمع أن الشيطان يأمرني، فكيف أستدل أو أعرف أنه أمر؟ * طالب: (...) الوسوسة هو يوسوس في أذن الناس، وكذلك أنهم يعملون السوء والفحشاء، فكل أمر فيه معصية لله ورسوله فهو من أمر الشيطان. * الشيخ: يعني معناه أن الإنسان إذا فعل معصية أو قال على الله ما لا يعلم علم أن الشيطان أمره بذلك، وما الواحد ما يسمع الشيطان يقول: افعل كذا، افعل كذا، قل كذا، لكن هو إذا فعل أو قال هذه الأشياء التي ذكر الله عز وجل عُلم أن الشيطان أمره به. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أظن أننا كنا نتكلم عليها؟ قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يشمل القول على الله في ذاته، فالقائلين بأنه سبحانه وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا فوق العالم ولا تحته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم، بل بما يُعلم أن الأمر خلافه، كذلك يشمل القول على الله بأسمائه وصفاته، مثل من يقول: إن أسماء الله سبحانه وتعالى لا تدل على صفات، فهو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، فهو عليم بذاته لا بعلمه ووصفه، وهؤلاء المعتزلة والجهمية ما يثبتون صفة، يثبتون أسماء ما تدل على معانيها. ويشمل أيضًا من أثبت بعض الصفات دون بعض، مثل الأشاعرة قالوا: أراد بكذا بما نفوه، أراد به كذا ولم يُرد كذا، فقالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم، والثاني: أنهم أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده، فقالوا مثلًا: استوى إنه بمعنى استولى، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني استولى عليه، قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم، والثاني: إثباتهم أن معناها الاستيلاء بلا علم، فقالوا على الله بلا علم من وجهين. كذلك القائلون على الله بلا علم بأفعاله، أفعاله مثل أن يثبتوا أسبابًا لم يجعلها الله أسبابًا كمثل المنجمين والخرَّاصين وشبههم، هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته، فيقولون: سبب وجود هذا كذا وكذا وهو لا يُعلم أنه سبب له لا كونًا ولا شرعًا، فيقولون على الله بلا علم، مثل: الدُّبلة يقولون: إنها سبب لمحبة الزوج لزوجته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ لأننا لا نعلم أن ذلك سبب لا شرعًا ولا حسًّا ولا قدرًا. كذلك القائلين على الله بلا علم بأحكامه، وهم كثيرون جدًّا، منهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذين يقولون: نحن علماء، أو يتصورون أنفسهم علماء وليس عندهم علم، هؤلاء أيضًا يقولون على الله بلا علم، ومن الأشياء التي مرت عليّ قريبًا وهي غريبة: أن رجلًا ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق، فقال له: طلق امرأتك مرتين أنا ما أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة ٢٢٩]. يقول: أنا ما أدري هو إمام؛ إمام مسجد، فحسبت أن الأمر كما يقول، فقلت: نعم، اكتب: إني طلقت امرأتي طلقتين، مع أن هذا هذا حرام، ما يجوز للإنسان أن يطلق طلقتين، تلاعب بكتاب الله عز وجل، ومعنى الآية واضح؛ يعني الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ -الثالثة- ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠]، لكن هذا من الجهل العظيم، هذا جهل مركب. قَـالَ حِـمَـارُ الْـحَـكِــيــمِ يَــوْمًا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ؎لِأَنَّــــــنِــــي جَــــــاهِـــــلٌبَــــسِيــــطٌ ∗∗∗ وَصَــــاحِـــبِـــي جَــــاهِـــلٌمُــــرَكَّــــبْ صادق الحمار هذا؟! على كل حال إن هذا -والعياذ بالله- من القول على الله بلا علم، فالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه وصفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان، والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف والسيادة والجاه، وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله عز وجل، ولم يتقدم بين يديه ويدي رسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم أن الله قاله إما في كتابه أو في سنة رسوله ﷺ التي هي بأمره، فالحاصل أن هذا من القول على الله ما لا يعلم. ما رأيكم فيمن قال على الله ما يعلم أن قول الله خلافه؟ * الطلبة: هذا أشد. * الشيخ: هذا أشد؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذا أشد، فالمراتب إذن ثلاث، المراتب في القول على الله ثلاث: أن يقول ما يعلم أن الله قاله، وأن يقول ما يعلم أن الله لم يقله هاتان مرتبتان، والثالثة: أن يقول ما لا يعلم أن الله قاله فهمتم؟ بينهم فرق الثاني والثالثة؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، بينهم فرق، الثالثة: يعلم أن الله قال بخلافه، الثانية، والثالثة: لا يعلم أن الله قاله، فقال على الله ما لم يعلم، وهو محرم، فإذا قال قائل: ألستم تبيحون الفتوى بالظن أو بغلبة الظن؟ فما هو الجواب؟ * طلبة: نعم. * طلبة: بلى. * الشيخ: بلى، الجواب: بلى، لا نعم، فما الجواب عن الآية: ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟ الجواب على الآية أننا في الحقيقة إذا أفتينا بالظن فقد قلنا على الله ما نعلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أباح لنا أن نفتي بذلك في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. وفي قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. ومعلوم أن غلبة الظن خير من التوقف، وكثير من مسائل الفقه التي يتكلم بها العلماء ويحكمون بها، كثير منها ما أقول كلها أو أكثرها، لا كثير منها يكون مبنيًّا على غلبة الظن والرجحان، وليس أمرًا قطعيًّا لا في الدلالة ولا في المدلول الذي يستدل به، لا في الدلالة ولا في الدليل. * طالب: شيخ، هل أي فتوى هي قول على الله؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني مثل اللي قال لواحد: هذا حرام وهذا حلال واضح إنه قول على الله، لكن لو يسأل مثلًا واحد في أمر مشتبه وفيه خلاف والأمر بسيط يقول له: افعل كذا بس، يعني يقول: له افعل كذا، ما قال هذا حرام ولا حلال، هل هذا قول على الله؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنه سأله عن دين يدين الله به، والله تعالى لا يُدان له إلا بما شرع. * الطالب: بس هذه أقرب المعنى المشهورة يعني يقول له: افعل كذا؟ * الشيخ: لا لا، المشهورة -بارك الله فيك- في غير المسائل الدينية، اللي مشهورة محضة مبنية على الرأي هذه غير المسائل الدينية، أما المسائل الدينية فأنا ما أمرته إلا بناء على أن الشرع هو هكذا، فهذا هو القول على الله. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة ١٧٠]. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ (قيل) هذه مبنية للمجهول، وأصلها؟ * طالب: (قال). * الشيخ: لا، أصلها؟ * طالب: (قَوَلَ). * طالب: (قَوَلَ)، أو (قُول). * الشيخ: (قَوَلَ)، قَوَلَ أصل (قال). * طالب: (قُوِلَ). * الشيخ: (قُوِلَ) أو لا؟ مثل: ضُرِبَ، هذا أصلها، لكن صار فيها إعلال، وهي أن الواو مكسورة فقلبت ياء، ثم كسر ما قبلها للمناسبة فقيل: قيل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: لمن؟ * طالب: الذين قالوا على الله. * الشيخ: لا. * طالب: للكفار. * الشيخ: للكفار ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ اتبعوا: يعني خذوا به فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (ما) اسم موصول يفيد العموم، والله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ الكتاب والحكمة، وقد قال كثير من أهل العلم: إن المراد بالحكمة السنة. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قلنا: إنها اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى صلة وعائد، الصلة هي قوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أين العائد؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: العائد محذوف، تقديره: ما أنزله الله، إذا قيل لهم هذا القول لا يلينون ولا يقبلون بل يُكابرون. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ (بل) هذه للإضراب الإبطالي؛ يعني قالوا مبطلين لهذا القول الذي قيل لهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (ما) أي الذي فهو اسم موصول، (ألفينا) وجدنا، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان ٢١]. والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد ذكرنا فيما سبق في قواعد التفسير أننا نرجع في تفسير القرآن إلى القرآن، ثم السنة، ثم أقوال الصحابة، ثم بعد ذلك قول كبار التابعين المعتنين بالتفسير كمجاهد وقتادة ونحوهما على خلاف في هذا في المسألة الثانية في مسألة التابعين. وقوله: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي ما وجدناهم عليه من الهدى ولَّا من الضلال؟ * الطلبة: من الضلال. * الطلبة: من العمل. * الشيخ: من العمل حقًّا كان أو باطلًا. وقوله: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ﴿آبَاءَنَا﴾ المراد بهم آباء الصلب والأجداد أيضًا حتى ما توارثوه عن أجدادهم داخل في ذلك، هذا هو الجواب، وهو جواب غير سديد، بل هو جواب باطل خطأ، ولهذا أبطله الله عز وجل في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ نشوف مصطفى يعرب لنا ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾؟ * الطالب: الهمزة للاستفهام، كلها أو. * الشيخ: (أوَ) كلها للاستفهام؟ * الطالب: إي. * الشيخ: نعم، و(لَوْ)؟ * طالب: (لو) أداة امتناع. * الشيخ: أداة امتناع؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أداة امتناع لوجود. * الشيخ: لوجود؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما تقولون في الإعراب؟ الهمزة؟ * طالب: الهمزة للاستفهام. * الشيخ: أوْ (أوَ)؟ * الطالب: لا الهمزة فقط. * الشيخ: فقط؟ * الطالب: إي، والواو للعطف، وقدم الاستفهام على العطف، ففيه مذهبان لعلماء النحو إما أن يجعل التجوز في الفعل. * الشيخ: ما فيه التجوز إما أن يجعل. * الطالب: إي؟ * الشيخ: ما فيه التجوز. * الطالب: يعني إما أن نقدر فعلًا مثلًا: إما أن نقدر فعلًا فنقول: إما أن يكون على المذهب الأول إما أن تكون الاستفهام قدم على أصلها (وأولو كان) فقدم الاستفهام على العطف هذا. * الشيخ: هذا رأي. * الطالب: هذا رأي، ورأي ثاني: أن نقدر فعل مناسب بعد الهمزة. * الشيخ: وتكون الواو حرف عطف على هذا الفعل، على ذلك فعل المقدر، كيف نقدره هنا على هذا الرأي؟ * طالب: فيتْبَعون. * الشيخ: أيتَّبِعون؟ * الطالب: أيتَّبِعون ولو كان آباؤهم. * الشيخ: ولو كان آباؤهم، طيب ولو؟ * الطالب: ولو هنا شرطية. * الشيخ: زين، أين فعل الشرط؟ * الطالب: فعل الشرط محذوف. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: التقدير فاتبعونه أو كما هداهم. * طالب: فعل الشرط كان. * الشيخ: فعل الشرط كان، صح. * طالب: وجواب الشرط محذوف. * الشيخ: وجواب الشرط محذوف على أنه مشهور. * الطالب: أو ما يحتاج. * الشيخ: أو لا يحتاج على القول الثاني. يقول عز وجل: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ في هذه الحال التي لا يستحقون أن يتبعوا ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لا يعقلونه المراد بالعقل هنا: عقل التصرف، لا عقل الإدراك؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن العقل عقلان: عقل تصرف، وعقل إدراك، فعقل الإدراك هو مناط التكليف الذي يتكلم عليه الفقهاء ويقولون: من شرط وجوب كذا وكذا أن يكون عاقلًا، أما عقل التصرف فهو محل المدح والثناء؛ بمعنى أن يكون لدى الإنسان عقل يمنعه عما يضره، فهنا أيّ العقلين يراد؟ * الطلبة: التصرف. * الشيخ: عقل التصرف، فآباؤهم أذكياء، وآباؤهم يدركون ما ينفعهم ويضرهم، لكن ليس عندهم حسن تصرف. وقوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أي لا يتصرفون (...) عاقل بحيث يُدركون ما ينفعهم ويضرهم فيتبعون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم، فإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئًا حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فهم يبيعون ويشترون ويتحرون الأفضل والأحسن لهم، فيقال: هذا ليس بشيء بالنسبة إلى ما يتعلق في أمور الآخرة، ليس بشيء بالنسبة لما يتعلق بأمور الآخرة، أو يقال: إن المراد بهذا العموم الخصوص؛ لأن المقام هنا مقام منهاج، منهاج وعمل ليس مقام دنيا وبيع وشراء ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ فيكون المراد هنا المراد بكلمة ﴿شَيْئًا﴾ اللي هي عامة وأيش المراد؟ * الطلبة: أمور الآخرة.. * الشيخ: شيئًا من أمور الآخرة، وكلا الأمرين يرجعان إلى معنى واحد، أو كلا الاحتمالين يرجعان إلى معنى واحد، لكن هل نقول: الفرق، هل نقول: إن ﴿شَيْئًا﴾ أريد بها العموم أصلًا، لكن خرجت منها أمور الدنيا؛ لأنها تافهة ليست بشيء، أو نقول: إن أمور الدنيا لم ترد بها أصلًا؛ لأن المقام هنا في مقام عمل ومقام آخرة. وقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ لا يعقلون ولا يهتدون، إذا قيل: إذا فسرتم العقل بأنه عقل الرشد فهو الاهتداء، فكيف يجمع بينهما؟ قلنا: الجمع بينهما أن العقل بالنسبة للتصور وحسن الإرادة والاهتداء بالنسبة للعمل والسلوك؛ يعني هم لا يهتدون فيعملون عملًا يكون هداية وليسوا أيضًا يعقلون فيدركون إدراكًا يتصرفون فيه تصرفًا نافعًا لهم، هؤلاء الذين بهذا الوصف لا يعقلون ولا يهتدون هل يستحقون أن يُتبعوا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، ولهذا جاءت همزة الإنكار في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. وسنتكلم إن شاء الله على فوائد هذه الآية بما يدل على أن كثيرًا من أهل الضلال الذين يتعصبون لأئمتهم داخلون في هذه الآية ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولون: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ حتى ولو كان آباؤهم في هذا الوصف الذي لا يعقلون فيه ولا يهتدون فهم يتبعونهم، ولا يقولون: هو نافع ولَّا ضار يتبعونه في كل حال، فما هو أقرب شبه لهؤلاء؟ أقرب شبه الآية التي بعدها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة ١٧١] يعني كمثل الراعي، الراعي الذي ينعق ينادي بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، ما هو الذي لا يسمع إلا دعاء ونداء ولا يفهم؟ * الطلبة: البهائم. * الشيخ: البهائم، الماشية، فهؤلاء مثلهم كمثل إنسان يدعو بهائم ما تفهم إلا الصوت. ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدعاء: إذا كان يدعو شيئًا معينًا باسمه، والنداء العام تكون للعام؛ لأن البهائم الآن، فيه بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، توافقون على هذا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نعم، إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، وفيها النداء العام لجميع البهائم، هذا ما يختص به واحد دون الآخر، وأظن ما يحتاج إلى التمثيل به؛ لأنه معلوم لديكم، فراعي الإبل مثلًا يدوهي لها والدوهات نداء ولَّا دعاء؟ * الطلبة: نداء. * الشيخ: نداء لأنه عام، ولهذا تُقبل إليه الإبل جميعًا، لكن إذا كان مثلًا إذا كان له ناقة مسميها باسم خاص، وقال لها: يا فلانة. تأتي إليه من بين سائر الإبل، وهذا شيء معروف، لكن مع ذلك هل تأتي على أساس أنها تعقل وتفهم وتهتدي ربما يناديها لأجل أن يذبحها تشوف السكين معه ويناديها وتجي، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: هؤلاء مثلهم، الكفار مثلهم في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذا المعنى الذي هذه الحال التي عليها آباؤهم. ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ وما أكثر المشابهين للكافرين في ذلك! ما أكثر الذي يتبعون الداعي والمنادي وهم كالبهائم لا يعقلون ولا يفكرون، فالدعوة إلى العصبية والقومية وما أشبه ذلك من هذا النوع ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: من هذا النوع، لا يفكر الدعاة لها ماذا يترتب عليها من تفريق المسلمين وتمزيق كلمتهم وكونهم يجعلون الرابطة هي أيش؟ * طالب: اللغة (...). * الشيخ: اللغة والقومية، لكن الرابطة الدينية التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات ١٠] ولم يقل: إنما العرب إخوة، قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هذه تدخل لك جميع المؤمنين ولو كانوا غير عرب أو لا؟ وتخرج من ليس بمؤمن ولو كان عربيًّا، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧]. وكذلك ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ [الممتحنة ٤]، شوف لقومهم! ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤] إلى آخر الآية، شوف هذا هو الحقيقة الرابطة، فكون الناس يعني انجرفوا في هذا الدعاء إلى هذه القومية هو داخل في مثل هذه الآية أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء. * طالب: لا يسمع (...) البهائم. * الشيخ: إي نعم، البهائم التي لا تسمع إلا بس مجرد الدعاء والنداء ولا تفهم ولا تعقل. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿صُمٌّ﴾ جمع (أصم)، والأصم: هو الذي لا يسمع. ﴿عُمْيٌ﴾ جمع (أعمى)، والأعمى هو الذي لا يبصر. ﴿بُكْمٌ﴾ جمع (أبكم)، وهو الذي لا ينطق، وهنا من حيث اللغة العربية محل قوله: ﴿صُمٌّ﴾ أيش؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر مبتدأ محذوف تقديره (هم صُمّ). فيه أيضًا إشكال ﴿عُمْيٌ﴾ نحن قلنا: إن الضمة لا تظهر على الياء، فإذا قلت: جاء القاضي تقول: القاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، وهنا ﴿عُمْيٌ﴾ ضمتين بعد ما هي بضمة واحدة، فما هو الجواب على هذا الإشكال؟ * طالب: من أعمى. * الشيخ: (...) نرى أنها ياء وظهرت عليها الضمة. نقول: إن الياء اللي هي حرف علة ما يظهر عليها هي التي يُكسر ما قبلها، والواو التي يُضم ما قبلها، أما الياء الساكن ما قبلها أو الواو الساكن ما قبلها فإنها تظهر عليها الضمة، وتظهر عليها الكسرة فاهمين؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الياء التي ما تظهر عليها الضمة ولا الكسرة هي التي كسر ما قبلها، والواو التي ما تظهر عليها الضمة والكسرة هي التي ضُم ما قبلها، أما ما كان الذي قبله ساكنًا فهو تظهر عليه الضمة والكسرة، تقول: اشتريت دلوًا، وهذا دلوٌ، ظهرت الضمة على الواو؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأن اللي قبله ساكن، ونظرت إلى دلوٍ، ظهر عليها الكسرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وكذلك غزوٌ، وغزوٍ، وهنا (عُميٌ)، ونظرت إلى (عُميٍ)، وكذلك ظبيٌ، ونظرت إلى ظبيٍ، إذن زال الإشكال. وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ صم عن أيش؟ * الطلبة: عن سماع الحق. * الشيخ: عن سماع الحق، وإن كانوا يسمعون غيره، لكن سماع غيره لا فائدة منه فهو كالعدم، ولهذا قال: ﴿صُمٌّ﴾. ﴿بُكْمٌ﴾ يعني لا ينطقون، صحيح ما ينطقون؟ * الطلبة: لا ينطقون. * الشيخ: لا ينطقون، وربما يكونون فصحاء، لكن لا ينطقون بالحق والعياذ بالله، ونطقهم بغير الحق كالعدم لعدم نفعه. كذلك ﴿عُمْيٌ﴾ لا يبصرون، هكذا ولكن حقيقة الأمر قد تكون أعينهم من أحسن الأعين، لكنهم لا يبصرون الحق والعياذ بالله، لا يبصرون الآيات، ولا يبصرون من يقول بالآيات أيضًا، لا ينتفعون به. وقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الفاء للتفريع؛ يعني أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها؛ يعني فلكونهم عميًا وبكمًا وصمًّا هم لا يعقلون؛ أي لا يعقلون عقل رشد، وإن كان عندهم عقل إدراك، لكن ما عندهم عقل رشد، فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل الذي هو حقيقة العقل، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، ولهذا يسمى عقلًا ويسمى حِجْرًا؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] أي: لذي عقل؛ لأنه أيضًا يحجر صاحبه عما يضره. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وأيش إعراب ﴿دُعَاءً﴾ ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً﴾؟ * طالب: مستثنى بـ (إلا)؟ * الشيخ: مستثنى بـ (إلا) ما قولكم؟ * طالب: صحيح. * طالب: مفعول به منصوب. * الشيخ: مفعول به منصوب؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: هذان قولان ما قولك؟ * طالب: لا، صحيح مستثنى. * الشيخ: صحيح مستثنى. * طالب: مفعول به منصوب لـ﴿يَسْمَعُ﴾. * الشيخ: إي صحيح؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ لأن (لا) نافية و﴿يَسْمَعُ﴾ فعل مضارع، ما جاء المفعول، المفعول به إذن ﴿دُعَاءً﴾، ولو أردت تعرف المفرغ احذف النفي واحذف (إلا)، فقل: يسمع دعاء مثلًا، ما قام إلا زيد، تقول: قام زيد هو اللي ييبن لك الإعراب. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة وأمرًا لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الشيطان لا يأمر إلا بالشر، لا يأمر بالخير، أن الشيطان لا يأمر بالخير، من أين أخذنا أنه لا يأمر بالخير؟ * الطلبة: من الحصر. * الشيخ: من الحصر ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾. * طالب: حديث أبي هريرة، أن أبي هريرة قال.. * الشيخ: نعم، فصدق وهو كذوب، هذا نادر، هذا نادر. * ومن فوائدها؛ من فوئد الآية: أن الإنسان إذا همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان فليحذرها؛ لأنه ما عندنا علامة بينة، الشيطان ما هو يقف أمامنا يقول: افعلوا، لكن عندما يكون الأمر الذي نهم به من السوء والفحشاء نعرف أنه من أوامر الشيطان. * ومن فوائدها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان لقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. * ومن فوائدها: تحريم الفتوى بلا علم، من أين نأخذها؟ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله. * ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله وصفاته، من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾. * الشيخ: لأنهم قالوا على الله بلا علم، وقد سبق أنهم قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: إن الله لم يُرد كذا، فنفوا ما هو ظاهر الكلام، وقالوا: إنه أراد كذا فأثبتوا ما يخالف ظاهر الكلام، وهذا قول على الله بلا علم. * طالب: شيخ، قال أهل التأويل ولا أهل التحريف؟ * الشيخ: لا هم يسمون الآن معروفين بأهل التأويل، ولَّا هو حقيقة أن ما سموه تأويلًا فهو تحريف. * طالب: متى يكون التأويل محمودًا يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الآن المعروف عند أهل العلم أهل التأويل إذا قيل: أهل التأويل يريدون بهم هؤلاء، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، مشهور عندهم، أهل التأويل وأهل الأخذ بالظاهر. * طالب: أهل التفسير؛ يعني يطلق عليهم أهل التأويل؟ * الشيخ: يُطلق عليهم، لكن التأويل عند المتأخرين ما هو معروف عندهم إلا صرف اللفظ عن ظاهره، وإذا قيل: أهل التأويل لا تفكر أنهم يريدون أهل التفسير أبدًا إلا في اصطلاح المتقدمين مثل ابن جرير ونحوه، أما المتأخرين إذا سمعت أهل التأويل فهم الذين يؤولون الصفات، آيات الصفات وأحاديثها، وهو في الحقيقة تحريف، نحن لا نوافقهم على أن هذا من باب التأويل، نقول: هو تحريف في الواقع؛ لأن التأويل الذي لا دليل عليه تحريف وتغيير للمعنى عما أراد الله، إنما هذا هو المعروف عند أهل العلم أن أهل التأويل هم الذين يصرفون ظواهر نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بالأسماء والصفات. * ومن فوائدها: وجوب تعظيم الله عز وجل، وأنه لو ساغ القول على غيره لم يسغ القول عليه، ووجه ذلك أنه خصَّص بعد التعميم، وأين التخصيص بعد التعميم؟ * الطلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ هذا تخصيص بعد قوله: ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ فإن القول على الله بلا علم لا شك أنه من السوء والفحشاء. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. * من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى لقوله: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ مع أن آباءهم ليس عندهم عقول ولا هدى كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾. * ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء، أو لا؟ هم يقولون: نتبع ما ألفينا عليه آباءنا والمتعصب لمذهبه: ما وجدنا عليه مشائخنا، فهذا فيه شبه منهم، والواجب أن الإنسان إذا قيل له: اتبع ما أنزل الله أن يقول: سمعنا وأطعنا. * ومنها من فوائدها: أنه لا يجب الانصياع إلا إلى ما أنزل الله أو لا؟ ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أما الانقياد لقول عالم أو ما أشبه ذلك فلا، لا انقياد إلا لما أنزل الله عز وجل وهو الكتاب والحكمة، وقد سبق أن أهل العلم اختلفوا فيما قاله الصحابي، وأن مذهب الإمام أحمد أنه حُجة ما لم يخالف الدليل أو يعارضه قول صحابي آخر، فإن خالف الدليل طُرح واتُّبع الدليل، وإن عارضه قول صحابي آخر وجب الترجيح ويُنظر أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فيُؤخذ به، فإن لم نعرف أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فإننا ننظر أيهما أقرب إلى الصواب من حيث العلم، والصحابة يختلفون في هذا. * ومن فوائد الآية: بيان عناد هؤلاء يقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما يقول: اتبعوا ما نحن عليه، ما أنزل الله، فيعاندون ويقولون: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. * ومن فوائدها: أن كل من خالف الحق وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدى من قوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. * طالب: شيخ قلنا: التابعي (...) فيه خلاف (...) قتادة.. * الشيخ: إي نعم، ومجاهد، والله فيه خلاف بين أهل العلم ولم يتبين لي أن الصواب وجوب اتباعهم، وجوب اتباعهم فيه نظر. وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ إلى آخره. * يستفاد منه: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي ما تسمع إلا صوتًا دعاء ونداء، ما تفهم شيئًا تعقله وتفهمه وتعرف فائدته ومضرة مخالفته. * ومن فوائدها أيضًا على التفسير الآخر: أن هؤلاء -والعياذ بالله- قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من الحق ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. * ومنها على التفسير الثالث: أن هذه الأصنام لا يمكن أن تستجيب لهم، لكن هذا القول، كما تعلمون، وإن كان اختاره ابن جرير، لكنه ضعيف؛ لأن الأصنام لا تسمع، فلا ينطبق التشبيه عليها وهو يقول: بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.

