Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:215 – البقرة 2:220

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:215
  2. البقرة 2:216
  3. البقرة 2:217
  4. البقرة 2:218
  5. البقرة 2:219
  6. البقرة 2:220

البقرة 2:215

ثم قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نشوف ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الجملة فعل وفاعل ومفعول به، أو لا؟ و(يسألون) فعل، و(الواو) فاعل، و(الكاف) مفعول به، والضمير في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ على من؟ على الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، وعلى هذا فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبره، و(ينفقون) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه. هذا إذا لم تلغَ (ذا)، فإن ألغيت صار هناك إعراب آخر، وهو أن نقول: (ماذا) اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعولًا مقدمًا لقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾، و﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل مضارع، والفاعل الواو، والمفعول هو ما سبق، عرفتم؟ المعنى لا يختلف على الإعرابين. والسؤال سألوا: ما الذي ينفقون وأيش ينفقون؟ هل ينفقون طعامًا، هل ينفقون ثيابًا، هل ينفقون دراهم ماذا ينفقون؟ السؤال هنا عن المنفق لا عن المنفق عليه، أو لا؟ عن المنفق، عن جنسه، أو عن قدره، أو عن الأمرين جميعًا؟ * الطلبة: عن الأمرين. * الشيخ: الظاهر عن الأمرين جميعًا عن الجنس والقدر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ هذا الجواب، ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما) هذه موصولة، وإن شئت فاجعلها شرطية، و﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ إن جعلت (ما) موصولة فهي الخبر، وإن جعلتها شرطية فهي جواب الشرط. ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله سبحانه وتعالى أجابهم عن ماذا ينفقون فيه، لا عن ماذا ينفقون، عن ماذا ينفقون فيه، يعني قال: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾؛ لأن حقيقة الأمر أن الشأن كل الشأن أن يكون إنفاقك في محله، فأنت لا تهتم ماذا تنفق، اهتم أين تنفق، ولَّا لا؟ بعض الناس ينفق في الشر، وبعض الناس ينفق في شيء لا خير فيه ولا شر، وبعض الناس ينفق في الخير. ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أقول: قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن الجواب وقع على غير وفق السؤال؛ لأن السؤال عن أيش؟ ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، فجاء الجواب: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فهل هذا يكون من باب أسلوب الحكيم المعروف في البلاغة؛ حيث كان هذا الجواب بهذه الصيغة إشارة إلى أنه كان ينبغي أن تسأل على من تنفق؟ هكذا يبدو، ولكنك عند التأمل يتبين لك أن الله عز وجل أجاب عن السؤال جوابًا مطابقًا وزاد عنه أو زاد عليه؛ لأن الجواب عن السؤال يفهم من قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ من خير، إذن فما الذي ينفق؟ الخير، الخير هو اللي ينفق، وما دام الذي ينفق الخير، فقد يكون الخير في الطعام، وقد يكون الخير في الثياب، وقد يكون الخير في الفرش، وقد يكون الخير في الدراهم، يختلف ولَّا لا؟ لو جئت إلى إنسان مضطر جائع مرة، جائع سيموت إن لم تطعمه وعارٍ ما عليه ثياب أبدًا، فما الخير هنا؟ الثياب ولَّا الطعام؟ الطعام، معلوم ابدأ بالطعام أولًا خير من الثياب، ولو جئت لإنسان لم يصل إلى حد الضرورة إلى الأكل لكنه في ضرورة إلى الثياب؛ لأن الجو بارد وليس عليه إلا ثوب رقيق، فما هو الخير حينئذٍ؟ في الثياب، واضح؟ إذن يكون الله عز وجل قد أجاب عن ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ بقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، وزاد على الجواب بذكر المنفق عليه في قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾. قد تقول: إن الزيادة على السؤال إسهاب وتطويل؟ فنقول: إنه إذا كانت الزيادة مما تدعو الحاجة إليه ويقتضيه حال السائل فليست إسهابًا ولا تطويلًا بل هي من تمام الجواب؛ ولهذا لما سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر نتوضأ به وأيش قال؟ قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٨٣) من حديث أبي هريرة.]] مع أنه ما سئل عن الميتة، ما سئل عن الحوت والسمك، قال: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»؛ لأن راكب البحر يحتاج إلى ذلك. (الوالدين) يعني: الأم والأب، والجدة والجد؛ لأن الجدة والجد وإن لم يكونا والدين مباشرة، فهما والدين لوالديك هما السبب في حصول والديك، ووالداك هما السبب في حصولك أنت، فيشمل الوالدين: الأقربين والأبعدين. وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الأقربين جمع أقرب، وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفق، فأخ وابن أخ من الأقرب؟ الأخ، وعم وابن عم؟ الأقرب العم، وابن أخ وعم الأقرب؟ ابن الأخ، الأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه لو اجتمع ابن أخ وعم في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (١٦١٥ / ٣) من حديث ابن عباس.]]، فاتفق العلماء على أن ابن الأخ أولى من العم. والقربى دون الأقربين هل لهم حق؟ الجواب: نعم؛ لأنهم من الأرحام، لكن الأقرب أولى من الأبعد، وإلا فالكل له حق، والكل يؤجر الإنسان بالإنفاق عليه. وقوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ يشمل الأبناء؟ نعم، يشمل الأبناء، ولكن الإنفاق على الأبناء جاءت السنة بتقييده بالعدل حيث قال النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣ / ١٣) من حديث النعمان بن بشير.]]، فلا يجوز أن يعطي الذكر ويمنع الأنثى، أو أن يعطي الأنثى ويمنع الذكر، أو أن يعطي واحدًا ويمنع الآخر. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، ومن اليتيم؟ قال أهل العلم: إنه مشتق من اليتم وهو الانفراد، والمراد به: من مات أبوه ولم يبلغ، يعني: الصغير الذي مات أبوه، هذا هو اليتيم، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ ولهذا إذا بلغ استقل بنفسه فلم يكن يتيمًا. وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو: المعدم الذي ليس عنده مال، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر قد أسكنه وأذله؛ فلهذا يسمى مسكينًا. والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين فيفترقان، وتجده في القرآن أن الفقير قد يأتي وحده والمسكين قد يأتي وحده، والفقير والمسكين قد يجتمعان، ففي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر ٨] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٢] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] يشمل؟ * طالب: كل الناس، كل الناس حتى الغني. * الشيخ: كل الناس، حتى الغني فهو فقير إلى الله عز وجل؛ ولهذا قيدت: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله﴾. وفي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة ٨٩] يدخل فيه الفقير، وكذلك هنا. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ من ابن السبيل؟ قال العلماء: هو المسافر الذي انقطع به السفر، وسمي ابنًا للسبيل، السبيل هو الطريق، سمي ابنًا له؛ لأنه ملازم له، وكل ما لازم شيئًا فهو ابن له؛ ولهذا يقال: ابن الماء لطير الماء الملازم فيه، طير يسمى ابن الماء؛ لأنه ملازم له، وإنما خص الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه قد يحتاج وهو لا يعلم عن حاجته؛ ولهذا فابن السبيل إذا أراد أحد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق فإنه يعطيه. ولكن هل تعطيه إذا سأل أو تعطيه وإن لم يسأل؟ نقول: هذا على وجهين: أحدهما: أن تعلم أنه لا يحتاج كما لو كان غنيًّا تعرف أنه غني، ومر بهذه البلد عابرًا، فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه حتى لو أعطيته لرأى أن في ذلك نقيصة له، وآخر تعرف أنه معوز وعليه أثر الإعواز هذا تعطيه ولا شك، وثالث: تشك في أمره، فهذا إن أعطيته بعد سؤاله تقول: هل أنت محتاج؟ فإنه خير، وإلا فلا حرج عليك، وإن أعطيته ظنًّا منك أنه محتاج فأنت على خير. قال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ هذه الجملة الأخيرة شاملة لكل خير، هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير فعمم الله ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، و(ما) هذه شرطية، و﴿تَفْعَلُوا﴾ فعل الشرط؛ ولهذا حذفت منه النون، وجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ (من) بيانية بيان لماذا؟ * طالب: للمنفق. * الشيخ: لا لا. * طالب: للإنفاق. * الطلبة: فعل إغراء. * الشيخ: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما)؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أن الموصول مبهم، وكذلك أسماء الشرط مبهمة، فـ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (من خير) بيان لـ(ما)؛ ولهذا لو أنك حذفت (ما) وقلت: أي خير تفعلوا فإن الله به عليم، استقام الكلام ولَّا لا؟ استقام الكلام، إذن فقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما). وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ما قال: وما تنفقوا من خير؛ ليعم الإنفاق والعمل البدني والقول وكل شيء، كل شيء تفعله من الخير فإن الله به عليم. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: بهذا الخير الذي تفعله قليلًا أو كثيرًا، فإن الله يعلمه، سرًّا كان أم علنًا. وما فائدة الجواب هنا مع الشرط؟ إذا قال قائل ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ما الفائدة من كون الله يخبرنا بأنه عالم به؟ الفائدة هو أن نعلم أنه لا بد أن يجازينا عليه؛ لأن الله عدل لا يظلم، فإذا فعلنا خيرًا فإن الله يعلمه، وسوف أيش؟ يجازينا عليه. لا تقل: إن الجواب لم يطابق الشرط؛ إذ لا فائدة لنا من كون الله يعلمه، نقول: بل لنا فائدة وهو أنه إذا علمنا أن الله يعلمه، فإن الله تعالى عدل لا يضيعه، بل لا بد أن يجازينا عليه. وفيه أيضًا فائدة -كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد- وهي: الإغراء والحث. ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾.. * طالب: شيخ (...) هل هنا جاءت بصيغة (...)؟ * الشيخ: قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ الجار والمجرور في: ﴿بِهِ﴾ متعلق بماذا؟ * طالب: بـ﴿عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: بـ﴿عَلِيمٌ﴾، نعم. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، والكَتْب في الأصل بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، والكَتْب -كتب الله عز وجل- ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي، وكتاب كوني، الكتاب الكوني لا بد أن يقع ولا يمكن أن يتخلف، والكتاب الشرعي قد يفعله المكتوب عليه وقد لا يفعله، فـ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] قد يصوم الناس وقد لا يصومون، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قد يقاتلون وقد لا يقاتلون، لكن ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هذا الكتابة الكونية القدرية هذه لا بد أن تكون، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] كتابة أيش؟ كونية لا بد أن تكون. فالكتابة إذن نوعان: كتابة كونية، وكتابة شرعية، والفرق بينهما: أن الكتابة الكونية لا بد من وقوع المكتوب فيها بخلاف الكتابة الشرعية. الفرق الثاني: أن الكتابة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه، وأما الكتابة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله، لا يمكن أن يفرض الله على عباده ما لا يحبه، بل كل ما فرضه فهو محبوب إليه. وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي قتال هو؟ قتال أعداء الله الكفار، و﴿الْقِتَالُ﴾ مصدر قاتل، وهذه الصيغة الغالب أنها لا تأتي إلا بين اثنين، قاتل وشارك وما أشبهه. وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ﴾ يعود على القتال وليس يعود على الكتابة؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرض الله عليهم، لكنهم يكرهون القتال بحسب الطبيعة البشرية، وفرق بين أن نقول: إننا نكره ما فرض الله من القتال وبين أن نقول: إننا نكره القتال، فكراهة القتال أمر طبيعي، فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحدًا من الناس فيقتله فيصبح مقتولًا، لكن إذا كان هذا القتال مفروضًا علينا صار محبوبًا إلينا من وجه، ومكروهًا لنا من وجه آخر، فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوبًا إلينا، وباعتبار أن النفس تنفر منه وتكرهه يكون مكروهًا إلينا، ومن أجل أن النفس تنفر منه وتكرهه وهو ثقيل عليها صار فيه هذا الأجر العظيم، صار الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٩ - ١٧١]. انتبه، إذن هل كراهة القتال تنافي صدق العبادة؟ لا؛ لأن الإنسان يحب هذا القتال من حيث إن الله فرضه عليه؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يصرون أن يقاتلوا، فيردهم أحيانًا لصغرهم فيأسفون، حتى إنه رد في أُحدٍ بعض الصحابة الصغار قال: يا رسول الله، كيف ترده وأنت أذنت لفلان وأنا الآن أستطيع أني أصارعه، قال: أبغي المصارعة خله يصارعني، فصارعه فصرعه فأذن له[[أخرجه الطحاوي في شرح معاني الاثار (٥٠٣٤) من حديث سمرة بن جندب.]]، كل هذا من محبتهم للقتال، كذلك أيضًا عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان أعرج فجاء -يعني لزم بالقتال- وكان أولاده يقولون له: لا تخرج، إن الله قد عذرك، فجاء هو وإياهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ -أَوْ إِنِّي أُحِبُّ- أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ »[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٤) من طريق إسحاق بن يسار.]] -الله أكبر- لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام متعلقًا بالقتال أذن له وقال لأولاده قولًا -يعني أنه إذا كان يحب أن يخرج فلا تمنعوه- فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم ما كرهوا القتال بعد أن فرضه الله، بل أحبوه لأن الله فرضه، وكم من أشياء يكرهها الإنسان لولا أن الله تعالى أمر بها فيحبها؛ لأن الله أمر بها، الآن الحج فيه مشقة ولَّا لا؟ من حيث كونه مشقة قد يكرهه الإنسان، لكن إذا علم أن فيه رضا الله أحبه، بذل المال بالزكاة -مثلًا- الإنسان مجبول على حب المال ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، لكن إذا علم أن في ذلك رضا الله هان عليه، وهذا هو وجه الامتحان في العبادات التي يكلف بها العبد. وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُرْهٌ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مكروه لكم، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق ٦] يعني: حمل بمعنى المحمول الذي في البطن، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.]] أي: مردود. هنا ﴿كُرْهٌ﴾ بمعنى مكروه، والجملة هذه ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الجملة محلها من الإعراب؟ في محل النصب على الحال، والحال: أن القتال كره لكم، ولكن شوف التسلية من الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿عَسَى﴾ هذه هنا بمعنى الرجاء، أو بمعنى الإشفاق، أو بمعنى التوقع، أو بمعنى التعليل؛ لأنها أربعة معانٍ.. * طالب: تعليل. * الشيخ: تعليل؟ لا، ما أعرف، تصلح للتعليل؟ لو قلت مثلًا: كل هذا الدواء عسى أن تبرأ؟ هذه للتعليل واضح أو للترجي. لكن هنا ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ الظاهر -والله أعلم- أقرب شيء أنها للتوقع أو أنها للترجية، ما هو للترجي، الله عز وجل ما يترجى، كل شيء عنده هين، لكن للترجية بمعنى أنه يريد من المخاطب أيش؟ أن يرجو ذلك، أن يرجو هذا، يعني: معناه افعلوا ما هو كره لكم عسى أن يكون خيرًا. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهذا الذي ذكر الله عز وجل هنا واقع ولَّا لا؟ واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحيانًا يفعل الإنسان شيئًا من الأمور العادية ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل، فإذا العاقبة تكون حميدة وحينئذٍ يكون كره شيئًا وهو خير له. القتال كره لنا لكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل كما قال الله عز وجل آمرًا نبيه أن يقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة ٥٢] أنه لا بد من حسنى ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ما هما؟ إما النصر والظفر، وإما الشهادة، أليس كذلك؟ إذن فالمقاتل في سبيل الله على خير. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا أيضًا كثيرًا ما يقع يحب الإنسان شيئًا ويلح فيه ثم تكون العاقبة سيئة، والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه، كل شيء ينالك وأنت تكرهه، فإنك تصبر نفسك: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وكل شيء يفوتك ونفسك يطلبه تسليها فتقول: ﴿عَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾، وهذا هو الواقع. ولو أن الإنسان تأمل مجريات حياته اليومية لوجد في ذلك شيئًا كثيرًا. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سبحانه وتعالى فهو سبحانه وتعالى لا يقدر للمؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يوجب على المؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يحرم عليه شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا تقل: ليت هذا لم يحرم، ليت هذا لم يوجب، ليت هذا لم يقع، لا تقل هكذا؛ لأن علمك قاصر، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وأيش يعلم؟ كل شيء حتى المستقبل الذي تظنون أنه شر يعلم الله تعالى ما فيه من الخير. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا نفي مطلق لعلم الإنسان، فهل نقول: إن هذا النفي المطلق يراد به شيء معين أو نقول: إنه نفي مطلق على الأصل، وإن الأصل في الإنسان عدم العلم على الإطلاق؟ الجواب: هو هذا، كما أن الأصل في صفة الله عز وجل العلم المطلق، فلله العلم المطلق؛ ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ﴾ ولم يقيد هذا العلم بمعلوم ﴿يَعْلَمُ﴾، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لم يقيد هذا النفي بمعلوم، ما قال: لا تعلمون المستقبل، ولَا: لا تعلمون الحاضر، ولا، ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل فينا إذن؟ عدم العلم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل ٧٨]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إعراب الجملة هذه ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ هذا مجرور بـ(عن)، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش اللي جرها؟ بدل، من أي أنواع البدل؟ مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍ بِبَلْ أي الخمسة؟ اشتمال؛ لأن القتال ليس بعضًا من الشهر، لكن الشهر مشتمل عليه، فهو بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ المراد الجنس، ويحتمل أن تكون (أل) للعهد الذهني، ويكون المراد به شهرًا معينًا، فـ(أل) هنا يحتمل أن تكون للجنس فتشمل كل الأشهر الأربعة الحرم، ويحتمل أن تكون للعهد الذهني فيراد بها أيش؟ شهر معين. هل (أل) إذا دخلت على المفرد تكون للجنس فيشمل كل أفراد الجنس؟ نعم، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ١ - ٣] هذه (أل) داخلة على مفرد والمراد؟ المراد الجنس، يعني: كل إنسان. فإذن: يسألونك عن كل شهر حرام يمكن هذا، أو: يسألونك عن الشهر الحرام المعين الذي وقعت فيه القضية ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾. والقضية هي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل سرية في السنة الأولى، سرية في جمادي الآخرة، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش وأعطاه كتابًا وقال: «لَا تَفْتَحْ الْكِتَابَ إِلَّا بَعْدَ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٣ / ١٨) من حديث عروة بن الزبير.]]، فقال: سمعًا وطاعة، فذهب بسريته وهم نحو سبعة أشخاص، فلما مشى مسيرة يومين فتح الكتاب وإذا فيه: أن رسول الله ﷺ يأمرهم أن يسيروا إلى نخلة بين مكة والطائف، وأن يترقبوا أخبار قريش، يترقبوا أخبار قريش وما يحصل منهم، فصادفوا عيرًا لقريش نازلة من الطائف إلى مكة، والعير تكون فيها أطعمة وخضر وما أشبه ذلك، فحصل بينهم قتال بينهم وبين هذه السرية، فقتلوا منهم رجلًا واحدًا، وأسروا رجلين وفر الرابع، لما قتلوا هذا الرجل هم قتلوا هذا الرجل على أنهم في جمادى الآخرة، ولكنه تبين أنه كان في أول يوم من رجب، ورجب أحد الأشهر الحرم الأربعة؛ لأن الأشهر الأربعة الحرم. * طالب: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. * الشيخ: نعم، المشركون استغلوا هذه المسألة وقالوا: هذا محمد يزعم أنه يطيع الله وأنه يعظم حرمات الله، وهذا أصحابه يقتلون الرجل في الأشهر الحرم، هذه كبيرة ولَّا لا؟ شاع الخبر فضاقت صدور هذه السرية عبد الله بن جحش وأصحابه ضاقت صدورهم لحقهم حرج، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش الحكم؟ وليسوا يسألونه هل القتال فيه حرام ولَّا لا؟ لأن هذا معلوم، لكن يسألونه عن هذا القتال فيه ما حكمه، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾. هكذا ذكر المفسرون، قالوا: لأن القتال في الأشهر الحرم أمر معلوم ما أحد يسأل عنه، ولكن في نفسي شيء لأن لفظ الآية لا يساعده؛ فإن الشهر الحرام إن قلنا: إنه للجنس فظاهر جدًّا أن اللفظ لا يساعد على هذا المعنى. وجه ذلك: إذا قلنا عن الشهر الحرام -يعني عن الأشهر الحرم- قتال فيها، صار السؤال عن هذا القتال المعين؟ لا، وإن قلنا: الشهر الحرام هو الشهر المعين الذي حصل فيه القضية وهو شهر رجب. بقي عندنا كلمة ﴿قِتَالٍ﴾ نكرة، ما هي لو قال: عن الشهر الحرام القتال فيه لكان يساعد على ما ذكر المفسرون، لكننا قد نقول: لما كانت ﴿قِتَالٍ﴾ بدل من الشهر والشهر يراد به شهر معين، فإنه من ضرورة ذلك أن يكون المراد بالقتال؟ القتال في ذلك الشهر المعين؛ ولهذا قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي: في الشهر المعين، ولم يسبق قتال في شهر رجب إلا ذلك القتال الذي حصل من هذه السرية. على كل حال الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام إذ سئل أحيانًا يجيب وأحيانًا يتوقف حتى ينزل الوحي، في هذه الآية ماذا كان الجواب من الرسول أو من الله؟ من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا أجاب الله عز وجل: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ قتال في شهر الحرام كبير لا شك، يعني: من كبائر الذنوب وعظائم الذنوب؛ لأنه انتهاك لحرماتها وهذا محرم، انتهاك حرمات الله من المحرمات، فهذا من كبائر الذنوب ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. ولكن انظر رحمة الله عز وجل بعباده، شوف التسلية للصحابة ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هذا تسلية للصحابة، يعني: لو وقع منكم هذه المسألة الكبيرة، فعند الذين يعيرونكم بها ما هو أعظم وأكبر، القتال كبير ما في شك لكن عند هؤلاء الذين يعيرونكم بذلك ما هو أكبر وأعظم، صد عن سبيل الله أعظم، صحيح؟ ولا شك أن المشركين الذين عيروا النبي ﷺ وأصحابه بذلك يصدون عن سبيل الله ويقتلون الذين يلتزمون بسبيل الله ﴿صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وسبيل الله: طريقه الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله شيء واحد وهو شرعه الذي شرعه لعباده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وإنما سمي الشرع سبيل الله؛ لأنه يوصل إلى الله؛ ولأن الله تعالى هو الذي وضعه، فإضافته إلى الله من ناحيتين: الابتدائية، والنهائية، الابتدائية هو الذي وضعه، والنهائية؟ * الطلبة: يوصل إليه. * الشيخ: يوصل إليه. هل سمى الله السبيل مضافًا إلى غيره؟ نعم، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فأضاف الله السبيل إلى المؤمنين وليس في ذلك تناقض، فهو مضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه أو لا؟ مضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه لعباده، وهذا السبيل ينتهي إلى من؟ إلى الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ بمن؟ بالله، الكفر بالله أعظم كبيرة يفعلها المرء ولَّا لا؟ نعم. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هنا معترك في إعرابه هل هي معطوفة على الضمير في ﴿بِهِ﴾ ولّا معطوفة على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: سبيل الله. * الشيخ: أجبت بسرعة ما شاء الله، أرني كيف ذلك؟ * الطالب: معطوف على سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: سبيل الله والمسجد الحرام. * الشيخ: ما يصلح: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام؟ ما يصلح؟ * الطالب: يصلح. * الشيخ: يصلح، إذن؟ * الطالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، وجاءت قولان بن (...). * طالب: (...). * الشيخ: فيه رأيان: الرأي الأول يقولون: إنه معطوف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصدٌ عن سبيل الله وكفرٌ به وصدٌ عن المسجد الحرام، وهؤلاء يستدلون بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا كفر بالله، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح ٢٥] هذا صد عن أيش؟ عن المسجد الحرام فيكون: وصدٌ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، لكن هذا الرأي لا شك من حيث المعنى قوي، إلا أنهم يعني يلزم عليه أو يرد عليه أن قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي من قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أجنبي؛ لأن ﴿كُفْرٌ﴾ ما هو معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأيش معطوف عليه؟ على ﴿صَدٌّ﴾. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ (...) ﴿الْحَرَامِ﴾ معطوف على سبيل، فقد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه أجنبي وهو قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ لأنه معطوف على اللي ما سبق، وحينئذٍ يمتنع العطف، هذا مقتضى اللغة العربية: أن المعطوف والمعطوف عليه لا يفصل بينهما بأجنبي وهنا ﴿كُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي، وأيش معنى أجنبي؟ يعني: ليس معطوفًا على ما عطف عليه ما بعده، إنما معطوف على شيء سابق عليه، واضح؟ طيب، لكنه كما قلته قبل قليل: المعنى يؤيده، لكن السياق من حيث السياق العربي يمنعه؛ لأنه أجنبي. إذن يترجح القول الثاني وهو أن قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الضمير في ﴿بِهِ﴾: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام، ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: بالله وبالمسجد الحرام، وعلى هذا فيكون هنا معطوفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾. ولكن يرد على هذا القول إشكالان ما هو إشكال واحد، الإشكال الأول: أننا عطفنا على الضمير المتصل بدون إعادة الجار، والمعروف عند أكثر النحويين أنه لا يجوز أن تعطف على الضمير المتصل المجرور إلا بإعادة الجار، وابن مالك أشار إلى هذا في أي بيت؟ وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ∗∗∗ ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا ثم قال: ؎وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى ∗∗∗ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَاوعلى هذا فنقول: ابن مالك رحمه الله لا يرى وجوب إعادة حرف الجر إذا عطف على الضمير المجرور المتصل، زال الإشكال هذا، زال الإشكال الأول بماذا؟ بأن وجوب إعادة الجار إذا عطف على ضمير خفض متصل، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم في النحو وابن مالك ممن يرى أنه لا يجب إعادة الجار، إذن زال الإشكال الأول. الإشكال الثاني: قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قد لا تتصور وأيش معنى الكفر بالمسجد الحرام؟ الصد عن المسجد الحرام واضح، لكن الكفر بالمسجد الحرام وأيش معناه؟ نقول: الكفر به ظاهر، الذي يجعل الأصنام في جوف الكعبة، كافر بالمسجد الحرام ولَّا معظم له؟ كافر بالمسجد الحرام؛ لأنه ما آمن بحرمته وعظمته، بل هذا من أعظم الإهانة لبيت الله عز وجل أن تجعل الأصنام في جوف الكعبة، فهم كافرون بالمسجد الحرام، وعلى هذا يزول الإشكال الثاني. فإن قلت: الإشكال في المعنى الأول وهو أن يكون قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوفًا على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإشكال اللي أوردنا هو أن العطف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه إشكال من حيث إنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي، لكن أجاب الذين يختارون هذا القول، أجابوا عن ذلك وقالوا: إن قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فيكون ليس أجنبيًّا، يكون غير أجنبي، يكون ليس بأجنبي من ﴿صَدٌّ﴾، وعلى هذا فتكون كأن الآية: وصد وكفر، فيكون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فكأنه منه فليس بأجنبي، وحينئذٍ يزول الإشكال. إذن ما خلاصة هذا البحث؟ خلاصة هذا البحث أنه يجوز في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصد عن المسجد الحرام. والوجه الثاني: أن يكون معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: وبالمسجد الحرام، والله أعلم. (...) أن فيه تعظيمًا لشأن الشهر، كأن المسؤول عنه هو الشهر نفسه يعني: عن شأن الشهر الحرام، وهل هو ذو شأن عظيم. ثم قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ الذي هو المقصود هذا هو الفائدة من كون يأتي ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أولًا ثم يبدل منه ﴿قِتَالٍ﴾، وإلا لكان السؤال: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام. قوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾.. قوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة هذا هو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١] وقد أسري به من الحجر؛ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]، وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ يدل على أن المراد بالمسجد الحرام هو أيش؟ نفس المسجد الذي فيه الكعبة؛ لأنه بالاتفاق أنه يجوز للمشرك أن يصل إلى حدود الحرم حتى لا يبقى بينه وبين الحرم إلا أنملة، ولو كان المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم لكان المشرك لا يجوز أن يقرب أيش؟ حدود الحرم والأمر ليس كذلك. * طالب: يقال: إنه أسري من بيت أم هانئ؟ * الشيخ: لا، الصحيح من الحجر، لكن بعضهم الذين صححوا الروايتين قالوا: كان نائمًا في بيت أم هانئ ثم استيقظ وذهب إلى هناك وأسري به من هناك. وقوله: ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (الحرام) فَعَال من الحُرمة أو من التحريم، يعني: المسجد ذي الحرمة والتعظيم، ولا يخفى على أحد حرمة المسجد الحرام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب في عام الفتح وقال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَةَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٣١٣) من حديث مجاهد، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، واللفظ للبخاري.]]، وأخبر أنها محرمة منذ خلق الله السماوات والأرض لا يعضض شوكها ولا ينفر صيدها ولا يحل القتال فيها، حتى إن الرسول ﷺ قال: «إِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، وهذا من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، ما أذن بالقتال في مكة لأحد إلا للرسول ﷺ، وليس إذنًا عامًّا بل إذنًا مقيدًا قال: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٣٢) ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي بلفظ: «أذِنَ لِرسُولِهِ».]]، وهذه القصة فيها تمثيل للحكم الذي نسخ مرتين: كانت بالأول حرامًا ثم أحلت، هذا النسخ الأول، ثم حرمت، هذا النسخ الثاني، والله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت، فهذه من عظمة مكة. ومن عظمة مكة: أنه لا يصح إسلام أحد حتى يحج البيت إذا كان قادرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]. ومن حرمتها: أنه لا يدخلها أحد إلا محرمًا؛ إما وجوبًا وإما استحبابًا، وجوبَا عند كثير من أهل العلم أنك ما تدخل مكة إلا محرمًا ولو كنت قد أديت الواجب، أو استحبابًا على القول الراجح أن الإنسان إذا أدى الواجب لم تجب عليه العمرة، ولو كان قطيع العهد بمكة المكرمة أو بمكة على الأصح؛ لأن (المكرمة) وصف حديث. ومن حرمة مكة: أن الناس كلهم يتجهون إليها في صلاتهم ولَّا لا؟ كل الناس يتجهون إلى الكعبة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٤٤]. ومن حرمتها: أن من وجد فيها لقطة لا يحل له أخذها إلا إذا كان يريد إنشادها أبد الآبدين، لو تجد فيها لقطة ما تأخذها، اللي غيرها لك أن تأخذها لتنشدها لمدة سنة ثم تكون ملكًا لك، أما مكة فلا تأخذها إلا إن كنت تبغي تنشد عليها أبد الآبدين فخذها، ولكن من بيأخذها وهو لازم ينشد عليها أبد الآبدين، حتى لو مات يوصي من بعده أن ينشدوا عنها، وإذا ماتوا ينشدون؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]] إلا لمنشد دائمًا، والحكمة في هذا أنك إذا علمت أنك إذا أخذت هذه اللقطة يلزمك أن تنشد عنها أبد الآبدين هل تأخذها؟ ما تأخذها، أنت في عافية إذا لم تأخذها، أنت ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع، فصاحبها إذا فقدها رجع إليها فوجدها. ولها خصائص كثيرة ذكرها الذين صنفوا في هذا الباب في تاريخ مكة كالأزرقي وغيره، ولكن كل هذا مأخوذ من وصف الله تعالى لهذا المسجد بالحرام. * طالب: نقول: لو أخذ اللقطة وأعطاها للشرطة خوفًا من أن يأخذها سارق فهل يجوز؟ * الشيخ: هذه إذا كان هناك من جهة ولاة الأمور، من جهة ولاة الأمور من يتلقى هذه الأشياء فإنها تبرأ ذمته، إي نعم. قال: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ شوف الكلام ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ من أهل المسجد الحرام؟ الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون هم أهله، كما قال الله تعالى في سورة الأنفال عن المشركين: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤]، أهل المسجد الحرام هم النبي عليه الصلاة والسلام ومن اتبعه؛ ولهذا قال: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ وهي حجة ظاهرة على أن هؤلاء الذين أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه ليسوا أهلًا للمسجد الحرام. إذن هذا يشبه مانعًا من موانع الإرث مر عليكم وهو أن الكافر لا يرث المسلم، وقال الله لنوح عن ابنه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]، كذلك الذين في مكة وليسوا مسلمين ليسوا من أهل مكة، ليسوا أهلًا للمسجد الحرام، أهله المؤمنون. ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أكبر عند الله، وإن كانت في نفوس بعض الناس أهون من القتل في الشهر الحرام، لكنها عند الله أكبر، شوف الآن: صد عن سبيل الله، وكفر بالله، وصد عن المسجد الحرام، أو كفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، أربع مسائل عظيمة جدًّا، هذه أكبر عند الله منين؟ من القتل في الشهر الحرام. شيء آخر: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة يعني: الشرك، ممكن أن نقول: إنها الفتنة صد الناس، إن الفتنة صد الناس عن الدين، لكنها قد سبقت في قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إذن فالفتنة هي الشرك، يعني الفتنة -وهي الشرك- أعظم من القتل، شرك بالله أعظم من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعظم الظلم وأعظمه: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٥٦ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، هذا أعظم الذنب وأظلم الظلم. ﴿الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هل جاءت الفتنة في القرآن بمعنى الشرك؟ الجواب: نعم، مثل؟ * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج ١٠]. * الشيخ: لا، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٣] أو لا تكون فتنة هذه صد عن سبيل الله أيضًا، تحتمل، لكن قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]، قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قول الرسول ﷺ أن يقع في قلبه من الشرك من الزيغ فيهلك. نعم، الفتنة أكبر من القتل، فالشرك أعظم من قتل النفس، وأعظم من قتل النفس في الأشهر الحرم، كل شيء محترم من زمان أو مكان أو شخص، فإنما هو من تعظيم الله، الأشياء المخلوقة ليس لها حرمة في حد ذاتها، لكنها حرمة من جهة اتصالها بالله عز وجل، فالأشهر الحرم من الذي جعلها محترمة؟ الله، إذن تحريمها من تعظيم الله، فيكون الشرك بالله أعظم من القتل في الأشهر الحرم. ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ -الله أكبر- الكفار حريصون على أن يخرجونا من ديننا حتى وإن عرضوا رقابهم لسيوفنا، شوف ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ ولا يزال هذه تفيد أيش؟ الاستمرار، ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ والقتال هو: أن يلاقي كل واحد الآخر بالسيف ليقتله، يعرضون رقابهم لقصف رؤوسهم حرصًا على أن يردونا عن ديننا. ولكن شوف كلمة ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ تفيد أنهم لن يستطيعوا (إن)، ولكن ما هو حاصل، هذا لا يحصل إن شاء الله تعالى، لكن هم حريصون غاية الحرص على ردنا عن ديننا، حتى كانوا يعذبون الذين يسلمون في عهد من..، صغارهم يعذبونهم في حر الرمضاء في الشمس يلقون عليهم الصخرات الحارة لعلهم يرجعون عن دينهم، ولكن لا يرجعون هم ثابتون صامدون، هؤلاء المشركون لا يزالون يقاتلوننا حتى يردونا عن ديننا، وهل هذا أيضًا صفة لليهود والنصارى بالنسبة لنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] هذا في أهل الكتاب، في المنافقين؟ نعم كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩]، يعني إذن جميع أصناف الكفرة من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين كلهم يودون أن المسلمين يرتدون على أدبارهم ويكفرون بالله عز وجل، كل إنسان يود شيئًا، فإنه بمقتضى الطبيعة البشرية يحاول أيش؟ أن يتحقق ذلك الشيء بكل وسيلة؛ إما بالسلاح كما في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾، وإما بالإغراء والخداع كما في حال المنافقين وغيرهم، وهم قد لا يبوحون بما في نفوسهم، لكنهم شياطين الإنس يأتون إلى المسلمين بأمور يتفتت بها دينهم حتى يكون كنافقاء اليربوع لو سقط عليه بيضة لخرقته ولم تنكسر البيضة، هم قد لا يقول لك: تعال اكفر، لكن يدخلون عليك أشياء أشياء من المعاصي، المعاصي تفتت الإيمان، تفتته، تنقضه شيئًا فشيئًا حتى يزول بالكلية؛ ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، وأيش معنى بريده؟ التي ترسل إليه، ينزل الإنسان إليها دركًا دركًا حتى يهوي في النار -والعياذ بالله- فالمعاصي لا تظنوا المسألة هينة بنسبة المعاصي، المعاصي تؤثر على القلب، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤] ران على القلب ما كان يعمل أعماله السيئة حتى صار عن أعظم الكلام وأفضل الذكر يقول عنه: إنه أساطير الأولين، يقول ذلك إما للحيلولة بينه وبين الوصول إلى عظمة هذا القرآن، وإما لجحود عظمة هذا القرآن. وعلى كل حال فأهل الكفر من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين كلهم يودون منا أن نرتد عن ديننا، يودون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما في قيام الدين الإسلامي من القضاء عليهم، الدين الإسلامي لو قام حقًّا ما بقي على وجه الأرض أحد من الكفار؛ ولهذا هرقل لما أخبره أبو سفيان بما كان للرسول عليه الصلاة والسلام من الصفات والأخلاق والدين الذي يدعو إليه وأيش قال؟ قال: «لئن كان ما تقول حقًّا، فسيملك ما تحت قدمي هاتين»[[أخرجه البخاري (٧) من حديث أبي سفيان بن حرب.]]، في ذلك الوقت هو ملك، ملك من؟ الروم، الروم والفرس في ذلك الوقت مثل روسيا وأمريكا في وقتنا هذا، أعظم دولتين، هذا الملك يقول ذلك وهو على مملكته وفي عاصمته، ويقول ذلك وهو يؤمن بأن ملكه سيزول بدين محمد ﷺ، فرؤساء الكفر اليوم كرؤساء الكفر بالأمس يعرفون أن الدين الإسلامي لو قام ما أبقى لهم باقية؛ ولذلك يحاولون بكل طريق وبكل وسيلة أن يقضوا على الدين الإسلامي، وذلك لصد أهله عنه بشتى الوسائل، والحقيقة أننا انخدعنا بهم، انخدع المسلمون ولا حاجة إلى ذكر الأشياء التي انخدع بها المسلمون من أجلهم حتى ضاعوا، ولكن الأمل بالله عز وجل أن الله سيعيد لهذا الدين مجده على أيدي الشباب الصالحين مع العلم وغزارة العلم؛ لأن الداعية مهما كان قويًّا في الدعوية إذا لم يكن له علم فإنه يفشل، إذا لم يكن هناك علم يعتمد عليه الإنسان فشل، وكيف يدعو إلى الله عز وجل بدون علم، إذا دعا إلى الله بدون علم أدنى واحد من الناس يقف أمامه يوقفه يورد عليه الشبهة فيقف، وإذا وقف الداعية فالنكبة عظيمة، انهزام، انهزام شديد؛ ولهذا لا أرى أن الإنسان يدعو إلا بما كان يعلم، بما كان يعلم خاصة، وإلا فإن العاقبة تكون وخيمة. قال الله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ شوف الجملة الشرطية هذه تقيد ما سبق، يعني أنهم لن يستطيعوا ذلك، لكن هم لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾ هذه البنية لهذه الكلمة تشكل إذا قارنتها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة ٥٤] كيف قال: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ وهنا قال: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾؟ نقول: لا إشكال فيها، ليس فيه إشكال؛ لأن الإدغام في قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ إدغام جائز لا واجب، الإدغام جائز ليس بواجب، وعلى هذا فيجوز إذا جزمت (يرتد) يجوز أن تقول: يرتد، وأن تقول يرتدد، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في الألفية في باب الإدغام حكم ذلك. وقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ شوف ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ ما هو الدين؟ الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل الذي أراد صاحبه عليه المكافئة، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. فمن الأول الذي يراد به العمل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] المراد بالدين ما هو؟ العمل، كذا؟ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] فالمراد بالدين: الجزاء على العمل. وهنا ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ من أي المعنيين؟ العمل، وتأمل قوله: ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ حيث أضافه إلى الدائن؛ لأن إضافته إليه توجب إغراءه به، يعني: هذا دينك، هل الإنسان يفرط في دينه؟ لا، كما لو قلت: هذا مالُك، هذا ولدك، هذه سيارتك، إضافتها إلى نفسك توجب الإغراء بها، وشدة المحافظة عليها لأنه؟ دينُك، منسوب لك، فهو أبلغ مما لو قال: ومن يرتدد منكم عن الدين، لكنه قال: ﴿دِينِهِ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، كما في قوله أيضًا في الأول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ يعني: فاحتفظوا به؛ لأنه لكم ومنسوب إليكم. ولهذا من تبرأ من هذا الدين وشتمه -والعياذ بالله- ولعنه فليس من أهله، فسب الدين كفر، سب دين الإسلام كفر بدين الإسلام؛ لأن الإنسان الذي يعتنق دين الإسلام ويعتقده دينًا ما يمكن يسبه أبدًا، هو دينه رأس ماله. وقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ هنا الفاء عاطفة و(يمت) معطوفة على ﴿يَرْتَدِدْ﴾ نعم ﴿يَرْتَدِدْ﴾، وفي غير القرآن كم يجوز فيها من وجه؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: أو ثلاثة، ثلاثة أوجه. أما في القرآن فيقتصر على القراءة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ جملة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ حال، فالرجوع عن الإسلام كفر؛ لأنه ليس هناك واسطة بين الإسلام والكفر، خلافًا للمعتزلة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ هذا القيد يقيد به كل نص دل على أن المرتد كافر، دل على أن الردة تحبط الأعمال، كل نص يدل على أن الردة تحبط الأعمال يقيد بهذه الآية، ما هو القيد؟ أنه إذا مات على الردة، فلو فرض أن أحدًا ارتد عن الإسلام مثلًا صار لا يصلي وعزم على أن لا يصلي، وكان بالأول يصلي، إن مات على عدم الصلاة حبط عمله السابق، وإن هداه الله وصلى فإن عمله السابق لا يحبط، يبقى كما هو، حتى لو كان قد أدى الحج قبل ردته، فإنه إذا عاد إلى الإسلام لا يلزمه إعادة الحج، حتى قال العلماء: إن الرجل لو كان صحابيًّا ثم ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام هل تبطل صحبته؟ لا، ما تبطل، لا تبطل على الصحيح كما مر علينا في النخبة. والحاصل أن هذا القيد يعتبر قيدًا في جميع النصوص المطلقة الدالة على أن الردة تحبط الأعمال. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ -والعياذ بالله- تحبط في الدنيا، فلا ينتفعون بها ولا يجزون عليها؛ لأن الأعمال لها جزاء في الدنيا ولها جزاء في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاء الدنيا، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاء الآخرة، هؤلاء الذين ارتدوا تحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة ومع ذلك في الآخرة لا يسلمون من العقاب. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يعني: الملازمون لها؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، فهم أصحابها الملازمون لها الخالدون فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أبد الآبدين؟ نعم، أبد الآبدين، لا تفنى ولا يفنون، بل يعذبون فيها دائمًا وأبدًا؛ لأنهم كما أفنوا حياتهم الدنيا بالكفر والشرك، حياتهم الآخرة تكون كلها عقابًا وعذابًا والعياذ بالله، بل يقال لهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ ٣٠]، وما العذاب يخفف عنهم حتى إنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، ولكن لا يمكن هذا، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار. قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ انتبه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] أي: بمصدق، يقولونه إخوة يوسف لأبيهم. وأما في الشرع: فإن الإيمان هو التصديق المستلزم للقبول والانقياد، هذا الإيمان، ليس مجرد التصديق؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ وليس بمؤمن لماذا؟ لأنه لم يقبل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يذعن له وينقاد له، وعلى هذا فليس بمؤمن. وفـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والانقياد. وقوله: ﴿هَاجَرُوا﴾ الهجر في الأصل: الترك في اللغة، الهجر في اللغة الترك، ومنه: هجرت فلانًا، إذا لم تكلمه، وله معنيان: عام، وخاص، أما العام فهو: هجر ما حرم الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٦٩١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] هذا بمعنى العام، والمعنى الخاص: أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله بأن يكون هذا البلد أو هذا الوطن لا يقيم الإنسان فيه دينه، فيهاجر من أجل إقامة دين الله، حماية لدينه هو بنفسه ونصرة لدين الله عز وجل، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿هَاجَرُوا﴾ المراد بالمهاجرة هنا ما يعم المعنيين: العام والخاص. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ شوف تأمل أعيد الموصول بعد قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾، ولكنه في الجهاد ما أعيد ما قال: والذين جاهدوا؛ وذلك لأن الهجرة والجهاد عملان مبنيان على الإيمان، وأما الإيمان فإنه هو أصل الأصول؛، ولهذا جعله منفردًا وحده ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وأما الهجرة والجهاد فهما عملان متفرعان عنه. وقوله: ﴿جَاهَدُوا﴾ الجهاد هو: بذل الجهد لأمر مطلوب، والجُهد معناه الطاقة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة ٧٩] أي: إلا طاقتهم، وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء، هذا الغالب، وإلا كل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا جهاد النفس يسمى جهادًا، جهاد النفس جهاد بلا شك، ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رجع من تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»[[أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٣٧٣) من حديث جابر بن عبد الله وضعَّف الحديث، وفيه ليث بن أبي سليم ذكره العقيلي في الضعفاء (٤ / ١٦) ط دار الكتب العلمية فقال: حدثنا عبد الله قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا في أحد منه في ليث... وذكر آخرين.]] يعني: جهاد النفس، هذا ما له أصل، ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة. أما الجهاد بالمعنى الخاص فهو بذل الجهد في قتال من؟ في قتال الكفار وهو بحسب ما يحمل عليه؛ إن كان الحامل على ذلك العصبية والحمية والشجاعة والرياء، فإنه ليس في سبيل الله، وإن كان الحامل عليه أن تكون الكلمة العليا، فهو في سبيل الله، قال ذلك النبي ﷺ حين «سئل عن الرجل: يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. إذن بهذا يتحدد معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ مفعولها محذوف للعلم به، أي: جاهدوا من؟ الكفار أو أعداء الله، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لتكون كلمة الله هي العليا. واعلم أنه يقال: في كذا، ولكذا، وبكذا، يقول مثلًا: جاهدت لله، وجاهدت بالله، وجاهدت في الله، فجاهدت لله، اللام: لبيان القصد فتدل على أيش؟ على الإخلاص، والباء: الباء للاستعانة فتدل على أنك فعلت ذلك مستعينًا بالله، وفي: للظرفية فتدل على أن ذلك الجهاد في ضمن شرع الله لما يتعدى فيه الحدود، كما تقول: صليت لله، وأيش بعد؟ وبالله، وفي الله، أي: في دينه ما خرجت. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تقدم لنا قبل زمن غير بعيد أن السبيل بمعنى الطريق، وأنه يضاف إلى الله تارة، ويضاف إلى الخلق تارة، فمثال الإضافة إلى الله كثير كما في هذه الآية: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومثال إضافته إلى الخلق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف لـ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. أما إذا قلتم: ابن السبيل، فالسبيل مضاف إليه وليس مضافًا. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ شوف سبيل المؤمنين ومرة يضيف إليه، أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم سالكوه، وأما إضافته إلى الله فلأن الله تعالى هو الذي شرعه ولأنه يوصل إلى الله، فهو مضاف إلى الله من وجهين. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ كلمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ تحتاج إلى خبر؛ لأن (الذين) اسمها فأين الخبر؟ ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هذا الخبر الجملة؛ لأن (أولاء) مبتدأ، و﴿يَرْجُونَ﴾ جملة خبر المبتدأ الثاني، والجملة؟ خبر (إن)، فعندنا جملتان: كبرى، وصغرى، والصغرى فيها جملتان: كبرى، وصغرى، ولَّا لا؟ الجملة الكبرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وخبرها -هذه الجملة الكبرى- الجملة الصغرى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هذه صغرى باعتبار الأولى، ﴿يَرْجُونَ﴾ صغرى باعتبار المبتدأ الثاني. ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ إذا قال قائل: كيف هذا التركيب؟ لماذا لم يقل: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله؟ قلنا: لأن الإشارة بمبتدأ جديد تدل على رفعة مقامهم لا سيما وأنه أتى باسم الإشارة الدالة على البعد ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، ثم إن تكرار المبتدأ يجعل الجملة كأنها جملتان، كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله أولئك يرجون رحمة الله، فيكون في ذلك تنويها بذكرهم من وجهين: أولًا: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو. والثاني: أن تكرار المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين، يجعلها كالجملتين، فيكون بذلك توكيد على توكيد. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ المراد بالرجاء هنا: الطمع، ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ الرجاء بمعنى الطلب في حصول ما هو قريب، هذا الرجاء، والتمني؟ الطمع فيما هو بعيد أو متعذر، ومعلوم أن الرجاء: الطمع فيما هو قريب، لا يكون قريبًا إلا بفعل ما يكون قريبًا به، وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم، ما هو الذي فعلوه؟ الإيمان، والهجرة، والجهاد، فإذا لم يرجوا هؤلاء رحمة الله من الذي يرجوها؟ إيمان، وهجرة، وجهاد؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ﴾ هؤلاء هم أهل الرجاء، لكن رجل مقصر لا هجرة ولا جهاد ولا عمل إلا القليل رجاؤه أيش؟ رجاؤه يقولون: التمني رأس مال المفاليس، المفاليس يعني: ما عندهم شيء، يتمنى ولكن ما عنده شيء، فهؤلاء هم أهل الرجاء، أما الذي يرجو يفعل المعاصي، وتنهاه، وترشده ويقول: رحمة الله واسعة، هذا محل الرجاء؟ لا، الرجاء لا بد من أسبابه، حسن الظن بالله لا بد أيضًا من أسبابه. إذن: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ بما عملوا، لكن مع ذلك.. ما قال الله: أولئك لهم رحمة الله كما في آية أخرى، إنما قال: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ لأنهم لا يغترّون بأعمالهم، ولا يدلون بها على الله، وإنما يفعلونها وهم راجون، لا أنهم معتمدون عليها متيقنون لثوابها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هل المراد هنا بالرحمة الرحمة التي هي صفته؟ أو المراد بالرحمة ما كان من آثار رحمة الله وهو الثواب؟ * طلبة: يحتمل المعنيين. * الشيخ: يحتمل المعنيين، يحتمل: أولئك يرجون أن يرحمهم الله، وعلى هذا فيكون ﴿يَرْجُونَ﴾ أيش؟ الصفة ولَّا الثواب؟ الصفة، يرجون أن يرحمهم، أما احتمال أن تكون رحمة الله؛ أي: ما كان من آثار رحمته، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال في الجنة، بل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فجعل المفعول المخلوق جعله رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أَرْحَمُ بِكِ» جعلها كالآلة، أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين، وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبدًا يدخله في أي مكان؟ في جنته التي رحمته. قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شوف مع ذلك، الله غفور، تقول: قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله (الغفور) هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟ الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، ولهذا نحن إذا سلّمنا من الصلاة ونحن نناجي الله في صلاتنا ماذا نقول أول ما نسلم؟ أستغفر الله، الإنسان ما يخلو، وقال تعالى: لما ذكر الدفع من عرفة قال: ﴿اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. الشاهد أنه هنا ذكر اسم الغفور؛ لأن هذه الأعمال الجليلة وإن قام بها الإنسان قد يحصل منه تقصير؛ فلهذا قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾، أما ﴿رَحِيمٌ﴾ فواضح مناسبتها؛ لأن كل هذه الأعمال اللي عملوا من آثار رحمته، فلله سبحانه وتعالى على العامل عملًا صالحًا لله عليه ثلاث نِعم عظيمة: النعمة الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح ولَّا لا؟ بأي وسيلة بينها؟ بما أنزله من الوحي على رسله، ما ظنك لو أن الناس بقوا عميًا ما يعرفون؟ فهذه نعمة من الله عز وجل أن الله تعالى أرسل إليك الرسل، بل هي أعظم النعم يبيّنون لك. ثانيًا: نعمة ثانية عظيمة أن هداك لها؛ لأن الله تعالى أضل أممًا عن الإسلام، أضل أناسًا أقوى منك زكاء، وأمضى منك عزيمة، أضلّهم عن الإسلام، وأنت هداك الله عز وجل، هذه نعمة عظيمة. ثالثًا: أن الله رتّب على ما أنعم به عليك من الهداية، رتّب لك الثواب الجزيل، ولهذا كل هذا من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى، ومع هذا فالله عز وجل الذي أنعم علينا بهذه النعم يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] سبحان الله! أنت المحسن علينا أولًا وآخرًا، ثم تقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن أحسن إليكم؟! هل جزاء الإحسان (العمل) إلا الإحسان (الثواب)؟ وهذا مما يدل على كمال رحمة الله عز وجل بالخلق أنه ينعم، ثم يشكر المنعَم عليه. ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢] سبحان الله، ما أعظم الله عز وجل! يُنعم ويثيب، ينعم بالهداية، بل ينعم بالبيان، ثم بالهداية، ثم بالثواب. ثم يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، الله أكبر! كل هذه من مقتضيات رحمته جل وعلا؛ الإيمان والهجرة والجهاد، كلها من مقتضى رحمته، لولا رحمة الله ما حصل هذا لمن آمن وهاجر وجاهد. (...) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ جملة مستقلة ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جملة مستقلة مبتدأ وخبر. * طالب: يعني ما بينهما ارتباط؟ * الشيخ: لا، يعني الارتباط أن هذه مبنية على هذه فقط. * طالب: يعني ما فيه علاقة؟ * الشيخ: لا، عربيةً لا. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو مرجع الصحابة في العلم لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾. * ومن فوائدها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم كل الأحكام، بل لا يعلم إلا ما علمه الله، ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: اهتمام الصحابة رضي الله عنهم لما يقع منهم من المخالفة، وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ لأنهم سألوا الرسول لما قاتلوا وصار الكفار يعيبونهم، صاروا يسألون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب لقوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وهذه الآية الكريمة اختلف فيها أهل العلم هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها منسوخة، وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرمًا ثم نسخ، ولكن القول الثاني أن الآية محكمة، وأن القتال في الأشهر الحرم ليس جائزًا، بل إنه محرم، دليل القائلين بأنه منسوخ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣] وما أشبه ذلك من العمومات الدالة على وجوب قتال الكفار، ومن أدلتهم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قاتل ثقيفًا متى؟ في ذي القعدة في شهر المحرم. ومنها: أن غزوة تبوك متى كانت؟ في محرم ولَّا في رجب؟ في رجب وهو شهر حرام، ولكن الذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ، وأن الآية محكمة، ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص ولَّا لا؟ ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٥] ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة ٧٣] عام يخصص بقوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢١٧]، وأما قتال الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه أجيب عنه بأن هذا ليس قتال ابتداء، وإنما هو قتال مدافعة، وقتال المدافعة لا بأس به حتى في هذه الأشهر الحرم، إذا قاتلونا نقاتلهم، فإن ثقيفًا كانوا تجمّعوا للرسول عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام ليغزوهم، وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمّعوا له فخرج إليهم ليدافعهم، فالصواب في هذه المسألة أن الآية محكمة، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال، لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام. * ويستفاد من الآية الكريمة : ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أن الأشهر قسمان: أشهر حرم، وأشهر غير حرم. يتفرع على هذه الفائدة: أن الله عز وجل يختص من خلقه ما شاء، فهناك أماكن محترمة وأماكن غير محترمة، وأزمنة محترمة وأزمنة غير محترمة، ولَّا لا؟ وهنالك رسل وهناك مرسَل إليه، وهناك صِديقون، وهناك من دونهم، والله عز وجل كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة والأمكنة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر، وهل الكبائر على مستوى واحد والصغائر على مستوى واحد؟ لا، درجات، ولهذا سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أكبر الكبائر؛ أكبر الكبائر، دل هذا على أن الكبائر فيها أكبر وفيها أصغر من الأكبر وإلا كلها كبائر؛ فالإشراك بالله أكبر الكبائر، وهو شرك مخرج عن الملة، عقوق الوالدين من أكبر الكبائر لكن ما يخرج من الملة، شهادة الزور من أكبر الكبائر لكن لا تخرج عن الملة، قتل النفس كذلك، إذن الكبائر درجات، والصغائر كذلك، لكن ما هو حد الكبائر؟ حد الكبائر: اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة، وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام إن هذا من الكبائر، وعدَّها سردًا، ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة، وأيش معنى محدودة؟ يعني أن لها حدًّا، ما هي معيّنة هذه وهذه وهذه، لا، محدودة، حِدة، ويدخل في هذا الحد شيء كثير، ثم اختلفوا في الحد بماذا نحد الكبائر؟ قال بعضهم: كل ذنب لُعن فاعله هو كبيرة. وقال بعضهم: كل ذنب فيه حد في الدنيا فهو كبيرة. وقال بعضهم: كل ما فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رُتّب عليه عقوبة خاصة. الذنوب إذا قيل: لا تفعل كذا، أو حُرّم عليك كذا، أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة لهذا الذنب فهو صغيرة، أما إذا رُتّب عليه عقوبة، أي عقوبة كانت فإنه يكون من الكبائر، فالغش مثلًا كبيرة ولَّا لا؟ * طلبة: كبيرة. * الشيخ: لأنه رُتب عليه عقوبة خاصة وهي البراءة منه: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] كذا؟ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥ / ٧١)، واللفظ للبخاري من حديث أنس رضي الله عنه.]]. كون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨ / ٧٧)، واللفظ للبخاري من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وكونه يعتدي على جاره أيضًا أكبر، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]. هذا الحد في الحقيقة حد معقول؛ لأنك لا تستطيع أن تفرق بين ما رُتّب عليه حد في الدنيا كالزنا والسرقة، وما رُتّب عليه وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان أو غضب، أو لعنة أو ما أشبه ذلك، ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء، بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رُتّب عليه من العقوبة، فالذين يحاربون الله ورسوله ليسوا كالذين يسرقون فقط، ولهذا جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٣] وهذا الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله في حد الكبيرة هو أقرب ما يكون، وأطرد ما يكون؛ يعني مطرد. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. * طالب: عند الله. * الشيخ: إي نعم، أخيرًا: الفتنة أكبر من القتل. يتفرع على هذه الفائدة: أن من أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق، تجي لشخص تجده مثلًا متعبدًا طالب علم، تقول له: وأيش تبغي بهذا، وأيش تبغي مثلًا بالمطالعة، وأيش تبغي بطلب العلم؟! راحوا الناس الآن تقدموا، يقول: وصلنا القمر، وصلنا الفضاء، وما أشبه ذلك، هذا الذي يفعل مثل هذا يكون صادًّا عن سبيل الله؟ نعم، يكون صادًّا عن سبيل الله، فكل من ثبط عن الخير فإنه صادّ عن سبيل الله، ولكن هذا الصد يختلف اختلاف ما صد عنه، من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء مثل ما فعل مشركو قريش، ومن صد عن شيء أقل كمن صد عن تطوع مثلًا فإنه أخف، لكن لا شك أن هذا جرم، النهي عن المعروف جرم بلا شك، وصد عن سبيل الله. * ومن فوائد الآية: أن الكفر بالله أعظم من القتل في الشهر الحرام أو لا؟ لقوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى آخره. * ويستفاد من الآية: عِظم الصد عن المسجد الحرام، فهل يستفاد منه أنه لا يجوز أن يمنع الناس من الحج ولَّا لا؟ * يستفاد منه: أنه لا يجوز منع الناس من الحج، لكن لو قال ولي الأمر: أنا لا أمنعهم، لكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضًا لو اجتمعوا جميعًا، فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من لا يصلح للجهاد من الجهاد، أو نقول: إن في هذا نظرًا؟ * طلبة: الأول. * طالب: مثل قولنا يا شيخ (...) قولنا تنظيمًا يجوز. * الشيخ: على كل حال المسألة هذه؛ يعني تحتاج إلى نظر بعيد، وهل إن مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص أو لا؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نستفيد فوائد: فمن فوائدها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن العلم؛ حيث سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكم من سؤال وقع على الصحابة رضي الله عنهم بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من اثنتي عشرة مرة. * ويستفاد منها: أنه من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه، منين يؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ فإنهم ما سألوا عن الذي ينفق عليه إنما سألوا: ماذا ينفقون فأجيبوا بما ينفق عليه. وهل أجيبوا عن السؤال؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: أين؟ * طالب: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾. * الشيخ: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نعم. * ويستفاد من الآية الكريمة: فضل الإنفاق على الوالدين والأقربين، وأنه مقدم على الفقراء والمساكين، وجه ذلك؟ أن الله بدأ به ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ولا يُبدأ إلا بالأهم فالأهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لليتامى حقًّا في الإنفاق وإن كانوا أغنياء، وجهه: أنه خصهم، ثم أتى بعدهم بقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، فإن كانوا يتامى ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة، وإذا كانوا أقارب؛ أقارب ويتامى ومساكين؟ ثلاث استحقاقات، وإذا كانوا أبناء سبيل أيضًا؟ أربعة؟ يمكن اليتيم يصير ابن سبيل؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: يمكن يسافر به. * ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. * ويستفاد منها أيضًا: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقًا ماليًّا، أو عملًا بدنيًّا، أو تعليم علم، أو جهادًا في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله تعالى يعلمه، وسيجازي عليه لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإن ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نكرة في سياق الشرط ما تفعلوا فتكون للعموم، متى تكون النكرة للعموم؟ إذا كانت في سياق النفي، وأيش بعد؟ أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم ٩٨] في هذه الأربعة تكون للعموم، أما في مقام الإثبات، كما لو قلت: اضرب رجلًا، فهي للإطلاق وليست للعموم. ما الفرق بين الإطلاق وبين العموم؟ الفرق: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي، كلام باللغة غير العربية، واضح؟ * طالب: بالعربية. * الشيخ: بالعربية لكن غير مفهوم؛ أقول: الفرق بين الإطلاق والعموم: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي واضح؟ التفصيل؛ عمومه بدلي بمعنى: أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل؛ يعني: واحد منها يكفي عن الجميع، هذا المعنى، عمومه بدلي أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل أي: أن واحدًا منها يكفي عن الجميع، وأما العام فعمومه شمولي بمعنى أنه يتناول جميع الأفراد على سبيل التعيين ما هو على سبيل البدل، فإذا قلت مثلًا: أكرم الطلبة. * طالب: الكل. * الشيخ: يشمل الجميع، لازم كلهم تكرمهم، إذا قلت: أكرم طالبًا، يكفي واحد، لكن ما هو على سبيل التعيين، على سبيل البدل ولَّا لا؟ إذا أكرمت أول واحد أو آخر واحد أو من بينهما كفى. فهمتم؟ النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، فإذا قلت: أعتق رقبة، أيّ رقبة تعتقها كفى، وإذا قلت: لا تعتق رقبة، فإنك لا تعتق أي رقبة من الرقاب. تمام؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يحقر من المعروف شيئًا لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا تحقرن شيئًا من المعروف، لا تقل: والله هذا شوي، هذا قليل، هذا بسيط «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]]. ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: فرضية الجهاد لقوله: ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى (فُرض). * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره الشيء المكتوب عليه، لا كراهة من حيث أمر الشارع به، ولكن من حيث طبيعته لقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ لكن من حيث أمر الشارع به وأيش الواجب؟ الواجب الرضا وانشراح الصدر به. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن البشر لا يعلمون الغيب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. * ويستفاد من الآية: أن الله عز وجل قد يحكم حكمًا شرعيًّا أو كونيًّا على العبد بما يكره وهو خير له، قد يصاب الإنسان بمصيبة وتكون خيرًا له، افرض مثلًا أنك مسافر وحصل على السيارة عطل، تكره هذا ولَّا تحبه؟ تكرهه، لكن تبين لك أن أمامك بنحو أميال قُطّاع الطريق لصار هذا التعطل صار خيرًا لك ما تدري، فقد يقدّر الله الشيء على الإنسان وهو يكرهه ويكون خيرًا له، ولهذا لا ينبغي أن تكرهه. * ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ لكن من أين نأخذ العموم؟ * طالب: من (لا) النافية يا شيخ. * الشيخ: لا، كيف نأخذ العموم؟ * طالب: من الفعل المضارع. * الشيخ: الفعل المضارع ما يدل على العموم، حذف المعمول يفيد العموم، هذه القاعدة مرت علينا من قبل، حذف المعمول يفيد العموم أو لا؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٦ - ٨] كلها محذوفة المفاعيل، (آواك)، وآوى بك أيضًا. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ هداك أنت ولَّا هدى بك أيضًا؟ هداك وهدى بك. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ لو قال: فأعناك ما استفدنا أن غيره أغناه الله به أيضًا، بل أغناه وأغنى به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]. إذن نأخذ العموم من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وأيش طريق العلم به؟ حذف المفعول إي نعم، فإن حذف المفعول يدل على العموم. * ويستفاد من الآية الكريمة: ضعف الإنسان لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان عدم العلم، ولهذا قال الله تعالى لرسوله ممتنًّا عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣] فالأصل في الإنسان أنه لا يعلم ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨]. ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى آخره، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ نأخذ منها ما سبق من حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال والعلم، ولهذا يقال: إن مفتاح العلم السؤال. * ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ يعني من كبائر الذنوب، والأشهر الحرم أربعة، وأظنها معروفة لكم. * ويستفاد من الآية الكريمة: تقديم ما يفيد العِلّية لقوله: ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ والمسؤول عنه هو القتال في الشهر الحرام، لكنه قدم الشهر؛ لأنه العلة في تحريم القتال، يعني: ما شأن القتال فيه؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم من أحكام الله إلا ما علمه الله. * طالب: يسألون. * الشيخ: لا، الجواب، من جواب الله له: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ كذا؟ ينبني على هذه المسألة: هل للرسول عليه الصلاة والسلام أن يجتهد أم لا؟ الجواب: نعم، له أن يجتهد، ثم إذا اجتهد فأقره الله، صار اجتهاده بمنزلة الوحي، كما أن الرسول لو أقر أحدًا من الصحابة على شيء صار فعل هذا الصحابي بمنزلة السنة، عرفتم؟ فإن لم يقره الله عليه تبين أن الاجتهاد ليس بصواب، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣]. * طالب: فضيلة الشيخ، ما يجمع بينها وبين قول الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم ٣]؟ * الشيخ: إيه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالقرآن ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ يعني: أن القرآن وحي من الله. * طالب: شيخ، فعل النصراني (...) النبي ﷺ أقره على ذلك (...) القاعدة؟ * الشيخ: لا، إحنا ذكرنا أنه لا يلزم من إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام على الشيء أن يكون سنة مشروعة، لكن أن يكون جائزًا، الرسول أقره بمعنى أنه ليس بمحرم، لكنه ليس بسنة، ولهذا لم يكن الرسول يفعله عليه الصلاة والسلام، وذكرنا لذلك بعض النظائر أيضًا، تحفظون منها شيئًا؟ * طالب: مثل الصدقة على الميت (...). * الشيخ: فهذا جائز وليس بمشروع، لا يشرع لكل إنسان مات له ميت أن يتصدق عنه. * ويستفاد من الآية الكريمة: تفاوت الذنوب؛ أن الذنوب تتفاوت، منين؟ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هذه أولًا تفيد أن الذنوب تتفاوت، وبتفاوت الذنوب يلزم من ذلك تفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، فيكون في ذلك ردّ على من أنكروا زيادة الإيمان ونقصان الإيمان، وللعلماء في ذلك ثلاثة آراء: منهم من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد وينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص، الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص هم طائفتان: المرجئة، والمعتزلة والخوارج؛ المرجئة لماذا قالوا: لا يزيد ولا ينقص؟ قالوا: لأن الإيمان هو التصديق بالقلب، والتصديق بالقلب لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال عندهم لا تدخل في مسمى الإيمان، والمعتزلة والخوارج قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح، وأنه إذا فُقد في واحدة من هذه الثلاثة فُقد منها الجميع، فعلى هذا لا يزيد ولا ينقص، إما أن يبقى كله، وإما أن يعدم كله، واضح؟ وقال بعض أهل العلم: إن الإيمان يزيد ولا ينقص؛ لأن الله تعالى صرح في القرآن بأنه يزيد ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] ولكن لم يأتِ في القرآن أن الإيمان ينقص، عرفتم؟ والصحيح أنه يزيد وينقص، وأنه يزيد وينقص باعتبار اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، حتى باعتبار اعتقاد القلب يزيد وينقص، أليس إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] يزيد ولَّا لا؟ يزيد، وأنت الآن عندما يخبرك رجل ثقة بأن فلانًا قدم إلى البلد تُصَدِّق، فإذا جاءك آخر ازداد تصديقك ولَّا لا؟ ازداد، فإذا جاء ثالث ازداد، فإذا جاء رابع ازداد، إذا وصل إلى حد التواتر أثبت العلم. فإذن التصديق بالقلب يزيد، حتى نفس الشخص يجد في بعض الأحيان في بعض الساعات يجد في قلبه إيمانًا راسخًا كأنما يشاهد العرش، وكأنما يرى الله عز وجل، كما قال الرسول: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وأحيانًا يغفل ويهبط هبوطًا كاملًا، أو كثيرًا إيمانه، أما زيادة الإيمان باعتبار أقوال اللسان فحدّث ولا حرج، فالذي يسبح الله مئة مرة ليس كالذي يسبحه عشر مرات، أيهما أزيد؟ مئة مرة، وكما أنه يختلف بالكمية يختلف أيضًا بالكيفية، فالعبادة المبنية على الإخلاص، وتمام الاتباع ليست كالعبادة الناقصة في الإخلاص وتمام الاتباع، وكذلك في الجوارح، عمل الجوارح يختلف، فالذي يصلي أربع ركعات ليس كالذي يصلي ثماني ركعات، واضح؟ إذن يزيد ولَّا لا؟ يزيد بالاعتقاد، والقول، والعمل الفعل، والذين قالوا: يزيد ولا ينقص نقول لهم: سبحان الله! نرد عليهم من وجهين: أولًا: أن الرسول أثبت النقص فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠ / ١٣٢) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. ثانيًا نقول: إذا ثبتت الزيادة ثبت النقص بالضرورة، وأيش معنى هذا زائد على هذا إلا أن الثاني ناقص عنه؟ فهما متلازمان متى ثبتت الزيادة ثبت النقص، ومتى ثبت النقص انتفت الزيادة. واضح؟ فالصواب إذن أنه يزيد وينقص باعتبار إقرار القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح، وهذا أمر مسلّم، وهو معلوم بالضرورة من تفاوت الكبائر أو تفاوت الذنوب، ومن تفاوت الأعمال الصالحة أيضًا فإن تفاوت العمل يستلزم تفاوت العامل. * طالب: شيخ، يصح أن نقول: إن العلماء من الخوارج والمعتزلة نقول: علماء؟ * الشيخ: إيه علماء إيه. * الطالب: ضلّال هم يا شيخ. * الشيخ: علماء، لكنهم ما نقول عنهم: ضلال ولَّا ما هم ضلال، هذا شيء ثانٍ، لكن نقول: علماء، هم علماء الملة، شيخ الإسلام رحمه الله يقول في الفتوى الحموية : انقسم أهل القبلة في مسائل الصفات إلى ست فرق. وعد منهم الجهمية والمعطلة؛ لأنهم منتسبون للإسلام ويعدون من الفرق الإسلامية لكنها مخالفة. * طالب: يكفرون؟ * الشيخ: لا شك أن بعض البدع كفر، لكن الشخص بعينه لا، يحتاج إلى أن تقوم عليه حجة. * طالب: شيخ، في من يقول في (...): إيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص، إيمان الأنبياء يزيد ولا ينقص، وإيمان عوام الناس يزيد وينقص؟ * الشيخ: هذا غلط، نحن نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص بقطع النظر عن المتصف به، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يفعلون بعض الأشياء التي يظلمون فيها أنفسهم: هذا آدم كما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] وهذا موسى قتل نفسًا بغير حق وأشياء كثيرة، ولكنهم يرجعون إلى الله عز وجل ويتوبون ويكونون بعد التوبة خيرًا منهم قبلها. * طالب: إذن قوله يعني خطأ؟ * الشيخ: إي نعم، خطأ. * طالب: فالملائكة يا شيخنا، يفعلون الخير المحض؟ * الشيخ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، إي نعم، ما نستطيع نقول شيئًا، ما نقول شيئًا. * الطالب: نتوقف عنه؟ * الشيخ: نتوقف عنه، ما نقول، نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص، أما باعتبار المؤمن نفسه فقد يكون بعض الناس يمن الله عليه ويزداد دائمًا في إيمانه وعمله الصالح، وقد يكون بعض الناس بالعكس دائمًا في نقص. * طالب: إذن الأقوال ثلاثة؟ يزيد وينقص؟ * الشيخ: على أقوال ثلاثة: يزيد وينقص، لا يزيد ولا ينقص، يزيد ولا ينقص. * طالب: (...). * الشيخ: هو أبو حنيفة رحمه الله من المرجئة، لكنه يدخل القول في مسمى الإيمان، يدخله. * من فوائد الآية الكريمة: عظمة الصدّ عن سبيل الله لقوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخره. والصد عن سبيل الله له طرق متعددة كثيرة غير محصورة، قد يكون بمنع الناس من فعل العبادات، وقد يكون بإشغالهم وإلهائهم عن فعل العبادات، وقد يكون في تحقير العبادات في أنفسهم، وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم ويدَعوه، المهم أن طرق الصدّ سبيل الله عن دينه لا حصر له كثيرة جدًّا. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الكفر بالله أعظم من القتال في الشهر الحرام أو لا؟ ويستفاد من هذا: أن الصد عن المسجد الحرام أعظم من القتال في الشهر الحرام لقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن إخراج أهل مكة منها أعظم من القتال في الشهر الحرام. * ويستفاد من الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين؛ حيث قاتلوا في الشهر الحرام، تسلية، من أين تؤخذ؟ (...) من يتصف بها؟ المشركون الذين انتقدوا على المسلمين قتلهم لهذا الرجل في الشهر الحرام؛ يعني أنتم إذا فعلتم هذا فقد فعلوا أكبر من ذلك، أربعة أمور؛ كل واحد منها أكبر من هذا. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام في قوله: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ مع أن المشركين ساكنون في مكة لكن ليسوا أهلًا للمسجد الحرام كما قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤]. * ويستفاد من ذلك: أن الفتنة أكبر من القتل؛ الفتنة أكبر من القتل، وأيش الفتنة؟ الشرك، الشرك أعظم، وقلنا: لكم فيما سبق أنها تشمل الشرك، وتشمل أيضًا فتْن الناس عن دينهم بأنواع الشبهات، أو بأنواع الشهوات. * ويستفاد منها: التحذير من الفتنة لقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ فإذا كانت أكبر فالواجب الحذر منها، وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا، ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في الفتنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الدجال: «مَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتْبَعَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ» الحديث.]] هذا هو الحديث أو معناه، المهم أن الإنسان لا يُعرّض نفسه للفتن، كم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) واللفظ له من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ إلى هذا الحد، إلى القتال، لأجل أن يردونا عن ديننا، وإذا حصل لهم الرّدّة بدون قتال؟ * طالب: أحب لهم. * الشيخ: أحب لهم؟ أحب إليهم معلوم، إذا حصل أن المسلمين يرتدون بدون قتال فهو أحب إليهم، ولهذا كان الغزو الفكري والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي، ولَّا لا؟ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر، وأما ذاك فهو صدام مسلّح، ينفر الناس منه بالطبيعة ما يمكنون أحدًا يقاتلهم، أما هذا فإنه -والعياذ بالله- سلاح فتّاك، ولهذا كم أفسد على الأمة؟! أصل الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية أصلها من مثل هذا، نعم بدعة الروافض، بدعة الخوارج وما أشبه ذلك وأيش أسبابها؟ هو هذا، يفسدون الفكر حتى يوقعوا الناس في القتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الكافرين لقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ وكلمة: لا يزال، أظن نفهم كلنا أنها تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، لا يزالون يفعلون هذا حتى يردوكم عن دينكم. * ويستفاد من الآية الكريمة: تيئيس الكافرين من أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين في قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله فيكون في آخر الزمان تهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾. * ويستفاد منها: أنها لا تبطل العمل إلا إذا مات على الكفر لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، وعلى هذا فنقول: لو أن أحدًا ارتد والعياذ بالله؛ ارتد عن الإسلام، بدأ ما يصلي، ترك الصلاة نهائيًّا، ثم هداه الله ورجع إلى الإسلام وصار يصلي، فهل أعماله السابقة ترجع ولَّا تذهب؟ ترجع؛ لأن الله عز وجل اشترط أن يموت وهو على كفره، طيب لو كان صحابيًّا هل ترجع صحبته؟ نعم، على الأصح، كما قال ابن حجر على الأصح ترجع، طيب لو كان قد حج، ثم عاد إلى الكفر، ثم عاد إلى الإسلام؟ يُلزم بأداء الحج؟ لا، يكفي الحج الأول. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد مخلّد في النار لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، فلا يغسّل، ولا يكفّن، ولا يُصلّى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وهل يرث ويورث؟ فيه خلاف؟ أما كونه لا يرث فهذا الظاهر أنه بالإجماع، ولا أدري، لكن الظاهر، أما كونه يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون، ولكن الصحيح أنه لا توارث لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤ / ١) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.]]. رجل عنده ملايين الدراهم ومئات العقارات، وآلاف السيارات، ولكنه ما يصلي ومات، وله أبناء وزوجات قلنا: ها المال هذا ما هو لكم، المال لبيت المال، هذه صعبة جدًّا، لكن مع ذلك فيها فائدة عظيمة؛ لأن بعض الناس قد يحمله كونه يتصور أن أولاده سيشرّدون بعده، ولا يكون لهم استحقاق في أمواله إلا بقدر ما يستحقون من بيت المال، ربما أن هذا الأمر يحمله على أن يرجع إلى الإسلام ويتوب، وإذا رجع إلى الإسلام وتاب تاب الله عليه وصار موروثًا. * طالب: كذلك يحمل أهله على (...). * الشيخ: ويحمل أهله أيضًا على أن يشددوا عليه في النصيحة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للعمل أيًّا كان ذلك المرتد، سواء كان من الصحابة أو من التابعين أو ممن بعدهم لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ والخطاب أول ما يدخل فيه الصحابة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقد ارتد أحد منهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن خطل، أسلم ثم ارتد والعياذ بالله، ولحق بمكة، واتخذ جواري يغنين بهجاء الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما كان في فتح مكة قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[[أبو داود (٣٠٢٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]] فجاؤوا إليه فقالوا: يا رسول الله، عبد الله بن خطل متعلق بأستار الكعبة في المسجد ولَّا خارج؟ في المسجد متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقْتُلُوهُ، اقْتُلُوهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٤٦) ومسلم (١٣٥٧ / ٤٥٠) من حديث أنس رضي الله عنه.]]. فقتل مع أنه في آمَن بقعة على وجه الأرض، ومع أن الرسول قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ»، فقال: «اقْتُلُوهُ». قال العلماء: لأن الكفر -والعياذ بالله- عظيم؛ فإنه قد سَبّ الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الجواري اللاتي كن يغنين بالقدح في الرسول ﷺ. * طالب: يعني (مَنْ) هذه، مَن دخل بيته فهو آمن؟ * الشيخ: هذا عام. * الطالب: ما يدخل فيها؟ * الشيخ: إلا، لكن يجوز تخصيص العموم، هذا فيه تخصيص العموم؛ يعني إلا عبد الله بن خطل خصه الحديث. * طالب: وإخراج أهله منه أكبر، فما دعاهم إلى تغريب الزاني؟ * الشيخ: لا، هذا شرعي، تغريب الزاني هذا شرعي. * طالب: يا شيخ، أقول: قصة ابن خطل هذه ما تؤيد كلام شيخ الإسلام يعني يقول: من سب الرسول لازم يقتل؟ * الشيخ: إيه، يستدل بها عليه. * طالب: أما ابن خطل؟ * الشيخ: إيه، لكن ما قتل، تاب وبقي. * طالب: الشرك ما يحبط العمل؟ * الشيخ: الشرك إذا مات، إذا مات على الكفر حبط عمله. * طالب: الساحر، وهو حاج يقولون: يبطل الحج، تصدّق هذا الساحر؟ * الشيخ: من يقول؟ * الطالب: يقولون: يبطل حجه. * الشيخ: لا، إن اعتقد أنه يعلم الغيب صار كافرًا؛ لأنه ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، وإذا كفر فمات على كفره، وإن تاب تاب الله عليه. * طالب: الحاج لو أنه مشرك، حجه ما يعيده؟ * الشيخ: كيف لو أنه مشرك، وأيش لون؟ * الطالب: ارتد يعني .. * الشيخ: لو ارتد بعد الحج، ثم عاد إلى الإسلام ما يعيد الحج. * الطالب: إذا كان حج وأسلم؟ * الشيخ: ثم أسلم. * الطالب: ثم أسلم، معناه وحج، يعني الحج؟ * الشيخ: ما يبطل الحج، لا، ما يبطل، يعني ارتد بعد الحج نقول: إذا لم يمت على الكفر فهو صحيح؛ يعني فلا يبطل عمله. * طالب: شيخ، قوله: «مَنْ أتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٥٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] هل يقول: لا تقبل الصلاة أربعين يومًا؟ * الشيخ: هذاك فسأله، مجرد سؤاله ما تقبل له صلاته أربعين يومًا. * الطالب: إذا حج في الأربعين اليوم هذه تقبل ولَّا ما تقبل؟ * الشيخ: تقبل، تقبل. * الطالب: والصلاة ما تقبل؟ * الشيخ: لا، هو الصلاة تقبل، لكن معنى: لا تقبل مو معناه لا تبرأ بها الذمة، الذمة تبرأ بها، لكن معناه أن سوء عمله هذا يقابل أجر الصلاة فكأنه لم يُصلِّ، بالاتفاق أن صلاته تصح. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والهجرة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨]. * ويستفاد منها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: من الترتيب. * الشيخ: لأنه قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ فجعل الجهاد معطوفًا على الهجرة، ولم يجعل له اسمًا موصولًا مستقلًّا. * ويستفاد من ذلك: مراعاة الإخلاص للهجرة والجهاد لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ وأما بدون إخلاص فإنه هجرته إلى ما هاجر إليه. * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازمًا بقبول عمله بل يكون راجيًا، ولكنه يرجو رجاء يصل به إلى حسن الظن بالله عز وجل. (...).

البقرة 2:216

ثم قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نشوف ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الجملة فعل وفاعل ومفعول به، أو لا؟ و(يسألون) فعل، و(الواو) فاعل، و(الكاف) مفعول به، والضمير في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ على من؟ على الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، وعلى هذا فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبره، و(ينفقون) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه. هذا إذا لم تلغَ (ذا)، فإن ألغيت صار هناك إعراب آخر، وهو أن نقول: (ماذا) اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعولًا مقدمًا لقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾، و﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل مضارع، والفاعل الواو، والمفعول هو ما سبق، عرفتم؟ المعنى لا يختلف على الإعرابين. والسؤال سألوا: ما الذي ينفقون وأيش ينفقون؟ هل ينفقون طعامًا، هل ينفقون ثيابًا، هل ينفقون دراهم ماذا ينفقون؟ السؤال هنا عن المنفق لا عن المنفق عليه، أو لا؟ عن المنفق، عن جنسه، أو عن قدره، أو عن الأمرين جميعًا؟ * الطلبة: عن الأمرين. * الشيخ: الظاهر عن الأمرين جميعًا عن الجنس والقدر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ هذا الجواب، ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما) هذه موصولة، وإن شئت فاجعلها شرطية، و﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ إن جعلت (ما) موصولة فهي الخبر، وإن جعلتها شرطية فهي جواب الشرط. ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله سبحانه وتعالى أجابهم عن ماذا ينفقون فيه، لا عن ماذا ينفقون، عن ماذا ينفقون فيه، يعني قال: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾؛ لأن حقيقة الأمر أن الشأن كل الشأن أن يكون إنفاقك في محله، فأنت لا تهتم ماذا تنفق، اهتم أين تنفق، ولَّا لا؟ بعض الناس ينفق في الشر، وبعض الناس ينفق في شيء لا خير فيه ولا شر، وبعض الناس ينفق في الخير. ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أقول: قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن الجواب وقع على غير وفق السؤال؛ لأن السؤال عن أيش؟ ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، فجاء الجواب: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فهل هذا يكون من باب أسلوب الحكيم المعروف في البلاغة؛ حيث كان هذا الجواب بهذه الصيغة إشارة إلى أنه كان ينبغي أن تسأل على من تنفق؟ هكذا يبدو، ولكنك عند التأمل يتبين لك أن الله عز وجل أجاب عن السؤال جوابًا مطابقًا وزاد عنه أو زاد عليه؛ لأن الجواب عن السؤال يفهم من قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ من خير، إذن فما الذي ينفق؟ الخير، الخير هو اللي ينفق، وما دام الذي ينفق الخير، فقد يكون الخير في الطعام، وقد يكون الخير في الثياب، وقد يكون الخير في الفرش، وقد يكون الخير في الدراهم، يختلف ولَّا لا؟ لو جئت إلى إنسان مضطر جائع مرة، جائع سيموت إن لم تطعمه وعارٍ ما عليه ثياب أبدًا، فما الخير هنا؟ الثياب ولَّا الطعام؟ الطعام، معلوم ابدأ بالطعام أولًا خير من الثياب، ولو جئت لإنسان لم يصل إلى حد الضرورة إلى الأكل لكنه في ضرورة إلى الثياب؛ لأن الجو بارد وليس عليه إلا ثوب رقيق، فما هو الخير حينئذٍ؟ في الثياب، واضح؟ إذن يكون الله عز وجل قد أجاب عن ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ بقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، وزاد على الجواب بذكر المنفق عليه في قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾. قد تقول: إن الزيادة على السؤال إسهاب وتطويل؟ فنقول: إنه إذا كانت الزيادة مما تدعو الحاجة إليه ويقتضيه حال السائل فليست إسهابًا ولا تطويلًا بل هي من تمام الجواب؛ ولهذا لما سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر نتوضأ به وأيش قال؟ قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٨٣) من حديث أبي هريرة.]] مع أنه ما سئل عن الميتة، ما سئل عن الحوت والسمك، قال: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»؛ لأن راكب البحر يحتاج إلى ذلك. (الوالدين) يعني: الأم والأب، والجدة والجد؛ لأن الجدة والجد وإن لم يكونا والدين مباشرة، فهما والدين لوالديك هما السبب في حصول والديك، ووالداك هما السبب في حصولك أنت، فيشمل الوالدين: الأقربين والأبعدين. وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الأقربين جمع أقرب، وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفق، فأخ وابن أخ من الأقرب؟ الأخ، وعم وابن عم؟ الأقرب العم، وابن أخ وعم الأقرب؟ ابن الأخ، الأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه لو اجتمع ابن أخ وعم في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (١٦١٥ / ٣) من حديث ابن عباس.]]، فاتفق العلماء على أن ابن الأخ أولى من العم. والقربى دون الأقربين هل لهم حق؟ الجواب: نعم؛ لأنهم من الأرحام، لكن الأقرب أولى من الأبعد، وإلا فالكل له حق، والكل يؤجر الإنسان بالإنفاق عليه. وقوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ يشمل الأبناء؟ نعم، يشمل الأبناء، ولكن الإنفاق على الأبناء جاءت السنة بتقييده بالعدل حيث قال النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣ / ١٣) من حديث النعمان بن بشير.]]، فلا يجوز أن يعطي الذكر ويمنع الأنثى، أو أن يعطي الأنثى ويمنع الذكر، أو أن يعطي واحدًا ويمنع الآخر. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، ومن اليتيم؟ قال أهل العلم: إنه مشتق من اليتم وهو الانفراد، والمراد به: من مات أبوه ولم يبلغ، يعني: الصغير الذي مات أبوه، هذا هو اليتيم، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ ولهذا إذا بلغ استقل بنفسه فلم يكن يتيمًا. وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو: المعدم الذي ليس عنده مال، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر قد أسكنه وأذله؛ فلهذا يسمى مسكينًا. والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين فيفترقان، وتجده في القرآن أن الفقير قد يأتي وحده والمسكين قد يأتي وحده، والفقير والمسكين قد يجتمعان، ففي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر ٨] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٢] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] يشمل؟ * طالب: كل الناس، كل الناس حتى الغني. * الشيخ: كل الناس، حتى الغني فهو فقير إلى الله عز وجل؛ ولهذا قيدت: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله﴾. وفي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة ٨٩] يدخل فيه الفقير، وكذلك هنا. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ من ابن السبيل؟ قال العلماء: هو المسافر الذي انقطع به السفر، وسمي ابنًا للسبيل، السبيل هو الطريق، سمي ابنًا له؛ لأنه ملازم له، وكل ما لازم شيئًا فهو ابن له؛ ولهذا يقال: ابن الماء لطير الماء الملازم فيه، طير يسمى ابن الماء؛ لأنه ملازم له، وإنما خص الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه قد يحتاج وهو لا يعلم عن حاجته؛ ولهذا فابن السبيل إذا أراد أحد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق فإنه يعطيه. ولكن هل تعطيه إذا سأل أو تعطيه وإن لم يسأل؟ نقول: هذا على وجهين: أحدهما: أن تعلم أنه لا يحتاج كما لو كان غنيًّا تعرف أنه غني، ومر بهذه البلد عابرًا، فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه حتى لو أعطيته لرأى أن في ذلك نقيصة له، وآخر تعرف أنه معوز وعليه أثر الإعواز هذا تعطيه ولا شك، وثالث: تشك في أمره، فهذا إن أعطيته بعد سؤاله تقول: هل أنت محتاج؟ فإنه خير، وإلا فلا حرج عليك، وإن أعطيته ظنًّا منك أنه محتاج فأنت على خير. قال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ هذه الجملة الأخيرة شاملة لكل خير، هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير فعمم الله ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، و(ما) هذه شرطية، و﴿تَفْعَلُوا﴾ فعل الشرط؛ ولهذا حذفت منه النون، وجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ (من) بيانية بيان لماذا؟ * طالب: للمنفق. * الشيخ: لا لا. * طالب: للإنفاق. * الطلبة: فعل إغراء. * الشيخ: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما)؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أن الموصول مبهم، وكذلك أسماء الشرط مبهمة، فـ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (من خير) بيان لـ(ما)؛ ولهذا لو أنك حذفت (ما) وقلت: أي خير تفعلوا فإن الله به عليم، استقام الكلام ولَّا لا؟ استقام الكلام، إذن فقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما). وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ما قال: وما تنفقوا من خير؛ ليعم الإنفاق والعمل البدني والقول وكل شيء، كل شيء تفعله من الخير فإن الله به عليم. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: بهذا الخير الذي تفعله قليلًا أو كثيرًا، فإن الله يعلمه، سرًّا كان أم علنًا. وما فائدة الجواب هنا مع الشرط؟ إذا قال قائل ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ما الفائدة من كون الله يخبرنا بأنه عالم به؟ الفائدة هو أن نعلم أنه لا بد أن يجازينا عليه؛ لأن الله عدل لا يظلم، فإذا فعلنا خيرًا فإن الله يعلمه، وسوف أيش؟ يجازينا عليه. لا تقل: إن الجواب لم يطابق الشرط؛ إذ لا فائدة لنا من كون الله يعلمه، نقول: بل لنا فائدة وهو أنه إذا علمنا أن الله يعلمه، فإن الله تعالى عدل لا يضيعه، بل لا بد أن يجازينا عليه. وفيه أيضًا فائدة -كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد- وهي: الإغراء والحث. ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾.. * طالب: شيخ (...) هل هنا جاءت بصيغة (...)؟ * الشيخ: قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ الجار والمجرور في: ﴿بِهِ﴾ متعلق بماذا؟ * طالب: بـ﴿عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: بـ﴿عَلِيمٌ﴾، نعم. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، والكَتْب في الأصل بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، والكَتْب -كتب الله عز وجل- ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي، وكتاب كوني، الكتاب الكوني لا بد أن يقع ولا يمكن أن يتخلف، والكتاب الشرعي قد يفعله المكتوب عليه وقد لا يفعله، فـ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] قد يصوم الناس وقد لا يصومون، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قد يقاتلون وقد لا يقاتلون، لكن ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هذا الكتابة الكونية القدرية هذه لا بد أن تكون، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] كتابة أيش؟ كونية لا بد أن تكون. فالكتابة إذن نوعان: كتابة كونية، وكتابة شرعية، والفرق بينهما: أن الكتابة الكونية لا بد من وقوع المكتوب فيها بخلاف الكتابة الشرعية. الفرق الثاني: أن الكتابة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه، وأما الكتابة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله، لا يمكن أن يفرض الله على عباده ما لا يحبه، بل كل ما فرضه فهو محبوب إليه. وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي قتال هو؟ قتال أعداء الله الكفار، و﴿الْقِتَالُ﴾ مصدر قاتل، وهذه الصيغة الغالب أنها لا تأتي إلا بين اثنين، قاتل وشارك وما أشبهه. وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ﴾ يعود على القتال وليس يعود على الكتابة؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرض الله عليهم، لكنهم يكرهون القتال بحسب الطبيعة البشرية، وفرق بين أن نقول: إننا نكره ما فرض الله من القتال وبين أن نقول: إننا نكره القتال، فكراهة القتال أمر طبيعي، فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحدًا من الناس فيقتله فيصبح مقتولًا، لكن إذا كان هذا القتال مفروضًا علينا صار محبوبًا إلينا من وجه، ومكروهًا لنا من وجه آخر، فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوبًا إلينا، وباعتبار أن النفس تنفر منه وتكرهه يكون مكروهًا إلينا، ومن أجل أن النفس تنفر منه وتكرهه وهو ثقيل عليها صار فيه هذا الأجر العظيم، صار الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٩ - ١٧١]. انتبه، إذن هل كراهة القتال تنافي صدق العبادة؟ لا؛ لأن الإنسان يحب هذا القتال من حيث إن الله فرضه عليه؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يصرون أن يقاتلوا، فيردهم أحيانًا لصغرهم فيأسفون، حتى إنه رد في أُحدٍ بعض الصحابة الصغار قال: يا رسول الله، كيف ترده وأنت أذنت لفلان وأنا الآن أستطيع أني أصارعه، قال: أبغي المصارعة خله يصارعني، فصارعه فصرعه فأذن له[[أخرجه الطحاوي في شرح معاني الاثار (٥٠٣٤) من حديث سمرة بن جندب.]]، كل هذا من محبتهم للقتال، كذلك أيضًا عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان أعرج فجاء -يعني لزم بالقتال- وكان أولاده يقولون له: لا تخرج، إن الله قد عذرك، فجاء هو وإياهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ -أَوْ إِنِّي أُحِبُّ- أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ »[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٤) من طريق إسحاق بن يسار.]] -الله أكبر- لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام متعلقًا بالقتال أذن له وقال لأولاده قولًا -يعني أنه إذا كان يحب أن يخرج فلا تمنعوه- فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم ما كرهوا القتال بعد أن فرضه الله، بل أحبوه لأن الله فرضه، وكم من أشياء يكرهها الإنسان لولا أن الله تعالى أمر بها فيحبها؛ لأن الله أمر بها، الآن الحج فيه مشقة ولَّا لا؟ من حيث كونه مشقة قد يكرهه الإنسان، لكن إذا علم أن فيه رضا الله أحبه، بذل المال بالزكاة -مثلًا- الإنسان مجبول على حب المال ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، لكن إذا علم أن في ذلك رضا الله هان عليه، وهذا هو وجه الامتحان في العبادات التي يكلف بها العبد. وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُرْهٌ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مكروه لكم، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق ٦] يعني: حمل بمعنى المحمول الذي في البطن، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.]] أي: مردود. هنا ﴿كُرْهٌ﴾ بمعنى مكروه، والجملة هذه ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الجملة محلها من الإعراب؟ في محل النصب على الحال، والحال: أن القتال كره لكم، ولكن شوف التسلية من الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿عَسَى﴾ هذه هنا بمعنى الرجاء، أو بمعنى الإشفاق، أو بمعنى التوقع، أو بمعنى التعليل؛ لأنها أربعة معانٍ.. * طالب: تعليل. * الشيخ: تعليل؟ لا، ما أعرف، تصلح للتعليل؟ لو قلت مثلًا: كل هذا الدواء عسى أن تبرأ؟ هذه للتعليل واضح أو للترجي. لكن هنا ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ الظاهر -والله أعلم- أقرب شيء أنها للتوقع أو أنها للترجية، ما هو للترجي، الله عز وجل ما يترجى، كل شيء عنده هين، لكن للترجية بمعنى أنه يريد من المخاطب أيش؟ أن يرجو ذلك، أن يرجو هذا، يعني: معناه افعلوا ما هو كره لكم عسى أن يكون خيرًا. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهذا الذي ذكر الله عز وجل هنا واقع ولَّا لا؟ واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحيانًا يفعل الإنسان شيئًا من الأمور العادية ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل، فإذا العاقبة تكون حميدة وحينئذٍ يكون كره شيئًا وهو خير له. القتال كره لنا لكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل كما قال الله عز وجل آمرًا نبيه أن يقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة ٥٢] أنه لا بد من حسنى ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ما هما؟ إما النصر والظفر، وإما الشهادة، أليس كذلك؟ إذن فالمقاتل في سبيل الله على خير. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا أيضًا كثيرًا ما يقع يحب الإنسان شيئًا ويلح فيه ثم تكون العاقبة سيئة، والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه، كل شيء ينالك وأنت تكرهه، فإنك تصبر نفسك: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وكل شيء يفوتك ونفسك يطلبه تسليها فتقول: ﴿عَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾، وهذا هو الواقع. ولو أن الإنسان تأمل مجريات حياته اليومية لوجد في ذلك شيئًا كثيرًا. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سبحانه وتعالى فهو سبحانه وتعالى لا يقدر للمؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يوجب على المؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يحرم عليه شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا تقل: ليت هذا لم يحرم، ليت هذا لم يوجب، ليت هذا لم يقع، لا تقل هكذا؛ لأن علمك قاصر، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وأيش يعلم؟ كل شيء حتى المستقبل الذي تظنون أنه شر يعلم الله تعالى ما فيه من الخير. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا نفي مطلق لعلم الإنسان، فهل نقول: إن هذا النفي المطلق يراد به شيء معين أو نقول: إنه نفي مطلق على الأصل، وإن الأصل في الإنسان عدم العلم على الإطلاق؟ الجواب: هو هذا، كما أن الأصل في صفة الله عز وجل العلم المطلق، فلله العلم المطلق؛ ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ﴾ ولم يقيد هذا العلم بمعلوم ﴿يَعْلَمُ﴾، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لم يقيد هذا النفي بمعلوم، ما قال: لا تعلمون المستقبل، ولَا: لا تعلمون الحاضر، ولا، ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل فينا إذن؟ عدم العلم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل ٧٨]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إعراب الجملة هذه ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ هذا مجرور بـ(عن)، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش اللي جرها؟ بدل، من أي أنواع البدل؟ مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍ بِبَلْ أي الخمسة؟ اشتمال؛ لأن القتال ليس بعضًا من الشهر، لكن الشهر مشتمل عليه، فهو بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ المراد الجنس، ويحتمل أن تكون (أل) للعهد الذهني، ويكون المراد به شهرًا معينًا، فـ(أل) هنا يحتمل أن تكون للجنس فتشمل كل الأشهر الأربعة الحرم، ويحتمل أن تكون للعهد الذهني فيراد بها أيش؟ شهر معين. هل (أل) إذا دخلت على المفرد تكون للجنس فيشمل كل أفراد الجنس؟ نعم، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ١ - ٣] هذه (أل) داخلة على مفرد والمراد؟ المراد الجنس، يعني: كل إنسان. فإذن: يسألونك عن كل شهر حرام يمكن هذا، أو: يسألونك عن الشهر الحرام المعين الذي وقعت فيه القضية ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾. والقضية هي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل سرية في السنة الأولى، سرية في جمادي الآخرة، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش وأعطاه كتابًا وقال: «لَا تَفْتَحْ الْكِتَابَ إِلَّا بَعْدَ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٣ / ١٨) من حديث عروة بن الزبير.]]، فقال: سمعًا وطاعة، فذهب بسريته وهم نحو سبعة أشخاص، فلما مشى مسيرة يومين فتح الكتاب وإذا فيه: أن رسول الله ﷺ يأمرهم أن يسيروا إلى نخلة بين مكة والطائف، وأن يترقبوا أخبار قريش، يترقبوا أخبار قريش وما يحصل منهم، فصادفوا عيرًا لقريش نازلة من الطائف إلى مكة، والعير تكون فيها أطعمة وخضر وما أشبه ذلك، فحصل بينهم قتال بينهم وبين هذه السرية، فقتلوا منهم رجلًا واحدًا، وأسروا رجلين وفر الرابع، لما قتلوا هذا الرجل هم قتلوا هذا الرجل على أنهم في جمادى الآخرة، ولكنه تبين أنه كان في أول يوم من رجب، ورجب أحد الأشهر الحرم الأربعة؛ لأن الأشهر الأربعة الحرم. * طالب: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. * الشيخ: نعم، المشركون استغلوا هذه المسألة وقالوا: هذا محمد يزعم أنه يطيع الله وأنه يعظم حرمات الله، وهذا أصحابه يقتلون الرجل في الأشهر الحرم، هذه كبيرة ولَّا لا؟ شاع الخبر فضاقت صدور هذه السرية عبد الله بن جحش وأصحابه ضاقت صدورهم لحقهم حرج، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش الحكم؟ وليسوا يسألونه هل القتال فيه حرام ولَّا لا؟ لأن هذا معلوم، لكن يسألونه عن هذا القتال فيه ما حكمه، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾. هكذا ذكر المفسرون، قالوا: لأن القتال في الأشهر الحرم أمر معلوم ما أحد يسأل عنه، ولكن في نفسي شيء لأن لفظ الآية لا يساعده؛ فإن الشهر الحرام إن قلنا: إنه للجنس فظاهر جدًّا أن اللفظ لا يساعد على هذا المعنى. وجه ذلك: إذا قلنا عن الشهر الحرام -يعني عن الأشهر الحرم- قتال فيها، صار السؤال عن هذا القتال المعين؟ لا، وإن قلنا: الشهر الحرام هو الشهر المعين الذي حصل فيه القضية وهو شهر رجب. بقي عندنا كلمة ﴿قِتَالٍ﴾ نكرة، ما هي لو قال: عن الشهر الحرام القتال فيه لكان يساعد على ما ذكر المفسرون، لكننا قد نقول: لما كانت ﴿قِتَالٍ﴾ بدل من الشهر والشهر يراد به شهر معين، فإنه من ضرورة ذلك أن يكون المراد بالقتال؟ القتال في ذلك الشهر المعين؛ ولهذا قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي: في الشهر المعين، ولم يسبق قتال في شهر رجب إلا ذلك القتال الذي حصل من هذه السرية. على كل حال الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام إذ سئل أحيانًا يجيب وأحيانًا يتوقف حتى ينزل الوحي، في هذه الآية ماذا كان الجواب من الرسول أو من الله؟ من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا أجاب الله عز وجل: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ قتال في شهر الحرام كبير لا شك، يعني: من كبائر الذنوب وعظائم الذنوب؛ لأنه انتهاك لحرماتها وهذا محرم، انتهاك حرمات الله من المحرمات، فهذا من كبائر الذنوب ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. ولكن انظر رحمة الله عز وجل بعباده، شوف التسلية للصحابة ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هذا تسلية للصحابة، يعني: لو وقع منكم هذه المسألة الكبيرة، فعند الذين يعيرونكم بها ما هو أعظم وأكبر، القتال كبير ما في شك لكن عند هؤلاء الذين يعيرونكم بذلك ما هو أكبر وأعظم، صد عن سبيل الله أعظم، صحيح؟ ولا شك أن المشركين الذين عيروا النبي ﷺ وأصحابه بذلك يصدون عن سبيل الله ويقتلون الذين يلتزمون بسبيل الله ﴿صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وسبيل الله: طريقه الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله شيء واحد وهو شرعه الذي شرعه لعباده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وإنما سمي الشرع سبيل الله؛ لأنه يوصل إلى الله؛ ولأن الله تعالى هو الذي وضعه، فإضافته إلى الله من ناحيتين: الابتدائية، والنهائية، الابتدائية هو الذي وضعه، والنهائية؟ * الطلبة: يوصل إليه. * الشيخ: يوصل إليه. هل سمى الله السبيل مضافًا إلى غيره؟ نعم، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فأضاف الله السبيل إلى المؤمنين وليس في ذلك تناقض، فهو مضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه أو لا؟ مضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه لعباده، وهذا السبيل ينتهي إلى من؟ إلى الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ بمن؟ بالله، الكفر بالله أعظم كبيرة يفعلها المرء ولَّا لا؟ نعم. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هنا معترك في إعرابه هل هي معطوفة على الضمير في ﴿بِهِ﴾ ولّا معطوفة على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: سبيل الله. * الشيخ: أجبت بسرعة ما شاء الله، أرني كيف ذلك؟ * الطالب: معطوف على سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: سبيل الله والمسجد الحرام. * الشيخ: ما يصلح: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام؟ ما يصلح؟ * الطالب: يصلح. * الشيخ: يصلح، إذن؟ * الطالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، وجاءت قولان بن (...). * طالب: (...). * الشيخ: فيه رأيان: الرأي الأول يقولون: إنه معطوف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصدٌ عن سبيل الله وكفرٌ به وصدٌ عن المسجد الحرام، وهؤلاء يستدلون بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا كفر بالله، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح ٢٥] هذا صد عن أيش؟ عن المسجد الحرام فيكون: وصدٌ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، لكن هذا الرأي لا شك من حيث المعنى قوي، إلا أنهم يعني يلزم عليه أو يرد عليه أن قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي من قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أجنبي؛ لأن ﴿كُفْرٌ﴾ ما هو معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأيش معطوف عليه؟ على ﴿صَدٌّ﴾. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ (...) ﴿الْحَرَامِ﴾ معطوف على سبيل، فقد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه أجنبي وهو قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ لأنه معطوف على اللي ما سبق، وحينئذٍ يمتنع العطف، هذا مقتضى اللغة العربية: أن المعطوف والمعطوف عليه لا يفصل بينهما بأجنبي وهنا ﴿كُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي، وأيش معنى أجنبي؟ يعني: ليس معطوفًا على ما عطف عليه ما بعده، إنما معطوف على شيء سابق عليه، واضح؟ طيب، لكنه كما قلته قبل قليل: المعنى يؤيده، لكن السياق من حيث السياق العربي يمنعه؛ لأنه أجنبي. إذن يترجح القول الثاني وهو أن قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الضمير في ﴿بِهِ﴾: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام، ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: بالله وبالمسجد الحرام، وعلى هذا فيكون هنا معطوفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾. ولكن يرد على هذا القول إشكالان ما هو إشكال واحد، الإشكال الأول: أننا عطفنا على الضمير المتصل بدون إعادة الجار، والمعروف عند أكثر النحويين أنه لا يجوز أن تعطف على الضمير المتصل المجرور إلا بإعادة الجار، وابن مالك أشار إلى هذا في أي بيت؟ وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ∗∗∗ ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا ثم قال: ؎وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى ∗∗∗ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَاوعلى هذا فنقول: ابن مالك رحمه الله لا يرى وجوب إعادة حرف الجر إذا عطف على الضمير المجرور المتصل، زال الإشكال هذا، زال الإشكال الأول بماذا؟ بأن وجوب إعادة الجار إذا عطف على ضمير خفض متصل، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم في النحو وابن مالك ممن يرى أنه لا يجب إعادة الجار، إذن زال الإشكال الأول. الإشكال الثاني: قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قد لا تتصور وأيش معنى الكفر بالمسجد الحرام؟ الصد عن المسجد الحرام واضح، لكن الكفر بالمسجد الحرام وأيش معناه؟ نقول: الكفر به ظاهر، الذي يجعل الأصنام في جوف الكعبة، كافر بالمسجد الحرام ولَّا معظم له؟ كافر بالمسجد الحرام؛ لأنه ما آمن بحرمته وعظمته، بل هذا من أعظم الإهانة لبيت الله عز وجل أن تجعل الأصنام في جوف الكعبة، فهم كافرون بالمسجد الحرام، وعلى هذا يزول الإشكال الثاني. فإن قلت: الإشكال في المعنى الأول وهو أن يكون قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوفًا على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإشكال اللي أوردنا هو أن العطف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه إشكال من حيث إنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي، لكن أجاب الذين يختارون هذا القول، أجابوا عن ذلك وقالوا: إن قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فيكون ليس أجنبيًّا، يكون غير أجنبي، يكون ليس بأجنبي من ﴿صَدٌّ﴾، وعلى هذا فتكون كأن الآية: وصد وكفر، فيكون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فكأنه منه فليس بأجنبي، وحينئذٍ يزول الإشكال. إذن ما خلاصة هذا البحث؟ خلاصة هذا البحث أنه يجوز في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصد عن المسجد الحرام. والوجه الثاني: أن يكون معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: وبالمسجد الحرام، والله أعلم. (...) أن فيه تعظيمًا لشأن الشهر، كأن المسؤول عنه هو الشهر نفسه يعني: عن شأن الشهر الحرام، وهل هو ذو شأن عظيم. ثم قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ الذي هو المقصود هذا هو الفائدة من كون يأتي ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أولًا ثم يبدل منه ﴿قِتَالٍ﴾، وإلا لكان السؤال: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام. قوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾.. قوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة هذا هو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١] وقد أسري به من الحجر؛ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]، وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ يدل على أن المراد بالمسجد الحرام هو أيش؟ نفس المسجد الذي فيه الكعبة؛ لأنه بالاتفاق أنه يجوز للمشرك أن يصل إلى حدود الحرم حتى لا يبقى بينه وبين الحرم إلا أنملة، ولو كان المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم لكان المشرك لا يجوز أن يقرب أيش؟ حدود الحرم والأمر ليس كذلك. * طالب: يقال: إنه أسري من بيت أم هانئ؟ * الشيخ: لا، الصحيح من الحجر، لكن بعضهم الذين صححوا الروايتين قالوا: كان نائمًا في بيت أم هانئ ثم استيقظ وذهب إلى هناك وأسري به من هناك. وقوله: ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (الحرام) فَعَال من الحُرمة أو من التحريم، يعني: المسجد ذي الحرمة والتعظيم، ولا يخفى على أحد حرمة المسجد الحرام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب في عام الفتح وقال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَةَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٣١٣) من حديث مجاهد، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، واللفظ للبخاري.]]، وأخبر أنها محرمة منذ خلق الله السماوات والأرض لا يعضض شوكها ولا ينفر صيدها ولا يحل القتال فيها، حتى إن الرسول ﷺ قال: «إِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، وهذا من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، ما أذن بالقتال في مكة لأحد إلا للرسول ﷺ، وليس إذنًا عامًّا بل إذنًا مقيدًا قال: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٣٢) ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي بلفظ: «أذِنَ لِرسُولِهِ».]]، وهذه القصة فيها تمثيل للحكم الذي نسخ مرتين: كانت بالأول حرامًا ثم أحلت، هذا النسخ الأول، ثم حرمت، هذا النسخ الثاني، والله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت، فهذه من عظمة مكة. ومن عظمة مكة: أنه لا يصح إسلام أحد حتى يحج البيت إذا كان قادرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]. ومن حرمتها: أنه لا يدخلها أحد إلا محرمًا؛ إما وجوبًا وإما استحبابًا، وجوبَا عند كثير من أهل العلم أنك ما تدخل مكة إلا محرمًا ولو كنت قد أديت الواجب، أو استحبابًا على القول الراجح أن الإنسان إذا أدى الواجب لم تجب عليه العمرة، ولو كان قطيع العهد بمكة المكرمة أو بمكة على الأصح؛ لأن (المكرمة) وصف حديث. ومن حرمة مكة: أن الناس كلهم يتجهون إليها في صلاتهم ولَّا لا؟ كل الناس يتجهون إلى الكعبة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٤٤]. ومن حرمتها: أن من وجد فيها لقطة لا يحل له أخذها إلا إذا كان يريد إنشادها أبد الآبدين، لو تجد فيها لقطة ما تأخذها، اللي غيرها لك أن تأخذها لتنشدها لمدة سنة ثم تكون ملكًا لك، أما مكة فلا تأخذها إلا إن كنت تبغي تنشد عليها أبد الآبدين فخذها، ولكن من بيأخذها وهو لازم ينشد عليها أبد الآبدين، حتى لو مات يوصي من بعده أن ينشدوا عنها، وإذا ماتوا ينشدون؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]] إلا لمنشد دائمًا، والحكمة في هذا أنك إذا علمت أنك إذا أخذت هذه اللقطة يلزمك أن تنشد عنها أبد الآبدين هل تأخذها؟ ما تأخذها، أنت في عافية إذا لم تأخذها، أنت ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع، فصاحبها إذا فقدها رجع إليها فوجدها. ولها خصائص كثيرة ذكرها الذين صنفوا في هذا الباب في تاريخ مكة كالأزرقي وغيره، ولكن كل هذا مأخوذ من وصف الله تعالى لهذا المسجد بالحرام. * طالب: نقول: لو أخذ اللقطة وأعطاها للشرطة خوفًا من أن يأخذها سارق فهل يجوز؟ * الشيخ: هذه إذا كان هناك من جهة ولاة الأمور، من جهة ولاة الأمور من يتلقى هذه الأشياء فإنها تبرأ ذمته، إي نعم. قال: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ شوف الكلام ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ من أهل المسجد الحرام؟ الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون هم أهله، كما قال الله تعالى في سورة الأنفال عن المشركين: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤]، أهل المسجد الحرام هم النبي عليه الصلاة والسلام ومن اتبعه؛ ولهذا قال: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ وهي حجة ظاهرة على أن هؤلاء الذين أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه ليسوا أهلًا للمسجد الحرام. إذن هذا يشبه مانعًا من موانع الإرث مر عليكم وهو أن الكافر لا يرث المسلم، وقال الله لنوح عن ابنه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]، كذلك الذين في مكة وليسوا مسلمين ليسوا من أهل مكة، ليسوا أهلًا للمسجد الحرام، أهله المؤمنون. ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أكبر عند الله، وإن كانت في نفوس بعض الناس أهون من القتل في الشهر الحرام، لكنها عند الله أكبر، شوف الآن: صد عن سبيل الله، وكفر بالله، وصد عن المسجد الحرام، أو كفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، أربع مسائل عظيمة جدًّا، هذه أكبر عند الله منين؟ من القتل في الشهر الحرام. شيء آخر: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة يعني: الشرك، ممكن أن نقول: إنها الفتنة صد الناس، إن الفتنة صد الناس عن الدين، لكنها قد سبقت في قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إذن فالفتنة هي الشرك، يعني الفتنة -وهي الشرك- أعظم من القتل، شرك بالله أعظم من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعظم الظلم وأعظمه: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٥٦ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، هذا أعظم الذنب وأظلم الظلم. ﴿الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هل جاءت الفتنة في القرآن بمعنى الشرك؟ الجواب: نعم، مثل؟ * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج ١٠]. * الشيخ: لا، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٣] أو لا تكون فتنة هذه صد عن سبيل الله أيضًا، تحتمل، لكن قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]، قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قول الرسول ﷺ أن يقع في قلبه من الشرك من الزيغ فيهلك. نعم، الفتنة أكبر من القتل، فالشرك أعظم من قتل النفس، وأعظم من قتل النفس في الأشهر الحرم، كل شيء محترم من زمان أو مكان أو شخص، فإنما هو من تعظيم الله، الأشياء المخلوقة ليس لها حرمة في حد ذاتها، لكنها حرمة من جهة اتصالها بالله عز وجل، فالأشهر الحرم من الذي جعلها محترمة؟ الله، إذن تحريمها من تعظيم الله، فيكون الشرك بالله أعظم من القتل في الأشهر الحرم. ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ -الله أكبر- الكفار حريصون على أن يخرجونا من ديننا حتى وإن عرضوا رقابهم لسيوفنا، شوف ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ ولا يزال هذه تفيد أيش؟ الاستمرار، ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ والقتال هو: أن يلاقي كل واحد الآخر بالسيف ليقتله، يعرضون رقابهم لقصف رؤوسهم حرصًا على أن يردونا عن ديننا. ولكن شوف كلمة ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ تفيد أنهم لن يستطيعوا (إن)، ولكن ما هو حاصل، هذا لا يحصل إن شاء الله تعالى، لكن هم حريصون غاية الحرص على ردنا عن ديننا، حتى كانوا يعذبون الذين يسلمون في عهد من..، صغارهم يعذبونهم في حر الرمضاء في الشمس يلقون عليهم الصخرات الحارة لعلهم يرجعون عن دينهم، ولكن لا يرجعون هم ثابتون صامدون، هؤلاء المشركون لا يزالون يقاتلوننا حتى يردونا عن ديننا، وهل هذا أيضًا صفة لليهود والنصارى بالنسبة لنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] هذا في أهل الكتاب، في المنافقين؟ نعم كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩]، يعني إذن جميع أصناف الكفرة من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين كلهم يودون أن المسلمين يرتدون على أدبارهم ويكفرون بالله عز وجل، كل إنسان يود شيئًا، فإنه بمقتضى الطبيعة البشرية يحاول أيش؟ أن يتحقق ذلك الشيء بكل وسيلة؛ إما بالسلاح كما في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾، وإما بالإغراء والخداع كما في حال المنافقين وغيرهم، وهم قد لا يبوحون بما في نفوسهم، لكنهم شياطين الإنس يأتون إلى المسلمين بأمور يتفتت بها دينهم حتى يكون كنافقاء اليربوع لو سقط عليه بيضة لخرقته ولم تنكسر البيضة، هم قد لا يقول لك: تعال اكفر، لكن يدخلون عليك أشياء أشياء من المعاصي، المعاصي تفتت الإيمان، تفتته، تنقضه شيئًا فشيئًا حتى يزول بالكلية؛ ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، وأيش معنى بريده؟ التي ترسل إليه، ينزل الإنسان إليها دركًا دركًا حتى يهوي في النار -والعياذ بالله- فالمعاصي لا تظنوا المسألة هينة بنسبة المعاصي، المعاصي تؤثر على القلب، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤] ران على القلب ما كان يعمل أعماله السيئة حتى صار عن أعظم الكلام وأفضل الذكر يقول عنه: إنه أساطير الأولين، يقول ذلك إما للحيلولة بينه وبين الوصول إلى عظمة هذا القرآن، وإما لجحود عظمة هذا القرآن. وعلى كل حال فأهل الكفر من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين كلهم يودون منا أن نرتد عن ديننا، يودون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما في قيام الدين الإسلامي من القضاء عليهم، الدين الإسلامي لو قام حقًّا ما بقي على وجه الأرض أحد من الكفار؛ ولهذا هرقل لما أخبره أبو سفيان بما كان للرسول عليه الصلاة والسلام من الصفات والأخلاق والدين الذي يدعو إليه وأيش قال؟ قال: «لئن كان ما تقول حقًّا، فسيملك ما تحت قدمي هاتين»[[أخرجه البخاري (٧) من حديث أبي سفيان بن حرب.]]، في ذلك الوقت هو ملك، ملك من؟ الروم، الروم والفرس في ذلك الوقت مثل روسيا وأمريكا في وقتنا هذا، أعظم دولتين، هذا الملك يقول ذلك وهو على مملكته وفي عاصمته، ويقول ذلك وهو يؤمن بأن ملكه سيزول بدين محمد ﷺ، فرؤساء الكفر اليوم كرؤساء الكفر بالأمس يعرفون أن الدين الإسلامي لو قام ما أبقى لهم باقية؛ ولذلك يحاولون بكل طريق وبكل وسيلة أن يقضوا على الدين الإسلامي، وذلك لصد أهله عنه بشتى الوسائل، والحقيقة أننا انخدعنا بهم، انخدع المسلمون ولا حاجة إلى ذكر الأشياء التي انخدع بها المسلمون من أجلهم حتى ضاعوا، ولكن الأمل بالله عز وجل أن الله سيعيد لهذا الدين مجده على أيدي الشباب الصالحين مع العلم وغزارة العلم؛ لأن الداعية مهما كان قويًّا في الدعوية إذا لم يكن له علم فإنه يفشل، إذا لم يكن هناك علم يعتمد عليه الإنسان فشل، وكيف يدعو إلى الله عز وجل بدون علم، إذا دعا إلى الله بدون علم أدنى واحد من الناس يقف أمامه يوقفه يورد عليه الشبهة فيقف، وإذا وقف الداعية فالنكبة عظيمة، انهزام، انهزام شديد؛ ولهذا لا أرى أن الإنسان يدعو إلا بما كان يعلم، بما كان يعلم خاصة، وإلا فإن العاقبة تكون وخيمة. قال الله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ شوف الجملة الشرطية هذه تقيد ما سبق، يعني أنهم لن يستطيعوا ذلك، لكن هم لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾ هذه البنية لهذه الكلمة تشكل إذا قارنتها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة ٥٤] كيف قال: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ وهنا قال: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾؟ نقول: لا إشكال فيها، ليس فيه إشكال؛ لأن الإدغام في قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ إدغام جائز لا واجب، الإدغام جائز ليس بواجب، وعلى هذا فيجوز إذا جزمت (يرتد) يجوز أن تقول: يرتد، وأن تقول يرتدد، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في الألفية في باب الإدغام حكم ذلك. وقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ شوف ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ ما هو الدين؟ الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل الذي أراد صاحبه عليه المكافئة، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. فمن الأول الذي يراد به العمل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] المراد بالدين ما هو؟ العمل، كذا؟ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] فالمراد بالدين: الجزاء على العمل. وهنا ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ من أي المعنيين؟ العمل، وتأمل قوله: ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ حيث أضافه إلى الدائن؛ لأن إضافته إليه توجب إغراءه به، يعني: هذا دينك، هل الإنسان يفرط في دينه؟ لا، كما لو قلت: هذا مالُك، هذا ولدك، هذه سيارتك، إضافتها إلى نفسك توجب الإغراء بها، وشدة المحافظة عليها لأنه؟ دينُك، منسوب لك، فهو أبلغ مما لو قال: ومن يرتدد منكم عن الدين، لكنه قال: ﴿دِينِهِ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، كما في قوله أيضًا في الأول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ يعني: فاحتفظوا به؛ لأنه لكم ومنسوب إليكم. ولهذا من تبرأ من هذا الدين وشتمه -والعياذ بالله- ولعنه فليس من أهله، فسب الدين كفر، سب دين الإسلام كفر بدين الإسلام؛ لأن الإنسان الذي يعتنق دين الإسلام ويعتقده دينًا ما يمكن يسبه أبدًا، هو دينه رأس ماله. وقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ هنا الفاء عاطفة و(يمت) معطوفة على ﴿يَرْتَدِدْ﴾ نعم ﴿يَرْتَدِدْ﴾، وفي غير القرآن كم يجوز فيها من وجه؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: أو ثلاثة، ثلاثة أوجه. أما في القرآن فيقتصر على القراءة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ جملة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ حال، فالرجوع عن الإسلام كفر؛ لأنه ليس هناك واسطة بين الإسلام والكفر، خلافًا للمعتزلة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ هذا القيد يقيد به كل نص دل على أن المرتد كافر، دل على أن الردة تحبط الأعمال، كل نص يدل على أن الردة تحبط الأعمال يقيد بهذه الآية، ما هو القيد؟ أنه إذا مات على الردة، فلو فرض أن أحدًا ارتد عن الإسلام مثلًا صار لا يصلي وعزم على أن لا يصلي، وكان بالأول يصلي، إن مات على عدم الصلاة حبط عمله السابق، وإن هداه الله وصلى فإن عمله السابق لا يحبط، يبقى كما هو، حتى لو كان قد أدى الحج قبل ردته، فإنه إذا عاد إلى الإسلام لا يلزمه إعادة الحج، حتى قال العلماء: إن الرجل لو كان صحابيًّا ثم ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام هل تبطل صحبته؟ لا، ما تبطل، لا تبطل على الصحيح كما مر علينا في النخبة. والحاصل أن هذا القيد يعتبر قيدًا في جميع النصوص المطلقة الدالة على أن الردة تحبط الأعمال. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ -والعياذ بالله- تحبط في الدنيا، فلا ينتفعون بها ولا يجزون عليها؛ لأن الأعمال لها جزاء في الدنيا ولها جزاء في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاء الدنيا، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاء الآخرة، هؤلاء الذين ارتدوا تحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة ومع ذلك في الآخرة لا يسلمون من العقاب. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يعني: الملازمون لها؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، فهم أصحابها الملازمون لها الخالدون فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أبد الآبدين؟ نعم، أبد الآبدين، لا تفنى ولا يفنون، بل يعذبون فيها دائمًا وأبدًا؛ لأنهم كما أفنوا حياتهم الدنيا بالكفر والشرك، حياتهم الآخرة تكون كلها عقابًا وعذابًا والعياذ بالله، بل يقال لهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ ٣٠]، وما العذاب يخفف عنهم حتى إنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، ولكن لا يمكن هذا، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار. قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ انتبه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] أي: بمصدق، يقولونه إخوة يوسف لأبيهم. وأما في الشرع: فإن الإيمان هو التصديق المستلزم للقبول والانقياد، هذا الإيمان، ليس مجرد التصديق؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ وليس بمؤمن لماذا؟ لأنه لم يقبل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يذعن له وينقاد له، وعلى هذا فليس بمؤمن. وفـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والانقياد. وقوله: ﴿هَاجَرُوا﴾ الهجر في الأصل: الترك في اللغة، الهجر في اللغة الترك، ومنه: هجرت فلانًا، إذا لم تكلمه، وله معنيان: عام، وخاص، أما العام فهو: هجر ما حرم الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٦٩١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] هذا بمعنى العام، والمعنى الخاص: أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله بأن يكون هذا البلد أو هذا الوطن لا يقيم الإنسان فيه دينه، فيهاجر من أجل إقامة دين الله، حماية لدينه هو بنفسه ونصرة لدين الله عز وجل، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿هَاجَرُوا﴾ المراد بالمهاجرة هنا ما يعم المعنيين: العام والخاص. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ شوف تأمل أعيد الموصول بعد قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾، ولكنه في الجهاد ما أعيد ما قال: والذين جاهدوا؛ وذلك لأن الهجرة والجهاد عملان مبنيان على الإيمان، وأما الإيمان فإنه هو أصل الأصول؛، ولهذا جعله منفردًا وحده ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وأما الهجرة والجهاد فهما عملان متفرعان عنه. وقوله: ﴿جَاهَدُوا﴾ الجهاد هو: بذل الجهد لأمر مطلوب، والجُهد معناه الطاقة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة ٧٩] أي: إلا طاقتهم، وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء، هذا الغالب، وإلا كل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا جهاد النفس يسمى جهادًا، جهاد النفس جهاد بلا شك، ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رجع من تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»[[أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٣٧٣) من حديث جابر بن عبد الله وضعَّف الحديث، وفيه ليث بن أبي سليم ذكره العقيلي في الضعفاء (٤ / ١٦) ط دار الكتب العلمية فقال: حدثنا عبد الله قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا في أحد منه في ليث... وذكر آخرين.]] يعني: جهاد النفس، هذا ما له أصل، ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة. أما الجهاد بالمعنى الخاص فهو بذل الجهد في قتال من؟ في قتال الكفار وهو بحسب ما يحمل عليه؛ إن كان الحامل على ذلك العصبية والحمية والشجاعة والرياء، فإنه ليس في سبيل الله، وإن كان الحامل عليه أن تكون الكلمة العليا، فهو في سبيل الله، قال ذلك النبي ﷺ حين «سئل عن الرجل: يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. إذن بهذا يتحدد معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ مفعولها محذوف للعلم به، أي: جاهدوا من؟ الكفار أو أعداء الله، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لتكون كلمة الله هي العليا. واعلم أنه يقال: في كذا، ولكذا، وبكذا، يقول مثلًا: جاهدت لله، وجاهدت بالله، وجاهدت في الله، فجاهدت لله، اللام: لبيان القصد فتدل على أيش؟ على الإخلاص، والباء: الباء للاستعانة فتدل على أنك فعلت ذلك مستعينًا بالله، وفي: للظرفية فتدل على أن ذلك الجهاد في ضمن شرع الله لما يتعدى فيه الحدود، كما تقول: صليت لله، وأيش بعد؟ وبالله، وفي الله، أي: في دينه ما خرجت. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تقدم لنا قبل زمن غير بعيد أن السبيل بمعنى الطريق، وأنه يضاف إلى الله تارة، ويضاف إلى الخلق تارة، فمثال الإضافة إلى الله كثير كما في هذه الآية: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومثال إضافته إلى الخلق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف لـ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. أما إذا قلتم: ابن السبيل، فالسبيل مضاف إليه وليس مضافًا. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ شوف سبيل المؤمنين ومرة يضيف إليه، أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم سالكوه، وأما إضافته إلى الله فلأن الله تعالى هو الذي شرعه ولأنه يوصل إلى الله، فهو مضاف إلى الله من وجهين. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ كلمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ تحتاج إلى خبر؛ لأن (الذين) اسمها فأين الخبر؟ ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هذا الخبر الجملة؛ لأن (أولاء) مبتدأ، و﴿يَرْجُونَ﴾ جملة خبر المبتدأ الثاني، والجملة؟ خبر (إن)، فعندنا جملتان: كبرى، وصغرى، والصغرى فيها جملتان: كبرى، وصغرى، ولَّا لا؟ الجملة الكبرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وخبرها -هذه الجملة الكبرى- الجملة الصغرى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هذه صغرى باعتبار الأولى، ﴿يَرْجُونَ﴾ صغرى باعتبار المبتدأ الثاني. ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ إذا قال قائل: كيف هذا التركيب؟ لماذا لم يقل: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله؟ قلنا: لأن الإشارة بمبتدأ جديد تدل على رفعة مقامهم لا سيما وأنه أتى باسم الإشارة الدالة على البعد ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، ثم إن تكرار المبتدأ يجعل الجملة كأنها جملتان، كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله أولئك يرجون رحمة الله، فيكون في ذلك تنويها بذكرهم من وجهين: أولًا: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو. والثاني: أن تكرار المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين، يجعلها كالجملتين، فيكون بذلك توكيد على توكيد. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ المراد بالرجاء هنا: الطمع، ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ الرجاء بمعنى الطلب في حصول ما هو قريب، هذا الرجاء، والتمني؟ الطمع فيما هو بعيد أو متعذر، ومعلوم أن الرجاء: الطمع فيما هو قريب، لا يكون قريبًا إلا بفعل ما يكون قريبًا به، وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم، ما هو الذي فعلوه؟ الإيمان، والهجرة، والجهاد، فإذا لم يرجوا هؤلاء رحمة الله من الذي يرجوها؟ إيمان، وهجرة، وجهاد؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ﴾ هؤلاء هم أهل الرجاء، لكن رجل مقصر لا هجرة ولا جهاد ولا عمل إلا القليل رجاؤه أيش؟ رجاؤه يقولون: التمني رأس مال المفاليس، المفاليس يعني: ما عندهم شيء، يتمنى ولكن ما عنده شيء، فهؤلاء هم أهل الرجاء، أما الذي يرجو يفعل المعاصي، وتنهاه، وترشده ويقول: رحمة الله واسعة، هذا محل الرجاء؟ لا، الرجاء لا بد من أسبابه، حسن الظن بالله لا بد أيضًا من أسبابه. إذن: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ بما عملوا، لكن مع ذلك.. ما قال الله: أولئك لهم رحمة الله كما في آية أخرى، إنما قال: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ لأنهم لا يغترّون بأعمالهم، ولا يدلون بها على الله، وإنما يفعلونها وهم راجون، لا أنهم معتمدون عليها متيقنون لثوابها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هل المراد هنا بالرحمة الرحمة التي هي صفته؟ أو المراد بالرحمة ما كان من آثار رحمة الله وهو الثواب؟ * طلبة: يحتمل المعنيين. * الشيخ: يحتمل المعنيين، يحتمل: أولئك يرجون أن يرحمهم الله، وعلى هذا فيكون ﴿يَرْجُونَ﴾ أيش؟ الصفة ولَّا الثواب؟ الصفة، يرجون أن يرحمهم، أما احتمال أن تكون رحمة الله؛ أي: ما كان من آثار رحمته، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال في الجنة، بل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فجعل المفعول المخلوق جعله رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أَرْحَمُ بِكِ» جعلها كالآلة، أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين، وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبدًا يدخله في أي مكان؟ في جنته التي رحمته. قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شوف مع ذلك، الله غفور، تقول: قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله (الغفور) هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟ الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، ولهذا نحن إذا سلّمنا من الصلاة ونحن نناجي الله في صلاتنا ماذا نقول أول ما نسلم؟ أستغفر الله، الإنسان ما يخلو، وقال تعالى: لما ذكر الدفع من عرفة قال: ﴿اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. الشاهد أنه هنا ذكر اسم الغفور؛ لأن هذه الأعمال الجليلة وإن قام بها الإنسان قد يحصل منه تقصير؛ فلهذا قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾، أما ﴿رَحِيمٌ﴾ فواضح مناسبتها؛ لأن كل هذه الأعمال اللي عملوا من آثار رحمته، فلله سبحانه وتعالى على العامل عملًا صالحًا لله عليه ثلاث نِعم عظيمة: النعمة الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح ولَّا لا؟ بأي وسيلة بينها؟ بما أنزله من الوحي على رسله، ما ظنك لو أن الناس بقوا عميًا ما يعرفون؟ فهذه نعمة من الله عز وجل أن الله تعالى أرسل إليك الرسل، بل هي أعظم النعم يبيّنون لك. ثانيًا: نعمة ثانية عظيمة أن هداك لها؛ لأن الله تعالى أضل أممًا عن الإسلام، أضل أناسًا أقوى منك زكاء، وأمضى منك عزيمة، أضلّهم عن الإسلام، وأنت هداك الله عز وجل، هذه نعمة عظيمة. ثالثًا: أن الله رتّب على ما أنعم به عليك من الهداية، رتّب لك الثواب الجزيل، ولهذا كل هذا من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى، ومع هذا فالله عز وجل الذي أنعم علينا بهذه النعم يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] سبحان الله! أنت المحسن علينا أولًا وآخرًا، ثم تقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن أحسن إليكم؟! هل جزاء الإحسان (العمل) إلا الإحسان (الثواب)؟ وهذا مما يدل على كمال رحمة الله عز وجل بالخلق أنه ينعم، ثم يشكر المنعَم عليه. ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢] سبحان الله، ما أعظم الله عز وجل! يُنعم ويثيب، ينعم بالهداية، بل ينعم بالبيان، ثم بالهداية، ثم بالثواب. ثم يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، الله أكبر! كل هذه من مقتضيات رحمته جل وعلا؛ الإيمان والهجرة والجهاد، كلها من مقتضى رحمته، لولا رحمة الله ما حصل هذا لمن آمن وهاجر وجاهد. (...) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ جملة مستقلة ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جملة مستقلة مبتدأ وخبر. * طالب: يعني ما بينهما ارتباط؟ * الشيخ: لا، يعني الارتباط أن هذه مبنية على هذه فقط. * طالب: يعني ما فيه علاقة؟ * الشيخ: لا، عربيةً لا. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو مرجع الصحابة في العلم لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾. * ومن فوائدها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم كل الأحكام، بل لا يعلم إلا ما علمه الله، ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: اهتمام الصحابة رضي الله عنهم لما يقع منهم من المخالفة، وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ لأنهم سألوا الرسول لما قاتلوا وصار الكفار يعيبونهم، صاروا يسألون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب لقوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وهذه الآية الكريمة اختلف فيها أهل العلم هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها منسوخة، وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرمًا ثم نسخ، ولكن القول الثاني أن الآية محكمة، وأن القتال في الأشهر الحرم ليس جائزًا، بل إنه محرم، دليل القائلين بأنه منسوخ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣] وما أشبه ذلك من العمومات الدالة على وجوب قتال الكفار، ومن أدلتهم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قاتل ثقيفًا متى؟ في ذي القعدة في شهر المحرم. ومنها: أن غزوة تبوك متى كانت؟ في محرم ولَّا في رجب؟ في رجب وهو شهر حرام، ولكن الذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ، وأن الآية محكمة، ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص ولَّا لا؟ ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٥] ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة ٧٣] عام يخصص بقوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢١٧]، وأما قتال الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه أجيب عنه بأن هذا ليس قتال ابتداء، وإنما هو قتال مدافعة، وقتال المدافعة لا بأس به حتى في هذه الأشهر الحرم، إذا قاتلونا نقاتلهم، فإن ثقيفًا كانوا تجمّعوا للرسول عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام ليغزوهم، وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمّعوا له فخرج إليهم ليدافعهم، فالصواب في هذه المسألة أن الآية محكمة، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال، لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام. * ويستفاد من الآية الكريمة : ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أن الأشهر قسمان: أشهر حرم، وأشهر غير حرم. يتفرع على هذه الفائدة: أن الله عز وجل يختص من خلقه ما شاء، فهناك أماكن محترمة وأماكن غير محترمة، وأزمنة محترمة وأزمنة غير محترمة، ولَّا لا؟ وهنالك رسل وهناك مرسَل إليه، وهناك صِديقون، وهناك من دونهم، والله عز وجل كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة والأمكنة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر، وهل الكبائر على مستوى واحد والصغائر على مستوى واحد؟ لا، درجات، ولهذا سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أكبر الكبائر؛ أكبر الكبائر، دل هذا على أن الكبائر فيها أكبر وفيها أصغر من الأكبر وإلا كلها كبائر؛ فالإشراك بالله أكبر الكبائر، وهو شرك مخرج عن الملة، عقوق الوالدين من أكبر الكبائر لكن ما يخرج من الملة، شهادة الزور من أكبر الكبائر لكن لا تخرج عن الملة، قتل النفس كذلك، إذن الكبائر درجات، والصغائر كذلك، لكن ما هو حد الكبائر؟ حد الكبائر: اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة، وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام إن هذا من الكبائر، وعدَّها سردًا، ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة، وأيش معنى محدودة؟ يعني أن لها حدًّا، ما هي معيّنة هذه وهذه وهذه، لا، محدودة، حِدة، ويدخل في هذا الحد شيء كثير، ثم اختلفوا في الحد بماذا نحد الكبائر؟ قال بعضهم: كل ذنب لُعن فاعله هو كبيرة. وقال بعضهم: كل ذنب فيه حد في الدنيا فهو كبيرة. وقال بعضهم: كل ما فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رُتّب عليه عقوبة خاصة. الذنوب إذا قيل: لا تفعل كذا، أو حُرّم عليك كذا، أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة لهذا الذنب فهو صغيرة، أما إذا رُتّب عليه عقوبة، أي عقوبة كانت فإنه يكون من الكبائر، فالغش مثلًا كبيرة ولَّا لا؟ * طلبة: كبيرة. * الشيخ: لأنه رُتب عليه عقوبة خاصة وهي البراءة منه: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] كذا؟ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥ / ٧١)، واللفظ للبخاري من حديث أنس رضي الله عنه.]]. كون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨ / ٧٧)، واللفظ للبخاري من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وكونه يعتدي على جاره أيضًا أكبر، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]. هذا الحد في الحقيقة حد معقول؛ لأنك لا تستطيع أن تفرق بين ما رُتّب عليه حد في الدنيا كالزنا والسرقة، وما رُتّب عليه وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان أو غضب، أو لعنة أو ما أشبه ذلك، ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء، بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رُتّب عليه من العقوبة، فالذين يحاربون الله ورسوله ليسوا كالذين يسرقون فقط، ولهذا جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٣] وهذا الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله في حد الكبيرة هو أقرب ما يكون، وأطرد ما يكون؛ يعني مطرد. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. * طالب: عند الله. * الشيخ: إي نعم، أخيرًا: الفتنة أكبر من القتل. يتفرع على هذه الفائدة: أن من أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق، تجي لشخص تجده مثلًا متعبدًا طالب علم، تقول له: وأيش تبغي بهذا، وأيش تبغي مثلًا بالمطالعة، وأيش تبغي بطلب العلم؟! راحوا الناس الآن تقدموا، يقول: وصلنا القمر، وصلنا الفضاء، وما أشبه ذلك، هذا الذي يفعل مثل هذا يكون صادًّا عن سبيل الله؟ نعم، يكون صادًّا عن سبيل الله، فكل من ثبط عن الخير فإنه صادّ عن سبيل الله، ولكن هذا الصد يختلف اختلاف ما صد عنه، من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء مثل ما فعل مشركو قريش، ومن صد عن شيء أقل كمن صد عن تطوع مثلًا فإنه أخف، لكن لا شك أن هذا جرم، النهي عن المعروف جرم بلا شك، وصد عن سبيل الله. * ومن فوائد الآية: أن الكفر بالله أعظم من القتل في الشهر الحرام أو لا؟ لقوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى آخره. * ويستفاد من الآية: عِظم الصد عن المسجد الحرام، فهل يستفاد منه أنه لا يجوز أن يمنع الناس من الحج ولَّا لا؟ * يستفاد منه: أنه لا يجوز منع الناس من الحج، لكن لو قال ولي الأمر: أنا لا أمنعهم، لكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضًا لو اجتمعوا جميعًا، فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من لا يصلح للجهاد من الجهاد، أو نقول: إن في هذا نظرًا؟ * طلبة: الأول. * طالب: مثل قولنا يا شيخ (...) قولنا تنظيمًا يجوز. * الشيخ: على كل حال المسألة هذه؛ يعني تحتاج إلى نظر بعيد، وهل إن مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص أو لا؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نستفيد فوائد: فمن فوائدها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن العلم؛ حيث سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكم من سؤال وقع على الصحابة رضي الله عنهم بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من اثنتي عشرة مرة. * ويستفاد منها: أنه من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه، منين يؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ فإنهم ما سألوا عن الذي ينفق عليه إنما سألوا: ماذا ينفقون فأجيبوا بما ينفق عليه. وهل أجيبوا عن السؤال؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: أين؟ * طالب: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾. * الشيخ: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نعم. * ويستفاد من الآية الكريمة: فضل الإنفاق على الوالدين والأقربين، وأنه مقدم على الفقراء والمساكين، وجه ذلك؟ أن الله بدأ به ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ولا يُبدأ إلا بالأهم فالأهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لليتامى حقًّا في الإنفاق وإن كانوا أغنياء، وجهه: أنه خصهم، ثم أتى بعدهم بقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، فإن كانوا يتامى ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة، وإذا كانوا أقارب؛ أقارب ويتامى ومساكين؟ ثلاث استحقاقات، وإذا كانوا أبناء سبيل أيضًا؟ أربعة؟ يمكن اليتيم يصير ابن سبيل؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: يمكن يسافر به. * ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. * ويستفاد منها أيضًا: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقًا ماليًّا، أو عملًا بدنيًّا، أو تعليم علم، أو جهادًا في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله تعالى يعلمه، وسيجازي عليه لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإن ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نكرة في سياق الشرط ما تفعلوا فتكون للعموم، متى تكون النكرة للعموم؟ إذا كانت في سياق النفي، وأيش بعد؟ أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم ٩٨] في هذه الأربعة تكون للعموم، أما في مقام الإثبات، كما لو قلت: اضرب رجلًا، فهي للإطلاق وليست للعموم. ما الفرق بين الإطلاق وبين العموم؟ الفرق: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي، كلام باللغة غير العربية، واضح؟ * طالب: بالعربية. * الشيخ: بالعربية لكن غير مفهوم؛ أقول: الفرق بين الإطلاق والعموم: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي واضح؟ التفصيل؛ عمومه بدلي بمعنى: أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل؛ يعني: واحد منها يكفي عن الجميع، هذا المعنى، عمومه بدلي أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل أي: أن واحدًا منها يكفي عن الجميع، وأما العام فعمومه شمولي بمعنى أنه يتناول جميع الأفراد على سبيل التعيين ما هو على سبيل البدل، فإذا قلت مثلًا: أكرم الطلبة. * طالب: الكل. * الشيخ: يشمل الجميع، لازم كلهم تكرمهم، إذا قلت: أكرم طالبًا، يكفي واحد، لكن ما هو على سبيل التعيين، على سبيل البدل ولَّا لا؟ إذا أكرمت أول واحد أو آخر واحد أو من بينهما كفى. فهمتم؟ النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، فإذا قلت: أعتق رقبة، أيّ رقبة تعتقها كفى، وإذا قلت: لا تعتق رقبة، فإنك لا تعتق أي رقبة من الرقاب. تمام؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يحقر من المعروف شيئًا لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا تحقرن شيئًا من المعروف، لا تقل: والله هذا شوي، هذا قليل، هذا بسيط «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]]. ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: فرضية الجهاد لقوله: ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى (فُرض). * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره الشيء المكتوب عليه، لا كراهة من حيث أمر الشارع به، ولكن من حيث طبيعته لقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ لكن من حيث أمر الشارع به وأيش الواجب؟ الواجب الرضا وانشراح الصدر به. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن البشر لا يعلمون الغيب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. * ويستفاد من الآية: أن الله عز وجل قد يحكم حكمًا شرعيًّا أو كونيًّا على العبد بما يكره وهو خير له، قد يصاب الإنسان بمصيبة وتكون خيرًا له، افرض مثلًا أنك مسافر وحصل على السيارة عطل، تكره هذا ولَّا تحبه؟ تكرهه، لكن تبين لك أن أمامك بنحو أميال قُطّاع الطريق لصار هذا التعطل صار خيرًا لك ما تدري، فقد يقدّر الله الشيء على الإنسان وهو يكرهه ويكون خيرًا له، ولهذا لا ينبغي أن تكرهه. * ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ لكن من أين نأخذ العموم؟ * طالب: من (لا) النافية يا شيخ. * الشيخ: لا، كيف نأخذ العموم؟ * طالب: من الفعل المضارع. * الشيخ: الفعل المضارع ما يدل على العموم، حذف المعمول يفيد العموم، هذه القاعدة مرت علينا من قبل، حذف المعمول يفيد العموم أو لا؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٦ - ٨] كلها محذوفة المفاعيل، (آواك)، وآوى بك أيضًا. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ هداك أنت ولَّا هدى بك أيضًا؟ هداك وهدى بك. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ لو قال: فأعناك ما استفدنا أن غيره أغناه الله به أيضًا، بل أغناه وأغنى به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]. إذن نأخذ العموم من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وأيش طريق العلم به؟ حذف المفعول إي نعم، فإن حذف المفعول يدل على العموم. * ويستفاد من الآية الكريمة: ضعف الإنسان لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان عدم العلم، ولهذا قال الله تعالى لرسوله ممتنًّا عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣] فالأصل في الإنسان أنه لا يعلم ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨]. ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى آخره، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ نأخذ منها ما سبق من حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال والعلم، ولهذا يقال: إن مفتاح العلم السؤال. * ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ يعني من كبائر الذنوب، والأشهر الحرم أربعة، وأظنها معروفة لكم. * ويستفاد من الآية الكريمة: تقديم ما يفيد العِلّية لقوله: ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ والمسؤول عنه هو القتال في الشهر الحرام، لكنه قدم الشهر؛ لأنه العلة في تحريم القتال، يعني: ما شأن القتال فيه؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم من أحكام الله إلا ما علمه الله. * طالب: يسألون. * الشيخ: لا، الجواب، من جواب الله له: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ كذا؟ ينبني على هذه المسألة: هل للرسول عليه الصلاة والسلام أن يجتهد أم لا؟ الجواب: نعم، له أن يجتهد، ثم إذا اجتهد فأقره الله، صار اجتهاده بمنزلة الوحي، كما أن الرسول لو أقر أحدًا من الصحابة على شيء صار فعل هذا الصحابي بمنزلة السنة، عرفتم؟ فإن لم يقره الله عليه تبين أن الاجتهاد ليس بصواب، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣]. * طالب: فضيلة الشيخ، ما يجمع بينها وبين قول الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم ٣]؟ * الشيخ: إيه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالقرآن ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ يعني: أن القرآن وحي من الله. * طالب: شيخ، فعل النصراني (...) النبي ﷺ أقره على ذلك (...) القاعدة؟ * الشيخ: لا، إحنا ذكرنا أنه لا يلزم من إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام على الشيء أن يكون سنة مشروعة، لكن أن يكون جائزًا، الرسول أقره بمعنى أنه ليس بمحرم، لكنه ليس بسنة، ولهذا لم يكن الرسول يفعله عليه الصلاة والسلام، وذكرنا لذلك بعض النظائر أيضًا، تحفظون منها شيئًا؟ * طالب: مثل الصدقة على الميت (...). * الشيخ: فهذا جائز وليس بمشروع، لا يشرع لكل إنسان مات له ميت أن يتصدق عنه. * ويستفاد من الآية الكريمة: تفاوت الذنوب؛ أن الذنوب تتفاوت، منين؟ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هذه أولًا تفيد أن الذنوب تتفاوت، وبتفاوت الذنوب يلزم من ذلك تفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، فيكون في ذلك ردّ على من أنكروا زيادة الإيمان ونقصان الإيمان، وللعلماء في ذلك ثلاثة آراء: منهم من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد وينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص، الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص هم طائفتان: المرجئة، والمعتزلة والخوارج؛ المرجئة لماذا قالوا: لا يزيد ولا ينقص؟ قالوا: لأن الإيمان هو التصديق بالقلب، والتصديق بالقلب لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال عندهم لا تدخل في مسمى الإيمان، والمعتزلة والخوارج قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح، وأنه إذا فُقد في واحدة من هذه الثلاثة فُقد منها الجميع، فعلى هذا لا يزيد ولا ينقص، إما أن يبقى كله، وإما أن يعدم كله، واضح؟ وقال بعض أهل العلم: إن الإيمان يزيد ولا ينقص؛ لأن الله تعالى صرح في القرآن بأنه يزيد ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] ولكن لم يأتِ في القرآن أن الإيمان ينقص، عرفتم؟ والصحيح أنه يزيد وينقص، وأنه يزيد وينقص باعتبار اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، حتى باعتبار اعتقاد القلب يزيد وينقص، أليس إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] يزيد ولَّا لا؟ يزيد، وأنت الآن عندما يخبرك رجل ثقة بأن فلانًا قدم إلى البلد تُصَدِّق، فإذا جاءك آخر ازداد تصديقك ولَّا لا؟ ازداد، فإذا جاء ثالث ازداد، فإذا جاء رابع ازداد، إذا وصل إلى حد التواتر أثبت العلم. فإذن التصديق بالقلب يزيد، حتى نفس الشخص يجد في بعض الأحيان في بعض الساعات يجد في قلبه إيمانًا راسخًا كأنما يشاهد العرش، وكأنما يرى الله عز وجل، كما قال الرسول: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وأحيانًا يغفل ويهبط هبوطًا كاملًا، أو كثيرًا إيمانه، أما زيادة الإيمان باعتبار أقوال اللسان فحدّث ولا حرج، فالذي يسبح الله مئة مرة ليس كالذي يسبحه عشر مرات، أيهما أزيد؟ مئة مرة، وكما أنه يختلف بالكمية يختلف أيضًا بالكيفية، فالعبادة المبنية على الإخلاص، وتمام الاتباع ليست كالعبادة الناقصة في الإخلاص وتمام الاتباع، وكذلك في الجوارح، عمل الجوارح يختلف، فالذي يصلي أربع ركعات ليس كالذي يصلي ثماني ركعات، واضح؟ إذن يزيد ولَّا لا؟ يزيد بالاعتقاد، والقول، والعمل الفعل، والذين قالوا: يزيد ولا ينقص نقول لهم: سبحان الله! نرد عليهم من وجهين: أولًا: أن الرسول أثبت النقص فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠ / ١٣٢) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. ثانيًا نقول: إذا ثبتت الزيادة ثبت النقص بالضرورة، وأيش معنى هذا زائد على هذا إلا أن الثاني ناقص عنه؟ فهما متلازمان متى ثبتت الزيادة ثبت النقص، ومتى ثبت النقص انتفت الزيادة. واضح؟ فالصواب إذن أنه يزيد وينقص باعتبار إقرار القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح، وهذا أمر مسلّم، وهو معلوم بالضرورة من تفاوت الكبائر أو تفاوت الذنوب، ومن تفاوت الأعمال الصالحة أيضًا فإن تفاوت العمل يستلزم تفاوت العامل. * طالب: شيخ، يصح أن نقول: إن العلماء من الخوارج والمعتزلة نقول: علماء؟ * الشيخ: إيه علماء إيه. * الطالب: ضلّال هم يا شيخ. * الشيخ: علماء، لكنهم ما نقول عنهم: ضلال ولَّا ما هم ضلال، هذا شيء ثانٍ، لكن نقول: علماء، هم علماء الملة، شيخ الإسلام رحمه الله يقول في الفتوى الحموية : انقسم أهل القبلة في مسائل الصفات إلى ست فرق. وعد منهم الجهمية والمعطلة؛ لأنهم منتسبون للإسلام ويعدون من الفرق الإسلامية لكنها مخالفة. * طالب: يكفرون؟ * الشيخ: لا شك أن بعض البدع كفر، لكن الشخص بعينه لا، يحتاج إلى أن تقوم عليه حجة. * طالب: شيخ، في من يقول في (...): إيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص، إيمان الأنبياء يزيد ولا ينقص، وإيمان عوام الناس يزيد وينقص؟ * الشيخ: هذا غلط، نحن نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص بقطع النظر عن المتصف به، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يفعلون بعض الأشياء التي يظلمون فيها أنفسهم: هذا آدم كما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] وهذا موسى قتل نفسًا بغير حق وأشياء كثيرة، ولكنهم يرجعون إلى الله عز وجل ويتوبون ويكونون بعد التوبة خيرًا منهم قبلها. * طالب: إذن قوله يعني خطأ؟ * الشيخ: إي نعم، خطأ. * طالب: فالملائكة يا شيخنا، يفعلون الخير المحض؟ * الشيخ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، إي نعم، ما نستطيع نقول شيئًا، ما نقول شيئًا. * الطالب: نتوقف عنه؟ * الشيخ: نتوقف عنه، ما نقول، نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص، أما باعتبار المؤمن نفسه فقد يكون بعض الناس يمن الله عليه ويزداد دائمًا في إيمانه وعمله الصالح، وقد يكون بعض الناس بالعكس دائمًا في نقص. * طالب: إذن الأقوال ثلاثة؟ يزيد وينقص؟ * الشيخ: على أقوال ثلاثة: يزيد وينقص، لا يزيد ولا ينقص، يزيد ولا ينقص. * طالب: (...). * الشيخ: هو أبو حنيفة رحمه الله من المرجئة، لكنه يدخل القول في مسمى الإيمان، يدخله. * من فوائد الآية الكريمة: عظمة الصدّ عن سبيل الله لقوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخره. والصد عن سبيل الله له طرق متعددة كثيرة غير محصورة، قد يكون بمنع الناس من فعل العبادات، وقد يكون بإشغالهم وإلهائهم عن فعل العبادات، وقد يكون في تحقير العبادات في أنفسهم، وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم ويدَعوه، المهم أن طرق الصدّ سبيل الله عن دينه لا حصر له كثيرة جدًّا. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الكفر بالله أعظم من القتال في الشهر الحرام أو لا؟ ويستفاد من هذا: أن الصد عن المسجد الحرام أعظم من القتال في الشهر الحرام لقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن إخراج أهل مكة منها أعظم من القتال في الشهر الحرام. * ويستفاد من الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين؛ حيث قاتلوا في الشهر الحرام، تسلية، من أين تؤخذ؟ (...) من يتصف بها؟ المشركون الذين انتقدوا على المسلمين قتلهم لهذا الرجل في الشهر الحرام؛ يعني أنتم إذا فعلتم هذا فقد فعلوا أكبر من ذلك، أربعة أمور؛ كل واحد منها أكبر من هذا. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام في قوله: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ مع أن المشركين ساكنون في مكة لكن ليسوا أهلًا للمسجد الحرام كما قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤]. * ويستفاد من ذلك: أن الفتنة أكبر من القتل؛ الفتنة أكبر من القتل، وأيش الفتنة؟ الشرك، الشرك أعظم، وقلنا: لكم فيما سبق أنها تشمل الشرك، وتشمل أيضًا فتْن الناس عن دينهم بأنواع الشبهات، أو بأنواع الشهوات. * ويستفاد منها: التحذير من الفتنة لقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ فإذا كانت أكبر فالواجب الحذر منها، وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا، ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في الفتنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الدجال: «مَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتْبَعَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ» الحديث.]] هذا هو الحديث أو معناه، المهم أن الإنسان لا يُعرّض نفسه للفتن، كم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) واللفظ له من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ إلى هذا الحد، إلى القتال، لأجل أن يردونا عن ديننا، وإذا حصل لهم الرّدّة بدون قتال؟ * طالب: أحب لهم. * الشيخ: أحب لهم؟ أحب إليهم معلوم، إذا حصل أن المسلمين يرتدون بدون قتال فهو أحب إليهم، ولهذا كان الغزو الفكري والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي، ولَّا لا؟ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر، وأما ذاك فهو صدام مسلّح، ينفر الناس منه بالطبيعة ما يمكنون أحدًا يقاتلهم، أما هذا فإنه -والعياذ بالله- سلاح فتّاك، ولهذا كم أفسد على الأمة؟! أصل الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية أصلها من مثل هذا، نعم بدعة الروافض، بدعة الخوارج وما أشبه ذلك وأيش أسبابها؟ هو هذا، يفسدون الفكر حتى يوقعوا الناس في القتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الكافرين لقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ وكلمة: لا يزال، أظن نفهم كلنا أنها تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، لا يزالون يفعلون هذا حتى يردوكم عن دينكم. * ويستفاد من الآية الكريمة: تيئيس الكافرين من أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين في قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله فيكون في آخر الزمان تهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾. * ويستفاد منها: أنها لا تبطل العمل إلا إذا مات على الكفر لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، وعلى هذا فنقول: لو أن أحدًا ارتد والعياذ بالله؛ ارتد عن الإسلام، بدأ ما يصلي، ترك الصلاة نهائيًّا، ثم هداه الله ورجع إلى الإسلام وصار يصلي، فهل أعماله السابقة ترجع ولَّا تذهب؟ ترجع؛ لأن الله عز وجل اشترط أن يموت وهو على كفره، طيب لو كان صحابيًّا هل ترجع صحبته؟ نعم، على الأصح، كما قال ابن حجر على الأصح ترجع، طيب لو كان قد حج، ثم عاد إلى الكفر، ثم عاد إلى الإسلام؟ يُلزم بأداء الحج؟ لا، يكفي الحج الأول. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد مخلّد في النار لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، فلا يغسّل، ولا يكفّن، ولا يُصلّى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وهل يرث ويورث؟ فيه خلاف؟ أما كونه لا يرث فهذا الظاهر أنه بالإجماع، ولا أدري، لكن الظاهر، أما كونه يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون، ولكن الصحيح أنه لا توارث لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤ / ١) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.]]. رجل عنده ملايين الدراهم ومئات العقارات، وآلاف السيارات، ولكنه ما يصلي ومات، وله أبناء وزوجات قلنا: ها المال هذا ما هو لكم، المال لبيت المال، هذه صعبة جدًّا، لكن مع ذلك فيها فائدة عظيمة؛ لأن بعض الناس قد يحمله كونه يتصور أن أولاده سيشرّدون بعده، ولا يكون لهم استحقاق في أمواله إلا بقدر ما يستحقون من بيت المال، ربما أن هذا الأمر يحمله على أن يرجع إلى الإسلام ويتوب، وإذا رجع إلى الإسلام وتاب تاب الله عليه وصار موروثًا. * طالب: كذلك يحمل أهله على (...). * الشيخ: ويحمل أهله أيضًا على أن يشددوا عليه في النصيحة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للعمل أيًّا كان ذلك المرتد، سواء كان من الصحابة أو من التابعين أو ممن بعدهم لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ والخطاب أول ما يدخل فيه الصحابة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقد ارتد أحد منهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن خطل، أسلم ثم ارتد والعياذ بالله، ولحق بمكة، واتخذ جواري يغنين بهجاء الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما كان في فتح مكة قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[[أبو داود (٣٠٢٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]] فجاؤوا إليه فقالوا: يا رسول الله، عبد الله بن خطل متعلق بأستار الكعبة في المسجد ولَّا خارج؟ في المسجد متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقْتُلُوهُ، اقْتُلُوهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٤٦) ومسلم (١٣٥٧ / ٤٥٠) من حديث أنس رضي الله عنه.]]. فقتل مع أنه في آمَن بقعة على وجه الأرض، ومع أن الرسول قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ»، فقال: «اقْتُلُوهُ». قال العلماء: لأن الكفر -والعياذ بالله- عظيم؛ فإنه قد سَبّ الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الجواري اللاتي كن يغنين بالقدح في الرسول ﷺ. * طالب: يعني (مَنْ) هذه، مَن دخل بيته فهو آمن؟ * الشيخ: هذا عام. * الطالب: ما يدخل فيها؟ * الشيخ: إلا، لكن يجوز تخصيص العموم، هذا فيه تخصيص العموم؛ يعني إلا عبد الله بن خطل خصه الحديث. * طالب: وإخراج أهله منه أكبر، فما دعاهم إلى تغريب الزاني؟ * الشيخ: لا، هذا شرعي، تغريب الزاني هذا شرعي. * طالب: يا شيخ، أقول: قصة ابن خطل هذه ما تؤيد كلام شيخ الإسلام يعني يقول: من سب الرسول لازم يقتل؟ * الشيخ: إيه، يستدل بها عليه. * طالب: أما ابن خطل؟ * الشيخ: إيه، لكن ما قتل، تاب وبقي. * طالب: الشرك ما يحبط العمل؟ * الشيخ: الشرك إذا مات، إذا مات على الكفر حبط عمله. * طالب: الساحر، وهو حاج يقولون: يبطل الحج، تصدّق هذا الساحر؟ * الشيخ: من يقول؟ * الطالب: يقولون: يبطل حجه. * الشيخ: لا، إن اعتقد أنه يعلم الغيب صار كافرًا؛ لأنه ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، وإذا كفر فمات على كفره، وإن تاب تاب الله عليه. * طالب: الحاج لو أنه مشرك، حجه ما يعيده؟ * الشيخ: كيف لو أنه مشرك، وأيش لون؟ * الطالب: ارتد يعني .. * الشيخ: لو ارتد بعد الحج، ثم عاد إلى الإسلام ما يعيد الحج. * الطالب: إذا كان حج وأسلم؟ * الشيخ: ثم أسلم. * الطالب: ثم أسلم، معناه وحج، يعني الحج؟ * الشيخ: ما يبطل الحج، لا، ما يبطل، يعني ارتد بعد الحج نقول: إذا لم يمت على الكفر فهو صحيح؛ يعني فلا يبطل عمله. * طالب: شيخ، قوله: «مَنْ أتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٥٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] هل يقول: لا تقبل الصلاة أربعين يومًا؟ * الشيخ: هذاك فسأله، مجرد سؤاله ما تقبل له صلاته أربعين يومًا. * الطالب: إذا حج في الأربعين اليوم هذه تقبل ولَّا ما تقبل؟ * الشيخ: تقبل، تقبل. * الطالب: والصلاة ما تقبل؟ * الشيخ: لا، هو الصلاة تقبل، لكن معنى: لا تقبل مو معناه لا تبرأ بها الذمة، الذمة تبرأ بها، لكن معناه أن سوء عمله هذا يقابل أجر الصلاة فكأنه لم يُصلِّ، بالاتفاق أن صلاته تصح. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والهجرة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨]. * ويستفاد منها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: من الترتيب. * الشيخ: لأنه قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ فجعل الجهاد معطوفًا على الهجرة، ولم يجعل له اسمًا موصولًا مستقلًّا. * ويستفاد من ذلك: مراعاة الإخلاص للهجرة والجهاد لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ وأما بدون إخلاص فإنه هجرته إلى ما هاجر إليه. * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازمًا بقبول عمله بل يكون راجيًا، ولكنه يرجو رجاء يصل به إلى حسن الظن بالله عز وجل. (...).

