Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:183 – البقرة 2:189

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:183
  2. البقرة 2:184
  3. البقرة 2:185
  4. البقرة 2:186
  5. البقرة 2:187
  6. البقرة 2:188
  7. البقرة 2:189

البقرة 2:183

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣]. أولًا: الخطاب بالنداء تقدم أنه يدل على تنبيه المخاطب لأمر ذي شأن؛ ولهذا وجه إليه النداء: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ فكأنه يقول: انتبه، ثانيًا: تعليق هذا بوصف الإيمان فيه ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء بالانتساب، وثانيًا: أن هذا من مقتضى الإيمان، وثالثًا: أن تركه نقص في الإيمان، أما وجه كونه مفيدًا للإغراء؛ فلأن مناداة الإنسان بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تستلزم حثهم على هذا الشيء بسبب إيمانهم، ولهذا لو أقول لك: يا رجل، افعل هكذا، هذا يغريك على فعله، وكأنك إذا لم تفعله فاتك وصف الرجولة، هذا السبب في أنه يفيد الإغراء، أما كونه يفيد أنه مقتضى الإيمان؛ فلأنه وجه إلى المؤمنين فكان ذلك لمقتضى إيمانهم، وأما كونه نقصًا فيما لو تخلف فلأنه لما خُصَّ به المؤمن عُلم أنه من خصاله، وإذا فاتت خصال الإيمان أو فات شيء منها صار ذلك نقصًا في الإيمان، إذن نخلص من هذا إلى أن الصيام مما يُعْتَنى به ويهتم به. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي فرض، والذي فرضه هو الله سبحانه وتعالى. ﴿الصِّيَامُ﴾ هذه نائب الفاعل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فهو نائب الفاعل المرفوع. والصيام في اللغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم ٢٦] يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم ٢٦]، وأما في الشرع فإنه: التعبد لله سبحانه وتعالى بترك المفطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣] الكاف هذه حرف جر، وتفيد التشبيه ولكنه تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس للمكتوب بالمكتوب ﴿كَمَا كُتِبَ﴾، وهذا أعني التشبيه بالفعل دون مَن وقع عليه الفعل هذا أمر مطرد، «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) و(٢٩٦٨ / ١٦).]] التشبيه هنا للرؤية ولَّا للمرئي بالمرئي؟ للرؤية بالرؤية؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى المصدر، فقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ نقول هنا التشبيه المكتوب بالمكتوب ولَّا الكتابة بالكتابة؟ الكتابة بالكتابة؛ أي: ككتابته، ولهذا نقول (ما) هنا مصدرية وليست اسمًا موصولًا. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من أين؟ من الأمم السابقة، يعم اليهود والنصارى ومن قبلهم، كلهم كتب عليهم الصيام، ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت والزمن. وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذا التشبيه فيه فائدتان لنا، الفائدة الأولى: التسلية والتأسي بمن سبق؛ حتى لا تقول هذه الأمة: إن الله سبحانه وتعالى حملنا آصارًا وأثقالًا بهذا الصوم، لا سيما في أيام الصيف، فيقال: اطمئنوا فالأمر كنتم مسبوقين به، ولا شك أن الإنسان إذا ذُكِرَ له من شاركه في أمر شاق، فإنه يُهَوِّن عليه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]. يعني: لن ينفعكم اشتراككم في العذاب، بل هنا في الدنيا إذا اشترك الناس في العذاب هان عليهم؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي فهؤلاء في النار ما ينفعهم الاشتراك في العذاب أن يهون عليهم، كذلك هنا لما ذكر الله أنه فرض علينا الصيام بَيَّن أنه فرض على من قبلنا حتى نطمئن ولا نقول: إننا حُملنا ما لم تحمل الأمم السابقة هذه واحدة، الفائدة الثانية لنا في ذكر كتابته على من سبقنا: بيان أن هذه الأمة كُمِّلت لها الفضائل كما كُمِّلَت للأمم السابقة، ولا ريب أن الصيام لله عز وجل من أعظم الفضائل، أن الإنسان يترك شهوته وطعامه وشرابه أشهى ما (...) إليه لله عز وجل، ومن أجل هذا اختص الله ثوابهم لنفسه، اختصه لنفسه فقال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الْصَوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتُهُ مِنْ أَجْلِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١ / ١٦٤) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.]]. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: من؟ * طالب: الأمم السابقة (...). * الشيخ: طيب هذا من نعمة الله علينا؛ لأنه نقول: إنه لما فرض الله علينا بين أنه قد فرض على من سبقنا حتى لا نقول: إنه من الآصار التي علينا. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، وأيضًا نتأسى بذلك، ما دام هذا مفروضًا على غيرنا، فإنه يهون علينا، الآن الناس.. * طالب: (...) حتى وإن لم يكن مكتوبًا. * الشيخ: (...)، الله عز وجل يهون الأمر علينا كونها تأتي في أيام معدودات (...) سمعنا وأطعنا إن شاء الله تعالى (...) ويذكِّر العباد بأشياء حتى يهون عليهم الأمر وينقادوا تمامًا. * طالب: (...). * الشيخ: تتقون الله عز وجل، هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم، وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية أو مصالح اجتماعية فإنها تبع وإلَّا ففيه مصالح بدنية واجتماعية، وأنا يؤسفني كثيرًا أن يركز بعض الناس على فوائد الصوم البدنية والاجتماعية، أنا لا أقول لا تُذْكَر، تذكر لكن لا يركز عليه، وكأنه ما شرع إلا لها لأن هذا يذهب روح الصيام، وهو التعبد لله به، فإذا قيل للإنسان: أنت إذا صمت صار في هذا زوال للفضلات التي في بدنك من كثرة الطعام، وصار في هذا كذا وكذا من الفوائد الطبية، وصار في هذا أيضًا تذكير لك بإخوانك الفقراء حتى تواسيَهم بمالك وما أشبه هذا من أمور، ما نقول هكذا، وننسى الأصل الذي من أجله كتب الصيام وهو تقوى الله؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فَي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠٥٧) من حديث أبي هريرة.]] هذا هو الحكمة من الصوم، والتقوى فيه ظاهرة جدًّا، ولا حاجة إلى أن آتي لكم بشاهد وأنتم تصومون رمضان وتحسون بما يكون في نفوسكم من تقوى الله عز وجل في أيام الصوم، والإنسان بمجرد ما يقول لنفسه أو يُشْعِر نفسه أنه ترك ملاذه لله، لا شك أنه يقول: إذا تركت هذه الملاذ التي هي من مقتضى طبيعتي، وتحثُّ عليها طبيعتي حثًّا عظيمًا، فإن هذا لا شك أنه يكسب قلبه محبة الله وتعظيمًا له ونورًا وإيمانًا وطمأنينة، وهذا هو السر في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. * طالب: شيخ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ هنا مطلقة (...) وجهه؟ * الشيخ: لا، ما له وجه الصواب أنكم لعلكم تتقون الله؛ لأن التقوى إذا أطلقت فهي هذا تقوى الله مثل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، وما أشبهه. * طالب: قد يقول قائل: إن التقوى غالبًا تكون في الإفطار أكثر منها في الصيام، وذلك لأن الجسم عندما يكون نشيطًا يكون أخشع لله، وإذا كان غير ذلك لا بد أنه يثقل الذكر والعبادة؟ * الشيخ: ما جربت يا ولدي، الشبع هو الذي يدعو إلى الأشر والبطر. * طالب: وإلى النوم. * الشيخ: وإلى النوم الإنسان إذا شبع (...). * طالب: بالأخص إذا كان الجو حارًّا. * الشيخ: صحيح أنه يتعب، لا شك أنه يتعب، فهمت؟ لكن هذا التعب وهذا الانكسار له تأثير على القلب، تأثير يعرفه أرباب السلوك، نحن ما نعرفه، إحنا يعني إلى المادة أقرب منا إلى الروح، لكن على كل حال أرباب السلوك يعرفون هذا، فله إصلاح عظيم للقلب، إذا كان في الحدود الشرعية، أنا ما أقول: موت روحك من الجوع لو أنك كنت صائم، لا ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٧٢]، لكن له تأثير لا سيما إذا اقترن به أن الإنسان يشعر بأنه يتعبد لله، وهذا له فائدة عظيمة. * طالب: (...). * الشيخ: طيب ثم قال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة ١٨٤] أيامًا هذه مفعول لقوله: ﴿الصِّيَامُ﴾؛ لأن الصيام مصدر يعمل عمل فعل ولَّا لا؟ هنا مر علينا من كلام ابن مالك؟ ويش يقول؟ * طالب: بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ ∗∗∗ مُضَافًا اوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ أَلْ * الشيخ: أو مع (أل). * طالب: إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) يَحُلْ ∗∗∗ مَحَلَّهُ وَلِاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ * الشيخ: المهم هو الآن مع أل فهمت؟ فالصيام عمل في قوله: ﴿أَيَّامًا﴾ يعني: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات. وقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ نكرة، والنكرة تفيد القلة وتفيد الكثرة وتفيد العظمة وتفيد الهون حسب السياق، لما قرنت هنا بقوله: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ أفادت القلة يعني: هذا الصيام ليس أشهرًا ليس سنوات ليس أسابيع ولكنه أيش؟ أيام، أيام معدودات قليلة. و﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ لا يخفاكم أنها من صيغ جمع القلة؛ لأن جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم من صيغ جمع القلة يعني فهي أيام قليلة، وصدق الله عز وجل؛ قليلة إذا نسبت ثلاثين يوما لثلاث مئة وستين يوما. * طالب: (...). * الشيخ: قليلة، ومع ذلك فيها هذا الفضل العظيم: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، ثم قال فالاستثناء من قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ لأن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ يشمل المريض والمسافر والقادر والعاجز، لكن قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية و﴿كَانَ﴾ فعل الشرط و﴿فَعِدَّةٌ﴾ الجملة جواب الشرط، وعدة مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه عدة من أيام أخر، ويجوز أن تكون خبرًا مبتدؤه محذوف، والتقدير: فالواجب عدة. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ مريضًا أخذ بعض أهل العلم بظاهرها، وقال: أي مرض يصيب الإنسان فله أن يفطر، أي مرض يصيب الإنسان فله أن يفطر، ولكن في هذا نظر ووجهه إنه إنما استثني المريض لمشقة الصوم عليه، وعلى هذا فنقول: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ مرضًا يشق عليه الصوم أو يتأخر به البُرْء، يعني: ما يشق عليه، لكن يتأخر به البرء، أو يفوت به العلاج، كما لو قال له الطبيب: خذ حبوبًا كل أربع ساعات وما أشبه ذلك، فالمهم إذا كان للصوم تأثير على هذا المرض بمشقة أو تأخر برء أو اختلاف في العلاج فإنه يجوز له أن يفطر، أما مريض في ضرسه مثلا، فصار معه كسل بسبب وجع الضرس ولكنه يتحمل الصيام بدون مشقة، نقول له: أفطر؟ ما نقول: أفطر، أو كان في أصبعه شوكة صار معها بعض الفتور من أجلها، لكنه لا يشق عليه الصوم، فهذا أيضًا لا نقول له: أفطر؛ لأنه لا داعي للفطر، فالمرض لن يؤثر عليه إطلاقًا، فإذا قال قائل: نحتاج إلى دليل على هذا التخصيص. قلنا: التخصيص مفهوم من العلة. وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ على سفر، ما قال: أو مسافرًا مع أنه قال في الأول: مريضًا، ولم يقل: في مرض، فلا بد أن يكون هناك حكمة في اختلاف التعبير، فما هي الحكمة؟ الحكمة من قال: إن من عزم على الرحيل فله الإفطار ولو كان في وسط بلده، كما هو مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال: «إنه هو السُّنة»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/٢٤٧) من حديث أنس.]]، فإنه يظهر تمامًا معنى قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لأن المتهيِّئ للسفر المرتحل لو ما خرج وصار في سفر حقيقة فإنه على سفر، ولهذا يقول الشاعر: مَرَّ الْجَرَادُ عَلَى زَرْعِي فَقُلْتُ لَهُ ∗∗∗ لَا تَأْكُلَنَّ وَلَا تَسْعَىبِإِفْسَادِي؎فَقَامَ مِنْهُمْ خَطِيبٌ فَوْقَ سُنْبُلَةٍ ∗∗∗ إِنَّا عَلَى سَفَرٍ لَا بُدَّ مِنْ زَادِ الشاهد قوله: إنا على سفر. (...) ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤] قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ هذه على تقدير شَيْءٍ محذوف، والتقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر. * طالب: (...). * الشيخ: فأفطر فعدة من أيام أخر. ثم: ﴿عِدَّةٌ﴾ إما أنها مبتدأ خبرها محذوف التقدير: فعليه عدة، أو أنها خبر مبتدأ محذوف التقدير: فالواجب عدة، أو فالمكتوب عدة من أيام أخر. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ هذا التشبيه لأي شيء؟ * طالب: تشبيه كتاب بكتاب. * الشيخ: وليس المكتوب بالمكتوب؟ * طالب: لا ليس المكتوب بالمكتوب. * الشيخ: ما نظيرها؟ أو هل هناك شاهد في مثل هذا التركيب يدل على ما قلت؟ * طالب: مثل قول النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ اللَّهَ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) و(٢٩٦٨ / ١٦).]]. * الشيخ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ» فهنا قطعًا التشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ (ما) هنا؟ * طالب: ما مصدرية. * الشيخ: مصدرية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ولا تصلح موصولة؟ * طالب: ما تصلح. * الشيخ: نعم، نعم صح، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعل معناها؟ * طالب: معنى لعل؟ تعليل. * الشيخ: تعليل، يعني: لأجل أن تتقوا، ﴿أَيَّامًا﴾ ويش إعرابه؟ * طالب: أيامًا مفعول. * الشيخ: مفعول لأيش؟ * طالب: مفعول لـ ﴿كُتِبَ﴾. * الشيخ: مفعول لـ ﴿كُتِبَ﴾، يعني (كُتِبَ) مبني للمجهول. * طالب: الصيام. * الشيخ: مفعول لأيش؟ * طالب: مفعول للصيام. * الشيخ: مفعول الصيام؟ وهذا الصيام ينصب المفعول به؟ * طالب: ما ينصب، لأنه.. * الشيخ: ما ينصب لأنه اسم. * طالب: مفعول لفعل محذوف. * الشيخ: ويش التقدير؟ * طالب: فعليه. * الشيخ: فعليه؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أيام تكون؟ * طالب: (...). * الشيخ: وهنا يحل محله الفعل. إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) يَحُلْ ∗∗∗ مَحَلَّهُ..................... يعني: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات، فهو إذن مفعول الصيام، طيب ما الحكمة من قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾؟ * طالب: بيان أن هذه الأيام (...) الله تعالى بأن هذه الأيام لا تشمل السنة كلها، وإنما هي شيء قليل بالنسبة لهذه السنة كلها. * الشيخ: أيش الحكمة منها: بس أنه يبين أنها معدودات فقط؟ * طالب: تخفيف على العباد. * الشيخ: صح، تخفيف الأمر على المكلف، أنا ما أسأل لماذا كانت أيامًا، أسأل لماذا عبر بأيام، نقول: هذا من أجل تخفيف الأمر على المكلف ليقبل، يعني: كما لو أقول لك: ما هي إلا أيام قليلة أو ما هي إلا ليال قليلة أو ما أشبه ذلك. قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ هل المراد مطلق المرض؟ * الشيخ: هل المراد مطلق المرض؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أي مرض يكون؟ * طالب: أي مرض. * الشيخ: أي مرض يكون؟ * طالب: إي، أي مرض. * الشيخ: أي مرض يكون، طيب توافق؟ * طالب: هو ظاهر القول هكذا، ولكن الصحيح خلاف ذلك. * الشيخ: ولكن المراد، من هو الصحيح؟ * طالب: المراد أنه المرض الذي يشق معه الصيام أو يتأخر معه الشفاء أو يعارض تعاطي العلاج. * الشيخ: إي، أحسنت، زين، وهذا التقييد الذي قيدنا به الظاهر؟ * طالب: يؤخذ من العلة. * الشيخ: من العلة والحكمة تمام. قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ما هو السفر؟ * طالب: السفر؟ ما أخذناه، وقفنا عنده. * الشيخ: طيب، قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ السفر جاء في القرآن، وفي السنة وجاء في القرآن بلفظ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وبلفظ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء ١٠١] وبلفظ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل ٢٠] وما أشبه ذلك، ولم يحدد الله سبحانه وتعالى ولا رسوله مسافة ولا زمنًا لهذا السفر، لا مسافة ولا زمنًا، ومن أراد أن يتبين ذلك فليُراجِع، ما في القرآن إن السفر محدد بمسافة يقطعها الإنسان وليس هناك في عهد الرسول ﷺ أناس مسَّاحون يمسْحُون الأرض حتى يدركوا الذراع والشبر والأنملة وحبة الشعير وشعرة البرذون، لأن عند الذين يحددون بالمسافة يحددون إلى شعرة البرذون يعني: بهذه الحبة رمل تفرق بين المسافر وغير المسافر، اللي من دون الحبة غير مسافر، واللي من ورائها مسافر، هذا يقول شيخ الإسلام ما هو وارد، ما ورد عن رسول الله ﷺ ولا فيه مساحين يعرفون هذا التقدير بهذه المسافة وهذا صحيح، كذلك أيضًا لم يُقيَّد السفر بزمن؛ ولهذا اضطربت أقوال أهل العلم في هذه المسألة على أقوال تبلغ نحو العشرة، ما هو السفر، أيحدد بزمان أم يحدد بمسافة أم يحدد بالعرف؟ شيخ الإسلام رحمه الله له قاعدة معروفة وهو أن كل شيء أطلقه الشارع، ولم يَحُدَّه له الحد فإن الرجوع فيه إلى العرف، فما تعارفه الناس فهو انطبق عليه الحكم، وذكر منه السفر، قال: فما عده الناس سفرًا بحيث يقال: فلان سافر بحيث يعد له الزاد والمزاد ويتهيأ له فهو سفر وما لا فلا، وقال بعض العلماء: إنه إذا خرج ثلاثة أميال مطلقًا وإن لم يسم سفرًا قصر، وقال آخرون: إذا خرج ثلاثة فراسخ لحديث أنس بن مالك:« كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فَرَاسِخ -الشك من شعبة- صلى ركعتين»[[أخرجه مسلم (٦٩١ / ١٢)، من حديث أنس.]] قال: فعلى هذا يقول: ما دام الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعتين إذا خرج هذه المسافة فإننا نأخذ بها، ولكن قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا حكاية لحال وقع، فلا ندري لو خرج أقل أو أكثر، أكثر على كل حال يقصر بلا شك لأنه من باب أولى، لكن إذا خرج أقلَّ، ولكنك إذا تأملت لفظ الحديث وجدت أنه أقل من ذلك الحديث يدل على أنه لا قصر فيه لأنه يقول: إذا خرج ثلاثة، إذا خرج، فمفهومه إذا خرج أقل فإنه لا قصر، فنقول: أقل الشيء هي ثلاثة أميال أو فراسخ، أيهما أحوط؟ ثلاثة فراسخ، ثلاثة فراسخ، لكن عامة أهل العلم وأكثر أهل العلم يرونه ستة عشر فرسخًا، يرون مدة مسافة القصر ستة عشر فرسخًا فما بلغها فهو قصر وما دونها فليس بقصر، وعلى هذا فنقول: ما دامت المسألة ليس فيها حد بَيِّنٌ شرعي فإنه إذا خرج هذه المسافة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصليها فيها ركعتين قصر، وما دونها محل شك والأصل؟ أيش الأصل؟ الإتمام، الأصل الإتمام فيتم، وما خرج عن الثلاثة فإنه يقصر إلا أنه لم يُعَدَّ سفرًا مثل رجل خرج بمسافة ثلاثة فراسخ ورجع من يومه، فإنه لا يعد مسافرًا، حتى في العرف لا يعد مسافرًا فلا يثبت له حكم السفر، لكن لو أن رجلًا خرج ثلاثة فراسخ، وأقام مدة بهذا المكان فإنه يعد مسافرًا، فصار السفر الآن إما أن يكون بمسافة وإما أن يكون بالزمن حسب العرف. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ التعبير اختلف في قوله: ﴿مَرِيضًا﴾ ولم يقل: ومن كان فيه مرض، قال: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾، وفي السفر قال: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ما هي الحكمة؟ قد يقال الحكمة -والله أعلم- أن المسافر قد تكون له حالة تشبه الإقامة، تكون له حال تشبه الإقامة مثل ما لو أقام في بلد مستريحًا مطمئنًّا مستظلًّا، فهو في الحقيقة ما كأنه مسافر لكنه أيش؟ لكنه على سفر، ما نيته الإقامة مثل ما حصل للرسول ﷺ في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يومًا وهو يقصر الصلاة، وقد أفطر حتى انسلخ الشهر كما في حديث ابن عباس الذي في البخاري[[أخرجه البخاري (١٠٨٠)، من حديث ابن عباس.]]، الرسول ﷺ هنا باعتباره في بلد ويش يُعْتَبر؟ كأنه مقيم، هو والمقيمين على حد سواء، لكنه في الحقيقة على سفر ما نيته الإقامة نيته أن يبقى في هذا المكان لمدة بمقدار حاجته ثم يرجع، فهنا نقول: إنه على سفر، هذه فائدة، فائدة أخرى على رأي بعض أهل العلم: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه يعني: مثلًا إنسان عزم على أنه يمشي بعد الظهر في رمضان، وهذا متهيئ يهيئ عفشه، يحمل متاعه، وما أشبه ذلك، يقولون: وإن كان في بلده فإنه يجوز أن يفطر، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يفعل ذلك ويقول: «إنه من السنة»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤ / ٢٤٧) من حديث أنس.]]، لكن الحديث هذا فيه مقال عنه، لكن على رأي من أثبته يقول: إن الإنسان إذا عزم على السفر أصبح مفطرًا، وهذا قالوا: خير من كونه يصوم ثم إذا خرج أفطر؛ لأنه لم يدخل في العبادة أصلًا، لكن جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول: على أنه لا يحق له الفطر إلا إذا خرج على خلاف بينهم أيضًا، هل يجوز لمن سافر في أثناء اليوم وهو صائم أن يفطر أم لا والصحيح أنه يفطر لدلالة السنة على ذلك. * طالب: هل يفطر إذا تهيأ؟ * الشيخ: لا ما أرى هذا ما أرى هذا؛ لأن الحديث فيه مقال في نفسي منه شيء، والأصل وجوب الصوم، والحمد لله إذا خرج ما دام إذا خرج له أن يفطر يخرج صائمًا وإذا شاء أفطر. * طالب: ممكن يتأخر السفر لسبب خارج عنه. * الشيخ: ربما يتأخر، خصوصًا في وقتنا الآن؛ لأن الآن الإنسان مربوط بغيره (...) الأسفار، الأول واحد يحمل البعير ويمشي؛ لكن الآن خصوصًا بالطائرات مربوط بغيره. قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿فَعِدَّةٌ﴾ معروف أن جمهور أهل العلم ما عدا أهل الظاهر يقولون: إن الآية على تقدير محذوف، وهو: فأفطر فعليه عدة، وقال أهل الظاهر: إنه لا تقدير؛ لأن الأصل عدمه فإذا دار الكلام بين الحذف وعدم الحذف فالأصل عدم الحذف، وعلى هذا ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ففرْضُه عدة من أيام أخر، فلو صام لم يجزئه؛ لأن الله إنما أوجب عليه العدة ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿أُخَرَ﴾ أي: مُغايِرَة لهذه الأيام، فعليه لو صام لم يجزئه، وهذا القول لولا وجود السُّنَّة لكان قويًّا لقوة تعليله، ولكن السنة بينت أن الآية لا بد فيها من تقدير: فأفطر، وذلك لأنه ثبت أن الصحابة مع النبي ﷺ منهم الصائم ومنهم المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ولو كان الصوم حرامًا ما فعله الصحابة بحضرة النبي ﷺ بل قد كان عليه الصلاة والسلام يصوم في رمضان كما في حديث أبي الدرداء: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، فَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَة» َ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٤٥) من حديث أبي الدرداء، ومسلم (١١١٩ / ١٠٠) من حديث أنس بنحو هذا اللفظ.]]. * طالب: في سفر؟ * الشيخ: في سفر، في سفر، فهذا دليل على جواز الصوم في السفر، ثم «إن الرسول ﷺ أيضًا صام حتى جاء الناس إليه، فقالوا: يا رسول الله، إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ماذا تفعل، فدعا بِقَدَحٍ من ماء بعد العصر، فشربه وهو على ناقته والناس ينظرون إليه»[[أخرجه مسلم (١١١٤ / ٩٠ - ٩١) من حديث جابر بن عبد الله.]] وأفطر في أثناء النهار فهذا دليل على أيش؟ على جواز الصوم في السفر، وهو الحق وليس بواجب -والحمد لله- أن يفطر. * طالب: جواز هذا يا شيخ، جواز الإفطار في أثناء النهار. * الشيخ: (...) جواز الإفطار في أثناء النهار. وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ شوف ﴿أَيَّامٍ﴾ ما قال: من الأيام الأُخَر، ﴿أَيَّامٍ﴾ نكرة، فنستفيد أنه لو صام عن أيام الصيف أيام شتاء يجزي ولَّا لا؟ يجزي لأن أيام نكرة ﴿أُخَرَ﴾ بمعنى مغايرة، ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وفيه إن شاء الله نتعرض في الفوائد إلى أن الواجب الأيام دون الشهر، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ لمَّا أوجب الصيام قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة ١٨٤] كأن هذه الجملة كأنها تفصيل لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وأن الصيام على المطيع إما أن يَفْدِي وإما أن يصوم، والصوم خير له. وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة ١٨٤] الطاقة بمعنى القدرة أي: يقدرون عليه هذا هو الصواب كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقال بعض أهل العلم ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يبلغ الطاقة منهم حتى يصبح شاقًّا عليهم، فمعنى يطيقونه يُطوَّقُونه أي: يتكلفونه ويشق عليهم، وقال آخرون: إن في الآية حذفًا والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وعلى الذين لا يطيقونه، وهذا القول أضعفها؛ لأن هذا القول يقتضي تفسير المثبت بالمنفي، الله يقول: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ وهذا يقول: لا يطيقونه، وهذا تفسير للشيء بضده ولا يستقيم، أما من قال: يطيقونه أي يبلغ طاقتهم حتى يشق عليهم فهذا له وجه، لكن ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع يدل على ضعفه، بل وظاهر الآية أيضًا يدل على ضعفه؛ لأن قوله في آخرها ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٤] يدل على أن هؤلاء يستطيعون الصيام، وأنه خوطب به من يستطيع وحديث سلمة بن أكوع في الصحيحين[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥ / ١٤٩).]] أنه أول ما فرض الصيام كان الإنسان مخيَّرًا بين أن يصوم ويفتديه، ثم أوجب الله الصوم في الآية التي بعدها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة ١٨٥]، وهذا هو القول الراجح إن معنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يستطيعونه، ﴿فِدْيَةٌ﴾ فدية هذه خبر ولَّا مبتدأ؟ * الطلبة: مبتدأ مؤخر. * الشيخ: مبتدأ مؤخر خبره: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. وقوله: ﴿فِدْيَةٌ﴾ أي فداء عن الصوم، يفتديه به عن الصوم، والأصل أن الصوم متعلق بك، وأنك مكلف به فتفدي نفسك من هذا التكليف بماذا؟ بطعام مسكين ﴿فِدْيَةٌ﴾، وقوله: ﴿طَعَامُ﴾ هذه عطف بيان لقوله: ﴿فِدْيَةٌ﴾ لأنها تبينه، هذه الفدية ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ طعام مسكين، هل يوزع على الأفراد أو على الجملة؟ يوزع على الأفراد، يعني عليهم لكل يوم طعام مسكين، وليس المعنى عليهم طعام مسكين لكل الشهر بل لكل يوم، ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: ﴿طَعَامُ مَسَاكِينُ﴾ عرفتم؟ ومساكين جمع، فكما أن الأيام التي عليهم جمع، فكذلك المساكين الذين يطعمون جماعة، لا بد أن يكونوا جماعة، وقوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فيها قراءات عندي نشوف القراءة الأولى: ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ ، (...) المصحف وتشوفوا الإضافة وجمع (مساكين)؛ ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ ، هذه واحدة. القراءة الثانية: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ، توافق اللي في المصحف، إلا أنها بالجمع، نعم، إلا أنها بالجمع، ففيها أيضا ثلاث قراءات: ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ وهذه من باب إضافة الشيء إلى نوعه كما أقول: خاتمُ حديدٍ أي: من حديد، ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ﴾ أي: فدية من طعام مساكين، أما القراءة الثانية اللي خلاف المصحف: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وهي على ما في المصحف تكون (طعام) عطف بيان، لكنها بينت أن المراد بالمسكين الجنس، وأنه موزع على الأفراد وأن المراد فدية لكل يوم مسكين. وقوله: ﴿طَعَام مَسَاكِينَ﴾ (طعام) بُيِّنَ نوعه؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما بين، بُيِّنَ قدره؟ * طالب: لا. * الشيخ: بُيِّنَ جنسه؟ * طالب: جنسه طعام. * الشيخ: إي جنسه طعام، زين، لكن نوعه لم يُبَيَّن ولا قدره، إذن نرجع إلى مسمى الطعام، فما سُمِّيَ طعامًا كفى، فإذا كنا في بلد لا يطعمون إلا اللحم، ناس ما عندهم إلا اللحم والحيتان على شاطئ البحر، يأكلون الطيور ومن الأسماك، ويش يصير الطعام؟ * الطلبة: أسماك ولحم. * الشيخ: أسماك ولحم كذا ولَّا لا؟ إذا كنا في بلد لا يأكلون إلا الذرة، ويش يكون الطعام؟ * طالب: ذرة. * الشيخ: ذرة، إذا كنا في بلد لا يطعمون الشعير؟ * طالب: لا يجزئ الإطعام. * الشيخ: ما يجزي؟ * طالب: ما يجزي. * الشيخ: فتَبَيَّن بهذا ضعف من يُقيِّد الطعام بأنه ما يجزئ في الفطرة، ثم يقولون الذي يجزئ في الفطرة كم من صنف؟ خمسة أصناف فقط وهي: البُرُّ والتمر والشعير والزبيب والأقط، لكن الصواب عموم الآية ما سُمِّي طعامًا فهو كاف، المقدار، المقدار لم يُبَيَّن، وعلى هذا لو غدّى المساكين أو عشَّاهم أجزأهم؟ أجزأهم، ولهذا «كان أنس بن مالك رضي الله عنه لما كبر صار يصنع طعامًا فيدعو إليه ثلاثين مسكينًا»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢٣٣٥)، وأبو يعلى (٤١٩٤)، والدارقطني (٢٣٩٠).]] ويكفيه هذا عن؟ عن صوم رمضان؛ لأن الله أطلق طعام، وقال بعض أهل العلم: إنه لا بد أن يكون الطعام مُدًّا من بُر أو نصف صاع من غيره، طيب، ما دليلهم على نصف الصاع؟ قال: دليلهم على نصف الصاع أن الرسول ﷺ قال لكعب بن عُجْرَة حينما أَذِنَ له في حلق رأسه وهو محرم، قال له: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١ / ٨٥) من حديث كعب بن عجرة.]] لكل مسكين نصف صاع، قالوا: فهذا تقدير من الرسول ﷺ في شيء مطلق في القرآن، اللي في القرآن: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة ١٩٦]. فمن قال: إن الآيات المطلقة تُحمَل على هذه الآية، مثل ما حملنا الآية المطلقة في تحرير الرقبة على الآية المقيدة بأنها مؤمنة، قالوا: فحَمْلُ الآية المطلقة على الآية المقيدة بالوصف كحمل الآية المطلقة على الآية المقيدة في القَدْرِ؛ لأن حقيقة القدر وصف (...)، فأنا إذا قلت: عندي بُرّ قدره عشرة أصواع، وصفته ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وصفته، كما لو قلت: عندي بر طيب، قالوا: فيحمل المطلق في جميع أنواع الطعام، إذا كان يريد أن يُفَرِّقَه عليهم بدون أن يدعوهم إليه يُحمَل على هذا المقيد، وأما دليل المد من البر فدليلهم أن معاوية رضي الله عنه لما قدم المدينة وإذا البُرُّ قد كَثُر فيها قال: إِنِّي أَرَى مُدًّا مِنْ هَذِهِ يَعْدِلُ مُدَّيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ. فعدل الناس في وقته عن إخراج الفطرة من صاع إلى نصف صاع، لكن معاوية رضي الله عنه عارضه مَن عارضه من الصحابة مثل أبي سعيد رضي الله عنه فإنه قال: «أنا لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي ﷺ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥ / ١٨).]] ولا شك أن ما ذهب إليه أبو سعيد هو الحق في مسألة الفِطْرَة لأن الرسول ﷺ عيَّن الفطرة من أصناف مختلفة من تمر ومن شعير كما في حديث ابن عمر: «فرض النبي ﷺ زكاة الفِطْر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤ / ١٢).]] وأبو سعيد قال: «كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان الطعام يومئذ التمر والشعير والزبيب والأَقِط»[[أخرجه البخاري (١٥١٠).]]، البُرُّ ما ذُكِر لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قليل جدًّا، ما كان طعامهم العام، ولهذا ما ورد في السنة الصحيحة ذِكْر البر في مسألة الفطرة، وعلى هذا فنقول: الذين قالوا بأنه يجزئ المد أخذوه من فعل معاوية رضي الله عنه، طيب، الرز ما تقولون فيه: أيلحق بالشعير أم بالبر؟ * طالب: بالطعام. * الشيخ: لا، الذين يقيدون مد بر أو نصف صاع من تمر أو شعير؟ * طالب: يُلْحَق بالبر، لأن الشعير رخيص. * الشيخ: إي، أنا أرى أنه يلحق بالبر وأولى به؛ لسهولته أسهل من البر أسهل وأكثر فيما أظن. * طالب: لا، كلهم متوسط يا شيخ. * الشيخ: (...) نشوف، الآن إذا حطت لك مد من الرز في قِدْر وطبخته كم يصير من المد؟ * طالب: يصير مدين. * الشيخ: يصير مدين أو أكثر من مدين أكثر من مدين نعم لكن حط لك حب من البر ما يشب هذا الشبا، حتى لو طحنته ما يكون يبلغ هذا المبلغ، ثم هو ما يحتاج إلى مؤونة، هذا البر ما يمكن تأكل إلا أنت طاحنه وعاجنه كذا؟ ومرصعه ولَّا لا؟ لكن هذا؟ * طالب: ما يحتاج. * الشيخ: (...) ما فيه شيء. * طالب: شيخ بعض الأماكن اللي لا يجد الإنسان ناس ينتفعوا بأنواع الأطعمة، إذا أعطته حتى أردب من البر ما ينتفع به؟ * الشيخ: ويش ينتفع به؟ * طالب: ينتفع بمال، يريد يأخذ مالًا. * الشيخ: قروش يعني. * طالب: إي نعم. * الشيخ: ويش تفيد ها القروش؟ * طالب: يعني ينتفع بها، والأكل عنده ما.. * الشيخ: ويش يبغي؟ * طالب: يعني أنت لا تجد مساكين في مكان مثلًا. * الشيخ: أهم ما يكون الأكل؛ ولهذا يقدم الإنسان سد الجوع عن ستر العري. * طالب: يعني إنسان مثلًا ليس في بلده، غريب مثلًا، في بلاد أجانب وكده ما يجد فقراء يعطيهم طعام كيف يفدي يعني؟ * الشيخ: هل بيعطيهم قروش هتنفع؟ * طالب: يستحون ما يأخذون الطعام. * طالب آخر: يشق عليهم أن يجدوا فقراء. * الشيخ: (...) الطعام الذي هم يأكلون (...). * طالب: يشق عليهم أن يجدوا فقراء، يعني غالب أهل البلد ليسوا بمسلمين. * الشيخ: طيب افرض إنه يأكل سندوتش، (...) وأعطيه، يعني شيخ الإسلام يرى أنه يجوز أن يُطْعِم من الخبز. * طالب: إي، بس ما يطعم غير المسلمين يا شيخ؟ * الشيخ: لا لا غير المسلمين لا. * طالب: طيب هو يشق عليه أنه يجد، فيه ناس في بلاد الأجانب.. * الشيخ: في مثل هذه نقول مثل الزكاة تدفعها في بلاد أخرى من بلاد المسلمين من المحتاجين، تُوَكِّل أحد ثم... * طالب: طعام البر، (...) فيه فرق كبير. * الشيخ: من جهة أيش؟ * طالب: من جهة الطعام (...) نشويات كثيرة (...). * الشيخ: المهم إنه بالنسبة للطعام العام الطعام العام، لا شك (...). * طالب: شيخ، هل يؤخذ من أثر أنس أن القضاء ثلاثين يومًا؟ * الشيخ: لا، يحمل على أنه الشهر اللي كان يطعم به إنه ثلاثين يومًا. * طالب: (...) الشهر تسعة وعشرون يومًا. * الشيخ: لا، مو على كل حال. * طالب: (...) أيهما الراجح؟ * الشيخ: وهو؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: أيهم أيهم؟ في مسألة الإطعام؟ * طالب: في حديث كعب بن عجرة على آية..؟ * الشيخ: الذي يظهر لي أنا في مسألة الإطعام أن المطلق يبقى على إطلاقه، المطلق يبقى على إطلاقه لأن آية الفدية في الحج لها أبدال رفيعة، وهي النسك مثلًا، فالنسك لا شك أنه يطعم أكثر من عشرة مساكين، والظاهر والله أعلم إن تبقى هذه على ما هي عليه على إطلاقها. وقوله تعالى: ﴿مَسَاكِينَ﴾ أو ﴿مِسْكِينٍ﴾؟ قراءتان، المراد به من لا يجد شيئًا يكفيه لمدة سنة، فيدخل في هذا التعريف يدخل فيه الفقير، وهكذا إذا مر بك المسكين فإنه شامل للفقير وإذا مر بك الفقير فإنه شامل للمسكين، أما إذا جُمِعا فقد قال أهل العلم: إن بينهما فرقًا، فالفقير أسوأ حالًا من المسكين، أشد حاجة يعني، الفقير هو الذي لا يجد النصف، والمسكين هو الذي لا يجد الكل يعني: يجد النصف لكن لا يجد الكل. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة ١٨٤]. * طالب: شيخ، قبل أن تدخل في الآية، فيه كثير بيسألوا عن هل يعني يجزئ الأيام جملة واحدة؟ يعني الثلاثين يوم يجزئ بيهم أن يخرجوا دُفْعة واحدة، أو لشخص واحد؟ * الشيخ: لا، لشخص واحد ما يمكن؛ لأنها جمع. * طالب: لأن كثير من الناس ممكن يشق عليه يدور كل يوم على مسكين، ما يجد. * الشيخ: لا لا ما هو بلازم؛ لأنه ممكن يشوف مثلًا ثلاثة بيوت أو أربعة بيوت فيها هذا العدد ويعطيهم، افرض أنه فيه بيت كبير، هذا بيت بالنسبة لنا نحن في السعودية، هذا بيت عمال فيه ثلاثين فقير، كلهم فقراء نعطيهم نطبخ لهم الطعام ونوصلهم يأكلون. * طالب: لا كثير، يا شيخ تشق أنك تجد مساكين. * طالب آخر: تيجي مشكلة، العمال ما يصلون (...)؟ * طالب آخر: في أماكن يا شيخ عندنا ناس لا يعرفون مساكين بالمرة. * طالب آخر: (...) مجموعة عمال (...). * الشيخ: والله ما أدري، لكن الأصل في المسلم العدالة وأنه يصلي إلا إذا تبين. ﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل الشرط وجوابه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ وأيش محلها من الإعراب وأيش اللي ناصبها؟ * طالب: صفة لمصدر محذوف، أو مفعول به مؤخر، أو حال. * طالب آخر: مفعول به يا شيخ. * طالب آخر: الثالث مفعول لأجله. * الشيخ: نعم طيب، الآن: فمن تطوع تطوعًا خيرًا، أو ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ على أن نجعل ﴿تَطَوَّعَ﴾ بمعنى فَعَلَ، فتكون ﴿خَيْرًا﴾ مفعولًا به، أو نجعل ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ طلبًا للخير، فتكون مفعولًا من أجله، والمعنى على كل التقديرات المعنى واحد، يعني: فمن فعل الطاعة يقصد بها الخير فهو خير له. ومعلوم أن الفعل ما يكون طاعة إلا إذا كان موافقًا لمرضاة الله عز وجل بأن يكون خالصًا لوجهه موافقًا لشريعته، فإن لم يكن خالصًا لم يقبل وإن كان خالصًا على غير الشريعة لم يقبل؛ لأن الأول شرك، والثاني بدعة. وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فهو خير له منين؟ يعني بمعنى: هل نجعل (خير) اسم تفضيل، يعني: خيرٌ له من سواه، أو نقول: إن هذه (خير) اسم دال على الفضل مجردًا عن التفضيل؛ لأن ما عندنا الآن مفضل ومفضل عليه، يحتمل أن يقال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ممن؟ من عدمه، لكن كان هذا المعنى ضعيف؛ لأن كون اللي تطوع خيرًا خيرٌ له من عدمه أمر معلوم، فهو كقول القائل: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وقول الآخر: كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا ∗∗∗ قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ لكن الظاهر -والله أعلم- أنها بيان لأن هذا خير فقط مطلق، وأنه مجرد عن الأفضلية. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ويدخل في هذه الخيرية: أنه يجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذا واضح أن المراد بالخير هنا التفضيل، يعني: أن تصوموا خير لكم من الفدية، وهذا يمثل به النحويون للمبتدأ المؤول، فإن قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ (أن) مصدرية، و(تصوموا) فعل مضارع، والمبتدأ ما يكون إلا اسمًا، لكن هنا مؤول ولَّا لا؟ * الطلبة: مؤول. * الشيخ: والتقدير؟ * الطلبة: صيامكم. * الشيخ: وصيامكم خير لكم. وأيش سؤالك؟ * طالب: مفعول مطلق ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. * الشيخ: وأيش قلت؟ * طالب: مفعول لأجله. * الشيخ: إي، مفعول به ومفعول مطلق. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: من الفدية، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه جملة مستأنفة، والمعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا، و(إن) هنا ليست شرطية فيما قبلها، يعني: ليست وصلية كما يقولون، يعني: معناه أنه ليس خيرًا لنا إن علمنا، فإن لم نعلم فلا خير، بل إنها مستأنفة؛ ولهذا ينبغي أن تقف فتقول: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. (...) استدل بها على حكم الكبير الشيخ والشيخة لا يطيقان الصيام قال: يطعمان عن كل يوم مسكينًا، ابن عباس استدل بهذه الآية على أن الكبير الذي لا يطيق الصوم يطعم عن كل يوم مسكينًا، فوجه استدلاله رضي الله عنه هو أنه لما جعل الله سبحانه وتعالى الإطعام عديلًا للصيام فخير بينهما، كان العجز عن الصيام وأيش يعين؟ يعين من الإطعام؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام عديلًا للصيام عند القدرة عليه، فعلم من هذا أن من لا يقدر على الصيام وعجز عنه عجزًا مستمرًا، فإنه يأتي بما جعل عديلًا له وهو الإطعام، وهذا من فقهه رضي الله عنه. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من حيث الإعراب كيف نعربها؟ وأيش نعرب ﴿أَنْ تَصُومُوا﴾ أعربها بتفصيلها؟ * طالب: (أن).. * الشيخ: (أن) حرف مصدر ينصب؟ * الطالب: ينصب المضارع. * الشيخ: ينصب المضارع، ﴿تَصُومُوا﴾؟ * الطالب: ﴿تَصُومُوا﴾ فعل مضارع منصوب بحذف النون. * الشيخ: منصوب بأن، وعلامة نصبه؟ * طالب: وعلامة نصبه حذف النون. * الشيخ: نعم، والواو؟ * الطالب: الواو فاعل. * الشيخ: و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾؟ * الطالب: ﴿خَيْرٌ﴾ خبر. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هل هو قيد في الخيرية ولَّا ماذا؟ * طالب: يعلمون أن الصيام خير لهم. * الشيخ: يعني: فإن لم تعلموا فليس خيرًا لكم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا لم يقدروا على الصيام.. * الشيخ: لا، الله قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: إذا قلنا: إن هذا الشرط عائد على الجملة التي قبله صار المعنى: أنه خير لنا إن علمنا، فإن لم نعلم فليس خيرًا لنا. * الطالب: نعم، شرط الخيرية. * الشيخ: شرط الخيرية، يعني: فإن لم نعلم فليس خيرًا؟ * طالب: في الحقيقة سواء علموا ولَّا ما علموا خير. * الشيخ: إذن كيف نقول في هذه الجملة: شرطية؟ * طالب: إذا تحقق الصيام صاموا فهو خير لهم إذا ما صاموا.. * الشيخ: لا. * طالب: جملة مستأنفة. * الشيخ: جملة مستأنفة مستقلة، صح، ما هي قيد في التي قبلها، ليست قيدًا بل هي مستقلة، يعني: إن كنتم من ذوي العلم، فاعلموا أن الصوم خير، وليس المعنى: إن كنتم من ذوي العلم فالصوم خير، لا. ﴿تَعْلَمُونَ﴾ وهذا نشوف الآية الآن وأيش فيها من فوائد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء، وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى من؟ * طالب: إلى المؤمنين. * الشيخ: إلى المؤمنين، وأن تركه مخل به؛ لأنه إذا كان من مقتضياته فتركه يخل به، نقص فيه. ويستفاد من الآية الكريمة: فرضية الصيام، منين؟ * طالب: ﴿كُتِبَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿كُتِبَ﴾. ويستفاد منه: أن الأمم السابقة تصوم، من قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ويستفاد به: استعمال تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به، تؤخذ؟ ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ويستفاد من الآية أيضًا: فضل هذه الأمة حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجات الكمال، كما ترقى إليها من سبقها. ويستفاد من هذه الآية: الحكمة في إيجاب الصيام، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ويستفاد من الآية الكريمة: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية، إذن فهذه الغاية غاية عظيمة ينبغي للإنسان أن يسلك السبل الموصلة إلى التقوى. وهذا يتفرع عليه فائدة أخرى وهي: اعتبار الذرائع، يعني: ما كان ذريعة إلى الشيء، فإن له حكم ذلك الشيء، فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواضع الفتن، لا ينظر إلى المرأة الأجنبية ولا يكلمها كلامًا يتمتع به معها، لماذا؟ لأنه يؤدي ويكون ذريعة إلى الفاحشة، فيجب اتقاء ذلك، حتى الرسول ﷺ أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩)، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.]]؛ لئلا يقع في فتنته. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة، منها ما هو مالي محض، ومنها ما هو بدني محض، ومنها ما هو مركب منهما: بدني ومالي، ومنه ما هو فعل، ومنه ما هو كف، فالصوم ما هو؟ * طالب: كف. * الشيخ: كف عن المحبوبات، والكف عن المحبوب قد يكون أشق من طلب الفعل، أليس كذلك؟ يمكن بعض الناس لو تطلب منه يفعل أشياء فعل، لكن ما يستطيع أن يكف عن محبوباته، فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى في التكليف وتعبده عباده سبحانه وبحمده أنه نوّع لهم العبادات لأجل أن يمتحنهم، ربما يكون الإنسان كريمًا فيكون بذل الزكاة عليه من أهون ما يكون، أو لا؟ حينئذٍ ما يحصل الامتحان الكامل بإيجاب الزكاة، ربما يكون عند الإنسان رياضة نفسية، فيهون عليه أن يصلي وأن يتوضأ وأن يغتسل في الليالي الباردة وما أشبه ذلك، قد يكون عند الإنسان صبر عن المحبوب، يهون عليه الصوم يقول: أصوم شهرًا ولا أدفع ثلاثين ريالًا؛ لأن مالي أحبه حبًّا شديدًا والصوم (...) ما هو إلا أن يقدم الغداء شوي ويؤخر العشاء، بسيط، ولكن إياك أن تأخذ مني ثلاثين ريالًا، واضح؟ فالناس يختلفون؛ ولهذا غلط من أفتى بعض أهل العلم حيث وجب عليه كفارة فيها صوم وعتق، فقال له: صم شهرين متتابعين ولا تعتق، لماذا والعتق مقدم على الصيام؟ قال: لأن هذا الملِك لو قلنا له: أعتق رقبة، يعتق عشر رقاب ولا يصوم يومًا، أحب إليه من صيام يوم، احنا ألزمناه بهذا لأنه أغلظ في حقه، لكن هذا النظر غير صحيح؛ لأنه في مقابلة النص فلا يقبل. أنا أتيت بهذا لأجل أن أبين أن الله سبحانه وتعالى حكيم في تنويع التكليف في العبادة، فهذا الرجل -مثلًا- ملِكٌ يمكن يهون عليه أن يبذل أموالًا كثيرة في الزكاة، لكن يشق عليه أن يصوم؛ ولهذا أفتي بأنه يصوم بدل العتق، لكن الله عز وجل جعل العبادة في الحقيقة امتحانًا للعبد، والعجائب في زماننا هذا أننا نصبر على الصيام، يعني ومنا من لا يصبر على الصلاة، تجده يصوم رمضان لكن الصلاة ما يصلي إلا من رمضان إلى رمضان إن صلى في رمضان، وهذا لا شك أنه خطأ في التفكير، لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صارت هينة على الإنسان، والصوم يكون عنده صعبًا؛ ولهذا إذا بغوا يلومون شخصًا يقولون: هذا ما هو بيصوم ولا يصلي فيبدؤون بترك الصوم، وهذا من (...). * طالب: شيخ، ﴿تَتَّقُونَ﴾ ما يفهم منها أن الصيام لا يقبل إلا من المتقين؟ * الشيخ: لا، يؤخذ من ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما يصوم إلا المؤمن؛ لأنه من مقتضيات الإيمان. * طالب: التقوى؟ * الشيخ: لا، هذه حكمة التشريع، نعم يستفاد منها أيضًا حكمة التشريع مما ذكرنا، ذكرناها قبل. * طالب: شيخ، قصة الملك هذا قالوا: من باب المصالح المرسلة، صحيح؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، والمصالح المرسلة لا نرى إثباتها؛ لأن المصالح المرسلة إن كانت مصلحة حقًّا، فالإسلام قد اعتبرها، وإن لم تكن مصلحة، فالإسلام لم يعتبرها، هذا الرجل لاحظ أنه إن كلف الرجل هذا بالصيام لاحظ هذا، لكن ما لاحظ أننا نفكّ رقبة من الرقّ، فكّ الرقاب من الرقّ من أفضل الأعمال، ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد ١١، ١٢] ما هي؟ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد ١٣]. * طالب: بس يعني نظر أنه أزجر لنفسه. * الشيخ: لا أبدًا، لكن هذا أنفع. * الطالب: كثير عنده هذا، يعني أزجر لنفسه.. * الشيخ: صحيح، لكن هذا أنفع، هو زجر نفسه إذا لم يكن عنده خوف من الله إلا بالعقوبة أو الكفارة وأيش الفائدة؟ لكن هذا أنفع، والله حكيم جل وعلا، فهذه أنفع للعبد. والمهم أن المصالح المرسلة التي ذكرها بعض الناس من الأدلة ما لها معنى، هي في الواقع إن كانت مصلحة معتبرة فالشرع قد أتى بها، وإن لم تكن المصلحة فالشرع قد ألغاها، وليس في مخالفة الشرع مصلحة أبدًا. قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. يستفاد من هذه الآية: أن الصوم أيام قليلة، أيام معدودات. ويستفاد منها أيضًا: سلوك الأساليب التي تهون على المرء ما يتوقع مشقته عليه، كيف ذلك؟ سلوك الأساليب التي تهون على الإنسان ما يتوقع أن يشق عليه، لكن ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: أنها بسيطة، ما هي صعبة ولا فيها كلفة ولا مشقة. ويستفاد من الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، أولًا: لقلة الأيام ما فرض علينا شهر ولا شهرين ولا ثلاثة، إنما فرض أيامًا معدودات هي شهر، شهر رمضان كما سيأتي إن شاء الله. ومنها أيضًا: إثبات الرحمة قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: جواز الفطر للمرض. ألا يستفاد منها: الإيماء إلى أن الفطر أفضل؟ * طالب: بلى. * الشيخ: منين نأخذ؟ * طالب: ﴿فَعِدَّةٌ﴾. * الشيخ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ففتح الله الباب ما قال: فلا يصوم، بل قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فهذا كأنه فتح بابًا للمريض أن يفطر. واعلم أن المريض بالنسبة للفطر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولًا: أن لا يتأثر بالصوم إطلاقًا، ولا يشق عليه الصوم مع مرضه، فهنا يصوم ولَّا يفطر؟ يصوم، يجب أن يصوم. الثانية: أن يشق عليه الصوم لكنه ما يضره، فالصوم هنا مكروه يكره أن يصوم مع المشقة؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه بما رخص الله له فيه؛ لأن هذا الإشقاق على النفس مع ترخيص الله عز وجل، كأنه ينبئ عن كون الإنسان غير قابل لهذه الرخصة غير قابل، وقد قيل: إن اللئيم من يرد الكريم، والكريم يحب أن يأخذ الناس برخصه كما جاء في الحديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٥٨٦٦)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]]. الحال الثالثة: أن يتضرر بالصوم، المريض يتضرر بالصوم، كما لو كان مريضًا بالكلى التي تحتاج دائمًا إلى الماء، فهنا يحرم عليه الصوم، لا يجوز له أن يصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٩]. * طالب: شيخ، قولك: إن الكريم من يرد..؟ * الشيخ: إن اللئيم من يرد الكريم. * الطالب: طيب كيف نجمع بين هذا وبين صيام الرسول وبعض الصحابة في السفر؟ * الشيخ: لا ما جينا للسفر إلى الآن. * طالب: هذا في المريض؟ * الشيخ: هذا في المريض. يستفاد من الآية الكريمة: جواز الفطر في السفر، واضح الدلالة من الآية؟ * طالب: إن شاء الله. * الشيخ: طيب. ويستفاد منها أيضًا: الإيماء إلى أن الفطر أفضل؛ لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤]، لكن هذا ليس بصريح في الآية؛ ولذلك ورد في السنة بالصوم في السفر، فإن الرسول ﷺ كان يصوم في السفر،« وكان الصحابة منهم من يصوم ومنهم من يفطر، ولا يعيب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر »[[أخرجه مسلم (١١١٧ / ٩٧)، من حديث أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. وحينئذٍ نقول: إن الصوم في السفر ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقًا، يعني: ما فيه مشقة تزيد على صوم الحضر، هذا المقصود، وإلا فيه مشقة إذا في أيام الحر يكون فيه مشقة، لكن مشقة تزيد على صوم الحضر، ففي هذه الحالة نقول: الصوم أفضل، وإن أفطر فلا حرج، ودليله؟ «أن الرسول ﷺ كان يصوم في السفر »[[أخرجه أحمد في المسند (٣٨١٣)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. وهذا هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، ولكن المشهور من مذهب الإمام أحمد كراهة الصوم في السفر حتى في هذه الحال وقالوا: لا ينبغي أن يصوم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ومذهب الظاهرية: تحريم الصوم، وأنه لو صام لم يجزئه؛ لأن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فجعل الواجب عليه عدة من أيام أخر، لكن هذا القول ضعيف جدًّا، وكذلك المشهور مذهب الإمام أحمد ضعيف. الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم لكن مشقة محتملة، فهنا الأفضل الفطر، والدليل عليه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَاَلُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مَنِ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]، أفهمتم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، فنفى عنه النبي عليه الصلاة والسلام البر. وهنا نقف عند هذا الدليل وهذه الحال، من المعلوم في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والنبي عليه الصلاة والسلام قال هنا، وأيش قال؟ «لَيْسَ مَنِ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، عام والسبب خاص، والمعروف أن العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما هو الجواب عن هذه القاعدة مع هذا الحديث ونحن نقول: إن الصوم في السفر أفضل إذا لم يشق؟ نقول: إن معنى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، المراد الخصوص العيني لا الخصوص الوصفي، فأما الخصوص الوصفي فإنه معتبر بلا شك، فمثلًا هذا الرجل الذي ظلل عليه ما نقول: ليس من البر الصوم في السفر لك أيها الرجل فقط، لو قلنا بذلك لخصصنا العام بسببه، لكننا نقول: إن الخصوص الوصفي لا بد أن يقيد به العموم، فيكون المعني: ليس من البر الصيام في السفر لمن كانت حاله كهذا، فإذا جاءنا زيد وعمرو وخالد وبكر إلى آخره كلهم يشق عليهم الصوم كهذا الرجل، قلنا: ليس من البر أن تصوموا، فإذا قال قائل: الرسول ﷺ ما قاله إلا لهذا الرجل؟ قلنا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد نبه إلى هذه القاعدة ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث في العمدة. وهي قاعدة حقيقة لمن تأملها: أن العموم عموم وصفي وعموم شخصي، فهنا العبرة بعموم اللفظ باعتبار الشخص، أما باعتبار الوصف فإن الحكم يتعلق بسببه الذي من أجله شُرع الحكم. * طالب: يعني مع هذه القاعدة ولو لم يدل الدليل على حقيقة (...) أو نقول: إن دل الدليل على أنها لا يكون.. * الشيخ: على كل حال أصل ما يمكن إلا بالدليل إذا قيل: ليس من البر الصيام في السفر؟ * طالب: لا يكون عامًّا إلا بدليل. * الشيخ: فهنا نعرف السبب اللي من أجله صدر هذا العموم وهو المشقة، فكأن الرسول ﷺ قال: ليس من البر الصيام في السفر في حال المشقة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، حتى وإن لم نجد، ما دام عرفنا أن علة الحكم هو هذا المعنى فإننا نقيده به. و﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. يستفاد من هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الحكم معلق بما يسمى سفرًا بدون تقييد، من أين تؤخذ؟ * طالب: ذكرتم رأيين: ألا يكون فيه مشقة وأن يشق عليه مشقة محتملة؟ * الشيخ: الحال الثالثة ما هو بالرأي الثالث، الحال الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة لا تحتمل، فهنا يتعين الفطر، ودليله ما ثبت في الصحيح:« أَنَّ الرَّسُولُ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ مَكَّةَ أَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ مَا تَفْعَلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ جِيءَ إِلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»[[أخرجه مسلم (١١١٤ / ٩٠)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. والمعصية ما تكون إلا في فعل المحرم، فإذا كان هذا الرجل شق عليه الصوم في السفر مشقة شديدة، فإنه يجب عليه أن يفطر، لماذا لا يفطر لماذا يتعب نفسه ويشق على نفسه والأمر فيه سعة؟ يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن السفر الذي يباح فيه الفطر غير مقيد بزمن ولا مساحة، من أين نأخذها؟ * الطلبة: من الإطلاق. * الشيخ: من إطلاقها ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. لكن قال بعض العلماء: لا بد أن يستغرق سفره يومًا؛ لأن أقل فطر يمكن ما هو؟ اليوم، أقل فطر يمكن هو اليوم، فلا بد أن يكون هذا السفر مستغرقًا لليوم، فمن أراد أن يسافر مثلًا إلى الرياض في أول النهار ويرجع في آخر النهار، فإننا نقول له: لا تفطر؛ لأن هذا أقل مما أبيح لك، أبيح لك أن تفطر رمضان، وهنا هذا بعض اليوم لا يسمى صومًا. وهذا الحكم واضح جدًّا على قول الفقهاء الحنابلة الذين يقولون: من علم أنه يقدم غدًا لزمه الصوم، هم يقولون -رحمهم الله-: إن الإنسان إذا علم أنه يقدم غدًا، مثلًا نفرض أنه كان في مكة تعرف أنك بكرة بتسافر إلى بلادك مش هتوصل البلد قبل غروب الشمس، يكون يجب عليك أن تصوم وأنت في مكة؛ لأنك ستقدم إلى بلدك، وهذا في الحقيقة عكس من يقولون: إنك تفطر حتى ولو قدمت البلد؛ لأن فيه رأي لبعض العلماء أن المسافر إذا قدم مفطرًا جاز له أن يستمر على فطره، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ومذهب مالك والشافعي: على أنه يفطر إذا قدم الإنسان إلى بلده وهو مفطر، فإنه يبقى على فطره، وذكروا في ذلك أثرًا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:« مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ »[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٩١٢٩) عن ابن مسعود رضي الله عنه.]]، ومعناه: من جاز له الأكل في أول النهار جاز له الأكل في آخره. ومثله أيضًا المرأة إذا طهرت من الحيض في أثناء النهار، فإنه لا يلزمها الإمساك، وعلى هذا: لو قدم المسافر إلى البلد مفطرًا ووجد زوجته قد طهرت من الحيض في ذلك اليوم يجوز له أن يجامعها؛ لأنه لا يجب عليه الإمساك ولا عليها. قال الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.