البقرة 2:172

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢]. * أولًا: تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادَى، وكل من دعي إلى شيء بأداة تقتضي الانتباه فهو دليل على أهمية هذا المدعو إليه. وأيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النداء بوصف الإيمان له فوائد: * منها: أن المأمور به من مقتضيات الإيمان. * ومنها: أن مخالفته نقص في الإيمان واضح؟ * ومن فوائده أيضًا: التصدير بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإغراء، إغراؤهم بأن يمتثلوا؛ لأن الإنسان إذا ذُكر بوصف يقتضي الامتثال فإنه يغريه مثل أن أقول: يا أيها الكريم، قد نزلت بك ضيفًا؛ معناه أني أغريه بهذا اللفظ، وأيش أغريه؟ * الطلبة: على أن يكرمني. * الشيخ: على أن يكرمني إي نعم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر، وهل هو للوجوب أو للإباحة أو للندب؟ قلنا: إنه صالح لها كما سبق في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ يكون للوجوب إذا توقفت عليه الحياة، أو لا؟ إذا صار الإنسان إذا لم يأكل مات ولا تضرر؟ فهنا يكون الأمر للوجوب، يجب عليه أنه يأكل، ويكون للإباحة كما هو الأصل، ويكون للندب إذا ترتب عليه فائدة شرعية مثل: السحور للصائم، والفطور للصائم، وأكل الإنسان مع ضيفه تأنيسًا وما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أيش؟ مستحبًّا، ويكون الإباحة فيما عدا ذلك، فقوله: ﴿كُلُوا﴾ يعني معناه أنه أن هذا شيء مباح لكم. فإذا قال قائل: إذا جعلتم الأمر هنا للوجوب والاستحباب والإباحة معناه أنكم استعملتم كلمة واحدة في عدة معانٍ وهو ما يُعبر عنه باستعمال المشترك في جميع معانيه. قلنا: نعم، نحن نرى ذلك أن استعمال المشترك في جميع معانيه إذا لم يكن بينها تضاد جائز وما المانع منه؟ إذا كان اللفظ صالحًا لها ولا تنافر بينها، فما المانع من أن نحمله على كل المعاني كما أننا نحمل العام بالاتفاق على جميع أفراده؟ ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه هي للتبعيض ولا لبيان الجنس؟ * الطلبة: لبيان الجنس. * الشيخ: الظاهر أنها لبيان الجنس حتى يأكل الإنسان مما شاء. وقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، الطيب الحلال، وقيل: المستلذ، مثل ما تقول: هذا طعام طيب، وهذا طعام خبيث؛ يعني ردي فهمتم؟ قيل: إن المراد بالطيب الحلال، وقيل: المراد بالطيب المستلذ والمستطاب، فعلى القول الأول يتبين من الآية أن الرزق يشمل الحلال وأيش بعد؟ والحرام، وأن من عاش على محرم فإنه يقال: إنه مرزوق، ولكن الرزق المأمور به هو الحلال، وهذا هو الأصح، ولهذا قال السفّاريني في عقيدته: وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ ∗∗∗ أوْ ضِدِّهِ فَحُلْ عَنِ الْمُحَالِ وعلل ذلك بأنه رازق كل الخلق، وليس مخلوق بغير رازق، ومعلوم أن من الخلق من رزقه حرام ولَّا لا؟ فلا يمكن أن تقول: هذا الإنسان الذي يعيش ويأكل ويشرب إنه غير مرزوق، إذن الطيبات يكون المراد: المستلذ والمستطاب، أو أنه الحلال من الحلال الذي رزقناكم، ويكون فيه دليل على أن الرزق يكون حلالًا ويكون حرامًا لكن المأمور به الحلال. وقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: أعطينكم؛ فالرزق العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]. ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ اشكروا، ما معنى الشكر؟ الشكر في اللغة: الثناء، وفي الشرع: القيام بطاعة المنعِم، هذا الشكر؛ القيام بطاعة المنعم، ومنها -أي من طاعة المنعِم- استعمال النعمة فيما خُلقت له، فإن هذا من شكر الله. وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ كلمة اشكروا هذا الفعل يتعدَّى باللام، ويتعدى بنفسه فيقال: شكرته، وشكرت له، فإذا كانت اللام للتعدية فليس لها معنى. وقوله: ﴿اشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ لما أمر بالأكل أمر بالشكر، وأكثر الناس امتثل الأمر الأول وترك الثاني، أكل من طيبات ما رُزق، لكن لم يشكر لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣]. قال: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة ١٧٢] ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ هذه (إن) شرطية و(كان) فعل الشرط و(التاء) اسم كان، و(إيا) خبر كان منصوب بها. * الطلبة: لا ليس خبر كان. * الشيخ: ليس خبر كان؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾ ما هي (إيا) ضمير منفصل من ضمائر النصب و(التاء) اسم كان تبقى هذه خبر كان يجوز ولَّا ما يجوز؟ * الطلبة: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز قطعًا، إذا قلنا: إن كنتم إياه معناها كأنكم أنتم الله، وهذا معلوم فاسد المعنى، إذن ﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾ مقدم أو لا؟ مثل: (إياك نعبد) مفعول مقدم، و﴿تَعْبُدُونَ﴾ جملتها خبر كان، وأين جواب الشرط؟ قيل: إنه لا يحتاج في مثل هذا التركيب إلى جواب، وهو الصحيح، وقيل: إن جوابه محذوف يفسره ما قبله، والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يعني إن كنتم مخلصين له في العبادة، والعبادة هي التذلل لله عز وجل بالطاعة، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه مأخوذة من قولهم: طريق معبد أيش معنى معبد؟ * الطلبة: مذلل. * الشيخ: مذلل للسالكين، وهو إلى الآن معروف عندنا الطريق هذا معبد ولَّا لا؟ إلى الآن موجود بهذا المعنى؛ يعني إن كنتم تتذللون له حقًّا فكلوا من رزقه واشكروا له، ولا تكونوا كالذين لا يشكرون أو كالذين يحرمون بعض الرزق، مثل في الجاهلية يحرمون أشياء يقول: هذه حرام؛ فالذي يحرم بعض الأطعمة أو بعض الأشربة بدون دليل يكون مشابهًا لأهل الجاهلية الذين حرَّموا أشياء بدون دليل؛ مثل البحِيرة والسائبة والوصيلة والحام وما في بطون الأنعام قالوا: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن ظهر ميت فهم فيه شركاء، وإن يك ميتة فهم فيه شركاء، هذا من الجهل. * طالب: إن كان شكك يا شيخ؟ * الشيخ: إن شُكّك فالأصل الأصل حِل، وبهذه المناسبة نُشر ها النشرة وزعت عند الناس عن رابطة العالم الإسلامي إن هذا الجبن جبن البقرة الضاحكة، هي ما هي تضحك، على كلامهم! * طالب: (...). * الشيخ: ما أدري، لا، الظاهر أنها مكتوب عليها الضاحكة. * طالب: الضاحكة. * الشيخ: كذلك (الكيري) أظن وبعض الصابون (الكامي) المهم عد كاتبين لهم بيان، قالوا: إن هذا حرام، وبما أن الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- هو رئيس الرابطة في اجتماعاتها، اتصلت به وسألته قال: والله ما أدري، لكن هم كاتبين للرابطة نسألها عن هذا من أين جاءهم هذا الخبر وكاتبين كذلك لوزارة التجارة، وهم بانتظار الجواب، ولا يُستبعد أن هذا من بعض الشركات؛ لأن ترى بعض الشركات تروج إذا شافت أن هذا الشيء ناجح جعلت فيه عِلّة علشان تنفر الناس منه، يجوز أن هناك مثلًا شركات أخرى تزاحم شركة الأجبان هذه، وقالت: والله هذه لها شهرة عالمية وصار الناس يأخذون منها إذن بنحط بيها بلاء، والله أعلم، الآن ولا كثر السؤال عنه ها الأيام جدًّا كثر عنه السؤال، قلنا: والله إحنا ما عندنا علم وأنتم كلوا حتى يتبين التحريم، وإحنا الآن بعد بانتظار جواب الشيخ إن شاء الله تعالى ونشوف هذا، يمكن بعدين أنه يكتب بالصحف هذا الشيء. * طالب: يعني مثلًا ترك هذه الأشياء يعني أن يشك فيها الإنسان، تركها للتورع ما هو أفضل يا شيخ حتى يتبين له؟ * الشيخ: يا أخي ما. * طالب: الحديث: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٨) من حديث الحسن بن علي.]]. * الشيخ: إي، بس هي مشكلة الآن، ما هناك شبهة يعني على أصل، ما هناك شبهة على أصل، كذلك الاشتباه في مسألة الوارد من الخارج من المذكيات أيضًا صار فيه اشتباه وكلام كثير، هذا نعم حيث إن الأصل بالذبائح التحريم هذه قد نقول: إن الأحسن تركها، والحمد لله الشيء اللي ما فيها شبهة كثيرة سواه، لكن الأجبان وشبهه وأيش الأصل فيها؟ * طالب: الحل. * الشيخ: الحل، وأن لو كانت من نصراني أو يهودي أو مجوسي أو اللي هي الأصل فيه الحل حتى يتبين التحريم. * طالب: قالوا فيه إن شركة (...) قبل خمس سنين أو سبع السنين أعلنت أنها تحط فيه لحم الخنزير أو شحم الخنزير، إن هي يقولون يعني؟ * الشيخ: على كل حال يشاف ها الحين، وإحنا إن شاء الله في انتظار الجواب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة ١٧٢، ١٧٣] لأنه أمر بالأكل من الطيبات، واعلم قبل أن نتعدى الآية أن هذا الذي أُمرنا به -نحن المؤمنين والحمد لله- أُمر به الرسل كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة]]. وبهذا المعنى، أو بهذا الحديث يتبين لنا معنى الشكر تمامًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة السلام قارن بين الآيتين، وفي آية الرسل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ فدل على أن الشكر الذي أُمر به المؤمنون هو العمل الصالح. ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر أيش؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فالتحريم محصور في هذه الأشياء، ومعنى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ يعني ما حرم عليكم إلا الميتة، ما حرم إلا الميتة. ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ التحريم بمعنى المنع، ومعنى (حرم عليكم) أي: منعكم. وقوله: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وأيش معنى حرمها علينا؟ حرمها علينا أن ننظر إليها؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، حرم علينا الأكل، ما الدليل على أن المراد تحريم الأكل؟ الدليل الآية التي قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ فكأنه قال: كلوا، ثم استثنى، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾. الميتة وأيش هي الميتة؟ الميتة في اللغة: ما مات حتف أنفه؛ يعني بغير فعل منه، مات حتف أنفه يعني بغير فعل منه، أصيبت البهيمة بمرض فماتت، سقطت من عالٍ فماتت وما أشبه ذلك. أما في الشرع: فالميتة ما مات بغير ذكاة شرعية، وهذا مما كان فيه الاصطلاح أعم من اللغة، وهو قليل كما سبق، الأكثر أن الاصطلاح أخص من اللغة، لكن أحيانًا يكون الاصطلاح أعم، فهنا الميتة شرعًا: ما مات بغير ذكاة شرعية فيشمل ما مات حتف أنفه يسمى ميتة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ما ذُكّي ولم يُظهر الدم يسمى ميتة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ما ذُكِّي ولم يسمَّ عليها اسم الله؟ * الطلبة: ميتة. * الشيخ: ميتة، ما ذكَّاه غير يهودي ونصراني ومسلم؟ * الطلبة: ميتة. * الشيخ: ميتة مع أنه مُذكّى، فإذن الميتة في الشرع: ما ذُكِّي بغير ذكاة شرعية. وقوله: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ (أل) هنا للعموم؛ يعني إذا صارت (أل) للعموم معناه أنك لو نزعتها ووضعت بدلها (كل) استقام الكلام، فهنا لو نزعت (أل) وجاءت (كل) يصح، إنما حرم عليكم كل ميتة، هل هذه الآية على عمومها؟ الجواب لا، ورد في الشرع ما يخصصها كما في حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤) من حديث ابن عمر. ]]. إذن يُستثنى من ذلك أيش؟ الجراد والحوت، الجراد معروف، والحوت كل سمك البحر صغاره وكباره على حد سواء فميتته حلال كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ما هو الدليل على هذا الاستثناء من هذا العموم؟ الدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صَيْدُ الْبَحْرِ مَا أُخِذَ حَيًّا وَطعَامُهُ مَا أُخِذَ مَيِّتًا »[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٥٥) من حديث بن عباس]]. هذا من القرآن ومن السنة قبل قليل قرأناها عليكم؛ حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[سبق تخريجه.]] هذه واحدة. يستثنى من هذا ميتة الآدمي؟ * الطلبة: لا (...) هناك فرق. * الشيخ: أو هذا في مسألة النجاسة؟ في مسألة النجاسة، أما طبعًا الحل، لا، ما يستثنى إلا الجراد والحوت. هل يعم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ جميع وجوه الانتفاع بحيث لا ينتفع منها بإهاب ولا عصب ولا شعر ولا غير ذلك؟ * الطلبة: ظاهرها لا. * الشيخ: بس السياق يدل على أن المراد الأكل، ولهذا جاء في البخاري: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣ / ١٠٠) من حديث ابن عباس. ]] إنما حرم أكلها، ولهذا لو أنه انتُفع بها في غير الأكل فهو جائز، لكن الجلد خاصة إذا دُبغ صار طاهرًا على القول الراجح، يكون طاهرًا مثل جلد غير الميتة؛ يعني لو أن شاة ماتت وأخذنا جلدها ودبغناه جاز أن نستعمله في الماء الذي نشرب، وفي اللبن، وفي الدهن، وفي العسل، وفي غير ذلك؛ لأنه يكون طاهرًا، لحمها، شحمها، عصبها يجوز أن نجعله أوتارًا يعني حبالًا يمكن نجعله حبالًا، كذلك أيضًا شحمها أن نوقد به؛ نجعله وقودًا، فإذا قال قائل: ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام لما قيل له حين حدث فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١ / ٧١) من حديث جابر بن عبد الله. ]] فكيف الجواب؟ الجواب: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «هُوَ حَرَامٌ» يعني بيع هذه الأشياء؛ لأن الكلام وأيش هو فيه؟ في البيع: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ». ويؤيد ذلك قوله: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[سبق تخريجه.]]. وهذا ليس بأكل. ﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ يعني وحُرم عليكم الدم، والدم هنا يشمل كل دم حتى دم الآدمي؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: حتى دم الآدمي، حتى دم البعير أو لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: حتى دم البعير؟ نعم، بقي أن يقال الدم هنا مطلق، لكنه قُيّد بآية الأنعام بكونه مسفوحًا فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥] فالمراد الدم المسفوح الذي يخرج من البهيمة قبل خروج روحها، فأما ما كان بعد خروج الروح فليس بمحرم إذا كانت مذكاة طبعًا، فما كان في المذكاة بعد خروج روحها من الدماء فهو طاهر حلال ولو جرى على الأرض، وعلى هذا فالدم الذي يكون في القلب؟ * طالب: حلال. * الشيخ: حلال؟ دم قطع دم تأخذ بيدك حلال؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: لأيش. * الطلبة: لأنه غير مسفوح. * الشيخ: لأنه غير مسفوح، وكذلك ما يبقى في العروق والأوعية. طالب: بعد خروج روح البهيمة (...). * الشيخ: يمكن. * الطالب: بس هذا حلال ولَّا لا؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما يدخل في المسألة؟ * الشيخ: لا. * الطالب: بس نفس العِلة يا شيخ؟ * الشيخ: لا، العلة ما هو اللحم الذي يخرج منه هذا الدم ما هو بحلال. * الطالب: حلال (أيوه). * الشيخ: هذا هو. * الطالب: بس هذا معفو عنه للضرورة. * الشيخ: لا، حتى هذا، أصل كل شيء يخرج بعد خروج روح المذبوح فهو طاهر. * الطالب: ولو لعقه الإنسان حلال. * الشيخ: إي نعم، كيف؟! * طالب: شيخ، ما هو الاستثناء يا شيخ في قوله: «إِلَّا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣) من حديث ابن عمر.]]. * الشيخ: لا ما قال: إلا الكبد والطحال، قال: «أُحِلَّ لَنَا». ولا يمنع أن يكون غيرها أيضًا حلالًا. * طالب: لأيش يقول إحدانا الرسول (...)؟ * الشيخ: إي، لا، هذا شيء خاص، هذا أبو قتادة، لكن هذا شيء خاص. * الطالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: لا، هذا شيء خاص يعتبر. ﴿وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة ١٧٣] ﴿لَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ الخنزير معروف، والمراد بلحمه: جميع أجزائه، وإنما حرم؛ لأنه رجس، هكذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]. الرجس أشد من النجس، وهو شامل للنجاسة الحسية والمعنوية، ولهذا يقولون: إن الخنزير مشهور بأكل العذرة النجاسات، وأنه مشهور بعدم الغيرة أيضًا يرى الذكر ينزو على أنثاه ويدك لها يعني يكيف على هذا، ومن تغذى بشيء تأثر به؛ ولهذا الأوربيون فاقدو الغيرة، يجي صاحبه ويمشي ويّاه ويأخذ برأس زوجته فيقبلها وزوجها يشاهد، ولا كأنه قبَّل إلا ولا طفله الصغير، وسواء كان هذه العلة أو لا، لكن يكفينا قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. (...) تعالى بيّن، بل حصر التحريم في هذه الأشياء: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وسبق أنه يستثنى من الميتة؟ * الطالب: الميتة؟ ميتتان: الجراد، ميتة الجراد، والسمك. * الشيخ: نعم، هذا باعتبار أجناس الميتات، وما الذي يستثنى من الميتة نفسها؟ * الطالب: الميتة، حينما النبي ﷺ حرم الميتة. * الشيخ: نعم، الانتفاع بها؟ أي: الانتفاع بها فيما لا يؤثر على عبادة الإنسان لا بأس به. وأيش معنى قولنا: فيما لا يؤثر على العبادة؟ أنه لو ادهن بدهنها فإنه لا يجوز؛ لأنه يستلزم أن يتنجس بدنه وثوبه، وهذا يخل بعبادته، لكن لو استعمل الدهن أو الشحم في دهن الجلود وطلي السفن والاستصباح، فهذا لا بأس به كما تقدم، ما هو الدليل على استثناء الميتتين؟ * الطالب: الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣) من حديث ابن عمر.]]. * الشيخ: ومن القرآن؟ * الطالب: إن الله ذكرها في هذه الآية، حصر المحرمات في هذه الآية. * الشيخ: حصرها في هذه الآية؟! * الطالب: قال في ميتة البحر في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة ٩٦]. * الشيخ: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ نعم، الشاهد؟ * الطالب: طعامه. * الشيخ: طعامه، قال ابن عباس: «وما وُجد ميتًا »[[أخرجه الطبري في التفسير برقم (١٢٦٩٣) ط. مؤسسة الرسالة من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٠٠٠٧) من حديث محمد بن كعب القرظي بنحو هذا اللفظ. ]]. الدم، ما المراد به؟ * الطالب: الدم المراد به المسفوح الذي يخرج حال الحياة. * الشيخ: ما الدليل على أنه مسفوح؟ * الطالب: تقييده في الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥]. * الشيخ: نعم، تقييده بقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. هل يستثنى منه شيء من الدم؟ * الطالب: ما خرج بعد خروج الروح. * الشيخ: نعم. * الطالب: وما اختلط بالأعصاب. * الشيخ: إي، يعني ما ليس بمسفوح وهو الذي يخرج بعد ما تخرج الروح، الذي يكون في الحيوان بعد ما يُذكى، بعد ما يذكى لا بد؛ لأنه بعد ما تخرج الروح أخذ يشمل الميتة، بعد ما يُذكى. * طالب: يا شيخ، تخرج الروح عن النفس لما ينحر النفس؟ * الشيخ: إيه؛ لأنه ما يمكن تخرج الروح إلا يقف الدم. * الطالب: ما يميز الدم بعدما تخرج الروح؟ * الشيخ: هذا ما يظهر هذا، ما يعتبر مسفوحًا؛ لأنها ماتت. * طالب: (...) يعني ما حكمها؟ * الشيخ: لا ما يكون هذا، كما أنه الذي يقع في لحم العروق (...). * طالب: كيف فرقنا بين المتماثلين؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: وهو الدم، قلنا: أوله نجس، وآخره طاهر؟ * الشيخ: ما فرقنا بينهما؛ لأنه أوله وآخره كله نجس ما دام مسفوحًا، وهو ما يمكن يخرج إذا مات ما يتسرى، هذا يتسرى من العروق بعد الموت مثل اللي يبقى، ولهذا من علامة الحياة المنخنقة والموقوذة والمتردية من علامة حياتها أنها إذا ذُبحت ساح منها الدم، ساح منها الدم الأحمر، أما هذا فليس بدم مسفوح. قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ما المراد بلحمه؟ * الطالب: كله. * الشيخ: كل ما احتواه جسمه، وإذا كان مطبوخًا؟ * الطالب: مطبوخًا ما يجوز. * الشيخ: عام؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: هل يستثنى منه شيء؟ * الطالب: لا يستثنى. * الشيخ: أبدًا؟ * الطالب: أبدًا. * الشيخ: طيب صح. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة ٣] (الواو) حرف عطف، و(ما) اسم موصول في محل نصب معطوف على أيش؟ * طالب: حرم. * الشيخ: لا. * طالب: على الميتة. * الشيخ: على الميتة؛ لأن العطف يكون على أول معمول للعامل، ولماذا لا يكون العامل على آخر ما عُطف؟ لأن المعطوف فرع، والفرع لا يتفرع عليه شيء، فإذا قلت مثلًا: أكرمت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا، فخالد ما يكون معطوف على بكر، وبكر على عمرو، وعمرو على زيد صح، كلها معطوفة على زيد؛ لأنه الأصل الذي وقع عليه عمل العامل، فيكون المعطوف على هذا الأصل لا على الفرع، عمرو وبكر فرع ولَّا أصل؟ * الطلبة: فرع. * الشيخ: فرع، فلا يكون خالد معطوفًا على بكر. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة ٣] (أُهِلّ) الإهلال: رفع الصوت، ومنه حديث: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ صَارِخًا فَقَدْ وَرِثَ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٢٠) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣] وذلك بأن يذكر عليه اسم غير الله ولو ذبح لله مثل: أن يقول: باسم المسيح، أو: باسم محمد ﷺ، أو: باسم جبريل، أو: باسم ميكائيل، أو: باسم الوطن، أو: باسم القومية، أو: باسم الرئيس فلان، أو: باسم الملك فلان، كله يكون أُهِلّ به لغير الله، أو ذبح لجني، أو لشيطان، أو ما أشبه ذلك، * طالب: ولو ذكر اسم الله؟ * الشيخ: ولو ذكر اسم الله معه. ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ بأن قيل: باسم فلان، هذا يكون حرامًا؛ لأنه شرك، وما كان شركًا فهو حرام ليس عليه أمر الله ورسوله، وما ليس عليه أمر الله ورسوله فهو ردّ باطل، فلا يكون حلالًا، إذا أُهل به لغير الله ولله بأن قال: باسم الله وباسم نبيه؟ * الطلبة: ما يحل. * الشيخ: ما يحل أيضًا؛ لأنه أُهل به لغير الله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وعلى هذا فلا يحل ما أهل به لغير الله ولله. ما أهل به لله مرادًا به غير الله بأن ذُبح للصنم وقال: باسم الله؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: فإنه لا يحل، لكن ما يؤخذ من هذه الآية، يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣]. ويحتمل أن يكون- وهو بعيد أن يكون- معنى ما ذبح على النصب ما أهل به لغير الله ولكنه بعيد؛ لأن الله جمع بينهما في آية واحدة، والجمع يقتضي المغايرة، قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣]. مع أنه قال في أثناء الآية: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إذن ما ذبح لغير الله ولو ذكر اسم الله عليه وحده فهو حرام، وهل منه أن أذبح هذه الذبيحة للضيف؟ * طالب: لا. * الشيخ: كيف؟ * طالب: نعم، لغير الله. * الشيخ: ذبحتها لغير الله لضيفك! * طالب: لا (...). * الشيخ: نعم، أنا ذابحها له. * الطالب: إذا كان قاصدًا فيها أن يكرم الضيف فلا يدخل فيها. * الشيخ: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل ما فيه شك، كما لو ذبح هذه الذبيحة لأولاده ليأكلوها، هل هي حرام؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، وإن ذكر بذلك التقرب إليه وتعظيمه تعظيم عبادة؛ فإنه حرام كالمذبوح على النصب تمامًا، وقد كان بعض الناس -والعياذ بالله- إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين ذبائح تعظيمًا له لا ليأكلها لكن تذبح أمامه، ثم تترك للعالم، هذا يكون قد ذُبح على النصب ولو ذكر اسم الله فهو حرام. * طالب: اللي يعتقد كما فعل (...)؟ * الشيخ: تقدم لنا في باب التوحيد أنه لا يذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله، أما إذا ذبح بمكان لاختصاصه بسبب معين كما لو كان أكثر فقراء، أو كان ذبح هنا لقرابة له فيه؛ بمعنى لا يختص بالبقعة ولا يختص بصنم أو ما أشبه ذلك فلا بأس. * طالب: الهجر داخل في هذا؟ * الشيخ: الهجر أيش؟ * الطالب: الهجر ما هو موجود عندكم يعني إذا اختلف بعض الناس وأصلح بينهم بعض الناس يعني وأراد الثاني أن يذبح له هو الآخر ذبيحة يعني يسوقها إلى بيته ويذبحها عند البيت؟ * الشيخ: لا ما فيها بأس. * طالب: (…)؟ * الشيخ: ما فيه بأس. * طالب: شيخ، فيه عندنا إذا مثلًا اتأخر يعني في حصول شيء يذبحون ويجيبوا الناس يتحللوا وكده عشان يكون ربنا ينزلهم الرزق، هل هذا سليم؟ * الشيخ: صدقة يعني؟ * الطالب: إيه. * الشيخ: والله هذه ما فيها بأس، لكنها بدعة. * الطالب: وهم للموتى؟ * الشيخ: لا، بدعة هذه لا تحمد. * طالب: حتى يا شيخ لو كان قريبًا. * الشيخ: لا هذه من البدع وإلا الصدقة لا شك أنها تجلب الخير، إنما كونه يذبح ذبائح ويكون لها يعني شهرة ودعوة؛ هذه من البدع، لكن كون الإنسان يتصدق بصدقة خفية مثلًا فهذا لا بأس به؛ وهو من أسباب الخير. * طالب: شيخ، الكلمة الأخيرة له يقول: وللموتى. * الشيخ: لا، هذا ما ينفع للموتى. * الطالب: يعني للموتى الثواب؟ يذبح للموتى؟ * الشيخ: لا، هذا إذا كان للموتى على سبيل التعبد والتعظيم وهو ما يجوز يتقرب بها إليهم، أما إذا كان للميت لينتفع بها بثوابها. * طالب: (...). * الشيخ: إي، بثوابها، هذه ما فيها شيء. (...) من هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان حيث وجه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * ومن فوائدها: وجوب الأكل من طيبات ما رزق الله لقوله: ﴿كُلُوا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: ويدل بالمفهوم على أن الخبائث لا يؤكل منها لقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧]. * ومن فوائدها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. * ومن فوائدها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله عز وجل، من أين يؤخذ؟ * طالب: كلوا. * الشيخ: لا، توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله لقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. فإذا كان هذا الرزق من الله سبحانه وتعالى فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بفعلها. * ومنها: وجوب الشكر لله لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾. * ومنها: وجوب الإخلاص له في ذلك، من أين تؤخذ؟ من اللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾. * ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. * ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة، ويؤخذ من تقديم المعمول من قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. * ومنها: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده من وجهين: أولًا: من أمره إياهم بالأكل؛ لأن في الأكل حفظًا لصحتهم. وثانيًا: من قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فإن الرزق -بلا شك- من رحمة الله، فيستفاد من هذه الآية إثبات رحمة الله عز وجل. * طالب: الوجهين، ما هما؟ * الشيخ: الوجهين: الأمر بالأكل لما فيه من حفظ البدن، وقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ومنها: الرد على الجبرية؟ * طالب: ﴿كُلُوا﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿كُلُوا﴾، ﴿وَاشْكُرُوا﴾، و﴿تَعْبُدُونَ﴾، كل هذه أضيفت إلى فعل العبد فدل هذا على أن للعبد فعلًا يُوجه إليه الخطاب بإيجاده، ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إلى العبد بإيجاده من تكليف ما لا يُطاق. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣]. قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ما محل (ما) من الإعراب؟ * طالب: اسم موصول مبتدأ. * الشيخ: مبتدأ؟ توافقونه؟ * طالب: لا. * الشيخ: في الأمرين جميعًا؟ * طالب: لا، الأول اسم موصول. * الشيخ: والثاني؟ * الطالب: معطوفة على ما سبق. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: على قوله: الميتة والدم ولحم الخنزير. * الشيخ: على كل الثلاثة؟ * الطالب: إي نعم. * طالب آخر: على الأول، العطف يكون على الأول. * الشيخ: الأول، إي نعم، معطوفة على الأول، فهي في محل نصب إذن. ما معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: من الإهلال، وهو رفع الصوت، و﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ذبح أو كل ما عمل بشيء لغير الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إيه، وأيش معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: أي يذكر عليه اسم غير الله. * الشيخ: نعم، ذكر عليه اسم غير الله بأن قيل: باسم الرسول، باسم النبي، باسم جبريل، باسم ميكائيل، أو ما أشبه ذلك. ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ عندي في قوله: ﴿فَمَنِ﴾ قراءتان: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ و﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ بضم النون، أما قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ على هذه القراءة فالأمر فيها واضح، للتخلص من التقاء الساكنين، وأما الضم فمن أجل الإتباع لضمة الطاء ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ أسهل من قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ففيها قراءتان، وقوله: ﴿مَنْ﴾ هنا شرطية، والفعل بعدها فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، وقوله: ﴿اضْطُرَّ﴾ اسم مفعول، ولا تستعمل إلا اسم مفعول في مثل هذا الأمر في مثل هذا السياق، ما يصح أن أقول: اضطَرَّ؛ لأن اضطر أوقع غيره في ضرورة، واضطُرّ وقع في الضرورة، فمعنى اضطُرّ؛ يعني ألجأته الضرورة، والضرورة فوق الحاجة، الحاجة كمال، والضرورة لا بد منها. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي ألجأته الضرورة لأي شيء؟ للأكل؛ لأنه جاء بعد قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ يعني فما ألجأته الضرورة إلى أكل هذا المحرم، لكن بشرطين بل بثلاثة شروط إذا جعلنا الضرورة شرطًا فبثلاثة شروط: أن يوجد ضرورة، وأن لا يكون باغيًا، ولا عاديًا ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ ونحن نريد أن نعرب (غيرَ) فنقول: هي منصوبة على الحال من نائب الفاعل في قوله: ﴿اضْطُرَّ﴾. ونريد من رشاد أن يعرب لنا ﴿بَاغٍ﴾؟ * الطالب: مضاف إليه. * الشيخ: كمِّل. * الطالب: مضاف إليه مجرور بالكسرة. * الشيخ: مجرور بالإضافة، وعلامة جره؟ * الطالب: الكسرة. * الشيخ: كسرة ظاهرة على آخره، هل توافقونه على هذا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يوافقون. * الطالب: فيها ياء محذوفة هي أصلها باغي. * الشيخ: إذن علامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل، والتنوين هنا يسمونه تنوين عوض عن حرف، ومثلها ﴿عَادٍ﴾. قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ اختلف المفسرون في: الباغي والعادي؛ فقيل: الباغي هو الخارج على الإمام، وهم البغاة، والعادي: العاصي بسفره، المعتدي الذي عصى بسفره فسافر سفرًا محرمًا، هذا الباغي والعادي فهمتم يا جماعة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الباغي: هو الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره، فهذان لا يحل لهما أكل الميتة ولو اضطرا إلى ذلك؛ لأنه لا بد من الشرطين: ضرورة انتفاء البغي، انتفاء العدوان، فإن كان باغيًا أو عاديًا لم يحل له أن يأكل ولو مات؛ لأن الله تعالى اشترط غير باغٍ ولا عادٍ؛ ولأنه ليس أهلًا للرأفة والرحمة حتى يُرحم فإن الخروج على الإمام محرم، وسفر المعصية أيضًا محرم؛ ولأنه يمكنه التخلص من هذا المحرم حتى يباح له الأكل بماذا؟ بالتوبة والإقلاع؛ فينوي أنه تائب ويقلع عن هذا، ويكون ذلك سببًا يبيح له أكل الميتة، أفهمتم؟ وقال بعض أهل العلم: المراد بالباغي: الطالب لأكل الميتة، والعادي: المتجاوز للحد المباح له؛ يعني الذي يأكل زائدًا على الضرورة؛ فالعادي من الزيادة، والباغي من الطالب؛ يعني ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي غير طالب لأكل الميتة، ولا عادٍ في أكلها بحيث يأكل أكثر من ضرورته، وعلى هذا الرأي تكون الحال هنا شبه مؤكدة لعاملها؛ لأنه في الحقيقة ما فيه ضرورة إلا إذا كان لا يريد أكل الميتة ولا يزيد على ما يحتاج إليه، فإن الإنسان إذا لم يضطر وذهب يأكل الميتة نقول: هذا باغٍ، إذا اضطر وأكل أكثر من ضرورته نقول: هذا عادٍ، هذا القول يضعفه أن الأصل في الحال التأسيس، ويقويه أن هذا القرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة ٣]؛ لأن قوله: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ تُفسر قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ لأن الذي لا يأكل إلا في المخمصة ما ابتغى أكل الميتة، والذي غير متجانِف لإثم، والذي يتجانف لإثم معلوم أنه وقع في العدوان فلا يمكن أن يحل، وهذا القول بهذا التأييد في الآية الأخرى يكون أصح أن المراد غير باغٍ أيش؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، غير باغٍ؛ أي مُبتغٍ لأكل الميتة، قد تقولون: هل أحد يبتغي أكل الميتة؟ نقول: نعم، يمكن، يمكن واحد تموت له شاة طيِّبة كثيرة اللحم، ويأسف عليها ويتحسف بها ويجي عنده ضيوف ويقدمها لهم، يمكن، هذا يعني نحن- والحمد لله- بطبيعتنا وبإيماننا -والحمد لله- نكره هذا، لكن فيه ناس يأكلون الميتة، في الجاهلية يأكلون الميتات، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام ١٣٩]. وإن كانوا ميتة فهم فيه شركاء ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام ١٣٩]. وسمعت أنه يوجد ناس الآن منها هالكفار اللي في البلاد يأكلون الميتة، ويأكلون الحمير، ويأكلون الكلاب، ويأكلون القطط وما هو بغريب، فالمهم أنه ربما يقع هذا الشيء، والله سبحانه وتعالى أباح لنا الميتة إذن بثلاثة شروط: الضرورة. والثاني: أن لا يكون مبتغيًا طالبًا لها. والثالث: أن لا يكون متجاوزًا للحد الذي تندفع به الضرورة. وبناء على هذا هل له أن يأكل حتى يشبع؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، وقيل: له أن يأكل حتى يشبع إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب، وهذا هو الصحيح، ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأخذ معه شيئًا منها يأكل الآن ما يصد رمقه ويأخذ شيئًا منها يحمله معه إن اضطر إليها أكل وإلا تركه لكان هذا أيضًا قولًا جيدًا. بقي أن نقول: هذه الميتة إذا أكل الإنسان منها في حال الضرورة، فكيف تنقلب طيبة مع أنها رجس كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]؟ فكيف أنها تكون طيبة لمجرد الضرورة إليها؟ فالجواب من وجهين، أو من أحد الوجهين؛ الوجه الأول: أن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة؛ مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل، ثم كانت خبيثة، خبيثة لا تؤكل، ومثل ما كان عصير العنب قبل أن يتخمر طيبًا يؤكل ويُشرب، فإذا تخمر صار خبيثًا، وعينه هي هي، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء، فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطُر عبده إليها يجعلها طيبة، هذا وجه. الوجه الثاني أن نقول: هي ما زالت على كونها خبيثة، لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة، وتكون الضرورة واقية من مضرته، فملابستها للضرورة مباح، وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية له. وأظن الوجهين بينها فرق ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: بينهما فرق؛ لأنه على الوجه الأول انقلبت من الرجس إلى الطهارة، وعلى الوجه الثاني باقية، لكن هناك ما يقي مضرتها، وهذا ربما يكون أقرب إلى المعقول؛ أن خبثها باقٍ لكن الضرورة إليها أباحتها، ووقَت من المضرة من ضررها، ويؤيد هذا المعنى الحسي فإن النفس كلما كانت أشد طلبًا للشيء كان هضمه سريعًا بحيث لا يتضرر به الجسم، وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعامًا على طعام ما متى تهضم الثاني والأول يتأخر مع ما يحصل فيه من الضرر، لكن إذا أكلت طعامًا جائعًا فإنه ينهضم بسرعة وتقبله النفس ولقوة الطلب النفسي يكون هذا الخبث زائلًا ضرره، ويشهد لهذا أيضًا «ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر، فأكل منه النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «تَأْكُلُهُ وَأَنْتَ أَرْمَدُ؟»[[أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٣)، وأحمد (١٦٥٩١، ٢٣٤٨٠) من حديث صهيب بنحوه.]]؛ لأن المعروف أن الأرمد ما يأكل التمر توجع عينه زيادة، فقال: يا رسول الله، أمضغه مع الجانب الثاني؛ يعني مثلًا إذا كانت اليمنى أمضغ مع اليسرى، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ومكنه. قال ابن القيم رحمه الله: إن الحكمة في أن الرسول يمكنه مع أنه مجتهد أن هذا ضرر؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول به الضرر ينهضم سريعًا ويتفاعل مع الجسم ويروح ضرره، فالحاصل الآن فهمنا أن الميتة إذا اضطر الإنسان إليها غير باغ ولا عاد، أين جواب من؟ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، هذه جواب (مَنْ)، وقرن بالفاء؛ لأن الجملة اسمية، وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية وجب قرنه بالفاء. ﴿إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ نحن ما نتذكر إن (لا) تنصب الاسم؟ * طالب: بلى. * الشيخ: وأيش هي؟ * الطلبة: نافية للجنس. * الشيخ: نافية للجنس؟ تنصبه، ويُبنى معها على ما يُنصب به إذا كان مفردًا، وخبرها عليه هنا ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: فلا عقوبة عليه، أو: فلا جناح. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا تعليل للحكم، الحكم انتفاء الإثم، العلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿غَفُورٌ﴾ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، هو ورد أنه من صيغ المبالغة (فعول)؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أين الشاهد من كلام ابن مالك؟ * طالب: قوله: فُعُولَةٌ فَعَالَةٌ لِفَعُلَا ∗∗∗ كَسَهُلَ الْأَمْرُ وَزَيْدٌ جَزُلَا * الشيخ: إيه، أنتم في واد وهذا البيت في واد. * الطالب: قريبة من هذا. * الشيخ: لا، ما هو بهذا، هذه أبنية المصادر، هي ما هي في أبنية المصادر هو قالها في أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين: فَعَّالٌ اوْ مِفْعَالٌ اوْ فَعُولُ ∗∗∗ فِي كَثْرَةٍ عَنْ فَاعِلٍ بَدِيلُ الشاهد قوله: (أو فعول). ﴿غَفُورٌ﴾ إما أن نقول: إنها صيغة مبالغة لكثرة مغفرته سبحانه وتعالى، وكثرة من يغفر له، فالكثرة هنا واقعة في الفعل وفي المحل، كيف في الفعل وفي المحل؟ الفعل اللي هو فعل الله عز وجل، وكثرة توبته على عبده، وفي المحل كثرة المغفور لهم، وقد تكون صفة مشبهة. وقوله: ﴿رَحِيم﴾ كذلك. و﴿الْغَفُور﴾ مأخوذ من (الغَفْر)؛ وهو الستر مع الوقاية، وليس الستر فقط بل الستر مع الوقاية، ومنه سمي المغفر الذي يُغطى به الرأس عند الحرب؛ لأنه يتضمن الستر والوقاية، ويدل لذلك قوله سبحانه وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن وحاسبه قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. وقوله: ﴿رَحِيم﴾ صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه تعالى الذاتية؛ ذاتية فعلية، فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية، وباعتبار تجدد ما يرحمه الله صفة فعلية، ولهذا علقها الله بالمشيئة في قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. فهي صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وأهل التأويل، والأصح أن نسميهم (أهل التحريف) يقولون: إن الرحمة غير حقيقية، وأن المراد برحمة الله: إحسانه أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة وإما بالفعل، وهذا لا شك أنه خطأ، وحجتهم أنهم يقولون: إن الرحمة رقة ولين، والرقة واللين لا تناسب عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة مَنْ؟ * الطلبة: المخلوق. * الشيخ: المخلوق، إنها رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها تليق به سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، النجاسة (...) حسية أو معنوية؟ * الشيخ: حسية، نجاستها حسية. * الطالب: المعنوية اللي (...) على المضطر وغير المضطر. * الشيخ: لا، هذه الحمير نجاستها حسية، وإذا اضطر الإنسان إليها أكلها. * طالب: بالنسبة إلى الضفادع إذا كانت ميتة؟ * الشيخ: الضفادع ما تحل. * الطالب: لا، غير الضفادع، إذا كانت تعيش في البر والبحر ووجدت في البر مقتولة ميتة؟ * الشيخ: تُعطى حكم البر، اللي يعيش في البر وفي البحر يُعطى حكم البر تغليبًا لجانب الحضر. * طالب: قالوا يا شيخ مثلًا في عروسة البحر؟ * الشيخ: مَن زوجها؟! * الطالب: ليس لها زوج، ذكر أهل العلم أنها تكون في بحر قزوين، ولو يا شيخ هذه، كيف؟ * الشيخ: هذه إذا وجدتها فاحتفظ بها وكلها. * الطالب: يعني تكون آدمية مثل السمك؟ * الشيخ: إي نعم، نحن سمعنا هكذا، سمعنا أنه يوجد سمك على شكل آدميين، على شكل الآدميات وأنهن بعد جميلات جدًّا. * الطالب: تأكلها؟ * الشيخ: إيه تأكلها. * طالب: ما يشبه الآدمي؟ * الشيخ: وأيش فيها؟ * الطالب: إذا اضطر إليها؟ * الشيخ: إذا اضطر إليها فاختلف فيها أهل العلم، وهذه تأتي بالفوائد، فالمشهور عند الحنابلة: أنه ما يجوز أن يأكلها ولو اضطُر، وقالت الشافعية: إنه يجوز أكلها عند الضرورة وهو الصحيح. * طالب: أقول: حتى المحرم مثل الكلاب والحمير؟ * الشيخ: ما هو بلحم الخنزير؟ * الطالب: لحم الخنزير يحل؟ * الشيخ: يحل؟! هذا اللي معنا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة ١٧٣] وأيش بعده؟ * الطلبة: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾. * الشيخ: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣]. * طالب: أظنها يعني تعود على الأول كله معطوفات على الأول؟ * الشيخ: إيه؟ إنه محرمات. * الطالب: لا، قصدي غير باغٍ ولا عاد ما هو بالميتة خاص، ولا فيهم كلهم؟ * الشيخ: لا، حتى اللي في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فيها لحم الخنزير، المهم كل المحرمات إذا كانت تزول بها الضرورة فهي مباحة، وقولي: إذا كانت تزول بها الضرورة احترازًا مما لا تزول به الضرورة، كما لو اضطر الإنسان إلى أكل السم يجوز يأكل؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: أسهل للقتل والموت، ولو اضطر الإنسان لعطش إلى الخمر عطشان وعنده جرة خمر؟ * طلبة: يشرب. * طلبة آخرون: ما يشرب. * الشيخ: لا يشربها، لا يشربها يقولون: لأن الخمر يزيد العطش، فلا يشربها، لكن لو اضطر إلى الخمر لدفع لقمة غص بها، شوف العلماء رحمة الله عليهم كيف! يقول: لو غص بلقمة ولا عنده شيء يشربه إلا جرة خمر فإنه يشرب لدفع اللقمة فقط، إذا اندفعت يقف. * طالب: يا شيخ، إذا رأيت غاصًّا يشرب؟! * الشيخ: لا، أعوذ بالله! أخاف إذا راح يتغصص يشرب غاص ولا عاد ينفعه! * طالب: فضيلة الشيخ، الزنا، إذا اضطر؟ * الشيخ: ما فيه ضرورة هذا، الزنا ما فيه ضرورة أبدًا، يعني غاية ما هنالك ثوران الشهوة، ويمكن تخفيفها بأسباب أخرى. * طالب: يجوز تخفيف الشهوة بأسباب أخرى؟ * الشيخ: إي نعم، عند الضرورة، نعم، عند الضرورة. * طالب: شيخ قيد الخنزير بلحم أيش مفهومه؟ * الشيخ: تقدم. * طالب: إذا أطلق يشمل الجميع. * الشيخ: تقدم إذا أطلق اللحم؛ فالمراد به كل ما في هذا الجسد من الحيوانات. * الطالب: وأيش معنى التقييد؟ * الشيخ: ما فيه تقييد. * الطالب: (...) الميتة أفضل؟ * الشيخ: الميتة؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: الميتة لأن أصلها حلال. (...) أنصاري وأنصار؛ لأن اللي ينسب لأبي حنيفة يقال: حنفي، والحنفي. * طالب: يقولون: إنه ليس أحنف، يعني الأحناف؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، أحناف مثل: أنصاري وأنصار، حنفي وأحناف ما فيها شيء. * طالب: في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أين التفسير؛ القول الأول ولَّا الثاني؟ * الشيخ: لا، الأرجح الثاني. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤]. الجملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ مكونة من (إن) الدالة على التوكيد و(الذين) اسمها، و﴿أُولَئِكَ﴾ (أولاء): مبتدأ. و﴿مَا يَأْكُلُونَ﴾ الجملة خبره، والجملة من المبتدأ وخبره خبر (إن). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يكتمون بمعنى: يخفون، والإخفاء يكون عند السؤال، وعند عدم السؤال، فمتى دعت الحاجة إلى بيان العلم بسؤال أو بغيره وجب على من عنده علم أن يبينه ويظهره. وقوله: ﴿يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الكتاب المراد به؛ إما أن تكون (أل) للعهد، أو (أل) للجنس، فإن قلنا: للعهد؛ فالمراد بها التوراة، ويكون المراد بالذين يكتمون: اليهود؛ لأنهم كتموا صفة النبي ﷺ، وإن قلنا: بأن (أل) للعموم شمل جميع الكتب؛ التوراة والإنجيل وغيرهما، ويكون الذين يكتمون يشمل اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا أرجح لعمومه. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أنزله على رسله، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٥]. فكل رسول فإن معه كتابًا من الله عز وجل يهدي به الناس. وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤] يشترون يعني يأخذون. ﴿بِهِ﴾ أي: بما أنزل الله، ويجوز أن يكون الضمير عائدًا على الكتم؛ يعني يشترون بهذا الكتم. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هذا الثمن ما هو؟ هل هو المال أو الجاه؟ الحقيقة أن كلًّا منهما يصح أن يكون ثمنًا، ويصح أن يكون مرادًا لولا أن قوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤] تُرجح أن المراد به المال. وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني يُعطون مالًا ويُقال: اكتموا هذا العلم، لا تبينونه، اسكتوا عن بيانه، وهذا واقع من اليهود والنصارى، ومن هذه الأمة أيضًا، فإن من أهل العلم من يكتم العلم من أجل الدنيا فيشتري به ثمنًا قليلًا. طيب ولو اشترى ثمنًا كثيرًا؟ * الطلبة: فهو قليل. * الشيخ: فهو قليل، فهو بالنسبة إلى الآخرة قليل، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة ٣٨] عقوبة هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾. ما يأكلون إلا النارَ؛ (النارَ) مفعول (يأكلون)؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ يعني هؤلاء ما يأكلون إلا النار، وتأمل كيف جاءت العقوبة في الجملة الاسمية، وأيش الأجل؟ ثبوت هذه العقوبة واستقرارها فكأنها كُررت مرتين لو كانت الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ- استقام الكلام، لكن ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ﴾ أُعيد المبتدأ مرة ثانية فكأن الجملة مكررة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد ولا للقريب؟ * الطلبة: للبعيد. * الشيخ: للبعيد، هل هي لعلو مرتبتهم أو لبعد مرتبتهم والنفور منها؟ * الطلبة: للبعد. * الشيخ: نعم، للبعد منهم، والتنفير منهم، وليس لعلوهم كما في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢] لا، فهذا لدنو المرتبة والبعد عنهم. وقوله: ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ كيف إلا النار؟ نقول: نعم، هذا المال يتجرعونه نارًا والعياذ بالله، هو الآن مو هو بنار، الآن أكل وشرب، لكنه يوم القيمة يكون نارًا، وهذا كثيرًا ما يعبر الله سبحانه وتعالى بالنار عن شيء من الأفعال، الرسول ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥ / ١) من حديث أم سلمة.]]. وقال في الذي لبس ذهبًا وهو رجل: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ فَيُلْقِيهَا فِي يَدِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٩٠ / ٥٢) من حديث ابن عباس.]]. وقال: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١ / ٢٦) من حديث ابن عمرو بن العاص.]]. حين فرطوا في غسلها. وقال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٨٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن هذا العمل مخالفة لأمر الله ورسوله ومعصية فاستحق العقوبة بالنار. قوله: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ يعني معنى هذا أنهم يُجرّعون هذه الأشياء يوم القيمة نارًا. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يكلمهم؛ يعني تكليم رضا؛ فالنفي هنا ليس نفيًا لمطلق الكلام، ولكنه للكلام المطلق الذي هو كلام الرضا، ولا يمنع أن يكلمهم كلام توبيخ كما في قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ نعم ما يُزكون يوم القيمة؛ لأن المؤمنين يُزكون ويشهد لهم بالتزكية، يزكيهم الله عز وجل فيقول: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] فيكون مغفورًا له، كذلك أيضًا يُزكّون بأنهم أخذوا كتابهم بأيمانهم؛ لأن أخذ الكتاب باليمين أو إعطاء الكتاب باليمين تزكية، لكن غير المؤمنين لا يُزكون، يأخذون كتبهم بالشمال، ويُنادى على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (فَعِيل) هنا بمعنى (مُفْعِل) مُؤلم؛ أي: موجع، والعذاب هو النكال والعقوبة (...). ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣]. مناسبة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٧٢]. فلما أمر بالأكل من الطيبات بيَّن ما حرم علينا من الخبائث، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله؛ أربعة أشياء، تحريم هذه الأشياء الأربعة. * ومن فوائدها: أن التحريم إلى الله لقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾. والمحرم هو الله عز وجل؛ وهو المحلِّل. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهل به لغير الله، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿إِنَّمَا﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّمَا﴾ لأنها أداة حصر، لكن هذا الحصر قد بُيِّن أنه غير مقصود؛ لأن الله حرم في آية أخرى غير هذه الأشياء أو لا؟ حرم ما ذبح على النصب وليس داخلًا في هذه الأشياء، «وحرم النبي عليه الصلاة والسلام كل ذي ناب من السباع[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢ / ١٢) من حديث أبي ثعلبة.]] وكل ذي مخلب من الطير[[أخرجه مسلم (١٩٣٤ / ١٦) من حديث ابن عباس.]] وليس داخلًا في هذه الأشياء، وحرم النبي عليه الصلاة والسلام الحمر الأهلية[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦ / ٢٣) من حديث أبي ثعلبة.]] » وليس داخلًا في هذه الأشياء، إذن فيكون هذا الحصر قد بُيِّن انفكاكه في القرآن، وأيش بعد؟ * الطلبة: والسنة. * الشيخ: والسنة. * من فوائد هذه الآية: تحريم جميع الميتات لقوله: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ و(أل) هذه للعموم إلا أنه يُستثنى من ذلك السمك والجراد؛ يعني ميتة البحر، والجراد للأحاديث الواردة في ذلك، ويستثنى من الميتة؟ * طالب: الجلد. * الشيخ: الجلد؟! ولكنه الصحيح أنه لا يستثنى؛ لأنه غير داخل في ذلك، غير داخل في التحريم، المحرم هنا أيش؟ * الطلبة: الأكل. * الشيخ: الأكل؛ لأنه قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣ / ١٠٠) من حديث ابن عباس.]]. وعلى هذا فلا يُستثنى من هذا شيء أو لا؟ نعم ما يستثنى. ويستفاد من هذه الآية: تحريم الدم لقوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾. وهو هنا مطلق، لكنه قُيد في سورة الأنعام بالدم المسفوح، وعلى هذا فيكون إطلاق هذه الآية مقيدًا بسورة الأنعام؛ يعني الدم المسفوح، وبناء على هذا القيد يستفاد منه: أن الدم الذي يبقى بعد خروج الروح بالحيوان المذكى، حلال ولَّا لا؟ * الطلبة: حلال. * الشيخ: حلال. * ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم لحم الخنزير لقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، وهو شامل لشحمه وجميع أجزائه، وليس من باب العموم المعنوي، بل هو من باب العموم اللفظي لحم الخنزير؛ لأن اللحم يطلق على كل ما يؤكل من الحيوان، وإن كان بعضه عند القرن أو عند الاقتران يخرج منه، فإذا قلت: لحم وشحم صار اللحم غير الشحم، وإذا قلت: لحم وكبد صار الكبد غير اللحم، وعند الإطلاق يشمل الجميع. * ومن فوائد الآية: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه، من أين؟ * الطلبة: ﴿مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: تحريم ما ذُبح لغير الله، ولو ذُكر اسم الله عليه، مثل من يقول: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا للصنم الفلاني؛ لأنه أُهل به لغير الله أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: * ومن فوائد الآية: أن الشرك يُؤثر حتى في الأعيان، هو نجاسة معنوية، لكن يؤثر حتى في الأعيان، هذه البهيمة التي أهل لغير الله بها وأيش تكون؟ * طالب: نجسة، محرمة. * الشيخ: نجسة، خبيثة، محرمة، والتي ذكر اسم الله عليها طيبة، حلال. تأمل قدر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوس، وهو جدير بأن يكون كذلك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]. لو أنه مو بنجاسة، بدنهم ما هو نجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي وفساد عقيدته وطويته صار مؤثرًا حتى في الأمور المحسوسة. * ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله، من أين نأخذه؟ * الطالب: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: عند الإخلاص تكون الذبيحة طيبة، وعند الشرك تكون الذبيحة خبيثة. * الشيخ: نعم، صح. * ومن فوائد الآية: أن الضرورة تبيح المحظور لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. من قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. * ومنها: لكن هذه الضرورة لاحظوا أنها تبيح المحرم بشرطين: الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناوله. والشرط الثاني: زوال الضرورة به بحيث يندفع الضرر. أنتم فاهمين؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يشترط شرطان: الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا به. والثاني: زوال الضرورة به. إنما قلنا ذلك لئلا يورد علينا مورد مسألة التداوي بالمحرم، التداوي بالمحرم بعض العلماء أو بعض العوام يظنون أنه من باب الضرورة، وأن الإنسان إذا اضطر إلى التداوي بالمحرم حل له، نقول: هذا ما هو صحيح لسببين: لأن كلا الشرطين منتفي، أو لا؟ كلها منتفيات في باب التداوي كيف ذلك؟ لأن صدق الضرورة غير موجود؛ إذ يمكن أن يتداوى بشيء مباح، ويمكن أن يُشفى بدون تدواي، ما هو بظاهر؟ ثانيًا: هل إذا تداوى بهذا المحرم تندفع ضرورته؟ يمكن يشفى ويمكن يموت ما هو على كل حال، وليس هذا من جنس الأكل اللي ما عنده إلا ها الميتة، ما عنده غيرها، هذا نعلم أنه إذا أكل منها تندفع ضرورته، أو لا؟ ونعلم أنه ما دام ما عنده غيرها مضطر، فبينهما فرق. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رحمة الله عز وجل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن هذا من رحمة الله بالعبد أن أباح له المحرم لدفع ضرورته. * ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها، من أين نأخذها؟ * طالب: (...). * الشيخ: نحن ذكرنا أثناء الشرح وجهين وهما: هل هذه الأعيان انقلبت طيبة أو هي باقية على خبثها، لكنها أُبيحت للضرورة؛ ولأن النفس لشدة حاجتها إليها تهضمها وتقبلها حتى لا تتضرر بها؟ ذكرنا في هذا قولين لأهل العلم أو وجهين، وقلنا: إن كليهما حق، فكما أن الحمير كانت بعد أن كانت حلالًا طيبة صارت بتحريمها رجسًا، صارت رجسًا نجسة، وهي أمس هذا الحمار حلال طيب واليوم صار حرامًا خبيثًا، والله على كل شيء قدير. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم. * ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة الأئمة من أن أسماء الله سبحانه وتعالى المتعدية يستفاد منها: ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها. مو قلنا: الأسماء المتعدية تتضمن الاسم والصفة والأثر اللي هو الحكم، العلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر وهو الحكم؛ لأنه لكونه غفورًا رحيمًا غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته ورحمه بحلها. فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله عز وجل تدل على الذات والصفة والحكم، على الذات اللي هو الاسم؛ على الاسم والصفة والحكم، كما أقر ذلك أهل العلم رحمهم الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تناول المحرم فهو آثم بدون عذر من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. * الشيخ: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فعُلم منه أنه إذا كان غير مضطر فعليه الإثم. * ومن فوائدها عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص، من أين تؤخذ على هذا الرأي؟ من قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فإنهم قالوا: إن المراد بالباغي: الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره. وقالوا: إن العاصي بسفره أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخص من رخص السفر؛ فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، جميع رخص السفر ما تحل له، ولا يفطر في رمضان، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وقد أشرنا إليه فيما سبق. * طالب: شيخ، تحريم قتل النفس مثل الإنسان يجب عليه أن يأكل (...) ضرورته؟ * الشيخ: ما هو بواضح؛ لأن الآية فيها الإباحة، لكن قد يقال: إنه يستفاد من إباحة المحرم وجوب تناوله؛ لأن المحرم ما يُنتهك إلا بواجب. وهذه قاعدة ذهب إليها بعض أهل العلم، قال: إن المحرم إذا انتُهك فهو دليل على الوجوب، لكنها ما هي مطردة في الحقيقة مثل ما قالوا في وجوب الختان، بعض العلماء أخذوا وجوبه من هذه القاعدة، قالوا: إن الأصل أن قطع الإنسان شيئًا من بدنه حلال ولَّا لا؟ * طالب: حرام. * الشيخ: حرام، والختان قطع شيء من بدنه، ولا يُنتهك المحرم إلا بواجب، فقرروا وجوب الختان من هذه القاعدة، لكنها ما هي مطردة تمام الاطراد، ولهذا مثلًا يجوز للمسافر أن يفطر، والفطر انتهاك محرم، مع أن الفطر ليس بواجب؛ فهي ما هي مطردة اطرادًا بيِّنًا. * طالب: أقول: عندهم دليل على ما يترخص العاصي في سفره؟ * الشيخ: ذكرنا فيما سبق يا أخي؛ قلنا: شيخ الإسلام يرى أنه لا فرق بين العاصي بسفره وغير العاصي؛ لأن هذه الأحكام عُلقت بالسفر، والعاصي يأثم، وأحكام السفر باقية. * طالب: بالنسبة لذبائح أهل الكتاب بأي طريقة تكون تحل للمسلمين ولمن؟ * الشيخ: بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥]. * الطالب: بالنسبة يعني لذبائحهم؛ يعني هم لهم طريقة غير طريقة المسلمين. * الشيخ: «طعامهم ذبائحهم. » كما قال ابن عباس رضي الله عنه[[أخرجه الطبري في التفسير (٩ / ٥٧٨).]]. * الطالب: أقصد إذا ذبحوا بطريقة غير الطريقة الإسلامية؟ * الشيخ: إذا أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه حل. * الطالب: يشترط ذكر اسم الله عليه؟ * الشيخ: لا بد من اسم الله نعم. * الطالب: لو بطريقة يعني لو ضربوها مثلًا ضربة معينة؟ * الشيخ: لو ضربوها ضربة معينة ولما غُشي عليها ذبحوها حلّت. * الطالب: ما ذبحوها، ما ذبحوا الذبح المعروف؟ * الشيخ: وأيش لون ذبحوها؟ كيف ذبحوها؟ * الطالب: بالظفر مثلًا. * الشيخ: بالظفر؟ بالظفر ما تحل؛ لأن الرسول استثناها قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]]. * الطالب: إذا كانت هذه طريقتهم؟ * الشيخ: ما تحل، لكن وأيش يذبحون الشاة بظفورهم؟ * الطالب: لا، مو شاة، دجاجة. * الشيخ: ما تحل. * طالب: يا شيخ، المسلم إذا نسي التسمية؟ * الشيخ: ما تحل. * طالب: الحمار، هل في دليل على أنه كان طيبا قبل التحريم؟ * الشيخ: إي نعم، حله يدل على طيبه. * الطالب: طيب ما يكون هذا من أعمال الجاهلية مثل أكلهم الميتة، ما نقول بأنها حلال قبل؟ * الشيخ: لا، هذا أحله الشرع يأكلونه أكلًا. * الطالب: الميتة، هل نقول: إنها كانت طيبة؟ * الشيخ: الميتة كانت طيبة فخبثت بالموت. * الطالب: بس تقول: كانت طيبة وميتة، فصارت خبيثة. * الشيخ: لا، ما هي بحلال، ما جاء في الشرع حِلها. * طالب: ما الفرق بينها وبين الحمار؟ * الشيخ: الحمار كانت حلالًا يأكلونها، لكن الميتة ما كانوا يأكلونها أصلًا، ولهذا ابن عباس يرى رضي الله عنه حل الحمار حتى بعد التحريم؛ يقول: لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام ١٤٥]، وأين الحمار؟ وبعض العلماء يحرمها إذا دعت الحاجة إلى بقائها، فمثل وقتنا -على رأي بعض العلماء- يجوز أكلها، لكن الصحيح أنها رجس ما تحل. * طالب: شرب الخمر، أما كان خبيثًا؟ * الشيخ: الخمر أيضًا حُرم، لكن الخمر الصحيح أنه ما هو بنجس لذاته، ما هي نجاسة عينية. * طالب: من الخبث. * الشيخ: الخبث عملي، فنجاسة الخمر معنوية، هذا هو الصحيح، ولهذا لا ينجس الثياب. * الطالب: ولكن يا شيخ، يؤثر في العقل. * الشيخ: يؤثر في العقل، غالبًا ما يؤثر في العقل، أكثر ما حرم من أجل هذا، ولهذا علل الله التحريم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ٩١]. * الطالب: يعني ما يحكم بخبث الخمر؟ * الشيخ: الخبث المعنوي. * طالب: يا شيخ، ولد الشاة يكون في بطنها ما تذكى يجدونه في بطنها؟ * الشيخ: إيه، ذكاته ذكاة أمه. المهم أننا نقول: يا إخوانا، بالنسبة للذكاة والصيد وما أشبه ذلك لها أبواب معينة، لكن اللي في بطن الأم إذا ذُبحت فذكاته ذكاة أمه. * طالب: شيخ، حديث عائشة: «إِنَّا نُؤْتَى بِلَحْمٍ فَلَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ » هناك شيء من التعارض؟ * الشيخ: قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»[[أخرجه البخاري (٣١٧٤) من حديث عائشة.]]؟ * الطالب: المعنى مختلف الآن؛ يعني كيف يجمع بينه وبينهم؟ * الشيخ: ما بينها تناقض، ما بينها تعارض حتى يحتاج الجمع. * الطالب: لكن هذا في الذبح. * الشيخ: هذاك في الذبح، لكن الأصل أن ما ذبحه المسلم فقد سمى، هذا هو الأصل، فأنت لا تشكك في فعل غيرك لو كان القوم الذين سألوا الرسول ﷺ قالوا: إن قومًا يأتونا باللحم لا يذكرون اسم الله عليه. صار فيه شيء من المعارضة. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤]. ذكر الله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أي يخفون. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب نشر العلم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال، كيف لسان المقال؟ يأتي إنسان ويسألك، ولسان الحال أن يقع الناس في أمر يحتاجون إلى بيان أنه محرم أو يهملوا أمرًا يحتاجون إلى بيان أنه واجب. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الكتب مُنزلة من عند الله لقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾. ويستفاد منها: أنها كلام الله، من أين تؤخذ؟ * الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة ١٥٩]. * الشيخ: ﴿مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤]. * طالب: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾. * الشيخ: يستفاد أنها كلام الله. * طالب: قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. * الشيخ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ طيب، فتكون كلامه. * ويستفاد منها: العلو، علو الله عز وجل لقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ﴾، فإذا ذكر أن الأشياء تنزل منه فهو عالٍ سبحانه وتعالى. * ويستفاد من هذه الآية: أن هذا الوعيد على من جمع بين الأمرين: يكتمون، ويشترون به ثمنًا قليلًا، فأما من كتم بدون اشتراء أو اشترى بدون كتم، فإن الحكم فيه يختلف، إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]. وأما الذين اشتروا بدون كتمان فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود ١٥]. فالناس ثلاثة أقسام: قسم يكتم لا للدنيا، لكن بخلًا في العلم أو ما أشبه ذلك، قسم آخر يبين، لكن لا لله بل للدنيا، فهذا أراد بعمله الدنيا؛ مثل الإنسان يُعلِّم بأجرة، يُعلم الناس بأجرة، أو: قصدي ينشر العلم بأجرة، وإلا التعليم الصحيح أنه جائز، التعليم بأجرة الصحيح أنه جائز، لكن يتعلم للدنيا، هذا لا شك أن نيته باطلة، وقسم ثالث: يكتم لغرض من الدنيا مثلًا يكتم لأجل رئاسته، مثل ما فعل اليهود؛ كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام لتبقى رئاستهم، أو إنسان مثلًا قال قولًا، ثم تبين له أن الحق بخلافه، ثم كتم الحق، يظن بنظره القاصر أنه إذا رجع عن قوله الأول انحطت مرتبته عند الناس، فيريد أن يبقي على منزلته على زعمه، ولا يرجع عن قوله الذي تبين له خطؤه، وهذا أيضًا كتم شو لأجله؟ ليشتري ثمنًا قليلًا، وهو الجاهل كل شيء يراد للدنيا فهو ثمن قليل سواء كان جاه، أو رئاسة، أو إدارة، أو مال، أو زوجة، أو أي شيء، كل ما يراد للدنيا فهو قليل، فهو من الثمن القليل، واضح الآن؟ فصار الناس ينقسمون في هذا الباب إلى كم؟ * الطلبة: ثلاثة أقسام. * الشيخ: ثلاثة أقسام، كلهم مذمومون، أما من أظهر لله وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام، وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه وقلمه ما أنزل الله عز وجل، فهذا هو القسم الرابع، وهو خير الأقسام. * طالب: من يكتم خوفًا يا شيخ، ما داخل فيهم الذي يكتم خوفًا يعني؟ * الشيخ: والذي يكتم خوفًا إذا كان سيُبين في موضع آخر فلا بأس، أما إذا كان بيكتم مطلقًا فهذا ما يجوز، يجب أن يبين ولو قُتل. * طالب: ولكسل يعني، ما عنده سوء ظن، لكن كسل، لكن ما يبين، يعني عنده علم وما يبين؟ * الشيخ: إيه، إن دعت الحاجة إلى بيانه وجب عليه أن يبين، ولا يجوز، فإن لم تدعُ، افرض أنه في بلد فيه ناس مثلًا يبينون العلم وينشرونه بين الناس، وهو عنده علم لكنه يقول: علمي ما احتيج إليه ولا سألني سائل، فهذا ما يجب عليه، إن بين فهو أوْلى لا شك؛ لأنه يزيد الآخرين قوة إلى قوتهم، وإن سكت فأظن أن يكون في حل ما دام أن الأمر قد قام به غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الدنيا قليل لقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤]. هذا وجه في الآية، ويحتمل أنهم يشترون ثمنًا قليلًا حتى في أعين الناس، لكن بانحطاط هدفهم ومرتبتهم كانوا يخفون عدة آيات من أجل الحصول على درهم واحد، يكون هنا القليل حتى بالنسبة لأعين الناس، وليس هذا ببعيد؛ لأنهم يكتمون من أجل حظ قليل من الدنيا والدنيا كلها قليلة؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- قد يفعل عالم الدولة لا عالم الملة قد يفعل هذا، قد ينظر ما تختار دولته من رأي، ثم يحاول أن يطوع النصوص لهذا الرأي، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدأ بعض الناس الذين ينتسبون إلى العلم بدؤوا يطوعون بعض النصوص إلى رأيهم؛ إلى الاشتراكية، وسمعناهم نحن بأنفسنا من الكتاب والسنة، وقالوا: الكتاب والسنة مملوء من أن الاشتراكية حق، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]. شوف كيف عين الأعور وأيش لون نَظَرت إلى زاوية وتركت زاوية؟! قالوا: فأنتم فيه سواء، خلاص أنتم فيه سواء، الناس سواء فيما رزقهم الله، لكن تركوا أول الآية وهو: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ومعنى الآية هذه فأنتم فيه سواء مبني على الأول؛ يعني هل لكم شركاء فيساوونكم، وأيش الجواب لا ولَّا نعم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، أبدًا، ما هو إن العبد يجيء الصندوق أو يلمس المفتاح، هل عبدي يجي شاك ويقول: والله أنا عبدك، أنا بآخذ من مالك، وأيش الجواب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، كيف ها العبيد هذه عبيد لله تعبدونهم من دون الله؟! هذا ضرب مثل لمشرك، هؤلاء فرحوا فقالوا: فأنتم فيه سواء، خذ، وقال النبي ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ»[[أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٢٩) من حديث رجل من المهاجرين، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٢) وأحمد (٢٣٠٨٢) من حديث ابن عباس بلفظ: «المسلمون...».]]. فأثبت الاشتراكية. وهات منها الأدلة اللي جمعوها من الآيات والأحاديث المتشابهة ليموهوا بها على الناس، مثل هؤلاء العلماء يدخلون في الآية هذه، اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا والعياذ بالله، والواجب أن يكون العالم عالم ملة لا عالم دولة حتى يكون لله عز وجل قائمًا بأمر الله عز وجل. * طالب: الجواب على الحديث. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»؟ * الشيخ: الجواب أنه خص الثلاث؛ هذا عليهم ما هو لهم، لكن هذه الثلاث حيث ما لهم بها قدرة من الله عز وجل: الماء، والكلأ، والنار، ما يختصون بها فالأنهار كل يأخذ منها (...)، كذلك نقع البئر ما هو لك، الذي يخرجه الله عز وجل، وكذلك الكلأ اللي ينبت بدون إنباتك في الأرض، ما هي لك، كذلك أيضًا النار، لو أن أحدًا أراد يقتبس، تقول له: تعالَ، لا تقتبس، هذه ناري أنا، يقول: لا، أنتم شركاء. من الذي أوقد النار لك؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله عز وجل. * الطالب: البئر يا شيخ، أنا اللي لففت فيه الحبل؟ * الشيخ: إيه، لكن أنا مو بعد اللي أخرجته، أنت أحق به؛ لأنك حفرته، لكن أنت بتمنع مع الفضل ما يجوز لك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق المسبَّب على السبب، من أين نأخذها؟ ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤]، هم مو بيأكلوا النار، بيأكلوا المال، لكنه مال سبب للنار؛ فيكون هذا من باب إطلاق المسبَّب على السبب. * طالب: مجاز مرسل. * الشيخ: وبعدين فيه أيضًا إثبات العدل في الجزاء لقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، فجعل المأكول على قدر المأكول، أو لا؟ ما يأكل إلا النار وفاقًا بوفاق على قدر ما يأكل، يأكل نارًا؛ فيكون في هذا إثبات العدل في الجزاء. يقول الشاعر على هذه المسألة، وإن كان محلها التفسير يقول: أَكَلْتُ دمًا إنْ لم أُصِبْكِ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوَى القُرْطِ طَيِّبَةِالنَّشْرِ أكلت دمًا: يخاطب زوجته، هذا أعرابي تزوج امرأة ونشزت، ولكنه قيل له: إنك إذا رحت للشام ففيها وباء يقتل النساء، وراح بها للشام وقال: دِمَشْقُ خُذِيهَا وَاعْلَمِي أَنَّ لَيْلَةً ∗∗∗ تَحْمِلِينَ عُودَيْ نَعْشِهَا لَيْلَةُالْقَدْرِ يعني يقول للشام: خذي هذه المرأة، اقتليها، واعلمي أن اليوم اللي تحمل فيها هذه المرأة على أعواد النعش الليلة هي عندي ليلة القدر، مثل ليلة القدر، ثم قال: أكلت دمًا هذا الشاهد أَكَلْتُ دمًا إنْ لم أَصِبْكِ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِالنَّشْرِ وأيش معنى بعيدة مهوى القُرط؟ * طالب: أن عنقها طويل. * الشيخ: يعني أن عنقها طويل؛ القرط اللي يكون في الأذن، إذا صار بعيدًا مهواه؛ معناه أن الرقبة طويلة، وطول الرقبة في النساء محمود، وطيبة النشر يعني طيبة الرائحة. قوله: أكلت دمًا، قال بعضهم: إن المعنى: أكلت دية، سببها الدم، وأنهم كانوا في الجاهلية يُعيِّرون الإنسان إذا قتل له قتيل فأخذ الدية، وهو يدعو على نفسه بهذا الذل، إني ما آخذ بالثأر، آخذ الدية، فقال: أكلت دمًا، نعم، وجاؤوا به شاهدًا على هذه الآية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل لقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. ولكن لماذا لا تقولون الآن الكلام منفي؟ كيف تستدلون به على إثبات الكلام؟ * الطلبة: يكلمهم الله. * الشيخ: إيه، نقول: لو كان لا يتكلم لا معهم ولا مع غيرهم ما صار في نفي الكلام عنهم فائدة ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فنفيه لكلامه هؤلاء يدل على أن غيرهم يكلمه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. كلام الله عز وجل هل هو المعنى القائم بنفسه المعبر عنه بالحروف، أو هو الحرف والمعنى؟ * طالب: الحرف والمعنى. * الشيخ: هو الحرف والمعنى، الله تعالى يتكلم بكلام؛ بحروف وأصوات، أين اللي ما يشبه كلام المخلوقين؟ هل هي حروف ولَّا الأصوات؟ الشيخ: المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟ أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، (...) لفظ الآية، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فتخصيصه باليوم يدل على أنه يتعلق بالمشيئة. * ومن فوائد الآية: أن كلام الغضب ليس بكلام؛ فإن الله يكلمهم كلام غضب ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكنه في الحقيقة ليس بكلام، لو أن أحدًا من الناس كلمك يوبّخك ما قيل: هذا تكلم معك كلام رضا، بل كلام توبيخ قد يكون عدمه خيرًا من وجوده. * طالب: هذا التوبيخ يا شيخ بعد القيامة وهم في النار؟ * الشيخ: إي نعم، وهي من القيامة، هذه في النار، كل ده داخل في يوم القيامة. ما كملنا الآية. (...) ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، أولًا نريد خبر (إنّ) في هذه الجملة (...)، ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، الاستثناء هذا ما نوعه؟ * طالب: مفرغ. * الشيخ: مفرغ، إذن النار وأيش إعرابها؟ * الطالب: مفعول به. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لـ(يأكلون). * الشيخ: من فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. * ومن فوائدها: أن يوم القيامة يزكَّى فيه الإنسان، وذلك بالثناء القولي والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن في ذنوبه: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، وأما الفعلي فإن محل الثناء أنه يعطَى كتابه بيمينه ويشهد الناس كلهم على أنه من المؤمنين، وهذه تزكية بلا شك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾. * ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألمًا نفسيًّا أو ألمًا جسمانيًّا؟ الجميع، لو لم يكن من الألم النفسي إلا أن الله يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، هذا من أبلغ ما يكون - والعياذ بالله - من الألم النفسي. فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية الكريمة وبين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠]؟ نشوف. * طالب: التزكية توفيق من الله عز وجل، الإنسان يزكي نفسه بتوفيق من الله عز وجل، فبمعنى أنه توفيق من الله عز وجل فالمزكي حقيقة هو الله تبارك وتعالى. * طالب: قوله: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: فعل ما يزكيها، أما المزكي في الحقيقة فهو الله. * الشيخ: إي، مثل ما قال الأخ. * طالب: (...). * الشيخ: طيب الأخ يقول: ما بينهم تعارض؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩] لأنه قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٧ - ٩] فيه احتمال أن المزكي هو الله، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: من زكاها، قد أفلح من زكاها الله، وتكون (من) بمعنى (التي)، ولكن هذا بعيد، ويدل على هذا قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ١٠]. فالجمع بينهما أن يقال: تزكية الإنسان نفسه أن يعمل ما فيه زكاتها، وتزكية الله للإنسان خَلقًا وتقديرًا.