Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:173 – البقرة 2:182
المحتويات
البقرة 2:173
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢].
* أولًا: تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادَى، وكل من دعي إلى شيء بأداة تقتضي الانتباه فهو دليل على أهمية هذا المدعو إليه. وأيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النداء بوصف الإيمان له فوائد:
* منها: أن المأمور به من مقتضيات الإيمان.
* ومنها: أن مخالفته نقص في الإيمان واضح؟
* ومن فوائده أيضًا: التصدير بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإغراء، إغراؤهم بأن يمتثلوا؛ لأن الإنسان إذا ذُكر بوصف يقتضي الامتثال فإنه يغريه مثل أن أقول: يا أيها الكريم، قد نزلت بك ضيفًا؛ معناه أني أغريه بهذا اللفظ، وأيش أغريه؟
* الطلبة: على أن يكرمني.
* الشيخ: على أن يكرمني إي نعم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر، وهل هو للوجوب أو للإباحة أو للندب؟ قلنا: إنه صالح لها كما سبق في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ يكون للوجوب إذا توقفت عليه الحياة، أو لا؟ إذا صار الإنسان إذا لم يأكل مات ولا تضرر؟ فهنا يكون الأمر للوجوب، يجب عليه أنه يأكل، ويكون للإباحة كما هو الأصل، ويكون للندب إذا ترتب عليه فائدة شرعية مثل: السحور للصائم، والفطور للصائم، وأكل الإنسان مع ضيفه تأنيسًا وما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أيش؟ مستحبًّا، ويكون الإباحة فيما عدا ذلك، فقوله: ﴿كُلُوا﴾ يعني معناه أنه أن هذا شيء مباح لكم.
فإذا قال قائل: إذا جعلتم الأمر هنا للوجوب والاستحباب والإباحة معناه أنكم استعملتم كلمة واحدة في عدة معانٍ وهو ما يُعبر عنه باستعمال المشترك في جميع معانيه. قلنا: نعم، نحن نرى ذلك أن استعمال المشترك في جميع معانيه إذا لم يكن بينها تضاد جائز وما المانع منه؟ إذا كان اللفظ صالحًا لها ولا تنافر بينها، فما المانع من أن نحمله على كل المعاني كما أننا نحمل العام بالاتفاق على جميع أفراده؟
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه هي للتبعيض ولا لبيان الجنس؟
* الطلبة: لبيان الجنس.
* الشيخ: الظاهر أنها لبيان الجنس حتى يأكل الإنسان مما شاء.
وقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، الطيب الحلال، وقيل: المستلذ، مثل ما تقول: هذا طعام طيب، وهذا طعام خبيث؛ يعني ردي فهمتم؟
قيل: إن المراد بالطيب الحلال، وقيل: المراد بالطيب المستلذ والمستطاب، فعلى القول الأول يتبين من الآية أن الرزق يشمل الحلال وأيش بعد؟ والحرام، وأن من عاش على محرم فإنه يقال: إنه مرزوق، ولكن الرزق المأمور به هو الحلال، وهذا هو الأصح، ولهذا قال السفّاريني في عقيدته:
وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ ∗∗∗ أوْ ضِدِّهِ فَحُلْ عَنِ الْمُحَالِ
وعلل ذلك بأنه رازق كل الخلق، وليس مخلوق بغير رازق، ومعلوم أن من الخلق من رزقه حرام ولَّا لا؟ فلا يمكن أن تقول: هذا الإنسان الذي يعيش ويأكل ويشرب إنه غير مرزوق، إذن الطيبات يكون المراد: المستلذ والمستطاب، أو أنه الحلال من الحلال الذي رزقناكم، ويكون فيه دليل على أن الرزق يكون حلالًا ويكون حرامًا لكن المأمور به الحلال.
وقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: أعطينكم؛ فالرزق العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨].
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ اشكروا، ما معنى الشكر؟ الشكر في اللغة: الثناء، وفي الشرع: القيام بطاعة المنعِم، هذا الشكر؛ القيام بطاعة المنعم، ومنها -أي من طاعة المنعِم- استعمال النعمة فيما خُلقت له، فإن هذا من شكر الله.
وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ كلمة اشكروا هذا الفعل يتعدَّى باللام، ويتعدى بنفسه فيقال: شكرته، وشكرت له، فإذا كانت اللام للتعدية فليس لها معنى.
وقوله: ﴿اشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ لما أمر بالأكل أمر بالشكر، وأكثر الناس امتثل الأمر الأول وترك الثاني، أكل من طيبات ما رُزق، لكن لم يشكر لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
قال: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة ١٧٢] ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ هذه (إن) شرطية و(كان) فعل الشرط و(التاء) اسم كان، و(إيا) خبر كان منصوب بها.
* الطلبة: لا ليس خبر كان.
* الشيخ: ليس خبر كان؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾ ما هي (إيا) ضمير منفصل من ضمائر النصب و(التاء) اسم كان تبقى هذه خبر كان يجوز ولَّا ما يجوز؟
* الطلبة: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز قطعًا، إذا قلنا: إن كنتم إياه معناها كأنكم أنتم الله، وهذا معلوم فاسد المعنى، إذن ﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾ مقدم أو لا؟ مثل: (إياك نعبد) مفعول مقدم، و﴿تَعْبُدُونَ﴾ جملتها خبر كان، وأين جواب الشرط؟
قيل: إنه لا يحتاج في مثل هذا التركيب إلى جواب، وهو الصحيح، وقيل: إن جوابه محذوف يفسره ما قبله، والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يعني إن كنتم مخلصين له في العبادة، والعبادة هي التذلل لله عز وجل بالطاعة، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه مأخوذة من قولهم: طريق معبد أيش معنى معبد؟
* الطلبة: مذلل.
* الشيخ: مذلل للسالكين، وهو إلى الآن معروف عندنا الطريق هذا معبد ولَّا لا؟ إلى الآن موجود بهذا المعنى؛ يعني إن كنتم تتذللون له حقًّا فكلوا من رزقه واشكروا له، ولا تكونوا كالذين لا يشكرون أو كالذين يحرمون بعض الرزق، مثل في الجاهلية يحرمون أشياء يقول: هذه حرام؛ فالذي يحرم بعض الأطعمة أو بعض الأشربة بدون دليل يكون مشابهًا لأهل الجاهلية الذين حرَّموا أشياء بدون دليل؛ مثل البحِيرة والسائبة والوصيلة والحام وما في بطون الأنعام قالوا: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن ظهر ميت فهم فيه شركاء، وإن يك ميتة فهم فيه شركاء، هذا من الجهل.
* طالب: إن كان شكك يا شيخ؟
* الشيخ: إن شُكّك فالأصل الأصل حِل، وبهذه المناسبة نُشر ها النشرة وزعت عند الناس عن رابطة العالم الإسلامي إن هذا الجبن جبن البقرة الضاحكة، هي ما هي تضحك، على كلامهم!
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أدري، لا، الظاهر أنها مكتوب عليها الضاحكة.
* طالب: الضاحكة.
* الشيخ: كذلك (الكيري) أظن وبعض الصابون (الكامي) المهم عد كاتبين لهم بيان، قالوا: إن هذا حرام، وبما أن الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- هو رئيس الرابطة في اجتماعاتها، اتصلت به وسألته قال: والله ما أدري، لكن هم كاتبين للرابطة نسألها عن هذا من أين جاءهم هذا الخبر وكاتبين كذلك لوزارة التجارة، وهم بانتظار الجواب، ولا يُستبعد أن هذا من بعض الشركات؛ لأن ترى بعض الشركات تروج إذا شافت أن هذا الشيء ناجح جعلت فيه عِلّة علشان تنفر الناس منه، يجوز أن هناك مثلًا شركات أخرى تزاحم شركة الأجبان هذه، وقالت: والله هذه لها شهرة عالمية وصار الناس يأخذون منها إذن بنحط بيها بلاء، والله أعلم، الآن ولا كثر السؤال عنه ها الأيام جدًّا كثر عنه السؤال، قلنا: والله إحنا ما عندنا علم وأنتم كلوا حتى يتبين التحريم، وإحنا الآن بعد بانتظار جواب الشيخ إن شاء الله تعالى ونشوف هذا، يمكن بعدين أنه يكتب بالصحف هذا الشيء.
* طالب: يعني مثلًا ترك هذه الأشياء يعني أن يشك فيها الإنسان، تركها للتورع ما هو أفضل يا شيخ حتى يتبين له؟
* الشيخ: يا أخي ما.
* طالب: الحديث: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٨) من حديث الحسن بن علي.]].
* الشيخ: إي، بس هي مشكلة الآن، ما هناك شبهة يعني على أصل، ما هناك شبهة على أصل، كذلك الاشتباه في مسألة الوارد من الخارج من المذكيات أيضًا صار فيه اشتباه وكلام كثير، هذا نعم حيث إن الأصل بالذبائح التحريم هذه قد نقول: إن الأحسن تركها، والحمد لله الشيء اللي ما فيها شبهة كثيرة سواه، لكن الأجبان وشبهه وأيش الأصل فيها؟
* طالب: الحل.
* الشيخ: الحل، وأن لو كانت من نصراني أو يهودي أو مجوسي أو اللي هي الأصل فيه الحل حتى يتبين التحريم.
* طالب: قالوا فيه إن شركة (...) قبل خمس سنين أو سبع السنين أعلنت أنها تحط فيه لحم الخنزير أو شحم الخنزير، إن هي يقولون يعني؟
* الشيخ: على كل حال يشاف ها الحين، وإحنا إن شاء الله في انتظار الجواب.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة ١٧٢، ١٧٣] لأنه أمر بالأكل من الطيبات، واعلم قبل أن نتعدى الآية أن هذا الذي أُمرنا به -نحن المؤمنين والحمد لله- أُمر به الرسل كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة]].
وبهذا المعنى، أو بهذا الحديث يتبين لنا معنى الشكر تمامًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة السلام قارن بين الآيتين، وفي آية الرسل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ فدل على أن الشكر الذي أُمر به المؤمنون هو العمل الصالح.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر أيش؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فالتحريم محصور في هذه الأشياء، ومعنى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ يعني ما حرم عليكم إلا الميتة، ما حرم إلا الميتة.
﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ التحريم بمعنى المنع، ومعنى (حرم عليكم) أي: منعكم.
وقوله: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وأيش معنى حرمها علينا؟ حرمها علينا أن ننظر إليها؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، حرم علينا الأكل، ما الدليل على أن المراد تحريم الأكل؟ الدليل الآية التي قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ فكأنه قال: كلوا، ثم استثنى، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾.
الميتة وأيش هي الميتة؟
الميتة في اللغة: ما مات حتف أنفه؛ يعني بغير فعل منه، مات حتف أنفه يعني بغير فعل منه، أصيبت البهيمة بمرض فماتت، سقطت من عالٍ فماتت وما أشبه ذلك.
أما في الشرع: فالميتة ما مات بغير ذكاة شرعية، وهذا مما كان فيه الاصطلاح أعم من اللغة، وهو قليل كما سبق، الأكثر أن الاصطلاح أخص من اللغة، لكن أحيانًا يكون الاصطلاح أعم، فهنا الميتة شرعًا: ما مات بغير ذكاة شرعية فيشمل ما مات حتف أنفه يسمى ميتة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما ذُكّي ولم يُظهر الدم يسمى ميتة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما ذُكِّي ولم يسمَّ عليها اسم الله؟
* الطلبة: ميتة.
* الشيخ: ميتة، ما ذكَّاه غير يهودي ونصراني ومسلم؟
* الطلبة: ميتة.
* الشيخ: ميتة مع أنه مُذكّى، فإذن الميتة في الشرع: ما ذُكِّي بغير ذكاة شرعية.
وقوله: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ (أل) هنا للعموم؛ يعني إذا صارت (أل) للعموم معناه أنك لو نزعتها ووضعت بدلها (كل) استقام الكلام، فهنا لو نزعت (أل) وجاءت (كل) يصح، إنما حرم عليكم كل ميتة، هل هذه الآية على عمومها؟ الجواب لا، ورد في الشرع ما يخصصها كما في حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤) من حديث ابن عمر. ]]. إذن يُستثنى من ذلك أيش؟ الجراد والحوت، الجراد معروف، والحوت كل سمك البحر صغاره وكباره على حد سواء فميتته حلال كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما هو الدليل على هذا الاستثناء من هذا العموم؟
الدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صَيْدُ الْبَحْرِ مَا أُخِذَ حَيًّا وَطعَامُهُ مَا أُخِذَ مَيِّتًا »[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٥٥) من حديث بن عباس]]. هذا من القرآن ومن السنة قبل قليل قرأناها عليكم؛ حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[سبق تخريجه.]] هذه واحدة. يستثنى من هذا ميتة الآدمي؟
* الطلبة: لا (...) هناك فرق.
* الشيخ: أو هذا في مسألة النجاسة؟ في مسألة النجاسة، أما طبعًا الحل، لا، ما يستثنى إلا الجراد والحوت.
هل يعم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ جميع وجوه الانتفاع بحيث لا ينتفع منها بإهاب ولا عصب ولا شعر ولا غير ذلك؟
* الطلبة: ظاهرها لا.
* الشيخ: بس السياق يدل على أن المراد الأكل، ولهذا جاء في البخاري: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣ / ١٠٠) من حديث ابن عباس. ]] إنما حرم أكلها، ولهذا لو أنه انتُفع بها في غير الأكل فهو جائز، لكن الجلد خاصة إذا دُبغ صار طاهرًا على القول الراجح، يكون طاهرًا مثل جلد غير الميتة؛ يعني لو أن شاة ماتت وأخذنا جلدها ودبغناه جاز أن نستعمله في الماء الذي نشرب، وفي اللبن، وفي الدهن، وفي العسل، وفي غير ذلك؛ لأنه يكون طاهرًا، لحمها، شحمها، عصبها يجوز أن نجعله أوتارًا يعني حبالًا يمكن نجعله حبالًا، كذلك أيضًا شحمها أن نوقد به؛ نجعله وقودًا، فإذا قال قائل: ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام لما قيل له حين حدث فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١ / ٧١) من حديث جابر بن عبد الله. ]] فكيف الجواب؟
الجواب: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «هُوَ حَرَامٌ» يعني بيع هذه الأشياء؛ لأن الكلام وأيش هو فيه؟ في البيع: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ». ويؤيد ذلك قوله: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[سبق تخريجه.]]. وهذا ليس بأكل.
﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ يعني وحُرم عليكم الدم، والدم هنا يشمل كل دم حتى دم الآدمي؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: حتى دم الآدمي، حتى دم البعير أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حتى دم البعير؟ نعم، بقي أن يقال الدم هنا مطلق، لكنه قُيّد بآية الأنعام بكونه مسفوحًا فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥] فالمراد الدم المسفوح الذي يخرج من البهيمة قبل خروج روحها، فأما ما كان بعد خروج الروح فليس بمحرم إذا كانت مذكاة طبعًا، فما كان في المذكاة بعد خروج روحها من الدماء فهو طاهر حلال ولو جرى على الأرض، وعلى هذا فالدم الذي يكون في القلب؟
* طالب: حلال.
* الشيخ: حلال؟ دم قطع دم تأخذ بيدك حلال؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: لأيش.
* الطلبة: لأنه غير مسفوح.
* الشيخ: لأنه غير مسفوح، وكذلك ما يبقى في العروق والأوعية.
طالب: بعد خروج روح البهيمة (...).
* الشيخ: يمكن.
* الطالب: بس هذا حلال ولَّا لا؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما يدخل في المسألة؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: بس نفس العِلة يا شيخ؟
* الشيخ: لا، العلة ما هو اللحم الذي يخرج منه هذا الدم ما هو بحلال.
* الطالب: حلال (أيوه).
* الشيخ: هذا هو.
* الطالب: بس هذا معفو عنه للضرورة.
* الشيخ: لا، حتى هذا، أصل كل شيء يخرج بعد خروج روح المذبوح فهو طاهر.
* الطالب: ولو لعقه الإنسان حلال.
* الشيخ: إي نعم، كيف؟!
* طالب: شيخ، ما هو الاستثناء يا شيخ في قوله: «إِلَّا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: لا ما قال: إلا الكبد والطحال، قال: «أُحِلَّ لَنَا». ولا يمنع أن يكون غيرها أيضًا حلالًا.
* طالب: لأيش يقول إحدانا الرسول (...)؟
* الشيخ: إي، لا، هذا شيء خاص، هذا أبو قتادة، لكن هذا شيء خاص.
* الطالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، هذا شيء خاص يعتبر.
﴿وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة ١٧٣] ﴿لَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ الخنزير معروف، والمراد بلحمه: جميع أجزائه، وإنما حرم؛ لأنه رجس، هكذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥].
الرجس أشد من النجس، وهو شامل للنجاسة الحسية والمعنوية، ولهذا يقولون: إن الخنزير مشهور بأكل العذرة النجاسات، وأنه مشهور بعدم الغيرة أيضًا يرى الذكر ينزو على أنثاه ويدك لها يعني يكيف على هذا، ومن تغذى بشيء تأثر به؛ ولهذا الأوربيون فاقدو الغيرة، يجي صاحبه ويمشي ويّاه ويأخذ برأس زوجته فيقبلها وزوجها يشاهد، ولا كأنه قبَّل إلا ولا طفله الصغير، وسواء كان هذه العلة أو لا، لكن يكفينا قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
(...) تعالى بيّن، بل حصر التحريم في هذه الأشياء: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وسبق أنه يستثنى من الميتة؟
* الطالب: الميتة؟ ميتتان: الجراد، ميتة الجراد، والسمك.
* الشيخ: نعم، هذا باعتبار أجناس الميتات، وما الذي يستثنى من الميتة نفسها؟
* الطالب: الميتة، حينما النبي ﷺ حرم الميتة.
* الشيخ: نعم، الانتفاع بها؟ أي: الانتفاع بها فيما لا يؤثر على عبادة الإنسان لا بأس به. وأيش معنى قولنا: فيما لا يؤثر على العبادة؟ أنه لو ادهن بدهنها فإنه لا يجوز؛ لأنه يستلزم أن يتنجس بدنه وثوبه، وهذا يخل بعبادته، لكن لو استعمل الدهن أو الشحم في دهن الجلود وطلي السفن والاستصباح، فهذا لا بأس به كما تقدم، ما هو الدليل على استثناء الميتتين؟
* الطالب: الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: ومن القرآن؟
* الطالب: إن الله ذكرها في هذه الآية، حصر المحرمات في هذه الآية.
* الشيخ: حصرها في هذه الآية؟!
* الطالب: قال في ميتة البحر في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة ٩٦].
* الشيخ: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ نعم، الشاهد؟
* الطالب: طعامه.
* الشيخ: طعامه، قال ابن عباس: «وما وُجد ميتًا »[[أخرجه الطبري في التفسير برقم (١٢٦٩٣) ط. مؤسسة الرسالة من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٠٠٠٧) من حديث محمد بن كعب القرظي بنحو هذا اللفظ. ]]. الدم، ما المراد به؟
* الطالب: الدم المراد به المسفوح الذي يخرج حال الحياة.
* الشيخ: ما الدليل على أنه مسفوح؟
* الطالب: تقييده في الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥].
* الشيخ: نعم، تقييده بقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. هل يستثنى منه شيء من الدم؟
* الطالب: ما خرج بعد خروج الروح.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وما اختلط بالأعصاب.
* الشيخ: إي، يعني ما ليس بمسفوح وهو الذي يخرج بعد ما تخرج الروح، الذي يكون في الحيوان بعد ما يُذكى، بعد ما يذكى لا بد؛ لأنه بعد ما تخرج الروح أخذ يشمل الميتة، بعد ما يُذكى.
* طالب: يا شيخ، تخرج الروح عن النفس لما ينحر النفس؟
* الشيخ: إيه؛ لأنه ما يمكن تخرج الروح إلا يقف الدم.
* الطالب: ما يميز الدم بعدما تخرج الروح؟
* الشيخ: هذا ما يظهر هذا، ما يعتبر مسفوحًا؛ لأنها ماتت.
* طالب: (...) يعني ما حكمها؟
* الشيخ: لا ما يكون هذا، كما أنه الذي يقع في لحم العروق (...).
* طالب: كيف فرقنا بين المتماثلين؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: وهو الدم، قلنا: أوله نجس، وآخره طاهر؟
* الشيخ: ما فرقنا بينهما؛ لأنه أوله وآخره كله نجس ما دام مسفوحًا، وهو ما يمكن يخرج إذا مات ما يتسرى، هذا يتسرى من العروق بعد الموت مثل اللي يبقى، ولهذا من علامة الحياة المنخنقة والموقوذة والمتردية من علامة حياتها أنها إذا ذُبحت ساح منها الدم، ساح منها الدم الأحمر، أما هذا فليس بدم مسفوح. قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ما المراد بلحمه؟
* الطالب: كله.
* الشيخ: كل ما احتواه جسمه، وإذا كان مطبوخًا؟
* الطالب: مطبوخًا ما يجوز.
* الشيخ: عام؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: هل يستثنى منه شيء؟
* الطالب: لا يستثنى.
* الشيخ: أبدًا؟
* الطالب: أبدًا.
* الشيخ: طيب صح. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة ٣] (الواو) حرف عطف، و(ما) اسم موصول في محل نصب معطوف على أيش؟
* طالب: حرم.
* الشيخ: لا.
* طالب: على الميتة.
* الشيخ: على الميتة؛ لأن العطف يكون على أول معمول للعامل، ولماذا لا يكون العامل على آخر ما عُطف؟ لأن المعطوف فرع، والفرع لا يتفرع عليه شيء، فإذا قلت مثلًا: أكرمت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا، فخالد ما يكون معطوف على بكر، وبكر على عمرو، وعمرو على زيد صح، كلها معطوفة على زيد؛ لأنه الأصل الذي وقع عليه عمل العامل، فيكون المعطوف على هذا الأصل لا على الفرع، عمرو وبكر فرع ولَّا أصل؟
* الطلبة: فرع.
* الشيخ: فرع، فلا يكون خالد معطوفًا على بكر.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة ٣] (أُهِلّ) الإهلال: رفع الصوت، ومنه حديث: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ صَارِخًا فَقَدْ وَرِثَ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٢٠) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣] وذلك بأن يذكر عليه اسم غير الله ولو ذبح لله مثل: أن يقول: باسم المسيح، أو: باسم محمد ﷺ، أو: باسم جبريل، أو: باسم ميكائيل، أو: باسم الوطن، أو: باسم القومية، أو: باسم الرئيس فلان، أو: باسم الملك فلان، كله يكون أُهِلّ به لغير الله، أو ذبح لجني، أو لشيطان، أو ما أشبه ذلك،
* طالب: ولو ذكر اسم الله؟
* الشيخ: ولو ذكر اسم الله معه. ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ بأن قيل: باسم فلان، هذا يكون حرامًا؛ لأنه شرك، وما كان شركًا فهو حرام ليس عليه أمر الله ورسوله، وما ليس عليه أمر الله ورسوله فهو ردّ باطل، فلا يكون حلالًا، إذا أُهل به لغير الله ولله بأن قال: باسم الله وباسم نبيه؟
* الطلبة: ما يحل.
* الشيخ: ما يحل أيضًا؛ لأنه أُهل به لغير الله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وعلى هذا فلا يحل ما أهل به لغير الله ولله. ما أهل به لله مرادًا به غير الله بأن ذُبح للصنم وقال: باسم الله؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: فإنه لا يحل، لكن ما يؤخذ من هذه الآية، يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣]. ويحتمل أن يكون- وهو بعيد أن يكون- معنى ما ذبح على النصب ما أهل به لغير الله ولكنه بعيد؛ لأن الله جمع بينهما في آية واحدة، والجمع يقتضي المغايرة، قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣].
مع أنه قال في أثناء الآية: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إذن ما ذبح لغير الله ولو ذكر اسم الله عليه وحده فهو حرام، وهل منه أن أذبح هذه الذبيحة للضيف؟
* طالب: لا.
* الشيخ: كيف؟
* طالب: نعم، لغير الله.
* الشيخ: ذبحتها لغير الله لضيفك!
* طالب: لا (...).
* الشيخ: نعم، أنا ذابحها له.
* الطالب: إذا كان قاصدًا فيها أن يكرم الضيف فلا يدخل فيها.
* الشيخ: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل ما فيه شك، كما لو ذبح هذه الذبيحة لأولاده ليأكلوها، هل هي حرام؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، وإن ذكر بذلك التقرب إليه وتعظيمه تعظيم عبادة؛ فإنه حرام كالمذبوح على النصب تمامًا، وقد كان بعض الناس -والعياذ بالله- إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين ذبائح تعظيمًا له لا ليأكلها لكن تذبح أمامه، ثم تترك للعالم، هذا يكون قد ذُبح على النصب ولو ذكر اسم الله فهو حرام.
* طالب: اللي يعتقد كما فعل (...)؟
* الشيخ: تقدم لنا في باب التوحيد أنه لا يذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله، أما إذا ذبح بمكان لاختصاصه بسبب معين كما لو كان أكثر فقراء، أو كان ذبح هنا لقرابة له فيه؛ بمعنى لا يختص بالبقعة ولا يختص بصنم أو ما أشبه ذلك فلا بأس.
* طالب: الهجر داخل في هذا؟
* الشيخ: الهجر أيش؟
* الطالب: الهجر ما هو موجود عندكم يعني إذا اختلف بعض الناس وأصلح بينهم بعض الناس يعني وأراد الثاني أن يذبح له هو الآخر ذبيحة يعني يسوقها إلى بيته ويذبحها عند البيت؟
* الشيخ: لا ما فيها بأس.
* طالب: (…)؟
* الشيخ: ما فيه بأس.
* طالب: شيخ، فيه عندنا إذا مثلًا اتأخر يعني في حصول شيء يذبحون ويجيبوا الناس يتحللوا وكده عشان يكون ربنا ينزلهم الرزق، هل هذا سليم؟
* الشيخ: صدقة يعني؟
* الطالب: إيه.
* الشيخ: والله هذه ما فيها بأس، لكنها بدعة.
* الطالب: وهم للموتى؟
* الشيخ: لا، بدعة هذه لا تحمد.
* طالب: حتى يا شيخ لو كان قريبًا.
* الشيخ: لا هذه من البدع وإلا الصدقة لا شك أنها تجلب الخير، إنما كونه يذبح ذبائح ويكون لها يعني شهرة ودعوة؛ هذه من البدع، لكن كون الإنسان يتصدق بصدقة خفية مثلًا فهذا لا بأس به؛ وهو من أسباب الخير.
* طالب: شيخ، الكلمة الأخيرة له يقول: وللموتى.
* الشيخ: لا، هذا ما ينفع للموتى.
* الطالب: يعني للموتى الثواب؟ يذبح للموتى؟
* الشيخ: لا، هذا إذا كان للموتى على سبيل التعبد والتعظيم وهو ما يجوز يتقرب بها إليهم، أما إذا كان للميت لينتفع بها بثوابها.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، بثوابها، هذه ما فيها شيء.
(...) من هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان حيث وجه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الأكل من طيبات ما رزق الله لقوله: ﴿كُلُوا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: ويدل بالمفهوم على أن الخبائث لا يؤكل منها لقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧].
* ومن فوائدها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله عز وجل، من أين يؤخذ؟
* طالب: كلوا.
* الشيخ: لا، توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله لقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. فإذا كان هذا الرزق من الله سبحانه وتعالى فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بفعلها.
* ومنها: وجوب الشكر لله لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾.
* ومنها: وجوب الإخلاص له في ذلك، من أين تؤخذ؟ من اللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾.
* ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة، ويؤخذ من تقديم المعمول من قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
* ومنها: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده من وجهين:
أولًا: من أمره إياهم بالأكل؛ لأن في الأكل حفظًا لصحتهم.
وثانيًا: من قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فإن الرزق -بلا شك- من رحمة الله، فيستفاد من هذه الآية إثبات رحمة الله عز وجل.
* طالب: الوجهين، ما هما؟
* الشيخ: الوجهين: الأمر بالأكل لما فيه من حفظ البدن، وقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
ومنها: الرد على الجبرية؟
* طالب: ﴿كُلُوا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿كُلُوا﴾، ﴿وَاشْكُرُوا﴾، و﴿تَعْبُدُونَ﴾، كل هذه أضيفت إلى فعل العبد فدل هذا على أن للعبد فعلًا يُوجه إليه الخطاب بإيجاده، ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إلى العبد بإيجاده من تكليف ما لا يُطاق.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣].
قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ما محل (ما) من الإعراب؟
* طالب: اسم موصول مبتدأ.
* الشيخ: مبتدأ؟ توافقونه؟
* طالب: لا.
* الشيخ: في الأمرين جميعًا؟
* طالب: لا، الأول اسم موصول.
* الشيخ: والثاني؟
* الطالب: معطوفة على ما سبق.
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: على قوله: الميتة والدم ولحم الخنزير.
* الشيخ: على كل الثلاثة؟
* الطالب: إي نعم.
* طالب آخر: على الأول، العطف يكون على الأول.
* الشيخ: الأول، إي نعم، معطوفة على الأول، فهي في محل نصب إذن. ما معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟
* طالب: من الإهلال، وهو رفع الصوت، و﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ذبح أو كل ما عمل بشيء لغير الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إيه، وأيش معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟
* طالب: أي يذكر عليه اسم غير الله.
* الشيخ: نعم، ذكر عليه اسم غير الله بأن قيل: باسم الرسول، باسم النبي، باسم جبريل، باسم ميكائيل، أو ما أشبه ذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ عندي في قوله: ﴿فَمَنِ﴾ قراءتان: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ و﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ بضم النون، أما قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ على هذه القراءة فالأمر فيها واضح، للتخلص من التقاء الساكنين، وأما الضم فمن أجل الإتباع لضمة الطاء ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ أسهل من قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ففيها قراءتان، وقوله: ﴿مَنْ﴾ هنا شرطية، والفعل بعدها فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، وقوله: ﴿اضْطُرَّ﴾ اسم مفعول، ولا تستعمل إلا اسم مفعول في مثل هذا الأمر في مثل هذا السياق، ما يصح أن أقول: اضطَرَّ؛ لأن اضطر أوقع غيره في ضرورة، واضطُرّ وقع في الضرورة، فمعنى اضطُرّ؛ يعني ألجأته الضرورة، والضرورة فوق الحاجة، الحاجة كمال، والضرورة لا بد منها. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي ألجأته الضرورة لأي شيء؟ للأكل؛ لأنه جاء بعد قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ يعني فما ألجأته الضرورة إلى أكل هذا المحرم، لكن بشرطين بل بثلاثة شروط إذا جعلنا الضرورة شرطًا فبثلاثة شروط: أن يوجد ضرورة، وأن لا يكون باغيًا، ولا عاديًا ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ ونحن نريد أن نعرب (غيرَ) فنقول: هي منصوبة على الحال من نائب الفاعل في قوله: ﴿اضْطُرَّ﴾. ونريد من رشاد أن يعرب لنا ﴿بَاغٍ﴾؟
* الطالب: مضاف إليه.
* الشيخ: كمِّل.
* الطالب: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
* الشيخ: مجرور بالإضافة، وعلامة جره؟
* الطالب: الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة على آخره، هل توافقونه على هذا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يوافقون.
* الطالب: فيها ياء محذوفة هي أصلها باغي.
* الشيخ: إذن علامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل، والتنوين هنا يسمونه تنوين عوض عن حرف، ومثلها ﴿عَادٍ﴾.
قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ اختلف المفسرون في: الباغي والعادي؛ فقيل: الباغي هو الخارج على الإمام، وهم البغاة، والعادي: العاصي بسفره، المعتدي الذي عصى بسفره فسافر سفرًا محرمًا، هذا الباغي والعادي فهمتم يا جماعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الباغي: هو الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره، فهذان لا يحل لهما أكل الميتة ولو اضطرا إلى ذلك؛ لأنه لا بد من الشرطين: ضرورة انتفاء البغي، انتفاء العدوان، فإن كان باغيًا أو عاديًا لم يحل له أن يأكل ولو مات؛ لأن الله تعالى اشترط غير باغٍ ولا عادٍ؛ ولأنه ليس أهلًا للرأفة والرحمة حتى يُرحم فإن الخروج على الإمام محرم، وسفر المعصية أيضًا محرم؛ ولأنه يمكنه التخلص من هذا المحرم حتى يباح له الأكل بماذا؟
بالتوبة والإقلاع؛ فينوي أنه تائب ويقلع عن هذا، ويكون ذلك سببًا يبيح له أكل الميتة، أفهمتم؟ وقال بعض أهل العلم: المراد بالباغي: الطالب لأكل الميتة، والعادي: المتجاوز للحد المباح له؛ يعني الذي يأكل زائدًا على الضرورة؛ فالعادي من الزيادة، والباغي من الطالب؛ يعني ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي غير طالب لأكل الميتة، ولا عادٍ في أكلها بحيث يأكل أكثر من ضرورته، وعلى هذا الرأي تكون الحال هنا شبه مؤكدة لعاملها؛ لأنه في الحقيقة ما فيه ضرورة إلا إذا كان لا يريد أكل الميتة ولا يزيد على ما يحتاج إليه، فإن الإنسان إذا لم يضطر وذهب يأكل الميتة نقول: هذا باغٍ، إذا اضطر وأكل أكثر من ضرورته نقول: هذا عادٍ، هذا القول يضعفه أن الأصل في الحال التأسيس، ويقويه أن هذا القرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة ٣]؛ لأن قوله: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ تُفسر قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ لأن الذي لا يأكل إلا في المخمصة ما ابتغى أكل الميتة، والذي غير متجانِف لإثم، والذي يتجانف لإثم معلوم أنه وقع في العدوان فلا يمكن أن يحل، وهذا القول بهذا التأييد في الآية الأخرى يكون أصح أن المراد غير باغٍ أيش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا، غير باغٍ؛ أي مُبتغٍ لأكل الميتة، قد تقولون: هل أحد يبتغي أكل الميتة؟ نقول: نعم، يمكن، يمكن واحد تموت له شاة طيِّبة كثيرة اللحم، ويأسف عليها ويتحسف بها ويجي عنده ضيوف ويقدمها لهم، يمكن، هذا يعني نحن- والحمد لله- بطبيعتنا وبإيماننا -والحمد لله- نكره هذا، لكن فيه ناس يأكلون الميتة، في الجاهلية يأكلون الميتات، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام ١٣٩]. وإن كانوا ميتة فهم فيه شركاء ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام ١٣٩]. وسمعت أنه يوجد ناس الآن منها هالكفار اللي في البلاد يأكلون الميتة، ويأكلون الحمير، ويأكلون الكلاب، ويأكلون القطط وما هو بغريب، فالمهم أنه ربما يقع هذا الشيء، والله سبحانه وتعالى أباح لنا الميتة إذن بثلاثة شروط: الضرورة. والثاني: أن لا يكون مبتغيًا طالبًا لها. والثالث: أن لا يكون متجاوزًا للحد الذي تندفع به الضرورة.
وبناء على هذا هل له أن يأكل حتى يشبع؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، وقيل: له أن يأكل حتى يشبع إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب، وهذا هو الصحيح، ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأخذ معه شيئًا منها يأكل الآن ما يصد رمقه ويأخذ شيئًا منها يحمله معه إن اضطر إليها أكل وإلا تركه لكان هذا أيضًا قولًا جيدًا.
بقي أن نقول: هذه الميتة إذا أكل الإنسان منها في حال الضرورة، فكيف تنقلب طيبة مع أنها رجس كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]؟ فكيف أنها تكون طيبة لمجرد الضرورة إليها؟
فالجواب من وجهين، أو من أحد الوجهين؛ الوجه الأول: أن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة؛ مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل، ثم كانت خبيثة، خبيثة لا تؤكل، ومثل ما كان عصير العنب قبل أن يتخمر طيبًا يؤكل ويُشرب، فإذا تخمر صار خبيثًا، وعينه هي هي، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء، فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطُر عبده إليها يجعلها طيبة، هذا وجه.
الوجه الثاني أن نقول: هي ما زالت على كونها خبيثة، لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة، وتكون الضرورة واقية من مضرته، فملابستها للضرورة مباح، وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية له.
وأظن الوجهين بينها فرق ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: بينهما فرق؛ لأنه على الوجه الأول انقلبت من الرجس إلى الطهارة، وعلى الوجه الثاني باقية، لكن هناك ما يقي مضرتها، وهذا ربما يكون أقرب إلى المعقول؛ أن خبثها باقٍ لكن الضرورة إليها أباحتها، ووقَت من المضرة من ضررها، ويؤيد هذا المعنى الحسي فإن النفس كلما كانت أشد طلبًا للشيء كان هضمه سريعًا بحيث لا يتضرر به الجسم، وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعامًا على طعام ما متى تهضم الثاني والأول يتأخر مع ما يحصل فيه من الضرر، لكن إذا أكلت طعامًا جائعًا فإنه ينهضم بسرعة وتقبله النفس ولقوة الطلب النفسي يكون هذا الخبث زائلًا ضرره، ويشهد لهذا أيضًا «ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر، فأكل منه النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «تَأْكُلُهُ وَأَنْتَ أَرْمَدُ؟»[[أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٣)، وأحمد (١٦٥٩١، ٢٣٤٨٠) من حديث صهيب بنحوه.]]؛ لأن المعروف أن الأرمد ما يأكل التمر توجع عينه زيادة، فقال: يا رسول الله، أمضغه مع الجانب الثاني؛ يعني مثلًا إذا كانت اليمنى أمضغ مع اليسرى، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ومكنه.
قال ابن القيم رحمه الله: إن الحكمة في أن الرسول يمكنه مع أنه مجتهد أن هذا ضرر؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول به الضرر ينهضم سريعًا ويتفاعل مع الجسم ويروح ضرره، فالحاصل الآن فهمنا أن الميتة إذا اضطر الإنسان إليها غير باغ ولا عاد، أين جواب من؟ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، هذه جواب (مَنْ)، وقرن بالفاء؛ لأن الجملة اسمية، وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية وجب قرنه بالفاء. ﴿إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ نحن ما نتذكر إن (لا) تنصب الاسم؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وأيش هي؟
* الطلبة: نافية للجنس.
* الشيخ: نافية للجنس؟ تنصبه، ويُبنى معها على ما يُنصب به إذا كان مفردًا، وخبرها عليه هنا ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: فلا عقوبة عليه، أو: فلا جناح.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا تعليل للحكم، الحكم انتفاء الإثم، العلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿غَفُورٌ﴾ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، هو ورد أنه من صيغ المبالغة (فعول)؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أين الشاهد من كلام ابن مالك؟
* طالب: قوله:
فُعُولَةٌ فَعَالَةٌ لِفَعُلَا ∗∗∗ كَسَهُلَ الْأَمْرُ وَزَيْدٌ جَزُلَا
* الشيخ: إيه، أنتم في واد وهذا البيت في واد.
* الطالب: قريبة من هذا.
* الشيخ: لا، ما هو بهذا، هذه أبنية المصادر، هي ما هي في أبنية المصادر هو قالها في أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين:
فَعَّالٌ اوْ مِفْعَالٌ اوْ فَعُولُ ∗∗∗ فِي كَثْرَةٍ عَنْ فَاعِلٍ بَدِيلُ
الشاهد قوله: (أو فعول). ﴿غَفُورٌ﴾ إما أن نقول: إنها صيغة مبالغة لكثرة مغفرته سبحانه وتعالى، وكثرة من يغفر له، فالكثرة هنا واقعة في الفعل وفي المحل، كيف في الفعل وفي المحل؟ الفعل اللي هو فعل الله عز وجل، وكثرة توبته على عبده، وفي المحل كثرة المغفور لهم، وقد تكون صفة مشبهة. وقوله: ﴿رَحِيم﴾ كذلك. و﴿الْغَفُور﴾ مأخوذ من (الغَفْر)؛ وهو الستر مع الوقاية، وليس الستر فقط بل الستر مع الوقاية، ومنه سمي المغفر الذي يُغطى به الرأس عند الحرب؛ لأنه يتضمن الستر والوقاية، ويدل لذلك قوله سبحانه وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن وحاسبه قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. وقوله: ﴿رَحِيم﴾ صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه تعالى الذاتية؛ ذاتية فعلية، فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية، وباعتبار تجدد ما يرحمه الله صفة فعلية، ولهذا علقها الله بالمشيئة في قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١].
فهي صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وأهل التأويل، والأصح أن نسميهم (أهل التحريف) يقولون: إن الرحمة غير حقيقية، وأن المراد برحمة الله: إحسانه أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة وإما بالفعل، وهذا لا شك أنه خطأ، وحجتهم أنهم يقولون: إن الرحمة رقة ولين، والرقة واللين لا تناسب عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة مَنْ؟
* الطلبة: المخلوق.
* الشيخ: المخلوق، إنها رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها تليق به سبحانه وتعالى.
* طالب: شيخ، النجاسة (...) حسية أو معنوية؟
* الشيخ: حسية، نجاستها حسية.
* الطالب: المعنوية اللي (...) على المضطر وغير المضطر.
* الشيخ: لا، هذه الحمير نجاستها حسية، وإذا اضطر الإنسان إليها أكلها.
* طالب: بالنسبة إلى الضفادع إذا كانت ميتة؟
* الشيخ: الضفادع ما تحل.
* الطالب: لا، غير الضفادع، إذا كانت تعيش في البر والبحر ووجدت في البر مقتولة ميتة؟
* الشيخ: تُعطى حكم البر، اللي يعيش في البر وفي البحر يُعطى حكم البر تغليبًا لجانب الحضر.
* طالب: قالوا يا شيخ مثلًا في عروسة البحر؟
* الشيخ: مَن زوجها؟!
* الطالب: ليس لها زوج، ذكر أهل العلم أنها تكون في بحر قزوين، ولو يا شيخ هذه، كيف؟
* الشيخ: هذه إذا وجدتها فاحتفظ بها وكلها.
* الطالب: يعني تكون آدمية مثل السمك؟
* الشيخ: إي نعم، نحن سمعنا هكذا، سمعنا أنه يوجد سمك على شكل آدميين، على شكل الآدميات وأنهن بعد جميلات جدًّا.
* الطالب: تأكلها؟
* الشيخ: إيه تأكلها.
* طالب: ما يشبه الآدمي؟
* الشيخ: وأيش فيها؟
* الطالب: إذا اضطر إليها؟
* الشيخ: إذا اضطر إليها فاختلف فيها أهل العلم، وهذه تأتي بالفوائد، فالمشهور عند الحنابلة: أنه ما يجوز أن يأكلها ولو اضطُر، وقالت الشافعية: إنه يجوز أكلها عند الضرورة وهو الصحيح.
* طالب: أقول: حتى المحرم مثل الكلاب والحمير؟
* الشيخ: ما هو بلحم الخنزير؟
* الطالب: لحم الخنزير يحل؟
* الشيخ: يحل؟! هذا اللي معنا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة ١٧٣] وأيش بعده؟
* الطلبة: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣].
* طالب: أظنها يعني تعود على الأول كله معطوفات على الأول؟
* الشيخ: إيه؟ إنه محرمات.
* الطالب: لا، قصدي غير باغٍ ولا عاد ما هو بالميتة خاص، ولا فيهم كلهم؟
* الشيخ: لا، حتى اللي في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فيها لحم الخنزير، المهم كل المحرمات إذا كانت تزول بها الضرورة فهي مباحة، وقولي: إذا كانت تزول بها الضرورة احترازًا مما لا تزول به الضرورة، كما لو اضطر الإنسان إلى أكل السم يجوز يأكل؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: أسهل للقتل والموت، ولو اضطر الإنسان لعطش إلى الخمر عطشان وعنده جرة خمر؟
* طلبة: يشرب.
* طلبة آخرون: ما يشرب.
* الشيخ: لا يشربها، لا يشربها يقولون: لأن الخمر يزيد العطش، فلا يشربها، لكن لو اضطر إلى الخمر لدفع لقمة غص بها، شوف العلماء رحمة الله عليهم كيف! يقول: لو غص بلقمة ولا عنده شيء يشربه إلا جرة خمر فإنه يشرب لدفع اللقمة فقط، إذا اندفعت يقف.
* طالب: يا شيخ، إذا رأيت غاصًّا يشرب؟!
* الشيخ: لا، أعوذ بالله! أخاف إذا راح يتغصص يشرب غاص ولا عاد ينفعه!
* طالب: فضيلة الشيخ، الزنا، إذا اضطر؟
* الشيخ: ما فيه ضرورة هذا، الزنا ما فيه ضرورة أبدًا، يعني غاية ما هنالك ثوران الشهوة، ويمكن تخفيفها بأسباب أخرى.
* طالب: يجوز تخفيف الشهوة بأسباب أخرى؟
* الشيخ: إي نعم، عند الضرورة، نعم، عند الضرورة.
* طالب: شيخ قيد الخنزير بلحم أيش مفهومه؟
* الشيخ: تقدم.
* طالب: إذا أطلق يشمل الجميع.
* الشيخ: تقدم إذا أطلق اللحم؛ فالمراد به كل ما في هذا الجسد من الحيوانات.
* الطالب: وأيش معنى التقييد؟
* الشيخ: ما فيه تقييد.
* الطالب: (...) الميتة أفضل؟
* الشيخ: الميتة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: الميتة لأن أصلها حلال.
(...) أنصاري وأنصار؛ لأن اللي ينسب لأبي حنيفة يقال: حنفي، والحنفي.
* طالب: يقولون: إنه ليس أحنف، يعني الأحناف؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح، أحناف مثل: أنصاري وأنصار، حنفي وأحناف ما فيها شيء.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أين التفسير؛ القول الأول ولَّا الثاني؟
* الشيخ: لا، الأرجح الثاني.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤].
الجملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ مكونة من (إن) الدالة على التوكيد و(الذين) اسمها، و﴿أُولَئِكَ﴾ (أولاء): مبتدأ. و﴿مَا يَأْكُلُونَ﴾ الجملة خبره، والجملة من المبتدأ وخبره خبر (إن).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يكتمون بمعنى: يخفون، والإخفاء يكون عند السؤال، وعند عدم السؤال، فمتى دعت الحاجة إلى بيان العلم بسؤال أو بغيره وجب على من عنده علم أن يبينه ويظهره.
وقوله: ﴿يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الكتاب المراد به؛ إما أن تكون (أل) للعهد، أو (أل) للجنس، فإن قلنا: للعهد؛ فالمراد بها التوراة، ويكون المراد بالذين يكتمون: اليهود؛ لأنهم كتموا صفة النبي ﷺ، وإن قلنا: بأن (أل) للعموم شمل جميع الكتب؛ التوراة والإنجيل وغيرهما، ويكون الذين يكتمون يشمل اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا أرجح لعمومه. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أنزله على رسله، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٥]. فكل رسول فإن معه كتابًا من الله عز وجل يهدي به الناس.
وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤] يشترون يعني يأخذون. ﴿بِهِ﴾ أي: بما أنزل الله، ويجوز أن يكون الضمير عائدًا على الكتم؛ يعني يشترون بهذا الكتم. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هذا الثمن ما هو؟ هل هو المال أو الجاه؟ الحقيقة أن كلًّا منهما يصح أن يكون ثمنًا، ويصح أن يكون مرادًا لولا أن قوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤] تُرجح أن المراد به المال.
وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني يُعطون مالًا ويُقال: اكتموا هذا العلم، لا تبينونه، اسكتوا عن بيانه، وهذا واقع من اليهود والنصارى، ومن هذه الأمة أيضًا، فإن من أهل العلم من يكتم العلم من أجل الدنيا فيشتري به ثمنًا قليلًا. طيب ولو اشترى ثمنًا كثيرًا؟
* الطلبة: فهو قليل.
* الشيخ: فهو قليل، فهو بالنسبة إلى الآخرة قليل، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة ٣٨] عقوبة هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾. ما يأكلون إلا النارَ؛ (النارَ) مفعول (يأكلون)؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ يعني هؤلاء ما يأكلون إلا النار، وتأمل كيف جاءت العقوبة في الجملة الاسمية، وأيش الأجل؟
ثبوت هذه العقوبة واستقرارها فكأنها كُررت مرتين لو كانت الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ- استقام الكلام، لكن ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ﴾ أُعيد المبتدأ مرة ثانية فكأن الجملة مكررة.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد ولا للقريب؟
* الطلبة: للبعيد.
* الشيخ: للبعيد، هل هي لعلو مرتبتهم أو لبعد مرتبتهم والنفور منها؟
* الطلبة: للبعد.
* الشيخ: نعم، للبعد منهم، والتنفير منهم، وليس لعلوهم كما في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢] لا، فهذا لدنو المرتبة والبعد عنهم. وقوله: ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ كيف إلا النار؟
نقول: نعم، هذا المال يتجرعونه نارًا والعياذ بالله، هو الآن مو هو بنار، الآن أكل وشرب، لكنه يوم القيمة يكون نارًا، وهذا كثيرًا ما يعبر الله سبحانه وتعالى بالنار عن شيء من الأفعال، الرسول ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥ / ١) من حديث أم سلمة.]]. وقال في الذي لبس ذهبًا وهو رجل: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ فَيُلْقِيهَا فِي يَدِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٩٠ / ٥٢) من حديث ابن عباس.]]. وقال: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١ / ٢٦) من حديث ابن عمرو بن العاص.]]. حين فرطوا في غسلها. وقال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٨٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن هذا العمل مخالفة لأمر الله ورسوله ومعصية فاستحق العقوبة بالنار.
قوله: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ يعني معنى هذا أنهم يُجرّعون هذه الأشياء يوم القيمة نارًا. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يكلمهم؛ يعني تكليم رضا؛ فالنفي هنا ليس نفيًا لمطلق الكلام، ولكنه للكلام المطلق الذي هو كلام الرضا، ولا يمنع أن يكلمهم كلام توبيخ كما في قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨].
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ نعم ما يُزكون يوم القيمة؛ لأن المؤمنين يُزكون ويشهد لهم بالتزكية، يزكيهم الله عز وجل فيقول: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] فيكون مغفورًا له، كذلك أيضًا يُزكّون بأنهم أخذوا كتابهم بأيمانهم؛ لأن أخذ الكتاب باليمين أو إعطاء الكتاب باليمين تزكية، لكن غير المؤمنين لا يُزكون، يأخذون كتبهم بالشمال، ويُنادى على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (فَعِيل) هنا بمعنى (مُفْعِل) مُؤلم؛ أي: موجع، والعذاب هو النكال والعقوبة (...).
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣].
مناسبة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٧٢]. فلما أمر بالأكل من الطيبات بيَّن ما حرم علينا من الخبائث، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله؛ أربعة أشياء، تحريم هذه الأشياء الأربعة.
* ومن فوائدها: أن التحريم إلى الله لقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾. والمحرم هو الله عز وجل؛ وهو المحلِّل.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهل به لغير الله، من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿إِنَّمَا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّمَا﴾ لأنها أداة حصر، لكن هذا الحصر قد بُيِّن أنه غير مقصود؛ لأن الله حرم في آية أخرى غير هذه الأشياء أو لا؟ حرم ما ذبح على النصب وليس داخلًا في هذه الأشياء، «وحرم النبي عليه الصلاة والسلام كل ذي ناب من السباع[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢ / ١٢) من حديث أبي ثعلبة.]] وكل ذي مخلب من الطير[[أخرجه مسلم (١٩٣٤ / ١٦) من حديث ابن عباس.]] وليس داخلًا في هذه الأشياء، وحرم النبي عليه الصلاة والسلام الحمر الأهلية[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦ / ٢٣) من حديث أبي ثعلبة.]] » وليس داخلًا في هذه الأشياء، إذن فيكون هذا الحصر قد بُيِّن انفكاكه في القرآن، وأيش بعد؟
* الطلبة: والسنة.
* الشيخ: والسنة.
* من فوائد هذه الآية: تحريم جميع الميتات لقوله: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ و(أل) هذه للعموم إلا أنه يُستثنى من ذلك السمك والجراد؛ يعني ميتة البحر، والجراد للأحاديث الواردة في ذلك، ويستثنى من الميتة؟
* طالب: الجلد.
* الشيخ: الجلد؟! ولكنه الصحيح أنه لا يستثنى؛ لأنه غير داخل في ذلك، غير داخل في التحريم، المحرم هنا أيش؟
* الطلبة: الأكل.
* الشيخ: الأكل؛ لأنه قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣ / ١٠٠) من حديث ابن عباس.]]. وعلى هذا فلا يُستثنى من هذا شيء أو لا؟ نعم ما يستثنى.
ويستفاد من هذه الآية: تحريم الدم لقوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾. وهو هنا مطلق، لكنه قُيد في سورة الأنعام بالدم المسفوح، وعلى هذا فيكون إطلاق هذه الآية مقيدًا بسورة الأنعام؛ يعني الدم المسفوح، وبناء على هذا القيد يستفاد منه: أن الدم الذي يبقى بعد خروج الروح بالحيوان المذكى، حلال ولَّا لا؟
* الطلبة: حلال.
* الشيخ: حلال.
* ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم لحم الخنزير لقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، وهو شامل لشحمه وجميع أجزائه، وليس من باب العموم المعنوي، بل هو من باب العموم اللفظي لحم الخنزير؛ لأن اللحم يطلق على كل ما يؤكل من الحيوان، وإن كان بعضه عند القرن أو عند الاقتران يخرج منه، فإذا قلت: لحم وشحم صار اللحم غير الشحم، وإذا قلت: لحم وكبد صار الكبد غير اللحم، وعند الإطلاق يشمل الجميع.
* ومن فوائد الآية: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه، من أين؟
* الطلبة: ﴿مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: تحريم ما ذُبح لغير الله، ولو ذُكر اسم الله عليه، مثل من يقول: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا للصنم الفلاني؛ لأنه أُهل به لغير الله أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: * ومن فوائد الآية: أن الشرك يُؤثر حتى في الأعيان، هو نجاسة معنوية، لكن يؤثر حتى في الأعيان، هذه البهيمة التي أهل لغير الله بها وأيش تكون؟
* طالب: نجسة، محرمة.
* الشيخ: نجسة، خبيثة، محرمة، والتي ذكر اسم الله عليها طيبة، حلال. تأمل قدر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوس، وهو جدير بأن يكون كذلك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨].
لو أنه مو بنجاسة، بدنهم ما هو نجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي وفساد عقيدته وطويته صار مؤثرًا حتى في الأمور المحسوسة.
* ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله، من أين نأخذه؟
* الطالب: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: عند الإخلاص تكون الذبيحة طيبة، وعند الشرك تكون الذبيحة خبيثة.
* الشيخ: نعم، صح.
* ومن فوائد الآية: أن الضرورة تبيح المحظور لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. من قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
* ومنها: لكن هذه الضرورة لاحظوا أنها تبيح المحرم بشرطين:
الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناوله.
والشرط الثاني: زوال الضرورة به بحيث يندفع الضرر. أنتم فاهمين؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يشترط شرطان: الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا به. والثاني: زوال الضرورة به.
إنما قلنا ذلك لئلا يورد علينا مورد مسألة التداوي بالمحرم، التداوي بالمحرم بعض العلماء أو بعض العوام يظنون أنه من باب الضرورة، وأن الإنسان إذا اضطر إلى التداوي بالمحرم حل له، نقول: هذا ما هو صحيح لسببين: لأن كلا الشرطين منتفي، أو لا؟ كلها منتفيات في باب التداوي كيف ذلك؟
لأن صدق الضرورة غير موجود؛ إذ يمكن أن يتداوى بشيء مباح، ويمكن أن يُشفى بدون تدواي، ما هو بظاهر؟
ثانيًا: هل إذا تداوى بهذا المحرم تندفع ضرورته؟ يمكن يشفى ويمكن يموت ما هو على كل حال، وليس هذا من جنس الأكل اللي ما عنده إلا ها الميتة، ما عنده غيرها، هذا نعلم أنه إذا أكل منها تندفع ضرورته، أو لا؟ ونعلم أنه ما دام ما عنده غيرها مضطر، فبينهما فرق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رحمة الله عز وجل، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن هذا من رحمة الله بالعبد أن أباح له المحرم لدفع ضرورته.
* ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها، من أين نأخذها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نحن ذكرنا أثناء الشرح وجهين وهما: هل هذه الأعيان انقلبت طيبة أو هي باقية على خبثها، لكنها أُبيحت للضرورة؛ ولأن النفس لشدة حاجتها إليها تهضمها وتقبلها حتى لا تتضرر بها؟ ذكرنا في هذا قولين لأهل العلم أو وجهين، وقلنا: إن كليهما حق، فكما أن الحمير كانت بعد أن كانت حلالًا طيبة صارت بتحريمها رجسًا، صارت رجسًا نجسة، وهي أمس هذا الحمار حلال طيب واليوم صار حرامًا خبيثًا، والله على كل شيء قدير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم.
* ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة الأئمة من أن أسماء الله سبحانه وتعالى المتعدية يستفاد منها: ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها. مو قلنا: الأسماء المتعدية تتضمن الاسم والصفة والأثر اللي هو الحكم، العلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر وهو الحكم؛ لأنه لكونه غفورًا رحيمًا غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته ورحمه بحلها. فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله عز وجل تدل على الذات والصفة والحكم، على الذات اللي هو الاسم؛ على الاسم والصفة والحكم، كما أقر ذلك أهل العلم رحمهم الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تناول المحرم فهو آثم بدون عذر من أين نأخذها؟
* الطلبة: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فعُلم منه أنه إذا كان غير مضطر فعليه الإثم.
* ومن فوائدها عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص، من أين تؤخذ على هذا الرأي؟ من قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فإنهم قالوا: إن المراد بالباغي: الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره. وقالوا: إن العاصي بسفره أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخص من رخص السفر؛ فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، جميع رخص السفر ما تحل له، ولا يفطر في رمضان، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وقد أشرنا إليه فيما سبق.
* طالب: شيخ، تحريم قتل النفس مثل الإنسان يجب عليه أن يأكل (...) ضرورته؟
* الشيخ: ما هو بواضح؛ لأن الآية فيها الإباحة، لكن قد يقال: إنه يستفاد من إباحة المحرم وجوب تناوله؛ لأن المحرم ما يُنتهك إلا بواجب. وهذه قاعدة ذهب إليها بعض أهل العلم، قال: إن المحرم إذا انتُهك فهو دليل على الوجوب، لكنها ما هي مطردة في الحقيقة مثل ما قالوا في وجوب الختان، بعض العلماء أخذوا وجوبه من هذه القاعدة، قالوا: إن الأصل أن قطع الإنسان شيئًا من بدنه حلال ولَّا لا؟
* طالب: حرام.
* الشيخ: حرام، والختان قطع شيء من بدنه، ولا يُنتهك المحرم إلا بواجب، فقرروا وجوب الختان من هذه القاعدة، لكنها ما هي مطردة تمام الاطراد، ولهذا مثلًا يجوز للمسافر أن يفطر، والفطر انتهاك محرم، مع أن الفطر ليس بواجب؛ فهي ما هي مطردة اطرادًا بيِّنًا.
* طالب: أقول: عندهم دليل على ما يترخص العاصي في سفره؟
* الشيخ: ذكرنا فيما سبق يا أخي؛ قلنا: شيخ الإسلام يرى أنه لا فرق بين العاصي بسفره وغير العاصي؛ لأن هذه الأحكام عُلقت بالسفر، والعاصي يأثم، وأحكام السفر باقية.
* طالب: بالنسبة لذبائح أهل الكتاب بأي طريقة تكون تحل للمسلمين ولمن؟
* الشيخ: بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥].
* الطالب: بالنسبة يعني لذبائحهم؛ يعني هم لهم طريقة غير طريقة المسلمين.
* الشيخ: «طعامهم ذبائحهم. » كما قال ابن عباس رضي الله عنه[[أخرجه الطبري في التفسير (٩ / ٥٧٨).]].
* الطالب: أقصد إذا ذبحوا بطريقة غير الطريقة الإسلامية؟
* الشيخ: إذا أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه حل.
* الطالب: يشترط ذكر اسم الله عليه؟
* الشيخ: لا بد من اسم الله نعم.
* الطالب: لو بطريقة يعني لو ضربوها مثلًا ضربة معينة؟
* الشيخ: لو ضربوها ضربة معينة ولما غُشي عليها ذبحوها حلّت.
* الطالب: ما ذبحوها، ما ذبحوا الذبح المعروف؟
* الشيخ: وأيش لون ذبحوها؟ كيف ذبحوها؟
* الطالب: بالظفر مثلًا.
* الشيخ: بالظفر؟ بالظفر ما تحل؛ لأن الرسول استثناها قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]].
* الطالب: إذا كانت هذه طريقتهم؟
* الشيخ: ما تحل، لكن وأيش يذبحون الشاة بظفورهم؟
* الطالب: لا، مو شاة، دجاجة.
* الشيخ: ما تحل.
* طالب: يا شيخ، المسلم إذا نسي التسمية؟
* الشيخ: ما تحل.
* طالب: الحمار، هل في دليل على أنه كان طيبا قبل التحريم؟
* الشيخ: إي نعم، حله يدل على طيبه.
* الطالب: طيب ما يكون هذا من أعمال الجاهلية مثل أكلهم الميتة، ما نقول بأنها حلال قبل؟
* الشيخ: لا، هذا أحله الشرع يأكلونه أكلًا.
* الطالب: الميتة، هل نقول: إنها كانت طيبة؟
* الشيخ: الميتة كانت طيبة فخبثت بالموت.
* الطالب: بس تقول: كانت طيبة وميتة، فصارت خبيثة.
* الشيخ: لا، ما هي بحلال، ما جاء في الشرع حِلها.
* طالب: ما الفرق بينها وبين الحمار؟
* الشيخ: الحمار كانت حلالًا يأكلونها، لكن الميتة ما كانوا يأكلونها أصلًا، ولهذا ابن عباس يرى رضي الله عنه حل الحمار حتى بعد التحريم؛ يقول: لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام ١٤٥]، وأين الحمار؟
وبعض العلماء يحرمها إذا دعت الحاجة إلى بقائها، فمثل وقتنا -على رأي بعض العلماء- يجوز أكلها، لكن الصحيح أنها رجس ما تحل.
* طالب: شرب الخمر، أما كان خبيثًا؟
* الشيخ: الخمر أيضًا حُرم، لكن الخمر الصحيح أنه ما هو بنجس لذاته، ما هي نجاسة عينية.
* طالب: من الخبث.
* الشيخ: الخبث عملي، فنجاسة الخمر معنوية، هذا هو الصحيح، ولهذا لا ينجس الثياب.
* الطالب: ولكن يا شيخ، يؤثر في العقل.
* الشيخ: يؤثر في العقل، غالبًا ما يؤثر في العقل، أكثر ما حرم من أجل هذا، ولهذا علل الله التحريم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ٩١].
* الطالب: يعني ما يحكم بخبث الخمر؟
* الشيخ: الخبث المعنوي.
* طالب: يا شيخ، ولد الشاة يكون في بطنها ما تذكى يجدونه في بطنها؟
* الشيخ: إيه، ذكاته ذكاة أمه. المهم أننا نقول: يا إخوانا، بالنسبة للذكاة والصيد وما أشبه ذلك لها أبواب معينة، لكن اللي في بطن الأم إذا ذُبحت فذكاته ذكاة أمه.
* طالب: شيخ، حديث عائشة: «إِنَّا نُؤْتَى بِلَحْمٍ فَلَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ » هناك شيء من التعارض؟
* الشيخ: قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»[[أخرجه البخاري (٣١٧٤) من حديث عائشة.]]؟
* الطالب: المعنى مختلف الآن؛ يعني كيف يجمع بينه وبينهم؟
* الشيخ: ما بينها تناقض، ما بينها تعارض حتى يحتاج الجمع.
* الطالب: لكن هذا في الذبح.
* الشيخ: هذاك في الذبح، لكن الأصل أن ما ذبحه المسلم فقد سمى، هذا هو الأصل، فأنت لا تشكك في فعل غيرك لو كان القوم الذين سألوا الرسول ﷺ قالوا: إن قومًا يأتونا باللحم لا يذكرون اسم الله عليه. صار فيه شيء من المعارضة.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤].
ذكر الله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أي يخفون. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب نشر العلم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال، كيف لسان المقال؟
يأتي إنسان ويسألك، ولسان الحال أن يقع الناس في أمر يحتاجون إلى بيان أنه محرم أو يهملوا أمرًا يحتاجون إلى بيان أنه واجب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الكتب مُنزلة من عند الله لقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾. ويستفاد منها: أنها كلام الله، من أين تؤخذ؟
* الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة ١٥٩].
* الشيخ: ﴿مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤].
* طالب: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾.
* الشيخ: يستفاد أنها كلام الله.
* طالب: قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ طيب، فتكون كلامه.
* ويستفاد منها: العلو، علو الله عز وجل لقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ﴾، فإذا ذكر أن الأشياء تنزل منه فهو عالٍ سبحانه وتعالى.
* ويستفاد من هذه الآية: أن هذا الوعيد على من جمع بين الأمرين: يكتمون، ويشترون به ثمنًا قليلًا، فأما من كتم بدون اشتراء أو اشترى بدون كتم، فإن الحكم فيه يختلف، إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩].
وأما الذين اشتروا بدون كتمان فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود ١٥].
فالناس ثلاثة أقسام: قسم يكتم لا للدنيا، لكن بخلًا في العلم أو ما أشبه ذلك، قسم آخر يبين، لكن لا لله بل للدنيا، فهذا أراد بعمله الدنيا؛ مثل الإنسان يُعلِّم بأجرة، يُعلم الناس بأجرة، أو: قصدي ينشر العلم بأجرة، وإلا التعليم الصحيح أنه جائز، التعليم بأجرة الصحيح أنه جائز، لكن يتعلم للدنيا، هذا لا شك أن نيته باطلة، وقسم ثالث: يكتم لغرض من الدنيا مثلًا يكتم لأجل رئاسته، مثل ما فعل اليهود؛ كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام لتبقى رئاستهم، أو إنسان مثلًا قال قولًا، ثم تبين له أن الحق بخلافه، ثم كتم الحق، يظن بنظره القاصر أنه إذا رجع عن قوله الأول انحطت مرتبته عند الناس، فيريد أن يبقي على منزلته على زعمه، ولا يرجع عن قوله الذي تبين له خطؤه، وهذا أيضًا كتم شو لأجله؟ ليشتري ثمنًا قليلًا، وهو الجاهل كل شيء يراد للدنيا فهو ثمن قليل سواء كان جاه، أو رئاسة، أو إدارة، أو مال، أو زوجة، أو أي شيء، كل ما يراد للدنيا فهو قليل، فهو من الثمن القليل، واضح الآن؟ فصار الناس ينقسمون في هذا الباب إلى كم؟
* الطلبة: ثلاثة أقسام.
* الشيخ: ثلاثة أقسام، كلهم مذمومون، أما من أظهر لله وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام، وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه وقلمه ما أنزل الله عز وجل، فهذا هو القسم الرابع، وهو خير الأقسام.
* طالب: من يكتم خوفًا يا شيخ، ما داخل فيهم الذي يكتم خوفًا يعني؟
* الشيخ: والذي يكتم خوفًا إذا كان سيُبين في موضع آخر فلا بأس، أما إذا كان بيكتم مطلقًا فهذا ما يجوز، يجب أن يبين ولو قُتل.
* طالب: ولكسل يعني، ما عنده سوء ظن، لكن كسل، لكن ما يبين، يعني عنده علم وما يبين؟
* الشيخ: إيه، إن دعت الحاجة إلى بيانه وجب عليه أن يبين، ولا يجوز، فإن لم تدعُ، افرض أنه في بلد فيه ناس مثلًا يبينون العلم وينشرونه بين الناس، وهو عنده علم لكنه يقول: علمي ما احتيج إليه ولا سألني سائل، فهذا ما يجب عليه، إن بين فهو أوْلى لا شك؛ لأنه يزيد الآخرين قوة إلى قوتهم، وإن سكت فأظن أن يكون في حل ما دام أن الأمر قد قام به غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الدنيا قليل لقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤]. هذا وجه في الآية، ويحتمل أنهم يشترون ثمنًا قليلًا حتى في أعين الناس، لكن بانحطاط هدفهم ومرتبتهم كانوا يخفون عدة آيات من أجل الحصول على درهم واحد، يكون هنا القليل حتى بالنسبة لأعين الناس، وليس هذا ببعيد؛ لأنهم يكتمون من أجل حظ قليل من الدنيا والدنيا كلها قليلة؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- قد يفعل عالم الدولة لا عالم الملة قد يفعل هذا، قد ينظر ما تختار دولته من رأي، ثم يحاول أن يطوع النصوص لهذا الرأي، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدأ بعض الناس الذين ينتسبون إلى العلم بدؤوا يطوعون بعض النصوص إلى رأيهم؛ إلى الاشتراكية، وسمعناهم نحن بأنفسنا من الكتاب والسنة، وقالوا: الكتاب والسنة مملوء من أن الاشتراكية حق، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨].