البقرة 2:184

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣]. أولًا: الخطاب بالنداء تقدم أنه يدل على تنبيه المخاطب لأمر ذي شأن؛ ولهذا وجه إليه النداء: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ فكأنه يقول: انتبه، ثانيًا: تعليق هذا بوصف الإيمان فيه ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء بالانتساب، وثانيًا: أن هذا من مقتضى الإيمان، وثالثًا: أن تركه نقص في الإيمان، أما وجه كونه مفيدًا للإغراء؛ فلأن مناداة الإنسان بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تستلزم حثهم على هذا الشيء بسبب إيمانهم، ولهذا لو أقول لك: يا رجل، افعل هكذا، هذا يغريك على فعله، وكأنك إذا لم تفعله فاتك وصف الرجولة، هذا السبب في أنه يفيد الإغراء، أما كونه يفيد أنه مقتضى الإيمان؛ فلأنه وجه إلى المؤمنين فكان ذلك لمقتضى إيمانهم، وأما كونه نقصًا فيما لو تخلف فلأنه لما خُصَّ به المؤمن عُلم أنه من خصاله، وإذا فاتت خصال الإيمان أو فات شيء منها صار ذلك نقصًا في الإيمان، إذن نخلص من هذا إلى أن الصيام مما يُعْتَنى به ويهتم به. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي فرض، والذي فرضه هو الله سبحانه وتعالى. ﴿الصِّيَامُ﴾ هذه نائب الفاعل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فهو نائب الفاعل المرفوع. والصيام في اللغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم ٢٦] يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم ٢٦]، وأما في الشرع فإنه: التعبد لله سبحانه وتعالى بترك المفطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣] الكاف هذه حرف جر، وتفيد التشبيه ولكنه تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس للمكتوب بالمكتوب ﴿كَمَا كُتِبَ﴾، وهذا أعني التشبيه بالفعل دون مَن وقع عليه الفعل هذا أمر مطرد، «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) و(٢٩٦٨ / ١٦).]] التشبيه هنا للرؤية ولَّا للمرئي بالمرئي؟ للرؤية بالرؤية؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى المصدر، فقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ نقول هنا التشبيه المكتوب بالمكتوب ولَّا الكتابة بالكتابة؟ الكتابة بالكتابة؛ أي: ككتابته، ولهذا نقول (ما) هنا مصدرية وليست اسمًا موصولًا. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من أين؟ من الأمم السابقة، يعم اليهود والنصارى ومن قبلهم، كلهم كتب عليهم الصيام، ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت والزمن. وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذا التشبيه فيه فائدتان لنا، الفائدة الأولى: التسلية والتأسي بمن سبق؛ حتى لا تقول هذه الأمة: إن الله سبحانه وتعالى حملنا آصارًا وأثقالًا بهذا الصوم، لا سيما في أيام الصيف، فيقال: اطمئنوا فالأمر كنتم مسبوقين به، ولا شك أن الإنسان إذا ذُكِرَ له من شاركه في أمر شاق، فإنه يُهَوِّن عليه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]. يعني: لن ينفعكم اشتراككم في العذاب، بل هنا في الدنيا إذا اشترك الناس في العذاب هان عليهم؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي فهؤلاء في النار ما ينفعهم الاشتراك في العذاب أن يهون عليهم، كذلك هنا لما ذكر الله أنه فرض علينا الصيام بَيَّن أنه فرض على من قبلنا حتى نطمئن ولا نقول: إننا حُملنا ما لم تحمل الأمم السابقة هذه واحدة، الفائدة الثانية لنا في ذكر كتابته على من سبقنا: بيان أن هذه الأمة كُمِّلت لها الفضائل كما كُمِّلَت للأمم السابقة، ولا ريب أن الصيام لله عز وجل من أعظم الفضائل، أن الإنسان يترك شهوته وطعامه وشرابه أشهى ما (...) إليه لله عز وجل، ومن أجل هذا اختص الله ثوابهم لنفسه، اختصه لنفسه فقال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الْصَوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتُهُ مِنْ أَجْلِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١ / ١٦٤) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.]]. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: من؟ * طالب: الأمم السابقة (...). * الشيخ: طيب هذا من نعمة الله علينا؛ لأنه نقول: إنه لما فرض الله علينا بين أنه قد فرض على من سبقنا حتى لا نقول: إنه من الآصار التي علينا. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، وأيضًا نتأسى بذلك، ما دام هذا مفروضًا على غيرنا، فإنه يهون علينا، الآن الناس.. * طالب: (...) حتى وإن لم يكن مكتوبًا. * الشيخ: (...)، الله عز وجل يهون الأمر علينا كونها تأتي في أيام معدودات (...) سمعنا وأطعنا إن شاء الله تعالى (...) ويذكِّر العباد بأشياء حتى يهون عليهم الأمر وينقادوا تمامًا. * طالب: (...). * الشيخ: تتقون الله عز وجل، هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم، وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية أو مصالح اجتماعية فإنها تبع وإلَّا ففيه مصالح بدنية واجتماعية، وأنا يؤسفني كثيرًا أن يركز بعض الناس على فوائد الصوم البدنية والاجتماعية، أنا لا أقول لا تُذْكَر، تذكر لكن لا يركز عليه، وكأنه ما شرع إلا لها لأن هذا يذهب روح الصيام، وهو التعبد لله به، فإذا قيل للإنسان: أنت إذا صمت صار في هذا زوال للفضلات التي في بدنك من كثرة الطعام، وصار في هذا كذا وكذا من الفوائد الطبية، وصار في هذا أيضًا تذكير لك بإخوانك الفقراء حتى تواسيَهم بمالك وما أشبه هذا من أمور، ما نقول هكذا، وننسى الأصل الذي من أجله كتب الصيام وهو تقوى الله؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فَي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠٥٧) من حديث أبي هريرة.]] هذا هو الحكمة من الصوم، والتقوى فيه ظاهرة جدًّا، ولا حاجة إلى أن آتي لكم بشاهد وأنتم تصومون رمضان وتحسون بما يكون في نفوسكم من تقوى الله عز وجل في أيام الصوم، والإنسان بمجرد ما يقول لنفسه أو يُشْعِر نفسه أنه ترك ملاذه لله، لا شك أنه يقول: إذا تركت هذه الملاذ التي هي من مقتضى طبيعتي، وتحثُّ عليها طبيعتي حثًّا عظيمًا، فإن هذا لا شك أنه يكسب قلبه محبة الله وتعظيمًا له ونورًا وإيمانًا وطمأنينة، وهذا هو السر في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. * طالب: شيخ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ هنا مطلقة (...) وجهه؟ * الشيخ: لا، ما له وجه الصواب أنكم لعلكم تتقون الله؛ لأن التقوى إذا أطلقت فهي هذا تقوى الله مثل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، وما أشبهه. * طالب: قد يقول قائل: إن التقوى غالبًا تكون في الإفطار أكثر منها في الصيام، وذلك لأن الجسم عندما يكون نشيطًا يكون أخشع لله، وإذا كان غير ذلك لا بد أنه يثقل الذكر والعبادة؟ * الشيخ: ما جربت يا ولدي، الشبع هو الذي يدعو إلى الأشر والبطر. * طالب: وإلى النوم. * الشيخ: وإلى النوم الإنسان إذا شبع (...). * طالب: بالأخص إذا كان الجو حارًّا. * الشيخ: صحيح أنه يتعب، لا شك أنه يتعب، فهمت؟ لكن هذا التعب وهذا الانكسار له تأثير على القلب، تأثير يعرفه أرباب السلوك، نحن ما نعرفه، إحنا يعني إلى المادة أقرب منا إلى الروح، لكن على كل حال أرباب السلوك يعرفون هذا، فله إصلاح عظيم للقلب، إذا كان في الحدود الشرعية، أنا ما أقول: موت روحك من الجوع لو أنك كنت صائم، لا ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٧٢]، لكن له تأثير لا سيما إذا اقترن به أن الإنسان يشعر بأنه يتعبد لله، وهذا له فائدة عظيمة. * طالب: (...). * الشيخ: طيب ثم قال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة ١٨٤] أيامًا هذه مفعول لقوله: ﴿الصِّيَامُ﴾؛ لأن الصيام مصدر يعمل عمل فعل ولَّا لا؟ هنا مر علينا من كلام ابن مالك؟ ويش يقول؟ * طالب: بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ ∗∗∗ مُضَافًا اوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ أَلْ * الشيخ: أو مع (أل). * طالب: إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) يَحُلْ ∗∗∗ مَحَلَّهُ وَلِاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ * الشيخ: المهم هو الآن مع أل فهمت؟ فالصيام عمل في قوله: ﴿أَيَّامًا﴾ يعني: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات. وقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ نكرة، والنكرة تفيد القلة وتفيد الكثرة وتفيد العظمة وتفيد الهون حسب السياق، لما قرنت هنا بقوله: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ أفادت القلة يعني: هذا الصيام ليس أشهرًا ليس سنوات ليس أسابيع ولكنه أيش؟ أيام، أيام معدودات قليلة. و﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ لا يخفاكم أنها من صيغ جمع القلة؛ لأن جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم من صيغ جمع القلة يعني فهي أيام قليلة، وصدق الله عز وجل؛ قليلة إذا نسبت ثلاثين يوما لثلاث مئة وستين يوما. * طالب: (...). * الشيخ: قليلة، ومع ذلك فيها هذا الفضل العظيم: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، ثم قال فالاستثناء من قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ لأن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ يشمل المريض والمسافر والقادر والعاجز، لكن قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية و﴿كَانَ﴾ فعل الشرط و﴿فَعِدَّةٌ﴾ الجملة جواب الشرط، وعدة مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه عدة من أيام أخر، ويجوز أن تكون خبرًا مبتدؤه محذوف، والتقدير: فالواجب عدة. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ مريضًا أخذ بعض أهل العلم بظاهرها، وقال: أي مرض يصيب الإنسان فله أن يفطر، أي مرض يصيب الإنسان فله أن يفطر، ولكن في هذا نظر ووجهه إنه إنما استثني المريض لمشقة الصوم عليه، وعلى هذا فنقول: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ مرضًا يشق عليه الصوم أو يتأخر به البُرْء، يعني: ما يشق عليه، لكن يتأخر به البرء، أو يفوت به العلاج، كما لو قال له الطبيب: خذ حبوبًا كل أربع ساعات وما أشبه ذلك، فالمهم إذا كان للصوم تأثير على هذا المرض بمشقة أو تأخر برء أو اختلاف في العلاج فإنه يجوز له أن يفطر، أما مريض في ضرسه مثلا، فصار معه كسل بسبب وجع الضرس ولكنه يتحمل الصيام بدون مشقة، نقول له: أفطر؟ ما نقول: أفطر، أو كان في أصبعه شوكة صار معها بعض الفتور من أجلها، لكنه لا يشق عليه الصوم، فهذا أيضًا لا نقول له: أفطر؛ لأنه لا داعي للفطر، فالمرض لن يؤثر عليه إطلاقًا، فإذا قال قائل: نحتاج إلى دليل على هذا التخصيص. قلنا: التخصيص مفهوم من العلة. وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ على سفر، ما قال: أو مسافرًا مع أنه قال في الأول: مريضًا، ولم يقل: في مرض، فلا بد أن يكون هناك حكمة في اختلاف التعبير، فما هي الحكمة؟ الحكمة من قال: إن من عزم على الرحيل فله الإفطار ولو كان في وسط بلده، كما هو مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال: «إنه هو السُّنة»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/٢٤٧) من حديث أنس.]]، فإنه يظهر تمامًا معنى قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لأن المتهيِّئ للسفر المرتحل لو ما خرج وصار في سفر حقيقة فإنه على سفر، ولهذا يقول الشاعر: مَرَّ الْجَرَادُ عَلَى زَرْعِي فَقُلْتُ لَهُ ∗∗∗ لَا تَأْكُلَنَّ وَلَا تَسْعَىبِإِفْسَادِي؎فَقَامَ مِنْهُمْ خَطِيبٌ فَوْقَ سُنْبُلَةٍ ∗∗∗ إِنَّا عَلَى سَفَرٍ لَا بُدَّ مِنْ زَادِ الشاهد قوله: إنا على سفر. (...) ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤] قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ هذه على تقدير شَيْءٍ محذوف، والتقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر. * طالب: (...). * الشيخ: فأفطر فعدة من أيام أخر. ثم: ﴿عِدَّةٌ﴾ إما أنها مبتدأ خبرها محذوف التقدير: فعليه عدة، أو أنها خبر مبتدأ محذوف التقدير: فالواجب عدة، أو فالمكتوب عدة من أيام أخر. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ هذا التشبيه لأي شيء؟ * طالب: تشبيه كتاب بكتاب. * الشيخ: وليس المكتوب بالمكتوب؟ * طالب: لا ليس المكتوب بالمكتوب. * الشيخ: ما نظيرها؟ أو هل هناك شاهد في مثل هذا التركيب يدل على ما قلت؟ * طالب: مثل قول النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ اللَّهَ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) و(٢٩٦٨ / ١٦).]]. * الشيخ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ» فهنا قطعًا التشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ (ما) هنا؟ * طالب: ما مصدرية. * الشيخ: مصدرية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ولا تصلح موصولة؟ * طالب: ما تصلح. * الشيخ: نعم، نعم صح، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعل معناها؟ * طالب: معنى لعل؟ تعليل. * الشيخ: تعليل، يعني: لأجل أن تتقوا، ﴿أَيَّامًا﴾ ويش إعرابه؟ * طالب: أيامًا مفعول. * الشيخ: مفعول لأيش؟ * طالب: مفعول لـ ﴿كُتِبَ﴾. * الشيخ: مفعول لـ ﴿كُتِبَ﴾، يعني (كُتِبَ) مبني للمجهول. * طالب: الصيام. * الشيخ: مفعول لأيش؟ * طالب: مفعول للصيام. * الشيخ: مفعول الصيام؟ وهذا الصيام ينصب المفعول به؟ * طالب: ما ينصب، لأنه.. * الشيخ: ما ينصب لأنه اسم. * طالب: مفعول لفعل محذوف. * الشيخ: ويش التقدير؟ * طالب: فعليه. * الشيخ: فعليه؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أيام تكون؟ * طالب: (...). * الشيخ: وهنا يحل محله الفعل. إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) يَحُلْ ∗∗∗ مَحَلَّهُ..................... يعني: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات، فهو إذن مفعول الصيام، طيب ما الحكمة من قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾؟ * طالب: بيان أن هذه الأيام (...) الله تعالى بأن هذه الأيام لا تشمل السنة كلها، وإنما هي شيء قليل بالنسبة لهذه السنة كلها. * الشيخ: أيش الحكمة منها: بس أنه يبين أنها معدودات فقط؟ * طالب: تخفيف على العباد. * الشيخ: صح، تخفيف الأمر على المكلف، أنا ما أسأل لماذا كانت أيامًا، أسأل لماذا عبر بأيام، نقول: هذا من أجل تخفيف الأمر على المكلف ليقبل، يعني: كما لو أقول لك: ما هي إلا أيام قليلة أو ما هي إلا ليال قليلة أو ما أشبه ذلك. قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ هل المراد مطلق المرض؟ * الشيخ: هل المراد مطلق المرض؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أي مرض يكون؟ * طالب: أي مرض. * الشيخ: أي مرض يكون؟ * طالب: إي، أي مرض. * الشيخ: أي مرض يكون، طيب توافق؟ * طالب: هو ظاهر القول هكذا، ولكن الصحيح خلاف ذلك. * الشيخ: ولكن المراد، من هو الصحيح؟ * طالب: المراد أنه المرض الذي يشق معه الصيام أو يتأخر معه الشفاء أو يعارض تعاطي العلاج. * الشيخ: إي، أحسنت، زين، وهذا التقييد الذي قيدنا به الظاهر؟ * طالب: يؤخذ من العلة. * الشيخ: من العلة والحكمة تمام. قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ما هو السفر؟ * طالب: السفر؟ ما أخذناه، وقفنا عنده. * الشيخ: طيب، قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ السفر جاء في القرآن، وفي السنة وجاء في القرآن بلفظ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وبلفظ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء ١٠١] وبلفظ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل ٢٠] وما أشبه ذلك، ولم يحدد الله سبحانه وتعالى ولا رسوله مسافة ولا زمنًا لهذا السفر، لا مسافة ولا زمنًا، ومن أراد أن يتبين ذلك فليُراجِع، ما في القرآن إن السفر محدد بمسافة يقطعها الإنسان وليس هناك في عهد الرسول ﷺ أناس مسَّاحون يمسْحُون الأرض حتى يدركوا الذراع والشبر والأنملة وحبة الشعير وشعرة البرذون، لأن عند الذين يحددون بالمسافة يحددون إلى شعرة البرذون يعني: بهذه الحبة رمل تفرق بين المسافر وغير المسافر، اللي من دون الحبة غير مسافر، واللي من ورائها مسافر، هذا يقول شيخ الإسلام ما هو وارد، ما ورد عن رسول الله ﷺ ولا فيه مساحين يعرفون هذا التقدير بهذه المسافة وهذا صحيح، كذلك أيضًا لم يُقيَّد السفر بزمن؛ ولهذا اضطربت أقوال أهل العلم في هذه المسألة على أقوال تبلغ نحو العشرة، ما هو السفر، أيحدد بزمان أم يحدد بمسافة أم يحدد بالعرف؟ شيخ الإسلام رحمه الله له قاعدة معروفة وهو أن كل شيء أطلقه الشارع، ولم يَحُدَّه له الحد فإن الرجوع فيه إلى العرف، فما تعارفه الناس فهو انطبق عليه الحكم، وذكر منه السفر، قال: فما عده الناس سفرًا بحيث يقال: فلان سافر بحيث يعد له الزاد والمزاد ويتهيأ له فهو سفر وما لا فلا، وقال بعض العلماء: إنه إذا خرج ثلاثة أميال مطلقًا وإن لم يسم سفرًا قصر، وقال آخرون: إذا خرج ثلاثة فراسخ لحديث أنس بن مالك:« كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فَرَاسِخ -الشك من شعبة- صلى ركعتين»[[أخرجه مسلم (٦٩١ / ١٢)، من حديث أنس.]] قال: فعلى هذا يقول: ما دام الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعتين إذا خرج هذه المسافة فإننا نأخذ بها، ولكن قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا حكاية لحال وقع، فلا ندري لو خرج أقل أو أكثر، أكثر على كل حال يقصر بلا شك لأنه من باب أولى، لكن إذا خرج أقلَّ، ولكنك إذا تأملت لفظ الحديث وجدت أنه أقل من ذلك الحديث يدل على أنه لا قصر فيه لأنه يقول: إذا خرج ثلاثة، إذا خرج، فمفهومه إذا خرج أقل فإنه لا قصر، فنقول: أقل الشيء هي ثلاثة أميال أو فراسخ، أيهما أحوط؟ ثلاثة فراسخ، ثلاثة فراسخ، لكن عامة أهل العلم وأكثر أهل العلم يرونه ستة عشر فرسخًا، يرون مدة مسافة القصر ستة عشر فرسخًا فما بلغها فهو قصر وما دونها فليس بقصر، وعلى هذا فنقول: ما دامت المسألة ليس فيها حد بَيِّنٌ شرعي فإنه إذا خرج هذه المسافة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصليها فيها ركعتين قصر، وما دونها محل شك والأصل؟ أيش الأصل؟ الإتمام، الأصل الإتمام فيتم، وما خرج عن الثلاثة فإنه يقصر إلا أنه لم يُعَدَّ سفرًا مثل رجل خرج بمسافة ثلاثة فراسخ ورجع من يومه، فإنه لا يعد مسافرًا، حتى في العرف لا يعد مسافرًا فلا يثبت له حكم السفر، لكن لو أن رجلًا خرج ثلاثة فراسخ، وأقام مدة بهذا المكان فإنه يعد مسافرًا، فصار السفر الآن إما أن يكون بمسافة وإما أن يكون بالزمن حسب العرف. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ التعبير اختلف في قوله: ﴿مَرِيضًا﴾ ولم يقل: ومن كان فيه مرض، قال: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾، وفي السفر قال: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ما هي الحكمة؟ قد يقال الحكمة -والله أعلم- أن المسافر قد تكون له حالة تشبه الإقامة، تكون له حال تشبه الإقامة مثل ما لو أقام في بلد مستريحًا مطمئنًّا مستظلًّا، فهو في الحقيقة ما كأنه مسافر لكنه أيش؟ لكنه على سفر، ما نيته الإقامة مثل ما حصل للرسول ﷺ في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يومًا وهو يقصر الصلاة، وقد أفطر حتى انسلخ الشهر كما في حديث ابن عباس الذي في البخاري[[أخرجه البخاري (١٠٨٠)، من حديث ابن عباس.]]، الرسول ﷺ هنا باعتباره في بلد ويش يُعْتَبر؟ كأنه مقيم، هو والمقيمين على حد سواء، لكنه في الحقيقة على سفر ما نيته الإقامة نيته أن يبقى في هذا المكان لمدة بمقدار حاجته ثم يرجع، فهنا نقول: إنه على سفر، هذه فائدة، فائدة أخرى على رأي بعض أهل العلم: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه يعني: مثلًا إنسان عزم على أنه يمشي بعد الظهر في رمضان، وهذا متهيئ يهيئ عفشه، يحمل متاعه، وما أشبه ذلك، يقولون: وإن كان في بلده فإنه يجوز أن يفطر، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يفعل ذلك ويقول: «إنه من السنة»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤ / ٢٤٧) من حديث أنس.]]، لكن الحديث هذا فيه مقال عنه، لكن على رأي من أثبته يقول: إن الإنسان إذا عزم على السفر أصبح مفطرًا، وهذا قالوا: خير من كونه يصوم ثم إذا خرج أفطر؛ لأنه لم يدخل في العبادة أصلًا، لكن جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول: على أنه لا يحق له الفطر إلا إذا خرج على خلاف بينهم أيضًا، هل يجوز لمن سافر في أثناء اليوم وهو صائم أن يفطر أم لا والصحيح أنه يفطر لدلالة السنة على ذلك. * طالب: هل يفطر إذا تهيأ؟ * الشيخ: لا ما أرى هذا ما أرى هذا؛ لأن الحديث فيه مقال في نفسي منه شيء، والأصل وجوب الصوم، والحمد لله إذا خرج ما دام إذا خرج له أن يفطر يخرج صائمًا وإذا شاء أفطر. * طالب: ممكن يتأخر السفر لسبب خارج عنه. * الشيخ: ربما يتأخر، خصوصًا في وقتنا الآن؛ لأن الآن الإنسان مربوط بغيره (...) الأسفار، الأول واحد يحمل البعير ويمشي؛ لكن الآن خصوصًا بالطائرات مربوط بغيره. قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿فَعِدَّةٌ﴾ معروف أن جمهور أهل العلم ما عدا أهل الظاهر يقولون: إن الآية على تقدير محذوف، وهو: فأفطر فعليه عدة، وقال أهل الظاهر: إنه لا تقدير؛ لأن الأصل عدمه فإذا دار الكلام بين الحذف وعدم الحذف فالأصل عدم الحذف، وعلى هذا ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ففرْضُه عدة من أيام أخر، فلو صام لم يجزئه؛ لأن الله إنما أوجب عليه العدة ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿أُخَرَ﴾ أي: مُغايِرَة لهذه الأيام، فعليه لو صام لم يجزئه، وهذا القول لولا وجود السُّنَّة لكان قويًّا لقوة تعليله، ولكن السنة بينت أن الآية لا بد فيها من تقدير: فأفطر، وذلك لأنه ثبت أن الصحابة مع النبي ﷺ منهم الصائم ومنهم المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ولو كان الصوم حرامًا ما فعله الصحابة بحضرة النبي ﷺ بل قد كان عليه الصلاة والسلام يصوم في رمضان كما في حديث أبي الدرداء: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، فَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَة» َ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٤٥) من حديث أبي الدرداء، ومسلم (١١١٩ / ١٠٠) من حديث أنس بنحو هذا اللفظ.]]. * طالب: في سفر؟ * الشيخ: في سفر، في سفر، فهذا دليل على جواز الصوم في السفر، ثم «إن الرسول ﷺ أيضًا صام حتى جاء الناس إليه، فقالوا: يا رسول الله، إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ماذا تفعل، فدعا بِقَدَحٍ من ماء بعد العصر، فشربه وهو على ناقته والناس ينظرون إليه»[[أخرجه مسلم (١١١٤ / ٩٠ - ٩١) من حديث جابر بن عبد الله.]] وأفطر في أثناء النهار فهذا دليل على أيش؟ على جواز الصوم في السفر، وهو الحق وليس بواجب -والحمد لله- أن يفطر. * طالب: جواز هذا يا شيخ، جواز الإفطار في أثناء النهار. * الشيخ: (...) جواز الإفطار في أثناء النهار. وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ شوف ﴿أَيَّامٍ﴾ ما قال: من الأيام الأُخَر، ﴿أَيَّامٍ﴾ نكرة، فنستفيد أنه لو صام عن أيام الصيف أيام شتاء يجزي ولَّا لا؟ يجزي لأن أيام نكرة ﴿أُخَرَ﴾ بمعنى مغايرة، ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وفيه إن شاء الله نتعرض في الفوائد إلى أن الواجب الأيام دون الشهر، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ لمَّا أوجب الصيام قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة ١٨٤] كأن هذه الجملة كأنها تفصيل لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وأن الصيام على المطيع إما أن يَفْدِي وإما أن يصوم، والصوم خير له. وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة ١٨٤] الطاقة بمعنى القدرة أي: يقدرون عليه هذا هو الصواب كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقال بعض أهل العلم ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يبلغ الطاقة منهم حتى يصبح شاقًّا عليهم، فمعنى يطيقونه يُطوَّقُونه أي: يتكلفونه ويشق عليهم، وقال آخرون: إن في الآية حذفًا والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وعلى الذين لا يطيقونه، وهذا القول أضعفها؛ لأن هذا القول يقتضي تفسير المثبت بالمنفي، الله يقول: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ وهذا يقول: لا يطيقونه، وهذا تفسير للشيء بضده ولا يستقيم، أما من قال: يطيقونه أي يبلغ طاقتهم حتى يشق عليهم فهذا له وجه، لكن ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع يدل على ضعفه، بل وظاهر الآية أيضًا يدل على ضعفه؛ لأن قوله في آخرها ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٤] يدل على أن هؤلاء يستطيعون الصيام، وأنه خوطب به من يستطيع وحديث سلمة بن أكوع في الصحيحين[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥ / ١٤٩).]] أنه أول ما فرض الصيام كان الإنسان مخيَّرًا بين أن يصوم ويفتديه، ثم أوجب الله الصوم في الآية التي بعدها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة ١٨٥]، وهذا هو القول الراجح إن معنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يستطيعونه، ﴿فِدْيَةٌ﴾ فدية هذه خبر ولَّا مبتدأ؟ * الطلبة: مبتدأ مؤخر. * الشيخ: مبتدأ مؤخر خبره: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. وقوله: ﴿فِدْيَةٌ﴾ أي فداء عن الصوم، يفتديه به عن الصوم، والأصل أن الصوم متعلق بك، وأنك مكلف به فتفدي نفسك من هذا التكليف بماذا؟ بطعام مسكين ﴿فِدْيَةٌ﴾، وقوله: ﴿طَعَامُ﴾ هذه عطف بيان لقوله: ﴿فِدْيَةٌ﴾ لأنها تبينه، هذه الفدية ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ طعام مسكين، هل يوزع على الأفراد أو على الجملة؟ يوزع على الأفراد، يعني عليهم لكل يوم طعام مسكين، وليس المعنى عليهم طعام مسكين لكل الشهر بل لكل يوم، ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: ﴿طَعَامُ مَسَاكِينُ﴾ عرفتم؟ ومساكين جمع، فكما أن الأيام التي عليهم جمع، فكذلك المساكين الذين يطعمون جماعة، لا بد أن يكونوا جماعة، وقوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فيها قراءات عندي نشوف القراءة الأولى: ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ ، (...) المصحف وتشوفوا الإضافة وجمع (مساكين)؛ ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ ، هذه واحدة. القراءة الثانية: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ، توافق اللي في المصحف، إلا أنها بالجمع، نعم، إلا أنها بالجمع، ففيها أيضا ثلاث قراءات: ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ وهذه من باب إضافة الشيء إلى نوعه كما أقول: خاتمُ حديدٍ أي: من حديد، ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ﴾ أي: فدية من طعام مساكين، أما القراءة الثانية اللي خلاف المصحف: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وهي على ما في المصحف تكون (طعام) عطف بيان، لكنها بينت أن المراد بالمسكين الجنس، وأنه موزع على الأفراد وأن المراد فدية لكل يوم مسكين. وقوله: ﴿طَعَام مَسَاكِينَ﴾ (طعام) بُيِّنَ نوعه؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما بين، بُيِّنَ قدره؟ * طالب: لا. * الشيخ: بُيِّنَ جنسه؟ * طالب: جنسه طعام. * الشيخ: إي جنسه طعام، زين، لكن نوعه لم يُبَيَّن ولا قدره، إذن نرجع إلى مسمى الطعام، فما سُمِّيَ طعامًا كفى، فإذا كنا في بلد لا يطعمون إلا اللحم، ناس ما عندهم إلا اللحم والحيتان على شاطئ البحر، يأكلون الطيور ومن الأسماك، ويش يصير الطعام؟ * الطلبة: أسماك ولحم. * الشيخ: أسماك ولحم كذا ولَّا لا؟ إذا كنا في بلد لا يأكلون إلا الذرة، ويش يكون الطعام؟ * طالب: ذرة. * الشيخ: ذرة، إذا كنا في بلد لا يطعمون الشعير؟ * طالب: لا يجزئ الإطعام. * الشيخ: ما يجزي؟ * طالب: ما يجزي. * الشيخ: فتَبَيَّن بهذا ضعف من يُقيِّد الطعام بأنه ما يجزئ في الفطرة، ثم يقولون الذي يجزئ في الفطرة كم من صنف؟ خمسة أصناف فقط وهي: البُرُّ والتمر والشعير والزبيب والأقط، لكن الصواب عموم الآية ما سُمِّي طعامًا فهو كاف، المقدار، المقدار لم يُبَيَّن، وعلى هذا لو غدّى المساكين أو عشَّاهم أجزأهم؟ أجزأهم، ولهذا «كان أنس بن مالك رضي الله عنه لما كبر صار يصنع طعامًا فيدعو إليه ثلاثين مسكينًا»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢٣٣٥)، وأبو يعلى (٤١٩٤)، والدارقطني (٢٣٩٠).]] ويكفيه هذا عن؟ عن صوم رمضان؛ لأن الله أطلق طعام، وقال بعض أهل العلم: إنه لا بد أن يكون الطعام مُدًّا من بُر أو نصف صاع من غيره، طيب، ما دليلهم على نصف الصاع؟ قال: دليلهم على نصف الصاع أن الرسول ﷺ قال لكعب بن عُجْرَة حينما أَذِنَ له في حلق رأسه وهو محرم، قال له: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١ / ٨٥) من حديث كعب بن عجرة.]] لكل مسكين نصف صاع، قالوا: فهذا تقدير من الرسول ﷺ في شيء مطلق في القرآن، اللي في القرآن: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة ١٩٦]. فمن قال: إن الآيات المطلقة تُحمَل على هذه الآية، مثل ما حملنا الآية المطلقة في تحرير الرقبة على الآية المقيدة بأنها مؤمنة، قالوا: فحَمْلُ الآية المطلقة على الآية المقيدة بالوصف كحمل الآية المطلقة على الآية المقيدة في القَدْرِ؛ لأن حقيقة القدر وصف (...)، فأنا إذا قلت: عندي بُرّ قدره عشرة أصواع، وصفته ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وصفته، كما لو قلت: عندي بر طيب، قالوا: فيحمل المطلق في جميع أنواع الطعام، إذا كان يريد أن يُفَرِّقَه عليهم بدون أن يدعوهم إليه يُحمَل على هذا المقيد، وأما دليل المد من البر فدليلهم أن معاوية رضي الله عنه لما قدم المدينة وإذا البُرُّ قد كَثُر فيها قال: إِنِّي أَرَى مُدًّا مِنْ هَذِهِ يَعْدِلُ مُدَّيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ. فعدل الناس في وقته عن إخراج الفطرة من صاع إلى نصف صاع، لكن معاوية رضي الله عنه عارضه مَن عارضه من الصحابة مثل أبي سعيد رضي الله عنه فإنه قال: «أنا لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي ﷺ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥ / ١٨).]] ولا شك أن ما ذهب إليه أبو سعيد هو الحق في مسألة الفِطْرَة لأن الرسول ﷺ عيَّن الفطرة من أصناف مختلفة من تمر ومن شعير كما في حديث ابن عمر: «فرض النبي ﷺ زكاة الفِطْر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤ / ١٢).]] وأبو سعيد قال: «كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان الطعام يومئذ التمر والشعير والزبيب والأَقِط»[[أخرجه البخاري (١٥١٠).]]، البُرُّ ما ذُكِر لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قليل جدًّا، ما كان طعامهم العام، ولهذا ما ورد في السنة الصحيحة ذِكْر البر في مسألة الفطرة، وعلى هذا فنقول: الذين قالوا بأنه يجزئ المد أخذوه من فعل معاوية رضي الله عنه، طيب، الرز ما تقولون فيه: أيلحق بالشعير أم بالبر؟ * طالب: بالطعام. * الشيخ: لا، الذين يقيدون مد بر أو نصف صاع من تمر أو شعير؟ * طالب: يُلْحَق بالبر، لأن الشعير رخيص. * الشيخ: إي، أنا أرى أنه يلحق بالبر وأولى به؛ لسهولته أسهل من البر أسهل وأكثر فيما أظن. * طالب: لا، كلهم متوسط يا شيخ. * الشيخ: (...) نشوف، الآن إذا حطت لك مد من الرز في قِدْر وطبخته كم يصير من المد؟ * طالب: يصير مدين. * الشيخ: يصير مدين أو أكثر من مدين أكثر من مدين نعم لكن حط لك حب من البر ما يشب هذا الشبا، حتى لو طحنته ما يكون يبلغ هذا المبلغ، ثم هو ما يحتاج إلى مؤونة، هذا البر ما يمكن تأكل إلا أنت طاحنه وعاجنه كذا؟ ومرصعه ولَّا لا؟ لكن هذا؟ * طالب: ما يحتاج. * الشيخ: (...) ما فيه شيء. * طالب: شيخ بعض الأماكن اللي لا يجد الإنسان ناس ينتفعوا بأنواع الأطعمة، إذا أعطته حتى أردب من البر ما ينتفع به؟ * الشيخ: ويش ينتفع به؟ * طالب: ينتفع بمال، يريد يأخذ مالًا. * الشيخ: قروش يعني. * طالب: إي نعم. * الشيخ: ويش تفيد ها القروش؟ * طالب: يعني ينتفع بها، والأكل عنده ما.. * الشيخ: ويش يبغي؟ * طالب: يعني أنت لا تجد مساكين في مكان مثلًا. * الشيخ: أهم ما يكون الأكل؛ ولهذا يقدم الإنسان سد الجوع عن ستر العري. * طالب: يعني إنسان مثلًا ليس في بلده، غريب مثلًا، في بلاد أجانب وكده ما يجد فقراء يعطيهم طعام كيف يفدي يعني؟ * الشيخ: هل بيعطيهم قروش هتنفع؟ * طالب: يستحون ما يأخذون الطعام. * طالب آخر: يشق عليهم أن يجدوا فقراء. * الشيخ: (...) الطعام الذي هم يأكلون (...). * طالب: يشق عليهم أن يجدوا فقراء، يعني غالب أهل البلد ليسوا بمسلمين. * الشيخ: طيب افرض إنه يأكل سندوتش، (...) وأعطيه، يعني شيخ الإسلام يرى أنه يجوز أن يُطْعِم من الخبز. * طالب: إي، بس ما يطعم غير المسلمين يا شيخ؟ * الشيخ: لا لا غير المسلمين لا. * طالب: طيب هو يشق عليه أنه يجد، فيه ناس في بلاد الأجانب.. * الشيخ: في مثل هذه نقول مثل الزكاة تدفعها في بلاد أخرى من بلاد المسلمين من المحتاجين، تُوَكِّل أحد ثم... * طالب: طعام البر، (...) فيه فرق كبير. * الشيخ: من جهة أيش؟ * طالب: من جهة الطعام (...) نشويات كثيرة (...). * الشيخ: المهم إنه بالنسبة للطعام العام الطعام العام، لا شك (...). * طالب: شيخ، هل يؤخذ من أثر أنس أن القضاء ثلاثين يومًا؟ * الشيخ: لا، يحمل على أنه الشهر اللي كان يطعم به إنه ثلاثين يومًا. * طالب: (...) الشهر تسعة وعشرون يومًا. * الشيخ: لا، مو على كل حال. * طالب: (...) أيهما الراجح؟ * الشيخ: وهو؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: أيهم أيهم؟ في مسألة الإطعام؟ * طالب: في حديث كعب بن عجرة على آية..؟ * الشيخ: الذي يظهر لي أنا في مسألة الإطعام أن المطلق يبقى على إطلاقه، المطلق يبقى على إطلاقه لأن آية الفدية في الحج لها أبدال رفيعة، وهي النسك مثلًا، فالنسك لا شك أنه يطعم أكثر من عشرة مساكين، والظاهر والله أعلم إن تبقى هذه على ما هي عليه على إطلاقها. وقوله تعالى: ﴿مَسَاكِينَ﴾ أو ﴿مِسْكِينٍ﴾؟ قراءتان، المراد به من لا يجد شيئًا يكفيه لمدة سنة، فيدخل في هذا التعريف يدخل فيه الفقير، وهكذا إذا مر بك المسكين فإنه شامل للفقير وإذا مر بك الفقير فإنه شامل للمسكين، أما إذا جُمِعا فقد قال أهل العلم: إن بينهما فرقًا، فالفقير أسوأ حالًا من المسكين، أشد حاجة يعني، الفقير هو الذي لا يجد النصف، والمسكين هو الذي لا يجد الكل يعني: يجد النصف لكن لا يجد الكل. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة ١٨٤]. * طالب: شيخ، قبل أن تدخل في الآية، فيه كثير بيسألوا عن هل يعني يجزئ الأيام جملة واحدة؟ يعني الثلاثين يوم يجزئ بيهم أن يخرجوا دُفْعة واحدة، أو لشخص واحد؟ * الشيخ: لا، لشخص واحد ما يمكن؛ لأنها جمع. * طالب: لأن كثير من الناس ممكن يشق عليه يدور كل يوم على مسكين، ما يجد. * الشيخ: لا لا ما هو بلازم؛ لأنه ممكن يشوف مثلًا ثلاثة بيوت أو أربعة بيوت فيها هذا العدد ويعطيهم، افرض أنه فيه بيت كبير، هذا بيت بالنسبة لنا نحن في السعودية، هذا بيت عمال فيه ثلاثين فقير، كلهم فقراء نعطيهم نطبخ لهم الطعام ونوصلهم يأكلون. * طالب: لا كثير، يا شيخ تشق أنك تجد مساكين. * طالب آخر: تيجي مشكلة، العمال ما يصلون (...)؟ * طالب آخر: في أماكن يا شيخ عندنا ناس لا يعرفون مساكين بالمرة. * طالب آخر: (...) مجموعة عمال (...). * الشيخ: والله ما أدري، لكن الأصل في المسلم العدالة وأنه يصلي إلا إذا تبين. ﴿تَطَوَّعَ﴾ فعل الشرط وجوابه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ وأيش محلها من الإعراب وأيش اللي ناصبها؟ * طالب: صفة لمصدر محذوف، أو مفعول به مؤخر، أو حال. * طالب آخر: مفعول به يا شيخ. * طالب آخر: الثالث مفعول لأجله. * الشيخ: نعم طيب، الآن: فمن تطوع تطوعًا خيرًا، أو ﴿مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ على أن نجعل ﴿تَطَوَّعَ﴾ بمعنى فَعَلَ، فتكون ﴿خَيْرًا﴾ مفعولًا به، أو نجعل ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ طلبًا للخير، فتكون مفعولًا من أجله، والمعنى على كل التقديرات المعنى واحد، يعني: فمن فعل الطاعة يقصد بها الخير فهو خير له. ومعلوم أن الفعل ما يكون طاعة إلا إذا كان موافقًا لمرضاة الله عز وجل بأن يكون خالصًا لوجهه موافقًا لشريعته، فإن لم يكن خالصًا لم يقبل وإن كان خالصًا على غير الشريعة لم يقبل؛ لأن الأول شرك، والثاني بدعة. وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فهو خير له منين؟ يعني بمعنى: هل نجعل (خير) اسم تفضيل، يعني: خيرٌ له من سواه، أو نقول: إن هذه (خير) اسم دال على الفضل مجردًا عن التفضيل؛ لأن ما عندنا الآن مفضل ومفضل عليه، يحتمل أن يقال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ممن؟ من عدمه، لكن كان هذا المعنى ضعيف؛ لأن كون اللي تطوع خيرًا خيرٌ له من عدمه أمر معلوم، فهو كقول القائل: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وقول الآخر: كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا ∗∗∗ قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ لكن الظاهر -والله أعلم- أنها بيان لأن هذا خير فقط مطلق، وأنه مجرد عن الأفضلية. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ويدخل في هذه الخيرية: أنه يجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذا واضح أن المراد بالخير هنا التفضيل، يعني: أن تصوموا خير لكم من الفدية، وهذا يمثل به النحويون للمبتدأ المؤول، فإن قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ (أن) مصدرية، و(تصوموا) فعل مضارع، والمبتدأ ما يكون إلا اسمًا، لكن هنا مؤول ولَّا لا؟ * الطلبة: مؤول. * الشيخ: والتقدير؟ * الطلبة: صيامكم. * الشيخ: وصيامكم خير لكم. وأيش سؤالك؟ * طالب: مفعول مطلق ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. * الشيخ: وأيش قلت؟ * طالب: مفعول لأجله. * الشيخ: إي، مفعول به ومفعول مطلق. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: من الفدية، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه جملة مستأنفة، والمعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا، و(إن) هنا ليست شرطية فيما قبلها، يعني: ليست وصلية كما يقولون، يعني: معناه أنه ليس خيرًا لنا إن علمنا، فإن لم نعلم فلا خير، بل إنها مستأنفة؛ ولهذا ينبغي أن تقف فتقول: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. (...) استدل بها على حكم الكبير الشيخ والشيخة لا يطيقان الصيام قال: يطعمان عن كل يوم مسكينًا، ابن عباس استدل بهذه الآية على أن الكبير الذي لا يطيق الصوم يطعم عن كل يوم مسكينًا، فوجه استدلاله رضي الله عنه هو أنه لما جعل الله سبحانه وتعالى الإطعام عديلًا للصيام فخير بينهما، كان العجز عن الصيام وأيش يعين؟ يعين من الإطعام؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام عديلًا للصيام عند القدرة عليه، فعلم من هذا أن من لا يقدر على الصيام وعجز عنه عجزًا مستمرًا، فإنه يأتي بما جعل عديلًا له وهو الإطعام، وهذا من فقهه رضي الله عنه. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من حيث الإعراب كيف نعربها؟ وأيش نعرب ﴿أَنْ تَصُومُوا﴾ أعربها بتفصيلها؟ * طالب: (أن).. * الشيخ: (أن) حرف مصدر ينصب؟ * الطالب: ينصب المضارع. * الشيخ: ينصب المضارع، ﴿تَصُومُوا﴾؟ * الطالب: ﴿تَصُومُوا﴾ فعل مضارع منصوب بحذف النون. * الشيخ: منصوب بأن، وعلامة نصبه؟ * طالب: وعلامة نصبه حذف النون. * الشيخ: نعم، والواو؟ * الطالب: الواو فاعل. * الشيخ: و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾؟ * الطالب: ﴿خَيْرٌ﴾ خبر. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هل هو قيد في الخيرية ولَّا ماذا؟ * طالب: يعلمون أن الصيام خير لهم. * الشيخ: يعني: فإن لم تعلموا فليس خيرًا لكم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا لم يقدروا على الصيام.. * الشيخ: لا، الله قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: إذا قلنا: إن هذا الشرط عائد على الجملة التي قبله صار المعنى: أنه خير لنا إن علمنا، فإن لم نعلم فليس خيرًا لنا. * الطالب: نعم، شرط الخيرية. * الشيخ: شرط الخيرية، يعني: فإن لم نعلم فليس خيرًا؟ * طالب: في الحقيقة سواء علموا ولَّا ما علموا خير. * الشيخ: إذن كيف نقول في هذه الجملة: شرطية؟ * طالب: إذا تحقق الصيام صاموا فهو خير لهم إذا ما صاموا.. * الشيخ: لا. * طالب: جملة مستأنفة. * الشيخ: جملة مستأنفة مستقلة، صح، ما هي قيد في التي قبلها، ليست قيدًا بل هي مستقلة، يعني: إن كنتم من ذوي العلم، فاعلموا أن الصوم خير، وليس المعنى: إن كنتم من ذوي العلم فالصوم خير، لا. ﴿تَعْلَمُونَ﴾ وهذا نشوف الآية الآن وأيش فيها من فوائد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء، وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى من؟ * طالب: إلى المؤمنين. * الشيخ: إلى المؤمنين، وأن تركه مخل به؛ لأنه إذا كان من مقتضياته فتركه يخل به، نقص فيه. ويستفاد من الآية الكريمة: فرضية الصيام، منين؟ * طالب: ﴿كُتِبَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿كُتِبَ﴾. ويستفاد منه: أن الأمم السابقة تصوم، من قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ويستفاد به: استعمال تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به، تؤخذ؟ ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ويستفاد من الآية أيضًا: فضل هذه الأمة حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجات الكمال، كما ترقى إليها من سبقها. ويستفاد من هذه الآية: الحكمة في إيجاب الصيام، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ويستفاد من الآية الكريمة: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية، إذن فهذه الغاية غاية عظيمة ينبغي للإنسان أن يسلك السبل الموصلة إلى التقوى. وهذا يتفرع عليه فائدة أخرى وهي: اعتبار الذرائع، يعني: ما كان ذريعة إلى الشيء، فإن له حكم ذلك الشيء، فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواضع الفتن، لا ينظر إلى المرأة الأجنبية ولا يكلمها كلامًا يتمتع به معها، لماذا؟ لأنه يؤدي ويكون ذريعة إلى الفاحشة، فيجب اتقاء ذلك، حتى الرسول ﷺ أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩)، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.]]؛ لئلا يقع في فتنته. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة، منها ما هو مالي محض، ومنها ما هو بدني محض، ومنها ما هو مركب منهما: بدني ومالي، ومنه ما هو فعل، ومنه ما هو كف، فالصوم ما هو؟ * طالب: كف. * الشيخ: كف عن المحبوبات، والكف عن المحبوب قد يكون أشق من طلب الفعل، أليس كذلك؟ يمكن بعض الناس لو تطلب منه يفعل أشياء فعل، لكن ما يستطيع أن يكف عن محبوباته، فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى في التكليف وتعبده عباده سبحانه وبحمده أنه نوّع لهم العبادات لأجل أن يمتحنهم، ربما يكون الإنسان كريمًا فيكون بذل الزكاة عليه من أهون ما يكون، أو لا؟ حينئذٍ ما يحصل الامتحان الكامل بإيجاب الزكاة، ربما يكون عند الإنسان رياضة نفسية، فيهون عليه أن يصلي وأن يتوضأ وأن يغتسل في الليالي الباردة وما أشبه ذلك، قد يكون عند الإنسان صبر عن المحبوب، يهون عليه الصوم يقول: أصوم شهرًا ولا أدفع ثلاثين ريالًا؛ لأن مالي أحبه حبًّا شديدًا والصوم (...) ما هو إلا أن يقدم الغداء شوي ويؤخر العشاء، بسيط، ولكن إياك أن تأخذ مني ثلاثين ريالًا، واضح؟ فالناس يختلفون؛ ولهذا غلط من أفتى بعض أهل العلم حيث وجب عليه كفارة فيها صوم وعتق، فقال له: صم شهرين متتابعين ولا تعتق، لماذا والعتق مقدم على الصيام؟ قال: لأن هذا الملِك لو قلنا له: أعتق رقبة، يعتق عشر رقاب ولا يصوم يومًا، أحب إليه من صيام يوم، احنا ألزمناه بهذا لأنه أغلظ في حقه، لكن هذا النظر غير صحيح؛ لأنه في مقابلة النص فلا يقبل. أنا أتيت بهذا لأجل أن أبين أن الله سبحانه وتعالى حكيم في تنويع التكليف في العبادة، فهذا الرجل -مثلًا- ملِكٌ يمكن يهون عليه أن يبذل أموالًا كثيرة في الزكاة، لكن يشق عليه أن يصوم؛ ولهذا أفتي بأنه يصوم بدل العتق، لكن الله عز وجل جعل العبادة في الحقيقة امتحانًا للعبد، والعجائب في زماننا هذا أننا نصبر على الصيام، يعني ومنا من لا يصبر على الصلاة، تجده يصوم رمضان لكن الصلاة ما يصلي إلا من رمضان إلى رمضان إن صلى في رمضان، وهذا لا شك أنه خطأ في التفكير، لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صارت هينة على الإنسان، والصوم يكون عنده صعبًا؛ ولهذا إذا بغوا يلومون شخصًا يقولون: هذا ما هو بيصوم ولا يصلي فيبدؤون بترك الصوم، وهذا من (...). * طالب: شيخ، ﴿تَتَّقُونَ﴾ ما يفهم منها أن الصيام لا يقبل إلا من المتقين؟ * الشيخ: لا، يؤخذ من ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما يصوم إلا المؤمن؛ لأنه من مقتضيات الإيمان. * طالب: التقوى؟ * الشيخ: لا، هذه حكمة التشريع، نعم يستفاد منها أيضًا حكمة التشريع مما ذكرنا، ذكرناها قبل. * طالب: شيخ، قصة الملك هذا قالوا: من باب المصالح المرسلة، صحيح؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، والمصالح المرسلة لا نرى إثباتها؛ لأن المصالح المرسلة إن كانت مصلحة حقًّا، فالإسلام قد اعتبرها، وإن لم تكن مصلحة، فالإسلام لم يعتبرها، هذا الرجل لاحظ أنه إن كلف الرجل هذا بالصيام لاحظ هذا، لكن ما لاحظ أننا نفكّ رقبة من الرقّ، فكّ الرقاب من الرقّ من أفضل الأعمال، ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد ١١، ١٢] ما هي؟ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد ١٣]. * طالب: بس يعني نظر أنه أزجر لنفسه. * الشيخ: لا أبدًا، لكن هذا أنفع. * الطالب: كثير عنده هذا، يعني أزجر لنفسه.. * الشيخ: صحيح، لكن هذا أنفع، هو زجر نفسه إذا لم يكن عنده خوف من الله إلا بالعقوبة أو الكفارة وأيش الفائدة؟ لكن هذا أنفع، والله حكيم جل وعلا، فهذه أنفع للعبد. والمهم أن المصالح المرسلة التي ذكرها بعض الناس من الأدلة ما لها معنى، هي في الواقع إن كانت مصلحة معتبرة فالشرع قد أتى بها، وإن لم تكن المصلحة فالشرع قد ألغاها، وليس في مخالفة الشرع مصلحة أبدًا. قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. يستفاد من هذه الآية: أن الصوم أيام قليلة، أيام معدودات. ويستفاد منها أيضًا: سلوك الأساليب التي تهون على المرء ما يتوقع مشقته عليه، كيف ذلك؟ سلوك الأساليب التي تهون على الإنسان ما يتوقع أن يشق عليه، لكن ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: أنها بسيطة، ما هي صعبة ولا فيها كلفة ولا مشقة. ويستفاد من الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، أولًا: لقلة الأيام ما فرض علينا شهر ولا شهرين ولا ثلاثة، إنما فرض أيامًا معدودات هي شهر، شهر رمضان كما سيأتي إن شاء الله. ومنها أيضًا: إثبات الرحمة قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: جواز الفطر للمرض. ألا يستفاد منها: الإيماء إلى أن الفطر أفضل؟ * طالب: بلى. * الشيخ: منين نأخذ؟ * طالب: ﴿فَعِدَّةٌ﴾. * الشيخ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ففتح الله الباب ما قال: فلا يصوم، بل قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فهذا كأنه فتح بابًا للمريض أن يفطر. واعلم أن المريض بالنسبة للفطر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولًا: أن لا يتأثر بالصوم إطلاقًا، ولا يشق عليه الصوم مع مرضه، فهنا يصوم ولَّا يفطر؟ يصوم، يجب أن يصوم. الثانية: أن يشق عليه الصوم لكنه ما يضره، فالصوم هنا مكروه يكره أن يصوم مع المشقة؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه بما رخص الله له فيه؛ لأن هذا الإشقاق على النفس مع ترخيص الله عز وجل، كأنه ينبئ عن كون الإنسان غير قابل لهذه الرخصة غير قابل، وقد قيل: إن اللئيم من يرد الكريم، والكريم يحب أن يأخذ الناس برخصه كما جاء في الحديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٥٨٦٦)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]]. الحال الثالثة: أن يتضرر بالصوم، المريض يتضرر بالصوم، كما لو كان مريضًا بالكلى التي تحتاج دائمًا إلى الماء، فهنا يحرم عليه الصوم، لا يجوز له أن يصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٩]. * طالب: شيخ، قولك: إن الكريم من يرد..؟ * الشيخ: إن اللئيم من يرد الكريم. * الطالب: طيب كيف نجمع بين هذا وبين صيام الرسول وبعض الصحابة في السفر؟ * الشيخ: لا ما جينا للسفر إلى الآن. * طالب: هذا في المريض؟ * الشيخ: هذا في المريض. يستفاد من الآية الكريمة: جواز الفطر في السفر، واضح الدلالة من الآية؟ * طالب: إن شاء الله. * الشيخ: طيب. ويستفاد منها أيضًا: الإيماء إلى أن الفطر أفضل؛ لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤]، لكن هذا ليس بصريح في الآية؛ ولذلك ورد في السنة بالصوم في السفر، فإن الرسول ﷺ كان يصوم في السفر،« وكان الصحابة منهم من يصوم ومنهم من يفطر، ولا يعيب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر »[[أخرجه مسلم (١١١٧ / ٩٧)، من حديث أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. وحينئذٍ نقول: إن الصوم في السفر ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقًا، يعني: ما فيه مشقة تزيد على صوم الحضر، هذا المقصود، وإلا فيه مشقة إذا في أيام الحر يكون فيه مشقة، لكن مشقة تزيد على صوم الحضر، ففي هذه الحالة نقول: الصوم أفضل، وإن أفطر فلا حرج، ودليله؟ «أن الرسول ﷺ كان يصوم في السفر »[[أخرجه أحمد في المسند (٣٨١٣)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. وهذا هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، ولكن المشهور من مذهب الإمام أحمد كراهة الصوم في السفر حتى في هذه الحال وقالوا: لا ينبغي أن يصوم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ومذهب الظاهرية: تحريم الصوم، وأنه لو صام لم يجزئه؛ لأن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فجعل الواجب عليه عدة من أيام أخر، لكن هذا القول ضعيف جدًّا، وكذلك المشهور مذهب الإمام أحمد ضعيف. الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم لكن مشقة محتملة، فهنا الأفضل الفطر، والدليل عليه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَاَلُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مَنِ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]، أفهمتم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، فنفى عنه النبي عليه الصلاة والسلام البر. وهنا نقف عند هذا الدليل وهذه الحال، من المعلوم في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والنبي عليه الصلاة والسلام قال هنا، وأيش قال؟ «لَيْسَ مَنِ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، عام والسبب خاص، والمعروف أن العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما هو الجواب عن هذه القاعدة مع هذا الحديث ونحن نقول: إن الصوم في السفر أفضل إذا لم يشق؟ نقول: إن معنى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، المراد الخصوص العيني لا الخصوص الوصفي، فأما الخصوص الوصفي فإنه معتبر بلا شك، فمثلًا هذا الرجل الذي ظلل عليه ما نقول: ليس من البر الصوم في السفر لك أيها الرجل فقط، لو قلنا بذلك لخصصنا العام بسببه، لكننا نقول: إن الخصوص الوصفي لا بد أن يقيد به العموم، فيكون المعني: ليس من البر الصيام في السفر لمن كانت حاله كهذا، فإذا جاءنا زيد وعمرو وخالد وبكر إلى آخره كلهم يشق عليهم الصوم كهذا الرجل، قلنا: ليس من البر أن تصوموا، فإذا قال قائل: الرسول ﷺ ما قاله إلا لهذا الرجل؟ قلنا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد نبه إلى هذه القاعدة ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث في العمدة. وهي قاعدة حقيقة لمن تأملها: أن العموم عموم وصفي وعموم شخصي، فهنا العبرة بعموم اللفظ باعتبار الشخص، أما باعتبار الوصف فإن الحكم يتعلق بسببه الذي من أجله شُرع الحكم. * طالب: يعني مع هذه القاعدة ولو لم يدل الدليل على حقيقة (...) أو نقول: إن دل الدليل على أنها لا يكون.. * الشيخ: على كل حال أصل ما يمكن إلا بالدليل إذا قيل: ليس من البر الصيام في السفر؟ * طالب: لا يكون عامًّا إلا بدليل. * الشيخ: فهنا نعرف السبب اللي من أجله صدر هذا العموم وهو المشقة، فكأن الرسول ﷺ قال: ليس من البر الصيام في السفر في حال المشقة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، حتى وإن لم نجد، ما دام عرفنا أن علة الحكم هو هذا المعنى فإننا نقيده به. و﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. يستفاد من هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الحكم معلق بما يسمى سفرًا بدون تقييد، من أين تؤخذ؟ * طالب: ذكرتم رأيين: ألا يكون فيه مشقة وأن يشق عليه مشقة محتملة؟ * الشيخ: الحال الثالثة ما هو بالرأي الثالث، الحال الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة لا تحتمل، فهنا يتعين الفطر، ودليله ما ثبت في الصحيح:« أَنَّ الرَّسُولُ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ مَكَّةَ أَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ مَا تَفْعَلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ جِيءَ إِلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»[[أخرجه مسلم (١١١٤ / ٩٠)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. والمعصية ما تكون إلا في فعل المحرم، فإذا كان هذا الرجل شق عليه الصوم في السفر مشقة شديدة، فإنه يجب عليه أن يفطر، لماذا لا يفطر لماذا يتعب نفسه ويشق على نفسه والأمر فيه سعة؟ يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن السفر الذي يباح فيه الفطر غير مقيد بزمن ولا مساحة، من أين نأخذها؟ * الطلبة: من الإطلاق. * الشيخ: من إطلاقها ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. لكن قال بعض العلماء: لا بد أن يستغرق سفره يومًا؛ لأن أقل فطر يمكن ما هو؟ اليوم، أقل فطر يمكن هو اليوم، فلا بد أن يكون هذا السفر مستغرقًا لليوم، فمن أراد أن يسافر مثلًا إلى الرياض في أول النهار ويرجع في آخر النهار، فإننا نقول له: لا تفطر؛ لأن هذا أقل مما أبيح لك، أبيح لك أن تفطر رمضان، وهنا هذا بعض اليوم لا يسمى صومًا. وهذا الحكم واضح جدًّا على قول الفقهاء الحنابلة الذين يقولون: من علم أنه يقدم غدًا لزمه الصوم، هم يقولون -رحمهم الله-: إن الإنسان إذا علم أنه يقدم غدًا، مثلًا نفرض أنه كان في مكة تعرف أنك بكرة بتسافر إلى بلادك مش هتوصل البلد قبل غروب الشمس، يكون يجب عليك أن تصوم وأنت في مكة؛ لأنك ستقدم إلى بلدك، وهذا في الحقيقة عكس من يقولون: إنك تفطر حتى ولو قدمت البلد؛ لأن فيه رأي لبعض العلماء أن المسافر إذا قدم مفطرًا جاز له أن يستمر على فطره، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ومذهب مالك والشافعي: على أنه يفطر إذا قدم الإنسان إلى بلده وهو مفطر، فإنه يبقى على فطره، وذكروا في ذلك أثرًا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:« مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ »[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٩١٢٩) عن ابن مسعود رضي الله عنه.]]، ومعناه: من جاز له الأكل في أول النهار جاز له الأكل في آخره. ومثله أيضًا المرأة إذا طهرت من الحيض في أثناء النهار، فإنه لا يلزمها الإمساك، وعلى هذا: لو قدم المسافر إلى البلد مفطرًا ووجد زوجته قد طهرت من الحيض في ذلك اليوم يجوز له أن يجامعها؛ لأنه لا يجب عليه الإمساك ولا عليها. قال الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.