البقرة 2:217

ثم قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نشوف ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الجملة فعل وفاعل ومفعول به، أو لا؟ و(يسألون) فعل، و(الواو) فاعل، و(الكاف) مفعول به، والضمير في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ على من؟ على الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، وعلى هذا فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبره، و(ينفقون) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه. هذا إذا لم تلغَ (ذا)، فإن ألغيت صار هناك إعراب آخر، وهو أن نقول: (ماذا) اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعولًا مقدمًا لقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾، و﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل مضارع، والفاعل الواو، والمفعول هو ما سبق، عرفتم؟ المعنى لا يختلف على الإعرابين. والسؤال سألوا: ما الذي ينفقون وأيش ينفقون؟ هل ينفقون طعامًا، هل ينفقون ثيابًا، هل ينفقون دراهم ماذا ينفقون؟ السؤال هنا عن المنفق لا عن المنفق عليه، أو لا؟ عن المنفق، عن جنسه، أو عن قدره، أو عن الأمرين جميعًا؟ * الطلبة: عن الأمرين. * الشيخ: الظاهر عن الأمرين جميعًا عن الجنس والقدر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ هذا الجواب، ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما) هذه موصولة، وإن شئت فاجعلها شرطية، و﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ إن جعلت (ما) موصولة فهي الخبر، وإن جعلتها شرطية فهي جواب الشرط. ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله سبحانه وتعالى أجابهم عن ماذا ينفقون فيه، لا عن ماذا ينفقون، عن ماذا ينفقون فيه، يعني قال: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾؛ لأن حقيقة الأمر أن الشأن كل الشأن أن يكون إنفاقك في محله، فأنت لا تهتم ماذا تنفق، اهتم أين تنفق، ولَّا لا؟ بعض الناس ينفق في الشر، وبعض الناس ينفق في شيء لا خير فيه ولا شر، وبعض الناس ينفق في الخير. ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أقول: قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن الجواب وقع على غير وفق السؤال؛ لأن السؤال عن أيش؟ ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، فجاء الجواب: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فهل هذا يكون من باب أسلوب الحكيم المعروف في البلاغة؛ حيث كان هذا الجواب بهذه الصيغة إشارة إلى أنه كان ينبغي أن تسأل على من تنفق؟ هكذا يبدو، ولكنك عند التأمل يتبين لك أن الله عز وجل أجاب عن السؤال جوابًا مطابقًا وزاد عنه أو زاد عليه؛ لأن الجواب عن السؤال يفهم من قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ من خير، إذن فما الذي ينفق؟ الخير، الخير هو اللي ينفق، وما دام الذي ينفق الخير، فقد يكون الخير في الطعام، وقد يكون الخير في الثياب، وقد يكون الخير في الفرش، وقد يكون الخير في الدراهم، يختلف ولَّا لا؟ لو جئت إلى إنسان مضطر جائع مرة، جائع سيموت إن لم تطعمه وعارٍ ما عليه ثياب أبدًا، فما الخير هنا؟ الثياب ولَّا الطعام؟ الطعام، معلوم ابدأ بالطعام أولًا خير من الثياب، ولو جئت لإنسان لم يصل إلى حد الضرورة إلى الأكل لكنه في ضرورة إلى الثياب؛ لأن الجو بارد وليس عليه إلا ثوب رقيق، فما هو الخير حينئذٍ؟ في الثياب، واضح؟ إذن يكون الله عز وجل قد أجاب عن ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ بقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، وزاد على الجواب بذكر المنفق عليه في قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾. قد تقول: إن الزيادة على السؤال إسهاب وتطويل؟ فنقول: إنه إذا كانت الزيادة مما تدعو الحاجة إليه ويقتضيه حال السائل فليست إسهابًا ولا تطويلًا بل هي من تمام الجواب؛ ولهذا لما سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر نتوضأ به وأيش قال؟ قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٨٣) من حديث أبي هريرة.]] مع أنه ما سئل عن الميتة، ما سئل عن الحوت والسمك، قال: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»؛ لأن راكب البحر يحتاج إلى ذلك. (الوالدين) يعني: الأم والأب، والجدة والجد؛ لأن الجدة والجد وإن لم يكونا والدين مباشرة، فهما والدين لوالديك هما السبب في حصول والديك، ووالداك هما السبب في حصولك أنت، فيشمل الوالدين: الأقربين والأبعدين. وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الأقربين جمع أقرب، وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفق، فأخ وابن أخ من الأقرب؟ الأخ، وعم وابن عم؟ الأقرب العم، وابن أخ وعم الأقرب؟ ابن الأخ، الأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه لو اجتمع ابن أخ وعم في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (١٦١٥ / ٣) من حديث ابن عباس.]]، فاتفق العلماء على أن ابن الأخ أولى من العم. والقربى دون الأقربين هل لهم حق؟ الجواب: نعم؛ لأنهم من الأرحام، لكن الأقرب أولى من الأبعد، وإلا فالكل له حق، والكل يؤجر الإنسان بالإنفاق عليه. وقوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ يشمل الأبناء؟ نعم، يشمل الأبناء، ولكن الإنفاق على الأبناء جاءت السنة بتقييده بالعدل حيث قال النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣ / ١٣) من حديث النعمان بن بشير.]]، فلا يجوز أن يعطي الذكر ويمنع الأنثى، أو أن يعطي الأنثى ويمنع الذكر، أو أن يعطي واحدًا ويمنع الآخر. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، ومن اليتيم؟ قال أهل العلم: إنه مشتق من اليتم وهو الانفراد، والمراد به: من مات أبوه ولم يبلغ، يعني: الصغير الذي مات أبوه، هذا هو اليتيم، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ ولهذا إذا بلغ استقل بنفسه فلم يكن يتيمًا. وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو: المعدم الذي ليس عنده مال، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر قد أسكنه وأذله؛ فلهذا يسمى مسكينًا. والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين فيفترقان، وتجده في القرآن أن الفقير قد يأتي وحده والمسكين قد يأتي وحده، والفقير والمسكين قد يجتمعان، ففي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر ٨] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٢] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] يشمل؟ * طالب: كل الناس، كل الناس حتى الغني. * الشيخ: كل الناس، حتى الغني فهو فقير إلى الله عز وجل؛ ولهذا قيدت: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله﴾. وفي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة ٨٩] يدخل فيه الفقير، وكذلك هنا. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ من ابن السبيل؟ قال العلماء: هو المسافر الذي انقطع به السفر، وسمي ابنًا للسبيل، السبيل هو الطريق، سمي ابنًا له؛ لأنه ملازم له، وكل ما لازم شيئًا فهو ابن له؛ ولهذا يقال: ابن الماء لطير الماء الملازم فيه، طير يسمى ابن الماء؛ لأنه ملازم له، وإنما خص الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه قد يحتاج وهو لا يعلم عن حاجته؛ ولهذا فابن السبيل إذا أراد أحد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق فإنه يعطيه. ولكن هل تعطيه إذا سأل أو تعطيه وإن لم يسأل؟ نقول: هذا على وجهين: أحدهما: أن تعلم أنه لا يحتاج كما لو كان غنيًّا تعرف أنه غني، ومر بهذه البلد عابرًا، فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه حتى لو أعطيته لرأى أن في ذلك نقيصة له، وآخر تعرف أنه معوز وعليه أثر الإعواز هذا تعطيه ولا شك، وثالث: تشك في أمره، فهذا إن أعطيته بعد سؤاله تقول: هل أنت محتاج؟ فإنه خير، وإلا فلا حرج عليك، وإن أعطيته ظنًّا منك أنه محتاج فأنت على خير. قال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ هذه الجملة الأخيرة شاملة لكل خير، هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير فعمم الله ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، و(ما) هذه شرطية، و﴿تَفْعَلُوا﴾ فعل الشرط؛ ولهذا حذفت منه النون، وجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ (من) بيانية بيان لماذا؟ * طالب: للمنفق. * الشيخ: لا لا. * طالب: للإنفاق. * الطلبة: فعل إغراء. * الشيخ: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما)؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أن الموصول مبهم، وكذلك أسماء الشرط مبهمة، فـ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (من خير) بيان لـ(ما)؛ ولهذا لو أنك حذفت (ما) وقلت: أي خير تفعلوا فإن الله به عليم، استقام الكلام ولَّا لا؟ استقام الكلام، إذن فقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما). وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ما قال: وما تنفقوا من خير؛ ليعم الإنفاق والعمل البدني والقول وكل شيء، كل شيء تفعله من الخير فإن الله به عليم. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: بهذا الخير الذي تفعله قليلًا أو كثيرًا، فإن الله يعلمه، سرًّا كان أم علنًا. وما فائدة الجواب هنا مع الشرط؟ إذا قال قائل ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ما الفائدة من كون الله يخبرنا بأنه عالم به؟ الفائدة هو أن نعلم أنه لا بد أن يجازينا عليه؛ لأن الله عدل لا يظلم، فإذا فعلنا خيرًا فإن الله يعلمه، وسوف أيش؟ يجازينا عليه. لا تقل: إن الجواب لم يطابق الشرط؛ إذ لا فائدة لنا من كون الله يعلمه، نقول: بل لنا فائدة وهو أنه إذا علمنا أن الله يعلمه، فإن الله تعالى عدل لا يضيعه، بل لا بد أن يجازينا عليه. وفيه أيضًا فائدة -كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد- وهي: الإغراء والحث. ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾.. * طالب: شيخ (...) هل هنا جاءت بصيغة (...)؟ * الشيخ: قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ الجار والمجرور في: ﴿بِهِ﴾ متعلق بماذا؟ * طالب: بـ﴿عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: بـ﴿عَلِيمٌ﴾، نعم. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، والكَتْب في الأصل بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، والكَتْب -كتب الله عز وجل- ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي، وكتاب كوني، الكتاب الكوني لا بد أن يقع ولا يمكن أن يتخلف، والكتاب الشرعي قد يفعله المكتوب عليه وقد لا يفعله، فـ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] قد يصوم الناس وقد لا يصومون، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قد يقاتلون وقد لا يقاتلون، لكن ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هذا الكتابة الكونية القدرية هذه لا بد أن تكون، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] كتابة أيش؟ كونية لا بد أن تكون. فالكتابة إذن نوعان: كتابة كونية، وكتابة شرعية، والفرق بينهما: أن الكتابة الكونية لا بد من وقوع المكتوب فيها بخلاف الكتابة الشرعية. الفرق الثاني: أن الكتابة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه، وأما الكتابة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله، لا يمكن أن يفرض الله على عباده ما لا يحبه، بل كل ما فرضه فهو محبوب إليه. وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي قتال هو؟ قتال أعداء الله الكفار، و﴿الْقِتَالُ﴾ مصدر قاتل، وهذه الصيغة الغالب أنها لا تأتي إلا بين اثنين، قاتل وشارك وما أشبهه. وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ﴾ يعود على القتال وليس يعود على الكتابة؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرض الله عليهم، لكنهم يكرهون القتال بحسب الطبيعة البشرية، وفرق بين أن نقول: إننا نكره ما فرض الله من القتال وبين أن نقول: إننا نكره القتال، فكراهة القتال أمر طبيعي، فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحدًا من الناس فيقتله فيصبح مقتولًا، لكن إذا كان هذا القتال مفروضًا علينا صار محبوبًا إلينا من وجه، ومكروهًا لنا من وجه آخر، فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوبًا إلينا، وباعتبار أن النفس تنفر منه وتكرهه يكون مكروهًا إلينا، ومن أجل أن النفس تنفر منه وتكرهه وهو ثقيل عليها صار فيه هذا الأجر العظيم، صار الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٩ - ١٧١]. انتبه، إذن هل كراهة القتال تنافي صدق العبادة؟ لا؛ لأن الإنسان يحب هذا القتال من حيث إن الله فرضه عليه؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يصرون أن يقاتلوا، فيردهم أحيانًا لصغرهم فيأسفون، حتى إنه رد في أُحدٍ بعض الصحابة الصغار قال: يا رسول الله، كيف ترده وأنت أذنت لفلان وأنا الآن أستطيع أني أصارعه، قال: أبغي المصارعة خله يصارعني، فصارعه فصرعه فأذن له[[أخرجه الطحاوي في شرح معاني الاثار (٥٠٣٤) من حديث سمرة بن جندب.]]، كل هذا من محبتهم للقتال، كذلك أيضًا عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان أعرج فجاء -يعني لزم بالقتال- وكان أولاده يقولون له: لا تخرج، إن الله قد عذرك، فجاء هو وإياهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ -أَوْ إِنِّي أُحِبُّ- أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ »[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٤) من طريق إسحاق بن يسار.]] -الله أكبر- لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام متعلقًا بالقتال أذن له وقال لأولاده قولًا -يعني أنه إذا كان يحب أن يخرج فلا تمنعوه- فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم ما كرهوا القتال بعد أن فرضه الله، بل أحبوه لأن الله فرضه، وكم من أشياء يكرهها الإنسان لولا أن الله تعالى أمر بها فيحبها؛ لأن الله أمر بها، الآن الحج فيه مشقة ولَّا لا؟ من حيث كونه مشقة قد يكرهه الإنسان، لكن إذا علم أن فيه رضا الله أحبه، بذل المال بالزكاة -مثلًا- الإنسان مجبول على حب المال ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، لكن إذا علم أن في ذلك رضا الله هان عليه، وهذا هو وجه الامتحان في العبادات التي يكلف بها العبد. وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُرْهٌ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مكروه لكم، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق ٦] يعني: حمل بمعنى المحمول الذي في البطن، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.]] أي: مردود. هنا ﴿كُرْهٌ﴾ بمعنى مكروه، والجملة هذه ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الجملة محلها من الإعراب؟ في محل النصب على الحال، والحال: أن القتال كره لكم، ولكن شوف التسلية من الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿عَسَى﴾ هذه هنا بمعنى الرجاء، أو بمعنى الإشفاق، أو بمعنى التوقع، أو بمعنى التعليل؛ لأنها أربعة معانٍ.. * طالب: تعليل. * الشيخ: تعليل؟ لا، ما أعرف، تصلح للتعليل؟ لو قلت مثلًا: كل هذا الدواء عسى أن تبرأ؟ هذه للتعليل واضح أو للترجي. لكن هنا ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ الظاهر -والله أعلم- أقرب شيء أنها للتوقع أو أنها للترجية، ما هو للترجي، الله عز وجل ما يترجى، كل شيء عنده هين، لكن للترجية بمعنى أنه يريد من المخاطب أيش؟ أن يرجو ذلك، أن يرجو هذا، يعني: معناه افعلوا ما هو كره لكم عسى أن يكون خيرًا. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهذا الذي ذكر الله عز وجل هنا واقع ولَّا لا؟ واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحيانًا يفعل الإنسان شيئًا من الأمور العادية ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل، فإذا العاقبة تكون حميدة وحينئذٍ يكون كره شيئًا وهو خير له. القتال كره لنا لكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل كما قال الله عز وجل آمرًا نبيه أن يقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة ٥٢] أنه لا بد من حسنى ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ما هما؟ إما النصر والظفر، وإما الشهادة، أليس كذلك؟ إذن فالمقاتل في سبيل الله على خير. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا أيضًا كثيرًا ما يقع يحب الإنسان شيئًا ويلح فيه ثم تكون العاقبة سيئة، والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه، كل شيء ينالك وأنت تكرهه، فإنك تصبر نفسك: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وكل شيء يفوتك ونفسك يطلبه تسليها فتقول: ﴿عَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾، وهذا هو الواقع. ولو أن الإنسان تأمل مجريات حياته اليومية لوجد في ذلك شيئًا كثيرًا. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سبحانه وتعالى فهو سبحانه وتعالى لا يقدر للمؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يوجب على المؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يحرم عليه شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا تقل: ليت هذا لم يحرم، ليت هذا لم يوجب، ليت هذا لم يقع، لا تقل هكذا؛ لأن علمك قاصر، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وأيش يعلم؟ كل شيء حتى المستقبل الذي تظنون أنه شر يعلم الله تعالى ما فيه من الخير. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا نفي مطلق لعلم الإنسان، فهل نقول: إن هذا النفي المطلق يراد به شيء معين أو نقول: إنه نفي مطلق على الأصل، وإن الأصل في الإنسان عدم العلم على الإطلاق؟ الجواب: هو هذا، كما أن الأصل في صفة الله عز وجل العلم المطلق، فلله العلم المطلق؛ ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ﴾ ولم يقيد هذا العلم بمعلوم ﴿يَعْلَمُ﴾، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لم يقيد هذا النفي بمعلوم، ما قال: لا تعلمون المستقبل، ولَا: لا تعلمون الحاضر، ولا، ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل فينا إذن؟ عدم العلم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل ٧٨]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إعراب الجملة هذه ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ هذا مجرور بـ(عن)، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش اللي جرها؟ بدل، من أي أنواع البدل؟ مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍ بِبَلْ أي الخمسة؟ اشتمال؛ لأن القتال ليس بعضًا من الشهر، لكن الشهر مشتمل عليه، فهو بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ المراد الجنس، ويحتمل أن تكون (أل) للعهد الذهني، ويكون المراد به شهرًا معينًا، فـ(أل) هنا يحتمل أن تكون للجنس فتشمل كل الأشهر الأربعة الحرم، ويحتمل أن تكون للعهد الذهني فيراد بها أيش؟ شهر معين. هل (أل) إذا دخلت على المفرد تكون للجنس فيشمل كل أفراد الجنس؟ نعم، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ١ - ٣] هذه (أل) داخلة على مفرد والمراد؟ المراد الجنس، يعني: كل إنسان. فإذن: يسألونك عن كل شهر حرام يمكن هذا، أو: يسألونك عن الشهر الحرام المعين الذي وقعت فيه القضية ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾. والقضية هي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل سرية في السنة الأولى، سرية في جمادي الآخرة، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش وأعطاه كتابًا وقال: «لَا تَفْتَحْ الْكِتَابَ إِلَّا بَعْدَ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٣ / ١٨) من حديث عروة بن الزبير.]]، فقال: سمعًا وطاعة، فذهب بسريته وهم نحو سبعة أشخاص، فلما مشى مسيرة يومين فتح الكتاب وإذا فيه: أن رسول الله ﷺ يأمرهم أن يسيروا إلى نخلة بين مكة والطائف، وأن يترقبوا أخبار قريش، يترقبوا أخبار قريش وما يحصل منهم، فصادفوا عيرًا لقريش نازلة من الطائف إلى مكة، والعير تكون فيها أطعمة وخضر وما أشبه ذلك، فحصل بينهم قتال بينهم وبين هذه السرية، فقتلوا منهم رجلًا واحدًا، وأسروا رجلين وفر الرابع، لما قتلوا هذا الرجل هم قتلوا هذا الرجل على أنهم في جمادى الآخرة، ولكنه تبين أنه كان في أول يوم من رجب، ورجب أحد الأشهر الحرم الأربعة؛ لأن الأشهر الأربعة الحرم. * طالب: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. * الشيخ: نعم، المشركون استغلوا هذه المسألة وقالوا: هذا محمد يزعم أنه يطيع الله وأنه يعظم حرمات الله، وهذا أصحابه يقتلون الرجل في الأشهر الحرم، هذه كبيرة ولَّا لا؟ شاع الخبر فضاقت صدور هذه السرية عبد الله بن جحش وأصحابه ضاقت صدورهم لحقهم حرج، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش الحكم؟ وليسوا يسألونه هل القتال فيه حرام ولَّا لا؟ لأن هذا معلوم، لكن يسألونه عن هذا القتال فيه ما حكمه، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾. هكذا ذكر المفسرون، قالوا: لأن القتال في الأشهر الحرم أمر معلوم ما أحد يسأل عنه، ولكن في نفسي شيء لأن لفظ الآية لا يساعده؛ فإن الشهر الحرام إن قلنا: إنه للجنس فظاهر جدًّا أن اللفظ لا يساعد على هذا المعنى. وجه ذلك: إذا قلنا عن الشهر الحرام -يعني عن الأشهر الحرم- قتال فيها، صار السؤال عن هذا القتال المعين؟ لا، وإن قلنا: الشهر الحرام هو الشهر المعين الذي حصل فيه القضية وهو شهر رجب. بقي عندنا كلمة ﴿قِتَالٍ﴾ نكرة، ما هي لو قال: عن الشهر الحرام القتال فيه لكان يساعد على ما ذكر المفسرون، لكننا قد نقول: لما كانت ﴿قِتَالٍ﴾ بدل من الشهر والشهر يراد به شهر معين، فإنه من ضرورة ذلك أن يكون المراد بالقتال؟ القتال في ذلك الشهر المعين؛ ولهذا قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي: في الشهر المعين، ولم يسبق قتال في شهر رجب إلا ذلك القتال الذي حصل من هذه السرية. على كل حال الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام إذ سئل أحيانًا يجيب وأحيانًا يتوقف حتى ينزل الوحي، في هذه الآية ماذا كان الجواب من الرسول أو من الله؟ من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا أجاب الله عز وجل: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ قتال في شهر الحرام كبير لا شك، يعني: من كبائر الذنوب وعظائم الذنوب؛ لأنه انتهاك لحرماتها وهذا محرم، انتهاك حرمات الله من المحرمات، فهذا من كبائر الذنوب ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. ولكن انظر رحمة الله عز وجل بعباده، شوف التسلية للصحابة ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هذا تسلية للصحابة، يعني: لو وقع منكم هذه المسألة الكبيرة، فعند الذين يعيرونكم بها ما هو أعظم وأكبر، القتال كبير ما في شك لكن عند هؤلاء الذين يعيرونكم بذلك ما هو أكبر وأعظم، صد عن سبيل الله أعظم، صحيح؟ ولا شك أن المشركين الذين عيروا النبي ﷺ وأصحابه بذلك يصدون عن سبيل الله ويقتلون الذين يلتزمون بسبيل الله ﴿صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وسبيل الله: طريقه الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله شيء واحد وهو شرعه الذي شرعه لعباده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وإنما سمي الشرع سبيل الله؛ لأنه يوصل إلى الله؛ ولأن الله تعالى هو الذي وضعه، فإضافته إلى الله من ناحيتين: الابتدائية، والنهائية، الابتدائية هو الذي وضعه، والنهائية؟ * الطلبة: يوصل إليه. * الشيخ: يوصل إليه. هل سمى الله السبيل مضافًا إلى غيره؟ نعم، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فأضاف الله السبيل إلى المؤمنين وليس في ذلك تناقض، فهو مضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه أو لا؟ مضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه لعباده، وهذا السبيل ينتهي إلى من؟ إلى الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ بمن؟ بالله، الكفر بالله أعظم كبيرة يفعلها المرء ولَّا لا؟ نعم. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هنا معترك في إعرابه هل هي معطوفة على الضمير في ﴿بِهِ﴾ ولّا معطوفة على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: سبيل الله. * الشيخ: أجبت بسرعة ما شاء الله، أرني كيف ذلك؟ * الطالب: معطوف على سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: سبيل الله والمسجد الحرام. * الشيخ: ما يصلح: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام؟ ما يصلح؟ * الطالب: يصلح. * الشيخ: يصلح، إذن؟ * الطالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، وجاءت قولان بن (...). * طالب: (...). * الشيخ: فيه رأيان: الرأي الأول يقولون: إنه معطوف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصدٌ عن سبيل الله وكفرٌ به وصدٌ عن المسجد الحرام، وهؤلاء يستدلون بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا كفر بالله، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح ٢٥] هذا صد عن أيش؟ عن المسجد الحرام فيكون: وصدٌ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، لكن هذا الرأي لا شك من حيث المعنى قوي، إلا أنهم يعني يلزم عليه أو يرد عليه أن قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي من قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أجنبي؛ لأن ﴿كُفْرٌ﴾ ما هو معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأيش معطوف عليه؟ على ﴿صَدٌّ﴾. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ (...) ﴿الْحَرَامِ﴾ معطوف على سبيل، فقد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه أجنبي وهو قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ لأنه معطوف على اللي ما سبق، وحينئذٍ يمتنع العطف، هذا مقتضى اللغة العربية: أن المعطوف والمعطوف عليه لا يفصل بينهما بأجنبي وهنا ﴿كُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي، وأيش معنى أجنبي؟ يعني: ليس معطوفًا على ما عطف عليه ما بعده، إنما معطوف على شيء سابق عليه، واضح؟ طيب، لكنه كما قلته قبل قليل: المعنى يؤيده، لكن السياق من حيث السياق العربي يمنعه؛ لأنه أجنبي. إذن يترجح القول الثاني وهو أن قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الضمير في ﴿بِهِ﴾: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام، ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: بالله وبالمسجد الحرام، وعلى هذا فيكون هنا معطوفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾. ولكن يرد على هذا القول إشكالان ما هو إشكال واحد، الإشكال الأول: أننا عطفنا على الضمير المتصل بدون إعادة الجار، والمعروف عند أكثر النحويين أنه لا يجوز أن تعطف على الضمير المتصل المجرور إلا بإعادة الجار، وابن مالك أشار إلى هذا في أي بيت؟ وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ∗∗∗ ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا ثم قال: ؎وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى ∗∗∗ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَاوعلى هذا فنقول: ابن مالك رحمه الله لا يرى وجوب إعادة حرف الجر إذا عطف على الضمير المجرور المتصل، زال الإشكال هذا، زال الإشكال الأول بماذا؟ بأن وجوب إعادة الجار إذا عطف على ضمير خفض متصل، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم في النحو وابن مالك ممن يرى أنه لا يجب إعادة الجار، إذن زال الإشكال الأول. الإشكال الثاني: قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قد لا تتصور وأيش معنى الكفر بالمسجد الحرام؟ الصد عن المسجد الحرام واضح، لكن الكفر بالمسجد الحرام وأيش معناه؟ نقول: الكفر به ظاهر، الذي يجعل الأصنام في جوف الكعبة، كافر بالمسجد الحرام ولَّا معظم له؟ كافر بالمسجد الحرام؛ لأنه ما آمن بحرمته وعظمته، بل هذا من أعظم الإهانة لبيت الله عز وجل أن تجعل الأصنام في جوف الكعبة، فهم كافرون بالمسجد الحرام، وعلى هذا يزول الإشكال الثاني. فإن قلت: الإشكال في المعنى الأول وهو أن يكون قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوفًا على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإشكال اللي أوردنا هو أن العطف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه إشكال من حيث إنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي، لكن أجاب الذين يختارون هذا القول، أجابوا عن ذلك وقالوا: إن قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فيكون ليس أجنبيًّا، يكون غير أجنبي، يكون ليس بأجنبي من ﴿صَدٌّ﴾، وعلى هذا فتكون كأن الآية: وصد وكفر، فيكون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فكأنه منه فليس بأجنبي، وحينئذٍ يزول الإشكال. إذن ما خلاصة هذا البحث؟ خلاصة هذا البحث أنه يجوز في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصد عن المسجد الحرام. والوجه الثاني: أن يكون معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: وبالمسجد الحرام، والله أعلم. (...) أن فيه تعظيمًا لشأن الشهر، كأن المسؤول عنه هو الشهر نفسه يعني: عن شأن الشهر الحرام، وهل هو ذو شأن عظيم. ثم قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ الذي هو المقصود هذا هو الفائدة من كون يأتي ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أولًا ثم يبدل منه ﴿قِتَالٍ﴾، وإلا لكان السؤال: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام. قوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾.. قوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة هذا هو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١] وقد أسري به من الحجر؛ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]، وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ يدل على أن المراد بالمسجد الحرام هو أيش؟ نفس المسجد الذي فيه الكعبة؛ لأنه بالاتفاق أنه يجوز للمشرك أن يصل إلى حدود الحرم حتى لا يبقى بينه وبين الحرم إلا أنملة، ولو كان المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم لكان المشرك لا يجوز أن يقرب أيش؟ حدود الحرم والأمر ليس كذلك. * طالب: يقال: إنه أسري من بيت أم هانئ؟ * الشيخ: لا، الصحيح من الحجر، لكن بعضهم الذين صححوا الروايتين قالوا: كان نائمًا في بيت أم هانئ ثم استيقظ وذهب إلى هناك وأسري به من هناك. وقوله: ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (الحرام) فَعَال من الحُرمة أو من التحريم، يعني: المسجد ذي الحرمة والتعظيم، ولا يخفى على أحد حرمة المسجد الحرام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب في عام الفتح وقال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَةَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٣١٣) من حديث مجاهد، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، واللفظ للبخاري.]]، وأخبر أنها محرمة منذ خلق الله السماوات والأرض لا يعضض شوكها ولا ينفر صيدها ولا يحل القتال فيها، حتى إن الرسول ﷺ قال: «إِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، وهذا من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، ما أذن بالقتال في مكة لأحد إلا للرسول ﷺ، وليس إذنًا عامًّا بل إذنًا مقيدًا قال: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٣٢) ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي بلفظ: «أذِنَ لِرسُولِهِ».]]، وهذه القصة فيها تمثيل للحكم الذي نسخ مرتين: كانت بالأول حرامًا ثم أحلت، هذا النسخ الأول، ثم حرمت، هذا النسخ الثاني، والله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت، فهذه من عظمة مكة. ومن عظمة مكة: أنه لا يصح إسلام أحد حتى يحج البيت إذا كان قادرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]. ومن حرمتها: أنه لا يدخلها أحد إلا محرمًا؛ إما وجوبًا وإما استحبابًا، وجوبَا عند كثير من أهل العلم أنك ما تدخل مكة إلا محرمًا ولو كنت قد أديت الواجب، أو استحبابًا على القول الراجح أن الإنسان إذا أدى الواجب لم تجب عليه العمرة، ولو كان قطيع العهد بمكة المكرمة أو بمكة على الأصح؛ لأن (المكرمة) وصف حديث. ومن حرمة مكة: أن الناس كلهم يتجهون إليها في صلاتهم ولَّا لا؟ كل الناس يتجهون إلى الكعبة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٤٤]. ومن حرمتها: أن من وجد فيها لقطة لا يحل له أخذها إلا إذا كان يريد إنشادها أبد الآبدين، لو تجد فيها لقطة ما تأخذها، اللي غيرها لك أن تأخذها لتنشدها لمدة سنة ثم تكون ملكًا لك، أما مكة فلا تأخذها إلا إن كنت تبغي تنشد عليها أبد الآبدين فخذها، ولكن من بيأخذها وهو لازم ينشد عليها أبد الآبدين، حتى لو مات يوصي من بعده أن ينشدوا عنها، وإذا ماتوا ينشدون؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]] إلا لمنشد دائمًا، والحكمة في هذا أنك إذا علمت أنك إذا أخذت هذه اللقطة يلزمك أن تنشد عنها أبد الآبدين هل تأخذها؟ ما تأخذها، أنت في عافية إذا لم تأخذها، أنت ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع، فصاحبها إذا فقدها رجع إليها فوجدها. ولها خصائص كثيرة ذكرها الذين صنفوا في هذا الباب في تاريخ مكة كالأزرقي وغيره، ولكن كل هذا مأخوذ من وصف الله تعالى لهذا المسجد بالحرام. * طالب: نقول: لو أخذ اللقطة وأعطاها للشرطة خوفًا من أن يأخذها سارق فهل يجوز؟ * الشيخ: هذه إذا كان هناك من جهة ولاة الأمور، من جهة ولاة الأمور من يتلقى هذه الأشياء فإنها تبرأ ذمته، إي نعم. قال: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ شوف الكلام ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ من أهل المسجد الحرام؟ الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون هم أهله، كما قال الله تعالى في سورة الأنفال عن المشركين: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤]، أهل المسجد الحرام هم النبي عليه الصلاة والسلام ومن اتبعه؛ ولهذا قال: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ وهي حجة ظاهرة على أن هؤلاء الذين أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه ليسوا أهلًا للمسجد الحرام. إذن هذا يشبه مانعًا من موانع الإرث مر عليكم وهو أن الكافر لا يرث المسلم، وقال الله لنوح عن ابنه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]، كذلك الذين في مكة وليسوا مسلمين ليسوا من أهل مكة، ليسوا أهلًا للمسجد الحرام، أهله المؤمنون. ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أكبر عند الله، وإن كانت في نفوس بعض الناس أهون من القتل في الشهر الحرام، لكنها عند الله أكبر، شوف الآن: صد عن سبيل الله، وكفر بالله، وصد عن المسجد الحرام، أو كفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، أربع مسائل عظيمة جدًّا، هذه أكبر عند الله منين؟ من القتل في الشهر الحرام. شيء آخر: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة يعني: الشرك، ممكن أن نقول: إنها الفتنة صد الناس، إن الفتنة صد الناس عن الدين، لكنها قد سبقت في قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إذن فالفتنة هي الشرك، يعني الفتنة -وهي الشرك- أعظم من القتل، شرك بالله أعظم من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعظم الظلم وأعظمه: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٥٦ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، هذا أعظم الذنب وأظلم الظلم. ﴿الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هل جاءت الفتنة في القرآن بمعنى الشرك؟ الجواب: نعم، مثل؟ * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج ١٠]. * الشيخ: لا، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٣] أو لا تكون فتنة هذه صد عن سبيل الله أيضًا، تحتمل، لكن قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]، قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قول الرسول ﷺ أن يقع في قلبه من الشرك من الزيغ فيهلك. نعم، الفتنة أكبر من القتل، فالشرك أعظم من قتل النفس، وأعظم من قتل النفس في الأشهر الحرم، كل شيء محترم من زمان أو مكان أو شخص، فإنما هو من تعظيم الله، الأشياء المخلوقة ليس لها حرمة في حد ذاتها، لكنها حرمة من جهة اتصالها بالله عز وجل، فالأشهر الحرم من الذي جعلها محترمة؟ الله، إذن تحريمها من تعظيم الله، فيكون الشرك بالله أعظم من القتل في الأشهر الحرم. ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ -الله أكبر- الكفار حريصون على أن يخرجونا من ديننا حتى وإن عرضوا رقابهم لسيوفنا، شوف ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ ولا يزال هذه تفيد أيش؟ الاستمرار، ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ والقتال هو: أن يلاقي كل واحد الآخر بالسيف ليقتله، يعرضون رقابهم لقصف رؤوسهم حرصًا على أن يردونا عن ديننا. ولكن شوف كلمة ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ تفيد أنهم لن يستطيعوا (إن)، ولكن ما هو حاصل، هذا لا يحصل إن شاء الله تعالى، لكن هم حريصون غاية الحرص على ردنا عن ديننا، حتى كانوا يعذبون الذين يسلمون في عهد من..، صغارهم يعذبونهم في حر الرمضاء في الشمس يلقون عليهم الصخرات الحارة لعلهم يرجعون عن دينهم، ولكن لا يرجعون هم ثابتون صامدون، هؤلاء المشركون لا يزالون يقاتلوننا حتى يردونا عن ديننا، وهل هذا أيضًا صفة لليهود والنصارى بالنسبة لنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] هذا في أهل الكتاب، في المنافقين؟ نعم كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩]، يعني إذن جميع أصناف الكفرة من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين كلهم يودون أن المسلمين يرتدون على أدبارهم ويكفرون بالله عز وجل، كل إنسان يود شيئًا، فإنه بمقتضى الطبيعة البشرية يحاول أيش؟ أن يتحقق ذلك الشيء بكل وسيلة؛ إما بالسلاح كما في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾، وإما بالإغراء والخداع كما في حال المنافقين وغيرهم، وهم قد لا يبوحون بما في نفوسهم، لكنهم شياطين الإنس يأتون إلى المسلمين بأمور يتفتت بها دينهم حتى يكون كنافقاء اليربوع لو سقط عليه بيضة لخرقته ولم تنكسر البيضة، هم قد لا يقول لك: تعال اكفر، لكن يدخلون عليك أشياء أشياء من المعاصي، المعاصي تفتت الإيمان، تفتته، تنقضه شيئًا فشيئًا حتى يزول بالكلية؛ ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، وأيش معنى بريده؟ التي ترسل إليه، ينزل الإنسان إليها دركًا دركًا حتى يهوي في النار -والعياذ بالله- فالمعاصي لا تظنوا المسألة هينة بنسبة المعاصي، المعاصي تؤثر على القلب، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤] ران على القلب ما كان يعمل أعماله السيئة حتى صار عن أعظم الكلام وأفضل الذكر يقول عنه: إنه أساطير الأولين، يقول ذلك إما للحيلولة بينه وبين الوصول إلى عظمة هذا القرآن، وإما لجحود عظمة هذا القرآن. وعلى كل حال فأهل الكفر من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين كلهم يودون منا أن نرتد عن ديننا، يودون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما في قيام الدين الإسلامي من القضاء عليهم، الدين الإسلامي لو قام حقًّا ما بقي على وجه الأرض أحد من الكفار؛ ولهذا هرقل لما أخبره أبو سفيان بما كان للرسول عليه الصلاة والسلام من الصفات والأخلاق والدين الذي يدعو إليه وأيش قال؟ قال: «لئن كان ما تقول حقًّا، فسيملك ما تحت قدمي هاتين»[[أخرجه البخاري (٧) من حديث أبي سفيان بن حرب.]]، في ذلك الوقت هو ملك، ملك من؟ الروم، الروم والفرس في ذلك الوقت مثل روسيا وأمريكا في وقتنا هذا، أعظم دولتين، هذا الملك يقول ذلك وهو على مملكته وفي عاصمته، ويقول ذلك وهو يؤمن بأن ملكه سيزول بدين محمد ﷺ، فرؤساء الكفر اليوم كرؤساء الكفر بالأمس يعرفون أن الدين الإسلامي لو قام ما أبقى لهم باقية؛ ولذلك يحاولون بكل طريق وبكل وسيلة أن يقضوا على الدين الإسلامي، وذلك لصد أهله عنه بشتى الوسائل، والحقيقة أننا انخدعنا بهم، انخدع المسلمون ولا حاجة إلى ذكر الأشياء التي انخدع بها المسلمون من أجلهم حتى ضاعوا، ولكن الأمل بالله عز وجل أن الله سيعيد لهذا الدين مجده على أيدي الشباب الصالحين مع العلم وغزارة العلم؛ لأن الداعية مهما كان قويًّا في الدعوية إذا لم يكن له علم فإنه يفشل، إذا لم يكن هناك علم يعتمد عليه الإنسان فشل، وكيف يدعو إلى الله عز وجل بدون علم، إذا دعا إلى الله بدون علم أدنى واحد من الناس يقف أمامه يوقفه يورد عليه الشبهة فيقف، وإذا وقف الداعية فالنكبة عظيمة، انهزام، انهزام شديد؛ ولهذا لا أرى أن الإنسان يدعو إلا بما كان يعلم، بما كان يعلم خاصة، وإلا فإن العاقبة تكون وخيمة. قال الله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ شوف الجملة الشرطية هذه تقيد ما سبق، يعني أنهم لن يستطيعوا ذلك، لكن هم لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾ هذه البنية لهذه الكلمة تشكل إذا قارنتها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة ٥٤] كيف قال: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ وهنا قال: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾؟ نقول: لا إشكال فيها، ليس فيه إشكال؛ لأن الإدغام في قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ إدغام جائز لا واجب، الإدغام جائز ليس بواجب، وعلى هذا فيجوز إذا جزمت (يرتد) يجوز أن تقول: يرتد، وأن تقول يرتدد، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في الألفية في باب الإدغام حكم ذلك. وقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ شوف ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ ما هو الدين؟ الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل الذي أراد صاحبه عليه المكافئة، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. فمن الأول الذي يراد به العمل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] المراد بالدين ما هو؟ العمل، كذا؟ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] فالمراد بالدين: الجزاء على العمل. وهنا ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ من أي المعنيين؟ العمل، وتأمل قوله: ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ حيث أضافه إلى الدائن؛ لأن إضافته إليه توجب إغراءه به، يعني: هذا دينك، هل الإنسان يفرط في دينه؟ لا، كما لو قلت: هذا مالُك، هذا ولدك، هذه سيارتك، إضافتها إلى نفسك توجب الإغراء بها، وشدة المحافظة عليها لأنه؟ دينُك، منسوب لك، فهو أبلغ مما لو قال: ومن يرتدد منكم عن الدين، لكنه قال: ﴿دِينِهِ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، كما في قوله أيضًا في الأول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ يعني: فاحتفظوا به؛ لأنه لكم ومنسوب إليكم. ولهذا من تبرأ من هذا الدين وشتمه -والعياذ بالله- ولعنه فليس من أهله، فسب الدين كفر، سب دين الإسلام كفر بدين الإسلام؛ لأن الإنسان الذي يعتنق دين الإسلام ويعتقده دينًا ما يمكن يسبه أبدًا، هو دينه رأس ماله. وقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ هنا الفاء عاطفة و(يمت) معطوفة على ﴿يَرْتَدِدْ﴾ نعم ﴿يَرْتَدِدْ﴾، وفي غير القرآن كم يجوز فيها من وجه؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: أو ثلاثة، ثلاثة أوجه. أما في القرآن فيقتصر على القراءة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ جملة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ حال، فالرجوع عن الإسلام كفر؛ لأنه ليس هناك واسطة بين الإسلام والكفر، خلافًا للمعتزلة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ هذا القيد يقيد به كل نص دل على أن المرتد كافر، دل على أن الردة تحبط الأعمال، كل نص يدل على أن الردة تحبط الأعمال يقيد بهذه الآية، ما هو القيد؟ أنه إذا مات على الردة، فلو فرض أن أحدًا ارتد عن الإسلام مثلًا صار لا يصلي وعزم على أن لا يصلي، وكان بالأول يصلي، إن مات على عدم الصلاة حبط عمله السابق، وإن هداه الله وصلى فإن عمله السابق لا يحبط، يبقى كما هو، حتى لو كان قد أدى الحج قبل ردته، فإنه إذا عاد إلى الإسلام لا يلزمه إعادة الحج، حتى قال العلماء: إن الرجل لو كان صحابيًّا ثم ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام هل تبطل صحبته؟ لا، ما تبطل، لا تبطل على الصحيح كما مر علينا في النخبة. والحاصل أن هذا القيد يعتبر قيدًا في جميع النصوص المطلقة الدالة على أن الردة تحبط الأعمال. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ -والعياذ بالله- تحبط في الدنيا، فلا ينتفعون بها ولا يجزون عليها؛ لأن الأعمال لها جزاء في الدنيا ولها جزاء في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاء الدنيا، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاء الآخرة، هؤلاء الذين ارتدوا تحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة ومع ذلك في الآخرة لا يسلمون من العقاب. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يعني: الملازمون لها؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، فهم أصحابها الملازمون لها الخالدون فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أبد الآبدين؟ نعم، أبد الآبدين، لا تفنى ولا يفنون، بل يعذبون فيها دائمًا وأبدًا؛ لأنهم كما أفنوا حياتهم الدنيا بالكفر والشرك، حياتهم الآخرة تكون كلها عقابًا وعذابًا والعياذ بالله، بل يقال لهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ ٣٠]، وما العذاب يخفف عنهم حتى إنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، ولكن لا يمكن هذا، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار. قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ انتبه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] أي: بمصدق، يقولونه إخوة يوسف لأبيهم. وأما في الشرع: فإن الإيمان هو التصديق المستلزم للقبول والانقياد، هذا الإيمان، ليس مجرد التصديق؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ وليس بمؤمن لماذا؟ لأنه لم يقبل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يذعن له وينقاد له، وعلى هذا فليس بمؤمن. وفـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والانقياد. وقوله: ﴿هَاجَرُوا﴾ الهجر في الأصل: الترك في اللغة، الهجر في اللغة الترك، ومنه: هجرت فلانًا، إذا لم تكلمه، وله معنيان: عام، وخاص، أما العام فهو: هجر ما حرم الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٦٩١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] هذا بمعنى العام، والمعنى الخاص: أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله بأن يكون هذا البلد أو هذا الوطن لا يقيم الإنسان فيه دينه، فيهاجر من أجل إقامة دين الله، حماية لدينه هو بنفسه ونصرة لدين الله عز وجل، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿هَاجَرُوا﴾ المراد بالمهاجرة هنا ما يعم المعنيين: العام والخاص. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ شوف تأمل أعيد الموصول بعد قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾، ولكنه في الجهاد ما أعيد ما قال: والذين جاهدوا؛ وذلك لأن الهجرة والجهاد عملان مبنيان على الإيمان، وأما الإيمان فإنه هو أصل الأصول؛، ولهذا جعله منفردًا وحده ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وأما الهجرة والجهاد فهما عملان متفرعان عنه. وقوله: ﴿جَاهَدُوا﴾ الجهاد هو: بذل الجهد لأمر مطلوب، والجُهد معناه الطاقة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة ٧٩] أي: إلا طاقتهم، وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء، هذا الغالب، وإلا كل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا جهاد النفس يسمى جهادًا، جهاد النفس جهاد بلا شك، ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رجع من تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»[[أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٣٧٣) من حديث جابر بن عبد الله وضعَّف الحديث، وفيه ليث بن أبي سليم ذكره العقيلي في الضعفاء (٤ / ١٦) ط دار الكتب العلمية فقال: حدثنا عبد الله قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا في أحد منه في ليث... وذكر آخرين.]] يعني: جهاد النفس، هذا ما له أصل، ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة. أما الجهاد بالمعنى الخاص فهو بذل الجهد في قتال من؟ في قتال الكفار وهو بحسب ما يحمل عليه؛ إن كان الحامل على ذلك العصبية والحمية والشجاعة والرياء، فإنه ليس في سبيل الله، وإن كان الحامل عليه أن تكون الكلمة العليا، فهو في سبيل الله، قال ذلك النبي ﷺ حين «سئل عن الرجل: يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. إذن بهذا يتحدد معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ مفعولها محذوف للعلم به، أي: جاهدوا من؟ الكفار أو أعداء الله، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لتكون كلمة الله هي العليا. واعلم أنه يقال: في كذا، ولكذا، وبكذا، يقول مثلًا: جاهدت لله، وجاهدت بالله، وجاهدت في الله، فجاهدت لله، اللام: لبيان القصد فتدل على أيش؟ على الإخلاص، والباء: الباء للاستعانة فتدل على أنك فعلت ذلك مستعينًا بالله، وفي: للظرفية فتدل على أن ذلك الجهاد في ضمن شرع الله لما يتعدى فيه الحدود، كما تقول: صليت لله، وأيش بعد؟ وبالله، وفي الله، أي: في دينه ما خرجت. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تقدم لنا قبل زمن غير بعيد أن السبيل بمعنى الطريق، وأنه يضاف إلى الله تارة، ويضاف إلى الخلق تارة، فمثال الإضافة إلى الله كثير كما في هذه الآية: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومثال إضافته إلى الخلق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف لـ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. أما إذا قلتم: ابن السبيل، فالسبيل مضاف إليه وليس مضافًا. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ شوف سبيل المؤمنين ومرة يضيف إليه، أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم سالكوه، وأما إضافته إلى الله فلأن الله تعالى هو الذي شرعه ولأنه يوصل إلى الله، فهو مضاف إلى الله من وجهين. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ كلمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ تحتاج إلى خبر؛ لأن (الذين) اسمها فأين الخبر؟ ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هذا الخبر الجملة؛ لأن (أولاء) مبتدأ، و﴿يَرْجُونَ﴾ جملة خبر المبتدأ الثاني، والجملة؟ خبر (إن)، فعندنا جملتان: كبرى، وصغرى، والصغرى فيها جملتان: كبرى، وصغرى، ولَّا لا؟ الجملة الكبرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وخبرها -هذه الجملة الكبرى- الجملة الصغرى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هذه صغرى باعتبار الأولى، ﴿يَرْجُونَ﴾ صغرى باعتبار المبتدأ الثاني. ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ إذا قال قائل: كيف هذا التركيب؟ لماذا لم يقل: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله؟ قلنا: لأن الإشارة بمبتدأ جديد تدل على رفعة مقامهم لا سيما وأنه أتى باسم الإشارة الدالة على البعد ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، ثم إن تكرار المبتدأ يجعل الجملة كأنها جملتان، كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله أولئك يرجون رحمة الله، فيكون في ذلك تنويها بذكرهم من وجهين: أولًا: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو. والثاني: أن تكرار المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين، يجعلها كالجملتين، فيكون بذلك توكيد على توكيد. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ المراد بالرجاء هنا: الطمع، ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ الرجاء بمعنى الطلب في حصول ما هو قريب، هذا الرجاء، والتمني؟ الطمع فيما هو بعيد أو متعذر، ومعلوم أن الرجاء: الطمع فيما هو قريب، لا يكون قريبًا إلا بفعل ما يكون قريبًا به، وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم، ما هو الذي فعلوه؟ الإيمان، والهجرة، والجهاد، فإذا لم يرجوا هؤلاء رحمة الله من الذي يرجوها؟ إيمان، وهجرة، وجهاد؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ﴾ هؤلاء هم أهل الرجاء، لكن رجل مقصر لا هجرة ولا جهاد ولا عمل إلا القليل رجاؤه أيش؟ رجاؤه يقولون: التمني رأس مال المفاليس، المفاليس يعني: ما عندهم شيء، يتمنى ولكن ما عنده شيء، فهؤلاء هم أهل الرجاء، أما الذي يرجو يفعل المعاصي، وتنهاه، وترشده ويقول: رحمة الله واسعة، هذا محل الرجاء؟ لا، الرجاء لا بد من أسبابه، حسن الظن بالله لا بد أيضًا من أسبابه. إذن: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ بما عملوا، لكن مع ذلك.. ما قال الله: أولئك لهم رحمة الله كما في آية أخرى، إنما قال: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ لأنهم لا يغترّون بأعمالهم، ولا يدلون بها على الله، وإنما يفعلونها وهم راجون، لا أنهم معتمدون عليها متيقنون لثوابها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هل المراد هنا بالرحمة الرحمة التي هي صفته؟ أو المراد بالرحمة ما كان من آثار رحمة الله وهو الثواب؟ * طلبة: يحتمل المعنيين. * الشيخ: يحتمل المعنيين، يحتمل: أولئك يرجون أن يرحمهم الله، وعلى هذا فيكون ﴿يَرْجُونَ﴾ أيش؟ الصفة ولَّا الثواب؟ الصفة، يرجون أن يرحمهم، أما احتمال أن تكون رحمة الله؛ أي: ما كان من آثار رحمته، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال في الجنة، بل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فجعل المفعول المخلوق جعله رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أَرْحَمُ بِكِ» جعلها كالآلة، أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين، وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبدًا يدخله في أي مكان؟ في جنته التي رحمته. قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شوف مع ذلك، الله غفور، تقول: قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله (الغفور) هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟ الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، ولهذا نحن إذا سلّمنا من الصلاة ونحن نناجي الله في صلاتنا ماذا نقول أول ما نسلم؟ أستغفر الله، الإنسان ما يخلو، وقال تعالى: لما ذكر الدفع من عرفة قال: ﴿اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. الشاهد أنه هنا ذكر اسم الغفور؛ لأن هذه الأعمال الجليلة وإن قام بها الإنسان قد يحصل منه تقصير؛ فلهذا قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾، أما ﴿رَحِيمٌ﴾ فواضح مناسبتها؛ لأن كل هذه الأعمال اللي عملوا من آثار رحمته، فلله سبحانه وتعالى على العامل عملًا صالحًا لله عليه ثلاث نِعم عظيمة: النعمة الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح ولَّا لا؟ بأي وسيلة بينها؟ بما أنزله من الوحي على رسله، ما ظنك لو أن الناس بقوا عميًا ما يعرفون؟ فهذه نعمة من الله عز وجل أن الله تعالى أرسل إليك الرسل، بل هي أعظم النعم يبيّنون لك. ثانيًا: نعمة ثانية عظيمة أن هداك لها؛ لأن الله تعالى أضل أممًا عن الإسلام، أضل أناسًا أقوى منك زكاء، وأمضى منك عزيمة، أضلّهم عن الإسلام، وأنت هداك الله عز وجل، هذه نعمة عظيمة. ثالثًا: أن الله رتّب على ما أنعم به عليك من الهداية، رتّب لك الثواب الجزيل، ولهذا كل هذا من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى، ومع هذا فالله عز وجل الذي أنعم علينا بهذه النعم يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] سبحان الله! أنت المحسن علينا أولًا وآخرًا، ثم تقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن أحسن إليكم؟! هل جزاء الإحسان (العمل) إلا الإحسان (الثواب)؟ وهذا مما يدل على كمال رحمة الله عز وجل بالخلق أنه ينعم، ثم يشكر المنعَم عليه. ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢] سبحان الله، ما أعظم الله عز وجل! يُنعم ويثيب، ينعم بالهداية، بل ينعم بالبيان، ثم بالهداية، ثم بالثواب. ثم يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، الله أكبر! كل هذه من مقتضيات رحمته جل وعلا؛ الإيمان والهجرة والجهاد، كلها من مقتضى رحمته، لولا رحمة الله ما حصل هذا لمن آمن وهاجر وجاهد. (...) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ جملة مستقلة ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جملة مستقلة مبتدأ وخبر. * طالب: يعني ما بينهما ارتباط؟ * الشيخ: لا، يعني الارتباط أن هذه مبنية على هذه فقط. * طالب: يعني ما فيه علاقة؟ * الشيخ: لا، عربيةً لا. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو مرجع الصحابة في العلم لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾. * ومن فوائدها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم كل الأحكام، بل لا يعلم إلا ما علمه الله، ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: اهتمام الصحابة رضي الله عنهم لما يقع منهم من المخالفة، وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ لأنهم سألوا الرسول لما قاتلوا وصار الكفار يعيبونهم، صاروا يسألون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب لقوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وهذه الآية الكريمة اختلف فيها أهل العلم هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها منسوخة، وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرمًا ثم نسخ، ولكن القول الثاني أن الآية محكمة، وأن القتال في الأشهر الحرم ليس جائزًا، بل إنه محرم، دليل القائلين بأنه منسوخ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣] وما أشبه ذلك من العمومات الدالة على وجوب قتال الكفار، ومن أدلتهم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قاتل ثقيفًا متى؟ في ذي القعدة في شهر المحرم. ومنها: أن غزوة تبوك متى كانت؟ في محرم ولَّا في رجب؟ في رجب وهو شهر حرام، ولكن الذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ، وأن الآية محكمة، ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص ولَّا لا؟ ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٥] ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة ٧٣] عام يخصص بقوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢١٧]، وأما قتال الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه أجيب عنه بأن هذا ليس قتال ابتداء، وإنما هو قتال مدافعة، وقتال المدافعة لا بأس به حتى في هذه الأشهر الحرم، إذا قاتلونا نقاتلهم، فإن ثقيفًا كانوا تجمّعوا للرسول عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام ليغزوهم، وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمّعوا له فخرج إليهم ليدافعهم، فالصواب في هذه المسألة أن الآية محكمة، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال، لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام. * ويستفاد من الآية الكريمة : ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أن الأشهر قسمان: أشهر حرم، وأشهر غير حرم. يتفرع على هذه الفائدة: أن الله عز وجل يختص من خلقه ما شاء، فهناك أماكن محترمة وأماكن غير محترمة، وأزمنة محترمة وأزمنة غير محترمة، ولَّا لا؟ وهنالك رسل وهناك مرسَل إليه، وهناك صِديقون، وهناك من دونهم، والله عز وجل كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة والأمكنة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر، وهل الكبائر على مستوى واحد والصغائر على مستوى واحد؟ لا، درجات، ولهذا سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أكبر الكبائر؛ أكبر الكبائر، دل هذا على أن الكبائر فيها أكبر وفيها أصغر من الأكبر وإلا كلها كبائر؛ فالإشراك بالله أكبر الكبائر، وهو شرك مخرج عن الملة، عقوق الوالدين من أكبر الكبائر لكن ما يخرج من الملة، شهادة الزور من أكبر الكبائر لكن لا تخرج عن الملة، قتل النفس كذلك، إذن الكبائر درجات، والصغائر كذلك، لكن ما هو حد الكبائر؟ حد الكبائر: اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة، وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام إن هذا من الكبائر، وعدَّها سردًا، ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة، وأيش معنى محدودة؟ يعني أن لها حدًّا، ما هي معيّنة هذه وهذه وهذه، لا، محدودة، حِدة، ويدخل في هذا الحد شيء كثير، ثم اختلفوا في الحد بماذا نحد الكبائر؟ قال بعضهم: كل ذنب لُعن فاعله هو كبيرة. وقال بعضهم: كل ذنب فيه حد في الدنيا فهو كبيرة. وقال بعضهم: كل ما فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رُتّب عليه عقوبة خاصة. الذنوب إذا قيل: لا تفعل كذا، أو حُرّم عليك كذا، أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة لهذا الذنب فهو صغيرة، أما إذا رُتّب عليه عقوبة، أي عقوبة كانت فإنه يكون من الكبائر، فالغش مثلًا كبيرة ولَّا لا؟ * طلبة: كبيرة. * الشيخ: لأنه رُتب عليه عقوبة خاصة وهي البراءة منه: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] كذا؟ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥ / ٧١)، واللفظ للبخاري من حديث أنس رضي الله عنه.]]. كون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨ / ٧٧)، واللفظ للبخاري من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وكونه يعتدي على جاره أيضًا أكبر، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]. هذا الحد في الحقيقة حد معقول؛ لأنك لا تستطيع أن تفرق بين ما رُتّب عليه حد في الدنيا كالزنا والسرقة، وما رُتّب عليه وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان أو غضب، أو لعنة أو ما أشبه ذلك، ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء، بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رُتّب عليه من العقوبة، فالذين يحاربون الله ورسوله ليسوا كالذين يسرقون فقط، ولهذا جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٣] وهذا الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله في حد الكبيرة هو أقرب ما يكون، وأطرد ما يكون؛ يعني مطرد. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. * طالب: عند الله. * الشيخ: إي نعم، أخيرًا: الفتنة أكبر من القتل. يتفرع على هذه الفائدة: أن من أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق، تجي لشخص تجده مثلًا متعبدًا طالب علم، تقول له: وأيش تبغي بهذا، وأيش تبغي مثلًا بالمطالعة، وأيش تبغي بطلب العلم؟! راحوا الناس الآن تقدموا، يقول: وصلنا القمر، وصلنا الفضاء، وما أشبه ذلك، هذا الذي يفعل مثل هذا يكون صادًّا عن سبيل الله؟ نعم، يكون صادًّا عن سبيل الله، فكل من ثبط عن الخير فإنه صادّ عن سبيل الله، ولكن هذا الصد يختلف اختلاف ما صد عنه، من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء مثل ما فعل مشركو قريش، ومن صد عن شيء أقل كمن صد عن تطوع مثلًا فإنه أخف، لكن لا شك أن هذا جرم، النهي عن المعروف جرم بلا شك، وصد عن سبيل الله. * ومن فوائد الآية: أن الكفر بالله أعظم من القتل في الشهر الحرام أو لا؟ لقوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى آخره. * ويستفاد من الآية: عِظم الصد عن المسجد الحرام، فهل يستفاد منه أنه لا يجوز أن يمنع الناس من الحج ولَّا لا؟ * يستفاد منه: أنه لا يجوز منع الناس من الحج، لكن لو قال ولي الأمر: أنا لا أمنعهم، لكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضًا لو اجتمعوا جميعًا، فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من لا يصلح للجهاد من الجهاد، أو نقول: إن في هذا نظرًا؟ * طلبة: الأول. * طالب: مثل قولنا يا شيخ (...) قولنا تنظيمًا يجوز. * الشيخ: على كل حال المسألة هذه؛ يعني تحتاج إلى نظر بعيد، وهل إن مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص أو لا؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نستفيد فوائد: فمن فوائدها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن العلم؛ حيث سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكم من سؤال وقع على الصحابة رضي الله عنهم بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من اثنتي عشرة مرة. * ويستفاد منها: أنه من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه، منين يؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ فإنهم ما سألوا عن الذي ينفق عليه إنما سألوا: ماذا ينفقون فأجيبوا بما ينفق عليه. وهل أجيبوا عن السؤال؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: أين؟ * طالب: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾. * الشيخ: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نعم. * ويستفاد من الآية الكريمة: فضل الإنفاق على الوالدين والأقربين، وأنه مقدم على الفقراء والمساكين، وجه ذلك؟ أن الله بدأ به ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ولا يُبدأ إلا بالأهم فالأهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لليتامى حقًّا في الإنفاق وإن كانوا أغنياء، وجهه: أنه خصهم، ثم أتى بعدهم بقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، فإن كانوا يتامى ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة، وإذا كانوا أقارب؛ أقارب ويتامى ومساكين؟ ثلاث استحقاقات، وإذا كانوا أبناء سبيل أيضًا؟ أربعة؟ يمكن اليتيم يصير ابن سبيل؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: يمكن يسافر به. * ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. * ويستفاد منها أيضًا: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقًا ماليًّا، أو عملًا بدنيًّا، أو تعليم علم، أو جهادًا في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله تعالى يعلمه، وسيجازي عليه لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإن ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نكرة في سياق الشرط ما تفعلوا فتكون للعموم، متى تكون النكرة للعموم؟ إذا كانت في سياق النفي، وأيش بعد؟ أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم ٩٨] في هذه الأربعة تكون للعموم، أما في مقام الإثبات، كما لو قلت: اضرب رجلًا، فهي للإطلاق وليست للعموم. ما الفرق بين الإطلاق وبين العموم؟ الفرق: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي، كلام باللغة غير العربية، واضح؟ * طالب: بالعربية. * الشيخ: بالعربية لكن غير مفهوم؛ أقول: الفرق بين الإطلاق والعموم: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي واضح؟ التفصيل؛ عمومه بدلي بمعنى: أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل؛ يعني: واحد منها يكفي عن الجميع، هذا المعنى، عمومه بدلي أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل أي: أن واحدًا منها يكفي عن الجميع، وأما العام فعمومه شمولي بمعنى أنه يتناول جميع الأفراد على سبيل التعيين ما هو على سبيل البدل، فإذا قلت مثلًا: أكرم الطلبة. * طالب: الكل. * الشيخ: يشمل الجميع، لازم كلهم تكرمهم، إذا قلت: أكرم طالبًا، يكفي واحد، لكن ما هو على سبيل التعيين، على سبيل البدل ولَّا لا؟ إذا أكرمت أول واحد أو آخر واحد أو من بينهما كفى. فهمتم؟ النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، فإذا قلت: أعتق رقبة، أيّ رقبة تعتقها كفى، وإذا قلت: لا تعتق رقبة، فإنك لا تعتق أي رقبة من الرقاب. تمام؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يحقر من المعروف شيئًا لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا تحقرن شيئًا من المعروف، لا تقل: والله هذا شوي، هذا قليل، هذا بسيط «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]]. ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: فرضية الجهاد لقوله: ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى (فُرض). * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره الشيء المكتوب عليه، لا كراهة من حيث أمر الشارع به، ولكن من حيث طبيعته لقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ لكن من حيث أمر الشارع به وأيش الواجب؟ الواجب الرضا وانشراح الصدر به. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن البشر لا يعلمون الغيب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. * ويستفاد من الآية: أن الله عز وجل قد يحكم حكمًا شرعيًّا أو كونيًّا على العبد بما يكره وهو خير له، قد يصاب الإنسان بمصيبة وتكون خيرًا له، افرض مثلًا أنك مسافر وحصل على السيارة عطل، تكره هذا ولَّا تحبه؟ تكرهه، لكن تبين لك أن أمامك بنحو أميال قُطّاع الطريق لصار هذا التعطل صار خيرًا لك ما تدري، فقد يقدّر الله الشيء على الإنسان وهو يكرهه ويكون خيرًا له، ولهذا لا ينبغي أن تكرهه. * ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ لكن من أين نأخذ العموم؟ * طالب: من (لا) النافية يا شيخ. * الشيخ: لا، كيف نأخذ العموم؟ * طالب: من الفعل المضارع. * الشيخ: الفعل المضارع ما يدل على العموم، حذف المعمول يفيد العموم، هذه القاعدة مرت علينا من قبل، حذف المعمول يفيد العموم أو لا؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٦ - ٨] كلها محذوفة المفاعيل، (آواك)، وآوى بك أيضًا. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ هداك أنت ولَّا هدى بك أيضًا؟ هداك وهدى بك. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ لو قال: فأعناك ما استفدنا أن غيره أغناه الله به أيضًا، بل أغناه وأغنى به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]. إذن نأخذ العموم من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وأيش طريق العلم به؟ حذف المفعول إي نعم، فإن حذف المفعول يدل على العموم. * ويستفاد من الآية الكريمة: ضعف الإنسان لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان عدم العلم، ولهذا قال الله تعالى لرسوله ممتنًّا عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣] فالأصل في الإنسان أنه لا يعلم ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨]. ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى آخره، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ نأخذ منها ما سبق من حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال والعلم، ولهذا يقال: إن مفتاح العلم السؤال. * ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ يعني من كبائر الذنوب، والأشهر الحرم أربعة، وأظنها معروفة لكم. * ويستفاد من الآية الكريمة: تقديم ما يفيد العِلّية لقوله: ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ والمسؤول عنه هو القتال في الشهر الحرام، لكنه قدم الشهر؛ لأنه العلة في تحريم القتال، يعني: ما شأن القتال فيه؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم من أحكام الله إلا ما علمه الله. * طالب: يسألون. * الشيخ: لا، الجواب، من جواب الله له: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ كذا؟ ينبني على هذه المسألة: هل للرسول عليه الصلاة والسلام أن يجتهد أم لا؟ الجواب: نعم، له أن يجتهد، ثم إذا اجتهد فأقره الله، صار اجتهاده بمنزلة الوحي، كما أن الرسول لو أقر أحدًا من الصحابة على شيء صار فعل هذا الصحابي بمنزلة السنة، عرفتم؟ فإن لم يقره الله عليه تبين أن الاجتهاد ليس بصواب، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣]. * طالب: فضيلة الشيخ، ما يجمع بينها وبين قول الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم ٣]؟ * الشيخ: إيه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالقرآن ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ يعني: أن القرآن وحي من الله. * طالب: شيخ، فعل النصراني (...) النبي ﷺ أقره على ذلك (...) القاعدة؟ * الشيخ: لا، إحنا ذكرنا أنه لا يلزم من إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام على الشيء أن يكون سنة مشروعة، لكن أن يكون جائزًا، الرسول أقره بمعنى أنه ليس بمحرم، لكنه ليس بسنة، ولهذا لم يكن الرسول يفعله عليه الصلاة والسلام، وذكرنا لذلك بعض النظائر أيضًا، تحفظون منها شيئًا؟ * طالب: مثل الصدقة على الميت (...). * الشيخ: فهذا جائز وليس بمشروع، لا يشرع لكل إنسان مات له ميت أن يتصدق عنه. * ويستفاد من الآية الكريمة: تفاوت الذنوب؛ أن الذنوب تتفاوت، منين؟ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هذه أولًا تفيد أن الذنوب تتفاوت، وبتفاوت الذنوب يلزم من ذلك تفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، فيكون في ذلك ردّ على من أنكروا زيادة الإيمان ونقصان الإيمان، وللعلماء في ذلك ثلاثة آراء: منهم من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد وينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص، الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص هم طائفتان: المرجئة، والمعتزلة والخوارج؛ المرجئة لماذا قالوا: لا يزيد ولا ينقص؟ قالوا: لأن الإيمان هو التصديق بالقلب، والتصديق بالقلب لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال عندهم لا تدخل في مسمى الإيمان، والمعتزلة والخوارج قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح، وأنه إذا فُقد في واحدة من هذه الثلاثة فُقد منها الجميع، فعلى هذا لا يزيد ولا ينقص، إما أن يبقى كله، وإما أن يعدم كله، واضح؟ وقال بعض أهل العلم: إن الإيمان يزيد ولا ينقص؛ لأن الله تعالى صرح في القرآن بأنه يزيد ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] ولكن لم يأتِ في القرآن أن الإيمان ينقص، عرفتم؟ والصحيح أنه يزيد وينقص، وأنه يزيد وينقص باعتبار اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، حتى باعتبار اعتقاد القلب يزيد وينقص، أليس إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] يزيد ولَّا لا؟ يزيد، وأنت الآن عندما يخبرك رجل ثقة بأن فلانًا قدم إلى البلد تُصَدِّق، فإذا جاءك آخر ازداد تصديقك ولَّا لا؟ ازداد، فإذا جاء ثالث ازداد، فإذا جاء رابع ازداد، إذا وصل إلى حد التواتر أثبت العلم. فإذن التصديق بالقلب يزيد، حتى نفس الشخص يجد في بعض الأحيان في بعض الساعات يجد في قلبه إيمانًا راسخًا كأنما يشاهد العرش، وكأنما يرى الله عز وجل، كما قال الرسول: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وأحيانًا يغفل ويهبط هبوطًا كاملًا، أو كثيرًا إيمانه، أما زيادة الإيمان باعتبار أقوال اللسان فحدّث ولا حرج، فالذي يسبح الله مئة مرة ليس كالذي يسبحه عشر مرات، أيهما أزيد؟ مئة مرة، وكما أنه يختلف بالكمية يختلف أيضًا بالكيفية، فالعبادة المبنية على الإخلاص، وتمام الاتباع ليست كالعبادة الناقصة في الإخلاص وتمام الاتباع، وكذلك في الجوارح، عمل الجوارح يختلف، فالذي يصلي أربع ركعات ليس كالذي يصلي ثماني ركعات، واضح؟ إذن يزيد ولَّا لا؟ يزيد بالاعتقاد، والقول، والعمل الفعل، والذين قالوا: يزيد ولا ينقص نقول لهم: سبحان الله! نرد عليهم من وجهين: أولًا: أن الرسول أثبت النقص فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠ / ١٣٢) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. ثانيًا نقول: إذا ثبتت الزيادة ثبت النقص بالضرورة، وأيش معنى هذا زائد على هذا إلا أن الثاني ناقص عنه؟ فهما متلازمان متى ثبتت الزيادة ثبت النقص، ومتى ثبت النقص انتفت الزيادة. واضح؟ فالصواب إذن أنه يزيد وينقص باعتبار إقرار القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح، وهذا أمر مسلّم، وهو معلوم بالضرورة من تفاوت الكبائر أو تفاوت الذنوب، ومن تفاوت الأعمال الصالحة أيضًا فإن تفاوت العمل يستلزم تفاوت العامل. * طالب: شيخ، يصح أن نقول: إن العلماء من الخوارج والمعتزلة نقول: علماء؟ * الشيخ: إيه علماء إيه. * الطالب: ضلّال هم يا شيخ. * الشيخ: علماء، لكنهم ما نقول عنهم: ضلال ولَّا ما هم ضلال، هذا شيء ثانٍ، لكن نقول: علماء، هم علماء الملة، شيخ الإسلام رحمه الله يقول في الفتوى الحموية : انقسم أهل القبلة في مسائل الصفات إلى ست فرق. وعد منهم الجهمية والمعطلة؛ لأنهم منتسبون للإسلام ويعدون من الفرق الإسلامية لكنها مخالفة. * طالب: يكفرون؟ * الشيخ: لا شك أن بعض البدع كفر، لكن الشخص بعينه لا، يحتاج إلى أن تقوم عليه حجة. * طالب: شيخ، في من يقول في (...): إيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص، إيمان الأنبياء يزيد ولا ينقص، وإيمان عوام الناس يزيد وينقص؟ * الشيخ: هذا غلط، نحن نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص بقطع النظر عن المتصف به، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يفعلون بعض الأشياء التي يظلمون فيها أنفسهم: هذا آدم كما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] وهذا موسى قتل نفسًا بغير حق وأشياء كثيرة، ولكنهم يرجعون إلى الله عز وجل ويتوبون ويكونون بعد التوبة خيرًا منهم قبلها. * طالب: إذن قوله يعني خطأ؟ * الشيخ: إي نعم، خطأ. * طالب: فالملائكة يا شيخنا، يفعلون الخير المحض؟ * الشيخ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، إي نعم، ما نستطيع نقول شيئًا، ما نقول شيئًا. * الطالب: نتوقف عنه؟ * الشيخ: نتوقف عنه، ما نقول، نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص، أما باعتبار المؤمن نفسه فقد يكون بعض الناس يمن الله عليه ويزداد دائمًا في إيمانه وعمله الصالح، وقد يكون بعض الناس بالعكس دائمًا في نقص. * طالب: إذن الأقوال ثلاثة؟ يزيد وينقص؟ * الشيخ: على أقوال ثلاثة: يزيد وينقص، لا يزيد ولا ينقص، يزيد ولا ينقص. * طالب: (...). * الشيخ: هو أبو حنيفة رحمه الله من المرجئة، لكنه يدخل القول في مسمى الإيمان، يدخله. * من فوائد الآية الكريمة: عظمة الصدّ عن سبيل الله لقوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخره. والصد عن سبيل الله له طرق متعددة كثيرة غير محصورة، قد يكون بمنع الناس من فعل العبادات، وقد يكون بإشغالهم وإلهائهم عن فعل العبادات، وقد يكون في تحقير العبادات في أنفسهم، وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم ويدَعوه، المهم أن طرق الصدّ سبيل الله عن دينه لا حصر له كثيرة جدًّا. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الكفر بالله أعظم من القتال في الشهر الحرام أو لا؟ ويستفاد من هذا: أن الصد عن المسجد الحرام أعظم من القتال في الشهر الحرام لقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن إخراج أهل مكة منها أعظم من القتال في الشهر الحرام. * ويستفاد من الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين؛ حيث قاتلوا في الشهر الحرام، تسلية، من أين تؤخذ؟ (...) من يتصف بها؟ المشركون الذين انتقدوا على المسلمين قتلهم لهذا الرجل في الشهر الحرام؛ يعني أنتم إذا فعلتم هذا فقد فعلوا أكبر من ذلك، أربعة أمور؛ كل واحد منها أكبر من هذا. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام في قوله: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ مع أن المشركين ساكنون في مكة لكن ليسوا أهلًا للمسجد الحرام كما قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤]. * ويستفاد من ذلك: أن الفتنة أكبر من القتل؛ الفتنة أكبر من القتل، وأيش الفتنة؟ الشرك، الشرك أعظم، وقلنا: لكم فيما سبق أنها تشمل الشرك، وتشمل أيضًا فتْن الناس عن دينهم بأنواع الشبهات، أو بأنواع الشهوات. * ويستفاد منها: التحذير من الفتنة لقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ فإذا كانت أكبر فالواجب الحذر منها، وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا، ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في الفتنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الدجال: «مَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتْبَعَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ» الحديث.]] هذا هو الحديث أو معناه، المهم أن الإنسان لا يُعرّض نفسه للفتن، كم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) واللفظ له من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ إلى هذا الحد، إلى القتال، لأجل أن يردونا عن ديننا، وإذا حصل لهم الرّدّة بدون قتال؟ * طالب: أحب لهم. * الشيخ: أحب لهم؟ أحب إليهم معلوم، إذا حصل أن المسلمين يرتدون بدون قتال فهو أحب إليهم، ولهذا كان الغزو الفكري والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي، ولَّا لا؟ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر، وأما ذاك فهو صدام مسلّح، ينفر الناس منه بالطبيعة ما يمكنون أحدًا يقاتلهم، أما هذا فإنه -والعياذ بالله- سلاح فتّاك، ولهذا كم أفسد على الأمة؟! أصل الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية أصلها من مثل هذا، نعم بدعة الروافض، بدعة الخوارج وما أشبه ذلك وأيش أسبابها؟ هو هذا، يفسدون الفكر حتى يوقعوا الناس في القتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الكافرين لقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ وكلمة: لا يزال، أظن نفهم كلنا أنها تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، لا يزالون يفعلون هذا حتى يردوكم عن دينكم. * ويستفاد من الآية الكريمة: تيئيس الكافرين من أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين في قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله فيكون في آخر الزمان تهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾. * ويستفاد منها: أنها لا تبطل العمل إلا إذا مات على الكفر لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، وعلى هذا فنقول: لو أن أحدًا ارتد والعياذ بالله؛ ارتد عن الإسلام، بدأ ما يصلي، ترك الصلاة نهائيًّا، ثم هداه الله ورجع إلى الإسلام وصار يصلي، فهل أعماله السابقة ترجع ولَّا تذهب؟ ترجع؛ لأن الله عز وجل اشترط أن يموت وهو على كفره، طيب لو كان صحابيًّا هل ترجع صحبته؟ نعم، على الأصح، كما قال ابن حجر على الأصح ترجع، طيب لو كان قد حج، ثم عاد إلى الكفر، ثم عاد إلى الإسلام؟ يُلزم بأداء الحج؟ لا، يكفي الحج الأول. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد مخلّد في النار لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، فلا يغسّل، ولا يكفّن، ولا يُصلّى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وهل يرث ويورث؟ فيه خلاف؟ أما كونه لا يرث فهذا الظاهر أنه بالإجماع، ولا أدري، لكن الظاهر، أما كونه يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون، ولكن الصحيح أنه لا توارث لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤ / ١) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.]]. رجل عنده ملايين الدراهم ومئات العقارات، وآلاف السيارات، ولكنه ما يصلي ومات، وله أبناء وزوجات قلنا: ها المال هذا ما هو لكم، المال لبيت المال، هذه صعبة جدًّا، لكن مع ذلك فيها فائدة عظيمة؛ لأن بعض الناس قد يحمله كونه يتصور أن أولاده سيشرّدون بعده، ولا يكون لهم استحقاق في أمواله إلا بقدر ما يستحقون من بيت المال، ربما أن هذا الأمر يحمله على أن يرجع إلى الإسلام ويتوب، وإذا رجع إلى الإسلام وتاب تاب الله عليه وصار موروثًا. * طالب: كذلك يحمل أهله على (...). * الشيخ: ويحمل أهله أيضًا على أن يشددوا عليه في النصيحة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للعمل أيًّا كان ذلك المرتد، سواء كان من الصحابة أو من التابعين أو ممن بعدهم لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ والخطاب أول ما يدخل فيه الصحابة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقد ارتد أحد منهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن خطل، أسلم ثم ارتد والعياذ بالله، ولحق بمكة، واتخذ جواري يغنين بهجاء الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما كان في فتح مكة قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[[أبو داود (٣٠٢٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]] فجاؤوا إليه فقالوا: يا رسول الله، عبد الله بن خطل متعلق بأستار الكعبة في المسجد ولَّا خارج؟ في المسجد متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقْتُلُوهُ، اقْتُلُوهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٤٦) ومسلم (١٣٥٧ / ٤٥٠) من حديث أنس رضي الله عنه.]]. فقتل مع أنه في آمَن بقعة على وجه الأرض، ومع أن الرسول قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ»، فقال: «اقْتُلُوهُ». قال العلماء: لأن الكفر -والعياذ بالله- عظيم؛ فإنه قد سَبّ الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الجواري اللاتي كن يغنين بالقدح في الرسول ﷺ. * طالب: يعني (مَنْ) هذه، مَن دخل بيته فهو آمن؟ * الشيخ: هذا عام. * الطالب: ما يدخل فيها؟ * الشيخ: إلا، لكن يجوز تخصيص العموم، هذا فيه تخصيص العموم؛ يعني إلا عبد الله بن خطل خصه الحديث. * طالب: وإخراج أهله منه أكبر، فما دعاهم إلى تغريب الزاني؟ * الشيخ: لا، هذا شرعي، تغريب الزاني هذا شرعي. * طالب: يا شيخ، أقول: قصة ابن خطل هذه ما تؤيد كلام شيخ الإسلام يعني يقول: من سب الرسول لازم يقتل؟ * الشيخ: إيه، يستدل بها عليه. * طالب: أما ابن خطل؟ * الشيخ: إيه، لكن ما قتل، تاب وبقي. * طالب: الشرك ما يحبط العمل؟ * الشيخ: الشرك إذا مات، إذا مات على الكفر حبط عمله. * طالب: الساحر، وهو حاج يقولون: يبطل الحج، تصدّق هذا الساحر؟ * الشيخ: من يقول؟ * الطالب: يقولون: يبطل حجه. * الشيخ: لا، إن اعتقد أنه يعلم الغيب صار كافرًا؛ لأنه ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، وإذا كفر فمات على كفره، وإن تاب تاب الله عليه. * طالب: الحاج لو أنه مشرك، حجه ما يعيده؟ * الشيخ: كيف لو أنه مشرك، وأيش لون؟ * الطالب: ارتد يعني .. * الشيخ: لو ارتد بعد الحج، ثم عاد إلى الإسلام ما يعيد الحج. * الطالب: إذا كان حج وأسلم؟ * الشيخ: ثم أسلم. * الطالب: ثم أسلم، معناه وحج، يعني الحج؟ * الشيخ: ما يبطل الحج، لا، ما يبطل، يعني ارتد بعد الحج نقول: إذا لم يمت على الكفر فهو صحيح؛ يعني فلا يبطل عمله. * طالب: شيخ، قوله: «مَنْ أتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٥٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] هل يقول: لا تقبل الصلاة أربعين يومًا؟ * الشيخ: هذاك فسأله، مجرد سؤاله ما تقبل له صلاته أربعين يومًا. * الطالب: إذا حج في الأربعين اليوم هذه تقبل ولَّا ما تقبل؟ * الشيخ: تقبل، تقبل. * الطالب: والصلاة ما تقبل؟ * الشيخ: لا، هو الصلاة تقبل، لكن معنى: لا تقبل مو معناه لا تبرأ بها الذمة، الذمة تبرأ بها، لكن معناه أن سوء عمله هذا يقابل أجر الصلاة فكأنه لم يُصلِّ، بالاتفاق أن صلاته تصح. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والهجرة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨]. * ويستفاد منها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: من الترتيب. * الشيخ: لأنه قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ فجعل الجهاد معطوفًا على الهجرة، ولم يجعل له اسمًا موصولًا مستقلًّا. * ويستفاد من ذلك: مراعاة الإخلاص للهجرة والجهاد لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ وأما بدون إخلاص فإنه هجرته إلى ما هاجر إليه. * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازمًا بقبول عمله بل يكون راجيًا، ولكنه يرجو رجاء يصل به إلى حسن الظن بالله عز وجل. (...).

البقرة 2:218

ثم قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نشوف ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الجملة فعل وفاعل ومفعول به، أو لا؟ و(يسألون) فعل، و(الواو) فاعل، و(الكاف) مفعول به، والضمير في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ على من؟ على الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، وعلى هذا فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبره، و(ينفقون) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه. هذا إذا لم تلغَ (ذا)، فإن ألغيت صار هناك إعراب آخر، وهو أن نقول: (ماذا) اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعولًا مقدمًا لقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾، و﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل مضارع، والفاعل الواو، والمفعول هو ما سبق، عرفتم؟ المعنى لا يختلف على الإعرابين. والسؤال سألوا: ما الذي ينفقون وأيش ينفقون؟ هل ينفقون طعامًا، هل ينفقون ثيابًا، هل ينفقون دراهم ماذا ينفقون؟ السؤال هنا عن المنفق لا عن المنفق عليه، أو لا؟ عن المنفق، عن جنسه، أو عن قدره، أو عن الأمرين جميعًا؟ * الطلبة: عن الأمرين. * الشيخ: الظاهر عن الأمرين جميعًا عن الجنس والقدر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ هذا الجواب، ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما) هذه موصولة، وإن شئت فاجعلها شرطية، و﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ إن جعلت (ما) موصولة فهي الخبر، وإن جعلتها شرطية فهي جواب الشرط. ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله سبحانه وتعالى أجابهم عن ماذا ينفقون فيه، لا عن ماذا ينفقون، عن ماذا ينفقون فيه، يعني قال: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾؛ لأن حقيقة الأمر أن الشأن كل الشأن أن يكون إنفاقك في محله، فأنت لا تهتم ماذا تنفق، اهتم أين تنفق، ولَّا لا؟ بعض الناس ينفق في الشر، وبعض الناس ينفق في شيء لا خير فيه ولا شر، وبعض الناس ينفق في الخير. ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أقول: قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن الجواب وقع على غير وفق السؤال؛ لأن السؤال عن أيش؟ ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، فجاء الجواب: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فهل هذا يكون من باب أسلوب الحكيم المعروف في البلاغة؛ حيث كان هذا الجواب بهذه الصيغة إشارة إلى أنه كان ينبغي أن تسأل على من تنفق؟ هكذا يبدو، ولكنك عند التأمل يتبين لك أن الله عز وجل أجاب عن السؤال جوابًا مطابقًا وزاد عنه أو زاد عليه؛ لأن الجواب عن السؤال يفهم من قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ من خير، إذن فما الذي ينفق؟ الخير، الخير هو اللي ينفق، وما دام الذي ينفق الخير، فقد يكون الخير في الطعام، وقد يكون الخير في الثياب، وقد يكون الخير في الفرش، وقد يكون الخير في الدراهم، يختلف ولَّا لا؟ لو جئت إلى إنسان مضطر جائع مرة، جائع سيموت إن لم تطعمه وعارٍ ما عليه ثياب أبدًا، فما الخير هنا؟ الثياب ولَّا الطعام؟ الطعام، معلوم ابدأ بالطعام أولًا خير من الثياب، ولو جئت لإنسان لم يصل إلى حد الضرورة إلى الأكل لكنه في ضرورة إلى الثياب؛ لأن الجو بارد وليس عليه إلا ثوب رقيق، فما هو الخير حينئذٍ؟ في الثياب، واضح؟ إذن يكون الله عز وجل قد أجاب عن ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ بقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، وزاد على الجواب بذكر المنفق عليه في قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾. قد تقول: إن الزيادة على السؤال إسهاب وتطويل؟ فنقول: إنه إذا كانت الزيادة مما تدعو الحاجة إليه ويقتضيه حال السائل فليست إسهابًا ولا تطويلًا بل هي من تمام الجواب؛ ولهذا لما سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر نتوضأ به وأيش قال؟ قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٨٣) من حديث أبي هريرة.]] مع أنه ما سئل عن الميتة، ما سئل عن الحوت والسمك، قال: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»؛ لأن راكب البحر يحتاج إلى ذلك. (الوالدين) يعني: الأم والأب، والجدة والجد؛ لأن الجدة والجد وإن لم يكونا والدين مباشرة، فهما والدين لوالديك هما السبب في حصول والديك، ووالداك هما السبب في حصولك أنت، فيشمل الوالدين: الأقربين والأبعدين. وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الأقربين جمع أقرب، وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفق، فأخ وابن أخ من الأقرب؟ الأخ، وعم وابن عم؟ الأقرب العم، وابن أخ وعم الأقرب؟ ابن الأخ، الأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه لو اجتمع ابن أخ وعم في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (١٦١٥ / ٣) من حديث ابن عباس.]]، فاتفق العلماء على أن ابن الأخ أولى من العم. والقربى دون الأقربين هل لهم حق؟ الجواب: نعم؛ لأنهم من الأرحام، لكن الأقرب أولى من الأبعد، وإلا فالكل له حق، والكل يؤجر الإنسان بالإنفاق عليه. وقوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ يشمل الأبناء؟ نعم، يشمل الأبناء، ولكن الإنفاق على الأبناء جاءت السنة بتقييده بالعدل حيث قال النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣ / ١٣) من حديث النعمان بن بشير.]]، فلا يجوز أن يعطي الذكر ويمنع الأنثى، أو أن يعطي الأنثى ويمنع الذكر، أو أن يعطي واحدًا ويمنع الآخر. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، ومن اليتيم؟ قال أهل العلم: إنه مشتق من اليتم وهو الانفراد، والمراد به: من مات أبوه ولم يبلغ، يعني: الصغير الذي مات أبوه، هذا هو اليتيم، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ ولهذا إذا بلغ استقل بنفسه فلم يكن يتيمًا. وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو: المعدم الذي ليس عنده مال، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر قد أسكنه وأذله؛ فلهذا يسمى مسكينًا. والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين فيفترقان، وتجده في القرآن أن الفقير قد يأتي وحده والمسكين قد يأتي وحده، والفقير والمسكين قد يجتمعان، ففي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر ٨] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٢] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] يشمل؟ * طالب: كل الناس، كل الناس حتى الغني. * الشيخ: كل الناس، حتى الغني فهو فقير إلى الله عز وجل؛ ولهذا قيدت: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله﴾. وفي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة ٨٩] يدخل فيه الفقير، وكذلك هنا. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ من ابن السبيل؟ قال العلماء: هو المسافر الذي انقطع به السفر، وسمي ابنًا للسبيل، السبيل هو الطريق، سمي ابنًا له؛ لأنه ملازم له، وكل ما لازم شيئًا فهو ابن له؛ ولهذا يقال: ابن الماء لطير الماء الملازم فيه، طير يسمى ابن الماء؛ لأنه ملازم له، وإنما خص الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه قد يحتاج وهو لا يعلم عن حاجته؛ ولهذا فابن السبيل إذا أراد أحد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق فإنه يعطيه. ولكن هل تعطيه إذا سأل أو تعطيه وإن لم يسأل؟ نقول: هذا على وجهين: أحدهما: أن تعلم أنه لا يحتاج كما لو كان غنيًّا تعرف أنه غني، ومر بهذه البلد عابرًا، فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه حتى لو أعطيته لرأى أن في ذلك نقيصة له، وآخر تعرف أنه معوز وعليه أثر الإعواز هذا تعطيه ولا شك، وثالث: تشك في أمره، فهذا إن أعطيته بعد سؤاله تقول: هل أنت محتاج؟ فإنه خير، وإلا فلا حرج عليك، وإن أعطيته ظنًّا منك أنه محتاج فأنت على خير. قال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ هذه الجملة الأخيرة شاملة لكل خير، هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير فعمم الله ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، و(ما) هذه شرطية، و﴿تَفْعَلُوا﴾ فعل الشرط؛ ولهذا حذفت منه النون، وجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ (من) بيانية بيان لماذا؟ * طالب: للمنفق. * الشيخ: لا لا. * طالب: للإنفاق. * الطلبة: فعل إغراء. * الشيخ: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما)؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أن الموصول مبهم، وكذلك أسماء الشرط مبهمة، فـ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (من خير) بيان لـ(ما)؛ ولهذا لو أنك حذفت (ما) وقلت: أي خير تفعلوا فإن الله به عليم، استقام الكلام ولَّا لا؟ استقام الكلام، إذن فقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما). وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ما قال: وما تنفقوا من خير؛ ليعم الإنفاق والعمل البدني والقول وكل شيء، كل شيء تفعله من الخير فإن الله به عليم. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: بهذا الخير الذي تفعله قليلًا أو كثيرًا، فإن الله يعلمه، سرًّا كان أم علنًا. وما فائدة الجواب هنا مع الشرط؟ إذا قال قائل ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ما الفائدة من كون الله يخبرنا بأنه عالم به؟ الفائدة هو أن نعلم أنه لا بد أن يجازينا عليه؛ لأن الله عدل لا يظلم، فإذا فعلنا خيرًا فإن الله يعلمه، وسوف أيش؟ يجازينا عليه. لا تقل: إن الجواب لم يطابق الشرط؛ إذ لا فائدة لنا من كون الله يعلمه، نقول: بل لنا فائدة وهو أنه إذا علمنا أن الله يعلمه، فإن الله تعالى عدل لا يضيعه، بل لا بد أن يجازينا عليه. وفيه أيضًا فائدة -كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد- وهي: الإغراء والحث. ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾.. * طالب: شيخ (...) هل هنا جاءت بصيغة (...)؟ * الشيخ: قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ الجار والمجرور في: ﴿بِهِ﴾ متعلق بماذا؟ * طالب: بـ﴿عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: بـ﴿عَلِيمٌ﴾، نعم. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، والكَتْب في الأصل بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، والكَتْب -كتب الله عز وجل- ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي، وكتاب كوني، الكتاب الكوني لا بد أن يقع ولا يمكن أن يتخلف، والكتاب الشرعي قد يفعله المكتوب عليه وقد لا يفعله، فـ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] قد يصوم الناس وقد لا يصومون، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قد يقاتلون وقد لا يقاتلون، لكن ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هذا الكتابة الكونية القدرية هذه لا بد أن تكون، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] كتابة أيش؟ كونية لا بد أن تكون. فالكتابة إذن نوعان: كتابة كونية، وكتابة شرعية، والفرق بينهما: أن الكتابة الكونية لا بد من وقوع المكتوب فيها بخلاف الكتابة الشرعية. الفرق الثاني: أن الكتابة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه، وأما الكتابة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله، لا يمكن أن يفرض الله على عباده ما لا يحبه، بل كل ما فرضه فهو محبوب إليه. وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي قتال هو؟ قتال أعداء الله الكفار، و﴿الْقِتَالُ﴾ مصدر قاتل، وهذه الصيغة الغالب أنها لا تأتي إلا بين اثنين، قاتل وشارك وما أشبهه. وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ﴾ يعود على القتال وليس يعود على الكتابة؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرض الله عليهم، لكنهم يكرهون القتال بحسب الطبيعة البشرية، وفرق بين أن نقول: إننا نكره ما فرض الله من القتال وبين أن نقول: إننا نكره القتال، فكراهة القتال أمر طبيعي، فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحدًا من الناس فيقتله فيصبح مقتولًا، لكن إذا كان هذا القتال مفروضًا علينا صار محبوبًا إلينا من وجه، ومكروهًا لنا من وجه آخر، فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوبًا إلينا، وباعتبار أن النفس تنفر منه وتكرهه يكون مكروهًا إلينا، ومن أجل أن النفس تنفر منه وتكرهه وهو ثقيل عليها صار فيه هذا الأجر العظيم، صار الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٩ - ١٧١]. انتبه، إذن هل كراهة القتال تنافي صدق العبادة؟ لا؛ لأن الإنسان يحب هذا القتال من حيث إن الله فرضه عليه؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يصرون أن يقاتلوا، فيردهم أحيانًا لصغرهم فيأسفون، حتى إنه رد في أُحدٍ بعض الصحابة الصغار قال: يا رسول الله، كيف ترده وأنت أذنت لفلان وأنا الآن أستطيع أني أصارعه، قال: أبغي المصارعة خله يصارعني، فصارعه فصرعه فأذن له[[أخرجه الطحاوي في شرح معاني الاثار (٥٠٣٤) من حديث سمرة بن جندب.]]، كل هذا من محبتهم للقتال، كذلك أيضًا عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان أعرج فجاء -يعني لزم بالقتال- وكان أولاده يقولون له: لا تخرج، إن الله قد عذرك، فجاء هو وإياهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ -أَوْ إِنِّي أُحِبُّ- أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ »[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٤) من طريق إسحاق بن يسار.]] -الله أكبر- لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام متعلقًا بالقتال أذن له وقال لأولاده قولًا -يعني أنه إذا كان يحب أن يخرج فلا تمنعوه- فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم ما كرهوا القتال بعد أن فرضه الله، بل أحبوه لأن الله فرضه، وكم من أشياء يكرهها الإنسان لولا أن الله تعالى أمر بها فيحبها؛ لأن الله أمر بها، الآن الحج فيه مشقة ولَّا لا؟ من حيث كونه مشقة قد يكرهه الإنسان، لكن إذا علم أن فيه رضا الله أحبه، بذل المال بالزكاة -مثلًا- الإنسان مجبول على حب المال ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، لكن إذا علم أن في ذلك رضا الله هان عليه، وهذا هو وجه الامتحان في العبادات التي يكلف بها العبد. وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُرْهٌ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مكروه لكم، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق ٦] يعني: حمل بمعنى المحمول الذي في البطن، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.]] أي: مردود. هنا ﴿كُرْهٌ﴾ بمعنى مكروه، والجملة هذه ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الجملة محلها من الإعراب؟ في محل النصب على الحال، والحال: أن القتال كره لكم، ولكن شوف التسلية من الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿عَسَى﴾ هذه هنا بمعنى الرجاء، أو بمعنى الإشفاق، أو بمعنى التوقع، أو بمعنى التعليل؛ لأنها أربعة معانٍ.. * طالب: تعليل. * الشيخ: تعليل؟ لا، ما أعرف، تصلح للتعليل؟ لو قلت مثلًا: كل هذا الدواء عسى أن تبرأ؟ هذه للتعليل واضح أو للترجي. لكن هنا ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ الظاهر -والله أعلم- أقرب شيء أنها للتوقع أو أنها للترجية، ما هو للترجي، الله عز وجل ما يترجى، كل شيء عنده هين، لكن للترجية بمعنى أنه يريد من المخاطب أيش؟ أن يرجو ذلك، أن يرجو هذا، يعني: معناه افعلوا ما هو كره لكم عسى أن يكون خيرًا. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهذا الذي ذكر الله عز وجل هنا واقع ولَّا لا؟ واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحيانًا يفعل الإنسان شيئًا من الأمور العادية ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل، فإذا العاقبة تكون حميدة وحينئذٍ يكون كره شيئًا وهو خير له. القتال كره لنا لكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل كما قال الله عز وجل آمرًا نبيه أن يقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة ٥٢] أنه لا بد من حسنى ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ما هما؟ إما النصر والظفر، وإما الشهادة، أليس كذلك؟ إذن فالمقاتل في سبيل الله على خير. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا أيضًا كثيرًا ما يقع يحب الإنسان شيئًا ويلح فيه ثم تكون العاقبة سيئة، والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه، كل شيء ينالك وأنت تكرهه، فإنك تصبر نفسك: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وكل شيء يفوتك ونفسك يطلبه تسليها فتقول: ﴿عَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾، وهذا هو الواقع. ولو أن الإنسان تأمل مجريات حياته اليومية لوجد في ذلك شيئًا كثيرًا. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سبحانه وتعالى فهو سبحانه وتعالى لا يقدر للمؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يوجب على المؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يحرم عليه شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا تقل: ليت هذا لم يحرم، ليت هذا لم يوجب، ليت هذا لم يقع، لا تقل هكذا؛ لأن علمك قاصر، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وأيش يعلم؟ كل شيء حتى المستقبل الذي تظنون أنه شر يعلم الله تعالى ما فيه من الخير. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا نفي مطلق لعلم الإنسان، فهل نقول: إن هذا النفي المطلق يراد به شيء معين أو نقول: إنه نفي مطلق على الأصل، وإن الأصل في الإنسان عدم العلم على الإطلاق؟ الجواب: هو هذا، كما أن الأصل في صفة الله عز وجل العلم المطلق، فلله العلم المطلق؛ ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ﴾ ولم يقيد هذا العلم بمعلوم ﴿يَعْلَمُ﴾، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لم يقيد هذا النفي بمعلوم، ما قال: لا تعلمون المستقبل، ولَا: لا تعلمون الحاضر، ولا، ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل فينا إذن؟ عدم العلم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل ٧٨]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إعراب الجملة هذه ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ هذا مجرور بـ(عن)، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش اللي جرها؟ بدل، من أي أنواع البدل؟ مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍ بِبَلْ أي الخمسة؟ اشتمال؛ لأن القتال ليس بعضًا من الشهر، لكن الشهر مشتمل عليه، فهو بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ المراد الجنس، ويحتمل أن تكون (أل) للعهد الذهني، ويكون المراد به شهرًا معينًا، فـ(أل) هنا يحتمل أن تكون للجنس فتشمل كل الأشهر الأربعة الحرم، ويحتمل أن تكون للعهد الذهني فيراد بها أيش؟ شهر معين. هل (أل) إذا دخلت على المفرد تكون للجنس فيشمل كل أفراد الجنس؟ نعم، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ١ - ٣] هذه (أل) داخلة على مفرد والمراد؟ المراد الجنس، يعني: كل إنسان. فإذن: يسألونك عن كل شهر حرام يمكن هذا، أو: يسألونك عن الشهر الحرام المعين الذي وقعت فيه القضية ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾. والقضية هي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل سرية في السنة الأولى، سرية في جمادي الآخرة، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش وأعطاه كتابًا وقال: «لَا تَفْتَحْ الْكِتَابَ إِلَّا بَعْدَ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٣ / ١٨) من حديث عروة بن الزبير.]]، فقال: سمعًا وطاعة، فذهب بسريته وهم نحو سبعة أشخاص، فلما مشى مسيرة يومين فتح الكتاب وإذا فيه: أن رسول الله ﷺ يأمرهم أن يسيروا إلى نخلة بين مكة والطائف، وأن يترقبوا أخبار قريش، يترقبوا أخبار قريش وما يحصل منهم، فصادفوا عيرًا لقريش نازلة من الطائف إلى مكة، والعير تكون فيها أطعمة وخضر وما أشبه ذلك، فحصل بينهم قتال بينهم وبين هذه السرية، فقتلوا منهم رجلًا واحدًا، وأسروا رجلين وفر الرابع، لما قتلوا هذا الرجل هم قتلوا هذا الرجل على أنهم في جمادى الآخرة، ولكنه تبين أنه كان في أول يوم من رجب، ورجب أحد الأشهر الحرم الأربعة؛ لأن الأشهر الأربعة الحرم. * طالب: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. * الشيخ: نعم، المشركون استغلوا هذه المسألة وقالوا: هذا محمد يزعم أنه يطيع الله وأنه يعظم حرمات الله، وهذا أصحابه يقتلون الرجل في الأشهر الحرم، هذه كبيرة ولَّا لا؟ شاع الخبر فضاقت صدور هذه السرية عبد الله بن جحش وأصحابه ضاقت صدورهم لحقهم حرج، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش الحكم؟ وليسوا يسألونه هل القتال فيه حرام ولَّا لا؟ لأن هذا معلوم، لكن يسألونه عن هذا القتال فيه ما حكمه، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾. هكذا ذكر المفسرون، قالوا: لأن القتال في الأشهر الحرم أمر معلوم ما أحد يسأل عنه، ولكن في نفسي شيء لأن لفظ الآية لا يساعده؛ فإن الشهر الحرام إن قلنا: إنه للجنس فظاهر جدًّا أن اللفظ لا يساعد على هذا المعنى. وجه ذلك: إذا قلنا عن الشهر الحرام -يعني عن الأشهر الحرم- قتال فيها، صار السؤال عن هذا القتال المعين؟ لا، وإن قلنا: الشهر الحرام هو الشهر المعين الذي حصل فيه القضية وهو شهر رجب. بقي عندنا كلمة ﴿قِتَالٍ﴾ نكرة، ما هي لو قال: عن الشهر الحرام القتال فيه لكان يساعد على ما ذكر المفسرون، لكننا قد نقول: لما كانت ﴿قِتَالٍ﴾ بدل من الشهر والشهر يراد به شهر معين، فإنه من ضرورة ذلك أن يكون المراد بالقتال؟ القتال في ذلك الشهر المعين؛ ولهذا قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي: في الشهر المعين، ولم يسبق قتال في شهر رجب إلا ذلك القتال الذي حصل من هذه السرية. على كل حال الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام إذ سئل أحيانًا يجيب وأحيانًا يتوقف حتى ينزل الوحي، في هذه الآية ماذا كان الجواب من الرسول أو من الله؟ من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا أجاب الله عز وجل: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ قتال في شهر الحرام كبير لا شك، يعني: من كبائر الذنوب وعظائم الذنوب؛ لأنه انتهاك لحرماتها وهذا محرم، انتهاك حرمات الله من المحرمات، فهذا من كبائر الذنوب ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. ولكن انظر رحمة الله عز وجل بعباده، شوف التسلية للصحابة ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هذا تسلية للصحابة، يعني: لو وقع منكم هذه المسألة الكبيرة، فعند الذين يعيرونكم بها ما هو أعظم وأكبر، القتال كبير ما في شك لكن عند هؤلاء الذين يعيرونكم بذلك ما هو أكبر وأعظم، صد عن سبيل الله أعظم، صحيح؟ ولا شك أن المشركين الذين عيروا النبي ﷺ وأصحابه بذلك يصدون عن سبيل الله ويقتلون الذين يلتزمون بسبيل الله ﴿صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وسبيل الله: طريقه الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله شيء واحد وهو شرعه الذي شرعه لعباده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وإنما سمي الشرع سبيل الله؛ لأنه يوصل إلى الله؛ ولأن الله تعالى هو الذي وضعه، فإضافته إلى الله من ناحيتين: الابتدائية، والنهائية، الابتدائية هو الذي وضعه، والنهائية؟ * الطلبة: يوصل إليه. * الشيخ: يوصل إليه. هل سمى الله السبيل مضافًا إلى غيره؟ نعم، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فأضاف الله السبيل إلى المؤمنين وليس في ذلك تناقض، فهو مضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه أو لا؟ مضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه لعباده، وهذا السبيل ينتهي إلى من؟ إلى الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ بمن؟ بالله، الكفر بالله أعظم كبيرة يفعلها المرء ولَّا لا؟ نعم. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هنا معترك في إعرابه هل هي معطوفة على الضمير في ﴿بِهِ﴾ ولّا معطوفة على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: سبيل الله. * الشيخ: أجبت بسرعة ما شاء الله، أرني كيف ذلك؟ * الطالب: معطوف على سبيل الله. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: سبيل الله والمسجد الحرام. * الشيخ: ما يصلح: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام؟ ما يصلح؟ * الطالب: يصلح. * الشيخ: يصلح، إذن؟ * الطالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، وجاءت قولان بن (...). * طالب: (...). * الشيخ: فيه رأيان: الرأي الأول يقولون: إنه معطوف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصدٌ عن سبيل الله وكفرٌ به وصدٌ عن المسجد الحرام، وهؤلاء يستدلون بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا كفر بالله، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح ٢٥] هذا صد عن أيش؟ عن المسجد الحرام فيكون: وصدٌ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، لكن هذا الرأي لا شك من حيث المعنى قوي، إلا أنهم يعني يلزم عليه أو يرد عليه أن قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي من قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أجنبي؛ لأن ﴿كُفْرٌ﴾ ما هو معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأيش معطوف عليه؟ على ﴿صَدٌّ﴾. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ (...) ﴿الْحَرَامِ﴾ معطوف على سبيل، فقد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه أجنبي وهو قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ لأنه معطوف على اللي ما سبق، وحينئذٍ يمتنع العطف، هذا مقتضى اللغة العربية: أن المعطوف والمعطوف عليه لا يفصل بينهما بأجنبي وهنا ﴿كُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي، وأيش معنى أجنبي؟ يعني: ليس معطوفًا على ما عطف عليه ما بعده، إنما معطوف على شيء سابق عليه، واضح؟ طيب، لكنه كما قلته قبل قليل: المعنى يؤيده، لكن السياق من حيث السياق العربي يمنعه؛ لأنه أجنبي. إذن يترجح القول الثاني وهو أن قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الضمير في ﴿بِهِ﴾: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام، ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: بالله وبالمسجد الحرام، وعلى هذا فيكون هنا معطوفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾. ولكن يرد على هذا القول إشكالان ما هو إشكال واحد، الإشكال الأول: أننا عطفنا على الضمير المتصل بدون إعادة الجار، والمعروف عند أكثر النحويين أنه لا يجوز أن تعطف على الضمير المتصل المجرور إلا بإعادة الجار، وابن مالك أشار إلى هذا في أي بيت؟ وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ∗∗∗ ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا ثم قال: ؎وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى ∗∗∗ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَاوعلى هذا فنقول: ابن مالك رحمه الله لا يرى وجوب إعادة حرف الجر إذا عطف على الضمير المجرور المتصل، زال الإشكال هذا، زال الإشكال الأول بماذا؟ بأن وجوب إعادة الجار إذا عطف على ضمير خفض متصل، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم في النحو وابن مالك ممن يرى أنه لا يجب إعادة الجار، إذن زال الإشكال الأول. الإشكال الثاني: قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قد لا تتصور وأيش معنى الكفر بالمسجد الحرام؟ الصد عن المسجد الحرام واضح، لكن الكفر بالمسجد الحرام وأيش معناه؟ نقول: الكفر به ظاهر، الذي يجعل الأصنام في جوف الكعبة، كافر بالمسجد الحرام ولَّا معظم له؟ كافر بالمسجد الحرام؛ لأنه ما آمن بحرمته وعظمته، بل هذا من أعظم الإهانة لبيت الله عز وجل أن تجعل الأصنام في جوف الكعبة، فهم كافرون بالمسجد الحرام، وعلى هذا يزول الإشكال الثاني. فإن قلت: الإشكال في المعنى الأول وهو أن يكون قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوفًا على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإشكال اللي أوردنا هو أن العطف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه إشكال من حيث إنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي، لكن أجاب الذين يختارون هذا القول، أجابوا عن ذلك وقالوا: إن قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فيكون ليس أجنبيًّا، يكون غير أجنبي، يكون ليس بأجنبي من ﴿صَدٌّ﴾، وعلى هذا فتكون كأن الآية: وصد وكفر، فيكون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فكأنه منه فليس بأجنبي، وحينئذٍ يزول الإشكال. إذن ما خلاصة هذا البحث؟ خلاصة هذا البحث أنه يجوز في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصد عن المسجد الحرام. والوجه الثاني: أن يكون معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: وبالمسجد الحرام، والله أعلم. (...) أن فيه تعظيمًا لشأن الشهر، كأن المسؤول عنه هو الشهر نفسه يعني: عن شأن الشهر الحرام، وهل هو ذو شأن عظيم. ثم قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ الذي هو المقصود هذا هو الفائدة من كون يأتي ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أولًا ثم يبدل منه ﴿قِتَالٍ﴾، وإلا لكان السؤال: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام. قوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾.. قوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة هذا هو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١] وقد أسري به من الحجر؛ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]، وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ يدل على أن المراد بالمسجد الحرام هو أيش؟ نفس المسجد الذي فيه الكعبة؛ لأنه بالاتفاق أنه يجوز للمشرك أن يصل إلى حدود الحرم حتى لا يبقى بينه وبين الحرم إلا أنملة، ولو كان المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم لكان المشرك لا يجوز أن يقرب أيش؟ حدود الحرم والأمر ليس كذلك. * طالب: يقال: إنه أسري من بيت أم هانئ؟ * الشيخ: لا، الصحيح من الحجر، لكن بعضهم الذين صححوا الروايتين قالوا: كان نائمًا في بيت أم هانئ ثم استيقظ وذهب إلى هناك وأسري به من هناك. وقوله: ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (الحرام) فَعَال من الحُرمة أو من التحريم، يعني: المسجد ذي الحرمة والتعظيم، ولا يخفى على أحد حرمة المسجد الحرام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب في عام الفتح وقال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَةَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٣١٣) من حديث مجاهد، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، واللفظ للبخاري.]]، وأخبر أنها محرمة منذ خلق الله السماوات والأرض لا يعضض شوكها ولا ينفر صيدها ولا يحل القتال فيها، حتى إن الرسول ﷺ قال: «إِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، وهذا من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، ما أذن بالقتال في مكة لأحد إلا للرسول ﷺ، وليس إذنًا عامًّا بل إذنًا مقيدًا قال: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٣٢) ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي بلفظ: «أذِنَ لِرسُولِهِ».]]، وهذه القصة فيها تمثيل للحكم الذي نسخ مرتين: كانت بالأول حرامًا ثم أحلت، هذا النسخ الأول، ثم حرمت، هذا النسخ الثاني، والله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت، فهذه من عظمة مكة. ومن عظمة مكة: أنه لا يصح إسلام أحد حتى يحج البيت إذا كان قادرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧]. ومن حرمتها: أنه لا يدخلها أحد إلا محرمًا؛ إما وجوبًا وإما استحبابًا، وجوبَا عند كثير من أهل العلم أنك ما تدخل مكة إلا محرمًا ولو كنت قد أديت الواجب، أو استحبابًا على القول الراجح أن الإنسان إذا أدى الواجب لم تجب عليه العمرة، ولو كان قطيع العهد بمكة المكرمة أو بمكة على الأصح؛ لأن (المكرمة) وصف حديث. ومن حرمة مكة: أن الناس كلهم يتجهون إليها في صلاتهم ولَّا لا؟ كل الناس يتجهون إلى الكعبة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٤٤]. ومن حرمتها: أن من وجد فيها لقطة لا يحل له أخذها إلا إذا كان يريد إنشادها أبد الآبدين، لو تجد فيها لقطة ما تأخذها، اللي غيرها لك أن تأخذها لتنشدها لمدة سنة ثم تكون ملكًا لك، أما مكة فلا تأخذها إلا إن كنت تبغي تنشد عليها أبد الآبدين فخذها، ولكن من بيأخذها وهو لازم ينشد عليها أبد الآبدين، حتى لو مات يوصي من بعده أن ينشدوا عنها، وإذا ماتوا ينشدون؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]] إلا لمنشد دائمًا، والحكمة في هذا أنك إذا علمت أنك إذا أخذت هذه اللقطة يلزمك أن تنشد عنها أبد الآبدين هل تأخذها؟ ما تأخذها، أنت في عافية إذا لم تأخذها، أنت ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع، فصاحبها إذا فقدها رجع إليها فوجدها. ولها خصائص كثيرة ذكرها الذين صنفوا في هذا الباب في تاريخ مكة كالأزرقي وغيره، ولكن كل هذا مأخوذ من وصف الله تعالى لهذا المسجد بالحرام. * طالب: نقول: لو أخذ اللقطة وأعطاها للشرطة خوفًا من أن يأخذها سارق فهل يجوز؟ * الشيخ: هذه إذا كان هناك من جهة ولاة الأمور، من جهة ولاة الأمور من يتلقى هذه الأشياء فإنها تبرأ ذمته، إي نعم. قال: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ شوف الكلام ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ من أهل المسجد الحرام؟ الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون هم أهله، كما قال الله تعالى في سورة الأنفال عن المشركين: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤]، أهل المسجد الحرام هم النبي عليه الصلاة والسلام ومن اتبعه؛ ولهذا قال: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ وهي حجة ظاهرة على أن هؤلاء الذين أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه ليسوا أهلًا للمسجد الحرام. إذن هذا يشبه مانعًا من موانع الإرث مر عليكم وهو أن الكافر لا يرث المسلم، وقال الله لنوح عن ابنه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]، كذلك الذين في مكة وليسوا مسلمين ليسوا من أهل مكة، ليسوا أهلًا للمسجد الحرام، أهله المؤمنون. ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أكبر عند الله، وإن كانت في نفوس بعض الناس أهون من القتل في الشهر الحرام، لكنها عند الله أكبر، شوف الآن: صد عن سبيل الله، وكفر بالله، وصد عن المسجد الحرام، أو كفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، أربع مسائل عظيمة جدًّا، هذه أكبر عند الله منين؟ من القتل في الشهر الحرام. شيء آخر: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة يعني: الشرك، ممكن أن نقول: إنها الفتنة صد الناس، إن الفتنة صد الناس عن الدين، لكنها قد سبقت في قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إذن فالفتنة هي الشرك، يعني الفتنة -وهي الشرك- أعظم من القتل، شرك بالله أعظم من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعظم الظلم وأعظمه: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٥٦ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، هذا أعظم الذنب وأظلم الظلم. ﴿الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هل جاءت الفتنة في القرآن بمعنى الشرك؟ الجواب: نعم، مثل؟ * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج ١٠]. * الشيخ: لا، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٣] أو لا تكون فتنة هذه صد عن سبيل الله أيضًا، تحتمل، لكن قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]، قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قول الرسول ﷺ أن يقع في قلبه من الشرك من الزيغ فيهلك. نعم، الفتنة أكبر من القتل، فالشرك أعظم من قتل النفس، وأعظم من قتل النفس في الأشهر الحرم، كل شيء محترم من زمان أو مكان أو شخص، فإنما هو من تعظيم الله، الأشياء المخلوقة ليس لها حرمة في حد ذاتها، لكنها حرمة من جهة اتصالها بالله عز وجل، فالأشهر الحرم من الذي جعلها محترمة؟ الله، إذن تحريمها من تعظيم الله، فيكون الشرك بالله أعظم من القتل في الأشهر الحرم. ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ -الله أكبر- الكفار حريصون على أن يخرجونا من ديننا حتى وإن عرضوا رقابهم لسيوفنا، شوف ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ ولا يزال هذه تفيد أيش؟ الاستمرار، ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ والقتال هو: أن يلاقي كل واحد الآخر بالسيف ليقتله، يعرضون رقابهم لقصف رؤوسهم حرصًا على أن يردونا عن ديننا. ولكن شوف كلمة ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ تفيد أنهم لن يستطيعوا (إن)، ولكن ما هو حاصل، هذا لا يحصل إن شاء الله تعالى، لكن هم حريصون غاية الحرص على ردنا عن ديننا، حتى كانوا يعذبون الذين يسلمون في عهد من..، صغارهم يعذبونهم في حر الرمضاء في الشمس يلقون عليهم الصخرات الحارة لعلهم يرجعون عن دينهم، ولكن لا يرجعون هم ثابتون صامدون، هؤلاء المشركون لا يزالون يقاتلوننا حتى يردونا عن ديننا، وهل هذا أيضًا صفة لليهود والنصارى بالنسبة لنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] هذا في أهل الكتاب، في المنافقين؟ نعم كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩]، يعني إذن جميع أصناف الكفرة من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين كلهم يودون أن المسلمين يرتدون على أدبارهم ويكفرون بالله عز وجل، كل إنسان يود شيئًا، فإنه بمقتضى الطبيعة البشرية يحاول أيش؟ أن يتحقق ذلك الشيء بكل وسيلة؛ إما بالسلاح كما في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾، وإما بالإغراء والخداع كما في حال المنافقين وغيرهم، وهم قد لا يبوحون بما في نفوسهم، لكنهم شياطين الإنس يأتون إلى المسلمين بأمور يتفتت بها دينهم حتى يكون كنافقاء اليربوع لو سقط عليه بيضة لخرقته ولم تنكسر البيضة، هم قد لا يقول لك: تعال اكفر، لكن يدخلون عليك أشياء أشياء من المعاصي، المعاصي تفتت الإيمان، تفتته، تنقضه شيئًا فشيئًا حتى يزول بالكلية؛ ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، وأيش معنى بريده؟ التي ترسل إليه، ينزل الإنسان إليها دركًا دركًا حتى يهوي في النار -والعياذ بالله- فالمعاصي لا تظنوا المسألة هينة بنسبة المعاصي، المعاصي تؤثر على القلب، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤] ران على القلب ما كان يعمل أعماله السيئة حتى صار عن أعظم الكلام وأفضل الذكر يقول عنه: إنه أساطير الأولين، يقول ذلك إما للحيلولة بينه وبين الوصول إلى عظمة هذا القرآن، وإما لجحود عظمة هذا القرآن. وعلى كل حال فأهل الكفر من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين كلهم يودون منا أن نرتد عن ديننا، يودون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما في قيام الدين الإسلامي من القضاء عليهم، الدين الإسلامي لو قام حقًّا ما بقي على وجه الأرض أحد من الكفار؛ ولهذا هرقل لما أخبره أبو سفيان بما كان للرسول عليه الصلاة والسلام من الصفات والأخلاق والدين الذي يدعو إليه وأيش قال؟ قال: «لئن كان ما تقول حقًّا، فسيملك ما تحت قدمي هاتين»[[أخرجه البخاري (٧) من حديث أبي سفيان بن حرب.]]، في ذلك الوقت هو ملك، ملك من؟ الروم، الروم والفرس في ذلك الوقت مثل روسيا وأمريكا في وقتنا هذا، أعظم دولتين، هذا الملك يقول ذلك وهو على مملكته وفي عاصمته، ويقول ذلك وهو يؤمن بأن ملكه سيزول بدين محمد ﷺ، فرؤساء الكفر اليوم كرؤساء الكفر بالأمس يعرفون أن الدين الإسلامي لو قام ما أبقى لهم باقية؛ ولذلك يحاولون بكل طريق وبكل وسيلة أن يقضوا على الدين الإسلامي، وذلك لصد أهله عنه بشتى الوسائل، والحقيقة أننا انخدعنا بهم، انخدع المسلمون ولا حاجة إلى ذكر الأشياء التي انخدع بها المسلمون من أجلهم حتى ضاعوا، ولكن الأمل بالله عز وجل أن الله سيعيد لهذا الدين مجده على أيدي الشباب الصالحين مع العلم وغزارة العلم؛ لأن الداعية مهما كان قويًّا في الدعوية إذا لم يكن له علم فإنه يفشل، إذا لم يكن هناك علم يعتمد عليه الإنسان فشل، وكيف يدعو إلى الله عز وجل بدون علم، إذا دعا إلى الله بدون علم أدنى واحد من الناس يقف أمامه يوقفه يورد عليه الشبهة فيقف، وإذا وقف الداعية فالنكبة عظيمة، انهزام، انهزام شديد؛ ولهذا لا أرى أن الإنسان يدعو إلا بما كان يعلم، بما كان يعلم خاصة، وإلا فإن العاقبة تكون وخيمة. قال الله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ شوف الجملة الشرطية هذه تقيد ما سبق، يعني أنهم لن يستطيعوا ذلك، لكن هم لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾ هذه البنية لهذه الكلمة تشكل إذا قارنتها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة ٥٤] كيف قال: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ وهنا قال: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ﴾؟ نقول: لا إشكال فيها، ليس فيه إشكال؛ لأن الإدغام في قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ إدغام جائز لا واجب، الإدغام جائز ليس بواجب، وعلى هذا فيجوز إذا جزمت (يرتد) يجوز أن تقول: يرتد، وأن تقول يرتدد، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في الألفية في باب الإدغام حكم ذلك. وقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ شوف ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ ما هو الدين؟ الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل الذي أراد صاحبه عليه المكافئة، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. فمن الأول الذي يراد به العمل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] المراد بالدين ما هو؟ العمل، كذا؟ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] فالمراد بالدين: الجزاء على العمل. وهنا ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ من أي المعنيين؟ العمل، وتأمل قوله: ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ حيث أضافه إلى الدائن؛ لأن إضافته إليه توجب إغراءه به، يعني: هذا دينك، هل الإنسان يفرط في دينه؟ لا، كما لو قلت: هذا مالُك، هذا ولدك، هذه سيارتك، إضافتها إلى نفسك توجب الإغراء بها، وشدة المحافظة عليها لأنه؟ دينُك، منسوب لك، فهو أبلغ مما لو قال: ومن يرتدد منكم عن الدين، لكنه قال: ﴿دِينِهِ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، كما في قوله أيضًا في الأول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ يعني: فاحتفظوا به؛ لأنه لكم ومنسوب إليكم. ولهذا من تبرأ من هذا الدين وشتمه -والعياذ بالله- ولعنه فليس من أهله، فسب الدين كفر، سب دين الإسلام كفر بدين الإسلام؛ لأن الإنسان الذي يعتنق دين الإسلام ويعتقده دينًا ما يمكن يسبه أبدًا، هو دينه رأس ماله. وقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ هنا الفاء عاطفة و(يمت) معطوفة على ﴿يَرْتَدِدْ﴾ نعم ﴿يَرْتَدِدْ﴾، وفي غير القرآن كم يجوز فيها من وجه؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: أو ثلاثة، ثلاثة أوجه. أما في القرآن فيقتصر على القراءة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ جملة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ حال، فالرجوع عن الإسلام كفر؛ لأنه ليس هناك واسطة بين الإسلام والكفر، خلافًا للمعتزلة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ هذا القيد يقيد به كل نص دل على أن المرتد كافر، دل على أن الردة تحبط الأعمال، كل نص يدل على أن الردة تحبط الأعمال يقيد بهذه الآية، ما هو القيد؟ أنه إذا مات على الردة، فلو فرض أن أحدًا ارتد عن الإسلام مثلًا صار لا يصلي وعزم على أن لا يصلي، وكان بالأول يصلي، إن مات على عدم الصلاة حبط عمله السابق، وإن هداه الله وصلى فإن عمله السابق لا يحبط، يبقى كما هو، حتى لو كان قد أدى الحج قبل ردته، فإنه إذا عاد إلى الإسلام لا يلزمه إعادة الحج، حتى قال العلماء: إن الرجل لو كان صحابيًّا ثم ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام هل تبطل صحبته؟ لا، ما تبطل، لا تبطل على الصحيح كما مر علينا في النخبة. والحاصل أن هذا القيد يعتبر قيدًا في جميع النصوص المطلقة الدالة على أن الردة تحبط الأعمال. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ -والعياذ بالله- تحبط في الدنيا، فلا ينتفعون بها ولا يجزون عليها؛ لأن الأعمال لها جزاء في الدنيا ولها جزاء في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاء الدنيا، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاء الآخرة، هؤلاء الذين ارتدوا تحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة ومع ذلك في الآخرة لا يسلمون من العقاب. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يعني: الملازمون لها؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، فهم أصحابها الملازمون لها الخالدون فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أبد الآبدين؟ نعم، أبد الآبدين، لا تفنى ولا يفنون، بل يعذبون فيها دائمًا وأبدًا؛ لأنهم كما أفنوا حياتهم الدنيا بالكفر والشرك، حياتهم الآخرة تكون كلها عقابًا وعذابًا والعياذ بالله، بل يقال لهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ ٣٠]، وما العذاب يخفف عنهم حتى إنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، ولكن لا يمكن هذا، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار. قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ انتبه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان في اللغة: التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] أي: بمصدق، يقولونه إخوة يوسف لأبيهم. وأما في الشرع: فإن الإيمان هو التصديق المستلزم للقبول والانقياد، هذا الإيمان، ليس مجرد التصديق؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ وليس بمؤمن لماذا؟ لأنه لم يقبل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يذعن له وينقاد له، وعلى هذا فليس بمؤمن. وفـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والانقياد. وقوله: ﴿هَاجَرُوا﴾ الهجر في الأصل: الترك في اللغة، الهجر في اللغة الترك، ومنه: هجرت فلانًا، إذا لم تكلمه، وله معنيان: عام، وخاص، أما العام فهو: هجر ما حرم الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٦٩١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] هذا بمعنى العام، والمعنى الخاص: أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله بأن يكون هذا البلد أو هذا الوطن لا يقيم الإنسان فيه دينه، فيهاجر من أجل إقامة دين الله، حماية لدينه هو بنفسه ونصرة لدين الله عز وجل، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿هَاجَرُوا﴾ المراد بالمهاجرة هنا ما يعم المعنيين: العام والخاص. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ شوف تأمل أعيد الموصول بعد قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾، ولكنه في الجهاد ما أعيد ما قال: والذين جاهدوا؛ وذلك لأن الهجرة والجهاد عملان مبنيان على الإيمان، وأما الإيمان فإنه هو أصل الأصول؛، ولهذا جعله منفردًا وحده ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وأما الهجرة والجهاد فهما عملان متفرعان عنه. وقوله: ﴿جَاهَدُوا﴾ الجهاد هو: بذل الجهد لأمر مطلوب، والجُهد معناه الطاقة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة ٧٩] أي: إلا طاقتهم، وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء، هذا الغالب، وإلا كل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا جهاد النفس يسمى جهادًا، جهاد النفس جهاد بلا شك، ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رجع من تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»[[أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٣٧٣) من حديث جابر بن عبد الله وضعَّف الحديث، وفيه ليث بن أبي سليم ذكره العقيلي في الضعفاء (٤ / ١٦) ط دار الكتب العلمية فقال: حدثنا عبد الله قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا في أحد منه في ليث... وذكر آخرين.]] يعني: جهاد النفس، هذا ما له أصل، ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة. أما الجهاد بالمعنى الخاص فهو بذل الجهد في قتال من؟ في قتال الكفار وهو بحسب ما يحمل عليه؛ إن كان الحامل على ذلك العصبية والحمية والشجاعة والرياء، فإنه ليس في سبيل الله، وإن كان الحامل عليه أن تكون الكلمة العليا، فهو في سبيل الله، قال ذلك النبي ﷺ حين «سئل عن الرجل: يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. إذن بهذا يتحدد معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ مفعولها محذوف للعلم به، أي: جاهدوا من؟ الكفار أو أعداء الله، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لتكون كلمة الله هي العليا. واعلم أنه يقال: في كذا، ولكذا، وبكذا، يقول مثلًا: جاهدت لله، وجاهدت بالله، وجاهدت في الله، فجاهدت لله، اللام: لبيان القصد فتدل على أيش؟ على الإخلاص، والباء: الباء للاستعانة فتدل على أنك فعلت ذلك مستعينًا بالله، وفي: للظرفية فتدل على أن ذلك الجهاد في ضمن شرع الله لما يتعدى فيه الحدود، كما تقول: صليت لله، وأيش بعد؟ وبالله، وفي الله، أي: في دينه ما خرجت. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تقدم لنا قبل زمن غير بعيد أن السبيل بمعنى الطريق، وأنه يضاف إلى الله تارة، ويضاف إلى الخلق تارة، فمثال الإضافة إلى الله كثير كما في هذه الآية: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومثال إضافته إلى الخلق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف لـ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. أما إذا قلتم: ابن السبيل، فالسبيل مضاف إليه وليس مضافًا. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ شوف سبيل المؤمنين ومرة يضيف إليه، أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم سالكوه، وأما إضافته إلى الله فلأن الله تعالى هو الذي شرعه ولأنه يوصل إلى الله، فهو مضاف إلى الله من وجهين. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ كلمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ تحتاج إلى خبر؛ لأن (الذين) اسمها فأين الخبر؟ ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هذا الخبر الجملة؛ لأن (أولاء) مبتدأ، و﴿يَرْجُونَ﴾ جملة خبر المبتدأ الثاني، والجملة؟ خبر (إن)، فعندنا جملتان: كبرى، وصغرى، والصغرى فيها جملتان: كبرى، وصغرى، ولَّا لا؟ الجملة الكبرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وخبرها -هذه الجملة الكبرى- الجملة الصغرى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هذه صغرى باعتبار الأولى، ﴿يَرْجُونَ﴾ صغرى باعتبار المبتدأ الثاني. ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ إذا قال قائل: كيف هذا التركيب؟ لماذا لم يقل: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله؟ قلنا: لأن الإشارة بمبتدأ جديد تدل على رفعة مقامهم لا سيما وأنه أتى باسم الإشارة الدالة على البعد ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، ثم إن تكرار المبتدأ يجعل الجملة كأنها جملتان، كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله أولئك يرجون رحمة الله، فيكون في ذلك تنويها بذكرهم من وجهين: أولًا: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو. والثاني: أن تكرار المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين، يجعلها كالجملتين، فيكون بذلك توكيد على توكيد. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ المراد بالرجاء هنا: الطمع، ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ الرجاء بمعنى الطلب في حصول ما هو قريب، هذا الرجاء، والتمني؟ الطمع فيما هو بعيد أو متعذر، ومعلوم أن الرجاء: الطمع فيما هو قريب، لا يكون قريبًا إلا بفعل ما يكون قريبًا به، وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم، ما هو الذي فعلوه؟ الإيمان، والهجرة، والجهاد، فإذا لم يرجوا هؤلاء رحمة الله من الذي يرجوها؟ إيمان، وهجرة، وجهاد؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ﴾ هؤلاء هم أهل الرجاء، لكن رجل مقصر لا هجرة ولا جهاد ولا عمل إلا القليل رجاؤه أيش؟ رجاؤه يقولون: التمني رأس مال المفاليس، المفاليس يعني: ما عندهم شيء، يتمنى ولكن ما عنده شيء، فهؤلاء هم أهل الرجاء، أما الذي يرجو يفعل المعاصي، وتنهاه، وترشده ويقول: رحمة الله واسعة، هذا محل الرجاء؟ لا، الرجاء لا بد من أسبابه، حسن الظن بالله لا بد أيضًا من أسبابه. إذن: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ بما عملوا، لكن مع ذلك.. ما قال الله: أولئك لهم رحمة الله كما في آية أخرى، إنما قال: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ لأنهم لا يغترّون بأعمالهم، ولا يدلون بها على الله، وإنما يفعلونها وهم راجون، لا أنهم معتمدون عليها متيقنون لثوابها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ هل المراد هنا بالرحمة الرحمة التي هي صفته؟ أو المراد بالرحمة ما كان من آثار رحمة الله وهو الثواب؟ * طلبة: يحتمل المعنيين. * الشيخ: يحتمل المعنيين، يحتمل: أولئك يرجون أن يرحمهم الله، وعلى هذا فيكون ﴿يَرْجُونَ﴾ أيش؟ الصفة ولَّا الثواب؟ الصفة، يرجون أن يرحمهم، أما احتمال أن تكون رحمة الله؛ أي: ما كان من آثار رحمته، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال في الجنة، بل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فجعل المفعول المخلوق جعله رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أَرْحَمُ بِكِ» جعلها كالآلة، أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين، وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبدًا يدخله في أي مكان؟ في جنته التي رحمته. قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شوف مع ذلك، الله غفور، تقول: قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله (الغفور) هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟ الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، ولهذا نحن إذا سلّمنا من الصلاة ونحن نناجي الله في صلاتنا ماذا نقول أول ما نسلم؟ أستغفر الله، الإنسان ما يخلو، وقال تعالى: لما ذكر الدفع من عرفة قال: ﴿اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. الشاهد أنه هنا ذكر اسم الغفور؛ لأن هذه الأعمال الجليلة وإن قام بها الإنسان قد يحصل منه تقصير؛ فلهذا قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾، أما ﴿رَحِيمٌ﴾ فواضح مناسبتها؛ لأن كل هذه الأعمال اللي عملوا من آثار رحمته، فلله سبحانه وتعالى على العامل عملًا صالحًا لله عليه ثلاث نِعم عظيمة: النعمة الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح ولَّا لا؟ بأي وسيلة بينها؟ بما أنزله من الوحي على رسله، ما ظنك لو أن الناس بقوا عميًا ما يعرفون؟ فهذه نعمة من الله عز وجل أن الله تعالى أرسل إليك الرسل، بل هي أعظم النعم يبيّنون لك. ثانيًا: نعمة ثانية عظيمة أن هداك لها؛ لأن الله تعالى أضل أممًا عن الإسلام، أضل أناسًا أقوى منك زكاء، وأمضى منك عزيمة، أضلّهم عن الإسلام، وأنت هداك الله عز وجل، هذه نعمة عظيمة. ثالثًا: أن الله رتّب على ما أنعم به عليك من الهداية، رتّب لك الثواب الجزيل، ولهذا كل هذا من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى، ومع هذا فالله عز وجل الذي أنعم علينا بهذه النعم يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] سبحان الله! أنت المحسن علينا أولًا وآخرًا، ثم تقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن أحسن إليكم؟! هل جزاء الإحسان (العمل) إلا الإحسان (الثواب)؟ وهذا مما يدل على كمال رحمة الله عز وجل بالخلق أنه ينعم، ثم يشكر المنعَم عليه. ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢] سبحان الله، ما أعظم الله عز وجل! يُنعم ويثيب، ينعم بالهداية، بل ينعم بالبيان، ثم بالهداية، ثم بالثواب. ثم يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، الله أكبر! كل هذه من مقتضيات رحمته جل وعلا؛ الإيمان والهجرة والجهاد، كلها من مقتضى رحمته، لولا رحمة الله ما حصل هذا لمن آمن وهاجر وجاهد. (...) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ جملة مستقلة ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جملة مستقلة مبتدأ وخبر. * طالب: يعني ما بينهما ارتباط؟ * الشيخ: لا، يعني الارتباط أن هذه مبنية على هذه فقط. * طالب: يعني ما فيه علاقة؟ * الشيخ: لا، عربيةً لا. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو مرجع الصحابة في العلم لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾. * ومن فوائدها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم كل الأحكام، بل لا يعلم إلا ما علمه الله، ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: اهتمام الصحابة رضي الله عنهم لما يقع منهم من المخالفة، وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ لأنهم سألوا الرسول لما قاتلوا وصار الكفار يعيبونهم، صاروا يسألون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب لقوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وهذه الآية الكريمة اختلف فيها أهل العلم هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها منسوخة، وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرمًا ثم نسخ، ولكن القول الثاني أن الآية محكمة، وأن القتال في الأشهر الحرم ليس جائزًا، بل إنه محرم، دليل القائلين بأنه منسوخ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣] وما أشبه ذلك من العمومات الدالة على وجوب قتال الكفار، ومن أدلتهم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قاتل ثقيفًا متى؟ في ذي القعدة في شهر المحرم. ومنها: أن غزوة تبوك متى كانت؟ في محرم ولَّا في رجب؟ في رجب وهو شهر حرام، ولكن الذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ، وأن الآية محكمة، ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص ولَّا لا؟ ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٥] ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة ٧٣] عام يخصص بقوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢١٧]، وأما قتال الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه أجيب عنه بأن هذا ليس قتال ابتداء، وإنما هو قتال مدافعة، وقتال المدافعة لا بأس به حتى في هذه الأشهر الحرم، إذا قاتلونا نقاتلهم، فإن ثقيفًا كانوا تجمّعوا للرسول عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام ليغزوهم، وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمّعوا له فخرج إليهم ليدافعهم، فالصواب في هذه المسألة أن الآية محكمة، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال، لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام. * ويستفاد من الآية الكريمة : ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أن الأشهر قسمان: أشهر حرم، وأشهر غير حرم. يتفرع على هذه الفائدة: أن الله عز وجل يختص من خلقه ما شاء، فهناك أماكن محترمة وأماكن غير محترمة، وأزمنة محترمة وأزمنة غير محترمة، ولَّا لا؟ وهنالك رسل وهناك مرسَل إليه، وهناك صِديقون، وهناك من دونهم، والله عز وجل كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة والأمكنة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر، وهل الكبائر على مستوى واحد والصغائر على مستوى واحد؟ لا، درجات، ولهذا سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أكبر الكبائر؛ أكبر الكبائر، دل هذا على أن الكبائر فيها أكبر وفيها أصغر من الأكبر وإلا كلها كبائر؛ فالإشراك بالله أكبر الكبائر، وهو شرك مخرج عن الملة، عقوق الوالدين من أكبر الكبائر لكن ما يخرج من الملة، شهادة الزور من أكبر الكبائر لكن لا تخرج عن الملة، قتل النفس كذلك، إذن الكبائر درجات، والصغائر كذلك، لكن ما هو حد الكبائر؟ حد الكبائر: اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة، وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام إن هذا من الكبائر، وعدَّها سردًا، ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة، وأيش معنى محدودة؟ يعني أن لها حدًّا، ما هي معيّنة هذه وهذه وهذه، لا، محدودة، حِدة، ويدخل في هذا الحد شيء كثير، ثم اختلفوا في الحد بماذا نحد الكبائر؟ قال بعضهم: كل ذنب لُعن فاعله هو كبيرة. وقال بعضهم: كل ذنب فيه حد في الدنيا فهو كبيرة. وقال بعضهم: كل ما فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رُتّب عليه عقوبة خاصة. الذنوب إذا قيل: لا تفعل كذا، أو حُرّم عليك كذا، أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة لهذا الذنب فهو صغيرة، أما إذا رُتّب عليه عقوبة، أي عقوبة كانت فإنه يكون من الكبائر، فالغش مثلًا كبيرة ولَّا لا؟ * طلبة: كبيرة. * الشيخ: لأنه رُتب عليه عقوبة خاصة وهي البراءة منه: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] كذا؟ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥ / ٧١)، واللفظ للبخاري من حديث أنس رضي الله عنه.]]. كون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨ / ٧٧)، واللفظ للبخاري من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وكونه يعتدي على جاره أيضًا أكبر، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]. هذا الحد في الحقيقة حد معقول؛ لأنك لا تستطيع أن تفرق بين ما رُتّب عليه حد في الدنيا كالزنا والسرقة، وما رُتّب عليه وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان أو غضب، أو لعنة أو ما أشبه ذلك، ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء، بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رُتّب عليه من العقوبة، فالذين يحاربون الله ورسوله ليسوا كالذين يسرقون فقط، ولهذا جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٣] وهذا الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله في حد الكبيرة هو أقرب ما يكون، وأطرد ما يكون؛ يعني مطرد. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. * طالب: عند الله. * الشيخ: إي نعم، أخيرًا: الفتنة أكبر من القتل. يتفرع على هذه الفائدة: أن من أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق، تجي لشخص تجده مثلًا متعبدًا طالب علم، تقول له: وأيش تبغي بهذا، وأيش تبغي مثلًا بالمطالعة، وأيش تبغي بطلب العلم؟! راحوا الناس الآن تقدموا، يقول: وصلنا القمر، وصلنا الفضاء، وما أشبه ذلك، هذا الذي يفعل مثل هذا يكون صادًّا عن سبيل الله؟ نعم، يكون صادًّا عن سبيل الله، فكل من ثبط عن الخير فإنه صادّ عن سبيل الله، ولكن هذا الصد يختلف اختلاف ما صد عنه، من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء مثل ما فعل مشركو قريش، ومن صد عن شيء أقل كمن صد عن تطوع مثلًا فإنه أخف، لكن لا شك أن هذا جرم، النهي عن المعروف جرم بلا شك، وصد عن سبيل الله. * ومن فوائد الآية: أن الكفر بالله أعظم من القتل في الشهر الحرام أو لا؟ لقوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى آخره. * ويستفاد من الآية: عِظم الصد عن المسجد الحرام، فهل يستفاد منه أنه لا يجوز أن يمنع الناس من الحج ولَّا لا؟ * يستفاد منه: أنه لا يجوز منع الناس من الحج، لكن لو قال ولي الأمر: أنا لا أمنعهم، لكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضًا لو اجتمعوا جميعًا، فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من لا يصلح للجهاد من الجهاد، أو نقول: إن في هذا نظرًا؟ * طلبة: الأول. * طالب: مثل قولنا يا شيخ (...) قولنا تنظيمًا يجوز. * الشيخ: على كل حال المسألة هذه؛ يعني تحتاج إلى نظر بعيد، وهل إن مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص أو لا؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نستفيد فوائد: فمن فوائدها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن العلم؛ حيث سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكم من سؤال وقع على الصحابة رضي الله عنهم بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من اثنتي عشرة مرة. * ويستفاد منها: أنه من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه، منين يؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ فإنهم ما سألوا عن الذي ينفق عليه إنما سألوا: ماذا ينفقون فأجيبوا بما ينفق عليه. وهل أجيبوا عن السؤال؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: أين؟ * طالب: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾. * الشيخ: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نعم. * ويستفاد من الآية الكريمة: فضل الإنفاق على الوالدين والأقربين، وأنه مقدم على الفقراء والمساكين، وجه ذلك؟ أن الله بدأ به ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ولا يُبدأ إلا بالأهم فالأهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لليتامى حقًّا في الإنفاق وإن كانوا أغنياء، وجهه: أنه خصهم، ثم أتى بعدهم بقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، فإن كانوا يتامى ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة، وإذا كانوا أقارب؛ أقارب ويتامى ومساكين؟ ثلاث استحقاقات، وإذا كانوا أبناء سبيل أيضًا؟ أربعة؟ يمكن اليتيم يصير ابن سبيل؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: يمكن يسافر به. * ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. * ويستفاد منها أيضًا: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقًا ماليًّا، أو عملًا بدنيًّا، أو تعليم علم، أو جهادًا في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله تعالى يعلمه، وسيجازي عليه لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإن ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نكرة في سياق الشرط ما تفعلوا فتكون للعموم، متى تكون النكرة للعموم؟ إذا كانت في سياق النفي، وأيش بعد؟ أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم ٩٨] في هذه الأربعة تكون للعموم، أما في مقام الإثبات، كما لو قلت: اضرب رجلًا، فهي للإطلاق وليست للعموم. ما الفرق بين الإطلاق وبين العموم؟ الفرق: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي، كلام باللغة غير العربية، واضح؟ * طالب: بالعربية. * الشيخ: بالعربية لكن غير مفهوم؛ أقول: الفرق بين الإطلاق والعموم: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي واضح؟ التفصيل؛ عمومه بدلي بمعنى: أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل؛ يعني: واحد منها يكفي عن الجميع، هذا المعنى، عمومه بدلي أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل أي: أن واحدًا منها يكفي عن الجميع، وأما العام فعمومه شمولي بمعنى أنه يتناول جميع الأفراد على سبيل التعيين ما هو على سبيل البدل، فإذا قلت مثلًا: أكرم الطلبة. * طالب: الكل. * الشيخ: يشمل الجميع، لازم كلهم تكرمهم، إذا قلت: أكرم طالبًا، يكفي واحد، لكن ما هو على سبيل التعيين، على سبيل البدل ولَّا لا؟ إذا أكرمت أول واحد أو آخر واحد أو من بينهما كفى. فهمتم؟ النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، فإذا قلت: أعتق رقبة، أيّ رقبة تعتقها كفى، وإذا قلت: لا تعتق رقبة، فإنك لا تعتق أي رقبة من الرقاب. تمام؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يحقر من المعروف شيئًا لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا تحقرن شيئًا من المعروف، لا تقل: والله هذا شوي، هذا قليل، هذا بسيط «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]]. ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: فرضية الجهاد لقوله: ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى (فُرض). * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره الشيء المكتوب عليه، لا كراهة من حيث أمر الشارع به، ولكن من حيث طبيعته لقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ لكن من حيث أمر الشارع به وأيش الواجب؟ الواجب الرضا وانشراح الصدر به. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن البشر لا يعلمون الغيب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. * ويستفاد من الآية: أن الله عز وجل قد يحكم حكمًا شرعيًّا أو كونيًّا على العبد بما يكره وهو خير له، قد يصاب الإنسان بمصيبة وتكون خيرًا له، افرض مثلًا أنك مسافر وحصل على السيارة عطل، تكره هذا ولَّا تحبه؟ تكرهه، لكن تبين لك أن أمامك بنحو أميال قُطّاع الطريق لصار هذا التعطل صار خيرًا لك ما تدري، فقد يقدّر الله الشيء على الإنسان وهو يكرهه ويكون خيرًا له، ولهذا لا ينبغي أن تكرهه. * ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ لكن من أين نأخذ العموم؟ * طالب: من (لا) النافية يا شيخ. * الشيخ: لا، كيف نأخذ العموم؟ * طالب: من الفعل المضارع. * الشيخ: الفعل المضارع ما يدل على العموم، حذف المعمول يفيد العموم، هذه القاعدة مرت علينا من قبل، حذف المعمول يفيد العموم أو لا؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٦ - ٨] كلها محذوفة المفاعيل، (آواك)، وآوى بك أيضًا. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ هداك أنت ولَّا هدى بك أيضًا؟ هداك وهدى بك. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ لو قال: فأعناك ما استفدنا أن غيره أغناه الله به أيضًا، بل أغناه وأغنى به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]. إذن نأخذ العموم من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وأيش طريق العلم به؟ حذف المفعول إي نعم، فإن حذف المفعول يدل على العموم. * ويستفاد من الآية الكريمة: ضعف الإنسان لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان عدم العلم، ولهذا قال الله تعالى لرسوله ممتنًّا عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣] فالأصل في الإنسان أنه لا يعلم ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨]. ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى آخره، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ نأخذ منها ما سبق من حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال والعلم، ولهذا يقال: إن مفتاح العلم السؤال. * ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ يعني من كبائر الذنوب، والأشهر الحرم أربعة، وأظنها معروفة لكم. * ويستفاد من الآية الكريمة: تقديم ما يفيد العِلّية لقوله: ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ والمسؤول عنه هو القتال في الشهر الحرام، لكنه قدم الشهر؛ لأنه العلة في تحريم القتال، يعني: ما شأن القتال فيه؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم من أحكام الله إلا ما علمه الله. * طالب: يسألون. * الشيخ: لا، الجواب، من جواب الله له: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ كذا؟ ينبني على هذه المسألة: هل للرسول عليه الصلاة والسلام أن يجتهد أم لا؟ الجواب: نعم، له أن يجتهد، ثم إذا اجتهد فأقره الله، صار اجتهاده بمنزلة الوحي، كما أن الرسول لو أقر أحدًا من الصحابة على شيء صار فعل هذا الصحابي بمنزلة السنة، عرفتم؟ فإن لم يقره الله عليه تبين أن الاجتهاد ليس بصواب، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣]. * طالب: فضيلة الشيخ، ما يجمع بينها وبين قول الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم ٣]؟ * الشيخ: إيه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالقرآن ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ يعني: أن القرآن وحي من الله. * طالب: شيخ، فعل النصراني (...) النبي ﷺ أقره على ذلك (...) القاعدة؟ * الشيخ: لا، إحنا ذكرنا أنه لا يلزم من إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام على الشيء أن يكون سنة مشروعة، لكن أن يكون جائزًا، الرسول أقره بمعنى أنه ليس بمحرم، لكنه ليس بسنة، ولهذا لم يكن الرسول يفعله عليه الصلاة والسلام، وذكرنا لذلك بعض النظائر أيضًا، تحفظون منها شيئًا؟ * طالب: مثل الصدقة على الميت (...). * الشيخ: فهذا جائز وليس بمشروع، لا يشرع لكل إنسان مات له ميت أن يتصدق عنه. * ويستفاد من الآية الكريمة: تفاوت الذنوب؛ أن الذنوب تتفاوت، منين؟ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هذه أولًا تفيد أن الذنوب تتفاوت، وبتفاوت الذنوب يلزم من ذلك تفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، فيكون في ذلك ردّ على من أنكروا زيادة الإيمان ونقصان الإيمان، وللعلماء في ذلك ثلاثة آراء: منهم من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد وينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص، الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص هم طائفتان: المرجئة، والمعتزلة والخوارج؛ المرجئة لماذا قالوا: لا يزيد ولا ينقص؟ قالوا: لأن الإيمان هو التصديق بالقلب، والتصديق بالقلب لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال عندهم لا تدخل في مسمى الإيمان، والمعتزلة والخوارج قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح، وأنه إذا فُقد في واحدة من هذه الثلاثة فُقد منها الجميع، فعلى هذا لا يزيد ولا ينقص، إما أن يبقى كله، وإما أن يعدم كله، واضح؟ وقال بعض أهل العلم: إن الإيمان يزيد ولا ينقص؛ لأن الله تعالى صرح في القرآن بأنه يزيد ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] ولكن لم يأتِ في القرآن أن الإيمان ينقص، عرفتم؟ والصحيح أنه يزيد وينقص، وأنه يزيد وينقص باعتبار اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، حتى باعتبار اعتقاد القلب يزيد وينقص، أليس إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] يزيد ولَّا لا؟ يزيد، وأنت الآن عندما يخبرك رجل ثقة بأن فلانًا قدم إلى البلد تُصَدِّق، فإذا جاءك آخر ازداد تصديقك ولَّا لا؟ ازداد، فإذا جاء ثالث ازداد، فإذا جاء رابع ازداد، إذا وصل إلى حد التواتر أثبت العلم. فإذن التصديق بالقلب يزيد، حتى نفس الشخص يجد في بعض الأحيان في بعض الساعات يجد في قلبه إيمانًا راسخًا كأنما يشاهد العرش، وكأنما يرى الله عز وجل، كما قال الرسول: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وأحيانًا يغفل ويهبط هبوطًا كاملًا، أو كثيرًا إيمانه، أما زيادة الإيمان باعتبار أقوال اللسان فحدّث ولا حرج، فالذي يسبح الله مئة مرة ليس كالذي يسبحه عشر مرات، أيهما أزيد؟ مئة مرة، وكما أنه يختلف بالكمية يختلف أيضًا بالكيفية، فالعبادة المبنية على الإخلاص، وتمام الاتباع ليست كالعبادة الناقصة في الإخلاص وتمام الاتباع، وكذلك في الجوارح، عمل الجوارح يختلف، فالذي يصلي أربع ركعات ليس كالذي يصلي ثماني ركعات، واضح؟ إذن يزيد ولَّا لا؟ يزيد بالاعتقاد، والقول، والعمل الفعل، والذين قالوا: يزيد ولا ينقص نقول لهم: سبحان الله! نرد عليهم من وجهين: أولًا: أن الرسول أثبت النقص فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠ / ١٣٢) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. ثانيًا نقول: إذا ثبتت الزيادة ثبت النقص بالضرورة، وأيش معنى هذا زائد على هذا إلا أن الثاني ناقص عنه؟ فهما متلازمان متى ثبتت الزيادة ثبت النقص، ومتى ثبت النقص انتفت الزيادة. واضح؟ فالصواب إذن أنه يزيد وينقص باعتبار إقرار القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح، وهذا أمر مسلّم، وهو معلوم بالضرورة من تفاوت الكبائر أو تفاوت الذنوب، ومن تفاوت الأعمال الصالحة أيضًا فإن تفاوت العمل يستلزم تفاوت العامل. * طالب: شيخ، يصح أن نقول: إن العلماء من الخوارج والمعتزلة نقول: علماء؟ * الشيخ: إيه علماء إيه. * الطالب: ضلّال هم يا شيخ. * الشيخ: علماء، لكنهم ما نقول عنهم: ضلال ولَّا ما هم ضلال، هذا شيء ثانٍ، لكن نقول: علماء، هم علماء الملة، شيخ الإسلام رحمه الله يقول في الفتوى الحموية : انقسم أهل القبلة في مسائل الصفات إلى ست فرق. وعد منهم الجهمية والمعطلة؛ لأنهم منتسبون للإسلام ويعدون من الفرق الإسلامية لكنها مخالفة. * طالب: يكفرون؟ * الشيخ: لا شك أن بعض البدع كفر، لكن الشخص بعينه لا، يحتاج إلى أن تقوم عليه حجة. * طالب: شيخ، في من يقول في (...): إيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص، إيمان الأنبياء يزيد ولا ينقص، وإيمان عوام الناس يزيد وينقص؟ * الشيخ: هذا غلط، نحن نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص بقطع النظر عن المتصف به، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يفعلون بعض الأشياء التي يظلمون فيها أنفسهم: هذا آدم كما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] وهذا موسى قتل نفسًا بغير حق وأشياء كثيرة، ولكنهم يرجعون إلى الله عز وجل ويتوبون ويكونون بعد التوبة خيرًا منهم قبلها. * طالب: إذن قوله يعني خطأ؟ * الشيخ: إي نعم، خطأ. * طالب: فالملائكة يا شيخنا، يفعلون الخير المحض؟ * الشيخ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، إي نعم، ما نستطيع نقول شيئًا، ما نقول شيئًا. * الطالب: نتوقف عنه؟ * الشيخ: نتوقف عنه، ما نقول، نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص، أما باعتبار المؤمن نفسه فقد يكون بعض الناس يمن الله عليه ويزداد دائمًا في إيمانه وعمله الصالح، وقد يكون بعض الناس بالعكس دائمًا في نقص. * طالب: إذن الأقوال ثلاثة؟ يزيد وينقص؟ * الشيخ: على أقوال ثلاثة: يزيد وينقص، لا يزيد ولا ينقص، يزيد ولا ينقص. * طالب: (...). * الشيخ: هو أبو حنيفة رحمه الله من المرجئة، لكنه يدخل القول في مسمى الإيمان، يدخله. * من فوائد الآية الكريمة: عظمة الصدّ عن سبيل الله لقوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخره. والصد عن سبيل الله له طرق متعددة كثيرة غير محصورة، قد يكون بمنع الناس من فعل العبادات، وقد يكون بإشغالهم وإلهائهم عن فعل العبادات، وقد يكون في تحقير العبادات في أنفسهم، وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم ويدَعوه، المهم أن طرق الصدّ سبيل الله عن دينه لا حصر له كثيرة جدًّا. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الكفر بالله أعظم من القتال في الشهر الحرام أو لا؟ ويستفاد من هذا: أن الصد عن المسجد الحرام أعظم من القتال في الشهر الحرام لقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن إخراج أهل مكة منها أعظم من القتال في الشهر الحرام. * ويستفاد من الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين؛ حيث قاتلوا في الشهر الحرام، تسلية، من أين تؤخذ؟ (...) من يتصف بها؟ المشركون الذين انتقدوا على المسلمين قتلهم لهذا الرجل في الشهر الحرام؛ يعني أنتم إذا فعلتم هذا فقد فعلوا أكبر من ذلك، أربعة أمور؛ كل واحد منها أكبر من هذا. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام في قوله: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ مع أن المشركين ساكنون في مكة لكن ليسوا أهلًا للمسجد الحرام كما قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤]. * ويستفاد من ذلك: أن الفتنة أكبر من القتل؛ الفتنة أكبر من القتل، وأيش الفتنة؟ الشرك، الشرك أعظم، وقلنا: لكم فيما سبق أنها تشمل الشرك، وتشمل أيضًا فتْن الناس عن دينهم بأنواع الشبهات، أو بأنواع الشهوات. * ويستفاد منها: التحذير من الفتنة لقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ فإذا كانت أكبر فالواجب الحذر منها، وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا، ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في الفتنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الدجال: «مَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتْبَعَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ» الحديث.]] هذا هو الحديث أو معناه، المهم أن الإنسان لا يُعرّض نفسه للفتن، كم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) واللفظ له من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ إلى هذا الحد، إلى القتال، لأجل أن يردونا عن ديننا، وإذا حصل لهم الرّدّة بدون قتال؟ * طالب: أحب لهم. * الشيخ: أحب لهم؟ أحب إليهم معلوم، إذا حصل أن المسلمين يرتدون بدون قتال فهو أحب إليهم، ولهذا كان الغزو الفكري والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي، ولَّا لا؟ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر، وأما ذاك فهو صدام مسلّح، ينفر الناس منه بالطبيعة ما يمكنون أحدًا يقاتلهم، أما هذا فإنه -والعياذ بالله- سلاح فتّاك، ولهذا كم أفسد على الأمة؟! أصل الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية أصلها من مثل هذا، نعم بدعة الروافض، بدعة الخوارج وما أشبه ذلك وأيش أسبابها؟ هو هذا، يفسدون الفكر حتى يوقعوا الناس في القتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الكافرين لقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ وكلمة: لا يزال، أظن نفهم كلنا أنها تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، لا يزالون يفعلون هذا حتى يردوكم عن دينكم. * ويستفاد من الآية الكريمة: تيئيس الكافرين من أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين في قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله فيكون في آخر الزمان تهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾. * ويستفاد منها: أنها لا تبطل العمل إلا إذا مات على الكفر لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، وعلى هذا فنقول: لو أن أحدًا ارتد والعياذ بالله؛ ارتد عن الإسلام، بدأ ما يصلي، ترك الصلاة نهائيًّا، ثم هداه الله ورجع إلى الإسلام وصار يصلي، فهل أعماله السابقة ترجع ولَّا تذهب؟ ترجع؛ لأن الله عز وجل اشترط أن يموت وهو على كفره، طيب لو كان صحابيًّا هل ترجع صحبته؟ نعم، على الأصح، كما قال ابن حجر على الأصح ترجع، طيب لو كان قد حج، ثم عاد إلى الكفر، ثم عاد إلى الإسلام؟ يُلزم بأداء الحج؟ لا، يكفي الحج الأول. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد مخلّد في النار لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، فلا يغسّل، ولا يكفّن، ولا يُصلّى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وهل يرث ويورث؟ فيه خلاف؟ أما كونه لا يرث فهذا الظاهر أنه بالإجماع، ولا أدري، لكن الظاهر، أما كونه يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون، ولكن الصحيح أنه لا توارث لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤ / ١) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.]]. رجل عنده ملايين الدراهم ومئات العقارات، وآلاف السيارات، ولكنه ما يصلي ومات، وله أبناء وزوجات قلنا: ها المال هذا ما هو لكم، المال لبيت المال، هذه صعبة جدًّا، لكن مع ذلك فيها فائدة عظيمة؛ لأن بعض الناس قد يحمله كونه يتصور أن أولاده سيشرّدون بعده، ولا يكون لهم استحقاق في أمواله إلا بقدر ما يستحقون من بيت المال، ربما أن هذا الأمر يحمله على أن يرجع إلى الإسلام ويتوب، وإذا رجع إلى الإسلام وتاب تاب الله عليه وصار موروثًا. * طالب: كذلك يحمل أهله على (...). * الشيخ: ويحمل أهله أيضًا على أن يشددوا عليه في النصيحة. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للعمل أيًّا كان ذلك المرتد، سواء كان من الصحابة أو من التابعين أو ممن بعدهم لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ والخطاب أول ما يدخل فيه الصحابة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقد ارتد أحد منهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن خطل، أسلم ثم ارتد والعياذ بالله، ولحق بمكة، واتخذ جواري يغنين بهجاء الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما كان في فتح مكة قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[[أبو داود (٣٠٢٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]] فجاؤوا إليه فقالوا: يا رسول الله، عبد الله بن خطل متعلق بأستار الكعبة في المسجد ولَّا خارج؟ في المسجد متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقْتُلُوهُ، اقْتُلُوهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٤٦) ومسلم (١٣٥٧ / ٤٥٠) من حديث أنس رضي الله عنه.]]. فقتل مع أنه في آمَن بقعة على وجه الأرض، ومع أن الرسول قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ»، فقال: «اقْتُلُوهُ». قال العلماء: لأن الكفر -والعياذ بالله- عظيم؛ فإنه قد سَبّ الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الجواري اللاتي كن يغنين بالقدح في الرسول ﷺ. * طالب: يعني (مَنْ) هذه، مَن دخل بيته فهو آمن؟ * الشيخ: هذا عام. * الطالب: ما يدخل فيها؟ * الشيخ: إلا، لكن يجوز تخصيص العموم، هذا فيه تخصيص العموم؛ يعني إلا عبد الله بن خطل خصه الحديث. * طالب: وإخراج أهله منه أكبر، فما دعاهم إلى تغريب الزاني؟ * الشيخ: لا، هذا شرعي، تغريب الزاني هذا شرعي. * طالب: يا شيخ، أقول: قصة ابن خطل هذه ما تؤيد كلام شيخ الإسلام يعني يقول: من سب الرسول لازم يقتل؟ * الشيخ: إيه، يستدل بها عليه. * طالب: أما ابن خطل؟ * الشيخ: إيه، لكن ما قتل، تاب وبقي. * طالب: الشرك ما يحبط العمل؟ * الشيخ: الشرك إذا مات، إذا مات على الكفر حبط عمله. * طالب: الساحر، وهو حاج يقولون: يبطل الحج، تصدّق هذا الساحر؟ * الشيخ: من يقول؟ * الطالب: يقولون: يبطل حجه. * الشيخ: لا، إن اعتقد أنه يعلم الغيب صار كافرًا؛ لأنه ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، وإذا كفر فمات على كفره، وإن تاب تاب الله عليه. * طالب: الحاج لو أنه مشرك، حجه ما يعيده؟ * الشيخ: كيف لو أنه مشرك، وأيش لون؟ * الطالب: ارتد يعني .. * الشيخ: لو ارتد بعد الحج، ثم عاد إلى الإسلام ما يعيد الحج. * الطالب: إذا كان حج وأسلم؟ * الشيخ: ثم أسلم. * الطالب: ثم أسلم، معناه وحج، يعني الحج؟ * الشيخ: ما يبطل الحج، لا، ما يبطل، يعني ارتد بعد الحج نقول: إذا لم يمت على الكفر فهو صحيح؛ يعني فلا يبطل عمله. * طالب: شيخ، قوله: «مَنْ أتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٥٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] هل يقول: لا تقبل الصلاة أربعين يومًا؟ * الشيخ: هذاك فسأله، مجرد سؤاله ما تقبل له صلاته أربعين يومًا. * الطالب: إذا حج في الأربعين اليوم هذه تقبل ولَّا ما تقبل؟ * الشيخ: تقبل، تقبل. * الطالب: والصلاة ما تقبل؟ * الشيخ: لا، هو الصلاة تقبل، لكن معنى: لا تقبل مو معناه لا تبرأ بها الذمة، الذمة تبرأ بها، لكن معناه أن سوء عمله هذا يقابل أجر الصلاة فكأنه لم يُصلِّ، بالاتفاق أن صلاته تصح. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾. * يستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والهجرة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨]. * ويستفاد منها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: من الترتيب. * الشيخ: لأنه قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ فجعل الجهاد معطوفًا على الهجرة، ولم يجعل له اسمًا موصولًا مستقلًّا. * ويستفاد من ذلك: مراعاة الإخلاص للهجرة والجهاد لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ وأما بدون إخلاص فإنه هجرته إلى ما هاجر إليه. * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازمًا بقبول عمله بل يكون راجيًا، ولكنه يرجو رجاء يصل به إلى حسن الظن بالله عز وجل. (...).