شوف كيف عين الأعور وأيش لون نَظَرت إلى زاوية وتركت زاوية؟! قالوا: فأنتم فيه سواء، خلاص أنتم فيه سواء، الناس سواء فيما رزقهم الله، لكن تركوا أول الآية وهو: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ومعنى الآية هذه فأنتم فيه سواء مبني على الأول؛ يعني هل لكم شركاء فيساوونكم، وأيش الجواب لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو إن العبد يجيء الصندوق أو يلمس المفتاح، هل عبدي يجي شاك ويقول: والله أنا عبدك، أنا بآخذ من مالك، وأيش الجواب؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، كيف ها العبيد هذه عبيد لله تعبدونهم من دون الله؟! هذا ضرب مثل لمشرك، هؤلاء فرحوا فقالوا: فأنتم فيه سواء، خذ، وقال النبي ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ»[[أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٢٩) من حديث رجل من المهاجرين، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٢) وأحمد (٢٣٠٨٢) من حديث ابن عباس بلفظ: «المسلمون...».]]. فأثبت الاشتراكية. وهات منها الأدلة اللي جمعوها من الآيات والأحاديث المتشابهة ليموهوا بها على الناس، مثل هؤلاء العلماء يدخلون في الآية هذه، اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا والعياذ بالله، والواجب أن يكون العالم عالم ملة لا عالم دولة حتى يكون لله عز وجل قائمًا بأمر الله عز وجل.
* طالب: الجواب على الحديث.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»؟
* الشيخ: الجواب أنه خص الثلاث؛ هذا عليهم ما هو لهم، لكن هذه الثلاث حيث ما لهم بها قدرة من الله عز وجل: الماء، والكلأ، والنار، ما يختصون بها فالأنهار كل يأخذ منها (...)، كذلك نقع البئر ما هو لك، الذي يخرجه الله عز وجل، وكذلك الكلأ اللي ينبت بدون إنباتك في الأرض، ما هي لك، كذلك أيضًا النار، لو أن أحدًا أراد يقتبس، تقول له: تعالَ، لا تقتبس، هذه ناري أنا، يقول: لا، أنتم شركاء. من الذي أوقد النار لك؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الله عز وجل.
* الطالب: البئر يا شيخ، أنا اللي لففت فيه الحبل؟
* الشيخ: إيه، لكن أنا مو بعد اللي أخرجته، أنت أحق به؛ لأنك حفرته، لكن أنت بتمنع مع الفضل ما يجوز لك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق المسبَّب على السبب، من أين نأخذها؟ ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤]، هم مو بيأكلوا النار، بيأكلوا المال، لكنه مال سبب للنار؛ فيكون هذا من باب إطلاق المسبَّب على السبب.
* طالب: مجاز مرسل.
* الشيخ: وبعدين فيه أيضًا إثبات العدل في الجزاء لقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، فجعل المأكول على قدر المأكول، أو لا؟ ما يأكل إلا النار وفاقًا بوفاق على قدر ما يأكل، يأكل نارًا؛ فيكون في هذا إثبات العدل في الجزاء.
يقول الشاعر على هذه المسألة، وإن كان محلها التفسير يقول:
أَكَلْتُ دمًا إنْ لم أُصِبْكِ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوَى القُرْطِ طَيِّبَةِالنَّشْرِ
أكلت دمًا: يخاطب زوجته، هذا أعرابي تزوج امرأة ونشزت، ولكنه قيل له: إنك إذا رحت للشام ففيها وباء يقتل النساء، وراح بها للشام وقال:
دِمَشْقُ خُذِيهَا وَاعْلَمِي أَنَّ لَيْلَةً ∗∗∗ تَحْمِلِينَ عُودَيْ نَعْشِهَا لَيْلَةُالْقَدْرِ
يعني يقول للشام: خذي هذه المرأة، اقتليها، واعلمي أن اليوم اللي تحمل فيها هذه المرأة على أعواد النعش الليلة هي عندي ليلة القدر، مثل ليلة القدر، ثم قال: أكلت دمًا هذا الشاهد
أَكَلْتُ دمًا إنْ لم أَصِبْكِ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِالنَّشْرِ
وأيش معنى بعيدة مهوى القُرط؟
* طالب: أن عنقها طويل.
* الشيخ: يعني أن عنقها طويل؛ القرط اللي يكون في الأذن، إذا صار بعيدًا مهواه؛ معناه أن الرقبة طويلة، وطول الرقبة في النساء محمود، وطيبة النشر يعني طيبة الرائحة. قوله: أكلت دمًا، قال بعضهم: إن المعنى: أكلت دية، سببها الدم، وأنهم كانوا في الجاهلية يُعيِّرون الإنسان إذا قتل له قتيل فأخذ الدية، وهو يدعو على نفسه بهذا الذل، إني ما آخذ بالثأر، آخذ الدية، فقال: أكلت دمًا، نعم، وجاؤوا به شاهدًا على هذه الآية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل لقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. ولكن لماذا لا تقولون الآن الكلام منفي؟ كيف تستدلون به على إثبات الكلام؟
* الطلبة: يكلمهم الله.
* الشيخ: إيه، نقول: لو كان لا يتكلم لا معهم ولا مع غيرهم ما صار في نفي الكلام عنهم فائدة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: فنفيه لكلامه هؤلاء يدل على أن غيرهم يكلمه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. كلام الله عز وجل هل هو المعنى القائم بنفسه المعبر عنه بالحروف، أو هو الحرف والمعنى؟
* طالب: الحرف والمعنى.
* الشيخ: هو الحرف والمعنى، الله تعالى يتكلم بكلام؛ بحروف وأصوات، أين اللي ما يشبه كلام المخلوقين؟ هل هي حروف ولَّا الأصوات؟
الشيخ: المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟ أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) لفظ الآية، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فتخصيصه باليوم يدل على أنه يتعلق بالمشيئة.
* ومن فوائد الآية: أن كلام الغضب ليس بكلام؛ فإن الله يكلمهم كلام غضب ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكنه في الحقيقة ليس بكلام، لو أن أحدًا من الناس كلمك يوبّخك ما قيل: هذا تكلم معك كلام رضا، بل كلام توبيخ قد يكون عدمه خيرًا من وجوده.
* طالب: هذا التوبيخ يا شيخ بعد القيامة وهم في النار؟
* الشيخ: إي نعم، وهي من القيامة، هذه في النار، كل ده داخل في يوم القيامة. ما كملنا الآية.
(...) ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، أولًا نريد خبر (إنّ) في هذه الجملة (...)، ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، الاستثناء هذا ما نوعه؟
* طالب: مفرغ.
* الشيخ: مفرغ، إذن النار وأيش إعرابها؟
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: لأيش؟
* الطالب: لـ(يأكلون).
* الشيخ: من فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومن فوائدها: أن يوم القيامة يزكَّى فيه الإنسان، وذلك بالثناء القولي والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن في ذنوبه: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، وأما الفعلي فإن محل الثناء أنه يعطَى كتابه بيمينه ويشهد الناس كلهم على أنه من المؤمنين، وهذه تزكية بلا شك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾.
* ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألمًا نفسيًّا أو ألمًا جسمانيًّا؟ الجميع، لو لم يكن من الألم النفسي إلا أن الله يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، هذا من أبلغ ما يكون - والعياذ بالله - من الألم النفسي. فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية الكريمة وبين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠]؟ نشوف.
* طالب: التزكية توفيق من الله عز وجل، الإنسان يزكي نفسه بتوفيق من الله عز وجل، فبمعنى أنه توفيق من الله عز وجل فالمزكي حقيقة هو الله تبارك وتعالى.
* طالب: قوله: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: فعل ما يزكيها، أما المزكي في الحقيقة فهو الله.
* الشيخ: إي، مثل ما قال الأخ.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب الأخ يقول: ما بينهم تعارض؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩] لأنه قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٧ - ٩] فيه احتمال أن المزكي هو الله، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: من زكاها، قد أفلح من زكاها الله، وتكون (من) بمعنى (التي)، ولكن هذا بعيد، ويدل على هذا قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ١٠]. فالجمع بينهما أن يقال: تزكية الإنسان نفسه أن يعمل ما فيه زكاتها، وتزكية الله للإنسان خَلقًا وتقديرًا.
البقرة 2:174
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢].
* أولًا: تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادَى، وكل من دعي إلى شيء بأداة تقتضي الانتباه فهو دليل على أهمية هذا المدعو إليه. وأيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النداء بوصف الإيمان له فوائد:
* منها: أن المأمور به من مقتضيات الإيمان.
* ومنها: أن مخالفته نقص في الإيمان واضح؟
* ومن فوائده أيضًا: التصدير بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإغراء، إغراؤهم بأن يمتثلوا؛ لأن الإنسان إذا ذُكر بوصف يقتضي الامتثال فإنه يغريه مثل أن أقول: يا أيها الكريم، قد نزلت بك ضيفًا؛ معناه أني أغريه بهذا اللفظ، وأيش أغريه؟
* الطلبة: على أن يكرمني.
* الشيخ: على أن يكرمني إي نعم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر، وهل هو للوجوب أو للإباحة أو للندب؟ قلنا: إنه صالح لها كما سبق في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ يكون للوجوب إذا توقفت عليه الحياة، أو لا؟ إذا صار الإنسان إذا لم يأكل مات ولا تضرر؟ فهنا يكون الأمر للوجوب، يجب عليه أنه يأكل، ويكون للإباحة كما هو الأصل، ويكون للندب إذا ترتب عليه فائدة شرعية مثل: السحور للصائم، والفطور للصائم، وأكل الإنسان مع ضيفه تأنيسًا وما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أيش؟ مستحبًّا، ويكون الإباحة فيما عدا ذلك، فقوله: ﴿كُلُوا﴾ يعني معناه أنه أن هذا شيء مباح لكم.
فإذا قال قائل: إذا جعلتم الأمر هنا للوجوب والاستحباب والإباحة معناه أنكم استعملتم كلمة واحدة في عدة معانٍ وهو ما يُعبر عنه باستعمال المشترك في جميع معانيه. قلنا: نعم، نحن نرى ذلك أن استعمال المشترك في جميع معانيه إذا لم يكن بينها تضاد جائز وما المانع منه؟ إذا كان اللفظ صالحًا لها ولا تنافر بينها، فما المانع من أن نحمله على كل المعاني كما أننا نحمل العام بالاتفاق على جميع أفراده؟
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه هي للتبعيض ولا لبيان الجنس؟
* الطلبة: لبيان الجنس.
* الشيخ: الظاهر أنها لبيان الجنس حتى يأكل الإنسان مما شاء.
وقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، الطيب الحلال، وقيل: المستلذ، مثل ما تقول: هذا طعام طيب، وهذا طعام خبيث؛ يعني ردي فهمتم؟
قيل: إن المراد بالطيب الحلال، وقيل: المراد بالطيب المستلذ والمستطاب، فعلى القول الأول يتبين من الآية أن الرزق يشمل الحلال وأيش بعد؟ والحرام، وأن من عاش على محرم فإنه يقال: إنه مرزوق، ولكن الرزق المأمور به هو الحلال، وهذا هو الأصح، ولهذا قال السفّاريني في عقيدته:
وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ ∗∗∗ أوْ ضِدِّهِ فَحُلْ عَنِ الْمُحَالِ
وعلل ذلك بأنه رازق كل الخلق، وليس مخلوق بغير رازق، ومعلوم أن من الخلق من رزقه حرام ولَّا لا؟ فلا يمكن أن تقول: هذا الإنسان الذي يعيش ويأكل ويشرب إنه غير مرزوق، إذن الطيبات يكون المراد: المستلذ والمستطاب، أو أنه الحلال من الحلال الذي رزقناكم، ويكون فيه دليل على أن الرزق يكون حلالًا ويكون حرامًا لكن المأمور به الحلال.
وقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: أعطينكم؛ فالرزق العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨].
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ اشكروا، ما معنى الشكر؟ الشكر في اللغة: الثناء، وفي الشرع: القيام بطاعة المنعِم، هذا الشكر؛ القيام بطاعة المنعم، ومنها -أي من طاعة المنعِم- استعمال النعمة فيما خُلقت له، فإن هذا من شكر الله.
وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ كلمة اشكروا هذا الفعل يتعدَّى باللام، ويتعدى بنفسه فيقال: شكرته، وشكرت له، فإذا كانت اللام للتعدية فليس لها معنى.
وقوله: ﴿اشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ لما أمر بالأكل أمر بالشكر، وأكثر الناس امتثل الأمر الأول وترك الثاني، أكل من طيبات ما رُزق، لكن لم يشكر لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
قال: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة ١٧٢] ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ هذه (إن) شرطية و(كان) فعل الشرط و(التاء) اسم كان، و(إيا) خبر كان منصوب بها.
* الطلبة: لا ليس خبر كان.
* الشيخ: ليس خبر كان؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾ ما هي (إيا) ضمير منفصل من ضمائر النصب و(التاء) اسم كان تبقى هذه خبر كان يجوز ولَّا ما يجوز؟
* الطلبة: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز قطعًا، إذا قلنا: إن كنتم إياه معناها كأنكم أنتم الله، وهذا معلوم فاسد المعنى، إذن ﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾ مقدم أو لا؟ مثل: (إياك نعبد) مفعول مقدم، و﴿تَعْبُدُونَ﴾ جملتها خبر كان، وأين جواب الشرط؟
قيل: إنه لا يحتاج في مثل هذا التركيب إلى جواب، وهو الصحيح، وقيل: إن جوابه محذوف يفسره ما قبله، والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يعني إن كنتم مخلصين له في العبادة، والعبادة هي التذلل لله عز وجل بالطاعة، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه مأخوذة من قولهم: طريق معبد أيش معنى معبد؟
* الطلبة: مذلل.
* الشيخ: مذلل للسالكين، وهو إلى الآن معروف عندنا الطريق هذا معبد ولَّا لا؟ إلى الآن موجود بهذا المعنى؛ يعني إن كنتم تتذللون له حقًّا فكلوا من رزقه واشكروا له، ولا تكونوا كالذين لا يشكرون أو كالذين يحرمون بعض الرزق، مثل في الجاهلية يحرمون أشياء يقول: هذه حرام؛ فالذي يحرم بعض الأطعمة أو بعض الأشربة بدون دليل يكون مشابهًا لأهل الجاهلية الذين حرَّموا أشياء بدون دليل؛ مثل البحِيرة والسائبة والوصيلة والحام وما في بطون الأنعام قالوا: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن ظهر ميت فهم فيه شركاء، وإن يك ميتة فهم فيه شركاء، هذا من الجهل.
* طالب: إن كان شكك يا شيخ؟
* الشيخ: إن شُكّك فالأصل الأصل حِل، وبهذه المناسبة نُشر ها النشرة وزعت عند الناس عن رابطة العالم الإسلامي إن هذا الجبن جبن البقرة الضاحكة، هي ما هي تضحك، على كلامهم!
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أدري، لا، الظاهر أنها مكتوب عليها الضاحكة.
* طالب: الضاحكة.
* الشيخ: كذلك (الكيري) أظن وبعض الصابون (الكامي) المهم عد كاتبين لهم بيان، قالوا: إن هذا حرام، وبما أن الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- هو رئيس الرابطة في اجتماعاتها، اتصلت به وسألته قال: والله ما أدري، لكن هم كاتبين للرابطة نسألها عن هذا من أين جاءهم هذا الخبر وكاتبين كذلك لوزارة التجارة، وهم بانتظار الجواب، ولا يُستبعد أن هذا من بعض الشركات؛ لأن ترى بعض الشركات تروج إذا شافت أن هذا الشيء ناجح جعلت فيه عِلّة علشان تنفر الناس منه، يجوز أن هناك مثلًا شركات أخرى تزاحم شركة الأجبان هذه، وقالت: والله هذه لها شهرة عالمية وصار الناس يأخذون منها إذن بنحط بيها بلاء، والله أعلم، الآن ولا كثر السؤال عنه ها الأيام جدًّا كثر عنه السؤال، قلنا: والله إحنا ما عندنا علم وأنتم كلوا حتى يتبين التحريم، وإحنا الآن بعد بانتظار جواب الشيخ إن شاء الله تعالى ونشوف هذا، يمكن بعدين أنه يكتب بالصحف هذا الشيء.
* طالب: يعني مثلًا ترك هذه الأشياء يعني أن يشك فيها الإنسان، تركها للتورع ما هو أفضل يا شيخ حتى يتبين له؟
* الشيخ: يا أخي ما.
* طالب: الحديث: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٨) من حديث الحسن بن علي.]].
* الشيخ: إي، بس هي مشكلة الآن، ما هناك شبهة يعني على أصل، ما هناك شبهة على أصل، كذلك الاشتباه في مسألة الوارد من الخارج من المذكيات أيضًا صار فيه اشتباه وكلام كثير، هذا نعم حيث إن الأصل بالذبائح التحريم هذه قد نقول: إن الأحسن تركها، والحمد لله الشيء اللي ما فيها شبهة كثيرة سواه، لكن الأجبان وشبهه وأيش الأصل فيها؟
* طالب: الحل.
* الشيخ: الحل، وأن لو كانت من نصراني أو يهودي أو مجوسي أو اللي هي الأصل فيه الحل حتى يتبين التحريم.
* طالب: قالوا فيه إن شركة (...) قبل خمس سنين أو سبع السنين أعلنت أنها تحط فيه لحم الخنزير أو شحم الخنزير، إن هي يقولون يعني؟
* الشيخ: على كل حال يشاف ها الحين، وإحنا إن شاء الله في انتظار الجواب.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة ١٧٢، ١٧٣] لأنه أمر بالأكل من الطيبات، واعلم قبل أن نتعدى الآية أن هذا الذي أُمرنا به -نحن المؤمنين والحمد لله- أُمر به الرسل كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة]].
وبهذا المعنى، أو بهذا الحديث يتبين لنا معنى الشكر تمامًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة السلام قارن بين الآيتين، وفي آية الرسل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ فدل على أن الشكر الذي أُمر به المؤمنون هو العمل الصالح.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر أيش؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فالتحريم محصور في هذه الأشياء، ومعنى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ يعني ما حرم عليكم إلا الميتة، ما حرم إلا الميتة.
﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ التحريم بمعنى المنع، ومعنى (حرم عليكم) أي: منعكم.
وقوله: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وأيش معنى حرمها علينا؟ حرمها علينا أن ننظر إليها؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، حرم علينا الأكل، ما الدليل على أن المراد تحريم الأكل؟ الدليل الآية التي قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ فكأنه قال: كلوا، ثم استثنى، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾.
الميتة وأيش هي الميتة؟
الميتة في اللغة: ما مات حتف أنفه؛ يعني بغير فعل منه، مات حتف أنفه يعني بغير فعل منه، أصيبت البهيمة بمرض فماتت، سقطت من عالٍ فماتت وما أشبه ذلك.
أما في الشرع: فالميتة ما مات بغير ذكاة شرعية، وهذا مما كان فيه الاصطلاح أعم من اللغة، وهو قليل كما سبق، الأكثر أن الاصطلاح أخص من اللغة، لكن أحيانًا يكون الاصطلاح أعم، فهنا الميتة شرعًا: ما مات بغير ذكاة شرعية فيشمل ما مات حتف أنفه يسمى ميتة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما ذُكّي ولم يُظهر الدم يسمى ميتة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما ذُكِّي ولم يسمَّ عليها اسم الله؟
* الطلبة: ميتة.
* الشيخ: ميتة، ما ذكَّاه غير يهودي ونصراني ومسلم؟
* الطلبة: ميتة.
* الشيخ: ميتة مع أنه مُذكّى، فإذن الميتة في الشرع: ما ذُكِّي بغير ذكاة شرعية.
وقوله: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ (أل) هنا للعموم؛ يعني إذا صارت (أل) للعموم معناه أنك لو نزعتها ووضعت بدلها (كل) استقام الكلام، فهنا لو نزعت (أل) وجاءت (كل) يصح، إنما حرم عليكم كل ميتة، هل هذه الآية على عمومها؟ الجواب لا، ورد في الشرع ما يخصصها كما في حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤) من حديث ابن عمر. ]]. إذن يُستثنى من ذلك أيش؟ الجراد والحوت، الجراد معروف، والحوت كل سمك البحر صغاره وكباره على حد سواء فميتته حلال كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما هو الدليل على هذا الاستثناء من هذا العموم؟
الدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صَيْدُ الْبَحْرِ مَا أُخِذَ حَيًّا وَطعَامُهُ مَا أُخِذَ مَيِّتًا »[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٥٥) من حديث بن عباس]]. هذا من القرآن ومن السنة قبل قليل قرأناها عليكم؛ حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[سبق تخريجه.]] هذه واحدة. يستثنى من هذا ميتة الآدمي؟
* الطلبة: لا (...) هناك فرق.
* الشيخ: أو هذا في مسألة النجاسة؟ في مسألة النجاسة، أما طبعًا الحل، لا، ما يستثنى إلا الجراد والحوت.
هل يعم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ جميع وجوه الانتفاع بحيث لا ينتفع منها بإهاب ولا عصب ولا شعر ولا غير ذلك؟
* الطلبة: ظاهرها لا.
* الشيخ: بس السياق يدل على أن المراد الأكل، ولهذا جاء في البخاري: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣ / ١٠٠) من حديث ابن عباس. ]] إنما حرم أكلها، ولهذا لو أنه انتُفع بها في غير الأكل فهو جائز، لكن الجلد خاصة إذا دُبغ صار طاهرًا على القول الراجح، يكون طاهرًا مثل جلد غير الميتة؛ يعني لو أن شاة ماتت وأخذنا جلدها ودبغناه جاز أن نستعمله في الماء الذي نشرب، وفي اللبن، وفي الدهن، وفي العسل، وفي غير ذلك؛ لأنه يكون طاهرًا، لحمها، شحمها، عصبها يجوز أن نجعله أوتارًا يعني حبالًا يمكن نجعله حبالًا، كذلك أيضًا شحمها أن نوقد به؛ نجعله وقودًا، فإذا قال قائل: ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام لما قيل له حين حدث فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١ / ٧١) من حديث جابر بن عبد الله. ]] فكيف الجواب؟
الجواب: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «هُوَ حَرَامٌ» يعني بيع هذه الأشياء؛ لأن الكلام وأيش هو فيه؟ في البيع: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ». ويؤيد ذلك قوله: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[سبق تخريجه.]]. وهذا ليس بأكل.
﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ يعني وحُرم عليكم الدم، والدم هنا يشمل كل دم حتى دم الآدمي؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: حتى دم الآدمي، حتى دم البعير أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حتى دم البعير؟ نعم، بقي أن يقال الدم هنا مطلق، لكنه قُيّد بآية الأنعام بكونه مسفوحًا فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥] فالمراد الدم المسفوح الذي يخرج من البهيمة قبل خروج روحها، فأما ما كان بعد خروج الروح فليس بمحرم إذا كانت مذكاة طبعًا، فما كان في المذكاة بعد خروج روحها من الدماء فهو طاهر حلال ولو جرى على الأرض، وعلى هذا فالدم الذي يكون في القلب؟
* طالب: حلال.
* الشيخ: حلال؟ دم قطع دم تأخذ بيدك حلال؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: لأيش.
* الطلبة: لأنه غير مسفوح.
* الشيخ: لأنه غير مسفوح، وكذلك ما يبقى في العروق والأوعية.
طالب: بعد خروج روح البهيمة (...).
* الشيخ: يمكن.
* الطالب: بس هذا حلال ولَّا لا؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما يدخل في المسألة؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: بس نفس العِلة يا شيخ؟
* الشيخ: لا، العلة ما هو اللحم الذي يخرج منه هذا الدم ما هو بحلال.
* الطالب: حلال (أيوه).
* الشيخ: هذا هو.
* الطالب: بس هذا معفو عنه للضرورة.
* الشيخ: لا، حتى هذا، أصل كل شيء يخرج بعد خروج روح المذبوح فهو طاهر.
* الطالب: ولو لعقه الإنسان حلال.
* الشيخ: إي نعم، كيف؟!
* طالب: شيخ، ما هو الاستثناء يا شيخ في قوله: «إِلَّا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: لا ما قال: إلا الكبد والطحال، قال: «أُحِلَّ لَنَا». ولا يمنع أن يكون غيرها أيضًا حلالًا.
* طالب: لأيش يقول إحدانا الرسول (...)؟
* الشيخ: إي، لا، هذا شيء خاص، هذا أبو قتادة، لكن هذا شيء خاص.
* الطالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، هذا شيء خاص يعتبر.
﴿وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة ١٧٣] ﴿لَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ الخنزير معروف، والمراد بلحمه: جميع أجزائه، وإنما حرم؛ لأنه رجس، هكذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥].
الرجس أشد من النجس، وهو شامل للنجاسة الحسية والمعنوية، ولهذا يقولون: إن الخنزير مشهور بأكل العذرة النجاسات، وأنه مشهور بعدم الغيرة أيضًا يرى الذكر ينزو على أنثاه ويدك لها يعني يكيف على هذا، ومن تغذى بشيء تأثر به؛ ولهذا الأوربيون فاقدو الغيرة، يجي صاحبه ويمشي ويّاه ويأخذ برأس زوجته فيقبلها وزوجها يشاهد، ولا كأنه قبَّل إلا ولا طفله الصغير، وسواء كان هذه العلة أو لا، لكن يكفينا قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
(...) تعالى بيّن، بل حصر التحريم في هذه الأشياء: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وسبق أنه يستثنى من الميتة؟
* الطالب: الميتة؟ ميتتان: الجراد، ميتة الجراد، والسمك.
* الشيخ: نعم، هذا باعتبار أجناس الميتات، وما الذي يستثنى من الميتة نفسها؟
* الطالب: الميتة، حينما النبي ﷺ حرم الميتة.
* الشيخ: نعم، الانتفاع بها؟ أي: الانتفاع بها فيما لا يؤثر على عبادة الإنسان لا بأس به. وأيش معنى قولنا: فيما لا يؤثر على العبادة؟ أنه لو ادهن بدهنها فإنه لا يجوز؛ لأنه يستلزم أن يتنجس بدنه وثوبه، وهذا يخل بعبادته، لكن لو استعمل الدهن أو الشحم في دهن الجلود وطلي السفن والاستصباح، فهذا لا بأس به كما تقدم، ما هو الدليل على استثناء الميتتين؟
* الطالب: الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: ومن القرآن؟
* الطالب: إن الله ذكرها في هذه الآية، حصر المحرمات في هذه الآية.
* الشيخ: حصرها في هذه الآية؟!
* الطالب: قال في ميتة البحر في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة ٩٦].
* الشيخ: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ نعم، الشاهد؟
* الطالب: طعامه.
* الشيخ: طعامه، قال ابن عباس: «وما وُجد ميتًا »[[أخرجه الطبري في التفسير برقم (١٢٦٩٣) ط. مؤسسة الرسالة من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٠٠٠٧) من حديث محمد بن كعب القرظي بنحو هذا اللفظ. ]]. الدم، ما المراد به؟
* الطالب: الدم المراد به المسفوح الذي يخرج حال الحياة.
* الشيخ: ما الدليل على أنه مسفوح؟
* الطالب: تقييده في الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥].
* الشيخ: نعم، تقييده بقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. هل يستثنى منه شيء من الدم؟
* الطالب: ما خرج بعد خروج الروح.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وما اختلط بالأعصاب.
* الشيخ: إي، يعني ما ليس بمسفوح وهو الذي يخرج بعد ما تخرج الروح، الذي يكون في الحيوان بعد ما يُذكى، بعد ما يذكى لا بد؛ لأنه بعد ما تخرج الروح أخذ يشمل الميتة، بعد ما يُذكى.
* طالب: يا شيخ، تخرج الروح عن النفس لما ينحر النفس؟
* الشيخ: إيه؛ لأنه ما يمكن تخرج الروح إلا يقف الدم.
* الطالب: ما يميز الدم بعدما تخرج الروح؟
* الشيخ: هذا ما يظهر هذا، ما يعتبر مسفوحًا؛ لأنها ماتت.
* طالب: (...) يعني ما حكمها؟
* الشيخ: لا ما يكون هذا، كما أنه الذي يقع في لحم العروق (...).
* طالب: كيف فرقنا بين المتماثلين؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: وهو الدم، قلنا: أوله نجس، وآخره طاهر؟
* الشيخ: ما فرقنا بينهما؛ لأنه أوله وآخره كله نجس ما دام مسفوحًا، وهو ما يمكن يخرج إذا مات ما يتسرى، هذا يتسرى من العروق بعد الموت مثل اللي يبقى، ولهذا من علامة الحياة المنخنقة والموقوذة والمتردية من علامة حياتها أنها إذا ذُبحت ساح منها الدم، ساح منها الدم الأحمر، أما هذا فليس بدم مسفوح. قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ما المراد بلحمه؟
* الطالب: كله.
* الشيخ: كل ما احتواه جسمه، وإذا كان مطبوخًا؟
* الطالب: مطبوخًا ما يجوز.
* الشيخ: عام؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: هل يستثنى منه شيء؟
* الطالب: لا يستثنى.
* الشيخ: أبدًا؟
* الطالب: أبدًا.
* الشيخ: طيب صح. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة ٣] (الواو) حرف عطف، و(ما) اسم موصول في محل نصب معطوف على أيش؟
* طالب: حرم.
* الشيخ: لا.
* طالب: على الميتة.
* الشيخ: على الميتة؛ لأن العطف يكون على أول معمول للعامل، ولماذا لا يكون العامل على آخر ما عُطف؟ لأن المعطوف فرع، والفرع لا يتفرع عليه شيء، فإذا قلت مثلًا: أكرمت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا، فخالد ما يكون معطوف على بكر، وبكر على عمرو، وعمرو على زيد صح، كلها معطوفة على زيد؛ لأنه الأصل الذي وقع عليه عمل العامل، فيكون المعطوف على هذا الأصل لا على الفرع، عمرو وبكر فرع ولَّا أصل؟
* الطلبة: فرع.
* الشيخ: فرع، فلا يكون خالد معطوفًا على بكر.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة ٣] (أُهِلّ) الإهلال: رفع الصوت، ومنه حديث: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ صَارِخًا فَقَدْ وَرِثَ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٢٠) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣] وذلك بأن يذكر عليه اسم غير الله ولو ذبح لله مثل: أن يقول: باسم المسيح، أو: باسم محمد ﷺ، أو: باسم جبريل، أو: باسم ميكائيل، أو: باسم الوطن، أو: باسم القومية، أو: باسم الرئيس فلان، أو: باسم الملك فلان، كله يكون أُهِلّ به لغير الله، أو ذبح لجني، أو لشيطان، أو ما أشبه ذلك،
* طالب: ولو ذكر اسم الله؟
* الشيخ: ولو ذكر اسم الله معه. ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ بأن قيل: باسم فلان، هذا يكون حرامًا؛ لأنه شرك، وما كان شركًا فهو حرام ليس عليه أمر الله ورسوله، وما ليس عليه أمر الله ورسوله فهو ردّ باطل، فلا يكون حلالًا، إذا أُهل به لغير الله ولله بأن قال: باسم الله وباسم نبيه؟
* الطلبة: ما يحل.
* الشيخ: ما يحل أيضًا؛ لأنه أُهل به لغير الله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وعلى هذا فلا يحل ما أهل به لغير الله ولله. ما أهل به لله مرادًا به غير الله بأن ذُبح للصنم وقال: باسم الله؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: فإنه لا يحل، لكن ما يؤخذ من هذه الآية، يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣]. ويحتمل أن يكون- وهو بعيد أن يكون- معنى ما ذبح على النصب ما أهل به لغير الله ولكنه بعيد؛ لأن الله جمع بينهما في آية واحدة، والجمع يقتضي المغايرة، قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣].
مع أنه قال في أثناء الآية: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إذن ما ذبح لغير الله ولو ذكر اسم الله عليه وحده فهو حرام، وهل منه أن أذبح هذه الذبيحة للضيف؟
* طالب: لا.
* الشيخ: كيف؟
* طالب: نعم، لغير الله.
* الشيخ: ذبحتها لغير الله لضيفك!
* طالب: لا (...).
* الشيخ: نعم، أنا ذابحها له.
* الطالب: إذا كان قاصدًا فيها أن يكرم الضيف فلا يدخل فيها.
* الشيخ: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل ما فيه شك، كما لو ذبح هذه الذبيحة لأولاده ليأكلوها، هل هي حرام؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، وإن ذكر بذلك التقرب إليه وتعظيمه تعظيم عبادة؛ فإنه حرام كالمذبوح على النصب تمامًا، وقد كان بعض الناس -والعياذ بالله- إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين ذبائح تعظيمًا له لا ليأكلها لكن تذبح أمامه، ثم تترك للعالم، هذا يكون قد ذُبح على النصب ولو ذكر اسم الله فهو حرام.
* طالب: اللي يعتقد كما فعل (...)؟
* الشيخ: تقدم لنا في باب التوحيد أنه لا يذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله، أما إذا ذبح بمكان لاختصاصه بسبب معين كما لو كان أكثر فقراء، أو كان ذبح هنا لقرابة له فيه؛ بمعنى لا يختص بالبقعة ولا يختص بصنم أو ما أشبه ذلك فلا بأس.
* طالب: الهجر داخل في هذا؟
* الشيخ: الهجر أيش؟
* الطالب: الهجر ما هو موجود عندكم يعني إذا اختلف بعض الناس وأصلح بينهم بعض الناس يعني وأراد الثاني أن يذبح له هو الآخر ذبيحة يعني يسوقها إلى بيته ويذبحها عند البيت؟
* الشيخ: لا ما فيها بأس.
* طالب: (…)؟
* الشيخ: ما فيه بأس.
* طالب: شيخ، فيه عندنا إذا مثلًا اتأخر يعني في حصول شيء يذبحون ويجيبوا الناس يتحللوا وكده عشان يكون ربنا ينزلهم الرزق، هل هذا سليم؟
* الشيخ: صدقة يعني؟
* الطالب: إيه.
* الشيخ: والله هذه ما فيها بأس، لكنها بدعة.
* الطالب: وهم للموتى؟
* الشيخ: لا، بدعة هذه لا تحمد.
* طالب: حتى يا شيخ لو كان قريبًا.
* الشيخ: لا هذه من البدع وإلا الصدقة لا شك أنها تجلب الخير، إنما كونه يذبح ذبائح ويكون لها يعني شهرة ودعوة؛ هذه من البدع، لكن كون الإنسان يتصدق بصدقة خفية مثلًا فهذا لا بأس به؛ وهو من أسباب الخير.
* طالب: شيخ، الكلمة الأخيرة له يقول: وللموتى.
* الشيخ: لا، هذا ما ينفع للموتى.
* الطالب: يعني للموتى الثواب؟ يذبح للموتى؟
* الشيخ: لا، هذا إذا كان للموتى على سبيل التعبد والتعظيم وهو ما يجوز يتقرب بها إليهم، أما إذا كان للميت لينتفع بها بثوابها.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، بثوابها، هذه ما فيها شيء.
(...) من هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان حيث وجه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الأكل من طيبات ما رزق الله لقوله: ﴿كُلُوا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: ويدل بالمفهوم على أن الخبائث لا يؤكل منها لقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧].
* ومن فوائدها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله عز وجل، من أين يؤخذ؟
* طالب: كلوا.
* الشيخ: لا، توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله لقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. فإذا كان هذا الرزق من الله سبحانه وتعالى فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بفعلها.
* ومنها: وجوب الشكر لله لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾.
* ومنها: وجوب الإخلاص له في ذلك، من أين تؤخذ؟ من اللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾.
* ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة، ويؤخذ من تقديم المعمول من قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
* ومنها: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده من وجهين:
أولًا: من أمره إياهم بالأكل؛ لأن في الأكل حفظًا لصحتهم.
وثانيًا: من قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فإن الرزق -بلا شك- من رحمة الله، فيستفاد من هذه الآية إثبات رحمة الله عز وجل.
* طالب: الوجهين، ما هما؟
* الشيخ: الوجهين: الأمر بالأكل لما فيه من حفظ البدن، وقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
ومنها: الرد على الجبرية؟
* طالب: ﴿كُلُوا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿كُلُوا﴾، ﴿وَاشْكُرُوا﴾، و﴿تَعْبُدُونَ﴾، كل هذه أضيفت إلى فعل العبد فدل هذا على أن للعبد فعلًا يُوجه إليه الخطاب بإيجاده، ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إلى العبد بإيجاده من تكليف ما لا يُطاق.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣].
قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ما محل (ما) من الإعراب؟
* طالب: اسم موصول مبتدأ.
* الشيخ: مبتدأ؟ توافقونه؟
* طالب: لا.
* الشيخ: في الأمرين جميعًا؟
* طالب: لا، الأول اسم موصول.
* الشيخ: والثاني؟
* الطالب: معطوفة على ما سبق.
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: على قوله: الميتة والدم ولحم الخنزير.
* الشيخ: على كل الثلاثة؟
* الطالب: إي نعم.
* طالب آخر: على الأول، العطف يكون على الأول.
* الشيخ: الأول، إي نعم، معطوفة على الأول، فهي في محل نصب إذن. ما معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟
* طالب: من الإهلال، وهو رفع الصوت، و﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ذبح أو كل ما عمل بشيء لغير الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إيه، وأيش معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟
* طالب: أي يذكر عليه اسم غير الله.
* الشيخ: نعم، ذكر عليه اسم غير الله بأن قيل: باسم الرسول، باسم النبي، باسم جبريل، باسم ميكائيل، أو ما أشبه ذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ عندي في قوله: ﴿فَمَنِ﴾ قراءتان: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ و﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ بضم النون، أما قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ على هذه القراءة فالأمر فيها واضح، للتخلص من التقاء الساكنين، وأما الضم فمن أجل الإتباع لضمة الطاء ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ أسهل من قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ففيها قراءتان، وقوله: ﴿مَنْ﴾ هنا شرطية، والفعل بعدها فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، وقوله: ﴿اضْطُرَّ﴾ اسم مفعول، ولا تستعمل إلا اسم مفعول في مثل هذا الأمر في مثل هذا السياق، ما يصح أن أقول: اضطَرَّ؛ لأن اضطر أوقع غيره في ضرورة، واضطُرّ وقع في الضرورة، فمعنى اضطُرّ؛ يعني ألجأته الضرورة، والضرورة فوق الحاجة، الحاجة كمال، والضرورة لا بد منها. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي ألجأته الضرورة لأي شيء؟ للأكل؛ لأنه جاء بعد قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ يعني فما ألجأته الضرورة إلى أكل هذا المحرم، لكن بشرطين بل بثلاثة شروط إذا جعلنا الضرورة شرطًا فبثلاثة شروط: أن يوجد ضرورة، وأن لا يكون باغيًا، ولا عاديًا ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ ونحن نريد أن نعرب (غيرَ) فنقول: هي منصوبة على الحال من نائب الفاعل في قوله: ﴿اضْطُرَّ﴾. ونريد من رشاد أن يعرب لنا ﴿بَاغٍ﴾؟
* الطالب: مضاف إليه.
* الشيخ: كمِّل.
* الطالب: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
* الشيخ: مجرور بالإضافة، وعلامة جره؟
* الطالب: الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة على آخره، هل توافقونه على هذا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يوافقون.
* الطالب: فيها ياء محذوفة هي أصلها باغي.
* الشيخ: إذن علامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل، والتنوين هنا يسمونه تنوين عوض عن حرف، ومثلها ﴿عَادٍ﴾.
قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ اختلف المفسرون في: الباغي والعادي؛ فقيل: الباغي هو الخارج على الإمام، وهم البغاة، والعادي: العاصي بسفره، المعتدي الذي عصى بسفره فسافر سفرًا محرمًا، هذا الباغي والعادي فهمتم يا جماعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الباغي: هو الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره، فهذان لا يحل لهما أكل الميتة ولو اضطرا إلى ذلك؛ لأنه لا بد من الشرطين: ضرورة انتفاء البغي، انتفاء العدوان، فإن كان باغيًا أو عاديًا لم يحل له أن يأكل ولو مات؛ لأن الله تعالى اشترط غير باغٍ ولا عادٍ؛ ولأنه ليس أهلًا للرأفة والرحمة حتى يُرحم فإن الخروج على الإمام محرم، وسفر المعصية أيضًا محرم؛ ولأنه يمكنه التخلص من هذا المحرم حتى يباح له الأكل بماذا؟
بالتوبة والإقلاع؛ فينوي أنه تائب ويقلع عن هذا، ويكون ذلك سببًا يبيح له أكل الميتة، أفهمتم؟ وقال بعض أهل العلم: المراد بالباغي: الطالب لأكل الميتة، والعادي: المتجاوز للحد المباح له؛ يعني الذي يأكل زائدًا على الضرورة؛ فالعادي من الزيادة، والباغي من الطالب؛ يعني ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي غير طالب لأكل الميتة، ولا عادٍ في أكلها بحيث يأكل أكثر من ضرورته، وعلى هذا الرأي تكون الحال هنا شبه مؤكدة لعاملها؛ لأنه في الحقيقة ما فيه ضرورة إلا إذا كان لا يريد أكل الميتة ولا يزيد على ما يحتاج إليه، فإن الإنسان إذا لم يضطر وذهب يأكل الميتة نقول: هذا باغٍ، إذا اضطر وأكل أكثر من ضرورته نقول: هذا عادٍ، هذا القول يضعفه أن الأصل في الحال التأسيس، ويقويه أن هذا القرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة ٣]؛ لأن قوله: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ تُفسر قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ لأن الذي لا يأكل إلا في المخمصة ما ابتغى أكل الميتة، والذي غير متجانِف لإثم، والذي يتجانف لإثم معلوم أنه وقع في العدوان فلا يمكن أن يحل، وهذا القول بهذا التأييد في الآية الأخرى يكون أصح أن المراد غير باغٍ أيش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا، غير باغٍ؛ أي مُبتغٍ لأكل الميتة، قد تقولون: هل أحد يبتغي أكل الميتة؟ نقول: نعم، يمكن، يمكن واحد تموت له شاة طيِّبة كثيرة اللحم، ويأسف عليها ويتحسف بها ويجي عنده ضيوف ويقدمها لهم، يمكن، هذا يعني نحن- والحمد لله- بطبيعتنا وبإيماننا -والحمد لله- نكره هذا، لكن فيه ناس يأكلون الميتة، في الجاهلية يأكلون الميتات، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام ١٣٩]. وإن كانوا ميتة فهم فيه شركاء ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام ١٣٩]. وسمعت أنه يوجد ناس الآن منها هالكفار اللي في البلاد يأكلون الميتة، ويأكلون الحمير، ويأكلون الكلاب، ويأكلون القطط وما هو بغريب، فالمهم أنه ربما يقع هذا الشيء، والله سبحانه وتعالى أباح لنا الميتة إذن بثلاثة شروط: الضرورة. والثاني: أن لا يكون مبتغيًا طالبًا لها. والثالث: أن لا يكون متجاوزًا للحد الذي تندفع به الضرورة.
وبناء على هذا هل له أن يأكل حتى يشبع؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، وقيل: له أن يأكل حتى يشبع إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب، وهذا هو الصحيح، ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأخذ معه شيئًا منها يأكل الآن ما يصد رمقه ويأخذ شيئًا منها يحمله معه إن اضطر إليها أكل وإلا تركه لكان هذا أيضًا قولًا جيدًا.
بقي أن نقول: هذه الميتة إذا أكل الإنسان منها في حال الضرورة، فكيف تنقلب طيبة مع أنها رجس كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]؟ فكيف أنها تكون طيبة لمجرد الضرورة إليها؟
فالجواب من وجهين، أو من أحد الوجهين؛ الوجه الأول: أن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة؛ مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل، ثم كانت خبيثة، خبيثة لا تؤكل، ومثل ما كان عصير العنب قبل أن يتخمر طيبًا يؤكل ويُشرب، فإذا تخمر صار خبيثًا، وعينه هي هي، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء، فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطُر عبده إليها يجعلها طيبة، هذا وجه.
الوجه الثاني أن نقول: هي ما زالت على كونها خبيثة، لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة، وتكون الضرورة واقية من مضرته، فملابستها للضرورة مباح، وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية له.
وأظن الوجهين بينها فرق ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: بينهما فرق؛ لأنه على الوجه الأول انقلبت من الرجس إلى الطهارة، وعلى الوجه الثاني باقية، لكن هناك ما يقي مضرتها، وهذا ربما يكون أقرب إلى المعقول؛ أن خبثها باقٍ لكن الضرورة إليها أباحتها، ووقَت من المضرة من ضررها، ويؤيد هذا المعنى الحسي فإن النفس كلما كانت أشد طلبًا للشيء كان هضمه سريعًا بحيث لا يتضرر به الجسم، وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعامًا على طعام ما متى تهضم الثاني والأول يتأخر مع ما يحصل فيه من الضرر، لكن إذا أكلت طعامًا جائعًا فإنه ينهضم بسرعة وتقبله النفس ولقوة الطلب النفسي يكون هذا الخبث زائلًا ضرره، ويشهد لهذا أيضًا «ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر، فأكل منه النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «تَأْكُلُهُ وَأَنْتَ أَرْمَدُ؟»[[أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٣)، وأحمد (١٦٥٩١، ٢٣٤٨٠) من حديث صهيب بنحوه.]]؛ لأن المعروف أن الأرمد ما يأكل التمر توجع عينه زيادة، فقال: يا رسول الله، أمضغه مع الجانب الثاني؛ يعني مثلًا إذا كانت اليمنى أمضغ مع اليسرى، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ومكنه.
قال ابن القيم رحمه الله: إن الحكمة في أن الرسول يمكنه مع أنه مجتهد أن هذا ضرر؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول به الضرر ينهضم سريعًا ويتفاعل مع الجسم ويروح ضرره، فالحاصل الآن فهمنا أن الميتة إذا اضطر الإنسان إليها غير باغ ولا عاد، أين جواب من؟ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، هذه جواب (مَنْ)، وقرن بالفاء؛ لأن الجملة اسمية، وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية وجب قرنه بالفاء. ﴿إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ نحن ما نتذكر إن (لا) تنصب الاسم؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وأيش هي؟
* الطلبة: نافية للجنس.
* الشيخ: نافية للجنس؟ تنصبه، ويُبنى معها على ما يُنصب به إذا كان مفردًا، وخبرها عليه هنا ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: فلا عقوبة عليه، أو: فلا جناح.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا تعليل للحكم، الحكم انتفاء الإثم، العلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿غَفُورٌ﴾ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، هو ورد أنه من صيغ المبالغة (فعول)؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أين الشاهد من كلام ابن مالك؟
* طالب: قوله:
فُعُولَةٌ فَعَالَةٌ لِفَعُلَا ∗∗∗ كَسَهُلَ الْأَمْرُ وَزَيْدٌ جَزُلَا
* الشيخ: إيه، أنتم في واد وهذا البيت في واد.
* الطالب: قريبة من هذا.
* الشيخ: لا، ما هو بهذا، هذه أبنية المصادر، هي ما هي في أبنية المصادر هو قالها في أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين:
فَعَّالٌ اوْ مِفْعَالٌ اوْ فَعُولُ ∗∗∗ فِي كَثْرَةٍ عَنْ فَاعِلٍ بَدِيلُ
الشاهد قوله: (أو فعول). ﴿غَفُورٌ﴾ إما أن نقول: إنها صيغة مبالغة لكثرة مغفرته سبحانه وتعالى، وكثرة من يغفر له، فالكثرة هنا واقعة في الفعل وفي المحل، كيف في الفعل وفي المحل؟ الفعل اللي هو فعل الله عز وجل، وكثرة توبته على عبده، وفي المحل كثرة المغفور لهم، وقد تكون صفة مشبهة. وقوله: ﴿رَحِيم﴾ كذلك. و﴿الْغَفُور﴾ مأخوذ من (الغَفْر)؛ وهو الستر مع الوقاية، وليس الستر فقط بل الستر مع الوقاية، ومنه سمي المغفر الذي يُغطى به الرأس عند الحرب؛ لأنه يتضمن الستر والوقاية، ويدل لذلك قوله سبحانه وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن وحاسبه قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. وقوله: ﴿رَحِيم﴾ صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه تعالى الذاتية؛ ذاتية فعلية، فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية، وباعتبار تجدد ما يرحمه الله صفة فعلية، ولهذا علقها الله بالمشيئة في قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١].
فهي صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وأهل التأويل، والأصح أن نسميهم (أهل التحريف) يقولون: إن الرحمة غير حقيقية، وأن المراد برحمة الله: إحسانه أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة وإما بالفعل، وهذا لا شك أنه خطأ، وحجتهم أنهم يقولون: إن الرحمة رقة ولين، والرقة واللين لا تناسب عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة مَنْ؟
* الطلبة: المخلوق.
* الشيخ: المخلوق، إنها رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها تليق به سبحانه وتعالى.
* طالب: شيخ، النجاسة (...) حسية أو معنوية؟
* الشيخ: حسية، نجاستها حسية.
* الطالب: المعنوية اللي (...) على المضطر وغير المضطر.
* الشيخ: لا، هذه الحمير نجاستها حسية، وإذا اضطر الإنسان إليها أكلها.
* طالب: بالنسبة إلى الضفادع إذا كانت ميتة؟
* الشيخ: الضفادع ما تحل.
* الطالب: لا، غير الضفادع، إذا كانت تعيش في البر والبحر ووجدت في البر مقتولة ميتة؟
* الشيخ: تُعطى حكم البر، اللي يعيش في البر وفي البحر يُعطى حكم البر تغليبًا لجانب الحضر.
* طالب: قالوا يا شيخ مثلًا في عروسة البحر؟
* الشيخ: مَن زوجها؟!
* الطالب: ليس لها زوج، ذكر أهل العلم أنها تكون في بحر قزوين، ولو يا شيخ هذه، كيف؟
* الشيخ: هذه إذا وجدتها فاحتفظ بها وكلها.
* الطالب: يعني تكون آدمية مثل السمك؟
* الشيخ: إي نعم، نحن سمعنا هكذا، سمعنا أنه يوجد سمك على شكل آدميين، على شكل الآدميات وأنهن بعد جميلات جدًّا.
* الطالب: تأكلها؟
* الشيخ: إيه تأكلها.
* طالب: ما يشبه الآدمي؟
* الشيخ: وأيش فيها؟
* الطالب: إذا اضطر إليها؟
* الشيخ: إذا اضطر إليها فاختلف فيها أهل العلم، وهذه تأتي بالفوائد، فالمشهور عند الحنابلة: أنه ما يجوز أن يأكلها ولو اضطُر، وقالت الشافعية: إنه يجوز أكلها عند الضرورة وهو الصحيح.
* طالب: أقول: حتى المحرم مثل الكلاب والحمير؟
* الشيخ: ما هو بلحم الخنزير؟
* الطالب: لحم الخنزير يحل؟
* الشيخ: يحل؟! هذا اللي معنا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة ١٧٣] وأيش بعده؟
* الطلبة: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣].
* طالب: أظنها يعني تعود على الأول كله معطوفات على الأول؟
* الشيخ: إيه؟ إنه محرمات.
* الطالب: لا، قصدي غير باغٍ ولا عاد ما هو بالميتة خاص، ولا فيهم كلهم؟
* الشيخ: لا، حتى اللي في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فيها لحم الخنزير، المهم كل المحرمات إذا كانت تزول بها الضرورة فهي مباحة، وقولي: إذا كانت تزول بها الضرورة احترازًا مما لا تزول به الضرورة، كما لو اضطر الإنسان إلى أكل السم يجوز يأكل؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: أسهل للقتل والموت، ولو اضطر الإنسان لعطش إلى الخمر عطشان وعنده جرة خمر؟
* طلبة: يشرب.
* طلبة آخرون: ما يشرب.
* الشيخ: لا يشربها، لا يشربها يقولون: لأن الخمر يزيد العطش، فلا يشربها، لكن لو اضطر إلى الخمر لدفع لقمة غص بها، شوف العلماء رحمة الله عليهم كيف! يقول: لو غص بلقمة ولا عنده شيء يشربه إلا جرة خمر فإنه يشرب لدفع اللقمة فقط، إذا اندفعت يقف.
* طالب: يا شيخ، إذا رأيت غاصًّا يشرب؟!
* الشيخ: لا، أعوذ بالله! أخاف إذا راح يتغصص يشرب غاص ولا عاد ينفعه!
* طالب: فضيلة الشيخ، الزنا، إذا اضطر؟
* الشيخ: ما فيه ضرورة هذا، الزنا ما فيه ضرورة أبدًا، يعني غاية ما هنالك ثوران الشهوة، ويمكن تخفيفها بأسباب أخرى.
* طالب: يجوز تخفيف الشهوة بأسباب أخرى؟
* الشيخ: إي نعم، عند الضرورة، نعم، عند الضرورة.
* طالب: شيخ قيد الخنزير بلحم أيش مفهومه؟
* الشيخ: تقدم.
* طالب: إذا أطلق يشمل الجميع.
* الشيخ: تقدم إذا أطلق اللحم؛ فالمراد به كل ما في هذا الجسد من الحيوانات.
* الطالب: وأيش معنى التقييد؟
* الشيخ: ما فيه تقييد.
* الطالب: (...) الميتة أفضل؟
* الشيخ: الميتة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: الميتة لأن أصلها حلال.
(...) أنصاري وأنصار؛ لأن اللي ينسب لأبي حنيفة يقال: حنفي، والحنفي.
* طالب: يقولون: إنه ليس أحنف، يعني الأحناف؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح، أحناف مثل: أنصاري وأنصار، حنفي وأحناف ما فيها شيء.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أين التفسير؛ القول الأول ولَّا الثاني؟
* الشيخ: لا، الأرجح الثاني.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤].
الجملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ مكونة من (إن) الدالة على التوكيد و(الذين) اسمها، و﴿أُولَئِكَ﴾ (أولاء): مبتدأ. و﴿مَا يَأْكُلُونَ﴾ الجملة خبره، والجملة من المبتدأ وخبره خبر (إن).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يكتمون بمعنى: يخفون، والإخفاء يكون عند السؤال، وعند عدم السؤال، فمتى دعت الحاجة إلى بيان العلم بسؤال أو بغيره وجب على من عنده علم أن يبينه ويظهره.
وقوله: ﴿يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الكتاب المراد به؛ إما أن تكون (أل) للعهد، أو (أل) للجنس، فإن قلنا: للعهد؛ فالمراد بها التوراة، ويكون المراد بالذين يكتمون: اليهود؛ لأنهم كتموا صفة النبي ﷺ، وإن قلنا: بأن (أل) للعموم شمل جميع الكتب؛ التوراة والإنجيل وغيرهما، ويكون الذين يكتمون يشمل اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا أرجح لعمومه. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أنزله على رسله، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٥]. فكل رسول فإن معه كتابًا من الله عز وجل يهدي به الناس.
وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤] يشترون يعني يأخذون. ﴿بِهِ﴾ أي: بما أنزل الله، ويجوز أن يكون الضمير عائدًا على الكتم؛ يعني يشترون بهذا الكتم. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هذا الثمن ما هو؟ هل هو المال أو الجاه؟ الحقيقة أن كلًّا منهما يصح أن يكون ثمنًا، ويصح أن يكون مرادًا لولا أن قوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤] تُرجح أن المراد به المال.
وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني يُعطون مالًا ويُقال: اكتموا هذا العلم، لا تبينونه، اسكتوا عن بيانه، وهذا واقع من اليهود والنصارى، ومن هذه الأمة أيضًا، فإن من أهل العلم من يكتم العلم من أجل الدنيا فيشتري به ثمنًا قليلًا. طيب ولو اشترى ثمنًا كثيرًا؟
* الطلبة: فهو قليل.
* الشيخ: فهو قليل، فهو بالنسبة إلى الآخرة قليل، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة ٣٨] عقوبة هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾. ما يأكلون إلا النارَ؛ (النارَ) مفعول (يأكلون)؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ يعني هؤلاء ما يأكلون إلا النار، وتأمل كيف جاءت العقوبة في الجملة الاسمية، وأيش الأجل؟
ثبوت هذه العقوبة واستقرارها فكأنها كُررت مرتين لو كانت الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ- استقام الكلام، لكن ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ﴾ أُعيد المبتدأ مرة ثانية فكأن الجملة مكررة.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد ولا للقريب؟
* الطلبة: للبعيد.
* الشيخ: للبعيد، هل هي لعلو مرتبتهم أو لبعد مرتبتهم والنفور منها؟
* الطلبة: للبعد.
* الشيخ: نعم، للبعد منهم، والتنفير منهم، وليس لعلوهم كما في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢] لا، فهذا لدنو المرتبة والبعد عنهم. وقوله: ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ كيف إلا النار؟
نقول: نعم، هذا المال يتجرعونه نارًا والعياذ بالله، هو الآن مو هو بنار، الآن أكل وشرب، لكنه يوم القيمة يكون نارًا، وهذا كثيرًا ما يعبر الله سبحانه وتعالى بالنار عن شيء من الأفعال، الرسول ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥ / ١) من حديث أم سلمة.]]. وقال في الذي لبس ذهبًا وهو رجل: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ فَيُلْقِيهَا فِي يَدِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٩٠ / ٥٢) من حديث ابن عباس.]]. وقال: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١ / ٢٦) من حديث ابن عمرو بن العاص.]]. حين فرطوا في غسلها. وقال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٨٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن هذا العمل مخالفة لأمر الله ورسوله ومعصية فاستحق العقوبة بالنار.
قوله: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ يعني معنى هذا أنهم يُجرّعون هذه الأشياء يوم القيمة نارًا. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يكلمهم؛ يعني تكليم رضا؛ فالنفي هنا ليس نفيًا لمطلق الكلام، ولكنه للكلام المطلق الذي هو كلام الرضا، ولا يمنع أن يكلمهم كلام توبيخ كما في قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨].
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ نعم ما يُزكون يوم القيمة؛ لأن المؤمنين يُزكون ويشهد لهم بالتزكية، يزكيهم الله عز وجل فيقول: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] فيكون مغفورًا له، كذلك أيضًا يُزكّون بأنهم أخذوا كتابهم بأيمانهم؛ لأن أخذ الكتاب باليمين أو إعطاء الكتاب باليمين تزكية، لكن غير المؤمنين لا يُزكون، يأخذون كتبهم بالشمال، ويُنادى على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (فَعِيل) هنا بمعنى (مُفْعِل) مُؤلم؛ أي: موجع، والعذاب هو النكال والعقوبة (...).
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣].
مناسبة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٧٢]. فلما أمر بالأكل من الطيبات بيَّن ما حرم علينا من الخبائث، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله؛ أربعة أشياء، تحريم هذه الأشياء الأربعة.
* ومن فوائدها: أن التحريم إلى الله لقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾. والمحرم هو الله عز وجل؛ وهو المحلِّل.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهل به لغير الله، من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿إِنَّمَا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّمَا﴾ لأنها أداة حصر، لكن هذا الحصر قد بُيِّن أنه غير مقصود؛ لأن الله حرم في آية أخرى غير هذه الأشياء أو لا؟ حرم ما ذبح على النصب وليس داخلًا في هذه الأشياء، «وحرم النبي عليه الصلاة والسلام كل ذي ناب من السباع[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢ / ١٢) من حديث أبي ثعلبة.]] وكل ذي مخلب من الطير[[أخرجه مسلم (١٩٣٤ / ١٦) من حديث ابن عباس.]] وليس داخلًا في هذه الأشياء، وحرم النبي عليه الصلاة والسلام الحمر الأهلية[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦ / ٢٣) من حديث أبي ثعلبة.]] » وليس داخلًا في هذه الأشياء، إذن فيكون هذا الحصر قد بُيِّن انفكاكه في القرآن، وأيش بعد؟
* الطلبة: والسنة.
* الشيخ: والسنة.
* من فوائد هذه الآية: تحريم جميع الميتات لقوله: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ و(أل) هذه للعموم إلا أنه يُستثنى من ذلك السمك والجراد؛ يعني ميتة البحر، والجراد للأحاديث الواردة في ذلك، ويستثنى من الميتة؟
* طالب: الجلد.
* الشيخ: الجلد؟! ولكنه الصحيح أنه لا يستثنى؛ لأنه غير داخل في ذلك، غير داخل في التحريم، المحرم هنا أيش؟
* الطلبة: الأكل.
* الشيخ: الأكل؛ لأنه قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣ / ١٠٠) من حديث ابن عباس.]]. وعلى هذا فلا يُستثنى من هذا شيء أو لا؟ نعم ما يستثنى.
ويستفاد من هذه الآية: تحريم الدم لقوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾. وهو هنا مطلق، لكنه قُيد في سورة الأنعام بالدم المسفوح، وعلى هذا فيكون إطلاق هذه الآية مقيدًا بسورة الأنعام؛ يعني الدم المسفوح، وبناء على هذا القيد يستفاد منه: أن الدم الذي يبقى بعد خروج الروح بالحيوان المذكى، حلال ولَّا لا؟
* الطلبة: حلال.
* الشيخ: حلال.
* ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم لحم الخنزير لقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، وهو شامل لشحمه وجميع أجزائه، وليس من باب العموم المعنوي، بل هو من باب العموم اللفظي لحم الخنزير؛ لأن اللحم يطلق على كل ما يؤكل من الحيوان، وإن كان بعضه عند القرن أو عند الاقتران يخرج منه، فإذا قلت: لحم وشحم صار اللحم غير الشحم، وإذا قلت: لحم وكبد صار الكبد غير اللحم، وعند الإطلاق يشمل الجميع.
* ومن فوائد الآية: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه، من أين؟
* الطلبة: ﴿مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: تحريم ما ذُبح لغير الله، ولو ذُكر اسم الله عليه، مثل من يقول: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا للصنم الفلاني؛ لأنه أُهل به لغير الله أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: * ومن فوائد الآية: أن الشرك يُؤثر حتى في الأعيان، هو نجاسة معنوية، لكن يؤثر حتى في الأعيان، هذه البهيمة التي أهل لغير الله بها وأيش تكون؟
* طالب: نجسة، محرمة.
* الشيخ: نجسة، خبيثة، محرمة، والتي ذكر اسم الله عليها طيبة، حلال. تأمل قدر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوس، وهو جدير بأن يكون كذلك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨].
لو أنه مو بنجاسة، بدنهم ما هو نجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي وفساد عقيدته وطويته صار مؤثرًا حتى في الأمور المحسوسة.
* ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله، من أين نأخذه؟
* الطالب: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: عند الإخلاص تكون الذبيحة طيبة، وعند الشرك تكون الذبيحة خبيثة.
* الشيخ: نعم، صح.
* ومن فوائد الآية: أن الضرورة تبيح المحظور لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. من قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
* ومنها: لكن هذه الضرورة لاحظوا أنها تبيح المحرم بشرطين:
الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناوله.
والشرط الثاني: زوال الضرورة به بحيث يندفع الضرر. أنتم فاهمين؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يشترط شرطان: الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا به. والثاني: زوال الضرورة به.
إنما قلنا ذلك لئلا يورد علينا مورد مسألة التداوي بالمحرم، التداوي بالمحرم بعض العلماء أو بعض العوام يظنون أنه من باب الضرورة، وأن الإنسان إذا اضطر إلى التداوي بالمحرم حل له، نقول: هذا ما هو صحيح لسببين: لأن كلا الشرطين منتفي، أو لا؟ كلها منتفيات في باب التداوي كيف ذلك؟
لأن صدق الضرورة غير موجود؛ إذ يمكن أن يتداوى بشيء مباح، ويمكن أن يُشفى بدون تدواي، ما هو بظاهر؟
ثانيًا: هل إذا تداوى بهذا المحرم تندفع ضرورته؟ يمكن يشفى ويمكن يموت ما هو على كل حال، وليس هذا من جنس الأكل اللي ما عنده إلا ها الميتة، ما عنده غيرها، هذا نعلم أنه إذا أكل منها تندفع ضرورته، أو لا؟ ونعلم أنه ما دام ما عنده غيرها مضطر، فبينهما فرق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رحمة الله عز وجل، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن هذا من رحمة الله بالعبد أن أباح له المحرم لدفع ضرورته.
* ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها، من أين نأخذها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نحن ذكرنا أثناء الشرح وجهين وهما: هل هذه الأعيان انقلبت طيبة أو هي باقية على خبثها، لكنها أُبيحت للضرورة؛ ولأن النفس لشدة حاجتها إليها تهضمها وتقبلها حتى لا تتضرر بها؟ ذكرنا في هذا قولين لأهل العلم أو وجهين، وقلنا: إن كليهما حق، فكما أن الحمير كانت بعد أن كانت حلالًا طيبة صارت بتحريمها رجسًا، صارت رجسًا نجسة، وهي أمس هذا الحمار حلال طيب واليوم صار حرامًا خبيثًا، والله على كل شيء قدير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم.
* ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة الأئمة من أن أسماء الله سبحانه وتعالى المتعدية يستفاد منها: ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها. مو قلنا: الأسماء المتعدية تتضمن الاسم والصفة والأثر اللي هو الحكم، العلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر وهو الحكم؛ لأنه لكونه غفورًا رحيمًا غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته ورحمه بحلها. فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله عز وجل تدل على الذات والصفة والحكم، على الذات اللي هو الاسم؛ على الاسم والصفة والحكم، كما أقر ذلك أهل العلم رحمهم الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تناول المحرم فهو آثم بدون عذر من أين نأخذها؟
* الطلبة: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فعُلم منه أنه إذا كان غير مضطر فعليه الإثم.
* ومن فوائدها عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص، من أين تؤخذ على هذا الرأي؟ من قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فإنهم قالوا: إن المراد بالباغي: الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره. وقالوا: إن العاصي بسفره أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخص من رخص السفر؛ فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، جميع رخص السفر ما تحل له، ولا يفطر في رمضان، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وقد أشرنا إليه فيما سبق.
* طالب: شيخ، تحريم قتل النفس مثل الإنسان يجب عليه أن يأكل (...) ضرورته؟
* الشيخ: ما هو بواضح؛ لأن الآية فيها الإباحة، لكن قد يقال: إنه يستفاد من إباحة المحرم وجوب تناوله؛ لأن المحرم ما يُنتهك إلا بواجب. وهذه قاعدة ذهب إليها بعض أهل العلم، قال: إن المحرم إذا انتُهك فهو دليل على الوجوب، لكنها ما هي مطردة في الحقيقة مثل ما قالوا في وجوب الختان، بعض العلماء أخذوا وجوبه من هذه القاعدة، قالوا: إن الأصل أن قطع الإنسان شيئًا من بدنه حلال ولَّا لا؟
* طالب: حرام.
* الشيخ: حرام، والختان قطع شيء من بدنه، ولا يُنتهك المحرم إلا بواجب، فقرروا وجوب الختان من هذه القاعدة، لكنها ما هي مطردة تمام الاطراد، ولهذا مثلًا يجوز للمسافر أن يفطر، والفطر انتهاك محرم، مع أن الفطر ليس بواجب؛ فهي ما هي مطردة اطرادًا بيِّنًا.
* طالب: أقول: عندهم دليل على ما يترخص العاصي في سفره؟
* الشيخ: ذكرنا فيما سبق يا أخي؛ قلنا: شيخ الإسلام يرى أنه لا فرق بين العاصي بسفره وغير العاصي؛ لأن هذه الأحكام عُلقت بالسفر، والعاصي يأثم، وأحكام السفر باقية.
* طالب: بالنسبة لذبائح أهل الكتاب بأي طريقة تكون تحل للمسلمين ولمن؟
* الشيخ: بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥].