البقرة 2:185

قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة ١٨٥] ﴿شَهْرُ﴾ الشهر هو: مدة ما بين الهلالين، مدة بين الهلالين تسمى شهرًا، وسمي بذلك لاشتهاره؛ ولهذا اختلف العلماء هل الهلال ما هلّ في الأفق وإن لم ير، أو أن الهلال ما رئي واشتهر؟ والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي حتى يرى ويتبين ويشهد. وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ هذا من العلم المضاف، شهر: مضاف، ورمضان: مضاف إليه، ورمضان: ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، مأخوذ من: الرمْض، واختلف لماذا سمي برمضان فقيل: لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها، وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء، فسمي شهر رمضان، وهذا أقرب؛ لأن الظاهر أن هذه التسمية كانت قبل الإسلام. وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ يجوز أن تقول: شهر رمضان، ويجوز أن تقول: رمضان، كما ستذكر في الفوائد إن شاء الله. * طالب: وهل الشهور إلهامية أو اصطلاحية اصطلحها العلماء؟ * الشيخ: يعني أسماءها؟ أما تعيينها فمن الله، وأما الأسماء فهي اصطلاحية. وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي، أي: الأيام المعدودات شهر رمضان، يعني: هي شهر رمضان. وقوله: ﴿رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ﴿الَّذِي﴾ صفة لـ﴿شَهْرُ﴾ فمحلها الرفع، وقوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أي أنزله الله تعالى فيه. وقوله: ﴿فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ القرآن، هل المراد به الجنس فيشمل بعضه، أو المراد به العموم فيشمل كله؟ قال بعض أهل العلم: إن (أل) للعموم فيشمل كل القرآن، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين، وعلى هذا القول يشكل الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن نزل في رمضان وفي شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة، في جميع الشهور. ولكن أجابوا عن ذلك بأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في رمضان، وصار جبريل يأخذه من هذا البيت فينزل به على رسول الله ﷺ »[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٤٢٦٢)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، لكن هذا الأثر ضعيف؛ ولهذا الصحيح أن (أل) هنا للجنس وليست للعموم، وأن معنى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أي: ابتدئ إنزاله كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان ٣] و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١]. وقوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (أنزل) معروف أن النزول يكون من؟ * طالب: فوق. * الشيخ: من فوق، من أعلى؛ وذلك لأن القرآن كلام الله عز وجل، والله سبحانه تعالى فوق السماوات على عرشه. وقوله: ﴿الْقُرْآنُ﴾ القرآن مصدر مثل الغُفران والسُّكران، الغفران بالضم، والسكران بالضم، والقرآن بالضم، كلها مصادر، لكنه بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول، قيل: إنه بمعنى اسم المفعول، أي: المقروء، وقيل: بمعنى اسم الفاعل، أي: القارئ، يعني الجامع؛ لأنه من قرأ بمعنى جمع، ومنه: قرية؛ لأنها مجمع الناس، ولا يتنافى أن نقول: إنه من هذا ومن هذا، يعني بمعنى اسم فاعل واسم المفعول. وقوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ﴿هُدًى﴾ من الهداية وهي الدلالة، فالقرآن دلالة للناس يستدلون به على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ عامة، كل الناس يهتدون به المؤمن والكافر يهتدون به الهداية العلمية، أما الهداية العملية فإنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢] كما في أول السورة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، فهو للمتقين هداية علمية وعملية، وهو للناس عمومًا هداية علمية. وقوله: ﴿هُدًى﴾ كلمة ﴿هُدًى﴾ هذه هل هي مفعول من أجله أو حال من القرآن؟ * طالب: حال. * الشيخ: إن كانت مفعولًا من أجله فالمعنى: أنزل لهداية الناس، وإذا كانت حالًا فالمعنى: أنزل هاديًا للناس، وهذا أقرب لقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾، فهو هدى وبينات. وقوله: ﴿لِلنَّاس﴾ الناس تقدم لنا كثيرًا أن أصلها الأناس، ومنه قول الشاعر: وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ ∗∗∗ دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَاالْأَنَــــــــــــــــامِلُ لكن لكثرة استعمالها حذفت الهمزة، الآن تصير: الناس، والمراد بهم البشر؛ لأن بعضهم يأنس ببعض ويستعين به. وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ معطوفة على: ﴿هُدًى﴾، ﴿بَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ يعني: أنه ليس هداية دلال فقط، بل هداية مع البراهين؛ لأن البينات هي البراهين والأدلة؛ وذلك لأن طريق الهدى قد يكون يبين الطريق فقط، لكن ما يأتي بالحجج والبراهين الدالة على صدقه، فالقرآن جامع بين الهداية وبين البراهين الدالة على صدق ما جاء فيه من الأخبار وعلى عدل ما جاء فيه من الأحكام. وقوله: ﴿مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذه صفة لـ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ يعني: أنها بينات منها النوع، من الهدى (...). ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ الفرقان مصدر أو اسم مصدر: فَرَّقَ، يُفَرِّقُ، تَفْرِيقًا، وفُرْقَانًا، فهو -أي القرآن- فرقان يفرق بين الحق والباطل، وبين الشر والخير، وبين حزب الله وحرب الله، وبين النافع والضار، فرقان في كل شيء؛ ولهذا الموفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم تأثير ما دل عليه القرآن، والإنسان الذي في قلبه زيغ -والعياذ بالله- تشتبه عليه الأمور ولا يستطيع أن يفرق بين الأمور المختلفة، قد تشتبه عليه الأمور وتلتبس، فلا يفرق بين مختلفها ولا يجمع بين ما توافق فيه موافقة. وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ من جملة الفرقان: أنه يفرق أيضًا بين الثواب والعقاب؛ ولهذا في الغالب أن الثواب يأتي مفصلًا، والعقاب يأتي مجملًا، ما نقول: دائمًا لكن في الغالب، إذا رأيت مثلًا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان ١] قال فيها الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان ٤]. (...) وقد أنشد بعض الناس في هذا بيتًا، من يحفظه؟ (...) سهل جدًّا. * طالب: هو قوله: اسْمِيَّــــــــــــــةٌ طَلـــــــــــــَبِيَّةٌوَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وِبَلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: صح؟ * طالب: صحيح، إي نعم. * الشيخ: ..................... ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وِبَلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ اسمية طلبية، هذه اللي معنا طلبية: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، واللام لام الأمر ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، وسكنت لوقوعها بعد الفاء، وهي تسكن إذا وقعت؟ لام الأمر تسكن إذا وقعت بعد؟ * طالب: الفاء، و(ثم)، و(أو). * الشيخ: و(أو)؟ * الطالب: نعم. * طالب: الواو. * الشيخ: الواو، صح، نبغي شواهد على هذا؟ * طالب: (...) الواو و(ثم)، فليصل معك، فليستعفف، إنسان غني فليستعفف. * الشيخ: و﴿فَلْيَصُمْهُ﴾. * طالب: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾. * الشيخ: فلام الأمر إذا وقعت بعد هذه الحروف الثلاثة تسكن، بخلاف لام التعليل فإنها مكسورة ولو وقعت بعدها؛ ولذلك يغلط كثير من القراء في قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] بعضهم يقول: (ولْيتمتعوا)، وهذا على جعل اللام التعليل ما يصلح، بل تقول: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾، إي نعم. قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ شهد بمعنى شاهَد، هذا قول، وشهد بمعنى حضَر، هذا قول آخر، فعلى القول الأول يرد إشكال في قوله: ﴿الشَّهْرَ﴾؛ لأن الشهر قلنا في تعريفه: مدة ما بين الهلالين، والمدة تشاهد ولَّا ما تشاهد؟ * طالب: ما تشاهد. * الشيخ: ما تشاهد، المدة زمن ما تشاهد. وعلى الثاني: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: فمن حضر الشهر فليصمه، يرد فيها إشكال ولا ما يرد؟ * طالب: ما يرد. * الشيخ: ما يرد فيها إشكال، على القول الأول الذين قالوا: المراد بـ(شهد) من الشهادة، لا من الشهود الذي هو الحضور، قالوا: إن الشهر هنا على تقدير مضاف، أي: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه، أو على رأيهم من باب التجوز بالشهر عن هلاله. ولكن القول الثاني أصح: أن المراد بـ(شهد) حضر، المراد به: حضر، ويرجح هذا أمران: أحدهما لفظي وهو: أنه على هذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير ولا إلى تجوز، أو لا؟ ثانيًا: أنه في الوقت الحاضر في بعض الأماكن ما نشاهد الهلال، مثل المناطق القطبية ما فيها هلال يمضي عليهم شهرين ثلاثة أربعة خمسة ستة ما شاهدوا هلال، فعلى هذا: لو علق برؤية الهلال معنى ذلك ما يصومون، فإذا قلنا: (شهد) بمعنى حضر، يعني ما هم شهود رؤية الهلال، صار هذا عامًا، فيقال لهؤلاء: ما دام أن الشهر هو الزمن و(شهد) بمعنى حضر، فيقدر زمنه لهؤلاء، إما باعتبار خط الاستواء، أو باعتبار عرض مكة، أو باعتبار أقرب البلاد إليهم، على ثلاثة أقوال، والمسألة كلها اجتهادية، والأقرب أنه يعتبر أقرب البلاد إليهم، يعني من الناحية الجغرافية هذا هو الواقع. قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أيضًا تؤيد القول الثاني: إن المراد (شهد) يعني حضر؛ لأن الهلال لا يصام والذي يصام الشهر. وقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ هذه منزلة على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بأنه يصوم نهاره وليس يصوم جميعه؛ إذ إن محل الصوم هو النهار فقط، لكن أول ما فرض الصوم كان الإنسان إذا نام أو صلى العشاء الآخر، فإنه ما يأكل ولا يشرب إلى أن تغرب الشمس من اليوم الثاني، ولكن الله يسر وخفف، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في تفسير الآية. * طالب: شيخ، قول الرسول ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠ / ٨) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] ما يؤيد القول الأول؟ * الشيخ: ما يؤيده؛ لأن الرسول بس بين الميقات فقط، بين الوقت، فيكون ابتداء الصوم من دخول الشهر. وقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ هذه الجملة سبقت، لكنه أعادها لما ذكر سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وكانت الآية هذه ناسخة لما قبلها، قد يظن الظان أنه نسِخ حتى فطر المريض وفطر المسافر، فأعادها سبحانه وتعالى تأكيدًا لبيان الرخصة، وأن الرخصة حتى بعد أن تعين الصيام، فإنها باقية، وهذا من بلاغة القرآن، وعليه فليس هذه الآية أو هذه الجملة من الآية ليست تكرارًا محضًا، بل تكرارًا لفائدة؛ لأنه لو قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ولم يقل: ﴿وَمَنْ كَانَ﴾ لكان ناسخًا، لكان ناسخًا عامًا. ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ تقدم الكلام عليها إعرابًا ومعنى. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ هذا تعليل لقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. واعلم أن قوله: ﴿يُرِيدُ﴾ مأخوذ من الإرادة، فعل مضارع من الإرادة، فالله تعالى يريد، وإرادة الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، فالإرادة الكونية: ما يتعلق بتقديره، والإرادة الشرعية: ما يتعلق بشرعه. ما معناهما؟ معنى الإرادة الشرعية معناها: المحبة، ومعنى الإرادة الكونية: المشيئة، معناها المشيئة، فقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٥٣] كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]. وهنا ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ هذه الإرادة الشرعية، المعنى: يحب بكم اليسر، يحب اليسر، وليست الإرادة الكونية؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد بنا اليسر كونًا ما تعسرت الأمور على أحد، ولا ما صدق قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥]؛ لأنه على تقدير أن تكون الإرادة هنا كونية ما يكون هناك عسر أبدًا، فتعين أن يكون المراد بالإرادة هنا أيش؟ * الطلبة: الشرعية. * الشيخ: الإرادة الشرعية؛ ولهذا ما تجد -والحمد لله- في شريعة الله في هذه الشريعة ما تجد فيها عسرًا أبدًا، بل ولا أظن في جميع الشرائع عسرًا إلا بسبب من الأمم؛ لأن الله قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء ١٦٠] إلى آخره، وإلا فالأصل أن شرائع الله عز وجل مبنية على اليسر والسهولة، لكنه مع كونه عز وجل مريدًا لليسر والسهولة بالعباد هناك حكمة قد تقتضي في بعض الأحيان أيش؟ التشديد، نحن في شريعتنا -والحمد لله- الشريعة انتهت ما فيها زيادة ولا نقص، لكن قد يحرم الإنسان شيئًا من الطيبات بظلمه يحرم إياها تحريمًا كونيًّا، أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: كونيًّا بأن يكون فيه مرض لا ينفع معه أن يأكل هذا الطيب من الطيبات، كما لو احتمى الإنسان مثلًا عن أكل اللحم أو عن الحلوى أو ما أشبه ذلك. والحاصل: أن الإرادة تنقسم -إرادة الله تنقسم- إلى كم؟ إلى قسمين: شرعية، وكونية، فما تعلق بالشرع فهو شرعي، وما تعلق بالتقدير والخلق فهو؟ * طالب: كوني. * الشيخ: كوني، ما الفرق بينهما من حيث الحكم؟ قلنا: الفرق بينهما أن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة، هذه واحدة. ثانيًا: الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، فالله تعالى يريد مثلًا منا أن نطيعه من جميع العباد، قد تقع الطاعة وقد لا تقع، هذا الفرق الثاني. الفرق الثالث: الإرادة الشرعية لا يكون المراد فيها إلا محبوبًا لله، والإرادة الكونية قد يكون محبوبًا وقد يكون غير محبوب له؛ لأنها تتعلق بالكون كالتقدير، والله عز وجل يقدر ما يحب وما لا يحب، كل شيء بتقدير الله، والآن نبغي نختبركم في أمثلة: ما تقولون في كفر أبي جهل هل هو مراد كونًا أو شرعًا، أو كونًا وشرعًا؟ * الطلبة: كونًا لا شرعًا. * الشيخ: كونًا لا شرعًا صح، كونًا لأنه وقع، لا شرعًا لأنه غير محبوب إلى الله، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ما تقولون في إيمان أبي بكر؟ * الطلبة: كونًا وشرعًا. * الشيخ: مراد كونًا وشرعًا، مراد كونًا لأنه وقع، وشرعًا لأن الله يحبه، يحب الإيمان. ما تقولون في كفر أبي بكر؟ * طالب: لم يرد كونًا ولا شرعًا. * الشيخ: لم يرد كونًا ولا شرعًا، لم يرد كونًا لأنه لم يقع، ولا شرعًا لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب الكفر. ما تقولون في إيمان أبي جهل؟ * طالب: مراد شرعًا لا كونًا. * الشيخ: مراد شرعًا لا كونًا، مراد شرعًا لأن الله يحبه، لا كونًا لأن الله تعالى لم يقدره. قد تقولون: إذا كان الله يحب الشيء فلماذا لا يقع؟ ألست أنت إذا كنت تحب الشيء وأنت قادر عليه تفعله؟ * طالب: بلى. * الشيخ: إذا كنت تحب الشيء وأنت قادر عليه تفعله، والله على كل شيء قدير، فلماذا لا يقع ما يحبه مع قدرته عليه؟ فالجواب على ذلك أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الأفعال لحكمة، فالله عز وجل قد يحب الشيء لذاته، وقد يحب الشيء لما يترتب عليه من الحِكم، فالكفر ليس مرادًا لله شرعًا، لكن مراد له كونًا؛ لأن في وقوع الكفر من الحكم والمصالح العظيمة ما لا توجد في عدمه، لو آمن كل الناس لفسدت الدنيا، ولو كفر كل الناس لفسدت الدنيا، ولكن من حكمة الله عز وجل أن خلقنا فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، يعني: وللاختلاف الذي اقتضته حكمة الله عز وجل خلقتم، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، ولولا هذا ما تمت كلمة الله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. فصار هذا المكروه إلى الله شرعًا المراد له كونًا اقتضت الحكمة وجوده، فأحبه الله عز وجل لا لذاته، ولكن لما يترتب عليه من المصالح العظيمة التي يريدها سبحانه وتعالى شرعًا، فلا يغرنك قول من يقول: إنكم إذا وصفتم الله عز وجل بأنه مريد لما يكره، فقد وصفتموه بالعجز، فكيف يقع ما لا يريد؟ بأن نقول: يقع ذلك لما يترتب عليه من الحكم والمصالح. الآن -ولله المثل الأعلى- لو مثلًا واحد عنده ابن يحبه حبًّا شديدًا أصيب هذا الابن بداء لا يبرئه إلا الكي هل الأب يكويه؟ * طالب: نعم. * الشيخ: يكويه، نعم، يكويه بل يسرع إلى كيه لماذا؟ هو يكره الكي لكنه لما يترتب عليه من المصالح، من الصحة، فالإنسان العاقل البصير يعرف أن حكمة الله عز وجل أعلى من حكمتنا، ولا تنسب إليها حِكَم الخلق له من الحكم والأسرار في تقدير ما يكرهه جل وعلا شيء عظيم، حتى إنه في الحديث القدسي قال الله عز وجل: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] شوف الله أكبر، الله يكره جل وعلا أن يسيء عبده المؤمن فهو يكره الموت، ولكن الله يقول: «لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»، فهذا كله يدلك على أن الله عز وجل يقدر ما يكرهه لحكم عظيمة بالغة. * طالب: لماذا لا نضمن الإرادة الكونية المحبة لهذا الموت؟ * الشيخ: لا، لكن أصلها ليس محبوبًا إلى الله، نفس المراد غير محبوب، لكن ما يترتب عليه من مصالح هو المحبوب. * الطالب: إذن يحبه لأن الإنسان يحب الشيء وما يترتب عليه؟ * الشيخ: لا، بارك الله فيك، المراد نفسه شر، معصية، ولا يمكن نقول: إن الله يحب المعصية أبدًا، لكن يحب ما يترتب عليها من الآثار الحميدة، لولا المعاصي ما قام الجهاد في سبيل الله ولا قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولامتحن الإنسان أيضًا بنفسه، لو كان الناس كلهم اللي حولك يطيعون الله، ما تنفرد أنت بالمعصية، حتى لو كنت تريدها ما ذهبت تفعلها، لكن فيها من المصالح المترتبة عليها، هذا محبوب إلى الله، أما نفس المراد فليس محبوبًا، ولا يمكن أن نقول: إنه يحبه. * الطالب: (...). * الشيخ: إن عقولنا لا تحيط بكل الحِكم ولا بشيء من حدود الله ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]. فهذه الحِكم ربما هذا الشاب لو أنه بقي لحصل له انحراف، ما ندري فلعله يكون له انحراف لو بقي، فيضل هو ويضل الناس، والله سبحانه وتعالى حكيم، فكل شيء يفعله الله عز وجل فاعلم أنه لحكمة، لا تظن أنه ليس لحكمة، بل لو ظننت أنه على خلاف الحكمة، فاعلم أن ظنك هو الخاطئ؛ لأنه وأيش أنت الإنسان اللي تريد أن تحجر على الله عز وجل حتى تريد منه أن يفعل ما تراه أنت حكمة، هل هذا معقول؟ الإنسان الآن ما يبصر طرف المسجد بالآلة الحسية وهي العين، كيف عادي بيبصر الأمور المعنوية الحكم والأسرار التي يتضمنها خلق الله عز وجل وشرعه؛ ولهذا لو اجتمع الخلق كلهم على أن يقولوا: والله احنا بنجلس نحلل الشرع، الشرع اللي بين أيدينا الآن محصور الكتاب والسنة، نبغي نحلل ونبغي نجعل كل مسألة حكمة، يقدرون؟ ما يستطيعون؛ لأن فيه أشياء تحار فيها العقول في الحقيقة من المشروعات، ما يقدر الإنسان يعللها وهي مشروعات محصورة كيف عد الخلق اللي ما يحصر؟ القول الحق دائمًا يكون عدلًا بين تطرفين، إذا تأملت مسائل النزاع، لا في المسائل العلمية العقيدية ولا في المسائل العملية الفقهية، إذا تدبرت هذه المسائل وجدت دائمًا أن الحق وسط بين تطرفين، والعامة يقولون: خير الأمور الوسط، إي نعم. * طالب: قوله في الحديث القدسي: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا تَرَدُّدِي»، يعني هذا.. * الشيخ: هذا ظاهره -بارك الله فيك- أشكل على كثير من الناس، ولكنه عند التأمل لا إشكال فيه، التردد يكون له سببان: السبب الأول: الإشكال على الفاعل، أو جهل الفاعل بما يترتب على هذا الأمر فتجده يتردد فيه هل يفعله ولَّا ما يفعله، فهمت؟ الأمر الثاني: التردد يكون سببه العلم، لكن هناك مقتضٍ آخر وهو الرحمة، فيتردد الإنسان ولكنه أخيرًا يصمم، مثلما قلنا الآن: الكي يحزن الصبي ولَّا لا؟ وتجد الإنسان يتردد، لكن إذا علم ما فيه من المصلحة -يعني لا بد منه- أقدم. فالتردد الذي ينزه الله عز وجل التردد الذي سببه الجهل: هل أُقدم أو ما أُقدم؟ أما التردد الذي سببه العلم لكن يكون هناك مقتضٍ آخر للتردد كالرحمة مثلًا، فهذا لا ينزه الله عنه؛ لأنه من كمال رحمته سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: «عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ»[[سبق تخريجه.]]، ما هو كل العباد، فكان بالمؤمنين رحيمًا، فالرحمة الخاصة بالمؤمنين أنه لا تقتضي أن يتردد جل وعلا لا تردد جهل، مثلما قلنا: العجب، الله يعجب ولَّا لا؟ يعجب، بالقرآن والسنة، قال الله تعالى في القرآن: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غَيْرِهِ»[[أخرجه ابن ماجه (١٨١)، من حديث أبي رزين رضي الله عنه بلفظ: «ضَحِكَ رَبُّنَا..».]] إلى آخره، فالعجب أنكره بعض الناس قال: إن العجب لا يليق بالله؛ لأن العجب سببه جهل الإنسان، فيأتيه الأمر على غرة فيعجب، فيقال: العجب الذي سببه هذا ينزه الله عنه، أما العجب الذي سببه خروج الشيء عما يجب أن يكون عليه، فهذا متعلق (...) لا بالمتعجب. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ الواو عاطفة، واللام نسألكم هل هي لام الأمر ولَّا لام التعليل؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: وأيش الدليل؟ * طالب: كسرت. * الشيخ: كسرت، لو كانت لام الأمر لسكنت ولكنها مكسورة، فهي إذن لام التعليل. وعلى أي شيء يكون العطف ما دمنا قلنا: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ إن الواو حرف عطف فأين المعطوف عليه؟ قالوا: إن المعطوف عليه قوله: ﴿الْيُسْرَ﴾ يعني: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ويريد لتكملوا العدة. واعلم أن (أراد) إذا تعدت باللام، فإن اللام تكون زائدة من حيث المعنى؛ وذلك لأن الفعل (أراد) يتعدى بنفسه، فقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦] معناه: يريد الله أن يبين لكم، وهذه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ يعني: وأن تكملوا العدة، يعني: ويريد الله منا شرعًا ولَّا قدرًا؟ * طالب: شرعًا. * الشيخ: شرعًا، أن نكمل العدة، و﴿تُكْمِلُوا﴾ فيها قراءتان ﴿تُكْمِلُوا﴾ بالتخفيف، و﴿تُكمِّلوا﴾ بالتشديد وهما بمعنى واحد. قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ العدة استنبط بعض الناس من قوله: ﴿الْعِدَّةَ﴾ ولم يقل: ولتكملوا عدة الشهر، استنبط منه: أن من كانوا في الأماكن التي ليس عندهم شهور -مثل الذين في الدوائر القطبية- قال: هنا ما قال: تكملوا عدة الشهر؛ لأنه لا شهر عندهم بل قال: تكملوا العدة يعني عدة الأيام، فيصومون هؤلاء في وقت رمضان عند غيرهم شهرًا ولَّا عدة شهر؟ عدة شهر؛ لأن شهر عندهم غير موجود، وقال: إن هذا من آيات القرآن أنه جاء التعبير صالحًا حتى لهذه الحال التي ما كانت معلومة عند الناس حين نزول القرآن. وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ العدة أيضًا فيها فائدة، كلمة (العدة)، ما قال: تكملوا شهرًا؛ وذلك لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يومًا، وهذا كثير. * طالب: شيخ بعض الناس يعني الناس في هذا الشهر تصوم ثلاثين يوم؟ * الشيخ: إي غلط، غلط إكمال الثلاثين خطأ. قال: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ الواو حرف عطف، و﴿لِتُكَبِّرُوا﴾ معطوفة على ﴿تُكْمِلُوا﴾ بإعادة حرف الجر، ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ تكبروا الله، أي تقولوا: الله أكبر، والتكبير يتضمن الكِبَر في العظمة والكبرياء والأمور المعنوية، وكذلك يتضمن الكبر في الأمور الذاتية، فإن «السماواتِ السبع والأرضين السبع في كفّ الرحمن كخَرْدَلةٍ في كفّ أحدِنا »[[أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٠٩٠)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا.]]، فالله سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء. وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (على) قيل: إنها للتعليل، إن (على) هنا للتعليل وليست للاستعلاء، أي: لتكبروه لهدايتكم. وقوله: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ إنما جاءت (على) دون اللام مع أنها تفيد التعليل إشارة إلى أن هذا التكبير يكون في الآخر؛ ليكون عاليًا على ما حصل من الهداية؛ لأن الشيء إذا كان في الآخر صار هو الأعلى ولَّا لا؟ كما لو ملأت إناء من الطعام مثلًا، وجعلت عليه شيئًا، يكون هو الآخر أو الأول؟ يكون هو الآخر، فلهذا قال: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يعني: يكون التكبير على ما هدانا، وهذا يدل على أنه يكون في آخر، أو عند تمام هذه الهداية. فاستفدنا من (على) الآن أمرين: الأول أن معناها التعليل كاللام. الثاني: أنه عبر بـ(على) لماذا؟ إشارة إلى أن التكبير يكون بعد انتهاء هذه الهداية؛ ولهذا متى يشرع التكبير في آخر رمضان؟ إذا غربت الشمس ليلة عيد الفطر، يعني: بعد انتهاء رمضان ودخول شوال، إذا غربت الشمس شرع التكبير. وقوله: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (ما) هنا مصدرية ولَّا موصولة؟ * طالب: موصولة. * طالب آخر: مصدرية. * الشيخ: إذا كانت موصولة فتحتاج إلى؟ * طالب: صلة. * الشيخ: لا، الصلة موجودة تحتاج إلى عائد، وإذا كانت مصدرية ما احتاجت إلى عائد، والعائد التي تحتاج إليه هنا محذوف، يعني: على ما هداكم به، أو عليه، أو له، يقدر شيئًا مناسبًا، ومعلوم أنه إذا أمكن عدم التقدير فهو أولى، وعلى هذا فالراجح أن تكون مصدرية، أي: على هدايتكم. * طالب: وأيش تقدير اللفظة؟ * الشيخ: على ما هداكم له، على الذي هداكم له، وهو الصيام. * طالب: نقول: (على) للتعليل؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: ما ذكر أهل العلم. * الشيخ: ابن مالك ذكر. وقوله: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ هذه الهداية تشمل هداية العلم وهداية العمل، وهي التي يعبر عنها أحيانًا بهداية الإرشاد وهداية التوفيق، فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله لا شك أن الله من عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل، يعني: هداية الإرشاد وهداية التوفيق. وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ هنا أتى بالتكبير دون الاستغفار مع أن كثيرًا من العبادات إذا انتهت تختم بأيش؟ بالاستغفار، كأنه -والله أعلم- أنه لما كمل هذه النعمة -الهداية والصيام- صار كأن الإنسان علا وارتفع، مثل ما شرع للإنسان« إذا علا نشزًا أن يكبر، وإذا هبط واديًا أن يسبح »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٥)، ومسلم (١٣٤٤/ ٤٢٨)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ: يُكَبّر على كلِّ شَرَفٍ منَ الأرْضِ ثَلَاثَ تَكْبيرَاتٍ.]]، فكأنك بإتمامك هذا الصيام الذي هو ركن من أركان الإسلام، وربما وفقت لليلة القدر في هذا الشهر كأنك علوت؛ فلهذا قال: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تقومون بشكر الله عز وجل، و(لعل) هنا للتعليل، تشكرون على أي شيء؟ على أمور ثلاثة بل أمور أربعة: إرادة الله بنا اليسر، عدم إرادته العسر، وأيش بعد؟ إكمال العدة، التكبير على ما هدانا، هذه الأمور كلها نِعم، كلها نِعم تحتاج منا أن نشكر الله عز وجل عليها؛ ولهذا قال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. واعلم أنه يقال: الحمد والشكر، فهل هما مترادفان أم بينهما عموم وخصوص؟ نقول: بينهما عموم وخصوص، فالحمد أعم من حيث السبب، والشكر أعم من حيث المتعلق، فسبب الحمد كمال المحمود وإفضال المحمود، يعني: الحمد سببه كمال المحمود، فالله يحمد على ما له من الكمال، وإفضال المحمود يحمد الله أيضًا على ما له من الإفضال والإنعام، فهمتم؟ لكن متعلقه اللسان فقط، الحمد إنما يكون باللسان؛ فلهذا قلنا في تعريفه: وصف المحمود لما له من الكمال والإفضال، فمحله اللسان فقط، أما الشكر فسببه شيء واحد وهو؟ النعمة، سببه النعم؛ لأنك لا تشكر إنسانًا على كماله، وإنما تشكره على إنعامه عليك، فالشكر سببه أيش؟ النعمة، لكن متعلقه أعم؛ إذ إنه يكون بالقول والقلب والجوارح، يكون بالقلب واللسان والجوارح، وعلى هذا قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَاأكررها للمرة الثالثة: ؎أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَاونطلب من حسين أن يقرأه علينا؟ (...) بالقلب واللسان والجوارح، فمن اعترف بقلبه لله بالنعمة، فهذا أتى بركن من أركان الشكر، لكن بقي عليه ركنان، ومن اعترف بقلبه ولسانه لله تعالى بالنعمة، فقد أتى بركنين وبقي عليه واحد، ومن اعترف لله تعالى بالنعمة بقلبه ولسانه وجوارحه، فهذا أتى بأركان الشكر كلها. شكر النعمة بالجوارح يكون بأداء ما شرع الله لها أو ما شرع الله فيها، فالمال مثلًا شكر الله عليه أن تؤدي زكاته وتقوم بما أوجب الله عليك من نفقات، وكذلك تقوم بما شرع الله لك من تجمل بثيابك، وما أشبه ذلك، «وَإِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٩٩٣٤)، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بنحوه.]]. وإذا كان بالعلم فشكر الله عليه يكون بالعمل به ويكون بتعليمه وبذله للناس بكل طريق، وعلى هذا فقسْ. فشكر النعمة أن تقوم بما شرع الله لك فيها، هذا الشكر الخاص، أما الشكر العام فأن تقوم بطاعة المنعم مطلقًا، هذا الشكر العام الذي يكون به الإنسان شاكرًا، وأظن أنه يجب أن نعرف الفرق بين الشكر الخاص والشكر العام: الخاص تقوم بشكر هذه النعمة المعينة، والعام أن تقوم بشكر النعم على سبيل العموم. فمثلًا رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فكان يبذل المال فيما يرضي الله عز وجل، لكنه شحيح بالعلم نقول: هذا شاكر من وجه، من وجه خاص، غير شاكر من وجه، ولا نعطيه اسم الشاكر مطلقًا، ولا نسلب عنه اسم الشكر مطلقًا، نقول: هذا شاكر من وجه، وغير شاكر من وجه، كذا؟ لأن الإنسان يكون فيه خير وشر، ويكون فيه إيمان وكفر، وفسوق وطاعة، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. * طالب: يا شيخ، من فاته رمضان وقضاه يشرع له القضاء؟ * الشيخ: لا، ما يشرع، هذا لا يشرع، وبيجينا إن شاء الله في الفوائد. * طالب: (...) إن أصابته مصيبة أو شيء من هذا القبيل هل له أن يشكر الله سبحانه وتعالى أو يحمده؟ * الشيخ: يحمد ويشكر. * الطالب: فإن الشكر يكون في النعمة؟ * الشيخ: حتى هذه إذا ذكر الإنسان ما يؤتيه الله على هذه المصيبة من تكفير السيئات ورفعة الدرجات بالصبر عليها يكون هذه نعمة فيشكر الله.