البقرة 2:219

الفاعل في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعود إلى الصحابة رضي الله عنهم، والضمير المفعول به ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعود إلى النبي ﷺ، وقد أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات: آية تبيحه، وآية تعرّض بتحريمه، وآية تمنعه في وقت من الأوقات، وآية تمنعه دائمًا، أما الآية التي تبيحه فهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل ٦٧]، وأما الآية التي تُعرّض به؛ أي بالتحريم فهذه الآية التي معنا، وأما الآية التي تمنعه في وقت دون آخر فآية النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وأما الآية التي تمنعه مطلقًا فآية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، فيكون تحريم الخمر تحريمًا باتًّا متأخرًا إلى السنة الثامنة من الهجرة. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ سبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك، ولهذا سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عنهم عن حكمهما لا عن معناهما؛ لأن المعنى معلوم، لكن عن الحكم، وقد سبق لنا أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أسئلة كثيرة، لكن في القرآن كم سؤالًا سألوا الرسول؟ * طالب: ثلاثة عشر. * طالب آخر: اثنا عشر. * الشيخ: اثنا عشر أو ثلاثة عشر؟ المعروف أنها اثنا عشر سؤالًا. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ الخمر من أين هو مشتق؟ قيل: إنه مشتق من (خَمَرْتُه أخْمِرُه) إذا غطيته، فهو من التغطية، وقيل: إنه مشتق من (خَامَره يُخامِره) إذا خالطه، والصحيح أنه مشتق من الأمرين جميعًا؛ وذلك لأن الخمر يخالط العقل ويغطي العقل أيضًا، فهو يخالطه، ثم بعد ذلك يغطيه حتى يُلحق صاحبه بالمجانين الذين لا عقول لهم. ثم ما هو الخمر؟ هل الخمر ما أسكر من نبيذ العنب فقط؟ أو الخمر ما أسكر من أي شيء كان؟ الصواب: أن الخمر ما أسكر من أي شيء كان، ولا نقول: إن هذا من باب الاصطلاح الفقهي، بل هو من باب المعنى اللغوي، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ وهو أفصح العرب قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»[[أخرجه مسلم (٢٠٠٣ / ٧٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فبين التعريف والحكم -عليه الصلاة والسلام- في هذا، «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» هذا التعريف، وكل مسكر حرام، هذا الحكم، وعلى هذا فلا يتقيد بشيء من الأشياء؛ لا بعنب، ولا بتمر، ولا بشعير، ولا بعسل، ولا ببُرّ، ولا بغير ذلك، كل ما أسكر فإنه خمر، فالخمر كل مسكر، ولكن ما معنى الإسكار؟ قال العلماء: معنى الإسكار هو تغطية العقل على سبيل اللذة والطرب، ما هو مجرد ما يفقد الإنسان وعيه يكون سكرانًا، فإن (البنج) مثلًا يغطي العقل، لكن لا على سبيل اللذة والطرب، فلا يكون مسكرًا، إنما الخمر يغطي العقل على سبيل اللذة والطرب، ولهذا السكران يرى نفسه في بحبوحة من العيش، وكأنه ملك من الملوك وكأنه مالك لكل شيء، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: وَنَشْرَبُهَـــا فَتَتْرُكُنَــــا مُلُوكًـــــا ∗∗∗ ....................... يعني: تتركنا كالملوك في تخيل الإنسان نفسه، وكما يشهد لذلك الواقع أيضًا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى حمزة بن عبد المطلب حين شرب فسكر فغنَّته جاريته: أَلَا يَا حَمزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ∗∗∗ ........................ وكان قد مر به ناضحانِ لعلي بن أبي طالب، قام رضي الله عنه -أي: حمزة- فجبّ أسنمتهما، وأظنه بقر بطونهما أيضًا، فجاء علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ يشكو، فلما أقبل النبي عليه الصلاة والسلام إلى حمزة وجده قد ثمل، ولم يصحو بعد فكلّمه، فقال له حمزة بن عبد المطلب: هل أنتم إلا عبيد أبي؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٩١)، ومسلم (١٩٧٩ / ١) من حديث علي بن أبي طالب.]]. هذا يدل على أن عنده في تلك الساعة نشوة وطرب وعلو وارتفاع ولهذا قال: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ هذا هو الخمر وهذا هو اشتقاقه، أما حكمه فإنه سيبيّن في هذه الآية. وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ ﴿الْمَيْسِرِ﴾ قيل: إنه مأخوذ من (اليُسْر)، وقيل: مأخوذ من الإيسار، والمادة كما تشاهدون تشتمل على الياء والسين والراء، والحق أنه مأخوذ من الأمرين جميعًا، ففيه يسر وفيه إيسار، كما أن فيه إعسارًا أيضًا، الميسر هو المغالبات والمقامرات بالعوض، المغالبات في العوض هذا هو الميسر، مشتق من (اليُسْر)؛ لأن الإنسان يكتسب فيه المال الكثير بيسر وسهولة، مشتق من (الإيسار)؛ لأن هذا الكاسب يكون بعد الفقر موسرًا، فهو مشتق من المعنيين جميعًا. وكانوا -أي العرب في الجاهلية- يستعملون هذه المغالبة والمقامرة؛ يستعملونها بالأقداح وبالأزلام، وأحيانًا يستعملونها بغير ذلك، والمهم المعنى دون الصورة، فلو تقامرنا على شيء من المال بأي صفة من الصفات فإن ذلك يعتبر ميسرًا، ومن ذلك ما يسمى بالحظ والنصيب؛ فإنه ميسر، ومن ذلك التأمينات على الأموال، على السيارات، أو على البضائع، أو على البيوت، أو على النفوس، أو ما أشبه ذلك، فإنها من الميسر؛ يعني فيها مغالبة في الحقيقة، فإن هذا الدافع للتأمين قد يربح وقد يخسر؛ لأنه إن سلم صار خاسرًا، إن سلم كان خاسرًا؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: كيف السالم هو الخاسر؟! لأنه أخذ منه العوض بدون مقابل، إن سلم فهو خاسر وإن خسر فهو غانم، إذا حصل حادث أكثر مما بذل مثل أن يكون دفع قيمة التأمين خمس مئة ريال، ثم حصل عليه حادث بخمسة آلاف ريال صار غانمًا؛ يعني صار أخذ أكثر مما دفع، وهذا هو مبنى الميسر؛ أن يكون مبنيًّا على الحظ والنصيب، يكسب الإنسان الشيء بدون حق، فهذا حرام سيأتي حكمه إن شاء الله تعالى. * طالب: ومنها المراهنة، يا شيخ؟ * الشيخ: إيه، والمراهنة منها؛ من الميسر، لو قال: أنا أقول: كذا وكذا، فقال الثاني: أنا أقول: كذا وكذا، قال: يلّا اللي يُغلب منا عليه كذا وكذا، هذا منه، وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخُف، والحافر. قال الله تعالى في الجواب: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟ * طلبة: لجميع الناس. * طالب: ليس الكل. * الشيخ: نعم، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يعني: قل لجميع الأمة، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة، وهي: أنه قد يكون الجواب موجهًا إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم. ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في الخمر والميسر، ﴿إِثْمٌ﴾ ما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]. ويقال: فلان آثم؛ يعني: مستحق للعقوبة. وقوله: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والقراءة أخرى: ﴿كَثِيرٌ﴾ الفرق بينهما أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية؛ فالمعنى أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير؛ يعني عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك، وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبّر الله عن ذلك بقوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أو ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ . هل هاتان القراءتان تتنافيان؟ لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عشر من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع. وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ منافع جمع (منفعة)، وهي من صيغة منتهى الجموع، ولهذا قال: ﴿مَنَافِعُ﴾ ولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة، فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يُقبل الناس عليهما؟ لأن الإثم ذكره مفردًا، وإن كان قد وُصف بالكبر أو بالكثرة، لكن المنافع ذُكرت بالجمع؟ قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأن لو كانت منفعة واحدة قلنا: ممكن أن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت فإن الإثم أكبر وأعظم، ولهذا قال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وإن كان هناك منافع كثيرة. ما هذه المنافع؟ من المنافع في الخمر: الطرب، والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره، ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام، ومنها: أنه يُتّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا، وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون، يفرح؟ يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار فكسب مليون ريال، يروح يشتري له فيلا ويأخذ السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، فيهما منافع، وتأمل قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؟ * طالب: فيهما. * الشيخ: محذوف تقول؟ * الطالب: لا. * الشيخ: وين؟ * الطالب: مقدم. * الشيخ: ﴿فِيهِمَا﴾ مقدم؟ ما هي ﴿فِيهِمَا﴾ خبر لقوله ﴿إثْمٌ﴾؟ * الطالب: معطوف. * الشيخ: معطوفة صح، فأنت إذا قلت: زيد وعمرو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيد وعمرو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيد وعمرو، فإن (في البيت) خبرًا لهما. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾، الخبر ﴿فِيهِمَا﴾ مقدم. قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إثمهما؛ يعني ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر في الغالب أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم، فلهذا قال: الإثم أكبر، لسببين: السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا، والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني. وقوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطّي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد. وتأمل قوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ عندما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بيّن الله عز وجل الراجح فقال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حينئذٍ تبيّن أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عن ما فيه أو عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع، ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية، فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟ ولكن، هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل ماذا يرجّح؟ * طالب: يرجح المنافع. * الشيخ: كيف؟! لا ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ شوف سؤالان في آية واحدة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل الله شيئًا أعطاهُ، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال، أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، وأيش تقول؟ تقول: سألته عن كذا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف ١٨٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى الثاني بـ (عن)، وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. والفرق بين تعدّيه إلى جملة استفهامية، وتعدّيه إلى المفعول الثاني بحرف الجر، أنه إذا عُدّي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بـ (عن) فقد تكون هي لفظ السائل بعينه، وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني: يقولون: ماذا ينفقون، عرفتم؟ وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تقدم لنا نظير لهذا التركيب، وبيّنا أنه يجوز فيه وجهان: أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدمًا لأيش؟ لكلمة: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ مفعولًا مقدمًا لـ (ينفقون)، والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ (ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؛ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟ إذن في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لينفقوا وحينئذٍ هل يحتاج ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم ما يحتاج إلى ضمير. والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥]. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الْعَفْوَ﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذي ينفقونه؟ الجواب: العفوُ؛ يعني هو العفو، وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون ﴿الْعَفْوَ﴾ يعني: يقول: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ، وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فُسرت بكلمة العفو ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول ما الذي يُنفق؟ أجب. العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت ﴿مَاذَا﴾ فانصب ﴿الْعَفْوَ﴾، وإن رفعت ﴿مَاذَا﴾ فارفع ﴿الْعَفْوُ﴾. وقوله: ﴿الْعَفْوَ﴾ لا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو الزائد الفاضل؛ يعني أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم، وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة ١٠٩]. وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ويراد به الزيادة والفضل كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف ١٩٩]. يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به، ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]] المراد بالعفو ما هو؟ أو بالإعفاء؟ الزيادة. فقوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع هذا خلاف الحكمة، وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على.. أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخف، والحافر، قال الله تعالى في الجواب: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟ * طالب: كل الخلق. * الشيخ: نعم، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يعني: قل لجميع الأمة، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة وهي: أنه قد يكون الجواب مُوجَّها إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بماذا؟ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم. ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ، ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في الخمر والميسر. ﴿إِثْمٌ﴾ ما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]، ويقال: فلان آثِمٌ، يعني: مستحق للعقوبة. وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والقراءة الأخرى ﴿كَثِيرٌ﴾ الفرق بينهما: أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية، فالمعنى: أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير، الإثم فيهما كبير، يعني: عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك. وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبَّر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أو ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾. هل هاتان القراءتان تتنافيان؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما، فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عَشْرٌ من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع. وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ﴿مَنَافِعُ﴾ جمع منفعة، وهي من صيغة منتهى الجموع؛ ولهذا قال: ﴿مَنَافِعُ﴾ ولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة. فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يقبل الناس عليهما؛ لأن الإثم ذكره مفردًا وإن كان قد وصف بالكبر أو بالكثرة لكن المنافع ذكرت بالجمع؟ قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأنه لو كان منفعة واحدة قلنا: ممكن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت، فإن الإثم أكبر وأعظم؛ ولهذا قال: ﴿َإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وإن كان هناك منافع كثيرة، ما هذه المنافع؟ من المنافع في الخمر: الطَّرب والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام. ومنها: أنه يتَّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا. وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون؟ يفرح؟ * طالب: نعم. * الشيخ: يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار، فكسب مليون ريال، يروح يشتري فيلا، يأخذ له السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، ففيهما منافع. وتأمل قوله: ﴿َمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع ماديَّة بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؟ * طالب: ﴿فِيهِمَا﴾. * الشيخ: محذوف تقول؟ * الطالب: لا، ﴿فِيهِمَا﴾. * الشيخ: وين؟ * الطالب: المقدم. * الشيخ: ﴿فِيهِمَا﴾ المقدم؟ ما هي ﴿فِيهِمَا﴾ خبر لقوله: ﴿إِثْمٌ﴾؟ * طالب: معطوف. * الشيخ: معطوف صح، فأنت إذا قلت: زيدٌ وعمرٌو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيدٌ وعمرٌو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيدٌ وعمرٌو، فإن (في البيت) خبر لهما. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾ الخبر؟ ﴿فِيهِمَا﴾ مُقدَّم. قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ﴿إِثْمُهُمَا﴾ يعني: ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر -في الغالب- أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم؟ فلهذا قال: الإثم أكبر؛ لسببين: السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا. والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال، تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني؟ وقوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد وأبلغ. وتأمل قوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ لما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بين الله عز وجل الراجح فقال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، حينئذٍ تبين أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع؛ ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟ ولكن هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل، ماذا يرجح؟ * طالب: المنافع. * الشيخ: لا، ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم. قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ سؤالان في آية واحدة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال، فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل اللهَ شيئًا أعطاه، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال. أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، ويش تقول؟ تقول: سألته عن كذا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف ١٨٧]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى للثاني بـ(عن). وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. والفرق بين تعديه إلى جملة استفهامية وتعديه إلى المفعول الثاني بحرف الجر: أنه إذا عدي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بعن فقد تكون هي لفظ السائل بعينه وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام، فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني يقولون: ماذا ينفقون؟ عرفتم؟ وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تقدم لنا نظيرٌ لهذا التركيب، وبينا أنه يجوز فيه وجهان: أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدما لأيش؟ لكلمة: ﴿يُنْفِقُونَ﴾. والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ(ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟ إذن في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لـ﴿لينفقون﴾، وحينئذٍ هل يحتاج ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم، ما يحتاج إلى ضمير. والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥]. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الْعَفْوَ﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذين ينفقونه؟ الجواب: العفوُ، يعني: هو العفوُ. وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون: ﴿الْعَفْوَ﴾ يعني: قل: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ. وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فسرت بكلمة (العفو) ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول: ما الذي يُنفق؟ أجب؟ العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها، فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت ﴿مَاذَا﴾ فانصب ﴿الْعَفْوَ﴾، وإن رفعت ﴿مَاذَا﴾ فارفع ﴿الْعَفْوُ﴾. وقوله: ﴿الْعَفْوُ﴾ لا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو: الزائد الفاضل، يعني: أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم؛ وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة ١٠٩]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ويراد به الزيادة والفضل، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف ١٩٩]، يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٥٠٤٦)، عن ابن عمر رضي الله عنه.]]، المراد بالعفو ما هو أو بالإعفاء؟ الزيادة. فقوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول. فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع، هذا خلاف الحكمة وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك: أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على أنفسهم وأهليهم لا أجر فيه، وليس صدقة، ولكن هذا جهل منهم، فإن إنفاقك على نفسك وعلى أهلك صدقة، وإذا كان صدقة، فإن بذل مالك في الأقارب أولى من بذله في الأباعد. قال الله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...)؛ أي: يبين الله لكم تبيينًا مثل ذلك البيان، قوله: ﴿ذلك﴾ المشار إليه ما هو؟ المشار إليه ما سبق من بيان حكم الخمر والميسر، وبيان ما ينفق، فقد بين الله تعالى غاية البيان. فإن قلت: كيف بينه الله عز وجل وهو ليس فيه تفصيل؟ يعني ما فصل الله المنافع، ولا فصل الإثم؟ فيقال في الجواب عن ذلك: إن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن الإثم كثير أو كبير، وهذا بيان، فكلما ازداد الإنسان من شربه، ازداد إثمًا، وهذا بيان، والمنافع أيضًا أجملها الله عز وجل؛ لأن تعدادها لا فائدةَ فيه، وربما يكون في تعدادها إغراء لذوي النظر القصير، وكذلك قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ بيِّن واضح ما فيه إشكال، أي: ما زاد على حاجتكم وضرورتكم وليس فيه إشكال. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾: يظهر، بَيَّنْتُهُ فَتَبَيَّنَ، يعني: ظهر، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى: يظهر، فمعنى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يظهرها حتى تكون واضحة جلية. و﴿الْآيَاتِ﴾ جمع آية، وقد مر علينا كثيرًا أن الآيات تنقسم إلى قسمين؟ * طالب: شرعية وقدرية. * الشيخ: نعم، شرعية وقدرية ما فيه تعبير ثانٍ غير القدرية؟ * الطالب: كونية. * الشيخ: كونية، الآيات الشرعية ما هي؟ * طالب: هي المخلوقات. * الشيخ: الآيات الشرعية هي المخلوقات؟! * الطالب: الآيات الشرعية التي في الكتب. * الشيخ: (...) بيَّنها، لا الآيات الكونية ولا الآيات الشرعية، بيَّنها بيانًا تامًّا، لكن الآيات الشرعية بينها الله تعالى بيانًا مفصلًا لحاجتنا إلى العبادة، فإننا محتاجون إلى العبادة إجمالًا وتفصيلًا؛ ولهذا جاءت الآيات الشرعية مفصلة، كما« قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه عِلْمًا[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]، وقال رجل لسلمان الفارسي: علَّمكم نبيكم حتى الخِراءة؟ قال: أجل، ثم قال: لقد نهانا أن نستقبل القبلة في غائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن نستنجي برجيع أو عظم»[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧)، من حديث سلمان رضي الله عنه.]]. إذن الآيات الشرعية مبينة مفصلة على وجه التفصيل لحاجتنا إليها، أما الآيات الكونية فإن التفصيل فيها يكون بالأجناس أو بالأنواع لا بالأفراد، تجد مثلًا ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت ٣٧] في أيش؟ ويش يدلنا عليه؟ لكن ابحث أنت تجد الشيء الكثير، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] على أي شيء هي آية؟ ابحث وتجد، وعلى هذا فقِس، فالآيات الكونية جعلها الله تعالى مجملة عامة ما بينها تفصيلًا؛ لأن الناس ليسوا بحاجة إليها على وجه التفصيل، وأيضًا فإنها آيات مشهودة محسوسة يمكنهم أن يعرفوا ما فيها على وجه التفصيل بقدر استطاعتهم. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل، واسمها الكاف، وخبرها جملة: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ عندي هذه موقف، لكن نتفكر بماذا؟ أو في ماذا؟ قال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا﴾ واضح أن التفكر في الدنيا، لكن قوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ هل الناس في يوم القيامة يتفكرون؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: إذن تتفكرون في الدنيا والآخرة في شؤونهما، وليس المعنى أن التفكر واقع في الآخرة، لا، إنما نتفكر في هذه الدنيا، في حياتنا، فيما يتعلق بشؤون الدنيا وشؤون الآخرة، وهذا مما يؤيد أن الآيات في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ شامل للآيات الشرعية والآيات الكونية؛ لأن ما يتعلق بشأن الآخرة غالبه من الآيات الشرعية، وما يتعلق بأمر الدنيا غالبه من الآيات الكونية، يعني: يتفكر في شؤونهم. وإذا تفكر الإنسان في الدنيا وجد أنها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، لماذا اختلط؟ لكثرته، وامتداده، امتد وتشابك، وكثر فتشابك، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ يعني: كمال زينتها، ﴿وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ وأنه ما بقي إلا أن يجنوها ويستثمروها، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤]، وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد ٢٠]. * * * (...) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ شوف كلها معطوفة بالواو، كأنها أسئلة متتابعة، سألوا أولًا عن الخمر والميسر، ثم سألوا ماذا ينفقون، وجه الارتباط بين السؤالين واضح جدًّا؛ لأن في الخمر والميسر إتلاف المال بدون فائدة، وفي الإنفاق إتلاف المال بفائدة. ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾؛ لأنك إذا عرفت السبب عرفت وجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو: الذي مات أبوه ولم يبلغ، مشتق من: اليُتْم، وهو الانفراد، واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم جاءت الوصاية بهم كثيرًا، فقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ سبب ذلك: أن الله عز وجل لما أنزل ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء ١٠]، وأنزل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢] آيتين، أشكل على الصحابة رضي الله عنهم فصاروا يجعلون طعام الأيتام على حدة، وطعامهم هم على حدة، بمعنى أنه إذا طبخ لليتيم طبخًا جعله له وحده، هذا الطبخ إما أن يفسد ولا يصلح للأكل، وإما أن يصلح للأكل لكن ليس على وجه أكمل، فتحرجوا من ذلك، وشق عليهم أن يجعلوا لليتامى طعامًا على حدة ولهم طعام على حدة، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم مع طعام اليتامى، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك فأجابهم الله عز وجل بجواب في غاية ما يكون من البلاغة والاختصار والوضوح، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، وكلمة ﴿إِصْلَاحٌ﴾ تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون، سواء كان ذلك في التربية أو في المال، وسواء كان ذلك بالإيجاب أو بالسلب، أي شيء يكون إصلاحًا لهم فهو خير. وكلمة: (خير) هل هي تفضيل مطلق أو تفضيل مقيد؟ بمعنى: هل التقدير: إصلاحٌ لهم خيرٌ من الإفساد أو أنه خيرية مطلقة؟ الجواب: خيرية مطلقة، الإصلاح خير من كل شيء، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء ١٢٨]، هذه الجملة في شمولها وعمومها ووضوحها كالجملة الثانية. ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ هذه الجملة الثانية مما تضمنه الجواب، لأني قلت قبل: إن الجواب تضمن جملتين؟ إحداهما: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، والثانية: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ يعني: إن خالطتموهم في الأكل والشرب وجعلتم طعامهم مع طعامكم، فإنهم ليسوا أجانب منكم، بل هم إخوانكم في الدين أو في النسب؟ * الطلبة: في الدين. * الشيخ: في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، قد يكون الأخ الصغير قد مات أبوه وهو أخوك، فيكون أخًا لك في الدين وفي النسب، وقد يكون اليتيم من أبناء عمك وهو مؤمن فيكون أخًا لك؟ * طالب: في الدين والنسب. * الشيخ: في الدين، وقد يكون أخًا لك، لكنه ليس بمؤمن، فيكون أخًا لك في النسب. المهم أنهم إخوان لنا، سواء في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، ومعلوم أن مخالطة الأخ لأخيه أمر لا يستنكف منه ولا يخشى منه، فإذا شعرتم وأنتم تخالطونهم بأنهم إخوانكم، فإنكم سوف تحرصون على أن لا تخالطوهم إلا على وجه فيه مصلحة لهم؛ ولهذا قال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، ومعروف أن الأخ يحنو على أخيه. بهذا ارتفع الحرج، وتأمل أن الله عز وجل بدأ بالإصلاح قبل المخالطة، كأنه يفيد أنه إذا لم يكن في المخالطة إصلاح فالأفضل؟ * طالب: عدم المخالطة. * الشيخ: عدم المخالطة، وإن كان فهي إصلاح فهي خير وهم إخوان لكم، لا يمكن أن تضروهم بشيء. إذن يجوز الآن المخالطة ولَّا لا؟ يجوز، تفهم من قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، كأنكم صنوا أصل واحد، ولكن لا بد من أن يكون في ذلك إصلاح. * طالب: شيخ، كيف يكون في أنفسهم حرج (...)؟ * الشيخ: (...) ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ العلم هنا علمُ معرفةٍ؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولًا واحدًا، فقد قال ابن مالك: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَـهْ ∗∗∗ تَــعْــدِيَــــةٌ لِــوَاحِــــدٍ مُــلْــتَــزَمَــهْ يعني: يعرف سبحانه وتعالى، يعلم علم معرفة المفسدَ من المصلح في هذا وفي غيره؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ لم يقل: يعلم المفسد والمصلح، بل قال: ﴿الْمُفْسِدَ مِنَ﴾، كأنه ضمن العلم معنى التمييز، يعني: يعلمه فيميز بين هذا وهذا، ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضًا في الثواب والجزاء. وقوله: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ يشمل الإفساد الديني والدنيوي، والإصلاح الديني والدنيوي، عرفتم؟ ولَّا بس في أمور الدنيا فقط؟ في أمور الدين والدنيا، فهو يعلم عز وجل المفسد من الإنسان المصلح، وكلمة (مُفسد) و(مُصلح) هل تعني الذي فعلًا أفسد أو تشمل حتى من نوى الإفساد والإصلاح؟ حتى من نوى، فمن كانت نيته الإفساد، فإن الله عالم به، وقد لا يحصل له مقصوده، قد يكون إنسانًا مفسدًا يحب إفساد الخلق ولا يتسنى له ذلك، وقد يكون كذلك مصلحًا، ولكن يحال بينه وبين إصلاحه، ولكن من علم الله من نيته هذا أو هذا، فإنه يجازيه بما يستحق. وهل يشمل هذا المفسد من المصلح في شؤون اليتامى؟ يشمل، معلوم؛ لأن الأصوليين يقولون: إن مسألة السبب نصٌّ في المراد، يعني أنها قطعية الدخول، فإذا قلنا: يعلم المفسد من المصلح في جميع الشؤون، فإن أول ما يدخل في ذلك ما هي؟ الإصلاح والإفساد في اليتامى؛ لأنها هي السبب، وما كان سببًا فهو قطعي الدخول في العموم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لو) شرطية، شرطها قوله: ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾، وجوابها؟ * طالب: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾، وهل اللام في جواب (لو) واجبة أو غالبة؟ * طالب: غالبة. * الشيخ: غالبة، ومن حذفها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، والأكثر وجود اللام في جوابها. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي: لشق عليكم، بماذا؟ شق عليكم بأمرين في مسألة اليتامى: أحدهما: أن تجعلوا طعامهم وشرابهم على حدة. الثاني: أن تقدروا ذلك الطعام والشراب بحيث لا يبقى شيء يكون عرضة للتلف والفساد، وهذا شيء شاق على الناس، ولكن الله عز وجل برحمته نفى ذلك. والعنت قلت: إنه بمعنى المشقة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٢٥] ويش معنى العنت؟ أي: المشقة. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هذه الجملة تعليل لما سبق، ولكن هل هو تعليل لما سبق في الآية الأخيرة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ إلى آخره، أو حتى لما سبق من قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ لأن هذه الآيات كلها معطوف بعضها على بعض؟ يحتمل هذا وهذا، لكن لو أخذنا بالعموم لم يكن فيه مانع. و(العزيز) تقدم لنا أنه من أسماء الله عز وجل، وأن له ثلاثة معانٍ وهي: * طالب: القدر. * الشيخ: القَدَر ولا القَدْري؟ ما الفرق بينهما؟ * الطالب: القَدْر. * الشيخ: القَدْر بالسكون، نعم. * الطالب: القهر. * الشيخ: عزة قدر، وعزة قهر، وعزة امتناع، عزة القَدْر: أي لا يُدانيه أحد في علو شأنه. عزة القهر: لا يغلبه أحد بل هو الغالب. عزة الامتناع: أي يمتنع عليه كل نقص وعيب، فهو عزيزٌ لا يعتريه النقص، عزيزٌ لا يعتريه الذل، بل هو الغالب القاهر سبحانه وتعالى، عزيزٌ يعني أنه ذو قدر عالٍ وشأن رفيع. أما (الحكيم) فقد تقدم لنا أنه مشتق من الحُكْم والحِكْمة، وأن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وأن الحِكمة نوعان: غائية، وصورية، يعني: كون الشيء على هذه الصورة هذه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فإذا ضربت اثنين في اثنين تكون أربعة: حكمة في القَدَر، صورته وغايته، حكمة في الشرع، صورته وغايته. وجه المناسبة لختم الآية الكريمة بالعزة والحكمة أنه سبحانه وتعالى له الحكم لو شاء لأعنتنا؛ لأنه عزيز وهو صاحب السلطان؛ ولأنه حكيم فهو صاحب الحكم ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]، ولكن مع كونه جل وعلا عزيزًا حكيمًا فهو عفوٌّ رحيم؛ ولهذا لطف بعباده في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ النكاح في الأصل: الضم والجمع، ومنه قول الشاعر: أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ∗∗∗ عَمْرَكَ اللَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؎أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ∗∗∗ ......................يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا وسهيل.. فقوله: (كيف يجتمعان) يدل على أن النكاح في الأصل الجمع والضم، وأما في الشرع: فهو عقد على محللة للاستمتاع بها وصيانة الفرج إلى آخره وغيره من المصالح التي تتعلق بالنكاح، فهو عقد على محللة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج والولادة والاستمتاع وغير ذلك. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. * طالب: ما معنى (...)؟ * الشيخ: لا، يجمع بينهم. ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ جمع مشركة، والمشركة أو المشرك هو من جعل لله تعالى شريكًا فيما يختص به، سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات، فمن اتخذ مع الله إلهًا يعبده فهو مشرك ولو آمن بأن الله خالق السماوات والأرض، ومن اعتقد أن مع الله خالقًا للكون، أو منفردًا بشيء من الكون، أو معينًا لله تعالى في الخلق، في خلق شيء من الكون فهو مشرك، ثلاثة أشياء ما هي؟ * طالب: من يتخذ مع الله إلهًا. (...) * الشيخ: خلق الكون فإنه مشرك. * طالب: لكن نهى عن قول متصرفًا؟ (...) * الشيخ: حتى الكتابيات، وإن أخذنا بمعهودها المعروف فإنه لا يشمل اليهود والنصارى؛ لأنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة ٦] فعطف المشركين على أهل الكتاب فدل على أنهم؟ * طالب: غيرهم. * الشيخ: غيرهم، وهذا الخلاف ينبني عليه هل هذه الآية باقية على عمومها أو مخصصة بآية المائدة يأتي إن شاء الله تعالى. (...) في هذه الآية الكريمة ينهى الله عز وجل. (...) على المشركات ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ حتى يدخلن في الدين الإسلامي ويؤمِنَّ بالله ورسوله، المشركات لا يحل للمؤمن أن يتزوج بهن كما قال الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠]، وقوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ يشمل من أشركن بالله في عبادته، أو أشركن به في ربوبيته، فمن اعتقدت أن مع الله خالقًا فإنه لا يجوز نكاحها من المؤمن، وإن عبدت مع الله غيره فإنه لا يجوز للمؤمن نكاحها. وقوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ هل يدخل في ذلك نساء النصارى، فهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة ويجعلون المسيح عيسى بن مريم إلهًا مع الله؟ اختلف في ذلك أهل العلم، والصحيح أنه لا يدخل في ذلك نساء أهل الكتاب وإن كن يزعمن أن عيسى إله مع الله؛ لأن الله تعالى في سورة المائدة قال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة ٥] وسورة المائدة من آخر ما نزل، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيها نسخ، كل ما فيها فهو محكم، وفي نفس السورة التي أباح الله فيها نساء أهل الكتاب قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] فوصفهم بالكفر وأحل نساءهم، ولكن مع ذلك مع كونها مباحة فإن الأَوْلى ألا يتزوجها؛ لأنه يؤثر على أولادها منه، وربما يؤثر عليه هو أيضًا إذا أعجب بها مثلًا وبجمالها وسلبت عقله فربما تفضي به إلى أن يكفر كما حدثني بذلك بعض الناس أن أحدًا لما سافر إلى بلد كافرة أعجب بفتاة فخطبها إلى نفسه فقالت له: لا يمكن حتى تحضر الكنيسة معي وتقول: إن الله ثالث ثلاثة، فحاول أن يمتنع ولكنه -والعياذ بالله- قد ملك عقلَه جمالُها وشغف بها وأخيرًا ذهب معها إلى الكنيسة وشهد أن الله ثالث ثلاثة -نسأل الله العافية- ولكن هذا الرجل الذي فعل هكذا أبشِّركم أنه تاب، تاب إلى الله وندم مما صنع، وجاء يستفهم: ماذا يكون عليه في هذه الحال التي أغرته فيها هذه المرأة، وكان ردنا على ذلك أن نقول: إذا تاب تاب الله عليه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]. وقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قد يقول قائل: لماذا لم يقل: حتى يُوَحِّدْن؛ لأن ضد الشرك التوحيد، ولِمَ قال: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؟ نقول: لأن الإيمان أعم إذ إنه يشمل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به من توحيد الله والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلو أنها انتهت عن الشرك لكنها لم تؤمن بكل ما يجب الإيمان به فإنها لا تحل، هذا هو السر في العدول عن التعبير بالمقابل إلى التعبير بالإيمان. وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بيَّن الله سبحانه وتعالى العلة في ذلك والحكمة فقال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ صدق الله، الأمة المؤمنة خير من المشركة حتى لو أعجبت الإنسان في جمالها، أو أعجبت الإنسان في مالها، أو أعجبت الإنسان في علمها، أو أعجبت الإنسان في خِفتها وما إلى ذلك فإن الأمة المؤمنة خير من المشركة، ثم قال: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ لا تظنوا أنه يعني بذلك الأمة المملوكة، وسنبين إن شاء الله تعالى في سورة النساء أنه لا يجوز نكاح الإماء إلا بشروط، لكن المراد بالأمة هنا أمة الله، أي العابدة لله عز وجل، والإنسان الذكر يقال: عبد الله، والأنثى يقال: أمة الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٠٠) ومسلم (٤٤٢ / ١٣٦) من حديث ابن عمر.]]، وقال ﷺ في حديث ابن مسعود: «ابْنُ أَمَتِكَ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٣٧١٢) من حديث ابن مسعود.]] ذكر الأم والأب، الأب قال: «عَبْدُكَ» والأم قال: «أَمَتِكَ»، وبهذا نعرف أن ما ورد به الحديث في سيد الاستغفار وهو: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ»[[أخرجه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس.]] وأما من كان أنثى فإنها تقول: أمتك. كما قال به شيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال بعض العلماء: إنها تقول في حديث سيد الاستغفار تقول: وأنا عبدك، على تأويل أنها شخص، شخص مذكر ولّا مؤنث؟ * الطلبة: مذكر. * الشيخ: مذكر، ولكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أبلغ في التذلل والعبودية، فإن المرأة إذا قالت: وأنا عبدك، كأنما تشعر أنها رجل، لكن إذا قالت: وأنا أمتك، صار ذلك أبلغ في ذُلّها، فقوله سبحانه: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ هنا وأيش معنى الأمة؟ امرأة ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ لا يراد به التفضيل بين المفضل والمفضل عليه، أي: عدم التفضيل، يراد به البيان أنها من الخير فقط، كالصلاة خير، والصدقة خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير، من الخير الذي هو ضد الشر، أما إذا ذكر المفضل عليه لفظًا أو تقديرًا فإن (خيرًا) تكون للتفضيل، وهنا سؤال على هذه الآية (...) وأن القاعدة في اسم التفضيل أن المفضل والمفضل عليه يتفقان في أصل الوصف، ويختلفان في مقداره، كحديث: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٥) ومسلم (٦٥٠ / ٢٤٩) من حديث عبد الله بن عمر.]] فهنا الصلاتان متفقان في الخيرية لكن تتميز صلاة الجماعة بالأفضلية، وهو المعروف عند أهل العلم بـ(أفعل التفضيل) أنه إذا ذكر مفضل ومفضل عليه فإنهما متفقان في أصل الصفة، ويتميز المفضل على المفضل عليه في مقدارها. وهنا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ ومعلوم أن المشركة لا خير فيها المشرك لا خير فيه فكيف قال: ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾؟ الجواب على ذلك من أحد وجهين، الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين (...) الطرفين ليس فيه شيء منه، ويراد به التفضيل المطلق كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] والله ما في أهل النار خير، لكن هذا من باب كون اسم التفضيل دل على التفضيل وليس للطرف الآخر منه شيء، والثاني أن نقول: إن ناكح المشركة قد يظن فيها خيرًا لكونها جميلة مثلًا؛ ولذلك قال: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ فقد يظن الإنسان أن اتصاله بهذه المشركة خير، فبين الله سبحانه وتعالى أن ما يعتقده الإنسان خيرًا في نكاح مشركة فإننا نقول له: نكاح الأمة المؤمنة خير بناء على ما كان يعتقده من خيرية في نكاح المشركة. ثم قال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (تُنكحوا) مبني للمعلوم أم للمجهول؟ * طالب: للمجهول. * الشيخ: لا. لماذا؟ * الطالب: مبني للمعلوم. * الشيخ: إذا قلنا: إنه ما هو مبني للمجهول ما بيقول لك: إنه مبني للمعلوم، (...) مبنيًّا على أساس؟ * الطالب: .(...) * الشيخ: المضارع المبني للمجهول يُضم أوله ويُفتح ما قبل آخره، قال في ذلك ابن مالك: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحًا ∗∗∗ كَيَنْتَحِي الْمَقُولُ فِيهِ يُنْتَحَى فـ (تُنكحوا) ليس مبنيًّا للمجهول بل هو مبني للمعلوم لكنه من فعل رباعي، الأول: من نكح يَنكِح والثاني: من أنكح يُنكِح، ولذلك قال في الأول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ وفي الثاني: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ الأول للزوج الذي يتولى العقد بنفسه لنفسه ما له ولي، والزوجة ما تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها، فهو إذن من أنكح الرباعي. قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ النهي عن تزويج المشرك أو إنكاح المشرك لا استثناء فيه حتى ولو كان من أهل الكتاب فإنه لا يجوز أن يُنكَح بمسلمة، نصراني خطب منا امرأة مسلمة نزوجه؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يجوز، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا عام ما فيه استثناء بخلاف ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ فإنه يستثنى من ذلك من كان كتابيًّا. تناظر رجلان في مصر قبطي ومسلم فاحتج القبطي على المسلم وقال: لماذا تستحلون نساءنا ولا تحلون لنا نساءكم؟ هذا خلاف العدل. قال: لأننا نعترف بدين النصارى قبلنا، فالمسلم إذا تزوج امرأة دينها دين النصارى ازدادت خيرًا اعترف بدينها وبدين الإسلام، لكن لو كان رجلًا كافرًا نصرانيًّا يريد أن يتزوج بمسلمة فإنه لا يقر بدينها، فالنصراني لا يعترف بمحمد ﷺ. * طالب: إذا قال: أعترف؟ * الشيخ: ما يكفي، ما دخل في دين محمد ﷺ، فالمسيح بشرهم بالرسول الخاتم، وأمرهم أن يدعوا دينهم ويتبعوه. ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وسبق القول باختلاف المقابلة حيث قال: ﴿الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ولم يقل: حتى يُوَحِّدوا؛ لأنه لا بد من الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فكان العدول عن ذكر المقابل إلى ذكر ما لا يقابله، هذا موجود كثيرًا في القرآن، وهو لا يوجد غالبًا إلا لفائدة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ لا يقضون بالحق ولَّا لا يقضون بشيء؟ * الطلبة: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠] لماذا لم يقل: لا يقضون بالحق؟ لأن ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أبلغ، أبلغ في نقص هذه الأصنام، لا تقضي بشيء لا حق ولا باطل، انتبه لهذه النكتة من كتاب الله عز وجل. وهو أنه إذا عدل عن ذكر المقابل إلى شيء آخر فإنه لا بد أن يكون لذلك فائدة فتأملها. قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ العبد المؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم، صدق الله العبد المؤمن الذي يؤمن بالله ورسله وبما يجب الإيمان به خير من المشرك، فلو كان مشرك عالمًا بصناعة الطائرات، والصواريخ، والمراكب الفضائية، شيء عبقري، ورجل مسلم لا يعرف من هذا شيئًا أيهما خير؟ * طالب: المسلم. * الشيخ: العبد المؤمن، فلو أن امرأة قالت: إنها تريد أن تتزوج هذا الكافر؛ لأن عنده من علوم الطبيعة ما ليس عند المسلم، نقول لها: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وما قال: ولو أعجبكن. ولم يقل: ولو أعجبتها؛ لأن عقد نكاح المرأة بيد وليٍّ، فالخطاب للأولياء، فالمشرك لو أعجبكم ونال إعجابكم بماله وغيره فلا يجوز لكم لكن إنكاحه مُوَلِّيتكم. ثم بيَّن عز وجل وجه هذه الخيرية فقال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ الضمير يعود على المشركين والمشركات، ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وربما تكون في ظاهرها خيرًا لنا -أذلهم الله ولعنهم (...) يبثون الدعوة إلى دينهم وشركهم بكل ما يستطيعون بالمال والقول والعمل حتى إننا نسمع أنهم يبنون المدارس ويبنون المستشفيات ويعالجون المريض حتى يشفى؛ لاستمالتنا إلى دينهم، ولا يزالون يدعون إلى يومنا هذا إلى دين النصارى لكن والحمد لله ليس لها قبول. (...) كلام الذي يقولونه في إذاعاتهم (...) ثم يرسلونها على عنوان بعض المؤسسات (...) خبرة وبحثًا عن أحوال المسلمين (...) ما يدري إلا وقد جاءه شريط (...) والحمد لله أنهم يبوؤون بالفشل في كل ما يدعون إليه مهما دعوا إنما يدعون إلى النار ولّا من أسباب دخول الجنة؟ ولم لا يقال في أعمالهم الخيرية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥] لأن هذه الأعمال الخيرية لا تنفعهم، لا تنفعهم شيئًا، ويقبلها الله هي نفسها أن تكون من مسلم، قال الله تعالى في الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] إذن هل في ذلك خير ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لماذا؟ لأن أعمالهم دعوة إلى النار، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال ٣٦] فعلى شباب المسلمين أن ينتبهوا لهذه النقطة وهي نشاط المبشرين في دعوتهم لدينهم بوجوه الإنفاق، فيخبر الله عنهم أنهم إنما ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله، فهدف نفقاتهم حرب الرحمن وعداؤه، فعلينا أن ننتبه لهذا وألا نغتر بهم وبأعمالهم، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ دعوة إلى النار، ودعوة إلى الجنة والمغفرة، ومع ذلك نجد أن المسألة ليس فيها تقابل، وإلا لو كان فيها تقابل لقال: أولئك يدعون إلى النار والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة، لكنه عدل عن دعوة المؤمن إلى دعوة الله؛ لأن المؤمن يكون منه تقصير في الدعوة إلى جنة الله ومغفرته، لكن الله عز وجل دعا إلى الجنة والمغفرة، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله ازداد دعوةً إلى جنة الله ومغفرته، وهنا يقول: ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ الجنة جزاء الأعمال الصالحة، والمغفرة جزاء الأعمال السيئة إذا استغفر الإنسان منها، وذلك لأن الإنسان في عمله دائر بين أمرين: إما عمل صالح محض هذا يكون سببًا لدخول الجنة، وإما عمل غير صالح لكنه يتاب منه، فهذه دعوة إلى المغفرة. وقوله عز وجل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ ينقسم إذن الله عز وجل إلى إذن شرعي وإذن كوني، فإذنه سبحانه إذا ما تعلق بالمخلوقات والتقديرات فهو إذن كوني، وما تعلق بالتشريعات فهو إذن شرعي، وإذنه في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥] ما تقولون في الإذن؟ هل هو شرعي ولا كوني؟ إذن كوني، يعني يأذن الله فيشفع، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذا شرعي. وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩] الإذن هنا كوني ولّا شرعي؟ طيب نشوف الاستفهام هنا للإنكار ولا للتقرير؟ للإنكار والتوبيخ، فيكون إذنُ الله عز وجل لهؤلاء كونًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ثابت ولّا غير ثابت؟ * الطالب: ثابت. * الشيخ: ثابت، لكن إذنه لهم شرعًا غير (...) هنا الآية اللي معنا ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أترونها إذنًا شرعيًّا أم إذنًا كونيًّا؟ * طالب: شرعيًّا. * الشيخ: أو كلاهما؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: أو شرعي؟ أو كوني؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: الصبي إذا سألته عن شيء فهو على الأخير، تقول له مثلًا: اليوم السبت ولّا الأحد؟ يقول: الأحد. اليوم الأحد ولّا السبت؟ يقول: السبت. في هذه الآية التي معنا الظاهر والله أعلم أنها تشمل الكوني والشرعي؛ وذلك أن دخول الإنسان فيما يكون سببًا للجنة والمغفرة كوني، وشرْعُ ما يكون سببًا للجنة والمغفرة هذا إذن شرعي. وقوله: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾ يعني يُظهر، ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية وهي العلامة القاطعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] فالعلامة القاطعة التي تستلزم الاستدلال بها على وجود الله، ﴿يُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾ الآيات تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية، وكلاهما قد بينها الله عز وجل، فبيَّن لعباده الآيات الشرعية وبيَّن أيضًا الآيات الكونية، فلم يبق شيء يحتاج الناس إليه في أمور دينهم ولا في أمور دنياهم إلا بينه، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩] وقال أبو ذر: «لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وما طائرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ في السماءِ إلَّا وهُو يُذَكِّرُنا منه عِلمًا »[[أخرجه البزار في المسند (٣٨٩٧) من حديث أبي ذر بنحوه.]]. وقد يشكل على بعض الناس قد يخفى عليه بعض الآيات الشرعية، لا يتبين له فيها وجه الشرع، ثم يتبين له بعد ذلك، فمما نأخذه من الآية أنه إذا ما تبين الحكم الشرعي لشخص من الأشخاص لا يعني أن الحكم الشرعي في حد ذاته كان مخفيًّا، إنه قد يخفى على الإنسان إما لقلة علمه أو قصور فهمه أو تقصيره في طلب الحق، هذه أسباب ثلاثة توجب الخفاء: إما لقلة علمه، وإما لـأنه ناقص الفهم في أشياء كثيرة، وإما تجده ما يهتم ترد عليه المسألة مشكلة يقول: هذه أتوقف فيها ولا أبحث، لكن الحق في حد ذاته قد بينه الله تعالى بيانًا كاملًا، وطرق البيان في الآيات الشرعية كثيرة، منها عمومية اللفظ وشموله، وإما بدخولها في عمومه إذا اتفقا في العلة فقد شملهما المعنى فيشملهما الحكم. إذن لا نقص فيه، وانظر إلى قول الله عز وجل في آيات المواريث قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]. والآيات الكونية هي ما يتعلق بالمخلوقات، وهي آية من آيات الله عز وجل، آية على أي شيء؟ على العلم ولَّا على القدرة؟ على كل هذا، مثلًا اختلاف الليل والنهار من آيات الله الدالة على أيش؟ * الطلبة: على القدرة. * الشيخ: على القدرة والعلم والرحمة والسلطان؛ لأن كونها دالة على القدرة واضح، فإن أحدًا من الناس لا يستطيع أن يقدم طلوع الشمس ولا أن يؤخرها له، ولكن خالقها الذي أمرها أن تسير بإذنه دليل على علمه بها وقدرته عليها، فما من مفعول إلا وهو مسبوق بالعلم والقدرة، هب لو أنك صنعت ثوبًا فأنت لا تخيطه إلا وأنت عالم كيف تخيطه وكذلك قادر على خياطته وإلا ما يمكن أن تخيطه، فكذا لا يمكن أن يكون اختلاف الليل والنهار إلا عن علم الله وقدرته التي يختلف بها الليل والنهار، وهو كدليل على سلطانه آية على سلطانه؛ لأن اختلاف الليل والنهار يشمل الاختلاف الحسي والمعنوي (...) والحسي هو الذي قال الله فيه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] يغني فقيرًا ويفقر غنيًّا ويهدي ضالًّا ويضل مهتديًا. الحاصل أن الآيات الكونية آية على خالقها عز وجل (...) كأن تقول: على القدرة أو الرحمة أو ما أشبه ذلك لا، تقول: هي آية على كل معنى يناسب تلك الآية فيختلف بحسب الآيات. هل بيَّن الله لنا الآيات الكونية؟ بيَّن الله عز وجل وأيش سبب طول النهار (...) بيَّن لنا أن ذلك بقدرته: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] ثم إذا كان هناك سبب حسي أو إذا كان هناك (...) أن الإنسان يدرس علم الفلك ليستفيد، ليستفيد مما (...) الآيات الشرعية مبينة والآيات الكونية مبينة، ولكن سؤالي الآن: هل بيان الآيات الشرعية أبلغ وأدق أو بيان الآيات الكونية؟ الأول الآيات الشرعية أبلغ وأدق وأشمل؛ لأن الإنسان في أمس الحاجة إليها حاجة ضرورية عليها مدار سعادته في الدنيا والآخرة، ولهذا بيَّن الله عز وجل لعباده من الآيات الشرعية حتى آداب الجلوس والاستئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة ١١] بيَّن الله حتى هذا الأمر، وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: «إنَّ نبيَّكم علمكم كلَّ شيءٍ حتى علَّمَكم كيفَ تأتونَ الخلاءَ. قال: نعم، وألا نستنجي برجيع أو عظم »[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧) من حديث سلمان الفارسي.]] (...) بيان الرسول صلى لله عليه وسلم من بيان الله؛ لأنه ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] بيان الوحي للآيات الشرعية هو أشمل من البيان للآيات الكونية، الآيات الكونية تأتي على سبيل العموم، بخلاف الشرعية؛ لأن الشرع لا بد أن يتلقى من الوحي (...) ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة ٢٤٢] إذا آمنت بهذه الجملة فإنه قد يعرض لك مسألة لا تجدها في كلام الفقهاء ولا في كلام المحدثين، وعندما تتأمل القرآن تجدها واضحة صريحة، أو عندما تتأمل السنة تجدها واضحة مبينة فيها، وهذا شيء معلوم، ولهذا أحثكم أنتم طلبة العلم على أن يكون دأبكم في الوصول إلى غائص المسائل الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا حرج أن نستعين بكلام أهل العلم؛ لأن اعتماد الإنسان على نفسه في فهم الكتاب والسنة قد يحصل فيه خلل كثير، فلا بد أن يعرف القواعد التي قعَّدها السلف من الصحابة والتابعين مستنبطين لها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. * طالب: (...). * الشيخ: نحن عندما نتكلم نتكلم عن بيانها في حد ذاته، أما كونها تعمى أو تُعَمَّى على بعض الناس هذا وارد، فإن الكفار قد يطَّلعون من الآيات الكونية على ما لا يطلعه المسلمون لكنها لا تنفعهم؛ لأنهم لا يستدلون بها على رحمة الله أو على وجوده، إنما نحن إذا تكلمنا فإنما نتكلم على أيش؟ الآيات الشرعية من حيث هي آيات بقطع النظر عن الممتثل بها، ولهذا الآن نحن جميعًا نعرف أن بعضنا يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ما لا يفهمه الآخر، ويقال: إن الإمام الشافعي رحمه الله استضاف الإمام أحمد ليلة من الليالي، فلما قدَّم إليه العشاء أكله كله (...). * طالب: (...) * الشيخ: عمر أراد أن يمنع منه سياسة ولكنه لم يمنع منه حكمًا شرعيًّا، هو اجتهاد منه لكنه هو غير موفق فيه، فهو نفسه رضي الله عنه ما استدل بدليل، وإنما خشي على من تزوج بكتابيات خشي عليه هو فقط. * الطالب: الخشية موجودة الآن؟ * الشيخ: هذه لولي الأمر إذا رأى أن السياسة تمنع من التزوج فله المنع مثل ما يوجد عندنا الآن في الحكومة السعودية وفقها الله تمنع من التزوج بالأجانب إلا بشروط ترضاها وتوافق عليها، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع الناس من التزوج بالأجانب حتى ولو كن مسلمات لأمر يتعلق بمصالح البلد فله أن يفعل ذلك؛ لأن ولي الأمر إذا قلنا: إنك ما تفعل إلا شيئًا ما تأمر إلا بمأمور به ولا تنهى إلا عن منهي عنه بقيت سلطته عديمة التأثير، فلا بد أن يكون لولي الأمر شيء من النظر يمنع فيما يرى أن الحق في منعه أو يبيح ما يرى أن الحق في إباحته إذا لم يتعارض مع النص. * طالب: شيخ، فإذا تقدمت المصلحة في نظام الحكم الشرعي؟ (...) * الشيخ: لا، الحكم الشرعي الإباحة، فلولي الأمر أن يمنع إذا رأى أن المصلحة في المنع مثل ما أبيحت الرجعة في الطلقات الثلاث في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ورأى عمر أن المصلحة تقتضي المنع فمنع، فالمصلحة التي رآها رأى الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة وأن الواحد منهم بدأ كلما غضب أدنى غضبة على زوجته بتَّ طلاقها، فرأى رضي الله عنه أن يمنع من مراجعتها في هذه الحالة، فهذه ترجع إلى اجتهاد الحاكم وهو فيما بينه وبين الله إذا كان يريد الحق فهو مأجور سواء أصاب أم لم يصب، وإذا كان يريد شيئًا آخر فربه يحاسبه. * طالب: إن الله سبحانه وتعالى علل في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ومع أن هذه العلة موجودة في أهل الكتاب؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما وجهه؟ * الشيخ: وجهه أن أهل الكتاب فيه مصلحة أخرى تقابل هذه العلة، وهي أن ما عند المرأة من العلم الذي قد يدعوها إلى الإسلام أكثر وأكبر من الجهل الذي قد تستمر فيه على الشرك. * طالب: نقول: إن أهل الكتاب عندهم شرك، كيف نخرجهم من تحت المشركين؟ * الشيخ: لأن الله أخرجهم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة ٥]. * الطالب: يعني نقول: إن الآية هذه الآية آية المائدة ناسخة لآية البقرة؟ * الشيخ: مخصصة، هذا إذا قلنا: إن الآية التي معنا عامة مع أن بعض العلماء يقول: المراد بها المشركون ويدخل فيها أهل الكتاب من الأصل، أو ما دخلوا فيها فتكون عامًّا أريد به الخصوص. في هذه الآية الكريمة: تحريم نكاح المشركات على المؤمنين، من أين نأخذها؟ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. وفيها: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، منين؟ لقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح ومتى انتفى انتفى النكاح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوج ولي نفسه، من أين تؤخذ؟ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ فوجه الخطاب للزوج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن خير من المشرك ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجبه، لقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة ١٠٠] فلا تغتر بالكثرة، ولا تغتر بالمهارة، ولا بالجودة، ولا بالفصاحة، ولا بغير ذلك، ارجع إلى الأوصاف الشرعية التي عُلِّقت بها الصفات المحمودة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضل الناس في أحوالهم وأنهم ليسوا على حد سواء، لقوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ وفيه رد واضح على الذين قالوا أو على الذين أطلقوا أن دين الإسلام دين مساواة، كيف ذلك؟ لأن التفضيل ينافي المساواة، والعجيب أنه لم يأت في الإسلام لا في الكتاب ولا في السنة لفظ المساواة بها أبدًا، ولا أن الله أمر بها ولا رغَّب فيها؛ لأنه ما هي صحيحة، إذا قلت بالمساواة دخل الفاسق والعدل والكافر والمؤمن والذكر والأنثى، وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ أن يجعلوا دين الإسلام دين مساواة ما فيه فرق، لكن جاء الإسلام بكلمة هي خير من تلك الكلمة وليس فيها احتمال أبدًا، وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل ٩٠] كلمة (العدل) تقتضي أن نسوي بين الاثنين حيث اتفقا في الصفات المقتضية للتسوية، وأن نفرق بينهما حيث اختلفا في الصفات المقتضية للتفريق أليس كذلك؟ أكثر ما يوجد في القرآن نفي المساواة في هذا الباب: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد ١٦] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ٩٥]،﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠] وآيات كثيرة في هذا النوع ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود ٢٤] وما أشبهها، والحاصل أن هذه الكلمة أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين، وأكثر المسلمين ولا سيما ذوي الثقافة العامة ليس عندهم تحقيق وتدقيق في الأمور وتمييز بين العبارات، ولهذا تجدهم يرون هذه الكلمة كلمة نور تُحمل على الرؤوس: الإسلام دين المساواة، نقول: كذبتم، الإسلام دين العدل، وأْتُوا لنا بحرف من كتاب الله أو من سنة رسوله يأمر بالتسوية أبدًا، لكن القرآن كله عدل يأمر بالعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠] ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء ١٨٢] وما أشبه ذلك، فهذه الكلمة وغيرها الكثير يجب أن نتنبه لها. * طالب: يا شيخ، بعضهم قيدها قال: المساواة في الحقوق والواجبات، فهل هذا صحيح؟ * الشيخ: حتى هذا غلط ما هو صحيح، من لا مال عنده هل يساوي من عنده مال في الزكاة؟ ومَن ماله مليون هل هو مثل مَن ماله ألف؟ لأ واللي يقدر يصلي قائم مثل اللي ما يقدر؟ (...)