* الطالب: بالنسبة يعني لذبائحهم؛ يعني هم لهم طريقة غير طريقة المسلمين.
* الشيخ: «طعامهم ذبائحهم. » كما قال ابن عباس رضي الله عنه[[أخرجه الطبري في التفسير (٩ / ٥٧٨).]].
* الطالب: أقصد إذا ذبحوا بطريقة غير الطريقة الإسلامية؟
* الشيخ: إذا أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه حل.
* الطالب: يشترط ذكر اسم الله عليه؟
* الشيخ: لا بد من اسم الله نعم.
* الطالب: لو بطريقة يعني لو ضربوها مثلًا ضربة معينة؟
* الشيخ: لو ضربوها ضربة معينة ولما غُشي عليها ذبحوها حلّت.
* الطالب: ما ذبحوها، ما ذبحوا الذبح المعروف؟
* الشيخ: وأيش لون ذبحوها؟ كيف ذبحوها؟
* الطالب: بالظفر مثلًا.
* الشيخ: بالظفر؟ بالظفر ما تحل؛ لأن الرسول استثناها قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]].
* الطالب: إذا كانت هذه طريقتهم؟
* الشيخ: ما تحل، لكن وأيش يذبحون الشاة بظفورهم؟
* الطالب: لا، مو شاة، دجاجة.
* الشيخ: ما تحل.
* طالب: يا شيخ، المسلم إذا نسي التسمية؟
* الشيخ: ما تحل.
* طالب: الحمار، هل في دليل على أنه كان طيبا قبل التحريم؟
* الشيخ: إي نعم، حله يدل على طيبه.
* الطالب: طيب ما يكون هذا من أعمال الجاهلية مثل أكلهم الميتة، ما نقول بأنها حلال قبل؟
* الشيخ: لا، هذا أحله الشرع يأكلونه أكلًا.
* الطالب: الميتة، هل نقول: إنها كانت طيبة؟
* الشيخ: الميتة كانت طيبة فخبثت بالموت.
* الطالب: بس تقول: كانت طيبة وميتة، فصارت خبيثة.
* الشيخ: لا، ما هي بحلال، ما جاء في الشرع حِلها.
* طالب: ما الفرق بينها وبين الحمار؟
* الشيخ: الحمار كانت حلالًا يأكلونها، لكن الميتة ما كانوا يأكلونها أصلًا، ولهذا ابن عباس يرى رضي الله عنه حل الحمار حتى بعد التحريم؛ يقول: لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام ١٤٥]، وأين الحمار؟
وبعض العلماء يحرمها إذا دعت الحاجة إلى بقائها، فمثل وقتنا -على رأي بعض العلماء- يجوز أكلها، لكن الصحيح أنها رجس ما تحل.
* طالب: شرب الخمر، أما كان خبيثًا؟
* الشيخ: الخمر أيضًا حُرم، لكن الخمر الصحيح أنه ما هو بنجس لذاته، ما هي نجاسة عينية.
* طالب: من الخبث.
* الشيخ: الخبث عملي، فنجاسة الخمر معنوية، هذا هو الصحيح، ولهذا لا ينجس الثياب.
* الطالب: ولكن يا شيخ، يؤثر في العقل.
* الشيخ: يؤثر في العقل، غالبًا ما يؤثر في العقل، أكثر ما حرم من أجل هذا، ولهذا علل الله التحريم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ٩١].
* الطالب: يعني ما يحكم بخبث الخمر؟
* الشيخ: الخبث المعنوي.
* طالب: يا شيخ، ولد الشاة يكون في بطنها ما تذكى يجدونه في بطنها؟
* الشيخ: إيه، ذكاته ذكاة أمه. المهم أننا نقول: يا إخوانا، بالنسبة للذكاة والصيد وما أشبه ذلك لها أبواب معينة، لكن اللي في بطن الأم إذا ذُبحت فذكاته ذكاة أمه.
* طالب: شيخ، حديث عائشة: «إِنَّا نُؤْتَى بِلَحْمٍ فَلَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ » هناك شيء من التعارض؟
* الشيخ: قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»[[أخرجه البخاري (٣١٧٤) من حديث عائشة.]]؟
* الطالب: المعنى مختلف الآن؛ يعني كيف يجمع بينه وبينهم؟
* الشيخ: ما بينها تناقض، ما بينها تعارض حتى يحتاج الجمع.
* الطالب: لكن هذا في الذبح.
* الشيخ: هذاك في الذبح، لكن الأصل أن ما ذبحه المسلم فقد سمى، هذا هو الأصل، فأنت لا تشكك في فعل غيرك لو كان القوم الذين سألوا الرسول ﷺ قالوا: إن قومًا يأتونا باللحم لا يذكرون اسم الله عليه. صار فيه شيء من المعارضة.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤].
ذكر الله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أي يخفون. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب نشر العلم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال، كيف لسان المقال؟
يأتي إنسان ويسألك، ولسان الحال أن يقع الناس في أمر يحتاجون إلى بيان أنه محرم أو يهملوا أمرًا يحتاجون إلى بيان أنه واجب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الكتب مُنزلة من عند الله لقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾. ويستفاد منها: أنها كلام الله، من أين تؤخذ؟
* الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة ١٥٩].
* الشيخ: ﴿مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤].
* طالب: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾.
* الشيخ: يستفاد أنها كلام الله.
* طالب: قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ طيب، فتكون كلامه.
* ويستفاد منها: العلو، علو الله عز وجل لقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ﴾، فإذا ذكر أن الأشياء تنزل منه فهو عالٍ سبحانه وتعالى.
* ويستفاد من هذه الآية: أن هذا الوعيد على من جمع بين الأمرين: يكتمون، ويشترون به ثمنًا قليلًا، فأما من كتم بدون اشتراء أو اشترى بدون كتم، فإن الحكم فيه يختلف، إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩].
وأما الذين اشتروا بدون كتمان فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود ١٥].
فالناس ثلاثة أقسام: قسم يكتم لا للدنيا، لكن بخلًا في العلم أو ما أشبه ذلك، قسم آخر يبين، لكن لا لله بل للدنيا، فهذا أراد بعمله الدنيا؛ مثل الإنسان يُعلِّم بأجرة، يُعلم الناس بأجرة، أو: قصدي ينشر العلم بأجرة، وإلا التعليم الصحيح أنه جائز، التعليم بأجرة الصحيح أنه جائز، لكن يتعلم للدنيا، هذا لا شك أن نيته باطلة، وقسم ثالث: يكتم لغرض من الدنيا مثلًا يكتم لأجل رئاسته، مثل ما فعل اليهود؛ كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام لتبقى رئاستهم، أو إنسان مثلًا قال قولًا، ثم تبين له أن الحق بخلافه، ثم كتم الحق، يظن بنظره القاصر أنه إذا رجع عن قوله الأول انحطت مرتبته عند الناس، فيريد أن يبقي على منزلته على زعمه، ولا يرجع عن قوله الذي تبين له خطؤه، وهذا أيضًا كتم شو لأجله؟ ليشتري ثمنًا قليلًا، وهو الجاهل كل شيء يراد للدنيا فهو ثمن قليل سواء كان جاه، أو رئاسة، أو إدارة، أو مال، أو زوجة، أو أي شيء، كل ما يراد للدنيا فهو قليل، فهو من الثمن القليل، واضح الآن؟ فصار الناس ينقسمون في هذا الباب إلى كم؟
* الطلبة: ثلاثة أقسام.
* الشيخ: ثلاثة أقسام، كلهم مذمومون، أما من أظهر لله وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام، وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه وقلمه ما أنزل الله عز وجل، فهذا هو القسم الرابع، وهو خير الأقسام.
* طالب: من يكتم خوفًا يا شيخ، ما داخل فيهم الذي يكتم خوفًا يعني؟
* الشيخ: والذي يكتم خوفًا إذا كان سيُبين في موضع آخر فلا بأس، أما إذا كان بيكتم مطلقًا فهذا ما يجوز، يجب أن يبين ولو قُتل.
* طالب: ولكسل يعني، ما عنده سوء ظن، لكن كسل، لكن ما يبين، يعني عنده علم وما يبين؟
* الشيخ: إيه، إن دعت الحاجة إلى بيانه وجب عليه أن يبين، ولا يجوز، فإن لم تدعُ، افرض أنه في بلد فيه ناس مثلًا يبينون العلم وينشرونه بين الناس، وهو عنده علم لكنه يقول: علمي ما احتيج إليه ولا سألني سائل، فهذا ما يجب عليه، إن بين فهو أوْلى لا شك؛ لأنه يزيد الآخرين قوة إلى قوتهم، وإن سكت فأظن أن يكون في حل ما دام أن الأمر قد قام به غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الدنيا قليل لقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤]. هذا وجه في الآية، ويحتمل أنهم يشترون ثمنًا قليلًا حتى في أعين الناس، لكن بانحطاط هدفهم ومرتبتهم كانوا يخفون عدة آيات من أجل الحصول على درهم واحد، يكون هنا القليل حتى بالنسبة لأعين الناس، وليس هذا ببعيد؛ لأنهم يكتمون من أجل حظ قليل من الدنيا والدنيا كلها قليلة؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- قد يفعل عالم الدولة لا عالم الملة قد يفعل هذا، قد ينظر ما تختار دولته من رأي، ثم يحاول أن يطوع النصوص لهذا الرأي، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدأ بعض الناس الذين ينتسبون إلى العلم بدؤوا يطوعون بعض النصوص إلى رأيهم؛ إلى الاشتراكية، وسمعناهم نحن بأنفسنا من الكتاب والسنة، وقالوا: الكتاب والسنة مملوء من أن الاشتراكية حق، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨].
شوف كيف عين الأعور وأيش لون نَظَرت إلى زاوية وتركت زاوية؟! قالوا: فأنتم فيه سواء، خلاص أنتم فيه سواء، الناس سواء فيما رزقهم الله، لكن تركوا أول الآية وهو: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ومعنى الآية هذه فأنتم فيه سواء مبني على الأول؛ يعني هل لكم شركاء فيساوونكم، وأيش الجواب لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو إن العبد يجيء الصندوق أو يلمس المفتاح، هل عبدي يجي شاك ويقول: والله أنا عبدك، أنا بآخذ من مالك، وأيش الجواب؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، كيف ها العبيد هذه عبيد لله تعبدونهم من دون الله؟! هذا ضرب مثل لمشرك، هؤلاء فرحوا فقالوا: فأنتم فيه سواء، خذ، وقال النبي ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ»[[أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٢٩) من حديث رجل من المهاجرين، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٢) وأحمد (٢٣٠٨٢) من حديث ابن عباس بلفظ: «المسلمون...».]]. فأثبت الاشتراكية. وهات منها الأدلة اللي جمعوها من الآيات والأحاديث المتشابهة ليموهوا بها على الناس، مثل هؤلاء العلماء يدخلون في الآية هذه، اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا والعياذ بالله، والواجب أن يكون العالم عالم ملة لا عالم دولة حتى يكون لله عز وجل قائمًا بأمر الله عز وجل.
* طالب: الجواب على الحديث.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»؟
* الشيخ: الجواب أنه خص الثلاث؛ هذا عليهم ما هو لهم، لكن هذه الثلاث حيث ما لهم بها قدرة من الله عز وجل: الماء، والكلأ، والنار، ما يختصون بها فالأنهار كل يأخذ منها (...)، كذلك نقع البئر ما هو لك، الذي يخرجه الله عز وجل، وكذلك الكلأ اللي ينبت بدون إنباتك في الأرض، ما هي لك، كذلك أيضًا النار، لو أن أحدًا أراد يقتبس، تقول له: تعالَ، لا تقتبس، هذه ناري أنا، يقول: لا، أنتم شركاء. من الذي أوقد النار لك؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الله عز وجل.
* الطالب: البئر يا شيخ، أنا اللي لففت فيه الحبل؟
* الشيخ: إيه، لكن أنا مو بعد اللي أخرجته، أنت أحق به؛ لأنك حفرته، لكن أنت بتمنع مع الفضل ما يجوز لك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق المسبَّب على السبب، من أين نأخذها؟ ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤]، هم مو بيأكلوا النار، بيأكلوا المال، لكنه مال سبب للنار؛ فيكون هذا من باب إطلاق المسبَّب على السبب.
* طالب: مجاز مرسل.
* الشيخ: وبعدين فيه أيضًا إثبات العدل في الجزاء لقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، فجعل المأكول على قدر المأكول، أو لا؟ ما يأكل إلا النار وفاقًا بوفاق على قدر ما يأكل، يأكل نارًا؛ فيكون في هذا إثبات العدل في الجزاء.
يقول الشاعر على هذه المسألة، وإن كان محلها التفسير يقول:
أَكَلْتُ دمًا إنْ لم أُصِبْكِ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوَى القُرْطِ طَيِّبَةِالنَّشْرِ
أكلت دمًا: يخاطب زوجته، هذا أعرابي تزوج امرأة ونشزت، ولكنه قيل له: إنك إذا رحت للشام ففيها وباء يقتل النساء، وراح بها للشام وقال:
دِمَشْقُ خُذِيهَا وَاعْلَمِي أَنَّ لَيْلَةً ∗∗∗ تَحْمِلِينَ عُودَيْ نَعْشِهَا لَيْلَةُالْقَدْرِ
يعني يقول للشام: خذي هذه المرأة، اقتليها، واعلمي أن اليوم اللي تحمل فيها هذه المرأة على أعواد النعش الليلة هي عندي ليلة القدر، مثل ليلة القدر، ثم قال: أكلت دمًا هذا الشاهد
أَكَلْتُ دمًا إنْ لم أَصِبْكِ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِالنَّشْرِ
وأيش معنى بعيدة مهوى القُرط؟
* طالب: أن عنقها طويل.
* الشيخ: يعني أن عنقها طويل؛ القرط اللي يكون في الأذن، إذا صار بعيدًا مهواه؛ معناه أن الرقبة طويلة، وطول الرقبة في النساء محمود، وطيبة النشر يعني طيبة الرائحة. قوله: أكلت دمًا، قال بعضهم: إن المعنى: أكلت دية، سببها الدم، وأنهم كانوا في الجاهلية يُعيِّرون الإنسان إذا قتل له قتيل فأخذ الدية، وهو يدعو على نفسه بهذا الذل، إني ما آخذ بالثأر، آخذ الدية، فقال: أكلت دمًا، نعم، وجاؤوا به شاهدًا على هذه الآية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل لقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. ولكن لماذا لا تقولون الآن الكلام منفي؟ كيف تستدلون به على إثبات الكلام؟
* الطلبة: يكلمهم الله.
* الشيخ: إيه، نقول: لو كان لا يتكلم لا معهم ولا مع غيرهم ما صار في نفي الكلام عنهم فائدة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: فنفيه لكلامه هؤلاء يدل على أن غيرهم يكلمه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. كلام الله عز وجل هل هو المعنى القائم بنفسه المعبر عنه بالحروف، أو هو الحرف والمعنى؟
* طالب: الحرف والمعنى.
* الشيخ: هو الحرف والمعنى، الله تعالى يتكلم بكلام؛ بحروف وأصوات، أين اللي ما يشبه كلام المخلوقين؟ هل هي حروف ولَّا الأصوات؟
الشيخ: المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟ أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) لفظ الآية، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فتخصيصه باليوم يدل على أنه يتعلق بالمشيئة.
* ومن فوائد الآية: أن كلام الغضب ليس بكلام؛ فإن الله يكلمهم كلام غضب ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكنه في الحقيقة ليس بكلام، لو أن أحدًا من الناس كلمك يوبّخك ما قيل: هذا تكلم معك كلام رضا، بل كلام توبيخ قد يكون عدمه خيرًا من وجوده.
* طالب: هذا التوبيخ يا شيخ بعد القيامة وهم في النار؟
* الشيخ: إي نعم، وهي من القيامة، هذه في النار، كل ده داخل في يوم القيامة. ما كملنا الآية.
(...) ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، أولًا نريد خبر (إنّ) في هذه الجملة (...)، ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، الاستثناء هذا ما نوعه؟
* طالب: مفرغ.
* الشيخ: مفرغ، إذن النار وأيش إعرابها؟
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: لأيش؟
* الطالب: لـ(يأكلون).
* الشيخ: من فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومن فوائدها: أن يوم القيامة يزكَّى فيه الإنسان، وذلك بالثناء القولي والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن في ذنوبه: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، وأما الفعلي فإن محل الثناء أنه يعطَى كتابه بيمينه ويشهد الناس كلهم على أنه من المؤمنين، وهذه تزكية بلا شك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾.
* ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألمًا نفسيًّا أو ألمًا جسمانيًّا؟ الجميع، لو لم يكن من الألم النفسي إلا أن الله يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، هذا من أبلغ ما يكون - والعياذ بالله - من الألم النفسي. فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية الكريمة وبين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠]؟ نشوف.
* طالب: التزكية توفيق من الله عز وجل، الإنسان يزكي نفسه بتوفيق من الله عز وجل، فبمعنى أنه توفيق من الله عز وجل فالمزكي حقيقة هو الله تبارك وتعالى.
* طالب: قوله: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: فعل ما يزكيها، أما المزكي في الحقيقة فهو الله.
* الشيخ: إي، مثل ما قال الأخ.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب الأخ يقول: ما بينهم تعارض؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩] لأنه قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٧ - ٩] فيه احتمال أن المزكي هو الله، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: من زكاها، قد أفلح من زكاها الله، وتكون (من) بمعنى (التي)، ولكن هذا بعيد، ويدل على هذا قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ١٠]. فالجمع بينهما أن يقال: تزكية الإنسان نفسه أن يعمل ما فيه زكاتها، وتزكية الله للإنسان خَلقًا وتقديرًا.
البقرة 2:175
ثم قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة ١٧٥] (أولئك) المشار إليهم الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا، ﴿اشْتَرَوُا﴾ بمعنى اختاروا الضلالة على الهدى، ولكنه عبر بهذا لأن المشتري طالب راغب، فكأن هؤلاء والعياذ بالله طالبون راغبون للضلالة بمنزلة المشتري، الإنسان المشتري للسلعة معناه أنه طالب لها راغب فيها، وقوله: ﴿الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، الضلالة هنا كتمان العلم فإنه ضلال، وأما الهدى فهو بيان العلم ونشره، فالإنسان الذي يكتم العلم لا شك أنه ضال، وذلك لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر والتبليغ، ولأنه جهل على نفسه حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم، فإنه - أعني العلم- ليس كالمال، المال يفنى والعلم يبقى، أرأيت الآن في الصحابة رضي الله عنهم أناس أغنياء أكثر غنى من أبي هريرة رضي الله عنه، وذِكْر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر، والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأحاديث أكثر وأعظم، أرأيت أيضًا من في زمن الإمام أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة من الخلفاء والوزراء والرؤساء والأغنياء هل بقي ذكرهم كما بقي ذكر هؤلاء؟ لا، وهكذا مَن قبلهم ومن بعدهم، فالعلم في الحقيقة كتمانه لا شك أنه ضلالة من الإنسان وجهالة، وقوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء هنا للعوض، الباء للعوض، ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن سواء كان نقدًا أم عينًا غير نقد، اللي تدخل عليه الباء هو الثمن، فإذا قلت: اشتريت منك دينارًا بثوب، وأيش الثمن؟ الثوب، وقال بعض الفقهاء: إن الثمن هو النقد مطلقًا، ولكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن الثمن ما دخلت عليه الباء، إذن ما هو الثمن الذي دفعه هؤلاء؟ الهدى، فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله- لأخذ الضلالة، و﴿اشْتَرَوُا﴾ أيضًا هذا من جهة العمل، من جهة الجزاء: ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾، اشتروا العذاب بالمغفرة، هذا باعتبار الجزاء، فلو أنهم بيَّنوا وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة، ولكنهم كتموا فجوزوا بالعذاب، ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾.
قال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ هذه (ما) تعجبية، اسم تعجب، و(أصبر) فعل ماض فعل التعجب، والهاء مفعول (أصبر)، إلا على رأي من يرى أن فعل التعجب ليس فعلًا ولكنه اسم فنقول منصوب على شبه المفعول به، ولكن الصحيح أنه فعل، وأن الضمير هنا مفعول به، أين الفاعل؟ مستتر، يعود على؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: لا، يعود على (ما)، ومعنى (ما أصبرهم) وما أشبهها من بناء التعجب معناها: شيء عظيم أصبرهم، يعني: جعلهم يصبرون، وقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قلنا: إن هذا تعجب، يعني: ما أعظم صبرهم على النار، ولكن هذا التعجب يتوجه عليه سؤالان؛ السؤال الأول: هل هذا تعجب من الله أو تعجيب منه؟ يعني بمعنى: هل أنه يرشدنا إلى أن نتعجب وليس هو موصوفًا بالعجب، أو أنه من الله؟
* طالب: من الله.
* الشيخ: هذه واحدة، إي نعم نبغي (...)، الشيء الثاني: أن قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾ يقتضي أنهم يصبرون ويتحملون مع أنهم لا يتحملون ولا يطيقون، ولهذا يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، يخفف ما هو بمعنى يدفع العذاب نهائيًّا ولو تخفيف، ولا هو بدائم - والعياذ بالله- ولو يومًا، يخفف عنا يومًا من العذاب، ومن قال هكذا فليس بصادق، والذين يقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]: ليهلكنا، صابرون؟ لا، الذي يتمنى الهلاك للخلاص مما هو فيه ما صبر، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن كيف يقول: ﴿مَا أَصْبَرَهُمْ﴾؟ يقول، نعم هذان سؤالان، أما الجواب عن السؤال الأول وهو هل هو تعجب أو تعجيب؟ فقد اختلف فيه المفسرون، فمنهم من رأى أنه تعجب من الله عز وجل؛ لأن المتكلم به هو الله، والكلام يُنسب إلى من تكلم به، ولا مانع من ذلك لا عقلًا ولا سمعًا، أي لا مانع يمنع من أن الله تعالى يتعجب، وقد ثبت لله العجب بالكتاب والسنة، فقال الله في القرآن: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢].
* طالب: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾.
* الشيخ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ قراءة سبعية ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، وهذه قراءة سبعية ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي في القرآن، والتاء هنا فاعل يعود على من؟ على الله عز وجل، على المتكلم، وأما السنة فإنها في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (١٨١) من حديث أبي رزين بلفظ: «ضَحِكَ».]]، وعلى هذا العجب لله ثابت بالكتاب والسنة، فلا مانع من أن الله يتعجب من صبرهم، لا مانع من هذا، فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب به أو منه، بما تعجب منه، وهذا يستلزم ألَّا يكون عالمًا بالأمر من قبل، فالجواب أن هذا ليس هو السبب الوحيد في التعجب، قد يكون التعجب لهذا السبب الذي قيل إن الإنسان أو المتعجب يباغَت بالأمر وهو لا يدري عنه أولًا، لكن قد يكون التعجب سببه خروج هذا الأمر عما ينبغي أن يكون عليه أو عن نظائره، أو ما أشبه ذلك، وليس المعنى أنه بغت وبهت هذا الذي تعجب، بل لأنه خارج عن نظائره أو عمَّا ينبغي أن يكون عليه لا لأنه من أجل خفاء السبب، وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ واللوم.
أما القول الثاني فإنهم يقولون: إن معنى ﴿مَا أَصْبَرَهُمْ﴾ التعجيب، يعني يقولون: ما أصبرهم، وتعجبوا من صبرهم على النار، وهذا ذهب إليه من ينكر صفة التعجب لله من أهل التأويل الذين ينكرون مثل هذه الصفات لله عز وجل، ولكن هذا القول كما مر علينا كثيرًا قول ضعيف، قول ضعيف جدًّا ولا يُلتفت إليه؛ لأنه خلاف ما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله من إجراء نصوص صفات الله عز وجل على ظاهرها اللائق بالله، وقد تقدم لنا هذا كثيرًا وبيّنّا أن النصوص في صفات الله ليست نصوصًا مطلقة، بل هي نصوص مضافة إلى مَن؟ إلى الله، فتكون لائقة به كغيرها من الصفات، كل صفة تضاف إلى موصوف فإنها لائقة به، حتى ما أضيف إلى المخلوقات، ليست الصفة المضافة إلى هذا النوع من المخلوقات كالصفة المضافة إلى هذا النوع من المخلوقات، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، بل إنه أبلغ من ذلك، ليست الصفة المضافة إلى شخص ما من بني آدم كالصفة المضافة إلى شخص آخر، تقول مثلًا: هذا الرجل تصدق بمال كثير وهو فقير، يمكن أن يكون هذا المال الكثير كم من ريال بالنسبة له؟ خمسين ريال، لكن تقول لمن يملك ملايين خمس مئة ألف مثلًا، فالحاصل أن الصفة بحسب ما تضاف إليه، فصفات الخالق جل وعلا تليق به، ولا يمكن أن نتصور أنها تماثل صفات المخلوقين حتى نحتاج إلى تأويلها، طيب، إذن القول الراجح على هذا أيش؟ أن التعجب على ظاهره وعلى بابه، وأنه واقع من الله عز وجل.
أما السؤال الثاني فهو: هل هم صبروا على النار؟ فكيف يُتعجب من صبرهم؟ قال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سببًا لها من كتمان العلم صار كأنهم صبروا عليها، مثل ما يقال للرجل الذي يفعل أشياء يُنتقد فيها، يقال له: ما أصبرك على لوم الناس عليك! مع أنه ربما أنه ما لاموه أصلًا، لكن فعل ما يقتضي اللوم، يصير معنى ﴿مَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجِبة للنار صاروا كأنهم يصبرون عليها؛ لأن الجزاء من جنس العمل، بل الله عز وجل دائمًا يقول: إنهم يُجزون ما كانوا يعملون، فيجعل الجزاء هو العمل؛ لأنه سببه المترتب عليه.
* طالب: إذا أثبتنا صفة العجب يلزمنا الآن نثبت كيف إن هذه العبارة ﴿مَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ خارجة عن نظائرها كيف (...)؟
* الشيخ: نشوف، لا، أو ما ينبغي عليه، يعني الحال التي ينبغي أن يكون عليها هؤلاء العلماء الذين من الله عليهم ما هي؟
* الطالب: أن يبينوا.
* الشيخ: أن يبينوا للناس ويظهروا الحق، فكل إنسان يتعجب من هذا الذي من الله عليه بالعلم ومع ذلك يكتم من أجل أن ينال غرضًا من الدنيا.
* طالب: إذن العجب المضاف إلى الله يعني هو حكم خروج الشيء عن نظائره أو ما ينبغي عليه؟
* الشيخ: أو ما ينبغي أن يكون عليه، إي نعم، وقلنا: إن هذا العجب قريب من معنى أيش؟ التوبيخ واللوم.
* طالب: شيخ ما يمكن نقول بالمعنيين جميعًا بأن الله يتعجب ويوحي للعباد أن يتعجبوا منه؟
* الشيخ: ظاهر الآية أنه واقع من الله فقط، ما يحتمل المعنى: فتعجبوا منه.
* طالب: شيخ لكن لولم نجد سببًا للتعجب إلا خفاء السبب؟
* الشيخ: هذا ما يمكن أن يكون، يعني كلما وجدت عجبًا مضافًا إلى الله فإنه يجب أن نلغي منه السبب هذا.
* الطالب: نلغي السبب نقول: عجب يليق بجلال الله.
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ لأننا إذا علمنا أن أحد أسباب العجب الخفاء هذا لا يليق بالله عز وجل، يجب أن ننفيه.
* الطالب: لو لقصور فهمنا مثلًا لم نجد سببًا آخر للعجب..
* الشيخ: لا، ما يخالف، أنت لا تجعل السبب هو الخفاء، أنت امنع هذا السبب وأسباب أخرى، يمكن يكون غير أنه خرج عن نظائره أو غير أنه خرج عما ينبغي أن يكون عليه، لكن هذا اللي إحنا فهمنا، وقد يكون معنى آخر يليق بالله ما نعلمه، إنما الكلام على الشيء الفاسد ما يجوز، ما يمكن أبدًا، ولهذا لا يصح أن نقول: إنه يجوز أن نصف الله بكل شيء بدون مماثلة، هذا ما هو بصحيح.
* طالب: (...) الصفات هل إذا وردت صفة سلبية كما ذكرنا أنه يثبت كمال ضدها لله؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: لكن مثلًا السِّنَة ما يثبت لله أنه يقظان، يوصف الله باليقظة؟
* الشيخ: بلى، إنه ما يجيه النعاس ولا النوم.
* الطالب: نقول: الله سبحانه وتعالى يقظان دائمًا؟
* الشيخ: ما نقول: يقظان؛ لأننا إذا قلنا: يقظان، فاليقظان إنما تقال فيمن يأتيه النوم، فيقال: هو يقظان، نقول: هو حي لا تأخذه سنة ولا نوم، حي قيوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أصل اليقظة تقال فيمن يقبل النوم، ولهذا يقال: يقظة ونوم ويقظان ونائم، فهذه من الصفات التي تتقابل تقابل العدم والملكة كما هو معروف، بمعنى أنه إذا انتفى واحد منها ثبت الآخر فيمن يكون قابلًا لها، أما الباري جل وعلا ما يكون قابلًا للنوم حتى نقول: إنه يقظان.
* طالب: التقدير صعب جدًّا.
* الشيخ: لا واضح، اليقظان معناه الذي من شأنه أن ينام، فيكون الآن يقظان، لكن نقول: حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، إي نعم.
قال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، النار هي الدار التي أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين والظالمين، لكن الظلم إن كان ظلم كفر فهم مخلَّدون فيها، وإن كان ظلمًا دون الكفر فإنه يعذَّب بحسب حاله حتى يخرج منها.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة ١٧٦] ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذُكِر من جزائهم، يعني: ذلك الجزاء الذي يجازَون به، ﴿بِأَنَّ﴾ الباء هنا للسببية، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، قد تقول: ما هو الرابط هنا بين السبب والمسبَّب؟ ما هو الرابط أنهم عُذِّبوا لأن الله نزل الكتاب بالحق؟ فنقول: الرابط واضح جدًّا؛ لأنه ما دام الكتاب نازلًا بالحق فهل من اللائق بهذا الكتاب المنزل بالحق أن يُكتم ولّا لا؟ لا، الحق يجب أن يبيَّن، فلما أخفاه هؤلاء استحقوا هذا العذاب؛ لأن الكتاب حق، نزل بالحق مصاحبًا له وحاكمًا به، إذا رأينا في القرآن نزل بالحق فالمعنى أنه نزل مصاحبًا للحق، فليس نزوله باطلًا، وحاكمًا بالحق أيضًا فليس حكمه جائرًا، وكذلك مخبرًا بالحق فليس خبره كاذبًا؛ لأنها دائمًا تأتي في القرآن، ﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: مصحوبًا به حال نزوله، فليس مكذوبًا ولا مغيَّرًا فيه ولا محرفًا، لا من جبريل ولا من محمد ﷺ. ثانيًا: حاكمًا به حاكمًا بالحق، المعنى الثالث: مخبرًا بالحق؛ لأنه كتاب نزوله يحتاج إلى أن يوصف بالحق حتى لا يكون مكذوبًا على الله عز وجل. ثانيًا: أحكامه تحتاج إلى الوصف بأيش؟ بالحق، حتى لا يكون فيها جور وظلم، ثالثًا: أخباره أيضًا موصوفة بالحق حتى لا يكون فيها كذب، سواء كانت هذه الأخبار مما يتعلق بالله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته، أو مما يتعلق بالأخبار الماضية، أو بالأخبار المستقبلة.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الكتاب المراد به هنا الجنس: القرآن والتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ هو الصدق بالنسبة للأخبار، والعدل بالنسبة للأحكام، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥].
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾، يشكل على بعض الطلبة ﴿وَإِنَّ﴾ مع أنه معطوف على ﴿بِأَنَّ﴾، وكان مقتضى العطف أن يقال: وأن الذين اختلفوا.
* طالب: هذه استئنافية، (...).
* طالب آخر: شيخ؛ لأنها في موضع الحال.
* الشيخ: طيب، لا ما هذا، هي معطوفة، لكن فيه مانع يمنع منه، فيه وجود سبب الآن، ولكن كل الأشياء ما تتم إلا بوجود الأسباب وانتفاء المانع، وهنا فيه مانع يمنع من الفتح.
* طالب: كونها سببية (...) الفتح.
* الشيخ: لا.
* طالب: اقتران جوابها باللام.
* الشيخ: نعم صح، خبرها، اقتران خبرها باللام هو اللي يمنع من الفتح، حتى إنك تقول: علمت إن زيدًا لقائم، وتقول: علمت أن زيدًا قائم، شوف، علمت إن زيدًا لقائم، أو لا، يجب الكسر؛ لوجود اللام المانعة من الفتح في خبرها.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ اختلفوا فيه، ما نوع هذا الاختلاف؟ اختلفوا فيه بأن قال بعضهم: إنه حق، وقال بعضهم: إنه باطل.
وقوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الشقاق: النزاع، وسمي النزاع شقاقًا لأن كلًّا من المتنازعَيْن في شق، هذا في شق وهذا في شق، والبعيد معروف، البعيد في المكان، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ قلت: في كونه حقًّا أو باطلًا، ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، هل أحد من هؤلاء الذين كتموا اختلفوا؟ الجواب: نعم، فإن من هؤلاء مَن بَيَّن ووضّح، لكن الذين اختلفوا هم الذين في الشقاق البعيد، أما من بين ووضح فهو على الحق، فمثلًا عبد الله بن سلام بيّن ووضح وهو من اليهود، والنجاشي من أين؟ من النصارى وبيّن ووضح وآمن، لكن البقية مختلفون ومتنازعون فهم في شقاق بعيد، والآية هذه واضحة في أن الاختلاف ليس رحمة، بل إنه شقاق وبلاء، وبه نعرف أن ما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[انظر: أسنى المطالب (ص٣٣)، والمقاصد الحسنة (ص٦٩).]] لا صحة له ولا يصح، وليس الاختلاف برحمة، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فإنهم ليسوا مختلفين، نعم الاختلاف رحمة بمعنى أن من خالف بحق باجتهاد فإن الله تعالى رحمه بأيش؟ بالعفو عنه إذا أخطأ، وجعل له أجرًا، هذا صحيح، وأما أن يقال: إن الاختلاف رحمة، كان معناه يجب علينا كلنا الآن أننا نسعى إلى الاختلاف؛ لأنه هو سبب الرحمة على زعم هذا المروي، فالصواب أن الخلاف شر، لكن رحمة الله تعالى وسعت المختلفين، بمعنى أن من خالف باجتهاد فإن رحمة الله تعالى تسعه.
* طالب: لكن فيه إشكال في ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، بعض العلماء يقول: ما خُلقوا للاختلاف، وبعضهم قال: خُلقوا للاختلاف (...) الآية التي بعدها.
* الشيخ: فيه خلاف في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ﴾، هل هو للرحمة، أو هو عائد على الاختلاف، والصواب أنه عائد على الاختلاف؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]. لكن المرحومون الذين رُحِموا متفقون على الحق.
* طالب: شيخ، ولكن اختلاف العلماء من عهود الصحابة إلى عهدنا هذا كثرت حتى في المذهب الواحد، يختلفون العلماء كثيرًا، هل هو رحمة بالنسبة للعوام لعامة الناس أو لا؟
* الشيخ: الظاهر أنه لعامة الناس بلبلة، لكن بالنسبة للمجتهد إذا أخطأ، وأما العامي فإن تتبع الرخص هو حرام عليه كما هو معروف، إذا تتبع الرخص وقال: والله أنا باخذ بالأسهل من المذاهب أو من الأقوال، هذا ما يجوز؛ لأنه اتبع هواه.
* طالب: بس مشكلة يا شيخ، نقول يعني من عهد الصحابة إلى الآن ولا عصر يعني خلا من الخلاف نقول: إنه شر؟
* الشيخ: نعم، لكن هذا الخلاف اللي حصل بالنسبة للمختلفين ما اختلفوا في الواقع؛ لأن الهدف واحد وهو الوصول إلى الحق، أنا مثلًا عندما أخالفك في مسألة، وأنا أعرف أنك رجل مخلص وناصح وتريد الحق ما أعتقد إنك خالفتني الآن.
* الطالب: صحيح.
* الشيخ: لأن الهدف واحد، الخلاف خلاف الأهواء اللي يريد الإنسان أن يتعصب لهواه.
* الطالب: هو لأهل العلم واضح، لكن أنا سؤالي للعوام لعامة الناس؟
* الشيخ: عامة الناس بارك الله فيك عامة الناس يسألون أهل العلم، وكل يسأل من يثق به من عصر الصحابة إلى اليوم، كل يسأل من يثق به، وحينئذ يكون مطمئنًّا إلى قوله، فلا يبقى شر عليه؛ لأن القول أمامه واحد، القول أمامه واحد، حتى العلماء قالوا: لو اختلف عليه شخصان في الفتوى ولم يترجح عنده أحدهما يخيَّر.
* الطالب: خلني أضرب مثال ليوضح، يعني واحد عندنا يسأل عالمًا عن حكم مثلًا الوضوء من لحم الإبل، وهو (...)، فيفتيه يقول: توضأ من لحم الإبل. (...)
* الشيخ: نعم لكن لا بد أن يكون هذا مثل ما قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، أما بالنسبة للمؤمنين فلا شك أنهم لو اتفقوا لكان أحسن، ولكن الله تعالى يبلوهم بهذا الشيء، فهو باعتبار تقدير الله لا شك أنه حكمة.
* طالب: هذا الأحسن من هذا الصحابي (...) أبدًا؟
* الشيخ: نعم حكمة، ونقول بالنسبة لتقدير الله حكمة لا شك، ولهذا مسائل الإجماع يطمئن الإنسان إليها أكثر ويرتاح لها أكثر من مسائل الخلاف.
* طالب: توجيه الوجه الذي ذكرته آخرًا يا شيخ، تقول: هذا خاص في اليهود والنصارى ولّا في غيرهم؟
* الشيخ: الظاهر أنه كل من خالف الحق عنادًا واستكبارًا ولهوى فهو داخل في الآية، سواء اليهود والنصارى أو غيرهم، فيه مثلًا من هذه الأمة من خالف الحق عنادًا، مثل كثير من رؤساء المبتدعة تبين لهم الحق وعرفوه ولكنهم عاندوا -والعياذ بالله- وأصروا فهم في شقاق بعيد.
* الطالب: ذكرت في الوجه الثاني معطوف عليه ويش المعنى؟ هل هو من السبب؟
* الشيخ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ نعم من السبب.
* الطالب: الوجه؟
* الشيخ: الوجه أن عذابهم هذا بسبب شقاقهم البعيد. ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾..
* طالب: (...) ﴿أَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة ١٧٦] الإقرار هنا..؟
* الشيخ: يعني تقول: إظهار في موضع الإضمار؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: هذا ظاهر من باب تعظيم الاختلاف، يعني كأن هذا لما ذكر الكتاب الأول وذكره ثانيًا كأنهم من باب تعظيم الاختلاف أنه إن هذا الكتاب ما ينبغي أن يُختلف فيه، فالإظهار هنا - والله أعلم- أنه من أجل تعظيم هذا الاختلاف، يعني اختلفوا في الكتاب اللي ما ينبغي أن يُختلف فيه؛ لأنه من عند الله وهو الحق، إي نعم.
* طالب: قلتم: بعيد المكان يعني ولّا بعيد عن الحق؟
* الشيخ: لا، بعيد المكان، لكن أصل المسألة ما هي بالمشاقة في المكان، المشاقة في النزاع والمخالفة، لكن مشبهة (...) في المكان، نحن قلنا: إنه يكون هذا في شق وهذا في شق.
طيب نأخذ الفوائد، قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن سبب ضلال هؤلاء وكتمانهم الحق أنهم ما أرادوا الهدى، إنما أرادوا الضلال والفساد - والعياذ بالله- لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾.
* ومن فوائدها: إضافة الفعل إلى الفاعل، فيكون فيه رد على من؟ على الجبرية.
* ومن فوائدها: أن عقوبة الله لهم ليست ظلمًا منه، بل هم الذين تسببوا لها حيث اشتروا الضلالة بالهدى، والله عز وجل ليس بظلام للعبيد.
* ومن فوائد الآية: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن نشر العلم وإظهاره وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان، وجعل العذاب بالمغفرة فدلّ ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب، كما أن الذنوب أيضًا تحول بين الإنسان وبين العلم، فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان وبين المغفرة، وقد استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين معرفة العلم بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦] فقال: ﴿لِتَحْكُمَ﴾، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ﴾، فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم، وهو ظاهر؛ لأن الذنوب - والعياذ بالله - رين على القلوب، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، فإذا كانت رينًا عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات العجب لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، وهو من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكل صفة من صفات الله تتعلق بمشيئته فهي من الصفات الفعلية، فإذا قال لنا قائل: ما هو دليلكم على أن العجب يتعلق بمشيئته؟ قلنا: دليلنا على ذلك أن له سببًا، وكل ما له سبب فإنه متعلق بالمشيئة؛ لأن وقوع السبب بمشيئة الله، فيكون ما تفرع عنه كذلك بمشيئة الله.
* ومن فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله؛ لقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، وكان الأجدر بهم أن يتخذوا وقاية من النار لا وسيلة إليها.
* من فوائد الآية: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ﴾، والباء للسببية، وقد ذكر بعض أهل العلم أن في القرآن أكثر من مئة موضع كلها تفيد إثبات العلة خلافًا لمن؟ خلافًا للجبرية الذين يقولون: إن فعل الله عز وجل ليس لحكمة بل لمجرد المشيئة، والغريب أن بعض العلماء ذهب إلى هذا المذهب حتى إنه في مختصر التحرير للفتوحي هو من كتب أصول الفقه للحنابلة قال: وفعله وأمره تعالى لا لعلة وحكمة في قول، يعني إيه (في قول) وهو قاعدته إذا قال: (في قول) فمعناه أن القولين متقابلان في الترجيح، وهذا لا شك أنه غلط، والصواب أن فعله وأمره كله مقرون بالحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على كتب الله عز وجل؛ لقوله: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها: ثبوت العلو لله؛ لقوله: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق، وأنهم بعيد بعضهم من بعض، لا تتقارب أقوالهم، وإن تقاربت أبدانهم لكن أقوالهم لا تتقارب؛ لقوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
البقرة 2:176
ثم قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة ١٧٥] (أولئك) المشار إليهم الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا، ﴿اشْتَرَوُا﴾ بمعنى اختاروا الضلالة على الهدى، ولكنه عبر بهذا لأن المشتري طالب راغب، فكأن هؤلاء والعياذ بالله طالبون راغبون للضلالة بمنزلة المشتري، الإنسان المشتري للسلعة معناه أنه طالب لها راغب فيها، وقوله: ﴿الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، الضلالة هنا كتمان العلم فإنه ضلال، وأما الهدى فهو بيان العلم ونشره، فالإنسان الذي يكتم العلم لا شك أنه ضال، وذلك لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر والتبليغ، ولأنه جهل على نفسه حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم، فإنه - أعني العلم- ليس كالمال، المال يفنى والعلم يبقى، أرأيت الآن في الصحابة رضي الله عنهم أناس أغنياء أكثر غنى من أبي هريرة رضي الله عنه، وذِكْر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر، والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأحاديث أكثر وأعظم، أرأيت أيضًا من في زمن الإمام أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة من الخلفاء والوزراء والرؤساء والأغنياء هل بقي ذكرهم كما بقي ذكر هؤلاء؟ لا، وهكذا مَن قبلهم ومن بعدهم، فالعلم في الحقيقة كتمانه لا شك أنه ضلالة من الإنسان وجهالة، وقوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء هنا للعوض، الباء للعوض، ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن سواء كان نقدًا أم عينًا غير نقد، اللي تدخل عليه الباء هو الثمن، فإذا قلت: اشتريت منك دينارًا بثوب، وأيش الثمن؟ الثوب، وقال بعض الفقهاء: إن الثمن هو النقد مطلقًا، ولكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن الثمن ما دخلت عليه الباء، إذن ما هو الثمن الذي دفعه هؤلاء؟ الهدى، فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله- لأخذ الضلالة، و﴿اشْتَرَوُا﴾ أيضًا هذا من جهة العمل، من جهة الجزاء: ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾، اشتروا العذاب بالمغفرة، هذا باعتبار الجزاء، فلو أنهم بيَّنوا وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة، ولكنهم كتموا فجوزوا بالعذاب، ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾.
قال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ هذه (ما) تعجبية، اسم تعجب، و(أصبر) فعل ماض فعل التعجب، والهاء مفعول (أصبر)، إلا على رأي من يرى أن فعل التعجب ليس فعلًا ولكنه اسم فنقول منصوب على شبه المفعول به، ولكن الصحيح أنه فعل، وأن الضمير هنا مفعول به، أين الفاعل؟ مستتر، يعود على؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: لا، يعود على (ما)، ومعنى (ما أصبرهم) وما أشبهها من بناء التعجب معناها: شيء عظيم أصبرهم، يعني: جعلهم يصبرون، وقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قلنا: إن هذا تعجب، يعني: ما أعظم صبرهم على النار، ولكن هذا التعجب يتوجه عليه سؤالان؛ السؤال الأول: هل هذا تعجب من الله أو تعجيب منه؟ يعني بمعنى: هل أنه يرشدنا إلى أن نتعجب وليس هو موصوفًا بالعجب، أو أنه من الله؟
* طالب: من الله.
* الشيخ: هذه واحدة، إي نعم نبغي (...)، الشيء الثاني: أن قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾ يقتضي أنهم يصبرون ويتحملون مع أنهم لا يتحملون ولا يطيقون، ولهذا يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، يخفف ما هو بمعنى يدفع العذاب نهائيًّا ولو تخفيف، ولا هو بدائم - والعياذ بالله- ولو يومًا، يخفف عنا يومًا من العذاب، ومن قال هكذا فليس بصادق، والذين يقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]: ليهلكنا، صابرون؟ لا، الذي يتمنى الهلاك للخلاص مما هو فيه ما صبر، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن كيف يقول: ﴿مَا أَصْبَرَهُمْ﴾؟ يقول، نعم هذان سؤالان، أما الجواب عن السؤال الأول وهو هل هو تعجب أو تعجيب؟ فقد اختلف فيه المفسرون، فمنهم من رأى أنه تعجب من الله عز وجل؛ لأن المتكلم به هو الله، والكلام يُنسب إلى من تكلم به، ولا مانع من ذلك لا عقلًا ولا سمعًا، أي لا مانع يمنع من أن الله تعالى يتعجب، وقد ثبت لله العجب بالكتاب والسنة، فقال الله في القرآن: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢].
* طالب: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾.
* الشيخ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ قراءة سبعية ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، وهذه قراءة سبعية ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي في القرآن، والتاء هنا فاعل يعود على من؟ على الله عز وجل، على المتكلم، وأما السنة فإنها في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (١٨١) من حديث أبي رزين بلفظ: «ضَحِكَ».]]، وعلى هذا العجب لله ثابت بالكتاب والسنة، فلا مانع من أن الله يتعجب من صبرهم، لا مانع من هذا، فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب به أو منه، بما تعجب منه، وهذا يستلزم ألَّا يكون عالمًا بالأمر من قبل، فالجواب أن هذا ليس هو السبب الوحيد في التعجب، قد يكون التعجب لهذا السبب الذي قيل إن الإنسان أو المتعجب يباغَت بالأمر وهو لا يدري عنه أولًا، لكن قد يكون التعجب سببه خروج هذا الأمر عما ينبغي أن يكون عليه أو عن نظائره، أو ما أشبه ذلك، وليس المعنى أنه بغت وبهت هذا الذي تعجب، بل لأنه خارج عن نظائره أو عمَّا ينبغي أن يكون عليه لا لأنه من أجل خفاء السبب، وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ واللوم.
أما القول الثاني فإنهم يقولون: إن معنى ﴿مَا أَصْبَرَهُمْ﴾ التعجيب، يعني يقولون: ما أصبرهم، وتعجبوا من صبرهم على النار، وهذا ذهب إليه من ينكر صفة التعجب لله من أهل التأويل الذين ينكرون مثل هذه الصفات لله عز وجل، ولكن هذا القول كما مر علينا كثيرًا قول ضعيف، قول ضعيف جدًّا ولا يُلتفت إليه؛ لأنه خلاف ما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله من إجراء نصوص صفات الله عز وجل على ظاهرها اللائق بالله، وقد تقدم لنا هذا كثيرًا وبيّنّا أن النصوص في صفات الله ليست نصوصًا مطلقة، بل هي نصوص مضافة إلى مَن؟ إلى الله، فتكون لائقة به كغيرها من الصفات، كل صفة تضاف إلى موصوف فإنها لائقة به، حتى ما أضيف إلى المخلوقات، ليست الصفة المضافة إلى هذا النوع من المخلوقات كالصفة المضافة إلى هذا النوع من المخلوقات، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، بل إنه أبلغ من ذلك، ليست الصفة المضافة إلى شخص ما من بني آدم كالصفة المضافة إلى شخص آخر، تقول مثلًا: هذا الرجل تصدق بمال كثير وهو فقير، يمكن أن يكون هذا المال الكثير كم من ريال بالنسبة له؟ خمسين ريال، لكن تقول لمن يملك ملايين خمس مئة ألف مثلًا، فالحاصل أن الصفة بحسب ما تضاف إليه، فصفات الخالق جل وعلا تليق به، ولا يمكن أن نتصور أنها تماثل صفات المخلوقين حتى نحتاج إلى تأويلها، طيب، إذن القول الراجح على هذا أيش؟ أن التعجب على ظاهره وعلى بابه، وأنه واقع من الله عز وجل.
أما السؤال الثاني فهو: هل هم صبروا على النار؟ فكيف يُتعجب من صبرهم؟ قال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سببًا لها من كتمان العلم صار كأنهم صبروا عليها، مثل ما يقال للرجل الذي يفعل أشياء يُنتقد فيها، يقال له: ما أصبرك على لوم الناس عليك! مع أنه ربما أنه ما لاموه أصلًا، لكن فعل ما يقتضي اللوم، يصير معنى ﴿مَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجِبة للنار صاروا كأنهم يصبرون عليها؛ لأن الجزاء من جنس العمل، بل الله عز وجل دائمًا يقول: إنهم يُجزون ما كانوا يعملون، فيجعل الجزاء هو العمل؛ لأنه سببه المترتب عليه.
* طالب: إذا أثبتنا صفة العجب يلزمنا الآن نثبت كيف إن هذه العبارة ﴿مَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ خارجة عن نظائرها كيف (...)؟
* الشيخ: نشوف، لا، أو ما ينبغي عليه، يعني الحال التي ينبغي أن يكون عليها هؤلاء العلماء الذين من الله عليهم ما هي؟
* الطالب: أن يبينوا.
* الشيخ: أن يبينوا للناس ويظهروا الحق، فكل إنسان يتعجب من هذا الذي من الله عليه بالعلم ومع ذلك يكتم من أجل أن ينال غرضًا من الدنيا.
* طالب: إذن العجب المضاف إلى الله يعني هو حكم خروج الشيء عن نظائره أو ما ينبغي عليه؟
* الشيخ: أو ما ينبغي أن يكون عليه، إي نعم، وقلنا: إن هذا العجب قريب من معنى أيش؟ التوبيخ واللوم.
* طالب: شيخ ما يمكن نقول بالمعنيين جميعًا بأن الله يتعجب ويوحي للعباد أن يتعجبوا منه؟
* الشيخ: ظاهر الآية أنه واقع من الله فقط، ما يحتمل المعنى: فتعجبوا منه.
* طالب: شيخ لكن لولم نجد سببًا للتعجب إلا خفاء السبب؟
* الشيخ: هذا ما يمكن أن يكون، يعني كلما وجدت عجبًا مضافًا إلى الله فإنه يجب أن نلغي منه السبب هذا.
* الطالب: نلغي السبب نقول: عجب يليق بجلال الله.
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ لأننا إذا علمنا أن أحد أسباب العجب الخفاء هذا لا يليق بالله عز وجل، يجب أن ننفيه.
* الطالب: لو لقصور فهمنا مثلًا لم نجد سببًا آخر للعجب..
* الشيخ: لا، ما يخالف، أنت لا تجعل السبب هو الخفاء، أنت امنع هذا السبب وأسباب أخرى، يمكن يكون غير أنه خرج عن نظائره أو غير أنه خرج عما ينبغي أن يكون عليه، لكن هذا اللي إحنا فهمنا، وقد يكون معنى آخر يليق بالله ما نعلمه، إنما الكلام على الشيء الفاسد ما يجوز، ما يمكن أبدًا، ولهذا لا يصح أن نقول: إنه يجوز أن نصف الله بكل شيء بدون مماثلة، هذا ما هو بصحيح.
* طالب: (...) الصفات هل إذا وردت صفة سلبية كما ذكرنا أنه يثبت كمال ضدها لله؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: لكن مثلًا السِّنَة ما يثبت لله أنه يقظان، يوصف الله باليقظة؟
* الشيخ: بلى، إنه ما يجيه النعاس ولا النوم.
* الطالب: نقول: الله سبحانه وتعالى يقظان دائمًا؟
* الشيخ: ما نقول: يقظان؛ لأننا إذا قلنا: يقظان، فاليقظان إنما تقال فيمن يأتيه النوم، فيقال: هو يقظان، نقول: هو حي لا تأخذه سنة ولا نوم، حي قيوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أصل اليقظة تقال فيمن يقبل النوم، ولهذا يقال: يقظة ونوم ويقظان ونائم، فهذه من الصفات التي تتقابل تقابل العدم والملكة كما هو معروف، بمعنى أنه إذا انتفى واحد منها ثبت الآخر فيمن يكون قابلًا لها، أما الباري جل وعلا ما يكون قابلًا للنوم حتى نقول: إنه يقظان.
* طالب: التقدير صعب جدًّا.
* الشيخ: لا واضح، اليقظان معناه الذي من شأنه أن ينام، فيكون الآن يقظان، لكن نقول: حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، إي نعم.
قال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، النار هي الدار التي أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين والظالمين، لكن الظلم إن كان ظلم كفر فهم مخلَّدون فيها، وإن كان ظلمًا دون الكفر فإنه يعذَّب بحسب حاله حتى يخرج منها.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة ١٧٦] ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذُكِر من جزائهم، يعني: ذلك الجزاء الذي يجازَون به، ﴿بِأَنَّ﴾ الباء هنا للسببية، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، قد تقول: ما هو الرابط هنا بين السبب والمسبَّب؟ ما هو الرابط أنهم عُذِّبوا لأن الله نزل الكتاب بالحق؟ فنقول: الرابط واضح جدًّا؛ لأنه ما دام الكتاب نازلًا بالحق فهل من اللائق بهذا الكتاب المنزل بالحق أن يُكتم ولّا لا؟ لا، الحق يجب أن يبيَّن، فلما أخفاه هؤلاء استحقوا هذا العذاب؛ لأن الكتاب حق، نزل بالحق مصاحبًا له وحاكمًا به، إذا رأينا في القرآن نزل بالحق فالمعنى أنه نزل مصاحبًا للحق، فليس نزوله باطلًا، وحاكمًا بالحق أيضًا فليس حكمه جائرًا، وكذلك مخبرًا بالحق فليس خبره كاذبًا؛ لأنها دائمًا تأتي في القرآن، ﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: مصحوبًا به حال نزوله، فليس مكذوبًا ولا مغيَّرًا فيه ولا محرفًا، لا من جبريل ولا من محمد ﷺ. ثانيًا: حاكمًا به حاكمًا بالحق، المعنى الثالث: مخبرًا بالحق؛ لأنه كتاب نزوله يحتاج إلى أن يوصف بالحق حتى لا يكون مكذوبًا على الله عز وجل. ثانيًا: أحكامه تحتاج إلى الوصف بأيش؟ بالحق، حتى لا يكون فيها جور وظلم، ثالثًا: أخباره أيضًا موصوفة بالحق حتى لا يكون فيها كذب، سواء كانت هذه الأخبار مما يتعلق بالله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته، أو مما يتعلق بالأخبار الماضية، أو بالأخبار المستقبلة.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الكتاب المراد به هنا الجنس: القرآن والتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ هو الصدق بالنسبة للأخبار، والعدل بالنسبة للأحكام، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥].
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾، يشكل على بعض الطلبة ﴿وَإِنَّ﴾ مع أنه معطوف على ﴿بِأَنَّ﴾، وكان مقتضى العطف أن يقال: وأن الذين اختلفوا.
* طالب: هذه استئنافية، (...).
* طالب آخر: شيخ؛ لأنها في موضع الحال.
* الشيخ: طيب، لا ما هذا، هي معطوفة، لكن فيه مانع يمنع منه، فيه وجود سبب الآن، ولكن كل الأشياء ما تتم إلا بوجود الأسباب وانتفاء المانع، وهنا فيه مانع يمنع من الفتح.
* طالب: كونها سببية (...) الفتح.
* الشيخ: لا.
* طالب: اقتران جوابها باللام.
* الشيخ: نعم صح، خبرها، اقتران خبرها باللام هو اللي يمنع من الفتح، حتى إنك تقول: علمت إن زيدًا لقائم، وتقول: علمت أن زيدًا قائم، شوف، علمت إن زيدًا لقائم، أو لا، يجب الكسر؛ لوجود اللام المانعة من الفتح في خبرها.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ اختلفوا فيه، ما نوع هذا الاختلاف؟ اختلفوا فيه بأن قال بعضهم: إنه حق، وقال بعضهم: إنه باطل.
وقوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الشقاق: النزاع، وسمي النزاع شقاقًا لأن كلًّا من المتنازعَيْن في شق، هذا في شق وهذا في شق، والبعيد معروف، البعيد في المكان، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ قلت: في كونه حقًّا أو باطلًا، ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، هل أحد من هؤلاء الذين كتموا اختلفوا؟ الجواب: نعم، فإن من هؤلاء مَن بَيَّن ووضّح، لكن الذين اختلفوا هم الذين في الشقاق البعيد، أما من بين ووضح فهو على الحق، فمثلًا عبد الله بن سلام بيّن ووضح وهو من اليهود، والنجاشي من أين؟ من النصارى وبيّن ووضح وآمن، لكن البقية مختلفون ومتنازعون فهم في شقاق بعيد، والآية هذه واضحة في أن الاختلاف ليس رحمة، بل إنه شقاق وبلاء، وبه نعرف أن ما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[انظر: أسنى المطالب (ص٣٣)، والمقاصد الحسنة (ص٦٩).]] لا صحة له ولا يصح، وليس الاختلاف برحمة، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فإنهم ليسوا مختلفين، نعم الاختلاف رحمة بمعنى أن من خالف بحق باجتهاد فإن الله تعالى رحمه بأيش؟ بالعفو عنه إذا أخطأ، وجعل له أجرًا، هذا صحيح، وأما أن يقال: إن الاختلاف رحمة، كان معناه يجب علينا كلنا الآن أننا نسعى إلى الاختلاف؛ لأنه هو سبب الرحمة على زعم هذا المروي، فالصواب أن الخلاف شر، لكن رحمة الله تعالى وسعت المختلفين، بمعنى أن من خالف باجتهاد فإن رحمة الله تعالى تسعه.
* طالب: لكن فيه إشكال في ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، بعض العلماء يقول: ما خُلقوا للاختلاف، وبعضهم قال: خُلقوا للاختلاف (...) الآية التي بعدها.
* الشيخ: فيه خلاف في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ﴾، هل هو للرحمة، أو هو عائد على الاختلاف، والصواب أنه عائد على الاختلاف؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]. لكن المرحومون الذين رُحِموا متفقون على الحق.
* طالب: شيخ، ولكن اختلاف العلماء من عهود الصحابة إلى عهدنا هذا كثرت حتى في المذهب الواحد، يختلفون العلماء كثيرًا، هل هو رحمة بالنسبة للعوام لعامة الناس أو لا؟
* الشيخ: الظاهر أنه لعامة الناس بلبلة، لكن بالنسبة للمجتهد إذا أخطأ، وأما العامي فإن تتبع الرخص هو حرام عليه كما هو معروف، إذا تتبع الرخص وقال: والله أنا باخذ بالأسهل من المذاهب أو من الأقوال، هذا ما يجوز؛ لأنه اتبع هواه.
* طالب: بس مشكلة يا شيخ، نقول يعني من عهد الصحابة إلى الآن ولا عصر يعني خلا من الخلاف نقول: إنه شر؟
* الشيخ: نعم، لكن هذا الخلاف اللي حصل بالنسبة للمختلفين ما اختلفوا في الواقع؛ لأن الهدف واحد وهو الوصول إلى الحق، أنا مثلًا عندما أخالفك في مسألة، وأنا أعرف أنك رجل مخلص وناصح وتريد الحق ما أعتقد إنك خالفتني الآن.
* الطالب: صحيح.
* الشيخ: لأن الهدف واحد، الخلاف خلاف الأهواء اللي يريد الإنسان أن يتعصب لهواه.
* الطالب: هو لأهل العلم واضح، لكن أنا سؤالي للعوام لعامة الناس؟
* الشيخ: عامة الناس بارك الله فيك عامة الناس يسألون أهل العلم، وكل يسأل من يثق به من عصر الصحابة إلى اليوم، كل يسأل من يثق به، وحينئذ يكون مطمئنًّا إلى قوله، فلا يبقى شر عليه؛ لأن القول أمامه واحد، القول أمامه واحد، حتى العلماء قالوا: لو اختلف عليه شخصان في الفتوى ولم يترجح عنده أحدهما يخيَّر.
* الطالب: خلني أضرب مثال ليوضح، يعني واحد عندنا يسأل عالمًا عن حكم مثلًا الوضوء من لحم الإبل، وهو (...)، فيفتيه يقول: توضأ من لحم الإبل. (...)
* الشيخ: نعم لكن لا بد أن يكون هذا مثل ما قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، أما بالنسبة للمؤمنين فلا شك أنهم لو اتفقوا لكان أحسن، ولكن الله تعالى يبلوهم بهذا الشيء، فهو باعتبار تقدير الله لا شك أنه حكمة.
* طالب: هذا الأحسن من هذا الصحابي (...) أبدًا؟
* الشيخ: نعم حكمة، ونقول بالنسبة لتقدير الله حكمة لا شك، ولهذا مسائل الإجماع يطمئن الإنسان إليها أكثر ويرتاح لها أكثر من مسائل الخلاف.
* طالب: توجيه الوجه الذي ذكرته آخرًا يا شيخ، تقول: هذا خاص في اليهود والنصارى ولّا في غيرهم؟
* الشيخ: الظاهر أنه كل من خالف الحق عنادًا واستكبارًا ولهوى فهو داخل في الآية، سواء اليهود والنصارى أو غيرهم، فيه مثلًا من هذه الأمة من خالف الحق عنادًا، مثل كثير من رؤساء المبتدعة تبين لهم الحق وعرفوه ولكنهم عاندوا -والعياذ بالله- وأصروا فهم في شقاق بعيد.
* الطالب: ذكرت في الوجه الثاني معطوف عليه ويش المعنى؟ هل هو من السبب؟
* الشيخ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ نعم من السبب.
* الطالب: الوجه؟
* الشيخ: الوجه أن عذابهم هذا بسبب شقاقهم البعيد. ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾..
* طالب: (...) ﴿أَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة ١٧٦] الإقرار هنا..؟
* الشيخ: يعني تقول: إظهار في موضع الإضمار؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: هذا ظاهر من باب تعظيم الاختلاف، يعني كأن هذا لما ذكر الكتاب الأول وذكره ثانيًا كأنهم من باب تعظيم الاختلاف أنه إن هذا الكتاب ما ينبغي أن يُختلف فيه، فالإظهار هنا - والله أعلم- أنه من أجل تعظيم هذا الاختلاف، يعني اختلفوا في الكتاب اللي ما ينبغي أن يُختلف فيه؛ لأنه من عند الله وهو الحق، إي نعم.
* طالب: قلتم: بعيد المكان يعني ولّا بعيد عن الحق؟
* الشيخ: لا، بعيد المكان، لكن أصل المسألة ما هي بالمشاقة في المكان، المشاقة في النزاع والمخالفة، لكن مشبهة (...) في المكان، نحن قلنا: إنه يكون هذا في شق وهذا في شق.
طيب نأخذ الفوائد، قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن سبب ضلال هؤلاء وكتمانهم الحق أنهم ما أرادوا الهدى، إنما أرادوا الضلال والفساد - والعياذ بالله- لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾.
* ومن فوائدها: إضافة الفعل إلى الفاعل، فيكون فيه رد على من؟ على الجبرية.
* ومن فوائدها: أن عقوبة الله لهم ليست ظلمًا منه، بل هم الذين تسببوا لها حيث اشتروا الضلالة بالهدى، والله عز وجل ليس بظلام للعبيد.
* ومن فوائد الآية: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن نشر العلم وإظهاره وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان، وجعل العذاب بالمغفرة فدلّ ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب، كما أن الذنوب أيضًا تحول بين الإنسان وبين العلم، فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان وبين المغفرة، وقد استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين معرفة العلم بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦] فقال: ﴿لِتَحْكُمَ﴾، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ﴾، فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم، وهو ظاهر؛ لأن الذنوب - والعياذ بالله - رين على القلوب، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، فإذا كانت رينًا عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات العجب لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، وهو من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكل صفة من صفات الله تتعلق بمشيئته فهي من الصفات الفعلية، فإذا قال لنا قائل: ما هو دليلكم على أن العجب يتعلق بمشيئته؟ قلنا: دليلنا على ذلك أن له سببًا، وكل ما له سبب فإنه متعلق بالمشيئة؛ لأن وقوع السبب بمشيئة الله، فيكون ما تفرع عنه كذلك بمشيئة الله.
* ومن فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله؛ لقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، وكان الأجدر بهم أن يتخذوا وقاية من النار لا وسيلة إليها.
* من فوائد الآية: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ﴾، والباء للسببية، وقد ذكر بعض أهل العلم أن في القرآن أكثر من مئة موضع كلها تفيد إثبات العلة خلافًا لمن؟ خلافًا للجبرية الذين يقولون: إن فعل الله عز وجل ليس لحكمة بل لمجرد المشيئة، والغريب أن بعض العلماء ذهب إلى هذا المذهب حتى إنه في مختصر التحرير للفتوحي هو من كتب أصول الفقه للحنابلة قال: وفعله وأمره تعالى لا لعلة وحكمة في قول، يعني إيه (في قول) وهو قاعدته إذا قال: (في قول) فمعناه أن القولين متقابلان في الترجيح، وهذا لا شك أنه غلط، والصواب أن فعله وأمره كله مقرون بالحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على كتب الله عز وجل؛ لقوله: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها: ثبوت العلو لله؛ لقوله: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق، وأنهم بعيد بعضهم من بعض، لا تتقارب أقوالهم، وإن تقاربت أبدانهم لكن أقوالهم لا تتقارب؛ لقوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
البقرة 2:177
(...) ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٧] في هذه الآية قراءتان: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾، فأما على قراءة الرفع فإن (البر) تكون اسم (ليس)، و(أن تولوا) خبرها، وكذلك إذا كانت (ليس البرَّ) تكون (البر) خبرها مقدمًا، و(أن تولوا) اسمها مؤخرًا، يعني تقدير الكلام على الأول: ليس البرُّ توليتَكم وجوهَكم، وتقديره على الثاني: ليس البرَّ توليتُكم، بالرفع.
يقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ والبر هو في الأصل الخير الكثير، ومنه سمي البَرّ؛ لسعته واتساعه، ومنه اسم من أسماء الله ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور ٢٨]، المعنى: ليس الخير وكثرة الخير والبركة أن يولي الإنسان وجهه قبل المشرق، أي: جهة المشرق أو جهة المغرب، وهذا نزل عندما ساء بعضَ الناس تحويلُ النبي ﷺ من بيت المقدس إلى الكعبة، فبيّن الله عز وجل إنه ليس البر أن الإنسان يتوجه إلى هذا أو هذا، ليس هذا هو الشأن، الشأن إنما هو في الإيمان بالله إلى آخره، أما الاتجاه فإنه لا يكون خيرًا إلا إذا كان بأمر الله، ولا يكون شرًّا إلا إذا كان مخالفًا لأمر الله، فأي جهة توجهتم إليها بأمر الله فهي البر. على هذا لا نقول: إن العبرة بالعمل، العبرة بنوع العمل، ما هو نوع العمل؟ هل هو طاعة لله أو ليس بطاعة؟ إن كان طاعة فهو بر وخير، وإلا فليس ببر ولا خير، ولهذا السجود لغير الله كفر وشرك، وفي وقت من الأوقات صار السجود لغير الله عبادة وتركه كفرًا، قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، وفي وقت من الأوقات صار من أفضل الطاعات، قطيعة الرحم من الكبائر، وفي وقت من الأوقات صارت خيرًا، فإن قتل الأب لابنه من أكبر القطيعة، ومع ذلك حين أمر به إبراهيم صار من أفضل القربات، فالشأن إذن في طاعة الله عز وجل، ليس في العمل الذي تفعل، وإنما المقياس هل هو من أمر الله أو ليس من أمر الله، إذن كوننا نتجه إلى المشرق أو إلى المغرب هذا ليس هو البر، إلا إذا كان اتجاهنا طاعة لله، فحينئذ يكون برًّا.