البقرة 2:186

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] الخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ يعود إلى من؟ * طالب: إلى الرسول. * الشيخ: إلى الرسول ﷺ؛ لأنه هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى في إبلاغ الوحي، وليس عائدًا إلى كل أحد، ما هو عائد إلى كل أحد، وقد سبق لنا أن الخطاب الموجه من الله عز وجل قد يكون خاصًّا بالرسول، وقد يكون عامًّا له وللأمة حسب السياق. ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ (عباد) مضاف، والياء مضاف إليه، والمراد بالعباد هنا: العباد المؤمنون، بدليل قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، والكفار ما يدعون الله يدعون معه غيره. وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ عن أي شيء؟ عن ذات الله، عن صفاته، عن قربه، عن كرمه؟ الجواب هو الذي يحدد معنى السؤال، الجواب هو الذي يحدد معناه، نشوف الجواب: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ إذن هم يسألون عن أيش؟ عن القرب والإجابة؛ لأن كلمة: ﴿عَنِّي﴾ تحتمل معاني كثيرة لكن يحددها الجواب، وكما يقال: إن الجواب على قدر السؤال. ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ هل هذا يدل على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنه على تقدير هذا الأمر وفرضه؟ عندنا ثلاثة أشياء: هل تدل الآية على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنهم إن سألوك فقل كذا؟ * طالب: الثالث. * طالب آخر: الثاني والثالث. * طالب آخر: تشمل الجميع. * الشيخ: الثالث، الثاني والثالث، لكن أنا ذكرت لكم هذه الاحتمالات الثلاث؛ لأنه ذكر في هذا الموضع حديث:« أن الصحابة قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ »[[أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٢٢)، من حديث عيينة بن أبي عمران مرسلًا.]]، وهذا الحديث تكلم فيه العلماء وضعفوه، ولكن بعضهم يذكره محتجًّا به، وممن يذكره محتجًّا به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإذا ذكره في هذا الموضع محتجًّا به دل هذا على أنه عنده حجة، وأقل أحواله أن يكون حسنًا، لكن كثير من المحدثين ضعفوا هذا الحديث، وسياق الآية لا يدل على أنه سببها؛ لأنه لو كان سبب نزول الآية هذا القول لقال كما يعبر في آيات كثيرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٢٢٠]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة ٤] وما أشبه ذلك، فيأتي بصيغة المضارع الدالة على الوقوع، لا بصيغة الماضي المعلق بالشرط فإن الماضي المعلق بالشرط يدل على عدم وقوع ذلك الشيء. لكن هل يدل على أنه سيقع، أو على فرض أن يقع؟ قال علماء البلاغة: إن (إذا) و(إن) كلاهما شرطيتان، لكن (إن) لا تدل على الوقوع، قد تعلق بأمر ممتنع غاية الامتناع، بخلاف (إذا) فإنها تدل على الوقوع. مثال ذلك: قلت لك: إذا جاء زيد فأكرمه، وأيش معنى هذا؟ أنه يبغي يجي وليكن إكرامك إياه عند مجيئه، فإذا قلت: إن جاء زيد فأكرمه، هذا يدل على أنه قد يأتي وقد لا يأتي. فهذه الآية: ﴿إِذَا سَأَلَكَ﴾ ظاهرها أن السؤال منهم متوقع، وعلى هذا فيكون الله عز وجل أفتاه بأمر قد يكون، وهو للكون أقرب، أما (إن) فقلت لكم: إنها لا تدل على وقوع الشيء بل إنها قد تدخل على الشيء الممتنع غاية الامتناع، كقوله تعالى عن نفسه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هذا الشرط ممكن؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: غير ممكن، وقوله عن الرسول ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] يمكن، يمكن هذا؟ ما يمكن، إي نعم. وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء ١٢] (إن) هذه دالة على شيء لا يمكن وقوعه، بل يمكن وقوعه.. إن هذا السؤال عن أيش؟ عن قربه وإجابته ﴿عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. من يسأل؟ * طالب: (إنْ) إذا قلنا: إنها بعيدة الوقوع (...)؟ * الشيخ: لا، قد تدخل ما هي مستحيلة ولا بعيدة، لكن الفرق أن (إذا) تدل على أن الأمر سيقع بخلاف (إنْ). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هو لا بد يكون له ولد؟ ما هو لا بد يكون. * الطالب: قد يكون. * الشيخ: قد يكون وقد لا يكون، لكن (إذا) تدل على أن هذا الشيء سيكون. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ شوف ﴿سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ الياء تعود على الله، ﴿عَنِّي﴾ على الله، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ما قال: فقل: إني قريب، فبعضهم قال: إنه على تقدير (قل)، إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب، فيكون الجواب محذوف، جواب (إذا)، و﴿إِنِّي قَرِيبٌ﴾ مقول هذا المحذوف، معموله، يعني: مقول القول، فقل: إني قريب، ولكن الصحيح أنها لا تحتاج إلى تقدير؛ لوجهين: الأول: أن الأصل عدمه، وما دام الكلام يستقيم بدون التقدير فهو أولى. ثانيًا: أن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ كأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى السؤال، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ﴿إِذَا سَأَلَكَ﴾ ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، فهذا أبلغ من قوله: فقل: إني قريب. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الياء نقول: إنها تعود إلى الله عز وجل، فأخبر الله أنه قريب هو بنفسه ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؛ لأن الضمير يعود على الله عز وجل، ولكن ما معنى القرب الذي أثبته الله لنفسه؟ هل المراد أنه حال في المكان؟ ويش الجواب؟ لا، هذا شيء مستحيل، ولا يمكن أن تنزل الآية على شيء مستحيل، ولكنها تنزل على معنى يليق به سبحانه وتعالى، وهو كما قال شيخ الإسلام: قريب مع علوه، مع علوه على عرشه؛ لأنه محيط بكل شيء، والمحيط بكل شيء هو قريب وإن كان بعيدًا في علوه سبحانه وتعالى. وهذا القرب لا يستلزم النقص، بل هو دليل على الكمال، ووجه ذلك: أنه إذا كان فوق السماوات العلا مستويًا على عرشه وهو قريب ويش يدل عليه؟ على كمال عظمته وإحاطته سبحانه وتعالى، وإلا فإن الإنسان بالنسبة للمخلوقات لا يتصور أن شيئًا بهذا البعد يكون قريبًا؛ لأن الله فوق كل شيء، فلكماله سبحانه وتعالى وكمال عظمته يكون قريبًا مع علوه؛ ولهذا في «حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ذكر أنهم كانوا إذا علوا شرفًا أو هبطوا واديًا كبروا ورفعوا أصواتهم، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤ / ٤)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا حاجة إلى أن الإنسان يتعب نفسه برفع الصوت بالدعاء والتكبير؛ لأن الله جل وعلا قريب، قريب وإن كان فوق عرشه. واعلم أن بعض بل الحلولية من الجهمية وغيرهم يستدلون بمثل هذه النصوص المتشابهة على باطلهم، فلا تكون قلوبهم متسعة للجمع بين الأدلة، ولا تكون قلوبهم متسعة للفرق بين الخالق والمخلوق، فيأخذون بنصوص ويدعون مثلها، ومن الغريب أن الشيطان لبَّس عليهم -والعياذ بالله- فأخذوا بالنصوص التي هي نقص في حق الخالق، وتركوا النصوص التي هي كمال في حق الخالق، تركوا نصوص العلو وهو كمال، وأخذوا بهذه النصوص المتشابهة، وهي -على ما قالوه- تقتضي النقص، وأن الله سبحانه وتعالى تحيط به مخلوقاته، وأنه لا ينزه عن الأماكن التي ينزه عنها عامة الخلق. فالحاصل أننا نقول: إن هذا القرب لا يجوز لنا أن نتوهم أنه سبحانه وتعالى في الأماكن التي نكون فيها، وكل ما جاءك من هذه النصوص فاعلم أنه دال على عظمة الله عز وجل وإحاطته، ومنه ما جاء في الحديث: «عَبْدِي، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَقَالَ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَإِنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»، هذا يفرح به الحلولية ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يطبِّلون له، هذا واضح جدًّا عندهم، فيقال: أنتم نظرتم بعين أعور، عندكم نظر إلى النصوص من وجه، وطرف لها من وجه آخر، أهملتم الأدلة العقلية الفطرية السمعية على أن الله تعالى فوق عرشه مستوٍ عليه وأخذتم بمثل هذه النصوص المتشابهة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥ / ١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]. هؤلاء هم الذين سمى الله. فنحن نعلم علم اليقين أن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما نقل عن ربه في قوله: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ما أراد أنه وجده في الحجرة التي فيها المريض، ولكن لما كان المريض في الغالب -ولا سيما المؤمن- يكون عنده من الانكسار، من انكسار القلب والإنابة إلى الله عز وجل والخضوع ما لا يكون عنده في حال الصحة، فإن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، صح أن يعبر بهذا التعبير. فهذه النصوص يا إخواني لا تظنوا أنها تنافي نصوص العلم؛ لأنه -كما قلت لكم- تدل على عظمة الخالق جل وعلا، وأنه مع علوه بذاته على عرشه قريب من خلقه، يقرب من خلقه كما يشاء، ولا منافاة، هذا صحيح بالنسبة للمخلوق، ما يمكن يكون في أعلى شيء ويقال: إنه قريب، لكن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]. ومثله كذلك أيضًا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وما أشبه ذلك من الأحاديث التي قد يعجز أو تعجز عقول بعض الناس عن إدراكها، فيحاولون أن يؤلوها، فنحن نقول: إن الله عز وجل يقرب من خلقه كما شاء، كما قال السلف، ولا نكيف، نقول: الله أعلم بهذه الكيفية، لكن نعلم أنه سبحانه وتعالى وإن قرب من خلقه وإن نزل إلى السماء الدنيا نعلم أنه لا يزال عاليًا، لا يزال عاليًا سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، هل نقول: وجدت عنده ثواب أو مغفرة؟ * الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنه في الإطعام لما قال: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلَمْ تُطْعِمْهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»[[سبق تخريجه. ]]، ففرق الله عز وجل بين الإطعام وبين عيادة المريض. * طالب: «يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٢٧٨٢)، من حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: «أَيُّمَا رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا فَإِنَّمَا يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَ الْمَرِيضِ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ». ]] نقول: نحمله عليها؟ * الشيخ: نعم، نحن نحمله على الحقيقة، «يَخُوضُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ» بمعنى ينغمر فيها. * الطالب: نعم، يعني في الأجر والثواب؟ * الشيخ: في الأجر والثواب، إي نعم، ما في إشكال. * طالب: لكن كيف نقول: «وَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (...) ما نحمله على (...)؟ * الشيخ: ما نحمله؛ لأن هذا حديث واحد فرق فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما روى عن ربه. * الطالب: نحن ما نتصور (...)؟ * الشيخ: لا، نحن نتصور، يتصور، العندية لا تنافي العلو بالنسبة لله عز وجل، أما بالنسبة للمخلوق نعم ما يكون عندك وهو بالسطح، لكن بالنسبة لله عز وجل ما هو صفاته كصفاتنا، فالحديث الذي ورد ذكر في الطعام قال: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» بهذا اللفظ، وفي العيادة قال: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ففرق بينهما. * طالب: شيخ، الفطرة في الدعاء ما تحبذ هذا القول؛ لأن الله عز وجل ليس قريب لا بذاته ولا يعني الكيفية، أو الفطرة تقول: إن الله بعيد ليس بقريب؟ * الشيخ: إن الله في السماء لكن مع علوه هو قريب. * الطالب: بس الفطرة تقول: ليس بقريب؟ * الشيخ: لا، ما يمكن. * طالب: إيه، أن الله عز وجل.. * الشيخ: لا، إذا قلت: ليس بقريب بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أنه هو في المكان هنا (...)، لكنه قريب قربًا يليق به، ما نعرف حقيقة كيف يكون قريبًا، نثبت أنه قريب، ولكن ما نعلم كيف هذا القرب. (...) لم يلزم أن يكون ذلك في حق الخالق؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهو علي في دنوه قريب في علوه. فلا يقاس بخلقه. قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ﴿قَرِيبٌ﴾ هذه خبر (إن)، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ أنتم فهمتم الآن أنه قريب مع علوه، وأنه لا تناقض بينهما؛ لأن الله لا يقاس بالمخلوقات، فهو قريب في علوه، عليٌّ في دنوه، سبحانه وتعالى. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ قوله: ﴿أُجِيبُ﴾ هذه الجملة خبر ثانٍ لـ(إن)، فيكون خبرها اسما وجملة، يعني خبرها مفرد، والخبر الثاني جملة، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الدعاء بمعنى الطلب، وقوله: ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أصلها: الداعي بالياء، كالقاضي والهادي لكن حذفت الياء للتخفيف، نظيرها قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩] وأصلها: المتعالي، هذا في ما فيه (أل)، وقد تحذف في الذي ليس فيه (أل)، قد تحذف في شيء ليس فيه (أل)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أصلها: من والي، وكل ذلك للتخفيف. ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ شوف قال: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾، مع أنه لا يكون داعيًا إلا إذا دعا، وحينئذٍ قد يقول قائل: ما فائدة الشرط؟ الداعي هو ما كان داعيًا إلا لما دعا، وحينئذٍ فما فائدة الشرط في قوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؟ نقول فائدته: الإشارة إلى أمرين، بل إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول: الإخلاص، بأن يدعو الله تعالى نفسه ما يتخذ بينه وبينه وسائط، فيقول: يا رسول الله، ادع الله لي، بعد ممات الرسول ﷺ، أو يا أيها الولي الفلاني -بعد موت الولي- ادع الله لي، أو ما أشبه ذلك، ففائدتها الإخلاص أن يكون مخلصًا لله في الدعوة. الفائدة الثانية: اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى محقق له ما دعا؛ لأنك ما تدعو أحدًا بصدق إلا وأنت واثق من إجابته؛ ولهذا جاء في الحديث: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٧٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فيكون فائدتها: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ أي: حقًّا، دعاني حقًّا يعلم أنني سأوتيه دعوته. الشيء الثالث: تفيد صحة افتقاره إلى الله، وأنه حقيقة مفتقر له؛ إذ إنه لا يدعى إلا من كان مفتقرًا إليه، فيكون فائدة ذلك تحقيق هذا الدعاء على الوجوه الثلاثة، وهي: الإخلاص ويش بعد؟ الإيقان بالإجابة، والثقة بالله عز وجل، والثالث: صحة الافتقار إلى الله، بحيث إنه ما دعا إلا وهو مفتقر؛ لأن المستغني ما يدعو، المستغني لا يدعو. وقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ أصلها: دعاني بالياء، فحذفت الياء تخفيفًا. وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ شوف ما قال: أجيب مسألته، قال: أجيب دعوته، وإجابة الدعوة لا يلزم منها تحقيق المسألة؛ إذ قد لا يجيب الله تعالى مسألته، ولكن يجيبه إما بأن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، وإما بأن يدخرها له، فإذا لم يجب ما سأله بعينه وادخره له أو صرف عنه من السوء ما هو أعظم، فهل يقال: إنه أجاب الدعاء ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أجاب الدعاء لا شك، لكنه لحكمته ولرحمته بهذا الداعي اختار له ما اختار، قد يكون من مصلحة الداعي أن تجاب دعوته، قصدي أن تجاب مسألته التي سأل، وقد لا يكون من المصلحة. وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال بعدها: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: فليجيبوا لي؛ لأن استجاب بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥] أي: أجاب، وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٣٨] بمعنى أجابوا له، وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ هنا ما قال: فليستجيبوني، (...) أجاب يقال: أجابه، لكن هنا عداها باللام: استجاب له؛ لأنه ضُمن معنى الانقياد، وإلا لكانت (أجاب) تتعدى بنفسها، نظيرها قوله ﷺ في حديث معاذ: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لَكَ بِذَلِكَ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٤٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) بلفظ: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ»، وفي رواية في ابن خزيمة (٢٣٤٦) بلفظ: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ».]]، (أَجَابُوا لَكَ) » ولم يقل: أجابوك، فضمن الإجابة معنى الانقياد. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ يعني: فلينقادوا لي إجابة، مبنية على ما بعدها ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مبنية على الإيمان، وهنا قال: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ دون وليؤمنوا لي؛ لأن الإيمان بالله متضمن للاطمئنان والاعتراف التام وليس مجرد تصديق، بل هو تصديق باطمئنان قلب؛ ولهذا يقال: اطمأن قلبه به، فصدَّق واطمأن، وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ اللام هذه في الفعلين لام الأمر؛ ولهذا سكنت بعد حرف العطف. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ لعل؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: للتعليل نعم، كلما جاءت لعل في كتاب الله فإنها للتعليل؛ إذ إن الترجي لا تكون إلا فيمن يحتاج ويؤمل كشف ما نزل به عن قرب، أما الرب عز وجل فإنه يستحيل في حقه هذا، فيكون ما جاء في القرآن من مثل هذا التعبير يكون معناه التعليل لأجل الرشد. والرشد يطلق بمعنى حسن التصرف، وبمعنى الغنيمة؛ ولهذا يقال: يا راشد، يعني: يا غانم، وأما الرشد بمعنى حسن التصرف فهو كثير، كما في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء ٦] ويش معنى ﴿رُشْدًا﴾؟ أي: حسن تصرف، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات ٧] أي: الغانمون، فهي قريبة من معنى المفلحين، وفي هذه الآية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ تحتمل المعنيين: الرشد بمعنى حسن التصرف، والثاني: بمعنى الغنيمة التي رشدوا بها، ولا شك أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه أحسن الناس تصرفًا ويوفق ويهدى وتيسر له الأمور، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧]، ولا شك أيضًا أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه غانم رابح، ولا أحد أربح منه. إذا قال قائل: إذا حملتم الرشد هنا على المعنيين جميعًا، فمعنى ذلك أنكم استعملتم المشترك في معنيين فماذا نقول؟ نقول: ما فيه مانع، نقول: الصحيح أنه جائز، إذا كان المعنيان لا يتنافيان، وأي مانع من أن يكون المتكلم قصد ما يدل عليه الكلام هذا وهذا. * طالب: المعنيين يكونون أبلغ بهذا؟ * الشيخ: نعم، رجل قال: دخل اللصوص على بيت فلان فأتلفوا عينه، ويش المراد بالعين؟ * طالب: المتاع. * طالب: المال. * الشيخ: المال، وعينه أيضًا اللي تجري، الماء، أو لا؟ وعينه الباصرة، كلٌّ يمكن، فإذا علمنا أن هؤلاء اللصوص أفسدوا كل الثلاثة، فلا مانع أن نقول: إنهم دخلوا على بيته فأتلفوا عينه، ويش المانع؟ الكلام بس أن يكون هناك دليل على أن هذا اللفظ المشترك مستعمل في المعنيين، فإذا دل الدليل فلا مانع. * طالب: الشوكاني يقول: بمعنى الهداية؟ * الشيخ: نعم، الهداية من حسن التصرف. * طالب: شيخ، قوله ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ما في فائدة أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء (...) مسألة ودعاء عبادة، (...) نص على دعاء المسألة بخصوصها؟ * الشيخ: لا، ما فيه هذا الدليل؛ لأن هذه أيضًا -سيأتينا إن شاء الله في الفوائد- أنها صالحة للأمرين. * طالب: في قوله تعالى في آية أخرى ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام ٤١] هنا تقيد النص؟ * الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى في الفوائد. * طالب: بالنسبة لـ(لعل) ما تكون للترجي تكون للمخلوق؟ * الشيخ: لا، بالنسبة لله ما يكون. * الطالب: لا، بالنسبة.. * الشيخ: للمخلوق تكون للترجي وللتعليل وللتوقع وللإشفاق، وتأتي أيضًا -كما مر علينا في البلاغة- تأتي للتمني. * طالب: شيخ، (...) لعل (...)؟ * الشيخ: لأن ما هناك شيء معلل من قبل. * طالب: بالنسبة ها الآية بالنسبة لكلام الله؟ * الشيخ: لأن مقصود هذه للتعليل، نقول: للتعليل. * طالب: هذه في حق المخلوقين ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟ * الشيخ: إيه، لكن من اللي قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟ * الطالب: إيه، الله سبحانه وتعالى هو اللي قاله، جميع القرآن من كلام الله. * الشيخ: يعني معناه: أترجى أن يرشدوا؟ * الطالب: لا، هو بحق (...) يختلف. * الشيخ: لا، ما يصلح، هذا ما دام أن الله علل فعلًا من أفعاله.. * طالب: يعني نقول: إن العباد متفاوتون، منهم من يرشد ومنهم من لا.. * الشيخ: أبدًا، إذا استجابوا لله وآمنوا رشدوا لا شك، لا بد، إذا استجابوا لله وآمنوا به لا بد أن يرشدوا. ثم قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كلمة ﴿أُحِلَّ﴾ مبنية للمجهول؛ لأنه معلوم من الذي بيده الإحلال والتحريم وهو الله، وقوله: ﴿أُحِلَّ﴾ تدل على أن الأمر كان محرمًا من قبل، وإلا لما احتيج إلى النص على الإحلال؛ لأن الأصل الحل، بخلاف ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، فلا يدل على أن ذلك كان حلالًا، مثلًا؛ لأنه ليس الأصل التحريم، فهنا نقول: ﴿أُحِلَّ﴾ يدل على أنه كان قبل ذلك حرامًا، وهو كذلك. وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي صيام؟ الصيام المنعوت السابق وهو صيام رمضان. وقوله: ﴿الرَّفَثُ﴾ (الرفث) نائب الفاعل فاعل ﴿أُحِلَّ﴾ ولهذا رفع، والرفث يطلق على الجماع، ويطلق على الكلمات التي تقع بين الزوج وزوجته حين الجماع؛ لأنه يقع بين الزوج وزوجته حين الجماع من الكلمات ما يستحيى منه، ويسمى رفثًا، ولكنه هنا يراد به الجماع، بدليل أنه عُدِّي بـ(إلى)، ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: الإفضاء إلى نسائكم، والإفضاء بمعنى الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢١]. فقال: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (النساء) جمع (نسوة)، ونسوة اسم جمع لا مفرد له، ومفرده امرأة، مثل (إبل) اسم جمع لا مفرد له، ومفرده بعير. قوله: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ المراد: زوجاتكم وإمائكم، وهذا واضح؛ لأن غيرهما لا يحل مطلقًا لا في ليل الصيام ولا غيره ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون ٥ - ٦]. ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ الجملة هذه استئنافية للتعليل، تعليل الحل، يعني: أحل لكم ذلك لأنكم لا تستغنون عنهن ولا يستغنين عنكم، فأنتم لهن لباس وهن لكم لباس، وانظر إلى التعبير بـ(اللباس) لما فيه من حفظ الفرج، فاللباس يستر العورة، والزواج يحصل به تحصين الفرج، ثم ما فيه من الستر والصيانة والحماية، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]. ويشمل ذلك أيضًا معنى اللباس أوسع من كونه سترًا وحماية وصيانة، يشمل التقارب بين الزوج وزوجته، كما قال الشاعر: إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهُ ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا فالحاصل أن هذا التعبير بـ(لباس) يعطي أقوى دليل على ما بين الزوجين من أيش؟ من التقارب ومن الحفظ والحماية، وأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهذا شيء من حكمة الله عز وجل ورحمته ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١]. هذا الذي جعله الله تعالى بين الزوجين من رحمته أنه أحل لنا الرفث إلى نسائنا في ليالي الصيام. ثم بين الله عز وجل حكمة أخرى موجبة لهذا الحل، وهي قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ -الحمد لله- ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ بماذا؟ بإتيانهن بحيث لا تصبرون فتختانون أنفسكم، والظاهر -والله أعلم- أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن الأمر هين، أو بأنه صار في حالة لا تحرم عليه زوجته وما أشبه ذلك، وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى الإنسان العشاء الآخرة أو إذا نام قبل العشاء الآخرة، فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي، فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم ما صبر، فبين الله عز وجل حكمته ورحمته بنا حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ﴾ ولم يقل: تخونون؛ لما في قوله ﴿تَخْتَانُونَ﴾ من زيادة الحروف الدالة على زيادة المعنى؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا صحيح ولَّا لا؟ صحيح، لكنه غالبي ما هو دائمًا، فـ(بقرة) و(بقر) أيهم أكثر حروف؟ بقرة، وهي أقل معنى، أيهن أكثر البقرة الواحدة ولَّا البقر؟ البقر أكثر، إي نعم، فالمسألة أغلبية. قال: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ تاب عليكم، هل المعنى: فتاب عليكم قبل أن تتوبوا، أو أن الله نسخ هذا الأمر والنسخ توبة؛ لأنه لولا النسخ لكان الوقوع فيه إثمًا؟ أيهما المعنى؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: لكن هذا المعنى الأخير هو الأصح، ونظيرها قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل ٢٠]، بعد أن أوجب علينا القيام سبحانه وتعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل ٢ - ٤]، قال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بنسخ الوجوب؛ لأنه لولا النسخ لكان تركه تركًا للواجب، فيكون إثمًا، فيعبر الله عز وجل عن النسخ بالتوبة، إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثمًا إما بفعل المحرم أو بترك الواجب. * طالب: شيخ، زياد المبنى ما تطرد في المشتقات؟ * الشيخ: ما نقدر نحكم بشيء، نحن نقول: أغلبية، ما نقدر؛ لأن حصر ها المسائل هذا صعب، يمكن يجي واحد ينقض عليك المثال، ثم تضطر إلى أن تقول: أغلبية، (...). * طالب: قلت: إنه لقد أحل، فدل على أنه كان محرمًا من قبل، عام في القرآن؟ * الشيخ: لكن هنا في هذه الآية دليل. * الطالب: وليست عامة؟ * الشيخ: في القرآن.. * الطالب: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة ٥]. * الشيخ: في القرآن إما أن يكون هذا توطئة لما بعده، أو إزالة وهم، أو ما أشبه ذلك، أو بيان امتنان، ما نضبطها، إنما في هذه الآية تدل على أنه محرم من قبل. * طالب: ﴿تَخْتَانُونَ﴾ معناها يعني: بين اثنين، يعني الفعل في التكاثر، يعني ما هو الإنسان يخون نفسه، يعني يحصل بينه، هذا المقصود به المعنى؟ * الشيخ: نعم، هذا من المقصود بلا شك، أن كل واحد منكم يخون الثاني قصدك؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: مثل تقاتلون؟ لا، بس كلمة اختان مثل اختار، يعني ما هي بتدل على المفاعلة، لكن قد يكون هذا من جملة ما يستفاد من زيادة المبنى، قد يكون هذا من جملته، إنما أن نقول: هذا هو الفائدة، ما نقدر نقول: هذا هو الفائدة؛ لأن كلمة (افتعل) ما تدل على المشاركة. قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بماذا تاب؟ قلنا: بالنسخ؛ لأنه لولا النسخ لكان فعله محرمًا مقتضيًا للإثم. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ العفو يكون في مقابلة إساءة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فما هي الإساءة اللي حصلت؟ هي ما حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم من إتيان أهلهم في ليالي الصيام قبل أن ينسخ التحريم؛ ولهذا قال: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾، وأصل العفو هو ترك المؤاخذة على الذنب، ومن أسماء الله تعالى العفو، ويطلق العفو على معنى الزيادة كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف ٩٥] يعني: كثروا، ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٥٠٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] يعني: وفروها وأكثروها. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى آخره، ﴿فَالْآنَ﴾ الفاء حرف عطف تقتضي الترتيب، يعني: فالآن بعد التحريم وبعد تحقق التوبة والعفو باشروهن، وكلمة الآن -تقدم لنا- أنها اسم إشارة إلى الزمن الحاضر وأنها مبنية على الفتح في محل نصب، وقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ المراد بالمباشرة الجماع، وسميت مباشرة لالتقاء البشرتين فيها: بشرة المرأة وبشرة الرجل، وقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ هو -كما نعلم جميعًا- فعل أمر، فما المراد بهذا الأمر؟ * طالب: الإباحة. * الشيخ: الإباحة أو رفع التحريم؟ * الطالب: أو كذلك. * الشيخ: أو كذلك لا، بينهما فرق. * طالب: هو الإباحة. * الشيخ: لا لا، بينهما فرق؛ ولهذا اختلف الأصوليون في الأمر بعد الحظر هل هو للإباحة أو رفع للتحريم؟ فمنهم من قال: إنه للإباحة، ومنهم من قال: إنه رفع للتحريم، وبينهما فرق، فإذا قلنا: للإباحة، فمعناه أن هذا الفعل بعد التحريم صار مباحًا فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للتحريم، فمعناه أن هذا الشيء عاد إلى حكمه قبل التحريم، فإن كان واجبًا فهو واجب، وإن كان مستحبًّا فهو مستحب، وإن كان مباحًا فهو مباح، فالآن ظهر الفرق بين القولين، أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: حجة الذين يقولون: إنه للإباحة، يقولون: إنه لما ورد التحريم على الحكم الأول نسخه وصار كأن لم يكن، مفهوم؟ فإذا جاء الأمر بعده فمعناه أنه صار مباحًا، بعدما كان حرامًا صار مباحًا، وهذه حجة قوية. والذين قالوا بأنه رفع للتحريم، قالوا: لأن الحكم الأول لما ورد عليه التحريم صار محرمًا، فلما زال التحريم عاد إلى ما كان عليه، كأن التحريم ستر وضع على مغطى، فإذا رفع هذا الستر فكيف يكون المغطى؟ يكون كما كان عليه، ومن ثم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢] هل الاصطياد مباح أو أنه يكون حسب حكمه بالأول؟ حسب الحكم الأول، وهذا هو الذي يبدو راجحًا، وإن كان المسألة ما هي عندي بذاك المتميزة كثيرًا؛ لأن كلا التعليلين قوي، لكن الذي يبدو أنه أقرب: أن الأمر بعد الحظر هو رفع للتحريم. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، هذا أمر بعد الحظر؛ لأنه قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هل نقول الآن: إن البيع بعدما كان محرمًا صار مباحًا الآن أو صار مستحبًّا أم ماذا؟ نقول: عاد على ما كان عليه، والبيع -كما هو معلوم- قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا. * طالب: نقول: دل على الإباحة، لكن الدليل الآخر في هذه الآية ما هي الإباحة لكن هناك أدلة أخرى؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ففي الآية مثلًا هذه. * الشيخ: لا، إحنا كلامنا على القاعدة العامة، هل نسخ التحريم رفعٌ له أو أنه مقتضٍ للإباحة، الأمر بعد التحريم؟ * الطالب: أظن يقتضي الإباحة مثلًا، لكن دلت أدلة أخرى (...) في غيرها. * الشيخ: لا، بينهم فرق. * طالب: على قولنا: بأن المباح تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون فيه فرق التعبيرين؟ * الشيخ: إيه؛ لأنه إذا قلنا: بأنه يعود إلى ما كان عليه أو رفع للتحريم، ننظر هذا الشيء الذي نهي عنه الآن هل هو قبل النهي مستحب، فيكون مستحبًا، قد يكون قبل الأمر مستحبًا، فيكون مستحبًا يبقى على استحبابه. * الطالب: لكن مثل البيع يا شيخ، ويش حكم يعني..؟ * الشيخ: لا، البيع حكمه الإباحة، لا شك. * طالب: يا شيخ، (...) كل الأمرين يصير إلى الإباحة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: إعادة إلقاء الله على.. * الشيخ: إيه؛ لأن الصيد في الأصل مباح، لكن إذا كان الشيء مما يطلب مثل أنا لو قلت لك: لا تزر فلانًا، وهو قريب لك مثلًا، ثم قلت لك: إذا طلعت الشمس فزره، هذا الأمر ما هو معناه الإباحة، إذا قلنا: بأنه رفع للنهي، صار عادت الزيارة مستحبة، وإذا قلنا: إنه للإباحة، بقيت الزيارة مباحة، هذا المعنى. * طالب: قوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (...)؟ * الشيخ: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ قلت: المراد به الجماع، وما دونه من باب أولى ليس محرمًا. ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿ابْتَغُوا﴾: اطلبوا، ﴿مَا﴾: الذي، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كتب لكم كتابة الكونية أو كتابة الشرعية، يعني: بمعنى ما قدر الله لكم، أو ما شرع الله لكم؟ نقول: تحتمل المعنيين، وشمولها لهما أولى، فالمعنى: ابتغوا ما شرع الله لكم، أي: اطلبوا ما شرع لكم من الاستمتاع بالنساء وإباحته، أو ما شرع لكم من التهجد في ليالي رمضان، أو ما شرع لكم من السحور، كل هذا داخل، أو ابتغوا ما كتب الله لكم تقديرًا كتابة قدرية من طلب الولد بهذا الجماع، كما قاله بعض المفسرين قال: ابتغوا الولد، يعني لا يكن مباشرتكم من أجل نيل الشهوة فقط، ولكن من أجل حصول الولد والذرية، فأقول: إن الآية تشمل الأمرين ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والفوائد إن شاء الله تأتينا. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ معطوفة على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ على الأول على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ما معنى الأكل والشرب؟ ويش في الأكل والشرب؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ولكن ما يتبين لنا، وهو كذلك، أول ما يظهر الفجر لا شك أنه ما هو على طول بيتبين، بيظهر شيئًا فشيئًا، ولكننا نحن مكلفون بما نستطيع حتى يتبين لنا ويتضح. وقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾ عرفنا لما قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ﴾ أن ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى يتميز، يتميز هذا من هذا، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران ١٧٩]، فـ(مِن) ما تدخل على ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ من هذا إلا إذا قصد به التمييز، يعني: حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بينت المراد بالخيط، خيط أيش؟ بياض النهار، والخيط الأسود؟ سواد الليل، وفي التعبير بكونهما خيطين دليل على أنهما يتعاقبان، وأن هذا قد يكون في جهة، وهذا قد يكون في جهة؛ لأنهما خيطان، والخيطان لا بد أن يتعاقبان، وإلا لكانا خيطًا واحدًا فقط. وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ بين الرسول ﷺ أن الفجر فجران: صادق وكاذب، وبين أن الصادق هو الذي يكون معترضًا في الأفق، مستطيرًا كالطير أو كجناح الطير من الشمال إلى الجنوب، وأما الكاذب فهو الذي يكون مستطيلًا -باللام- في الأفق كذنب السرحان، يعني: كذنب الذئب. وذكر أهل العلم أن بينهما ثلاثة فروق، الفرق الأول: أن الصادق هو مستطير معترض وأما ذاك فهو مستطيل، والثاني: أن الصادق لا ظلمة بعده وذاك يظلم، والثالث: أن الصادق متصل بالأفق وهذا بينه وبين الأفق ظلمة (...). ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قلنا: إن ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى يظهر، ولكنه مضمن معنى الظهور والتمييز منين؟ من قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾ يعني: يتميز هذا من هذا. وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ هذه بيان لقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، ولم يقل: في الخيط الأسود من الليل، اكتفاء بالأول، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني: والبرد؛ لأن السرابيل تقي الحر والبرد ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١] كالدروع، فالمهم أن هذا من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر، يعني: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل، فهمتم؟ لكن حذف (من الليل) اكتفاءً بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ لأن الشيء يتبين بذكر مقابله، ونظير ذلك؟ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ يعني: والبرد. وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: ثم إذا تبين، وهذه من سعة رحمة الله عز وجل أنه أتى بـ(ثم) بعد التبين للتوسعة على العباد؛ ولهذا روى الإمام أحمد بسند لا بأس به «أنه إذا أذن الفجر والإناء في يدك، فإنك لا تضعه من يدك حتى تقضي حاجتك[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٢٩)، من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.]] »، تيسيرًا على المكلفين؛ ولهذا «كان ابن أم مكتوم لا يُؤذّن حتى يطلعَ الفجر ويُقال له: أصبحتَ أصبحتَ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦)، من حديث عبد الله بن عمر، واللفظ للبخاري.]] ». وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ﴿أَتِمُّوا﴾ بمعنى أنهوا، أنهوه على وجه التمام، وقوله: ﴿الصِّيَامَ﴾ تقدم أنه في اللغة؟ الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم ٢٦] أي: إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. والمراد بالصيام شرعًا: هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ما المراد بالليل؟ غسقه؟ الجواب: لا، ولكن أوله، وقد بين ذلك رسول الله ﷺ حين قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المشرق، «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المغرب، «وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠٠ / ٥١)، من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما.]]. وبمجرد غروب الشمس -أي: غروب قرصها- يكون الإفطار، وليس بشرط أن تزول الحمرة كما يظنه بعض العوام. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إذن الصوم محدد (من) و(إلى)، فلا تزيد فيه ولا تنقص، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد حكم الوصال. وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ لما قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ استثنى من هذا حالة واحدة وهي: إذا كان الإنسان عاكفًا في المساجد وهو صائم، فإنه لا يباشر الزوجة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فالضمير في قوله: (هن) يعود على النساء، وجملة: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿عَاكِفُونَ﴾ اسم فاعل من: عَكَفَ يَعْكُف، والعكوف على الشيء: ملازمته والمداومة عليه، ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء ٥٢] أي: مديمون ملازمون؛ ولهذا نقول: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وأما في الشرع فهو: التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد طاعة له، بلزوم المساجد لطاعة الله، هذا هو الاعتكاف. والاعتكاف معروف في الجاهلية ومعروف في الإسلام، قال عمر للنبي ﷺ:« إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦ / ٢٧)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]، وهو مشروع في رمضان، وكان الرسول ﷺ يعتكف طلبًا لليلة القدر؛ ولهذا اعتكف في العشر الأول، ثم قيل له: ليست الليلة في هذا العشر، فاعتكف في الأوسط، ثم أريها في العشر الأواخر، حتى خرج إلى الناس وقال: «إِنِّي أُرِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَنْ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٦)، ومسلم (١١٦٧ / ٢١٦)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فكان الاعتكاف في رمضان طلبًا لليلة القدر، ثم إنه سيأتينا إن شاء الله في الفوائد حكم الاعتكاف هل هو سنة؟ هل هو يشترط له الصوم أو لا يشترط؟ وفي ذكر الاعتكاف بعد آيات الصوم استنبط بعض العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا في رمضان وفي آخره؛ لأن الله ذكره تابعًا لآيات الصوم بعد أن ختم الكلام على الصوم، والله أعلم هل يستقيم هذا الاستدلال أولا يستقيم. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (تلك) ويش (تي)؟ ويش معناها؟ (تي) تلك؟ * طالب: اسم إشارة. * الشيخ: (تي) اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وقد تقدم أن الكاف هذه تكون باعتبار المخاطب، واسم الإشارة باعتبار المشار إليه، وأن الأفصح فيها أن تكون الكاف حسب المخاطب فيقال في المذكر المفرد: ذلكَ، وفي المؤنث: ذلكِ، وفي المثنى: ذلكما، وفي جماعة الذكور: ذلكم، وفي جماعة الإناث: ذلكن، قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت ٢٣]، ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]، وفي المثنى قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، وفي المفرد: (ذلك)، وهو كثير، وهذه اللغة المشهورة الفصحى، وفيها لغة ثانية: أنها -أي الكاف- تكون مفردة مفتوحة دائمًا، على تأويل المخاطب بالمفرد، وفيها لغة ثالثة: فتحها للمذكر مطلقًا، وكسرها للمؤنث مطلقًا. وهنا (تلك) للمفرد المذكر، أو لا؟ فالمعنى: تلك أيها المخاطب وإن كان يخاطب جميع الناس؛ لأن الناس جنس، فيصح أن يعبر عنها بالمخاطب. * طالب: شيخ، في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ [آل عمران ١٤٠] مع مراعاة المخاطب في الكاف يعني ما جمع الضمير؟ * الشيخ: إيه، كثيرًا ما يترك الجمع، في القرآن الأغلب الإفراد، كأنه يخاطب الإنسان عمومًا بالقرآن، يخاطب الإنسان، يعني: تلك أيها الإنسان حدود الله، وهذا كثير حتى الخطابات بغير الكاف في اسم الإشارة تجدها في المفرد. قال: و﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود الله جمع حد، (حدود) جمع (حد). * طالب: قلت: بالواو. * الشيخ: إي نعم، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ما فيها واو، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الحدود جمع حد، والحد في اللغة: المنع، ومنه: حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها، فمعنى ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: موانعه. واعلم أن حدود الله نوعان: حدود موانع، أي: تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، وهذه موانع الدخول، وهي في المحرمات، وموانع أخرى تمنع من فيها من الخروج منها، وهذه حدود الأوامر، حدود الله تعالى نواهٍ وأوامر، النواهي ما شأنها؟ تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، والأوامر تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ ولهذا إذا جاءت الأوامر قال الله فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة ٢٢٩] يعني: لا تخرجوا منها، وإذا جاءت النواهي قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة ١٨٧]. فهذا هو الفرق، والكل منها يسمى حدودًا؛ لأن الأوامر لها حد لا تخرج منها، والنواهي لها حد لا تدخل فيها. وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ من باب إضافة المشروع إلى مشرِّعه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ الفاء للتفريع، و(لا) ناهية، الدليل؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: مجزومة بحذف النون، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ما قال: فلا تفعلوها، وإنما نهى عن قربانها، حتى نبعد عن المحرم وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، فالمحرمات ينبغي البعد عنها وعدم قربها. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ هذا ترد في القرآن كثيرًا، وقد أشرنا فيما مضى إلى إعرابها، وقلنا: إن الكاف اسم بمعنى مثل، وإنها منصوبة على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك البيان يبين الله، وهي في القرآن كثيرًا، وهذا إعرابها: أن نقول: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها ما بعدها، وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من البيان، وأظنه كثير البيان في هذه الآيات، أو لا؟ البيان كثير: فبين الله سبحانه وتعالى حكم الأكل والشرب في الليل، حكم مباشرة النساء، حكم الاعتكاف، موضعه، ما يحرم فيه، إلى آخره المهم أنها عدة أحكام بينها الله. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ آيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها في الشرع: البراهين الدالة على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، فمنها ما يقتضي الحكمة، ومنها ما يقتضي الرحمة، ومنها ما يقتضي العلم، ومنها ما يقتضي الإحاطة، المهم أنها متنوعة، الآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها هنا شرعًا: البراهين التي تدل على ما تقتضيه من صفات الله. وذكر أهل العلم أن الآيات تنقسم إلى قسمين: كونية، وشرعية، وأن الآيات الكونية هي المخلوقات، كل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها من الآيات الكونية، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى ٢٩]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، إلى آخره، فكل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها كلها من آيات الله الكونية، وكانت آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها، وآية الشيء هي: العلامة عليه، فلا أحد من المخلوقين يصنع مثل هذه الآيات أبدا، أو لا؟ القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية، وهي: ما أنزله الله تعالى على رسله وأنبيائه من الوحي، فإنها آيات شرعية تدل على منزلها سبحانه وتعالى، وجه ذلك؟ أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق والبيان والمصلحة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف ٣]، فأحسن الأخبار أخبار القرآن، أخبار الوحي: القرآن وغيره، إذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، بهذا تكون آية ولَّا لا؟ تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، وقولنا: على ما تقتضيه؛ لأن الآيات تختلف بعضها تقتضي العظمة، تدل على العظمة بعضها، تدل على الرحمة، وبعضها تدل على العلم، وبعضها تدل على الكبرياء، المهم تختلف. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه (لعل) للتعليل، يتقون من؟ يتقون الله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي: اتخاذ الوقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، وبعضهم يقول: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وبعضهم يقول: إن التقوى ترك المعاصي، ولكن أجمع ما قيل فيها ما ذكرناه في الأول وهي: اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، صحيح أنها إذا قرنت بالبر مثل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] صار المراد بالتقوى: اتقاء المعاصي، والمراد بالبر: فعل الطاعات، يقول الشاعر: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَـا ذَاكَ التُّقَــى هذا التقوى وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى اللي يمشي على أرض الشوك ويش يسوي؟ يخبط برجله ولا يهمه؟ لا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم لا تَحْـقِـرَنَّ صَـغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى هذا صحيح، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه المحقرات من الذنوب بجماعة نزلوا أرضًا، وأرادوا أن يوقدوا نارًا، فذهبوا فجاء واحد بعود، وواحد بعود، وواحد بعود، حتى جمعوا حطبًا كثيرًا، وأضرموا نارًا كثيرة، وهم أي شيء يجيبون؟ على عود عود، ما هو بشيء، إي نعم، إذن نقول التقوى أجمع ما قيل فيها: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه. * طالب: قد تكون هذه درجة قريبة من التقوى يعني ما تكون التقوى شيئًا أعلى من فعل الأوامر بل فعل المستحبات؟ * الشيخ: الأوامر مستحبات، المستحب أمر؛ لأن الأمر قد يكون للوجوب، وقد يكون للاستحباب، والنهي قد يكون للكراهة، وقد يكون للتحريم. * طالب: ما نقول: إن الآية: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ تشمل من أول السورة وليس مختص بأحكام الصيام؟ * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأنك تعرف الآيات مقطعات. * الطالب: إي بس السورة متصلة؟ * الشيخ: لا، ولو كانت متصلة، ما يمكن إلا أنها تكون في الموضوع الذي فيه البحث، وأيضًا فيما سبق فيه كذلك (...) آيات فيه من قبل. * طالب: (...) الصيام يا شيخ؟ * الشيخ: يشمل -والله أعلم- هم بعض العلماء قال: يشمل الأحكام الأربعة التي تلي هذا من قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ إلى آخره بس، ولو قيل: إنه من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] لكان طيب، ثم اعلم أن قوله: ﴿آياته﴾ جمع مضاف، فيعم، يعني أن مثل هذا البيان الذي بيناه لكم في هذه الآيات تكون بيان جميع الآيات. * طالب: عرفت الحد لغةً ما عرفته شرعًا؟ * الشيخ: إي عرفته. * الطالب: لا. * الشيخ: قلنا: الحدود شرعًا هي: أوامر الله ونواهيه، أما الحد عند المنطقيين غير هذا، الحد عند المنطقيين تقدمنا في شرح العقيدة السفارينية. * الطالب: يعني يختلف ما كان عند.. * الشيخ: إيه يختلف، بحسب الاصطلاحات. * طالب: شيخ، لو قال قائل: يعني تبيين الآيات كأنه يتراءى للإنسان أن فائدته الإيمان؟ * الشيخ: الإيمان؟ * الطالب: الإيمان، لعلكم مثلًا تؤمنون؛ لأن ثم إذا آمن يتقي. * الشيخ: لا، أصله ما فيه تقوى إلا بعد الإيمان، فالإنسان إذا تبينت له الآيات اتقى الله عز وجل فحصل أولًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما فيه تقوى يا أخي إلا بعد الإيمان، وهل الإنسان بيتقي شيئًا لا يؤمن به؟ ما يكون. ثم قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ مناسبة هذه الآية لما سبق مناسبة واضحة؛ لأن ما سبق في آيات الصيام تحريم لأشياء خاصة في زمان خاص، الآية اللي بعدها ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ هذا تحريم عام، عام في ما يحكم، وفي زمانه، وفي مكانه، هذا وجه المناسبة أنه لما ذكر التحريم الخاص الذي يحصل بالصيام بيَّن التحريم العام الذي يحصل في الصيام وفي غير الصيام، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ المراد بالأكل ما هو أعم منه، لكنه خص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع، أقوى وجوه الانتفاع هو الأكل، الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له، بناء المسكن متصل به ولَّا لا؟ لكن ما هو مثل اتصال الثوب أولا؟ أيهما ألصق به؟ * الطلبة: الثوب. * الشيخ: الثوب، كذلك أيضًا يصرف المال في الثياب، قبل يصرفها في الفرش، والفراش أخص من البيت أو لا؟ لأن الفراش هو الذي يليه عند النوم وعند الجلوس وما أشبه ذلك، يصرفها في اللباس وهو أخص من الفراش، يصرفها في الأكل والشرب وهو أخص الأشياء ما عاد بعده شيء؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود، ما يصرفه في الأكل والشرب؛ لأن الأكل والشرب يتغذى بهما البدن، وهما أخص انتفاع بالمال. فإذا كان الله يقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ وهو أخص الانتفاع والذي قد يكون الإنسان لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات، فكيف عاد بغيره؟ وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ كيف يقول: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ ﴿أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ (...)، فنقول: عندنا آكلٌ ومأكولٌ منه، فإذا كنت أنت أيها الآكل لا ترضى أن يؤكل مالك، فكيف ترضى أن تأكل مال غيرك؟! فاعتبر مال غيرك بمنزلة مالك، ويش هو لأجل؟ لأجل أن لا تأكله، كما لا ترضى أن أحدًا يظلمك ويأكل مالك، فإن هذا يجب أن تنزل مال أخيك بمنزلة مالك. فعليه نقول: فائدة إضافة الأموال المأكولة للغير إلى آكلها هو: أن يعتبر بأن مال غيره يجب أن يحميه كما يحمي مال نفسه. وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في العقود من إجارات وبيوع ورهون وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين، ومن باب أولى أن تأكلها بالانتهاب والاغتصاب اللي ما هناك بينية بينك وبين شخص آخر، يعني: فإذا نهيت أن تأكلها في العقود، فمن باب أولى أن تأكلها في الغصب والإكراه وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ كلمة ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباء هذه حرف جر، ولكن ما معناها؟ هل معناها المصاحبة يعني: أكلًا مصحوبًا بالباطل؟ أو معناها التعدية بأن يجعل الباطل كالآلة يأكل بها يعني: كما تقول ذبحت بالسكين مثلًا، ورميته بالحجر؟ نقول: إن الباء صالحة لهما جميعًا، فلا يجوز أن تتناول غيرك بالباطل بأن تجعل الباطل وسيلة لأخذ المال، ولا أن تأكل المال أكلًا مصحوبًا بالباطل، فيشمل ما كان محرمًا لذاته وما كان محرمًا لوصفه. وقوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ ﴿تُدْلُوا بِهَا﴾ الضمير يعود إما على الأموال، وإما أن يعود على المحاكمة، والإدلاء أصلها مأخوذة من: أَدْلَى دَلْوَهُ، ومعلوم أن الذي يدلي دلوه يريد التوصل إلى الماء، فمعنى ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، كيف يكون وسيلة لأكلها؟ تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة، ثم تخاصمه عند القاضي، ماذا يقول القاضي للمدعي عليك؟ يقول: هات بينة، إذا لم يكن لك بينة، إذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين، فإذا حلفت برئت، أفهمتم؟ الآن أنا أدليت بها إلى الحكام، بمعنى أني جعلت الحاكم وسيلة لأكل المال، هذا قول في المسألة، والقول الثاني: أن معنى ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: توصلوها إليهم بأن ترشوا الحكام ليحكموا لكم، فمعنى ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ توصلوها إليهم لأجل، ويش لأجله؟ أن يحكموا لكم، وكلا المعنيين صحيح. * طالب: ألا يدخل فيها يا شيخ الفلاسة؟ * الشيخ: الفلاسة؟ * الطالب: إيه، يفلس الحكام علشان يأخد المال هذا بغير حق. * الشيخ: إيه، ما تكون أنت الذي أكلتها. * الطالب: إيه، لكن أدليت بها إلى الحكام؟ * الشيخ: إيه، بس الآية تقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ﴿وَتُدْلُوا﴾، أما إن جعلنا الجملتين منفصلًا بعضها عن بعض، فهي نعم، تدخل مثل ما قلت أنت، ويصير النهي عن شيئين: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ هذه جملة مستقلة، ولا تدلوا بها إلى الحكام هذه جملة مستقلة، لكن ظاهر النظم -يعني ظاهر الكلام- أن الجملتين واحدة؛ ولهذا قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ ولم يقل: ولا تدلوا بها، فجعلها معطوفة على قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ فهي مبنية عليها. * طالب: وين يعود الضمير؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: على القول الثاني، ترشون؟ * الشيخ: إيه، يعود على الأموال. * الطالب: المال اللي أرشي به القاضي غير المال الذي..؟ * الشيخ: إيه، ما خالف، لكن معناه يكون معناه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بأموالكم لتأكلوا هذه. * الطالب: يعني أموال ثانية؟ * الشيخ: أموال ثانية لأجل أن تأكلوا بها أموال الغير يحكمون لكم بها. * طالب: شيخ، هذه الفلاسة اللي ذكرناها ما تدخل في الرشوة؟ * الشيخ: لا لا، الفلاسة ما هي بهذا، الفلاسة يخبر الحاكم بأن فلان عنده مال لأجل يأخذه منه. * الطالب: عندنا في (...) نقول: عليها (...) يعني يرشي، فالتبس عليه الأمر؟ * الشيخ: لا، يدل الحكام على أموال الناس ليأكلوها. * طالب: الحكام القضاة ولَّا الحكام..؟ * الشيخ: الحكام الأمراء، إذا قلنا: إن المراد مثل ما قال غانم، أما إذا قلنا: إن المعنى عند المحاكمة فهو يشمل الأمراء ويشمل الحكام القضاة. قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ قد يقول قائل: إن فيها إشكالًا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ ثم قال: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟ فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل، بل اللام هنا للعاقبة، يعني: أنكم إذا فعلتم حصل لكم الأكل، أكل فريق من أموال الناس، فاللام هنا للعاقبة، وتأتي اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، هل آل فرعون التقطوه لهذه العلة، أو كانت العاقبة كذلك؟ كانت العاقبة كذلك، فاللام في قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ اللام لام العاقبة. وقوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ لماذا حذفت النون؟ * طالب: منصوب. * الشيخ: منصوب بأن المضمرة بعد اللام على قول، أو باللام نفسها على قول من؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، صح، ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ ﴿فَرِيقًا﴾ الفريق بمعنى الطائفة، وسمي فريقًا؛ لأنه يفرق عن غيره، فهذا فريق من الناس، يعني: طائفة منهم افترقت وانفصلت. وقوله: ﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ لو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه؟ * طالب: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى؟ نعم، من باب أولى، أو نقول: إن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس على سبيل العموم؛ لأن الإنسان مهما بلغ عنده من الملايين، فإن غيره عنده مال، إي نعم. ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني: أكلًا مصحوبًا بالإثم وهو الذنب؛ وذلك لأنه باطل، ومن هنا نعلم أن الباطل يعني: الإثم، ولكن هل هو في كل مكان الباطل هو الإثم؟ لا، قد يراد بالباطل ما لا منفعة فيه، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبَهُ بِقَوْسِهِ أَوْ مُدَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ أَوْ تَأْدِبيَهُ لِفَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وأحمد في المسند (١٧٣٠٠)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. * * * ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية فوائد، أولًا: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام، ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام، قال بعض أهل العلم: فيستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنها ذكرت بعدما تكلمنا عن الصيام والإمساك. * الطالب: قد يقال: هي في العيد أولى؟ * الشيخ: لا، لكن كل يوم يعتبر عبادة واحدة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى عنده علم الغيب؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ في المستقبل. * ومن فوائد الآية: رأفة الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ حيث أضافهم إلى نفسه تشريفًا وتعطفًا عليهم. * ومن فوائد الآية: إثبات قرب الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، والضمائر كلها تعود إلى الله: ﴿إِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ست ضمائر كلها تعود إلى الله عز وجل، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: قربه سبحانه وتعالى. هل قرب الله تعالى عام أو خاص؟ تقدم لنا الكلام في هذه المسألة، وبيَّنا أن قرب الله تعالى لا يكون إلا خاصًّا، وأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦] المراد: بملائكتنا، وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥]، المراد أيضًا: بملائكتنا. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يرد القرب عامًّا كما ورد في المعية، المعية وردت عامة وخاصة، وأما القرب فذكره شيخ الإسلام أنه لم يرد إلا خاصًّا، خاصًّا بمن يدعوه أو بمن يعبده، فمن يدعوه كما في هذه الآية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ»[[سبق تخريجه.]] وأما قربه من العابد فمثل قوله ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأن هذا عبادة، وسبق لنا أيضًا أن قربه من عباده لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، المخلوق لا يكون قريبًا مع بعده، لكن الخالق يكون قريبًا مع بعده، وعلى هذا فلا تدل هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى ليس في العلو؛ لأنه لا تناقض بينهما في حق الخالق. * طالب: المعية (...) أخص من القرب أو القرب أخص (...)؟ * الشيخ: لا، الظاهر أن القرب أخص، أخص منها؛ ولهذا ما جاء عامًّا بخلاف المعية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أُجِيبُ﴾؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يسمع ما دعا به. * ومنها: قدرة الله، إثبات القدرة؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة. * ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصًا مشعرًا نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعرًا نفسه بكرم الله وجوده، من أين تؤخذ؟ من أين تؤخذ هذه الفائدة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: من قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، أو لا؟ نبغي الكلمة المعينة الخاصة؟ * طالب: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾. * الشيخ: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؛ لأن نحن نبهنا على هذا في التفسير، فإذن يشترط لإجابة الدعوة أيش؟ أن يكون صادقًا في دعوته، بحيث يكون مخلصًا لله، وأن يكون عنده شعور بافتقاره إلى الله عز وجل؛ لأن الإنسان ما يدعو إلا وهو يشعر بالافتقار، وأن يكون لديه شعور بأيش؟ بغنى الله عز وجل وإجابته؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنابة إلى الله عز وجل والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما، فمن تعبد لله وهو ضعيف الإيمان، يعني: بأن يكون عنده تردد -والعياذ بالله- أو شك، فإنه لا ينفعه، أو يكون عنده أيضًا إنكار كما يفعل المنافقون فإنهم يتعبدون لله عز وجل ظاهرًا لكنهم ما عندهم إيمان فلا ينفعهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب والعلل. الجهمية جبرية، وعلى الأشاعرة أيضًا، يعني سبق لنا أن الأشاعرة ما يثبتون الأسباب إلا أسبابًا صورية، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها، لكن يكون الفعل عندها. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧] إلى آخره. إذا عرفنا سبب النزول استفدنا من هذه الآية الكريمة، استفدنا رحمة الله تعالى بعباده، كيف ذلك؟ * طالب: بالنسخ، يعني نسخ الحكم الأول. * الشيخ: بالنسخ، الحكم الأول بالتخفيف، حيث كانوا بالأول إذا ناموا أو صلوا العشاء حرمت عليهم النساء والطعام والشراب. * ويستفاد من هذه الآية: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه، من أين يؤخذ؟ * طالب: من ﴿الرَّفَثُ﴾. * الشيخ: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾؛ لأنه متضمن لمعنى الإفضاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. وقد سئلت عدة مرات عن الإنسان يعقد على امرأة ولكن يكون الدخول بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة فهل يجوز أن يستمتع بها ولّا ما يجوز؟ * طلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز، لكن عند الناس، يعني بعض الناس الجهال أنه ما يجوز حتى يعلن النكاح، حتى يعلن، يكون ليلة الزواج، لكن هنا شيء يخشى منه، وهو أنه ربما يحصل حمل، وإذا حصل حمل، ولا سيما إن تأخر الدخول، ربما يحصل في ذلك ريبة، فإذا خشي الإنسان من هذا الأمر فالحمد لله يملك نفسه، يستمتع بدون الجماع؛ لئلا يحصل ريبة عند العامة، وأما طلبة العلم ما يحصل عندهم ريبة؛ لأن الإنسان بمجرد العقد تكون المرأة فراشًا له ويلحقه الولد على المذهب، حتى وإن لم يجتمع بها، مع إمكان الاجتماع، لا ما علمنا أنه اجتمع، فالولد ولده وهذا أظن مرت علينا: بماذا تكون المرأة فراشًا. فالمسألة ما فيها إشكال عند طلبة العلم، لكن عند العامة فيها إشكال، لكنه من الناحية الشرعية لا بأس تكون امرأته من يوم يعقد عليها. * طالب: بناء على وجوب إعلان النكاح. * الشيخ: لا، ما هم يقصدون هذا، لكن يقصدون العادة فقط وإلا ما يعرفون وجوب النكاح ولا عدم وجوب النكاح. * طالب: (...) الحياء عند المرأة؟ * الشيخ: لا لا، الحياء من النساء اليوم بدأ يخف. * طالب: ما عاد لوم على العوام في هذا، من باب (...) الحياء وكذا. * الشيخ: لكن الآن راح.. * طالب: بالنسبة للمهر ياشيخ، ما دفع المهر، عندهم.. * الشيخ: لا، المهر عندنا يدفع قبل العقد، في عرفنا عندنا هنا يدفع قبل العقد. * طالب: ما أخذوا المهر، فيه ناس عقدوا وما أخذوا المهر. * الشيخ: يمكن يمكن يوجد ناس.. * طالب: يرفضون. * الشيخ: ما هو بلازم. * طالب: لكن ما فيه شيء يعني لو خلى المهر عند الزواج.. عند يعني. * الشيخ: الدخول. * الطالب: الدخول. * الشيخ: إي ما فيه شيء. * الطالب: لو دخل.. * الشيخ: مر علينا في الصداق أنه يجوز تأجيله أو تأجيل بعضه. * طالب: (...). * الشيخ: هي عادة الناس. * طالب: مكتوب في العقد. * الشيخ: ما فيه شيء. * طالب: (...) لو قدم المهر كعادتنا نحن هل يكون مسمى. * الشيخ: لا ما يصح (...). * الطالب: سلم هذا. * الشيخ: إي ولو سلمناه لأنه ما بيسمى عند القعد، عندنا ما يسمى عند العقد. * طالب: يعني لو مات مثلا أو طلقها هل يتأثر؟ * الشيخ: لو طلقها قبل الدخول؟ * طالب: نعم، إذا سلم (...). * الشيخ: ولو سلمها. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (...) لأنه معلوم بينهم. * من فوائد الآية الكريمة هذا المعنى الذي يستفاد من قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وهو أن المرأة ستر لعورة الرجل كما أن الرجل ستر لعورة المرأة. * ثانيًا: أن بينهما من القرب كما بين الثياب ولابسيها ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. فيها أيضًا من التحصين للفروج (...). * وفيها يستفاد من قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ إثبات العلة في الأحكام؛ لأن الجملة هذه للتعليل، تعليل التحليل. * ويستفاد من الآية الكريمة: علم الله عز وجل، يستفاد منها ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه، وذلك إذا أوقعها في معاصي الله فإن هذا خيانة، وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده. * وهذه فائدة تتفرع على قوله: ﴿أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أن نفس الإنسان عنده أمانة يجب عليه رعايتها، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] فالإنسان كما يظلم غيره يظلم نفسه أيضًا. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: ثبوت التوبة من الله؛ وصف الله بالتوبة، لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ وهل هي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ * طالب: الفعلية * الشيخ: الفعلية نعم. * طالب: نقول في صفته: التوبة، ولّا الصحيح تواب؟ * الشيخ: لا، التوبة، من صفاته التوبة واسمه التواب. * ومن فوائد الآية: إثبات عفو الله؛ لقوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز النسخ، أو ثبوت النسخ؛ خلافًا لمن أنكره، وهو في هذه الآية صريح، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَالْآنَ﴾، ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني وقبل الآن ما هو بحلال. ومن فوائده: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ لكن هذا الإطلاق مقيد في حالات ومقيد في أمكنة، فهو مقيد في حالات في حال الحيض ما يمكن تجامعها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ومقيد أيضًا في حال الدبر، في مكان الدبر، فإنه لا يحل للإنسان أن يطأ امرأة في دبرها. وقد ذُكر عن الإمام الشافعي رحمه الله مناظرة كنت أستغرب يعني أن تقع منه في محاورة جواز وطء المرأة في دبرها، ولكن مر علي أن هذه لا تصح عن الشافعي، وأن الشافعي نص على تحريم الوطء في الدبر، وهذا هو الأليق به، ولا شك أن تحريم الوطء في الدبر أنه وإن كانت الأحاديث التي وردت فيه يعني فيها شيء وفيها مقال، لكن مجموعها يقتضي على الأقل أن تكون حسنة، يحتج بها، ثم إننا إذا تأملنا قوله تعالى: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾، ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ وجدنا أن الأذى والخبث في الدبر أشد وأعظم، فتكون الآية دالة بإيمائها على تحريم الوطء في الدبر، على أن قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣] يدل على أن محل الاستمتاع أنه محل الحرث، وهو الفرج، أما الدبر فلا. لكن مع ذلك يجوز للإنسان أن يستمتع بزوجته بغير الحرث كما لو استمتع بين الفخذين، هذا لا بأس به. * طالب: مثلًا باشر (...). * الشيخ: أيهم. * الطالب: الاستمتاع. * الشيخ: بين الفخذين؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم مباشرة، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يأمُرُني فأَتّزِرُ فيباشرُني وأنا حائض[[أخرجه البخاري (٣٠٠).]] ». * طالب: قلنا: ما دام إنها حائض ما تجوز مباشرتها. * الشيخ: المباشرة المراد الجماع. إذن قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ هذا الفعل المطلق مقيد ولّا لا؟ مقيد بما ثبت الشرع بمنعه في حال أو مكان. * طالب: هل صحيح ما نسب إلى ابن عمر وآخرين أنهم يجيزوا هذا الإتيان؟ * الشيخ: والله ما أدري هل يصح عنهم أو ما يصح، ما أظنه يصح، بعيد هذا. * الطالب: ذكرها الشيخين (...) البخاري مثلًا إذا كان يجيز هذا الشيء. * الشيخ: حققها لنا، وهي عليك إن شاء الله. * طالب: إي، يعني من الدبر في القبل في بعض الأحاديث؟ * الشيخ: إي، ها هدي، هي هكذا هي السنة، من دبرها في قبلها، هذا جائز، يعني يمكن يحمل على هذا، إن فيه شبهة والله نشوف صحته عنهم. * ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصدًا بوطئه طلب الولد؛ لقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. «وذكروا عن عمر رضي الله عنه أنه لا يجامعُ إلا إذا اشتهى الولدَ[[أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٤٧٩)، وابن أبي الدنيا في العيال (٣٩٠) وفيه: فلولا الوَلَدُ ما أَردتُهُن من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] »، ولكن مع ذلك ما يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة، هذا ليس فيه منع. * ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يلهو بالمتعة عن عمل الطاعة، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]. * الشيخ: على أحد التفسيرين، حيث فسر «بأن المراد ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ من طلب ليلة القدر والقيام[[ينظر ما أخرجه الطبري في التفسير (٣ / ٢٤٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٦٨٣) (١ / ٣١٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] ». * طالب: هل يصح عن عمر (...). * الشيخ: يمكن يكون، يمكن يصح. * ومنها، من فوائد الآية: جواز الأكل والشرب في ليالي الصيام؛ لقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السَّحور، أو السُّحور بالضم، فما رأيكم؟ * طالب: ما (...) عين الآية. * الشيخ: من هذه الآية فيه، ما فيه؟ * طالب: لأن اللام للتوكيد؟ * الشيخ: ما فيه لام. * طالب: حتى للغاية. * الشيخ: للغاية. * طالب: (...). * الشيخ: هذه بعض العلماء استنبط من هذا وعندي هذا الاستنباط له غور، ويش وجهه؟ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقًا بالمكلف، أليس كذلك؟ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به، موافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ما يحتاج إلى توقف، كلما تأخرت بالأكل إلى عند طلوع الفجر صار أرفق لك، ولّا لا؟ قالوا: فما دام نص التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق. وهذا استنباط جيد تعضده أيضًا الأحاديث، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُور» أو: «فِي السُّحُورِ»[[أخرجه البخاري (٣٠٠) من حديث عائشة.]]؟ بالضم الفعل، وبالفتح ما يؤكل، يجوز الوجهان، السَّحور فيه بركة، ولهذا طعام واحد يغني الإنسان عن طعامين في النهار، شراب واحد يغنيه عن كم؟ عن ست شرابات، الواحد إذا أفطر في أيام الصيف يمكن يشرب في النهار ست مرات. * طالب: (...) إذا كان سهران مثلًا، يكون تأخر بالنوم يكون تسحر في أول الليل أو في (...) الليل وينام هذا أرفق به؟ * الشيخ: لا لا، ما هو أرفق به من جهة الاستعانة على الصيام أبدًا ولا أرفق، أرفق من جهة القيام، أي راحة البدن، هذا خارج (...) لكن من حيث الصيام لا شك أن هذا أعون على الصيام. على كل حال الآن هذا الاستنباط أنا عرضته عليكم لأجل أن نعرف أن بعض العلماء رحمهم الله لهم غور في استنباط المسائل، فبادئ الأمر تقول: ما قال: كلوا واشربوا في وقت السحر. * طالب: يا شيخ، فين نأخذ (...) الإباحة، لأنه كان منهي عنه وأباحه؟ * الشيخ: كيف الإباحة لأي شيء، لأي شيء أبيح؟ * الطالب: هذا خير ليحصل.. * الشيخ: لا لا، أبيح للتيسير، والله يحب اليسر، كما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥] * الطالب: فكيف نقول: إن العلماء يأخذون استحباب.. * الشيخ: هذا السبب، قلنا: استحبابه؛ لأنه إنما أبيح من أجل التيسير على المكلف -بارك الله فيك- لكن ما دام أنه من أجل التيسير، والتيسير في حقه أن يأكل قرب طلوع الفجر يكون مستحبًا. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر أو لا؟ زين، ولّا لا، ولّا إلى أذان الفجر؟ * طلبة: إلى طلوع الفجر. * الشيخ: إلى طلوع الفجر؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ حتى يتبين. * طالب: (...) أذن يا شيخ (...) طلع. * الشيخ: لا (...) قبل الفجر، وبعضهم يتأخر بعد الفجر، ولهذا نعلق الحكم بتبين الفجر لا بأذان الفجر، إلا من علم أنه يؤذن على الوقت، فكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٩) واللفظ له، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦) من حديث عائشة.]]. * طالب: أنت تعرف المكلف مثلًا ما يعرف يعني ما يستطيع إنه.. * الشيخ: إي نعم يعرفون هذا بأن يسألوا المؤذن، إذا كان المؤذن ممن عرف بالتحري والدقة اتبعوه. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مسألة اختلف فيها أهل العلم وهي: لو أنه طلع الفجر وهو يجامع زوجته، إن بقي حرم عليه، وإن قام لزمته الكفارة، يكفر، فما رأيكم المذهب عندنا مذهب الحنابلة أنه لو طلع الإنسان الفجر وهو يجامع ثم نزع لزمته الكفارة؛ أن يصوم شهرين متتابعين، يعني يعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، فما رأيكم بهذا الرأي هل تؤيده الآية الكريمة، أو أنها تضعفه؟ * طالب: تضعفه. * الشيخ: الآية تضعفه لا شك، الآية تضعفه؛ لأن الله أباح لنا ذلك إلى متى؟ * طلبة: حتى يتبين. * الشيخ: حتى يتبين لنا، حتى يتبين، فإذا جامع الإنسان زوجته وهو لم يرَ الفجر فإنه قد فعل مأذونًا فيه، ومن فعل مأذونًا فيه لا يمكن أن يعاقب. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الصيام مع الجنابة، أي جواز أن يصبح الصائم جنبًا، أنه يجوز أن يصبح الصائم جنبًا. من أين تؤخذ؟ إباحة الجماع حتى يتبين، يعني معناه أنه لك أن تجامع إلى أدنى وقت، من لازم ذلك أنك تصبح وأنت على جنابة ولّا لا؟ إي نعم، وقد ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه «كان يُصبح جُنُبًا من جماع أهله وهو صائم»[[أخرجه مسلم (١١٠٩ / ٧٥) من حديث عائشة وأم سلمة. ]]، واضح؟ * طالب: نقول: إنه من أصبح جنبًا فلا شيء عليه فما دليل جوازه؟ * الشيخ: لا، نقول: جواز؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا أصبح جنبًا فإنه يبطل صومه. * من فوائد الآية: جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر، جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر، إذا قال: والله أنا الآن أنا أشك ما أدري والله هذا اللي نشوفه هو الفجر ولّا لا، عندي شك. نقول: تأكل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وكذلك رد من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس (...). * طالب: من قال هذا؟ * الشيخ: ذكروا هذا. * طالب: يا شيخ ثبت في حديث عن النبي (...). * الشيخ: هذا ضعيف (...). * الطالب: حسن. * الشيخ: في القراءة صحيح ولكن في (...) ضعيف. * الطالب: حسن (...). * الشيخ: ما يصح أبدا، كل شيء يخالف القرآن ليس بصحيح أبدا. بقينا في لو أذن المؤذن الذي يؤذن على الفجر وفي يده الإناء يشرب، هل يجب عليه أن ينزل الإناء ويمسك أو له أن يقضي نهمته منه؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: لا ما يجوز على مذهب الإمام أحمد، على مذهب الإمام أحمد ما يجوز، يجب لو كان في فمه ماء لفظه. * الطالب: (...) إذا تبين تركه. * الشيخ: وكذلك الطعام وهذا هو ظاهر القرآن، لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر «بأنه إذا أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه[[أخرجه أبو داود (٢٣٥٠) من حديث أبي هريرة. ]] »، فإن كان هذا الحديث صحيحا فإنه يحمل على أن المؤذن لا يؤذن حتى.. يعني معناه أنه قد يحتاط، يعني ما يدع الأذان إلا أن يطلع الفجر، يكون هذا لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيرا فسومح الإنسان، وإلا فإنه يخالف الأحاديث الصحيحة والقرآن أيضًا، فإن القرآن يقول الله فيه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ والرسول ﷺ يقول: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٩) واللفظ له، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦) من حديث عائشة.]]. * طالب: من يفعل من العوام (...) الفجر (...) قبل الفجر (...) ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾؟ * الشيخ: لا، هذا تلاعب (...) التبين، لا هذا تلاعب، كذلك ما روى عن بعض العامة يروون عن الرسول ﷺ أنه كان يستتر بناقته عن الفجر، هذا كذب تلاعب. * طالب: قول الحنابلة بأنه إذا أذن الفجر وهو يجامع فإذا نزع فعليه الكفارة مفرع على أي شيء؟ * الشيخ: مفرع على أن النزع جماع، يرون النزع جماعا، كابتداء الجماع وهذا ليس بصحيح هذا (...) ليفعل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أرى أنه بالنسبة للمؤذنين الآن ما يمكن يؤذنون بالدقة الحقيقة، ما يؤذنون بالدقة، لكننا ما نفتي به نخشى من التلاعب، ما نفتي به. * طالب: يتقدم (...). * الشيخ: والله غالبهم يتقدم. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في حال الصوم، بمعنى أن بعض الناس الآن ولا سيما الجهال يقولون: نؤذن قبل الفجر احتياطا، علشان الناس يمسكون، نقول: هذا الاحتياط في غير محله؛ لأن الاحتياط الحقيقي هو اتباع الشرع، عرفتم؟ نعم لو تعارضت الأدلة لكن هنا الأدلة واضحة، حتى في الآية: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، ما فيه احتياط، فالاحتياط للزوم الشرع أن تأكل وتشرب حتى يتبين، وأنتم أيضًا إذا احتطتم من ناحية الصيام فرطتم من ناحية ما هو أهم من الصيام، وهو الصلاة؛ لأن بعض الناس إذا سمع المؤذن أذان الفجر تعالوا نصلي على طول، فحينئذ نكون غررنا الناس في مسألة الصلاة وهي أهم. * طالب: الفائدة (...) * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الآخرة. * الشيخ: الأخيرة؟ أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في أيام الصيام بتقديمه على الفجر. * طالب: (...) خمس دقائق. * الشيخ: من؟ * الطالب: (...) شخص (...) الوقت (...). * الشيخ: لا، لا تحتاط؛ لأنك إذا احتطت منعت عباد الله مما أحل الله لهم. * الطالب: (...). * الشيخ: والله ما أدري، أنا أرى أن الاحتياط باتباع الشرع، لا تشدد على نفسك. * طالب: حتى يتبين. * الشيخ: حتى يتبين. * طالب: طب إذا كنت في مكان وعلمت أن الناس يتبعون الفجر الكاذب ليس الفجر الصادق، بعض الناس يؤذنون على الفجر الكاذب. * الشيخ: لا أدراك بهم، لا تعتد بهم. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لو أكل الإنسان على أنه لم يتبين له الفجر ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فإنه لا قضاء عليه. * طالب: يعني يقول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ فإذن أكله مأذون فيه ولّا لا؟ مأذون فيه، وما كان مأذونا فيه فإنه لا يُرتب عليه إثم ولا ضمان ولا شيء. وقد مر علينا في قواعد الفقه: ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون. إذن نقول: من أكل وهو لم يتبين له طلوع الفجر، ثم تبين بعد أنه بعد طلوع الفجر فلا قضاء عليه. وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، ويؤيده أيضًا نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها، ورفع لعدي بن حاتم رضي الله عنه، حيث كان يضع عنده عقالين، أحدهما أسود والثاني أبيض، ويأكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فأخبر بذلك النبي ﷺ ولم يأمره بالقضاء[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠ / ٣٣) من حديث عدي بن حاتم، ولفظه: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ، فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ. قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذَنْ لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ».]]. فعندنا أدلة خاصة وأدلة عامة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا أكل ثم تبين أن الفجر قد طلع فإنه يلزمه القضاء، يلزمه القضاء؛ لأنه أكل بعد أن طلع الفجر، ولكن هذا القول ضعيف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. خدتوا بالكم يا إخواني في المسألة، في الجملة التي قبلها نسينا فائدة وهي: الإيماء إلى كراهة الوصال، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعا، ما يفطر بينهما، وقد كان الوصال مباحا، ثم نهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عنه وقال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ»[[أخرجه البخاري (١٩٦٣) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فقط، مع أنه يرغب في تعجيل الفطر. وهذا من المسائل التي كنت نبهت عليها سابقا، بأن الشيء قد يكون مأذونا فيه وليس بمشروع، أو لا؟ فالوصال إلى السحر مأذون فيه، لكنه ليس بمشروع، ومر علينا مثال آخر مثل؟ * طالب: هي التعبد للميت. * الشيخ: إي، مثل الصدقة على الميت، مأذون فيه وليس بمشروع، ومثل؟ * طالب: ختم الصلاة. * طالب: ختم الصلاة بقراءة سورة الإخلاص. * الشيخ: قراءة سورة الإخلاص ختم الصلاة بها فهذا جائز وليس بمشروع. * من فوائد الآية قلنا: إن الصيام الشرعي ينتهي. * طالب: بغروب الشمس. * الشيخ: بغروب الشمس.. لا بالليل؛ لأنه قال: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾، كلمة ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ الآن نشوف نبحثها، هل المراد إلى أن يكسو الليل الأرض، أو المراد ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى أن يتبين الليل؟ أو أن المراد شيء آخر وراء ذلك؟ نقول: لا شك أن أصح التفسير بعد تفسير الله عز وجل تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت عنه أنه قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ- وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠ / ٥١) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، هذا الحديث حكم فاصل يبين هذا المجمل من قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ولذلك ذهبت الرافضة إلى أن الفطر ما يكون حتى يكسو الليل الأرض، ولهذا ما يفطرون إلا إذا بانت النجوم؛ تمسكا بظاهر الآية، ولكن يقال: إن الرسول ﷺ بينها وهو المبين للقرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، ما من أحد من البشر يُرجع إلى تفسيره ويجب الرجوع إليه مثلما يجب الرجوع إلى تفسير الرسول ﷺ. فإذن إن علقنا الحكم بإقبال الليل المجرد ما صح، (...) ما يصح. * طالب: (...). * الشيخ: أقول: (...) ما يصح؟ * طالب: لأنه قال: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾. * الشيخ: إي طيب أقبل لأن نشوفه أسود. نقول: لأن ابتداء الليل -حسب ما نرى ونشاهد الآن- ابتداء الليل يكون والشمس ما غربت، أو لا؟ ما عمركم تشوفوه؟ الآن شوف الجو من المشرق بدأ به، بدأ فيه الظلام والشمس ما غربت. كوننا نقول: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى امتداد الليل إلى آخر الأفق، هذا أيضًا لا يصح، ليس مرادا من الآية، المراد من الآية ما بينه الرسول ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ»، لو قال قائل: إذا غربت الشمس قبل أن يقبل الليل؟ * طلبة: ما يمكن. * الشيخ: نقول: هذا ما يمكن إلا على رأي شيخ أبي حنيفة، نعم يقولون: إن أبا حنيفة.. وإن كان أنا والله أنا ما ودي أجيب الأشياء التي يكون فيها ضحك في قراءة القرآن أو تفسير القرآن أو إعراب القرآن، لكن يقولون: إن أبا حنيفة جالس مع أصحابه فجاء رجل ذو هيئة، وكان قد مد رجله مع إخوانه وأصحابه، فجاء هذا الرجل فعظمه أبو حنيفة، وكف رجله وجعل يحدث أصحابه، كان يحدثهم أظن في أوقات النهي، وقال: أوقات النهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، المهم قال له: يا سيدي أرأيت لو طلعت الشمس قبل أن يطلع الفجر، قال: (...)، المهم لا يمكن أن تغرب الشمس قبل أن يتبين الليل هذا شيء من المستحيل، في أفق (...). * من فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف. * ومنها: أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧]. لو قال قائل: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ يدل على أن هناك اعتكافا في غيرها فما الجواب؟ الجواب: أنه لما جعل للاعتكاف في المساجد حكما، دل هذا على أنه لو كان الاعتكاف في غيرها مشروعا لكان الحكم عاما، وأيضًا فإن الله يقول في آية أخرى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة ١٢٥]. * ومن فوائد الآية: أن الجماع مفسد للاعتكاف، نحن ذكرنا النهي عن المباشرة؟ ما ذكرناه؟ طيب إذن خلِّ قبله: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف؛ أن مباشرة النساء مبطلة للاعتكاف، أو أن الاعتكاف يبطل بذلك، ما وجهه؟ ما وجه كونه مبطلا؟ * طالب: النهي. * الشيخ: النهي؛ لأنه نهي عنه بخصوصه، والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها، وذكرنا أثناء التفسير أن بعض العلماء استنبط منها أن الاعتكاف إنما يكون في الصيام وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكرها عقب آية الصيام. * ومن فوائدها: ما استنبطه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف يكون في آخر شهر رمضان. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة ١٨٧]. * طالب: إذا اعتكف في الأوسط. * الشيخ: كله ينتظر ليلة القدر، حتى قيل له: إنه في العشر الأواخر، فاستقر على ذلك في العشر الأواخر. * طالب: اعتكف مرة في العشر الأولى من شوال؟ * الشيخ: قضاء، هذه اعتكفها قضاء؛ لأنه لما خرج في صباح يوم اعتكافه وجد أن نساءه ضربن أخبية فقال «آلْبِرَّ يُرِدْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٤١)، ومسلم (١١٧٣ / ٦) واللفظ له، من حديث عائشة.]] ثم أمر عليه الصلاة والسلام بنقض هذه الأخبية وترك الاعتكاف هذا العام، ثم قضاه في شوال. * طالب: (...) خلاف ما اشترطه بعض العلماء أن يكون جامع، أطلق.. * الشيخ: نعم نعم، إنه ما يشترط أن يكون جامع نعم. * طالب: ولو كان يصلى فيه بعض الصلوات. * الشيخ: لا، لا بد أن يصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأجل ألا يخرج ولا يتكرر خروجه؛ لأنه إما أن يدع الجماعة وهذا حرام وإما أن يكثر الخروج وهو في الحقيقة كأنه غير معتكف. * طالب: شيخ، الاعتكاف بغير رمضان؟ * الشيخ: أما إنا قلنا: إنه جائز وليس بمشروع، جائز وليس بمشروع. * طالب: بعض المساجد لا يصلى فيها الصلوات الخمس أصلا (...). * الشيخ: حديث عمر يوم أو ليلة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٢) وفيه لفظ: ليلة، ومسلم (١٦٥٦ / ٢٨) وفيه لفظ: يوم، من حديث ابن عمر.]]. * طالب: كونه في العشر الأواخر ما وجهه من الآية (...). * الشيخ: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٧] * من فوائد الآية الكريمة: أن أوامر الله تعالى حدود له، وكذلك نواهيه، الدليل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، لكن إن كان حدا عن الخروج فهي أوامر، وإن كان حدا عن الفعل فهي النواهي، ولهذا يقال في النواهي: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وفي الأوامر: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة ٢٢٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي البعد عن المحارم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يبين للناس الآيات الكونية والشرعية؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله وصفاته، ما وجه ذلك؟ لأنهم مثلا إذا قالوا: المراد باليد النعمة أو القوة، والمراد بالاستواء الاستيلاء، والمراد بكذا كذا، وهو خلاف ظاهر اللفظ ولا دليل عليه، صار القرآن بيانا للناس ولّا غير بيان؟ غير بيان؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان. فيستفاد من الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل وغيرهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون: إن الله أراد بكذا كذا بدون دليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم سبب للتقوى، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * الشيخ: ما وجهه؟ لأنه أعقبه، يعني جعله عقب قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾، فدل هذا على أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. فكلما ازداد الإنسان علما بآيات الله ازداد تقى، ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو مرتبة التقوى، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، فلولا أن التقوى مرتبة عالية تبيَّن من أجلها الآيات للوصول إليها، ما بين الله الآيات لأجلها، ولأجل أن يتقي الناس ربهم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة ١٨٨]. أولا: ارتباط هذه الآية بالتي قبلها ظاهر جدا؛ لأنه لما ذكر المحرمات بسبب الصيام ذكر المحرمات بسبب القضاء، المحرمات بسبب الصيام تقدم لنا الأكل والشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أعقب ذلك بالنهي عن أكل المال مطلقا بسبب القضاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أكل المال بالباطل. ما معنى الباطل؟ الباطل كل شيء ليس لك فيه حق شرعا فهو باطل، كل ما لا حق لك فيه شرعا فهو باطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. ومن فوائدها أيضًا: تحريم الرشوة، على أحد التفسيرين كما سبق؛ لقوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ تدلوا بالأموال للحكام يعني: تعطونهم من أموالكم ليحكموا لكم بالباطل. * ومن فوائدها: أن الحاكم يحكم بما ظهر، يعني يقضي بما سمع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]] من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ وهذه فيمن يدعي ما ليس له ويخاصم ويقيم بينة كذبا، أو يجحد ما عليه ويخاصم ويحلف كاذبا، كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تيسير الله سبحانه وتعالى على الحكام بين الناس حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة، ولّا لا؟ تيسير الله تعالى على الحكام حيث لا يؤثّمهم في الأمور الباطنة، ولا يلحقهم إثم بها، وإلا لكان الناس في حرج ومشقة. * طالب: وجه ذلك؟ * الشيخ: وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له وإن كان خلاف الواقع فلا إثم عليه؛ لأنه إذا كان هؤلاء يدعون ما ليس لهم ويدلون بها إلى الحكام وحكموا بها فالإثم على المحكوم له. * الطالب: يعني تؤخذ من ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ أيضًا؟ * الشيخ: تؤخذ من: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ ومما بعدها: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ فجعل الإثم على الآكل لا على القاضي. * طالب: والرشوة يا شيخ؟ * الشيخ: والرشوة محرمة. * الطالب: لكن لو صار القاضي يأخذ الرشوة؟ * الشيخ: فهو آثم، ما هي مسألتنا؛ لأن الآية فيها قولين، وهي تشملهم كلهم، فإن كان القاضي يأخذ الرشوة فهو حرام عليه، وأما إذا كان ما يأخذ الرشوة ولكنه حوكم الخصم عند القاضي لأجل أن ينكر فالقاضي ما عليه شيء. * طالب: ما يؤيد أنها غير الرشوة؟ يعني قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ لو كان الرشوة يمكن يصير على الحكام؟ * الشيخ: لا، حتى الإدلاء بها، أي بالرشوة بالأموال إلى الحكام، الإدلاء بها إلى الحكام لا شك أنه ظاهر بالرشوة، أدلى بها إلى الحكام؛ لأنه مأخوذ من أدلى دلوه، أدلى بدلوه إلى البئر معناه أنزله فيها، كذلك ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ يعني تدلوا (...). لا إثم بدون علم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فلو فرض أن الإنسان لا يعلم فإنه لا إثم عليه، مثل لو فرض أن غريمه أوفاه ولكن هو ناسٍ، وحلف أنه ما أوفاه، وحُكم له، فلا إثم عليه، لكن متى ذكر أنه قد أُوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه (...). وهو القمر أول ما يكون شهرا، وسمي هلالا لظهوره، ومنه الاستهلال والإهلال، وهو رفع الصوت كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ»[[أخرجه أبو داود (١٨١٤)، وابن ماجه (٢٩٢٢) من حديث السائب بن خلاد.]]، يعني بالتلبية. ومنه قولهم: استهل المولود، إذا صرخ بعد وضعه، ولهذا سمي الهلال هلالا لظهوره، والهلال هو القمر إذا ظهر أول ليلة.