البقرة 2:220

الفاعل في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعود إلى الصحابة رضي الله عنهم، والضمير المفعول به ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعود إلى النبي ﷺ، وقد أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات: آية تبيحه، وآية تعرّض بتحريمه، وآية تمنعه في وقت من الأوقات، وآية تمنعه دائمًا، أما الآية التي تبيحه فهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل ٦٧]، وأما الآية التي تُعرّض به؛ أي بالتحريم فهذه الآية التي معنا، وأما الآية التي تمنعه في وقت دون آخر فآية النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وأما الآية التي تمنعه مطلقًا فآية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، فيكون تحريم الخمر تحريمًا باتًّا متأخرًا إلى السنة الثامنة من الهجرة. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ سبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك، ولهذا سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عنهم عن حكمهما لا عن معناهما؛ لأن المعنى معلوم، لكن عن الحكم، وقد سبق لنا أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أسئلة كثيرة، لكن في القرآن كم سؤالًا سألوا الرسول؟ * طالب: ثلاثة عشر. * طالب آخر: اثنا عشر. * الشيخ: اثنا عشر أو ثلاثة عشر؟ المعروف أنها اثنا عشر سؤالًا. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ الخمر من أين هو مشتق؟ قيل: إنه مشتق من (خَمَرْتُه أخْمِرُه) إذا غطيته، فهو من التغطية، وقيل: إنه مشتق من (خَامَره يُخامِره) إذا خالطه، والصحيح أنه مشتق من الأمرين جميعًا؛ وذلك لأن الخمر يخالط العقل ويغطي العقل أيضًا، فهو يخالطه، ثم بعد ذلك يغطيه حتى يُلحق صاحبه بالمجانين الذين لا عقول لهم. ثم ما هو الخمر؟ هل الخمر ما أسكر من نبيذ العنب فقط؟ أو الخمر ما أسكر من أي شيء كان؟ الصواب: أن الخمر ما أسكر من أي شيء كان، ولا نقول: إن هذا من باب الاصطلاح الفقهي، بل هو من باب المعنى اللغوي، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ وهو أفصح العرب قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»[[أخرجه مسلم (٢٠٠٣ / ٧٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فبين التعريف والحكم -عليه الصلاة والسلام- في هذا، «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» هذا التعريف، وكل مسكر حرام، هذا الحكم، وعلى هذا فلا يتقيد بشيء من الأشياء؛ لا بعنب، ولا بتمر، ولا بشعير، ولا بعسل، ولا ببُرّ، ولا بغير ذلك، كل ما أسكر فإنه خمر، فالخمر كل مسكر، ولكن ما معنى الإسكار؟ قال العلماء: معنى الإسكار هو تغطية العقل على سبيل اللذة والطرب، ما هو مجرد ما يفقد الإنسان وعيه يكون سكرانًا، فإن (البنج) مثلًا يغطي العقل، لكن لا على سبيل اللذة والطرب، فلا يكون مسكرًا، إنما الخمر يغطي العقل على سبيل اللذة والطرب، ولهذا السكران يرى نفسه في بحبوحة من العيش، وكأنه ملك من الملوك وكأنه مالك لكل شيء، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: وَنَشْرَبُهَـــا فَتَتْرُكُنَــــا مُلُوكًـــــا ∗∗∗ ....................... يعني: تتركنا كالملوك في تخيل الإنسان نفسه، وكما يشهد لذلك الواقع أيضًا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى حمزة بن عبد المطلب حين شرب فسكر فغنَّته جاريته: أَلَا يَا حَمزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ∗∗∗ ........................ وكان قد مر به ناضحانِ لعلي بن أبي طالب، قام رضي الله عنه -أي: حمزة- فجبّ أسنمتهما، وأظنه بقر بطونهما أيضًا، فجاء علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ يشكو، فلما أقبل النبي عليه الصلاة والسلام إلى حمزة وجده قد ثمل، ولم يصحو بعد فكلّمه، فقال له حمزة بن عبد المطلب: هل أنتم إلا عبيد أبي؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٩١)، ومسلم (١٩٧٩ / ١) من حديث علي بن أبي طالب.]]. هذا يدل على أن عنده في تلك الساعة نشوة وطرب وعلو وارتفاع ولهذا قال: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ هذا هو الخمر وهذا هو اشتقاقه، أما حكمه فإنه سيبيّن في هذه الآية. وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ ﴿الْمَيْسِرِ﴾ قيل: إنه مأخوذ من (اليُسْر)، وقيل: مأخوذ من الإيسار، والمادة كما تشاهدون تشتمل على الياء والسين والراء، والحق أنه مأخوذ من الأمرين جميعًا، ففيه يسر وفيه إيسار، كما أن فيه إعسارًا أيضًا، الميسر هو المغالبات والمقامرات بالعوض، المغالبات في العوض هذا هو الميسر، مشتق من (اليُسْر)؛ لأن الإنسان يكتسب فيه المال الكثير بيسر وسهولة، مشتق من (الإيسار)؛ لأن هذا الكاسب يكون بعد الفقر موسرًا، فهو مشتق من المعنيين جميعًا. وكانوا -أي العرب في الجاهلية- يستعملون هذه المغالبة والمقامرة؛ يستعملونها بالأقداح وبالأزلام، وأحيانًا يستعملونها بغير ذلك، والمهم المعنى دون الصورة، فلو تقامرنا على شيء من المال بأي صفة من الصفات فإن ذلك يعتبر ميسرًا، ومن ذلك ما يسمى بالحظ والنصيب؛ فإنه ميسر، ومن ذلك التأمينات على الأموال، على السيارات، أو على البضائع، أو على البيوت، أو على النفوس، أو ما أشبه ذلك، فإنها من الميسر؛ يعني فيها مغالبة في الحقيقة، فإن هذا الدافع للتأمين قد يربح وقد يخسر؛ لأنه إن سلم صار خاسرًا، إن سلم كان خاسرًا؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: كيف السالم هو الخاسر؟! لأنه أخذ منه العوض بدون مقابل، إن سلم فهو خاسر وإن خسر فهو غانم، إذا حصل حادث أكثر مما بذل مثل أن يكون دفع قيمة التأمين خمس مئة ريال، ثم حصل عليه حادث بخمسة آلاف ريال صار غانمًا؛ يعني صار أخذ أكثر مما دفع، وهذا هو مبنى الميسر؛ أن يكون مبنيًّا على الحظ والنصيب، يكسب الإنسان الشيء بدون حق، فهذا حرام سيأتي حكمه إن شاء الله تعالى. * طالب: ومنها المراهنة، يا شيخ؟ * الشيخ: إيه، والمراهنة منها؛ من الميسر، لو قال: أنا أقول: كذا وكذا، فقال الثاني: أنا أقول: كذا وكذا، قال: يلّا اللي يُغلب منا عليه كذا وكذا، هذا منه، وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخُف، والحافر. قال الله تعالى في الجواب: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟ * طلبة: لجميع الناس. * طالب: ليس الكل. * الشيخ: نعم، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يعني: قل لجميع الأمة، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة، وهي: أنه قد يكون الجواب موجهًا إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم. ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في الخمر والميسر، ﴿إِثْمٌ﴾ ما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]. ويقال: فلان آثم؛ يعني: مستحق للعقوبة. وقوله: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والقراءة أخرى: ﴿كَثِيرٌ﴾ الفرق بينهما أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية؛ فالمعنى أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير؛ يعني عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك، وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبّر الله عن ذلك بقوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أو ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ . هل هاتان القراءتان تتنافيان؟ لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عشر من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع. وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ منافع جمع (منفعة)، وهي من صيغة منتهى الجموع، ولهذا قال: ﴿مَنَافِعُ﴾ ولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة، فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يُقبل الناس عليهما؟ لأن الإثم ذكره مفردًا، وإن كان قد وُصف بالكبر أو بالكثرة، لكن المنافع ذُكرت بالجمع؟ قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأن لو كانت منفعة واحدة قلنا: ممكن أن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت فإن الإثم أكبر وأعظم، ولهذا قال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وإن كان هناك منافع كثيرة. ما هذه المنافع؟ من المنافع في الخمر: الطرب، والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره، ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام، ومنها: أنه يُتّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا، وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون، يفرح؟ يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار فكسب مليون ريال، يروح يشتري له فيلا ويأخذ السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، فيهما منافع، وتأمل قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؟ * طالب: فيهما. * الشيخ: محذوف تقول؟ * الطالب: لا. * الشيخ: وين؟ * الطالب: مقدم. * الشيخ: ﴿فِيهِمَا﴾ مقدم؟ ما هي ﴿فِيهِمَا﴾ خبر لقوله ﴿إثْمٌ﴾؟ * الطالب: معطوف. * الشيخ: معطوفة صح، فأنت إذا قلت: زيد وعمرو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيد وعمرو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيد وعمرو، فإن (في البيت) خبرًا لهما. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾، الخبر ﴿فِيهِمَا﴾ مقدم. قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إثمهما؛ يعني ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر في الغالب أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم، فلهذا قال: الإثم أكبر، لسببين: السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا، والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني. وقوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطّي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد. وتأمل قوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ عندما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بيّن الله عز وجل الراجح فقال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حينئذٍ تبيّن أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عن ما فيه أو عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع، ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية، فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟ ولكن، هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل ماذا يرجّح؟ * طالب: يرجح المنافع. * الشيخ: كيف؟! لا ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ شوف سؤالان في آية واحدة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل الله شيئًا أعطاهُ، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال، أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، وأيش تقول؟ تقول: سألته عن كذا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف ١٨٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى الثاني بـ (عن)، وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. والفرق بين تعدّيه إلى جملة استفهامية، وتعدّيه إلى المفعول الثاني بحرف الجر، أنه إذا عُدّي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بـ (عن) فقد تكون هي لفظ السائل بعينه، وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني: يقولون: ماذا ينفقون، عرفتم؟ وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تقدم لنا نظير لهذا التركيب، وبيّنا أنه يجوز فيه وجهان: أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدمًا لأيش؟ لكلمة: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ مفعولًا مقدمًا لـ (ينفقون)، والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ (ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؛ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟ إذن في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لينفقوا وحينئذٍ هل يحتاج ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم ما يحتاج إلى ضمير. والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥]. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الْعَفْوَ﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذي ينفقونه؟ الجواب: العفوُ؛ يعني هو العفو، وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون ﴿الْعَفْوَ﴾ يعني: يقول: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ، وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فُسرت بكلمة العفو ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول ما الذي يُنفق؟ أجب. العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت ﴿مَاذَا﴾ فانصب ﴿الْعَفْوَ﴾، وإن رفعت ﴿مَاذَا﴾ فارفع ﴿الْعَفْوُ﴾. وقوله: ﴿الْعَفْوَ﴾ لا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو الزائد الفاضل؛ يعني أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم، وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة ١٠٩]. وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ويراد به الزيادة والفضل كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف ١٩٩]. يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به، ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]] المراد بالعفو ما هو؟ أو بالإعفاء؟ الزيادة. فقوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع هذا خلاف الحكمة، وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على.. أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخف، والحافر، قال الله تعالى في الجواب: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟ * طالب: كل الخلق. * الشيخ: نعم، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يعني: قل لجميع الأمة، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة وهي: أنه قد يكون الجواب مُوجَّها إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بماذا؟ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم. ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ، ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في الخمر والميسر. ﴿إِثْمٌ﴾ ما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]، ويقال: فلان آثِمٌ، يعني: مستحق للعقوبة. وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والقراءة الأخرى ﴿كَثِيرٌ﴾ الفرق بينهما: أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية، فالمعنى: أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير، الإثم فيهما كبير، يعني: عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك. وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبَّر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أو ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾. هل هاتان القراءتان تتنافيان؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما، فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عَشْرٌ من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع. وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ﴿مَنَافِعُ﴾ جمع منفعة، وهي من صيغة منتهى الجموع؛ ولهذا قال: ﴿مَنَافِعُ﴾ ولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة. فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يقبل الناس عليهما؛ لأن الإثم ذكره مفردًا وإن كان قد وصف بالكبر أو بالكثرة لكن المنافع ذكرت بالجمع؟ قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأنه لو كان منفعة واحدة قلنا: ممكن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت، فإن الإثم أكبر وأعظم؛ ولهذا قال: ﴿َإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وإن كان هناك منافع كثيرة، ما هذه المنافع؟ من المنافع في الخمر: الطَّرب والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام. ومنها: أنه يتَّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا. وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون؟ يفرح؟ * طالب: نعم. * الشيخ: يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار، فكسب مليون ريال، يروح يشتري فيلا، يأخذ له السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، ففيهما منافع. وتأمل قوله: ﴿َمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع ماديَّة بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؟ * طالب: ﴿فِيهِمَا﴾. * الشيخ: محذوف تقول؟ * الطالب: لا، ﴿فِيهِمَا﴾. * الشيخ: وين؟ * الطالب: المقدم. * الشيخ: ﴿فِيهِمَا﴾ المقدم؟ ما هي ﴿فِيهِمَا﴾ خبر لقوله: ﴿إِثْمٌ﴾؟ * طالب: معطوف. * الشيخ: معطوف صح، فأنت إذا قلت: زيدٌ وعمرٌو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيدٌ وعمرٌو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيدٌ وعمرٌو، فإن (في البيت) خبر لهما. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾ الخبر؟ ﴿فِيهِمَا﴾ مُقدَّم. قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ﴿إِثْمُهُمَا﴾ يعني: ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر -في الغالب- أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم؟ فلهذا قال: الإثم أكبر؛ لسببين: السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا. والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال، تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني؟ وقوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد وأبلغ. وتأمل قوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ لما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بين الله عز وجل الراجح فقال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، حينئذٍ تبين أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع؛ ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟ ولكن هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل، ماذا يرجح؟ * طالب: المنافع. * الشيخ: لا، ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم. قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ سؤالان في آية واحدة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال، فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل اللهَ شيئًا أعطاه، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال. أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، ويش تقول؟ تقول: سألته عن كذا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف ١٨٧]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى للثاني بـ(عن). وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. والفرق بين تعديه إلى جملة استفهامية وتعديه إلى المفعول الثاني بحرف الجر: أنه إذا عدي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بعن فقد تكون هي لفظ السائل بعينه وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام، فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني يقولون: ماذا ينفقون؟ عرفتم؟ وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تقدم لنا نظيرٌ لهذا التركيب، وبينا أنه يجوز فيه وجهان: أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدما لأيش؟ لكلمة: ﴿يُنْفِقُونَ﴾. والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ(ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟ إذن في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لـ﴿لينفقون﴾، وحينئذٍ هل يحتاج ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم، ما يحتاج إلى ضمير. والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥]. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الْعَفْوَ﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذين ينفقونه؟ الجواب: العفوُ، يعني: هو العفوُ. وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون: ﴿الْعَفْوَ﴾ يعني: قل: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ. وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فسرت بكلمة (العفو) ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول: ما الذي يُنفق؟ أجب؟ العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها، فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت ﴿مَاذَا﴾ فانصب ﴿الْعَفْوَ﴾، وإن رفعت ﴿مَاذَا﴾ فارفع ﴿الْعَفْوُ﴾. وقوله: ﴿الْعَفْوُ﴾ لا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو: الزائد الفاضل، يعني: أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم؛ وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة ١٠٩]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ويراد به الزيادة والفضل، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف ١٩٩]، يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٥٠٤٦)، عن ابن عمر رضي الله عنه.]]، المراد بالعفو ما هو أو بالإعفاء؟ الزيادة. فقوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول. فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع، هذا خلاف الحكمة وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك: أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على أنفسهم وأهليهم لا أجر فيه، وليس صدقة، ولكن هذا جهل منهم، فإن إنفاقك على نفسك وعلى أهلك صدقة، وإذا كان صدقة، فإن بذل مالك في الأقارب أولى من بذله في الأباعد. قال الله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...)؛ أي: يبين الله لكم تبيينًا مثل ذلك البيان، قوله: ﴿ذلك﴾ المشار إليه ما هو؟ المشار إليه ما سبق من بيان حكم الخمر والميسر، وبيان ما ينفق، فقد بين الله تعالى غاية البيان. فإن قلت: كيف بينه الله عز وجل وهو ليس فيه تفصيل؟ يعني ما فصل الله المنافع، ولا فصل الإثم؟ فيقال في الجواب عن ذلك: إن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن الإثم كثير أو كبير، وهذا بيان، فكلما ازداد الإنسان من شربه، ازداد إثمًا، وهذا بيان، والمنافع أيضًا أجملها الله عز وجل؛ لأن تعدادها لا فائدةَ فيه، وربما يكون في تعدادها إغراء لذوي النظر القصير، وكذلك قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ بيِّن واضح ما فيه إشكال، أي: ما زاد على حاجتكم وضرورتكم وليس فيه إشكال. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾: يظهر، بَيَّنْتُهُ فَتَبَيَّنَ، يعني: ظهر، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى: يظهر، فمعنى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يظهرها حتى تكون واضحة جلية. و﴿الْآيَاتِ﴾ جمع آية، وقد مر علينا كثيرًا أن الآيات تنقسم إلى قسمين؟ * طالب: شرعية وقدرية. * الشيخ: نعم، شرعية وقدرية ما فيه تعبير ثانٍ غير القدرية؟ * الطالب: كونية. * الشيخ: كونية، الآيات الشرعية ما هي؟ * طالب: هي المخلوقات. * الشيخ: الآيات الشرعية هي المخلوقات؟! * الطالب: الآيات الشرعية التي في الكتب. * الشيخ: (...) بيَّنها، لا الآيات الكونية ولا الآيات الشرعية، بيَّنها بيانًا تامًّا، لكن الآيات الشرعية بينها الله تعالى بيانًا مفصلًا لحاجتنا إلى العبادة، فإننا محتاجون إلى العبادة إجمالًا وتفصيلًا؛ ولهذا جاءت الآيات الشرعية مفصلة، كما« قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه عِلْمًا[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]، وقال رجل لسلمان الفارسي: علَّمكم نبيكم حتى الخِراءة؟ قال: أجل، ثم قال: لقد نهانا أن نستقبل القبلة في غائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن نستنجي برجيع أو عظم»[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧)، من حديث سلمان رضي الله عنه.]]. إذن الآيات الشرعية مبينة مفصلة على وجه التفصيل لحاجتنا إليها، أما الآيات الكونية فإن التفصيل فيها يكون بالأجناس أو بالأنواع لا بالأفراد، تجد مثلًا ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت ٣٧] في أيش؟ ويش يدلنا عليه؟ لكن ابحث أنت تجد الشيء الكثير، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] على أي شيء هي آية؟ ابحث وتجد، وعلى هذا فقِس، فالآيات الكونية جعلها الله تعالى مجملة عامة ما بينها تفصيلًا؛ لأن الناس ليسوا بحاجة إليها على وجه التفصيل، وأيضًا فإنها آيات مشهودة محسوسة يمكنهم أن يعرفوا ما فيها على وجه التفصيل بقدر استطاعتهم. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل، واسمها الكاف، وخبرها جملة: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ عندي هذه موقف، لكن نتفكر بماذا؟ أو في ماذا؟ قال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا﴾ واضح أن التفكر في الدنيا، لكن قوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ هل الناس في يوم القيامة يتفكرون؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: إذن تتفكرون في الدنيا والآخرة في شؤونهما، وليس المعنى أن التفكر واقع في الآخرة، لا، إنما نتفكر في هذه الدنيا، في حياتنا، فيما يتعلق بشؤون الدنيا وشؤون الآخرة، وهذا مما يؤيد أن الآيات في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ شامل للآيات الشرعية والآيات الكونية؛ لأن ما يتعلق بشأن الآخرة غالبه من الآيات الشرعية، وما يتعلق بأمر الدنيا غالبه من الآيات الكونية، يعني: يتفكر في شؤونهم. وإذا تفكر الإنسان في الدنيا وجد أنها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، لماذا اختلط؟ لكثرته، وامتداده، امتد وتشابك، وكثر فتشابك، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ يعني: كمال زينتها، ﴿وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ وأنه ما بقي إلا أن يجنوها ويستثمروها، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤]، وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد ٢٠]. * * * (...) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ شوف كلها معطوفة بالواو، كأنها أسئلة متتابعة، سألوا أولًا عن الخمر والميسر، ثم سألوا ماذا ينفقون، وجه الارتباط بين السؤالين واضح جدًّا؛ لأن في الخمر والميسر إتلاف المال بدون فائدة، وفي الإنفاق إتلاف المال بفائدة. ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾؛ لأنك إذا عرفت السبب عرفت وجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو: الذي مات أبوه ولم يبلغ، مشتق من: اليُتْم، وهو الانفراد، واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم جاءت الوصاية بهم كثيرًا، فقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ سبب ذلك: أن الله عز وجل لما أنزل ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء ١٠]، وأنزل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢] آيتين، أشكل على الصحابة رضي الله عنهم فصاروا يجعلون طعام الأيتام على حدة، وطعامهم هم على حدة، بمعنى أنه إذا طبخ لليتيم طبخًا جعله له وحده، هذا الطبخ إما أن يفسد ولا يصلح للأكل، وإما أن يصلح للأكل لكن ليس على وجه أكمل، فتحرجوا من ذلك، وشق عليهم أن يجعلوا لليتامى طعامًا على حدة ولهم طعام على حدة، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم مع طعام اليتامى، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك فأجابهم الله عز وجل بجواب في غاية ما يكون من البلاغة والاختصار والوضوح، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، وكلمة ﴿إِصْلَاحٌ﴾ تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون، سواء كان ذلك في التربية أو في المال، وسواء كان ذلك بالإيجاب أو بالسلب، أي شيء يكون إصلاحًا لهم فهو خير. وكلمة: (خير) هل هي تفضيل مطلق أو تفضيل مقيد؟ بمعنى: هل التقدير: إصلاحٌ لهم خيرٌ من الإفساد أو أنه خيرية مطلقة؟ الجواب: خيرية مطلقة، الإصلاح خير من كل شيء، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء ١٢٨]، هذه الجملة في شمولها وعمومها ووضوحها كالجملة الثانية. ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ هذه الجملة الثانية مما تضمنه الجواب، لأني قلت قبل: إن الجواب تضمن جملتين؟ إحداهما: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، والثانية: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ يعني: إن خالطتموهم في الأكل والشرب وجعلتم طعامهم مع طعامكم، فإنهم ليسوا أجانب منكم، بل هم إخوانكم في الدين أو في النسب؟ * الطلبة: في الدين. * الشيخ: في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، قد يكون الأخ الصغير قد مات أبوه وهو أخوك، فيكون أخًا لك في الدين وفي النسب، وقد يكون اليتيم من أبناء عمك وهو مؤمن فيكون أخًا لك؟ * طالب: في الدين والنسب. * الشيخ: في الدين، وقد يكون أخًا لك، لكنه ليس بمؤمن، فيكون أخًا لك في النسب. المهم أنهم إخوان لنا، سواء في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، ومعلوم أن مخالطة الأخ لأخيه أمر لا يستنكف منه ولا يخشى منه، فإذا شعرتم وأنتم تخالطونهم بأنهم إخوانكم، فإنكم سوف تحرصون على أن لا تخالطوهم إلا على وجه فيه مصلحة لهم؛ ولهذا قال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، ومعروف أن الأخ يحنو على أخيه. بهذا ارتفع الحرج، وتأمل أن الله عز وجل بدأ بالإصلاح قبل المخالطة، كأنه يفيد أنه إذا لم يكن في المخالطة إصلاح فالأفضل؟ * طالب: عدم المخالطة. * الشيخ: عدم المخالطة، وإن كان فهي إصلاح فهي خير وهم إخوان لكم، لا يمكن أن تضروهم بشيء. إذن يجوز الآن المخالطة ولَّا لا؟ يجوز، تفهم من قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، كأنكم صنوا أصل واحد، ولكن لا بد من أن يكون في ذلك إصلاح. * طالب: شيخ، كيف يكون في أنفسهم حرج (...)؟ * الشيخ: (...) ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ العلم هنا علمُ معرفةٍ؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولًا واحدًا، فقد قال ابن مالك: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَـهْ ∗∗∗ تَــعْــدِيَــــةٌ لِــوَاحِــــدٍ مُــلْــتَــزَمَــهْ يعني: يعرف سبحانه وتعالى، يعلم علم معرفة المفسدَ من المصلح في هذا وفي غيره؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ لم يقل: يعلم المفسد والمصلح، بل قال: ﴿الْمُفْسِدَ مِنَ﴾، كأنه ضمن العلم معنى التمييز، يعني: يعلمه فيميز بين هذا وهذا، ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضًا في الثواب والجزاء. وقوله: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ يشمل الإفساد الديني والدنيوي، والإصلاح الديني والدنيوي، عرفتم؟ ولَّا بس في أمور الدنيا فقط؟ في أمور الدين والدنيا، فهو يعلم عز وجل المفسد من الإنسان المصلح، وكلمة (مُفسد) و(مُصلح) هل تعني الذي فعلًا أفسد أو تشمل حتى من نوى الإفساد والإصلاح؟ حتى من نوى، فمن كانت نيته الإفساد، فإن الله عالم به، وقد لا يحصل له مقصوده، قد يكون إنسانًا مفسدًا يحب إفساد الخلق ولا يتسنى له ذلك، وقد يكون كذلك مصلحًا، ولكن يحال بينه وبين إصلاحه، ولكن من علم الله من نيته هذا أو هذا، فإنه يجازيه بما يستحق. وهل يشمل هذا المفسد من المصلح في شؤون اليتامى؟ يشمل، معلوم؛ لأن الأصوليين يقولون: إن مسألة السبب نصٌّ في المراد، يعني أنها قطعية الدخول، فإذا قلنا: يعلم المفسد من المصلح في جميع الشؤون، فإن أول ما يدخل في ذلك ما هي؟ الإصلاح والإفساد في اليتامى؛ لأنها هي السبب، وما كان سببًا فهو قطعي الدخول في العموم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لو) شرطية، شرطها قوله: ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾، وجوابها؟ * طالب: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾، وهل اللام في جواب (لو) واجبة أو غالبة؟ * طالب: غالبة. * الشيخ: غالبة، ومن حذفها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، والأكثر وجود اللام في جوابها. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي: لشق عليكم، بماذا؟ شق عليكم بأمرين في مسألة اليتامى: أحدهما: أن تجعلوا طعامهم وشرابهم على حدة. الثاني: أن تقدروا ذلك الطعام والشراب بحيث لا يبقى شيء يكون عرضة للتلف والفساد، وهذا شيء شاق على الناس، ولكن الله عز وجل برحمته نفى ذلك. والعنت قلت: إنه بمعنى المشقة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٢٥] ويش معنى العنت؟ أي: المشقة. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هذه الجملة تعليل لما سبق، ولكن هل هو تعليل لما سبق في الآية الأخيرة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ إلى آخره، أو حتى لما سبق من قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ لأن هذه الآيات كلها معطوف بعضها على بعض؟ يحتمل هذا وهذا، لكن لو أخذنا بالعموم لم يكن فيه مانع. و(العزيز) تقدم لنا أنه من أسماء الله عز وجل، وأن له ثلاثة معانٍ وهي: * طالب: القدر. * الشيخ: القَدَر ولا القَدْري؟ ما الفرق بينهما؟ * الطالب: القَدْر. * الشيخ: القَدْر بالسكون، نعم. * الطالب: القهر. * الشيخ: عزة قدر، وعزة قهر، وعزة امتناع، عزة القَدْر: أي لا يُدانيه أحد في علو شأنه. عزة القهر: لا يغلبه أحد بل هو الغالب. عزة الامتناع: أي يمتنع عليه كل نقص وعيب، فهو عزيزٌ لا يعتريه النقص، عزيزٌ لا يعتريه الذل، بل هو الغالب القاهر سبحانه وتعالى، عزيزٌ يعني أنه ذو قدر عالٍ وشأن رفيع. أما (الحكيم) فقد تقدم لنا أنه مشتق من الحُكْم والحِكْمة، وأن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وأن الحِكمة نوعان: غائية، وصورية، يعني: كون الشيء على هذه الصورة هذه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فإذا ضربت اثنين في اثنين تكون أربعة: حكمة في القَدَر، صورته وغايته، حكمة في الشرع، صورته وغايته. وجه المناسبة لختم الآية الكريمة بالعزة والحكمة أنه سبحانه وتعالى له الحكم لو شاء لأعنتنا؛ لأنه عزيز وهو صاحب السلطان؛ ولأنه حكيم فهو صاحب الحكم ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]، ولكن مع كونه جل وعلا عزيزًا حكيمًا فهو عفوٌّ رحيم؛ ولهذا لطف بعباده في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ النكاح في الأصل: الضم والجمع، ومنه قول الشاعر: أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ∗∗∗ عَمْرَكَ اللَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؎أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ∗∗∗ ......................يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا وسهيل.. فقوله: (كيف يجتمعان) يدل على أن النكاح في الأصل الجمع والضم، وأما في الشرع: فهو عقد على محللة للاستمتاع بها وصيانة الفرج إلى آخره وغيره من المصالح التي تتعلق بالنكاح، فهو عقد على محللة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج والولادة والاستمتاع وغير ذلك. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. * طالب: ما معنى (...)؟ * الشيخ: لا، يجمع بينهم. ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ جمع مشركة، والمشركة أو المشرك هو من جعل لله تعالى شريكًا فيما يختص به، سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات، فمن اتخذ مع الله إلهًا يعبده فهو مشرك ولو آمن بأن الله خالق السماوات والأرض، ومن اعتقد أن مع الله خالقًا للكون، أو منفردًا بشيء من الكون، أو معينًا لله تعالى في الخلق، في خلق شيء من الكون فهو مشرك، ثلاثة أشياء ما هي؟ * طالب: من يتخذ مع الله إلهًا. (...) * الشيخ: خلق الكون فإنه مشرك. * طالب: لكن نهى عن قول متصرفًا؟ (...) * الشيخ: حتى الكتابيات، وإن أخذنا بمعهودها المعروف فإنه لا يشمل اليهود والنصارى؛ لأنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة ٦] فعطف المشركين على أهل الكتاب فدل على أنهم؟ * طالب: غيرهم. * الشيخ: غيرهم، وهذا الخلاف ينبني عليه هل هذه الآية باقية على عمومها أو مخصصة بآية المائدة يأتي إن شاء الله تعالى. (...) في هذه الآية الكريمة ينهى الله عز وجل. (...) على المشركات ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ حتى يدخلن في الدين الإسلامي ويؤمِنَّ بالله ورسوله، المشركات لا يحل للمؤمن أن يتزوج بهن كما قال الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠]، وقوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ يشمل من أشركن بالله في عبادته، أو أشركن به في ربوبيته، فمن اعتقدت أن مع الله خالقًا فإنه لا يجوز نكاحها من المؤمن، وإن عبدت مع الله غيره فإنه لا يجوز للمؤمن نكاحها. وقوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ هل يدخل في ذلك نساء النصارى، فهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة ويجعلون المسيح عيسى بن مريم إلهًا مع الله؟ اختلف في ذلك أهل العلم، والصحيح أنه لا يدخل في ذلك نساء أهل الكتاب وإن كن يزعمن أن عيسى إله مع الله؛ لأن الله تعالى في سورة المائدة قال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة ٥] وسورة المائدة من آخر ما نزل، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيها نسخ، كل ما فيها فهو محكم، وفي نفس السورة التي أباح الله فيها نساء أهل الكتاب قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] فوصفهم بالكفر وأحل نساءهم، ولكن مع ذلك مع كونها مباحة فإن الأَوْلى ألا يتزوجها؛ لأنه يؤثر على أولادها منه، وربما يؤثر عليه هو أيضًا إذا أعجب بها مثلًا وبجمالها وسلبت عقله فربما تفضي به إلى أن يكفر كما حدثني بذلك بعض الناس أن أحدًا لما سافر إلى بلد كافرة أعجب بفتاة فخطبها إلى نفسه فقالت له: لا يمكن حتى تحضر الكنيسة معي وتقول: إن الله ثالث ثلاثة، فحاول أن يمتنع ولكنه -والعياذ بالله- قد ملك عقلَه جمالُها وشغف بها وأخيرًا ذهب معها إلى الكنيسة وشهد أن الله ثالث ثلاثة -نسأل الله العافية- ولكن هذا الرجل الذي فعل هكذا أبشِّركم أنه تاب، تاب إلى الله وندم مما صنع، وجاء يستفهم: ماذا يكون عليه في هذه الحال التي أغرته فيها هذه المرأة، وكان ردنا على ذلك أن نقول: إذا تاب تاب الله عليه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]. وقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قد يقول قائل: لماذا لم يقل: حتى يُوَحِّدْن؛ لأن ضد الشرك التوحيد، ولِمَ قال: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؟ نقول: لأن الإيمان أعم إذ إنه يشمل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به من توحيد الله والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلو أنها انتهت عن الشرك لكنها لم تؤمن بكل ما يجب الإيمان به فإنها لا تحل، هذا هو السر في العدول عن التعبير بالمقابل إلى التعبير بالإيمان. وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بيَّن الله سبحانه وتعالى العلة في ذلك والحكمة فقال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ صدق الله، الأمة المؤمنة خير من المشركة حتى لو أعجبت الإنسان في جمالها، أو أعجبت الإنسان في مالها، أو أعجبت الإنسان في علمها، أو أعجبت الإنسان في خِفتها وما إلى ذلك فإن الأمة المؤمنة خير من المشركة، ثم قال: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ لا تظنوا أنه يعني بذلك الأمة المملوكة، وسنبين إن شاء الله تعالى في سورة النساء أنه لا يجوز نكاح الإماء إلا بشروط، لكن المراد بالأمة هنا أمة الله، أي العابدة لله عز وجل، والإنسان الذكر يقال: عبد الله، والأنثى يقال: أمة الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٠٠) ومسلم (٤٤٢ / ١٣٦) من حديث ابن عمر.]]، وقال ﷺ في حديث ابن مسعود: «ابْنُ أَمَتِكَ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٣٧١٢) من حديث ابن مسعود.]] ذكر الأم والأب، الأب قال: «عَبْدُكَ» والأم قال: «أَمَتِكَ»، وبهذا نعرف أن ما ورد به الحديث في سيد الاستغفار وهو: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ»[[أخرجه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس.]] وأما من كان أنثى فإنها تقول: أمتك. كما قال به شيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال بعض العلماء: إنها تقول في حديث سيد الاستغفار تقول: وأنا عبدك، على تأويل أنها شخص، شخص مذكر ولّا مؤنث؟ * الطلبة: مذكر. * الشيخ: مذكر، ولكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أبلغ في التذلل والعبودية، فإن المرأة إذا قالت: وأنا عبدك، كأنما تشعر أنها رجل، لكن إذا قالت: وأنا أمتك، صار ذلك أبلغ في ذُلّها، فقوله سبحانه: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ هنا وأيش معنى الأمة؟ امرأة ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ لا يراد به التفضيل بين المفضل والمفضل عليه، أي: عدم التفضيل، يراد به البيان أنها من الخير فقط، كالصلاة خير، والصدقة خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير، من الخير الذي هو ضد الشر، أما إذا ذكر المفضل عليه لفظًا أو تقديرًا فإن (خيرًا) تكون للتفضيل، وهنا سؤال على هذه الآية (...) وأن القاعدة في اسم التفضيل أن المفضل والمفضل عليه يتفقان في أصل الوصف، ويختلفان في مقداره، كحديث: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٥) ومسلم (٦٥٠ / ٢٤٩) من حديث عبد الله بن عمر.]] فهنا الصلاتان متفقان في الخيرية لكن تتميز صلاة الجماعة بالأفضلية، وهو المعروف عند أهل العلم بـ(أفعل التفضيل) أنه إذا ذكر مفضل ومفضل عليه فإنهما متفقان في أصل الصفة، ويتميز المفضل على المفضل عليه في مقدارها. وهنا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ ومعلوم أن المشركة لا خير فيها المشرك لا خير فيه فكيف قال: ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾؟ الجواب على ذلك من أحد وجهين، الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين (...) الطرفين ليس فيه شيء منه، ويراد به التفضيل المطلق كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] والله ما في أهل النار خير، لكن هذا من باب كون اسم التفضيل دل على التفضيل وليس للطرف الآخر منه شيء، والثاني أن نقول: إن ناكح المشركة قد يظن فيها خيرًا لكونها جميلة مثلًا؛ ولذلك قال: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ فقد يظن الإنسان أن اتصاله بهذه المشركة خير، فبين الله سبحانه وتعالى أن ما يعتقده الإنسان خيرًا في نكاح مشركة فإننا نقول له: نكاح الأمة المؤمنة خير بناء على ما كان يعتقده من خيرية في نكاح المشركة. ثم قال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (تُنكحوا) مبني للمعلوم أم للمجهول؟ * طالب: للمجهول. * الشيخ: لا. لماذا؟ * الطالب: مبني للمعلوم. * الشيخ: إذا قلنا: إنه ما هو مبني للمجهول ما بيقول لك: إنه مبني للمعلوم، (...) مبنيًّا على أساس؟ * الطالب: .(...) * الشيخ: المضارع المبني للمجهول يُضم أوله ويُفتح ما قبل آخره، قال في ذلك ابن مالك: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحًا ∗∗∗ كَيَنْتَحِي الْمَقُولُ فِيهِ يُنْتَحَى فـ (تُنكحوا) ليس مبنيًّا للمجهول بل هو مبني للمعلوم لكنه من فعل رباعي، الأول: من نكح يَنكِح والثاني: من أنكح يُنكِح، ولذلك قال في الأول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ وفي الثاني: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ الأول للزوج الذي يتولى العقد بنفسه لنفسه ما له ولي، والزوجة ما تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها، فهو إذن من أنكح الرباعي. قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ النهي عن تزويج المشرك أو إنكاح المشرك لا استثناء فيه حتى ولو كان من أهل الكتاب فإنه لا يجوز أن يُنكَح بمسلمة، نصراني خطب منا امرأة مسلمة نزوجه؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يجوز، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا عام ما فيه استثناء بخلاف ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ فإنه يستثنى من ذلك من كان كتابيًّا. تناظر رجلان في مصر قبطي ومسلم فاحتج القبطي على المسلم وقال: لماذا تستحلون نساءنا ولا تحلون لنا نساءكم؟ هذا خلاف العدل. قال: لأننا نعترف بدين النصارى قبلنا، فالمسلم إذا تزوج امرأة دينها دين النصارى ازدادت خيرًا اعترف بدينها وبدين الإسلام، لكن لو كان رجلًا كافرًا نصرانيًّا يريد أن يتزوج بمسلمة فإنه لا يقر بدينها، فالنصراني لا يعترف بمحمد ﷺ. * طالب: إذا قال: أعترف؟ * الشيخ: ما يكفي، ما دخل في دين محمد ﷺ، فالمسيح بشرهم بالرسول الخاتم، وأمرهم أن يدعوا دينهم ويتبعوه. ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وسبق القول باختلاف المقابلة حيث قال: ﴿الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ولم يقل: حتى يُوَحِّدوا؛ لأنه لا بد من الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فكان العدول عن ذكر المقابل إلى ذكر ما لا يقابله، هذا موجود كثيرًا في القرآن، وهو لا يوجد غالبًا إلا لفائدة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ لا يقضون بالحق ولَّا لا يقضون بشيء؟ * الطلبة: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠] لماذا لم يقل: لا يقضون بالحق؟ لأن ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أبلغ، أبلغ في نقص هذه الأصنام، لا تقضي بشيء لا حق ولا باطل، انتبه لهذه النكتة من كتاب الله عز وجل. وهو أنه إذا عدل عن ذكر المقابل إلى شيء آخر فإنه لا بد أن يكون لذلك فائدة فتأملها. قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ العبد المؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم، صدق الله العبد المؤمن الذي يؤمن بالله ورسله وبما يجب الإيمان به خير من المشرك، فلو كان مشرك عالمًا بصناعة الطائرات، والصواريخ، والمراكب الفضائية، شيء عبقري، ورجل مسلم لا يعرف من هذا شيئًا أيهما خير؟ * طالب: المسلم. * الشيخ: العبد المؤمن، فلو أن امرأة قالت: إنها تريد أن تتزوج هذا الكافر؛ لأن عنده من علوم الطبيعة ما ليس عند المسلم، نقول لها: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وما قال: ولو أعجبكن. ولم يقل: ولو أعجبتها؛ لأن عقد نكاح المرأة بيد وليٍّ، فالخطاب للأولياء، فالمشرك لو أعجبكم ونال إعجابكم بماله وغيره فلا يجوز لكم لكن إنكاحه مُوَلِّيتكم. ثم بيَّن عز وجل وجه هذه الخيرية فقال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ الضمير يعود على المشركين والمشركات، ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وربما تكون في ظاهرها خيرًا لنا -أذلهم الله ولعنهم (...) يبثون الدعوة إلى دينهم وشركهم بكل ما يستطيعون بالمال والقول والعمل حتى إننا نسمع أنهم يبنون المدارس ويبنون المستشفيات ويعالجون المريض حتى يشفى؛ لاستمالتنا إلى دينهم، ولا يزالون يدعون إلى يومنا هذا إلى دين النصارى لكن والحمد لله ليس لها قبول. (...) كلام الذي يقولونه في إذاعاتهم (...) ثم يرسلونها على عنوان بعض المؤسسات (...) خبرة وبحثًا عن أحوال المسلمين (...) ما يدري إلا وقد جاءه شريط (...) والحمد لله أنهم يبوؤون بالفشل في كل ما يدعون إليه مهما دعوا إنما يدعون إلى النار ولّا من أسباب دخول الجنة؟ ولم لا يقال في أعمالهم الخيرية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥] لأن هذه الأعمال الخيرية لا تنفعهم، لا تنفعهم شيئًا، ويقبلها الله هي نفسها أن تكون من مسلم، قال الله تعالى في الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] إذن هل في ذلك خير ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لماذا؟ لأن أعمالهم دعوة إلى النار، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال ٣٦] فعلى شباب المسلمين أن ينتبهوا لهذه النقطة وهي نشاط المبشرين في دعوتهم لدينهم بوجوه الإنفاق، فيخبر الله عنهم أنهم إنما ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله، فهدف نفقاتهم حرب الرحمن وعداؤه، فعلينا أن ننتبه لهذا وألا نغتر بهم وبأعمالهم، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ دعوة إلى النار، ودعوة إلى الجنة والمغفرة، ومع ذلك نجد أن المسألة ليس فيها تقابل، وإلا لو كان فيها تقابل لقال: أولئك يدعون إلى النار والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة، لكنه عدل عن دعوة المؤمن إلى دعوة الله؛ لأن المؤمن يكون منه تقصير في الدعوة إلى جنة الله ومغفرته، لكن الله عز وجل دعا إلى الجنة والمغفرة، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله ازداد دعوةً إلى جنة الله ومغفرته، وهنا يقول: ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ الجنة جزاء الأعمال الصالحة، والمغفرة جزاء الأعمال السيئة إذا استغفر الإنسان منها، وذلك لأن الإنسان في عمله دائر بين أمرين: إما عمل صالح محض هذا يكون سببًا لدخول الجنة، وإما عمل غير صالح لكنه يتاب منه، فهذه دعوة إلى المغفرة. وقوله عز وجل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ ينقسم إذن الله عز وجل إلى إذن شرعي وإذن كوني، فإذنه سبحانه إذا ما تعلق بالمخلوقات والتقديرات فهو إذن كوني، وما تعلق بالتشريعات فهو إذن شرعي، وإذنه في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥] ما تقولون في الإذن؟ هل هو شرعي ولا كوني؟ إذن كوني، يعني يأذن الله فيشفع، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذا شرعي. وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩] الإذن هنا كوني ولّا شرعي؟ طيب نشوف الاستفهام هنا للإنكار ولا للتقرير؟ للإنكار والتوبيخ، فيكون إذنُ الله عز وجل لهؤلاء كونًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ثابت ولّا غير ثابت؟ * الطالب: ثابت. * الشيخ: ثابت، لكن إذنه لهم شرعًا غير (...) هنا الآية اللي معنا ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أترونها إذنًا شرعيًّا أم إذنًا كونيًّا؟ * طالب: شرعيًّا. * الشيخ: أو كلاهما؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: أو شرعي؟ أو كوني؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: الصبي إذا سألته عن شيء فهو على الأخير، تقول له مثلًا: اليوم السبت ولّا الأحد؟ يقول: الأحد. اليوم الأحد ولّا السبت؟ يقول: السبت. في هذه الآية التي معنا الظاهر والله أعلم أنها تشمل الكوني والشرعي؛ وذلك أن دخول الإنسان فيما يكون سببًا للجنة والمغفرة كوني، وشرْعُ ما يكون سببًا للجنة والمغفرة هذا إذن شرعي. وقوله: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾ يعني يُظهر، ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية وهي العلامة القاطعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] فالعلامة القاطعة التي تستلزم الاستدلال بها على وجود الله، ﴿يُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾ الآيات تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية، وكلاهما قد بينها الله عز وجل، فبيَّن لعباده الآيات الشرعية وبيَّن أيضًا الآيات الكونية، فلم يبق شيء يحتاج الناس إليه في أمور دينهم ولا في أمور دنياهم إلا بينه، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩] وقال أبو ذر: «لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وما طائرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ في السماءِ إلَّا وهُو يُذَكِّرُنا منه عِلمًا »[[أخرجه البزار في المسند (٣٨٩٧) من حديث أبي ذر بنحوه.]]. وقد يشكل على بعض الناس قد يخفى عليه بعض الآيات الشرعية، لا يتبين له فيها وجه الشرع، ثم يتبين له بعد ذلك، فمما نأخذه من الآية أنه إذا ما تبين الحكم الشرعي لشخص من الأشخاص لا يعني أن الحكم الشرعي في حد ذاته كان مخفيًّا، إنه قد يخفى على الإنسان إما لقلة علمه أو قصور فهمه أو تقصيره في طلب الحق، هذه أسباب ثلاثة توجب الخفاء: إما لقلة علمه، وإما لـأنه ناقص الفهم في أشياء كثيرة، وإما تجده ما يهتم ترد عليه المسألة مشكلة يقول: هذه أتوقف فيها ولا أبحث، لكن الحق في حد ذاته قد بينه الله تعالى بيانًا كاملًا، وطرق البيان في الآيات الشرعية كثيرة، منها عمومية اللفظ وشموله، وإما بدخولها في عمومه إذا اتفقا في العلة فقد شملهما المعنى فيشملهما الحكم. إذن لا نقص فيه، وانظر إلى قول الله عز وجل في آيات المواريث قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]. والآيات الكونية هي ما يتعلق بالمخلوقات، وهي آية من آيات الله عز وجل، آية على أي شيء؟ على العلم ولَّا على القدرة؟ على كل هذا، مثلًا اختلاف الليل والنهار من آيات الله الدالة على أيش؟ * الطلبة: على القدرة. * الشيخ: على القدرة والعلم والرحمة والسلطان؛ لأن كونها دالة على القدرة واضح، فإن أحدًا من الناس لا يستطيع أن يقدم طلوع الشمس ولا أن يؤخرها له، ولكن خالقها الذي أمرها أن تسير بإذنه دليل على علمه بها وقدرته عليها، فما من مفعول إلا وهو مسبوق بالعلم والقدرة، هب لو أنك صنعت ثوبًا فأنت لا تخيطه إلا وأنت عالم كيف تخيطه وكذلك قادر على خياطته وإلا ما يمكن أن تخيطه، فكذا لا يمكن أن يكون اختلاف الليل والنهار إلا عن علم الله وقدرته التي يختلف بها الليل والنهار، وهو كدليل على سلطانه آية على سلطانه؛ لأن اختلاف الليل والنهار يشمل الاختلاف الحسي والمعنوي (...) والحسي هو الذي قال الله فيه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] يغني فقيرًا ويفقر غنيًّا ويهدي ضالًّا ويضل مهتديًا. الحاصل أن الآيات الكونية آية على خالقها عز وجل (...) كأن تقول: على القدرة أو الرحمة أو ما أشبه ذلك لا، تقول: هي آية على كل معنى يناسب تلك الآية فيختلف بحسب الآيات. هل بيَّن الله لنا الآيات الكونية؟ بيَّن الله عز وجل وأيش سبب طول النهار (...) بيَّن لنا أن ذلك بقدرته: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] ثم إذا كان هناك سبب حسي أو إذا كان هناك (...) أن الإنسان يدرس علم الفلك ليستفيد، ليستفيد مما (...) الآيات الشرعية مبينة والآيات الكونية مبينة، ولكن سؤالي الآن: هل بيان الآيات الشرعية أبلغ وأدق أو بيان الآيات الكونية؟ الأول الآيات الشرعية أبلغ وأدق وأشمل؛ لأن الإنسان في أمس الحاجة إليها حاجة ضرورية عليها مدار سعادته في الدنيا والآخرة، ولهذا بيَّن الله عز وجل لعباده من الآيات الشرعية حتى آداب الجلوس والاستئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة ١١] بيَّن الله حتى هذا الأمر، وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: «إنَّ نبيَّكم علمكم كلَّ شيءٍ حتى علَّمَكم كيفَ تأتونَ الخلاءَ. قال: نعم، وألا نستنجي برجيع أو عظم »[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧) من حديث سلمان الفارسي.]] (...) بيان الرسول صلى لله عليه وسلم من بيان الله؛ لأنه ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] بيان الوحي للآيات الشرعية هو أشمل من البيان للآيات الكونية، الآيات الكونية تأتي على سبيل العموم، بخلاف الشرعية؛ لأن الشرع لا بد أن يتلقى من الوحي (...) ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة ٢٤٢] إذا آمنت بهذه الجملة فإنه قد يعرض لك مسألة لا تجدها في كلام الفقهاء ولا في كلام المحدثين، وعندما تتأمل القرآن تجدها واضحة صريحة، أو عندما تتأمل السنة تجدها واضحة مبينة فيها، وهذا شيء معلوم، ولهذا أحثكم أنتم طلبة العلم على أن يكون دأبكم في الوصول إلى غائص المسائل الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا حرج أن نستعين بكلام أهل العلم؛ لأن اعتماد الإنسان على نفسه في فهم الكتاب والسنة قد يحصل فيه خلل كثير، فلا بد أن يعرف القواعد التي قعَّدها السلف من الصحابة والتابعين مستنبطين لها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. * طالب: (...). * الشيخ: نحن عندما نتكلم نتكلم عن بيانها في حد ذاته، أما كونها تعمى أو تُعَمَّى على بعض الناس هذا وارد، فإن الكفار قد يطَّلعون من الآيات الكونية على ما لا يطلعه المسلمون لكنها لا تنفعهم؛ لأنهم لا يستدلون بها على رحمة الله أو على وجوده، إنما نحن إذا تكلمنا فإنما نتكلم على أيش؟ الآيات الشرعية من حيث هي آيات بقطع النظر عن الممتثل بها، ولهذا الآن نحن جميعًا نعرف أن بعضنا يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ما لا يفهمه الآخر، ويقال: إن الإمام الشافعي رحمه الله استضاف الإمام أحمد ليلة من الليالي، فلما قدَّم إليه العشاء أكله كله (...). * طالب: (...) * الشيخ: عمر أراد أن يمنع منه سياسة ولكنه لم يمنع منه حكمًا شرعيًّا، هو اجتهاد منه لكنه هو غير موفق فيه، فهو نفسه رضي الله عنه ما استدل بدليل، وإنما خشي على من تزوج بكتابيات خشي عليه هو فقط. * الطالب: الخشية موجودة الآن؟ * الشيخ: هذه لولي الأمر إذا رأى أن السياسة تمنع من التزوج فله المنع مثل ما يوجد عندنا الآن في الحكومة السعودية وفقها الله تمنع من التزوج بالأجانب إلا بشروط ترضاها وتوافق عليها، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع الناس من التزوج بالأجانب حتى ولو كن مسلمات لأمر يتعلق بمصالح البلد فله أن يفعل ذلك؛ لأن ولي الأمر إذا قلنا: إنك ما تفعل إلا شيئًا ما تأمر إلا بمأمور به ولا تنهى إلا عن منهي عنه بقيت سلطته عديمة التأثير، فلا بد أن يكون لولي الأمر شيء من النظر يمنع فيما يرى أن الحق في منعه أو يبيح ما يرى أن الحق في إباحته إذا لم يتعارض مع النص. * طالب: شيخ، فإذا تقدمت المصلحة في نظام الحكم الشرعي؟ (...) * الشيخ: لا، الحكم الشرعي الإباحة، فلولي الأمر أن يمنع إذا رأى أن المصلحة في المنع مثل ما أبيحت الرجعة في الطلقات الثلاث في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ورأى عمر أن المصلحة تقتضي المنع فمنع، فالمصلحة التي رآها رأى الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة وأن الواحد منهم بدأ كلما غضب أدنى غضبة على زوجته بتَّ طلاقها، فرأى رضي الله عنه أن يمنع من مراجعتها في هذه الحالة، فهذه ترجع إلى اجتهاد الحاكم وهو فيما بينه وبين الله إذا كان يريد الحق فهو مأجور سواء أصاب أم لم يصب، وإذا كان يريد شيئًا آخر فربه يحاسبه. * طالب: إن الله سبحانه وتعالى علل في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ومع أن هذه العلة موجودة في أهل الكتاب؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما وجهه؟ * الشيخ: وجهه أن أهل الكتاب فيه مصلحة أخرى تقابل هذه العلة، وهي أن ما عند المرأة من العلم الذي قد يدعوها إلى الإسلام أكثر وأكبر من الجهل الذي قد تستمر فيه على الشرك. * طالب: نقول: إن أهل الكتاب عندهم شرك، كيف نخرجهم من تحت المشركين؟ * الشيخ: لأن الله أخرجهم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة ٥]. * الطالب: يعني نقول: إن الآية هذه الآية آية المائدة ناسخة لآية البقرة؟ * الشيخ: مخصصة، هذا إذا قلنا: إن الآية التي معنا عامة مع أن بعض العلماء يقول: المراد بها المشركون ويدخل فيها أهل الكتاب من الأصل، أو ما دخلوا فيها فتكون عامًّا أريد به الخصوص. في هذه الآية الكريمة: تحريم نكاح المشركات على المؤمنين، من أين نأخذها؟ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. وفيها: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، منين؟ لقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح ومتى انتفى انتفى النكاح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوج ولي نفسه، من أين تؤخذ؟ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ فوجه الخطاب للزوج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن خير من المشرك ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجبه، لقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة ١٠٠] فلا تغتر بالكثرة، ولا تغتر بالمهارة، ولا بالجودة، ولا بالفصاحة، ولا بغير ذلك، ارجع إلى الأوصاف الشرعية التي عُلِّقت بها الصفات المحمودة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضل الناس في أحوالهم وأنهم ليسوا على حد سواء، لقوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ وفيه رد واضح على الذين قالوا أو على الذين أطلقوا أن دين الإسلام دين مساواة، كيف ذلك؟ لأن التفضيل ينافي المساواة، والعجيب أنه لم يأت في الإسلام لا في الكتاب ولا في السنة لفظ المساواة بها أبدًا، ولا أن الله أمر بها ولا رغَّب فيها؛ لأنه ما هي صحيحة، إذا قلت بالمساواة دخل الفاسق والعدل والكافر والمؤمن والذكر والأنثى، وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ أن يجعلوا دين الإسلام دين مساواة ما فيه فرق، لكن جاء الإسلام بكلمة هي خير من تلك الكلمة وليس فيها احتمال أبدًا، وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل ٩٠] كلمة (العدل) تقتضي أن نسوي بين الاثنين حيث اتفقا في الصفات المقتضية للتسوية، وأن نفرق بينهما حيث اختلفا في الصفات المقتضية للتفريق أليس كذلك؟ أكثر ما يوجد في القرآن نفي المساواة في هذا الباب: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد ١٦] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ٩٥]،﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠] وآيات كثيرة في هذا النوع ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود ٢٤] وما أشبهها، والحاصل أن هذه الكلمة أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين، وأكثر المسلمين ولا سيما ذوي الثقافة العامة ليس عندهم تحقيق وتدقيق في الأمور وتمييز بين العبارات، ولهذا تجدهم يرون هذه الكلمة كلمة نور تُحمل على الرؤوس: الإسلام دين المساواة، نقول: كذبتم، الإسلام دين العدل، وأْتُوا لنا بحرف من كتاب الله أو من سنة رسوله يأمر بالتسوية أبدًا، لكن القرآن كله عدل يأمر بالعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠] ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء ١٨٢] وما أشبه ذلك، فهذه الكلمة وغيرها الكثير يجب أن نتنبه لها. * طالب: يا شيخ، بعضهم قيدها قال: المساواة في الحقوق والواجبات، فهل هذا صحيح؟ * الشيخ: حتى هذا غلط ما هو صحيح، من لا مال عنده هل يساوي من عنده مال في الزكاة؟ ومَن ماله مليون هل هو مثل مَن ماله ألف؟ لأ واللي يقدر يصلي قائم مثل اللي ما يقدر؟ (...)