* طالب: أقول: قطيعة الرحم وأيش مثاله؟
* الشيخ: مثل ذبح الابن.
* طالب: لا غيره قبله؟
* الشيخ: قبله، ذكرنا على سبيل العموم.
* الطالب: قتل النفس؟
* الشيخ: قتل إبراهيم لابنه.
قوله: ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، إذا قال قائل: أنتم ذكرتم هذا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وليس هذا قِبَلًا للمشرق ولا للمغرب، وإنما هو للجنوب أو الشمال، أليس كذلك؟ قلنا: بلى، لكن أظهر وأبين الجهات هي جهة المشرق وجهة المغرب؛ لأن جهة المشرق والمغرب ما تخفى على أي إنسان (...) والنصارى يستقبلون المشرق، وكل منهما يقول: إنه هو فاعل البر، فأنزل الله هذه الآية، لكن الأول أصح.
* طالب: (...) وردت..
* الشيخ: لا لا، يعني هذا باعتبار التعبد لله.
* طالب: معنى هذا يا شيخ قبلة النصارى واليهود، قبلة اليهود ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس ٨٧] أيش معنى قبلة؟
* الشيخ: يعني قبلة مستقبلة للناس، يعني افتحوها للناس.
قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ فيها أيضًا قراءتان، وهي: ﴿وَلَكِنِ الْبِرُّ﴾ بالرفع، وعلى هذا فتكون (لكن) عاطفة غير عاملة، والقراءة التي في المصحف ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فتكون عاملة. قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، البر من آمن، كلنا يعرف أن البر عمل، و(من آمن) عامل، فكيف يصح أن يكون العامل خبرًا عن العمل؟ في هذا وجهان؛ الوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف، وتقديره: ولكن البرَّ بِرُّ من آمن بالله واليوم الآخر، ثانيًا: أن الآية على سبيل المبالغة، ولا فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال: رجل عدل، بمعنى عادل. ووجه ثالث: أن نجعل البر بمعنى البارّ: ولكن البارّ، فيكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، يعني: ولكن البار حقيقة القائم بالبر من آمن بالله، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وأيش محلها من الإعراب (مَن)؟ محلها الرفع على كل تقدير، على قراءة التخفيف وعلى قراءة التشديد. قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، آمن به، تقدم أن الإيمان في اللغة بمعنى التصديق، لكنه إذا قُرِن بالباء صار تصديقًا متضمنًا للطمأنينة والثبات والقرار، فليس مجرد تصديق، لو كان بمعنى التصديق المطلق لكان يقال: آمَنَه أي صدَّقه، لكن (آمن به) مضمنة معنى الطمأنينة والاستقرار لهذا الشيء، وإذا عُدِّيت باللام مثل ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦]، فمعناه أنها ضُمِّنت معنى الاستسلام والانقياد.
قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.
أما الإيمان بوجوده فإنه كما سبق دل عليه الشرع والحس والعقل والفطرة، أو لا؟ طيب، دلالة الشرع عليه واضحة: إنزال الكتب وإرسال الرسل، كل هذه من أين جاءت؟ من الله عز وجل، ودل عليه الحس، دل على وجوده الحس - سبحانه وتعالى - فإننا نسمع ونلمس أن الله سبحانه وتعالى يُدْعَى فيجيب، وهذا دليل حسي على وجوده تبارك وتعالى، كما في سورة الأنبياء وغيرها ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٧٦]. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٨٣، ٨٤]. إلى آخره كثير، وهذا أيضًا شيء يلمسه الإنسان بنفسه أنه يدعو الله عز وجل بجلب خير له أو دفع شر عنه، فيحس بذلك، أما دلالة العقل على وجود الله عز وجل فما هو؟ ما من حادث إلا وله محدِث كما قال الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]، هذا الكون العظيم بما فيه من النظام والتغيرات والأحداث لا بد أن يكون له موجِد محدِث يُحدث هذه الأشياء فهو الله عز وجل، وإلى هذا الدليل أشار الله بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. ودل على وجوده الفطرة، فإن الإنسان لو تُرك وفطرته لكان مؤمنًا بالله، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]، حتى غير الإنسان مفطور على أنه يعرف الرب عز وجل.
الثاني: الإيمان بربوبيته، وهذا فرع عن الإيمان بوجوده، يعني ليس مجرد وجود الله عز وجل، بل هو رب سبحانه وتعالى يحكم في عباده بما يشاء كونًا وشرعًا، الأحكام الكونية هي ما يتعلق بالإيجاد والخلق، والأحكام الشرعية ما يتعلق بالتنظيم والسَّنّ، يعني يسُنّ لعباده سُنَنًا ويشرع لهم شرائع، هذه أحكام شرعية، فمسألة الأحكام متعلقة بتوحيد الربوبية لا بتوحيد الألوهية؛ لأن الرب معناه هو الذي يتصرف في عباده كما يشاء خَلقًا وحكمًا، فله الخلق والأمر، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤].
أما الإيمان بألوهيته فهو أن تعتقد أنه لا إله في الوجود يستحق أن يُعبد سوى الله عز وجل، كل الآلهة التي تُعبد من دونه من أنبياء وملائكة وأولياء وأشجار وأحجار ونجوم وشمس وقمر كلها باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان ٣٠].
* طالب: ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
* الشيخ: فيه آيتان.
ففيه أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق، ولا يكفي كما يفعله كثير من المؤلفين المعاصرين في تقرير التوحيد، وكذلك المتقدمون، لا يكفي أن نقرر التوحيد بتوحيد الربوبية، المتكلمون يقولون: الإله هو القادر على الاختراع، ولو كان هذا معنى (لا إله إلا الله) لكان المشركون موحدين؛ لأن المشركين ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولكن الألوهية غير، الألوهية تتعلق بالعبادة، بمعنى أنه لا أحد يُعبد بحق سوى الله عز وجل.
أما الإيمان بأسمائه وصفاته فهو أيضًا من تمام الإيمان بالله عز وجل، تؤمن بكل اسم سمى الله به نفسه، وتؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه، ولا تستنكر أو تشمئز من صفة أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ؛ فإنها حق، كثير من الناس إذا سمع شيئًا من آيات الصفات أو أحاديثها وقُرِّرت له يستنكر ويشمئز، ويظن أنها دالة على التشبيه والتمثيل، فيأخذ بتأويلها وتحريفها إذا لم يمكنه إنكارها، فإن أمكنه إنكارها أنكرها ولا يبالي.
فأهل البدع بالنسبة لما يتعلق بالأسماء والصفات وبغيرها مما يخالفون فيه حتى في مسائل القدر، في مسائل الإيمان، لهم مذهبان، الطريق عندهم كلهم على حد سواء إذا جاءت النصوص على خلاف ما يذهبون إليه إن تمكنوا من إبطالها قالوا: هذه باطلة، هذه ما تصح، كما يقولون: أخبار الآحاد لا تثبت بها العقائد، هذه القاعدة التي من أبطل القواعد يريدون أن يقضوا بها على كل ما جاء من أسماء الله وصفاته في أخبار الآحاد، فإذا وجدوا خبرًا يخالف مذهبهم وطريقتهم البدعية وهو من أخبار الآحاد على طول ما يحتاج لا ينظرون في رواته، ولا في تلقي الأمة له بالقبول، ولا يفكرون في هذا أبدًا، خلاص يشطب عليها، هذا خبر آحاد مخالف لما يُعلم بالضرورة من العقيدة عندهم، فيجب أن يكون باطلًا مكذوبًا.
الطريق الثاني لهم إذا عجزوا عن رد الخبر بأن كان في القرآن أو في متواتر السنة سلّطوا عليه معاول المجاز، كل واحد معه معول، هذا معول خشب، وهذا معول فولاذ، وهذا معول حديد، هذا يقول: مجاز مرسل، وهذا يقول: مجاز عقلي، وهذا يقول: إنه استعارة، وما أشبه ذلك، حتى يقضوا عليه بهذا التحريف، هذه طريقتهم، طريقة أهل البدع ما تخلو من هذا، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: ما لنا وللأمر، الذي أخبرنا عن نفسه مَن؟ الله، وهو أعلم بنفسه وأصدق حديثًا من غيره، وهو يريد البيان لخلقه أو التعمية عليهم؟
* الطلبة: البيان.
* الشيخ: البيان، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، فكيف إذا كان الله عز وجل لا يريد إلا البيان لخلقه، وهو سبحانه وتعالى أصدق القائلين وأعلم من نطق بما نطق به، كيف نقول: هذا مجاز، هذا ليس بحق، هذا يجب أن يُصرف؟ الواجب علينا أن نؤمن به ونأخذه على ظاهره.
لكن يجب علينا كما قررناه ونقرره كثيرًا الحذر من أمرين، وهما: التمثيل والتكييف، ما نقول: هذا الظاهر مثل ما نعرفه من نفوسنا، أو كيفية هذا الشيء كذا وكذا، كل هذا أمر باطل لا يجوز اعتقاده، وهذه القاعدة يا إخواننا إذا أخذنا بها استرحنا طردًا وعكسًا؛ استرحنا طردا بحيث ما يخرج عنها شيء، كل الأحاديث أو الآيات الواردة في صفات الله نجريها على هذا، ونقول: هي ثابتة لله لكن بدون تمثيل ولا تكييف، هذا الطرد، العكس ما أحد يعترض علينا يقول: لأيش أوّلتم في كذا وتركتم التأويل في كذا؟ لأن بعض الناس قد يستوحش من بعض الصفات، يستوحش منها كثيرًا، وإن كان يثبت غيرها بنفسٍ منقادة.
كثير من الناس تأتيه مثلًا صفات المعاني يقبلها ويسلّم بها بكل سهولة، لكن تأتيه بعض الصفات التي هي من جنس الأبعاض لنا، ولا نقول: إنها بعض لله؛ لأنه حرام أن نقول هكذا، فتجده يتوقف ويقشعر ويقدم رِجلًا ويؤخر أخرى في إثباتها، والواجب علينا، أيش الواجب؟ أن نسلّم له، فنقول: لا فرق بين هذا وهذا، ونؤمن بأن هذا الذي أخبر الله به عن نفسه لا يشبه ولا يماثل صفات المخلوقين، وبهذا نستريح، والحمد لله أن الشيء الذي لا يليق بالله يبينه الله ورسوله، الشيء الذي لا يليق به يُبَيَّن ما يترك هكذا، لما قال الله لعبده: «إِنِّي اسْتَطْعَمْتُكَ وَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَاسْتَسْقَيْتُكَ وَلَمْ تَسْقِنِي، وَمَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣) من حديث أبي هريرة.]]، هذا وأيش ظاهره؟ ظاهره أنه لا يليق بالله عز وجل أن يستطعم أحدًا وهو يُطعِم ولا يُطْعَم، أو أن يستسقي أحدًا، أو أن يمرض، ما هذا ظاهره؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولهذا لما كان هذا ظاهره بيّن الله تعالى أنه ليس بمراد، إذا قال له عبده: «كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ؟ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ؟ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ؟ أَمَا أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي». شوف الآن بيّن، الشيء الذي ما يليق بالله يبيَّن، والشيء الذي أثبته الله لنفسه يبقى على ما هو عليه.
هذه القاعدة اللي هي الحكم الرابع من الإيمان بالله اختلف فيها أهل الملة؛ فمنهم السلف، وهم فقط أهل السنة الجماعة، أثبتوها لله تعالى على ظاهرها على ما يليق بالله عز وجل، ونفوا عنها التمثيل والتكييف، وبعض الناس أنكرها، صار يؤمن بالأسماء دون الصفات، وبعضهم يؤمن بالأسماء وبعض الصفات دون بعض، وبعضهم ينكر الأسماء والصفات، وبعضهم لا يصف الله تعالى لا بالإثبات ولا بالنفي، وهذا شيء معروف عند من يتكلمون في هذه الأمور، المهم أن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، نعم.
الثاني: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسُمِّي آخرًا لأنه ليس بعده يوم؛ إذ هو يوم مستمر ما فيه لا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، ولا شيء، يوم دائم مستمر، فلذلك سمي اليوم الآخر.
الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون بعد الموت كما قاله شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية ، يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر وحشر الناس حفاة عراة غرلًا، والحساب والميزان والصراط والحوض والشفاعة، وغير ذلك مما أخبر الله به أنه يكون يوم القيامة داخل في هذا، كل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر كما يتضمن ذلك فإن كل مَن آمن بالشيء استعد له، ولّا لا؟ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخر لكن ما يستعد له هذه الدعوى منه ناقصة، ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد له.
كما أنه لو قيل مثلًا: إنه سينزل اليوم مطر، فظلِّل الحَبّ، إنسان عنده حب قمح قيل له: سينزل اليوم مطر، فظلل الحب، معلوم أن اللي ما هو مؤمن بهذا الكلام ما هو مغطي، كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو فشدِّد في الحراسة، إذا آمن بأنه سيجي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن، إذا لم يؤمن ما يهمه، ولا شك أن الإنسان المخالف لما أمر الله به ورسوله أن عنده نقصًا في الإيمان باليوم الآخر، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله سبحانه وتعالى الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به في القرآن، يقرن ذلك كثيرًا، مما يدل على أن الإيمان باليوم الآخر يستلزم الإيمان بآيات الله عز وجل.
(...) والشفاعة والصراط والجنة والنار كل هذا داخل في اليوم الآخر.
قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾، الإيمان بالملائكة، الملائكة جمع (ملَك) وأصل (ملَك) (مَلْأَك)، وأصل (مَلْأَك) (مَأْلَك)؛ لأنها مأخوذة من (الْأَلُوكة) وهي الرسالة، هكذا يقولون اللغويون، فصار فيها إعلال بالحذف وبالقلب، وجُمِعت على أيش؟ ملائكة، والملائكة هم عباد من عباد الله سبحانه وتعالى خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وسخرهم لعبادته ليلًا ونهارًا، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وهم أجسام ذوو عقول، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، والأجنحة أجسام ولّا لا؟ أجسام، جبريل عليه الصلاة والسلام رآه النبي عليه الصلاة والسلام على صورته وله ست مئة جناح سد الأفق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود، واللفظ للترمذي (٣٢٧٨) من حديث عائشة.]]، وجاءه على صورة رجل[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، وعلى صورة دحية الكلبي[[أخرجه أحمد في المسند (٥٨٥٧) من حديث ابن عمر.]]، وكل هذا يدل على أنهم أجسام، ولهم عقول؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما في شك، نعم، ولهذا ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، ولو كان ما لهم عقول كما قاله بعض الزائغين لكان هذا أكبر قدح في رسالة الرسل كلهم؛ إذ إنه يكون الواسطة بينهم وبين الله مجنونًا لا عقل له، ولا أكبر من هذا القدح - والعياذ بالله- في الرسل وفيمن أرسلهم أيضًا، ولّا لا؟ كيف يأتمن على وحيه مَن ليس له عقل؟ فهو قدح في الله، وقدح في الملائكة، وقدح في الرسل، والعياذ بالله.
ومن الغرائب أن هذه شاعت في أوساط بعض الناس، وقالوا: إنهم ليسوا أجسامًا وليس لهم عقول، وهذا لا شك أنه قول باطل من أبطل الأقوال، والصواب بلا ريب أن لهم عقولًا، وأنهم أجسام، لكن الله سبحانه وتعالى أعطاهم قوة ونفوذًا أشد من نفوذ الجن، الجن لهم قوة ونفوذ، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والملَك أشد، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، و﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠]، فجاءت به الملائكة من سبأ إلى الشام قبل أن يرتد إليه طرفه، عرش عظيم، وهذا دليل على أن الملائكة أقوى وأشد نفوذًا من الجن، على ما للجن من نفوذ، اللي يشوف سرعتهم يصعدون إلى السماء ويقعدون مقاعد للسمع، فالحاصل أن الملائكة لا شك أنها أجسام، وأن لهم عقولًا، وأنهم يأتمرون بأمر الله عز وجل، وأنهم يسجدون له، ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل ٤٩].
* طالب: لهم شهوة يا شيخ؟
* الشيخ: إي لهم شرائع.
* الطالب: لهم شهوة؟
* الشيخ: إي ما أظن.
واعلم أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام منهم مَن عُيِّن لنا وعرفناه باسمه، ومنهم من لم يُعَيَّن، فمن عُيِّن لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه مثل؟
* طالب: جبريل عليه السلام.
* الشيخ: إي.
* طالب: إسرافيل.
* الشيخ: إسرافيل، وأيش بعد؟
* طالب: ومالك.
* الشيخ: ومالك خازن النار.
* طالب: ومنكر ونكير.
* الشيخ: ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ، وفيه نظر.
* طالب: ميكال.
* الشيخ: إي، هو ميكال هو ميكائيل.
* طالب: هو نفسه مالك؟
* الشيخ: لا لا، مالك خازن النار.
* طالب: وملك الموت.
* الشيخ: وملك الموت لكن ما نعرف اسمه، بعض الناس يقول: عزرائيل ولكن ما صح هذا.
* طالب: هاروت وماروت ملكين.
* الشيخ: نعم ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة ١٠٢] صح، صحيح نعم.
* طالب: تقول: مالك يا شيخ هو خازن النار وليس هو ميكال، بس ورد في حديث أن الرسول ﷺ سأل جبريل: «مَا لِي لَا أَرَى مِيكَالَ يَضْحَكُ»[[رواه أحمد في مسنده (١٣٣٤٣) من حديث أنس بن مالك، ولفظه: «مَا لِي لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطّ؟». قال: «مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ».]]؛ لأنه لم يضحك قط.
* الشيخ: إي تأكد منه، تأكد منه، مفهوم هذا؟ طيب، اللي علِمناه باسمه يجب علينا أن نؤمن به باسمه، ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله ومنهم من لم نعلم، لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مُكرَمون ممتثلون لأمر الله عز وجل، طيب هل لهم نصيب من تدبير الخلق بغير إذن الله؟ لا، لكن بإذن الله نعم، الموكَّل بالقطر والنبات، موكل بنفخ الصور، وفيه ملائكة موكلة بالأجنة، وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم، وملائكة موكلة بحفظ بني آدم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد ١١]، لكن كل هذا بأمر الله عز وجل وبإذنه، وليس لهم أي شيء في الكون منازعة لله عز وجل ولا معاونة، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢ ) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣]، فنفى جميع ما يتعلق به المشركون، ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ انفرادًا، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ مشاركة، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معاونة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ شفاعة ووساطة، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ ٢٣] من هم؟ الملائكة، وهم الملائكة إذا سمعوا الوحي صعقوا، فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون، لكنهم يمتثلون أمر الله عز وجل.
* طالب: شيخ، من قال: إنه لا بد أن نؤمن أن من الملائكة من ليسوا بأجسام؟
* الشيخ: ما يجوز.
* الطالب: بأن يقول: الملك الموكل بأن يكتب عملك يقول ما نراه، والملائكة الذين..؟
* الشيخ: حتى جبريل ما نراه، وغير جبريل ما نراه، يجيء جبريل ويلقي الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام وهم ما يرونه، أن ما ترى، كل الذي لا ترى لا يكون جسمًا؟
* الطالب: لا، نقول: ممكن أن..
* الشيخ: لا ما نقول: ممكن، كل الملائكة كلهم أجسام.
* الطالب: ما يمكن أن يتحولوا عن صورتهم؟
* الشيخ: لا، يمكن، بإذن الله يتحولون، هذا جبريل تحوّل إلى صورة إنسان.
* طالب: يعني ممكن أن يتحولوا يقولون ليس..
* الشيخ: بإذن الله.
* الطالب: بإذن الله.
* الشيخ: ما أدري عن هذه، لكن ما أظنه يمكن.
* الطالب: لأنه الملائكة الذين يكونون معنا في المسجد ليسوا بأجسام؟
* الشيخ: إي نعم، ما هو بلازم تشاهدهم، الآن الجن أجسام يأكلون ويشربون ويبولون، ويبولون بأذن اللي ما يقوم يصلي الفجر، ومع ذلك تشوفهم؟
* الطالب: نقول: أجسام حسية؟
* الشيخ: أجسام حسية، لكن ما تشوفهم، الآن فيما بين أيدينا كما يقول الأطباء يقول: في هذا ممتلئ، الجو ممتلئ جراثيم وما جراثيم وأشياء ما عاد نصدقهم ولّا نكذبهم.
* الطالب: لا هذا نراه بأعيننا.
* الشيخ: إي لكن بس هل تراه بالعين المجردة؟
* الطالب: لو جعلت ثقب الشمس يدخل في غرفة مظلمة.
* الشيخ: لا ما هم دولا ما هذا جراثيم، هذا هباء، المهم على كل حال هم محجوبون عنا، الرسول ﷺ خرج من عند قريش وهم قريش يشوفون ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩].
* الطالب: بس لا ترى يا شيخ أن الجسم لا بد أن يكون محسوسًا؟
* الشيخ: نعم نقول: هو محسوس، لكن ما يلزم من كونه محسوسًا أن نشاهده.
* طالب: إذن ما يكون جسمًا.
* الشيخ: أعوذ بالله سبحان الله، يمكن يصير جسم لكن ما نراه، الله على كل شيء قدير.
* طالب: قوله يا شيخ: ﴿قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧] ما يدي معنى الجسم؟ قعيد يعني قاعد.
* الشيخ: ما فيه شك، الأدلة واضحة، واضحة جدًّا ما فيها إشكال، ولا أيضًا يعني ربما يشكل علينا قول الرسول ﷺ: «يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية.]] أكثر من أنهم عندنا ولا نشاهدهم، وكيف يدخل في الإنسان يجري منه مجرى الدم وهو ما يحس به، ولكن يجب علينا نصدق، نقول: هذه، الآن روحك تجري منك مجرى الدم كل عظم كل عصب وكل لحم، وتُنزع منك عند الموت ومع ذلك تشوفها ولّا لا؟
* طالب: نعم نراها.
* الشيخ: ترى إذا مات الإنسان رآها، لكن قبل ما يراها ولا يحس بها إذا دخلت عند الاستيقاظ، ولا يحس بها إذا خرجت عند النوم.
* طالب: ما نعلل ذلك بأنه ضعف قوة البصر بالنسبة للمخلوق؟
* الشيخ: لا لا، يمكن ضعف، المهم أنهم محجوبون عنا وهم أجسام، المهم أنهم محجوبون عنا، لو يجيء أقوى الناس بصرًا وبأكبر مكبر ومجهر ما رآهم أبدًا.
طيب الملائكة إذن عرفنا أنهم مخلوقون من نور، وبهذا نعرف أن الشيطان ليس منهم؛ لأن الشيطان خُلق من نار لا من نور بنص القرآن والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى عن إبليس: إنه قال لربه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]، وقال الله عز وجل: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر ٢٧]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن «الملائكة خُلِقت من نور، وأن الجن خُلِقوا من نار، وأن آدم خُلِق مما وُصِفَ لنا »[[أخرجه مسلم (٢٩٩٦ / ٦٠) من حديث عائشة.]] من التراب.
يبقى الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٣٤]، وقد تقدم لنا في التفسير أن هذا الاستثناء منقطع، وأن إبليس كان منهم في المجتمع، مجتمِع بهم، فوُجِّه الخطاب إلى الملائكة وهم لا يحصيهم عددًا إلا الله، والشيطان واحد منهم، والواحد قد يوجَّه الخطاب للجماعة وهو منهم وإن لم يكن من جنسهم، العرب يقولون: جاء القوم إلا حمارًا، مع أن الحمار ما هو من جنس القوم، فالمهم أنه يوجه الكلام إلى الجماعة وإن كان فيهم واحد من عدد لا يحصيه إلا الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾، الكتاب المراد به الجنس، فيشمل كل كتاب أنزله الله عز وجل، واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب، الدليل ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، أنزلنا معهم مع هؤلاء الرسل الذين أُرسلوا بالبينات، فما من رسول إلا معه كتاب، أما النبي فقد لا يكون معه كتاب، بل الظاهر أنه لا كتاب معه؛ لأنه يحكم بشريعة من قبله، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿بِهَا﴾: بالتوراة، ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، والكتب المعروفة لدينا هي خمسة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أربعة؟ نعد: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، صحف إبراهيم، وصحف موسى، صحف موسى اختلف العلماء هل هي التوراة ولّا غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها، ومنهم من قال: إنها هي، على كل حال الخمسة ما فيها إشكال، والسادس؟
* طالب: الزبور.
* الشيخ: عددناه.
* الطالب: المزامير.
* الشيخ: المزامير عبارة عن فصول من الزبور.
طيب، وأما ما لم نعلم به فنؤمن به أيش؟
* الطلبة: إجمالًا.
* الشيخ: إجمالًا، فتقول بقلبك ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، ثم إن المراد أن تؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، وعلى عيسى كتابًا يسمى الإنجيل، وعلى داود كتابًا يسمى الزبور، أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك، لماذا؟ لأنه محرَّف ومغيَّر ومبدَّل، لكن تؤمن بأن له أصلًا نزل على هؤلاء الأنبياء، وثانيًا..
* طالب: نقول: لا يجب الإيمان بها ولّا ينبغي عدم الإيمان بها؟
* الشيخ: نعم، نؤمن بالأصل.
* الطالب: لا، التي هي الآن.
* الشيخ: اللي الآن، نعم، اللي الآن ما يجب علينا أن نؤمن بها، ولكننا نؤمن بأن لها أصلًا، أما بكل ما فيها لا، فيها تحريف، ولهذا قلنا: إننا نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، أما التوراة التي في أيدي اليهود الآن فإنها محرفة ومغيرة، وإلا أصلها لا شك أنه حق، طيب، هذا الإيمان بهذه الكتب هل يلزمنا العمل بما فيها؟ أو ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، الثاني هو الذي يجب على المؤمن، فنحن نؤمن بأنها حق، وأن العمل بها واجب مفروض ما دامت رسالة النبي الذي أُرسل بها باقية، فإذا نُسخت بشريعة أخرى صار العمل للشريعة الثانية، ثم إذا نُسخت الثانية صارت العمل بالثالثة، وهكذا، ولهذا النصارى الآن بعضهم، بعض بسطائهم، يقولون: أيما أول؟ يعني نحن حصل لنا معهم محاضرة وأوردوا هذا السؤال، أيما أول الإنجيل أو القرآن؟ وأيش الجواب؟
* الطلبة: الإنجيل.
* الشيخ: الإنجيل، لكن وأيش الغاية من هذا السؤال؟ يقولون: إذن العمل على الأول، هذا وارد، فالعمل على الأول، نقول بكل بساطة..
* طالب: العمل بالتوراة.
* الشيخ: نعم مثل ما قلت، بكل بساطة إذا قررتم هذه القاعدة فلا عمل أيضًا بالإنجيل، العمل بالتوراة، وكذلك نرتقي إلى أن نصل إلى آدم، فالمهم على كل حال أن الأمر بالعكس في الحقيقة؛ أن المتأخر ناسخ للأول، ولا عكس، اختلف أهل العلم رحمهم الله فيما جاء في هذه الكتب من الشرائع الصحيحة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، أما إذا ورد شرعنا بخلافها فبإجماع المسلمين أن العمل بما جاء به شرعنا، لكن إذا وُجد في التوراة أو الإنجيل شيء لم يرد شرعنا بخلافه فهل يجب علينا أن نعمل به وأنه شرع لنا أو لا يجب؟ فقال بعض أهل العلم: إنه لا يجب؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فلسنا بحاجة إلى شرعهم ولا يلزمنا أن نعمل به ما دام ليس في القرآن ما نعمل به وإن كان لا يخالف القرآن، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١) من حديث عائشة، واللفظ له.]]، وقال بعض أهل العلم: بل يجب علينا أن نعمل بما في التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السابقة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]، فقال: إن الله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بهداهم، وفعلًا الرسول أشار إلى هذا، إلى شيء من ذلك، فقال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٢٠)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ... وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ...». ]]، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك أكثر أحيانه، ينام في السحر ويقوم في ثلث الليل، فقالوا: الرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى هذا، ثم إنه إذا لم يرد شرعنا بخلافه ما صار مخالفًا لشرعنا، وهو من عند الله، فيجب أن نعمل به، وهذا القول أصح من حيث النظر، لكنه يبقى الإشكال فيما يوجد الآن من الكتب السابقة، كيف الإشكال؟
* طالب: محرفة.
* الشيخ: إي نعم، الشك في صحته، هذا هو الذي يوجب للإنسان أن يتوقف، ومن هنا نعرف خطأ من يأتي أحيانًا بشيء من التوراة أو من الإنجيل أو من الزبور يريد أن يرغّب به الناس في العمل، فإن هذا خطأ ولا سيما في هذا الوقت الذي التبس على بعض الناس الأمر، صار بعض الناس يجيب من نصوص الإنجيل، وإذا جاء بها حجة على النصارى لا بأس، لكن أحيانًا يجيء بها ليقرر ما في القرآن، كأن القرآن في حاجة إلى أن يشهد له ما في الكتب السابقة، وليس بحاجة، لا سيما عند عامة الناس، العلماء قد ينتفعون من هذا في الحقيقة ولا سيما في المناظرات، مناظرات النصارى، لكن العامة ما ينبغي أبدًا أن نجعل في قلوبهم إلا شيئًا واحدًا، وهو القرآن، والسنة طبعًا؛ لأنها من القرآن مبينة له ومفسرة، كوننا نُدخل على العامة أشياء من هذا يلبّس عليهم الأمر ويظنون أن هذا الأمر أو أن هذا الدين ما زال قائمًا، دين غير المسلمين، وهذا خطره عظيم، وقد لمسنا خطره الآن، فأصبح بعض الناس يقولون: إن الأديان ما هي إلا أفكار كفكر أرسطوطاليس وغيرهم من هؤلاء القوم الفلاسفة، أفكار وكلٌّ له فكره وكل له رأيه، ولا ينبغي أن ننكر على أحد، وهذا تراه شيئًا علمنا به من هؤلاء الجهال الذين ما عرفوا أن الدين الإسلامي دين من الله تعبَّدَنا اللهُ به وليس لنا فيه رأي، ولّا لأ؟ هل هو فكر؟ لا، شيء أنزله الله لعباده يتعبدون له به عقيدة وقولًا وعملًا، كل العباد وليس هناك مجال لاجتهاد يخالف هذا الدين.
﴿الْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، (النبيين) عليهم الصلاة والسلام يدخل فيهم الرسل هنا ولّا لا؟ يدخل فيهم الرسل بلا شك ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، فعند الإطلاق إذا أُطلق النبيون دخل فيهم الرسل، أما الرسل لا يدخل فيهم النبيون. قوله: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل، وقد ورد في حديث صححه ابن حبان «أَنَّ عِدَّةَ الرُّسُلِ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَسَولًا، وَأَنَّ عِدَّةَ الْأَنْبِيَاءِ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٢٢٨٨) من حديث أبي أمامة.]]، فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به، وإن لم يصح فإن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، ونحن لا نكلَّف الإيمان إلا بما بلغنا، فالذين علمناه من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم، والذين لم نعلمهم نؤمن بهم إجمالًا، ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥].
* طالب: الحديث ما يخالف الآية يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما يخالف الآية.
* الطالب: (...) ﴿مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾؟
* الشيخ: إي، ما قُصُّوا علينا لكن عُلم عددهم، علم العدد لا يدل على القصة، طيب الآن يمكن نشوف القرآن، كم في القرآن من رسول؟
* طالب: خمسة عشر.
* طالب: ثمانية عشر.
* الشيخ: أو خمس وعشرون.
* طالب: خمس وعشرون.
* الشيخ: خمس وعشرين؟ إي.
* طالب: خمس وعشرون نبيًّا.
* الشيخ: خمس وعشرون رسولًا، أو لا؟ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾: لإبراهيم إسحاق ويعقوب، ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٨٤ - ٨٦]، بس كام دوله؟
* الطلبة: ثمانية عشر.
* الشيخ: ثمانية عشر، طيب من بقي؟
* طالب: آدم.
* الشيخ: آدم نبي وليس برسول.
* طالب: شعيب وصالح.
* الشيخ: شعيب وصالح، هود ومحمد.
* طالب: وإدريس.
* الشيخ: إدريس موجود.
* طالب: لا.
* الشيخ: إدريس ما هو موجود؟
* طالب: ما هو موجود في الآية.
* الشيخ: ما هو موجود في الآية؟ طيب إدريس وذو الكفل.
* طالب: وإلياس.
* الشيخ: وإلياس موجود، موجود عددناه، هم خمس وعشرون، ومحمد عليه الصلاة والسلام.
* طالب: عددناه.
* الشيخ: محمد؟ لا ما عددناه.
﴿آتَى الْمَالَ﴾ آتى بالمد بمعنى أعطى، إذن هي تنصب مفعولين، المفعول الأول: ﴿الْمَالَ﴾، والمفعول الثاني؟
* طالب: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وما عطف عليه.
وقوله: ﴿آتَى الْمَالَ﴾ المال: كل عين مباحة النفع بلا حاجة، هذا مال، أو إن شئت قل: بحاجة، أيضًا، كل عين مباحة النفع فهو مال، سواء كان هذا المال نقدًا أو ثيابًا أو طعامًا أو عقارًا أو أي شيء.
وقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ هذه الجار ومجرور حال من فاعل ﴿آتَى﴾، يعني: حال كونه محبًّا له، محبًّا له لحاجته فيه أو لتعلق نفسه به ولو بدون حاجة، أيهم؟
* طالب: تعلق نفسه به.
* الشيخ: أو لحاجة، لكن كلهم؛ لأنك قد تحب المال لأنك محتاج إليه، كما لو كان عند الإنسان بطانية في زمن الشتاء يحبه؛ لأنه محتاج إليه أو سيارة موديل ثلاثة وسبعين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ثلاثة وسبعين، موديل ثلاثة وسبعين، كفراتها بدأت تتفطر، ولا تمشي إلا بدفع، لكنه محتاج لها، هذا ما هو برغبته فيها، اللي جعله يرغب يحبه ما هو؟
* طالب: الحاجة.
* الشيخ: الحاجة، أو إنسان عنده سيارة موديل خمس وثمانين من أفخم سيارات العالم وعنده غيرها سيارات كثيرة، هذه يحبها لأيش؟ لتعلق نفسه بها، صح ولَّا لا؟ كان ابن عمر -رضي الله عنه وعن أبيه- إذا أعجبه شيء في ماله تصدق به، وقال: إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [[أخرجه أبو نعيم في الحلية (١ / ٢٩٤)، من حديث نافع عنه بلفظ كان ابن عمر إذا اشتدّ عجبُهُ بشيء من ماله قرّبه لربه عز وجل.]] [آل عمران: ٩٢]، وهذا طبق الآية اللي معنا ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ الآية يتكلم الله فيها عن البر ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، فهو يحبه لحاجته إليه أو لتعلق نفسه به، فيعطيه هؤلاء المحتاجين إليه، وأبو طلحة لا يخفى على الجميع ماذا فعل لما سمع هذه الآية تصدق ببستانه، اللي هو أغلى شيء عنده فيما أظن، لا لأنه بستانه فقط، ولكن لأن الرسول ﷺ كان يأتي إليه ويشرب فيه من ماء طيب، وقريبة من مسجد الرسول ﷺ، أنا أعتقد أن إنسانًا يجيء الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بستانه ويشرب فيه من الماء الطيب، وأيش يصير بستانه عنده؟ رخيص ولا غالي؟
* الطلبة: غالي.
* الشيخ: غالي جدًّا، يعني: أن الرسول يجيء إلى هذا البستان شيء يوجب أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يجيء إلينا، هذا أحب إلينا من كل شيء من المال، ومع ذلك «لما نزلت الآية ذهب به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، هو صدقة إلى الله ورسوله، فضعه حيث أراك الله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:«بَخٍ بَخٍ ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨ / ٤٢)، من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «بَخ، ذلك مالٌ رابح، ذلك مال رابح».]]، صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا الربح، لو اشتراه بمليون وباعه بعشرة ملايين ربح أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لكن أيها أربح ولَّا هذا؟ هذا أربح بكثير، إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْأَقْرَبِينَ».
المهم أن ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ لماذا اشترط أن يكون على حبه؟ لأن اللي يأتي على غير حبه كلٌّ يبذل ما يهم الواحد..
* طالب: بس فيه مشقة.
* الشيخ: لا، ما فيه مشقة، كلن يبذل، ثم إنه يدخل أيضًا في قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ أن يكون في حال الصحة، وفي حال الإشفاق على المال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خير الصدقة وأفضلها: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ».
* طالب: «تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى».
* الشيخ: «تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأَمُلُ الْبَقَاءَ» »[[أخرجه مسلم (١٠٣٢ / ٩٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، البقاء هذا اللفظ الصحيح، ولًّا فيها «الْغِنَى» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢ / ٩٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن «تَأَمُلُ الْبَقَاءَ» هذا هو محل الشح الحقيقي يخاف من الفقر ويُؤَمِّنُ إنه باقي (...) الشاب، لكن واحد يعود له مئة سنة وعنده ملايين الملايين هذا يخشى الفقر ويأمل البقاء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لكن الشاب اللي ما عنده إلا شوي، هذا هو اللي يخشى الفقر ويأمل البقاء يصير المال عنده غالي، فالمهم أن الحب إذن هذا تبين لنا معنى جديد في قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ تعلق رغبته بالمال، حاجته إليه، كونه يخشى الفقر ويأمل البقاء.
﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ من؟ ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ -سبحان الله العظيم- ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ بدأ بهم قبل كل الأصناف، بينما إن الأمر عندنا الآن بالعكس، تلقى الواحد إذا وجد فقيرًا بعيدًا عنه يظن أنه أولى بالصدقة من قريبه اللي هو ابن عمه، لكن لا، ذوي القربى ولو كانوا أغنياء أعطهم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى نسائه -أظن جويرية- وقد أعتقت مملوكة لها قال: «أَمَا أَنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٩٢) ومسلم (٩٩٩ / ٤٤)، من حديث كريب مولى ابن عباس عن ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها، واللفظ للبخاري.]]، جعل الرسول عليه الصلاة والسلام صلة الرحم أفضل من العتق، جعلها أفضل من العتق.
وقوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ القربى من المراد بهم؟ قرابة الرسول ﷺ أو قرابة المعطي؟
* الطلبة: قرابة المعطي.
* الشيخ: قرابة المعطي، واعلم أن الحكم إذا علق بوصف فإنه يزداد قوة بقوة ذلك الوصف، فإذا كان معلقًا بالقرابة فكل من كان أقرب فهو أولى، وأقرب الناس إليك وأحقهم بالبر أبوك وأمك.
الثاني: ﴿الْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل بلوغه من ذكر أو أنثى، فأما من ماتت أمه فليس بيتيم، ومن بلغ فليس بيتيم، وسمي يتيمًا من اليُتْم وهو الانفراد؛ ولهذا إذا صارت القصيدة جميلة أو قوية يقولون: هذه يتيمة، الدرة اليتيمة، يعني معناه: ما لها نظير منفردة، إذن اليتامى ماذا نقول؟ جمع يتيم، وهو من مات أبوه ولم يبلغ سواء كان ذكرًا أو أنثى، يعطون ولو كانوا أغنياء؟ نعم، يعطون ولو كانوا أغنياء جبرًا لقلوبهم، لكن لاحظوا أن عطية اليتيم الغني ليست كعطية الفقير، الفقير قد أعطيه ثوبًا أو كسرة خبز أو ما أشبه ذلك ينتفع بها، لكن اليتيم الغني ما أعطيه مثل هذا وأيش أعطيه؟ الآن نبغي (...) عليه وأيش أعطيه؟
* الطلبة: ما يناسب حاله.
* الشيخ: بما يناسب حاله، لفظ عام.
* طالب: سيارة.
* الشيخ: لا، السيارة، كبيرة السيارة، ممكن أعطيه قلمًا، يمكن أعطيه ساعة مثلًا، يمكن أعطيه شيئًا يعني يفرح به، أما يتيم بعطيه سيارة، (..) أربعة عشرة (...) ما عنده ولا رخصة، على كل حال يعطى ما يناسبه.
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ المساكين جمع مسكين، وهو الفقير وهو الذي أسكنه الفقر، سمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه، والفقر -أعاذنا الله وإياكم منه- ما يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة، هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ما هو على المستوى الذي يمكنه من التكلم، ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٢٢ / ١٣٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فالمهم أن المسكين هو الفقير، وسمي بذلك لأن الفقر أسكنه وأذله، واعلم أن الفقير بمعنى المسكين والمسكين بمعنى الفقير، إلا إذا اجتمعا فإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر، كما في آية الصدقة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] أيهما أشد؟
* طالب: الفقير.
* الشيخ: الصحيح أن الأشد الفقير؛ لأن الله بدأ به، ويبدأ بالأحق فالأحق والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء، وقال بعض أهل العلم: إن المسكين أشد؛ لأنه من أسكنه الفقر بخلاف الفقير، والصواب أن الفقير أشد؛ لأنه موافق للقفر، فقر وقفر، والقفر أيش معناه؟
* طالب: الجدب.
* الشيخ: القفر: الخلو، أرض قفر: خلو.
وَقَبْـــرُ حَـــرْبٍ بِمَكَـــانٍ قَفْــــــــرٍ ∗∗∗ وَلَــيْسَ قُــرْبَ قَــبْرِ حَــرْبٍقَبْــرُ
هذا فيه تنافر كلمات.
﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (...)..
السبيل بمعنى الطريق، والمراد بـ﴿ابْنَ السَّبِيلِ﴾ الملازم للطريق وهو المسافر، المسافر يكون في حاجة غالبًا فيحتاج إلى من يبره ويعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظًّا، من؟ من الزكاة، وابن السبيل هو المسافر، وزاد العلماء قيدًا قالوا: المسافر المنقطع به، يعني: الذي انقطع به السفر، فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة، وهو والمقيم على حد سواء، فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر.
قال: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ السائلين جمع سائل، وهو المستفهم أو المستجدي؟
* الطلبة: المستجدي.
* الشيخ: كيف، المستجدي؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: (...) الفرق بين المستفهم والمستجدي؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: المستفهم اللي يقول: أين المال؟ والمستجدي اللي يقول: أعطني مالًا، فالمراد بالآية هنا السائلون، أي: المستجدين الذين يقولون: أعطنا، فالسائل له حق لا من أجله هو؛ لأنه قد يسأل وهو ليس بمحتاج، لكن من أجل صفة الكرم والحياء، بمن؟ بالمعطي؛ لأن الإنسان إذا سئل وكان عنده كرم ما يمكن يقول: لا، إذا سئل وكان عنده حياء -والحياء من الإيمان- ما يمكن يقول: لا، «وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، فسأله رجل ذات يوم فأعطاه غنمًا بين جبلين »[[أخرجه مسلم (٢٣١٢ / ٥٧)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، «وأهدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام جبة وكان عليه الصلاة والسلام محتاجًا إليها، فسألها رجل عنده فأعطاه إياها فقيل للرجل: لم صنعت والنبي عليه الصلاة والسلام محتاج إليها؟ قال: إني أريد أن تكون كفني، فكانت كفنه»[[أخرجه البخاري (١٢٧٧)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه بلفظ: أنّ امرأةً جاءتِ النبيَّ ﷺ ببردَةٍ منسوجةٍ، فيها حاشيتها، أتدرون ما البردةُ؟ قالوا: الشّمْلة، قال: نعم، قالت: نسجتُها بيدي فجئتُ لأكسوكها، فأخذها النبيّ ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسّنها فلان، فقال: اكسنُيها، ما أحسنَها، قال القوم: ما أحسنتَ، لبسَها النبيّ ﷺ محتاجًا إليها، ثم سألتَه، وعلمت أنه لا يردّ، قال: إني والله ما سألته لألبسه، إنما سألته لتكونَ كفني، قال سهلٌ: فكانت كفنَهُ.]]، فالنبي عليه الصلاة والسلام لكرمه وحيائه لا يسأل شيئًا إلا أعطاه، فالسائل له حق وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لا يصح: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وِإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» »[[أخرجه أبو داود (١٦٦٥)، من حديث الحسين بن على رضي الله عنه.]]، لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
واعلم أن السؤال -سؤال المال- الأصل فيه المنع والتحريم؛ ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من سؤال المال وأخبر أن «الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠ / ١٠٤)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، بلفظ: «مَا يزالُ الرجلُ يسألُ الناس..» الحديث. ]] -والعياذ بالله- يكون وجهه يوم القيامة مقشرًا؛ لأنه مثل ما أذل وجهه لعباد الله عوقب بذلك بهذه العقوبة العظيمة في هذا المشهد العظيم، وقد بايع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه من جملة ما بايعهم عليه: «أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، فكان الواحد منهم يسقط سوطه من ناقته فينزل ويأخذه ولا يقول لأخيه: أعطني سوطي »[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، بلفظ: ولا تسألوا الناس شيئًا، فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النَّفَر يَسقطُ سوطُ أحدِهم فما يسألُ أحدًا يناولُهُ إيّاه.]].
ولا شك أن التنزه عن السؤال فيه عفة النفس والعزة والكرامة، وأما السؤال ففيه الذل للمخلوق، والإنسان السائل لا شك أن المسؤول مهما كان في الكرم وفي الحياء وفي الجود ينزل عنده هذا السائل تنزل قيمته وينحط من عينه؛ ولهذا لا يجوز السؤال إلا في الحاجة الملحة، الحاجة الملحة التي لا بد منها يسأل الإنسان، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلْ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[أخرجه مسلم (١٠٤١ / ١٠٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
ثم اعلم أن السؤال نوعان: سؤال بلسان المقال، وسؤال بلسان الحال، أما السؤال بلسان المقال: فظاهر يجيء الإنسان إليك ويقول: أعطني كذا وكذا، وأما السؤال بلسان الحال، فأن ترى شخصًا عفيفًا لا يسأل لكنك تعرف حاجته أو تجده مثلًا يخطم أمامك ويدور حولك، فهذا ما سأل بلسان المقال لكنه سأل بلسان الحال.
فإذا قال قائل: إذا كان مؤتي المال للسائلين من أهل البر وأنتم حذرتم من السؤال من سؤال الناس، فكيف يتفق هذا وهذا؟
فالجواب: لا معارضة؛ لأن الجهة منفكة؛ فالممدوح المعطي، والمحذَّر السائل المعطَى، فإذا انفكت الجهة فلا تعارض، فلو رأيت أحدًا مبتلًى بهذه المهنة -وهي مهنة سؤال الناس- فأعطه إذا سألك ثم انصحه وحذره؛ لتكون مؤتيًا للمال وناصحًا للسائل، مؤتيًا للمال من أجل السؤال، وناصحًا للسائل؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- تعلم علم اليقين أو يغلب على ظنك ظن المؤكد بأنه غني، وأنه إنما يسأل الناس أموالهم تكثرًا، فأنت إذا أعطيته ستغريه لا شك يذهب ويسأل غيرك، لكن أعطه لتكون ممن آتى المال السائلين، وانصحه لتكون من الناصحين.
وقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ شوف ما قال: وآتى الرقاب قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ لأن المال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة، من يعطى؟ يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ(في) الدالة على الظرفية.
واعلم أن الرقاب ذكر أهل العلم أنها ثلاثة أنواع: عبد مملوك تشتريه وتعتقه، مكاتب اشترى نفسه من سيده فأعنته في كتابته، أسير مسلم عند الكفار فافتديته، وكذلك لو أسر عند غير الكفار مثل ها اللي يختطفون الآن -والعياذ بالله- إذا طلب المختطفون فدية، قالوا: ما نفكه إلا بهذا، فإنه يفك من الزكاة؛ لأن فيها فك رقبة، فك رقبة من القتل.
* طالب: القاتل؟
* الشيخ: لا، القاتل لا، القاتل ما يدخل فيه.
قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾.
نرجع مرة ثانية إلى ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إذا آتى المال على غير حبه فهل يكون بارًّا؟ يعني: إنسان غني يتصدق بالمال ما يهمه يروح منه مئة ألف أو مئة ريال من أهل البر ولَّا لا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه ما مثل الأول، بر ناقص، فالبر الكامل أن يؤتي الإنسان المال على حبه ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢]، فظاهر الآية أن البر الكامل ما ينال إلا بهذا إذا آتى المال على حبه.
فإذا قال قائل: ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ هذا القيد لا معنى له؛ لأن المال كله محبوب إلى الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨]، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]؟
قلنا: الجواب على ذلك: أن حب المال على سبيل العموم هذا في كل نفس، لكن المراد هنا: آتى المال المعين على حب ذلك المال المعين، فهمتم؟ ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ذلك المال المعين ولا المال كله محبوب للإنسان، لكن أنا مثلًا عندي عشر ورق من فئة المئة، أيهم أحب علي؟
* الطلبة: كلهم واحد.
* الشيخ: كلهم واحد، لكن مجموعهن محبوب إلي ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: محبوب إلي، لا شك، لكن عندي أعيان غير نقد، عندي مثلًا مسجل من هذا النوع وساعة من هذا النوع وسيارة من هذا النوع أحبهم يكون هذا حبًّا خاصًّا ولَّا لا؟ هذا حب خاص غير حب المال العام، وهذا هو المراد بالآية الكريمة هذه وبقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ فلهذا كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به.
مرة ثانية عودة إلى الآية قوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
ظاهر الآية الإطلاق وأن الحكم معلق بالوصف، فالقريب ولو كان كافرًا إذا أعطيته المال فأنت محمود على ذلك، وكذلك اليتيم والمسكين وابن السبيل والسائل وفي الرقاب، فظاهر الآية العموم لأنها لم تقيد، لكنها في الحقيقة ليست على عمومها، بل هي خاصة بالمسلم والكافر غير المقاتل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨]، هذه الآية اختلف أهل العلم هل هي منسوخة ولا محكمة، والصحيح أنها محكمة وأن الأصل عدم النسخ، ولكن بشرط أن لا يكونوا يقاتلوننا، سواء يقاتلوننا بأنفسهم بأن يكون هذا الرجل المعين مقاتلًا، أو يقاتلونا بحكمهم يقاتلوننا حكمًا، مثل أن يكونوا من دولة تقاتل المسلمين؛ لأن الذي من دولة تقاتل المسلمين مستعد للقتال حكمًا، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا أمرته دولته بقتال يلبي ولَّا لا؟
* الطلبة: يلبي.
* الشيخ: يلبي، وعلى هذا فإذا كان الكافر من دولة محاربة للمسلمين، فإنه لا يجوز بره ولا إعطاؤه المال؛ لأن مثل هذا ما دام حربًا للمسلمين، فإن المسلم يريد إعدامه كما أنه هو يريد إعدام المسلم وقتله، فهذا جزاءً وفاقًا وهذا العدل.
بقي علينا كلمة: ﴿فِي الرِّقَابِ﴾، إحنا ذكرنا أنها ثلاثة أنواع: مكاتب، والمملوك، والمأسور، لكن العلماء رحمهم الله خصوا المأسور بالمسلم، أما إذا كان غير مسلم فإنه لا يمدح مَن فك أسره؛ لأن ولاية المسلم أقوى من ولاية غير المسلم، ويمكن أن نقول: إن قول العلماء رحمهم الله تخصيص هذا في المسلم هذا بالنسبة للزكاة؛ لأن الزكاة ما تعطى غير المسلم بخلاف التطوع، فإنه يجوز أن يفك منها أسير ذمي، لو فرض أن هناك أسيرًا ذميًّا وأنه إن لم ينفع المسلمين ما ضرهم، فلا حرج من أن يفك.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟
* الطلبة: ﴿مَنْ آمَنَ﴾.
* الشيخ: على ﴿مَنْ آمَنَ﴾؟
* الطلبة: إي نعم. إذن ﴿وَأَقَامَ﴾ معطوف على آمن اللي هي صلة الموصول.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ الصلاة المراد بها الفرض والنفل، وإقامتها بمعنى الإتيان بها مستقيمة، بأن أقام الشيء جعله قائمًا مستقيمًا، وليس المراد بأقام الصلاة يعني: الله أكبر الله أكبر الإقامة المعروفة، المراد به أيش؟ الإتيان بالصلاة مستقيمة، كما تقول: أقمت الجدار، أقمت العصا، أقمت فلانًا: جعلته يقف حتى يكون مستقيمًا.
وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ (أل) هذه للعهد أو للعموم؟
* الطلبة: للعموم.
* الشيخ: للعموم؛ لأنها تشمل الفرض والنفل، واعلم أن الصلاة من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، فمعناها في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ١٠٣] أي: ادع لهم بالصلاة، فقل: صلى الله عليكم، هذا معنى ﴿صَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ولكنها في الشرع هي الصلاة المعروفة: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، يجب أن نقول: عبادة ذات أقوال، مع أن المعروف عند كثير من المعرفين لها يقولون: هي أقوال وأفعال معلومة مفتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وهذا لا شك أنه قاصر، بل يجب أن نقول: عبادة؛ ولهذا لو جاء إنسان يعبث وكبر وقرأ وركع وسجد وسلم، يصير مصلي شرعًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يكون مصليًا، إنما لا بد أن تكون عبادة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (آتى) بمعنى أعطى، (آتى) يعني أعطى، والزكاة أيضًا من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، الزكاة في اللغة: من زكا يزكو، أي: نما وزاد، وصَلُح أيضًا، والزكاة في اللغة أيضًا بمعنى الصلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩] أي: أصلحها وقومها.
لكنها في الشرع الزكاة هي: التعبد ببذل مال واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة، هذه هي الزكاة، وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال وتنمي الثواب، تنمي الخُلق كيف؟
* طالب: يصير كريمًا..
* الشيخ: نعم، يكون بها الإنسان كريمًا من أهل البذل والجود والإحسان، وهذا لا شك أنه من أفضل الأخلاق شرعًا وعادة، وتنمي المال، تنمي المال كيف؟ أنا عندي مئة ريال أخذت منها ريالين ونصف بقي عندي سبع وتسعين ونصف نقص المال كيف يصير تنمي؟
* الطلبة: بالبركة.
* الشيخ: نقول: نعم، تنمي بالبركة والحماية والحفظ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» »[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ما يمكن تنقصه يعني: لو لم تخرج هذا القدر من المال ربما يأتيه آفات، تبيع وتشتري وتخسر، ربما تصاب أنت أو أهلك بأمراض تحتاج إلى علاج فيفنى كل ما عندك، ربما يأتي سارق ويسرقه، ربما تودعه عند إنسان فيجحده، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لكن الزكاة حماية له وحفظ وبركة، من بركة المال تشتري بعشرة ريالات ثوب، ربما إذا كنت لا تزكي يتمزق بسرعة، وإذا كنت تزكي ينزل الله فيه البركة ويبقى سنتين ثلاث صح على حسب الحال.
* طالب: عندي ثوب له أربع سنين يا شيخ..
* الشيخ: ما نقول شيئًا، هذا من البركة، المهم أن أنواع البركة التي تنزل في المال كثيرة، فلهذا قلنا: إن الزكاة تزكي المال. تزكي الثواب ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تزكي الثواب؟ نعم، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فوق ذلك، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام وصح عنه أن: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ أَوْ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبَّيهَا كَمَا يُرَبِّي الْإِنْسَانُ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» »[[أخرجه البخاري (١٤١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ».]]، وهي عدل تمرة تكون مثل الجبل، أليس هذا تزكية؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: بلى، والله تزكية، هذه التزكية الحقيقية، هذا اللي أزكى من أنك تعطي إنسانًا يضارب بمالك، هذا الذي تعطيه يضارب بمالك كم بيربح؟ خله يربح العشرة مئة أو يخسر، لكن هذه تقع في يمين الرحمن عز وجل، ونعم اليمين يمين الرب، فيربيها سبحانه وتعالى وينميها لك حتى تكون مثل الجبل، هذا الربح هذا الربح العظيم، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة ٢٤٥]. إذن سمي زكاة؛ لأنه يزكي المال والخلق والثواب.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ عندنا (آتى) تنصب مفعولين أين مفعولها الأول؟
* الطلبة: الزكاة.
* الشيخ: الزكاة، أين المفعول الثاني؟
* الطلبة: محذوف.
* الشيخ: محذوف، وأيش التقدير؟
* طالب: مستحقها.
* الشيخ: مستحقها، تمام، مستحقها، شوف ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ أتى بالمفعول الثاني ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾، هذه ﴿آتَى الزَّكَاةَ﴾ لم يأت بالمفعول الثاني لكنه محذوف معلوم، وأهل الزكاة تكفل الله عز وجل بقسمها عليهم فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة ٦٠] ثمانية فقط لا تحل لغيرهم.
﴿وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ هنا ما قال: وأوفى بع
هده، بل أتى بالجملة الاسمية؛ لأن الوفاء جبلة وخلق، لكن ما سبق أفعال يفعلها الإنسان أو لا؟ لكن هذه جبلة وخلق أن الإنسان يكون وفيًّا، وفيًّا بالعهد لكن إذا عاهد، ﴿إِذَا عَاهَدُوا﴾ (إذا) هنا مجردة من الشرطية فهي ظرفية محضة، يعني: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ وقت العهد، يعني: في الحال التي يعاهدون فيها، فإذا عاهدوا وفوا.
واعلم أن العهد عهدان: عهد مع الله عز وجل، وعهد مع الخلق، فالعهد الذي مع الله ما هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الإيمان به، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف ١٧٢]، وقال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به ربًا فنرضى بشريعته، بل بأحكامه الكونية والشرعية، هذا هو العهد الذي بيننا وبين ربنا.
أما العهد الذي بينك وبين الناس: فكثير أنواعه غير محصورة كثيرة جدًّا، منها: العقود، العقود من العهود، يعني: العقد اللي بينك وبين واحد عقد بيع، عقد إجارة، عقد رهن، أي عقد من العقود يعتبر هذا عهدًا لأني..
* طالب: عقد الزواج يا شيخ؟
* الشيخ: وعقد الزواج؛ لأني إذا عقدت معك، وأيش معنى عقدت معك؟ التزمت بما يقتضيه هذا العقد، إذن فكل عقد عهد، كل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٤].
ومن العهود بينك وبين الخلق: العهد المعروف وهو أن تجري عقدًا بينك وبين الكفار -مثلًا- أن لا يعتدوا عليك ولا تعتدي عليهم، مثل ما جرى من النبي ﷺ مع المشركين في؟
* طلبة: صلح الحديبية.
* الشيخ: صلح الحديبية هذا يسمى عهدًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٤]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٧]، هذا العهد الذي بيننا وبين أعداء الله وأعدائنا له ثلاث حالات: إما أن يستقيموا لنا، وإما أن يخونوا، وإما أن نخاف منهم الخيانة، فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم، بأي ما يمكن نخون أبدًا، وإن خفنا منهم الخيانة ننبذ إليهم على سواء ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨].
* طالب: شيخ، نحاربهم؟
* الشيخ: لا، تقول: (...) عهد، تخبرهم أنه لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة.
وأما من خانوا فماذا نصنع معهم؟ نقاتلهم؛ لأنهم هم الذين نقضوا العهد، مثل ما فعلت قريش في العهد الذي جرى بينهم وبين الرسول ﷺ في الحديبية؛ لأنهم نقضوا العهد حيث أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ، يعني هم -قريش- غدروا أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ، وهذا نقض للعهد بلا شك؛ لأن حلفاء الرسول معناه أن الرسول يكون معهم على من ناوأهم، فلما نقضوا العهد حاربهم النبي ﷺ، من العهد أيضًا ما يقع بين الإنسان وبين غيره في الالتزامات غير العقود وغير العهود، مثل الوعد، فإن الوعد من العهد؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب الوفاء بالوعد أو لا يجب؟ والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب الوفاء بالوعد، أن الوفاء بالوعد واجب؛ لأنه داخل في العهد؛ إذ إنني إذا قلت: سآتيك غدًا في الوقت الفلاني، معناه تعهدت بذلك، فيجب الوفاء بالوعد؛ ولأن إخلاف الوعد من علامات النفاق، وإذا كان كذلك فهل نقول: إنه يجوز للمؤمن أن يتحلى بأخلاق المنافقين؟ إذا قلنا: لا، معناه صار الوفاء بالوعد واجبًا، والسؤال المطروح الآن هل نحن قائمون بهذا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: نعم؟ نسأل الله العفو.
* طالب: ليس على الإطلاق.
* الشيخ: ليس على الإطلاق، في كل وقت ولا في كل إنسان، إنما من المؤسف أنه من المعروف عند الناس أن المسلمين أقل الناس وفاء بالوعد، حتى إن بعض -والعياذ بالله- المخدوعين إذا بغي يؤكد الوعد يقول: شوف ترى وعد إنجليزي -شوف أعوذ بالله- يعني: أن وعد الإنجليز ما يخلف دقيقة، الصواب أن نقول: ترى وعد مؤمن، ما هو إنجليزي، الإنجليزي ما أخذ هذه الأخلاق إلا من المؤمنين، وإلا فإنه كافر، يعني ما نقول: كل الإنجليز، يعني الكافر منهم، لكن مع الأسف إن عندنا نحن إخلاف الوعد أمر هين، وأما التقدم أو الغالب التأخر فهو أمر لازم إلا ما شاء الله، يواعدك الساعة اثنا عشر ويجيء الساعة اثنا عشر ونصف يا أخي (...) قال: هي بس نصف ساعة، هذا غلط حاول أنك تأتي بالموعد المحدد؛ لأنه قد يكون عطل أشغال أو ما أشبه ذلك، والله أعلم.
(...) ﴿وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾..
قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ هذا فيه إشكال من حيث الإعراب؛ لأن الذي قبله مرفوع وهو غير مرفوع، فلماذا؟
* طالب: للاختصاص.
* الشيخ: التقدير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول بعض العلماء: إنه منصوب بفعل محذوف تقديره: وأخص الصابرين، وحينئذ نقول: لماذا عدل به عن العطف كأخواته السابقة؟ نقول: الحكمة أو البلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه، فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد غفل ولها وصار كأنه شيء يدرج به ولا يلتفت، فإذا تغير الأسلوب فإنه يوجب الانتباه، وهذا مثل ما قلنا في شيء يمر علينا كثيرًا، وهو الالتفات، فإنه بتغير الأسلوب يتوجب على المخاطب أو القارئ أن ينتبه.
ثم إن هنا ﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ الصبر في الواقع ليس بذل شيء ولكنه تحمل شيء، وما سبق كله بذل شي فهو مختلف من حيث النوع، من حيث النوع مختلف، شوف من آمن، وأقام، وآتى المال، وأوفى بالعهد، كل هذه أفعال، لكن ﴿الصَّابِرِينَ﴾ هذا ما هو فعل ما هو بيبذل الإنسان شي لكنه يتحمل.
وقوله: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: فلان قُتل صبرًا، أي: حبسًا، وأما في الشرع: فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره، عرفتم؟ فإذن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: أيهما أفضل؟ أفضلها الصبر على الطاعة، هو أفضلها؛ لأنه جهاد وعمل، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الصبر على الطاعة ومصابرتها وعمل، ويليها الصبر عن المعصية؛ لأنه كف، كف للنفس وليس فيه إيجاد، وإن كان في بعض الأحيان الصبر عن المعصية أشق من الصبر على الطاعة (...) تفلت به، السبب؟ لأنه قدر كائن، كائن غصبًا عليك رضيت أو ما رضيت، لكن كف نفسك عن الفجور هذا باختيارك إن شئت كففت وإن شئت لم تكف، صبر نفسك على الطاعة كذلك باختيارك، فأفضلها الصبر على الطاعة، ثم عن المعصية، ثم على الأقدار؛ ولهذا قال أهل العلم: إن صبر يوسف عن الفحشاء بامرأة العزيز إنه أقوى من صبره على ما أصابه من إخوته، أو لا؟ وأصابه من إخوته أنهم ألقوه في غيابت الجب وحصل له ما حصل.
﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ البأساء: شدة الفقر، ومنه البؤس يعني: الفقر، والثاني الضراء: المرض، والثالث حين البأس: شدة القتال، فهم صابرون في أمور لهم فيها طاقة وأمور لا طاقة لهم بها.
﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ يعني: في حال الفقر، لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، بل يصبرون عن المعصية لا يسرقون ولا يخونون ولا يكذبون ولا يغشون، وهذا صبر عن أيش؟
* طالب: عن المعصية.
* الشيخ: عن المعصية، ولا يحملهم الضراء -المرض وما يضر أبدانهم- لا يحملهم ذلك على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره، بل هم دائمًا يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا..
* طالب: هذا (...)؟
* الشيخ: نعم.
كذلك ﴿حِينَ الْبَأْسِ﴾ حين شدة القتال يصبرون ولا يولون الأدبار، وهذا صبر على أيش؟ على الطاعة، صبر على الطاعة، فتضمنت هذه الآية الصبر بأنواعه الثلاثة: صبر عن المعصية، وعلى الأقدار المؤلمة، وأيش عليه؟ وعلى الطاعة.
﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ تقدم لنا أن قلنا: إن المصاب بالأقدار المؤلمة له أربع مراتب، أيكم الذي يذكرها؟ من وقع به ما يضره ويؤلمه فله أربع مقامات أو أربعة مقامات؟
* طالب: أولًا: يفرح فقط يفرح (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: يرضى.
* الشيخ: زين.
* الطالب: وثانيًا: يصبر يعني..
* الشيخ: يصبر، اترك يعني، خل التفسير بعدين، وثالثًا؟
* الطالب: وثالثًا..
* الشيخ: نعم؟
* طالب: يشكر.
* الشيخ: وثالثًا: يشكر، ورابعًا؟
* طالب: يصبر.
* الشيخ: ذكرها.
* الطالب: يجزع.
* الشيخ: يجزع ويتسخط، المصاب بالأقدار له أربع حالات أو أربعة مقامات، أولًا: أن يتسخط ولا يصبر يتسخط، والثاني: أن يصبر، والثالث: أن يرضى، والرابع: أن يشكر، أربعة مقامات، السخط محرم والصبر واجب، والرضا فيه خلاف والصحيح أنه مستحب، والشكر مستحب.
الفرق بين الرضا والصبر؟ الصبر: يكره هذا الشيء ويتألم منه ويراه مرًّا لكنه يصبر لا يتسخط لا بقوله ولا بفعله ولا بقلبه، عرفتم؟ لكنه كاره، والرضا: أن لا يكره هذا الشيء، ولكنه يعنى لا فرق بين أن يصاب بهذا الأذى أو لا يصاب هو متحمل وراضٍ ومطمئن، وهذا لا شك أنه أعلى من الصبر أو لا؟ ما هو بأعلى من الصبر؟ لأنه متضمن للصبر وزيادة.
أما الشكر فهو أعلى من ذلك أيضًا، ولكن يقال: كيف يشكر وقد أصيب؟ نقول: نعم، يشكر وقد أصيب؛ لأنه إذا رأى ثمرة هذه المصيبة على الرضا بها يشكر الله على هذه النعمة، ثم إنه يشكر الله أيضًا حيث يرى أنه قد يصاب بأعظم، ليست المصيبة التي أصبت بها أهون مصيبة على الدنيا ولَّا لا؟ ولهذا يقول العامة: قس المصيبة بما هو أعظم منها يتبين لك سهولتها، وهذا صحيح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ما شاء الله، هذه شهادة من الله عز وجل، شهادة وأعلى أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد سبحانه وتعالى، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات، ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ صدقوا بأيش؟
* طالب: الله.