البقرة 2:187

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] الخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ يعود إلى من؟ * طالب: إلى الرسول. * الشيخ: إلى الرسول ﷺ؛ لأنه هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى في إبلاغ الوحي، وليس عائدًا إلى كل أحد، ما هو عائد إلى كل أحد، وقد سبق لنا أن الخطاب الموجه من الله عز وجل قد يكون خاصًّا بالرسول، وقد يكون عامًّا له وللأمة حسب السياق. ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ (عباد) مضاف، والياء مضاف إليه، والمراد بالعباد هنا: العباد المؤمنون، بدليل قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، والكفار ما يدعون الله يدعون معه غيره. وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ عن أي شيء؟ عن ذات الله، عن صفاته، عن قربه، عن كرمه؟ الجواب هو الذي يحدد معنى السؤال، الجواب هو الذي يحدد معناه، نشوف الجواب: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ إذن هم يسألون عن أيش؟ عن القرب والإجابة؛ لأن كلمة: ﴿عَنِّي﴾ تحتمل معاني كثيرة لكن يحددها الجواب، وكما يقال: إن الجواب على قدر السؤال. ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ هل هذا يدل على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنه على تقدير هذا الأمر وفرضه؟ عندنا ثلاثة أشياء: هل تدل الآية على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنهم إن سألوك فقل كذا؟ * طالب: الثالث. * طالب آخر: الثاني والثالث. * طالب آخر: تشمل الجميع. * الشيخ: الثالث، الثاني والثالث، لكن أنا ذكرت لكم هذه الاحتمالات الثلاث؛ لأنه ذكر في هذا الموضع حديث:« أن الصحابة قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ »[[أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٢٢)، من حديث عيينة بن أبي عمران مرسلًا.]]، وهذا الحديث تكلم فيه العلماء وضعفوه، ولكن بعضهم يذكره محتجًّا به، وممن يذكره محتجًّا به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإذا ذكره في هذا الموضع محتجًّا به دل هذا على أنه عنده حجة، وأقل أحواله أن يكون حسنًا، لكن كثير من المحدثين ضعفوا هذا الحديث، وسياق الآية لا يدل على أنه سببها؛ لأنه لو كان سبب نزول الآية هذا القول لقال كما يعبر في آيات كثيرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٢٢٠]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة ٤] وما أشبه ذلك، فيأتي بصيغة المضارع الدالة على الوقوع، لا بصيغة الماضي المعلق بالشرط فإن الماضي المعلق بالشرط يدل على عدم وقوع ذلك الشيء. لكن هل يدل على أنه سيقع، أو على فرض أن يقع؟ قال علماء البلاغة: إن (إذا) و(إن) كلاهما شرطيتان، لكن (إن) لا تدل على الوقوع، قد تعلق بأمر ممتنع غاية الامتناع، بخلاف (إذا) فإنها تدل على الوقوع. مثال ذلك: قلت لك: إذا جاء زيد فأكرمه، وأيش معنى هذا؟ أنه يبغي يجي وليكن إكرامك إياه عند مجيئه، فإذا قلت: إن جاء زيد فأكرمه، هذا يدل على أنه قد يأتي وقد لا يأتي. فهذه الآية: ﴿إِذَا سَأَلَكَ﴾ ظاهرها أن السؤال منهم متوقع، وعلى هذا فيكون الله عز وجل أفتاه بأمر قد يكون، وهو للكون أقرب، أما (إن) فقلت لكم: إنها لا تدل على وقوع الشيء بل إنها قد تدخل على الشيء الممتنع غاية الامتناع، كقوله تعالى عن نفسه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هذا الشرط ممكن؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: غير ممكن، وقوله عن الرسول ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] يمكن، يمكن هذا؟ ما يمكن، إي نعم. وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء ١٢] (إن) هذه دالة على شيء لا يمكن وقوعه، بل يمكن وقوعه.. إن هذا السؤال عن أيش؟ عن قربه وإجابته ﴿عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. من يسأل؟ * طالب: (إنْ) إذا قلنا: إنها بعيدة الوقوع (...)؟ * الشيخ: لا، قد تدخل ما هي مستحيلة ولا بعيدة، لكن الفرق أن (إذا) تدل على أن الأمر سيقع بخلاف (إنْ). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هو لا بد يكون له ولد؟ ما هو لا بد يكون. * الطالب: قد يكون. * الشيخ: قد يكون وقد لا يكون، لكن (إذا) تدل على أن هذا الشيء سيكون. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ شوف ﴿سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ الياء تعود على الله، ﴿عَنِّي﴾ على الله، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ما قال: فقل: إني قريب، فبعضهم قال: إنه على تقدير (قل)، إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب، فيكون الجواب محذوف، جواب (إذا)، و﴿إِنِّي قَرِيبٌ﴾ مقول هذا المحذوف، معموله، يعني: مقول القول، فقل: إني قريب، ولكن الصحيح أنها لا تحتاج إلى تقدير؛ لوجهين: الأول: أن الأصل عدمه، وما دام الكلام يستقيم بدون التقدير فهو أولى. ثانيًا: أن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ كأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى السؤال، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ﴿إِذَا سَأَلَكَ﴾ ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، فهذا أبلغ من قوله: فقل: إني قريب. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الياء نقول: إنها تعود إلى الله عز وجل، فأخبر الله أنه قريب هو بنفسه ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؛ لأن الضمير يعود على الله عز وجل، ولكن ما معنى القرب الذي أثبته الله لنفسه؟ هل المراد أنه حال في المكان؟ ويش الجواب؟ لا، هذا شيء مستحيل، ولا يمكن أن تنزل الآية على شيء مستحيل، ولكنها تنزل على معنى يليق به سبحانه وتعالى، وهو كما قال شيخ الإسلام: قريب مع علوه، مع علوه على عرشه؛ لأنه محيط بكل شيء، والمحيط بكل شيء هو قريب وإن كان بعيدًا في علوه سبحانه وتعالى. وهذا القرب لا يستلزم النقص، بل هو دليل على الكمال، ووجه ذلك: أنه إذا كان فوق السماوات العلا مستويًا على عرشه وهو قريب ويش يدل عليه؟ على كمال عظمته وإحاطته سبحانه وتعالى، وإلا فإن الإنسان بالنسبة للمخلوقات لا يتصور أن شيئًا بهذا البعد يكون قريبًا؛ لأن الله فوق كل شيء، فلكماله سبحانه وتعالى وكمال عظمته يكون قريبًا مع علوه؛ ولهذا في «حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ذكر أنهم كانوا إذا علوا شرفًا أو هبطوا واديًا كبروا ورفعوا أصواتهم، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤ / ٤)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا حاجة إلى أن الإنسان يتعب نفسه برفع الصوت بالدعاء والتكبير؛ لأن الله جل وعلا قريب، قريب وإن كان فوق عرشه. واعلم أن بعض بل الحلولية من الجهمية وغيرهم يستدلون بمثل هذه النصوص المتشابهة على باطلهم، فلا تكون قلوبهم متسعة للجمع بين الأدلة، ولا تكون قلوبهم متسعة للفرق بين الخالق والمخلوق، فيأخذون بنصوص ويدعون مثلها، ومن الغريب أن الشيطان لبَّس عليهم -والعياذ بالله- فأخذوا بالنصوص التي هي نقص في حق الخالق، وتركوا النصوص التي هي كمال في حق الخالق، تركوا نصوص العلو وهو كمال، وأخذوا بهذه النصوص المتشابهة، وهي -على ما قالوه- تقتضي النقص، وأن الله سبحانه وتعالى تحيط به مخلوقاته، وأنه لا ينزه عن الأماكن التي ينزه عنها عامة الخلق. فالحاصل أننا نقول: إن هذا القرب لا يجوز لنا أن نتوهم أنه سبحانه وتعالى في الأماكن التي نكون فيها، وكل ما جاءك من هذه النصوص فاعلم أنه دال على عظمة الله عز وجل وإحاطته، ومنه ما جاء في الحديث: «عَبْدِي، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَقَالَ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَإِنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»، هذا يفرح به الحلولية ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يطبِّلون له، هذا واضح جدًّا عندهم، فيقال: أنتم نظرتم بعين أعور، عندكم نظر إلى النصوص من وجه، وطرف لها من وجه آخر، أهملتم الأدلة العقلية الفطرية السمعية على أن الله تعالى فوق عرشه مستوٍ عليه وأخذتم بمثل هذه النصوص المتشابهة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥ / ١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]. هؤلاء هم الذين سمى الله. فنحن نعلم علم اليقين أن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما نقل عن ربه في قوله: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ما أراد أنه وجده في الحجرة التي فيها المريض، ولكن لما كان المريض في الغالب -ولا سيما المؤمن- يكون عنده من الانكسار، من انكسار القلب والإنابة إلى الله عز وجل والخضوع ما لا يكون عنده في حال الصحة، فإن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، صح أن يعبر بهذا التعبير. فهذه النصوص يا إخواني لا تظنوا أنها تنافي نصوص العلم؛ لأنه -كما قلت لكم- تدل على عظمة الخالق جل وعلا، وأنه مع علوه بذاته على عرشه قريب من خلقه، يقرب من خلقه كما يشاء، ولا منافاة، هذا صحيح بالنسبة للمخلوق، ما يمكن يكون في أعلى شيء ويقال: إنه قريب، لكن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]. ومثله كذلك أيضًا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وما أشبه ذلك من الأحاديث التي قد يعجز أو تعجز عقول بعض الناس عن إدراكها، فيحاولون أن يؤلوها، فنحن نقول: إن الله عز وجل يقرب من خلقه كما شاء، كما قال السلف، ولا نكيف، نقول: الله أعلم بهذه الكيفية، لكن نعلم أنه سبحانه وتعالى وإن قرب من خلقه وإن نزل إلى السماء الدنيا نعلم أنه لا يزال عاليًا، لا يزال عاليًا سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، هل نقول: وجدت عنده ثواب أو مغفرة؟ * الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنه في الإطعام لما قال: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلَمْ تُطْعِمْهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»[[سبق تخريجه. ]]، ففرق الله عز وجل بين الإطعام وبين عيادة المريض. * طالب: «يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٢٧٨٢)، من حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: «أَيُّمَا رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا فَإِنَّمَا يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَ الْمَرِيضِ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ». ]] نقول: نحمله عليها؟ * الشيخ: نعم، نحن نحمله على الحقيقة، «يَخُوضُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ» بمعنى ينغمر فيها. * الطالب: نعم، يعني في الأجر والثواب؟ * الشيخ: في الأجر والثواب، إي نعم، ما في إشكال. * طالب: لكن كيف نقول: «وَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (...) ما نحمله على (...)؟ * الشيخ: ما نحمله؛ لأن هذا حديث واحد فرق فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما روى عن ربه. * الطالب: نحن ما نتصور (...)؟ * الشيخ: لا، نحن نتصور، يتصور، العندية لا تنافي العلو بالنسبة لله عز وجل، أما بالنسبة للمخلوق نعم ما يكون عندك وهو بالسطح، لكن بالنسبة لله عز وجل ما هو صفاته كصفاتنا، فالحديث الذي ورد ذكر في الطعام قال: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» بهذا اللفظ، وفي العيادة قال: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ففرق بينهما. * طالب: شيخ، الفطرة في الدعاء ما تحبذ هذا القول؛ لأن الله عز وجل ليس قريب لا بذاته ولا يعني الكيفية، أو الفطرة تقول: إن الله بعيد ليس بقريب؟ * الشيخ: إن الله في السماء لكن مع علوه هو قريب. * الطالب: بس الفطرة تقول: ليس بقريب؟ * الشيخ: لا، ما يمكن. * طالب: إيه، أن الله عز وجل.. * الشيخ: لا، إذا قلت: ليس بقريب بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أنه هو في المكان هنا (...)، لكنه قريب قربًا يليق به، ما نعرف حقيقة كيف يكون قريبًا، نثبت أنه قريب، ولكن ما نعلم كيف هذا القرب. (...) لم يلزم أن يكون ذلك في حق الخالق؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهو علي في دنوه قريب في علوه. فلا يقاس بخلقه. قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ﴿قَرِيبٌ﴾ هذه خبر (إن)، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ أنتم فهمتم الآن أنه قريب مع علوه، وأنه لا تناقض بينهما؛ لأن الله لا يقاس بالمخلوقات، فهو قريب في علوه، عليٌّ في دنوه، سبحانه وتعالى. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ قوله: ﴿أُجِيبُ﴾ هذه الجملة خبر ثانٍ لـ(إن)، فيكون خبرها اسما وجملة، يعني خبرها مفرد، والخبر الثاني جملة، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الدعاء بمعنى الطلب، وقوله: ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أصلها: الداعي بالياء، كالقاضي والهادي لكن حذفت الياء للتخفيف، نظيرها قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩] وأصلها: المتعالي، هذا في ما فيه (أل)، وقد تحذف في الذي ليس فيه (أل)، قد تحذف في شيء ليس فيه (أل)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أصلها: من والي، وكل ذلك للتخفيف. ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ شوف قال: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾، مع أنه لا يكون داعيًا إلا إذا دعا، وحينئذٍ قد يقول قائل: ما فائدة الشرط؟ الداعي هو ما كان داعيًا إلا لما دعا، وحينئذٍ فما فائدة الشرط في قوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؟ نقول فائدته: الإشارة إلى أمرين، بل إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول: الإخلاص، بأن يدعو الله تعالى نفسه ما يتخذ بينه وبينه وسائط، فيقول: يا رسول الله، ادع الله لي، بعد ممات الرسول ﷺ، أو يا أيها الولي الفلاني -بعد موت الولي- ادع الله لي، أو ما أشبه ذلك، ففائدتها الإخلاص أن يكون مخلصًا لله في الدعوة. الفائدة الثانية: اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى محقق له ما دعا؛ لأنك ما تدعو أحدًا بصدق إلا وأنت واثق من إجابته؛ ولهذا جاء في الحديث: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٧٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فيكون فائدتها: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ أي: حقًّا، دعاني حقًّا يعلم أنني سأوتيه دعوته. الشيء الثالث: تفيد صحة افتقاره إلى الله، وأنه حقيقة مفتقر له؛ إذ إنه لا يدعى إلا من كان مفتقرًا إليه، فيكون فائدة ذلك تحقيق هذا الدعاء على الوجوه الثلاثة، وهي: الإخلاص ويش بعد؟ الإيقان بالإجابة، والثقة بالله عز وجل، والثالث: صحة الافتقار إلى الله، بحيث إنه ما دعا إلا وهو مفتقر؛ لأن المستغني ما يدعو، المستغني لا يدعو. وقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ أصلها: دعاني بالياء، فحذفت الياء تخفيفًا. وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ شوف ما قال: أجيب مسألته، قال: أجيب دعوته، وإجابة الدعوة لا يلزم منها تحقيق المسألة؛ إذ قد لا يجيب الله تعالى مسألته، ولكن يجيبه إما بأن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، وإما بأن يدخرها له، فإذا لم يجب ما سأله بعينه وادخره له أو صرف عنه من السوء ما هو أعظم، فهل يقال: إنه أجاب الدعاء ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أجاب الدعاء لا شك، لكنه لحكمته ولرحمته بهذا الداعي اختار له ما اختار، قد يكون من مصلحة الداعي أن تجاب دعوته، قصدي أن تجاب مسألته التي سأل، وقد لا يكون من المصلحة. وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال بعدها: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: فليجيبوا لي؛ لأن استجاب بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥] أي: أجاب، وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٣٨] بمعنى أجابوا له، وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ هنا ما قال: فليستجيبوني، (...) أجاب يقال: أجابه، لكن هنا عداها باللام: استجاب له؛ لأنه ضُمن معنى الانقياد، وإلا لكانت (أجاب) تتعدى بنفسها، نظيرها قوله ﷺ في حديث معاذ: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لَكَ بِذَلِكَ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٤٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) بلفظ: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ»، وفي رواية في ابن خزيمة (٢٣٤٦) بلفظ: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ».]]، (أَجَابُوا لَكَ) » ولم يقل: أجابوك، فضمن الإجابة معنى الانقياد. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ يعني: فلينقادوا لي إجابة، مبنية على ما بعدها ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مبنية على الإيمان، وهنا قال: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ دون وليؤمنوا لي؛ لأن الإيمان بالله متضمن للاطمئنان والاعتراف التام وليس مجرد تصديق، بل هو تصديق باطمئنان قلب؛ ولهذا يقال: اطمأن قلبه به، فصدَّق واطمأن، وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ اللام هذه في الفعلين لام الأمر؛ ولهذا سكنت بعد حرف العطف. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ لعل؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: للتعليل نعم، كلما جاءت لعل في كتاب الله فإنها للتعليل؛ إذ إن الترجي لا تكون إلا فيمن يحتاج ويؤمل كشف ما نزل به عن قرب، أما الرب عز وجل فإنه يستحيل في حقه هذا، فيكون ما جاء في القرآن من مثل هذا التعبير يكون معناه التعليل لأجل الرشد. والرشد يطلق بمعنى حسن التصرف، وبمعنى الغنيمة؛ ولهذا يقال: يا راشد، يعني: يا غانم، وأما الرشد بمعنى حسن التصرف فهو كثير، كما في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء ٦] ويش معنى ﴿رُشْدًا﴾؟ أي: حسن تصرف، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات ٧] أي: الغانمون، فهي قريبة من معنى المفلحين، وفي هذه الآية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ تحتمل المعنيين: الرشد بمعنى حسن التصرف، والثاني: بمعنى الغنيمة التي رشدوا بها، ولا شك أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه أحسن الناس تصرفًا ويوفق ويهدى وتيسر له الأمور، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧]، ولا شك أيضًا أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه غانم رابح، ولا أحد أربح منه. إذا قال قائل: إذا حملتم الرشد هنا على المعنيين جميعًا، فمعنى ذلك أنكم استعملتم المشترك في معنيين فماذا نقول؟ نقول: ما فيه مانع، نقول: الصحيح أنه جائز، إذا كان المعنيان لا يتنافيان، وأي مانع من أن يكون المتكلم قصد ما يدل عليه الكلام هذا وهذا. * طالب: المعنيين يكونون أبلغ بهذا؟ * الشيخ: نعم، رجل قال: دخل اللصوص على بيت فلان فأتلفوا عينه، ويش المراد بالعين؟ * طالب: المتاع. * طالب: المال. * الشيخ: المال، وعينه أيضًا اللي تجري، الماء، أو لا؟ وعينه الباصرة، كلٌّ يمكن، فإذا علمنا أن هؤلاء اللصوص أفسدوا كل الثلاثة، فلا مانع أن نقول: إنهم دخلوا على بيته فأتلفوا عينه، ويش المانع؟ الكلام بس أن يكون هناك دليل على أن هذا اللفظ المشترك مستعمل في المعنيين، فإذا دل الدليل فلا مانع. * طالب: الشوكاني يقول: بمعنى الهداية؟ * الشيخ: نعم، الهداية من حسن التصرف. * طالب: شيخ، قوله ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ما في فائدة أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء (...) مسألة ودعاء عبادة، (...) نص على دعاء المسألة بخصوصها؟ * الشيخ: لا، ما فيه هذا الدليل؛ لأن هذه أيضًا -سيأتينا إن شاء الله في الفوائد- أنها صالحة للأمرين. * طالب: في قوله تعالى في آية أخرى ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام ٤١] هنا تقيد النص؟ * الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى في الفوائد. * طالب: بالنسبة لـ(لعل) ما تكون للترجي تكون للمخلوق؟ * الشيخ: لا، بالنسبة لله ما يكون. * الطالب: لا، بالنسبة.. * الشيخ: للمخلوق تكون للترجي وللتعليل وللتوقع وللإشفاق، وتأتي أيضًا -كما مر علينا في البلاغة- تأتي للتمني. * طالب: شيخ، (...) لعل (...)؟ * الشيخ: لأن ما هناك شيء معلل من قبل. * طالب: بالنسبة ها الآية بالنسبة لكلام الله؟ * الشيخ: لأن مقصود هذه للتعليل، نقول: للتعليل. * طالب: هذه في حق المخلوقين ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟ * الشيخ: إيه، لكن من اللي قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟ * الطالب: إيه، الله سبحانه وتعالى هو اللي قاله، جميع القرآن من كلام الله. * الشيخ: يعني معناه: أترجى أن يرشدوا؟ * الطالب: لا، هو بحق (...) يختلف. * الشيخ: لا، ما يصلح، هذا ما دام أن الله علل فعلًا من أفعاله.. * طالب: يعني نقول: إن العباد متفاوتون، منهم من يرشد ومنهم من لا.. * الشيخ: أبدًا، إذا استجابوا لله وآمنوا رشدوا لا شك، لا بد، إذا استجابوا لله وآمنوا به لا بد أن يرشدوا. ثم قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كلمة ﴿أُحِلَّ﴾ مبنية للمجهول؛ لأنه معلوم من الذي بيده الإحلال والتحريم وهو الله، وقوله: ﴿أُحِلَّ﴾ تدل على أن الأمر كان محرمًا من قبل، وإلا لما احتيج إلى النص على الإحلال؛ لأن الأصل الحل، بخلاف ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، فلا يدل على أن ذلك كان حلالًا، مثلًا؛ لأنه ليس الأصل التحريم، فهنا نقول: ﴿أُحِلَّ﴾ يدل على أنه كان قبل ذلك حرامًا، وهو كذلك. وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي صيام؟ الصيام المنعوت السابق وهو صيام رمضان. وقوله: ﴿الرَّفَثُ﴾ (الرفث) نائب الفاعل فاعل ﴿أُحِلَّ﴾ ولهذا رفع، والرفث يطلق على الجماع، ويطلق على الكلمات التي تقع بين الزوج وزوجته حين الجماع؛ لأنه يقع بين الزوج وزوجته حين الجماع من الكلمات ما يستحيى منه، ويسمى رفثًا، ولكنه هنا يراد به الجماع، بدليل أنه عُدِّي بـ(إلى)، ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: الإفضاء إلى نسائكم، والإفضاء بمعنى الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢١]. فقال: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (النساء) جمع (نسوة)، ونسوة اسم جمع لا مفرد له، ومفرده امرأة، مثل (إبل) اسم جمع لا مفرد له، ومفرده بعير. قوله: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ المراد: زوجاتكم وإمائكم، وهذا واضح؛ لأن غيرهما لا يحل مطلقًا لا في ليل الصيام ولا غيره ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون ٥ - ٦]. ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ الجملة هذه استئنافية للتعليل، تعليل الحل، يعني: أحل لكم ذلك لأنكم لا تستغنون عنهن ولا يستغنين عنكم، فأنتم لهن لباس وهن لكم لباس، وانظر إلى التعبير بـ(اللباس) لما فيه من حفظ الفرج، فاللباس يستر العورة، والزواج يحصل به تحصين الفرج، ثم ما فيه من الستر والصيانة والحماية، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]. ويشمل ذلك أيضًا معنى اللباس أوسع من كونه سترًا وحماية وصيانة، يشمل التقارب بين الزوج وزوجته، كما قال الشاعر: إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهُ ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا فالحاصل أن هذا التعبير بـ(لباس) يعطي أقوى دليل على ما بين الزوجين من أيش؟ من التقارب ومن الحفظ والحماية، وأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهذا شيء من حكمة الله عز وجل ورحمته ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١]. هذا الذي جعله الله تعالى بين الزوجين من رحمته أنه أحل لنا الرفث إلى نسائنا في ليالي الصيام. ثم بين الله عز وجل حكمة أخرى موجبة لهذا الحل، وهي قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ -الحمد لله- ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ بماذا؟ بإتيانهن بحيث لا تصبرون فتختانون أنفسكم، والظاهر -والله أعلم- أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن الأمر هين، أو بأنه صار في حالة لا تحرم عليه زوجته وما أشبه ذلك، وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى الإنسان العشاء الآخرة أو إذا نام قبل العشاء الآخرة، فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي، فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم ما صبر، فبين الله عز وجل حكمته ورحمته بنا حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ﴾ ولم يقل: تخونون؛ لما في قوله ﴿تَخْتَانُونَ﴾ من زيادة الحروف الدالة على زيادة المعنى؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا صحيح ولَّا لا؟ صحيح، لكنه غالبي ما هو دائمًا، فـ(بقرة) و(بقر) أيهم أكثر حروف؟ بقرة، وهي أقل معنى، أيهن أكثر البقرة الواحدة ولَّا البقر؟ البقر أكثر، إي نعم، فالمسألة أغلبية. قال: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ تاب عليكم، هل المعنى: فتاب عليكم قبل أن تتوبوا، أو أن الله نسخ هذا الأمر والنسخ توبة؛ لأنه لولا النسخ لكان الوقوع فيه إثمًا؟ أيهما المعنى؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: لكن هذا المعنى الأخير هو الأصح، ونظيرها قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل ٢٠]، بعد أن أوجب علينا القيام سبحانه وتعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل ٢ - ٤]، قال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بنسخ الوجوب؛ لأنه لولا النسخ لكان تركه تركًا للواجب، فيكون إثمًا، فيعبر الله عز وجل عن النسخ بالتوبة، إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثمًا إما بفعل المحرم أو بترك الواجب. * طالب: شيخ، زياد المبنى ما تطرد في المشتقات؟ * الشيخ: ما نقدر نحكم بشيء، نحن نقول: أغلبية، ما نقدر؛ لأن حصر ها المسائل هذا صعب، يمكن يجي واحد ينقض عليك المثال، ثم تضطر إلى أن تقول: أغلبية، (...). * طالب: قلت: إنه لقد أحل، فدل على أنه كان محرمًا من قبل، عام في القرآن؟ * الشيخ: لكن هنا في هذه الآية دليل. * الطالب: وليست عامة؟ * الشيخ: في القرآن.. * الطالب: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة ٥]. * الشيخ: في القرآن إما أن يكون هذا توطئة لما بعده، أو إزالة وهم، أو ما أشبه ذلك، أو بيان امتنان، ما نضبطها، إنما في هذه الآية تدل على أنه محرم من قبل. * طالب: ﴿تَخْتَانُونَ﴾ معناها يعني: بين اثنين، يعني الفعل في التكاثر، يعني ما هو الإنسان يخون نفسه، يعني يحصل بينه، هذا المقصود به المعنى؟ * الشيخ: نعم، هذا من المقصود بلا شك، أن كل واحد منكم يخون الثاني قصدك؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: مثل تقاتلون؟ لا، بس كلمة اختان مثل اختار، يعني ما هي بتدل على المفاعلة، لكن قد يكون هذا من جملة ما يستفاد من زيادة المبنى، قد يكون هذا من جملته، إنما أن نقول: هذا هو الفائدة، ما نقدر نقول: هذا هو الفائدة؛ لأن كلمة (افتعل) ما تدل على المشاركة. قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بماذا تاب؟ قلنا: بالنسخ؛ لأنه لولا النسخ لكان فعله محرمًا مقتضيًا للإثم. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ العفو يكون في مقابلة إساءة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فما هي الإساءة اللي حصلت؟ هي ما حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم من إتيان أهلهم في ليالي الصيام قبل أن ينسخ التحريم؛ ولهذا قال: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾، وأصل العفو هو ترك المؤاخذة على الذنب، ومن أسماء الله تعالى العفو، ويطلق العفو على معنى الزيادة كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف ٩٥] يعني: كثروا، ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٥٠٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] يعني: وفروها وأكثروها. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى آخره، ﴿فَالْآنَ﴾ الفاء حرف عطف تقتضي الترتيب، يعني: فالآن بعد التحريم وبعد تحقق التوبة والعفو باشروهن، وكلمة الآن -تقدم لنا- أنها اسم إشارة إلى الزمن الحاضر وأنها مبنية على الفتح في محل نصب، وقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ المراد بالمباشرة الجماع، وسميت مباشرة لالتقاء البشرتين فيها: بشرة المرأة وبشرة الرجل، وقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ هو -كما نعلم جميعًا- فعل أمر، فما المراد بهذا الأمر؟ * طالب: الإباحة. * الشيخ: الإباحة أو رفع التحريم؟ * الطالب: أو كذلك. * الشيخ: أو كذلك لا، بينهما فرق. * طالب: هو الإباحة. * الشيخ: لا لا، بينهما فرق؛ ولهذا اختلف الأصوليون في الأمر بعد الحظر هل هو للإباحة أو رفع للتحريم؟ فمنهم من قال: إنه للإباحة، ومنهم من قال: إنه رفع للتحريم، وبينهما فرق، فإذا قلنا: للإباحة، فمعناه أن هذا الفعل بعد التحريم صار مباحًا فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للتحريم، فمعناه أن هذا الشيء عاد إلى حكمه قبل التحريم، فإن كان واجبًا فهو واجب، وإن كان مستحبًّا فهو مستحب، وإن كان مباحًا فهو مباح، فالآن ظهر الفرق بين القولين، أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: حجة الذين يقولون: إنه للإباحة، يقولون: إنه لما ورد التحريم على الحكم الأول نسخه وصار كأن لم يكن، مفهوم؟ فإذا جاء الأمر بعده فمعناه أنه صار مباحًا، بعدما كان حرامًا صار مباحًا، وهذه حجة قوية. والذين قالوا بأنه رفع للتحريم، قالوا: لأن الحكم الأول لما ورد عليه التحريم صار محرمًا، فلما زال التحريم عاد إلى ما كان عليه، كأن التحريم ستر وضع على مغطى، فإذا رفع هذا الستر فكيف يكون المغطى؟ يكون كما كان عليه، ومن ثم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢] هل الاصطياد مباح أو أنه يكون حسب حكمه بالأول؟ حسب الحكم الأول، وهذا هو الذي يبدو راجحًا، وإن كان المسألة ما هي عندي بذاك المتميزة كثيرًا؛ لأن كلا التعليلين قوي، لكن الذي يبدو أنه أقرب: أن الأمر بعد الحظر هو رفع للتحريم. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، هذا أمر بعد الحظر؛ لأنه قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هل نقول الآن: إن البيع بعدما كان محرمًا صار مباحًا الآن أو صار مستحبًّا أم ماذا؟ نقول: عاد على ما كان عليه، والبيع -كما هو معلوم- قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا. * طالب: نقول: دل على الإباحة، لكن الدليل الآخر في هذه الآية ما هي الإباحة لكن هناك أدلة أخرى؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ففي الآية مثلًا هذه. * الشيخ: لا، إحنا كلامنا على القاعدة العامة، هل نسخ التحريم رفعٌ له أو أنه مقتضٍ للإباحة، الأمر بعد التحريم؟ * الطالب: أظن يقتضي الإباحة مثلًا، لكن دلت أدلة أخرى (...) في غيرها. * الشيخ: لا، بينهم فرق. * طالب: على قولنا: بأن المباح تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون فيه فرق التعبيرين؟ * الشيخ: إيه؛ لأنه إذا قلنا: بأنه يعود إلى ما كان عليه أو رفع للتحريم، ننظر هذا الشيء الذي نهي عنه الآن هل هو قبل النهي مستحب، فيكون مستحبًا، قد يكون قبل الأمر مستحبًا، فيكون مستحبًا يبقى على استحبابه. * الطالب: لكن مثل البيع يا شيخ، ويش حكم يعني..؟ * الشيخ: لا، البيع حكمه الإباحة، لا شك. * طالب: يا شيخ، (...) كل الأمرين يصير إلى الإباحة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: إعادة إلقاء الله على.. * الشيخ: إيه؛ لأن الصيد في الأصل مباح، لكن إذا كان الشيء مما يطلب مثل أنا لو قلت لك: لا تزر فلانًا، وهو قريب لك مثلًا، ثم قلت لك: إذا طلعت الشمس فزره، هذا الأمر ما هو معناه الإباحة، إذا قلنا: بأنه رفع للنهي، صار عادت الزيارة مستحبة، وإذا قلنا: إنه للإباحة، بقيت الزيارة مباحة، هذا المعنى. * طالب: قوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (...)؟ * الشيخ: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ قلت: المراد به الجماع، وما دونه من باب أولى ليس محرمًا. ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿ابْتَغُوا﴾: اطلبوا، ﴿مَا﴾: الذي، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كتب لكم كتابة الكونية أو كتابة الشرعية، يعني: بمعنى ما قدر الله لكم، أو ما شرع الله لكم؟ نقول: تحتمل المعنيين، وشمولها لهما أولى، فالمعنى: ابتغوا ما شرع الله لكم، أي: اطلبوا ما شرع لكم من الاستمتاع بالنساء وإباحته، أو ما شرع لكم من التهجد في ليالي رمضان، أو ما شرع لكم من السحور، كل هذا داخل، أو ابتغوا ما كتب الله لكم تقديرًا كتابة قدرية من طلب الولد بهذا الجماع، كما قاله بعض المفسرين قال: ابتغوا الولد، يعني لا يكن مباشرتكم من أجل نيل الشهوة فقط، ولكن من أجل حصول الولد والذرية، فأقول: إن الآية تشمل الأمرين ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والفوائد إن شاء الله تأتينا. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ معطوفة على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ على الأول على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ما معنى الأكل والشرب؟ ويش في الأكل والشرب؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ولكن ما يتبين لنا، وهو كذلك، أول ما يظهر الفجر لا شك أنه ما هو على طول بيتبين، بيظهر شيئًا فشيئًا، ولكننا نحن مكلفون بما نستطيع حتى يتبين لنا ويتضح. وقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾ عرفنا لما قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ﴾ أن ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى يتميز، يتميز هذا من هذا، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران ١٧٩]، فـ(مِن) ما تدخل على ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ من هذا إلا إذا قصد به التمييز، يعني: حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بينت المراد بالخيط، خيط أيش؟ بياض النهار، والخيط الأسود؟ سواد الليل، وفي التعبير بكونهما خيطين دليل على أنهما يتعاقبان، وأن هذا قد يكون في جهة، وهذا قد يكون في جهة؛ لأنهما خيطان، والخيطان لا بد أن يتعاقبان، وإلا لكانا خيطًا واحدًا فقط. وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ بين الرسول ﷺ أن الفجر فجران: صادق وكاذب، وبين أن الصادق هو الذي يكون معترضًا في الأفق، مستطيرًا كالطير أو كجناح الطير من الشمال إلى الجنوب، وأما الكاذب فهو الذي يكون مستطيلًا -باللام- في الأفق كذنب السرحان، يعني: كذنب الذئب. وذكر أهل العلم أن بينهما ثلاثة فروق، الفرق الأول: أن الصادق هو مستطير معترض وأما ذاك فهو مستطيل، والثاني: أن الصادق لا ظلمة بعده وذاك يظلم، والثالث: أن الصادق متصل بالأفق وهذا بينه وبين الأفق ظلمة (...). ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قلنا: إن ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى يظهر، ولكنه مضمن معنى الظهور والتمييز منين؟ من قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾ يعني: يتميز هذا من هذا. وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ هذه بيان لقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، ولم يقل: في الخيط الأسود من الليل، اكتفاء بالأول، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني: والبرد؛ لأن السرابيل تقي الحر والبرد ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١] كالدروع، فالمهم أن هذا من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر، يعني: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل، فهمتم؟ لكن حذف (من الليل) اكتفاءً بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ لأن الشيء يتبين بذكر مقابله، ونظير ذلك؟ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ يعني: والبرد. وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: ثم إذا تبين، وهذه من سعة رحمة الله عز وجل أنه أتى بـ(ثم) بعد التبين للتوسعة على العباد؛ ولهذا روى الإمام أحمد بسند لا بأس به «أنه إذا أذن الفجر والإناء في يدك، فإنك لا تضعه من يدك حتى تقضي حاجتك[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٢٩)، من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.]] »، تيسيرًا على المكلفين؛ ولهذا «كان ابن أم مكتوم لا يُؤذّن حتى يطلعَ الفجر ويُقال له: أصبحتَ أصبحتَ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦)، من حديث عبد الله بن عمر، واللفظ للبخاري.]] ». وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ﴿أَتِمُّوا﴾ بمعنى أنهوا، أنهوه على وجه التمام، وقوله: ﴿الصِّيَامَ﴾ تقدم أنه في اللغة؟ الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم ٢٦] أي: إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. والمراد بالصيام شرعًا: هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ما المراد بالليل؟ غسقه؟ الجواب: لا، ولكن أوله، وقد بين ذلك رسول الله ﷺ حين قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المشرق، «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المغرب، «وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠٠ / ٥١)، من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما.]]. وبمجرد غروب الشمس -أي: غروب قرصها- يكون الإفطار، وليس بشرط أن تزول الحمرة كما يظنه بعض العوام. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إذن الصوم محدد (من) و(إلى)، فلا تزيد فيه ولا تنقص، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد حكم الوصال. وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ لما قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ استثنى من هذا حالة واحدة وهي: إذا كان الإنسان عاكفًا في المساجد وهو صائم، فإنه لا يباشر الزوجة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فالضمير في قوله: (هن) يعود على النساء، وجملة: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿عَاكِفُونَ﴾ اسم فاعل من: عَكَفَ يَعْكُف، والعكوف على الشيء: ملازمته والمداومة عليه، ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء ٥٢] أي: مديمون ملازمون؛ ولهذا نقول: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وأما في الشرع فهو: التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد طاعة له، بلزوم المساجد لطاعة الله، هذا هو الاعتكاف. والاعتكاف معروف في الجاهلية ومعروف في الإسلام، قال عمر للنبي ﷺ:« إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦ / ٢٧)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]، وهو مشروع في رمضان، وكان الرسول ﷺ يعتكف طلبًا لليلة القدر؛ ولهذا اعتكف في العشر الأول، ثم قيل له: ليست الليلة في هذا العشر، فاعتكف في الأوسط، ثم أريها في العشر الأواخر، حتى خرج إلى الناس وقال: «إِنِّي أُرِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَنْ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٦)، ومسلم (١١٦٧ / ٢١٦)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فكان الاعتكاف في رمضان طلبًا لليلة القدر، ثم إنه سيأتينا إن شاء الله في الفوائد حكم الاعتكاف هل هو سنة؟ هل هو يشترط له الصوم أو لا يشترط؟ وفي ذكر الاعتكاف بعد آيات الصوم استنبط بعض العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا في رمضان وفي آخره؛ لأن الله ذكره تابعًا لآيات الصوم بعد أن ختم الكلام على الصوم، والله أعلم هل يستقيم هذا الاستدلال أولا يستقيم. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (تلك) ويش (تي)؟ ويش معناها؟ (تي) تلك؟ * طالب: اسم إشارة. * الشيخ: (تي) اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وقد تقدم أن الكاف هذه تكون باعتبار المخاطب، واسم الإشارة باعتبار المشار إليه، وأن الأفصح فيها أن تكون الكاف حسب المخاطب فيقال في المذكر المفرد: ذلكَ، وفي المؤنث: ذلكِ، وفي المثنى: ذلكما، وفي جماعة الذكور: ذلكم، وفي جماعة الإناث: ذلكن، قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت ٢٣]، ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]، وفي المثنى قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، وفي المفرد: (ذلك)، وهو كثير، وهذه اللغة المشهورة الفصحى، وفيها لغة ثانية: أنها -أي الكاف- تكون مفردة مفتوحة دائمًا، على تأويل المخاطب بالمفرد، وفيها لغة ثالثة: فتحها للمذكر مطلقًا، وكسرها للمؤنث مطلقًا. وهنا (تلك) للمفرد المذكر، أو لا؟ فالمعنى: تلك أيها المخاطب وإن كان يخاطب جميع الناس؛ لأن الناس جنس، فيصح أن يعبر عنها بالمخاطب. * طالب: شيخ، في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ [آل عمران ١٤٠] مع مراعاة المخاطب في الكاف يعني ما جمع الضمير؟ * الشيخ: إيه، كثيرًا ما يترك الجمع، في القرآن الأغلب الإفراد، كأنه يخاطب الإنسان عمومًا بالقرآن، يخاطب الإنسان، يعني: تلك أيها الإنسان حدود الله، وهذا كثير حتى الخطابات بغير الكاف في اسم الإشارة تجدها في المفرد. قال: و﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود الله جمع حد، (حدود) جمع (حد). * طالب: قلت: بالواو. * الشيخ: إي نعم، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ما فيها واو، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الحدود جمع حد، والحد في اللغة: المنع، ومنه: حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها، فمعنى ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: موانعه. واعلم أن حدود الله نوعان: حدود موانع، أي: تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، وهذه موانع الدخول، وهي في المحرمات، وموانع أخرى تمنع من فيها من الخروج منها، وهذه حدود الأوامر، حدود الله تعالى نواهٍ وأوامر، النواهي ما شأنها؟ تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، والأوامر تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ ولهذا إذا جاءت الأوامر قال الله فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة ٢٢٩] يعني: لا تخرجوا منها، وإذا جاءت النواهي قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة ١٨٧]. فهذا هو الفرق، والكل منها يسمى حدودًا؛ لأن الأوامر لها حد لا تخرج منها، والنواهي لها حد لا تدخل فيها. وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ من باب إضافة المشروع إلى مشرِّعه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ الفاء للتفريع، و(لا) ناهية، الدليل؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: مجزومة بحذف النون، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ما قال: فلا تفعلوها، وإنما نهى عن قربانها، حتى نبعد عن المحرم وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، فالمحرمات ينبغي البعد عنها وعدم قربها. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ هذا ترد في القرآن كثيرًا، وقد أشرنا فيما مضى إلى إعرابها، وقلنا: إن الكاف اسم بمعنى مثل، وإنها منصوبة على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك البيان يبين الله، وهي في القرآن كثيرًا، وهذا إعرابها: أن نقول: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها ما بعدها، وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من البيان، وأظنه كثير البيان في هذه الآيات، أو لا؟ البيان كثير: فبين الله سبحانه وتعالى حكم الأكل والشرب في الليل، حكم مباشرة النساء، حكم الاعتكاف، موضعه، ما يحرم فيه، إلى آخره المهم أنها عدة أحكام بينها الله. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ آيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها في الشرع: البراهين الدالة على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، فمنها ما يقتضي الحكمة، ومنها ما يقتضي الرحمة، ومنها ما يقتضي العلم، ومنها ما يقتضي الإحاطة، المهم أنها متنوعة، الآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها هنا شرعًا: البراهين التي تدل على ما تقتضيه من صفات الله. وذكر أهل العلم أن الآيات تنقسم إلى قسمين: كونية، وشرعية، وأن الآيات الكونية هي المخلوقات، كل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها من الآيات الكونية، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى ٢٩]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، إلى آخره، فكل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها كلها من آيات الله الكونية، وكانت آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها، وآية الشيء هي: العلامة عليه، فلا أحد من المخلوقين يصنع مثل هذه الآيات أبدا، أو لا؟ القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية، وهي: ما أنزله الله تعالى على رسله وأنبيائه من الوحي، فإنها آيات شرعية تدل على منزلها سبحانه وتعالى، وجه ذلك؟ أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق والبيان والمصلحة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف ٣]، فأحسن الأخبار أخبار القرآن، أخبار الوحي: القرآن وغيره، إذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، بهذا تكون آية ولَّا لا؟ تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، وقولنا: على ما تقتضيه؛ لأن الآيات تختلف بعضها تقتضي العظمة، تدل على العظمة بعضها، تدل على الرحمة، وبعضها تدل على العلم، وبعضها تدل على الكبرياء، المهم تختلف. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه (لعل) للتعليل، يتقون من؟ يتقون الله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي: اتخاذ الوقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، وبعضهم يقول: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وبعضهم يقول: إن التقوى ترك المعاصي، ولكن أجمع ما قيل فيها ما ذكرناه في الأول وهي: اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، صحيح أنها إذا قرنت بالبر مثل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] صار المراد بالتقوى: اتقاء المعاصي، والمراد بالبر: فعل الطاعات، يقول الشاعر: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَـا ذَاكَ التُّقَــى هذا التقوى وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى اللي يمشي على أرض الشوك ويش يسوي؟ يخبط برجله ولا يهمه؟ لا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم لا تَحْـقِـرَنَّ صَـغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى هذا صحيح، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه المحقرات من الذنوب بجماعة نزلوا أرضًا، وأرادوا أن يوقدوا نارًا، فذهبوا فجاء واحد بعود، وواحد بعود، وواحد بعود، حتى جمعوا حطبًا كثيرًا، وأضرموا نارًا كثيرة، وهم أي شيء يجيبون؟ على عود عود، ما هو بشيء، إي نعم، إذن نقول التقوى أجمع ما قيل فيها: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه. * طالب: قد تكون هذه درجة قريبة من التقوى يعني ما تكون التقوى شيئًا أعلى من فعل الأوامر بل فعل المستحبات؟ * الشيخ: الأوامر مستحبات، المستحب أمر؛ لأن الأمر قد يكون للوجوب، وقد يكون للاستحباب، والنهي قد يكون للكراهة، وقد يكون للتحريم. * طالب: ما نقول: إن الآية: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ تشمل من أول السورة وليس مختص بأحكام الصيام؟ * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأنك تعرف الآيات مقطعات. * الطالب: إي بس السورة متصلة؟ * الشيخ: لا، ولو كانت متصلة، ما يمكن إلا أنها تكون في الموضوع الذي فيه البحث، وأيضًا فيما سبق فيه كذلك (...) آيات فيه من قبل. * طالب: (...) الصيام يا شيخ؟ * الشيخ: يشمل -والله أعلم- هم بعض العلماء قال: يشمل الأحكام الأربعة التي تلي هذا من قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ إلى آخره بس، ولو قيل: إنه من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] لكان طيب، ثم اعلم أن قوله: ﴿آياته﴾ جمع مضاف، فيعم، يعني أن مثل هذا البيان الذي بيناه لكم في هذه الآيات تكون بيان جميع الآيات. * طالب: عرفت الحد لغةً ما عرفته شرعًا؟ * الشيخ: إي عرفته. * الطالب: لا. * الشيخ: قلنا: الحدود شرعًا هي: أوامر الله ونواهيه، أما الحد عند المنطقيين غير هذا، الحد عند المنطقيين تقدمنا في شرح العقيدة السفارينية. * الطالب: يعني يختلف ما كان عند.. * الشيخ: إيه يختلف، بحسب الاصطلاحات. * طالب: شيخ، لو قال قائل: يعني تبيين الآيات كأنه يتراءى للإنسان أن فائدته الإيمان؟ * الشيخ: الإيمان؟ * الطالب: الإيمان، لعلكم مثلًا تؤمنون؛ لأن ثم إذا آمن يتقي. * الشيخ: لا، أصله ما فيه تقوى إلا بعد الإيمان، فالإنسان إذا تبينت له الآيات اتقى الله عز وجل فحصل أولًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما فيه تقوى يا أخي إلا بعد الإيمان، وهل الإنسان بيتقي شيئًا لا يؤمن به؟ ما يكون. ثم قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ مناسبة هذه الآية لما سبق مناسبة واضحة؛ لأن ما سبق في آيات الصيام تحريم لأشياء خاصة في زمان خاص، الآية اللي بعدها ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ هذا تحريم عام، عام في ما يحكم، وفي زمانه، وفي مكانه، هذا وجه المناسبة أنه لما ذكر التحريم الخاص الذي يحصل بالصيام بيَّن التحريم العام الذي يحصل في الصيام وفي غير الصيام، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ المراد بالأكل ما هو أعم منه، لكنه خص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع، أقوى وجوه الانتفاع هو الأكل، الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له، بناء المسكن متصل به ولَّا لا؟ لكن ما هو مثل اتصال الثوب أولا؟ أيهما ألصق به؟ * الطلبة: الثوب. * الشيخ: الثوب، كذلك أيضًا يصرف المال في الثياب، قبل يصرفها في الفرش، والفراش أخص من البيت أو لا؟ لأن الفراش هو الذي يليه عند النوم وعند الجلوس وما أشبه ذلك، يصرفها في اللباس وهو أخص من الفراش، يصرفها في الأكل والشرب وهو أخص الأشياء ما عاد بعده شيء؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود، ما يصرفه في الأكل والشرب؛ لأن الأكل والشرب يتغذى بهما البدن، وهما أخص انتفاع بالمال. فإذا كان الله يقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ وهو أخص الانتفاع والذي قد يكون الإنسان لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات، فكيف عاد بغيره؟ وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ كيف يقول: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ ﴿أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ (...)، فنقول: عندنا آكلٌ ومأكولٌ منه، فإذا كنت أنت أيها الآكل لا ترضى أن يؤكل مالك، فكيف ترضى أن تأكل مال غيرك؟! فاعتبر مال غيرك بمنزلة مالك، ويش هو لأجل؟ لأجل أن لا تأكله، كما لا ترضى أن أحدًا يظلمك ويأكل مالك، فإن هذا يجب أن تنزل مال أخيك بمنزلة مالك. فعليه نقول: فائدة إضافة الأموال المأكولة للغير إلى آكلها هو: أن يعتبر بأن مال غيره يجب أن يحميه كما يحمي مال نفسه. وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في العقود من إجارات وبيوع ورهون وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين، ومن باب أولى أن تأكلها بالانتهاب والاغتصاب اللي ما هناك بينية بينك وبين شخص آخر، يعني: فإذا نهيت أن تأكلها في العقود، فمن باب أولى أن تأكلها في الغصب والإكراه وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ كلمة ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباء هذه حرف جر، ولكن ما معناها؟ هل معناها المصاحبة يعني: أكلًا مصحوبًا بالباطل؟ أو معناها التعدية بأن يجعل الباطل كالآلة يأكل بها يعني: كما تقول ذبحت بالسكين مثلًا، ورميته بالحجر؟ نقول: إن الباء صالحة لهما جميعًا، فلا يجوز أن تتناول غيرك بالباطل بأن تجعل الباطل وسيلة لأخذ المال، ولا أن تأكل المال أكلًا مصحوبًا بالباطل، فيشمل ما كان محرمًا لذاته وما كان محرمًا لوصفه. وقوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ ﴿تُدْلُوا بِهَا﴾ الضمير يعود إما على الأموال، وإما أن يعود على المحاكمة، والإدلاء أصلها مأخوذة من: أَدْلَى دَلْوَهُ، ومعلوم أن الذي يدلي دلوه يريد التوصل إلى الماء، فمعنى ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، كيف يكون وسيلة لأكلها؟ تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة، ثم تخاصمه عند القاضي، ماذا يقول القاضي للمدعي عليك؟ يقول: هات بينة، إذا لم يكن لك بينة، إذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين، فإذا حلفت برئت، أفهمتم؟ الآن أنا أدليت بها إلى الحكام، بمعنى أني جعلت الحاكم وسيلة لأكل المال، هذا قول في المسألة، والقول الثاني: أن معنى ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: توصلوها إليهم بأن ترشوا الحكام ليحكموا لكم، فمعنى ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ توصلوها إليهم لأجل، ويش لأجله؟ أن يحكموا لكم، وكلا المعنيين صحيح. * طالب: ألا يدخل فيها يا شيخ الفلاسة؟ * الشيخ: الفلاسة؟ * الطالب: إيه، يفلس الحكام علشان يأخد المال هذا بغير حق. * الشيخ: إيه، ما تكون أنت الذي أكلتها. * الطالب: إيه، لكن أدليت بها إلى الحكام؟ * الشيخ: إيه، بس الآية تقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ﴿وَتُدْلُوا﴾، أما إن جعلنا الجملتين منفصلًا بعضها عن بعض، فهي نعم، تدخل مثل ما قلت أنت، ويصير النهي عن شيئين: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ هذه جملة مستقلة، ولا تدلوا بها إلى الحكام هذه جملة مستقلة، لكن ظاهر النظم -يعني ظاهر الكلام- أن الجملتين واحدة؛ ولهذا قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ ولم يقل: ولا تدلوا بها، فجعلها معطوفة على قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ فهي مبنية عليها. * طالب: وين يعود الضمير؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: على القول الثاني، ترشون؟ * الشيخ: إيه، يعود على الأموال. * الطالب: المال اللي أرشي به القاضي غير المال الذي..؟ * الشيخ: إيه، ما خالف، لكن معناه يكون معناه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بأموالكم لتأكلوا هذه. * الطالب: يعني أموال ثانية؟ * الشيخ: أموال ثانية لأجل أن تأكلوا بها أموال الغير يحكمون لكم بها. * طالب: شيخ، هذه الفلاسة اللي ذكرناها ما تدخل في الرشوة؟ * الشيخ: لا لا، الفلاسة ما هي بهذا، الفلاسة يخبر الحاكم بأن فلان عنده مال لأجل يأخذه منه. * الطالب: عندنا في (...) نقول: عليها (...) يعني يرشي، فالتبس عليه الأمر؟ * الشيخ: لا، يدل الحكام على أموال الناس ليأكلوها. * طالب: الحكام القضاة ولَّا الحكام..؟ * الشيخ: الحكام الأمراء، إذا قلنا: إن المراد مثل ما قال غانم، أما إذا قلنا: إن المعنى عند المحاكمة فهو يشمل الأمراء ويشمل الحكام القضاة. قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ قد يقول قائل: إن فيها إشكالًا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ ثم قال: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟ فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل، بل اللام هنا للعاقبة، يعني: أنكم إذا فعلتم حصل لكم الأكل، أكل فريق من أموال الناس، فاللام هنا للعاقبة، وتأتي اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، هل آل فرعون التقطوه لهذه العلة، أو كانت العاقبة كذلك؟ كانت العاقبة كذلك، فاللام في قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ اللام لام العاقبة. وقوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ لماذا حذفت النون؟ * طالب: منصوب. * الشيخ: منصوب بأن المضمرة بعد اللام على قول، أو باللام نفسها على قول من؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، صح، ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ ﴿فَرِيقًا﴾ الفريق بمعنى الطائفة، وسمي فريقًا؛ لأنه يفرق عن غيره، فهذا فريق من الناس، يعني: طائفة منهم افترقت وانفصلت. وقوله: ﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ لو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه؟ * طالب: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى؟ نعم، من باب أولى، أو نقول: إن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس على سبيل العموم؛ لأن الإنسان مهما بلغ عنده من الملايين، فإن غيره عنده مال، إي نعم. ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني: أكلًا مصحوبًا بالإثم وهو الذنب؛ وذلك لأنه باطل، ومن هنا نعلم أن الباطل يعني: الإثم، ولكن هل هو في كل مكان الباطل هو الإثم؟ لا، قد يراد بالباطل ما لا منفعة فيه، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبَهُ بِقَوْسِهِ أَوْ مُدَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ أَوْ تَأْدِبيَهُ لِفَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وأحمد في المسند (١٧٣٠٠)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. * * * ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية فوائد، أولًا: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام، ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام، قال بعض أهل العلم: فيستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنها ذكرت بعدما تكلمنا عن الصيام والإمساك. * الطالب: قد يقال: هي في العيد أولى؟ * الشيخ: لا، لكن كل يوم يعتبر عبادة واحدة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى عنده علم الغيب؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ في المستقبل. * ومن فوائد الآية: رأفة الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ حيث أضافهم إلى نفسه تشريفًا وتعطفًا عليهم. * ومن فوائد الآية: إثبات قرب الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، والضمائر كلها تعود إلى الله: ﴿إِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ست ضمائر كلها تعود إلى الله عز وجل، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: قربه سبحانه وتعالى. هل قرب الله تعالى عام أو خاص؟ تقدم لنا الكلام في هذه المسألة، وبيَّنا أن قرب الله تعالى لا يكون إلا خاصًّا، وأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦] المراد: بملائكتنا، وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥]، المراد أيضًا: بملائكتنا. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يرد القرب عامًّا كما ورد في المعية، المعية وردت عامة وخاصة، وأما القرب فذكره شيخ الإسلام أنه لم يرد إلا خاصًّا، خاصًّا بمن يدعوه أو بمن يعبده، فمن يدعوه كما في هذه الآية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ»[[سبق تخريجه.]] وأما قربه من العابد فمثل قوله ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأن هذا عبادة، وسبق لنا أيضًا أن قربه من عباده لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، المخلوق لا يكون قريبًا مع بعده، لكن الخالق يكون قريبًا مع بعده، وعلى هذا فلا تدل هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى ليس في العلو؛ لأنه لا تناقض بينهما في حق الخالق. * طالب: المعية (...) أخص من القرب أو القرب أخص (...)؟ * الشيخ: لا، الظاهر أن القرب أخص، أخص منها؛ ولهذا ما جاء عامًّا بخلاف المعية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أُجِيبُ﴾؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يسمع ما دعا به. * ومنها: قدرة الله، إثبات القدرة؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة. * ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصًا مشعرًا نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعرًا نفسه بكرم الله وجوده، من أين تؤخذ؟ من أين تؤخذ هذه الفائدة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: من قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، أو لا؟ نبغي الكلمة المعينة الخاصة؟ * طالب: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾. * الشيخ: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؛ لأن نحن نبهنا على هذا في التفسير، فإذن يشترط لإجابة الدعوة أيش؟ أن يكون صادقًا في دعوته، بحيث يكون مخلصًا لله، وأن يكون عنده شعور بافتقاره إلى الله عز وجل؛ لأن الإنسان ما يدعو إلا وهو يشعر بالافتقار، وأن يكون لديه شعور بأيش؟ بغنى الله عز وجل وإجابته؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنابة إلى الله عز وجل والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما، فمن تعبد لله وهو ضعيف الإيمان، يعني: بأن يكون عنده تردد -والعياذ بالله- أو شك، فإنه لا ينفعه، أو يكون عنده أيضًا إنكار كما يفعل المنافقون فإنهم يتعبدون لله عز وجل ظاهرًا لكنهم ما عندهم إيمان فلا ينفعهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب والعلل. الجهمية جبرية، وعلى الأشاعرة أيضًا، يعني سبق لنا أن الأشاعرة ما يثبتون الأسباب إلا أسبابًا صورية، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها، لكن يكون الفعل عندها. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧] إلى آخره. إذا عرفنا سبب النزول استفدنا من هذه الآية الكريمة، استفدنا رحمة الله تعالى بعباده، كيف ذلك؟ * طالب: بالنسخ، يعني نسخ الحكم الأول. * الشيخ: بالنسخ، الحكم الأول بالتخفيف، حيث كانوا بالأول إذا ناموا أو صلوا العشاء حرمت عليهم النساء والطعام والشراب. * ويستفاد من هذه الآية: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه، من أين يؤخذ؟ * طالب: من ﴿الرَّفَثُ﴾. * الشيخ: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾؛ لأنه متضمن لمعنى الإفضاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. وقد سئلت عدة مرات عن الإنسان يعقد على امرأة ولكن يكون الدخول بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة فهل يجوز أن يستمتع بها ولّا ما يجوز؟ * طلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز، لكن عند الناس، يعني بعض الناس الجهال أنه ما يجوز حتى يعلن النكاح، حتى يعلن، يكون ليلة الزواج، لكن هنا شيء يخشى منه، وهو أنه ربما يحصل حمل، وإذا حصل حمل، ولا سيما إن تأخر الدخول، ربما يحصل في ذلك ريبة، فإذا خشي الإنسان من هذا الأمر فالحمد لله يملك نفسه، يستمتع بدون الجماع؛ لئلا يحصل ريبة عند العامة، وأما طلبة العلم ما يحصل عندهم ريبة؛ لأن الإنسان بمجرد العقد تكون المرأة فراشًا له ويلحقه الولد على المذهب، حتى وإن لم يجتمع بها، مع إمكان الاجتماع، لا ما علمنا أنه اجتمع، فالولد ولده وهذا أظن مرت علينا: بماذا تكون المرأة فراشًا. فالمسألة ما فيها إشكال عند طلبة العلم، لكن عند العامة فيها إشكال، لكنه من الناحية الشرعية لا بأس تكون امرأته من يوم يعقد عليها. * طالب: بناء على وجوب إعلان النكاح. * الشيخ: لا، ما هم يقصدون هذا، لكن يقصدون العادة فقط وإلا ما يعرفون وجوب النكاح ولا عدم وجوب النكاح. * طالب: (...) الحياء عند المرأة؟ * الشيخ: لا لا، الحياء من النساء اليوم بدأ يخف. * طالب: ما عاد لوم على العوام في هذا، من باب (...) الحياء وكذا. * الشيخ: لكن الآن راح.. * طالب: بالنسبة للمهر ياشيخ، ما دفع المهر، عندهم.. * الشيخ: لا، المهر عندنا يدفع قبل العقد، في عرفنا عندنا هنا يدفع قبل العقد. * طالب: ما أخذوا المهر، فيه ناس عقدوا وما أخذوا المهر. * الشيخ: يمكن يمكن يوجد ناس.. * طالب: يرفضون. * الشيخ: ما هو بلازم. * طالب: لكن ما فيه شيء يعني لو خلى المهر عند الزواج.. عند يعني. * الشيخ: الدخول. * الطالب: الدخول. * الشيخ: إي ما فيه شيء. * الطالب: لو دخل.. * الشيخ: مر علينا في الصداق أنه يجوز تأجيله أو تأجيل بعضه. * طالب: (...). * الشيخ: هي عادة الناس. * طالب: مكتوب في العقد. * الشيخ: ما فيه شيء. * طالب: (...) لو قدم المهر كعادتنا نحن هل يكون مسمى. * الشيخ: لا ما يصح (...). * الطالب: سلم هذا. * الشيخ: إي ولو سلمناه لأنه ما بيسمى عند القعد، عندنا ما يسمى عند العقد. * طالب: يعني لو مات مثلا أو طلقها هل يتأثر؟ * الشيخ: لو طلقها قبل الدخول؟ * طالب: نعم، إذا سلم (...). * الشيخ: ولو سلمها. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (...) لأنه معلوم بينهم. * من فوائد الآية الكريمة هذا المعنى الذي يستفاد من قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وهو أن المرأة ستر لعورة الرجل كما أن الرجل ستر لعورة المرأة. * ثانيًا: أن بينهما من القرب كما بين الثياب ولابسيها ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. فيها أيضًا من التحصين للفروج (...). * وفيها يستفاد من قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ إثبات العلة في الأحكام؛ لأن الجملة هذه للتعليل، تعليل التحليل. * ويستفاد من الآية الكريمة: علم الله عز وجل، يستفاد منها ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه، وذلك إذا أوقعها في معاصي الله فإن هذا خيانة، وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده. * وهذه فائدة تتفرع على قوله: ﴿أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أن نفس الإنسان عنده أمانة يجب عليه رعايتها، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] فالإنسان كما يظلم غيره يظلم نفسه أيضًا. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: ثبوت التوبة من الله؛ وصف الله بالتوبة، لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ وهل هي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ * طالب: الفعلية * الشيخ: الفعلية نعم. * طالب: نقول في صفته: التوبة، ولّا الصحيح تواب؟ * الشيخ: لا، التوبة، من صفاته التوبة واسمه التواب. * ومن فوائد الآية: إثبات عفو الله؛ لقوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز النسخ، أو ثبوت النسخ؛ خلافًا لمن أنكره، وهو في هذه الآية صريح، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَالْآنَ﴾، ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني وقبل الآن ما هو بحلال. ومن فوائده: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ لكن هذا الإطلاق مقيد في حالات ومقيد في أمكنة، فهو مقيد في حالات في حال الحيض ما يمكن تجامعها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ومقيد أيضًا في حال الدبر، في مكان الدبر، فإنه لا يحل للإنسان أن يطأ امرأة في دبرها. وقد ذُكر عن الإمام الشافعي رحمه الله مناظرة كنت أستغرب يعني أن تقع منه في محاورة جواز وطء المرأة في دبرها، ولكن مر علي أن هذه لا تصح عن الشافعي، وأن الشافعي نص على تحريم الوطء في الدبر، وهذا هو الأليق به، ولا شك أن تحريم الوطء في الدبر أنه وإن كانت الأحاديث التي وردت فيه يعني فيها شيء وفيها مقال، لكن مجموعها يقتضي على الأقل أن تكون حسنة، يحتج بها، ثم إننا إذا تأملنا قوله تعالى: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾، ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ وجدنا أن الأذى والخبث في الدبر أشد وأعظم، فتكون الآية دالة بإيمائها على تحريم الوطء في الدبر، على أن قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣] يدل على أن محل الاستمتاع أنه محل الحرث، وهو الفرج، أما الدبر فلا. لكن مع ذلك يجوز للإنسان أن يستمتع بزوجته بغير الحرث كما لو استمتع بين الفخذين، هذا لا بأس به. * طالب: مثلًا باشر (...). * الشيخ: أيهم. * الطالب: الاستمتاع. * الشيخ: بين الفخذين؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم مباشرة، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يأمُرُني فأَتّزِرُ فيباشرُني وأنا حائض[[أخرجه البخاري (٣٠٠).]] ». * طالب: قلنا: ما دام إنها حائض ما تجوز مباشرتها. * الشيخ: المباشرة المراد الجماع. إذن قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ هذا الفعل المطلق مقيد ولّا لا؟ مقيد بما ثبت الشرع بمنعه في حال أو مكان. * طالب: هل صحيح ما نسب إلى ابن عمر وآخرين أنهم يجيزوا هذا الإتيان؟ * الشيخ: والله ما أدري هل يصح عنهم أو ما يصح، ما أظنه يصح، بعيد هذا. * الطالب: ذكرها الشيخين (...) البخاري مثلًا إذا كان يجيز هذا الشيء. * الشيخ: حققها لنا، وهي عليك إن شاء الله. * طالب: إي، يعني من الدبر في القبل في بعض الأحاديث؟ * الشيخ: إي، ها هدي، هي هكذا هي السنة، من دبرها في قبلها، هذا جائز، يعني يمكن يحمل على هذا، إن فيه شبهة والله نشوف صحته عنهم. * ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصدًا بوطئه طلب الولد؛ لقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. «وذكروا عن عمر رضي الله عنه أنه لا يجامعُ إلا إذا اشتهى الولدَ[[أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٤٧٩)، وابن أبي الدنيا في العيال (٣٩٠) وفيه: فلولا الوَلَدُ ما أَردتُهُن من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] »، ولكن مع ذلك ما يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة، هذا ليس فيه منع. * ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يلهو بالمتعة عن عمل الطاعة، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]. * الشيخ: على أحد التفسيرين، حيث فسر «بأن المراد ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ من طلب ليلة القدر والقيام[[ينظر ما أخرجه الطبري في التفسير (٣ / ٢٤٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٦٨٣) (١ / ٣١٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] ». * طالب: هل يصح عن عمر (...). * الشيخ: يمكن يكون، يمكن يصح. * ومنها، من فوائد الآية: جواز الأكل والشرب في ليالي الصيام؛ لقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السَّحور، أو السُّحور بالضم، فما رأيكم؟ * طالب: ما (...) عين الآية. * الشيخ: من هذه الآية فيه، ما فيه؟ * طالب: لأن اللام للتوكيد؟ * الشيخ: ما فيه لام. * طالب: حتى للغاية. * الشيخ: للغاية. * طالب: (...). * الشيخ: هذه بعض العلماء استنبط من هذا وعندي هذا الاستنباط له غور، ويش وجهه؟ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقًا بالمكلف، أليس كذلك؟ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به، موافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ما يحتاج إلى توقف، كلما تأخرت بالأكل إلى عند طلوع الفجر صار أرفق لك، ولّا لا؟ قالوا: فما دام نص التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق. وهذا استنباط جيد تعضده أيضًا الأحاديث، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُور» أو: «فِي السُّحُورِ»[[أخرجه البخاري (٣٠٠) من حديث عائشة.]]؟ بالضم الفعل، وبالفتح ما يؤكل، يجوز الوجهان، السَّحور فيه بركة، ولهذا طعام واحد يغني الإنسان عن طعامين في النهار، شراب واحد يغنيه عن كم؟ عن ست شرابات، الواحد إذا أفطر في أيام الصيف يمكن يشرب في النهار ست مرات. * طالب: (...) إذا كان سهران مثلًا، يكون تأخر بالنوم يكون تسحر في أول الليل أو في (...) الليل وينام هذا أرفق به؟ * الشيخ: لا لا، ما هو أرفق به من جهة الاستعانة على الصيام أبدًا ولا أرفق، أرفق من جهة القيام، أي راحة البدن، هذا خارج (...) لكن من حيث الصيام لا شك أن هذا أعون على الصيام. على كل حال الآن هذا الاستنباط أنا عرضته عليكم لأجل أن نعرف أن بعض العلماء رحمهم الله لهم غور في استنباط المسائل، فبادئ الأمر تقول: ما قال: كلوا واشربوا في وقت السحر. * طالب: يا شيخ، فين نأخذ (...) الإباحة، لأنه كان منهي عنه وأباحه؟ * الشيخ: كيف الإباحة لأي شيء، لأي شيء أبيح؟ * الطالب: هذا خير ليحصل.. * الشيخ: لا لا، أبيح للتيسير، والله يحب اليسر، كما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥] * الطالب: فكيف نقول: إن العلماء يأخذون استحباب.. * الشيخ: هذا السبب، قلنا: استحبابه؛ لأنه إنما أبيح من أجل التيسير على المكلف -بارك الله فيك- لكن ما دام أنه من أجل التيسير، والتيسير في حقه أن يأكل قرب طلوع الفجر يكون مستحبًا. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر أو لا؟ زين، ولّا لا، ولّا إلى أذان الفجر؟ * طلبة: إلى طلوع الفجر. * الشيخ: إلى طلوع الفجر؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ حتى يتبين. * طالب: (...) أذن يا شيخ (...) طلع. * الشيخ: لا (...) قبل الفجر، وبعضهم يتأخر بعد الفجر، ولهذا نعلق الحكم بتبين الفجر لا بأذان الفجر، إلا من علم أنه يؤذن على الوقت، فكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٩) واللفظ له، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦) من حديث عائشة.]]. * طالب: أنت تعرف المكلف مثلًا ما يعرف يعني ما يستطيع إنه.. * الشيخ: إي نعم يعرفون هذا بأن يسألوا المؤذن، إذا كان المؤذن ممن عرف بالتحري والدقة اتبعوه. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مسألة اختلف فيها أهل العلم وهي: لو أنه طلع الفجر وهو يجامع زوجته، إن بقي حرم عليه، وإن قام لزمته الكفارة، يكفر، فما رأيكم المذهب عندنا مذهب الحنابلة أنه لو طلع الإنسان الفجر وهو يجامع ثم نزع لزمته الكفارة؛ أن يصوم شهرين متتابعين، يعني يعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، فما رأيكم بهذا الرأي هل تؤيده الآية الكريمة، أو أنها تضعفه؟ * طالب: تضعفه. * الشيخ: الآية تضعفه لا شك، الآية تضعفه؛ لأن الله أباح لنا ذلك إلى متى؟ * طلبة: حتى يتبين. * الشيخ: حتى يتبين لنا، حتى يتبين، فإذا جامع الإنسان زوجته وهو لم يرَ الفجر فإنه قد فعل مأذونًا فيه، ومن فعل مأذونًا فيه لا يمكن أن يعاقب. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الصيام مع الجنابة، أي جواز أن يصبح الصائم جنبًا، أنه يجوز أن يصبح الصائم جنبًا. من أين تؤخذ؟ إباحة الجماع حتى يتبين، يعني معناه أنه لك أن تجامع إلى أدنى وقت، من لازم ذلك أنك تصبح وأنت على جنابة ولّا لا؟ إي نعم، وقد ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه «كان يُصبح جُنُبًا من جماع أهله وهو صائم»[[أخرجه مسلم (١١٠٩ / ٧٥) من حديث عائشة وأم سلمة. ]]، واضح؟ * طالب: نقول: إنه من أصبح جنبًا فلا شيء عليه فما دليل جوازه؟ * الشيخ: لا، نقول: جواز؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا أصبح جنبًا فإنه يبطل صومه. * من فوائد الآية: جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر، جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر، إذا قال: والله أنا الآن أنا أشك ما أدري والله هذا اللي نشوفه هو الفجر ولّا لا، عندي شك. نقول: تأكل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وكذلك رد من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس (...). * طالب: من قال هذا؟ * الشيخ: ذكروا هذا. * طالب: يا شيخ ثبت في حديث عن النبي (...). * الشيخ: هذا ضعيف (...). * الطالب: حسن. * الشيخ: في القراءة صحيح ولكن في (...) ضعيف. * الطالب: حسن (...). * الشيخ: ما يصح أبدا، كل شيء يخالف القرآن ليس بصحيح أبدا. بقينا في لو أذن المؤذن الذي يؤذن على الفجر وفي يده الإناء يشرب، هل يجب عليه أن ينزل الإناء ويمسك أو له أن يقضي نهمته منه؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: لا ما يجوز على مذهب الإمام أحمد، على مذهب الإمام أحمد ما يجوز، يجب لو كان في فمه ماء لفظه. * الطالب: (...) إذا تبين تركه. * الشيخ: وكذلك الطعام وهذا هو ظاهر القرآن، لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر «بأنه إذا أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه[[أخرجه أبو داود (٢٣٥٠) من حديث أبي هريرة. ]] »، فإن كان هذا الحديث صحيحا فإنه يحمل على أن المؤذن لا يؤذن حتى.. يعني معناه أنه قد يحتاط، يعني ما يدع الأذان إلا أن يطلع الفجر، يكون هذا لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيرا فسومح الإنسان، وإلا فإنه يخالف الأحاديث الصحيحة والقرآن أيضًا، فإن القرآن يقول الله فيه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ والرسول ﷺ يقول: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٩) واللفظ له، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦) من حديث عائشة.]]. * طالب: من يفعل من العوام (...) الفجر (...) قبل الفجر (...) ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾؟ * الشيخ: لا، هذا تلاعب (...) التبين، لا هذا تلاعب، كذلك ما روى عن بعض العامة يروون عن الرسول ﷺ أنه كان يستتر بناقته عن الفجر، هذا كذب تلاعب. * طالب: قول الحنابلة بأنه إذا أذن الفجر وهو يجامع فإذا نزع فعليه الكفارة مفرع على أي شيء؟ * الشيخ: مفرع على أن النزع جماع، يرون النزع جماعا، كابتداء الجماع وهذا ليس بصحيح هذا (...) ليفعل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أرى أنه بالنسبة للمؤذنين الآن ما يمكن يؤذنون بالدقة الحقيقة، ما يؤذنون بالدقة، لكننا ما نفتي به نخشى من التلاعب، ما نفتي به. * طالب: يتقدم (...). * الشيخ: والله غالبهم يتقدم. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في حال الصوم، بمعنى أن بعض الناس الآن ولا سيما الجهال يقولون: نؤذن قبل الفجر احتياطا، علشان الناس يمسكون، نقول: هذا الاحتياط في غير محله؛ لأن الاحتياط الحقيقي هو اتباع الشرع، عرفتم؟ نعم لو تعارضت الأدلة لكن هنا الأدلة واضحة، حتى في الآية: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، ما فيه احتياط، فالاحتياط للزوم الشرع أن تأكل وتشرب حتى يتبين، وأنتم أيضًا إذا احتطتم من ناحية الصيام فرطتم من ناحية ما هو أهم من الصيام، وهو الصلاة؛ لأن بعض الناس إذا سمع المؤذن أذان الفجر تعالوا نصلي على طول، فحينئذ نكون غررنا الناس في مسألة الصلاة وهي أهم. * طالب: الفائدة (...) * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الآخرة. * الشيخ: الأخيرة؟ أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في أيام الصيام بتقديمه على الفجر. * طالب: (...) خمس دقائق. * الشيخ: من؟ * الطالب: (...) شخص (...) الوقت (...). * الشيخ: لا، لا تحتاط؛ لأنك إذا احتطت منعت عباد الله مما أحل الله لهم. * الطالب: (...). * الشيخ: والله ما أدري، أنا أرى أن الاحتياط باتباع الشرع، لا تشدد على نفسك. * طالب: حتى يتبين. * الشيخ: حتى يتبين. * طالب: طب إذا كنت في مكان وعلمت أن الناس يتبعون الفجر الكاذب ليس الفجر الصادق، بعض الناس يؤذنون على الفجر الكاذب. * الشيخ: لا أدراك بهم، لا تعتد بهم. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لو أكل الإنسان على أنه لم يتبين له الفجر ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فإنه لا قضاء عليه. * طالب: يعني يقول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ فإذن أكله مأذون فيه ولّا لا؟ مأذون فيه، وما كان مأذونا فيه فإنه لا يُرتب عليه إثم ولا ضمان ولا شيء. وقد مر علينا في قواعد الفقه: ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون. إذن نقول: من أكل وهو لم يتبين له طلوع الفجر، ثم تبين بعد أنه بعد طلوع الفجر فلا قضاء عليه. وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، ويؤيده أيضًا نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها، ورفع لعدي بن حاتم رضي الله عنه، حيث كان يضع عنده عقالين، أحدهما أسود والثاني أبيض، ويأكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فأخبر بذلك النبي ﷺ ولم يأمره بالقضاء[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠ / ٣٣) من حديث عدي بن حاتم، ولفظه: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ، فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ. قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذَنْ لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ».]]. فعندنا أدلة خاصة وأدلة عامة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا أكل ثم تبين أن الفجر قد طلع فإنه يلزمه القضاء، يلزمه القضاء؛ لأنه أكل بعد أن طلع الفجر، ولكن هذا القول ضعيف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. خدتوا بالكم يا إخواني في المسألة، في الجملة التي قبلها نسينا فائدة وهي: الإيماء إلى كراهة الوصال، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعا، ما يفطر بينهما، وقد كان الوصال مباحا، ثم نهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عنه وقال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ»[[أخرجه البخاري (١٩٦٣) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فقط، مع أنه يرغب في تعجيل الفطر. وهذا من المسائل التي كنت نبهت عليها سابقا، بأن الشيء قد يكون مأذونا فيه وليس بمشروع، أو لا؟ فالوصال إلى السحر مأذون فيه، لكنه ليس بمشروع، ومر علينا مثال آخر مثل؟ * طالب: هي التعبد للميت. * الشيخ: إي، مثل الصدقة على الميت، مأذون فيه وليس بمشروع، ومثل؟ * طالب: ختم الصلاة. * طالب: ختم الصلاة بقراءة سورة الإخلاص. * الشيخ: قراءة سورة الإخلاص ختم الصلاة بها فهذا جائز وليس بمشروع. * من فوائد الآية قلنا: إن الصيام الشرعي ينتهي. * طالب: بغروب الشمس. * الشيخ: بغروب الشمس.. لا بالليل؛ لأنه قال: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾، كلمة ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ الآن نشوف نبحثها، هل المراد إلى أن يكسو الليل الأرض، أو المراد ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى أن يتبين الليل؟ أو أن المراد شيء آخر وراء ذلك؟ نقول: لا شك أن أصح التفسير بعد تفسير الله عز وجل تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت عنه أنه قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ- وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠ / ٥١) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، هذا الحديث حكم فاصل يبين هذا المجمل من قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ولذلك ذهبت الرافضة إلى أن الفطر ما يكون حتى يكسو الليل الأرض، ولهذا ما يفطرون إلا إذا بانت النجوم؛ تمسكا بظاهر الآية، ولكن يقال: إن الرسول ﷺ بينها وهو المبين للقرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، ما من أحد من البشر يُرجع إلى تفسيره ويجب الرجوع إليه مثلما يجب الرجوع إلى تفسير الرسول ﷺ. فإذن إن علقنا الحكم بإقبال الليل المجرد ما صح، (...) ما يصح. * طالب: (...). * الشيخ: أقول: (...) ما يصح؟ * طالب: لأنه قال: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾. * الشيخ: إي طيب أقبل لأن نشوفه أسود. نقول: لأن ابتداء الليل -حسب ما نرى ونشاهد الآن- ابتداء الليل يكون والشمس ما غربت، أو لا؟ ما عمركم تشوفوه؟ الآن شوف الجو من المشرق بدأ به، بدأ فيه الظلام والشمس ما غربت. كوننا نقول: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى امتداد الليل إلى آخر الأفق، هذا أيضًا لا يصح، ليس مرادا من الآية، المراد من الآية ما بينه الرسول ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ»، لو قال قائل: إذا غربت الشمس قبل أن يقبل الليل؟ * طلبة: ما يمكن. * الشيخ: نقول: هذا ما يمكن إلا على رأي شيخ أبي حنيفة، نعم يقولون: إن أبا حنيفة.. وإن كان أنا والله أنا ما ودي أجيب الأشياء التي يكون فيها ضحك في قراءة القرآن أو تفسير القرآن أو إعراب القرآن، لكن يقولون: إن أبا حنيفة جالس مع أصحابه فجاء رجل ذو هيئة، وكان قد مد رجله مع إخوانه وأصحابه، فجاء هذا الرجل فعظمه أبو حنيفة، وكف رجله وجعل يحدث أصحابه، كان يحدثهم أظن في أوقات النهي، وقال: أوقات النهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، المهم قال له: يا سيدي أرأيت لو طلعت الشمس قبل أن يطلع الفجر، قال: (...)، المهم لا يمكن أن تغرب الشمس قبل أن يتبين الليل هذا شيء من المستحيل، في أفق (...). * من فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف. * ومنها: أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧]. لو قال قائل: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ يدل على أن هناك اعتكافا في غيرها فما الجواب؟ الجواب: أنه لما جعل للاعتكاف في المساجد حكما، دل هذا على أنه لو كان الاعتكاف في غيرها مشروعا لكان الحكم عاما، وأيضًا فإن الله يقول في آية أخرى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة ١٢٥]. * ومن فوائد الآية: أن الجماع مفسد للاعتكاف، نحن ذكرنا النهي عن المباشرة؟ ما ذكرناه؟ طيب إذن خلِّ قبله: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف؛ أن مباشرة النساء مبطلة للاعتكاف، أو أن الاعتكاف يبطل بذلك، ما وجهه؟ ما وجه كونه مبطلا؟ * طالب: النهي. * الشيخ: النهي؛ لأنه نهي عنه بخصوصه، والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها، وذكرنا أثناء التفسير أن بعض العلماء استنبط منها أن الاعتكاف إنما يكون في الصيام وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكرها عقب آية الصيام. * ومن فوائدها: ما استنبطه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف يكون في آخر شهر رمضان. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة ١٨٧]. * طالب: إذا اعتكف في الأوسط. * الشيخ: كله ينتظر ليلة القدر، حتى قيل له: إنه في العشر الأواخر، فاستقر على ذلك في العشر الأواخر. * طالب: اعتكف مرة في العشر الأولى من شوال؟ * الشيخ: قضاء، هذه اعتكفها قضاء؛ لأنه لما خرج في صباح يوم اعتكافه وجد أن نساءه ضربن أخبية فقال «آلْبِرَّ يُرِدْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٤١)، ومسلم (١١٧٣ / ٦) واللفظ له، من حديث عائشة.]] ثم أمر عليه الصلاة والسلام بنقض هذه الأخبية وترك الاعتكاف هذا العام، ثم قضاه في شوال. * طالب: (...) خلاف ما اشترطه بعض العلماء أن يكون جامع، أطلق.. * الشيخ: نعم نعم، إنه ما يشترط أن يكون جامع نعم. * طالب: ولو كان يصلى فيه بعض الصلوات. * الشيخ: لا، لا بد أن يصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأجل ألا يخرج ولا يتكرر خروجه؛ لأنه إما أن يدع الجماعة وهذا حرام وإما أن يكثر الخروج وهو في الحقيقة كأنه غير معتكف. * طالب: شيخ، الاعتكاف بغير رمضان؟ * الشيخ: أما إنا قلنا: إنه جائز وليس بمشروع، جائز وليس بمشروع. * طالب: بعض المساجد لا يصلى فيها الصلوات الخمس أصلا (...). * الشيخ: حديث عمر يوم أو ليلة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٢) وفيه لفظ: ليلة، ومسلم (١٦٥٦ / ٢٨) وفيه لفظ: يوم، من حديث ابن عمر.]]. * طالب: كونه في العشر الأواخر ما وجهه من الآية (...). * الشيخ: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٧] * من فوائد الآية الكريمة: أن أوامر الله تعالى حدود له، وكذلك نواهيه، الدليل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، لكن إن كان حدا عن الخروج فهي أوامر، وإن كان حدا عن الفعل فهي النواهي، ولهذا يقال في النواهي: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وفي الأوامر: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة ٢٢٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي البعد عن المحارم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يبين للناس الآيات الكونية والشرعية؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله وصفاته، ما وجه ذلك؟ لأنهم مثلا إذا قالوا: المراد باليد النعمة أو القوة، والمراد بالاستواء الاستيلاء، والمراد بكذا كذا، وهو خلاف ظاهر اللفظ ولا دليل عليه، صار القرآن بيانا للناس ولّا غير بيان؟ غير بيان؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان. فيستفاد من الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل وغيرهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون: إن الله أراد بكذا كذا بدون دليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم سبب للتقوى، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * الشيخ: ما وجهه؟ لأنه أعقبه، يعني جعله عقب قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾، فدل هذا على أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. فكلما ازداد الإنسان علما بآيات الله ازداد تقى، ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو مرتبة التقوى، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، فلولا أن التقوى مرتبة عالية تبيَّن من أجلها الآيات للوصول إليها، ما بين الله الآيات لأجلها، ولأجل أن يتقي الناس ربهم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة ١٨٨]. أولا: ارتباط هذه الآية بالتي قبلها ظاهر جدا؛ لأنه لما ذكر المحرمات بسبب الصيام ذكر المحرمات بسبب القضاء، المحرمات بسبب الصيام تقدم لنا الأكل والشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أعقب ذلك بالنهي عن أكل المال مطلقا بسبب القضاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أكل المال بالباطل. ما معنى الباطل؟ الباطل كل شيء ليس لك فيه حق شرعا فهو باطل، كل ما لا حق لك فيه شرعا فهو باطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. ومن فوائدها أيضًا: تحريم الرشوة، على أحد التفسيرين كما سبق؛ لقوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ تدلوا بالأموال للحكام يعني: تعطونهم من أموالكم ليحكموا لكم بالباطل. * ومن فوائدها: أن الحاكم يحكم بما ظهر، يعني يقضي بما سمع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]] من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ وهذه فيمن يدعي ما ليس له ويخاصم ويقيم بينة كذبا، أو يجحد ما عليه ويخاصم ويحلف كاذبا، كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تيسير الله سبحانه وتعالى على الحكام بين الناس حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة، ولّا لا؟ تيسير الله تعالى على الحكام حيث لا يؤثّمهم في الأمور الباطنة، ولا يلحقهم إثم بها، وإلا لكان الناس في حرج ومشقة. * طالب: وجه ذلك؟ * الشيخ: وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له وإن كان خلاف الواقع فلا إثم عليه؛ لأنه إذا كان هؤلاء يدعون ما ليس لهم ويدلون بها إلى الحكام وحكموا بها فالإثم على المحكوم له. * الطالب: يعني تؤخذ من ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ أيضًا؟ * الشيخ: تؤخذ من: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ ومما بعدها: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ فجعل الإثم على الآكل لا على القاضي. * طالب: والرشوة يا شيخ؟ * الشيخ: والرشوة محرمة. * الطالب: لكن لو صار القاضي يأخذ الرشوة؟ * الشيخ: فهو آثم، ما هي مسألتنا؛ لأن الآية فيها قولين، وهي تشملهم كلهم، فإن كان القاضي يأخذ الرشوة فهو حرام عليه، وأما إذا كان ما يأخذ الرشوة ولكنه حوكم الخصم عند القاضي لأجل أن ينكر فالقاضي ما عليه شيء. * طالب: ما يؤيد أنها غير الرشوة؟ يعني قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ لو كان الرشوة يمكن يصير على الحكام؟ * الشيخ: لا، حتى الإدلاء بها، أي بالرشوة بالأموال إلى الحكام، الإدلاء بها إلى الحكام لا شك أنه ظاهر بالرشوة، أدلى بها إلى الحكام؛ لأنه مأخوذ من أدلى دلوه، أدلى بدلوه إلى البئر معناه أنزله فيها، كذلك ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ يعني تدلوا (...). لا إثم بدون علم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فلو فرض أن الإنسان لا يعلم فإنه لا إثم عليه، مثل لو فرض أن غريمه أوفاه ولكن هو ناسٍ، وحلف أنه ما أوفاه، وحُكم له، فلا إثم عليه، لكن متى ذكر أنه قد أُوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه (...). وهو القمر أول ما يكون شهرا، وسمي هلالا لظهوره، ومنه الاستهلال والإهلال، وهو رفع الصوت كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ»[[أخرجه أبو داود (١٨١٤)، وابن ماجه (٢٩٢٢) من حديث السائب بن خلاد.]]، يعني بالتلبية. ومنه قولهم: استهل المولود، إذا صرخ بعد وضعه، ولهذا سمي الهلال هلالا لظهوره، والهلال هو القمر إذا ظهر أول ليلة.