* الشيخ: صدقوا الله وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة وغير ذلك، فصدقوا صدقوا الله عز وجل، والصدق -كما تعرفون- هو موافقة الشيء للواقع، فالقائل عن المخبر بشيء إذا كان خبره موافقًا للواقع صار صادقًا، والعامل اللي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص صار عمله صادقًا؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباء صادقًا، والمنافق كاذب، المنافق المرائي بعمله كاذب؛ لأن عمله لا ينبئ عما في قلبه؛ إذ إن ظاهر عمله الإخلاص وهو غير مخلص خلاف ذلك، هؤلاء هم الذين صدقوا، صدقوا فيما أضمروه بقلوبهم، وفيما نطقوا به بألسنتهم، وفيما قاموا به بجوارحهم، صدق، صدق من أكمل الصدق، وقد قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]..
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحزاب ٨]، هذه ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وهذا الصدق فيما أظهروه وأعلنوه.
ثم قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: القائمون بالتقوى، والتقوى هي: اتخاذ الوقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وتأمل كيف جاءت هذه الجملة بالجملة الاسمية المؤكدة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الجملة اسمية في دلالتها على؟
* الطلبة: الثبوت.
* الشيخ: الثبوت والاستمرار؛ لأن الجملة اسمية تدل على أنها صفة ملازمة للمتصف بها، وهي مؤكدة هذه الجملة بماذا؟
* طالب: بـ(هم).
* الشيخ: بضمير الفصل (هم)؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: فائدة لفظية تتعلق بالإعراب، وفائدتان معنويتان، الفائدة اللفظية التي تتعلق بالإعراب هي؟
* طالب: أنه مؤكد.
* الشيخ: لا، هذه معنوية.
* طالب: (...) خبرًا يدل على أنه..
* الشيخ: أنه يفصل بين الخبر والنعت.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يفصل بين الخبر والنعت، ويبين أن ما بعده خبر لا نعت، الفائدتان معنويتان: أنه يفيد التوكيد، هذه واحدة، ثانيًا: يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، نضرب مثلًا: إذا قلت: زيد الفاضل، كلمة (الفاضل) في هذا السياق هل تتعين أن تكون خبرًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لجواز أن يكون المعنى: زيد الفاضل خير الناس -مثلًا-، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإذن يمكن أن تكون (الفاضل) هذه صفة لا خبرًا، فإذا قلت: هو الفاضل، زيد هو الفاضل؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: تعين أن تكون خبرًا، إذا قلت: زيد هو الفاضل، فهو أوكد من قولك: زيد الفاضل أو لا؟ أوكد في إثبات الفضل له، إذا قلت: زيد هو الفاضل أفاد أن غيره لا يشاركه في هذا الوصف، لأنك تقول: هو، هو لا غيره، هو الفاضل، فهذه فوائد ضمير الفصل.
وهل هذا الضمير له محل من الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه خلاف، بعضهم قال: إن محله ما قبله، محله من الإعراب محل ما قبله، وبعضهم قال: إنه حرف لا محل له من الإعراب؛ ولهذا يسميه الكوفيون يسمونه حرف عماد، يعني: تعتمد عليه الجملة وليس له محل من الإعراب، وهذا هو المعروف، فيقولون: هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ هؤلاء جمعوا بين البر والتقوى، البر بالصدق، والتقوى بهذا الوصف ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِّرِّ، وَإِنَّ البِّرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) بمثله دون أوله.]]، فجمعوا بين البر والتقوى، وهذا ما أمر الله في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢].
* طالب: هنا الترتيب هذه الآية ما فيه ترتيب يعني البأساء، الضراء، حين البأس صار يختلف عن الترتيب..
* الشيخ: إي، يختلف؛ وذلك لأن الانتقال من الأسهل إلى الأشد، الفقر أسهل على الإنسان من المرض أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: والمرض أهون عليه من القتال، فهو انتقال من الأسهل إلى ما فوقه.
* طالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة للبعيد؟
* الشيخ: إي، الإشارة للبعيد هنا لعلو المرتبة، الإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبته؛ ولهذا شوف ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وكرر الإشارة مرة ثانية، كل هذا من باب التأكيد والمدح والثناء، كأن كل جملة منها -من هاتين الجملتين- مستقلة، ما قال: أولئك الذين صدقوا والمتقون أو واتقوا بل ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وقد قلنا: إن الإشارة للبعيد لعلو المرتبة في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، ولا قال: هذا الكتاب.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة ١٧٨] هذا النداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قلنا: إن افتتاح الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المخاطب، فهمتم؟
ثم نداؤهم بهذا الوصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فائدته له ثلاث فوائد، أولًا: الإغراء والحث، فإن وصفهم بالإيمان يفيد إغراءهم وحثهم على التزام ما ذكر الله عز وجل، هذه واحدة، الفائدة الثانية: أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان، يا أيها الذين آمنوا كذا وكذا، معناه أن هذا من مقتضى الإيمان، الثالث: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ ولهذا خوطب به المؤمن، فإذا لم يقم بذلك معناه أن إيمانه ناقص ما يستحق أن يوجه إليه هذا الخطاب.
فعندنا الآن بحثان -يا جماعة-: البحث الأول: تصدير الحكم أو تصدير توجيه الأحكام بالنداء، وأيش يفيد؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: الاهتمام، لماذا؟ وجه ذلك؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لأنك إذا ناديته معناه أنك دعوته إلى أن ينتبه، والشيء الذي يدعى للانتباه به معناه أنه ذو أهمية يجب التنبه له.
وجعل الخطاب معلقًا بوصف الإيمان يفيد ثلاث فوائد، الأولى؟
* طالب: الإغراء والحث.
* الشيخ: الإغراء والحث. الثانية؟
* طالب: وصف الإيمان، أغراهم بوصف الإيمان.
* الشيخ: لا، ذكرنا هذا. الثاني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن ذلك من مقتضيات الإيمان.
* الشيخ: أن هذا من مقتضيات الإيمان، والثالث؟
* طالب: أن عدمه نقص في الإيمان.
* الشيخ: نقص في الإيمان صحيح، أن مخالفته نقص في الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ذكر أهل العلم أن غالب السور المدنية يكون فيها الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمكية؟
* الطلبة: بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* الشيخ: بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، لكن هذا ليس على إطلاقه، هذا إن قلنا فإنما نقول: إنه أغلبي؛ لأن سورة البقرة مدنية بالاتفاق وفيها؟
* الطلبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ صح ولَّا لا؟ سورة الحجرات مدنية بالاتفاق، ومع ذلك فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وفي سور كثيرة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهي مكية، وعلى هذا فنقول: هذا الذي ذكره بعض أهل العلم إنما هو على سبيل الأغلبية فقط، إن صح ذلك.
* طالب: شيخ، بالنسبة لـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مكية؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) أنا بحثت ما وجدت.
* الشيخ: ما وجدت؟ سورة الحج وأيش؟
* الطالب: الحج مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: (...) المصحف أنها مدنية.
* الشيخ: إي، فيها فيها، أنا متأكد، بس أنا ما أحفظ المكيات من المدنيات لكن متأكد أن فيه مدنيات فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* طالب: في بحثي أنا ما وجدت.
* الشيخ: لا، فيه فيه ابحث وتجد.
* طالب: يعني مدنية تبدأ بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* طالب آخر: مكية.
* الشيخ: لا، مدنية فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الطلبة: مكية.
* الشيخ: مكية فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* طالب: ما أعرف شيء فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* الشيخ: وفيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الطالب: إي، لكن يعني حسب قول العلماء يقولون: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مدنية.
* الشيخ: إحنا قلنا: هذا غير صحيح في ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، في ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيضًا غير صحيح؛ لأن فيه سورًا مكيات وفيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، تأملوها إن شاء الله تلقونها، وكلنا إن شاء الله نبحث فيها بعد.
* طالب: الحج ما هي مكية؟
* الشيخ: الحج أنا أتصور مكية شوف المصحف.
* طالب: في المصحف مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: (...) مثلًا مكية يقول: مكية إلا من آية كذا إلى كذا.
* طالب آخر: مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: كل الآيات وبين قوسين (...) ٥٤، (...) بين مكة والمدينة.
* الشيخ: هذه كلها غالبًا ما عليها دليل، إحنا نقول: إن السورة المكية إذا لم يذكر إنسان دليلًا على أنه مستثنى منها شيء، وإلا فهي مكية.
* طالب: فمن هذا اللي واضع (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنهم من المفسرين والقراء.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
البقرة 2:178
(...) ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٧] في هذه الآية قراءتان: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾، فأما على قراءة الرفع فإن (البر) تكون اسم (ليس)، و(أن تولوا) خبرها، وكذلك إذا كانت (ليس البرَّ) تكون (البر) خبرها مقدمًا، و(أن تولوا) اسمها مؤخرًا، يعني تقدير الكلام على الأول: ليس البرُّ توليتَكم وجوهَكم، وتقديره على الثاني: ليس البرَّ توليتُكم، بالرفع.
يقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ والبر هو في الأصل الخير الكثير، ومنه سمي البَرّ؛ لسعته واتساعه، ومنه اسم من أسماء الله ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور ٢٨]، المعنى: ليس الخير وكثرة الخير والبركة أن يولي الإنسان وجهه قبل المشرق، أي: جهة المشرق أو جهة المغرب، وهذا نزل عندما ساء بعضَ الناس تحويلُ النبي ﷺ من بيت المقدس إلى الكعبة، فبيّن الله عز وجل إنه ليس البر أن الإنسان يتوجه إلى هذا أو هذا، ليس هذا هو الشأن، الشأن إنما هو في الإيمان بالله إلى آخره، أما الاتجاه فإنه لا يكون خيرًا إلا إذا كان بأمر الله، ولا يكون شرًّا إلا إذا كان مخالفًا لأمر الله، فأي جهة توجهتم إليها بأمر الله فهي البر. على هذا لا نقول: إن العبرة بالعمل، العبرة بنوع العمل، ما هو نوع العمل؟ هل هو طاعة لله أو ليس بطاعة؟ إن كان طاعة فهو بر وخير، وإلا فليس ببر ولا خير، ولهذا السجود لغير الله كفر وشرك، وفي وقت من الأوقات صار السجود لغير الله عبادة وتركه كفرًا، قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، وفي وقت من الأوقات صار من أفضل الطاعات، قطيعة الرحم من الكبائر، وفي وقت من الأوقات صارت خيرًا، فإن قتل الأب لابنه من أكبر القطيعة، ومع ذلك حين أمر به إبراهيم صار من أفضل القربات، فالشأن إذن في طاعة الله عز وجل، ليس في العمل الذي تفعل، وإنما المقياس هل هو من أمر الله أو ليس من أمر الله، إذن كوننا نتجه إلى المشرق أو إلى المغرب هذا ليس هو البر، إلا إذا كان اتجاهنا طاعة لله، فحينئذ يكون برًّا.
* طالب: أقول: قطيعة الرحم وأيش مثاله؟
* الشيخ: مثل ذبح الابن.
* طالب: لا غيره قبله؟
* الشيخ: قبله، ذكرنا على سبيل العموم.
* الطالب: قتل النفس؟
* الشيخ: قتل إبراهيم لابنه.
قوله: ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، إذا قال قائل: أنتم ذكرتم هذا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وليس هذا قِبَلًا للمشرق ولا للمغرب، وإنما هو للجنوب أو الشمال، أليس كذلك؟ قلنا: بلى، لكن أظهر وأبين الجهات هي جهة المشرق وجهة المغرب؛ لأن جهة المشرق والمغرب ما تخفى على أي إنسان (...) والنصارى يستقبلون المشرق، وكل منهما يقول: إنه هو فاعل البر، فأنزل الله هذه الآية، لكن الأول أصح.
* طالب: (...) وردت..
* الشيخ: لا لا، يعني هذا باعتبار التعبد لله.
* طالب: معنى هذا يا شيخ قبلة النصارى واليهود، قبلة اليهود ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس ٨٧] أيش معنى قبلة؟
* الشيخ: يعني قبلة مستقبلة للناس، يعني افتحوها للناس.
قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ فيها أيضًا قراءتان، وهي: ﴿وَلَكِنِ الْبِرُّ﴾ بالرفع، وعلى هذا فتكون (لكن) عاطفة غير عاملة، والقراءة التي في المصحف ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فتكون عاملة. قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، البر من آمن، كلنا يعرف أن البر عمل، و(من آمن) عامل، فكيف يصح أن يكون العامل خبرًا عن العمل؟ في هذا وجهان؛ الوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف، وتقديره: ولكن البرَّ بِرُّ من آمن بالله واليوم الآخر، ثانيًا: أن الآية على سبيل المبالغة، ولا فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال: رجل عدل، بمعنى عادل. ووجه ثالث: أن نجعل البر بمعنى البارّ: ولكن البارّ، فيكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، يعني: ولكن البار حقيقة القائم بالبر من آمن بالله، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وأيش محلها من الإعراب (مَن)؟ محلها الرفع على كل تقدير، على قراءة التخفيف وعلى قراءة التشديد. قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، آمن به، تقدم أن الإيمان في اللغة بمعنى التصديق، لكنه إذا قُرِن بالباء صار تصديقًا متضمنًا للطمأنينة والثبات والقرار، فليس مجرد تصديق، لو كان بمعنى التصديق المطلق لكان يقال: آمَنَه أي صدَّقه، لكن (آمن به) مضمنة معنى الطمأنينة والاستقرار لهذا الشيء، وإذا عُدِّيت باللام مثل ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦]، فمعناه أنها ضُمِّنت معنى الاستسلام والانقياد.
قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.
أما الإيمان بوجوده فإنه كما سبق دل عليه الشرع والحس والعقل والفطرة، أو لا؟ طيب، دلالة الشرع عليه واضحة: إنزال الكتب وإرسال الرسل، كل هذه من أين جاءت؟ من الله عز وجل، ودل عليه الحس، دل على وجوده الحس - سبحانه وتعالى - فإننا نسمع ونلمس أن الله سبحانه وتعالى يُدْعَى فيجيب، وهذا دليل حسي على وجوده تبارك وتعالى، كما في سورة الأنبياء وغيرها ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٧٦]. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٨٣، ٨٤]. إلى آخره كثير، وهذا أيضًا شيء يلمسه الإنسان بنفسه أنه يدعو الله عز وجل بجلب خير له أو دفع شر عنه، فيحس بذلك، أما دلالة العقل على وجود الله عز وجل فما هو؟ ما من حادث إلا وله محدِث كما قال الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]، هذا الكون العظيم بما فيه من النظام والتغيرات والأحداث لا بد أن يكون له موجِد محدِث يُحدث هذه الأشياء فهو الله عز وجل، وإلى هذا الدليل أشار الله بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. ودل على وجوده الفطرة، فإن الإنسان لو تُرك وفطرته لكان مؤمنًا بالله، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]، حتى غير الإنسان مفطور على أنه يعرف الرب عز وجل.
الثاني: الإيمان بربوبيته، وهذا فرع عن الإيمان بوجوده، يعني ليس مجرد وجود الله عز وجل، بل هو رب سبحانه وتعالى يحكم في عباده بما يشاء كونًا وشرعًا، الأحكام الكونية هي ما يتعلق بالإيجاد والخلق، والأحكام الشرعية ما يتعلق بالتنظيم والسَّنّ، يعني يسُنّ لعباده سُنَنًا ويشرع لهم شرائع، هذه أحكام شرعية، فمسألة الأحكام متعلقة بتوحيد الربوبية لا بتوحيد الألوهية؛ لأن الرب معناه هو الذي يتصرف في عباده كما يشاء خَلقًا وحكمًا، فله الخلق والأمر، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤].
أما الإيمان بألوهيته فهو أن تعتقد أنه لا إله في الوجود يستحق أن يُعبد سوى الله عز وجل، كل الآلهة التي تُعبد من دونه من أنبياء وملائكة وأولياء وأشجار وأحجار ونجوم وشمس وقمر كلها باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان ٣٠].
* طالب: ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
* الشيخ: فيه آيتان.
ففيه أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق، ولا يكفي كما يفعله كثير من المؤلفين المعاصرين في تقرير التوحيد، وكذلك المتقدمون، لا يكفي أن نقرر التوحيد بتوحيد الربوبية، المتكلمون يقولون: الإله هو القادر على الاختراع، ولو كان هذا معنى (لا إله إلا الله) لكان المشركون موحدين؛ لأن المشركين ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولكن الألوهية غير، الألوهية تتعلق بالعبادة، بمعنى أنه لا أحد يُعبد بحق سوى الله عز وجل.
أما الإيمان بأسمائه وصفاته فهو أيضًا من تمام الإيمان بالله عز وجل، تؤمن بكل اسم سمى الله به نفسه، وتؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه، ولا تستنكر أو تشمئز من صفة أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ؛ فإنها حق، كثير من الناس إذا سمع شيئًا من آيات الصفات أو أحاديثها وقُرِّرت له يستنكر ويشمئز، ويظن أنها دالة على التشبيه والتمثيل، فيأخذ بتأويلها وتحريفها إذا لم يمكنه إنكارها، فإن أمكنه إنكارها أنكرها ولا يبالي.
فأهل البدع بالنسبة لما يتعلق بالأسماء والصفات وبغيرها مما يخالفون فيه حتى في مسائل القدر، في مسائل الإيمان، لهم مذهبان، الطريق عندهم كلهم على حد سواء إذا جاءت النصوص على خلاف ما يذهبون إليه إن تمكنوا من إبطالها قالوا: هذه باطلة، هذه ما تصح، كما يقولون: أخبار الآحاد لا تثبت بها العقائد، هذه القاعدة التي من أبطل القواعد يريدون أن يقضوا بها على كل ما جاء من أسماء الله وصفاته في أخبار الآحاد، فإذا وجدوا خبرًا يخالف مذهبهم وطريقتهم البدعية وهو من أخبار الآحاد على طول ما يحتاج لا ينظرون في رواته، ولا في تلقي الأمة له بالقبول، ولا يفكرون في هذا أبدًا، خلاص يشطب عليها، هذا خبر آحاد مخالف لما يُعلم بالضرورة من العقيدة عندهم، فيجب أن يكون باطلًا مكذوبًا.
الطريق الثاني لهم إذا عجزوا عن رد الخبر بأن كان في القرآن أو في متواتر السنة سلّطوا عليه معاول المجاز، كل واحد معه معول، هذا معول خشب، وهذا معول فولاذ، وهذا معول حديد، هذا يقول: مجاز مرسل، وهذا يقول: مجاز عقلي، وهذا يقول: إنه استعارة، وما أشبه ذلك، حتى يقضوا عليه بهذا التحريف، هذه طريقتهم، طريقة أهل البدع ما تخلو من هذا، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: ما لنا وللأمر، الذي أخبرنا عن نفسه مَن؟ الله، وهو أعلم بنفسه وأصدق حديثًا من غيره، وهو يريد البيان لخلقه أو التعمية عليهم؟
* الطلبة: البيان.
* الشيخ: البيان، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، فكيف إذا كان الله عز وجل لا يريد إلا البيان لخلقه، وهو سبحانه وتعالى أصدق القائلين وأعلم من نطق بما نطق به، كيف نقول: هذا مجاز، هذا ليس بحق، هذا يجب أن يُصرف؟ الواجب علينا أن نؤمن به ونأخذه على ظاهره.
لكن يجب علينا كما قررناه ونقرره كثيرًا الحذر من أمرين، وهما: التمثيل والتكييف، ما نقول: هذا الظاهر مثل ما نعرفه من نفوسنا، أو كيفية هذا الشيء كذا وكذا، كل هذا أمر باطل لا يجوز اعتقاده، وهذه القاعدة يا إخواننا إذا أخذنا بها استرحنا طردًا وعكسًا؛ استرحنا طردا بحيث ما يخرج عنها شيء، كل الأحاديث أو الآيات الواردة في صفات الله نجريها على هذا، ونقول: هي ثابتة لله لكن بدون تمثيل ولا تكييف، هذا الطرد، العكس ما أحد يعترض علينا يقول: لأيش أوّلتم في كذا وتركتم التأويل في كذا؟ لأن بعض الناس قد يستوحش من بعض الصفات، يستوحش منها كثيرًا، وإن كان يثبت غيرها بنفسٍ منقادة.
كثير من الناس تأتيه مثلًا صفات المعاني يقبلها ويسلّم بها بكل سهولة، لكن تأتيه بعض الصفات التي هي من جنس الأبعاض لنا، ولا نقول: إنها بعض لله؛ لأنه حرام أن نقول هكذا، فتجده يتوقف ويقشعر ويقدم رِجلًا ويؤخر أخرى في إثباتها، والواجب علينا، أيش الواجب؟ أن نسلّم له، فنقول: لا فرق بين هذا وهذا، ونؤمن بأن هذا الذي أخبر الله به عن نفسه لا يشبه ولا يماثل صفات المخلوقين، وبهذا نستريح، والحمد لله أن الشيء الذي لا يليق بالله يبينه الله ورسوله، الشيء الذي لا يليق به يُبَيَّن ما يترك هكذا، لما قال الله لعبده: «إِنِّي اسْتَطْعَمْتُكَ وَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَاسْتَسْقَيْتُكَ وَلَمْ تَسْقِنِي، وَمَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣) من حديث أبي هريرة.]]، هذا وأيش ظاهره؟ ظاهره أنه لا يليق بالله عز وجل أن يستطعم أحدًا وهو يُطعِم ولا يُطْعَم، أو أن يستسقي أحدًا، أو أن يمرض، ما هذا ظاهره؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولهذا لما كان هذا ظاهره بيّن الله تعالى أنه ليس بمراد، إذا قال له عبده: «كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ؟ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ؟ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ؟ أَمَا أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي». شوف الآن بيّن، الشيء الذي ما يليق بالله يبيَّن، والشيء الذي أثبته الله لنفسه يبقى على ما هو عليه.
هذه القاعدة اللي هي الحكم الرابع من الإيمان بالله اختلف فيها أهل الملة؛ فمنهم السلف، وهم فقط أهل السنة الجماعة، أثبتوها لله تعالى على ظاهرها على ما يليق بالله عز وجل، ونفوا عنها التمثيل والتكييف، وبعض الناس أنكرها، صار يؤمن بالأسماء دون الصفات، وبعضهم يؤمن بالأسماء وبعض الصفات دون بعض، وبعضهم ينكر الأسماء والصفات، وبعضهم لا يصف الله تعالى لا بالإثبات ولا بالنفي، وهذا شيء معروف عند من يتكلمون في هذه الأمور، المهم أن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، نعم.
الثاني: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسُمِّي آخرًا لأنه ليس بعده يوم؛ إذ هو يوم مستمر ما فيه لا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، ولا شيء، يوم دائم مستمر، فلذلك سمي اليوم الآخر.
الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون بعد الموت كما قاله شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية ، يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر وحشر الناس حفاة عراة غرلًا، والحساب والميزان والصراط والحوض والشفاعة، وغير ذلك مما أخبر الله به أنه يكون يوم القيامة داخل في هذا، كل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر كما يتضمن ذلك فإن كل مَن آمن بالشيء استعد له، ولّا لا؟ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخر لكن ما يستعد له هذه الدعوى منه ناقصة، ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد له.
كما أنه لو قيل مثلًا: إنه سينزل اليوم مطر، فظلِّل الحَبّ، إنسان عنده حب قمح قيل له: سينزل اليوم مطر، فظلل الحب، معلوم أن اللي ما هو مؤمن بهذا الكلام ما هو مغطي، كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو فشدِّد في الحراسة، إذا آمن بأنه سيجي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن، إذا لم يؤمن ما يهمه، ولا شك أن الإنسان المخالف لما أمر الله به ورسوله أن عنده نقصًا في الإيمان باليوم الآخر، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله سبحانه وتعالى الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به في القرآن، يقرن ذلك كثيرًا، مما يدل على أن الإيمان باليوم الآخر يستلزم الإيمان بآيات الله عز وجل.
(...) والشفاعة والصراط والجنة والنار كل هذا داخل في اليوم الآخر.
قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾، الإيمان بالملائكة، الملائكة جمع (ملَك) وأصل (ملَك) (مَلْأَك)، وأصل (مَلْأَك) (مَأْلَك)؛ لأنها مأخوذة من (الْأَلُوكة) وهي الرسالة، هكذا يقولون اللغويون، فصار فيها إعلال بالحذف وبالقلب، وجُمِعت على أيش؟ ملائكة، والملائكة هم عباد من عباد الله سبحانه وتعالى خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وسخرهم لعبادته ليلًا ونهارًا، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وهم أجسام ذوو عقول، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، والأجنحة أجسام ولّا لا؟ أجسام، جبريل عليه الصلاة والسلام رآه النبي عليه الصلاة والسلام على صورته وله ست مئة جناح سد الأفق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود، واللفظ للترمذي (٣٢٧٨) من حديث عائشة.]]، وجاءه على صورة رجل[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، وعلى صورة دحية الكلبي[[أخرجه أحمد في المسند (٥٨٥٧) من حديث ابن عمر.]]، وكل هذا يدل على أنهم أجسام، ولهم عقول؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما في شك، نعم، ولهذا ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، ولو كان ما لهم عقول كما قاله بعض الزائغين لكان هذا أكبر قدح في رسالة الرسل كلهم؛ إذ إنه يكون الواسطة بينهم وبين الله مجنونًا لا عقل له، ولا أكبر من هذا القدح - والعياذ بالله- في الرسل وفيمن أرسلهم أيضًا، ولّا لا؟ كيف يأتمن على وحيه مَن ليس له عقل؟ فهو قدح في الله، وقدح في الملائكة، وقدح في الرسل، والعياذ بالله.
ومن الغرائب أن هذه شاعت في أوساط بعض الناس، وقالوا: إنهم ليسوا أجسامًا وليس لهم عقول، وهذا لا شك أنه قول باطل من أبطل الأقوال، والصواب بلا ريب أن لهم عقولًا، وأنهم أجسام، لكن الله سبحانه وتعالى أعطاهم قوة ونفوذًا أشد من نفوذ الجن، الجن لهم قوة ونفوذ، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والملَك أشد، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، و﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠]، فجاءت به الملائكة من سبأ إلى الشام قبل أن يرتد إليه طرفه، عرش عظيم، وهذا دليل على أن الملائكة أقوى وأشد نفوذًا من الجن، على ما للجن من نفوذ، اللي يشوف سرعتهم يصعدون إلى السماء ويقعدون مقاعد للسمع، فالحاصل أن الملائكة لا شك أنها أجسام، وأن لهم عقولًا، وأنهم يأتمرون بأمر الله عز وجل، وأنهم يسجدون له، ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل ٤٩].
* طالب: لهم شهوة يا شيخ؟
* الشيخ: إي لهم شرائع.
* الطالب: لهم شهوة؟
* الشيخ: إي ما أظن.
واعلم أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام منهم مَن عُيِّن لنا وعرفناه باسمه، ومنهم من لم يُعَيَّن، فمن عُيِّن لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه مثل؟
* طالب: جبريل عليه السلام.
* الشيخ: إي.
* طالب: إسرافيل.
* الشيخ: إسرافيل، وأيش بعد؟
* طالب: ومالك.
* الشيخ: ومالك خازن النار.
* طالب: ومنكر ونكير.
* الشيخ: ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ، وفيه نظر.
* طالب: ميكال.
* الشيخ: إي، هو ميكال هو ميكائيل.
* طالب: هو نفسه مالك؟
* الشيخ: لا لا، مالك خازن النار.
* طالب: وملك الموت.
* الشيخ: وملك الموت لكن ما نعرف اسمه، بعض الناس يقول: عزرائيل ولكن ما صح هذا.
* طالب: هاروت وماروت ملكين.
* الشيخ: نعم ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة ١٠٢] صح، صحيح نعم.
* طالب: تقول: مالك يا شيخ هو خازن النار وليس هو ميكال، بس ورد في حديث أن الرسول ﷺ سأل جبريل: «مَا لِي لَا أَرَى مِيكَالَ يَضْحَكُ»[[رواه أحمد في مسنده (١٣٣٤٣) من حديث أنس بن مالك، ولفظه: «مَا لِي لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطّ؟». قال: «مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ».]]؛ لأنه لم يضحك قط.
* الشيخ: إي تأكد منه، تأكد منه، مفهوم هذا؟ طيب، اللي علِمناه باسمه يجب علينا أن نؤمن به باسمه، ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله ومنهم من لم نعلم، لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مُكرَمون ممتثلون لأمر الله عز وجل، طيب هل لهم نصيب من تدبير الخلق بغير إذن الله؟ لا، لكن بإذن الله نعم، الموكَّل بالقطر والنبات، موكل بنفخ الصور، وفيه ملائكة موكلة بالأجنة، وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم، وملائكة موكلة بحفظ بني آدم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد ١١]، لكن كل هذا بأمر الله عز وجل وبإذنه، وليس لهم أي شيء في الكون منازعة لله عز وجل ولا معاونة، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢ ) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣]، فنفى جميع ما يتعلق به المشركون، ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ انفرادًا، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ مشاركة، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معاونة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ شفاعة ووساطة، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ ٢٣] من هم؟ الملائكة، وهم الملائكة إذا سمعوا الوحي صعقوا، فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون، لكنهم يمتثلون أمر الله عز وجل.
* طالب: شيخ، من قال: إنه لا بد أن نؤمن أن من الملائكة من ليسوا بأجسام؟
* الشيخ: ما يجوز.
* الطالب: بأن يقول: الملك الموكل بأن يكتب عملك يقول ما نراه، والملائكة الذين..؟
* الشيخ: حتى جبريل ما نراه، وغير جبريل ما نراه، يجيء جبريل ويلقي الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام وهم ما يرونه، أن ما ترى، كل الذي لا ترى لا يكون جسمًا؟
* الطالب: لا، نقول: ممكن أن..
* الشيخ: لا ما نقول: ممكن، كل الملائكة كلهم أجسام.
* الطالب: ما يمكن أن يتحولوا عن صورتهم؟
* الشيخ: لا، يمكن، بإذن الله يتحولون، هذا جبريل تحوّل إلى صورة إنسان.
* طالب: يعني ممكن أن يتحولوا يقولون ليس..
* الشيخ: بإذن الله.
* الطالب: بإذن الله.
* الشيخ: ما أدري عن هذه، لكن ما أظنه يمكن.
* الطالب: لأنه الملائكة الذين يكونون معنا في المسجد ليسوا بأجسام؟
* الشيخ: إي نعم، ما هو بلازم تشاهدهم، الآن الجن أجسام يأكلون ويشربون ويبولون، ويبولون بأذن اللي ما يقوم يصلي الفجر، ومع ذلك تشوفهم؟
* الطالب: نقول: أجسام حسية؟
* الشيخ: أجسام حسية، لكن ما تشوفهم، الآن فيما بين أيدينا كما يقول الأطباء يقول: في هذا ممتلئ، الجو ممتلئ جراثيم وما جراثيم وأشياء ما عاد نصدقهم ولّا نكذبهم.
* الطالب: لا هذا نراه بأعيننا.
* الشيخ: إي لكن بس هل تراه بالعين المجردة؟
* الطالب: لو جعلت ثقب الشمس يدخل في غرفة مظلمة.
* الشيخ: لا ما هم دولا ما هذا جراثيم، هذا هباء، المهم على كل حال هم محجوبون عنا، الرسول ﷺ خرج من عند قريش وهم قريش يشوفون ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩].
* الطالب: بس لا ترى يا شيخ أن الجسم لا بد أن يكون محسوسًا؟
* الشيخ: نعم نقول: هو محسوس، لكن ما يلزم من كونه محسوسًا أن نشاهده.
* طالب: إذن ما يكون جسمًا.
* الشيخ: أعوذ بالله سبحان الله، يمكن يصير جسم لكن ما نراه، الله على كل شيء قدير.
* طالب: قوله يا شيخ: ﴿قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧] ما يدي معنى الجسم؟ قعيد يعني قاعد.
* الشيخ: ما فيه شك، الأدلة واضحة، واضحة جدًّا ما فيها إشكال، ولا أيضًا يعني ربما يشكل علينا قول الرسول ﷺ: «يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية.]] أكثر من أنهم عندنا ولا نشاهدهم، وكيف يدخل في الإنسان يجري منه مجرى الدم وهو ما يحس به، ولكن يجب علينا نصدق، نقول: هذه، الآن روحك تجري منك مجرى الدم كل عظم كل عصب وكل لحم، وتُنزع منك عند الموت ومع ذلك تشوفها ولّا لا؟
* طالب: نعم نراها.
* الشيخ: ترى إذا مات الإنسان رآها، لكن قبل ما يراها ولا يحس بها إذا دخلت عند الاستيقاظ، ولا يحس بها إذا خرجت عند النوم.
* طالب: ما نعلل ذلك بأنه ضعف قوة البصر بالنسبة للمخلوق؟
* الشيخ: لا لا، يمكن ضعف، المهم أنهم محجوبون عنا وهم أجسام، المهم أنهم محجوبون عنا، لو يجيء أقوى الناس بصرًا وبأكبر مكبر ومجهر ما رآهم أبدًا.
طيب الملائكة إذن عرفنا أنهم مخلوقون من نور، وبهذا نعرف أن الشيطان ليس منهم؛ لأن الشيطان خُلق من نار لا من نور بنص القرآن والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى عن إبليس: إنه قال لربه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]، وقال الله عز وجل: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر ٢٧]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن «الملائكة خُلِقت من نور، وأن الجن خُلِقوا من نار، وأن آدم خُلِق مما وُصِفَ لنا »[[أخرجه مسلم (٢٩٩٦ / ٦٠) من حديث عائشة.]] من التراب.
يبقى الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٣٤]، وقد تقدم لنا في التفسير أن هذا الاستثناء منقطع، وأن إبليس كان منهم في المجتمع، مجتمِع بهم، فوُجِّه الخطاب إلى الملائكة وهم لا يحصيهم عددًا إلا الله، والشيطان واحد منهم، والواحد قد يوجَّه الخطاب للجماعة وهو منهم وإن لم يكن من جنسهم، العرب يقولون: جاء القوم إلا حمارًا، مع أن الحمار ما هو من جنس القوم، فالمهم أنه يوجه الكلام إلى الجماعة وإن كان فيهم واحد من عدد لا يحصيه إلا الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾، الكتاب المراد به الجنس، فيشمل كل كتاب أنزله الله عز وجل، واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب، الدليل ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، أنزلنا معهم مع هؤلاء الرسل الذين أُرسلوا بالبينات، فما من رسول إلا معه كتاب، أما النبي فقد لا يكون معه كتاب، بل الظاهر أنه لا كتاب معه؛ لأنه يحكم بشريعة من قبله، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿بِهَا﴾: بالتوراة، ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، والكتب المعروفة لدينا هي خمسة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أربعة؟ نعد: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، صحف إبراهيم، وصحف موسى، صحف موسى اختلف العلماء هل هي التوراة ولّا غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها، ومنهم من قال: إنها هي، على كل حال الخمسة ما فيها إشكال، والسادس؟
* طالب: الزبور.
* الشيخ: عددناه.
* الطالب: المزامير.
* الشيخ: المزامير عبارة عن فصول من الزبور.
طيب، وأما ما لم نعلم به فنؤمن به أيش؟
* الطلبة: إجمالًا.
* الشيخ: إجمالًا، فتقول بقلبك ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، ثم إن المراد أن تؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، وعلى عيسى كتابًا يسمى الإنجيل، وعلى داود كتابًا يسمى الزبور، أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك، لماذا؟ لأنه محرَّف ومغيَّر ومبدَّل، لكن تؤمن بأن له أصلًا نزل على هؤلاء الأنبياء، وثانيًا..
* طالب: نقول: لا يجب الإيمان بها ولّا ينبغي عدم الإيمان بها؟
* الشيخ: نعم، نؤمن بالأصل.
* الطالب: لا، التي هي الآن.
* الشيخ: اللي الآن، نعم، اللي الآن ما يجب علينا أن نؤمن بها، ولكننا نؤمن بأن لها أصلًا، أما بكل ما فيها لا، فيها تحريف، ولهذا قلنا: إننا نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، أما التوراة التي في أيدي اليهود الآن فإنها محرفة ومغيرة، وإلا أصلها لا شك أنه حق، طيب، هذا الإيمان بهذه الكتب هل يلزمنا العمل بما فيها؟ أو ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، الثاني هو الذي يجب على المؤمن، فنحن نؤمن بأنها حق، وأن العمل بها واجب مفروض ما دامت رسالة النبي الذي أُرسل بها باقية، فإذا نُسخت بشريعة أخرى صار العمل للشريعة الثانية، ثم إذا نُسخت الثانية صارت العمل بالثالثة، وهكذا، ولهذا النصارى الآن بعضهم، بعض بسطائهم، يقولون: أيما أول؟ يعني نحن حصل لنا معهم محاضرة وأوردوا هذا السؤال، أيما أول الإنجيل أو القرآن؟ وأيش الجواب؟
* الطلبة: الإنجيل.
* الشيخ: الإنجيل، لكن وأيش الغاية من هذا السؤال؟ يقولون: إذن العمل على الأول، هذا وارد، فالعمل على الأول، نقول بكل بساطة..
* طالب: العمل بالتوراة.
* الشيخ: نعم مثل ما قلت، بكل بساطة إذا قررتم هذه القاعدة فلا عمل أيضًا بالإنجيل، العمل بالتوراة، وكذلك نرتقي إلى أن نصل إلى آدم، فالمهم على كل حال أن الأمر بالعكس في الحقيقة؛ أن المتأخر ناسخ للأول، ولا عكس، اختلف أهل العلم رحمهم الله فيما جاء في هذه الكتب من الشرائع الصحيحة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، أما إذا ورد شرعنا بخلافها فبإجماع المسلمين أن العمل بما جاء به شرعنا، لكن إذا وُجد في التوراة أو الإنجيل شيء لم يرد شرعنا بخلافه فهل يجب علينا أن نعمل به وأنه شرع لنا أو لا يجب؟ فقال بعض أهل العلم: إنه لا يجب؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فلسنا بحاجة إلى شرعهم ولا يلزمنا أن نعمل به ما دام ليس في القرآن ما نعمل به وإن كان لا يخالف القرآن، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١) من حديث عائشة، واللفظ له.]]، وقال بعض أهل العلم: بل يجب علينا أن نعمل بما في التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السابقة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]، فقال: إن الله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بهداهم، وفعلًا الرسول أشار إلى هذا، إلى شيء من ذلك، فقال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٢٠)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ... وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ...». ]]، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك أكثر أحيانه، ينام في السحر ويقوم في ثلث الليل، فقالوا: الرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى هذا، ثم إنه إذا لم يرد شرعنا بخلافه ما صار مخالفًا لشرعنا، وهو من عند الله، فيجب أن نعمل به، وهذا القول أصح من حيث النظر، لكنه يبقى الإشكال فيما يوجد الآن من الكتب السابقة، كيف الإشكال؟
* طالب: محرفة.
* الشيخ: إي نعم، الشك في صحته، هذا هو الذي يوجب للإنسان أن يتوقف، ومن هنا نعرف خطأ من يأتي أحيانًا بشيء من التوراة أو من الإنجيل أو من الزبور يريد أن يرغّب به الناس في العمل، فإن هذا خطأ ولا سيما في هذا الوقت الذي التبس على بعض الناس الأمر، صار بعض الناس يجيب من نصوص الإنجيل، وإذا جاء بها حجة على النصارى لا بأس، لكن أحيانًا يجيء بها ليقرر ما في القرآن، كأن القرآن في حاجة إلى أن يشهد له ما في الكتب السابقة، وليس بحاجة، لا سيما عند عامة الناس، العلماء قد ينتفعون من هذا في الحقيقة ولا سيما في المناظرات، مناظرات النصارى، لكن العامة ما ينبغي أبدًا أن نجعل في قلوبهم إلا شيئًا واحدًا، وهو القرآن، والسنة طبعًا؛ لأنها من القرآن مبينة له ومفسرة، كوننا نُدخل على العامة أشياء من هذا يلبّس عليهم الأمر ويظنون أن هذا الأمر أو أن هذا الدين ما زال قائمًا، دين غير المسلمين، وهذا خطره عظيم، وقد لمسنا خطره الآن، فأصبح بعض الناس يقولون: إن الأديان ما هي إلا أفكار كفكر أرسطوطاليس وغيرهم من هؤلاء القوم الفلاسفة، أفكار وكلٌّ له فكره وكل له رأيه، ولا ينبغي أن ننكر على أحد، وهذا تراه شيئًا علمنا به من هؤلاء الجهال الذين ما عرفوا أن الدين الإسلامي دين من الله تعبَّدَنا اللهُ به وليس لنا فيه رأي، ولّا لأ؟ هل هو فكر؟ لا، شيء أنزله الله لعباده يتعبدون له به عقيدة وقولًا وعملًا، كل العباد وليس هناك مجال لاجتهاد يخالف هذا الدين.
﴿الْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، (النبيين) عليهم الصلاة والسلام يدخل فيهم الرسل هنا ولّا لا؟ يدخل فيهم الرسل بلا شك ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، فعند الإطلاق إذا أُطلق النبيون دخل فيهم الرسل، أما الرسل لا يدخل فيهم النبيون. قوله: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل، وقد ورد في حديث صححه ابن حبان «أَنَّ عِدَّةَ الرُّسُلِ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَسَولًا، وَأَنَّ عِدَّةَ الْأَنْبِيَاءِ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٢٢٨٨) من حديث أبي أمامة.]]، فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به، وإن لم يصح فإن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، ونحن لا نكلَّف الإيمان إلا بما بلغنا، فالذين علمناه من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم، والذين لم نعلمهم نؤمن بهم إجمالًا، ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥].
* طالب: الحديث ما يخالف الآية يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما يخالف الآية.
* الطالب: (...) ﴿مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾؟
* الشيخ: إي، ما قُصُّوا علينا لكن عُلم عددهم، علم العدد لا يدل على القصة، طيب الآن يمكن نشوف القرآن، كم في القرآن من رسول؟
* طالب: خمسة عشر.
* طالب: ثمانية عشر.
* الشيخ: أو خمس وعشرون.
* طالب: خمس وعشرون.
* الشيخ: خمس وعشرين؟ إي.
* طالب: خمس وعشرون نبيًّا.
* الشيخ: خمس وعشرون رسولًا، أو لا؟ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾: لإبراهيم إسحاق ويعقوب، ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٨٤ - ٨٦]، بس كام دوله؟
* الطلبة: ثمانية عشر.
* الشيخ: ثمانية عشر، طيب من بقي؟
* طالب: آدم.
* الشيخ: آدم نبي وليس برسول.
* طالب: شعيب وصالح.
* الشيخ: شعيب وصالح، هود ومحمد.
* طالب: وإدريس.
* الشيخ: إدريس موجود.
* طالب: لا.
* الشيخ: إدريس ما هو موجود؟
* طالب: ما هو موجود في الآية.
* الشيخ: ما هو موجود في الآية؟ طيب إدريس وذو الكفل.
* طالب: وإلياس.
* الشيخ: وإلياس موجود، موجود عددناه، هم خمس وعشرون، ومحمد عليه الصلاة والسلام.
* طالب: عددناه.
* الشيخ: محمد؟ لا ما عددناه.
﴿آتَى الْمَالَ﴾ آتى بالمد بمعنى أعطى، إذن هي تنصب مفعولين، المفعول الأول: ﴿الْمَالَ﴾، والمفعول الثاني؟
* طالب: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وما عطف عليه.
وقوله: ﴿آتَى الْمَالَ﴾ المال: كل عين مباحة النفع بلا حاجة، هذا مال، أو إن شئت قل: بحاجة، أيضًا، كل عين مباحة النفع فهو مال، سواء كان هذا المال نقدًا أو ثيابًا أو طعامًا أو عقارًا أو أي شيء.
وقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ هذه الجار ومجرور حال من فاعل ﴿آتَى﴾، يعني: حال كونه محبًّا له، محبًّا له لحاجته فيه أو لتعلق نفسه به ولو بدون حاجة، أيهم؟
* طالب: تعلق نفسه به.
* الشيخ: أو لحاجة، لكن كلهم؛ لأنك قد تحب المال لأنك محتاج إليه، كما لو كان عند الإنسان بطانية في زمن الشتاء يحبه؛ لأنه محتاج إليه أو سيارة موديل ثلاثة وسبعين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ثلاثة وسبعين، موديل ثلاثة وسبعين، كفراتها بدأت تتفطر، ولا تمشي إلا بدفع، لكنه محتاج لها، هذا ما هو برغبته فيها، اللي جعله يرغب يحبه ما هو؟
* طالب: الحاجة.
* الشيخ: الحاجة، أو إنسان عنده سيارة موديل خمس وثمانين من أفخم سيارات العالم وعنده غيرها سيارات كثيرة، هذه يحبها لأيش؟ لتعلق نفسه بها، صح ولَّا لا؟ كان ابن عمر -رضي الله عنه وعن أبيه- إذا أعجبه شيء في ماله تصدق به، وقال: إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [[أخرجه أبو نعيم في الحلية (١ / ٢٩٤)، من حديث نافع عنه بلفظ كان ابن عمر إذا اشتدّ عجبُهُ بشيء من ماله قرّبه لربه عز وجل.]] [آل عمران: ٩٢]، وهذا طبق الآية اللي معنا ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ الآية يتكلم الله فيها عن البر ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، فهو يحبه لحاجته إليه أو لتعلق نفسه به، فيعطيه هؤلاء المحتاجين إليه، وأبو طلحة لا يخفى على الجميع ماذا فعل لما سمع هذه الآية تصدق ببستانه، اللي هو أغلى شيء عنده فيما أظن، لا لأنه بستانه فقط، ولكن لأن الرسول ﷺ كان يأتي إليه ويشرب فيه من ماء طيب، وقريبة من مسجد الرسول ﷺ، أنا أعتقد أن إنسانًا يجيء الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بستانه ويشرب فيه من الماء الطيب، وأيش يصير بستانه عنده؟ رخيص ولا غالي؟
* الطلبة: غالي.
* الشيخ: غالي جدًّا، يعني: أن الرسول يجيء إلى هذا البستان شيء يوجب أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يجيء إلينا، هذا أحب إلينا من كل شيء من المال، ومع ذلك «لما نزلت الآية ذهب به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، هو صدقة إلى الله ورسوله، فضعه حيث أراك الله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:«بَخٍ بَخٍ ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨ / ٤٢)، من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «بَخ، ذلك مالٌ رابح، ذلك مال رابح».]]، صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا الربح، لو اشتراه بمليون وباعه بعشرة ملايين ربح أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لكن أيها أربح ولَّا هذا؟ هذا أربح بكثير، إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْأَقْرَبِينَ».
المهم أن ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ لماذا اشترط أن يكون على حبه؟ لأن اللي يأتي على غير حبه كلٌّ يبذل ما يهم الواحد..
* طالب: بس فيه مشقة.
* الشيخ: لا، ما فيه مشقة، كلن يبذل، ثم إنه يدخل أيضًا في قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ أن يكون في حال الصحة، وفي حال الإشفاق على المال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خير الصدقة وأفضلها: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ».
* طالب: «تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى».
* الشيخ: «تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأَمُلُ الْبَقَاءَ» »[[أخرجه مسلم (١٠٣٢ / ٩٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، البقاء هذا اللفظ الصحيح، ولًّا فيها «الْغِنَى» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢ / ٩٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن «تَأَمُلُ الْبَقَاءَ» هذا هو محل الشح الحقيقي يخاف من الفقر ويُؤَمِّنُ إنه باقي (...) الشاب، لكن واحد يعود له مئة سنة وعنده ملايين الملايين هذا يخشى الفقر ويأمل البقاء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لكن الشاب اللي ما عنده إلا شوي، هذا هو اللي يخشى الفقر ويأمل البقاء يصير المال عنده غالي، فالمهم أن الحب إذن هذا تبين لنا معنى جديد في قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ تعلق رغبته بالمال، حاجته إليه، كونه يخشى الفقر ويأمل البقاء.
﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ من؟ ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ -سبحان الله العظيم- ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ بدأ بهم قبل كل الأصناف، بينما إن الأمر عندنا الآن بالعكس، تلقى الواحد إذا وجد فقيرًا بعيدًا عنه يظن أنه أولى بالصدقة من قريبه اللي هو ابن عمه، لكن لا، ذوي القربى ولو كانوا أغنياء أعطهم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى نسائه -أظن جويرية- وقد أعتقت مملوكة لها قال: «أَمَا أَنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٩٢) ومسلم (٩٩٩ / ٤٤)، من حديث كريب مولى ابن عباس عن ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها، واللفظ للبخاري.]]، جعل الرسول عليه الصلاة والسلام صلة الرحم أفضل من العتق، جعلها أفضل من العتق.
وقوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ القربى من المراد بهم؟ قرابة الرسول ﷺ أو قرابة المعطي؟
* الطلبة: قرابة المعطي.
* الشيخ: قرابة المعطي، واعلم أن الحكم إذا علق بوصف فإنه يزداد قوة بقوة ذلك الوصف، فإذا كان معلقًا بالقرابة فكل من كان أقرب فهو أولى، وأقرب الناس إليك وأحقهم بالبر أبوك وأمك.
الثاني: ﴿الْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل بلوغه من ذكر أو أنثى، فأما من ماتت أمه فليس بيتيم، ومن بلغ فليس بيتيم، وسمي يتيمًا من اليُتْم وهو الانفراد؛ ولهذا إذا صارت القصيدة جميلة أو قوية يقولون: هذه يتيمة، الدرة اليتيمة، يعني معناه: ما لها نظير منفردة، إذن اليتامى ماذا نقول؟ جمع يتيم، وهو من مات أبوه ولم يبلغ سواء كان ذكرًا أو أنثى، يعطون ولو كانوا أغنياء؟ نعم، يعطون ولو كانوا أغنياء جبرًا لقلوبهم، لكن لاحظوا أن عطية اليتيم الغني ليست كعطية الفقير، الفقير قد أعطيه ثوبًا أو كسرة خبز أو ما أشبه ذلك ينتفع بها، لكن اليتيم الغني ما أعطيه مثل هذا وأيش أعطيه؟ الآن نبغي (...) عليه وأيش أعطيه؟
* الطلبة: ما يناسب حاله.
* الشيخ: بما يناسب حاله، لفظ عام.
* طالب: سيارة.
* الشيخ: لا، السيارة، كبيرة السيارة، ممكن أعطيه قلمًا، يمكن أعطيه ساعة مثلًا، يمكن أعطيه شيئًا يعني يفرح به، أما يتيم بعطيه سيارة، (..) أربعة عشرة (...) ما عنده ولا رخصة، على كل حال يعطى ما يناسبه.
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ المساكين جمع مسكين، وهو الفقير وهو الذي أسكنه الفقر، سمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه، والفقر -أعاذنا الله وإياكم منه- ما يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة، هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ما هو على المستوى الذي يمكنه من التكلم، ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٢٢ / ١٣٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فالمهم أن المسكين هو الفقير، وسمي بذلك لأن الفقر أسكنه وأذله، واعلم أن الفقير بمعنى المسكين والمسكين بمعنى الفقير، إلا إذا اجتمعا فإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر، كما في آية الصدقة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] أيهما أشد؟
* طالب: الفقير.
* الشيخ: الصحيح أن الأشد الفقير؛ لأن الله بدأ به، ويبدأ بالأحق فالأحق والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء، وقال بعض أهل العلم: إن المسكين أشد؛ لأنه من أسكنه الفقر بخلاف الفقير، والصواب أن الفقير أشد؛ لأنه موافق للقفر، فقر وقفر، والقفر أيش معناه؟
* طالب: الجدب.
* الشيخ: القفر: الخلو، أرض قفر: خلو.
وَقَبْـــرُ حَـــرْبٍ بِمَكَـــانٍ قَفْــــــــرٍ ∗∗∗ وَلَــيْسَ قُــرْبَ قَــبْرِ حَــرْبٍقَبْــرُ
هذا فيه تنافر كلمات.
﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (...)..
السبيل بمعنى الطريق، والمراد بـ﴿ابْنَ السَّبِيلِ﴾ الملازم للطريق وهو المسافر، المسافر يكون في حاجة غالبًا فيحتاج إلى من يبره ويعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظًّا، من؟ من الزكاة، وابن السبيل هو المسافر، وزاد العلماء قيدًا قالوا: المسافر المنقطع به، يعني: الذي انقطع به السفر، فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة، وهو والمقيم على حد سواء، فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر.
قال: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ السائلين جمع سائل، وهو المستفهم أو المستجدي؟
* الطلبة: المستجدي.
* الشيخ: كيف، المستجدي؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: (...) الفرق بين المستفهم والمستجدي؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: المستفهم اللي يقول: أين المال؟ والمستجدي اللي يقول: أعطني مالًا، فالمراد بالآية هنا السائلون، أي: المستجدين الذين يقولون: أعطنا، فالسائل له حق لا من أجله هو؛ لأنه قد يسأل وهو ليس بمحتاج، لكن من أجل صفة الكرم والحياء، بمن؟ بالمعطي؛ لأن الإنسان إذا سئل وكان عنده كرم ما يمكن يقول: لا، إذا سئل وكان عنده حياء -والحياء من الإيمان- ما يمكن يقول: لا، «وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، فسأله رجل ذات يوم فأعطاه غنمًا بين جبلين »[[أخرجه مسلم (٢٣١٢ / ٥٧)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، «وأهدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام جبة وكان عليه الصلاة والسلام محتاجًا إليها، فسألها رجل عنده فأعطاه إياها فقيل للرجل: لم صنعت والنبي عليه الصلاة والسلام محتاج إليها؟ قال: إني أريد أن تكون كفني، فكانت كفنه»[[أخرجه البخاري (١٢٧٧)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه بلفظ: أنّ امرأةً جاءتِ النبيَّ ﷺ ببردَةٍ منسوجةٍ، فيها حاشيتها، أتدرون ما البردةُ؟ قالوا: الشّمْلة، قال: نعم، قالت: نسجتُها بيدي فجئتُ لأكسوكها، فأخذها النبيّ ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسّنها فلان، فقال: اكسنُيها، ما أحسنَها، قال القوم: ما أحسنتَ، لبسَها النبيّ ﷺ محتاجًا إليها، ثم سألتَه، وعلمت أنه لا يردّ، قال: إني والله ما سألته لألبسه، إنما سألته لتكونَ كفني، قال سهلٌ: فكانت كفنَهُ.]]، فالنبي عليه الصلاة والسلام لكرمه وحيائه لا يسأل شيئًا إلا أعطاه، فالسائل له حق وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لا يصح: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وِإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» »[[أخرجه أبو داود (١٦٦٥)، من حديث الحسين بن على رضي الله عنه.]]، لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
واعلم أن السؤال -سؤال المال- الأصل فيه المنع والتحريم؛ ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من سؤال المال وأخبر أن «الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠ / ١٠٤)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، بلفظ: «مَا يزالُ الرجلُ يسألُ الناس..» الحديث. ]] -والعياذ بالله- يكون وجهه يوم القيامة مقشرًا؛ لأنه مثل ما أذل وجهه لعباد الله عوقب بذلك بهذه العقوبة العظيمة في هذا المشهد العظيم، وقد بايع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه من جملة ما بايعهم عليه: «أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، فكان الواحد منهم يسقط سوطه من ناقته فينزل ويأخذه ولا يقول لأخيه: أعطني سوطي »[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، بلفظ: ولا تسألوا الناس شيئًا، فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النَّفَر يَسقطُ سوطُ أحدِهم فما يسألُ أحدًا يناولُهُ إيّاه.]].
ولا شك أن التنزه عن السؤال فيه عفة النفس والعزة والكرامة، وأما السؤال ففيه الذل للمخلوق، والإنسان السائل لا شك أن المسؤول مهما كان في الكرم وفي الحياء وفي الجود ينزل عنده هذا السائل تنزل قيمته وينحط من عينه؛ ولهذا لا يجوز السؤال إلا في الحاجة الملحة، الحاجة الملحة التي لا بد منها يسأل الإنسان، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلْ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[أخرجه مسلم (١٠٤١ / ١٠٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
ثم اعلم أن السؤال نوعان: سؤال بلسان المقال، وسؤال بلسان الحال، أما السؤال بلسان المقال: فظاهر يجيء الإنسان إليك ويقول: أعطني كذا وكذا، وأما السؤال بلسان الحال، فأن ترى شخصًا عفيفًا لا يسأل لكنك تعرف حاجته أو تجده مثلًا يخطم أمامك ويدور حولك، فهذا ما سأل بلسان المقال لكنه سأل بلسان الحال.
فإذا قال قائل: إذا كان مؤتي المال للسائلين من أهل البر وأنتم حذرتم من السؤال من سؤال الناس، فكيف يتفق هذا وهذا؟
فالجواب: لا معارضة؛ لأن الجهة منفكة؛ فالممدوح المعطي، والمحذَّر السائل المعطَى، فإذا انفكت الجهة فلا تعارض، فلو رأيت أحدًا مبتلًى بهذه المهنة -وهي مهنة سؤال الناس- فأعطه إذا سألك ثم انصحه وحذره؛ لتكون مؤتيًا للمال وناصحًا للسائل، مؤتيًا للمال من أجل السؤال، وناصحًا للسائل؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- تعلم علم اليقين أو يغلب على ظنك ظن المؤكد بأنه غني، وأنه إنما يسأل الناس أموالهم تكثرًا، فأنت إذا أعطيته ستغريه لا شك يذهب ويسأل غيرك، لكن أعطه لتكون ممن آتى المال السائلين، وانصحه لتكون من الناصحين.
وقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ شوف ما قال: وآتى الرقاب قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ لأن المال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة، من يعطى؟ يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ(في) الدالة على الظرفية.
واعلم أن الرقاب ذكر أهل العلم أنها ثلاثة أنواع: عبد مملوك تشتريه وتعتقه، مكاتب اشترى نفسه من سيده فأعنته في كتابته، أسير مسلم عند الكفار فافتديته، وكذلك لو أسر عند غير الكفار مثل ها اللي يختطفون الآن -والعياذ بالله- إذا طلب المختطفون فدية، قالوا: ما نفكه إلا بهذا، فإنه يفك من الزكاة؛ لأن فيها فك رقبة، فك رقبة من القتل.
* طالب: القاتل؟
* الشيخ: لا، القاتل لا، القاتل ما يدخل فيه.
قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾.
نرجع مرة ثانية إلى ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إذا آتى المال على غير حبه فهل يكون بارًّا؟ يعني: إنسان غني يتصدق بالمال ما يهمه يروح منه مئة ألف أو مئة ريال من أهل البر ولَّا لا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه ما مثل الأول، بر ناقص، فالبر الكامل أن يؤتي الإنسان المال على حبه ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢]، فظاهر الآية أن البر الكامل ما ينال إلا بهذا إذا آتى المال على حبه.
فإذا قال قائل: ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ هذا القيد لا معنى له؛ لأن المال كله محبوب إلى الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨]، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]؟
قلنا: الجواب على ذلك: أن حب المال على سبيل العموم هذا في كل نفس، لكن المراد هنا: آتى المال المعين على حب ذلك المال المعين، فهمتم؟ ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ذلك المال المعين ولا المال كله محبوب للإنسان، لكن أنا مثلًا عندي عشر ورق من فئة المئة، أيهم أحب علي؟
* الطلبة: كلهم واحد.
* الشيخ: كلهم واحد، لكن مجموعهن محبوب إلي ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: محبوب إلي، لا شك، لكن عندي أعيان غير نقد، عندي مثلًا مسجل من هذا النوع وساعة من هذا النوع وسيارة من هذا النوع أحبهم يكون هذا حبًّا خاصًّا ولَّا لا؟ هذا حب خاص غير حب المال العام، وهذا هو المراد بالآية الكريمة هذه وبقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ فلهذا كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به.
مرة ثانية عودة إلى الآية قوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
ظاهر الآية الإطلاق وأن الحكم معلق بالوصف، فالقريب ولو كان كافرًا إذا أعطيته المال فأنت محمود على ذلك، وكذلك اليتيم والمسكين وابن السبيل والسائل وفي الرقاب، فظاهر الآية العموم لأنها لم تقيد، لكنها في الحقيقة ليست على عمومها، بل هي خاصة بالمسلم والكافر غير المقاتل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨]، هذه الآية اختلف أهل العلم هل هي منسوخة ولا محكمة، والصحيح أنها محكمة وأن الأصل عدم النسخ، ولكن بشرط أن لا يكونوا يقاتلوننا، سواء يقاتلوننا بأنفسهم بأن يكون هذا الرجل المعين مقاتلًا، أو يقاتلونا بحكمهم يقاتلوننا حكمًا، مثل أن يكونوا من دولة تقاتل المسلمين؛ لأن الذي من دولة تقاتل المسلمين مستعد للقتال حكمًا، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا أمرته دولته بقتال يلبي ولَّا لا؟
* الطلبة: يلبي.
* الشيخ: يلبي، وعلى هذا فإذا كان الكافر من دولة محاربة للمسلمين، فإنه لا يجوز بره ولا إعطاؤه المال؛ لأن مثل هذا ما دام حربًا للمسلمين، فإن المسلم يريد إعدامه كما أنه هو يريد إعدام المسلم وقتله، فهذا جزاءً وفاقًا وهذا العدل.
بقي علينا كلمة: ﴿فِي الرِّقَابِ﴾، إحنا ذكرنا أنها ثلاثة أنواع: مكاتب، والمملوك، والمأسور، لكن العلماء رحمهم الله خصوا المأسور بالمسلم، أما إذا كان غير مسلم فإنه لا يمدح مَن فك أسره؛ لأن ولاية المسلم أقوى من ولاية غير المسلم، ويمكن أن نقول: إن قول العلماء رحمهم الله تخصيص هذا في المسلم هذا بالنسبة للزكاة؛ لأن الزكاة ما تعطى غير المسلم بخلاف التطوع، فإنه يجوز أن يفك منها أسير ذمي، لو فرض أن هناك أسيرًا ذميًّا وأنه إن لم ينفع المسلمين ما ضرهم، فلا حرج من أن يفك.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟
* الطلبة: ﴿مَنْ آمَنَ﴾.
* الشيخ: على ﴿مَنْ آمَنَ﴾؟
* الطلبة: إي نعم. إذن ﴿وَأَقَامَ﴾ معطوف على آمن اللي هي صلة الموصول.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ الصلاة المراد بها الفرض والنفل، وإقامتها بمعنى الإتيان بها مستقيمة، بأن أقام الشيء جعله قائمًا مستقيمًا، وليس المراد بأقام الصلاة يعني: الله أكبر الله أكبر الإقامة المعروفة، المراد به أيش؟ الإتيان بالصلاة مستقيمة، كما تقول: أقمت الجدار، أقمت العصا، أقمت فلانًا: جعلته يقف حتى يكون مستقيمًا.
وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ (أل) هذه للعهد أو للعموم؟
* الطلبة: للعموم.
* الشيخ: للعموم؛ لأنها تشمل الفرض والنفل، واعلم أن الصلاة من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، فمعناها في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ١٠٣] أي: ادع لهم بالصلاة، فقل: صلى الله عليكم، هذا معنى ﴿صَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ولكنها في الشرع هي الصلاة المعروفة: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، يجب أن نقول: عبادة ذات أقوال، مع أن المعروف عند كثير من المعرفين لها يقولون: هي أقوال وأفعال معلومة مفتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وهذا لا شك أنه قاصر، بل يجب أن نقول: عبادة؛ ولهذا لو جاء إنسان يعبث وكبر وقرأ وركع وسجد وسلم، يصير مصلي شرعًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يكون مصليًا، إنما لا بد أن تكون عبادة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (آتى) بمعنى أعطى، (آتى) يعني أعطى، والزكاة أيضًا من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، الزكاة في اللغة: من زكا يزكو، أي: نما وزاد، وصَلُح أيضًا، والزكاة في اللغة أيضًا بمعنى الصلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩] أي: أصلحها وقومها.
لكنها في الشرع الزكاة هي: التعبد ببذل مال واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة، هذه هي الزكاة، وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال وتنمي الثواب، تنمي الخُلق كيف؟
* طالب: يصير كريمًا..
* الشيخ: نعم، يكون بها الإنسان كريمًا من أهل البذل والجود والإحسان، وهذا لا شك أنه من أفضل الأخلاق شرعًا وعادة، وتنمي المال، تنمي المال كيف؟ أنا عندي مئة ريال أخذت منها ريالين ونصف بقي عندي سبع وتسعين ونصف نقص المال كيف يصير تنمي؟
* الطلبة: بالبركة.
* الشيخ: نقول: نعم، تنمي بالبركة والحماية والحفظ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» »[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ما يمكن تنقصه يعني: لو لم تخرج هذا القدر من المال ربما يأتيه آفات، تبيع وتشتري وتخسر، ربما تصاب أنت أو أهلك بأمراض تحتاج إلى علاج فيفنى كل ما عندك، ربما يأتي سارق ويسرقه، ربما تودعه عند إنسان فيجحده، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لكن الزكاة حماية له وحفظ وبركة، من بركة المال تشتري بعشرة ريالات ثوب، ربما إذا كنت لا تزكي يتمزق بسرعة، وإذا كنت تزكي ينزل الله فيه البركة ويبقى سنتين ثلاث صح على حسب الحال.
* طالب: عندي ثوب له أربع سنين يا شيخ..
* الشيخ: ما نقول شيئًا، هذا من البركة، المهم أن أنواع البركة التي تنزل في المال كثيرة، فلهذا قلنا: إن الزكاة تزكي المال. تزكي الثواب ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تزكي الثواب؟ نعم، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فوق ذلك، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام وصح عنه أن: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ أَوْ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبَّيهَا كَمَا يُرَبِّي الْإِنْسَانُ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» »[[أخرجه البخاري (١٤١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ».]]، وهي عدل تمرة تكون مثل الجبل، أليس هذا تزكية؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: بلى، والله تزكية، هذه التزكية الحقيقية، هذا اللي أزكى من أنك تعطي إنسانًا يضارب بمالك، هذا الذي تعطيه يضارب بمالك كم بيربح؟ خله يربح العشرة مئة أو يخسر، لكن هذه تقع في يمين الرحمن عز وجل، ونعم اليمين يمين الرب، فيربيها سبحانه وتعالى وينميها لك حتى تكون مثل الجبل، هذا الربح هذا الربح العظيم، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة ٢٤٥]. إذن سمي زكاة؛ لأنه يزكي المال والخلق والثواب.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ عندنا (آتى) تنصب مفعولين أين مفعولها الأول؟
* الطلبة: الزكاة.
* الشيخ: الزكاة، أين المفعول الثاني؟
* الطلبة: محذوف.
* الشيخ: محذوف، وأيش التقدير؟
* طالب: مستحقها.
* الشيخ: مستحقها، تمام، مستحقها، شوف ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ أتى بالمفعول الثاني ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾، هذه ﴿آتَى الزَّكَاةَ﴾ لم يأت بالمفعول الثاني لكنه محذوف معلوم، وأهل الزكاة تكفل الله عز وجل بقسمها عليهم فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة ٦٠] ثمانية فقط لا تحل لغيرهم.
﴿وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ هنا ما قال: وأوفى بع
هده، بل أتى بالجملة الاسمية؛ لأن الوفاء جبلة وخلق، لكن ما سبق أفعال يفعلها الإنسان أو لا؟ لكن هذه جبلة وخلق أن الإنسان يكون وفيًّا، وفيًّا بالعهد لكن إذا عاهد، ﴿إِذَا عَاهَدُوا﴾ (إذا) هنا مجردة من الشرطية فهي ظرفية محضة، يعني: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ وقت العهد، يعني: في الحال التي يعاهدون فيها، فإذا عاهدوا وفوا.
واعلم أن العهد عهدان: عهد مع الله عز وجل، وعهد مع الخلق، فالعهد الذي مع الله ما هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الإيمان به، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف ١٧٢]، وقال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به ربًا فنرضى بشريعته، بل بأحكامه الكونية والشرعية، هذا هو العهد الذي بيننا وبين ربنا.
أما العهد الذي بينك وبين الناس: فكثير أنواعه غير محصورة كثيرة جدًّا، منها: العقود، العقود من العهود، يعني: العقد اللي بينك وبين واحد عقد بيع، عقد إجارة، عقد رهن، أي عقد من العقود يعتبر هذا عهدًا لأني..
* طالب: عقد الزواج يا شيخ؟
* الشيخ: وعقد الزواج؛ لأني إذا عقدت معك، وأيش معنى عقدت معك؟ التزمت بما يقتضيه هذا العقد، إذن فكل عقد عهد، كل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٤].
ومن العهود بينك وبين الخلق: العهد المعروف وهو أن تجري عقدًا بينك وبين الكفار -مثلًا- أن لا يعتدوا عليك ولا تعتدي عليهم، مثل ما جرى من النبي ﷺ مع المشركين في؟
* طلبة: صلح الحديبية.
* الشيخ: صلح الحديبية هذا يسمى عهدًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٤]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٧]، هذا العهد الذي بيننا وبين أعداء الله وأعدائنا له ثلاث حالات: إما أن يستقيموا لنا، وإما أن يخونوا، وإما أن نخاف منهم الخيانة، فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم، بأي ما يمكن نخون أبدًا، وإن خفنا منهم الخيانة ننبذ إليهم على سواء ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨].
* طالب: شيخ، نحاربهم؟
* الشيخ: لا، تقول: (...) عهد، تخبرهم أنه لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة.
وأما من خانوا فماذا نصنع معهم؟ نقاتلهم؛ لأنهم هم الذين نقضوا العهد، مثل ما فعلت قريش في العهد الذي جرى بينهم وبين الرسول ﷺ في الحديبية؛ لأنهم نقضوا العهد حيث أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ، يعني هم -قريش- غدروا أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ، وهذا نقض للعهد بلا شك؛ لأن حلفاء الرسول معناه أن الرسول يكون معهم على من ناوأهم، فلما نقضوا العهد حاربهم النبي ﷺ، من العهد أيضًا ما يقع بين الإنسان وبين غيره في الالتزامات غير العقود وغير العهود، مثل الوعد، فإن الوعد من العهد؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب الوفاء بالوعد أو لا يجب؟ والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب الوفاء بالوعد، أن الوفاء بالوعد واجب؛ لأنه داخل في العهد؛ إذ إنني إذا قلت: سآتيك غدًا في الوقت الفلاني، معناه تعهدت بذلك، فيجب الوفاء بالوعد؛ ولأن إخلاف الوعد من علامات النفاق، وإذا كان كذلك فهل نقول: إنه يجوز للمؤمن أن يتحلى بأخلاق المنافقين؟ إذا قلنا: لا، معناه صار الوفاء بالوعد واجبًا، والسؤال المطروح الآن هل نحن قائمون بهذا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: نعم؟ نسأل الله العفو.
* طالب: ليس على الإطلاق.
* الشيخ: ليس على الإطلاق، في كل وقت ولا في كل إنسان، إنما من المؤسف أنه من المعروف عند الناس أن المسلمين أقل الناس وفاء بالوعد، حتى إن بعض -والعياذ بالله- المخدوعين إذا بغي يؤكد الوعد يقول: شوف ترى وعد إنجليزي -شوف أعوذ بالله- يعني: أن وعد الإنجليز ما يخلف دقيقة، الصواب أن نقول: ترى وعد مؤمن، ما هو إنجليزي، الإنجليزي ما أخذ هذه الأخلاق إلا من المؤمنين، وإلا فإنه كافر، يعني ما نقول: كل الإنجليز، يعني الكافر منهم، لكن مع الأسف إن عندنا نحن إخلاف الوعد أمر هين، وأما التقدم أو الغالب التأخر فهو أمر لازم إلا ما شاء الله، يواعدك الساعة اثنا عشر ويجيء الساعة اثنا عشر ونصف يا أخي (...) قال: هي بس نصف ساعة، هذا غلط حاول أنك تأتي بالموعد المحدد؛ لأنه قد يكون عطل أشغال أو ما أشبه ذلك، والله أعلم.
(...) ﴿وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾..
قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ هذا فيه إشكال من حيث الإعراب؛ لأن الذي قبله مرفوع وهو غير مرفوع، فلماذا؟
* طالب: للاختصاص.
* الشيخ: التقدير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول بعض العلماء: إنه منصوب بفعل محذوف تقديره: وأخص الصابرين، وحينئذ نقول: لماذا عدل به عن العطف كأخواته السابقة؟ نقول: الحكمة أو البلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه، فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد غفل ولها وصار كأنه شيء يدرج به ولا يلتفت، فإذا تغير الأسلوب فإنه يوجب الانتباه، وهذا مثل ما قلنا في شيء يمر علينا كثيرًا، وهو الالتفات، فإنه بتغير الأسلوب يتوجب على المخاطب أو القارئ أن ينتبه.
ثم إن هنا ﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ الصبر في الواقع ليس بذل شيء ولكنه تحمل شيء، وما سبق كله بذل شي فهو مختلف من حيث النوع، من حيث النوع مختلف، شوف من آمن، وأقام، وآتى المال، وأوفى بالعهد، كل هذه أفعال، لكن ﴿الصَّابِرِينَ﴾ هذا ما هو فعل ما هو بيبذل الإنسان شي لكنه يتحمل.
وقوله: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: فلان قُتل صبرًا، أي: حبسًا، وأما في الشرع: فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره، عرفتم؟ فإذن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: أيهما أفضل؟ أفضلها الصبر على الطاعة، هو أفضلها؛ لأنه جهاد وعمل، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الصبر على الطاعة ومصابرتها وعمل، ويليها الصبر عن المعصية؛ لأنه كف، كف للنفس وليس فيه إيجاد، وإن كان في بعض الأحيان الصبر عن المعصية أشق من الصبر على الطاعة (...) تفلت به، السبب؟ لأنه قدر كائن، كائن غصبًا عليك رضيت أو ما رضيت، لكن كف نفسك عن الفجور هذا باختيارك إن شئت كففت وإن شئت لم تكف، صبر نفسك على الطاعة كذلك باختيارك، فأفضلها الصبر على الطاعة، ثم عن المعصية، ثم على الأقدار؛ ولهذا قال أهل العلم: إن صبر يوسف عن الفحشاء بامرأة العزيز إنه أقوى من صبره على ما أصابه من إخوته، أو لا؟ وأصابه من إخوته أنهم ألقوه في غيابت الجب وحصل له ما حصل.
﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ البأساء: شدة الفقر، ومنه البؤس يعني: الفقر، والثاني الضراء: المرض، والثالث حين البأس: شدة القتال، فهم صابرون في أمور لهم فيها طاقة وأمور لا طاقة لهم بها.
﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ يعني: في حال الفقر، لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، بل يصبرون عن المعصية لا يسرقون ولا يخونون ولا يكذبون ولا يغشون، وهذا صبر عن أيش؟
* طالب: عن المعصية.
* الشيخ: عن المعصية، ولا يحملهم الضراء -المرض وما يضر أبدانهم- لا يحملهم ذلك على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره، بل هم دائمًا يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا..
* طالب: هذا (...)؟
* الشيخ: نعم.
كذلك ﴿حِينَ الْبَأْسِ﴾ حين شدة القتال يصبرون ولا يولون الأدبار، وهذا صبر على أيش؟ على الطاعة، صبر على الطاعة، فتضمنت هذه الآية الصبر بأنواعه الثلاثة: صبر عن المعصية، وعلى الأقدار المؤلمة، وأيش عليه؟ وعلى الطاعة.
﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ تقدم لنا أن قلنا: إن المصاب بالأقدار المؤلمة له أربع مراتب، أيكم الذي يذكرها؟ من وقع به ما يضره ويؤلمه فله أربع مقامات أو أربعة مقامات؟
* طالب: أولًا: يفرح فقط يفرح (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: يرضى.
* الشيخ: زين.
* الطالب: وثانيًا: يصبر يعني..
* الشيخ: يصبر، اترك يعني، خل التفسير بعدين، وثالثًا؟
* الطالب: وثالثًا..
* الشيخ: نعم؟
* طالب: يشكر.
* الشيخ: وثالثًا: يشكر، ورابعًا؟
* طالب: يصبر.
* الشيخ: ذكرها.
* الطالب: يجزع.
* الشيخ: يجزع ويتسخط، المصاب بالأقدار له أربع حالات أو أربعة مقامات، أولًا: أن يتسخط ولا يصبر يتسخط، والثاني: أن يصبر، والثالث: أن يرضى، والرابع: أن يشكر، أربعة مقامات، السخط محرم والصبر واجب، والرضا فيه خلاف والصحيح أنه مستحب، والشكر مستحب.
الفرق بين الرضا والصبر؟ الصبر: يكره هذا الشيء ويتألم منه ويراه مرًّا لكنه يصبر لا يتسخط لا بقوله ولا بفعله ولا بقلبه، عرفتم؟ لكنه كاره، والرضا: أن لا يكره هذا الشيء، ولكنه يعنى لا فرق بين أن يصاب بهذا الأذى أو لا يصاب هو متحمل وراضٍ ومطمئن، وهذا لا شك أنه أعلى من الصبر أو لا؟ ما هو بأعلى من الصبر؟ لأنه متضمن للصبر وزيادة.
أما الشكر فهو أعلى من ذلك أيضًا، ولكن يقال: كيف يشكر وقد أصيب؟ نقول: نعم، يشكر وقد أصيب؛ لأنه إذا رأى ثمرة هذه المصيبة على الرضا بها يشكر الله على هذه النعمة، ثم إنه يشكر الله أيضًا حيث يرى أنه قد يصاب بأعظم، ليست المصيبة التي أصبت بها أهون مصيبة على الدنيا ولَّا لا؟ ولهذا يقول العامة: قس المصيبة بما هو أعظم منها يتبين لك سهولتها، وهذا صحيح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ما شاء الله، هذه شهادة من الله عز وجل، شهادة وأعلى أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد سبحانه وتعالى، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات، ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ صدقوا بأيش؟
* طالب: الله.
* الشيخ: صدقوا الله وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة وغير ذلك، فصدقوا صدقوا الله عز وجل، والصدق -كما تعرفون- هو موافقة الشيء للواقع، فالقائل عن المخبر بشيء إذا كان خبره موافقًا للواقع صار صادقًا، والعامل اللي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص صار عمله صادقًا؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباء صادقًا، والمنافق كاذب، المنافق المرائي بعمله كاذب؛ لأن عمله لا ينبئ عما في قلبه؛ إذ إن ظاهر عمله الإخلاص وهو غير مخلص خلاف ذلك، هؤلاء هم الذين صدقوا، صدقوا فيما أضمروه بقلوبهم، وفيما نطقوا به بألسنتهم، وفيما قاموا به بجوارحهم، صدق، صدق من أكمل الصدق، وقد قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]..
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحزاب ٨]، هذه ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وهذا الصدق فيما أظهروه وأعلنوه.
ثم قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: القائمون بالتقوى، والتقوى هي: اتخاذ الوقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وتأمل كيف جاءت هذه الجملة بالجملة الاسمية المؤكدة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الجملة اسمية في دلالتها على؟
* الطلبة: الثبوت.
* الشيخ: الثبوت والاستمرار؛ لأن الجملة اسمية تدل على أنها صفة ملازمة للمتصف بها، وهي مؤكدة هذه الجملة بماذا؟
* طالب: بـ(هم).
* الشيخ: بضمير الفصل (هم)؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: فائدة لفظية تتعلق بالإعراب، وفائدتان معنويتان، الفائدة اللفظية التي تتعلق بالإعراب هي؟
* طالب: أنه مؤكد.
* الشيخ: لا، هذه معنوية.
* طالب: (...) خبرًا يدل على أنه..
* الشيخ: أنه يفصل بين الخبر والنعت.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يفصل بين الخبر والنعت، ويبين أن ما بعده خبر لا نعت، الفائدتان معنويتان: أنه يفيد التوكيد، هذه واحدة، ثانيًا: يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، نضرب مثلًا: إذا قلت: زيد الفاضل، كلمة (الفاضل) في هذا السياق هل تتعين أن تكون خبرًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لجواز أن يكون المعنى: زيد الفاضل خير الناس -مثلًا-، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإذن يمكن أن تكون (الفاضل) هذه صفة لا خبرًا، فإذا قلت: هو الفاضل، زيد هو الفاضل؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: تعين أن تكون خبرًا، إذا قلت: زيد هو الفاضل، فهو أوكد من قولك: زيد الفاضل أو لا؟ أوكد في إثبات الفضل له، إذا قلت: زيد هو الفاضل أفاد أن غيره لا يشاركه في هذا الوصف، لأنك تقول: هو، هو لا غيره، هو الفاضل، فهذه فوائد ضمير الفصل.
وهل هذا الضمير له محل من الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه خلاف، بعضهم قال: إن محله ما قبله، محله من الإعراب محل ما قبله، وبعضهم قال: إنه حرف لا محل له من الإعراب؛ ولهذا يسميه الكوفيون يسمونه حرف عماد، يعني: تعتمد عليه الجملة وليس له محل من الإعراب، وهذا هو المعروف، فيقولون: هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ هؤلاء جمعوا بين البر والتقوى، البر بالصدق، والتقوى بهذا الوصف ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِّرِّ، وَإِنَّ البِّرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) بمثله دون أوله.]]، فجمعوا بين البر والتقوى، وهذا ما أمر الله في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢].
* طالب: هنا الترتيب هذه الآية ما فيه ترتيب يعني البأساء، الضراء، حين البأس صار يختلف عن الترتيب..
* الشيخ: إي، يختلف؛ وذلك لأن الانتقال من الأسهل إلى الأشد، الفقر أسهل على الإنسان من المرض أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: والمرض أهون عليه من القتال، فهو انتقال من الأسهل إلى ما فوقه.
* طالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة للبعيد؟
* الشيخ: إي، الإشارة للبعيد هنا لعلو المرتبة، الإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبته؛ ولهذا شوف ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وكرر الإشارة مرة ثانية، كل هذا من باب التأكيد والمدح والثناء، كأن كل جملة منها -من هاتين الجملتين- مستقلة، ما قال: أولئك الذين صدقوا والمتقون أو واتقوا بل ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وقد قلنا: إن الإشارة للبعيد لعلو المرتبة في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، ولا قال: هذا الكتاب.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة ١٧٨] هذا النداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قلنا: إن افتتاح الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المخاطب، فهمتم؟
ثم نداؤهم بهذا الوصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فائدته له ثلاث فوائد، أولًا: الإغراء والحث، فإن وصفهم بالإيمان يفيد إغراءهم وحثهم على التزام ما ذكر الله عز وجل، هذه واحدة، الفائدة الثانية: أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان، يا أيها الذين آمنوا كذا وكذا، معناه أن هذا من مقتضى الإيمان، الثالث: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ ولهذا خوطب به المؤمن، فإذا لم يقم بذلك معناه أن إيمانه ناقص ما يستحق أن يوجه إليه هذا الخطاب.
فعندنا الآن بحثان -يا جماعة-: البحث الأول: تصدير الحكم أو تصدير توجيه الأحكام بالنداء، وأيش يفيد؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: الاهتمام، لماذا؟ وجه ذلك؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لأنك إذا ناديته معناه أنك دعوته إلى أن ينتبه، والشيء الذي يدعى للانتباه به معناه أنه ذو أهمية يجب التنبه له.
وجعل الخطاب معلقًا بوصف الإيمان يفيد ثلاث فوائد، الأولى؟
* طالب: الإغراء والحث.
* الشيخ: الإغراء والحث. الثانية؟
* طالب: وصف الإيمان، أغراهم بوصف الإيمان.
* الشيخ: لا، ذكرنا هذا. الثاني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن ذلك من مقتضيات الإيمان.
* الشيخ: أن هذا من مقتضيات الإيمان، والثالث؟
* طالب: أن عدمه نقص في الإيمان.
* الشيخ: نقص في الإيمان صحيح، أن مخالفته نقص في الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ذكر أهل العلم أن غالب السور المدنية يكون فيها الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمكية؟
* الطلبة: بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* الشيخ: بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، لكن هذا ليس على إطلاقه، هذا إن قلنا فإنما نقول: إنه أغلبي؛ لأن سورة البقرة مدنية بالاتفاق وفيها؟
* الطلبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ صح ولَّا لا؟ سورة الحجرات مدنية بالاتفاق، ومع ذلك فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وفي سور كثيرة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهي مكية، وعلى هذا فنقول: هذا الذي ذكره بعض أهل العلم إنما هو على سبيل الأغلبية فقط، إن صح ذلك.
* طالب: شيخ، بالنسبة لـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مكية؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) أنا بحثت ما وجدت.
* الشيخ: ما وجدت؟ سورة الحج وأيش؟
* الطالب: الحج مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: (...) المصحف أنها مدنية.
* الشيخ: إي، فيها فيها، أنا متأكد، بس أنا ما أحفظ المكيات من المدنيات لكن متأكد أن فيه مدنيات فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* طالب: في بحثي أنا ما وجدت.
* الشيخ: لا، فيه فيه ابحث وتجد.
* طالب: يعني مدنية تبدأ بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* طالب آخر: مكية.
* الشيخ: لا، مدنية فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الطلبة: مكية.
* الشيخ: مكية فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* طالب: ما أعرف شيء فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* الشيخ: وفيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الطالب: إي، لكن يعني حسب قول العلماء يقولون: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مدنية.
* الشيخ: إحنا قلنا: هذا غير صحيح في ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، في ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيضًا غير صحيح؛ لأن فيه سورًا مكيات وفيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، تأملوها إن شاء الله تلقونها، وكلنا إن شاء الله نبحث فيها بعد.
* طالب: الحج ما هي مكية؟
* الشيخ: الحج أنا أتصور مكية شوف المصحف.
* طالب: في المصحف مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: (...) مثلًا مكية يقول: مكية إلا من آية كذا إلى كذا.
* طالب آخر: مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: كل الآيات وبين قوسين (...) ٥٤، (...) بين مكة والمدينة.
* الشيخ: هذه كلها غالبًا ما عليها دليل، إحنا نقول: إن السورة المكية إذا لم يذكر إنسان دليلًا على أنه مستثنى منها شيء، وإلا فهي مكية.
* طالب: فمن هذا اللي واضع (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنهم من المفسرين والقراء.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
البقرة 2:179
(...) ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٧] في هذه الآية قراءتان: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾، فأما على قراءة الرفع فإن (البر) تكون اسم (ليس)، و(أن تولوا) خبرها، وكذلك إذا كانت (ليس البرَّ) تكون (البر) خبرها مقدمًا، و(أن تولوا) اسمها مؤخرًا، يعني تقدير الكلام على الأول: ليس البرُّ توليتَكم وجوهَكم، وتقديره على الثاني: ليس البرَّ توليتُكم، بالرفع.
يقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ والبر هو في الأصل الخير الكثير، ومنه سمي البَرّ؛ لسعته واتساعه، ومنه اسم من أسماء الله ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور ٢٨]، المعنى: ليس الخير وكثرة الخير والبركة أن يولي الإنسان وجهه قبل المشرق، أي: جهة المشرق أو جهة المغرب، وهذا نزل عندما ساء بعضَ الناس تحويلُ النبي ﷺ من بيت المقدس إلى الكعبة، فبيّن الله عز وجل إنه ليس البر أن الإنسان يتوجه إلى هذا أو هذا، ليس هذا هو الشأن، الشأن إنما هو في الإيمان بالله إلى آخره، أما الاتجاه فإنه لا يكون خيرًا إلا إذا كان بأمر الله، ولا يكون شرًّا إلا إذا كان مخالفًا لأمر الله، فأي جهة توجهتم إليها بأمر الله فهي البر. على هذا لا نقول: إن العبرة بالعمل، العبرة بنوع العمل، ما هو نوع العمل؟ هل هو طاعة لله أو ليس بطاعة؟ إن كان طاعة فهو بر وخير، وإلا فليس ببر ولا خير، ولهذا السجود لغير الله كفر وشرك، وفي وقت من الأوقات صار السجود لغير الله عبادة وتركه كفرًا، قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، وفي وقت من الأوقات صار من أفضل الطاعات، قطيعة الرحم من الكبائر، وفي وقت من الأوقات صارت خيرًا، فإن قتل الأب لابنه من أكبر القطيعة، ومع ذلك حين أمر به إبراهيم صار من أفضل القربات، فالشأن إذن في طاعة الله عز وجل، ليس في العمل الذي تفعل، وإنما المقياس هل هو من أمر الله أو ليس من أمر الله، إذن كوننا نتجه إلى المشرق أو إلى المغرب هذا ليس هو البر، إلا إذا كان اتجاهنا طاعة لله، فحينئذ يكون برًّا.
* طالب: أقول: قطيعة الرحم وأيش مثاله؟
* الشيخ: مثل ذبح الابن.
* طالب: لا غيره قبله؟
* الشيخ: قبله، ذكرنا على سبيل العموم.
* الطالب: قتل النفس؟
* الشيخ: قتل إبراهيم لابنه.
قوله: ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، إذا قال قائل: أنتم ذكرتم هذا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وليس هذا قِبَلًا للمشرق ولا للمغرب، وإنما هو للجنوب أو الشمال، أليس كذلك؟ قلنا: بلى، لكن أظهر وأبين الجهات هي جهة المشرق وجهة المغرب؛ لأن جهة المشرق والمغرب ما تخفى على أي إنسان (...) والنصارى يستقبلون المشرق، وكل منهما يقول: إنه هو فاعل البر، فأنزل الله هذه الآية، لكن الأول أصح.
* طالب: (...) وردت..
* الشيخ: لا لا، يعني هذا باعتبار التعبد لله.
* طالب: معنى هذا يا شيخ قبلة النصارى واليهود، قبلة اليهود ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس ٨٧] أيش معنى قبلة؟
* الشيخ: يعني قبلة مستقبلة للناس، يعني افتحوها للناس.
قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ فيها أيضًا قراءتان، وهي: ﴿وَلَكِنِ الْبِرُّ﴾ بالرفع، وعلى هذا فتكون (لكن) عاطفة غير عاملة، والقراءة التي في المصحف ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فتكون عاملة. قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، البر من آمن، كلنا يعرف أن البر عمل، و(من آمن) عامل، فكيف يصح أن يكون العامل خبرًا عن العمل؟ في هذا وجهان؛ الوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف، وتقديره: ولكن البرَّ بِرُّ من آمن بالله واليوم الآخر، ثانيًا: أن الآية على سبيل المبالغة، ولا فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال: رجل عدل، بمعنى عادل. ووجه ثالث: أن نجعل البر بمعنى البارّ: ولكن البارّ، فيكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، يعني: ولكن البار حقيقة القائم بالبر من آمن بالله، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وأيش محلها من الإعراب (مَن)؟ محلها الرفع على كل تقدير، على قراءة التخفيف وعلى قراءة التشديد. قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، آمن به، تقدم أن الإيمان في اللغة بمعنى التصديق، لكنه إذا قُرِن بالباء صار تصديقًا متضمنًا للطمأنينة والثبات والقرار، فليس مجرد تصديق، لو كان بمعنى التصديق المطلق لكان يقال: آمَنَه أي صدَّقه، لكن (آمن به) مضمنة معنى الطمأنينة والاستقرار لهذا الشيء، وإذا عُدِّيت باللام مثل ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت ٢٦]، فمعناه أنها ضُمِّنت معنى الاستسلام والانقياد.
قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.
أما الإيمان بوجوده فإنه كما سبق دل عليه الشرع والحس والعقل والفطرة، أو لا؟ طيب، دلالة الشرع عليه واضحة: إنزال الكتب وإرسال الرسل، كل هذه من أين جاءت؟ من الله عز وجل، ودل عليه الحس، دل على وجوده الحس - سبحانه وتعالى - فإننا نسمع ونلمس أن الله سبحانه وتعالى يُدْعَى فيجيب، وهذا دليل حسي على وجوده تبارك وتعالى، كما في سورة الأنبياء وغيرها ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٧٦]. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء ٨٣، ٨٤]. إلى آخره كثير، وهذا أيضًا شيء يلمسه الإنسان بنفسه أنه يدعو الله عز وجل بجلب خير له أو دفع شر عنه، فيحس بذلك، أما دلالة العقل على وجود الله عز وجل فما هو؟ ما من حادث إلا وله محدِث كما قال الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]، هذا الكون العظيم بما فيه من النظام والتغيرات والأحداث لا بد أن يكون له موجِد محدِث يُحدث هذه الأشياء فهو الله عز وجل، وإلى هذا الدليل أشار الله بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. ودل على وجوده الفطرة، فإن الإنسان لو تُرك وفطرته لكان مؤمنًا بالله، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]، حتى غير الإنسان مفطور على أنه يعرف الرب عز وجل.
الثاني: الإيمان بربوبيته، وهذا فرع عن الإيمان بوجوده، يعني ليس مجرد وجود الله عز وجل، بل هو رب سبحانه وتعالى يحكم في عباده بما يشاء كونًا وشرعًا، الأحكام الكونية هي ما يتعلق بالإيجاد والخلق، والأحكام الشرعية ما يتعلق بالتنظيم والسَّنّ، يعني يسُنّ لعباده سُنَنًا ويشرع لهم شرائع، هذه أحكام شرعية، فمسألة الأحكام متعلقة بتوحيد الربوبية لا بتوحيد الألوهية؛ لأن الرب معناه هو الذي يتصرف في عباده كما يشاء خَلقًا وحكمًا، فله الخلق والأمر، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤].
أما الإيمان بألوهيته فهو أن تعتقد أنه لا إله في الوجود يستحق أن يُعبد سوى الله عز وجل، كل الآلهة التي تُعبد من دونه من أنبياء وملائكة وأولياء وأشجار وأحجار ونجوم وشمس وقمر كلها باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان ٣٠].
* طالب: ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
* الشيخ: فيه آيتان.
ففيه أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق، ولا يكفي كما يفعله كثير من المؤلفين المعاصرين في تقرير التوحيد، وكذلك المتقدمون، لا يكفي أن نقرر التوحيد بتوحيد الربوبية، المتكلمون يقولون: الإله هو القادر على الاختراع، ولو كان هذا معنى (لا إله إلا الله) لكان المشركون موحدين؛ لأن المشركين ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولكن الألوهية غير، الألوهية تتعلق بالعبادة، بمعنى أنه لا أحد يُعبد بحق سوى الله عز وجل.
أما الإيمان بأسمائه وصفاته فهو أيضًا من تمام الإيمان بالله عز وجل، تؤمن بكل اسم سمى الله به نفسه، وتؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه، ولا تستنكر أو تشمئز من صفة أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ؛ فإنها حق، كثير من الناس إذا سمع شيئًا من آيات الصفات أو أحاديثها وقُرِّرت له يستنكر ويشمئز، ويظن أنها دالة على التشبيه والتمثيل، فيأخذ بتأويلها وتحريفها إذا لم يمكنه إنكارها، فإن أمكنه إنكارها أنكرها ولا يبالي.
فأهل البدع بالنسبة لما يتعلق بالأسماء والصفات وبغيرها مما يخالفون فيه حتى في مسائل القدر، في مسائل الإيمان، لهم مذهبان، الطريق عندهم كلهم على حد سواء إذا جاءت النصوص على خلاف ما يذهبون إليه إن تمكنوا من إبطالها قالوا: هذه باطلة، هذه ما تصح، كما يقولون: أخبار الآحاد لا تثبت بها العقائد، هذه القاعدة التي من أبطل القواعد يريدون أن يقضوا بها على كل ما جاء من أسماء الله وصفاته في أخبار الآحاد، فإذا وجدوا خبرًا يخالف مذهبهم وطريقتهم البدعية وهو من أخبار الآحاد على طول ما يحتاج لا ينظرون في رواته، ولا في تلقي الأمة له بالقبول، ولا يفكرون في هذا أبدًا، خلاص يشطب عليها، هذا خبر آحاد مخالف لما يُعلم بالضرورة من العقيدة عندهم، فيجب أن يكون باطلًا مكذوبًا.
الطريق الثاني لهم إذا عجزوا عن رد الخبر بأن كان في القرآن أو في متواتر السنة سلّطوا عليه معاول المجاز، كل واحد معه معول، هذا معول خشب، وهذا معول فولاذ، وهذا معول حديد، هذا يقول: مجاز مرسل، وهذا يقول: مجاز عقلي، وهذا يقول: إنه استعارة، وما أشبه ذلك، حتى يقضوا عليه بهذا التحريف، هذه طريقتهم، طريقة أهل البدع ما تخلو من هذا، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: ما لنا وللأمر، الذي أخبرنا عن نفسه مَن؟ الله، وهو أعلم بنفسه وأصدق حديثًا من غيره، وهو يريد البيان لخلقه أو التعمية عليهم؟
* الطلبة: البيان.
* الشيخ: البيان، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، فكيف إذا كان الله عز وجل لا يريد إلا البيان لخلقه، وهو سبحانه وتعالى أصدق القائلين وأعلم من نطق بما نطق به، كيف نقول: هذا مجاز، هذا ليس بحق، هذا يجب أن يُصرف؟ الواجب علينا أن نؤمن به ونأخذه على ظاهره.
لكن يجب علينا كما قررناه ونقرره كثيرًا الحذر من أمرين، وهما: التمثيل والتكييف، ما نقول: هذا الظاهر مثل ما نعرفه من نفوسنا، أو كيفية هذا الشيء كذا وكذا، كل هذا أمر باطل لا يجوز اعتقاده، وهذه القاعدة يا إخواننا إذا أخذنا بها استرحنا طردًا وعكسًا؛ استرحنا طردا بحيث ما يخرج عنها شيء، كل الأحاديث أو الآيات الواردة في صفات الله نجريها على هذا، ونقول: هي ثابتة لله لكن بدون تمثيل ولا تكييف، هذا الطرد، العكس ما أحد يعترض علينا يقول: لأيش أوّلتم في كذا وتركتم التأويل في كذا؟ لأن بعض الناس قد يستوحش من بعض الصفات، يستوحش منها كثيرًا، وإن كان يثبت غيرها بنفسٍ منقادة.
كثير من الناس تأتيه مثلًا صفات المعاني يقبلها ويسلّم بها بكل سهولة، لكن تأتيه بعض الصفات التي هي من جنس الأبعاض لنا، ولا نقول: إنها بعض لله؛ لأنه حرام أن نقول هكذا، فتجده يتوقف ويقشعر ويقدم رِجلًا ويؤخر أخرى في إثباتها، والواجب علينا، أيش الواجب؟ أن نسلّم له، فنقول: لا فرق بين هذا وهذا، ونؤمن بأن هذا الذي أخبر الله به عن نفسه لا يشبه ولا يماثل صفات المخلوقين، وبهذا نستريح، والحمد لله أن الشيء الذي لا يليق بالله يبينه الله ورسوله، الشيء الذي لا يليق به يُبَيَّن ما يترك هكذا، لما قال الله لعبده: «إِنِّي اسْتَطْعَمْتُكَ وَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَاسْتَسْقَيْتُكَ وَلَمْ تَسْقِنِي، وَمَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣) من حديث أبي هريرة.]]، هذا وأيش ظاهره؟ ظاهره أنه لا يليق بالله عز وجل أن يستطعم أحدًا وهو يُطعِم ولا يُطْعَم، أو أن يستسقي أحدًا، أو أن يمرض، ما هذا ظاهره؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولهذا لما كان هذا ظاهره بيّن الله تعالى أنه ليس بمراد، إذا قال له عبده: «كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ؟ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ؟ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ؟ أَمَا أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي». شوف الآن بيّن، الشيء الذي ما يليق بالله يبيَّن، والشيء الذي أثبته الله لنفسه يبقى على ما هو عليه.
هذه القاعدة اللي هي الحكم الرابع من الإيمان بالله اختلف فيها أهل الملة؛ فمنهم السلف، وهم فقط أهل السنة الجماعة، أثبتوها لله تعالى على ظاهرها على ما يليق بالله عز وجل، ونفوا عنها التمثيل والتكييف، وبعض الناس أنكرها، صار يؤمن بالأسماء دون الصفات، وبعضهم يؤمن بالأسماء وبعض الصفات دون بعض، وبعضهم ينكر الأسماء والصفات، وبعضهم لا يصف الله تعالى لا بالإثبات ولا بالنفي، وهذا شيء معروف عند من يتكلمون في هذه الأمور، المهم أن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، نعم.
الثاني: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسُمِّي آخرًا لأنه ليس بعده يوم؛ إذ هو يوم مستمر ما فيه لا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، ولا شيء، يوم دائم مستمر، فلذلك سمي اليوم الآخر.
الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون بعد الموت كما قاله شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية ، يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر وحشر الناس حفاة عراة غرلًا، والحساب والميزان والصراط والحوض والشفاعة، وغير ذلك مما أخبر الله به أنه يكون يوم القيامة داخل في هذا، كل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر كما يتضمن ذلك فإن كل مَن آمن بالشيء استعد له، ولّا لا؟ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخر لكن ما يستعد له هذه الدعوى منه ناقصة، ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد له.
كما أنه لو قيل مثلًا: إنه سينزل اليوم مطر، فظلِّل الحَبّ، إنسان عنده حب قمح قيل له: سينزل اليوم مطر، فظلل الحب، معلوم أن اللي ما هو مؤمن بهذا الكلام ما هو مغطي، كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو فشدِّد في الحراسة، إذا آمن بأنه سيجي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن، إذا لم يؤمن ما يهمه، ولا شك أن الإنسان المخالف لما أمر الله به ورسوله أن عنده نقصًا في الإيمان باليوم الآخر، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله سبحانه وتعالى الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به في القرآن، يقرن ذلك كثيرًا، مما يدل على أن الإيمان باليوم الآخر يستلزم الإيمان بآيات الله عز وجل.
(...) والشفاعة والصراط والجنة والنار كل هذا داخل في اليوم الآخر.
قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾، الإيمان بالملائكة، الملائكة جمع (ملَك) وأصل (ملَك) (مَلْأَك)، وأصل (مَلْأَك) (مَأْلَك)؛ لأنها مأخوذة من (الْأَلُوكة) وهي الرسالة، هكذا يقولون اللغويون، فصار فيها إعلال بالحذف وبالقلب، وجُمِعت على أيش؟ ملائكة، والملائكة هم عباد من عباد الله سبحانه وتعالى خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وسخرهم لعبادته ليلًا ونهارًا، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وهم أجسام ذوو عقول، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، والأجنحة أجسام ولّا لا؟ أجسام، جبريل عليه الصلاة والسلام رآه النبي عليه الصلاة والسلام على صورته وله ست مئة جناح سد الأفق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود، واللفظ للترمذي (٣٢٧٨) من حديث عائشة.]]، وجاءه على صورة رجل[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، وعلى صورة دحية الكلبي[[أخرجه أحمد في المسند (٥٨٥٧) من حديث ابن عمر.]]، وكل هذا يدل على أنهم أجسام، ولهم عقول؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما في شك، نعم، ولهذا ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، ولو كان ما لهم عقول كما قاله بعض الزائغين لكان هذا أكبر قدح في رسالة الرسل كلهم؛ إذ إنه يكون الواسطة بينهم وبين الله مجنونًا لا عقل له، ولا أكبر من هذا القدح - والعياذ بالله- في الرسل وفيمن أرسلهم أيضًا، ولّا لا؟ كيف يأتمن على وحيه مَن ليس له عقل؟ فهو قدح في الله، وقدح في الملائكة، وقدح في الرسل، والعياذ بالله.
ومن الغرائب أن هذه شاعت في أوساط بعض الناس، وقالوا: إنهم ليسوا أجسامًا وليس لهم عقول، وهذا لا شك أنه قول باطل من أبطل الأقوال، والصواب بلا ريب أن لهم عقولًا، وأنهم أجسام، لكن الله سبحانه وتعالى أعطاهم قوة ونفوذًا أشد من نفوذ الجن، الجن لهم قوة ونفوذ، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والملَك أشد، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، و﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠]، فجاءت به الملائكة من سبأ إلى الشام قبل أن يرتد إليه طرفه، عرش عظيم، وهذا دليل على أن الملائكة أقوى وأشد نفوذًا من الجن، على ما للجن من نفوذ، اللي يشوف سرعتهم يصعدون إلى السماء ويقعدون مقاعد للسمع، فالحاصل أن الملائكة لا شك أنها أجسام، وأن لهم عقولًا، وأنهم يأتمرون بأمر الله عز وجل، وأنهم يسجدون له، ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل ٤٩].
* طالب: لهم شهوة يا شيخ؟
* الشيخ: إي لهم شرائع.
* الطالب: لهم شهوة؟
* الشيخ: إي ما أظن.
واعلم أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام منهم مَن عُيِّن لنا وعرفناه باسمه، ومنهم من لم يُعَيَّن، فمن عُيِّن لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه مثل؟
* طالب: جبريل عليه السلام.
* الشيخ: إي.
* طالب: إسرافيل.
* الشيخ: إسرافيل، وأيش بعد؟
* طالب: ومالك.
* الشيخ: ومالك خازن النار.
* طالب: ومنكر ونكير.
* الشيخ: ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ، وفيه نظر.
* طالب: ميكال.
* الشيخ: إي، هو ميكال هو ميكائيل.
* طالب: هو نفسه مالك؟
* الشيخ: لا لا، مالك خازن النار.
* طالب: وملك الموت.
* الشيخ: وملك الموت لكن ما نعرف اسمه، بعض الناس يقول: عزرائيل ولكن ما صح هذا.
* طالب: هاروت وماروت ملكين.
* الشيخ: نعم ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة ١٠٢] صح، صحيح نعم.
* طالب: تقول: مالك يا شيخ هو خازن النار وليس هو ميكال، بس ورد في حديث أن الرسول ﷺ سأل جبريل: «مَا لِي لَا أَرَى مِيكَالَ يَضْحَكُ»[[رواه أحمد في مسنده (١٣٣٤٣) من حديث أنس بن مالك، ولفظه: «مَا لِي لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطّ؟». قال: «مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ».]]؛ لأنه لم يضحك قط.
* الشيخ: إي تأكد منه، تأكد منه، مفهوم هذا؟ طيب، اللي علِمناه باسمه يجب علينا أن نؤمن به باسمه، ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله ومنهم من لم نعلم، لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مُكرَمون ممتثلون لأمر الله عز وجل، طيب هل لهم نصيب من تدبير الخلق بغير إذن الله؟ لا، لكن بإذن الله نعم، الموكَّل بالقطر والنبات، موكل بنفخ الصور، وفيه ملائكة موكلة بالأجنة، وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم، وملائكة موكلة بحفظ بني آدم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد ١١]، لكن كل هذا بأمر الله عز وجل وبإذنه، وليس لهم أي شيء في الكون منازعة لله عز وجل ولا معاونة، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢ ) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣]، فنفى جميع ما يتعلق به المشركون، ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ انفرادًا، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ مشاركة، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معاونة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ شفاعة ووساطة، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ ٢٣] من هم؟ الملائكة، وهم الملائكة إذا سمعوا الوحي صعقوا، فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون، لكنهم يمتثلون أمر الله عز وجل.
* طالب: شيخ، من قال: إنه لا بد أن نؤمن أن من الملائكة من ليسوا بأجسام؟
* الشيخ: ما يجوز.
* الطالب: بأن يقول: الملك الموكل بأن يكتب عملك يقول ما نراه، والملائكة الذين..؟
* الشيخ: حتى جبريل ما نراه، وغير جبريل ما نراه، يجيء جبريل ويلقي الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام وهم ما يرونه، أن ما ترى، كل الذي لا ترى لا يكون جسمًا؟
* الطالب: لا، نقول: ممكن أن..
* الشيخ: لا ما نقول: ممكن، كل الملائكة كلهم أجسام.
* الطالب: ما يمكن أن يتحولوا عن صورتهم؟
* الشيخ: لا، يمكن، بإذن الله يتحولون، هذا جبريل تحوّل إلى صورة إنسان.
* طالب: يعني ممكن أن يتحولوا يقولون ليس..
* الشيخ: بإذن الله.
* الطالب: بإذن الله.
* الشيخ: ما أدري عن هذه، لكن ما أظنه يمكن.
* الطالب: لأنه الملائكة الذين يكونون معنا في المسجد ليسوا بأجسام؟
* الشيخ: إي نعم، ما هو بلازم تشاهدهم، الآن الجن أجسام يأكلون ويشربون ويبولون، ويبولون بأذن اللي ما يقوم يصلي الفجر، ومع ذلك تشوفهم؟
* الطالب: نقول: أجسام حسية؟
* الشيخ: أجسام حسية، لكن ما تشوفهم، الآن فيما بين أيدينا كما يقول الأطباء يقول: في هذا ممتلئ، الجو ممتلئ جراثيم وما جراثيم وأشياء ما عاد نصدقهم ولّا نكذبهم.
* الطالب: لا هذا نراه بأعيننا.
* الشيخ: إي لكن بس هل تراه بالعين المجردة؟
* الطالب: لو جعلت ثقب الشمس يدخل في غرفة مظلمة.
* الشيخ: لا ما هم دولا ما هذا جراثيم، هذا هباء، المهم على كل حال هم محجوبون عنا، الرسول ﷺ خرج من عند قريش وهم قريش يشوفون ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩].
* الطالب: بس لا ترى يا شيخ أن الجسم لا بد أن يكون محسوسًا؟
* الشيخ: نعم نقول: هو محسوس، لكن ما يلزم من كونه محسوسًا أن نشاهده.
* طالب: إذن ما يكون جسمًا.
* الشيخ: أعوذ بالله سبحان الله، يمكن يصير جسم لكن ما نراه، الله على كل شيء قدير.
* طالب: قوله يا شيخ: ﴿قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧] ما يدي معنى الجسم؟ قعيد يعني قاعد.
* الشيخ: ما فيه شك، الأدلة واضحة، واضحة جدًّا ما فيها إشكال، ولا أيضًا يعني ربما يشكل علينا قول الرسول ﷺ: «يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية.]] أكثر من أنهم عندنا ولا نشاهدهم، وكيف يدخل في الإنسان يجري منه مجرى الدم وهو ما يحس به، ولكن يجب علينا نصدق، نقول: هذه، الآن روحك تجري منك مجرى الدم كل عظم كل عصب وكل لحم، وتُنزع منك عند الموت ومع ذلك تشوفها ولّا لا؟
* طالب: نعم نراها.
* الشيخ: ترى إذا مات الإنسان رآها، لكن قبل ما يراها ولا يحس بها إذا دخلت عند الاستيقاظ، ولا يحس بها إذا خرجت عند النوم.
* طالب: ما نعلل ذلك بأنه ضعف قوة البصر بالنسبة للمخلوق؟
* الشيخ: لا لا، يمكن ضعف، المهم أنهم محجوبون عنا وهم أجسام، المهم أنهم محجوبون عنا، لو يجيء أقوى الناس بصرًا وبأكبر مكبر ومجهر ما رآهم أبدًا.
طيب الملائكة إذن عرفنا أنهم مخلوقون من نور، وبهذا نعرف أن الشيطان ليس منهم؛ لأن الشيطان خُلق من نار لا من نور بنص القرآن والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى عن إبليس: إنه قال لربه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]، وقال الله عز وجل: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر ٢٧]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن «الملائكة خُلِقت من نور، وأن الجن خُلِقوا من نار، وأن آدم خُلِق مما وُصِفَ لنا »[[أخرجه مسلم (٢٩٩٦ / ٦٠) من حديث عائشة.]] من التراب.
يبقى الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٣٤]، وقد تقدم لنا في التفسير أن هذا الاستثناء منقطع، وأن إبليس كان منهم في المجتمع، مجتمِع بهم، فوُجِّه الخطاب إلى الملائكة وهم لا يحصيهم عددًا إلا الله، والشيطان واحد منهم، والواحد قد يوجَّه الخطاب للجماعة وهو منهم وإن لم يكن من جنسهم، العرب يقولون: جاء القوم إلا حمارًا، مع أن الحمار ما هو من جنس القوم، فالمهم أنه يوجه الكلام إلى الجماعة وإن كان فيهم واحد من عدد لا يحصيه إلا الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾، الكتاب المراد به الجنس، فيشمل كل كتاب أنزله الله عز وجل، واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب، الدليل ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، أنزلنا معهم مع هؤلاء الرسل الذين أُرسلوا بالبينات، فما من رسول إلا معه كتاب، أما النبي فقد لا يكون معه كتاب، بل الظاهر أنه لا كتاب معه؛ لأنه يحكم بشريعة من قبله، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿بِهَا﴾: بالتوراة، ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، والكتب المعروفة لدينا هي خمسة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أربعة؟ نعد: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، صحف إبراهيم، وصحف موسى، صحف موسى اختلف العلماء هل هي التوراة ولّا غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها، ومنهم من قال: إنها هي، على كل حال الخمسة ما فيها إشكال، والسادس؟
* طالب: الزبور.
* الشيخ: عددناه.
* الطالب: المزامير.
* الشيخ: المزامير عبارة عن فصول من الزبور.
طيب، وأما ما لم نعلم به فنؤمن به أيش؟
* الطلبة: إجمالًا.
* الشيخ: إجمالًا، فتقول بقلبك ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، ثم إن المراد أن تؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، وعلى عيسى كتابًا يسمى الإنجيل، وعلى داود كتابًا يسمى الزبور، أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك، لماذا؟ لأنه محرَّف ومغيَّر ومبدَّل، لكن تؤمن بأن له أصلًا نزل على هؤلاء الأنبياء، وثانيًا..
* طالب: نقول: لا يجب الإيمان بها ولّا ينبغي عدم الإيمان بها؟
* الشيخ: نعم، نؤمن بالأصل.
* الطالب: لا، التي هي الآن.
* الشيخ: اللي الآن، نعم، اللي الآن ما يجب علينا أن نؤمن بها، ولكننا نؤمن بأن لها أصلًا، أما بكل ما فيها لا، فيها تحريف، ولهذا قلنا: إننا نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، أما التوراة التي في أيدي اليهود الآن فإنها محرفة ومغيرة، وإلا أصلها لا شك أنه حق، طيب، هذا الإيمان بهذه الكتب هل يلزمنا العمل بما فيها؟ أو ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، الثاني هو الذي يجب على المؤمن، فنحن نؤمن بأنها حق، وأن العمل بها واجب مفروض ما دامت رسالة النبي الذي أُرسل بها باقية، فإذا نُسخت بشريعة أخرى صار العمل للشريعة الثانية، ثم إذا نُسخت الثانية صارت العمل بالثالثة، وهكذا، ولهذا النصارى الآن بعضهم، بعض بسطائهم، يقولون: أيما أول؟ يعني نحن حصل لنا معهم محاضرة وأوردوا هذا السؤال، أيما أول الإنجيل أو القرآن؟ وأيش الجواب؟
* الطلبة: الإنجيل.
* الشيخ: الإنجيل، لكن وأيش الغاية من هذا السؤال؟ يقولون: إذن العمل على الأول، هذا وارد، فالعمل على الأول، نقول بكل بساطة..
* طالب: العمل بالتوراة.
* الشيخ: نعم مثل ما قلت، بكل بساطة إذا قررتم هذه القاعدة فلا عمل أيضًا بالإنجيل، العمل بالتوراة، وكذلك نرتقي إلى أن نصل إلى آدم، فالمهم على كل حال أن الأمر بالعكس في الحقيقة؛ أن المتأخر ناسخ للأول، ولا عكس، اختلف أهل العلم رحمهم الله فيما جاء في هذه الكتب من الشرائع الصحيحة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، أما إذا ورد شرعنا بخلافها فبإجماع المسلمين أن العمل بما جاء به شرعنا، لكن إذا وُجد في التوراة أو الإنجيل شيء لم يرد شرعنا بخلافه فهل يجب علينا أن نعمل به وأنه شرع لنا أو لا يجب؟ فقال بعض أهل العلم: إنه لا يجب؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فلسنا بحاجة إلى شرعهم ولا يلزمنا أن نعمل به ما دام ليس في القرآن ما نعمل به وإن كان لا يخالف القرآن، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١) من حديث عائشة، واللفظ له.]]، وقال بعض أهل العلم: بل يجب علينا أن نعمل بما في التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السابقة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠]، فقال: إن الله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بهداهم، وفعلًا الرسول أشار إلى هذا، إلى شيء من ذلك، فقال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٢٠)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ... وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ...». ]]، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك أكثر أحيانه، ينام في السحر ويقوم في ثلث الليل، فقالوا: الرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى هذا، ثم إنه إذا لم يرد شرعنا بخلافه ما صار مخالفًا لشرعنا، وهو من عند الله، فيجب أن نعمل به، وهذا القول أصح من حيث النظر، لكنه يبقى الإشكال فيما يوجد الآن من الكتب السابقة، كيف الإشكال؟
* طالب: محرفة.
* الشيخ: إي نعم، الشك في صحته، هذا هو الذي يوجب للإنسان أن يتوقف، ومن هنا نعرف خطأ من يأتي أحيانًا بشيء من التوراة أو من الإنجيل أو من الزبور يريد أن يرغّب به الناس في العمل، فإن هذا خطأ ولا سيما في هذا الوقت الذي التبس على بعض الناس الأمر، صار بعض الناس يجيب من نصوص الإنجيل، وإذا جاء بها حجة على النصارى لا بأس، لكن أحيانًا يجيء بها ليقرر ما في القرآن، كأن القرآن في حاجة إلى أن يشهد له ما في الكتب السابقة، وليس بحاجة، لا سيما عند عامة الناس، العلماء قد ينتفعون من هذا في الحقيقة ولا سيما في المناظرات، مناظرات النصارى، لكن العامة ما ينبغي أبدًا أن نجعل في قلوبهم إلا شيئًا واحدًا، وهو القرآن، والسنة طبعًا؛ لأنها من القرآن مبينة له ومفسرة، كوننا نُدخل على العامة أشياء من هذا يلبّس عليهم الأمر ويظنون أن هذا الأمر أو أن هذا الدين ما زال قائمًا، دين غير المسلمين، وهذا خطره عظيم، وقد لمسنا خطره الآن، فأصبح بعض الناس يقولون: إن الأديان ما هي إلا أفكار كفكر أرسطوطاليس وغيرهم من هؤلاء القوم الفلاسفة، أفكار وكلٌّ له فكره وكل له رأيه، ولا ينبغي أن ننكر على أحد، وهذا تراه شيئًا علمنا به من هؤلاء الجهال الذين ما عرفوا أن الدين الإسلامي دين من الله تعبَّدَنا اللهُ به وليس لنا فيه رأي، ولّا لأ؟ هل هو فكر؟ لا، شيء أنزله الله لعباده يتعبدون له به عقيدة وقولًا وعملًا، كل العباد وليس هناك مجال لاجتهاد يخالف هذا الدين.
﴿الْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، (النبيين) عليهم الصلاة والسلام يدخل فيهم الرسل هنا ولّا لا؟ يدخل فيهم الرسل بلا شك ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، فعند الإطلاق إذا أُطلق النبيون دخل فيهم الرسل، أما الرسل لا يدخل فيهم النبيون. قوله: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل، وقد ورد في حديث صححه ابن حبان «أَنَّ عِدَّةَ الرُّسُلِ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَسَولًا، وَأَنَّ عِدَّةَ الْأَنْبِيَاءِ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٢٢٨٨) من حديث أبي أمامة.]]، فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به، وإن لم يصح فإن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، ونحن لا نكلَّف الإيمان إلا بما بلغنا، فالذين علمناه من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم، والذين لم نعلمهم نؤمن بهم إجمالًا، ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥].
* طالب: الحديث ما يخالف الآية يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما يخالف الآية.
* الطالب: (...) ﴿مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾؟
* الشيخ: إي، ما قُصُّوا علينا لكن عُلم عددهم، علم العدد لا يدل على القصة، طيب الآن يمكن نشوف القرآن، كم في القرآن من رسول؟
* طالب: خمسة عشر.
* طالب: ثمانية عشر.
* الشيخ: أو خمس وعشرون.
* طالب: خمس وعشرون.
* الشيخ: خمس وعشرين؟ إي.
* طالب: خمس وعشرون نبيًّا.
* الشيخ: خمس وعشرون رسولًا، أو لا؟ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾: لإبراهيم إسحاق ويعقوب، ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٨٤ - ٨٦]، بس كام دوله؟
* الطلبة: ثمانية عشر.
* الشيخ: ثمانية عشر، طيب من بقي؟
* طالب: آدم.
* الشيخ: آدم نبي وليس برسول.
* طالب: شعيب وصالح.
* الشيخ: شعيب وصالح، هود ومحمد.
* طالب: وإدريس.
* الشيخ: إدريس موجود.
* طالب: لا.
* الشيخ: إدريس ما هو موجود؟
* طالب: ما هو موجود في الآية.
* الشيخ: ما هو موجود في الآية؟ طيب إدريس وذو الكفل.
* طالب: وإلياس.
* الشيخ: وإلياس موجود، موجود عددناه، هم خمس وعشرون، ومحمد عليه الصلاة والسلام.
* طالب: عددناه.
* الشيخ: محمد؟ لا ما عددناه.
﴿آتَى الْمَالَ﴾ آتى بالمد بمعنى أعطى، إذن هي تنصب مفعولين، المفعول الأول: ﴿الْمَالَ﴾، والمفعول الثاني؟
* طالب: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾.
* الشيخ: لا، ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وما عطف عليه.
وقوله: ﴿آتَى الْمَالَ﴾ المال: كل عين مباحة النفع بلا حاجة، هذا مال، أو إن شئت قل: بحاجة، أيضًا، كل عين مباحة النفع فهو مال، سواء كان هذا المال نقدًا أو ثيابًا أو طعامًا أو عقارًا أو أي شيء.
وقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ هذه الجار ومجرور حال من فاعل ﴿آتَى﴾، يعني: حال كونه محبًّا له، محبًّا له لحاجته فيه أو لتعلق نفسه به ولو بدون حاجة، أيهم؟
* طالب: تعلق نفسه به.
* الشيخ: أو لحاجة، لكن كلهم؛ لأنك قد تحب المال لأنك محتاج إليه، كما لو كان عند الإنسان بطانية في زمن الشتاء يحبه؛ لأنه محتاج إليه أو سيارة موديل ثلاثة وسبعين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ثلاثة وسبعين، موديل ثلاثة وسبعين، كفراتها بدأت تتفطر، ولا تمشي إلا بدفع، لكنه محتاج لها، هذا ما هو برغبته فيها، اللي جعله يرغب يحبه ما هو؟
* طالب: الحاجة.
* الشيخ: الحاجة، أو إنسان عنده سيارة موديل خمس وثمانين من أفخم سيارات العالم وعنده غيرها سيارات كثيرة، هذه يحبها لأيش؟ لتعلق نفسه بها، صح ولَّا لا؟ كان ابن عمر -رضي الله عنه وعن أبيه- إذا أعجبه شيء في ماله تصدق به، وقال: إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [[أخرجه أبو نعيم في الحلية (١ / ٢٩٤)، من حديث نافع عنه بلفظ كان ابن عمر إذا اشتدّ عجبُهُ بشيء من ماله قرّبه لربه عز وجل.]] [آل عمران: ٩٢]، وهذا طبق الآية اللي معنا ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ الآية يتكلم الله فيها عن البر ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، فهو يحبه لحاجته إليه أو لتعلق نفسه به، فيعطيه هؤلاء المحتاجين إليه، وأبو طلحة لا يخفى على الجميع ماذا فعل لما سمع هذه الآية تصدق ببستانه، اللي هو أغلى شيء عنده فيما أظن، لا لأنه بستانه فقط، ولكن لأن الرسول ﷺ كان يأتي إليه ويشرب فيه من ماء طيب، وقريبة من مسجد الرسول ﷺ، أنا أعتقد أن إنسانًا يجيء الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بستانه ويشرب فيه من الماء الطيب، وأيش يصير بستانه عنده؟ رخيص ولا غالي؟
* الطلبة: غالي.
* الشيخ: غالي جدًّا، يعني: أن الرسول يجيء إلى هذا البستان شيء يوجب أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يجيء إلينا، هذا أحب إلينا من كل شيء من المال، ومع ذلك «لما نزلت الآية ذهب به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، هو صدقة إلى الله ورسوله، فضعه حيث أراك الله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:«بَخٍ بَخٍ ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨ / ٤٢)، من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «بَخ، ذلك مالٌ رابح، ذلك مال رابح».]]، صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا الربح، لو اشتراه بمليون وباعه بعشرة ملايين ربح أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لكن أيها أربح ولَّا هذا؟ هذا أربح بكثير، إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْأَقْرَبِينَ».
المهم أن ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ لماذا اشترط أن يكون على حبه؟ لأن اللي يأتي على غير حبه كلٌّ يبذل ما يهم الواحد..
* طالب: بس فيه مشقة.
* الشيخ: لا، ما فيه مشقة، كلن يبذل، ثم إنه يدخل أيضًا في قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ أن يكون في حال الصحة، وفي حال الإشفاق على المال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خير الصدقة وأفضلها: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ».
* طالب: «تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى».
* الشيخ: «تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأَمُلُ الْبَقَاءَ» »[[أخرجه مسلم (١٠٣٢ / ٩٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، البقاء هذا اللفظ الصحيح، ولًّا فيها «الْغِنَى» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢ / ٩٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن «تَأَمُلُ الْبَقَاءَ» هذا هو محل الشح الحقيقي يخاف من الفقر ويُؤَمِّنُ إنه باقي (...) الشاب، لكن واحد يعود له مئة سنة وعنده ملايين الملايين هذا يخشى الفقر ويأمل البقاء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لكن الشاب اللي ما عنده إلا شوي، هذا هو اللي يخشى الفقر ويأمل البقاء يصير المال عنده غالي، فالمهم أن الحب إذن هذا تبين لنا معنى جديد في قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ تعلق رغبته بالمال، حاجته إليه، كونه يخشى الفقر ويأمل البقاء.
﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ من؟ ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ -سبحان الله العظيم- ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ بدأ بهم قبل كل الأصناف، بينما إن الأمر عندنا الآن بالعكس، تلقى الواحد إذا وجد فقيرًا بعيدًا عنه يظن أنه أولى بالصدقة من قريبه اللي هو ابن عمه، لكن لا، ذوي القربى ولو كانوا أغنياء أعطهم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى نسائه -أظن جويرية- وقد أعتقت مملوكة لها قال: «أَمَا أَنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٩٢) ومسلم (٩٩٩ / ٤٤)، من حديث كريب مولى ابن عباس عن ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها، واللفظ للبخاري.]]، جعل الرسول عليه الصلاة والسلام صلة الرحم أفضل من العتق، جعلها أفضل من العتق.
وقوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ القربى من المراد بهم؟ قرابة الرسول ﷺ أو قرابة المعطي؟
* الطلبة: قرابة المعطي.
* الشيخ: قرابة المعطي، واعلم أن الحكم إذا علق بوصف فإنه يزداد قوة بقوة ذلك الوصف، فإذا كان معلقًا بالقرابة فكل من كان أقرب فهو أولى، وأقرب الناس إليك وأحقهم بالبر أبوك وأمك.
الثاني: ﴿الْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل بلوغه من ذكر أو أنثى، فأما من ماتت أمه فليس بيتيم، ومن بلغ فليس بيتيم، وسمي يتيمًا من اليُتْم وهو الانفراد؛ ولهذا إذا صارت القصيدة جميلة أو قوية يقولون: هذه يتيمة، الدرة اليتيمة، يعني معناه: ما لها نظير منفردة، إذن اليتامى ماذا نقول؟ جمع يتيم، وهو من مات أبوه ولم يبلغ سواء كان ذكرًا أو أنثى، يعطون ولو كانوا أغنياء؟ نعم، يعطون ولو كانوا أغنياء جبرًا لقلوبهم، لكن لاحظوا أن عطية اليتيم الغني ليست كعطية الفقير، الفقير قد أعطيه ثوبًا أو كسرة خبز أو ما أشبه ذلك ينتفع بها، لكن اليتيم الغني ما أعطيه مثل هذا وأيش أعطيه؟ الآن نبغي (...) عليه وأيش أعطيه؟
* الطلبة: ما يناسب حاله.
* الشيخ: بما يناسب حاله، لفظ عام.
* طالب: سيارة.
* الشيخ: لا، السيارة، كبيرة السيارة، ممكن أعطيه قلمًا، يمكن أعطيه ساعة مثلًا، يمكن أعطيه شيئًا يعني يفرح به، أما يتيم بعطيه سيارة، (..) أربعة عشرة (...) ما عنده ولا رخصة، على كل حال يعطى ما يناسبه.
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ المساكين جمع مسكين، وهو الفقير وهو الذي أسكنه الفقر، سمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه، والفقر -أعاذنا الله وإياكم منه- ما يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة، هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ما هو على المستوى الذي يمكنه من التكلم، ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٢٢ / ١٣٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فالمهم أن المسكين هو الفقير، وسمي بذلك لأن الفقر أسكنه وأذله، واعلم أن الفقير بمعنى المسكين والمسكين بمعنى الفقير، إلا إذا اجتمعا فإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر، كما في آية الصدقة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] أيهما أشد؟
* طالب: الفقير.
* الشيخ: الصحيح أن الأشد الفقير؛ لأن الله بدأ به، ويبدأ بالأحق فالأحق والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء، وقال بعض أهل العلم: إن المسكين أشد؛ لأنه من أسكنه الفقر بخلاف الفقير، والصواب أن الفقير أشد؛ لأنه موافق للقفر، فقر وقفر، والقفر أيش معناه؟
* طالب: الجدب.
* الشيخ: القفر: الخلو، أرض قفر: خلو.
وَقَبْـــرُ حَـــرْبٍ بِمَكَـــانٍ قَفْــــــــرٍ ∗∗∗ وَلَــيْسَ قُــرْبَ قَــبْرِ حَــرْبٍقَبْــرُ
هذا فيه تنافر كلمات.
﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (...)..
السبيل بمعنى الطريق، والمراد بـ﴿ابْنَ السَّبِيلِ﴾ الملازم للطريق وهو المسافر، المسافر يكون في حاجة غالبًا فيحتاج إلى من يبره ويعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظًّا، من؟ من الزكاة، وابن السبيل هو المسافر، وزاد العلماء قيدًا قالوا: المسافر المنقطع به، يعني: الذي انقطع به السفر، فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة، وهو والمقيم على حد سواء، فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر.
قال: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ السائلين جمع سائل، وهو المستفهم أو المستجدي؟
* الطلبة: المستجدي.
* الشيخ: كيف، المستجدي؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: (...) الفرق بين المستفهم والمستجدي؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: المستفهم اللي يقول: أين المال؟ والمستجدي اللي يقول: أعطني مالًا، فالمراد بالآية هنا السائلون، أي: المستجدين الذين يقولون: أعطنا، فالسائل له حق لا من أجله هو؛ لأنه قد يسأل وهو ليس بمحتاج، لكن من أجل صفة الكرم والحياء، بمن؟ بالمعطي؛ لأن الإنسان إذا سئل وكان عنده كرم ما يمكن يقول: لا، إذا سئل وكان عنده حياء -والحياء من الإيمان- ما يمكن يقول: لا، «وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، فسأله رجل ذات يوم فأعطاه غنمًا بين جبلين »[[أخرجه مسلم (٢٣١٢ / ٥٧)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، «وأهدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام جبة وكان عليه الصلاة والسلام محتاجًا إليها، فسألها رجل عنده فأعطاه إياها فقيل للرجل: لم صنعت والنبي عليه الصلاة والسلام محتاج إليها؟ قال: إني أريد أن تكون كفني، فكانت كفنه»[[أخرجه البخاري (١٢٧٧)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه بلفظ: أنّ امرأةً جاءتِ النبيَّ ﷺ ببردَةٍ منسوجةٍ، فيها حاشيتها، أتدرون ما البردةُ؟ قالوا: الشّمْلة، قال: نعم، قالت: نسجتُها بيدي فجئتُ لأكسوكها، فأخذها النبيّ ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسّنها فلان، فقال: اكسنُيها، ما أحسنَها، قال القوم: ما أحسنتَ، لبسَها النبيّ ﷺ محتاجًا إليها، ثم سألتَه، وعلمت أنه لا يردّ، قال: إني والله ما سألته لألبسه، إنما سألته لتكونَ كفني، قال سهلٌ: فكانت كفنَهُ.]]، فالنبي عليه الصلاة والسلام لكرمه وحيائه لا يسأل شيئًا إلا أعطاه، فالسائل له حق وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لا يصح: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وِإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» »[[أخرجه أبو داود (١٦٦٥)، من حديث الحسين بن على رضي الله عنه.]]، لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
واعلم أن السؤال -سؤال المال- الأصل فيه المنع والتحريم؛ ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من سؤال المال وأخبر أن «الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠ / ١٠٤)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، بلفظ: «مَا يزالُ الرجلُ يسألُ الناس..» الحديث. ]] -والعياذ بالله- يكون وجهه يوم القيامة مقشرًا؛ لأنه مثل ما أذل وجهه لعباد الله عوقب بذلك بهذه العقوبة العظيمة في هذا المشهد العظيم، وقد بايع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه من جملة ما بايعهم عليه: «أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، فكان الواحد منهم يسقط سوطه من ناقته فينزل ويأخذه ولا يقول لأخيه: أعطني سوطي »[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، بلفظ: ولا تسألوا الناس شيئًا، فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النَّفَر يَسقطُ سوطُ أحدِهم فما يسألُ أحدًا يناولُهُ إيّاه.]].
ولا شك أن التنزه عن السؤال فيه عفة النفس والعزة والكرامة، وأما السؤال ففيه الذل للمخلوق، والإنسان السائل لا شك أن المسؤول مهما كان في الكرم وفي الحياء وفي الجود ينزل عنده هذا السائل تنزل قيمته وينحط من عينه؛ ولهذا لا يجوز السؤال إلا في الحاجة الملحة، الحاجة الملحة التي لا بد منها يسأل الإنسان، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلْ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[أخرجه مسلم (١٠٤١ / ١٠٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
ثم اعلم أن السؤال نوعان: سؤال بلسان المقال، وسؤال بلسان الحال، أما السؤال بلسان المقال: فظاهر يجيء الإنسان إليك ويقول: أعطني كذا وكذا، وأما السؤال بلسان الحال، فأن ترى شخصًا عفيفًا لا يسأل لكنك تعرف حاجته أو تجده مثلًا يخطم أمامك ويدور حولك، فهذا ما سأل بلسان المقال لكنه سأل بلسان الحال.
فإذا قال قائل: إذا كان مؤتي المال للسائلين من أهل البر وأنتم حذرتم من السؤال من سؤال الناس، فكيف يتفق هذا وهذا؟
فالجواب: لا معارضة؛ لأن الجهة منفكة؛ فالممدوح المعطي، والمحذَّر السائل المعطَى، فإذا انفكت الجهة فلا تعارض، فلو رأيت أحدًا مبتلًى بهذه المهنة -وهي مهنة سؤال الناس- فأعطه إذا سألك ثم انصحه وحذره؛ لتكون مؤتيًا للمال وناصحًا للسائل، مؤتيًا للمال من أجل السؤال، وناصحًا للسائل؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- تعلم علم اليقين أو يغلب على ظنك ظن المؤكد بأنه غني، وأنه إنما يسأل الناس أموالهم تكثرًا، فأنت إذا أعطيته ستغريه لا شك يذهب ويسأل غيرك، لكن أعطه لتكون ممن آتى المال السائلين، وانصحه لتكون من الناصحين.
وقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ شوف ما قال: وآتى الرقاب قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ لأن المال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة، من يعطى؟ يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ(في) الدالة على الظرفية.
واعلم أن الرقاب ذكر أهل العلم أنها ثلاثة أنواع: عبد مملوك تشتريه وتعتقه، مكاتب اشترى نفسه من سيده فأعنته في كتابته، أسير مسلم عند الكفار فافتديته، وكذلك لو أسر عند غير الكفار مثل ها اللي يختطفون الآن -والعياذ بالله- إذا طلب المختطفون فدية، قالوا: ما نفكه إلا بهذا، فإنه يفك من الزكاة؛ لأن فيها فك رقبة، فك رقبة من القتل.
* طالب: القاتل؟
* الشيخ: لا، القاتل لا، القاتل ما يدخل فيه.
قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾.
نرجع مرة ثانية إلى ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إذا آتى المال على غير حبه فهل يكون بارًّا؟ يعني: إنسان غني يتصدق بالمال ما يهمه يروح منه مئة ألف أو مئة ريال من أهل البر ولَّا لا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه ما مثل الأول، بر ناقص، فالبر الكامل أن يؤتي الإنسان المال على حبه ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢]، فظاهر الآية أن البر الكامل ما ينال إلا بهذا إذا آتى المال على حبه.