البقرة 2:188

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] الخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ يعود إلى من؟ * طالب: إلى الرسول. * الشيخ: إلى الرسول ﷺ؛ لأنه هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى في إبلاغ الوحي، وليس عائدًا إلى كل أحد، ما هو عائد إلى كل أحد، وقد سبق لنا أن الخطاب الموجه من الله عز وجل قد يكون خاصًّا بالرسول، وقد يكون عامًّا له وللأمة حسب السياق. ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ (عباد) مضاف، والياء مضاف إليه، والمراد بالعباد هنا: العباد المؤمنون، بدليل قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، والكفار ما يدعون الله يدعون معه غيره. وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ عن أي شيء؟ عن ذات الله، عن صفاته، عن قربه، عن كرمه؟ الجواب هو الذي يحدد معنى السؤال، الجواب هو الذي يحدد معناه، نشوف الجواب: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ إذن هم يسألون عن أيش؟ عن القرب والإجابة؛ لأن كلمة: ﴿عَنِّي﴾ تحتمل معاني كثيرة لكن يحددها الجواب، وكما يقال: إن الجواب على قدر السؤال. ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ هل هذا يدل على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنه على تقدير هذا الأمر وفرضه؟ عندنا ثلاثة أشياء: هل تدل الآية على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنهم إن سألوك فقل كذا؟ * طالب: الثالث. * طالب آخر: الثاني والثالث. * طالب آخر: تشمل الجميع. * الشيخ: الثالث، الثاني والثالث، لكن أنا ذكرت لكم هذه الاحتمالات الثلاث؛ لأنه ذكر في هذا الموضع حديث:« أن الصحابة قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ »[[أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٢٢)، من حديث عيينة بن أبي عمران مرسلًا.]]، وهذا الحديث تكلم فيه العلماء وضعفوه، ولكن بعضهم يذكره محتجًّا به، وممن يذكره محتجًّا به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإذا ذكره في هذا الموضع محتجًّا به دل هذا على أنه عنده حجة، وأقل أحواله أن يكون حسنًا، لكن كثير من المحدثين ضعفوا هذا الحديث، وسياق الآية لا يدل على أنه سببها؛ لأنه لو كان سبب نزول الآية هذا القول لقال كما يعبر في آيات كثيرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٢٢٠]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة ٤] وما أشبه ذلك، فيأتي بصيغة المضارع الدالة على الوقوع، لا بصيغة الماضي المعلق بالشرط فإن الماضي المعلق بالشرط يدل على عدم وقوع ذلك الشيء. لكن هل يدل على أنه سيقع، أو على فرض أن يقع؟ قال علماء البلاغة: إن (إذا) و(إن) كلاهما شرطيتان، لكن (إن) لا تدل على الوقوع، قد تعلق بأمر ممتنع غاية الامتناع، بخلاف (إذا) فإنها تدل على الوقوع. مثال ذلك: قلت لك: إذا جاء زيد فأكرمه، وأيش معنى هذا؟ أنه يبغي يجي وليكن إكرامك إياه عند مجيئه، فإذا قلت: إن جاء زيد فأكرمه، هذا يدل على أنه قد يأتي وقد لا يأتي. فهذه الآية: ﴿إِذَا سَأَلَكَ﴾ ظاهرها أن السؤال منهم متوقع، وعلى هذا فيكون الله عز وجل أفتاه بأمر قد يكون، وهو للكون أقرب، أما (إن) فقلت لكم: إنها لا تدل على وقوع الشيء بل إنها قد تدخل على الشيء الممتنع غاية الامتناع، كقوله تعالى عن نفسه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هذا الشرط ممكن؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: غير ممكن، وقوله عن الرسول ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] يمكن، يمكن هذا؟ ما يمكن، إي نعم. وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء ١٢] (إن) هذه دالة على شيء لا يمكن وقوعه، بل يمكن وقوعه.. إن هذا السؤال عن أيش؟ عن قربه وإجابته ﴿عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. من يسأل؟ * طالب: (إنْ) إذا قلنا: إنها بعيدة الوقوع (...)؟ * الشيخ: لا، قد تدخل ما هي مستحيلة ولا بعيدة، لكن الفرق أن (إذا) تدل على أن الأمر سيقع بخلاف (إنْ). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هو لا بد يكون له ولد؟ ما هو لا بد يكون. * الطالب: قد يكون. * الشيخ: قد يكون وقد لا يكون، لكن (إذا) تدل على أن هذا الشيء سيكون. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ شوف ﴿سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ الياء تعود على الله، ﴿عَنِّي﴾ على الله، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ما قال: فقل: إني قريب، فبعضهم قال: إنه على تقدير (قل)، إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب، فيكون الجواب محذوف، جواب (إذا)، و﴿إِنِّي قَرِيبٌ﴾ مقول هذا المحذوف، معموله، يعني: مقول القول، فقل: إني قريب، ولكن الصحيح أنها لا تحتاج إلى تقدير؛ لوجهين: الأول: أن الأصل عدمه، وما دام الكلام يستقيم بدون التقدير فهو أولى. ثانيًا: أن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ كأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى السؤال، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ﴿إِذَا سَأَلَكَ﴾ ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، فهذا أبلغ من قوله: فقل: إني قريب. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الياء نقول: إنها تعود إلى الله عز وجل، فأخبر الله أنه قريب هو بنفسه ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؛ لأن الضمير يعود على الله عز وجل، ولكن ما معنى القرب الذي أثبته الله لنفسه؟ هل المراد أنه حال في المكان؟ ويش الجواب؟ لا، هذا شيء مستحيل، ولا يمكن أن تنزل الآية على شيء مستحيل، ولكنها تنزل على معنى يليق به سبحانه وتعالى، وهو كما قال شيخ الإسلام: قريب مع علوه، مع علوه على عرشه؛ لأنه محيط بكل شيء، والمحيط بكل شيء هو قريب وإن كان بعيدًا في علوه سبحانه وتعالى. وهذا القرب لا يستلزم النقص، بل هو دليل على الكمال، ووجه ذلك: أنه إذا كان فوق السماوات العلا مستويًا على عرشه وهو قريب ويش يدل عليه؟ على كمال عظمته وإحاطته سبحانه وتعالى، وإلا فإن الإنسان بالنسبة للمخلوقات لا يتصور أن شيئًا بهذا البعد يكون قريبًا؛ لأن الله فوق كل شيء، فلكماله سبحانه وتعالى وكمال عظمته يكون قريبًا مع علوه؛ ولهذا في «حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ذكر أنهم كانوا إذا علوا شرفًا أو هبطوا واديًا كبروا ورفعوا أصواتهم، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤ / ٤)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا حاجة إلى أن الإنسان يتعب نفسه برفع الصوت بالدعاء والتكبير؛ لأن الله جل وعلا قريب، قريب وإن كان فوق عرشه. واعلم أن بعض بل الحلولية من الجهمية وغيرهم يستدلون بمثل هذه النصوص المتشابهة على باطلهم، فلا تكون قلوبهم متسعة للجمع بين الأدلة، ولا تكون قلوبهم متسعة للفرق بين الخالق والمخلوق، فيأخذون بنصوص ويدعون مثلها، ومن الغريب أن الشيطان لبَّس عليهم -والعياذ بالله- فأخذوا بالنصوص التي هي نقص في حق الخالق، وتركوا النصوص التي هي كمال في حق الخالق، تركوا نصوص العلو وهو كمال، وأخذوا بهذه النصوص المتشابهة، وهي -على ما قالوه- تقتضي النقص، وأن الله سبحانه وتعالى تحيط به مخلوقاته، وأنه لا ينزه عن الأماكن التي ينزه عنها عامة الخلق. فالحاصل أننا نقول: إن هذا القرب لا يجوز لنا أن نتوهم أنه سبحانه وتعالى في الأماكن التي نكون فيها، وكل ما جاءك من هذه النصوص فاعلم أنه دال على عظمة الله عز وجل وإحاطته، ومنه ما جاء في الحديث: «عَبْدِي، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَقَالَ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَإِنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»، هذا يفرح به الحلولية ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يطبِّلون له، هذا واضح جدًّا عندهم، فيقال: أنتم نظرتم بعين أعور، عندكم نظر إلى النصوص من وجه، وطرف لها من وجه آخر، أهملتم الأدلة العقلية الفطرية السمعية على أن الله تعالى فوق عرشه مستوٍ عليه وأخذتم بمثل هذه النصوص المتشابهة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥ / ١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]. هؤلاء هم الذين سمى الله. فنحن نعلم علم اليقين أن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما نقل عن ربه في قوله: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ما أراد أنه وجده في الحجرة التي فيها المريض، ولكن لما كان المريض في الغالب -ولا سيما المؤمن- يكون عنده من الانكسار، من انكسار القلب والإنابة إلى الله عز وجل والخضوع ما لا يكون عنده في حال الصحة، فإن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، صح أن يعبر بهذا التعبير. فهذه النصوص يا إخواني لا تظنوا أنها تنافي نصوص العلم؛ لأنه -كما قلت لكم- تدل على عظمة الخالق جل وعلا، وأنه مع علوه بذاته على عرشه قريب من خلقه، يقرب من خلقه كما يشاء، ولا منافاة، هذا صحيح بالنسبة للمخلوق، ما يمكن يكون في أعلى شيء ويقال: إنه قريب، لكن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]. ومثله كذلك أيضًا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وما أشبه ذلك من الأحاديث التي قد يعجز أو تعجز عقول بعض الناس عن إدراكها، فيحاولون أن يؤلوها، فنحن نقول: إن الله عز وجل يقرب من خلقه كما شاء، كما قال السلف، ولا نكيف، نقول: الله أعلم بهذه الكيفية، لكن نعلم أنه سبحانه وتعالى وإن قرب من خلقه وإن نزل إلى السماء الدنيا نعلم أنه لا يزال عاليًا، لا يزال عاليًا سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، هل نقول: وجدت عنده ثواب أو مغفرة؟ * الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنه في الإطعام لما قال: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلَمْ تُطْعِمْهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»[[سبق تخريجه. ]]، ففرق الله عز وجل بين الإطعام وبين عيادة المريض. * طالب: «يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٢٧٨٢)، من حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: «أَيُّمَا رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا فَإِنَّمَا يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَ الْمَرِيضِ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ». ]] نقول: نحمله عليها؟ * الشيخ: نعم، نحن نحمله على الحقيقة، «يَخُوضُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ» بمعنى ينغمر فيها. * الطالب: نعم، يعني في الأجر والثواب؟ * الشيخ: في الأجر والثواب، إي نعم، ما في إشكال. * طالب: لكن كيف نقول: «وَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (...) ما نحمله على (...)؟ * الشيخ: ما نحمله؛ لأن هذا حديث واحد فرق فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما روى عن ربه. * الطالب: نحن ما نتصور (...)؟ * الشيخ: لا، نحن نتصور، يتصور، العندية لا تنافي العلو بالنسبة لله عز وجل، أما بالنسبة للمخلوق نعم ما يكون عندك وهو بالسطح، لكن بالنسبة لله عز وجل ما هو صفاته كصفاتنا، فالحديث الذي ورد ذكر في الطعام قال: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» بهذا اللفظ، وفي العيادة قال: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ففرق بينهما. * طالب: شيخ، الفطرة في الدعاء ما تحبذ هذا القول؛ لأن الله عز وجل ليس قريب لا بذاته ولا يعني الكيفية، أو الفطرة تقول: إن الله بعيد ليس بقريب؟ * الشيخ: إن الله في السماء لكن مع علوه هو قريب. * الطالب: بس الفطرة تقول: ليس بقريب؟ * الشيخ: لا، ما يمكن. * طالب: إيه، أن الله عز وجل.. * الشيخ: لا، إذا قلت: ليس بقريب بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أنه هو في المكان هنا (...)، لكنه قريب قربًا يليق به، ما نعرف حقيقة كيف يكون قريبًا، نثبت أنه قريب، ولكن ما نعلم كيف هذا القرب. (...) لم يلزم أن يكون ذلك في حق الخالق؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهو علي في دنوه قريب في علوه. فلا يقاس بخلقه. قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ﴿قَرِيبٌ﴾ هذه خبر (إن)، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ أنتم فهمتم الآن أنه قريب مع علوه، وأنه لا تناقض بينهما؛ لأن الله لا يقاس بالمخلوقات، فهو قريب في علوه، عليٌّ في دنوه، سبحانه وتعالى. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ قوله: ﴿أُجِيبُ﴾ هذه الجملة خبر ثانٍ لـ(إن)، فيكون خبرها اسما وجملة، يعني خبرها مفرد، والخبر الثاني جملة، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الدعاء بمعنى الطلب، وقوله: ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أصلها: الداعي بالياء، كالقاضي والهادي لكن حذفت الياء للتخفيف، نظيرها قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩] وأصلها: المتعالي، هذا في ما فيه (أل)، وقد تحذف في الذي ليس فيه (أل)، قد تحذف في شيء ليس فيه (أل)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أصلها: من والي، وكل ذلك للتخفيف. ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ شوف قال: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾، مع أنه لا يكون داعيًا إلا إذا دعا، وحينئذٍ قد يقول قائل: ما فائدة الشرط؟ الداعي هو ما كان داعيًا إلا لما دعا، وحينئذٍ فما فائدة الشرط في قوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؟ نقول فائدته: الإشارة إلى أمرين، بل إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول: الإخلاص، بأن يدعو الله تعالى نفسه ما يتخذ بينه وبينه وسائط، فيقول: يا رسول الله، ادع الله لي، بعد ممات الرسول ﷺ، أو يا أيها الولي الفلاني -بعد موت الولي- ادع الله لي، أو ما أشبه ذلك، ففائدتها الإخلاص أن يكون مخلصًا لله في الدعوة. الفائدة الثانية: اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى محقق له ما دعا؛ لأنك ما تدعو أحدًا بصدق إلا وأنت واثق من إجابته؛ ولهذا جاء في الحديث: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٧٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فيكون فائدتها: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ أي: حقًّا، دعاني حقًّا يعلم أنني سأوتيه دعوته. الشيء الثالث: تفيد صحة افتقاره إلى الله، وأنه حقيقة مفتقر له؛ إذ إنه لا يدعى إلا من كان مفتقرًا إليه، فيكون فائدة ذلك تحقيق هذا الدعاء على الوجوه الثلاثة، وهي: الإخلاص ويش بعد؟ الإيقان بالإجابة، والثقة بالله عز وجل، والثالث: صحة الافتقار إلى الله، بحيث إنه ما دعا إلا وهو مفتقر؛ لأن المستغني ما يدعو، المستغني لا يدعو. وقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ أصلها: دعاني بالياء، فحذفت الياء تخفيفًا. وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ شوف ما قال: أجيب مسألته، قال: أجيب دعوته، وإجابة الدعوة لا يلزم منها تحقيق المسألة؛ إذ قد لا يجيب الله تعالى مسألته، ولكن يجيبه إما بأن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، وإما بأن يدخرها له، فإذا لم يجب ما سأله بعينه وادخره له أو صرف عنه من السوء ما هو أعظم، فهل يقال: إنه أجاب الدعاء ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أجاب الدعاء لا شك، لكنه لحكمته ولرحمته بهذا الداعي اختار له ما اختار، قد يكون من مصلحة الداعي أن تجاب دعوته، قصدي أن تجاب مسألته التي سأل، وقد لا يكون من المصلحة. وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال بعدها: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: فليجيبوا لي؛ لأن استجاب بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥] أي: أجاب، وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٣٨] بمعنى أجابوا له، وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ هنا ما قال: فليستجيبوني، (...) أجاب يقال: أجابه، لكن هنا عداها باللام: استجاب له؛ لأنه ضُمن معنى الانقياد، وإلا لكانت (أجاب) تتعدى بنفسها، نظيرها قوله ﷺ في حديث معاذ: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لَكَ بِذَلِكَ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٤٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) بلفظ: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ»، وفي رواية في ابن خزيمة (٢٣٤٦) بلفظ: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ».]]، (أَجَابُوا لَكَ) » ولم يقل: أجابوك، فضمن الإجابة معنى الانقياد. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ يعني: فلينقادوا لي إجابة، مبنية على ما بعدها ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مبنية على الإيمان، وهنا قال: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ دون وليؤمنوا لي؛ لأن الإيمان بالله متضمن للاطمئنان والاعتراف التام وليس مجرد تصديق، بل هو تصديق باطمئنان قلب؛ ولهذا يقال: اطمأن قلبه به، فصدَّق واطمأن، وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ اللام هذه في الفعلين لام الأمر؛ ولهذا سكنت بعد حرف العطف. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ لعل؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: للتعليل نعم، كلما جاءت لعل في كتاب الله فإنها للتعليل؛ إذ إن الترجي لا تكون إلا فيمن يحتاج ويؤمل كشف ما نزل به عن قرب، أما الرب عز وجل فإنه يستحيل في حقه هذا، فيكون ما جاء في القرآن من مثل هذا التعبير يكون معناه التعليل لأجل الرشد. والرشد يطلق بمعنى حسن التصرف، وبمعنى الغنيمة؛ ولهذا يقال: يا راشد، يعني: يا غانم، وأما الرشد بمعنى حسن التصرف فهو كثير، كما في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء ٦] ويش معنى ﴿رُشْدًا﴾؟ أي: حسن تصرف، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات ٧] أي: الغانمون، فهي قريبة من معنى المفلحين، وفي هذه الآية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ تحتمل المعنيين: الرشد بمعنى حسن التصرف، والثاني: بمعنى الغنيمة التي رشدوا بها، ولا شك أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه أحسن الناس تصرفًا ويوفق ويهدى وتيسر له الأمور، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧]، ولا شك أيضًا أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه غانم رابح، ولا أحد أربح منه. إذا قال قائل: إذا حملتم الرشد هنا على المعنيين جميعًا، فمعنى ذلك أنكم استعملتم المشترك في معنيين فماذا نقول؟ نقول: ما فيه مانع، نقول: الصحيح أنه جائز، إذا كان المعنيان لا يتنافيان، وأي مانع من أن يكون المتكلم قصد ما يدل عليه الكلام هذا وهذا. * طالب: المعنيين يكونون أبلغ بهذا؟ * الشيخ: نعم، رجل قال: دخل اللصوص على بيت فلان فأتلفوا عينه، ويش المراد بالعين؟ * طالب: المتاع. * طالب: المال. * الشيخ: المال، وعينه أيضًا اللي تجري، الماء، أو لا؟ وعينه الباصرة، كلٌّ يمكن، فإذا علمنا أن هؤلاء اللصوص أفسدوا كل الثلاثة، فلا مانع أن نقول: إنهم دخلوا على بيته فأتلفوا عينه، ويش المانع؟ الكلام بس أن يكون هناك دليل على أن هذا اللفظ المشترك مستعمل في المعنيين، فإذا دل الدليل فلا مانع. * طالب: الشوكاني يقول: بمعنى الهداية؟ * الشيخ: نعم، الهداية من حسن التصرف. * طالب: شيخ، قوله ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ما في فائدة أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء (...) مسألة ودعاء عبادة، (...) نص على دعاء المسألة بخصوصها؟ * الشيخ: لا، ما فيه هذا الدليل؛ لأن هذه أيضًا -سيأتينا إن شاء الله في الفوائد- أنها صالحة للأمرين. * طالب: في قوله تعالى في آية أخرى ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام ٤١] هنا تقيد النص؟ * الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى في الفوائد. * طالب: بالنسبة لـ(لعل) ما تكون للترجي تكون للمخلوق؟ * الشيخ: لا، بالنسبة لله ما يكون. * الطالب: لا، بالنسبة.. * الشيخ: للمخلوق تكون للترجي وللتعليل وللتوقع وللإشفاق، وتأتي أيضًا -كما مر علينا في البلاغة- تأتي للتمني. * طالب: شيخ، (...) لعل (...)؟ * الشيخ: لأن ما هناك شيء معلل من قبل. * طالب: بالنسبة ها الآية بالنسبة لكلام الله؟ * الشيخ: لأن مقصود هذه للتعليل، نقول: للتعليل. * طالب: هذه في حق المخلوقين ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟ * الشيخ: إيه، لكن من اللي قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟ * الطالب: إيه، الله سبحانه وتعالى هو اللي قاله، جميع القرآن من كلام الله. * الشيخ: يعني معناه: أترجى أن يرشدوا؟ * الطالب: لا، هو بحق (...) يختلف. * الشيخ: لا، ما يصلح، هذا ما دام أن الله علل فعلًا من أفعاله.. * طالب: يعني نقول: إن العباد متفاوتون، منهم من يرشد ومنهم من لا.. * الشيخ: أبدًا، إذا استجابوا لله وآمنوا رشدوا لا شك، لا بد، إذا استجابوا لله وآمنوا به لا بد أن يرشدوا. ثم قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كلمة ﴿أُحِلَّ﴾ مبنية للمجهول؛ لأنه معلوم من الذي بيده الإحلال والتحريم وهو الله، وقوله: ﴿أُحِلَّ﴾ تدل على أن الأمر كان محرمًا من قبل، وإلا لما احتيج إلى النص على الإحلال؛ لأن الأصل الحل، بخلاف ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، فلا يدل على أن ذلك كان حلالًا، مثلًا؛ لأنه ليس الأصل التحريم، فهنا نقول: ﴿أُحِلَّ﴾ يدل على أنه كان قبل ذلك حرامًا، وهو كذلك. وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي صيام؟ الصيام المنعوت السابق وهو صيام رمضان. وقوله: ﴿الرَّفَثُ﴾ (الرفث) نائب الفاعل فاعل ﴿أُحِلَّ﴾ ولهذا رفع، والرفث يطلق على الجماع، ويطلق على الكلمات التي تقع بين الزوج وزوجته حين الجماع؛ لأنه يقع بين الزوج وزوجته حين الجماع من الكلمات ما يستحيى منه، ويسمى رفثًا، ولكنه هنا يراد به الجماع، بدليل أنه عُدِّي بـ(إلى)، ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: الإفضاء إلى نسائكم، والإفضاء بمعنى الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢١]. فقال: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (النساء) جمع (نسوة)، ونسوة اسم جمع لا مفرد له، ومفرده امرأة، مثل (إبل) اسم جمع لا مفرد له، ومفرده بعير. قوله: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ المراد: زوجاتكم وإمائكم، وهذا واضح؛ لأن غيرهما لا يحل مطلقًا لا في ليل الصيام ولا غيره ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون ٥ - ٦]. ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ الجملة هذه استئنافية للتعليل، تعليل الحل، يعني: أحل لكم ذلك لأنكم لا تستغنون عنهن ولا يستغنين عنكم، فأنتم لهن لباس وهن لكم لباس، وانظر إلى التعبير بـ(اللباس) لما فيه من حفظ الفرج، فاللباس يستر العورة، والزواج يحصل به تحصين الفرج، ثم ما فيه من الستر والصيانة والحماية، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]. ويشمل ذلك أيضًا معنى اللباس أوسع من كونه سترًا وحماية وصيانة، يشمل التقارب بين الزوج وزوجته، كما قال الشاعر: إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهُ ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا فالحاصل أن هذا التعبير بـ(لباس) يعطي أقوى دليل على ما بين الزوجين من أيش؟ من التقارب ومن الحفظ والحماية، وأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهذا شيء من حكمة الله عز وجل ورحمته ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١]. هذا الذي جعله الله تعالى بين الزوجين من رحمته أنه أحل لنا الرفث إلى نسائنا في ليالي الصيام. ثم بين الله عز وجل حكمة أخرى موجبة لهذا الحل، وهي قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ -الحمد لله- ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ بماذا؟ بإتيانهن بحيث لا تصبرون فتختانون أنفسكم، والظاهر -والله أعلم- أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن الأمر هين، أو بأنه صار في حالة لا تحرم عليه زوجته وما أشبه ذلك، وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى الإنسان العشاء الآخرة أو إذا نام قبل العشاء الآخرة، فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي، فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم ما صبر، فبين الله عز وجل حكمته ورحمته بنا حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ﴾ ولم يقل: تخونون؛ لما في قوله ﴿تَخْتَانُونَ﴾ من زيادة الحروف الدالة على زيادة المعنى؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا صحيح ولَّا لا؟ صحيح، لكنه غالبي ما هو دائمًا، فـ(بقرة) و(بقر) أيهم أكثر حروف؟ بقرة، وهي أقل معنى، أيهن أكثر البقرة الواحدة ولَّا البقر؟ البقر أكثر، إي نعم، فالمسألة أغلبية. قال: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ تاب عليكم، هل المعنى: فتاب عليكم قبل أن تتوبوا، أو أن الله نسخ هذا الأمر والنسخ توبة؛ لأنه لولا النسخ لكان الوقوع فيه إثمًا؟ أيهما المعنى؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: لكن هذا المعنى الأخير هو الأصح، ونظيرها قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل ٢٠]، بعد أن أوجب علينا القيام سبحانه وتعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل ٢ - ٤]، قال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بنسخ الوجوب؛ لأنه لولا النسخ لكان تركه تركًا للواجب، فيكون إثمًا، فيعبر الله عز وجل عن النسخ بالتوبة، إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثمًا إما بفعل المحرم أو بترك الواجب. * طالب: شيخ، زياد المبنى ما تطرد في المشتقات؟ * الشيخ: ما نقدر نحكم بشيء، نحن نقول: أغلبية، ما نقدر؛ لأن حصر ها المسائل هذا صعب، يمكن يجي واحد ينقض عليك المثال، ثم تضطر إلى أن تقول: أغلبية، (...). * طالب: قلت: إنه لقد أحل، فدل على أنه كان محرمًا من قبل، عام في القرآن؟ * الشيخ: لكن هنا في هذه الآية دليل. * الطالب: وليست عامة؟ * الشيخ: في القرآن.. * الطالب: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة ٥]. * الشيخ: في القرآن إما أن يكون هذا توطئة لما بعده، أو إزالة وهم، أو ما أشبه ذلك، أو بيان امتنان، ما نضبطها، إنما في هذه الآية تدل على أنه محرم من قبل. * طالب: ﴿تَخْتَانُونَ﴾ معناها يعني: بين اثنين، يعني الفعل في التكاثر، يعني ما هو الإنسان يخون نفسه، يعني يحصل بينه، هذا المقصود به المعنى؟ * الشيخ: نعم، هذا من المقصود بلا شك، أن كل واحد منكم يخون الثاني قصدك؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: مثل تقاتلون؟ لا، بس كلمة اختان مثل اختار، يعني ما هي بتدل على المفاعلة، لكن قد يكون هذا من جملة ما يستفاد من زيادة المبنى، قد يكون هذا من جملته، إنما أن نقول: هذا هو الفائدة، ما نقدر نقول: هذا هو الفائدة؛ لأن كلمة (افتعل) ما تدل على المشاركة. قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بماذا تاب؟ قلنا: بالنسخ؛ لأنه لولا النسخ لكان فعله محرمًا مقتضيًا للإثم. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ العفو يكون في مقابلة إساءة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فما هي الإساءة اللي حصلت؟ هي ما حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم من إتيان أهلهم في ليالي الصيام قبل أن ينسخ التحريم؛ ولهذا قال: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾، وأصل العفو هو ترك المؤاخذة على الذنب، ومن أسماء الله تعالى العفو، ويطلق العفو على معنى الزيادة كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف ٩٥] يعني: كثروا، ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٥٠٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] يعني: وفروها وأكثروها. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى آخره، ﴿فَالْآنَ﴾ الفاء حرف عطف تقتضي الترتيب، يعني: فالآن بعد التحريم وبعد تحقق التوبة والعفو باشروهن، وكلمة الآن -تقدم لنا- أنها اسم إشارة إلى الزمن الحاضر وأنها مبنية على الفتح في محل نصب، وقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ المراد بالمباشرة الجماع، وسميت مباشرة لالتقاء البشرتين فيها: بشرة المرأة وبشرة الرجل، وقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ هو -كما نعلم جميعًا- فعل أمر، فما المراد بهذا الأمر؟ * طالب: الإباحة. * الشيخ: الإباحة أو رفع التحريم؟ * الطالب: أو كذلك. * الشيخ: أو كذلك لا، بينهما فرق. * طالب: هو الإباحة. * الشيخ: لا لا، بينهما فرق؛ ولهذا اختلف الأصوليون في الأمر بعد الحظر هل هو للإباحة أو رفع للتحريم؟ فمنهم من قال: إنه للإباحة، ومنهم من قال: إنه رفع للتحريم، وبينهما فرق، فإذا قلنا: للإباحة، فمعناه أن هذا الفعل بعد التحريم صار مباحًا فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للتحريم، فمعناه أن هذا الشيء عاد إلى حكمه قبل التحريم، فإن كان واجبًا فهو واجب، وإن كان مستحبًّا فهو مستحب، وإن كان مباحًا فهو مباح، فالآن ظهر الفرق بين القولين، أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: حجة الذين يقولون: إنه للإباحة، يقولون: إنه لما ورد التحريم على الحكم الأول نسخه وصار كأن لم يكن، مفهوم؟ فإذا جاء الأمر بعده فمعناه أنه صار مباحًا، بعدما كان حرامًا صار مباحًا، وهذه حجة قوية. والذين قالوا بأنه رفع للتحريم، قالوا: لأن الحكم الأول لما ورد عليه التحريم صار محرمًا، فلما زال التحريم عاد إلى ما كان عليه، كأن التحريم ستر وضع على مغطى، فإذا رفع هذا الستر فكيف يكون المغطى؟ يكون كما كان عليه، ومن ثم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢] هل الاصطياد مباح أو أنه يكون حسب حكمه بالأول؟ حسب الحكم الأول، وهذا هو الذي يبدو راجحًا، وإن كان المسألة ما هي عندي بذاك المتميزة كثيرًا؛ لأن كلا التعليلين قوي، لكن الذي يبدو أنه أقرب: أن الأمر بعد الحظر هو رفع للتحريم. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، هذا أمر بعد الحظر؛ لأنه قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هل نقول الآن: إن البيع بعدما كان محرمًا صار مباحًا الآن أو صار مستحبًّا أم ماذا؟ نقول: عاد على ما كان عليه، والبيع -كما هو معلوم- قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا. * طالب: نقول: دل على الإباحة، لكن الدليل الآخر في هذه الآية ما هي الإباحة لكن هناك أدلة أخرى؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ففي الآية مثلًا هذه. * الشيخ: لا، إحنا كلامنا على القاعدة العامة، هل نسخ التحريم رفعٌ له أو أنه مقتضٍ للإباحة، الأمر بعد التحريم؟ * الطالب: أظن يقتضي الإباحة مثلًا، لكن دلت أدلة أخرى (...) في غيرها. * الشيخ: لا، بينهم فرق. * طالب: على قولنا: بأن المباح تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون فيه فرق التعبيرين؟ * الشيخ: إيه؛ لأنه إذا قلنا: بأنه يعود إلى ما كان عليه أو رفع للتحريم، ننظر هذا الشيء الذي نهي عنه الآن هل هو قبل النهي مستحب، فيكون مستحبًا، قد يكون قبل الأمر مستحبًا، فيكون مستحبًا يبقى على استحبابه. * الطالب: لكن مثل البيع يا شيخ، ويش حكم يعني..؟ * الشيخ: لا، البيع حكمه الإباحة، لا شك. * طالب: يا شيخ، (...) كل الأمرين يصير إلى الإباحة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: إعادة إلقاء الله على.. * الشيخ: إيه؛ لأن الصيد في الأصل مباح، لكن إذا كان الشيء مما يطلب مثل أنا لو قلت لك: لا تزر فلانًا، وهو قريب لك مثلًا، ثم قلت لك: إذا طلعت الشمس فزره، هذا الأمر ما هو معناه الإباحة، إذا قلنا: بأنه رفع للنهي، صار عادت الزيارة مستحبة، وإذا قلنا: إنه للإباحة، بقيت الزيارة مباحة، هذا المعنى. * طالب: قوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (...)؟ * الشيخ: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ قلت: المراد به الجماع، وما دونه من باب أولى ليس محرمًا. ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿ابْتَغُوا﴾: اطلبوا، ﴿مَا﴾: الذي، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كتب لكم كتابة الكونية أو كتابة الشرعية، يعني: بمعنى ما قدر الله لكم، أو ما شرع الله لكم؟ نقول: تحتمل المعنيين، وشمولها لهما أولى، فالمعنى: ابتغوا ما شرع الله لكم، أي: اطلبوا ما شرع لكم من الاستمتاع بالنساء وإباحته، أو ما شرع لكم من التهجد في ليالي رمضان، أو ما شرع لكم من السحور، كل هذا داخل، أو ابتغوا ما كتب الله لكم تقديرًا كتابة قدرية من طلب الولد بهذا الجماع، كما قاله بعض المفسرين قال: ابتغوا الولد، يعني لا يكن مباشرتكم من أجل نيل الشهوة فقط، ولكن من أجل حصول الولد والذرية، فأقول: إن الآية تشمل الأمرين ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والفوائد إن شاء الله تأتينا. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ معطوفة على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ على الأول على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ما معنى الأكل والشرب؟ ويش في الأكل والشرب؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ولكن ما يتبين لنا، وهو كذلك، أول ما يظهر الفجر لا شك أنه ما هو على طول بيتبين، بيظهر شيئًا فشيئًا، ولكننا نحن مكلفون بما نستطيع حتى يتبين لنا ويتضح. وقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾ عرفنا لما قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ﴾ أن ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى يتميز، يتميز هذا من هذا، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران ١٧٩]، فـ(مِن) ما تدخل على ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ من هذا إلا إذا قصد به التمييز، يعني: حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بينت المراد بالخيط، خيط أيش؟ بياض النهار، والخيط الأسود؟ سواد الليل، وفي التعبير بكونهما خيطين دليل على أنهما يتعاقبان، وأن هذا قد يكون في جهة، وهذا قد يكون في جهة؛ لأنهما خيطان، والخيطان لا بد أن يتعاقبان، وإلا لكانا خيطًا واحدًا فقط. وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ بين الرسول ﷺ أن الفجر فجران: صادق وكاذب، وبين أن الصادق هو الذي يكون معترضًا في الأفق، مستطيرًا كالطير أو كجناح الطير من الشمال إلى الجنوب، وأما الكاذب فهو الذي يكون مستطيلًا -باللام- في الأفق كذنب السرحان، يعني: كذنب الذئب. وذكر أهل العلم أن بينهما ثلاثة فروق، الفرق الأول: أن الصادق هو مستطير معترض وأما ذاك فهو مستطيل، والثاني: أن الصادق لا ظلمة بعده وذاك يظلم، والثالث: أن الصادق متصل بالأفق وهذا بينه وبين الأفق ظلمة (...). ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قلنا: إن ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى يظهر، ولكنه مضمن معنى الظهور والتمييز منين؟ من قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾ يعني: يتميز هذا من هذا. وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ هذه بيان لقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، ولم يقل: في الخيط الأسود من الليل، اكتفاء بالأول، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني: والبرد؛ لأن السرابيل تقي الحر والبرد ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١] كالدروع، فالمهم أن هذا من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر، يعني: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل، فهمتم؟ لكن حذف (من الليل) اكتفاءً بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ لأن الشيء يتبين بذكر مقابله، ونظير ذلك؟ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ يعني: والبرد. وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: ثم إذا تبين، وهذه من سعة رحمة الله عز وجل أنه أتى بـ(ثم) بعد التبين للتوسعة على العباد؛ ولهذا روى الإمام أحمد بسند لا بأس به «أنه إذا أذن الفجر والإناء في يدك، فإنك لا تضعه من يدك حتى تقضي حاجتك[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٢٩)، من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.]] »، تيسيرًا على المكلفين؛ ولهذا «كان ابن أم مكتوم لا يُؤذّن حتى يطلعَ الفجر ويُقال له: أصبحتَ أصبحتَ[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦)، من حديث عبد الله بن عمر، واللفظ للبخاري.]] ». وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ﴿أَتِمُّوا﴾ بمعنى أنهوا، أنهوه على وجه التمام، وقوله: ﴿الصِّيَامَ﴾ تقدم أنه في اللغة؟ الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم ٢٦] أي: إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. والمراد بالصيام شرعًا: هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ما المراد بالليل؟ غسقه؟ الجواب: لا، ولكن أوله، وقد بين ذلك رسول الله ﷺ حين قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المشرق، «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المغرب، «وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠٠ / ٥١)، من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما.]]. وبمجرد غروب الشمس -أي: غروب قرصها- يكون الإفطار، وليس بشرط أن تزول الحمرة كما يظنه بعض العوام. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إذن الصوم محدد (من) و(إلى)، فلا تزيد فيه ولا تنقص، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد حكم الوصال. وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ لما قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ استثنى من هذا حالة واحدة وهي: إذا كان الإنسان عاكفًا في المساجد وهو صائم، فإنه لا يباشر الزوجة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فالضمير في قوله: (هن) يعود على النساء، وجملة: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿عَاكِفُونَ﴾ اسم فاعل من: عَكَفَ يَعْكُف، والعكوف على الشيء: ملازمته والمداومة عليه، ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء ٥٢] أي: مديمون ملازمون؛ ولهذا نقول: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وأما في الشرع فهو: التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد طاعة له، بلزوم المساجد لطاعة الله، هذا هو الاعتكاف. والاعتكاف معروف في الجاهلية ومعروف في الإسلام، قال عمر للنبي ﷺ:« إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦ / ٢٧)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]، وهو مشروع في رمضان، وكان الرسول ﷺ يعتكف طلبًا لليلة القدر؛ ولهذا اعتكف في العشر الأول، ثم قيل له: ليست الليلة في هذا العشر، فاعتكف في الأوسط، ثم أريها في العشر الأواخر، حتى خرج إلى الناس وقال: «إِنِّي أُرِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَنْ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٦)، ومسلم (١١٦٧ / ٢١٦)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فكان الاعتكاف في رمضان طلبًا لليلة القدر، ثم إنه سيأتينا إن شاء الله في الفوائد حكم الاعتكاف هل هو سنة؟ هل هو يشترط له الصوم أو لا يشترط؟ وفي ذكر الاعتكاف بعد آيات الصوم استنبط بعض العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا في رمضان وفي آخره؛ لأن الله ذكره تابعًا لآيات الصوم بعد أن ختم الكلام على الصوم، والله أعلم هل يستقيم هذا الاستدلال أولا يستقيم. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (تلك) ويش (تي)؟ ويش معناها؟ (تي) تلك؟ * طالب: اسم إشارة. * الشيخ: (تي) اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وقد تقدم أن الكاف هذه تكون باعتبار المخاطب، واسم الإشارة باعتبار المشار إليه، وأن الأفصح فيها أن تكون الكاف حسب المخاطب فيقال في المذكر المفرد: ذلكَ، وفي المؤنث: ذلكِ، وفي المثنى: ذلكما، وفي جماعة الذكور: ذلكم، وفي جماعة الإناث: ذلكن، قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت ٢٣]، ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]، وفي المثنى قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، وفي المفرد: (ذلك)، وهو كثير، وهذه اللغة المشهورة الفصحى، وفيها لغة ثانية: أنها -أي الكاف- تكون مفردة مفتوحة دائمًا، على تأويل المخاطب بالمفرد، وفيها لغة ثالثة: فتحها للمذكر مطلقًا، وكسرها للمؤنث مطلقًا. وهنا (تلك) للمفرد المذكر، أو لا؟ فالمعنى: تلك أيها المخاطب وإن كان يخاطب جميع الناس؛ لأن الناس جنس، فيصح أن يعبر عنها بالمخاطب. * طالب: شيخ، في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ [آل عمران ١٤٠] مع مراعاة المخاطب في الكاف يعني ما جمع الضمير؟ * الشيخ: إيه، كثيرًا ما يترك الجمع، في القرآن الأغلب الإفراد، كأنه يخاطب الإنسان عمومًا بالقرآن، يخاطب الإنسان، يعني: تلك أيها الإنسان حدود الله، وهذا كثير حتى الخطابات بغير الكاف في اسم الإشارة تجدها في المفرد. قال: و﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود الله جمع حد، (حدود) جمع (حد). * طالب: قلت: بالواو. * الشيخ: إي نعم، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ما فيها واو، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الحدود جمع حد، والحد في اللغة: المنع، ومنه: حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها، فمعنى ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: موانعه. واعلم أن حدود الله نوعان: حدود موانع، أي: تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، وهذه موانع الدخول، وهي في المحرمات، وموانع أخرى تمنع من فيها من الخروج منها، وهذه حدود الأوامر، حدود الله تعالى نواهٍ وأوامر، النواهي ما شأنها؟ تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، والأوامر تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ ولهذا إذا جاءت الأوامر قال الله فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة ٢٢٩] يعني: لا تخرجوا منها، وإذا جاءت النواهي قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة ١٨٧]. فهذا هو الفرق، والكل منها يسمى حدودًا؛ لأن الأوامر لها حد لا تخرج منها، والنواهي لها حد لا تدخل فيها. وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ من باب إضافة المشروع إلى مشرِّعه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ الفاء للتفريع، و(لا) ناهية، الدليل؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: مجزومة بحذف النون، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ما قال: فلا تفعلوها، وإنما نهى عن قربانها، حتى نبعد عن المحرم وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، فالمحرمات ينبغي البعد عنها وعدم قربها. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ هذا ترد في القرآن كثيرًا، وقد أشرنا فيما مضى إلى إعرابها، وقلنا: إن الكاف اسم بمعنى مثل، وإنها منصوبة على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك البيان يبين الله، وهي في القرآن كثيرًا، وهذا إعرابها: أن نقول: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها ما بعدها، وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من البيان، وأظنه كثير البيان في هذه الآيات، أو لا؟ البيان كثير: فبين الله سبحانه وتعالى حكم الأكل والشرب في الليل، حكم مباشرة النساء، حكم الاعتكاف، موضعه، ما يحرم فيه، إلى آخره المهم أنها عدة أحكام بينها الله. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ آيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها في الشرع: البراهين الدالة على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، فمنها ما يقتضي الحكمة، ومنها ما يقتضي الرحمة، ومنها ما يقتضي العلم، ومنها ما يقتضي الإحاطة، المهم أنها متنوعة، الآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها هنا شرعًا: البراهين التي تدل على ما تقتضيه من صفات الله. وذكر أهل العلم أن الآيات تنقسم إلى قسمين: كونية، وشرعية، وأن الآيات الكونية هي المخلوقات، كل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها من الآيات الكونية، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى ٢٩]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، إلى آخره، فكل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها كلها من آيات الله الكونية، وكانت آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها، وآية الشيء هي: العلامة عليه، فلا أحد من المخلوقين يصنع مثل هذه الآيات أبدا، أو لا؟ القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية، وهي: ما أنزله الله تعالى على رسله وأنبيائه من الوحي، فإنها آيات شرعية تدل على منزلها سبحانه وتعالى، وجه ذلك؟ أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق والبيان والمصلحة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف ٣]، فأحسن الأخبار أخبار القرآن، أخبار الوحي: القرآن وغيره، إذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، بهذا تكون آية ولَّا لا؟ تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، وقولنا: على ما تقتضيه؛ لأن الآيات تختلف بعضها تقتضي العظمة، تدل على العظمة بعضها، تدل على الرحمة، وبعضها تدل على العلم، وبعضها تدل على الكبرياء، المهم تختلف. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه (لعل) للتعليل، يتقون من؟ يتقون الله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي: اتخاذ الوقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، وبعضهم يقول: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وبعضهم يقول: إن التقوى ترك المعاصي، ولكن أجمع ما قيل فيها ما ذكرناه في الأول وهي: اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، صحيح أنها إذا قرنت بالبر مثل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] صار المراد بالتقوى: اتقاء المعاصي، والمراد بالبر: فعل الطاعات، يقول الشاعر: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَـا ذَاكَ التُّقَــى هذا التقوى وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى اللي يمشي على أرض الشوك ويش يسوي؟ يخبط برجله ولا يهمه؟ لا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم لا تَحْـقِـرَنَّ صَـغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى هذا صحيح، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه المحقرات من الذنوب بجماعة نزلوا أرضًا، وأرادوا أن يوقدوا نارًا، فذهبوا فجاء واحد بعود، وواحد بعود، وواحد بعود، حتى جمعوا حطبًا كثيرًا، وأضرموا نارًا كثيرة، وهم أي شيء يجيبون؟ على عود عود، ما هو بشيء، إي نعم، إذن نقول التقوى أجمع ما قيل فيها: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه. * طالب: قد تكون هذه درجة قريبة من التقوى يعني ما تكون التقوى شيئًا أعلى من فعل الأوامر بل فعل المستحبات؟ * الشيخ: الأوامر مستحبات، المستحب أمر؛ لأن الأمر قد يكون للوجوب، وقد يكون للاستحباب، والنهي قد يكون للكراهة، وقد يكون للتحريم. * طالب: ما نقول: إن الآية: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ تشمل من أول السورة وليس مختص بأحكام الصيام؟ * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأنك تعرف الآيات مقطعات. * الطالب: إي بس السورة متصلة؟ * الشيخ: لا، ولو كانت متصلة، ما يمكن إلا أنها تكون في الموضوع الذي فيه البحث، وأيضًا فيما سبق فيه كذلك (...) آيات فيه من قبل. * طالب: (...) الصيام يا شيخ؟ * الشيخ: يشمل -والله أعلم- هم بعض العلماء قال: يشمل الأحكام الأربعة التي تلي هذا من قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ إلى آخره بس، ولو قيل: إنه من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] لكان طيب، ثم اعلم أن قوله: ﴿آياته﴾ جمع مضاف، فيعم، يعني أن مثل هذا البيان الذي بيناه لكم في هذه الآيات تكون بيان جميع الآيات. * طالب: عرفت الحد لغةً ما عرفته شرعًا؟ * الشيخ: إي عرفته. * الطالب: لا. * الشيخ: قلنا: الحدود شرعًا هي: أوامر الله ونواهيه، أما الحد عند المنطقيين غير هذا، الحد عند المنطقيين تقدمنا في شرح العقيدة السفارينية. * الطالب: يعني يختلف ما كان عند.. * الشيخ: إيه يختلف، بحسب الاصطلاحات. * طالب: شيخ، لو قال قائل: يعني تبيين الآيات كأنه يتراءى للإنسان أن فائدته الإيمان؟ * الشيخ: الإيمان؟ * الطالب: الإيمان، لعلكم مثلًا تؤمنون؛ لأن ثم إذا آمن يتقي. * الشيخ: لا، أصله ما فيه تقوى إلا بعد الإيمان، فالإنسان إذا تبينت له الآيات اتقى الله عز وجل فحصل أولًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما فيه تقوى يا أخي إلا بعد الإيمان، وهل الإنسان بيتقي شيئًا لا يؤمن به؟ ما يكون. ثم قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ مناسبة هذه الآية لما سبق مناسبة واضحة؛ لأن ما سبق في آيات الصيام تحريم لأشياء خاصة في زمان خاص، الآية اللي بعدها ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ هذا تحريم عام، عام في ما يحكم، وفي زمانه، وفي مكانه، هذا وجه المناسبة أنه لما ذكر التحريم الخاص الذي يحصل بالصيام بيَّن التحريم العام الذي يحصل في الصيام وفي غير الصيام، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ المراد بالأكل ما هو أعم منه، لكنه خص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع، أقوى وجوه الانتفاع هو الأكل، الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له، بناء المسكن متصل به ولَّا لا؟ لكن ما هو مثل اتصال الثوب أولا؟ أيهما ألصق به؟ * الطلبة: الثوب. * الشيخ: الثوب، كذلك أيضًا يصرف المال في الثياب، قبل يصرفها في الفرش، والفراش أخص من البيت أو لا؟ لأن الفراش هو الذي يليه عند النوم وعند الجلوس وما أشبه ذلك، يصرفها في اللباس وهو أخص من الفراش، يصرفها في الأكل والشرب وهو أخص الأشياء ما عاد بعده شيء؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود، ما يصرفه في الأكل والشرب؛ لأن الأكل والشرب يتغذى بهما البدن، وهما أخص انتفاع بالمال. فإذا كان الله يقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ وهو أخص الانتفاع والذي قد يكون الإنسان لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات، فكيف عاد بغيره؟ وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ كيف يقول: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ ﴿أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ (...)، فنقول: عندنا آكلٌ ومأكولٌ منه، فإذا كنت أنت أيها الآكل لا ترضى أن يؤكل مالك، فكيف ترضى أن تأكل مال غيرك؟! فاعتبر مال غيرك بمنزلة مالك، ويش هو لأجل؟ لأجل أن لا تأكله، كما لا ترضى أن أحدًا يظلمك ويأكل مالك، فإن هذا يجب أن تنزل مال أخيك بمنزلة مالك. فعليه نقول: فائدة إضافة الأموال المأكولة للغير إلى آكلها هو: أن يعتبر بأن مال غيره يجب أن يحميه كما يحمي مال نفسه. وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في العقود من إجارات وبيوع ورهون وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين، ومن باب أولى أن تأكلها بالانتهاب والاغتصاب اللي ما هناك بينية بينك وبين شخص آخر، يعني: فإذا نهيت أن تأكلها في العقود، فمن باب أولى أن تأكلها في الغصب والإكراه وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ كلمة ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباء هذه حرف جر، ولكن ما معناها؟ هل معناها المصاحبة يعني: أكلًا مصحوبًا بالباطل؟ أو معناها التعدية بأن يجعل الباطل كالآلة يأكل بها يعني: كما تقول ذبحت بالسكين مثلًا، ورميته بالحجر؟ نقول: إن الباء صالحة لهما جميعًا، فلا يجوز أن تتناول غيرك بالباطل بأن تجعل الباطل وسيلة لأخذ المال، ولا أن تأكل المال أكلًا مصحوبًا بالباطل، فيشمل ما كان محرمًا لذاته وما كان محرمًا لوصفه. وقوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ ﴿تُدْلُوا بِهَا﴾ الضمير يعود إما على الأموال، وإما أن يعود على المحاكمة، والإدلاء أصلها مأخوذة من: أَدْلَى دَلْوَهُ، ومعلوم أن الذي يدلي دلوه يريد التوصل إلى الماء، فمعنى ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، كيف يكون وسيلة لأكلها؟ تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة، ثم تخاصمه عند القاضي، ماذا يقول القاضي للمدعي عليك؟ يقول: هات بينة، إذا لم يكن لك بينة، إذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين، فإذا حلفت برئت، أفهمتم؟ الآن أنا أدليت بها إلى الحكام، بمعنى أني جعلت الحاكم وسيلة لأكل المال، هذا قول في المسألة، والقول الثاني: أن معنى ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: توصلوها إليهم بأن ترشوا الحكام ليحكموا لكم، فمعنى ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ توصلوها إليهم لأجل، ويش لأجله؟ أن يحكموا لكم، وكلا المعنيين صحيح. * طالب: ألا يدخل فيها يا شيخ الفلاسة؟ * الشيخ: الفلاسة؟ * الطالب: إيه، يفلس الحكام علشان يأخد المال هذا بغير حق. * الشيخ: إيه، ما تكون أنت الذي أكلتها. * الطالب: إيه، لكن أدليت بها إلى الحكام؟ * الشيخ: إيه، بس الآية تقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ﴿وَتُدْلُوا﴾، أما إن جعلنا الجملتين منفصلًا بعضها عن بعض، فهي نعم، تدخل مثل ما قلت أنت، ويصير النهي عن شيئين: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ هذه جملة مستقلة، ولا تدلوا بها إلى الحكام هذه جملة مستقلة، لكن ظاهر النظم -يعني ظاهر الكلام- أن الجملتين واحدة؛ ولهذا قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ ولم يقل: ولا تدلوا بها، فجعلها معطوفة على قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ فهي مبنية عليها. * طالب: وين يعود الضمير؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: على القول الثاني، ترشون؟ * الشيخ: إيه، يعود على الأموال. * الطالب: المال اللي أرشي به القاضي غير المال الذي..؟ * الشيخ: إيه، ما خالف، لكن معناه يكون معناه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بأموالكم لتأكلوا هذه. * الطالب: يعني أموال ثانية؟ * الشيخ: أموال ثانية لأجل أن تأكلوا بها أموال الغير يحكمون لكم بها. * طالب: شيخ، هذه الفلاسة اللي ذكرناها ما تدخل في الرشوة؟ * الشيخ: لا لا، الفلاسة ما هي بهذا، الفلاسة يخبر الحاكم بأن فلان عنده مال لأجل يأخذه منه. * الطالب: عندنا في (...) نقول: عليها (...) يعني يرشي، فالتبس عليه الأمر؟ * الشيخ: لا، يدل الحكام على أموال الناس ليأكلوها. * طالب: الحكام القضاة ولَّا الحكام..؟ * الشيخ: الحكام الأمراء، إذا قلنا: إن المراد مثل ما قال غانم، أما إذا قلنا: إن المعنى عند المحاكمة فهو يشمل الأمراء ويشمل الحكام القضاة. قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ قد يقول قائل: إن فيها إشكالًا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ ثم قال: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟ فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل، بل اللام هنا للعاقبة، يعني: أنكم إذا فعلتم حصل لكم الأكل، أكل فريق من أموال الناس، فاللام هنا للعاقبة، وتأتي اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، هل آل فرعون التقطوه لهذه العلة، أو كانت العاقبة كذلك؟ كانت العاقبة كذلك، فاللام في قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ اللام لام العاقبة. وقوله: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ لماذا حذفت النون؟ * طالب: منصوب. * الشيخ: منصوب بأن المضمرة بعد اللام على قول، أو باللام نفسها على قول من؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، صح، ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ ﴿فَرِيقًا﴾ الفريق بمعنى الطائفة، وسمي فريقًا؛ لأنه يفرق عن غيره، فهذا فريق من الناس، يعني: طائفة منهم افترقت وانفصلت. وقوله: ﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ لو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه؟ * طالب: من باب أولى. * الشيخ: من باب أولى؟ نعم، من باب أولى، أو نقول: إن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس على سبيل العموم؛ لأن الإنسان مهما بلغ عنده من الملايين، فإن غيره عنده مال، إي نعم. ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني: أكلًا مصحوبًا بالإثم وهو الذنب؛ وذلك لأنه باطل، ومن هنا نعلم أن الباطل يعني: الإثم، ولكن هل هو في كل مكان الباطل هو الإثم؟ لا، قد يراد بالباطل ما لا منفعة فيه، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبَهُ بِقَوْسِهِ أَوْ مُدَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ أَوْ تَأْدِبيَهُ لِفَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وأحمد في المسند (١٧٣٠٠)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. * * * ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية فوائد، أولًا: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام، ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام، قال بعض أهل العلم: فيستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنها ذكرت بعدما تكلمنا عن الصيام والإمساك. * الطالب: قد يقال: هي في العيد أولى؟ * الشيخ: لا، لكن كل يوم يعتبر عبادة واحدة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى عنده علم الغيب؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ في المستقبل. * ومن فوائد الآية: رأفة الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ حيث أضافهم إلى نفسه تشريفًا وتعطفًا عليهم. * ومن فوائد الآية: إثبات قرب الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، والضمائر كلها تعود إلى الله: ﴿إِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ست ضمائر كلها تعود إلى الله عز وجل، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: قربه سبحانه وتعالى. هل قرب الله تعالى عام أو خاص؟ تقدم لنا الكلام في هذه المسألة، وبيَّنا أن قرب الله تعالى لا يكون إلا خاصًّا، وأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦] المراد: بملائكتنا، وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥]، المراد أيضًا: بملائكتنا. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يرد القرب عامًّا كما ورد في المعية، المعية وردت عامة وخاصة، وأما القرب فذكره شيخ الإسلام أنه لم يرد إلا خاصًّا، خاصًّا بمن يدعوه أو بمن يعبده، فمن يدعوه كما في هذه الآية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ»[[سبق تخريجه.]] وأما قربه من العابد فمثل قوله ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأن هذا عبادة، وسبق لنا أيضًا أن قربه من عباده لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، المخلوق لا يكون قريبًا مع بعده، لكن الخالق يكون قريبًا مع بعده، وعلى هذا فلا تدل هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى ليس في العلو؛ لأنه لا تناقض بينهما في حق الخالق. * طالب: المعية (...) أخص من القرب أو القرب أخص (...)؟ * الشيخ: لا، الظاهر أن القرب أخص، أخص منها؛ ولهذا ما جاء عامًّا بخلاف المعية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أُجِيبُ﴾؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يسمع ما دعا به. * ومنها: قدرة الله، إثبات القدرة؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة. * ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصًا مشعرًا نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعرًا نفسه بكرم الله وجوده، من أين تؤخذ؟ من أين تؤخذ هذه الفائدة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: من قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، أو لا؟ نبغي الكلمة المعينة الخاصة؟ * طالب: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾. * الشيخ: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؛ لأن نحن نبهنا على هذا في التفسير، فإذن يشترط لإجابة الدعوة أيش؟ أن يكون صادقًا في دعوته، بحيث يكون مخلصًا لله، وأن يكون عنده شعور بافتقاره إلى الله عز وجل؛ لأن الإنسان ما يدعو إلا وهو يشعر بالافتقار، وأن يكون لديه شعور بأيش؟ بغنى الله عز وجل وإجابته؛ لقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنابة إلى الله عز وجل والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما، فمن تعبد لله وهو ضعيف الإيمان، يعني: بأن يكون عنده تردد -والعياذ بالله- أو شك، فإنه لا ينفعه، أو يكون عنده أيضًا إنكار كما يفعل المنافقون فإنهم يتعبدون لله عز وجل ظاهرًا لكنهم ما عندهم إيمان فلا ينفعهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب والعلل. الجهمية جبرية، وعلى الأشاعرة أيضًا، يعني سبق لنا أن الأشاعرة ما يثبتون الأسباب إلا أسبابًا صورية، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها، لكن يكون الفعل عندها. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧] إلى آخره. إذا عرفنا سبب النزول استفدنا من هذه الآية الكريمة، استفدنا رحمة الله تعالى بعباده، كيف ذلك؟ * طالب: بالنسخ، يعني نسخ الحكم الأول. * الشيخ: بالنسخ، الحكم الأول بالتخفيف، حيث كانوا بالأول إذا ناموا أو صلوا العشاء حرمت عليهم النساء والطعام والشراب. * ويستفاد من هذه الآية: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه، من أين يؤخذ؟ * طالب: من ﴿الرَّفَثُ﴾. * الشيخ: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾؛ لأنه متضمن لمعنى الإفضاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. وقد سئلت عدة مرات عن الإنسان يعقد على امرأة ولكن يكون الدخول بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة فهل يجوز أن يستمتع بها ولّا ما يجوز؟ * طلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز، لكن عند الناس، يعني بعض الناس الجهال أنه ما يجوز حتى يعلن النكاح، حتى يعلن، يكون ليلة الزواج، لكن هنا شيء يخشى منه، وهو أنه ربما يحصل حمل، وإذا حصل حمل، ولا سيما إن تأخر الدخول، ربما يحصل في ذلك ريبة، فإذا خشي الإنسان من هذا الأمر فالحمد لله يملك نفسه، يستمتع بدون الجماع؛ لئلا يحصل ريبة عند العامة، وأما طلبة العلم ما يحصل عندهم ريبة؛ لأن الإنسان بمجرد العقد تكون المرأة فراشًا له ويلحقه الولد على المذهب، حتى وإن لم يجتمع بها، مع إمكان الاجتماع، لا ما علمنا أنه اجتمع، فالولد ولده وهذا أظن مرت علينا: بماذا تكون المرأة فراشًا. فالمسألة ما فيها إشكال عند طلبة العلم، لكن عند العامة فيها إشكال، لكنه من الناحية الشرعية لا بأس تكون امرأته من يوم يعقد عليها. * طالب: بناء على وجوب إعلان النكاح. * الشيخ: لا، ما هم يقصدون هذا، لكن يقصدون العادة فقط وإلا ما يعرفون وجوب النكاح ولا عدم وجوب النكاح. * طالب: (...) الحياء عند المرأة؟ * الشيخ: لا لا، الحياء من النساء اليوم بدأ يخف. * طالب: ما عاد لوم على العوام في هذا، من باب (...) الحياء وكذا. * الشيخ: لكن الآن راح.. * طالب: بالنسبة للمهر ياشيخ، ما دفع المهر، عندهم.. * الشيخ: لا، المهر عندنا يدفع قبل العقد، في عرفنا عندنا هنا يدفع قبل العقد. * طالب: ما أخذوا المهر، فيه ناس عقدوا وما أخذوا المهر. * الشيخ: يمكن يمكن يوجد ناس.. * طالب: يرفضون. * الشيخ: ما هو بلازم. * طالب: لكن ما فيه شيء يعني لو خلى المهر عند الزواج.. عند يعني. * الشيخ: الدخول. * الطالب: الدخول. * الشيخ: إي ما فيه شيء. * الطالب: لو دخل.. * الشيخ: مر علينا في الصداق أنه يجوز تأجيله أو تأجيل بعضه. * طالب: (...). * الشيخ: هي عادة الناس. * طالب: مكتوب في العقد. * الشيخ: ما فيه شيء. * طالب: (...) لو قدم المهر كعادتنا نحن هل يكون مسمى. * الشيخ: لا ما يصح (...). * الطالب: سلم هذا. * الشيخ: إي ولو سلمناه لأنه ما بيسمى عند القعد، عندنا ما يسمى عند العقد. * طالب: يعني لو مات مثلا أو طلقها هل يتأثر؟ * الشيخ: لو طلقها قبل الدخول؟ * طالب: نعم، إذا سلم (...). * الشيخ: ولو سلمها. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (...) لأنه معلوم بينهم. * من فوائد الآية الكريمة هذا المعنى الذي يستفاد من قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وهو أن المرأة ستر لعورة الرجل كما أن الرجل ستر لعورة المرأة. * ثانيًا: أن بينهما من القرب كما بين الثياب ولابسيها ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. فيها أيضًا من التحصين للفروج (...). * وفيها يستفاد من قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ إثبات العلة في الأحكام؛ لأن الجملة هذه للتعليل، تعليل التحليل. * ويستفاد من الآية الكريمة: علم الله عز وجل، يستفاد منها ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه، وذلك إذا أوقعها في معاصي الله فإن هذا خيانة، وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده. * وهذه فائدة تتفرع على قوله: ﴿أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أن نفس الإنسان عنده أمانة يجب عليه رعايتها، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] فالإنسان كما يظلم غيره يظلم نفسه أيضًا. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: ثبوت التوبة من الله؛ وصف الله بالتوبة، لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ وهل هي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ * طالب: الفعلية * الشيخ: الفعلية نعم. * طالب: نقول في صفته: التوبة، ولّا الصحيح تواب؟ * الشيخ: لا، التوبة، من صفاته التوبة واسمه التواب. * ومن فوائد الآية: إثبات عفو الله؛ لقوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز النسخ، أو ثبوت النسخ؛ خلافًا لمن أنكره، وهو في هذه الآية صريح، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَالْآنَ﴾، ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني وقبل الآن ما هو بحلال. ومن فوائده: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ لكن هذا الإطلاق مقيد في حالات ومقيد في أمكنة، فهو مقيد في حالات في حال الحيض ما يمكن تجامعها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ومقيد أيضًا في حال الدبر، في مكان الدبر، فإنه لا يحل للإنسان أن يطأ امرأة في دبرها. وقد ذُكر عن الإمام الشافعي رحمه الله مناظرة كنت أستغرب يعني أن تقع منه في محاورة جواز وطء المرأة في دبرها، ولكن مر علي أن هذه لا تصح عن الشافعي، وأن الشافعي نص على تحريم الوطء في الدبر، وهذا هو الأليق به، ولا شك أن تحريم الوطء في الدبر أنه وإن كانت الأحاديث التي وردت فيه يعني فيها شيء وفيها مقال، لكن مجموعها يقتضي على الأقل أن تكون حسنة، يحتج بها، ثم إننا إذا تأملنا قوله تعالى: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾، ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ وجدنا أن الأذى والخبث في الدبر أشد وأعظم، فتكون الآية دالة بإيمائها على تحريم الوطء في الدبر، على أن قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣] يدل على أن محل الاستمتاع أنه محل الحرث، وهو الفرج، أما الدبر فلا. لكن مع ذلك يجوز للإنسان أن يستمتع بزوجته بغير الحرث كما لو استمتع بين الفخذين، هذا لا بأس به. * طالب: مثلًا باشر (...). * الشيخ: أيهم. * الطالب: الاستمتاع. * الشيخ: بين الفخذين؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم مباشرة، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يأمُرُني فأَتّزِرُ فيباشرُني وأنا حائض[[أخرجه البخاري (٣٠٠).]] ». * طالب: قلنا: ما دام إنها حائض ما تجوز مباشرتها. * الشيخ: المباشرة المراد الجماع. إذن قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ هذا الفعل المطلق مقيد ولّا لا؟ مقيد بما ثبت الشرع بمنعه في حال أو مكان. * طالب: هل صحيح ما نسب إلى ابن عمر وآخرين أنهم يجيزوا هذا الإتيان؟ * الشيخ: والله ما أدري هل يصح عنهم أو ما يصح، ما أظنه يصح، بعيد هذا. * الطالب: ذكرها الشيخين (...) البخاري مثلًا إذا كان يجيز هذا الشيء. * الشيخ: حققها لنا، وهي عليك إن شاء الله. * طالب: إي، يعني من الدبر في القبل في بعض الأحاديث؟ * الشيخ: إي، ها هدي، هي هكذا هي السنة، من دبرها في قبلها، هذا جائز، يعني يمكن يحمل على هذا، إن فيه شبهة والله نشوف صحته عنهم. * ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصدًا بوطئه طلب الولد؛ لقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. «وذكروا عن عمر رضي الله عنه أنه لا يجامعُ إلا إذا اشتهى الولدَ[[أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٤٧٩)، وابن أبي الدنيا في العيال (٣٩٠) وفيه: فلولا الوَلَدُ ما أَردتُهُن من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]] »، ولكن مع ذلك ما يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة، هذا ليس فيه منع. * ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يلهو بالمتعة عن عمل الطاعة، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]. * الشيخ: على أحد التفسيرين، حيث فسر «بأن المراد ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ من طلب ليلة القدر والقيام[[ينظر ما أخرجه الطبري في التفسير (٣ / ٢٤٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٦٨٣) (١ / ٣١٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] ». * طالب: هل يصح عن عمر (...). * الشيخ: يمكن يكون، يمكن يصح. * ومنها، من فوائد الآية: جواز الأكل والشرب في ليالي الصيام؛ لقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السَّحور، أو السُّحور بالضم، فما رأيكم؟ * طالب: ما (...) عين الآية. * الشيخ: من هذه الآية فيه، ما فيه؟ * طالب: لأن اللام للتوكيد؟ * الشيخ: ما فيه لام. * طالب: حتى للغاية. * الشيخ: للغاية. * طالب: (...). * الشيخ: هذه بعض العلماء استنبط من هذا وعندي هذا الاستنباط له غور، ويش وجهه؟ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقًا بالمكلف، أليس كذلك؟ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به، موافقون على هذا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ما يحتاج إلى توقف، كلما تأخرت بالأكل إلى عند طلوع الفجر صار أرفق لك، ولّا لا؟ قالوا: فما دام نص التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق. وهذا استنباط جيد تعضده أيضًا الأحاديث، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُور» أو: «فِي السُّحُورِ»[[أخرجه البخاري (٣٠٠) من حديث عائشة.]]؟ بالضم الفعل، وبالفتح ما يؤكل، يجوز الوجهان، السَّحور فيه بركة، ولهذا طعام واحد يغني الإنسان عن طعامين في النهار، شراب واحد يغنيه عن كم؟ عن ست شرابات، الواحد إذا أفطر في أيام الصيف يمكن يشرب في النهار ست مرات. * طالب: (...) إذا كان سهران مثلًا، يكون تأخر بالنوم يكون تسحر في أول الليل أو في (...) الليل وينام هذا أرفق به؟ * الشيخ: لا لا، ما هو أرفق به من جهة الاستعانة على الصيام أبدًا ولا أرفق، أرفق من جهة القيام، أي راحة البدن، هذا خارج (...) لكن من حيث الصيام لا شك أن هذا أعون على الصيام. على كل حال الآن هذا الاستنباط أنا عرضته عليكم لأجل أن نعرف أن بعض العلماء رحمهم الله لهم غور في استنباط المسائل، فبادئ الأمر تقول: ما قال: كلوا واشربوا في وقت السحر. * طالب: يا شيخ، فين نأخذ (...) الإباحة، لأنه كان منهي عنه وأباحه؟ * الشيخ: كيف الإباحة لأي شيء، لأي شيء أبيح؟ * الطالب: هذا خير ليحصل.. * الشيخ: لا لا، أبيح للتيسير، والله يحب اليسر، كما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥] * الطالب: فكيف نقول: إن العلماء يأخذون استحباب.. * الشيخ: هذا السبب، قلنا: استحبابه؛ لأنه إنما أبيح من أجل التيسير على المكلف -بارك الله فيك- لكن ما دام أنه من أجل التيسير، والتيسير في حقه أن يأكل قرب طلوع الفجر يكون مستحبًا. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر أو لا؟ زين، ولّا لا، ولّا إلى أذان الفجر؟ * طلبة: إلى طلوع الفجر. * الشيخ: إلى طلوع الفجر؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ حتى يتبين. * طالب: (...) أذن يا شيخ (...) طلع. * الشيخ: لا (...) قبل الفجر، وبعضهم يتأخر بعد الفجر، ولهذا نعلق الحكم بتبين الفجر لا بأذان الفجر، إلا من علم أنه يؤذن على الوقت، فكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٩) واللفظ له، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦) من حديث عائشة.]]. * طالب: أنت تعرف المكلف مثلًا ما يعرف يعني ما يستطيع إنه.. * الشيخ: إي نعم يعرفون هذا بأن يسألوا المؤذن، إذا كان المؤذن ممن عرف بالتحري والدقة اتبعوه. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مسألة اختلف فيها أهل العلم وهي: لو أنه طلع الفجر وهو يجامع زوجته، إن بقي حرم عليه، وإن قام لزمته الكفارة، يكفر، فما رأيكم المذهب عندنا مذهب الحنابلة أنه لو طلع الإنسان الفجر وهو يجامع ثم نزع لزمته الكفارة؛ أن يصوم شهرين متتابعين، يعني يعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، فما رأيكم بهذا الرأي هل تؤيده الآية الكريمة، أو أنها تضعفه؟ * طالب: تضعفه. * الشيخ: الآية تضعفه لا شك، الآية تضعفه؛ لأن الله أباح لنا ذلك إلى متى؟ * طلبة: حتى يتبين. * الشيخ: حتى يتبين لنا، حتى يتبين، فإذا جامع الإنسان زوجته وهو لم يرَ الفجر فإنه قد فعل مأذونًا فيه، ومن فعل مأذونًا فيه لا يمكن أن يعاقب. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الصيام مع الجنابة، أي جواز أن يصبح الصائم جنبًا، أنه يجوز أن يصبح الصائم جنبًا. من أين تؤخذ؟ إباحة الجماع حتى يتبين، يعني معناه أنه لك أن تجامع إلى أدنى وقت، من لازم ذلك أنك تصبح وأنت على جنابة ولّا لا؟ إي نعم، وقد ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه «كان يُصبح جُنُبًا من جماع أهله وهو صائم»[[أخرجه مسلم (١١٠٩ / ٧٥) من حديث عائشة وأم سلمة. ]]، واضح؟ * طالب: نقول: إنه من أصبح جنبًا فلا شيء عليه فما دليل جوازه؟ * الشيخ: لا، نقول: جواز؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا أصبح جنبًا فإنه يبطل صومه. * من فوائد الآية: جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر، جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر، إذا قال: والله أنا الآن أنا أشك ما أدري والله هذا اللي نشوفه هو الفجر ولّا لا، عندي شك. نقول: تأكل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وكذلك رد من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس (...). * طالب: من قال هذا؟ * الشيخ: ذكروا هذا. * طالب: يا شيخ ثبت في حديث عن النبي (...). * الشيخ: هذا ضعيف (...). * الطالب: حسن. * الشيخ: في القراءة صحيح ولكن في (...) ضعيف. * الطالب: حسن (...). * الشيخ: ما يصح أبدا، كل شيء يخالف القرآن ليس بصحيح أبدا. بقينا في لو أذن المؤذن الذي يؤذن على الفجر وفي يده الإناء يشرب، هل يجب عليه أن ينزل الإناء ويمسك أو له أن يقضي نهمته منه؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: لا ما يجوز على مذهب الإمام أحمد، على مذهب الإمام أحمد ما يجوز، يجب لو كان في فمه ماء لفظه. * الطالب: (...) إذا تبين تركه. * الشيخ: وكذلك الطعام وهذا هو ظاهر القرآن، لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر «بأنه إذا أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه[[أخرجه أبو داود (٢٣٥٠) من حديث أبي هريرة. ]] »، فإن كان هذا الحديث صحيحا فإنه يحمل على أن المؤذن لا يؤذن حتى.. يعني معناه أنه قد يحتاط، يعني ما يدع الأذان إلا أن يطلع الفجر، يكون هذا لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيرا فسومح الإنسان، وإلا فإنه يخالف الأحاديث الصحيحة والقرآن أيضًا، فإن القرآن يقول الله فيه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ والرسول ﷺ يقول: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٩) واللفظ له، ومسلم (١٠٩٢ / ٣٦) من حديث عائشة.]]. * طالب: من يفعل من العوام (...) الفجر (...) قبل الفجر (...) ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾؟ * الشيخ: لا، هذا تلاعب (...) التبين، لا هذا تلاعب، كذلك ما روى عن بعض العامة يروون عن الرسول ﷺ أنه كان يستتر بناقته عن الفجر، هذا كذب تلاعب. * طالب: قول الحنابلة بأنه إذا أذن الفجر وهو يجامع فإذا نزع فعليه الكفارة مفرع على أي شيء؟ * الشيخ: مفرع على أن النزع جماع، يرون النزع جماعا، كابتداء الجماع وهذا ليس بصحيح هذا (...) ليفعل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أرى أنه بالنسبة للمؤذنين الآن ما يمكن يؤذنون بالدقة الحقيقة، ما يؤذنون بالدقة، لكننا ما نفتي به نخشى من التلاعب، ما نفتي به. * طالب: يتقدم (...). * الشيخ: والله غالبهم يتقدم. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في حال الصوم، بمعنى أن بعض الناس الآن ولا سيما الجهال يقولون: نؤذن قبل الفجر احتياطا، علشان الناس يمسكون، نقول: هذا الاحتياط في غير محله؛ لأن الاحتياط الحقيقي هو اتباع الشرع، عرفتم؟ نعم لو تعارضت الأدلة لكن هنا الأدلة واضحة، حتى في الآية: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، ما فيه احتياط، فالاحتياط للزوم الشرع أن تأكل وتشرب حتى يتبين، وأنتم أيضًا إذا احتطتم من ناحية الصيام فرطتم من ناحية ما هو أهم من الصيام، وهو الصلاة؛ لأن بعض الناس إذا سمع المؤذن أذان الفجر تعالوا نصلي على طول، فحينئذ نكون غررنا الناس في مسألة الصلاة وهي أهم. * طالب: الفائدة (...) * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الآخرة. * الشيخ: الأخيرة؟ أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في أيام الصيام بتقديمه على الفجر. * طالب: (...) خمس دقائق. * الشيخ: من؟ * الطالب: (...) شخص (...) الوقت (...). * الشيخ: لا، لا تحتاط؛ لأنك إذا احتطت منعت عباد الله مما أحل الله لهم. * الطالب: (...). * الشيخ: والله ما أدري، أنا أرى أن الاحتياط باتباع الشرع، لا تشدد على نفسك. * طالب: حتى يتبين. * الشيخ: حتى يتبين. * طالب: طب إذا كنت في مكان وعلمت أن الناس يتبعون الفجر الكاذب ليس الفجر الصادق، بعض الناس يؤذنون على الفجر الكاذب. * الشيخ: لا أدراك بهم، لا تعتد بهم. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لو أكل الإنسان على أنه لم يتبين له الفجر ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فإنه لا قضاء عليه. * طالب: يعني يقول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ فإذن أكله مأذون فيه ولّا لا؟ مأذون فيه، وما كان مأذونا فيه فإنه لا يُرتب عليه إثم ولا ضمان ولا شيء. وقد مر علينا في قواعد الفقه: ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون. إذن نقول: من أكل وهو لم يتبين له طلوع الفجر، ثم تبين بعد أنه بعد طلوع الفجر فلا قضاء عليه. وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، ويؤيده أيضًا نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها، ورفع لعدي بن حاتم رضي الله عنه، حيث كان يضع عنده عقالين، أحدهما أسود والثاني أبيض، ويأكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فأخبر بذلك النبي ﷺ ولم يأمره بالقضاء[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠ / ٣٣) من حديث عدي بن حاتم، ولفظه: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ، فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ. قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذَنْ لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ».]]. فعندنا أدلة خاصة وأدلة عامة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا أكل ثم تبين أن الفجر قد طلع فإنه يلزمه القضاء، يلزمه القضاء؛ لأنه أكل بعد أن طلع الفجر، ولكن هذا القول ضعيف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. خدتوا بالكم يا إخواني في المسألة، في الجملة التي قبلها نسينا فائدة وهي: الإيماء إلى كراهة الوصال، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾. والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعا، ما يفطر بينهما، وقد كان الوصال مباحا، ثم نهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عنه وقال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ»[[أخرجه البخاري (١٩٦٣) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فقط، مع أنه يرغب في تعجيل الفطر. وهذا من المسائل التي كنت نبهت عليها سابقا، بأن الشيء قد يكون مأذونا فيه وليس بمشروع، أو لا؟ فالوصال إلى السحر مأذون فيه، لكنه ليس بمشروع، ومر علينا مثال آخر مثل؟ * طالب: هي التعبد للميت. * الشيخ: إي، مثل الصدقة على الميت، مأذون فيه وليس بمشروع، ومثل؟ * طالب: ختم الصلاة. * طالب: ختم الصلاة بقراءة سورة الإخلاص. * الشيخ: قراءة سورة الإخلاص ختم الصلاة بها فهذا جائز وليس بمشروع. * من فوائد الآية قلنا: إن الصيام الشرعي ينتهي. * طالب: بغروب الشمس. * الشيخ: بغروب الشمس.. لا بالليل؛ لأنه قال: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾، كلمة ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ الآن نشوف نبحثها، هل المراد إلى أن يكسو الليل الأرض، أو المراد ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى أن يتبين الليل؟ أو أن المراد شيء آخر وراء ذلك؟ نقول: لا شك أن أصح التفسير بعد تفسير الله عز وجل تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت عنه أنه قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ- وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠ / ٥١) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، هذا الحديث حكم فاصل يبين هذا المجمل من قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ولذلك ذهبت الرافضة إلى أن الفطر ما يكون حتى يكسو الليل الأرض، ولهذا ما يفطرون إلا إذا بانت النجوم؛ تمسكا بظاهر الآية، ولكن يقال: إن الرسول ﷺ بينها وهو المبين للقرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، ما من أحد من البشر يُرجع إلى تفسيره ويجب الرجوع إليه مثلما يجب الرجوع إلى تفسير الرسول ﷺ. فإذن إن علقنا الحكم بإقبال الليل المجرد ما صح، (...) ما يصح. * طالب: (...). * الشيخ: أقول: (...) ما يصح؟ * طالب: لأنه قال: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾. * الشيخ: إي طيب أقبل لأن نشوفه أسود. نقول: لأن ابتداء الليل -حسب ما نرى ونشاهد الآن- ابتداء الليل يكون والشمس ما غربت، أو لا؟ ما عمركم تشوفوه؟ الآن شوف الجو من المشرق بدأ به، بدأ فيه الظلام والشمس ما غربت. كوننا نقول: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى امتداد الليل إلى آخر الأفق، هذا أيضًا لا يصح، ليس مرادا من الآية، المراد من الآية ما بينه الرسول ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ»، لو قال قائل: إذا غربت الشمس قبل أن يقبل الليل؟ * طلبة: ما يمكن. * الشيخ: نقول: هذا ما يمكن إلا على رأي شيخ أبي حنيفة، نعم يقولون: إن أبا حنيفة.. وإن كان أنا والله أنا ما ودي أجيب الأشياء التي يكون فيها ضحك في قراءة القرآن أو تفسير القرآن أو إعراب القرآن، لكن يقولون: إن أبا حنيفة جالس مع أصحابه فجاء رجل ذو هيئة، وكان قد مد رجله مع إخوانه وأصحابه، فجاء هذا الرجل فعظمه أبو حنيفة، وكف رجله وجعل يحدث أصحابه، كان يحدثهم أظن في أوقات النهي، وقال: أوقات النهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، المهم قال له: يا سيدي أرأيت لو طلعت الشمس قبل أن يطلع الفجر، قال: (...)، المهم لا يمكن أن تغرب الشمس قبل أن يتبين الليل هذا شيء من المستحيل، في أفق (...). * من فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف. * ومنها: أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧]. لو قال قائل: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ يدل على أن هناك اعتكافا في غيرها فما الجواب؟ الجواب: أنه لما جعل للاعتكاف في المساجد حكما، دل هذا على أنه لو كان الاعتكاف في غيرها مشروعا لكان الحكم عاما، وأيضًا فإن الله يقول في آية أخرى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة ١٢٥]. * ومن فوائد الآية: أن الجماع مفسد للاعتكاف، نحن ذكرنا النهي عن المباشرة؟ ما ذكرناه؟ طيب إذن خلِّ قبله: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف؛ أن مباشرة النساء مبطلة للاعتكاف، أو أن الاعتكاف يبطل بذلك، ما وجهه؟ ما وجه كونه مبطلا؟ * طالب: النهي. * الشيخ: النهي؛ لأنه نهي عنه بخصوصه، والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها، وذكرنا أثناء التفسير أن بعض العلماء استنبط منها أن الاعتكاف إنما يكون في الصيام وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكرها عقب آية الصيام. * ومن فوائدها: ما استنبطه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف يكون في آخر شهر رمضان. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة ١٨٧]. * طالب: إذا اعتكف في الأوسط. * الشيخ: كله ينتظر ليلة القدر، حتى قيل له: إنه في العشر الأواخر، فاستقر على ذلك في العشر الأواخر. * طالب: اعتكف مرة في العشر الأولى من شوال؟ * الشيخ: قضاء، هذه اعتكفها قضاء؛ لأنه لما خرج في صباح يوم اعتكافه وجد أن نساءه ضربن أخبية فقال «آلْبِرَّ يُرِدْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٤١)، ومسلم (١١٧٣ / ٦) واللفظ له، من حديث عائشة.]] ثم أمر عليه الصلاة والسلام بنقض هذه الأخبية وترك الاعتكاف هذا العام، ثم قضاه في شوال. * طالب: (...) خلاف ما اشترطه بعض العلماء أن يكون جامع، أطلق.. * الشيخ: نعم نعم، إنه ما يشترط أن يكون جامع نعم. * طالب: ولو كان يصلى فيه بعض الصلوات. * الشيخ: لا، لا بد أن يصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأجل ألا يخرج ولا يتكرر خروجه؛ لأنه إما أن يدع الجماعة وهذا حرام وإما أن يكثر الخروج وهو في الحقيقة كأنه غير معتكف. * طالب: شيخ، الاعتكاف بغير رمضان؟ * الشيخ: أما إنا قلنا: إنه جائز وليس بمشروع، جائز وليس بمشروع. * طالب: بعض المساجد لا يصلى فيها الصلوات الخمس أصلا (...). * الشيخ: حديث عمر يوم أو ليلة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٢) وفيه لفظ: ليلة، ومسلم (١٦٥٦ / ٢٨) وفيه لفظ: يوم، من حديث ابن عمر.]]. * طالب: كونه في العشر الأواخر ما وجهه من الآية (...). * الشيخ: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٧] * من فوائد الآية الكريمة: أن أوامر الله تعالى حدود له، وكذلك نواهيه، الدليل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، لكن إن كان حدا عن الخروج فهي أوامر، وإن كان حدا عن الفعل فهي النواهي، ولهذا يقال في النواهي: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وفي الأوامر: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة ٢٢٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي البعد عن المحارم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يبين للناس الآيات الكونية والشرعية؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله وصفاته، ما وجه ذلك؟ لأنهم مثلا إذا قالوا: المراد باليد النعمة أو القوة، والمراد بالاستواء الاستيلاء، والمراد بكذا كذا، وهو خلاف ظاهر اللفظ ولا دليل عليه، صار القرآن بيانا للناس ولّا غير بيان؟ غير بيان؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان. فيستفاد من الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل وغيرهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون: إن الله أراد بكذا كذا بدون دليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم سبب للتقوى، من أين تؤخذ؟ * طلبة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. * الشيخ: ما وجهه؟ لأنه أعقبه، يعني جعله عقب قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾، فدل هذا على أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. فكلما ازداد الإنسان علما بآيات الله ازداد تقى، ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو مرتبة التقوى، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، فلولا أن التقوى مرتبة عالية تبيَّن من أجلها الآيات للوصول إليها، ما بين الله الآيات لأجلها، ولأجل أن يتقي الناس ربهم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة ١٨٨]. أولا: ارتباط هذه الآية بالتي قبلها ظاهر جدا؛ لأنه لما ذكر المحرمات بسبب الصيام ذكر المحرمات بسبب القضاء، المحرمات بسبب الصيام تقدم لنا الأكل والشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أعقب ذلك بالنهي عن أكل المال مطلقا بسبب القضاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أكل المال بالباطل. ما معنى الباطل؟ الباطل كل شيء ليس لك فيه حق شرعا فهو باطل، كل ما لا حق لك فيه شرعا فهو باطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. ومن فوائدها أيضًا: تحريم الرشوة، على أحد التفسيرين كما سبق؛ لقوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ تدلوا بالأموال للحكام يعني: تعطونهم من أموالكم ليحكموا لكم بالباطل. * ومن فوائدها: أن الحاكم يحكم بما ظهر، يعني يقضي بما سمع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]] من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ وهذه فيمن يدعي ما ليس له ويخاصم ويقيم بينة كذبا، أو يجحد ما عليه ويخاصم ويحلف كاذبا، كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تيسير الله سبحانه وتعالى على الحكام بين الناس حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة، ولّا لا؟ تيسير الله تعالى على الحكام حيث لا يؤثّمهم في الأمور الباطنة، ولا يلحقهم إثم بها، وإلا لكان الناس في حرج ومشقة. * طالب: وجه ذلك؟ * الشيخ: وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له وإن كان خلاف الواقع فلا إثم عليه؛ لأنه إذا كان هؤلاء يدعون ما ليس لهم ويدلون بها إلى الحكام وحكموا بها فالإثم على المحكوم له. * الطالب: يعني تؤخذ من ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ أيضًا؟ * الشيخ: تؤخذ من: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ ومما بعدها: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ فجعل الإثم على الآكل لا على القاضي. * طالب: والرشوة يا شيخ؟ * الشيخ: والرشوة محرمة. * الطالب: لكن لو صار القاضي يأخذ الرشوة؟ * الشيخ: فهو آثم، ما هي مسألتنا؛ لأن الآية فيها قولين، وهي تشملهم كلهم، فإن كان القاضي يأخذ الرشوة فهو حرام عليه، وأما إذا كان ما يأخذ الرشوة ولكنه حوكم الخصم عند القاضي لأجل أن ينكر فالقاضي ما عليه شيء. * طالب: ما يؤيد أنها غير الرشوة؟ يعني قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ لو كان الرشوة يمكن يصير على الحكام؟ * الشيخ: لا، حتى الإدلاء بها، أي بالرشوة بالأموال إلى الحكام، الإدلاء بها إلى الحكام لا شك أنه ظاهر بالرشوة، أدلى بها إلى الحكام؛ لأنه مأخوذ من أدلى دلوه، أدلى بدلوه إلى البئر معناه أنزله فيها، كذلك ﴿تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ يعني تدلوا (...). لا إثم بدون علم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فلو فرض أن الإنسان لا يعلم فإنه لا إثم عليه، مثل لو فرض أن غريمه أوفاه ولكن هو ناسٍ، وحلف أنه ما أوفاه، وحُكم له، فلا إثم عليه، لكن متى ذكر أنه قد أُوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه (...). وهو القمر أول ما يكون شهرا، وسمي هلالا لظهوره، ومنه الاستهلال والإهلال، وهو رفع الصوت كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ»[[أخرجه أبو داود (١٨١٤)، وابن ماجه (٢٩٢٢) من حديث السائب بن خلاد.]]، يعني بالتلبية. ومنه قولهم: استهل المولود، إذا صرخ بعد وضعه، ولهذا سمي الهلال هلالا لظهوره، والهلال هو القمر إذا ظهر أول ليلة.