فإذا قال قائل: ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ هذا القيد لا معنى له؛ لأن المال كله محبوب إلى الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨]، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]؟
قلنا: الجواب على ذلك: أن حب المال على سبيل العموم هذا في كل نفس، لكن المراد هنا: آتى المال المعين على حب ذلك المال المعين، فهمتم؟ ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ذلك المال المعين ولا المال كله محبوب للإنسان، لكن أنا مثلًا عندي عشر ورق من فئة المئة، أيهم أحب علي؟
* الطلبة: كلهم واحد.
* الشيخ: كلهم واحد، لكن مجموعهن محبوب إلي ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: محبوب إلي، لا شك، لكن عندي أعيان غير نقد، عندي مثلًا مسجل من هذا النوع وساعة من هذا النوع وسيارة من هذا النوع أحبهم يكون هذا حبًّا خاصًّا ولَّا لا؟ هذا حب خاص غير حب المال العام، وهذا هو المراد بالآية الكريمة هذه وبقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ فلهذا كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به.
مرة ثانية عودة إلى الآية قوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
ظاهر الآية الإطلاق وأن الحكم معلق بالوصف، فالقريب ولو كان كافرًا إذا أعطيته المال فأنت محمود على ذلك، وكذلك اليتيم والمسكين وابن السبيل والسائل وفي الرقاب، فظاهر الآية العموم لأنها لم تقيد، لكنها في الحقيقة ليست على عمومها، بل هي خاصة بالمسلم والكافر غير المقاتل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨]، هذه الآية اختلف أهل العلم هل هي منسوخة ولا محكمة، والصحيح أنها محكمة وأن الأصل عدم النسخ، ولكن بشرط أن لا يكونوا يقاتلوننا، سواء يقاتلوننا بأنفسهم بأن يكون هذا الرجل المعين مقاتلًا، أو يقاتلونا بحكمهم يقاتلوننا حكمًا، مثل أن يكونوا من دولة تقاتل المسلمين؛ لأن الذي من دولة تقاتل المسلمين مستعد للقتال حكمًا، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا أمرته دولته بقتال يلبي ولَّا لا؟
* الطلبة: يلبي.
* الشيخ: يلبي، وعلى هذا فإذا كان الكافر من دولة محاربة للمسلمين، فإنه لا يجوز بره ولا إعطاؤه المال؛ لأن مثل هذا ما دام حربًا للمسلمين، فإن المسلم يريد إعدامه كما أنه هو يريد إعدام المسلم وقتله، فهذا جزاءً وفاقًا وهذا العدل.
بقي علينا كلمة: ﴿فِي الرِّقَابِ﴾، إحنا ذكرنا أنها ثلاثة أنواع: مكاتب، والمملوك، والمأسور، لكن العلماء رحمهم الله خصوا المأسور بالمسلم، أما إذا كان غير مسلم فإنه لا يمدح مَن فك أسره؛ لأن ولاية المسلم أقوى من ولاية غير المسلم، ويمكن أن نقول: إن قول العلماء رحمهم الله تخصيص هذا في المسلم هذا بالنسبة للزكاة؛ لأن الزكاة ما تعطى غير المسلم بخلاف التطوع، فإنه يجوز أن يفك منها أسير ذمي، لو فرض أن هناك أسيرًا ذميًّا وأنه إن لم ينفع المسلمين ما ضرهم، فلا حرج من أن يفك.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟
* الطلبة: ﴿مَنْ آمَنَ﴾.
* الشيخ: على ﴿مَنْ آمَنَ﴾؟
* الطلبة: إي نعم. إذن ﴿وَأَقَامَ﴾ معطوف على آمن اللي هي صلة الموصول.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ الصلاة المراد بها الفرض والنفل، وإقامتها بمعنى الإتيان بها مستقيمة، بأن أقام الشيء جعله قائمًا مستقيمًا، وليس المراد بأقام الصلاة يعني: الله أكبر الله أكبر الإقامة المعروفة، المراد به أيش؟ الإتيان بالصلاة مستقيمة، كما تقول: أقمت الجدار، أقمت العصا، أقمت فلانًا: جعلته يقف حتى يكون مستقيمًا.
وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ (أل) هذه للعهد أو للعموم؟
* الطلبة: للعموم.
* الشيخ: للعموم؛ لأنها تشمل الفرض والنفل، واعلم أن الصلاة من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، فمعناها في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ١٠٣] أي: ادع لهم بالصلاة، فقل: صلى الله عليكم، هذا معنى ﴿صَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ولكنها في الشرع هي الصلاة المعروفة: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، يجب أن نقول: عبادة ذات أقوال، مع أن المعروف عند كثير من المعرفين لها يقولون: هي أقوال وأفعال معلومة مفتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وهذا لا شك أنه قاصر، بل يجب أن نقول: عبادة؛ ولهذا لو جاء إنسان يعبث وكبر وقرأ وركع وسجد وسلم، يصير مصلي شرعًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يكون مصليًا، إنما لا بد أن تكون عبادة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (آتى) بمعنى أعطى، (آتى) يعني أعطى، والزكاة أيضًا من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، الزكاة في اللغة: من زكا يزكو، أي: نما وزاد، وصَلُح أيضًا، والزكاة في اللغة أيضًا بمعنى الصلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩] أي: أصلحها وقومها.
لكنها في الشرع الزكاة هي: التعبد ببذل مال واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة، هذه هي الزكاة، وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال وتنمي الثواب، تنمي الخُلق كيف؟
* طالب: يصير كريمًا..
* الشيخ: نعم، يكون بها الإنسان كريمًا من أهل البذل والجود والإحسان، وهذا لا شك أنه من أفضل الأخلاق شرعًا وعادة، وتنمي المال، تنمي المال كيف؟ أنا عندي مئة ريال أخذت منها ريالين ونصف بقي عندي سبع وتسعين ونصف نقص المال كيف يصير تنمي؟
* الطلبة: بالبركة.
* الشيخ: نقول: نعم، تنمي بالبركة والحماية والحفظ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» »[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ما يمكن تنقصه يعني: لو لم تخرج هذا القدر من المال ربما يأتيه آفات، تبيع وتشتري وتخسر، ربما تصاب أنت أو أهلك بأمراض تحتاج إلى علاج فيفنى كل ما عندك، ربما يأتي سارق ويسرقه، ربما تودعه عند إنسان فيجحده، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لكن الزكاة حماية له وحفظ وبركة، من بركة المال تشتري بعشرة ريالات ثوب، ربما إذا كنت لا تزكي يتمزق بسرعة، وإذا كنت تزكي ينزل الله فيه البركة ويبقى سنتين ثلاث صح على حسب الحال.
* طالب: عندي ثوب له أربع سنين يا شيخ..
* الشيخ: ما نقول شيئًا، هذا من البركة، المهم أن أنواع البركة التي تنزل في المال كثيرة، فلهذا قلنا: إن الزكاة تزكي المال. تزكي الثواب ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تزكي الثواب؟ نعم، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فوق ذلك، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام وصح عنه أن: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ أَوْ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبَّيهَا كَمَا يُرَبِّي الْإِنْسَانُ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» »[[أخرجه البخاري (١٤١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ».]]، وهي عدل تمرة تكون مثل الجبل، أليس هذا تزكية؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: بلى، والله تزكية، هذه التزكية الحقيقية، هذا اللي أزكى من أنك تعطي إنسانًا يضارب بمالك، هذا الذي تعطيه يضارب بمالك كم بيربح؟ خله يربح العشرة مئة أو يخسر، لكن هذه تقع في يمين الرحمن عز وجل، ونعم اليمين يمين الرب، فيربيها سبحانه وتعالى وينميها لك حتى تكون مثل الجبل، هذا الربح هذا الربح العظيم، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة ٢٤٥]. إذن سمي زكاة؛ لأنه يزكي المال والخلق والثواب.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ عندنا (آتى) تنصب مفعولين أين مفعولها الأول؟
* الطلبة: الزكاة.
* الشيخ: الزكاة، أين المفعول الثاني؟
* الطلبة: محذوف.
* الشيخ: محذوف، وأيش التقدير؟
* طالب: مستحقها.
* الشيخ: مستحقها، تمام، مستحقها، شوف ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ أتى بالمفعول الثاني ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾، هذه ﴿آتَى الزَّكَاةَ﴾ لم يأت بالمفعول الثاني لكنه محذوف معلوم، وأهل الزكاة تكفل الله عز وجل بقسمها عليهم فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة ٦٠] ثمانية فقط لا تحل لغيرهم.
﴿وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ هنا ما قال: وأوفى بع
هده، بل أتى بالجملة الاسمية؛ لأن الوفاء جبلة وخلق، لكن ما سبق أفعال يفعلها الإنسان أو لا؟ لكن هذه جبلة وخلق أن الإنسان يكون وفيًّا، وفيًّا بالعهد لكن إذا عاهد، ﴿إِذَا عَاهَدُوا﴾ (إذا) هنا مجردة من الشرطية فهي ظرفية محضة، يعني: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ وقت العهد، يعني: في الحال التي يعاهدون فيها، فإذا عاهدوا وفوا.
واعلم أن العهد عهدان: عهد مع الله عز وجل، وعهد مع الخلق، فالعهد الذي مع الله ما هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الإيمان به، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف ١٧٢]، وقال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به ربًا فنرضى بشريعته، بل بأحكامه الكونية والشرعية، هذا هو العهد الذي بيننا وبين ربنا.
أما العهد الذي بينك وبين الناس: فكثير أنواعه غير محصورة كثيرة جدًّا، منها: العقود، العقود من العهود، يعني: العقد اللي بينك وبين واحد عقد بيع، عقد إجارة، عقد رهن، أي عقد من العقود يعتبر هذا عهدًا لأني..
* طالب: عقد الزواج يا شيخ؟
* الشيخ: وعقد الزواج؛ لأني إذا عقدت معك، وأيش معنى عقدت معك؟ التزمت بما يقتضيه هذا العقد، إذن فكل عقد عهد، كل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٤].
ومن العهود بينك وبين الخلق: العهد المعروف وهو أن تجري عقدًا بينك وبين الكفار -مثلًا- أن لا يعتدوا عليك ولا تعتدي عليهم، مثل ما جرى من النبي ﷺ مع المشركين في؟
* طلبة: صلح الحديبية.
* الشيخ: صلح الحديبية هذا يسمى عهدًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٤]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٧]، هذا العهد الذي بيننا وبين أعداء الله وأعدائنا له ثلاث حالات: إما أن يستقيموا لنا، وإما أن يخونوا، وإما أن نخاف منهم الخيانة، فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم، بأي ما يمكن نخون أبدًا، وإن خفنا منهم الخيانة ننبذ إليهم على سواء ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨].
* طالب: شيخ، نحاربهم؟
* الشيخ: لا، تقول: (...) عهد، تخبرهم أنه لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة.
وأما من خانوا فماذا نصنع معهم؟ نقاتلهم؛ لأنهم هم الذين نقضوا العهد، مثل ما فعلت قريش في العهد الذي جرى بينهم وبين الرسول ﷺ في الحديبية؛ لأنهم نقضوا العهد حيث أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ، يعني هم -قريش- غدروا أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ، وهذا نقض للعهد بلا شك؛ لأن حلفاء الرسول معناه أن الرسول يكون معهم على من ناوأهم، فلما نقضوا العهد حاربهم النبي ﷺ، من العهد أيضًا ما يقع بين الإنسان وبين غيره في الالتزامات غير العقود وغير العهود، مثل الوعد، فإن الوعد من العهد؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب الوفاء بالوعد أو لا يجب؟ والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب الوفاء بالوعد، أن الوفاء بالوعد واجب؛ لأنه داخل في العهد؛ إذ إنني إذا قلت: سآتيك غدًا في الوقت الفلاني، معناه تعهدت بذلك، فيجب الوفاء بالوعد؛ ولأن إخلاف الوعد من علامات النفاق، وإذا كان كذلك فهل نقول: إنه يجوز للمؤمن أن يتحلى بأخلاق المنافقين؟ إذا قلنا: لا، معناه صار الوفاء بالوعد واجبًا، والسؤال المطروح الآن هل نحن قائمون بهذا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: نعم؟ نسأل الله العفو.
* طالب: ليس على الإطلاق.
* الشيخ: ليس على الإطلاق، في كل وقت ولا في كل إنسان، إنما من المؤسف أنه من المعروف عند الناس أن المسلمين أقل الناس وفاء بالوعد، حتى إن بعض -والعياذ بالله- المخدوعين إذا بغي يؤكد الوعد يقول: شوف ترى وعد إنجليزي -شوف أعوذ بالله- يعني: أن وعد الإنجليز ما يخلف دقيقة، الصواب أن نقول: ترى وعد مؤمن، ما هو إنجليزي، الإنجليزي ما أخذ هذه الأخلاق إلا من المؤمنين، وإلا فإنه كافر، يعني ما نقول: كل الإنجليز، يعني الكافر منهم، لكن مع الأسف إن عندنا نحن إخلاف الوعد أمر هين، وأما التقدم أو الغالب التأخر فهو أمر لازم إلا ما شاء الله، يواعدك الساعة اثنا عشر ويجيء الساعة اثنا عشر ونصف يا أخي (...) قال: هي بس نصف ساعة، هذا غلط حاول أنك تأتي بالموعد المحدد؛ لأنه قد يكون عطل أشغال أو ما أشبه ذلك، والله أعلم.
(...) ﴿وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾..
قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ هذا فيه إشكال من حيث الإعراب؛ لأن الذي قبله مرفوع وهو غير مرفوع، فلماذا؟
* طالب: للاختصاص.
* الشيخ: التقدير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول بعض العلماء: إنه منصوب بفعل محذوف تقديره: وأخص الصابرين، وحينئذ نقول: لماذا عدل به عن العطف كأخواته السابقة؟ نقول: الحكمة أو البلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه، فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد غفل ولها وصار كأنه شيء يدرج به ولا يلتفت، فإذا تغير الأسلوب فإنه يوجب الانتباه، وهذا مثل ما قلنا في شيء يمر علينا كثيرًا، وهو الالتفات، فإنه بتغير الأسلوب يتوجب على المخاطب أو القارئ أن ينتبه.
ثم إن هنا ﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ الصبر في الواقع ليس بذل شيء ولكنه تحمل شيء، وما سبق كله بذل شي فهو مختلف من حيث النوع، من حيث النوع مختلف، شوف من آمن، وأقام، وآتى المال، وأوفى بالعهد، كل هذه أفعال، لكن ﴿الصَّابِرِينَ﴾ هذا ما هو فعل ما هو بيبذل الإنسان شي لكنه يتحمل.
وقوله: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: فلان قُتل صبرًا، أي: حبسًا، وأما في الشرع: فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره، عرفتم؟ فإذن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: أيهما أفضل؟ أفضلها الصبر على الطاعة، هو أفضلها؛ لأنه جهاد وعمل، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الصبر على الطاعة ومصابرتها وعمل، ويليها الصبر عن المعصية؛ لأنه كف، كف للنفس وليس فيه إيجاد، وإن كان في بعض الأحيان الصبر عن المعصية أشق من الصبر على الطاعة (...) تفلت به، السبب؟ لأنه قدر كائن، كائن غصبًا عليك رضيت أو ما رضيت، لكن كف نفسك عن الفجور هذا باختيارك إن شئت كففت وإن شئت لم تكف، صبر نفسك على الطاعة كذلك باختيارك، فأفضلها الصبر على الطاعة، ثم عن المعصية، ثم على الأقدار؛ ولهذا قال أهل العلم: إن صبر يوسف عن الفحشاء بامرأة العزيز إنه أقوى من صبره على ما أصابه من إخوته، أو لا؟ وأصابه من إخوته أنهم ألقوه في غيابت الجب وحصل له ما حصل.
﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ البأساء: شدة الفقر، ومنه البؤس يعني: الفقر، والثاني الضراء: المرض، والثالث حين البأس: شدة القتال، فهم صابرون في أمور لهم فيها طاقة وأمور لا طاقة لهم بها.
﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ يعني: في حال الفقر، لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، بل يصبرون عن المعصية لا يسرقون ولا يخونون ولا يكذبون ولا يغشون، وهذا صبر عن أيش؟
* طالب: عن المعصية.
* الشيخ: عن المعصية، ولا يحملهم الضراء -المرض وما يضر أبدانهم- لا يحملهم ذلك على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره، بل هم دائمًا يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا..
* طالب: هذا (...)؟
* الشيخ: نعم.
كذلك ﴿حِينَ الْبَأْسِ﴾ حين شدة القتال يصبرون ولا يولون الأدبار، وهذا صبر على أيش؟ على الطاعة، صبر على الطاعة، فتضمنت هذه الآية الصبر بأنواعه الثلاثة: صبر عن المعصية، وعلى الأقدار المؤلمة، وأيش عليه؟ وعلى الطاعة.
﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ تقدم لنا أن قلنا: إن المصاب بالأقدار المؤلمة له أربع مراتب، أيكم الذي يذكرها؟ من وقع به ما يضره ويؤلمه فله أربع مقامات أو أربعة مقامات؟
* طالب: أولًا: يفرح فقط يفرح (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: يرضى.
* الشيخ: زين.
* الطالب: وثانيًا: يصبر يعني..
* الشيخ: يصبر، اترك يعني، خل التفسير بعدين، وثالثًا؟
* الطالب: وثالثًا..
* الشيخ: نعم؟
* طالب: يشكر.
* الشيخ: وثالثًا: يشكر، ورابعًا؟
* طالب: يصبر.
* الشيخ: ذكرها.
* الطالب: يجزع.
* الشيخ: يجزع ويتسخط، المصاب بالأقدار له أربع حالات أو أربعة مقامات، أولًا: أن يتسخط ولا يصبر يتسخط، والثاني: أن يصبر، والثالث: أن يرضى، والرابع: أن يشكر، أربعة مقامات، السخط محرم والصبر واجب، والرضا فيه خلاف والصحيح أنه مستحب، والشكر مستحب.
الفرق بين الرضا والصبر؟ الصبر: يكره هذا الشيء ويتألم منه ويراه مرًّا لكنه يصبر لا يتسخط لا بقوله ولا بفعله ولا بقلبه، عرفتم؟ لكنه كاره، والرضا: أن لا يكره هذا الشيء، ولكنه يعنى لا فرق بين أن يصاب بهذا الأذى أو لا يصاب هو متحمل وراضٍ ومطمئن، وهذا لا شك أنه أعلى من الصبر أو لا؟ ما هو بأعلى من الصبر؟ لأنه متضمن للصبر وزيادة.
أما الشكر فهو أعلى من ذلك أيضًا، ولكن يقال: كيف يشكر وقد أصيب؟ نقول: نعم، يشكر وقد أصيب؛ لأنه إذا رأى ثمرة هذه المصيبة على الرضا بها يشكر الله على هذه النعمة، ثم إنه يشكر الله أيضًا حيث يرى أنه قد يصاب بأعظم، ليست المصيبة التي أصبت بها أهون مصيبة على الدنيا ولَّا لا؟ ولهذا يقول العامة: قس المصيبة بما هو أعظم منها يتبين لك سهولتها، وهذا صحيح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ما شاء الله، هذه شهادة من الله عز وجل، شهادة وأعلى أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد سبحانه وتعالى، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات، ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ صدقوا بأيش؟
* طالب: الله.
* الشيخ: صدقوا الله وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة وغير ذلك، فصدقوا صدقوا الله عز وجل، والصدق -كما تعرفون- هو موافقة الشيء للواقع، فالقائل عن المخبر بشيء إذا كان خبره موافقًا للواقع صار صادقًا، والعامل اللي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص صار عمله صادقًا؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباء صادقًا، والمنافق كاذب، المنافق المرائي بعمله كاذب؛ لأن عمله لا ينبئ عما في قلبه؛ إذ إن ظاهر عمله الإخلاص وهو غير مخلص خلاف ذلك، هؤلاء هم الذين صدقوا، صدقوا فيما أضمروه بقلوبهم، وفيما نطقوا به بألسنتهم، وفيما قاموا به بجوارحهم، صدق، صدق من أكمل الصدق، وقد قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]..
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحزاب ٨]، هذه ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وهذا الصدق فيما أظهروه وأعلنوه.
ثم قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: القائمون بالتقوى، والتقوى هي: اتخاذ الوقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وتأمل كيف جاءت هذه الجملة بالجملة الاسمية المؤكدة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الجملة اسمية في دلالتها على؟
* الطلبة: الثبوت.
* الشيخ: الثبوت والاستمرار؛ لأن الجملة اسمية تدل على أنها صفة ملازمة للمتصف بها، وهي مؤكدة هذه الجملة بماذا؟
* طالب: بـ(هم).
* الشيخ: بضمير الفصل (هم)؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: فائدة لفظية تتعلق بالإعراب، وفائدتان معنويتان، الفائدة اللفظية التي تتعلق بالإعراب هي؟
* طالب: أنه مؤكد.
* الشيخ: لا، هذه معنوية.
* طالب: (...) خبرًا يدل على أنه..
* الشيخ: أنه يفصل بين الخبر والنعت.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يفصل بين الخبر والنعت، ويبين أن ما بعده خبر لا نعت، الفائدتان معنويتان: أنه يفيد التوكيد، هذه واحدة، ثانيًا: يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، نضرب مثلًا: إذا قلت: زيد الفاضل، كلمة (الفاضل) في هذا السياق هل تتعين أن تكون خبرًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لجواز أن يكون المعنى: زيد الفاضل خير الناس -مثلًا-، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإذن يمكن أن تكون (الفاضل) هذه صفة لا خبرًا، فإذا قلت: هو الفاضل، زيد هو الفاضل؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: تعين أن تكون خبرًا، إذا قلت: زيد هو الفاضل، فهو أوكد من قولك: زيد الفاضل أو لا؟ أوكد في إثبات الفضل له، إذا قلت: زيد هو الفاضل أفاد أن غيره لا يشاركه في هذا الوصف، لأنك تقول: هو، هو لا غيره، هو الفاضل، فهذه فوائد ضمير الفصل.
وهل هذا الضمير له محل من الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه خلاف، بعضهم قال: إن محله ما قبله، محله من الإعراب محل ما قبله، وبعضهم قال: إنه حرف لا محل له من الإعراب؛ ولهذا يسميه الكوفيون يسمونه حرف عماد، يعني: تعتمد عليه الجملة وليس له محل من الإعراب، وهذا هو المعروف، فيقولون: هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ هؤلاء جمعوا بين البر والتقوى، البر بالصدق، والتقوى بهذا الوصف ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِّرِّ، وَإِنَّ البِّرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) بمثله دون أوله.]]، فجمعوا بين البر والتقوى، وهذا ما أمر الله في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢].
* طالب: هنا الترتيب هذه الآية ما فيه ترتيب يعني البأساء، الضراء، حين البأس صار يختلف عن الترتيب..
* الشيخ: إي، يختلف؛ وذلك لأن الانتقال من الأسهل إلى الأشد، الفقر أسهل على الإنسان من المرض أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: والمرض أهون عليه من القتال، فهو انتقال من الأسهل إلى ما فوقه.
* طالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة للبعيد؟
* الشيخ: إي، الإشارة للبعيد هنا لعلو المرتبة، الإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبته؛ ولهذا شوف ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وكرر الإشارة مرة ثانية، كل هذا من باب التأكيد والمدح والثناء، كأن كل جملة منها -من هاتين الجملتين- مستقلة، ما قال: أولئك الذين صدقوا والمتقون أو واتقوا بل ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وقد قلنا: إن الإشارة للبعيد لعلو المرتبة في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، ولا قال: هذا الكتاب.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة ١٧٨] هذا النداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قلنا: إن افتتاح الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المخاطب، فهمتم؟
ثم نداؤهم بهذا الوصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فائدته له ثلاث فوائد، أولًا: الإغراء والحث، فإن وصفهم بالإيمان يفيد إغراءهم وحثهم على التزام ما ذكر الله عز وجل، هذه واحدة، الفائدة الثانية: أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان، يا أيها الذين آمنوا كذا وكذا، معناه أن هذا من مقتضى الإيمان، الثالث: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ ولهذا خوطب به المؤمن، فإذا لم يقم بذلك معناه أن إيمانه ناقص ما يستحق أن يوجه إليه هذا الخطاب.
فعندنا الآن بحثان -يا جماعة-: البحث الأول: تصدير الحكم أو تصدير توجيه الأحكام بالنداء، وأيش يفيد؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: الاهتمام، لماذا؟ وجه ذلك؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لأنك إذا ناديته معناه أنك دعوته إلى أن ينتبه، والشيء الذي يدعى للانتباه به معناه أنه ذو أهمية يجب التنبه له.
وجعل الخطاب معلقًا بوصف الإيمان يفيد ثلاث فوائد، الأولى؟
* طالب: الإغراء والحث.
* الشيخ: الإغراء والحث. الثانية؟
* طالب: وصف الإيمان، أغراهم بوصف الإيمان.
* الشيخ: لا، ذكرنا هذا. الثاني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن ذلك من مقتضيات الإيمان.
* الشيخ: أن هذا من مقتضيات الإيمان، والثالث؟
* طالب: أن عدمه نقص في الإيمان.
* الشيخ: نقص في الإيمان صحيح، أن مخالفته نقص في الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ذكر أهل العلم أن غالب السور المدنية يكون فيها الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمكية؟
* الطلبة: بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* الشيخ: بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، لكن هذا ليس على إطلاقه، هذا إن قلنا فإنما نقول: إنه أغلبي؛ لأن سورة البقرة مدنية بالاتفاق وفيها؟
* الطلبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ صح ولَّا لا؟ سورة الحجرات مدنية بالاتفاق، ومع ذلك فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وفي سور كثيرة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهي مكية، وعلى هذا فنقول: هذا الذي ذكره بعض أهل العلم إنما هو على سبيل الأغلبية فقط، إن صح ذلك.
* طالب: شيخ، بالنسبة لـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مكية؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) أنا بحثت ما وجدت.
* الشيخ: ما وجدت؟ سورة الحج وأيش؟
* الطالب: الحج مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: (...) المصحف أنها مدنية.
* الشيخ: إي، فيها فيها، أنا متأكد، بس أنا ما أحفظ المكيات من المدنيات لكن متأكد أن فيه مدنيات فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* طالب: في بحثي أنا ما وجدت.
* الشيخ: لا، فيه فيه ابحث وتجد.
* طالب: يعني مدنية تبدأ بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* طالب آخر: مكية.
* الشيخ: لا، مدنية فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الطلبة: مكية.
* الشيخ: مكية فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* طالب: ما أعرف شيء فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
* الشيخ: وفيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* الطالب: إي، لكن يعني حسب قول العلماء يقولون: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مدنية.
* الشيخ: إحنا قلنا: هذا غير صحيح في ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، في ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيضًا غير صحيح؛ لأن فيه سورًا مكيات وفيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، تأملوها إن شاء الله تلقونها، وكلنا إن شاء الله نبحث فيها بعد.
* طالب: الحج ما هي مكية؟
* الشيخ: الحج أنا أتصور مكية شوف المصحف.
* طالب: في المصحف مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: (...) مثلًا مكية يقول: مكية إلا من آية كذا إلى كذا.
* طالب آخر: مدنية.
* الشيخ: مدنية؟
* طالب: كل الآيات وبين قوسين (...) ٥٤، (...) بين مكة والمدينة.
* الشيخ: هذه كلها غالبًا ما عليها دليل، إحنا نقول: إن السورة المكية إذا لم يذكر إنسان دليلًا على أنه مستثنى منها شيء، وإلا فهي مكية.
* طالب: فمن هذا اللي واضع (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنهم من المفسرين والقراء.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
البقرة 2:180
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠].
أولًا: في الإعراب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه فعل مبني للمجهول، فأين نائب الفاعل؟ الوصية. وفيه أيضًا إشكال نحوي وهي أن ﴿كُتِبَ﴾ فعل ماضٍ غير مؤنث و﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مؤنثة فما هو السبب في أنه ترك التأنيث؟
* طالب: الفصل.
* الشيخ: نعم، الفصل، هل هناك علة أخرى؟
* طالب: هذا زائد يعني ليس التأنيث ليس واجبًا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأنه يعني الضمير، يعني ليس في الفعل يتصل بالفعل ضمير يعود على هذا.
* الشيخ: الحكم صحيح والتعليل غير صحيح.
* طالب: لأن تأنيثه غير حقيقي.
* الشيخ: غير حقيقي، هل عندك شاهد من كلام ابن مالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يصلح؛ لأن القصد منه جوابًا (...) فرض على الإنسان الوصية للوالدين والأقربين، فما رأيك في هذه الآية أمحكمة أم منسوخة؟ قال الله عز وجل: في مناقشة قبل هذه، لو قال قائل: إن الله فرض الفرائض قال: للأم السدس، للأب السدس، للزوجة الثمن أو الربع أو ما أشبه ذلك، ولو أوجبنا الوصية ما كان لهم السدس كاملًا؛ لأن المال سينقص بمقداره؟ فما هو الجواب؟
* طالب: الجواب أن الله سبحانه وتعالى قد أوصى، قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ١١].
* الشيخ: أوصى؟
* الطالب: يعني: أن نخرج الوصية إذا كان هذا الميت قد أوصى بشيء.
* الشيخ: أنه ذكر هذه السهام من بعد؟
* الطالب: من بعد الوصية.
* الشيخ: من بعد الوصية، زين.
* طالب: شيخ، بالنسبة للوالدين (...).
* الشيخ: قلنا: إنه ما يوصى لهم بما يرغبوا؛ لأن المال يكون لغيرهم، والله يقول: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾، واللام للتمليك وهما؟
* الطالب: بس (...).
* الشيخ: لا ما له علاقة؛ لأن هذه وصية للتمليك ما هي نفقة وصية للتمليك، فما دام أن الله قال: للوالدين واللام للتمليك، فإنه مثل قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١١]، وإذا كانا رقيقين لم يرثاه.
* طالب: (...).
* الشيخ: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (2379)، ومسلم (1543 / 80) من حديث عبد الله بن عمر، ولفظ البخاري: «منِ ابتاعَ عبدًا ولهُ مالٌ فمالُهُ لِلذِي باعَهُ».]].
* الطالب: لا، بالنسبة للآية، ما دلت على أنه..؟ اللام، وأيش قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾. وأيش اللام؟
* الطالب: للتمليك.
* الشيخ: طيب.
* طالب: بس ما يفيد عن كونهما والدين.
* الشيخ: لا، الآن مثلا قال الله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ في الميراث: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١١]. لكل واحد منهما السدس إذا مات الابن، طيب لو كانا رقيقين؟
* طالب: الأبناء؟
* الشيخ: الآباء. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾، لو كانا رقيقين؟
* طالب: مَن؟
* الشيخ: هما الوالدان، مات ميت عن أبوين رقيقين يرثان ولَّا لا؟
* طالب: والله هذه اللي مرت علينا (...).
* الشيخ: (...) مرت علينا.
وَيَمْنَعُ الْإِرْثَ عَلَى الْيَقِينِ ∗∗∗ رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلَافُ دِينِ
والسبب في ذلك أن الرسول ﷺ جعل مال المملوك لمالكه: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْمُبْتَاعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2379)، ومسلم (1543 / 80) من حديث عبد الله بن عمر.]].
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٨١]. الفاء هذه عاطفة، و﴿مَنْ﴾ شرطية، و﴿بَدَّلَ﴾ فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ الجملة؟ جواب الشرط واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ هذا إظهار في موضع الإضمار وإلا كان مقتضى السياق أن يقال: فإنما إثمه عليه؛ أي: على المبدل. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ للتهديد.
نرجع إلى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ ﴿بَدَّلَهُ﴾ أي: بدل الإيصاء أي: المفهوم من الوصية وإلا فقد يقول قائل: الوصية مؤنثة، والهاء في ﴿مَنْ بَدَّلَهُ﴾؟ مذكر فكيف عاد المذكر على المؤنث؟ نقول: إنه يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿وَصِيَّةٍ﴾ وهو الإيصاء أي: فمن بدل الإيصاء، فقوله: ﴿بَدَّلَهُ﴾ أي: غيره بنقص أو زيادة أو منع، هذا التبديل إما أن ينقص أو يزيد أو يمنع، إن نقص فالضرر على من؟ الموصى له، وإن زاد فعلى الورثة، وإن منع فعلى الموصى له كل هذه الصور الثلاث تدخل في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾.
وقوله: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ بعد ما سمعه، قال أهل العلم: عبر بالسمع عن العلم؛ لأن السمع من الحواس الظاهرة والعلم من التصورات الباطنة أي: فمن بدله بعد أن يعلمه علم اليقين كما لو سمعه بنفسه، كما لو سمعه بنفسه، ومعلوم أن العلم بالوصية لا يتوقف على السماع قولك؟ قد يكون بالكتابة، وقد يكون بشهادة شهود، وهو ما سمع الموصي، وما إلى ذلك، لكنه كأنه -والله أعلم- عبر بالسمع ليفيد أنه تيقنه كالمسموع لديه ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾، أما من بدل جاهلًا ولم يعلم فلا إثم عليه، لكن عليه الضمان فيما لو تبين أن الوصية على خلاف ما تصرف فيه؛ لأن الواجب عليه أن يتثبت في التصرف لمال غيره.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فإنما إثمه، إثمه الضمير يعود على التبديل، يعني فهذا الإثم يعود ما هو على الموصي ولا على الورثة، يعود على المبدل ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي: يغيرونه، وفائدة الإظهار في موضع الإضمار هنا فائدته الإشارة إلى بيان علة، الإشارة إلى بيان العلة، وإذا كان الأقربون وارثين فإنه لا وصية لهم، إذا كانوا غير وارثين فإنها تجب الوصية لهم، وعلى هذا فتكون الآية من باب المخصوصات لا من باب المنسوخات.
وقد تقدم لنا مرارًا أنه كلما أمكن الجمع حرم العدول إلى النسخ؛ لأن النسخ معناه عدم العمل بأحد الدليلين وهو المنسوخ؛ يعني يلغى ويرفع من الشريعة، والتخصيص عمل بهما جميعًا، ولكن يرفع حكم العموم عن بعض أفراده بمقتضى الدليل المخصص، واضح ولَّا لا؟ وهذا لا شك أنه أولى كوننا نعمل بالنصوص الشرعية كلها لا شك أنه هو الواجب بدلًا من أن نلغي هذا النص ودلالته وحكمه، وإلى هذا ذهب ابن عباس وطائفة من أهل العلم على أن الآية محكمة غير منسوخة لكنها مخصوصة، وهذا وهو الذي نراه وندين الله به، يعني الله أكد هذه الوصية بما رأيتم، فكيف نقول: إنها منسوخة، وهذا تأكيد ﴿كُتِبَ﴾ هذا خبر ما هو أمر بعد ﴿كُتِبَ﴾ وإن كان خبرًا بمعنى الأمر؛ لأن معناها فرض، لكن مثل هذه التأكيدات في هذا الحكم ثم ينسخ هذا شيء فيه بعد، فإذا قال قائل: كيف يكون الوالدان غير وارثين؟ نقول: ممكن، لو كان أبوك رقيقًا يرث ولَّا ما يرث؟
* طالب: ما يرث.
* الشيخ: ما يرث، لكن مع ذلك ما نقول بالوصية له؛ لأنك لو وصيت له أخذها سيده فلا يستفيد. لكن لو كان الأب مخالفًا لك في الدين؟ يرث ولَّا لا؟
* طالب: لا يرث.
* الشيخ: لا يرث، فتوصي له، لو كان الوالد قاتلًا قتلًا خطأ على القول بأن قتل الخطأ يمنع من الميراث يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
* طالب: يمكن.
* الشيخ: يمكن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: افرض مثلًا أن هذا الرجل مع أبيه، والأب هو السائق وحصل حادث على السيارة بسبب تفريط الأب، ثم إن الولد أُصيب بالحادث لكنه ما مات في الحال، دخل المستشفى وبقي يومين ثلاثة أربعة ثم مات من الحادث، على المشهور من المذهب الوالد يرث ولَّا ما يرث؟ لا يرث، هذا الابن أوصى لأبيه في هذه الحال يصح ولَّا لا؟ يصح؛ لأنهم غير وارثين والرسول ﷺ يقول: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (2870)، والترمذي (2120) من حديث أبي أمامة الباهلي.]] فقط، كذلك بالنسبة للأقربين واضح أوضح وأوضح فإن أخاك مع أبيك لا يرثك، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وهو من أقرب الناس إليك فتوصي له، فإن قال قائل: إن الله فرض للأب السدس مثلًا، وللأم السدس، وللزوجة الربع، وللزوج النصف وما أشبه ذلك، وهذا يقتضي أن يكون لهم السدس كاملًا، ومع تنفيذ الوصية لا يكون لهم إلا سدس ناقص بقدر الوصية؟ قلنا: إن الله صرح بأن لهم هذا السهم ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وعلى هذا فلا إشكال في الآية، لا إشكال في تقدير أنصباء الورثة، وهذا القول هو الذي به تجتمع الأدلة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا مرض أن يوصي ولو بشيء قليل من ماله لأقاربه، واعلم أن صلة الرحم والأقارب من أفضل الأعمال اللي تقرب إلى الله، فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أنها أعتقت جارية لها فقال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (2592)، ومسلم (999 / 44)]] شوف، جعل الرسول أفضل منين؟ من العتق، فلا تظن أنك مثلًا إذا أوصيت بثلثك يجعل (...) وما أشبه ذلك من الأشياء التي قد يكون ما يترتب عليه من المفاسد في المستقبل أكثر من مصالحها، لا تظن أن هذا أفضل من كونك توصي لأخيك الذي لا يرث، ولأختك التي لا ترث، ولجدتك التي لا ترث، وما أشبه ذلك، هذا الأخير أفضل لا شك؛ لأنه من صلة الرحم، ثم إن الآية هذه صريحة ولا أعلم لمن قال بالنسخ وجهة في أدلتهم أبدًا.
* طالب: لو قيل دائمًا إن الحالات التي ذكرتها الآن ليست على الوجوب؛ لأن كتب بمعنى (فرض)، بل هي على سبيل الجواز، فعلى أي وجه يكون الجواب؟
* الشيخ: لا، نقول: على سبيل الوجوب، كيف على سبيل؟
* طالب: على سبيل الوجوب الذي والده كافر؟
* الشيخ: نعم، لأن الله قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان ١٥]. فالكافر إذا صار قريبًا له حق القرابة.
* طالب: شيخ، تعبير البعض يعني: بعض العلماء أجدهم يعني في هذه الآية يقول: نسخ بعضها، هذا التعبير يعني..؟
* الشيخ: هذا التعبير صحيح، وقد يطلقه الأقدمون، هذا معروف في أساليب الأولين في القدامى من السلف يعبرون بالنسخ عن التخصيص وهو صحيح؛ لأن التخصيص فيه نوع نسخ فبدلًا من أن يكون الحكم شامل لكل الأفراد رفع الحكم عن بعض هؤلاء الأفراد فهو نسخ في حقهم، ثم قال الله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ [البقرة ١٨٠، ١٨١].
والنداء عليهم بهذا الأمر أو بهذه الجناية التي جَنْوَها، وهي أيضًا إشارة إلى العلة، وهي أيضًا تفيد التعميم يعني كل من بدل بما هو مؤتمن عليه فإنه عليه الإثم.
قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة ١٨١] أي: يبدلون أيش؟ الإيصاء، يبدلون الإيصاء، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الجملة هذه جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، وفائدتها التهديد، وكيف نقول في سميع عليم؟
بعضهم وزع هذين الاسمين فقال: سميع لوصية الموصي، عليم بتبديل المبدّل، فما رأيكم في هذا؟ وزَّع الاسمين على الموصِي وعلى المبدِّل فقال: سميع لوصيته، عليم بتبديل المبدل، وعندي أن الأوْلى أن تُجعَل على العموم؛ لأن الوصية قد لا تكون مسموعة، قد تكون مكتوبة، يكتبها الموصي، قد يكتبها بيده فلا تُسمَع فيكون مُتعلَّقها العلم، وكذلك التغيير تغيير الوصي، هل هو يعني لا يكون إلَّا بغير الصوت؟ قد يكون بالصوت قد يقول الوصي مثلًا: خذ يا فلان عشرين ألفًا وهو ما وصي له إلا بعشرة آلاف ريال، فيكون مصوتًا بصوت يُسمَع، فالصواب أن هذين الاسمين عائدان إلى الوصيِّ والموصي، فإذا قال قائل: ما وجه تعلُّق العلم بالموصي؟ نقول: وجهه ظاهر لأن الموصي قد يحيف في وصيته فيكون مهدَّدًا بماذا؟ بعلم الله، فيكون مهددًا بعلم الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* طالب: (...) ولولا تعميمها في كل آية (...).
* الشيخ: إي نعم، ها الأصل هو التعميم، ما دام أن التعليل تعقَّب جملًا أو أحكامًا فهو لها كلها هذا هو الأصل. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ هذان اسمان من أسماء الله عز وجل، أما السميع فيتعلق بجميع الأصوات كل الأصوات رفيعها وخافضها، المفهوم وغير المفهوم، ما من صوت وإن خَفِي إلا والله جل وعلا يسمعه، وقد تقدم لنا أن عائشة رضي الله عنها لما نزل قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] قالت: «تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ، وَإِنَّهُ لَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ حَدِيثِهَا»[[أخرجه النسائي (٣٤٠٦)، وابن ماجه (١٨٨، ٢٠٦٣)، وأحمد (٢٤١٩٥) من حديث عائشة.]]، والله جل وعلا من فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة التي تجادل الرسول ﷺ، ففي هذا دليل على إحاطة سمع الله بكل شيء.
وسبق لنا أن السمع ينقسم إلى قسمين: سمع إدراك، وسمع إجابة، وأن الإدراك كم؟ ثلاثة أقسام: تهديد، وتأييد، ومجرد الإدراك والإحاطة لا تهديد ولا تأييد، وأما سمع الإجابة فإنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي: مجيبه، وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العلم من أوسع ما يكون تعلقًا من صفات الله، من أوسع ما يكون، قال السفاريني رحمه الله:
وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا ∗∗∗ بِكُلِّ شَيْءٍ.........
يعني: من الواجب والجائز والمستحيل، كل شيء، فالله تعالى يعلم الواجب ويعلم الجائز ويعلم المستحيل، يعلم الواجب مثل أيش؟
* طالب: يعلم ذاته.
* الشيخ: نعم، يعلم ما يتعلق بذاته وصفاته، وما يجب له من صفات الكمال، ويعلم الجائز ما يتعلق بالمخلوقات الممكنات؛ لأن كل المخلوقات من قسم الممكن الجائز، ويعلم المستحيل مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢].
هذا مستحيل، مستحيل أن يكون في السموات والأرض آلهة سوى الله، ومع ذلك أخبر الله بأنه لو كان لفسدتا، إلى غير ذلك مما أخبر الله به عن الأمور التي لا يمكن أن تقع، مستحيلة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عِلْم الله عز وجل كما يتعلق في الظاهر يتعلق بالباطن ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥].
فإذا آمنت بأن الله تعالى محيط علمُه بكل شيء أوجب لك ذلك تمام الخشية منه والخوف، وأن لا يفقِدَك حيث أمرك ولا يجِدَك حيث نهاك.
* طالب: حين يجمع بين العليم والخبير، ما الفرق بينهما؟
* الشيخ: الفرق أنه يكون الخبير ببواطن الأمور والعليم بالظواهر.
* طالب: إذا قال الإنسان: أو لا، قال المجاوب: نعم؛ يعني: نعم لا؟
* الشيخ: لا، نعم ظاهر قصده ما هو بنعم لا، إذا قلت: هل هذا كذا أو لا؟
* طالب: على تقدير حرف نعم أو لا..
* الشيخ: نعم، الأول.
* طالب: شيخ، (...) ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لكل مسموع، سليم هذا التعبير ولَّا؟
* الشيخ: لا، الأحسن تقول لكل صوت؛ لأنه هنا أشياء لا نسمعه يسمعه الله.
* الطالب: سميعًا لكل سمع بالنسبة لله.
* الشيخ: لكل مسموع بالنسبة لله؟ لا، يصير هذا تحصيل حاصل؛ لأننا لو قلنا: سميع لكل مسموع، معناه سميع لما يسمع (...) لكل مسموع منه.
* طالب: لكل مسموع شأنه أن يسمع.
* الشيخ: بلى، إحنا نقول نقول لكل صوت أحسن.
* طالب: ما في صوت إلا ويسمعه الله.
* الشيخ: ما من صوت إلا ويسمعه الله، نعم. يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ نقول: (...) هذه أحسن، إحنا نقول مثلًا: إن كلام (...) فيه شيء، لكن نقول: هذا أحسن وأطيب.
قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٨٢] قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ نقول في (مَنْ) كما قلنا في الأول أنها شرطية، و﴿خَافَ﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
وقوله: ﴿فَأَصْلَحَ﴾ جواب الشرط؟
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح؟ لا، خطأ.
* طالب: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: الجواب ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ﴿فَأَصْلَحَ﴾ معطوفة على خاف.
وقوله: ﴿جَنَفًا﴾ الجنف الميل عن غير قصد، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ الميل عن قصد، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: فعل صالحًا، وليس المعنى أصلح الشقاق؛ لأنه قد لا يكون هناك شقاق؛ لكن أصلح بمعنى حول الأمر إلى شيء أيش؟ صالح كما تقول: أصلحت الكسر وأصلحت العيب، يعني فأصلح الوصية، ولكن هكذا قال بعض المفسرين، لكن هذا القول وإن كان وجيهًا من بعض الوجوه لكن كلمة ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ تدل على أن المراد بذلك إصلاح الشقاق بينهم إذ إن البينية لا تكون إلا بين شيئين.
وقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي فلا عقوبة وهذا كالمستثنى من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة ١٨١].
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جملة تعليلية للحكم.
يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ تشمل الخوف منه في حياته، إنك تخاف أن يقع في إثم، وحينئذ يكون أصلح لا شك أن المراد بها ضد الفساد لا إصلاح الشقاق؛ لأنه إلى الآن ما وقع الشقاق؛ إذا كانت المسألة من الإنسان إلى الموصي مثلًا طلبك رجل مريض وقال: أريد أن تكتب وصيتي، قلت: تفضل أوصى. قال: أوصيتُ لبنتي فلانة بخمس مالي، هنا حكم (مِن) أيش؟ الجنف أو الإثم، إن كان الرجل جاهلًا فهو جنف، وإن كان عالمًا فهو إثم، إذا كان جاهلًا أعلمه، وأقول: هذا لا يحل لك، نعدل الوصية نلغيها فهمتم؟ إذا كان عالمًا أنصحه وأعظه وأخوِّفه بالله لأن بعض الناس -والعياذ بالله- إذا كان (...) عصبة أبناء عم ولا سيما إن كان بينه وبينهم شيء من العداوة، تجده يحرص على أنه يحصر ماله في بناته مثلًا، أو ما أشبه ذلك، هذا ما يجوز، هذا حرام، فيوصي للبنات بالوقف يقول: وقَّفْتُ بيتي على بناتي. نقول: يا رجال، هذا ما يجوز تُوَقَّف بيتك على بناتك بعد موتك، هذه وصية لوارث، قال: هذا بيصيرين أرامل وضعيفات ما عندهن أحد، وعيال عمي (...) ماذا نقول له؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: إن كان جاهلًا (...).
* الشيخ: نُصْلِح نصلح، نصلحه نُصْلِح بينهم، نقول: هذا شيء لا يجوز، ويجب أن تغير، واضح؟ أما إذا كانت الوصية خاف من موص جنفًا بحيث يكون ذلك من بعد موته، بعد موت الموصي أطلع على وصيته فإذا هي مخالفة للشرع، فحينئذ تكون ﴿أَصْلَحَ﴾ معناها أزال الشقاق؛ لأنه إذا أراد أن يغيرها والموصَى له قد علم، أيش يقول الموصى له؟ يقول: لا ما يمكن، والورثة يقولون: لا ما يمكن يوصى له، فيحصل الشقاق فإذا أصلح بينهم ورد الأمر إلى نصابه، وإلى ما تقتضيه الشريعة الإسلامية فلا إثم عليه.
تبين لنا الآن أن الآية الثانية كالاستثناء من الآية الأولى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة ١٨١].
وقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لماذا لم يقل: فلا إثمٌ عليه؟
* الطلبة: نافية للجنس.
* الشيخ: لأنها نافية للجنس، والنافية للجنس هنا أعم يعم القليل والكثير، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوصية للوالدين والأقربين فرض على من ترك مالًا كثيرًا، تؤخذ؟
* الطلبة: من ﴿كُتِبَ﴾.
* الشيخ: ويش بعد؟
* الطلبة: حقًّا.
* الشيخ: و﴿حَقًّا﴾ و﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
لكن هذه الآية خُصِّصَت بآيات المواريث، تبع الفائدة، نعم خصصت بآيات المواريث فمن ورث من هؤلاء فلا وصية له، لقول النبي ﷺ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة، والترمذي (٢١٢١)، والنسائي (٢٦٤١، ٣٦٤٢، ٣٦٤٣)، وابن ماجه (٢٧١٢) من حديث عمرو بن خارجة، وابن ماجه (٢٧١٤) من حديث أنس.]].
* ومن فوائد الآية: اعتبار قول من حضره الموت؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة ١٨٠].
إن قوله معتبر ولكنه مقيد بما إذا كان يعي ما يقول أما إذا كان لا يعي ما يقول فليس بمعتبَر، والموتى يختلفون منهم من يعي ما يقول إلى أن تخرج روحه، ومنهم من يذهل ولا يحس بشيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للقرابة حقًّا في مال الإنسان؛ لقوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
* ومنها: اعتبار الأقرب فالأقرب؛ لقوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
* ومنها: أن الوصية هنا ليست مقيدة بجزء معين بل هي بالمعروف.
* ومنها: تأكيد حكم هذه الوصية بقوله: ﴿حَقًّا﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن المتقي لله عز وجل هو المنفِّذ لأحكامه؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
* طالب: شيخ، (...) ألا يتعارض مع الحديث: لا يحل لمؤمن (...).
* الشيخ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ».
* طالب: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧ / ١) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: ما تفيد هذا لكنه تفيد جواز الوصية عند حضور الأجل، ولَّا في الحزن لا شك أنه يدل عليه حديث ابن عمر لأنه يسمى ما يدري (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) معناه أنه لا بد أن يفعل هذا الظاهر والله أعلم، ما هو بلازم في هذا الوقت.
* طالب: شيخنا، بعض العلماء (...) هذه الآية مثال على نسخ السنة بالقرآن.
* الشيخ: أو القرآن بالسنة.
* طالب: لا، السنة بالقرآن.
* الشيخ: القرآن بالسنة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* طالب: حديث أبي أمامة اللي يقول:« «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة.]].
* الشيخ: نسخ القرآن بالسنة.
* طالب: إي، يعني السنة هس اللي ناسخة.
* الشيخ: إي (...).
* طالب: ما يصح هذا؟
* الشيخ: ما يصح، لأن الحديث هذا مُبَيِّن للناسخ مبين، وليس هو الناسخ، الناسخ الآية التي نسخت.
* طالب: لكن يرد هذا (...) الآية ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] الآيات، يقول: معناه أن الآية هذه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ ما فيه نسخ.
* الشيخ: ما في أيش؟
* طالب: (...) آية المواريث والآية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾: فالواحد يقول: ما فيه نسخ، يعني هذا وصية للوالدين، للأقربين، وهذا نقول: مثلًا (...).
* الشيخ: لكن لما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء ١١] المواريث قال: من بعد وصية، وقال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [الطلاق ١]
فلما قال من بعد وصية، وقال: إن هذه محددة عُلِم أن الوصية لغير هؤلاء، وإلا لكانت هذه الأنصبة غير محددة.
* طالب: من بعد وصية لهم، أو لغيرهم؟
* الشيخ: طيب، لهم ولغيرهم، لكن لو أوصى لهم لزاد على هذه الحدود، لو أوصت المرأة لزوجها لزادت على النصف، لزاد على النصف والله يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾
* طالب: إذن ما الحاجة (...).
* الشيخ: لا، يبين، لا شك أنه يبين للناس، يعني بَيَّن لنا عليه الصلاة والسلام أن هذه الفرائض خصصت آية الوصية ما نسختها، والصحيح أنه مبين مثَّلوا بهذا، يعني بعض الأصوليين مثل بهذا بأن هذا الحديث ناسخ للقرآن، والصواب أنه ليس بناسخ حتى لو فُرِضَ أنه هو المستقل فليس بناسخ؛ لأنه مخصص فقط.
* طالب: شيخ، (...) قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء ١١]. الوصية الآن قبل الموت (...) فالوصية خارجة عن (...) هذا موضوع خارج؟
* الشيخ: الوصية متى تثبت؟
* طالب: تثبت بعد الموت.
* الشيخ: والميراث؟ بعد الموت فإذن يكون الوصية، عارف لأنك تريده بعد الموت، المهم على كل حال الحديث هذا بعض العلماء يقول: إنه دليل على نسخ القرآن بالسنة، ولكنه ليس بصحيح، أولًا إنه ليس هذا بنسخ، بل هو من باب التخصيص، ثم على فرض أنه نسخ فهو مُبَيِّن للناسخ وليس بناسخ.
* طالب: شيخ، الوصية (...)؟
* الشيخ: نعم، هذا صحيح الوصية هنا مطلقة، لكن قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ مقيد له، لأن المعروف ما عرفه الشرع وما جرى به العرف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، فيها لكن هذا استحسان ما هو بلازم.
يقول: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من فعل الخير، ثم غُيِّرَ بعده كُتِبَ له ما أراد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بدل الوصية جهلًا فلا إثم عليه؛ لقوله: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾، ويؤخذ من هذا بل من باب أولى أنه لو تصرف في الوصية تصرُّفًا خطأ يعتقد أنه على صواب، فإنه لا ضمان عليه لأنه مولًّى، مولى على التصرف فيها، فإذا أخطأ فلا ضمان إذا لم يكن هناك تفريط أو تعدي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تغيير الوصية؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
فيجب أن يُعْمَل بوصية الموصي على حسب ما أوصى، إلا ما سيأتي إن شاء الله في الآيات التي بعدها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وما تضمناه من الصفة والحكم أيضًا الذي هو الأثر، فالسميع اسم والسمع صفة، وكونه يسمع أثر، والعليم كذلك اسم، والعلم صفة، وكونه يعلم هو الأثر أو الحكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله عز وجل بكل أعمال الخلق؛ لأنها ذُكِرَت عَقِب التهديد في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾، وهذا يدل على أن الله تعالى يسمع ويعلم.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية والرد على الجبرية، ففيها ردٌّ على القدرية وردٌّ على الجبرية، الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، مجبر على عمله ولا قدرة له ولا اختيار، وهؤلاء أنكروا حكمة الله عز وجل؛ لأننا إذا قلنا بهذا القول الباطل انتفت حكمة الأمر والنهي، وصار من فَعَل ما أُمِر به أو ترك ما نهي عنه ليس أهلًا للمدح ولا للذم، السبب؟
* طالب: أنهم آلة.
* الشيخ: لأن جميعهم آلة، ما عندهم قدرة ولا اختيار ولا شيء، وكذلك أبطلوا حكمة الله تعالى في الجزاء لأنه يجزي المحسن وهو غير محسن في الواقع، ويثيب العاصي وهو غير عاص.
* الطلبة: يجازي العاصي.
* الشيخ: يثيب العاصي، وهو غير عاص ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].
طيب، أقول: فيها رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ هذا وجه الرد على الجبرية، فأضاف التبديل إلى الإنسان.
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ فيها رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ولا تتعلق به إرادة الله ولا خلق الله، ما لله عليه إرادة ولا قدرة ولا خلق قول من؟
* طالب: القدرية.
* الشيخ: القدرية، وغلاتهم ينكرون العلم والكتابة أيضًا، يقولون: إن أفعال العباد غير معلومة لله، ولا مكتوبة عندهم أفهمتم؟ هؤلاء الغلاة اللي خرجوا في زمن ابن عمر وقالوا: إن الأمر أُنُف مستأنف، ما كان الله ليعلم شيئًا مما نفعله إلا إذا وقع علمه بعد رؤيته أو سمعه. وجه الدلالة من هذه الآية على الرد عليهم أنه أثبت العلم لله، وقد قال الشافعي وغيره من السلف قال: ناظروا القدرية بالعلم، ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خُصِمُوا، وإن أنكروه كفروا.
(...) القدرية المقتصدون منهم والذين استقر مذهبهم عليه هم الذين يقولون: إن الله يعلم أفعال العباد، لكنه سبحانه وتعالى لا يشاؤها ولا يخلقها، إنه يعلمها ومكتوبة عنده، فقالوا لهم السلف: ناظروهم بالعلم، إن قالوا: إن الله يعلم خصموا، إن قالوا: إن الله ما يعلم كفروا، أما إذا قالوا: إن الله لا يعلم فكفرهم واضح لتكذيبهم القرآن، وأما إذا قالوا: إنه يعلم لكن ما يخلقها ولا يقدرها كيف يُخْصَمون؟ نقول: هذه الأشياء هل وقعت على خلاف معلومه أو على وفق معلومه؟ ماذا يقولون؟ سيقولون: على وفق معلومه؛ لأنه إن قالوا: على خلافه فمعناه ما عَلِم، فإذا كانت على وفق معلومه لزم أن تكون مرادة له وإلا لما وقع، فالحاصل أن في الآية ردًّا على الجبرية وعلى القدرية، نعم ولاحظوا أن القدرية والجبرية كلا منهم غلا في جانب من جوانب القدر، والوسط هو الخير فأهل السنة والجماعة كما تعرفون يثبتون لله العلم والكتابة والمشيئة، ويش بعد؟ والخلق، المشيئة هي الإرادة، والمشيئة والخلق، كما يثبتون للإنسان أيضًا إرادة ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ويثبتون للإنسان أيضًا مشيئة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان ٣٠].
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٨٢].
هذه الآية استثناء من قوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ فيستفاد منها: نفي أو رفع الإثم عمن أصلح في الوصية إذا حصل جنف أو إثم، والفرق بينهما سبق في التفسير، الجنف: الخطأ من غير قصد، والإثم: الخطأ بقصد.
* ويستفاد منه: أنه قد يُعَبَّر بنفي الإثم دفعًا لتوهمه، وإن كان الأمر في نفسه واجبًا، وهذه فائدة تنفعكم في كثير من المسائل، أنه قد يعبر بنفي الإثم أو نفي الجناح دفعًا عن توهمه وإن كان الشيء أمرًا واجبًا، وهذا أقول: إنه ينفعكم في هذا المكان وفي غيره، فالإصلاح عندما يخاف جنفًا أو إثمًا أيش حكمه؟ واجب، لكن نفى الإثم الذي أُثْبت في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ فكأنه قال: ﴿لَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ويرجع الأمر إلى أصله الأول وهو أن الإصلاح واجب، ونظيره قوله تعالى فيما سبق: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]
هذا لنفي الجناح المتوهم من الطواف بين الصفا والمروة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١]، مع أن قصر الصلاة للمسافر حكمه إما واجب أو سنة مؤكدة على رأي الجمهور، ومع ذلك نفى عنه الإثم دفعًا لتوهم الإثم في قصر الصلاة.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز ولَّا لا؟ جائز، ولكنه واجب من دليل آخر، واجب من دليل آخر ما هو من هذه الآية، طيب تغيير الوصية لما هو أفضل لا لدرء الإثم ما حكمه؟
* طالب: ما يجوز.
* الشيخ: ما تقولون فيه؟ فيه خلاف بين أهل العلم منهم من قال: لا يجوز، لا يجوز أن تغير الوصية لما هو أفضل لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة ١٨١] ولم يستثن إلا ما وقع في الإثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير، وقال بعض أهل العلم: بل يجوز تغييره إلى ما هو أفضل، بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ وذلك لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله عز وجل؛ وكل ما كان أقرب فإنه أحب إلى الله وأنفع للموصي أيضًا والموصي بشر، قد يخفى عليه ما هو الأرجح وما هو الأفضل، ثم إنه يكون في وقت ما الأفضل غير ما هو الأفضل في وقت آخر، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: نعم ونحن أدركنا ما نسمعه من الناس أنه فيما سبق من أحب الأشياء إلى الفقراء أن يطبخ لهم الطعام واللحم ويأكلون، لكن الآن الدراهم أحب إليهم ومشاريع أخرى أنفع، وقال هؤلاء الذين أجازوا تغيير الوصية إلى ما هو أفضل قالوا: إن الرسول ﷺ أجاز تغيير النذر مع وجوبه لما هو أفضل، «فالرجل الذي جاء إليه وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد عليه قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد الثالثة، فقال: «اصْنَعْ مَا شِئْتَ»، أو كلام هذا معناه، قال «شَأْنَكَ إِذَنْ»[[أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد (١٤٩١٩) من حديث جابر بن عبد الله.]] فهذا دليل على جواز تغيير الشيء إلى ما هو أفضل، والذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها؛ لتعلق حق المعين بها كما لو كانت الوصية على أولاده مثلًا، الوصية لأولاده وليس هناك وارث غيرهم، أو مثلا وَقَّفَ وَقْفًا على أولاده فإنه لا يجوز أن يُغَيِّر لماذا؟ لتعلق حق الغير المعين به، أما إذا كان على غير معين كما لو كان على المساجد، فرأينا أن الجهاد أن صرفه في الجهاد أولى صرفناه في الجهاد، على المساجد فأصاب المسلمين مسغبة، يضطرون إلى إنقاذهم من الجوع والعُرْي صار صرفها إلى هذا أفضل وأولى، فالمهم أن الذي نرى في هذه المسألة، لا في الوصية ولا في الوقف، أن ما كان على معين فإنه لا يصرف إلى غيره لتعلق حق المُعيَّن به، شخص معين كيف يصرفه إلى غيره، أما إذا كان على جهة كالفقراء والمساجد وطبع الكتب وما أشبه ذلك فإنه لا حرج أن يصرف إلى ما هو أفضل؛ لأن ذلك أنفع للموصِي والموقِف وأصلح.
* طالب: إن كان دارًا يا شيخ أو مسجدًا؟
* الشيخ: كل واحد سواء دار أو غير دار.
* طالب: مثلا يعني (...) إذا رأى أن المسجد (...)؟
* الشيخ: إي نعم، وكذلك المسجد لو تعطل.
* طالب: أو دار.
* الشيخ: وكذلك المسجد لو تعطل مثلًا، ورحل الناس عن مَحَلته فلا حرج أن يبيعه، وينقله إلى مكان آخر.
* طالب: والدار كذلك؟
* الشيخ: وكذلك الدار على غير معين.
* طالب: (...) يجيب؟
* الشيخ: يجيب عليه إن قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ اعتبار الأصلح.
* طالب: لكن من يغير؟
* الشيخ: يغيره الوليُّ؛ لأن الوصية لا بد فيها من وصيٍّ، فإن لم يكن وصيٌّ خاص فالولي العام؛ القاضي.
* طالب: (...) معرفة الأمور (...).
* الشيخ: إذا لم يصلْ إلى هذا، فإنه يجب على الحاكم الشرعي أن يضم إليه أمينٌ عادلٌ، ما تخل للأوقاف العامة هكذا، أما الخاصَّة فشأنه، ما تغير الخاص، لكن الأوقاف العامة لا بد إذا كان الناظر عليها في الوقف أو الوصي في الوصية، إذا كان غير أهل إما لعدم قوته أو لعدم أمانته فإنه يضم إليه من يقوم بالأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وما تضمناه من وصف وحكم، وما تضمناه من وصف وحكم؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٢].
* ومن فوائد الآية: فضيلة الإصلاح؛ لقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ حيث إن الإصلاح الآن صار فيه خير وهو درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة والشحناء بين الموصَى إليه والورثة؛ لقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٨٢].
البقرة 2:181
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠].
أولًا: في الإعراب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه فعل مبني للمجهول، فأين نائب الفاعل؟ الوصية. وفيه أيضًا إشكال نحوي وهي أن ﴿كُتِبَ﴾ فعل ماضٍ غير مؤنث و﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مؤنثة فما هو السبب في أنه ترك التأنيث؟
* طالب: الفصل.
* الشيخ: نعم، الفصل، هل هناك علة أخرى؟
* طالب: هذا زائد يعني ليس التأنيث ليس واجبًا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأنه يعني الضمير، يعني ليس في الفعل يتصل بالفعل ضمير يعود على هذا.
* الشيخ: الحكم صحيح والتعليل غير صحيح.
* طالب: لأن تأنيثه غير حقيقي.
* الشيخ: غير حقيقي، هل عندك شاهد من كلام ابن مالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يصلح؛ لأن القصد منه جوابًا (...) فرض على الإنسان الوصية للوالدين والأقربين، فما رأيك في هذه الآية أمحكمة أم منسوخة؟ قال الله عز وجل: في مناقشة قبل هذه، لو قال قائل: إن الله فرض الفرائض قال: للأم السدس، للأب السدس، للزوجة الثمن أو الربع أو ما أشبه ذلك، ولو أوجبنا الوصية ما كان لهم السدس كاملًا؛ لأن المال سينقص بمقداره؟ فما هو الجواب؟
* طالب: الجواب أن الله سبحانه وتعالى قد أوصى، قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ١١].
* الشيخ: أوصى؟
* الطالب: يعني: أن نخرج الوصية إذا كان هذا الميت قد أوصى بشيء.
* الشيخ: أنه ذكر هذه السهام من بعد؟
* الطالب: من بعد الوصية.
* الشيخ: من بعد الوصية، زين.
* طالب: شيخ، بالنسبة للوالدين (...).
* الشيخ: قلنا: إنه ما يوصى لهم بما يرغبوا؛ لأن المال يكون لغيرهم، والله يقول: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾، واللام للتمليك وهما؟
* الطالب: بس (...).
* الشيخ: لا ما له علاقة؛ لأن هذه وصية للتمليك ما هي نفقة وصية للتمليك، فما دام أن الله قال: للوالدين واللام للتمليك، فإنه مثل قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١١]، وإذا كانا رقيقين لم يرثاه.
* طالب: (...).
* الشيخ: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (2379)، ومسلم (1543 / 80) من حديث عبد الله بن عمر، ولفظ البخاري: «منِ ابتاعَ عبدًا ولهُ مالٌ فمالُهُ لِلذِي باعَهُ».]].
* الطالب: لا، بالنسبة للآية، ما دلت على أنه..؟ اللام، وأيش قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾. وأيش اللام؟
* الطالب: للتمليك.
* الشيخ: طيب.
* طالب: بس ما يفيد عن كونهما والدين.
* الشيخ: لا، الآن مثلا قال الله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ في الميراث: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١١]. لكل واحد منهما السدس إذا مات الابن، طيب لو كانا رقيقين؟
* طالب: الأبناء؟
* الشيخ: الآباء. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾، لو كانا رقيقين؟
* طالب: مَن؟
* الشيخ: هما الوالدان، مات ميت عن أبوين رقيقين يرثان ولَّا لا؟
* طالب: والله هذه اللي مرت علينا (...).
* الشيخ: (...) مرت علينا.
وَيَمْنَعُ الْإِرْثَ عَلَى الْيَقِينِ ∗∗∗ رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلَافُ دِينِ
والسبب في ذلك أن الرسول ﷺ جعل مال المملوك لمالكه: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْمُبْتَاعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2379)، ومسلم (1543 / 80) من حديث عبد الله بن عمر.]].
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٨١]. الفاء هذه عاطفة، و﴿مَنْ﴾ شرطية، و﴿بَدَّلَ﴾ فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ الجملة؟ جواب الشرط واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ هذا إظهار في موضع الإضمار وإلا كان مقتضى السياق أن يقال: فإنما إثمه عليه؛ أي: على المبدل. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ للتهديد.
نرجع إلى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ ﴿بَدَّلَهُ﴾ أي: بدل الإيصاء أي: المفهوم من الوصية وإلا فقد يقول قائل: الوصية مؤنثة، والهاء في ﴿مَنْ بَدَّلَهُ﴾؟ مذكر فكيف عاد المذكر على المؤنث؟ نقول: إنه يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿وَصِيَّةٍ﴾ وهو الإيصاء أي: فمن بدل الإيصاء، فقوله: ﴿بَدَّلَهُ﴾ أي: غيره بنقص أو زيادة أو منع، هذا التبديل إما أن ينقص أو يزيد أو يمنع، إن نقص فالضرر على من؟ الموصى له، وإن زاد فعلى الورثة، وإن منع فعلى الموصى له كل هذه الصور الثلاث تدخل في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾.