البقرة 2:189

وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ يعني عن الحكمة فيها بدليل الجواب ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]. وأما ما ذكر في البلاغة من أنهم سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الأهلة -عن كونه هلالًا يبدو صغيرًا ثم يكبر أيش السبب؟ فأجاب الله تعالى ببيان الحكمة، وقالوا: إن هذا من باب أسلوب الحكيم؛ أن يجاب السائل بغير ما يتوقع؛ إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يسأل عن هذا- فالصواب أنهم ما سألوا الرسول عن هذا، سألوه عن الحكمة من الأهلة وأن الله سبحانه وتعالى خلقها على هذا الوجه، والدليل الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب هو جواب السؤال، حتى يثبت ذلك بنص صحيح. ولم يثبت ذلك بنص صحيح أن الصحابة سألوا عن السبب في كونه يبدو هلالًا صغيرًا ثم لا يزال ينمو شيئًا فشيئًا حتى يكتمل، ما فيه حديث صحيح في هذا، وعليه فيتعين أن يكون السؤال مطابقا للجواب؛ لأنهم سألوا: ما هي الحكمة. * طالب: (...) بالعكس؟ * الشيخ: لا، والجواب. * طالب: (...) مطابق للسؤال. * الشيخ: وكذلك السؤال، يعني نحن الآن نؤيد أن السؤال عن الحكمة، ما هو عن كونه يبدو صغيرًا، فنقول: هذا الجواب لا بد أن يكون مطابقًا من سؤالهم، وسؤالهم أيضًا مطابقًا له. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يعني الأهلة مواقيت للناس، جمع ميقات، من الوقت، يعني أنها توقَّت بها الأشياء، ولهذا يوقت الناس فيها كل ما يتعلق بأحوالهم، ففيها مواقيت في العِدد المعلقة بالشهور؛ كعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وعدة من لا تحيض، كم؟ ثلاثة أشهر، وأجل المولِي ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦]. وكذلك يوقت الناس فيها آجال الديون والإجارات وغيرها، فهي مواقيت للناس. والمواقيت بالأشهر الهلالية أبين وأظهر من المواقيت بالأشهر الوهمية التي هي الأشهر الأفرنجية الآن، أشهر وهمية ما لها أصل، ولهذا بعضها ثمان وعشرون وبعضها واحد وثلاثون، ثلاثة أيام، هذه الأشهر لو يختلف الناس وما عندهم تقاويم أين يرجعون إليه؟ ما عندهم شيء يرجعون إليه، لكن الأهلة إذا اختلفوا يحكم بينهم الهلال، الهلال هو اللي يحكم بينهم، فهو علامة حسية ظاهرة، ولهذا جعل الله عز وجل الأشهر مواقيت للناس، للناس عموما، لا للمسلمين فقط، بل للناس عموما؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة ٣٦]. وقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾ يعني ومواقيت للحج؛ لأن الحج أشهر معلومات، تبتدئ بدخول شوال وتنتهي بانتهاء ذي الحجة، ثلاثة أشهر. فإذا قال قائل: والصيام أيضًا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة ١٨٥]. قلنا: نعم، لكن سياق الآيات توطئة لبيان الحج، فلهذا قال: ﴿وَالْحَجِّ﴾، والصيام انتهى الكلام عليه. ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة ١٨٩] طيب ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٩] فيه إعراب، (مواقيت) خبر (هي)، وسؤالي: لماذا لم تنون فيقال: مواقيتٌ؟ * طالب: صيغة منتهى الجموع، ممنوع من الصرف. * الشيخ: لأنه ممنوع من الصرف؛ لصيغة منتهى الجموع: (مفاعيل). وقول الله: ﴿الْحَجِّ﴾ معطوفة على ﴿لِلنَّاسِ﴾. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة ١٨٩]. البر هو الخير، وسمي الخير برا لما فيه من السعة، ومنه في الاشتقاق البَرُّ، اللي هو الخلاء، سوى البنيان لسعته. وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا﴾ الباء حرف جر أصلي ولّا زائد؟ * طالب: زائد. * الشيخ: زائد للتوكيد، يعني وليس البر بإتيانكم البيوت من ظهورها. ﴿بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ أي من خلفها لا من أبوابها، ﴿لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ وفي قراءة: ﴿الْبِيُوتَ﴾، البيوت هي لغتنا العامية نعم، وهي لغة عربية، قراءة سبعية. ﴿بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ هذه (من) بيانية، أي تأتوها من الخلف، وكانوا في الجاهلية من سفههم يأتون البيوت من ظهورها إذا أحرموا بحج أو بعمرة، إلا قريشًا فإنهم يأتونها من أبوابها، أما غيرهم يقولون: نحن أحرمنا ما يمكن ندخل بيوتنا من أبوابها، هذا يبطل الإحرام، لا بد أن نأتي من الظهور لئلا يسترنا سقف البيت، شوفوا الجهل، كانوا يتسلقون البيوت مع الجدران من الخلف، ويعتقدون أن ذلك بر وقربة إلى الله عز وجل، فنفى الله هذا وأبطله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ هذا ليس من البر، بل هو من خلاف البر. السبب لما فيه من التعسير، ولما فيه من مخالفة الحكمة والسفه، فهو خلاف البر، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ وفي قراءة: ﴿وَلَكِنِ البِرُّ مَنِ اتَّقَى﴾ على أن تكون (لكن) مخففة من الثقيلة مهملة و(البر) مبتدأ. أما على القراءة بالتشديد ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ فهي عاملة و(البر) اسمها. وقوله: ﴿الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (البر) اسم معنى و(من اتقى) اسم جثة، كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟ نقول: إن هذا تقدم لنا نظيره مرارا، وأنه يخرّج على واحد من أوجه ثلاثة، من يعرفها؟ * طالب: يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل: ولكن البَارَّ، أو على تقدير محذوف: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقَى. * الشيخ: نعم، أو؟ * الطالب: أو هذا على سبيل المبالغة المطلقة مصدر. * الشيخ: أن يجعل المتقي نفس البر، طيب صح. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ اتقى من؟ اتقى الله عز وجل؛ لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به: اتقوا الله عز وجل. البر هو التقوى، هذا حقيقة البر، لا أن تتقي دخول البيت من بابه، ولكن البر أن تتقي الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، ائتوا البِيوت والبُيوت من أبوابها، أي من جهة الباب؛ فإن هذا هو الخير، وهذا من الحكمة في تعليم الله عز وجل أنه إذا نهى عن شيء وجه الناس إلى الطريق السليم ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة ١٠٤]. وهكذا تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام أمته إذا سد عليهم بابا لتحريمه فتح لهم باب الحل، «قال للذي جاء إليه بتمر طيب وقال: إنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ» يعني الجمع التمر الرديء المجمع «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٠٢)، ومسلم (١٥٩٣ / ٩٥) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.]] يعني تمرا طيبا، فمنعه من المحرم وفتح له باب الحلال. وهكذا ينبغي لكل من يعلم الناس إذا سد عليهم بابا وهم يحتاجون إلى التعامل به أن يفتح عليهم باب الإباحة. ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ فإن هذا هو الموافق للعادة وللطبيعة وللعقل، قال بعض العلماء: وينبغي أن تكون هذه قاعدة حتى في الأمور المعنوية؛ أنك تأتيها من أبوابها، ما تتجشم الأمر تجشما، بل تأتي من بابه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور؛ فيكون فيها إشارة إلى أن الأمور المعنوية أيضًا تؤتى من أبوابها، ما تجشم الأشياء تجشما، يعني هذا قد لا تحصل المقصود. فإذا أردت مثلًا أن تخاطب شخصا كبيرا، كبير المنزلة، فهل تأتي إليه على طول مثلا، تتكلم معه وتخاطبه بما تخاطب سائر الناس؟ الجواب: لا وإنما تأتي من الأبواب. ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل) للتعليل؛ أي: لأجل أن تنالوا الفلاح، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. * طالب: طيب مثلا الناس اللي يتعاملون (...). * الشيخ: يأخذ الحزام ويروح يحطّب ويجيء يبيع. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة ١٩٠] قاتلوا: فعل أمر، والمقاتلة: مفاعلة من الجانبين، يعني اقتلوهم بمقاتلتهم، ولكن قال: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي في دينه وشرعه ولأجله، فسبيل الله سبحانه وتعالى يتناول الدين وأن يكون القتال في حدود الدين، وعلى الوجه المشروع، ولله وحده، ولهذا قدمه، قدم المقاتَل من أجله قبل المقاتَل؛ إشارة إلى أنه ينبغي الإخلاص في هذا القتال؛ لأنه ليس بالأمر الهين، الإنسان المقاتل يعرض رقبته لسيوف الأعداء، فإذا لم يكن مخلصا لله خسر الدنيا والآخرة، قُتل ولم تحصل له الشهادة، فنبه بتقديم المراد ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ لأجل أن يكون مبنيا هذا القتال على الإخلاص. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قاتلوا الذين يقاتلونكم، اختلفت آراء الناس في هذا المفعول به ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فإن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قد يقول قائل: مفهومه أن الذين لا يقاتلونكم لا تقاتلونهم، وعلى هذا فيكون مقاتلتنا للكفار قتال دفاع فقط، يعني الذين يقاتلونكم فقط. ولهذا اختلف العلماء في هذا على أقوال ثلاثة: أحدها: أن هذه الآية منسوخة، منسوخة بماذا؟ بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦] فتكون الآية غير محكمة، هذا واحد. الثاني: أن هذا الوصف ليس للاحتراز، ولكنه للتهييج وبيان الواقع، لتهييجنا نحن على قتالهم وبيان واقعهم أنهم يقاتلوننا، وعلى هذا فلا يزيد الأمر بالقتال إلا قوة، يعني إذا قال لك إنسان: قاتل الذي يضربك رجّال، معناه كأنه يقول لك: اقتص لنفسك وكيف تصبر على أنه يضربك ولا تضربه مثلا، فيكون المراد بذلك التهييج وبيان الواقع لهؤلاء أنهم يقاتلوننا، فكيف لا نقاتلهم؟ الوجه الثالث أو القول الثالث: أنها قيد مخرِج لما عداه، فلا نقاتل إلا من يقاتلنا، أما من لا يقاتلنا واستسلم لأمرنا وبذل الجزية وخضع لأحكام الإسلام فإننا لا نقاتله، وهذا رأي كثير من المتأخرين، على أن الآية إنما أمر الله أن نقاتل من يقاتلنا، فأما من لا يقاتلنا واستسلم لحكمنا ورضي بأحكام الإسلام وبذل الجزية فإننا لا نقاتلهم. واستدلوا لذلك بأن الرسول ﷺ كان إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيرا وقال لهم: «اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ إِذَا نَزَلَ عَلَى حِصْنٍ فَلْيَدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلْيَدْعُهُمْ إِلَى الْهِجْرَةِ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبَوُا الْإِسْلَامَ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ أَبَوْا فَلْيُقَاتِلْهُمْ»[[أخرجه مسلم (١٧٣١ / ٣) من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه.]]، فدل هذا على أن هؤلاء إذا بذلوا الجزية فإنهم لا يقاتلون، لأنهم خضعوا لأحكام الإسلام وكانوا تحت سيطرتنا. واختار ابن كثير رحمه الله القول الوسط: أن المراد به التهييج وبيان الواقع. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٩٠] لا تعتدوا في المقاتلة، والاعتداء في المقاتلة يشمل الاعتداء في حق الله والاعتداء في حق المقاتَلين. أما الاعتداء في حق الله فمثل أن نقاتلهم في وقت لا يحل القتال فيه، لماذا؟ مثل أن نقاتلهم في الأشهر الحرم على القول بأن تحريم القتال فيها غير منسوخ. وأما في حق المقاتلين فألا نمثل بهم، ما نمثل بهم؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تُمَثِّلُوا» ولا نقتل وليدا يعني طفلا، ولا نقتل امرأة، ولا نقتل شيخا فانيا، ولا نقتل راهبا في صومعته، ولا نقتل شيخا كبيرا ليس له رأي في القتال، هذا معنى الاعتداء، يعني لا تعتدوا بقتال من لا يقاتل أو يعين على القتال. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم، أين الحكم؟ ﴿لَا تَعْتَدُوا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ هذا التعليل، المعتدين في القتال ولَّا في القتال وغيره؟ المعتدين في القتال وغيره؛ لأنها عامة، (أل) هنا عامة، اسم موصول لأنها دخلت على مشتق، و(أل) الداخلة على المشتق يجعلونها اسما موصولا، ثم إن العلة غالبا تكون أعم من المعلول، أعم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩٠، ١٩١] ﴿اقتلوهم﴾ الضمير يعود على من؟ على الكفار الذين يقاتلوننا؛ لقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ حيث: ظرف مبني على الضم، ظرف مكان ولّا زمان؟ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، يعني اقتلوهم في أي مكان. شوف الأول يقول: ﴿قَاتِلُوا﴾ ثم قال: ﴿وَاقْتُلُوا﴾ أيهما أشد؟ القتل أشد، يعني متى وجدنا هذا المحارب الذي يقاتلنا حقيقة أو حكمًا فإننا نقتله في أي مكان، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ لكنه يستثنى ما سيأتي إن شاء الله في الآيات، ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١]. * طالب: شيخ، الجزية ما الحكمة منها (...). * الشيخ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني في أي مكان، يستثنى منه ما هو؟ المسجد الحرام ﴿لَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١]. ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة ١٩١] قال: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ﴾ ولم يقل: أخرجوهم حيث أخرجوكم؛ لأن الإخراج يكون من شيء إلى شيء، أما القتال فيكون في شيء، القتال يكون في مكان، والإخراج يكون من المكان. ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه، فمثلا إذا قدر أن الكفار غلبوا على هذه البلاد وأخرجوا المسلمين منها، فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوهم، فإذا قاتلوهم يخرجونهم ولّا لا؟ نعم يخرجونهم من البلاد من حيث أخرجونا، فهم الذين اعتدوا علينا واحتلوا بلادنا، فنخرجهم من حيث أخرجونا. واعلم أن أحق الناس ببلاد الله الصالحون ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾ من ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨]. فالأرض ما هي بأرض فلان ولا أرض الجنس الفلاني ولا الجنس الفلاني، الأرض أرض الله يورثها من يشاء من عباده، وقد بين أن الذي يرثها عباده الصالحون، هؤلاء هم الذين يرثونها شرعا وقدرا أيضًا، وقدرا فإن الله تعالى يجعل العاقبة للمتقين. إذن ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ نقول: أخرجوهم من البلاد التي أخرجوكم منهما؛ لأن الحق لكم، أنتم الذين ظُلِمتم وأُخرِجتم من دياركم، فأخرجوا هؤلاء الكفار منها. ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة ١٩١] الفتنة ما هي؟ الفتنة صد الناس عن دينهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، ففتنة الناس أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا، لكن الفتنة نقطعهم من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١]. وفي هذا دليل -وإن كان ينبغي أن يجعل في الفوائد- على أن استعمار الأفكار أشد من استعمار الديار، وأن الكفار إذا تسلطوا على المسلمين بصدهم عن دينهم فهو أعظم من احتلال ديارهم، الفتنة أشد من القتل. قريش هل فتنوا المؤمنين؟ نعم، فتنوهم أيّ فتنة، فتنوهم، عذبوهم، قتلوهم، صاروا يعذبونهم بالرمضاء في شدة الحر، أذية ما فوقها أذية، هذا أشد من القتل، يعني لو فرض أن المسلمين قتلوا أحدا من المشركين فإن فتنة المشركين للمسلمين أعظم وأشد. * طالب: شيخ، صار المسلمين دول، ففيه دولة أخرجت من ديارها، هل يجب على المسلمين كلهم أن.. * الشيخ: نعم يجب عليهم مع القدرة أن يعينوا هؤلاء حتى يطردوا أعداءهم عن بلادهم. * الطالب: طيب بعض الدول بينها وبين الكفار هادول اللي أخرجوا المسلمين معاهدة يجب عليهم ولّا ما يجب؟ * الشيخ: لا، يبينوا لهم، لكنهم إذا نقضوا، عند أهل العلم إذا نقضوا العهد في طائفة من المؤمنين انتقض العهد، حتى لو بيننا وبينهم عهد، الرسول عليه الصلاة والسلام جعل نقض قريش العهد بمعاونتهم حلفاءهم نقضا لعهده، مع أنهم ما فعلوا إلا أنهم ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي عليه الصلاة والسلام، على حلفاء الرسول وهم إلى الآن ما بعد أسلموا، فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا نقضا للعهد، فإذا اعتدوا على أحد من المسلمين فقد نقضوا العهد، فسيأتي إن شاء الله هذا في.. يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١] لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام يعني في مكة؛ لأن المسجد الحرام هو المسجد نفسه وما عنده فهو البلد، يعني لا تقاتلوهم في مكة حتى يقاتلوكم فيه. و(في) هنا الظاهر أنها للظرفية، ويحتمل أن تكون للسببية، أي: حتى يقاتلوكم بسببه. ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] إن قاتلوكم حتى عند المسجد الحرام؟ حتى عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا حتى عند المسجد الحرام فإننا نقاتلهم. هذه الآية هي منسوخة ولّا لا؟ لا، هذه الآية غير منسوخة. فإن قال قائل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قال: «إِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، فهذا دليل على أن الآية هذه منسوخة. فالجواب على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يريد بذلك قتال أهل مكة والدخول عليهم، عنوة هذا لا يجوز، أما إذا قاتلونا فإننا نقاتلهم من باب المدافعة، ولا أحد يقول: إنه إذا قاتلك المشرك في مكة فاستسلم، أبدا ما أحد يقول بهذا. فنحن لا نبدؤهم بالقتال، حتى على الفرض الممتنع؛ لو أن أهل مكة ارتدوا فإننا لا نقاتلهم، وإنما قلت: على الفرض الممتنع؛ لأن أهل مكة لا يمكن أن يرتدوا، ويش الدليل؟ الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. ]]، فإن نفي الهجرة من مكة بعد الفتح دليل على أنها ستبقى بلاد إسلام، وإلا لأمكن أن يرتد أهلها ويكون منها الهجرة. الحاصل نقول: إننا لا يجوز أن نبدأ أهل الحرم بقتال أبدا، لكن إن قاتلونا في الحرم فإننا نقاتل مدافعة حتى تهدأ الفتنة. ولهذا قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ١٩١] كذلك: المشار إليه ما سبق من الأحكام في الأمر بالقتال، أي مثل هذا الجزاء، وهو أمرنا لكم بقتال الكفار المقاتلين لكم نجزي الكافرين، وعلى هذا فيكون القتال عاما لكل كافر، فإن الواجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار -كما سيأتي إن شاء الله في الآية التي بعدها- وجوبا. والجهاد في سبيل الله فرض كفاية في الأصل، وقد يكون فرض عين، وذكروا أنه يكون فرض عين في مواضع: الموضع الأول: إذا حضره، فإنه يكون فرض عين، ما يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٥، ١٦]. الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو، إذا حصره فإنه يتعين القتال، من أجل فك الحصار عن البلد، ولأنه يشبه من حضر صف القتال. الموضع الثالث: إذا احتيج إليه، إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه؛ إما لرأيه أو لقوته أو لأي عمل يكون، فإذا كان محتاجا إليه فإنه يتعين عليه. والموضع الرابع: إذا استنفره الإمام، إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا ولا يتخلف أحد، وإلا فهو فرض كفاية. واعلم أن الفرض، سواء قلنا: فرض عين، أو فرض كفاية، لا يكون فرضا إلا إذا كان هناك قدرة، أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٩١]، فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا، وإلا لأثمنا جميع الناس مع عدم القدرة، ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل. ولهذا قيدها الله عز وجل: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة ٩١] ليس على هؤلاء الثلاثة حرج، بشرط، ما هو؟ ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فأما مع عدم النصح لله ورسوله فعليهم الحرج حتى وإن وجدت الأعذار في حقه. فالحاصل أننا نقول: إن القتال فرض كفاية ويتعين في مواضع، وهذا الفرض كغيره من المفروضات من شرطه القدرة، أما مع العجز فلا يجب، لكن يجب أن يكون العزم معقودا على أنه إذا حصل القوة جاهدنا في سبيل الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ»[[أخرجه مسلم (١٩١٠ / ١٥٨)، وأبو داود (٢٥٠٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، والعياذ بالله. فيها قراءات هنا، اللي عندنا ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الجمل أربع: ولا تقاتلوهم، حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم، فاقتلوهم، هذه أربع جمل كلها بصيغة المفاعلة إلا واحدة، كلها بصيغة المفاعلة (قاتل) إلا واحدة وهي الأخيرة ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ شوف هذه القراءات اللي عندي، يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ﴾ كل الأربعة (قتل) بدون صيغة مفاعلة، ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقتْلُوهُمْ﴾ وعلى هذا فتكون الأربعة كلها بغير صيغة المفاعلة، ولكن القراءة هذه أبلغ، حيث إن الله عز وجل نهى عن المقاتلة إلا بمقاتلة، وإذا حصلت المقاتلة لا تقتصروا على المقاتلة، ماذا تفعلون؟ تقتلون، إذا قاتلوا فاقتلوا، وهذا أبلغ وأقوم، وإن كان كله حقا؛ لأن القراءات كلها قرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون بعضها يدل على معنى لا يدل عليه الآخر، ويصير (لا تقاتلوهم): لا تقتلوهم حتى يقتلوكم، وقطعا ما هو معناه أنه لا تقتلوهم حتى يقتلوكم كلكم، إذا قتلوكم كلكم ما فيه شيء، لكن حتى يقتلوكم ولو واحدا منكم؛ لأن قتل واحد منا كقتل الجميع، ولهذا ذكر أهل العلم أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد في واحد من المسلمين انتقض العهد، قالوا: إذا اعتدى على مسلم بقتل أو زنا أو ما أشبه ذلك فإنه ينتقض عهده، مع أنه ما نقض العهد بالنسبة للعموم لكن الواحد منا يعتبر ممثلا للجميع كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ذِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠ / ٢٠) من حديث علي بن أبي طالب. ]]. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٢] إن انتهوا، ويش عنه؟ عن المقاتلة، إن انتهوا عن المقاتلة فإن الله غفور رحيم، يعني فاغفروا لهم ولا تقاتلوهم. وهل يدل هذا على أنهم إذا انتهوا عن المقاتلة غفر لهم بدون إسلام؟ لا، لكن ﴿إِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني فاغفروا لهم؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، يعني ولا تقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ما داموا تابوا، فهؤلاء أيضًا إن انتهوا ولم يقاتلوكم فلا تقاتلوهم. * طالب: يمكن لها معنى يا شيخ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني ما يجب عليكم القتال إذا انتهوا غفور لكم. * الشيخ: يحتمل هذا أيضًا ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والله فيه احتمال لكنها فيها شيء من البعد إنما المعنى الظاهر هو هذا، وبعض المفسرين قال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم، وجعل الانتهاء عاما للانتهاء عن القتال وعن الكفر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فجعل قوله: ﴿إِنِ انْتَهَوْا﴾ يعني عن قتالكم وعن الكفر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * طالب: حتى وإن أصابوا جمع كثير من المسلمين؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني يمكن يبدؤوا القتال ويقتلوا كثير ثم يقولوا: خلاص انتهينا، نكف؟ * الشيخ: نكف، لكننا ندعوهم إلى الإسلام، فإن التزموا بأحكام الإسلام وإلا قتلناهم حتى نبيدهم. * طالب: جواب الشرط.. * الشيخ: لا هو الجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (...). * طالب: هي خبر مقدم على كل حال. * الشيخ: هي خبر مقدم على كل حال. * طالب: تصير تعليلية؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * الشيخ: إذا كان الكلام في الإعراب فهي جواب الشرط على كل حال. * الطالب: فإذا جعلناها تعليلية؟ * الشيخ: ما نحتاج إلى تعليل، نقول: ﴿إِنِ انْتَهَوْا﴾ فقد وصف الله نفسه بأنه ذو مغفرة ورحمة يعني فالمعنى اغفروا لهم وارحموهم، لا تعرضوا لهم. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٣] هذه آية فاصلة، ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني يجب أن نقاتل الكفار حتى لا تكون فتنة، أي صد عن سبيل الله، بحيث لا يعتدون على أحد ويفتنونه عن دينه، سواء كان جميعا أو بعضا، فلو فرض أنّا قاتلناهم واستسلموا وتركوا القتال، لكن بدؤوا يدسون على المسلمين كتبا، كتب إلحاد وكتب ضلال، فهل نكف عن قتالهم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فلا بد أن نقاتلهم إلى أن يستسلموا ويدفعوا شرهم نهائيا، فإن بقي من شرهم شيء وجب علينا أن نقاتلهم. ولهذا قال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فإذا قاتلناهم وكان حكم الإسلام هو الظاهر، فقد كان الدين لله، وحينئذ نكف عنهم، وإلا فالواجب قتالهم، وهذه مع الأسف هذه المسائل مع أنها في أول سورة من القرآن وفي سورة مدنية نزلت متأخرة أكثرنا في غفلة عنها، يعني كأن القتال الآن أصبح شيئا يُذكر وليس بشيء يجب أن يكون، كأنها نظريات أو قراءة حوادث وأخبار ماضية، كأننا لا نطالب بها الآن، ولذلك ركنا إلى الدنيا، وصار أهم شيء علينا أن تبقى لنا هذه الرفاهية، وهذا الأشر والبطر عند بعض الناس، ولم نعبأ بما خلقنا من أجله أو بما يجب علينا نحو دين الله عز وجل. الدين الآن يفتت في كل مكان بوسائل وطرق، لا يأتون إلى البلد المستقيم كبلادنا -والحمد لله- فيقولون: اسجدوا للأصنام، اذهبوا إلى القبور، الجؤوا إلى أصحاب القبور، ما يقولون هكذا؛ لأنهم يعلمون لو قالوا هكذا لرجمهم الصبيان بالحجارة، لكنهم يدسون أشياء يفسدون بها الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق لم يكن لنا في الآخرة من خلاق. والوسائل التي تهدم الأخلاق كثيرة ومعلومة للكثير منكم، لهذا صارت فتنتهم أشد من القتل، وصرنا نطمئن إلى هذه الأمور، وبردت الجلود، وتقاصرت الهمم، حتى أصبح منا الآن من المسلمين من يقول: المسيحيون إخوة لنا، الله يقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] لهم دينهم ولنا ديننا، والجامع بيننا الإنسانية، الجامع الإنسانية! ودين الإسلام دين السعة ودين الرحمة ودين السماح! وما أشبه ذلك من هذه الأمور التي يشبِّهون بها، ما علموا أن الإنسان اللي يعتقد أن دين النصارى قائم الآن فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥]، ويقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] وهذه الجملة حصر لتعريف ركنيها: المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ معناه: ما فيه دين سواه، حتى لو تدينوا ودخلوا الصوامع والبيع والأديرة، فإن ذلك لا ينفع ولا يجوز لنا أن نعتقده دينا؛ لأنه ليس بدين، هم وإن دانوا به لكن ليس عند الله دين. (...) * * * ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ إلى آخره [البقرة: ١٨٩]. * في هذه الآية الكريمة حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا. * وفيه أيضًا بيان، وفيه بيان علم الله وسمعه ورحمته، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، علم الله بسؤالهم وسمعه ورحمهم بالإجابة. * وفي هذه الآية من الفوائد: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله ﷺ، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه، وهذا من معونته، من معونة الله للرسول عليه الصلاة والسلام وعنايته به، أو لا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شئون دينهم ودنياهم؛ لقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. ومن فوائدها، أي * من فوائد الآية الكريمة: أن ميقات الأمم كلها، الميقات الذي وضعه الله لها ما هو؟ الأهلة، فهو الميقات العالمي، ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ عامة. * ومن فوائد الآية الكريمة أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾. بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾. * ومن فوائدها: أن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا، من قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾؛ مع أنهم يعتقدونه بِرًّا، ولكنه قال: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ﴾، فمن اعتقد شيئًا غير مشروع من اعتقده بِرًّا قلنا له: إنه ليس ببر، لو اعتقده وتقرب به إلى الله فإننا نحذره من ذلك. * طالب: شيخ (...) هذا الإيمان (...) هل هذا صحيح. * الشيخ: لا؛ لأنه ما تسلطه بِرًّا ما تضرر بتسلطه، أنا مرة من المرات لو وصلنا بالحديث كان واحد يسألني يقول: بالنبي إنك تعلمه كذا وكذا بالنبي، فنهيته قلت: يا أخي، هذا ما يجوز الحلف بالنبي، احلف بالله ولّا لا تحلف، ولما إنه يعني أعاد السؤال قال: بالنبي ما عمري أحلف بالنبي، والظاهر أن هذه قضيته. قلنا: إن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن البر أن يأتوا البيوت من ظهورها، ولكن الله تعالى أبطل هذه العقيدة، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، فإن هذه الآية كما تتناول البيوت الحسية كذلك أيضًا تتناول الأمور المعنوية. * ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن التقوى تسمى بِرًّا، وقد سبق أنها إذا ذُكِرت مفردة شملت البر، وإذا ذُكر البر مفردًا شمل التقوى، وإذا قُرِنَا جميعًا كقوله: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] صار البر: فعل الخير أو فعل المأمورات، والتقوى: ترك المنهيات. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والتقوى لها أكثر من مئة فائدة، وقد كتبها بعض الطلبة فيما سبق، طلبنا من الطلبة أنهم يكتبون فوائد التقوى المذكورة في القرآن فقط، فكتبوا حوالي مئة فائدة كلها مذكورة في القرآن، ومن كان بإمكانه أن يفعل يتفرغ نصف ساعة خصوصًا لحافظ القرآن عن ظهر القلب ويأتي بالفوائد هذا طيب وتكون له حسنة. ثم قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٩٠]، في هذه الآية وجوب القتال؛ لقوله: ﴿وَقَاتِلُوا﴾، ووجوب أن يكون في سبيل الله، أي: في شرعه ودينه؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ووجوب الإخلاص فيه؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يذكر للمخاطَب ما يهيجه على الامتثال. * الطلبة: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، هذا إذا قلنا: إنها قيد للتهييج والإغراء، فإن قلنا: إنها قيد معنوي يراد به إخراج من لا يقاتلوننا اختلف الحكم. * ومن فوائد الآية: تحريم الاعتداء حتى مع الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ ومع المسلمين من باب أولى، ولهذا الرسول ﷺ قال: «لَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»[[أخرجه مسلم (١٧٣١ / ٣) من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه بلفظ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثٍ..» الحديث. ]]؛ لأن كل هذا من العدوان. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات محبة الله، أن الله يحب، من أين؟ * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. * الشيخ: بس، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؟ هذا نفي، ونحن نقول: في الآية إثبات محبة الله، أي أن الله يحب، وهذه نفي، أيش تقول؟ * طالب: أن يكون غير المعتدين.. * طالب آخر: لأنه لا يمكن أن لا يحب إلا الذي من شأنه أن يحب. * الشيخ: نعم، لو كان لا يحب أبدًا ما صح أن ينفى محبته عن المعتدين فقط، فهو ما انتفت محبته عن هؤلاء إلا وهي ثابتة في حق غيرهم. * ومن فوائد الآية: حسن تعليم الله عز وجل حيث يقرن الحُكم بالحكمة، الدليل؟ * طالب: ﴿لَا تَعْتَدُوا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقد سبق لنا أن فوائد (...) الحكمة، واحد، اثنين، ثلاثة. في عموم العلة، عموم الحكم بعموم العلة إذن تكون أربعة. * طالب: هو ذكرها. * طالب آخر: هذا القياس. * الشيخ: إي، لكن ما بيّنها، إن كان القياس هو أرادها لكن ما عبّر عنها، واضح؟ عموم الحكم بعموم علته، فمثلًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [الأعراف ٣٣]، و﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، ﴿إِنَّهُ رِجْسٌ﴾ هذه العلة، يؤخذ منها أن كل رجس فهو حرام، ولَّا لا؟ إذن صارت الفوائد أربعة، الحمد لله، الفوائد أربع. * طالب: الاستنباط أو إن كان قياس.. * الشيخ: نعيدها الآن ما خدناه نعيدها، أولًا: بيان سمو الشريعة، وثانيًا: زيادة طمأنينة العبد، وثالثًا: العموم بعموم العلة، لكن فيه رابع الآن، ذكرتم.. * طالب: عموم الحكم بعموم العلة. * الشيخ: هذا هو، هذا اللي إحنا ذكرناه أخيرًا و.. * طلبة: (...). * الشيخ: إي، لكنها إذا صارت مستنبطة يكون القياس جليًّا (...) عموم الحكم بعموم العلة، كيف عديتها أربع سبحان الله؟! * طلبة: (...). * الشيخ: أنا ما فهمت الآن أنها واحد. * طالب: نعيدها يا شيخ. * الشيخ: هات نعدها، بيان سمو شريعة، هذه واحدة، متفق عليه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: زيادة طمأنينة المكلَّف، هذا اثنين، وكل واحدة غير التاني واضح؟ * طالب: نعم. * الشيخ: والثالث؟ * الطلبة: عموم الحكم بعموم العلة. * الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة، ويش بعد؟ * الطلبة: وإن كان قياس. * الشيخ: وإن كان قياس لا ما حسبناها، إذن صاروا ثلاثة. طيب، ثم قال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ إلى آخره، في هذا تقوية الحث على قتال هؤلاء، يعني: اقتلوهم في أي مكان وجدتموهم، ﴿اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، والضمير في قوله: ﴿اقْتُلُوهُمْ﴾ يعود على ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فيجري فيه ما سبق. * فمن فوائد الآية الكريمة: وجوب قتال الكفار أينما وُجِدوا؛ لقوله: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، ووجوب قتالهم أينما وُجِدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان وُجِدوا؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن نُخرج هؤلاء الكفار كما أخرجونا، المعاملة بالمثل؛ لقوله: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾، ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم، وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلًا بمثل سواء بسواء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفتنة بالكفر والصد عن سبيل الله أعظم من القتل، فيتفرع على هذه الفائدة: أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار؛ أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأن استعمار الأفكار فتنة، واستعمار الديار أكثر ما فيها إما القتل أو سلب الخيرات والاقتصاد وما أشبه ذلك، فالفتنة أشد؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين والدنيا والآخرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم حرمة المسجد الحرام؛ لقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأنا بذلك أهلُه؛ لقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾، فإن قلت: ألا يعارض هذا قول رسول الله ﷺ: «وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) واللفظ له من حديث أبي شريح العدوي.]]؟ إن قلتم هذا يعارض الحديث؟ * الطلبة: لا ما يعارضه. * الشيخ: ما يعارضه، ما الفرق أو ما الجمع؟ الجمع أن ابتداء القتال لندخل مكة هذا حرام، محرّم ولا يجوز مهما كان الأمر، وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب؟ * الطلبة: المدافعة. * الشيخ: من باب المدافعة، ولهذا نقاتلهم بقدر ما نكسر شوكتهم فقط. * ومن فوائد الآية الكريمة: قوة قتال الأعداء؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ ، يعني إن قاتلوكم في المسجد الحرام فاقتلوهم، أما على قراءة: ﴿فَإِنْ قَتَلُوكُمْ﴾ ، فالمعنى: فإن قتلوا بعضكم؛ لأنهم إذا قتلونا كيف نقتلهم؟! فالمعنى: قتلوا بعضنا فلنقتلهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العدل لله عز وجل؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، حيث قاتلوا فأُذِن لنا بقتالهم، والجزاء من جنس العمل. * طالب: يا شيخ، حيث قتلتموهم ما يؤخذ منها جواز قتالهم في أي مكان.. * الشيخ: إي نعم، إلا في مكة، إلا في مكة مستثنى؛ لأنه قال: في المسجد الحرام، قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾، ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾، مع أنه فيما يظهر أنه لا يمكن أن يرتد أهل مكة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٨٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، واللفظ للبخاري.]]، وهذا خبر صادق، لكن قد يقاتلون ولو كانوا غير كفار، فإذا قاتلونا فيه قاتلناهم. ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يستفاد من هذه الآية الكريمة: تمام عدل الله سبحانه وتعالى، حيث جعل أحكامه وعقوبته مبنية على عدوان من يستحق هذه العقوبة، وجهه؟ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: فلا تقاتلوهم قد غفر لهم، أو: فاغفروا لهم وارحموهم، فالمعنى أنه إذا انتهى هؤلاء عن قتالهم فإن مغفرة الله ورحمته تسعهم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. (...) هذا أمر مُغَيًّا بغاية، غاية عدمية ولّا إيجابية؟ عدمية، ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني: حتى لا توجد فتنة، والفتنة هي الشرك والصد عن سبيل الله، الغاية الثانية إيجابية ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، بمعنى أن يكون الدين غالبًا ظاهرًا ما يعلو إلا الإسلام فقط، وما دونه فهو دين معلوٌّ عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون، هذا إذن القتال واجب إلى هاتين الغايتين: أن لا تكون فتنة، والثاني: أن يكون الدين لله. (...) مبتدأ و(الحرام) صفته، و(بالشهر) جار ومجرور خبره. وقوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ مبتدأ وخبر، ومعنى قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، يعنى معناه أن الشهر الحرام يكون بدلًا عن الشهر الحرام. قال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ﴿إِنِ انْتَهَوْا﴾ يعني: عن قتالكم ورجعوا ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، يعني فإنه قد انتفى عنهم الظلم، وحينئذ لا يكون عليهم عدوان. وقوله هنا: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ قيل: إن معناه: فلا سبيل، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص ٢٨]، هذا في قصة موسى، ومعنى ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ يعني: لا سبيل عليّ، وقيل: لا عدوان عليّ؛ لأنه قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾، فمعنى ﴿لَا عُدْوَانَ﴾ أي: لا مقاتلة لهم، وهو من باب مقابلة الشيء بمثله لفظًا؛ لأنه سببه. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ليس معناه أن فعلكم هذا عدوان، لكن لما صار سببه العدوان صح أن يُعَبَّر عنه بلفظه. وقوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أين خبر (لا)؟ يجوز أن يكون خبرها الجار والمجرور في قوله: ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ويجوز أن يكون خبرها محذوف، والتقدير: فلا عدوان حاصل أو كائن إلا على الظالمين. ثم قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ وسبق الكلام عليها. وهذه الجملة الأولى لها معنيان؛ المعنى الأول: أنهم إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ولا تستعظموا ذلك؛ فإن مقاتلتكم إياهم في الشهر الحرام كمقاتلتهم إياكم في الشهر الحرام، فيكون هذا في مقابلة هذا. وقيل: معنى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أنه لما صدوكم في الحديبية عن أداء العمرة في الشهر الحرام فإنكم ستقضونها في الشهر الحرام من العام القادم، فتكون عمرتكم في شهر حرام بدلًا عن الشهر الحرام، فيكون الشهر الحرام الأول السنة السادسة من الهجرة، والثاني السنة السابعة من الهجرة، يعني: فلا يغمكم ذلك ولا يحزنكم؛ فإنه إذا فاتكم أو إذا فاتتكم العمرة في هذا الشهر فإنها لن تفوتكم في الشهر الثاني، هذان معنيان؛ المعنى الأول أن الشهر الحرام يعني إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ولا تستعظموا ذلك؛ فإن قتالكم إياهم في شهر حرام مقابل لقتالهم إياكم في شهر حرام، وهذا من تمام العدل أن تعامل غيرك بمثل ما عاملك به، الوجه الثاني: الشهر الحرام الذي تقضون فيه العمرة من السنة السابعة بالشهر الحرام الذي فاتتكم فيه العمرة من السنة السادسة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى العمرة في السنة السادسة من الهجرة، ولكن كفار قريش لعنادهم وعصبيتهم والجاهلية منعوه أن يدخل مكة، وقاضاهم على أن يرجع من العام القادم وأن يعتمر، وأن يبقى فيها ثلاثة أيام كما هو معروف. وقوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ الحرمات جمع (حُرُم)، والمراد بالحرم كل ما يُحترم؛ لأن (حُرُم) جمع (حَرَام)، و(حُرُمات) جمع (حُرُم)، فالمعنى أن المحترَم يُقتص منه بمحترم آخر، وما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تُنتهك حرمته، فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر، ومن انتهك عرض مؤمن انتهكت عرضه بمثله، ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله، وهكذا. ﴿الْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ الحرمات جمع (حُرُم)، والحُرُم جمع (حَرَام)، والمعنى أن كل شيء محترم يكون بدلًا عن الشيء المحترم الآخر، وكل هذا التأكيد من الله عز وجل في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها، ولكن الله تعالى سلّاهم بذلك بأن الحرمات قصاص، فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم. ولهذا قال مفرِّعًا على ذلك: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، أي: تجاوز الحد في معاملتكم، سواء كان ذلك بأخذ المال أو بقتل النفس أو بالعرض أو بما دون ذلك أو أكثر، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، قوله هنا:﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ ليس أخذُنا بالقصاص اعتداء، لكنه سُمِّي اعتداء؛ لأنه مُسَبَّب عن الاعتداء، مسبب عنه، فكأنه يقول: أنتم إذا اعتدى عليكم أحد فخذوا حقكم منه، وسمى ذلك عدوانًا؛ لأن سببه؟ * الطلبة: العدوان. * الشيخ: العدوان؛ لأن سببه العدوان، ثم إن فيه نكتة أخرى وهي أنه من المعروف أن العادي يرى نفسه في مقام أعز من المعتدَى عليه وأرفع من المعتدى عليه، ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ولو كان يرى نفسه في مقام دون ما اعتدى، فكأنه يقول: إن قصاصكم أيضًا يعتبر مقام عز لكم كما أنه هو طغى واعتدى فأنتم الآن يعتبر قصاصكم بمنزلة المرتبة العليا بالنسبة إليهم، فيكون في ذلك سببان لكونه عبّر عن القصاص بالاعتداء، السبب الأول؟ * طالب: عبر عن القصاص.. * الشيخ: لسببين، السبب الأول؟ * طالب: أنه عبر عن القصاص بالاعتداء. * الشيخ: هذا هذا التعبير عن القصاص بالاعتداء له سببان؟ * طالب: أن سبب هذا هو الاعتداء. * الشيخ: نعم، عبّر عن القصاص بالاعتداء؛ لأن سببه الاعتداء، هذا واحد، الوجه الثاني؟ * طالب: أنه قد يُفهم من الاعتداء أن المعتدي قد يكون أعز من المعتدى عليه، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: في مقاصتكم لهم فإنكم أعز منهم. * الشيخ: لا تعتبروا أنفسكم في مقام ذل، بل أنتم في مقام مثل ما جعلوا أنفسهم هم في هذا المقام، واضح؟ وقوله: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ﴿بِمِثْلِ﴾، ادعى بعضهم أن الباء هنا زائدة وقال: إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم، على أن تكون ﴿مِثْلِ﴾ هنا مفعولًا مطلقًا، أي: عدوانًا أو اعتداء مثل اعتدائهم، ولكن الصواب أنها ليست زائدة وأنها أصلية، وأن المعنى: اعتدوا عليه بمثله، أن الباء للبدل، يعني: مثل ما تقول: اشتريت الشيء بدرهم، بحيث يكون المثل مطابقًا لما اعتُدِي عليكم به في هيئته وفي كيفيته وفي زمنه وفي مكانه، فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم؟ * الطلبة: فاعتدوا عليه. * الشيخ: فاقتلوه، إذا اعتدى أحد عليكم بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه، فيكون الباء هنا دالة على المقابلة والعوض كما هي في قولك: اشتريت الثوب بدرهم، فيكون المعنى أن هذا الاعتداء يكون مقابلًا تمامًا لما اعتدي به عليكم زمنًا ومكانًا، ويش بعد؟ * الطلبة: كيفية. * الشيخ: وكيفية، زمنًا ومكانًا وكيفية، ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، اتقوا الله أي: اتخذوا وقاية من عذابه، بماذا؟ بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان كما تعرفون إذا ظُلِم فإنه قد يكون عند الاقتصاص يتجاوز ويتعدى، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فلذلك قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فلا تتجاوزوا ما يجب لكم من القصاص. قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ اعلموا، شوف أمرنا أن نعلم، وهذا أوكد من مجرد الخبر، هذا أوكد من مجرد الخبر، يعني لو قال: واتقوا الله إن الله مع المتقين، هذا خبر لا شك ومؤكد، لكن إذا قال: اعلموا، أبلغ، يعني: يجب أن تعلموا أن الله مع المتقين، فيكون هذا أبلغ من مجرد الخبر. وقوله تعالى: ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخذين وقاية من عذاب الله، وكثيرًا ما يذكر الله تعالى أنه مع المتقين، مع الصابرين، مع المؤمنين، وما أشبه ذلك، كما أنه ذكر أنه مع الخلق مطلقًا كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. وهذا يشمل المتقي وغير المتقي، كل نجوى ثلاثة يكون الله رابعهم، أدنى من ذلك، أكثر، يكون الله تعالى معهم أينما كانوا، بل أشد من ذلك أن الله تعالى قد يذكر معيته مع المنافقين، كما في قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]. فهنا ذُكِرت المعية على ثلاثة أوجه: ذكرت باعتبار وصف محمود، مثل: مع المتقين، مع الصابرين، وما أشبه ذلك، وذكرت باعتبار وصف مذموم، مثل: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، وذكرت مجردة عن هذا وهذا، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾، وكما في قوله أيضًا في سورة الحديد التي تلتها سورة (قد سمع) قال فيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤]، فلا بد لنا هنا من عدة أمور؛ الأمر الأول: هل ما ذكر من معية الله تعالى في هذه الأمور الثلاثة هل ينافي علو الله أو لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: الجواب: لا ينافيه، لا شك أنه لا ينافيه، لماذا لا ينافي علو الله، كيف نقول: إن الله مع هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، ونقول: إنه لا ينافي علوه؟ الجواب على هذا من ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن الله تعالى جمع بينهما في كتابه، وما جمع الله بينهما في كتابه فليس بينهما تناقض، الدليل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، كل شيء تراه في القرآن فإنه ما يمكن يتناقض؛ إذ لو جاز التناقض في خبر الله عز وجل لكان معناه أن أحد الخبرين؟ * طالب: كذب. * الشيخ: كذب، وهذا مستحيل في أخبار الله عز وجل، إذن لا تناقض؛ لأن الله جمع بينهما في القرآن، ثانيًا الوجه الثاني: لا تناقض بين معنى العلو ومعنى المعية، فإن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، ويقولون: نسير والنجم معنا، ويقولون: نسير والجبل الفلاني معنا، وهو بعيد عنهم، القمر موضوع في السماء، والنجم موضوع في السماء، والجبل بعيد (...) يشاهدونه، ومع ذلك يقولون: إنه معنا، فهل لزم من المعية أن يكون الشيء مخالطًا لك؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، قد يكون معك وهو بعيد جدًّا عنك، إذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق فهل يكون ممتنعًا في حق الخالق؟ الجواب: لا؛ لأن لله تعالى أعظم وأوسع وأعم إحاطة من خلقه سبحانه وتعالى، السماوات السبع كلها والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدنا، واضح؟ الوجه الثالث: أن يقال: لو قُدِّر أن بينهما -أي: بين المعية والعلو- تناقضًا في حق المخلوق، فإن ذلك لا يكون في حق الخالق، لماذا؟ قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: فإن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوّه قريب في علوّه. الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يمكن أن تقيس الله بالخلق أبدًا، الذي يقيس الخالق بالمخلوق لا شك أنه ظالم؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فبهذه الوجوه الثلاثة علمنا أن ما أثبت الله لنفسه من المعية فإنه لا ينافي علوه، ولكن يجب أن نعلم أن هذه المعيات الثلاث تختلف بحسب مقتضياتها، فمثل المعية التي عُلِّقَت بوصف محمود ويش مقتضاها؟ مقتضاها مع الإحاطة النصر والتأييد والتثبيت، وما إلى ذلك، هذا مقتضاها. فهنا ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني: بنصرهم وتأييدهم وتثبيتهم وتطمين قلوبهم ومساعدتهم على لزوم التقوى، كذلك ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ و﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وما أشبه ذلك. واعلم أن هذا القسم من المعية تارة يعلَّق بشخص وتارة يعلق بوصف، المعية الخاصة تارة تعلق بوصف وتارة تعلق بشخص، ويش مثال المعلقة بشخص؟ قوله تعالى عن نبيه محمد ﷺ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، هذه معية مقيدة بشخص، مع من؟ مع الرسول ﷺ وأبي بكر، وقال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] هذه مقيدة بشخص. أما المقيدة بالوصف فمثل قوله: ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وما أشبه ذلك، هذه مقيدة بالوصف، ويسمي العلماء هذه المعية التي تقتضي النصر والتأييد والتثبيت يسمونها المعية الخاصة؛ لأنها تقتضي نصرًا وتأييدًا بهذا المعيَّن بوصفه أو شخصه. أما الثاني الذي في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]، فهذه معية تقتضي الإحاطة بالخلق علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرة وتدبيرًا، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى. أما الثالثة: التي عُلِّقت بوصف مذموم فإنها تقتضي مع الإحاطة التهديد، تقتضي التهديد لهؤلاء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الرب عز وجل وهو معهم، هذه مقتضيات المعية عند أهل السنة والجماعة، وأنكروا غاية الإنكار على من زعم أن مقتضاها أن الله مختلط بالخلق وحالٌّ في أمكنتهم أو حالٌّ في أعيانهم، والعياذ بالله، وهذا مذهب الحلولية من الجهمية وغيرهم، يقولون: إن الله عز وجل مع الخلق في أمكنتهم، نسأل الله العافية، فلا يُنَزِّهُون الله تعالى عما ينزهون منه أدنى أولادهم، على رأيهم الباطل الفاسد يقتضي أن الله تعالى يكون مع الإنسان في أخبث مكان؛ أو لا؟ لأن هذا مذهبهم، ويقتضي الذين يقولون: إنه مختلط حتى بأعيان المخلوقات لا مشاركًا لها في الأماكن يقتضي أن يكون الخالق جل وعلا حالًّا في ذات أخبث الحيوانات، هؤلاء يدّعون أنهم من أهل القبلة وأنهم من المسلمين، وصاروا أخبث من النصارى، النصارى ويش قالوا؟ إن الله حالٌّ فيمن؟ * الطلبة: في عيسى. * الشيخ: في عيسى، عيسى نبي من الأنبياء رسول من الرسل من أولي العزم، لكن أولئك -والعياذ بالله- أهل الحلول يقولون: إنه حالٌّ حتى في أخبث الأبدان من الحيوانات، نسأل الله العافية؛ دعنا من الذين يقولون بوحدة الوجود عاد هذا دول ناس آخرين أخبث من هؤلاء وأخبث. إذن المعية عند أهل السنة والجماعة لا تقتضي، ما نقول: لا تستلزم فقط، لا تقتضي أبدًا بأي حال من الأحوال أن يكون الخالق مخالطًا للخلق لا في أمكنتهم ولا في ذواتهم؛ فإن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، واضح؟ لكنها تختلف مقتضياتها حسب ما أشرنا إليه، قد تقتضي التهديد، وقد تقتضي النصر والتأييد، وقد تقتضي مجرد الإحاطة والعلم، فهنا لا يلتبس عليك الأمر ولا يكون في ذهنك أو في فهمك هذا المذهب الخبيث. ومن العجائب أن قدماء الجهمية قالوا بالحلول الذي أشرت إليه، وأن متأخريهم قالوا بالنفي المحض، قالوا: إن الله لا يوجد في مكان، فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، ولا فوق العالم ولا تحت العالم، ما في شيء، ولهذا قال بعض العلماء: لو قال لنا قائل: صفوا لنا العدم، ما وصفناه بأحسن من هذا الوصف، هذا وصف محيط، نسأل الله العافية والسلامة، فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى هدى الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وقالوا: نحن نؤمن بأن الله تعالى قد استوى على عرشه بذاته، وأنه عليٌّ على خلقه، وأن علوَّه من لوازم ذاته، وأن ما وصف الله به نفسه من كونه ينزل إلى السماء الدنيا، وكونه يقرب من بعض عباده، وكونه مع الخلق، كل هذا لا ينافي علوّه؛ لأن الله عز وجل محيط بكل شيء، فهو كما قال شيخ الإسلام: قريب في علوّه علِيٌّ في دنوه. ولكن الشيء الذي يعتري الإنسان في هذه الأمور والشبه التي تعتريه حيث يظن أن الخالق مثل المخلوق، فيقول: كيف يكون في السماء وعلى العرش ثم تقول: إنه معك، كيف يكون فوق السماء على العرش ثم تقول: يقرب منك؟ «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ لمسلم. ]] وما أشبه ذلك، فنقول: إن هذا الفهم إنما جاءك حيث ظننت أن صفات الخالق كصفات المخلوق، الآن انظر في نفسك روحك التي بين جنبيك هل صفاتها كصفات الجسم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، تروح في الليل إذا نمت يمين ويسار وترجع، وإذا مات الإنسان صُعِدَ بها إلى السماء حتى تصل إلى السماء السابعة قبل أن يُدفن ثم ترجع، هل يتصور هذا أن يكون الجسم ولا ما يتصور؟ * الطلبة: ما يتصور. * الشيخ: ما يتصور أن الجسم يصعد بهذه السرعة ويرجع بهذه السرعة، فإذا كان هذا في مخلوقات من مخلوقات الله عز وجل ما يمكن أن تقيسه على الجسم فكيف بالخالق؟ يقول بعض المشبهة، بعض الناس اللي عندنا هنا في بلادنا يقولون: تقولون: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، معنى ذلك أنه دائمًا نازل؛ لأن ثلث الليل مستمر، مستمر دائمًا، إذا طلع الفجر عندنا وإذا باقي شوية على اللي غرب عنا؟ نقول: هذا قولوا: إن الرسول كذب، أحسن، الرسول عليه الصلاة والسلام قال ها الكلام يخاطب جماعة أصح منا عقولًا وأعمق منا فهمًا ما أوردوا هذا الإيراد؛ لأنهم يعرفون أن الرب عز وجل ليس كالمخلوق، الله سبحانه وتعالى يصح أن نقول: إنه الآن نازل في الثلث الآخر من الليل في هذه الجهة من الأرض، يعني نزل إلى السماء الدنيا حين يكون ثلث الليل الآخر على هذه الجهة من الأرض، والجهة الأخرى اللي عندهم صباح أو عندهم أول الليل يكون نازلًا ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يكون نازلًا، والله على كل شيء قدير، فلا يجوز للإنسان أن يرد ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله بمثل هذه .. (...) للجهاد في سبيل الله؛ لأن الآية كما ترون هذه في سياق الجهاد، كما أنها في مقدمة الحج، في مقدمة آيات الحج، فيدخل فيها الإنفاق في الحج ولَّا لا؟ نعم، يدخل فيها. قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، قال: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ بعضهم يقول: إن الباء هنا زائدة، أي: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، والصواب أنها أصلية وليست بزائدة، وأن معنى (ألقى بيده) أقوى من معنى (ألقى يده)؛ لأن ألقى بيده أي أنه وضع يده فلم يكن بها حراك، بخلاف ألقى يده إلى التهلكة، وأيضًا يمنع أن نقول: المعنى ألقى يده، يمنعه قوله: ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ إذ لو كان المعنى ألقى يده لقال: في التهلكة، ولم يقل: إلى التهلكة، فالباء أصلية، والمعنى: لا تلقوا بها، بمعنى أن لا يكون منها حراك، ألقى بيده كما يقول: ألقى بعصاه، ألقى بيده إلى التهلكة كأنه سلّمها إلى التهلكة، و(التهلكة) (تَفْعِلَة) من الهلاك، والمعنى: لا تلقوها إلى ما يهلككم. فما معنى قوله: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ المعنى: لا تلقوا بها إلى ما فيه الهلاك، الحسي أو المعنوي؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: أو كلاهما؟ كلاهما، نعم؛ لأنها وردت فيمن امتنعوا عن القتال أو امتنعوا عن البذل في سبيل الله، وهذا هلاك حسي ولّا معنوي؟ * طالب: معنوي. * الشيخ: هذا هلاك معنوي؛ لأنهم أهلكوا أنفسهم بترك ما يجب عليهم من الجهاد والإنفاق فيه، على أن هذا الهلاك المعنوي يترتب عليه الهلاك الحسي؛ لأنهم إذا تركوا قتال الأعداء قاتلهم الأعداء وتسلطوا عليهم، وإذا تركوا الإنفاق في سبيل الله لقتال الأعداء أيضًا تسلطوا عليهم، كذلك يدخل فيها الإلقاء بالتهلكة، الإلقاء باليد إلى التهلكة الحسية، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يعرّض نفسه للمخاطر، ما يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للمخاطر مثل أن يلقي نفسه في نار أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط أو ما أشبه ذلك، فإن هذا حرام، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٩]، حيث يدخل في هذه الآية ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كل ما يؤدي إلى ضرر للبدن وإن لم يصل إلى درجة القتل، الدليل: «أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعثه الرسول ﷺ في سرية وأجنب وإذا الجو بارد فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟». قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وأقرّه[[أخرجه أبو داود (٣٣٤)، والبخاري تعليقًا (١ /٧٧) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه بلفظ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟». ]] ». مع أنه لو اغتسل يقينًا بيموت؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما (...) على كل حال، لكن دلت الآية على أن ما كان سببًا للضرر فإنه داخل في النهي، كل شيء يضر البدن فإنك منهي عنه، ومن أجل هذه القاعدة عرفنا أن الدخان؟ * الطلبة: حرام. * الشيخ: حلال. * الطلبة: حرام. * الشيخ: حرام؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأنه يضر. * الشيخ: لأنه يضر باتفاق الأطباء أنه ضار، كما أن فيه ضياعًا للمال أيضًا، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال. إذن ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ يشمل الإلقاء باليد إلى التهلكة الحسية والمعنوية. ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿أَحْسِنُوا﴾ فعل أمر، ثم علّل هذا الأمر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، الأمر بالإحسان يشمل الإحسان في عبادة الخالق والإحسان إلى المخلوق، الإحسان في عبادة الخالق وفي معاملة المخلوق، فما هو الإحسان في عبادة الخالق؟ الإحسان في عبادة الخالق بيّنه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠، ٤٧٧٧)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، الفرق بين الجملتين ظاهر جدًّا، فالأولى: عبادة طلب، والثانية: عبادة خوف، تعبد الله كأنك تراه تطلبه، أو إن لم تكن تراه فإنه يراك تخاف منه، والمرتبة الثانية أدون ولّا أعلى؟ * الطلبة: أعلى. * الشيخ: المرتبة الثانية أعلى؟ * طالب: أدون. * الشيخ: أدون، ولهذا قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ»، فالمرتبة الأولى أعلى، أن تعبد الله طلبًا للوصول إليه لا خوفًا من عقابه، وإن كان العبادة للأمرين جميعًا، لكن الأولى أعلى، أعلى شأنًا، أما الإحسان في معاملة الخلق فإن الإحسان في معاملة الخلق جمعها كلمة واحدة من الرسول ﷺ: «أَنْ تَأْتِيَ إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْكَ»[[معجم الصحابة لابن قانع (١ / ٢٤٩) من حديث سعد بن الأخرم الطائي بلفظ: «وَتَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْكَ».]]، هذه كلمة جامعة أن تأتي إلى الناس ما تحب أن يأتوا إليك، إذا عامل الرجل الناس على هذا المنهاج أحسن ولّا ما أحسن؟ * الطلبة: أحسن. * الشيخ: طيب، رجل عنده سلعة فيها عيب، لكنه عيب لا يَبِين، فباعها إلى شخص ولا أخبره، يكون محسنًا في المعاملة؟ * طالب: غير محسن. * الشيخ: لأيش؟ * طالب: لأنه ما أخبره. * الشيخ: لا؛ لأنه لا يحب أن يأتي إليه أحد بهذه المعاملة، ما يحب، إذن ما أحسن، لكن عامله وقال: إن في السلعة عيبًا هو كذا وكذا يكون محسنًا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يكون محسنًا، كذا؟ طيب، بعض الناس بهذه المناسبة يريد أن يبيع سلعة ويعرف أن بها عيب، فيعرضها للبيع ويقول: ترى تشتريها على أي صفة كانت ترى كل عيب بها، كل عيب بها، إن كانت سيارة يقول: ترى ما بعت عليك إلا الكفرات ولا طار القيادة فقط، ولا أحد عيونها، يجوز هذا ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: هل يعقل واحد يشتري مثلًا بستة آلاف يشرط طار القيادة أو كفرًا ما يسوى إلا مئتين ريال لو هو جديد، معقول هذا ولَّا لا؟ * طالب: غير معقول. * الشيخ: لكن هم يقولون هكذا علشان لو يلقى بها عيب ويجي يقول: أبغي أرده لأجل العيب، قالوا: إحنا شارطين عليك، فما رأيكم في هذه المعاملة؟ إحسان ولّا إساءة؟ * الطلبة: إساءة. * الشيخ: إساءة، إذن يجب أنه يبيّن، نعم لو فُرِض أن هذا الرجل اشترى هذه السيارة ولا علم أن بها عيبًا ثم باعها وخاف أن تُرد عليه بعيب فاشترط مثل هذه الشروط، فإن هذا جائز، هذا جائز، وهذا القول هو الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، على أن من علم بالعيب فكتمه ولو شرط البراءة من العيوب فإنها تلزمه، والمذهب يقولون: إن أبرأه من العيوب بعد العقد برئ، وإن أبرأه قبل لم يبرأ، ولكن الصواب أن المسألة ما ترجع إلى الإبراء قبل العقد أو بعده وإنما ترجع إلى علم الإنسان، علم البائع بالعيب أو عدم علمه، فإن كان عالمًا لم يبرأ إلا إذا عيّنه قال: ترى فيها العيب الفلاني، ورضي، هو دخل على بصيرة، وإن لم يكن عالمًا برئ. * طالب: ويش لون قول المذهب: يبرأ؟ * الشيخ: المذهب، بعت عليّ سيارة، ويوم بعته ابتعت، إحنا الآن في مجلس الخيار، تراك تصبر بكل عيب فيها، وقلت: أنا صابر، وهو يدري أن بها العيب الفلاني لكنه ما معلّمك، المذهب يقولون: إنه يبرأ، لو وجد عيبًا ما يرده عليك، لماذا؟ لأنه أسقط الحق بعد ثبوته بالعقد، أما لو قلت: أبغي أبيع عليك السيارة هذه وترى فيها كل عيب، وقلت: أنا راضي وشريتها منك، فإنني لا يلزمني هذا، إذا وجدت العيب أردها عليك، إذا قال: ها ما كنت سقت الخيار، قلت: نعم، سقته قبل أن يثبت؛ لأنه ما يثبت الخيار إلا بعد العقد، واضح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لكن الصواب الذي ذكر شيخ الإسلام أنه هو المروي عن الصحابة أن المدار على أيش؟ * الطلبة: علم البائع. * الشيخ: على علم البائع أو عدم علمه. * طالب: تبيين عيب السلعة حتى لو لم يطلب المشتري؟ * الشيخ: نعم لو لم يطلب المشتري «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥ / ٧١)، من حديث أنس رضي الله عنه.]] قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولو لم يكن من الإحسان إلا هذا لكان كافيًا للمؤمن أن يقوم بالإحسان، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، إخواني، الإنسان ربما يصب لشخص كأسًا من الماء من البرّاد ليسقيه، هذا إحسان؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إحسان ولَّا لا؟ * الطلبة: إحسان. * الشيخ: إحسان، إذا فعلت هذا فاستشعر أن الله يحبك، الله يحبك؛ لأن هذه نقطة مهمة ومفيدة، أنك إذا فعلت الإحسان تشعر بأنك ترجو بذلك محبة الله؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، إذا أخبرت أخاك بمسألة من العلم فهمتها إحسان ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إحسان، استشعر هذا المعنى أنك بهذا العمل تعرضت لمحبة الله عز وجل وهكذا. (...) وجوب قتال الكفار حتى ينتهوا عن الفتن؛ لقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. * ويُستفاد منها: أنه إذا زالت الفتنة وقيامهم ضد الدعوة الإسلامية وذلك ببذل الجزية فإنهم لا يقاتَلون. * ويستفاد منها: أنهم إذا انتهوا إما عن الشرك بالإسلام وإما عن الفتنة بالاستسلام فإنه لا يُعتدى عليهم؛ لقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾، وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة للفعل، يعني أن تسمية المجازاة اعتداء من باب المماثلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل. ثم قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمسلمين بأنه إذا فاتهم قضاء عمرتهم في الشهر الحرام فيمكنهم أن يقضوها بالشهر الحرام من السنة الثانية كما حصل ذلك. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحرمات قصاص، يعني أن من انتهك حرمتك فلك أن تنتهك حرمته مثلًا بمثل، ولهذا فرّع عليها قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المعتدي لا يجازَى بأكثر من عدوانه؛ لقوله: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فلا يقول الإنسان: أنا أريد أن أعتدي للتشفي، ومن ثم قال العلماء: إنه لا يُقتص من الجاني إلا بحضرة السلطان أو نائبه خوفًا من الاعتداء، أن الإنسان يريد أن يتشفى لنفسه فيعتدي أكثر ثم يمثّل به أو ما أشبه ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل في معاملة الآخرين، وفي كل حال؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ومنها: إثبات أن الله مع المتقين؛ لقوله.. ها؟ * الطلبة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائدها: تأكيد هذه المعية؛ ولهذا قال: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، لم يقتصر على مجرد أن يخبر بها، بل أمرنا أن نعلم بذلك، وهذا أمر فوق مجرد الإخبار. * ومن فوائدها أيضًا: إحاطة الله عز وجل بالخلق وتأييده للمتقين الذين يقومون بتقواهم، ووجه ذلك أنه من المعلوم بالعقل والفطرة والكتاب والسنة من المعلوم أن الله فوق جميع الخلق، ومع ذلك فقد أثبت أنه مع الخلق، وهذا دليل على إحاطته سبحانه وتعالى، وليس معنى كونه مع الخلق أنه مختلط بهم أو حالٌّ في أمكنتهم كما ذهب إلى هذا الوهم الفاسد مَن؟ * الطلبة: الحلولية. * الشيخ: الحلولية من الجهمية وغيرهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التقوى حيث ينال العبد بها أيش؟ معية الله، فإنه من المعلوم إذا كان الله معك ينصرك ويؤيدك ويثبّتك، فهذا يدل على فضيلة السبب الذي هو التقوى، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يُستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب الإنفاق في سبيل الله. * طالب: ﴿أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: وجوب، من أين عرفت الوجوب؟ * الطالب: الأمر. * الشيخ: الأصل في الأمر؟ * الطالب: الوجوب. * الشيخ: الوجوب، هل يدخل في هذا الزكاة ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، تدخل، هي أول ما يدخل؛ لأن هي أوجب ما يجب، أوجب ما يكون من الإنفاق في سبيل الله الزكاة، أوجب من الإنفاق في الجهاد وفي صلة الرحم وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص في العمل، من أين؟ * الطلبة: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويدخل في هذا كما قلنا في التفسير القصد والتنفيذ، أن يكون القصد لله، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان ٦٧]، لا تقل: أريد أن أنفق وأنفق كل شيء، لا تسرف ولا تقتر. * ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم الإلقاء باليد إلى التهلكة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقد سبق في التفسير أن الإلقاء باليد إلى التهلكة يشمل التفريط في الواجب وفعل المحرم، أو بعبارة أعم يتناول كل ما فيه هلاك على الإنسان وخطر في دينه أو دنياه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان؛ لقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾، وهل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ أما الإحسان الذي به تمام الواجب فهو للوجوب، وأما الإحسان الذي به كمال العمل فهو للاستحباب، فمثلًا إذا قُرِن الإحسان بالعدل صار الإحسان على سبيل.. * طالب: الوجوب. * الشيخ: لا، على سبيل الاستحباب؛ لأن العدل هو الواجب، فيكون الإحسان فضلًا زائدًا عن الواجب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإحسان، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهي محبة حقيقة على ظاهرها، وليس المراد بها الثواب ولا إرادة الثواب، خلافًا للأشاعرة وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرّفون هذا المعنى العظيم إلى معنى لا يكون بمثابته، فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة. وقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن شبهتهم هو أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين، وبيّنّا بطلان هذا التعليل، وأنه مخالف للنص ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت في السمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئيين غير متناسبين، فقد أثبت النبي عليه الصلاة والسلام أن أُحُدًا وهو حصى «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣ / ٥٠٤) من حديث أنس رضي الله عنه.]]، والإنسان يجد أن دابته تحبه، البعير إذا سمعت صوت صاحبها حنّت إليه وأتت إليه، وكذلك غيرها من المواشي.