وقوله: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ بعد ما سمعه، قال أهل العلم: عبر بالسمع عن العلم؛ لأن السمع من الحواس الظاهرة والعلم من التصورات الباطنة أي: فمن بدله بعد أن يعلمه علم اليقين كما لو سمعه بنفسه، كما لو سمعه بنفسه، ومعلوم أن العلم بالوصية لا يتوقف على السماع قولك؟ قد يكون بالكتابة، وقد يكون بشهادة شهود، وهو ما سمع الموصي، وما إلى ذلك، لكنه كأنه -والله أعلم- عبر بالسمع ليفيد أنه تيقنه كالمسموع لديه ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾، أما من بدل جاهلًا ولم يعلم فلا إثم عليه، لكن عليه الضمان فيما لو تبين أن الوصية على خلاف ما تصرف فيه؛ لأن الواجب عليه أن يتثبت في التصرف لمال غيره.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فإنما إثمه، إثمه الضمير يعود على التبديل، يعني فهذا الإثم يعود ما هو على الموصي ولا على الورثة، يعود على المبدل ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي: يغيرونه، وفائدة الإظهار في موضع الإضمار هنا فائدته الإشارة إلى بيان علة، الإشارة إلى بيان العلة، وإذا كان الأقربون وارثين فإنه لا وصية لهم، إذا كانوا غير وارثين فإنها تجب الوصية لهم، وعلى هذا فتكون الآية من باب المخصوصات لا من باب المنسوخات.
وقد تقدم لنا مرارًا أنه كلما أمكن الجمع حرم العدول إلى النسخ؛ لأن النسخ معناه عدم العمل بأحد الدليلين وهو المنسوخ؛ يعني يلغى ويرفع من الشريعة، والتخصيص عمل بهما جميعًا، ولكن يرفع حكم العموم عن بعض أفراده بمقتضى الدليل المخصص، واضح ولَّا لا؟ وهذا لا شك أنه أولى كوننا نعمل بالنصوص الشرعية كلها لا شك أنه هو الواجب بدلًا من أن نلغي هذا النص ودلالته وحكمه، وإلى هذا ذهب ابن عباس وطائفة من أهل العلم على أن الآية محكمة غير منسوخة لكنها مخصوصة، وهذا وهو الذي نراه وندين الله به، يعني الله أكد هذه الوصية بما رأيتم، فكيف نقول: إنها منسوخة، وهذا تأكيد ﴿كُتِبَ﴾ هذا خبر ما هو أمر بعد ﴿كُتِبَ﴾ وإن كان خبرًا بمعنى الأمر؛ لأن معناها فرض، لكن مثل هذه التأكيدات في هذا الحكم ثم ينسخ هذا شيء فيه بعد، فإذا قال قائل: كيف يكون الوالدان غير وارثين؟ نقول: ممكن، لو كان أبوك رقيقًا يرث ولَّا ما يرث؟
* طالب: ما يرث.
* الشيخ: ما يرث، لكن مع ذلك ما نقول بالوصية له؛ لأنك لو وصيت له أخذها سيده فلا يستفيد. لكن لو كان الأب مخالفًا لك في الدين؟ يرث ولَّا لا؟
* طالب: لا يرث.
* الشيخ: لا يرث، فتوصي له، لو كان الوالد قاتلًا قتلًا خطأ على القول بأن قتل الخطأ يمنع من الميراث يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
* طالب: يمكن.
* الشيخ: يمكن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: افرض مثلًا أن هذا الرجل مع أبيه، والأب هو السائق وحصل حادث على السيارة بسبب تفريط الأب، ثم إن الولد أُصيب بالحادث لكنه ما مات في الحال، دخل المستشفى وبقي يومين ثلاثة أربعة ثم مات من الحادث، على المشهور من المذهب الوالد يرث ولَّا ما يرث؟ لا يرث، هذا الابن أوصى لأبيه في هذه الحال يصح ولَّا لا؟ يصح؛ لأنهم غير وارثين والرسول ﷺ يقول: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (2870)، والترمذي (2120) من حديث أبي أمامة الباهلي.]] فقط، كذلك بالنسبة للأقربين واضح أوضح وأوضح فإن أخاك مع أبيك لا يرثك، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وهو من أقرب الناس إليك فتوصي له، فإن قال قائل: إن الله فرض للأب السدس مثلًا، وللأم السدس، وللزوجة الربع، وللزوج النصف وما أشبه ذلك، وهذا يقتضي أن يكون لهم السدس كاملًا، ومع تنفيذ الوصية لا يكون لهم إلا سدس ناقص بقدر الوصية؟ قلنا: إن الله صرح بأن لهم هذا السهم ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وعلى هذا فلا إشكال في الآية، لا إشكال في تقدير أنصباء الورثة، وهذا القول هو الذي به تجتمع الأدلة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا مرض أن يوصي ولو بشيء قليل من ماله لأقاربه، واعلم أن صلة الرحم والأقارب من أفضل الأعمال اللي تقرب إلى الله، فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أنها أعتقت جارية لها فقال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (2592)، ومسلم (999 / 44)]] شوف، جعل الرسول أفضل منين؟ من العتق، فلا تظن أنك مثلًا إذا أوصيت بثلثك يجعل (...) وما أشبه ذلك من الأشياء التي قد يكون ما يترتب عليه من المفاسد في المستقبل أكثر من مصالحها، لا تظن أن هذا أفضل من كونك توصي لأخيك الذي لا يرث، ولأختك التي لا ترث، ولجدتك التي لا ترث، وما أشبه ذلك، هذا الأخير أفضل لا شك؛ لأنه من صلة الرحم، ثم إن الآية هذه صريحة ولا أعلم لمن قال بالنسخ وجهة في أدلتهم أبدًا.
* طالب: لو قيل دائمًا إن الحالات التي ذكرتها الآن ليست على الوجوب؛ لأن كتب بمعنى (فرض)، بل هي على سبيل الجواز، فعلى أي وجه يكون الجواب؟
* الشيخ: لا، نقول: على سبيل الوجوب، كيف على سبيل؟
* طالب: على سبيل الوجوب الذي والده كافر؟
* الشيخ: نعم، لأن الله قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان ١٥]. فالكافر إذا صار قريبًا له حق القرابة.
* طالب: شيخ، تعبير البعض يعني: بعض العلماء أجدهم يعني في هذه الآية يقول: نسخ بعضها، هذا التعبير يعني..؟
* الشيخ: هذا التعبير صحيح، وقد يطلقه الأقدمون، هذا معروف في أساليب الأولين في القدامى من السلف يعبرون بالنسخ عن التخصيص وهو صحيح؛ لأن التخصيص فيه نوع نسخ فبدلًا من أن يكون الحكم شامل لكل الأفراد رفع الحكم عن بعض هؤلاء الأفراد فهو نسخ في حقهم، ثم قال الله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ [البقرة ١٨٠، ١٨١].
والنداء عليهم بهذا الأمر أو بهذه الجناية التي جَنْوَها، وهي أيضًا إشارة إلى العلة، وهي أيضًا تفيد التعميم يعني كل من بدل بما هو مؤتمن عليه فإنه عليه الإثم.
قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة ١٨١] أي: يبدلون أيش؟ الإيصاء، يبدلون الإيصاء، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الجملة هذه جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، وفائدتها التهديد، وكيف نقول في سميع عليم؟
بعضهم وزع هذين الاسمين فقال: سميع لوصية الموصي، عليم بتبديل المبدّل، فما رأيكم في هذا؟ وزَّع الاسمين على الموصِي وعلى المبدِّل فقال: سميع لوصيته، عليم بتبديل المبدل، وعندي أن الأوْلى أن تُجعَل على العموم؛ لأن الوصية قد لا تكون مسموعة، قد تكون مكتوبة، يكتبها الموصي، قد يكتبها بيده فلا تُسمَع فيكون مُتعلَّقها العلم، وكذلك التغيير تغيير الوصي، هل هو يعني لا يكون إلَّا بغير الصوت؟ قد يكون بالصوت قد يقول الوصي مثلًا: خذ يا فلان عشرين ألفًا وهو ما وصي له إلا بعشرة آلاف ريال، فيكون مصوتًا بصوت يُسمَع، فالصواب أن هذين الاسمين عائدان إلى الوصيِّ والموصي، فإذا قال قائل: ما وجه تعلُّق العلم بالموصي؟ نقول: وجهه ظاهر لأن الموصي قد يحيف في وصيته فيكون مهدَّدًا بماذا؟ بعلم الله، فيكون مهددًا بعلم الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* طالب: (...) ولولا تعميمها في كل آية (...).
* الشيخ: إي نعم، ها الأصل هو التعميم، ما دام أن التعليل تعقَّب جملًا أو أحكامًا فهو لها كلها هذا هو الأصل. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ هذان اسمان من أسماء الله عز وجل، أما السميع فيتعلق بجميع الأصوات كل الأصوات رفيعها وخافضها، المفهوم وغير المفهوم، ما من صوت وإن خَفِي إلا والله جل وعلا يسمعه، وقد تقدم لنا أن عائشة رضي الله عنها لما نزل قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] قالت: «تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ، وَإِنَّهُ لَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ حَدِيثِهَا»[[أخرجه النسائي (٣٤٠٦)، وابن ماجه (١٨٨، ٢٠٦٣)، وأحمد (٢٤١٩٥) من حديث عائشة.]]، والله جل وعلا من فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة التي تجادل الرسول ﷺ، ففي هذا دليل على إحاطة سمع الله بكل شيء.
وسبق لنا أن السمع ينقسم إلى قسمين: سمع إدراك، وسمع إجابة، وأن الإدراك كم؟ ثلاثة أقسام: تهديد، وتأييد، ومجرد الإدراك والإحاطة لا تهديد ولا تأييد، وأما سمع الإجابة فإنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي: مجيبه، وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العلم من أوسع ما يكون تعلقًا من صفات الله، من أوسع ما يكون، قال السفاريني رحمه الله:
وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا ∗∗∗ بِكُلِّ شَيْءٍ.........
يعني: من الواجب والجائز والمستحيل، كل شيء، فالله تعالى يعلم الواجب ويعلم الجائز ويعلم المستحيل، يعلم الواجب مثل أيش؟
* طالب: يعلم ذاته.
* الشيخ: نعم، يعلم ما يتعلق بذاته وصفاته، وما يجب له من صفات الكمال، ويعلم الجائز ما يتعلق بالمخلوقات الممكنات؛ لأن كل المخلوقات من قسم الممكن الجائز، ويعلم المستحيل مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢].
هذا مستحيل، مستحيل أن يكون في السموات والأرض آلهة سوى الله، ومع ذلك أخبر الله بأنه لو كان لفسدتا، إلى غير ذلك مما أخبر الله به عن الأمور التي لا يمكن أن تقع، مستحيلة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عِلْم الله عز وجل كما يتعلق في الظاهر يتعلق بالباطن ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥].
فإذا آمنت بأن الله تعالى محيط علمُه بكل شيء أوجب لك ذلك تمام الخشية منه والخوف، وأن لا يفقِدَك حيث أمرك ولا يجِدَك حيث نهاك.
* طالب: حين يجمع بين العليم والخبير، ما الفرق بينهما؟
* الشيخ: الفرق أنه يكون الخبير ببواطن الأمور والعليم بالظواهر.
* طالب: إذا قال الإنسان: أو لا، قال المجاوب: نعم؛ يعني: نعم لا؟
* الشيخ: لا، نعم ظاهر قصده ما هو بنعم لا، إذا قلت: هل هذا كذا أو لا؟
* طالب: على تقدير حرف نعم أو لا..
* الشيخ: نعم، الأول.
* طالب: شيخ، (...) ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لكل مسموع، سليم هذا التعبير ولَّا؟
* الشيخ: لا، الأحسن تقول لكل صوت؛ لأنه هنا أشياء لا نسمعه يسمعه الله.
* الطالب: سميعًا لكل سمع بالنسبة لله.
* الشيخ: لكل مسموع بالنسبة لله؟ لا، يصير هذا تحصيل حاصل؛ لأننا لو قلنا: سميع لكل مسموع، معناه سميع لما يسمع (...) لكل مسموع منه.
* طالب: لكل مسموع شأنه أن يسمع.
* الشيخ: بلى، إحنا نقول نقول لكل صوت أحسن.
* طالب: ما في صوت إلا ويسمعه الله.
* الشيخ: ما من صوت إلا ويسمعه الله، نعم. يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ نقول: (...) هذه أحسن، إحنا نقول مثلًا: إن كلام (...) فيه شيء، لكن نقول: هذا أحسن وأطيب.
قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٨٢] قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ نقول في (مَنْ) كما قلنا في الأول أنها شرطية، و﴿خَافَ﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
وقوله: ﴿فَأَصْلَحَ﴾ جواب الشرط؟
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح؟ لا، خطأ.
* طالب: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: الجواب ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ﴿فَأَصْلَحَ﴾ معطوفة على خاف.
وقوله: ﴿جَنَفًا﴾ الجنف الميل عن غير قصد، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ الميل عن قصد، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: فعل صالحًا، وليس المعنى أصلح الشقاق؛ لأنه قد لا يكون هناك شقاق؛ لكن أصلح بمعنى حول الأمر إلى شيء أيش؟ صالح كما تقول: أصلحت الكسر وأصلحت العيب، يعني فأصلح الوصية، ولكن هكذا قال بعض المفسرين، لكن هذا القول وإن كان وجيهًا من بعض الوجوه لكن كلمة ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ تدل على أن المراد بذلك إصلاح الشقاق بينهم إذ إن البينية لا تكون إلا بين شيئين.
وقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي فلا عقوبة وهذا كالمستثنى من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة ١٨١].
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جملة تعليلية للحكم.
يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ تشمل الخوف منه في حياته، إنك تخاف أن يقع في إثم، وحينئذ يكون أصلح لا شك أن المراد بها ضد الفساد لا إصلاح الشقاق؛ لأنه إلى الآن ما وقع الشقاق؛ إذا كانت المسألة من الإنسان إلى الموصي مثلًا طلبك رجل مريض وقال: أريد أن تكتب وصيتي، قلت: تفضل أوصى. قال: أوصيتُ لبنتي فلانة بخمس مالي، هنا حكم (مِن) أيش؟ الجنف أو الإثم، إن كان الرجل جاهلًا فهو جنف، وإن كان عالمًا فهو إثم، إذا كان جاهلًا أعلمه، وأقول: هذا لا يحل لك، نعدل الوصية نلغيها فهمتم؟ إذا كان عالمًا أنصحه وأعظه وأخوِّفه بالله لأن بعض الناس -والعياذ بالله- إذا كان (...) عصبة أبناء عم ولا سيما إن كان بينه وبينهم شيء من العداوة، تجده يحرص على أنه يحصر ماله في بناته مثلًا، أو ما أشبه ذلك، هذا ما يجوز، هذا حرام، فيوصي للبنات بالوقف يقول: وقَّفْتُ بيتي على بناتي. نقول: يا رجال، هذا ما يجوز تُوَقَّف بيتك على بناتك بعد موتك، هذه وصية لوارث، قال: هذا بيصيرين أرامل وضعيفات ما عندهن أحد، وعيال عمي (...) ماذا نقول له؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: إن كان جاهلًا (...).
* الشيخ: نُصْلِح نصلح، نصلحه نُصْلِح بينهم، نقول: هذا شيء لا يجوز، ويجب أن تغير، واضح؟ أما إذا كانت الوصية خاف من موص جنفًا بحيث يكون ذلك من بعد موته، بعد موت الموصي أطلع على وصيته فإذا هي مخالفة للشرع، فحينئذ تكون ﴿أَصْلَحَ﴾ معناها أزال الشقاق؛ لأنه إذا أراد أن يغيرها والموصَى له قد علم، أيش يقول الموصى له؟ يقول: لا ما يمكن، والورثة يقولون: لا ما يمكن يوصى له، فيحصل الشقاق فإذا أصلح بينهم ورد الأمر إلى نصابه، وإلى ما تقتضيه الشريعة الإسلامية فلا إثم عليه.
تبين لنا الآن أن الآية الثانية كالاستثناء من الآية الأولى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة ١٨١].
وقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لماذا لم يقل: فلا إثمٌ عليه؟
* الطلبة: نافية للجنس.
* الشيخ: لأنها نافية للجنس، والنافية للجنس هنا أعم يعم القليل والكثير، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوصية للوالدين والأقربين فرض على من ترك مالًا كثيرًا، تؤخذ؟
* الطلبة: من ﴿كُتِبَ﴾.
* الشيخ: ويش بعد؟
* الطلبة: حقًّا.
* الشيخ: و﴿حَقًّا﴾ و﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
لكن هذه الآية خُصِّصَت بآيات المواريث، تبع الفائدة، نعم خصصت بآيات المواريث فمن ورث من هؤلاء فلا وصية له، لقول النبي ﷺ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة، والترمذي (٢١٢١)، والنسائي (٢٦٤١، ٣٦٤٢، ٣٦٤٣)، وابن ماجه (٢٧١٢) من حديث عمرو بن خارجة، وابن ماجه (٢٧١٤) من حديث أنس.]].
* ومن فوائد الآية: اعتبار قول من حضره الموت؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة ١٨٠].
إن قوله معتبر ولكنه مقيد بما إذا كان يعي ما يقول أما إذا كان لا يعي ما يقول فليس بمعتبَر، والموتى يختلفون منهم من يعي ما يقول إلى أن تخرج روحه، ومنهم من يذهل ولا يحس بشيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للقرابة حقًّا في مال الإنسان؛ لقوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
* ومنها: اعتبار الأقرب فالأقرب؛ لقوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
* ومنها: أن الوصية هنا ليست مقيدة بجزء معين بل هي بالمعروف.
* ومنها: تأكيد حكم هذه الوصية بقوله: ﴿حَقًّا﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن المتقي لله عز وجل هو المنفِّذ لأحكامه؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
* طالب: شيخ، (...) ألا يتعارض مع الحديث: لا يحل لمؤمن (...).
* الشيخ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ».
* طالب: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧ / ١) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: ما تفيد هذا لكنه تفيد جواز الوصية عند حضور الأجل، ولَّا في الحزن لا شك أنه يدل عليه حديث ابن عمر لأنه يسمى ما يدري (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) معناه أنه لا بد أن يفعل هذا الظاهر والله أعلم، ما هو بلازم في هذا الوقت.
* طالب: شيخنا، بعض العلماء (...) هذه الآية مثال على نسخ السنة بالقرآن.
* الشيخ: أو القرآن بالسنة.
* طالب: لا، السنة بالقرآن.
* الشيخ: القرآن بالسنة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* طالب: حديث أبي أمامة اللي يقول:« «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة.]].
* الشيخ: نسخ القرآن بالسنة.
* طالب: إي، يعني السنة هس اللي ناسخة.
* الشيخ: إي (...).
* طالب: ما يصح هذا؟
* الشيخ: ما يصح، لأن الحديث هذا مُبَيِّن للناسخ مبين، وليس هو الناسخ، الناسخ الآية التي نسخت.
* طالب: لكن يرد هذا (...) الآية ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] الآيات، يقول: معناه أن الآية هذه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ ما فيه نسخ.
* الشيخ: ما في أيش؟
* طالب: (...) آية المواريث والآية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾: فالواحد يقول: ما فيه نسخ، يعني هذا وصية للوالدين، للأقربين، وهذا نقول: مثلًا (...).
* الشيخ: لكن لما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء ١١] المواريث قال: من بعد وصية، وقال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [الطلاق ١]
فلما قال من بعد وصية، وقال: إن هذه محددة عُلِم أن الوصية لغير هؤلاء، وإلا لكانت هذه الأنصبة غير محددة.
* طالب: من بعد وصية لهم، أو لغيرهم؟
* الشيخ: طيب، لهم ولغيرهم، لكن لو أوصى لهم لزاد على هذه الحدود، لو أوصت المرأة لزوجها لزادت على النصف، لزاد على النصف والله يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾
* طالب: إذن ما الحاجة (...).
* الشيخ: لا، يبين، لا شك أنه يبين للناس، يعني بَيَّن لنا عليه الصلاة والسلام أن هذه الفرائض خصصت آية الوصية ما نسختها، والصحيح أنه مبين مثَّلوا بهذا، يعني بعض الأصوليين مثل بهذا بأن هذا الحديث ناسخ للقرآن، والصواب أنه ليس بناسخ حتى لو فُرِضَ أنه هو المستقل فليس بناسخ؛ لأنه مخصص فقط.
* طالب: شيخ، (...) قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء ١١]. الوصية الآن قبل الموت (...) فالوصية خارجة عن (...) هذا موضوع خارج؟
* الشيخ: الوصية متى تثبت؟
* طالب: تثبت بعد الموت.
* الشيخ: والميراث؟ بعد الموت فإذن يكون الوصية، عارف لأنك تريده بعد الموت، المهم على كل حال الحديث هذا بعض العلماء يقول: إنه دليل على نسخ القرآن بالسنة، ولكنه ليس بصحيح، أولًا إنه ليس هذا بنسخ، بل هو من باب التخصيص، ثم على فرض أنه نسخ فهو مُبَيِّن للناسخ وليس بناسخ.
* طالب: شيخ، الوصية (...)؟
* الشيخ: نعم، هذا صحيح الوصية هنا مطلقة، لكن قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ مقيد له، لأن المعروف ما عرفه الشرع وما جرى به العرف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، فيها لكن هذا استحسان ما هو بلازم.
يقول: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من فعل الخير، ثم غُيِّرَ بعده كُتِبَ له ما أراد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بدل الوصية جهلًا فلا إثم عليه؛ لقوله: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾، ويؤخذ من هذا بل من باب أولى أنه لو تصرف في الوصية تصرُّفًا خطأ يعتقد أنه على صواب، فإنه لا ضمان عليه لأنه مولًّى، مولى على التصرف فيها، فإذا أخطأ فلا ضمان إذا لم يكن هناك تفريط أو تعدي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تغيير الوصية؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
فيجب أن يُعْمَل بوصية الموصي على حسب ما أوصى، إلا ما سيأتي إن شاء الله في الآيات التي بعدها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وما تضمناه من الصفة والحكم أيضًا الذي هو الأثر، فالسميع اسم والسمع صفة، وكونه يسمع أثر، والعليم كذلك اسم، والعلم صفة، وكونه يعلم هو الأثر أو الحكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله عز وجل بكل أعمال الخلق؛ لأنها ذُكِرَت عَقِب التهديد في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾، وهذا يدل على أن الله تعالى يسمع ويعلم.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية والرد على الجبرية، ففيها ردٌّ على القدرية وردٌّ على الجبرية، الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، مجبر على عمله ولا قدرة له ولا اختيار، وهؤلاء أنكروا حكمة الله عز وجل؛ لأننا إذا قلنا بهذا القول الباطل انتفت حكمة الأمر والنهي، وصار من فَعَل ما أُمِر به أو ترك ما نهي عنه ليس أهلًا للمدح ولا للذم، السبب؟
* طالب: أنهم آلة.
* الشيخ: لأن جميعهم آلة، ما عندهم قدرة ولا اختيار ولا شيء، وكذلك أبطلوا حكمة الله تعالى في الجزاء لأنه يجزي المحسن وهو غير محسن في الواقع، ويثيب العاصي وهو غير عاص.
* الطلبة: يجازي العاصي.
* الشيخ: يثيب العاصي، وهو غير عاص ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].
طيب، أقول: فيها رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ هذا وجه الرد على الجبرية، فأضاف التبديل إلى الإنسان.
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ فيها رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ولا تتعلق به إرادة الله ولا خلق الله، ما لله عليه إرادة ولا قدرة ولا خلق قول من؟
* طالب: القدرية.
* الشيخ: القدرية، وغلاتهم ينكرون العلم والكتابة أيضًا، يقولون: إن أفعال العباد غير معلومة لله، ولا مكتوبة عندهم أفهمتم؟ هؤلاء الغلاة اللي خرجوا في زمن ابن عمر وقالوا: إن الأمر أُنُف مستأنف، ما كان الله ليعلم شيئًا مما نفعله إلا إذا وقع علمه بعد رؤيته أو سمعه. وجه الدلالة من هذه الآية على الرد عليهم أنه أثبت العلم لله، وقد قال الشافعي وغيره من السلف قال: ناظروا القدرية بالعلم، ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خُصِمُوا، وإن أنكروه كفروا.
(...) القدرية المقتصدون منهم والذين استقر مذهبهم عليه هم الذين يقولون: إن الله يعلم أفعال العباد، لكنه سبحانه وتعالى لا يشاؤها ولا يخلقها، إنه يعلمها ومكتوبة عنده، فقالوا لهم السلف: ناظروهم بالعلم، إن قالوا: إن الله يعلم خصموا، إن قالوا: إن الله ما يعلم كفروا، أما إذا قالوا: إن الله لا يعلم فكفرهم واضح لتكذيبهم القرآن، وأما إذا قالوا: إنه يعلم لكن ما يخلقها ولا يقدرها كيف يُخْصَمون؟ نقول: هذه الأشياء هل وقعت على خلاف معلومه أو على وفق معلومه؟ ماذا يقولون؟ سيقولون: على وفق معلومه؛ لأنه إن قالوا: على خلافه فمعناه ما عَلِم، فإذا كانت على وفق معلومه لزم أن تكون مرادة له وإلا لما وقع، فالحاصل أن في الآية ردًّا على الجبرية وعلى القدرية، نعم ولاحظوا أن القدرية والجبرية كلا منهم غلا في جانب من جوانب القدر، والوسط هو الخير فأهل السنة والجماعة كما تعرفون يثبتون لله العلم والكتابة والمشيئة، ويش بعد؟ والخلق، المشيئة هي الإرادة، والمشيئة والخلق، كما يثبتون للإنسان أيضًا إرادة ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ويثبتون للإنسان أيضًا مشيئة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان ٣٠].
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٨٢].
هذه الآية استثناء من قوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ فيستفاد منها: نفي أو رفع الإثم عمن أصلح في الوصية إذا حصل جنف أو إثم، والفرق بينهما سبق في التفسير، الجنف: الخطأ من غير قصد، والإثم: الخطأ بقصد.
* ويستفاد منه: أنه قد يُعَبَّر بنفي الإثم دفعًا لتوهمه، وإن كان الأمر في نفسه واجبًا، وهذه فائدة تنفعكم في كثير من المسائل، أنه قد يعبر بنفي الإثم أو نفي الجناح دفعًا عن توهمه وإن كان الشيء أمرًا واجبًا، وهذا أقول: إنه ينفعكم في هذا المكان وفي غيره، فالإصلاح عندما يخاف جنفًا أو إثمًا أيش حكمه؟ واجب، لكن نفى الإثم الذي أُثْبت في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ فكأنه قال: ﴿لَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ويرجع الأمر إلى أصله الأول وهو أن الإصلاح واجب، ونظيره قوله تعالى فيما سبق: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]
هذا لنفي الجناح المتوهم من الطواف بين الصفا والمروة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١]، مع أن قصر الصلاة للمسافر حكمه إما واجب أو سنة مؤكدة على رأي الجمهور، ومع ذلك نفى عنه الإثم دفعًا لتوهم الإثم في قصر الصلاة.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز ولَّا لا؟ جائز، ولكنه واجب من دليل آخر، واجب من دليل آخر ما هو من هذه الآية، طيب تغيير الوصية لما هو أفضل لا لدرء الإثم ما حكمه؟
* طالب: ما يجوز.
* الشيخ: ما تقولون فيه؟ فيه خلاف بين أهل العلم منهم من قال: لا يجوز، لا يجوز أن تغير الوصية لما هو أفضل لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة ١٨١] ولم يستثن إلا ما وقع في الإثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير، وقال بعض أهل العلم: بل يجوز تغييره إلى ما هو أفضل، بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ وذلك لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله عز وجل؛ وكل ما كان أقرب فإنه أحب إلى الله وأنفع للموصي أيضًا والموصي بشر، قد يخفى عليه ما هو الأرجح وما هو الأفضل، ثم إنه يكون في وقت ما الأفضل غير ما هو الأفضل في وقت آخر، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: نعم ونحن أدركنا ما نسمعه من الناس أنه فيما سبق من أحب الأشياء إلى الفقراء أن يطبخ لهم الطعام واللحم ويأكلون، لكن الآن الدراهم أحب إليهم ومشاريع أخرى أنفع، وقال هؤلاء الذين أجازوا تغيير الوصية إلى ما هو أفضل قالوا: إن الرسول ﷺ أجاز تغيير النذر مع وجوبه لما هو أفضل، «فالرجل الذي جاء إليه وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد عليه قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد الثالثة، فقال: «اصْنَعْ مَا شِئْتَ»، أو كلام هذا معناه، قال «شَأْنَكَ إِذَنْ»[[أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد (١٤٩١٩) من حديث جابر بن عبد الله.]] فهذا دليل على جواز تغيير الشيء إلى ما هو أفضل، والذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها؛ لتعلق حق المعين بها كما لو كانت الوصية على أولاده مثلًا، الوصية لأولاده وليس هناك وارث غيرهم، أو مثلا وَقَّفَ وَقْفًا على أولاده فإنه لا يجوز أن يُغَيِّر لماذا؟ لتعلق حق الغير المعين به، أما إذا كان على غير معين كما لو كان على المساجد، فرأينا أن الجهاد أن صرفه في الجهاد أولى صرفناه في الجهاد، على المساجد فأصاب المسلمين مسغبة، يضطرون إلى إنقاذهم من الجوع والعُرْي صار صرفها إلى هذا أفضل وأولى، فالمهم أن الذي نرى في هذه المسألة، لا في الوصية ولا في الوقف، أن ما كان على معين فإنه لا يصرف إلى غيره لتعلق حق المُعيَّن به، شخص معين كيف يصرفه إلى غيره، أما إذا كان على جهة كالفقراء والمساجد وطبع الكتب وما أشبه ذلك فإنه لا حرج أن يصرف إلى ما هو أفضل؛ لأن ذلك أنفع للموصِي والموقِف وأصلح.
* طالب: إن كان دارًا يا شيخ أو مسجدًا؟
* الشيخ: كل واحد سواء دار أو غير دار.
* طالب: مثلا يعني (...) إذا رأى أن المسجد (...)؟
* الشيخ: إي نعم، وكذلك المسجد لو تعطل.
* طالب: أو دار.
* الشيخ: وكذلك المسجد لو تعطل مثلًا، ورحل الناس عن مَحَلته فلا حرج أن يبيعه، وينقله إلى مكان آخر.
* طالب: والدار كذلك؟
* الشيخ: وكذلك الدار على غير معين.
* طالب: (...) يجيب؟
* الشيخ: يجيب عليه إن قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ اعتبار الأصلح.
* طالب: لكن من يغير؟
* الشيخ: يغيره الوليُّ؛ لأن الوصية لا بد فيها من وصيٍّ، فإن لم يكن وصيٌّ خاص فالولي العام؛ القاضي.
* طالب: (...) معرفة الأمور (...).
* الشيخ: إذا لم يصلْ إلى هذا، فإنه يجب على الحاكم الشرعي أن يضم إليه أمينٌ عادلٌ، ما تخل للأوقاف العامة هكذا، أما الخاصَّة فشأنه، ما تغير الخاص، لكن الأوقاف العامة لا بد إذا كان الناظر عليها في الوقف أو الوصي في الوصية، إذا كان غير أهل إما لعدم قوته أو لعدم أمانته فإنه يضم إليه من يقوم بالأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وما تضمناه من وصف وحكم، وما تضمناه من وصف وحكم؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٢].
* ومن فوائد الآية: فضيلة الإصلاح؛ لقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ حيث إن الإصلاح الآن صار فيه خير وهو درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة والشحناء بين الموصَى إليه والورثة؛ لقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٨٢].
البقرة 2:182
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠].
أولًا: في الإعراب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه فعل مبني للمجهول، فأين نائب الفاعل؟ الوصية. وفيه أيضًا إشكال نحوي وهي أن ﴿كُتِبَ﴾ فعل ماضٍ غير مؤنث و﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مؤنثة فما هو السبب في أنه ترك التأنيث؟
* طالب: الفصل.
* الشيخ: نعم، الفصل، هل هناك علة أخرى؟
* طالب: هذا زائد يعني ليس التأنيث ليس واجبًا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأنه يعني الضمير، يعني ليس في الفعل يتصل بالفعل ضمير يعود على هذا.
* الشيخ: الحكم صحيح والتعليل غير صحيح.
* طالب: لأن تأنيثه غير حقيقي.
* الشيخ: غير حقيقي، هل عندك شاهد من كلام ابن مالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يصلح؛ لأن القصد منه جوابًا (...) فرض على الإنسان الوصية للوالدين والأقربين، فما رأيك في هذه الآية أمحكمة أم منسوخة؟ قال الله عز وجل: في مناقشة قبل هذه، لو قال قائل: إن الله فرض الفرائض قال: للأم السدس، للأب السدس، للزوجة الثمن أو الربع أو ما أشبه ذلك، ولو أوجبنا الوصية ما كان لهم السدس كاملًا؛ لأن المال سينقص بمقداره؟ فما هو الجواب؟
* طالب: الجواب أن الله سبحانه وتعالى قد أوصى، قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ١١].
* الشيخ: أوصى؟
* الطالب: يعني: أن نخرج الوصية إذا كان هذا الميت قد أوصى بشيء.
* الشيخ: أنه ذكر هذه السهام من بعد؟
* الطالب: من بعد الوصية.
* الشيخ: من بعد الوصية، زين.
* طالب: شيخ، بالنسبة للوالدين (...).
* الشيخ: قلنا: إنه ما يوصى لهم بما يرغبوا؛ لأن المال يكون لغيرهم، والله يقول: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾، واللام للتمليك وهما؟
* الطالب: بس (...).
* الشيخ: لا ما له علاقة؛ لأن هذه وصية للتمليك ما هي نفقة وصية للتمليك، فما دام أن الله قال: للوالدين واللام للتمليك، فإنه مثل قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١١]، وإذا كانا رقيقين لم يرثاه.
* طالب: (...).
* الشيخ: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (2379)، ومسلم (1543 / 80) من حديث عبد الله بن عمر، ولفظ البخاري: «منِ ابتاعَ عبدًا ولهُ مالٌ فمالُهُ لِلذِي باعَهُ».]].
* الطالب: لا، بالنسبة للآية، ما دلت على أنه..؟ اللام، وأيش قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾. وأيش اللام؟
* الطالب: للتمليك.
* الشيخ: طيب.
* طالب: بس ما يفيد عن كونهما والدين.
* الشيخ: لا، الآن مثلا قال الله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ في الميراث: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١١]. لكل واحد منهما السدس إذا مات الابن، طيب لو كانا رقيقين؟
* طالب: الأبناء؟
* الشيخ: الآباء. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾، لو كانا رقيقين؟
* طالب: مَن؟
* الشيخ: هما الوالدان، مات ميت عن أبوين رقيقين يرثان ولَّا لا؟
* طالب: والله هذه اللي مرت علينا (...).
* الشيخ: (...) مرت علينا.
وَيَمْنَعُ الْإِرْثَ عَلَى الْيَقِينِ ∗∗∗ رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلَافُ دِينِ
والسبب في ذلك أن الرسول ﷺ جعل مال المملوك لمالكه: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْمُبْتَاعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2379)، ومسلم (1543 / 80) من حديث عبد الله بن عمر.]].
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٨١]. الفاء هذه عاطفة، و﴿مَنْ﴾ شرطية، و﴿بَدَّلَ﴾ فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ الجملة؟ جواب الشرط واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ هذا إظهار في موضع الإضمار وإلا كان مقتضى السياق أن يقال: فإنما إثمه عليه؛ أي: على المبدل. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ للتهديد.
نرجع إلى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ ﴿بَدَّلَهُ﴾ أي: بدل الإيصاء أي: المفهوم من الوصية وإلا فقد يقول قائل: الوصية مؤنثة، والهاء في ﴿مَنْ بَدَّلَهُ﴾؟ مذكر فكيف عاد المذكر على المؤنث؟ نقول: إنه يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿وَصِيَّةٍ﴾ وهو الإيصاء أي: فمن بدل الإيصاء، فقوله: ﴿بَدَّلَهُ﴾ أي: غيره بنقص أو زيادة أو منع، هذا التبديل إما أن ينقص أو يزيد أو يمنع، إن نقص فالضرر على من؟ الموصى له، وإن زاد فعلى الورثة، وإن منع فعلى الموصى له كل هذه الصور الثلاث تدخل في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾.
وقوله: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ بعد ما سمعه، قال أهل العلم: عبر بالسمع عن العلم؛ لأن السمع من الحواس الظاهرة والعلم من التصورات الباطنة أي: فمن بدله بعد أن يعلمه علم اليقين كما لو سمعه بنفسه، كما لو سمعه بنفسه، ومعلوم أن العلم بالوصية لا يتوقف على السماع قولك؟ قد يكون بالكتابة، وقد يكون بشهادة شهود، وهو ما سمع الموصي، وما إلى ذلك، لكنه كأنه -والله أعلم- عبر بالسمع ليفيد أنه تيقنه كالمسموع لديه ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾، أما من بدل جاهلًا ولم يعلم فلا إثم عليه، لكن عليه الضمان فيما لو تبين أن الوصية على خلاف ما تصرف فيه؛ لأن الواجب عليه أن يتثبت في التصرف لمال غيره.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فإنما إثمه، إثمه الضمير يعود على التبديل، يعني فهذا الإثم يعود ما هو على الموصي ولا على الورثة، يعود على المبدل ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي: يغيرونه، وفائدة الإظهار في موضع الإضمار هنا فائدته الإشارة إلى بيان علة، الإشارة إلى بيان العلة، وإذا كان الأقربون وارثين فإنه لا وصية لهم، إذا كانوا غير وارثين فإنها تجب الوصية لهم، وعلى هذا فتكون الآية من باب المخصوصات لا من باب المنسوخات.
وقد تقدم لنا مرارًا أنه كلما أمكن الجمع حرم العدول إلى النسخ؛ لأن النسخ معناه عدم العمل بأحد الدليلين وهو المنسوخ؛ يعني يلغى ويرفع من الشريعة، والتخصيص عمل بهما جميعًا، ولكن يرفع حكم العموم عن بعض أفراده بمقتضى الدليل المخصص، واضح ولَّا لا؟ وهذا لا شك أنه أولى كوننا نعمل بالنصوص الشرعية كلها لا شك أنه هو الواجب بدلًا من أن نلغي هذا النص ودلالته وحكمه، وإلى هذا ذهب ابن عباس وطائفة من أهل العلم على أن الآية محكمة غير منسوخة لكنها مخصوصة، وهذا وهو الذي نراه وندين الله به، يعني الله أكد هذه الوصية بما رأيتم، فكيف نقول: إنها منسوخة، وهذا تأكيد ﴿كُتِبَ﴾ هذا خبر ما هو أمر بعد ﴿كُتِبَ﴾ وإن كان خبرًا بمعنى الأمر؛ لأن معناها فرض، لكن مثل هذه التأكيدات في هذا الحكم ثم ينسخ هذا شيء فيه بعد، فإذا قال قائل: كيف يكون الوالدان غير وارثين؟ نقول: ممكن، لو كان أبوك رقيقًا يرث ولَّا ما يرث؟
* طالب: ما يرث.
* الشيخ: ما يرث، لكن مع ذلك ما نقول بالوصية له؛ لأنك لو وصيت له أخذها سيده فلا يستفيد. لكن لو كان الأب مخالفًا لك في الدين؟ يرث ولَّا لا؟
* طالب: لا يرث.
* الشيخ: لا يرث، فتوصي له، لو كان الوالد قاتلًا قتلًا خطأ على القول بأن قتل الخطأ يمنع من الميراث يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
* طالب: يمكن.
* الشيخ: يمكن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: افرض مثلًا أن هذا الرجل مع أبيه، والأب هو السائق وحصل حادث على السيارة بسبب تفريط الأب، ثم إن الولد أُصيب بالحادث لكنه ما مات في الحال، دخل المستشفى وبقي يومين ثلاثة أربعة ثم مات من الحادث، على المشهور من المذهب الوالد يرث ولَّا ما يرث؟ لا يرث، هذا الابن أوصى لأبيه في هذه الحال يصح ولَّا لا؟ يصح؛ لأنهم غير وارثين والرسول ﷺ يقول: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (2870)، والترمذي (2120) من حديث أبي أمامة الباهلي.]] فقط، كذلك بالنسبة للأقربين واضح أوضح وأوضح فإن أخاك مع أبيك لا يرثك، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وهو من أقرب الناس إليك فتوصي له، فإن قال قائل: إن الله فرض للأب السدس مثلًا، وللأم السدس، وللزوجة الربع، وللزوج النصف وما أشبه ذلك، وهذا يقتضي أن يكون لهم السدس كاملًا، ومع تنفيذ الوصية لا يكون لهم إلا سدس ناقص بقدر الوصية؟ قلنا: إن الله صرح بأن لهم هذا السهم ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وعلى هذا فلا إشكال في الآية، لا إشكال في تقدير أنصباء الورثة، وهذا القول هو الذي به تجتمع الأدلة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا مرض أن يوصي ولو بشيء قليل من ماله لأقاربه، واعلم أن صلة الرحم والأقارب من أفضل الأعمال اللي تقرب إلى الله، فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أنها أعتقت جارية لها فقال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (2592)، ومسلم (999 / 44)]] شوف، جعل الرسول أفضل منين؟ من العتق، فلا تظن أنك مثلًا إذا أوصيت بثلثك يجعل (...) وما أشبه ذلك من الأشياء التي قد يكون ما يترتب عليه من المفاسد في المستقبل أكثر من مصالحها، لا تظن أن هذا أفضل من كونك توصي لأخيك الذي لا يرث، ولأختك التي لا ترث، ولجدتك التي لا ترث، وما أشبه ذلك، هذا الأخير أفضل لا شك؛ لأنه من صلة الرحم، ثم إن الآية هذه صريحة ولا أعلم لمن قال بالنسخ وجهة في أدلتهم أبدًا.
* طالب: لو قيل دائمًا إن الحالات التي ذكرتها الآن ليست على الوجوب؛ لأن كتب بمعنى (فرض)، بل هي على سبيل الجواز، فعلى أي وجه يكون الجواب؟
* الشيخ: لا، نقول: على سبيل الوجوب، كيف على سبيل؟
* طالب: على سبيل الوجوب الذي والده كافر؟
* الشيخ: نعم، لأن الله قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان ١٥]. فالكافر إذا صار قريبًا له حق القرابة.
* طالب: شيخ، تعبير البعض يعني: بعض العلماء أجدهم يعني في هذه الآية يقول: نسخ بعضها، هذا التعبير يعني..؟
* الشيخ: هذا التعبير صحيح، وقد يطلقه الأقدمون، هذا معروف في أساليب الأولين في القدامى من السلف يعبرون بالنسخ عن التخصيص وهو صحيح؛ لأن التخصيص فيه نوع نسخ فبدلًا من أن يكون الحكم شامل لكل الأفراد رفع الحكم عن بعض هؤلاء الأفراد فهو نسخ في حقهم، ثم قال الله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ [البقرة ١٨٠، ١٨١].
والنداء عليهم بهذا الأمر أو بهذه الجناية التي جَنْوَها، وهي أيضًا إشارة إلى العلة، وهي أيضًا تفيد التعميم يعني كل من بدل بما هو مؤتمن عليه فإنه عليه الإثم.
قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة ١٨١] أي: يبدلون أيش؟ الإيصاء، يبدلون الإيصاء، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الجملة هذه جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، وفائدتها التهديد، وكيف نقول في سميع عليم؟
بعضهم وزع هذين الاسمين فقال: سميع لوصية الموصي، عليم بتبديل المبدّل، فما رأيكم في هذا؟ وزَّع الاسمين على الموصِي وعلى المبدِّل فقال: سميع لوصيته، عليم بتبديل المبدل، وعندي أن الأوْلى أن تُجعَل على العموم؛ لأن الوصية قد لا تكون مسموعة، قد تكون مكتوبة، يكتبها الموصي، قد يكتبها بيده فلا تُسمَع فيكون مُتعلَّقها العلم، وكذلك التغيير تغيير الوصي، هل هو يعني لا يكون إلَّا بغير الصوت؟ قد يكون بالصوت قد يقول الوصي مثلًا: خذ يا فلان عشرين ألفًا وهو ما وصي له إلا بعشرة آلاف ريال، فيكون مصوتًا بصوت يُسمَع، فالصواب أن هذين الاسمين عائدان إلى الوصيِّ والموصي، فإذا قال قائل: ما وجه تعلُّق العلم بالموصي؟ نقول: وجهه ظاهر لأن الموصي قد يحيف في وصيته فيكون مهدَّدًا بماذا؟ بعلم الله، فيكون مهددًا بعلم الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* طالب: (...) ولولا تعميمها في كل آية (...).
* الشيخ: إي نعم، ها الأصل هو التعميم، ما دام أن التعليل تعقَّب جملًا أو أحكامًا فهو لها كلها هذا هو الأصل. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ هذان اسمان من أسماء الله عز وجل، أما السميع فيتعلق بجميع الأصوات كل الأصوات رفيعها وخافضها، المفهوم وغير المفهوم، ما من صوت وإن خَفِي إلا والله جل وعلا يسمعه، وقد تقدم لنا أن عائشة رضي الله عنها لما نزل قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] قالت: «تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ، وَإِنَّهُ لَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ حَدِيثِهَا»[[أخرجه النسائي (٣٤٠٦)، وابن ماجه (١٨٨، ٢٠٦٣)، وأحمد (٢٤١٩٥) من حديث عائشة.]]، والله جل وعلا من فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة التي تجادل الرسول ﷺ، ففي هذا دليل على إحاطة سمع الله بكل شيء.
وسبق لنا أن السمع ينقسم إلى قسمين: سمع إدراك، وسمع إجابة، وأن الإدراك كم؟ ثلاثة أقسام: تهديد، وتأييد، ومجرد الإدراك والإحاطة لا تهديد ولا تأييد، وأما سمع الإجابة فإنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي: مجيبه، وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العلم من أوسع ما يكون تعلقًا من صفات الله، من أوسع ما يكون، قال السفاريني رحمه الله:
وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا ∗∗∗ بِكُلِّ شَيْءٍ.........
يعني: من الواجب والجائز والمستحيل، كل شيء، فالله تعالى يعلم الواجب ويعلم الجائز ويعلم المستحيل، يعلم الواجب مثل أيش؟
* طالب: يعلم ذاته.
* الشيخ: نعم، يعلم ما يتعلق بذاته وصفاته، وما يجب له من صفات الكمال، ويعلم الجائز ما يتعلق بالمخلوقات الممكنات؛ لأن كل المخلوقات من قسم الممكن الجائز، ويعلم المستحيل مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢].
هذا مستحيل، مستحيل أن يكون في السموات والأرض آلهة سوى الله، ومع ذلك أخبر الله بأنه لو كان لفسدتا، إلى غير ذلك مما أخبر الله به عن الأمور التي لا يمكن أن تقع، مستحيلة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عِلْم الله عز وجل كما يتعلق في الظاهر يتعلق بالباطن ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥].
فإذا آمنت بأن الله تعالى محيط علمُه بكل شيء أوجب لك ذلك تمام الخشية منه والخوف، وأن لا يفقِدَك حيث أمرك ولا يجِدَك حيث نهاك.
* طالب: حين يجمع بين العليم والخبير، ما الفرق بينهما؟
* الشيخ: الفرق أنه يكون الخبير ببواطن الأمور والعليم بالظواهر.
* طالب: إذا قال الإنسان: أو لا، قال المجاوب: نعم؛ يعني: نعم لا؟
* الشيخ: لا، نعم ظاهر قصده ما هو بنعم لا، إذا قلت: هل هذا كذا أو لا؟
* طالب: على تقدير حرف نعم أو لا..
* الشيخ: نعم، الأول.
* طالب: شيخ، (...) ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لكل مسموع، سليم هذا التعبير ولَّا؟
* الشيخ: لا، الأحسن تقول لكل صوت؛ لأنه هنا أشياء لا نسمعه يسمعه الله.
* الطالب: سميعًا لكل سمع بالنسبة لله.
* الشيخ: لكل مسموع بالنسبة لله؟ لا، يصير هذا تحصيل حاصل؛ لأننا لو قلنا: سميع لكل مسموع، معناه سميع لما يسمع (...) لكل مسموع منه.
* طالب: لكل مسموع شأنه أن يسمع.
* الشيخ: بلى، إحنا نقول نقول لكل صوت أحسن.
* طالب: ما في صوت إلا ويسمعه الله.
* الشيخ: ما من صوت إلا ويسمعه الله، نعم. يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ نقول: (...) هذه أحسن، إحنا نقول مثلًا: إن كلام (...) فيه شيء، لكن نقول: هذا أحسن وأطيب.
قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٨٢] قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ نقول في (مَنْ) كما قلنا في الأول أنها شرطية، و﴿خَافَ﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
وقوله: ﴿فَأَصْلَحَ﴾ جواب الشرط؟
* طالب: صحيح.
* الشيخ: صحيح؟ لا، خطأ.
* طالب: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
* الشيخ: الجواب ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ﴿فَأَصْلَحَ﴾ معطوفة على خاف.
وقوله: ﴿جَنَفًا﴾ الجنف الميل عن غير قصد، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ الميل عن قصد، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: فعل صالحًا، وليس المعنى أصلح الشقاق؛ لأنه قد لا يكون هناك شقاق؛ لكن أصلح بمعنى حول الأمر إلى شيء أيش؟ صالح كما تقول: أصلحت الكسر وأصلحت العيب، يعني فأصلح الوصية، ولكن هكذا قال بعض المفسرين، لكن هذا القول وإن كان وجيهًا من بعض الوجوه لكن كلمة ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ تدل على أن المراد بذلك إصلاح الشقاق بينهم إذ إن البينية لا تكون إلا بين شيئين.
وقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي فلا عقوبة وهذا كالمستثنى من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة ١٨١].
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جملة تعليلية للحكم.
يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ تشمل الخوف منه في حياته، إنك تخاف أن يقع في إثم، وحينئذ يكون أصلح لا شك أن المراد بها ضد الفساد لا إصلاح الشقاق؛ لأنه إلى الآن ما وقع الشقاق؛ إذا كانت المسألة من الإنسان إلى الموصي مثلًا طلبك رجل مريض وقال: أريد أن تكتب وصيتي، قلت: تفضل أوصى. قال: أوصيتُ لبنتي فلانة بخمس مالي، هنا حكم (مِن) أيش؟ الجنف أو الإثم، إن كان الرجل جاهلًا فهو جنف، وإن كان عالمًا فهو إثم، إذا كان جاهلًا أعلمه، وأقول: هذا لا يحل لك، نعدل الوصية نلغيها فهمتم؟ إذا كان عالمًا أنصحه وأعظه وأخوِّفه بالله لأن بعض الناس -والعياذ بالله- إذا كان (...) عصبة أبناء عم ولا سيما إن كان بينه وبينهم شيء من العداوة، تجده يحرص على أنه يحصر ماله في بناته مثلًا، أو ما أشبه ذلك، هذا ما يجوز، هذا حرام، فيوصي للبنات بالوقف يقول: وقَّفْتُ بيتي على بناتي. نقول: يا رجال، هذا ما يجوز تُوَقَّف بيتك على بناتك بعد موتك، هذه وصية لوارث، قال: هذا بيصيرين أرامل وضعيفات ما عندهن أحد، وعيال عمي (...) ماذا نقول له؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: إن كان جاهلًا (...).
* الشيخ: نُصْلِح نصلح، نصلحه نُصْلِح بينهم، نقول: هذا شيء لا يجوز، ويجب أن تغير، واضح؟ أما إذا كانت الوصية خاف من موص جنفًا بحيث يكون ذلك من بعد موته، بعد موت الموصي أطلع على وصيته فإذا هي مخالفة للشرع، فحينئذ تكون ﴿أَصْلَحَ﴾ معناها أزال الشقاق؛ لأنه إذا أراد أن يغيرها والموصَى له قد علم، أيش يقول الموصى له؟ يقول: لا ما يمكن، والورثة يقولون: لا ما يمكن يوصى له، فيحصل الشقاق فإذا أصلح بينهم ورد الأمر إلى نصابه، وإلى ما تقتضيه الشريعة الإسلامية فلا إثم عليه.
تبين لنا الآن أن الآية الثانية كالاستثناء من الآية الأولى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة ١٨١].
وقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لماذا لم يقل: فلا إثمٌ عليه؟
* الطلبة: نافية للجنس.
* الشيخ: لأنها نافية للجنس، والنافية للجنس هنا أعم يعم القليل والكثير، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوصية للوالدين والأقربين فرض على من ترك مالًا كثيرًا، تؤخذ؟
* الطلبة: من ﴿كُتِبَ﴾.
* الشيخ: ويش بعد؟
* الطلبة: حقًّا.
* الشيخ: و﴿حَقًّا﴾ و﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
لكن هذه الآية خُصِّصَت بآيات المواريث، تبع الفائدة، نعم خصصت بآيات المواريث فمن ورث من هؤلاء فلا وصية له، لقول النبي ﷺ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة، والترمذي (٢١٢١)، والنسائي (٢٦٤١، ٣٦٤٢، ٣٦٤٣)، وابن ماجه (٢٧١٢) من حديث عمرو بن خارجة، وابن ماجه (٢٧١٤) من حديث أنس.]].
* ومن فوائد الآية: اعتبار قول من حضره الموت؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة ١٨٠].
إن قوله معتبر ولكنه مقيد بما إذا كان يعي ما يقول أما إذا كان لا يعي ما يقول فليس بمعتبَر، والموتى يختلفون منهم من يعي ما يقول إلى أن تخرج روحه، ومنهم من يذهل ولا يحس بشيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للقرابة حقًّا في مال الإنسان؛ لقوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
* ومنها: اعتبار الأقرب فالأقرب؛ لقوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
* ومنها: أن الوصية هنا ليست مقيدة بجزء معين بل هي بالمعروف.
* ومنها: تأكيد حكم هذه الوصية بقوله: ﴿حَقًّا﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن المتقي لله عز وجل هو المنفِّذ لأحكامه؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
* طالب: شيخ، (...) ألا يتعارض مع الحديث: لا يحل لمؤمن (...).
* الشيخ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ».
* طالب: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧ / ١) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: ما تفيد هذا لكنه تفيد جواز الوصية عند حضور الأجل، ولَّا في الحزن لا شك أنه يدل عليه حديث ابن عمر لأنه يسمى ما يدري (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) معناه أنه لا بد أن يفعل هذا الظاهر والله أعلم، ما هو بلازم في هذا الوقت.
* طالب: شيخنا، بعض العلماء (...) هذه الآية مثال على نسخ السنة بالقرآن.
* الشيخ: أو القرآن بالسنة.
* طالب: لا، السنة بالقرآن.
* الشيخ: القرآن بالسنة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* طالب: حديث أبي أمامة اللي يقول:« «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة.]].
* الشيخ: نسخ القرآن بالسنة.
* طالب: إي، يعني السنة هس اللي ناسخة.
* الشيخ: إي (...).
* طالب: ما يصح هذا؟
* الشيخ: ما يصح، لأن الحديث هذا مُبَيِّن للناسخ مبين، وليس هو الناسخ، الناسخ الآية التي نسخت.
* طالب: لكن يرد هذا (...) الآية ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] الآيات، يقول: معناه أن الآية هذه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ ما فيه نسخ.
* الشيخ: ما في أيش؟
* طالب: (...) آية المواريث والآية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾: فالواحد يقول: ما فيه نسخ، يعني هذا وصية للوالدين، للأقربين، وهذا نقول: مثلًا (...).
* الشيخ: لكن لما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء ١١] المواريث قال: من بعد وصية، وقال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [الطلاق ١]
فلما قال من بعد وصية، وقال: إن هذه محددة عُلِم أن الوصية لغير هؤلاء، وإلا لكانت هذه الأنصبة غير محددة.
* طالب: من بعد وصية لهم، أو لغيرهم؟
* الشيخ: طيب، لهم ولغيرهم، لكن لو أوصى لهم لزاد على هذه الحدود، لو أوصت المرأة لزوجها لزادت على النصف، لزاد على النصف والله يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾
* طالب: إذن ما الحاجة (...).
* الشيخ: لا، يبين، لا شك أنه يبين للناس، يعني بَيَّن لنا عليه الصلاة والسلام أن هذه الفرائض خصصت آية الوصية ما نسختها، والصحيح أنه مبين مثَّلوا بهذا، يعني بعض الأصوليين مثل بهذا بأن هذا الحديث ناسخ للقرآن، والصواب أنه ليس بناسخ حتى لو فُرِضَ أنه هو المستقل فليس بناسخ؛ لأنه مخصص فقط.
* طالب: شيخ، (...) قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء ١١]. الوصية الآن قبل الموت (...) فالوصية خارجة عن (...) هذا موضوع خارج؟
* الشيخ: الوصية متى تثبت؟
* طالب: تثبت بعد الموت.
* الشيخ: والميراث؟ بعد الموت فإذن يكون الوصية، عارف لأنك تريده بعد الموت، المهم على كل حال الحديث هذا بعض العلماء يقول: إنه دليل على نسخ القرآن بالسنة، ولكنه ليس بصحيح، أولًا إنه ليس هذا بنسخ، بل هو من باب التخصيص، ثم على فرض أنه نسخ فهو مُبَيِّن للناسخ وليس بناسخ.
* طالب: شيخ، الوصية (...)؟
* الشيخ: نعم، هذا صحيح الوصية هنا مطلقة، لكن قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ مقيد له، لأن المعروف ما عرفه الشرع وما جرى به العرف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، فيها لكن هذا استحسان ما هو بلازم.
يقول: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من فعل الخير، ثم غُيِّرَ بعده كُتِبَ له ما أراد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بدل الوصية جهلًا فلا إثم عليه؛ لقوله: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾، ويؤخذ من هذا بل من باب أولى أنه لو تصرف في الوصية تصرُّفًا خطأ يعتقد أنه على صواب، فإنه لا ضمان عليه لأنه مولًّى، مولى على التصرف فيها، فإذا أخطأ فلا ضمان إذا لم يكن هناك تفريط أو تعدي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تغيير الوصية؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
فيجب أن يُعْمَل بوصية الموصي على حسب ما أوصى، إلا ما سيأتي إن شاء الله في الآيات التي بعدها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وما تضمناه من الصفة والحكم أيضًا الذي هو الأثر، فالسميع اسم والسمع صفة، وكونه يسمع أثر، والعليم كذلك اسم، والعلم صفة، وكونه يعلم هو الأثر أو الحكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله عز وجل بكل أعمال الخلق؛ لأنها ذُكِرَت عَقِب التهديد في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾، وهذا يدل على أن الله تعالى يسمع ويعلم.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية والرد على الجبرية، ففيها ردٌّ على القدرية وردٌّ على الجبرية، الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، مجبر على عمله ولا قدرة له ولا اختيار، وهؤلاء أنكروا حكمة الله عز وجل؛ لأننا إذا قلنا بهذا القول الباطل انتفت حكمة الأمر والنهي، وصار من فَعَل ما أُمِر به أو ترك ما نهي عنه ليس أهلًا للمدح ولا للذم، السبب؟
* طالب: أنهم آلة.
* الشيخ: لأن جميعهم آلة، ما عندهم قدرة ولا اختيار ولا شيء، وكذلك أبطلوا حكمة الله تعالى في الجزاء لأنه يجزي المحسن وهو غير محسن في الواقع، ويثيب العاصي وهو غير عاص.
* الطلبة: يجازي العاصي.
* الشيخ: يثيب العاصي، وهو غير عاص ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].
طيب، أقول: فيها رد على الجبرية؛ لقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ هذا وجه الرد على الجبرية، فأضاف التبديل إلى الإنسان.
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ فيها رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ولا تتعلق به إرادة الله ولا خلق الله، ما لله عليه إرادة ولا قدرة ولا خلق قول من؟
* طالب: القدرية.
* الشيخ: القدرية، وغلاتهم ينكرون العلم والكتابة أيضًا، يقولون: إن أفعال العباد غير معلومة لله، ولا مكتوبة عندهم أفهمتم؟ هؤلاء الغلاة اللي خرجوا في زمن ابن عمر وقالوا: إن الأمر أُنُف مستأنف، ما كان الله ليعلم شيئًا مما نفعله إلا إذا وقع علمه بعد رؤيته أو سمعه. وجه الدلالة من هذه الآية على الرد عليهم أنه أثبت العلم لله، وقد قال الشافعي وغيره من السلف قال: ناظروا القدرية بالعلم، ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خُصِمُوا، وإن أنكروه كفروا.
(...) القدرية المقتصدون منهم والذين استقر مذهبهم عليه هم الذين يقولون: إن الله يعلم أفعال العباد، لكنه سبحانه وتعالى لا يشاؤها ولا يخلقها، إنه يعلمها ومكتوبة عنده، فقالوا لهم السلف: ناظروهم بالعلم، إن قالوا: إن الله يعلم خصموا، إن قالوا: إن الله ما يعلم كفروا، أما إذا قالوا: إن الله لا يعلم فكفرهم واضح لتكذيبهم القرآن، وأما إذا قالوا: إنه يعلم لكن ما يخلقها ولا يقدرها كيف يُخْصَمون؟ نقول: هذه الأشياء هل وقعت على خلاف معلومه أو على وفق معلومه؟ ماذا يقولون؟ سيقولون: على وفق معلومه؛ لأنه إن قالوا: على خلافه فمعناه ما عَلِم، فإذا كانت على وفق معلومه لزم أن تكون مرادة له وإلا لما وقع، فالحاصل أن في الآية ردًّا على الجبرية وعلى القدرية، نعم ولاحظوا أن القدرية والجبرية كلا منهم غلا في جانب من جوانب القدر، والوسط هو الخير فأهل السنة والجماعة كما تعرفون يثبتون لله العلم والكتابة والمشيئة، ويش بعد؟ والخلق، المشيئة هي الإرادة، والمشيئة والخلق، كما يثبتون للإنسان أيضًا إرادة ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ويثبتون للإنسان أيضًا مشيئة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان ٣٠].
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٨٢].
هذه الآية استثناء من قوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ فيستفاد منها: نفي أو رفع الإثم عمن أصلح في الوصية إذا حصل جنف أو إثم، والفرق بينهما سبق في التفسير، الجنف: الخطأ من غير قصد، والإثم: الخطأ بقصد.
* ويستفاد منه: أنه قد يُعَبَّر بنفي الإثم دفعًا لتوهمه، وإن كان الأمر في نفسه واجبًا، وهذه فائدة تنفعكم في كثير من المسائل، أنه قد يعبر بنفي الإثم أو نفي الجناح دفعًا عن توهمه وإن كان الشيء أمرًا واجبًا، وهذا أقول: إنه ينفعكم في هذا المكان وفي غيره، فالإصلاح عندما يخاف جنفًا أو إثمًا أيش حكمه؟ واجب، لكن نفى الإثم الذي أُثْبت في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ فكأنه قال: ﴿لَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ويرجع الأمر إلى أصله الأول وهو أن الإصلاح واجب، ونظيره قوله تعالى فيما سبق: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]
هذا لنفي الجناح المتوهم من الطواف بين الصفا والمروة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١]، مع أن قصر الصلاة للمسافر حكمه إما واجب أو سنة مؤكدة على رأي الجمهور، ومع ذلك نفى عنه الإثم دفعًا لتوهم الإثم في قصر الصلاة.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز ولَّا لا؟ جائز، ولكنه واجب من دليل آخر، واجب من دليل آخر ما هو من هذه الآية، طيب تغيير الوصية لما هو أفضل لا لدرء الإثم ما حكمه؟
* طالب: ما يجوز.
* الشيخ: ما تقولون فيه؟ فيه خلاف بين أهل العلم منهم من قال: لا يجوز، لا يجوز أن تغير الوصية لما هو أفضل لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة ١٨١] ولم يستثن إلا ما وقع في الإثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير، وقال بعض أهل العلم: بل يجوز تغييره إلى ما هو أفضل، بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ وذلك لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله عز وجل؛ وكل ما كان أقرب فإنه أحب إلى الله وأنفع للموصي أيضًا والموصي بشر، قد يخفى عليه ما هو الأرجح وما هو الأفضل، ثم إنه يكون في وقت ما الأفضل غير ما هو الأفضل في وقت آخر، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: نعم ونحن أدركنا ما نسمعه من الناس أنه فيما سبق من أحب الأشياء إلى الفقراء أن يطبخ لهم الطعام واللحم ويأكلون، لكن الآن الدراهم أحب إليهم ومشاريع أخرى أنفع، وقال هؤلاء الذين أجازوا تغيير الوصية إلى ما هو أفضل قالوا: إن الرسول ﷺ أجاز تغيير النذر مع وجوبه لما هو أفضل، «فالرجل الذي جاء إليه وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد عليه قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد الثالثة، فقال: «اصْنَعْ مَا شِئْتَ»، أو كلام هذا معناه، قال «شَأْنَكَ إِذَنْ»[[أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد (١٤٩١٩) من حديث جابر بن عبد الله.]] فهذا دليل على جواز تغيير الشيء إلى ما هو أفضل، والذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها؛ لتعلق حق المعين بها كما لو كانت الوصية على أولاده مثلًا، الوصية لأولاده وليس هناك وارث غيرهم، أو مثلا وَقَّفَ وَقْفًا على أولاده فإنه لا يجوز أن يُغَيِّر لماذا؟ لتعلق حق الغير المعين به، أما إذا كان على غير معين كما لو كان على المساجد، فرأينا أن الجهاد أن صرفه في الجهاد أولى صرفناه في الجهاد، على المساجد فأصاب المسلمين مسغبة، يضطرون إلى إنقاذهم من الجوع والعُرْي صار صرفها إلى هذا أفضل وأولى، فالمهم أن الذي نرى في هذه المسألة، لا في الوصية ولا في الوقف، أن ما كان على معين فإنه لا يصرف إلى غيره لتعلق حق المُعيَّن به، شخص معين كيف يصرفه إلى غيره، أما إذا كان على جهة كالفقراء والمساجد وطبع الكتب وما أشبه ذلك فإنه لا حرج أن يصرف إلى ما هو أفضل؛ لأن ذلك أنفع للموصِي والموقِف وأصلح.
* طالب: إن كان دارًا يا شيخ أو مسجدًا؟
* الشيخ: كل واحد سواء دار أو غير دار.
* طالب: مثلا يعني (...) إذا رأى أن المسجد (...)؟
* الشيخ: إي نعم، وكذلك المسجد لو تعطل.
* طالب: أو دار.
* الشيخ: وكذلك المسجد لو تعطل مثلًا، ورحل الناس عن مَحَلته فلا حرج أن يبيعه، وينقله إلى مكان آخر.
* طالب: والدار كذلك؟
* الشيخ: وكذلك الدار على غير معين.
* طالب: (...) يجيب؟
* الشيخ: يجيب عليه إن قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ اعتبار الأصلح.
* طالب: لكن من يغير؟
* الشيخ: يغيره الوليُّ؛ لأن الوصية لا بد فيها من وصيٍّ، فإن لم يكن وصيٌّ خاص فالولي العام؛ القاضي.
* طالب: (...) معرفة الأمور (...).
* الشيخ: إذا لم يصلْ إلى هذا، فإنه يجب على الحاكم الشرعي أن يضم إليه أمينٌ عادلٌ، ما تخل للأوقاف العامة هكذا، أما الخاصَّة فشأنه، ما تغير الخاص، لكن الأوقاف العامة لا بد إذا كان الناظر عليها في الوقف أو الوصي في الوصية، إذا كان غير أهل إما لعدم قوته أو لعدم أمانته فإنه يضم إليه من يقوم بالأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وما تضمناه من وصف وحكم، وما تضمناه من وصف وحكم؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٢].
* ومن فوائد الآية: فضيلة الإصلاح؛ لقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ حيث إن الإصلاح الآن صار فيه خير وهو درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة والشحناء بين الموصَى إليه والورثة؛ لقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٨٢].