Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:221 – البقرة 2:231

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:221
  2. البقرة 2:222
  3. البقرة 2:223
  4. البقرة 2:224
  5. البقرة 2:225
  6. البقرة 2:226
  7. البقرة 2:227
  8. البقرة 2:228
  9. البقرة 2:229
  10. البقرة 2:230
  11. البقرة 2:231

البقرة 2:221

الفاعل في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعود إلى الصحابة رضي الله عنهم، والضمير المفعول به ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعود إلى النبي ﷺ، وقد أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات: آية تبيحه، وآية تعرّض بتحريمه، وآية تمنعه في وقت من الأوقات، وآية تمنعه دائمًا، أما الآية التي تبيحه فهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل ٦٧]، وأما الآية التي تُعرّض به؛ أي بالتحريم فهذه الآية التي معنا، وأما الآية التي تمنعه في وقت دون آخر فآية النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وأما الآية التي تمنعه مطلقًا فآية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، فيكون تحريم الخمر تحريمًا باتًّا متأخرًا إلى السنة الثامنة من الهجرة. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ سبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك، ولهذا سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عنهم عن حكمهما لا عن معناهما؛ لأن المعنى معلوم، لكن عن الحكم، وقد سبق لنا أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أسئلة كثيرة، لكن في القرآن كم سؤالًا سألوا الرسول؟ * طالب: ثلاثة عشر. * طالب آخر: اثنا عشر. * الشيخ: اثنا عشر أو ثلاثة عشر؟ المعروف أنها اثنا عشر سؤالًا. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ الخمر من أين هو مشتق؟ قيل: إنه مشتق من (خَمَرْتُه أخْمِرُه) إذا غطيته، فهو من التغطية، وقيل: إنه مشتق من (خَامَره يُخامِره) إذا خالطه، والصحيح أنه مشتق من الأمرين جميعًا؛ وذلك لأن الخمر يخالط العقل ويغطي العقل أيضًا، فهو يخالطه، ثم بعد ذلك يغطيه حتى يُلحق صاحبه بالمجانين الذين لا عقول لهم. ثم ما هو الخمر؟ هل الخمر ما أسكر من نبيذ العنب فقط؟ أو الخمر ما أسكر من أي شيء كان؟ الصواب: أن الخمر ما أسكر من أي شيء كان، ولا نقول: إن هذا من باب الاصطلاح الفقهي، بل هو من باب المعنى اللغوي، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ وهو أفصح العرب قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»[[أخرجه مسلم (٢٠٠٣ / ٧٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فبين التعريف والحكم -عليه الصلاة والسلام- في هذا، «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» هذا التعريف، وكل مسكر حرام، هذا الحكم، وعلى هذا فلا يتقيد بشيء من الأشياء؛ لا بعنب، ولا بتمر، ولا بشعير، ولا بعسل، ولا ببُرّ، ولا بغير ذلك، كل ما أسكر فإنه خمر، فالخمر كل مسكر، ولكن ما معنى الإسكار؟ قال العلماء: معنى الإسكار هو تغطية العقل على سبيل اللذة والطرب، ما هو مجرد ما يفقد الإنسان وعيه يكون سكرانًا، فإن (البنج) مثلًا يغطي العقل، لكن لا على سبيل اللذة والطرب، فلا يكون مسكرًا، إنما الخمر يغطي العقل على سبيل اللذة والطرب، ولهذا السكران يرى نفسه في بحبوحة من العيش، وكأنه ملك من الملوك وكأنه مالك لكل شيء، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: وَنَشْرَبُهَـــا فَتَتْرُكُنَــــا مُلُوكًـــــا ∗∗∗ ....................... يعني: تتركنا كالملوك في تخيل الإنسان نفسه، وكما يشهد لذلك الواقع أيضًا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى حمزة بن عبد المطلب حين شرب فسكر فغنَّته جاريته: أَلَا يَا حَمزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ∗∗∗ ........................ وكان قد مر به ناضحانِ لعلي بن أبي طالب، قام رضي الله عنه -أي: حمزة- فجبّ أسنمتهما، وأظنه بقر بطونهما أيضًا، فجاء علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ يشكو، فلما أقبل النبي عليه الصلاة والسلام إلى حمزة وجده قد ثمل، ولم يصحو بعد فكلّمه، فقال له حمزة بن عبد المطلب: هل أنتم إلا عبيد أبي؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٩١)، ومسلم (١٩٧٩ / ١) من حديث علي بن أبي طالب.]]. هذا يدل على أن عنده في تلك الساعة نشوة وطرب وعلو وارتفاع ولهذا قال: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ هذا هو الخمر وهذا هو اشتقاقه، أما حكمه فإنه سيبيّن في هذه الآية. وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ ﴿الْمَيْسِرِ﴾ قيل: إنه مأخوذ من (اليُسْر)، وقيل: مأخوذ من الإيسار، والمادة كما تشاهدون تشتمل على الياء والسين والراء، والحق أنه مأخوذ من الأمرين جميعًا، ففيه يسر وفيه إيسار، كما أن فيه إعسارًا أيضًا، الميسر هو المغالبات والمقامرات بالعوض، المغالبات في العوض هذا هو الميسر، مشتق من (اليُسْر)؛ لأن الإنسان يكتسب فيه المال الكثير بيسر وسهولة، مشتق من (الإيسار)؛ لأن هذا الكاسب يكون بعد الفقر موسرًا، فهو مشتق من المعنيين جميعًا. وكانوا -أي العرب في الجاهلية- يستعملون هذه المغالبة والمقامرة؛ يستعملونها بالأقداح وبالأزلام، وأحيانًا يستعملونها بغير ذلك، والمهم المعنى دون الصورة، فلو تقامرنا على شيء من المال بأي صفة من الصفات فإن ذلك يعتبر ميسرًا، ومن ذلك ما يسمى بالحظ والنصيب؛ فإنه ميسر، ومن ذلك التأمينات على الأموال، على السيارات، أو على البضائع، أو على البيوت، أو على النفوس، أو ما أشبه ذلك، فإنها من الميسر؛ يعني فيها مغالبة في الحقيقة، فإن هذا الدافع للتأمين قد يربح وقد يخسر؛ لأنه إن سلم صار خاسرًا، إن سلم كان خاسرًا؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: كيف السالم هو الخاسر؟! لأنه أخذ منه العوض بدون مقابل، إن سلم فهو خاسر وإن خسر فهو غانم، إذا حصل حادث أكثر مما بذل مثل أن يكون دفع قيمة التأمين خمس مئة ريال، ثم حصل عليه حادث بخمسة آلاف ريال صار غانمًا؛ يعني صار أخذ أكثر مما دفع، وهذا هو مبنى الميسر؛ أن يكون مبنيًّا على الحظ والنصيب، يكسب الإنسان الشيء بدون حق، فهذا حرام سيأتي حكمه إن شاء الله تعالى. * طالب: ومنها المراهنة، يا شيخ؟ * الشيخ: إيه، والمراهنة منها؛ من الميسر، لو قال: أنا أقول: كذا وكذا، فقال الثاني: أنا أقول: كذا وكذا، قال: يلّا اللي يُغلب منا عليه كذا وكذا، هذا منه، وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخُف، والحافر. قال الله تعالى في الجواب: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟ * طلبة: لجميع الناس. * طالب: ليس الكل. * الشيخ: نعم، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يعني: قل لجميع الأمة، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة، وهي: أنه قد يكون الجواب موجهًا إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم. ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في الخمر والميسر، ﴿إِثْمٌ﴾ ما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]. ويقال: فلان آثم؛ يعني: مستحق للعقوبة. وقوله: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والقراءة أخرى: ﴿كَثِيرٌ﴾ الفرق بينهما أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية؛ فالمعنى أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير؛ يعني عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك، وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبّر الله عن ذلك بقوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أو ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ . هل هاتان القراءتان تتنافيان؟ لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عشر من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع. وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ منافع جمع (منفعة)، وهي من صيغة منتهى الجموع، ولهذا قال: ﴿مَنَافِعُ﴾ ولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة، فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يُقبل الناس عليهما؟ لأن الإثم ذكره مفردًا، وإن كان قد وُصف بالكبر أو بالكثرة، لكن المنافع ذُكرت بالجمع؟ قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأن لو كانت منفعة واحدة قلنا: ممكن أن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت فإن الإثم أكبر وأعظم، ولهذا قال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وإن كان هناك منافع كثيرة. ما هذه المنافع؟ من المنافع في الخمر: الطرب، والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره، ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام، ومنها: أنه يُتّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا، وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون، يفرح؟ يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار فكسب مليون ريال، يروح يشتري له فيلا ويأخذ السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، فيهما منافع، وتأمل قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؟ * طالب: فيهما. * الشيخ: محذوف تقول؟ * الطالب: لا. * الشيخ: وين؟ * الطالب: مقدم. * الشيخ: ﴿فِيهِمَا﴾ مقدم؟ ما هي ﴿فِيهِمَا﴾ خبر لقوله ﴿إثْمٌ﴾؟ * الطالب: معطوف. * الشيخ: معطوفة صح، فأنت إذا قلت: زيد وعمرو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيد وعمرو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيد وعمرو، فإن (في البيت) خبرًا لهما. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾، الخبر ﴿فِيهِمَا﴾ مقدم. قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إثمهما؛ يعني ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر في الغالب أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم، فلهذا قال: الإثم أكبر، لسببين: السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا، والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني. وقوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطّي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد. وتأمل قوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ عندما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بيّن الله عز وجل الراجح فقال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حينئذٍ تبيّن أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عن ما فيه أو عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع، ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية، فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟ ولكن، هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل ماذا يرجّح؟ * طالب: يرجح المنافع. * الشيخ: كيف؟! لا ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ شوف سؤالان في آية واحدة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل الله شيئًا أعطاهُ، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال، أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، وأيش تقول؟ تقول: سألته عن كذا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف ١٨٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى الثاني بـ (عن)، وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. والفرق بين تعدّيه إلى جملة استفهامية، وتعدّيه إلى المفعول الثاني بحرف الجر، أنه إذا عُدّي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بـ (عن) فقد تكون هي لفظ السائل بعينه، وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني: يقولون: ماذا ينفقون، عرفتم؟ وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تقدم لنا نظير لهذا التركيب، وبيّنا أنه يجوز فيه وجهان: أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدمًا لأيش؟ لكلمة: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ مفعولًا مقدمًا لـ (ينفقون)، والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ (ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؛ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟ إذن في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لينفقوا وحينئذٍ هل يحتاج ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم ما يحتاج إلى ضمير. والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥]. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الْعَفْوَ﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذي ينفقونه؟ الجواب: العفوُ؛ يعني هو العفو، وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون ﴿الْعَفْوَ﴾ يعني: يقول: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ، وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فُسرت بكلمة العفو ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول ما الذي يُنفق؟ أجب. العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت ﴿مَاذَا﴾ فانصب ﴿الْعَفْوَ﴾، وإن رفعت ﴿مَاذَا﴾ فارفع ﴿الْعَفْوُ﴾. وقوله: ﴿الْعَفْوَ﴾ لا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو الزائد الفاضل؛ يعني أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم، وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة ١٠٩]. وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ويراد به الزيادة والفضل كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف ١٩٩]. يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به، ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]] المراد بالعفو ما هو؟ أو بالإعفاء؟ الزيادة. فقوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع هذا خلاف الحكمة، وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على.. أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخف، والحافر، قال الله تعالى في الجواب: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟ * طالب: كل الخلق. * الشيخ: نعم، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يعني: قل لجميع الأمة، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة وهي: أنه قد يكون الجواب مُوجَّها إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بماذا؟ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم. ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ، ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في الخمر والميسر. ﴿إِثْمٌ﴾ ما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]، ويقال: فلان آثِمٌ، يعني: مستحق للعقوبة. وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والقراءة الأخرى ﴿كَثِيرٌ﴾ الفرق بينهما: أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية، فالمعنى: أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير، الإثم فيهما كبير، يعني: عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك. وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبَّر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أو ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾. هل هاتان القراءتان تتنافيان؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما، فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عَشْرٌ من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع. وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ﴿مَنَافِعُ﴾ جمع منفعة، وهي من صيغة منتهى الجموع؛ ولهذا قال: ﴿مَنَافِعُ﴾ ولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة. فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يقبل الناس عليهما؛ لأن الإثم ذكره مفردًا وإن كان قد وصف بالكبر أو بالكثرة لكن المنافع ذكرت بالجمع؟ قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأنه لو كان منفعة واحدة قلنا: ممكن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت، فإن الإثم أكبر وأعظم؛ ولهذا قال: ﴿َإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وإن كان هناك منافع كثيرة، ما هذه المنافع؟ من المنافع في الخمر: الطَّرب والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام. ومنها: أنه يتَّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا. وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون؟ يفرح؟ * طالب: نعم. * الشيخ: يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار، فكسب مليون ريال، يروح يشتري فيلا، يأخذ له السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، ففيهما منافع. وتأمل قوله: ﴿َمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع ماديَّة بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؟ * طالب: ﴿فِيهِمَا﴾. * الشيخ: محذوف تقول؟ * الطالب: لا، ﴿فِيهِمَا﴾. * الشيخ: وين؟ * الطالب: المقدم. * الشيخ: ﴿فِيهِمَا﴾ المقدم؟ ما هي ﴿فِيهِمَا﴾ خبر لقوله: ﴿إِثْمٌ﴾؟ * طالب: معطوف. * الشيخ: معطوف صح، فأنت إذا قلت: زيدٌ وعمرٌو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيدٌ وعمرٌو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيدٌ وعمرٌو، فإن (في البيت) خبر لهما. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾ الخبر؟ ﴿فِيهِمَا﴾ مُقدَّم. قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ﴿إِثْمُهُمَا﴾ يعني: ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر -في الغالب- أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم؟ فلهذا قال: الإثم أكبر؛ لسببين: السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا. والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال، تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني؟ وقوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد وأبلغ. وتأمل قوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ لما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بين الله عز وجل الراجح فقال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، حينئذٍ تبين أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع؛ ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟ ولكن هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل، ماذا يرجح؟ * طالب: المنافع. * الشيخ: لا، ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم. قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ سؤالان في آية واحدة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال، فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل اللهَ شيئًا أعطاه، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال. أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، ويش تقول؟ تقول: سألته عن كذا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف ١٨٧]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى للثاني بـ(عن). وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. والفرق بين تعديه إلى جملة استفهامية وتعديه إلى المفعول الثاني بحرف الجر: أنه إذا عدي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بعن فقد تكون هي لفظ السائل بعينه وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام، فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني يقولون: ماذا ينفقون؟ عرفتم؟ وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تقدم لنا نظيرٌ لهذا التركيب، وبينا أنه يجوز فيه وجهان: أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدما لأيش؟ لكلمة: ﴿يُنْفِقُونَ﴾. والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ(ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟ إذن في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لـ﴿لينفقون﴾، وحينئذٍ هل يحتاج ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم، ما يحتاج إلى ضمير. والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥]. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الْعَفْوَ﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذين ينفقونه؟ الجواب: العفوُ، يعني: هو العفوُ. وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون: ﴿الْعَفْوَ﴾ يعني: قل: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ. وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فسرت بكلمة (العفو) ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول: ما الذي يُنفق؟ أجب؟ العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها، فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت ﴿مَاذَا﴾ فانصب ﴿الْعَفْوَ﴾، وإن رفعت ﴿مَاذَا﴾ فارفع ﴿الْعَفْوُ﴾. وقوله: ﴿الْعَفْوُ﴾ لا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو: الزائد الفاضل، يعني: أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم؛ وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة ١٠٩]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ويراد به الزيادة والفضل، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف ١٩٩]، يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٥٠٤٦)، عن ابن عمر رضي الله عنه.]]، المراد بالعفو ما هو أو بالإعفاء؟ الزيادة. فقوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول. فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع، هذا خلاف الحكمة وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك: أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على أنفسهم وأهليهم لا أجر فيه، وليس صدقة، ولكن هذا جهل منهم، فإن إنفاقك على نفسك وعلى أهلك صدقة، وإذا كان صدقة، فإن بذل مالك في الأقارب أولى من بذله في الأباعد. قال الله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...)؛ أي: يبين الله لكم تبيينًا مثل ذلك البيان، قوله: ﴿ذلك﴾ المشار إليه ما هو؟ المشار إليه ما سبق من بيان حكم الخمر والميسر، وبيان ما ينفق، فقد بين الله تعالى غاية البيان. فإن قلت: كيف بينه الله عز وجل وهو ليس فيه تفصيل؟ يعني ما فصل الله المنافع، ولا فصل الإثم؟ فيقال في الجواب عن ذلك: إن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن الإثم كثير أو كبير، وهذا بيان، فكلما ازداد الإنسان من شربه، ازداد إثمًا، وهذا بيان، والمنافع أيضًا أجملها الله عز وجل؛ لأن تعدادها لا فائدةَ فيه، وربما يكون في تعدادها إغراء لذوي النظر القصير، وكذلك قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ بيِّن واضح ما فيه إشكال، أي: ما زاد على حاجتكم وضرورتكم وليس فيه إشكال. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾: يظهر، بَيَّنْتُهُ فَتَبَيَّنَ، يعني: ظهر، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى: يظهر، فمعنى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يظهرها حتى تكون واضحة جلية. و﴿الْآيَاتِ﴾ جمع آية، وقد مر علينا كثيرًا أن الآيات تنقسم إلى قسمين؟ * طالب: شرعية وقدرية. * الشيخ: نعم، شرعية وقدرية ما فيه تعبير ثانٍ غير القدرية؟ * الطالب: كونية. * الشيخ: كونية، الآيات الشرعية ما هي؟ * طالب: هي المخلوقات. * الشيخ: الآيات الشرعية هي المخلوقات؟! * الطالب: الآيات الشرعية التي في الكتب. * الشيخ: (...) بيَّنها، لا الآيات الكونية ولا الآيات الشرعية، بيَّنها بيانًا تامًّا، لكن الآيات الشرعية بينها الله تعالى بيانًا مفصلًا لحاجتنا إلى العبادة، فإننا محتاجون إلى العبادة إجمالًا وتفصيلًا؛ ولهذا جاءت الآيات الشرعية مفصلة، كما« قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه عِلْمًا[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]، وقال رجل لسلمان الفارسي: علَّمكم نبيكم حتى الخِراءة؟ قال: أجل، ثم قال: لقد نهانا أن نستقبل القبلة في غائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن نستنجي برجيع أو عظم»[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧)، من حديث سلمان رضي الله عنه.]]. إذن الآيات الشرعية مبينة مفصلة على وجه التفصيل لحاجتنا إليها، أما الآيات الكونية فإن التفصيل فيها يكون بالأجناس أو بالأنواع لا بالأفراد، تجد مثلًا ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت ٣٧] في أيش؟ ويش يدلنا عليه؟ لكن ابحث أنت تجد الشيء الكثير، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] على أي شيء هي آية؟ ابحث وتجد، وعلى هذا فقِس، فالآيات الكونية جعلها الله تعالى مجملة عامة ما بينها تفصيلًا؛ لأن الناس ليسوا بحاجة إليها على وجه التفصيل، وأيضًا فإنها آيات مشهودة محسوسة يمكنهم أن يعرفوا ما فيها على وجه التفصيل بقدر استطاعتهم. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل، واسمها الكاف، وخبرها جملة: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ عندي هذه موقف، لكن نتفكر بماذا؟ أو في ماذا؟ قال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا﴾ واضح أن التفكر في الدنيا، لكن قوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ هل الناس في يوم القيامة يتفكرون؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: إذن تتفكرون في الدنيا والآخرة في شؤونهما، وليس المعنى أن التفكر واقع في الآخرة، لا، إنما نتفكر في هذه الدنيا، في حياتنا، فيما يتعلق بشؤون الدنيا وشؤون الآخرة، وهذا مما يؤيد أن الآيات في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ شامل للآيات الشرعية والآيات الكونية؛ لأن ما يتعلق بشأن الآخرة غالبه من الآيات الشرعية، وما يتعلق بأمر الدنيا غالبه من الآيات الكونية، يعني: يتفكر في شؤونهم. وإذا تفكر الإنسان في الدنيا وجد أنها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، لماذا اختلط؟ لكثرته، وامتداده، امتد وتشابك، وكثر فتشابك، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ يعني: كمال زينتها، ﴿وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ وأنه ما بقي إلا أن يجنوها ويستثمروها، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤]، وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد ٢٠]. * * * (...) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ شوف كلها معطوفة بالواو، كأنها أسئلة متتابعة، سألوا أولًا عن الخمر والميسر، ثم سألوا ماذا ينفقون، وجه الارتباط بين السؤالين واضح جدًّا؛ لأن في الخمر والميسر إتلاف المال بدون فائدة، وفي الإنفاق إتلاف المال بفائدة. ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾؛ لأنك إذا عرفت السبب عرفت وجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو: الذي مات أبوه ولم يبلغ، مشتق من: اليُتْم، وهو الانفراد، واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم جاءت الوصاية بهم كثيرًا، فقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ سبب ذلك: أن الله عز وجل لما أنزل ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء ١٠]، وأنزل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢] آيتين، أشكل على الصحابة رضي الله عنهم فصاروا يجعلون طعام الأيتام على حدة، وطعامهم هم على حدة، بمعنى أنه إذا طبخ لليتيم طبخًا جعله له وحده، هذا الطبخ إما أن يفسد ولا يصلح للأكل، وإما أن يصلح للأكل لكن ليس على وجه أكمل، فتحرجوا من ذلك، وشق عليهم أن يجعلوا لليتامى طعامًا على حدة ولهم طعام على حدة، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم مع طعام اليتامى، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك فأجابهم الله عز وجل بجواب في غاية ما يكون من البلاغة والاختصار والوضوح، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، وكلمة ﴿إِصْلَاحٌ﴾ تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون، سواء كان ذلك في التربية أو في المال، وسواء كان ذلك بالإيجاب أو بالسلب، أي شيء يكون إصلاحًا لهم فهو خير. وكلمة: (خير) هل هي تفضيل مطلق أو تفضيل مقيد؟ بمعنى: هل التقدير: إصلاحٌ لهم خيرٌ من الإفساد أو أنه خيرية مطلقة؟ الجواب: خيرية مطلقة، الإصلاح خير من كل شيء، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء ١٢٨]، هذه الجملة في شمولها وعمومها ووضوحها كالجملة الثانية. ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ هذه الجملة الثانية مما تضمنه الجواب، لأني قلت قبل: إن الجواب تضمن جملتين؟ إحداهما: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، والثانية: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ يعني: إن خالطتموهم في الأكل والشرب وجعلتم طعامهم مع طعامكم، فإنهم ليسوا أجانب منكم، بل هم إخوانكم في الدين أو في النسب؟ * الطلبة: في الدين. * الشيخ: في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، قد يكون الأخ الصغير قد مات أبوه وهو أخوك، فيكون أخًا لك في الدين وفي النسب، وقد يكون اليتيم من أبناء عمك وهو مؤمن فيكون أخًا لك؟ * طالب: في الدين والنسب. * الشيخ: في الدين، وقد يكون أخًا لك، لكنه ليس بمؤمن، فيكون أخًا لك في النسب. المهم أنهم إخوان لنا، سواء في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، ومعلوم أن مخالطة الأخ لأخيه أمر لا يستنكف منه ولا يخشى منه، فإذا شعرتم وأنتم تخالطونهم بأنهم إخوانكم، فإنكم سوف تحرصون على أن لا تخالطوهم إلا على وجه فيه مصلحة لهم؛ ولهذا قال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، ومعروف أن الأخ يحنو على أخيه. بهذا ارتفع الحرج، وتأمل أن الله عز وجل بدأ بالإصلاح قبل المخالطة، كأنه يفيد أنه إذا لم يكن في المخالطة إصلاح فالأفضل؟ * طالب: عدم المخالطة. * الشيخ: عدم المخالطة، وإن كان فهي إصلاح فهي خير وهم إخوان لكم، لا يمكن أن تضروهم بشيء. إذن يجوز الآن المخالطة ولَّا لا؟ يجوز، تفهم من قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، كأنكم صنوا أصل واحد، ولكن لا بد من أن يكون في ذلك إصلاح. * طالب: شيخ، كيف يكون في أنفسهم حرج (...)؟ * الشيخ: (...) ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ العلم هنا علمُ معرفةٍ؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولًا واحدًا، فقد قال ابن مالك: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَـهْ ∗∗∗ تَــعْــدِيَــــةٌ لِــوَاحِــــدٍ مُــلْــتَــزَمَــهْ يعني: يعرف سبحانه وتعالى، يعلم علم معرفة المفسدَ من المصلح في هذا وفي غيره؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ لم يقل: يعلم المفسد والمصلح، بل قال: ﴿الْمُفْسِدَ مِنَ﴾، كأنه ضمن العلم معنى التمييز، يعني: يعلمه فيميز بين هذا وهذا، ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضًا في الثواب والجزاء. وقوله: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ يشمل الإفساد الديني والدنيوي، والإصلاح الديني والدنيوي، عرفتم؟ ولَّا بس في أمور الدنيا فقط؟ في أمور الدين والدنيا، فهو يعلم عز وجل المفسد من الإنسان المصلح، وكلمة (مُفسد) و(مُصلح) هل تعني الذي فعلًا أفسد أو تشمل حتى من نوى الإفساد والإصلاح؟ حتى من نوى، فمن كانت نيته الإفساد، فإن الله عالم به، وقد لا يحصل له مقصوده، قد يكون إنسانًا مفسدًا يحب إفساد الخلق ولا يتسنى له ذلك، وقد يكون كذلك مصلحًا، ولكن يحال بينه وبين إصلاحه، ولكن من علم الله من نيته هذا أو هذا، فإنه يجازيه بما يستحق. وهل يشمل هذا المفسد من المصلح في شؤون اليتامى؟ يشمل، معلوم؛ لأن الأصوليين يقولون: إن مسألة السبب نصٌّ في المراد، يعني أنها قطعية الدخول، فإذا قلنا: يعلم المفسد من المصلح في جميع الشؤون، فإن أول ما يدخل في ذلك ما هي؟ الإصلاح والإفساد في اليتامى؛ لأنها هي السبب، وما كان سببًا فهو قطعي الدخول في العموم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لو) شرطية، شرطها قوله: ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾، وجوابها؟ * طالب: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾. * الشيخ: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾، وهل اللام في جواب (لو) واجبة أو غالبة؟ * طالب: غالبة. * الشيخ: غالبة، ومن حذفها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، والأكثر وجود اللام في جوابها. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي: لشق عليكم، بماذا؟ شق عليكم بأمرين في مسألة اليتامى: أحدهما: أن تجعلوا طعامهم وشرابهم على حدة. الثاني: أن تقدروا ذلك الطعام والشراب بحيث لا يبقى شيء يكون عرضة للتلف والفساد، وهذا شيء شاق على الناس، ولكن الله عز وجل برحمته نفى ذلك. والعنت قلت: إنه بمعنى المشقة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٢٥] ويش معنى العنت؟ أي: المشقة. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هذه الجملة تعليل لما سبق، ولكن هل هو تعليل لما سبق في الآية الأخيرة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ إلى آخره، أو حتى لما سبق من قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ لأن هذه الآيات كلها معطوف بعضها على بعض؟ يحتمل هذا وهذا، لكن لو أخذنا بالعموم لم يكن فيه مانع. و(العزيز) تقدم لنا أنه من أسماء الله عز وجل، وأن له ثلاثة معانٍ وهي: * طالب: القدر. * الشيخ: القَدَر ولا القَدْري؟ ما الفرق بينهما؟ * الطالب: القَدْر. * الشيخ: القَدْر بالسكون، نعم. * الطالب: القهر. * الشيخ: عزة قدر، وعزة قهر، وعزة امتناع، عزة القَدْر: أي لا يُدانيه أحد في علو شأنه. عزة القهر: لا يغلبه أحد بل هو الغالب. عزة الامتناع: أي يمتنع عليه كل نقص وعيب، فهو عزيزٌ لا يعتريه النقص، عزيزٌ لا يعتريه الذل، بل هو الغالب القاهر سبحانه وتعالى، عزيزٌ يعني أنه ذو قدر عالٍ وشأن رفيع. أما (الحكيم) فقد تقدم لنا أنه مشتق من الحُكْم والحِكْمة، وأن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وأن الحِكمة نوعان: غائية، وصورية، يعني: كون الشيء على هذه الصورة هذه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فإذا ضربت اثنين في اثنين تكون أربعة: حكمة في القَدَر، صورته وغايته، حكمة في الشرع، صورته وغايته. وجه المناسبة لختم الآية الكريمة بالعزة والحكمة أنه سبحانه وتعالى له الحكم لو شاء لأعنتنا؛ لأنه عزيز وهو صاحب السلطان؛ ولأنه حكيم فهو صاحب الحكم ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]، ولكن مع كونه جل وعلا عزيزًا حكيمًا فهو عفوٌّ رحيم؛ ولهذا لطف بعباده في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ النكاح في الأصل: الضم والجمع، ومنه قول الشاعر: أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ∗∗∗ عَمْرَكَ اللَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؎أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ∗∗∗ ......................يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا وسهيل.. فقوله: (كيف يجتمعان) يدل على أن النكاح في الأصل الجمع والضم، وأما في الشرع: فهو عقد على محللة للاستمتاع بها وصيانة الفرج إلى آخره وغيره من المصالح التي تتعلق بالنكاح، فهو عقد على محللة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج والولادة والاستمتاع وغير ذلك. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. * طالب: ما معنى (...)؟ * الشيخ: لا، يجمع بينهم. ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ جمع مشركة، والمشركة أو المشرك هو من جعل لله تعالى شريكًا فيما يختص به، سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات، فمن اتخذ مع الله إلهًا يعبده فهو مشرك ولو آمن بأن الله خالق السماوات والأرض، ومن اعتقد أن مع الله خالقًا للكون، أو منفردًا بشيء من الكون، أو معينًا لله تعالى في الخلق، في خلق شيء من الكون فهو مشرك، ثلاثة أشياء ما هي؟ * طالب: من يتخذ مع الله إلهًا. (...) * الشيخ: خلق الكون فإنه مشرك. * طالب: لكن نهى عن قول متصرفًا؟ (...) * الشيخ: حتى الكتابيات، وإن أخذنا بمعهودها المعروف فإنه لا يشمل اليهود والنصارى؛ لأنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة ٦] فعطف المشركين على أهل الكتاب فدل على أنهم؟ * طالب: غيرهم. * الشيخ: غيرهم، وهذا الخلاف ينبني عليه هل هذه الآية باقية على عمومها أو مخصصة بآية المائدة يأتي إن شاء الله تعالى. (...) في هذه الآية الكريمة ينهى الله عز وجل. (...) على المشركات ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ حتى يدخلن في الدين الإسلامي ويؤمِنَّ بالله ورسوله، المشركات لا يحل للمؤمن أن يتزوج بهن كما قال الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠]، وقوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ يشمل من أشركن بالله في عبادته، أو أشركن به في ربوبيته، فمن اعتقدت أن مع الله خالقًا فإنه لا يجوز نكاحها من المؤمن، وإن عبدت مع الله غيره فإنه لا يجوز للمؤمن نكاحها. وقوله: ﴿لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ هل يدخل في ذلك نساء النصارى، فهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة ويجعلون المسيح عيسى بن مريم إلهًا مع الله؟ اختلف في ذلك أهل العلم، والصحيح أنه لا يدخل في ذلك نساء أهل الكتاب وإن كن يزعمن أن عيسى إله مع الله؛ لأن الله تعالى في سورة المائدة قال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة ٥] وسورة المائدة من آخر ما نزل، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيها نسخ، كل ما فيها فهو محكم، وفي نفس السورة التي أباح الله فيها نساء أهل الكتاب قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] فوصفهم بالكفر وأحل نساءهم، ولكن مع ذلك مع كونها مباحة فإن الأَوْلى ألا يتزوجها؛ لأنه يؤثر على أولادها منه، وربما يؤثر عليه هو أيضًا إذا أعجب بها مثلًا وبجمالها وسلبت عقله فربما تفضي به إلى أن يكفر كما حدثني بذلك بعض الناس أن أحدًا لما سافر إلى بلد كافرة أعجب بفتاة فخطبها إلى نفسه فقالت له: لا يمكن حتى تحضر الكنيسة معي وتقول: إن الله ثالث ثلاثة، فحاول أن يمتنع ولكنه -والعياذ بالله- قد ملك عقلَه جمالُها وشغف بها وأخيرًا ذهب معها إلى الكنيسة وشهد أن الله ثالث ثلاثة -نسأل الله العافية- ولكن هذا الرجل الذي فعل هكذا أبشِّركم أنه تاب، تاب إلى الله وندم مما صنع، وجاء يستفهم: ماذا يكون عليه في هذه الحال التي أغرته فيها هذه المرأة، وكان ردنا على ذلك أن نقول: إذا تاب تاب الله عليه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]. وقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قد يقول قائل: لماذا لم يقل: حتى يُوَحِّدْن؛ لأن ضد الشرك التوحيد، ولِمَ قال: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؟ نقول: لأن الإيمان أعم إذ إنه يشمل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به من توحيد الله والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلو أنها انتهت عن الشرك لكنها لم تؤمن بكل ما يجب الإيمان به فإنها لا تحل، هذا هو السر في العدول عن التعبير بالمقابل إلى التعبير بالإيمان. وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بيَّن الله سبحانه وتعالى العلة في ذلك والحكمة فقال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ صدق الله، الأمة المؤمنة خير من المشركة حتى لو أعجبت الإنسان في جمالها، أو أعجبت الإنسان في مالها، أو أعجبت الإنسان في علمها، أو أعجبت الإنسان في خِفتها وما إلى ذلك فإن الأمة المؤمنة خير من المشركة، ثم قال: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ لا تظنوا أنه يعني بذلك الأمة المملوكة، وسنبين إن شاء الله تعالى في سورة النساء أنه لا يجوز نكاح الإماء إلا بشروط، لكن المراد بالأمة هنا أمة الله، أي العابدة لله عز وجل، والإنسان الذكر يقال: عبد الله، والأنثى يقال: أمة الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٠٠) ومسلم (٤٤٢ / ١٣٦) من حديث ابن عمر.]]، وقال ﷺ في حديث ابن مسعود: «ابْنُ أَمَتِكَ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٣٧١٢) من حديث ابن مسعود.]] ذكر الأم والأب، الأب قال: «عَبْدُكَ» والأم قال: «أَمَتِكَ»، وبهذا نعرف أن ما ورد به الحديث في سيد الاستغفار وهو: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ»[[أخرجه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس.]] وأما من كان أنثى فإنها تقول: أمتك. كما قال به شيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال بعض العلماء: إنها تقول في حديث سيد الاستغفار تقول: وأنا عبدك، على تأويل أنها شخص، شخص مذكر ولّا مؤنث؟ * الطلبة: مذكر. * الشيخ: مذكر، ولكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أبلغ في التذلل والعبودية، فإن المرأة إذا قالت: وأنا عبدك، كأنما تشعر أنها رجل، لكن إذا قالت: وأنا أمتك، صار ذلك أبلغ في ذُلّها، فقوله سبحانه: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ هنا وأيش معنى الأمة؟ امرأة ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ لا يراد به التفضيل بين المفضل والمفضل عليه، أي: عدم التفضيل، يراد به البيان أنها من الخير فقط، كالصلاة خير، والصدقة خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير، من الخير الذي هو ضد الشر، أما إذا ذكر المفضل عليه لفظًا أو تقديرًا فإن (خيرًا) تكون للتفضيل، وهنا سؤال على هذه الآية (...) وأن القاعدة في اسم التفضيل أن المفضل والمفضل عليه يتفقان في أصل الوصف، ويختلفان في مقداره، كحديث: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٥) ومسلم (٦٥٠ / ٢٤٩) من حديث عبد الله بن عمر.]] فهنا الصلاتان متفقان في الخيرية لكن تتميز صلاة الجماعة بالأفضلية، وهو المعروف عند أهل العلم بـ(أفعل التفضيل) أنه إذا ذكر مفضل ومفضل عليه فإنهما متفقان في أصل الصفة، ويتميز المفضل على المفضل عليه في مقدارها. وهنا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ ومعلوم أن المشركة لا خير فيها المشرك لا خير فيه فكيف قال: ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾؟ الجواب على ذلك من أحد وجهين، الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين (...) الطرفين ليس فيه شيء منه، ويراد به التفضيل المطلق كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] والله ما في أهل النار خير، لكن هذا من باب كون اسم التفضيل دل على التفضيل وليس للطرف الآخر منه شيء، والثاني أن نقول: إن ناكح المشركة قد يظن فيها خيرًا لكونها جميلة مثلًا؛ ولذلك قال: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ فقد يظن الإنسان أن اتصاله بهذه المشركة خير، فبين الله سبحانه وتعالى أن ما يعتقده الإنسان خيرًا في نكاح مشركة فإننا نقول له: نكاح الأمة المؤمنة خير بناء على ما كان يعتقده من خيرية في نكاح المشركة. ثم قال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (تُنكحوا) مبني للمعلوم أم للمجهول؟ * طالب: للمجهول. * الشيخ: لا. لماذا؟ * الطالب: مبني للمعلوم. * الشيخ: إذا قلنا: إنه ما هو مبني للمجهول ما بيقول لك: إنه مبني للمعلوم، (...) مبنيًّا على أساس؟ * الطالب: .(...) * الشيخ: المضارع المبني للمجهول يُضم أوله ويُفتح ما قبل آخره، قال في ذلك ابن مالك: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحًا ∗∗∗ كَيَنْتَحِي الْمَقُولُ فِيهِ يُنْتَحَى فـ (تُنكحوا) ليس مبنيًّا للمجهول بل هو مبني للمعلوم لكنه من فعل رباعي، الأول: من نكح يَنكِح والثاني: من أنكح يُنكِح، ولذلك قال في الأول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ وفي الثاني: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ الأول للزوج الذي يتولى العقد بنفسه لنفسه ما له ولي، والزوجة ما تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها، فهو إذن من أنكح الرباعي. قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ النهي عن تزويج المشرك أو إنكاح المشرك لا استثناء فيه حتى ولو كان من أهل الكتاب فإنه لا يجوز أن يُنكَح بمسلمة، نصراني خطب منا امرأة مسلمة نزوجه؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا يجوز، ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا عام ما فيه استثناء بخلاف ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ فإنه يستثنى من ذلك من كان كتابيًّا. تناظر رجلان في مصر قبطي ومسلم فاحتج القبطي على المسلم وقال: لماذا تستحلون نساءنا ولا تحلون لنا نساءكم؟ هذا خلاف العدل. قال: لأننا نعترف بدين النصارى قبلنا، فالمسلم إذا تزوج امرأة دينها دين النصارى ازدادت خيرًا اعترف بدينها وبدين الإسلام، لكن لو كان رجلًا كافرًا نصرانيًّا يريد أن يتزوج بمسلمة فإنه لا يقر بدينها، فالنصراني لا يعترف بمحمد ﷺ. * طالب: إذا قال: أعترف؟ * الشيخ: ما يكفي، ما دخل في دين محمد ﷺ، فالمسيح بشرهم بالرسول الخاتم، وأمرهم أن يدعوا دينهم ويتبعوه. ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وسبق القول باختلاف المقابلة حيث قال: ﴿الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ولم يقل: حتى يُوَحِّدوا؛ لأنه لا بد من الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فكان العدول عن ذكر المقابل إلى ذكر ما لا يقابله، هذا موجود كثيرًا في القرآن، وهو لا يوجد غالبًا إلا لفائدة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ لا يقضون بالحق ولَّا لا يقضون بشيء؟ * الطلبة: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠] لماذا لم يقل: لا يقضون بالحق؟ لأن ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أبلغ، أبلغ في نقص هذه الأصنام، لا تقضي بشيء لا حق ولا باطل، انتبه لهذه النكتة من كتاب الله عز وجل. وهو أنه إذا عدل عن ذكر المقابل إلى شيء آخر فإنه لا بد أن يكون لذلك فائدة فتأملها. قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ العبد المؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم، صدق الله العبد المؤمن الذي يؤمن بالله ورسله وبما يجب الإيمان به خير من المشرك، فلو كان مشرك عالمًا بصناعة الطائرات، والصواريخ، والمراكب الفضائية، شيء عبقري، ورجل مسلم لا يعرف من هذا شيئًا أيهما خير؟ * طالب: المسلم. * الشيخ: العبد المؤمن، فلو أن امرأة قالت: إنها تريد أن تتزوج هذا الكافر؛ لأن عنده من علوم الطبيعة ما ليس عند المسلم، نقول لها: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وما قال: ولو أعجبكن. ولم يقل: ولو أعجبتها؛ لأن عقد نكاح المرأة بيد وليٍّ، فالخطاب للأولياء، فالمشرك لو أعجبكم ونال إعجابكم بماله وغيره فلا يجوز لكم لكن إنكاحه مُوَلِّيتكم. ثم بيَّن عز وجل وجه هذه الخيرية فقال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ الضمير يعود على المشركين والمشركات، ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وربما تكون في ظاهرها خيرًا لنا -أذلهم الله ولعنهم (...) يبثون الدعوة إلى دينهم وشركهم بكل ما يستطيعون بالمال والقول والعمل حتى إننا نسمع أنهم يبنون المدارس ويبنون المستشفيات ويعالجون المريض حتى يشفى؛ لاستمالتنا إلى دينهم، ولا يزالون يدعون إلى يومنا هذا إلى دين النصارى لكن والحمد لله ليس لها قبول. (...) كلام الذي يقولونه في إذاعاتهم (...) ثم يرسلونها على عنوان بعض المؤسسات (...) خبرة وبحثًا عن أحوال المسلمين (...) ما يدري إلا وقد جاءه شريط (...) والحمد لله أنهم يبوؤون بالفشل في كل ما يدعون إليه مهما دعوا إنما يدعون إلى النار ولّا من أسباب دخول الجنة؟ ولم لا يقال في أعمالهم الخيرية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥] لأن هذه الأعمال الخيرية لا تنفعهم، لا تنفعهم شيئًا، ويقبلها الله هي نفسها أن تكون من مسلم، قال الله تعالى في الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] إذن هل في ذلك خير ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لماذا؟ لأن أعمالهم دعوة إلى النار، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال ٣٦] فعلى شباب المسلمين أن ينتبهوا لهذه النقطة وهي نشاط المبشرين في دعوتهم لدينهم بوجوه الإنفاق، فيخبر الله عنهم أنهم إنما ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله، فهدف نفقاتهم حرب الرحمن وعداؤه، فعلينا أن ننتبه لهذا وألا نغتر بهم وبأعمالهم، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ دعوة إلى النار، ودعوة إلى الجنة والمغفرة، ومع ذلك نجد أن المسألة ليس فيها تقابل، وإلا لو كان فيها تقابل لقال: أولئك يدعون إلى النار والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة، لكنه عدل عن دعوة المؤمن إلى دعوة الله؛ لأن المؤمن يكون منه تقصير في الدعوة إلى جنة الله ومغفرته، لكن الله عز وجل دعا إلى الجنة والمغفرة، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله ازداد دعوةً إلى جنة الله ومغفرته، وهنا يقول: ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ الجنة جزاء الأعمال الصالحة، والمغفرة جزاء الأعمال السيئة إذا استغفر الإنسان منها، وذلك لأن الإنسان في عمله دائر بين أمرين: إما عمل صالح محض هذا يكون سببًا لدخول الجنة، وإما عمل غير صالح لكنه يتاب منه، فهذه دعوة إلى المغفرة. وقوله عز وجل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ ينقسم إذن الله عز وجل إلى إذن شرعي وإذن كوني، فإذنه سبحانه إذا ما تعلق بالمخلوقات والتقديرات فهو إذن كوني، وما تعلق بالتشريعات فهو إذن شرعي، وإذنه في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥] ما تقولون في الإذن؟ هل هو شرعي ولا كوني؟ إذن كوني، يعني يأذن الله فيشفع، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذا شرعي. وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩] الإذن هنا كوني ولّا شرعي؟ طيب نشوف الاستفهام هنا للإنكار ولا للتقرير؟ للإنكار والتوبيخ، فيكون إذنُ الله عز وجل لهؤلاء كونًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ثابت ولّا غير ثابت؟ * الطالب: ثابت. * الشيخ: ثابت، لكن إذنه لهم شرعًا غير (...) هنا الآية اللي معنا ﴿يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أترونها إذنًا شرعيًّا أم إذنًا كونيًّا؟ * طالب: شرعيًّا. * الشيخ: أو كلاهما؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: أو شرعي؟ أو كوني؟ * الطلبة: كلاهما. * الشيخ: الصبي إذا سألته عن شيء فهو على الأخير، تقول له مثلًا: اليوم السبت ولّا الأحد؟ يقول: الأحد. اليوم الأحد ولّا السبت؟ يقول: السبت. في هذه الآية التي معنا الظاهر والله أعلم أنها تشمل الكوني والشرعي؛ وذلك أن دخول الإنسان فيما يكون سببًا للجنة والمغفرة كوني، وشرْعُ ما يكون سببًا للجنة والمغفرة هذا إذن شرعي. وقوله: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾ يعني يُظهر، ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية وهي العلامة القاطعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧] وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] فالعلامة القاطعة التي تستلزم الاستدلال بها على وجود الله، ﴿يُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾ الآيات تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية، وكلاهما قد بينها الله عز وجل، فبيَّن لعباده الآيات الشرعية وبيَّن أيضًا الآيات الكونية، فلم يبق شيء يحتاج الناس إليه في أمور دينهم ولا في أمور دنياهم إلا بينه، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩] وقال أبو ذر: «لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وما طائرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ في السماءِ إلَّا وهُو يُذَكِّرُنا منه عِلمًا »[[أخرجه البزار في المسند (٣٨٩٧) من حديث أبي ذر بنحوه.]]. وقد يشكل على بعض الناس قد يخفى عليه بعض الآيات الشرعية، لا يتبين له فيها وجه الشرع، ثم يتبين له بعد ذلك، فمما نأخذه من الآية أنه إذا ما تبين الحكم الشرعي لشخص من الأشخاص لا يعني أن الحكم الشرعي في حد ذاته كان مخفيًّا، إنه قد يخفى على الإنسان إما لقلة علمه أو قصور فهمه أو تقصيره في طلب الحق، هذه أسباب ثلاثة توجب الخفاء: إما لقلة علمه، وإما لـأنه ناقص الفهم في أشياء كثيرة، وإما تجده ما يهتم ترد عليه المسألة مشكلة يقول: هذه أتوقف فيها ولا أبحث، لكن الحق في حد ذاته قد بينه الله تعالى بيانًا كاملًا، وطرق البيان في الآيات الشرعية كثيرة، منها عمومية اللفظ وشموله، وإما بدخولها في عمومه إذا اتفقا في العلة فقد شملهما المعنى فيشملهما الحكم. إذن لا نقص فيه، وانظر إلى قول الله عز وجل في آيات المواريث قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]. والآيات الكونية هي ما يتعلق بالمخلوقات، وهي آية من آيات الله عز وجل، آية على أي شيء؟ على العلم ولَّا على القدرة؟ على كل هذا، مثلًا اختلاف الليل والنهار من آيات الله الدالة على أيش؟ * الطلبة: على القدرة. * الشيخ: على القدرة والعلم والرحمة والسلطان؛ لأن كونها دالة على القدرة واضح، فإن أحدًا من الناس لا يستطيع أن يقدم طلوع الشمس ولا أن يؤخرها له، ولكن خالقها الذي أمرها أن تسير بإذنه دليل على علمه بها وقدرته عليها، فما من مفعول إلا وهو مسبوق بالعلم والقدرة، هب لو أنك صنعت ثوبًا فأنت لا تخيطه إلا وأنت عالم كيف تخيطه وكذلك قادر على خياطته وإلا ما يمكن أن تخيطه، فكذا لا يمكن أن يكون اختلاف الليل والنهار إلا عن علم الله وقدرته التي يختلف بها الليل والنهار، وهو كدليل على سلطانه آية على سلطانه؛ لأن اختلاف الليل والنهار يشمل الاختلاف الحسي والمعنوي (...) والحسي هو الذي قال الله فيه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] يغني فقيرًا ويفقر غنيًّا ويهدي ضالًّا ويضل مهتديًا. الحاصل أن الآيات الكونية آية على خالقها عز وجل (...) كأن تقول: على القدرة أو الرحمة أو ما أشبه ذلك لا، تقول: هي آية على كل معنى يناسب تلك الآية فيختلف بحسب الآيات. هل بيَّن الله لنا الآيات الكونية؟ بيَّن الله عز وجل وأيش سبب طول النهار (...) بيَّن لنا أن ذلك بقدرته: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] ثم إذا كان هناك سبب حسي أو إذا كان هناك (...) أن الإنسان يدرس علم الفلك ليستفيد، ليستفيد مما (...) الآيات الشرعية مبينة والآيات الكونية مبينة، ولكن سؤالي الآن: هل بيان الآيات الشرعية أبلغ وأدق أو بيان الآيات الكونية؟ الأول الآيات الشرعية أبلغ وأدق وأشمل؛ لأن الإنسان في أمس الحاجة إليها حاجة ضرورية عليها مدار سعادته في الدنيا والآخرة، ولهذا بيَّن الله عز وجل لعباده من الآيات الشرعية حتى آداب الجلوس والاستئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة ١١] بيَّن الله حتى هذا الأمر، وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: «إنَّ نبيَّكم علمكم كلَّ شيءٍ حتى علَّمَكم كيفَ تأتونَ الخلاءَ. قال: نعم، وألا نستنجي برجيع أو عظم »[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧) من حديث سلمان الفارسي.]] (...) بيان الرسول صلى لله عليه وسلم من بيان الله؛ لأنه ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] بيان الوحي للآيات الشرعية هو أشمل من البيان للآيات الكونية، الآيات الكونية تأتي على سبيل العموم، بخلاف الشرعية؛ لأن الشرع لا بد أن يتلقى من الوحي (...) ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة ٢٤٢] إذا آمنت بهذه الجملة فإنه قد يعرض لك مسألة لا تجدها في كلام الفقهاء ولا في كلام المحدثين، وعندما تتأمل القرآن تجدها واضحة صريحة، أو عندما تتأمل السنة تجدها واضحة مبينة فيها، وهذا شيء معلوم، ولهذا أحثكم أنتم طلبة العلم على أن يكون دأبكم في الوصول إلى غائص المسائل الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا حرج أن نستعين بكلام أهل العلم؛ لأن اعتماد الإنسان على نفسه في فهم الكتاب والسنة قد يحصل فيه خلل كثير، فلا بد أن يعرف القواعد التي قعَّدها السلف من الصحابة والتابعين مستنبطين لها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. * طالب: (...). * الشيخ: نحن عندما نتكلم نتكلم عن بيانها في حد ذاته، أما كونها تعمى أو تُعَمَّى على بعض الناس هذا وارد، فإن الكفار قد يطَّلعون من الآيات الكونية على ما لا يطلعه المسلمون لكنها لا تنفعهم؛ لأنهم لا يستدلون بها على رحمة الله أو على وجوده، إنما نحن إذا تكلمنا فإنما نتكلم على أيش؟ الآيات الشرعية من حيث هي آيات بقطع النظر عن الممتثل بها، ولهذا الآن نحن جميعًا نعرف أن بعضنا يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ما لا يفهمه الآخر، ويقال: إن الإمام الشافعي رحمه الله استضاف الإمام أحمد ليلة من الليالي، فلما قدَّم إليه العشاء أكله كله (...). * طالب: (...) * الشيخ: عمر أراد أن يمنع منه سياسة ولكنه لم يمنع منه حكمًا شرعيًّا، هو اجتهاد منه لكنه هو غير موفق فيه، فهو نفسه رضي الله عنه ما استدل بدليل، وإنما خشي على من تزوج بكتابيات خشي عليه هو فقط. * الطالب: الخشية موجودة الآن؟ * الشيخ: هذه لولي الأمر إذا رأى أن السياسة تمنع من التزوج فله المنع مثل ما يوجد عندنا الآن في الحكومة السعودية وفقها الله تمنع من التزوج بالأجانب إلا بشروط ترضاها وتوافق عليها، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع الناس من التزوج بالأجانب حتى ولو كن مسلمات لأمر يتعلق بمصالح البلد فله أن يفعل ذلك؛ لأن ولي الأمر إذا قلنا: إنك ما تفعل إلا شيئًا ما تأمر إلا بمأمور به ولا تنهى إلا عن منهي عنه بقيت سلطته عديمة التأثير، فلا بد أن يكون لولي الأمر شيء من النظر يمنع فيما يرى أن الحق في منعه أو يبيح ما يرى أن الحق في إباحته إذا لم يتعارض مع النص. * طالب: شيخ، فإذا تقدمت المصلحة في نظام الحكم الشرعي؟ (...) * الشيخ: لا، الحكم الشرعي الإباحة، فلولي الأمر أن يمنع إذا رأى أن المصلحة في المنع مثل ما أبيحت الرجعة في الطلقات الثلاث في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ورأى عمر أن المصلحة تقتضي المنع فمنع، فالمصلحة التي رآها رأى الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة وأن الواحد منهم بدأ كلما غضب أدنى غضبة على زوجته بتَّ طلاقها، فرأى رضي الله عنه أن يمنع من مراجعتها في هذه الحالة، فهذه ترجع إلى اجتهاد الحاكم وهو فيما بينه وبين الله إذا كان يريد الحق فهو مأجور سواء أصاب أم لم يصب، وإذا كان يريد شيئًا آخر فربه يحاسبه. * طالب: إن الله سبحانه وتعالى علل في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ومع أن هذه العلة موجودة في أهل الكتاب؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ما وجهه؟ * الشيخ: وجهه أن أهل الكتاب فيه مصلحة أخرى تقابل هذه العلة، وهي أن ما عند المرأة من العلم الذي قد يدعوها إلى الإسلام أكثر وأكبر من الجهل الذي قد تستمر فيه على الشرك. * طالب: نقول: إن أهل الكتاب عندهم شرك، كيف نخرجهم من تحت المشركين؟ * الشيخ: لأن الله أخرجهم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة ٥]. * الطالب: يعني نقول: إن الآية هذه الآية آية المائدة ناسخة لآية البقرة؟ * الشيخ: مخصصة، هذا إذا قلنا: إن الآية التي معنا عامة مع أن بعض العلماء يقول: المراد بها المشركون ويدخل فيها أهل الكتاب من الأصل، أو ما دخلوا فيها فتكون عامًّا أريد به الخصوص. في هذه الآية الكريمة: تحريم نكاح المشركات على المؤمنين، من أين نأخذها؟ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. وفيها: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، منين؟ لقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح ومتى انتفى انتفى النكاح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوج ولي نفسه، من أين تؤخذ؟ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ فوجه الخطاب للزوج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن خير من المشرك ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجبه، لقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة ١٠٠] فلا تغتر بالكثرة، ولا تغتر بالمهارة، ولا بالجودة، ولا بالفصاحة، ولا بغير ذلك، ارجع إلى الأوصاف الشرعية التي عُلِّقت بها الصفات المحمودة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضل الناس في أحوالهم وأنهم ليسوا على حد سواء، لقوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ وفيه رد واضح على الذين قالوا أو على الذين أطلقوا أن دين الإسلام دين مساواة، كيف ذلك؟ لأن التفضيل ينافي المساواة، والعجيب أنه لم يأت في الإسلام لا في الكتاب ولا في السنة لفظ المساواة بها أبدًا، ولا أن الله أمر بها ولا رغَّب فيها؛ لأنه ما هي صحيحة، إذا قلت بالمساواة دخل الفاسق والعدل والكافر والمؤمن والذكر والأنثى، وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ أن يجعلوا دين الإسلام دين مساواة ما فيه فرق، لكن جاء الإسلام بكلمة هي خير من تلك الكلمة وليس فيها احتمال أبدًا، وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل ٩٠] كلمة (العدل) تقتضي أن نسوي بين الاثنين حيث اتفقا في الصفات المقتضية للتسوية، وأن نفرق بينهما حيث اختلفا في الصفات المقتضية للتفريق أليس كذلك؟ أكثر ما يوجد في القرآن نفي المساواة في هذا الباب: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد ١٦] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ٩٥]،﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠] وآيات كثيرة في هذا النوع ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود ٢٤] وما أشبهها، والحاصل أن هذه الكلمة أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين، وأكثر المسلمين ولا سيما ذوي الثقافة العامة ليس عندهم تحقيق وتدقيق في الأمور وتمييز بين العبارات، ولهذا تجدهم يرون هذه الكلمة كلمة نور تُحمل على الرؤوس: الإسلام دين المساواة، نقول: كذبتم، الإسلام دين العدل، وأْتُوا لنا بحرف من كتاب الله أو من سنة رسوله يأمر بالتسوية أبدًا، لكن القرآن كله عدل يأمر بالعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠] ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء ١٨٢] وما أشبه ذلك، فهذه الكلمة وغيرها الكثير يجب أن نتنبه لها. * طالب: يا شيخ، بعضهم قيدها قال: المساواة في الحقوق والواجبات، فهل هذا صحيح؟ * الشيخ: حتى هذا غلط ما هو صحيح، من لا مال عنده هل يساوي من عنده مال في الزكاة؟ ومَن ماله مليون هل هو مثل مَن ماله ألف؟ لأ واللي يقدر يصلي قائم مثل اللي ما يقدر؟ (...)

البقرة 2:222

قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ هذه الجملة معطوفة على الجمل السابقة التي وقعت فيها الأسئلة من أصحاب النبي ﷺ، بخلاف أسئلة اليهود لنبيهم موسى عليه السلام حينما أمرهم أن يذبحوا بقرة، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة ٦٨] إلى أن قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. أما الصحابة رضي الله عنهم فإنما يسألون النبي ﷺ عن الأحكام من أجل أن يقوموا بما يكون الجواب موجبًا له. قوله: ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾ كلمة المحيض تصلح أن تكون مصدرًا ميميًّا فتكون بمعنى الحيض، وتصلح أن تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض، أو اسم زمان فيكون المراد به زمان الحيض، ولننظر أي هذه الاحتمالات أولى بسياق الآية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ هذا الجواب، ﴿هُوَ﴾ أي المحيض ﴿أَذًى﴾ وهذا يرجح الاحتمال الأول أن المحيض مصدر ميمي، يعني يسألونك عن الحيض ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أذى لمن؟ للزوج أو للزوجة أو لهما معًا؟ أثبت الطب أنه أذى لهما معًا، وأنه يحصل فيه ضرر على الزوج كما أن فيه ضررًا على المرأة، ولهذا قال: ﴿هُوَ أَذًى﴾ والأذى يطلق على الشيء المكروه والشيء المستقذر وهو كذلك. ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ الفاء هنا للتفريع، أو للسببية، أي فيتفرع على كونه أذى توجيهُ الأمر إليكم باعتزال النساء، أو فبسبب كونه أذى اعتزلوا النساء في المحيض، وقوله: ﴿اعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ أي الحائضات؛ لقوله: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ والمراد بالمحيض هنا مكانُ الحيض وزمانُه، أي اعتزلوا النساء فلا تجامعوهن في فروجهن لأنه مكان الحيض، ولا زمن الحيض لأنه وقت الحيض، فيكون المحيض هنا ظرف زمان وظرف مكان، اعتزلوا النساء في المحيض، وقوله: ﴿اعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ بأي شيء؟ لا شك أن المراد به الجماع وليس المراد به أن نعتزلهن في المؤاكلة والمشاربة والمساكنة لا؛ لأن الذي تعلق به التحريم وهو مكان الحيض أو زمانه إنما يُنتفع به بماذا؟ بالوطء بالجماع، فالمعنى: اعتزلوهن في الجماع. ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ﴿لَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أي النساء في المحيض حتى يطهرن، وفي قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ دليل على أنه يجب اجتناب الجماع وما حوله، وعلى هذا فلا يحل للرجل من زوجته إذا كانت حائضًا إلا ما فوق الإزار، وأما ما دونه فلا يحل؛ لأن الله يقول: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم كما سنبين إن شاء الله في الفوائد. وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ في قراءة: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وهذه القراءة تناسب الجملة التالية ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ ، وأما على قراءة ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فالمراد بها: حتى يَطْهُرن من الحيض، فالقراءتان إذن: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ أي يغتسلن كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] فالِاطِّهار بمعنى الاغتسال، وأما ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فالمعنى: يَطْهُرن من الحيض، يقال: طَهُرت المرأة من حيضها أي انقطع، فعلامة الطهر للمرأة هو القَصة البيضاء بأن لا تتغير القطنة إذا احتشت بها، يعني إذا دخلت القطنة في الفرج وخرجت بيضاء فهذا هو علامة الطهر، وهذا هو الغالب في النساء أن الطهر هو البياض، لكن بعض النساء لا يرى ذلك، تعرف الطهر بانقطاع الحيض فقط ولا ترى القصة البيضاء، وعلى هذا فيكون الآية الكريمة دالة على منع إتيان المرأة حتى تطهر من الحيض ويكون الطهر بحسب ما يكون من حال المرأة، والغالب أن الطهر هو القصة البيضاء. وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ هل المراد بالتطهر الاغتسال أو المراد بالتطهر تطهير المحل من الدم وإن لم تغتسل؟ * طالب: الأول. * الشيخ: ذهب بعض العلماء إلى أن المراد حتى يغسلن دم الحيض، ولكن جمهور أهل العلم على أن المراد ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن، وقالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] وليس المراد بقوله: ﴿اطَّهَّرُوا﴾ اغسلوا أثر الجنابة، بل المراد اغتسلوا، وعليه فيكون قوله: ﴿إِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني اغتسلن. على قراءة: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ لا فرق بين الجملتين، لكن على قراءة: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإن ظاهر الآية الكريمة ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أنه إذا طهرت المرأة فليس جماعها كجماعها قبل الطهر وإن كان ممنوعًا، لكن ليس كجماعها؟ * الطلبة: قبل الطهر. * الشيخ: وهو كذلك، فإن جماعها بعد الطهر وقبل الاغتسال لا يوجب الكفارة على القول بوجوبها، وأيضًا فإنه يبيح لها الصيام إذا طَهُرت ولم تَطَهَّر أبيح لها الصيام، وأيضًا فإنه يباح لها يباح الطلاق؛ لأنها الآن طاهرة فتكون مطلقة للعدة، فتبيَّن أن هناك فرقًا في الأحكام بين الطهر والتطهر. وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الفاء رابطة للجواب جواب الشرط وهو قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أي جامعوهن، كُنِّي بالإتيان عن المجامعة. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قيل: إن (من) بمعنى (في)، أي فَأْتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه وهو الفرج، وقيل: (من) للابتداء فهي على بابها، أي فَأْتوهن من هذه الطريق، من هذه الطريق من حيث أمركم الله، وما الذي أمرنا الله به؟ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أمرنا الله أن نطأهن في الفروج لقوله في الآية التي بعدها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والحرث هو موضع الزرع، وموضع الزرع هو القُبُل، فيكون معنى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي من قُبُلهن وليس من الدبر، وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ولم يبين الجهة التي نأتي بها المرأة من حيث أمرنا الله، ولهذا يجوز للإنسان أن يجامع زوجته مقبلة ومدبرة، يعني من قدام ومن خلف لكن في صمام واحد أي في الفرج، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وقد ذهب ابن حزم رحمه الله إلى أنه يجب على المرء كلما طهرت زوجته أن يجامعها؛ لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ والأصل في الأمر الوجوب. * طالب: الوجوب والفورية. * الشيخ: إي نعم، ولكن الجمهور خالفوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بيان ذلك في الفوائد. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ هذا تعليل لما سبق من الأوامر وهي: اعتزال النساء في المحيض، وإتيانهن من حيث أمر الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ يحب التوابين أي يُثيبهم على توبتهم. * طالب: .(...) * الشيخ: لا، كيف؟ اللي يقولها الآن معلمكم، معلمكم يقول: يحب أي يُثيب التوابين على توبتهم. * طالب: أوَّل المعلم، فما نستطيع؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: المعلم أوَّل. * طلبة: تأويل. * الشيخ: إي يعني معناه يجب أن نرد على معلمنا إذا أخطأ إذن ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ المحبة صفة غير الثواب، الثواب من آثار المحبة ولوازمها، والمحبة صفة في ذات الله عز وجل، وهي محبة حقيقية لائقة بجلال الله وعظمته، غير مشبهة لمحبة المخلوق للمخلوق، هذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد مر البحث في هذا كثيرًا، وبينا أن من أهل العلم بل من المسلمين من حرَّف هذا المعنى وقال: إن معنى (يحب) أي يثيب، ولكن هذا ليس بصحيح. وقوله: ﴿التَّوَّابِينَ﴾ التواب على وزن فَعَّال، ووزن (فعَّال) تأتي للمبالغة أي للكثرة، وتأتي للنسبة ولو لم يكن إلا مرة، فما المراد به هنا؟ ﴿التَّوَّابِينَ﴾ الكثير التوبة، أو ﴿التَّوَّابِينَ﴾ المنتسبين للتوبة ولو مرة واحدة؟ * طالب: يشمل هذا وذاك. * الشيخ: الظاهر أنه يشمل، يشمل هذا وهذا، ولا ينبغي أن نحملها على النسبة فقط؛ لأننا لو حملناها على النسبة فقط لكان من عصى ثم تاب وعصى ثم تاب وعصى ثم تاب غير محبوب عند الله، والله عز وجل يقول: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ حتى الذي يُكثر من الذنب ويُعقبه بتوبة فإن الله سبحانه وتعالى يحبه، ولهذا ليس من شرط التوبة ألا يعود إلى الذنب، هذا ليس من شرطه، شرط التوبة أن يعزم على ألا يعود، فإن عاد وسولت له نفسه بالعودة فإنه يتوب الله عليه إذا تاب، إذن الرب عز وجل يحب التوابين. ومن هم التوابون؟ التوابون كثيرو التوبة، والتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وقد سبق لنا أن شروطها خمسة؟ * طالب: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فعل، وألا يعود إلى الذنب. * الشيخ: وألا يعود أو وأن يعزم ألا يعود؟ * الطالب: وأن يعزم ألا يعود إلى الذنب، أعرف منها ثلاثة. * طالب آخر: وإن كانت حقوق يرد الحقوق والمظالم إلى أهلها. * الشيخ: لا، هذه داخلة في الإقلاع. * طالب: أن تكون قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها. * الشيخ: أن تكون في زمن القبول. * الطالب: في زمن القبول وقبل طلوع الشمس. * الشيخ: في زمن القبول يدخل هذا وهذا، في واحد بعد بقي عليه؟ * طالب: الإخلاص. * الشيخ: الإخلاص لله، فشروط التوبة إذن خمسة: الإخلاص لله، والندم على الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على ألا يعود، وأن تكون التوبة في وقت القبول أو في زمن القبول، أما الأول فشرط التوبة الإخلاص لأن التوبة من أجَلِّ العبادات، والعبادات من شرطها الإخلاص، فلو تاب الإنسان من ذنبه مراعاةً لشعور أحد من الناس أو مُراءاة للناس فإن توبته لا تقبل، وإذا لم يندم على ما مضى من الذنب وصار فِعْل الذنب وعدمه سواء فإنها لا تقبل توبته لأنه ما صدق في رجوعه، الراجع الصادق هو الذي يندم يقول: ليتني ما فعلت، وإذا لم يقلع فليس بصادق، بل هو إلى الاستهزاء أقرب منه إلى التوبة، رجل يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من الغيبة، يا فلان ما شفت فلان هذا السيئ الخلق. تاب ولَّا لا؟ * طالب: ما تاب. * الشيخ: ما تاب، واحد يقول: اللهم إني أتوب إليك من أكل الربا، تعال يا ولد خذ مئة بمئة وعشرين، تائب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: هذا ما تاب. واحد يقول: اللهم إني أتوب إليك من حقوق الناس، وهو عند القاضي يدَّعي ما ليس له وينكر ما عليه، تائب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما هو تائب، ليس بتائب، التوبة الرجوع، هذا ما رجع. الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، فإن لم يعزم فليس بصادق في توبته، فكأنه بيقول: ما أنا بعائد، لكن في نفسه أنه لو سنحت الفرصة لفعل الذنب، فهذا ليس بتائب. الخامس: أن تكون في زمن القبول وهو: أن تكون قبل حضور الأجل، فإن كان بعد حضور الأجل وانقطاع الأمل فإنها لا تقبل، كقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] ما ينفع بعد ما شاهد العذاب ما تنفع، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥] ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] ماذا قيل له؟ ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١] ما ينفع ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] هذه ليست توبة، كذلك أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لا تنفع التوبة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] فسر النبي عليه الصلاة والسلام بعض آيات الله بأنها طلوع الشمس من مغربها، وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية. ]] هذه شروط التوبة. وهل يشترط للتوبة أن يقلع عن جميع الذنوب؟ أو تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ نشوف الآن الشروط اللي معنا، هل من الشروط ألا يصر على ذنب؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، إذن تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، ولكن هذا التائب لا يستحق الوصف المطلق للتائبين؛ لأن الذي عنده مطلق توبة لا توبة مطلقة فلا يستحق الوصف المطلق للتائبين ولا المدح والثناء للتائبين، وقال بعض أهل العلم: إنها لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره من جنسه، أفهمتم؟ فمثلًا لو تاب من النظر المحرم لكنه يتكلم الكلام المحرم مع النساء تقبل توبته؟ قال بعض العلماء: لا تقبل لأن الجنس واحد، وكذلك لو تاب من الزنا زنا الفرج وهو مصر على زنا العين واليد والرجل واللسان فإنها لا تقبل لأن الجنس واحد، ولكن الجمهور على أن ذلك ليس بشرط، وأنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ولو من جنسه. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ التوبة تطهير القلب، و﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ تطهير الأبدان، يحب الذين يتطهرون من الأنجاس والأرجاس، ومن ذلك المتجنبون لوطء الحائض، المتجنبون لوطء الحائض لأنهم أيش؟ متطهرون في الواقع، فالله تبارك وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين. ثم قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ يعني زوجاتكم ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي موضع حرث لكم كما تكون الأرض حرثًا للزارع يبث فيها الحب فيخرج الحب وينمو ويُنتفع به، كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق فينزرع في الرحم حتى ينمو ويخرج بشرًا سويًّا، فالنساء حرث للرجال، ولهذا قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الفاء هذه للسببية أو للتفريع ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والمراد بالحرث هنا أيش؟ موضع الحرث وهو الفرج، ائتوه ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (أنَّى) بمعنى حيث فهي ظرف مكان بمعنى ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم: من جهة القُبُل يعني الأمام، من جهة الخلف، من جهة الجنب، من أي جهة، المهم أن يكون الإتيان في الحرث، وقد زعمت اليهود أن الرجل إذا أتى المرأة من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحول، وكذبوا في ذلك، وقد أنزل الله تكذيبهم في هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وسيأتي إن شاء الله الفوائد على هذه الجمل فوائد كثيرة. قال: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ وأيش نقدم؟ نقدم الطاعات وما ينفعنا عند الله عز وجل، وإنما قال: ﴿قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ حتى لا ننشغل بهؤلاء النساء عن تقديم ما ينفعنا يوم القيامة ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ومن التقديم للنفس أن يبتغي الإنسان بالجماع تحصين فرجه وتحصين فرج امرأته، وطلب الولد الصالح، والتسمية عند الجماع وما أشبه ذلك مما يقارن الجماع من الأعمال الصالحة بالنية، مثلًا الإنسان قد يجامع زوجته لكن من الناس من يريد مجرد قضاء الوطر فقط هذا لا شك أنه مفيد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يا رسولَ اللهِ، أَيَأْتي أحدُنا شهوتَه وَيكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]] ولكن أفيد من ذلك ما أشار الله إليه في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بماذا؟ * طالب: بالعمل الصالح. * الشيخ: بالنية في العمل الصالح الذي يترتب على النية، فينوي الإنسان مثلًا بجِماعِه هذا قضاء الوطر والتمتع بما أباح الله له، والاستغناء به عما حرم الله، ثانيًا: ينوي بذلك تحصين فرجه وفرج امرأته؛ لأنه لا شك أن هذا فيه تحصين الفرج؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنِ امْرَأَةٍ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا مَعَهَا -يَعْنِي مَعَ أَهْلِهِ- مِثْلُ الَّذِي مَعَهَا»[[أخرجه الترمذي (١١٥٨) من حديث جابر بن عبد الله.]] إذن فالجماع مُحصِّن للفرج، وإلا لكان النفس تتعلق بهذا الذي رأته ثم تحصل الفتنة. ثالثًا: ينوي بجماعه أن يرزقه الله تعالى ولدًا صالحًا، وما أفضل الولد إذا وُفِّق الإنسان لولد صالح ينفعه في حياته وبعد مماته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]. رابعًا: أن يفعل ما ينبغي أن يُفعل حال الجماع مثل التسمية عند الجماع فيقول: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَينَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١) ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس.]] كل هذا داخل تحت قوله تبارك تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الله أكبر، لما أمر بالتقديم لأنفسنا أمرنا أن نجتنب ما حرم الله علينا فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وهذا يشمل كل ما يتعلق بالمرأة في مسألة الجماع مما يخالف شريعة الله مثل أن يجامعها في الدبر مثلًا، فإن هذا ليس من تقوى الله عز وجل، بل هو من معصيته. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ شوف ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذا تنبيه للإنسان أن يعلم فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] استمِع للمثل، هنا قال: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ تنبيه؛ لأن تعلم أنك ملاقي الله عز وجل، ﴿أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، هذا اللقاء لقاء حقيقي ولَّا المراد ﴿مُلَاقُوهُ﴾ أي ملاقو ثوابه أو عقابه؟ الأول، لقاء حقيقي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤٣) ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم.]] كل إنسان سوف يلاقي الله عز وجل فاستعِد لهذه الملاقاة، انظر ماذا أعددت لها، وهذه الملاقاة ليست والله ببعيدة ما أقربها، مهما طال بك الزمن فإنه قريب ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦] فما أسرع هذه الملاقاة التي ستكون بينك وبين ربك يكلمك عز وجل مكالمة منه إليك ليس بينك وبينه ترجمان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ -عَلَى شِمَالِهِ- فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[أخرجه البخاري (٧٥١٢) من حديث عدي بن حاتم.]] وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ هل يشمل ذلك النظر إلى وجه الله الكريم؟ نعم ربما يشمله، ربما يشمله كما استدل به بعض أهل العلم، أو استدل بها بعض أهل العلم على ثبوت رؤية الله عز وجل في الآخرة. ثم قال لما حذر هذا التحذير العظيم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ لو كانت قلوبنا حية لكان لهذه الكلمة وقْعٌ في نفوسنا؛ لأنها من كلام الله عز وجل مصدرة بـ (اعلموا) لكن والله القلوب ميتة والشكوى إلى الله عز وجل، لما جاء بهذه الجملة العظيمة المنذرة المخيفة قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الحمد لله، ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذه الملاقاة ملاقاة خير، وهنا قال: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذكر المبشَّر به حتى يكون عامًّا لكل ما فيه بشارة في الدنيا وفي الآخرة، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٢ - ٦٤] ولهذا قال هنا: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذكر وقت البشارة ولا مكانها ولا نوعها، إذن فهي بشارة عامة شاملة، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) عن أبي ذر.]] فأنت بشِّر كل مؤمن بكل خير، حتى في ملاقاة الله عز وجل بشِّرْه؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا قرر المؤمن بذنوبه ماذا يقول له؟ يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] حساب يسير آخره هذه البشارة العظيمة «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». * طالب: لها سبب نزول يا شيخ الآية آخر؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: هي ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم﴾ [البقرة ٢٢٣]. * الشيخ: إي ذكرناها قبل قليل، قصة اليهود الذين قالوا: إذا أتى الإنسان امرأته من دبرها في قبلها صار الولد أحول، فقال الله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. * الطالب: فيه بعض المفسرين قالوا: إن المهاجرين كانوا يفعلون كذا والأنصار لأ؟ * الشيخ: داخلة في هذا أقول: داخلة في هذا. يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ فقال بعضهم: المعنى لا تُكثروا الحلف إذا كنتم تريدون البر والتقوى والإصلاح، لا تُكثروا الحلف بالله، فلا تجعلوا الله تعالى معروضًا في أيمانكم دائمًا، ولا شك أن هذا منهي عنه، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر الحلف بالله، بل يجب أن يكون في قلبه من تعظيم الله عز وجل ما يمنعه أن يجعله عرضة في كل شيء، يعترض أو يعرض الله عز وجل في كل شيء. وقال بعض المفسرين: لا تجعلوا الله مانعًا لأيمانكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ﴿لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ يعني عرضة مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح، وهذا المعنى أقرب من الأول وإن كان الأول معنى محتملًا لكن هذا أقرب ويؤيده قول النبي ﷺ: «إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا تَحَلَّلْتُ مِنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٣٣) ومسلم (١٦٤٩ / ٧) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢ / ١٩) من حديث عبد الرحمن بن سمرة. ]] وعلى هذا يكون معنى الآية: لا تجعلوا الأيمان مانعًا لكم من البر، ويكون قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ يكون مؤولًا بمصدر منصوب بنزع الخافض أي: عرضة عن بِرِّكم، وقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ هذا إذا حلف على ترك الواجب، نقول: لا تجعل اليمين مانعًا لك من فعل الواجب، ماذا يصنع؟ * طالب: يكفِّر عن يمينه. * الشيخ: يكفِّر عن يمينه ويفعل الواجب، مثل أن قال: والله لا أكلم فلانًا، وفلان مؤمن يحرم هجره، نقول الآن: حلفت وأيش هو عليه؟ * طالب: كفارة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الواجب. * الشيخ: على ترك الواجب، فيجب عليك أن تكفر عن يمينك وأن تكلمه. قال: والله لا أصلي مع الجماعة. صلِّ مع الجماعة يا ولد، صلِّ مع الجماعة. لا والله عنادًا لكم والله ما أصلي مع الجماعة، هذا يمكن يقع من بعض السفهاء، ماذا نقول له؟ صل مع الجماعة، قال: والله أنا حلفت عاد، مضى مني يمين، ماذا نقول له؟ لا تجعل الله عرضة لأيمانك عن البر، قم بالواجب وكفر عن يمينك. وقوله: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ هذا فيما إذا حلف على فعل محرم ما هو على ترك واجب، على فعل محرم، قال: والله لأجحدن مال فلان الذي عليَّ، حلف على أيش؟ * طالب: محرم. * الشيخ: على فعل محرم، وهو جحد الحق الواجب عليه، ماذا نقول له؟ نقول: كفر عن يمينك وأدِّ الحق إلى صاحبه. والله حلفتُ جرى مني يمين إني لأجحده. نقول: هذا يمين لا يعيقك عن التقوى، اتق الله عز وجل وقم بما أوجب الله عليك من إعطاء صاحب الحق حقه. طيب إنسان قال: والله لأضربن فلانًا، هو ما فعل جناية لكن صار في نفسه عليه شيء قال: والله لأضربن فلانًا، صار بينهم خصومة، قال: والله لأضربه، والله ما يروح مني إلا أنا جارح رأسه وداق عنقه، وأيش نقول؟ نقول: يا أخي هذا حرام، اتق الله عز وجل وكفر عن يمينك وأْتِ الذي هو خير، كفر عن يمينك ولا تضرب هذا الرجل أو تدق عنقه أو لا. ولهذا قال أهل العلم: إن الحنث في اليمين تجري فيه الأحكام الخمسة: تارة يكون واجبًا، وتارة يكون حرامًا، وتارة يكون سنة، وتارة يكون مكروهًا، وتارة يكون مباحًا، لكن في قسم المباح حفظ اليمين فيه أولى، حفظ اليمين أولى في المباح. قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أيضًا بعض الناس يصلح بين رجلين فيحصل منهما إساءة عليه، يقول: والله ما عمري أصلح بين الناس أبدًا، لأيش؟ قال: لأن ها دولاأصلحت بينهم ولحقني منهم الضرر، والله يكفيك شر مَن تُحسن إليه. وأيش نقول له؟ * طالب: اتقِ الله وأصلح. * الشيخ: نقول: كفر عن يمينك وأصلح بين عباد الله، قال: أنا جرى مني يمين؟ نقول: هذا اليمين الحمد لله كل شيء يمكن أن يحلل. إن كفر عن اليمين قبل الحنث يسمى أيش؟ يسمى تَحِلَّة، وإن كفر بعد الحنث يسمى كفارة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢] ولهذا جاء في الحديث الذي أشرت إليه قبل قليل: «إِلَّا تَحَلَّلْتُ يَمِينِي -أو قال: عَنْ يَمِينِي- وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[سبق تخريجه.]] وعلى هذا فنقول للذي أقسم ألا يصلح بين الناس: أصلح بين الناس وكفر عن يمينك، أو تحلل من يمينك وأصلح بين الناس. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الجملة هذه لا شك أن فيها نوعًا من التهديد، فإن الإنسان إذا جعل الله عرضة لأيمانه عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس لا شك أنه مستحق للَّوْم وللعقاب، فإن الله نهاه، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لما يقال، عليم بما يُفعل بل بكل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] هذان الاسمان من أسماء الله من الأسماء المتعدية أو اللازمة؟ * طالب: المتعدية. * الشيخ: المتعدية، إذن لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط، الأول: أن يؤمن بأنها اسم من أسماء الله دالة على ذات الله عز وجل. ثانيًا: يعتقد أنها دالة على صفة من صفات الله متضمنة لذلك. والثالث: أن يؤمن بما يترتب عليها من الحُكْم والآثار. فـ﴿سَمِيعٌ﴾ أي ذو سمع يسمع به، ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم يعلم به، والغرض أو الحكمة من ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: التحذير من مخالفة الإنسان ربه، فإنه إذا خالف الله فالله سميع عليم. * طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، الفائدة الأولى، فوائد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية. * الفائدة الأولى: أن لفظ الإيمان أخص من لفظ التوحيد، لقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ولقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ولم يقل: ولا تنكحوا المشركات حتى يوحدن، ولم يقل: ولا تُنكحوا المشركين حتى يوحدوا. الفائدة الثانية.. إذن الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين: إثبات أن إجابة دعوة الله عز وجل إنما تكون بإذنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٢١]. السادسة والعشرون: إثبات الإذن لله، وليس المراد بالإذن ما يقوم به السمع، المراد بالإذن الأمْر؛ لقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، وقد بيَّنا في التفسير أن إذن الله عز وجل ينقسم إلى ثلاثة أقسام. * طالب: ينقسم إلى قسمين. * الشيخ: إلى ثلاثة. * طالب: قسمين. * الشيخ: مصمم؟ إلى قسمين: إذْن شرعي، وإذْن كوني، وهذه من الفوائد يمكن الإنسان لو يتأمل يجد أكثر من هذا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ما المراد بالمحيض؟ يقال في هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ما قيل فيما قبلها من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾، * فيُستفاد منها: تتابُع أسئلة الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله ﷺ. * ويُستفاد منها: حِرص الصحابة على العلم؛ حيث يسألون رسول الله ﷺ عن مثل هذه الأمور. * ويُستفاد منها: أنه لا ينبغي أن يستحي الإنسان عن سؤال العِلْم مهما كان من الأمور الباطنة؛ لقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾. * ويُستفاد منها أيضًا: أن الله عز وجل قد يتولَّى الإجابة فيما سُئِل عنه رسول الله ﷺ؛ حيث قال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تقديم العِلَّة على الحُكم حتى يرِد الحُكم على الذهن وهو مستعد لقبوله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]. وتقديم العِلَّة على الحكم فيه الفائدة التي أشرنا إليها وهي أن يرد الحكم على الذهن وهو مستعد لقبوله. * ويُستفاد منها: أن المحيض أذى وهو الحيض؛ لأنه قَذَر ونَجِس؛ ولهذا أمَر النبي عليه الصلاة والسلام بغَسْله قليلِه وكثيره، فقد كانت النساء تُصيب ثيابهن الحيض فيسألن النبي ﷺ عن ذلك فيأمرهن أن يَقْرصْنه، تحكُّه أولًا ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب اعتزال المرأة حال الحيض؛ لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وقد بَيَّنت السُّنة ماذا يُعتزل فيه وهو الجماع، لقول النبي ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»[[أخرجه مسلم (٣٠٢ / ١٦) من حديث أنس.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: مِنَّة الله على الرجل والمرأة في اعتزالها حال الحيض؛ لأنه أذى، مضر بالمرأة ومضر بالرجل، الوطء حال الحيض. * ويُستفاد من الآية الكريمة: النهي عن قُرْبانهن حتى يَطْهُرن؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ فإن قلت: كيف يُجمع بين هذه الآية وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»[[سبق تخريجه.]] فإن هذا يقتضي قُرْبانهن؟ قلنا، أو فالجواب أن نقول: إن النهي عن القُرْبان مُبيَّن؛ بأن لا يقرب الإنسان الجماع؛ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان الرجل لا يملك نفسه فإنه لا يَقرب الفرْج، ولا يستمتع بما دون الإزار، وجعلوا ذلك وجهًا للجمع بين جواب النبي ﷺ حين سُئل: ماذا يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: «مَا فَوْقَ الْإِزَارِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٢١٢) من حديث عبد الله بن سعد، و(٢١٣) من حديث معاذ بن جبل واللفظ له.]] وبين قوله: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ».[[سبق تخريجه.]] * ويُستفاد من الآية الكريمة: تحريم الوطء بعد الطُّهر قبل الغُسل؛ لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٢٢]، وفي قراءة أخرى: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ يعني: يغتسلن، وفيه ردٌّ على قول من قال من أهل العلم: إن المراد بذلك غَسْل الفرْج وإزالة الأذى، وأنه يجوز للرجل أن يَطَأ زوجته بعد الطُّهر من حيضها وإن لم تغتسل إذا غسل المحل. الدليل: قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإن معناها: إذا اغتسَلْنَ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] فالاطِّهار والتطهُّر معناه الاغتسال. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب جماع الزوجة بعد طُهرها من الحيض. * طالب: لا يلزم. * طالب آخر: على قول الظاهرية. * طالب آخر: يباح. * الشيخ: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾. نقول: نعم، قال به بعض أهل العلم، قال: إنه يجب على الرجل إذا اغتسلت زوجته من الحيض أن يُجامعها؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا، والصواب أن الأمر فيه لرفع الحَظْر ولا نقول: للإباحة، الصواب أن الأمر بعد النهي لرفع الحَظْر، فهو يرفع الحظر، ثم يُبقي الحكم على ما كان عليه قبل النهي. انتبهوا للفرق بين قولنا: إن الأمر بعد النهي للإباحة، وبين القول بأن الأمر بعد النهي لرفع الحظر، بينهما فرق، إذا قلنا: إن الأمر بعد النهي للإباحة فمعناه أن النهي رَفَعَ الحكم الأول، ألْغَاه، ثم جاء الأمر بعد النهي فأباح المَنْهِيَّ عنه، وأما إذا قلنا: إن الأمر بعد النهي رفع للحظر فقط، فمعناه أنه ارتفع النهي وبَقِي الحكم على ما كان عليه من قبل النهي، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أمرًا بعد الحظر يفيد رُجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، وإتيان المرأة إن لزم منه معاشرتها بالمعروف كان من الأمر المطلوب وإلا فلا. ولا ريب أن النساء يختلفن، فبعض النساء ترغب أن يأتيها الزوج، فيكون إتيانه لها من باب المعاشَرة بالمعروف المطلوبة في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩]. وبعض النساء لا يَهُمُّها ذلك، وبعض النساء ربما تكره ذلك. فالحاصل أن الأمر هُنا رفع للحظر فيُبقِي الأمر على ما كان عليه من قبل الحظر، ونحن نقول لأبي محمد علي بن حزم: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢]؟ هل تُوجِب على المحرم إذا حلَّ من إحرامه أن يحمل البندق لأجل أن يصطاد الصيد؟ سيقول: لا، والأمر في الآية هذه كالأمر في آية المائدة؛ لأن الله قال: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢]، فهو أمْر بعْد النهي، فالحاصل أن الصحيح أنَّ الأمر بعد النهي رفْعٌ للحظر، ورد للأمر على ما كان عليه قبل الحظر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعدَّى حُدود الله، لا زمانًا ولا مكانًا فيما أباح الله له من إتيان أهله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات محبَّة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ والمحبة حقيقيَّة لله عزَّ وجل على الوجه اللائق به، وهكذا جميع ما وصف الله به نفسَه من المحبة والرضا والكراهة والغضَب والسَّخَط وغيرها كلها حقيقة ثابتة لله على الوجه اللائق به. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات أمْر الله عز وجل، وأن أمرَه واجِب الطاعة حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة التوبة، وأنها أمر مطلوب، من أين؟ * الطالب: من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إن كان الله يحب التوابين فهو مطلوب. * الشيخ: فإنه مطلوب من الإنسان أن يفعل ما يحبه الله عز وجل. فإذن * يُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة التوبة، وأنها من أسباب محبة الله للعبد. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن صفة المحبة من صفات الله الفعلية لا الذاتية، كيف؟ لأنها عُلِّقت بالتوبة، والتوبة من فِعْل العبد تتجدَّد، فكذلك محبة الله عز وجل تتعلَّق بأسبابها، وكل صفة من صفات الله تتعلق بأسبابها فهي من الصفات الفعلية. * ويُستفاد من الآية الكريمة: محبَّة الله تعالى للمتطهِّرين لقوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: حُسْن أسلوب القرآن؛ لأنه جَمَعَ في هذه الآية بين التطهُّر المعنويِّ والتطهُّر الحِسِّي، من أين تؤخذ؟ * يُستفاد من الآية حُسن أسلوب القرآن حيث جمع بين التطهر الحِسِّي والمعنوي. * طالب: الطهارة الحسية طهارة البدن (...) والطهارة المعنوية طهارة.. * الشيخ: لا، ما عندي عِلم. * طالب: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. * الشيخ: لا لا. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] من الآية الأخيرة؟ * الشيخ: طيب وين التطهر الظاهر والباطن أو الحسي والمعنوي؟ * الطالب: التوابين هي التوبة الباطنية. * الشيخ: نعم، التوبة الطهارة الباطنية. * الطالب: والمتطهرين.. * الشيخ: الطهارة الحسية؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، صحيح؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: نعم، * ويستفاد من الآية الكريمة: تعْليل الأحكام الشرعية؛ لقوله: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾. * وبناءً على ذلك يُستفاد منها: إثبات حكمة الله عز وجل، وأنه لا يَشْرَع شيئًا إلا لحكمة ولَّا لا؟ لأنه قال: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فإذن ما دام الله علَّل ذلك فمعناه أنه ما شرعه إلا لحكمة، وهذا مُقتضى اسمه تبارك وتعالى: الحكيم. * ويُستفاد من الآية الكريمة فائدة -لننظر فيها- وهي: حِكمة الله تعالى في حيْض المرأة؛ حيث قال بعض الأطباء: إن في ذلك مَصلحة للرجل؛ لأنه يحجزه عن الجماع، وإدامة الجماع ضرر على الإنسان، وفي بيت مشهور بيت حكمة قال: ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ لِلْأَنَامِ ∗∗∗ وَدَاعِيَةُ الصِّحِيحِ إِلَى السِّقَامِ ؎دَوَامُ مُدَامَةٍ وَدَوَامُ وَطْأٍ ∗∗∗ وَإِدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ نعم، واحد متغدي منتنًا بطنه، يِسَيِّل على صديقه، وإذا عنده طعام: لحم وعصب وما أشبه ذلك، ويأكل منها اللحم والعصب وهو مملوء البطن وأيش يكون هذا؟ هذا إدخال طعام على طعام خطر عليه، وأما الْمَدامة فهي الخمر، ومعلوم أن الخمر فَساد للعقل والدين والبدن، لا سيما إذا أُدمن والعياذ بالله، وكذلك الوطء مُنهك للبدن؛ ولهذا من حِكمة الله عز وجل أن الإنسان إذا جامَعَ يجب عليه أن يغْتسل ليتطهر وليُعيد نشاط بدنه إليه. أقول: هذه الفائدة يمكن أن تؤخذ من الآية؟ حِكمة الله عز وجل في الحيض وفي أمر الرجال باعتزال النساء فيه؛ لأجل أن يحافظوا بعض الشيء على صحتهم يمكن هذا؟ * طالب: يُقال: إنما شُرع لنا أن فيه مصلحة لنا في ديننا ودنيانا؛ وذلك لأنه فيه أذى يعني للرجل والمرأة، ولذلك نهانا الله عنه وجميع ما شُرع لنا وأبيح لنا فيه الخير. * الشيخ: هذا ما فيه إشكال، لكن نحن نريد الخير الْمُعيَّن ولَّا ما فيه شهادة، نحن نعرف ونعلم جميعًا كلنا والحمد لله أن الله ما شرع شيئًا إلا لحِكمة وخيرٌ للعباد في معاشِهم ومعادهم، هذا ما فيه إشكال، لكن نريد تلك المصلحة المعينة، هل هي صحيحة أم لا؟ * طالب: الظاهر أنها غير ظاهرة؛ لأن النبي ﷺ أباح الوطء ما دون.. * الشيخ: أباح الاستمتاع؟ * طالب: نعم. * الشيخ: بما دون الفرج؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لكن بس هو صحيح. * طالب: أقول: بالنسبة للمرأة صحيح هذا، لكن بالنسبة للرجل قد (...). * الشيخ: لا، وأيضًا والاستمتاع بما دون الفرج، الاستمتاع بما دون الفرج يمكن ينهك البدن أكثر لأن ذاك استمتاع طبيعي، وهذا استمتاع في الغالب غير طبيعي، وهو غير ما أباحه الله. المهم خلاص انسحبت من هذا، ما فيها فائدة. ثم قال تعالى.. فيه فائدة غير هذه؟ * طالب: في المحبة قلنا: فعلية، لماذا لا نقول: ذاتية فِعلية؟ * الشيخ: قد نقول: إنها ذاتية فِعلية، ممكن أن نقول؛ لأن الله يعلم من هذا الرجل أنه سيكون من التوابين والمتطهرين فيحبه، لكنه لا يحبه حتى يوجد هذا الشيء. * طالب: إثبات المحبة (...)، الحب والبغض لله، هذا هو القائم في نفسه؟ * الشيخ: هو قائم في نفسه لا شك، ولذلك قلنا لكم: الصِّفات الفعلية منها معنوي، ومنها غير معنوي، منها معنوي ومنها فِعلي، لكن نقول: إن المحبة تتعلق بالمحبوب، والمحبوب يكون حادِثًا، لكن الله تعالى يعلم أن شيئًا سيكون مما يُحِب فيحب هذا الشيء وقت وجوده. * طالب: شيخ، تفريق بعضهم بين ﴿تَقْرَبُوهُنَّ﴾ و (تَقْرُبُوهُنَّ)؟ على أن تقرَبوهن التلبس بهن، وتَقْرُبُوهُنَّ يعني: تدنون منهن. * الشيخ: والأولى أيش معناها؟ * الطالب: تَقْرَبُوهُنَّ أي: تتلبسون. * الشيخ: لا لا، ما هو بصحيح؛ لأن ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] يشمل كل ما يدعو إلى الزنا، فهو منهيٌّ عن الزنا وعن أسبابه. * الطالب: شيخ أنه ذكرها بالفتح لأنها عامة وأشمل، يقول: لكن ولم يذكرها بالضم لأنها خاصة بالدنو والقرب؟ * الشيخ: لا أبدًا، يقال: قَرُب يَقْرُب، وقَرَب يَقْرَب، بس هي من باب.. يسمون هذا أبواب الأوزان، ولا أظن بينها هذا الفرق. ثم قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن النساء حرْث للرجال، بمعنى مَوْضع زراعة. * ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرجل حُرٌّ في هذا الحرث، إن شاء فَعَلَ وإن شاء لم يَفْعَلْ؛ لقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إلا أنه مُوقَّت في أربعة أشهر على رأي بعض أهل العِلم أو فيما جرى به العرف على رأي آخر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: جواز إتيان المرأة في محل الحَرْث من أي جهة؛ لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وهل يُستفاد من الآية الكريمة مشروعية كَوْن الإنسان ينوي بجِماعه الولد؟ * طالب: نعم. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ غير ﴿قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فجعل الله تعالى الإتيان للحرث، فكأنه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتيَ المرأة من أجْل طلب الولد، وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه ما جَامَعَ إلا بقصد نية الولد أو إلا بقصد الولد. وعلى كل حال الناس يختلفون في هذا، ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد ويريد بذلك قضاء الوطر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه يُشرَع للمرء أن يُقدِّم لنفسِه عند الجماع لقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]. وقد ذكرنا في التفسير معنى قوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، وأن من معناها أيش؟ التسمية وإرادة تحصين الفرج، وإرادة الولد، كذا؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن إتيان المرأة من مصالح الإنسان الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ فكأن هذا إشارة من الله عز وجل إلى أن المصلحة لنا لا لغيرنا فقدِّم لنفسك. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وُجوب تقوى الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ويُستفاد منها: وجوب التمشِّي في معاملة الأهل في إتيانهم وترْكهم على أيش؟ على ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله، فيجب عليك أن تتمشَّى في مُعاشرة أهلك فعلًا وتَرْكًا على ما شرعه الله. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات البَعْث، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * ويستفاد منها: إثبات رؤية الله، من أين تؤخذ؟ * الطلبة:﴿أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * طالب: ما يلزم. * الشيخ: ما يلزم من الملاقاة في النظر؟ * طالب: لا يلزم. * الشيخ: لاقاه، أيش معناه؟ * طالب: قابله. * الشيخ: قابله وأيش اللي بيقابل مغط عيونه، استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنها تفيد إثبات رؤية الله؛ لأن الملاقاة الأصل عدم الحاجب، الأصل عدم الحاجب فيكون دالًّا على إثبات رؤية الله. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أَمَرَ بالتقوى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن من البلاغة إذا أخبرْتَ الإنسان بأمْر هام أن تُقدِّم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه، من أين؟ * الطلبة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، ما قال: اتقوا الله فإنكم ملاقوه، قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، وهذا مما يَزيد الإنسان انتباهًا وتحسُّبًا لهذه الملاقاة. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن المؤمنين ناجون من أَوْضار هذه الملاقاة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد منه: أن البشارة للمؤمنين مُطلقة حيث قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذْكُر المُبَشَّر به. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، وجهه عدم التقييد، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤]، وسئل النبي ﷺ عن الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له فقال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تحذِير غير المؤمنين من هذه الملاقاة، من أين تُؤخذ؟ لأنه لما أمَرَنَا أن نعلم بأننا ملاقوه قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: وأنذر غير المؤمنين، وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١]. * الطلبة: يعني: وسرابيل تقيكم البرد. * الشيخ: تقيكم الحر والبرد، فهنا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علَّق البشارة عليهم فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد منه: جَواز إتيان الرجل امرأته من دُبرها في قبلها؛ لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وكانت اليهود -عليهم لعائن الله- يقولون: إن الرجل إذا أتى امرأته من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحْوَل، فكذَّبهم الله عز وجل. * طالب: شيخ، ما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ حث الرجال على المحافظة على نسائهم؛ لأنه قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ وقال: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾؟ * الشيخ: نعم، يُستفاد منها، يستفاد من الإضافة ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾، و﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يُستفاد منه أنه ينبغي للإنسان أن يُحافظ على هذه المرأة التي أُضيفت له، وعلى أنها حرثه كما يحافظ على حرث أرضه. * ويُستفاد منها أيضًا فائدة أخرى: وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن لا يُقلِّل من النسل؛ لقوله: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وإذا كانت حرثًا فهل الإنسان عندما يحرث أرضًا هل يُقلِّل من الزرع ولَّا يُكثر من الزرع؟ يكثر من الزرع، هذا هو الغالب لا شكَّ، يكثر من الزرع فنقول: هذا أيضًا ينبغي للإنسان أن يكثر من الأولاد ما استطاع. وأما القول بتحديد النسل فإن هذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين، يريدون من المسلمين أن لا يكثُروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، إذا كثروا استغنوا بأنفسهم عنهم، إذا كثروا حرثوا الأرض وشغلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد وغير ذلك، فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذِلَّة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء. وما رأيكم في امرأة تقول: أنا أريد أن أتناول حبوب منع الحمل لأنني إذا حملت تعبت، كنت قبل الحمل أصعد إلى السطح وأنزل وأخرج وأجيء، وأجلس بهدوء وأقوم بهدوء، لكن لما حملت كبر البطن وثقُل الولد صرت أتعب، أقوم أنا على جُموعي في العاجِن وأجلس بكل كلافة، والدرج لا أصعدها، وإذا أتى الوَضْع فحدِّث ولا حرج من التعب؟ وأيش نقول؟ أعظم الله أجرك، ما (...) أعظم الله أجرك، لكن نقول: هذا أمر طبيعي، فإن الله يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف ١٥] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. هذا أمر لا بُدَّ منه كيف يجي ولد بدون أي تعب؟! * طالب: ولا تسمح له أن يتزوج غيرها، هي تَبْلع الحبوب ولا تسمح أن يتزوج غيرها. * الشيخ: عجيب، هذا المشكل. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة ٢٢٣] إن الملاقاة شاملة للكافر والمؤمن، والرؤية خاصة بالمؤمن؟ * الشيخ: إي نعم، لكن ملاقاة الكافِر قد يحتجب الله عنه بدليل قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]. * طالب: إذن ما فيها دلالة؟ * الشيخ: لا فيها؛ لأن الأصل في الملاقاة عدَم الاحتجاب إلا بدليل، شنو يلاقيه بدون نظر؟ * طالب: لكن، هل كل مؤمن يرى الله في الجنة؟ * الشيخ: نعم. * طالب: كل مؤمن؟ * الشيخ: كل مؤمن في الجنة يرى الله. * طالب: أليس في الجنة درجات؟! * الشيخ: إي نعم درجات، لكن يختلفون في رؤية الله، منهم من يراه كل يوم، ومنهم من يراه كل أسبوع أو كل شهر الله أعلم، لكن لا شكَّ أنهم يختلفون، إنما ما من مؤمن إلا يرى الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٥] ولم يذكر الله وجوهًا أُخرى. ثم قال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٤]. * الطالب: ألا يعتبر هذا اعتراضًا على الله؟ * الشيخ: ما هو؟ * الطالب: تحديد النسل (...)؟ * الشيخ: لا ما هو اعتراض على الله عز وجل، لكنه خِلاف الأَوْلى، والصحابة كانوا يعزلون والقرآن ينزل، والعَزْل معناه أنه يمنع الحمل. * طالب: لعِلَّة ظاهرة؟ * الشيخ: لا ما أمرهم الرسول. * طالب: أقول: لعلة ما عرضوه على الرسول ﷺ فراح (...). * الشيخ: لا، حديث جابر: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠ / ١٣٦) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله.]] لكن هم سألوا الرسول عن العَزْل فقال: «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ»[[أخرجه مسلم (١٤٤٢ / ١٤١) من حديث جُدامة بنت وهب.]]. فهذا يدل على أن الأولى ترْكُه، وأنه لا ينبغي إلا لحاجة مع أن أهْل العلم يقولون: يحرم على الرجل أن يعزل عن الْحُرَّة إلا بإذنها؛ لأن النَّسل من حقها. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: النهي عن كثرة الأيمان؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ لأن الآية فيها معنيانِ كما سبق، لكن على قول من يقول: ﴿لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ لا تُكثروا الأيْمان به لأجل أن تكونوا من أهل البِرِّ والتقوى والإصلاح، فعلى هذا الرأي يكون في الآية دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يُكثر الأيْمان بالله، ويدُل لذلك قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]. وعلى الرأي الثاني يُستفاد منها: أنه لا ينبغي للإنسان أو يُنهى الإنسان عن جَعْل اليمين حاجزًا يمنعه عن البر والتقوى والإصلاح، فالمعنى يختلف ولَّا لا؟ يختلف؛ لأن المعنى على الوجه الثاني أن الإنسان إذا حلف على شيء وهو عمل بر، لا يقول: والله ما أفعله؛ لأني حلفتُ على تركه، إذا حلف على فِعل شيء وهو حرام ما يفعله ويقول: لأني حلفت؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ هذا في فِعْل الخير، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ في فِعل المحرم، أو في ترك المحرم، ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ واضحة. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب احترام الله عز وجل على الوجه الأول؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. * ويُستفاد منها: أن الإنسان إذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فإنه يفْعل الخير ويُكفِّر عن اليمين؛ لقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. * ويُستفاد منها: الحث على البِرِّ، ووجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعًا من فِعْل البر، فما بالك إذا لم يكن هناك يمين؟! وكذلك الحث على التقوى وعلى الإصلاح. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإصلاح بين الناس؛ لقوله: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فنصَّ عليه مع أنه من البِرِّ، والتنصيص على الشيء بعد التعميم، وأيش يدل عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، ولا ريب أن الإصلاح بين الناس من الأمور الهامة لما فيه من رَأْب الصدع، ولَمّ الشعث، وجمع الشَّمل، وهذا خلاف من -والعياذ بالله- مَنْ يفعلون ما يُوجب القطيعة بين الناس مثل النَّميمة، النميمة تُوجب القطيعة بين الناس؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٨) واللفظ له من حديث حذيفة بن اليمان.]] * الشيخ: * ويُستفاد منها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما السميع والعليم، وما تضمَّناه من صفة، وما تضمناه من حُكم وأثر. * ويُستفاد منها: تحذير الإنسان مِن المخالفة، وجهه أنه إذا كان الله سميعًا عليمًا فإياكَ أن تخالف ما أمرك به، فإنك إن خالفته بما يُسمع سمعك، وبما يُعلم علِمك، فاحذر الله عز وجل. * طالب: بالنسبة للرأي الأول في الحلف يقول: لا تجعلوا الله (...).

البقرة 2:223

قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ هذه الجملة معطوفة على الجمل السابقة التي وقعت فيها الأسئلة من أصحاب النبي ﷺ، بخلاف أسئلة اليهود لنبيهم موسى عليه السلام حينما أمرهم أن يذبحوا بقرة، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة ٦٨] إلى أن قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. أما الصحابة رضي الله عنهم فإنما يسألون النبي ﷺ عن الأحكام من أجل أن يقوموا بما يكون الجواب موجبًا له. قوله: ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾ كلمة المحيض تصلح أن تكون مصدرًا ميميًّا فتكون بمعنى الحيض، وتصلح أن تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض، أو اسم زمان فيكون المراد به زمان الحيض، ولننظر أي هذه الاحتمالات أولى بسياق الآية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ هذا الجواب، ﴿هُوَ﴾ أي المحيض ﴿أَذًى﴾ وهذا يرجح الاحتمال الأول أن المحيض مصدر ميمي، يعني يسألونك عن الحيض ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أذى لمن؟ للزوج أو للزوجة أو لهما معًا؟ أثبت الطب أنه أذى لهما معًا، وأنه يحصل فيه ضرر على الزوج كما أن فيه ضررًا على المرأة، ولهذا قال: ﴿هُوَ أَذًى﴾ والأذى يطلق على الشيء المكروه والشيء المستقذر وهو كذلك. ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ الفاء هنا للتفريع، أو للسببية، أي فيتفرع على كونه أذى توجيهُ الأمر إليكم باعتزال النساء، أو فبسبب كونه أذى اعتزلوا النساء في المحيض، وقوله: ﴿اعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ أي الحائضات؛ لقوله: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ والمراد بالمحيض هنا مكانُ الحيض وزمانُه، أي اعتزلوا النساء فلا تجامعوهن في فروجهن لأنه مكان الحيض، ولا زمن الحيض لأنه وقت الحيض، فيكون المحيض هنا ظرف زمان وظرف مكان، اعتزلوا النساء في المحيض، وقوله: ﴿اعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ بأي شيء؟ لا شك أن المراد به الجماع وليس المراد به أن نعتزلهن في المؤاكلة والمشاربة والمساكنة لا؛ لأن الذي تعلق به التحريم وهو مكان الحيض أو زمانه إنما يُنتفع به بماذا؟ بالوطء بالجماع، فالمعنى: اعتزلوهن في الجماع. ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ﴿لَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أي النساء في المحيض حتى يطهرن، وفي قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ دليل على أنه يجب اجتناب الجماع وما حوله، وعلى هذا فلا يحل للرجل من زوجته إذا كانت حائضًا إلا ما فوق الإزار، وأما ما دونه فلا يحل؛ لأن الله يقول: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم كما سنبين إن شاء الله في الفوائد. وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ في قراءة: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وهذه القراءة تناسب الجملة التالية ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ ، وأما على قراءة ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فالمراد بها: حتى يَطْهُرن من الحيض، فالقراءتان إذن: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ أي يغتسلن كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] فالِاطِّهار بمعنى الاغتسال، وأما ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فالمعنى: يَطْهُرن من الحيض، يقال: طَهُرت المرأة من حيضها أي انقطع، فعلامة الطهر للمرأة هو القَصة البيضاء بأن لا تتغير القطنة إذا احتشت بها، يعني إذا دخلت القطنة في الفرج وخرجت بيضاء فهذا هو علامة الطهر، وهذا هو الغالب في النساء أن الطهر هو البياض، لكن بعض النساء لا يرى ذلك، تعرف الطهر بانقطاع الحيض فقط ولا ترى القصة البيضاء، وعلى هذا فيكون الآية الكريمة دالة على منع إتيان المرأة حتى تطهر من الحيض ويكون الطهر بحسب ما يكون من حال المرأة، والغالب أن الطهر هو القصة البيضاء. وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ هل المراد بالتطهر الاغتسال أو المراد بالتطهر تطهير المحل من الدم وإن لم تغتسل؟ * طالب: الأول. * الشيخ: ذهب بعض العلماء إلى أن المراد حتى يغسلن دم الحيض، ولكن جمهور أهل العلم على أن المراد ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن، وقالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] وليس المراد بقوله: ﴿اطَّهَّرُوا﴾ اغسلوا أثر الجنابة، بل المراد اغتسلوا، وعليه فيكون قوله: ﴿إِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني اغتسلن. على قراءة: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ لا فرق بين الجملتين، لكن على قراءة: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإن ظاهر الآية الكريمة ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أنه إذا طهرت المرأة فليس جماعها كجماعها قبل الطهر وإن كان ممنوعًا، لكن ليس كجماعها؟ * الطلبة: قبل الطهر. * الشيخ: وهو كذلك، فإن جماعها بعد الطهر وقبل الاغتسال لا يوجب الكفارة على القول بوجوبها، وأيضًا فإنه يبيح لها الصيام إذا طَهُرت ولم تَطَهَّر أبيح لها الصيام، وأيضًا فإنه يباح لها يباح الطلاق؛ لأنها الآن طاهرة فتكون مطلقة للعدة، فتبيَّن أن هناك فرقًا في الأحكام بين الطهر والتطهر. وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الفاء رابطة للجواب جواب الشرط وهو قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أي جامعوهن، كُنِّي بالإتيان عن المجامعة. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قيل: إن (من) بمعنى (في)، أي فَأْتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه وهو الفرج، وقيل: (من) للابتداء فهي على بابها، أي فَأْتوهن من هذه الطريق، من هذه الطريق من حيث أمركم الله، وما الذي أمرنا الله به؟ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أمرنا الله أن نطأهن في الفروج لقوله في الآية التي بعدها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والحرث هو موضع الزرع، وموضع الزرع هو القُبُل، فيكون معنى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي من قُبُلهن وليس من الدبر، وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ولم يبين الجهة التي نأتي بها المرأة من حيث أمرنا الله، ولهذا يجوز للإنسان أن يجامع زوجته مقبلة ومدبرة، يعني من قدام ومن خلف لكن في صمام واحد أي في الفرج، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وقد ذهب ابن حزم رحمه الله إلى أنه يجب على المرء كلما طهرت زوجته أن يجامعها؛ لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ والأصل في الأمر الوجوب. * طالب: الوجوب والفورية. * الشيخ: إي نعم، ولكن الجمهور خالفوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بيان ذلك في الفوائد. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ هذا تعليل لما سبق من الأوامر وهي: اعتزال النساء في المحيض، وإتيانهن من حيث أمر الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ يحب التوابين أي يُثيبهم على توبتهم. * طالب: .(...) * الشيخ: لا، كيف؟ اللي يقولها الآن معلمكم، معلمكم يقول: يحب أي يُثيب التوابين على توبتهم. * طالب: أوَّل المعلم، فما نستطيع؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: المعلم أوَّل. * طلبة: تأويل. * الشيخ: إي يعني معناه يجب أن نرد على معلمنا إذا أخطأ إذن ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ المحبة صفة غير الثواب، الثواب من آثار المحبة ولوازمها، والمحبة صفة في ذات الله عز وجل، وهي محبة حقيقية لائقة بجلال الله وعظمته، غير مشبهة لمحبة المخلوق للمخلوق، هذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد مر البحث في هذا كثيرًا، وبينا أن من أهل العلم بل من المسلمين من حرَّف هذا المعنى وقال: إن معنى (يحب) أي يثيب، ولكن هذا ليس بصحيح. وقوله: ﴿التَّوَّابِينَ﴾ التواب على وزن فَعَّال، ووزن (فعَّال) تأتي للمبالغة أي للكثرة، وتأتي للنسبة ولو لم يكن إلا مرة، فما المراد به هنا؟ ﴿التَّوَّابِينَ﴾ الكثير التوبة، أو ﴿التَّوَّابِينَ﴾ المنتسبين للتوبة ولو مرة واحدة؟ * طالب: يشمل هذا وذاك. * الشيخ: الظاهر أنه يشمل، يشمل هذا وهذا، ولا ينبغي أن نحملها على النسبة فقط؛ لأننا لو حملناها على النسبة فقط لكان من عصى ثم تاب وعصى ثم تاب وعصى ثم تاب غير محبوب عند الله، والله عز وجل يقول: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ حتى الذي يُكثر من الذنب ويُعقبه بتوبة فإن الله سبحانه وتعالى يحبه، ولهذا ليس من شرط التوبة ألا يعود إلى الذنب، هذا ليس من شرطه، شرط التوبة أن يعزم على ألا يعود، فإن عاد وسولت له نفسه بالعودة فإنه يتوب الله عليه إذا تاب، إذن الرب عز وجل يحب التوابين. ومن هم التوابون؟ التوابون كثيرو التوبة، والتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وقد سبق لنا أن شروطها خمسة؟ * طالب: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فعل، وألا يعود إلى الذنب. * الشيخ: وألا يعود أو وأن يعزم ألا يعود؟ * الطالب: وأن يعزم ألا يعود إلى الذنب، أعرف منها ثلاثة. * طالب آخر: وإن كانت حقوق يرد الحقوق والمظالم إلى أهلها. * الشيخ: لا، هذه داخلة في الإقلاع. * طالب: أن تكون قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها. * الشيخ: أن تكون في زمن القبول. * الطالب: في زمن القبول وقبل طلوع الشمس. * الشيخ: في زمن القبول يدخل هذا وهذا، في واحد بعد بقي عليه؟ * طالب: الإخلاص. * الشيخ: الإخلاص لله، فشروط التوبة إذن خمسة: الإخلاص لله، والندم على الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على ألا يعود، وأن تكون التوبة في وقت القبول أو في زمن القبول، أما الأول فشرط التوبة الإخلاص لأن التوبة من أجَلِّ العبادات، والعبادات من شرطها الإخلاص، فلو تاب الإنسان من ذنبه مراعاةً لشعور أحد من الناس أو مُراءاة للناس فإن توبته لا تقبل، وإذا لم يندم على ما مضى من الذنب وصار فِعْل الذنب وعدمه سواء فإنها لا تقبل توبته لأنه ما صدق في رجوعه، الراجع الصادق هو الذي يندم يقول: ليتني ما فعلت، وإذا لم يقلع فليس بصادق، بل هو إلى الاستهزاء أقرب منه إلى التوبة، رجل يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من الغيبة، يا فلان ما شفت فلان هذا السيئ الخلق. تاب ولَّا لا؟ * طالب: ما تاب. * الشيخ: ما تاب، واحد يقول: اللهم إني أتوب إليك من أكل الربا، تعال يا ولد خذ مئة بمئة وعشرين، تائب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: هذا ما تاب. واحد يقول: اللهم إني أتوب إليك من حقوق الناس، وهو عند القاضي يدَّعي ما ليس له وينكر ما عليه، تائب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما هو تائب، ليس بتائب، التوبة الرجوع، هذا ما رجع. الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، فإن لم يعزم فليس بصادق في توبته، فكأنه بيقول: ما أنا بعائد، لكن في نفسه أنه لو سنحت الفرصة لفعل الذنب، فهذا ليس بتائب. الخامس: أن تكون في زمن القبول وهو: أن تكون قبل حضور الأجل، فإن كان بعد حضور الأجل وانقطاع الأمل فإنها لا تقبل، كقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] ما ينفع بعد ما شاهد العذاب ما تنفع، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥] ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] ماذا قيل له؟ ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١] ما ينفع ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] هذه ليست توبة، كذلك أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لا تنفع التوبة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] فسر النبي عليه الصلاة والسلام بعض آيات الله بأنها طلوع الشمس من مغربها، وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية. ]] هذه شروط التوبة. وهل يشترط للتوبة أن يقلع عن جميع الذنوب؟ أو تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ نشوف الآن الشروط اللي معنا، هل من الشروط ألا يصر على ذنب؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، إذن تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، ولكن هذا التائب لا يستحق الوصف المطلق للتائبين؛ لأن الذي عنده مطلق توبة لا توبة مطلقة فلا يستحق الوصف المطلق للتائبين ولا المدح والثناء للتائبين، وقال بعض أهل العلم: إنها لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره من جنسه، أفهمتم؟ فمثلًا لو تاب من النظر المحرم لكنه يتكلم الكلام المحرم مع النساء تقبل توبته؟ قال بعض العلماء: لا تقبل لأن الجنس واحد، وكذلك لو تاب من الزنا زنا الفرج وهو مصر على زنا العين واليد والرجل واللسان فإنها لا تقبل لأن الجنس واحد، ولكن الجمهور على أن ذلك ليس بشرط، وأنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ولو من جنسه. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ التوبة تطهير القلب، و﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ تطهير الأبدان، يحب الذين يتطهرون من الأنجاس والأرجاس، ومن ذلك المتجنبون لوطء الحائض، المتجنبون لوطء الحائض لأنهم أيش؟ متطهرون في الواقع، فالله تبارك وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين. ثم قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ يعني زوجاتكم ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي موضع حرث لكم كما تكون الأرض حرثًا للزارع يبث فيها الحب فيخرج الحب وينمو ويُنتفع به، كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق فينزرع في الرحم حتى ينمو ويخرج بشرًا سويًّا، فالنساء حرث للرجال، ولهذا قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الفاء هذه للسببية أو للتفريع ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والمراد بالحرث هنا أيش؟ موضع الحرث وهو الفرج، ائتوه ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (أنَّى) بمعنى حيث فهي ظرف مكان بمعنى ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم: من جهة القُبُل يعني الأمام، من جهة الخلف، من جهة الجنب، من أي جهة، المهم أن يكون الإتيان في الحرث، وقد زعمت اليهود أن الرجل إذا أتى المرأة من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحول، وكذبوا في ذلك، وقد أنزل الله تكذيبهم في هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وسيأتي إن شاء الله الفوائد على هذه الجمل فوائد كثيرة. قال: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ وأيش نقدم؟ نقدم الطاعات وما ينفعنا عند الله عز وجل، وإنما قال: ﴿قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ حتى لا ننشغل بهؤلاء النساء عن تقديم ما ينفعنا يوم القيامة ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ومن التقديم للنفس أن يبتغي الإنسان بالجماع تحصين فرجه وتحصين فرج امرأته، وطلب الولد الصالح، والتسمية عند الجماع وما أشبه ذلك مما يقارن الجماع من الأعمال الصالحة بالنية، مثلًا الإنسان قد يجامع زوجته لكن من الناس من يريد مجرد قضاء الوطر فقط هذا لا شك أنه مفيد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يا رسولَ اللهِ، أَيَأْتي أحدُنا شهوتَه وَيكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]] ولكن أفيد من ذلك ما أشار الله إليه في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بماذا؟ * طالب: بالعمل الصالح. * الشيخ: بالنية في العمل الصالح الذي يترتب على النية، فينوي الإنسان مثلًا بجِماعِه هذا قضاء الوطر والتمتع بما أباح الله له، والاستغناء به عما حرم الله، ثانيًا: ينوي بذلك تحصين فرجه وفرج امرأته؛ لأنه لا شك أن هذا فيه تحصين الفرج؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنِ امْرَأَةٍ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا مَعَهَا -يَعْنِي مَعَ أَهْلِهِ- مِثْلُ الَّذِي مَعَهَا»[[أخرجه الترمذي (١١٥٨) من حديث جابر بن عبد الله.]] إذن فالجماع مُحصِّن للفرج، وإلا لكان النفس تتعلق بهذا الذي رأته ثم تحصل الفتنة. ثالثًا: ينوي بجماعه أن يرزقه الله تعالى ولدًا صالحًا، وما أفضل الولد إذا وُفِّق الإنسان لولد صالح ينفعه في حياته وبعد مماته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]. رابعًا: أن يفعل ما ينبغي أن يُفعل حال الجماع مثل التسمية عند الجماع فيقول: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَينَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١) ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس.]] كل هذا داخل تحت قوله تبارك تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الله أكبر، لما أمر بالتقديم لأنفسنا أمرنا أن نجتنب ما حرم الله علينا فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وهذا يشمل كل ما يتعلق بالمرأة في مسألة الجماع مما يخالف شريعة الله مثل أن يجامعها في الدبر مثلًا، فإن هذا ليس من تقوى الله عز وجل، بل هو من معصيته. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ شوف ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذا تنبيه للإنسان أن يعلم فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] استمِع للمثل، هنا قال: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ تنبيه؛ لأن تعلم أنك ملاقي الله عز وجل، ﴿أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، هذا اللقاء لقاء حقيقي ولَّا المراد ﴿مُلَاقُوهُ﴾ أي ملاقو ثوابه أو عقابه؟ الأول، لقاء حقيقي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤٣) ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم.]] كل إنسان سوف يلاقي الله عز وجل فاستعِد لهذه الملاقاة، انظر ماذا أعددت لها، وهذه الملاقاة ليست والله ببعيدة ما أقربها، مهما طال بك الزمن فإنه قريب ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦] فما أسرع هذه الملاقاة التي ستكون بينك وبين ربك يكلمك عز وجل مكالمة منه إليك ليس بينك وبينه ترجمان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ -عَلَى شِمَالِهِ- فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[أخرجه البخاري (٧٥١٢) من حديث عدي بن حاتم.]] وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ هل يشمل ذلك النظر إلى وجه الله الكريم؟ نعم ربما يشمله، ربما يشمله كما استدل به بعض أهل العلم، أو استدل بها بعض أهل العلم على ثبوت رؤية الله عز وجل في الآخرة. ثم قال لما حذر هذا التحذير العظيم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ لو كانت قلوبنا حية لكان لهذه الكلمة وقْعٌ في نفوسنا؛ لأنها من كلام الله عز وجل مصدرة بـ (اعلموا) لكن والله القلوب ميتة والشكوى إلى الله عز وجل، لما جاء بهذه الجملة العظيمة المنذرة المخيفة قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الحمد لله، ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذه الملاقاة ملاقاة خير، وهنا قال: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذكر المبشَّر به حتى يكون عامًّا لكل ما فيه بشارة في الدنيا وفي الآخرة، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٢ - ٦٤] ولهذا قال هنا: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذكر وقت البشارة ولا مكانها ولا نوعها، إذن فهي بشارة عامة شاملة، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) عن أبي ذر.]] فأنت بشِّر كل مؤمن بكل خير، حتى في ملاقاة الله عز وجل بشِّرْه؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا قرر المؤمن بذنوبه ماذا يقول له؟ يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] حساب يسير آخره هذه البشارة العظيمة «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». * طالب: لها سبب نزول يا شيخ الآية آخر؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: هي ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم﴾ [البقرة ٢٢٣]. * الشيخ: إي ذكرناها قبل قليل، قصة اليهود الذين قالوا: إذا أتى الإنسان امرأته من دبرها في قبلها صار الولد أحول، فقال الله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. * الطالب: فيه بعض المفسرين قالوا: إن المهاجرين كانوا يفعلون كذا والأنصار لأ؟ * الشيخ: داخلة في هذا أقول: داخلة في هذا. يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ فقال بعضهم: المعنى لا تُكثروا الحلف إذا كنتم تريدون البر والتقوى والإصلاح، لا تُكثروا الحلف بالله، فلا تجعلوا الله تعالى معروضًا في أيمانكم دائمًا، ولا شك أن هذا منهي عنه، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر الحلف بالله، بل يجب أن يكون في قلبه من تعظيم الله عز وجل ما يمنعه أن يجعله عرضة في كل شيء، يعترض أو يعرض الله عز وجل في كل شيء. وقال بعض المفسرين: لا تجعلوا الله مانعًا لأيمانكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ﴿لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ يعني عرضة مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح، وهذا المعنى أقرب من الأول وإن كان الأول معنى محتملًا لكن هذا أقرب ويؤيده قول النبي ﷺ: «إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا تَحَلَّلْتُ مِنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٣٣) ومسلم (١٦٤٩ / ٧) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢ / ١٩) من حديث عبد الرحمن بن سمرة. ]] وعلى هذا يكون معنى الآية: لا تجعلوا الأيمان مانعًا لكم من البر، ويكون قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ يكون مؤولًا بمصدر منصوب بنزع الخافض أي: عرضة عن بِرِّكم، وقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ هذا إذا حلف على ترك الواجب، نقول: لا تجعل اليمين مانعًا لك من فعل الواجب، ماذا يصنع؟ * طالب: يكفِّر عن يمينه. * الشيخ: يكفِّر عن يمينه ويفعل الواجب، مثل أن قال: والله لا أكلم فلانًا، وفلان مؤمن يحرم هجره، نقول الآن: حلفت وأيش هو عليه؟ * طالب: كفارة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الواجب. * الشيخ: على ترك الواجب، فيجب عليك أن تكفر عن يمينك وأن تكلمه. قال: والله لا أصلي مع الجماعة. صلِّ مع الجماعة يا ولد، صلِّ مع الجماعة. لا والله عنادًا لكم والله ما أصلي مع الجماعة، هذا يمكن يقع من بعض السفهاء، ماذا نقول له؟ صل مع الجماعة، قال: والله أنا حلفت عاد، مضى مني يمين، ماذا نقول له؟ لا تجعل الله عرضة لأيمانك عن البر، قم بالواجب وكفر عن يمينك. وقوله: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ هذا فيما إذا حلف على فعل محرم ما هو على ترك واجب، على فعل محرم، قال: والله لأجحدن مال فلان الذي عليَّ، حلف على أيش؟ * طالب: محرم. * الشيخ: على فعل محرم، وهو جحد الحق الواجب عليه، ماذا نقول له؟ نقول: كفر عن يمينك وأدِّ الحق إلى صاحبه. والله حلفتُ جرى مني يمين إني لأجحده. نقول: هذا يمين لا يعيقك عن التقوى، اتق الله عز وجل وقم بما أوجب الله عليك من إعطاء صاحب الحق حقه. طيب إنسان قال: والله لأضربن فلانًا، هو ما فعل جناية لكن صار في نفسه عليه شيء قال: والله لأضربن فلانًا، صار بينهم خصومة، قال: والله لأضربه، والله ما يروح مني إلا أنا جارح رأسه وداق عنقه، وأيش نقول؟ نقول: يا أخي هذا حرام، اتق الله عز وجل وكفر عن يمينك وأْتِ الذي هو خير، كفر عن يمينك ولا تضرب هذا الرجل أو تدق عنقه أو لا. ولهذا قال أهل العلم: إن الحنث في اليمين تجري فيه الأحكام الخمسة: تارة يكون واجبًا، وتارة يكون حرامًا، وتارة يكون سنة، وتارة يكون مكروهًا، وتارة يكون مباحًا، لكن في قسم المباح حفظ اليمين فيه أولى، حفظ اليمين أولى في المباح. قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أيضًا بعض الناس يصلح بين رجلين فيحصل منهما إساءة عليه، يقول: والله ما عمري أصلح بين الناس أبدًا، لأيش؟ قال: لأن ها دولاأصلحت بينهم ولحقني منهم الضرر، والله يكفيك شر مَن تُحسن إليه. وأيش نقول له؟ * طالب: اتقِ الله وأصلح. * الشيخ: نقول: كفر عن يمينك وأصلح بين عباد الله، قال: أنا جرى مني يمين؟ نقول: هذا اليمين الحمد لله كل شيء يمكن أن يحلل. إن كفر عن اليمين قبل الحنث يسمى أيش؟ يسمى تَحِلَّة، وإن كفر بعد الحنث يسمى كفارة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢] ولهذا جاء في الحديث الذي أشرت إليه قبل قليل: «إِلَّا تَحَلَّلْتُ يَمِينِي -أو قال: عَنْ يَمِينِي- وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[سبق تخريجه.]] وعلى هذا فنقول للذي أقسم ألا يصلح بين الناس: أصلح بين الناس وكفر عن يمينك، أو تحلل من يمينك وأصلح بين الناس. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الجملة هذه لا شك أن فيها نوعًا من التهديد، فإن الإنسان إذا جعل الله عرضة لأيمانه عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس لا شك أنه مستحق للَّوْم وللعقاب، فإن الله نهاه، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لما يقال، عليم بما يُفعل بل بكل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] هذان الاسمان من أسماء الله من الأسماء المتعدية أو اللازمة؟ * طالب: المتعدية. * الشيخ: المتعدية، إذن لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط، الأول: أن يؤمن بأنها اسم من أسماء الله دالة على ذات الله عز وجل. ثانيًا: يعتقد أنها دالة على صفة من صفات الله متضمنة لذلك. والثالث: أن يؤمن بما يترتب عليها من الحُكْم والآثار. فـ﴿سَمِيعٌ﴾ أي ذو سمع يسمع به، ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم يعلم به، والغرض أو الحكمة من ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: التحذير من مخالفة الإنسان ربه، فإنه إذا خالف الله فالله سميع عليم. * طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، الفائدة الأولى، فوائد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية. * الفائدة الأولى: أن لفظ الإيمان أخص من لفظ التوحيد، لقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ولقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ولم يقل: ولا تنكحوا المشركات حتى يوحدن، ولم يقل: ولا تُنكحوا المشركين حتى يوحدوا. الفائدة الثانية.. إذن الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين: إثبات أن إجابة دعوة الله عز وجل إنما تكون بإذنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٢١]. السادسة والعشرون: إثبات الإذن لله، وليس المراد بالإذن ما يقوم به السمع، المراد بالإذن الأمْر؛ لقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، وقد بيَّنا في التفسير أن إذن الله عز وجل ينقسم إلى ثلاثة أقسام. * طالب: ينقسم إلى قسمين. * الشيخ: إلى ثلاثة. * طالب: قسمين. * الشيخ: مصمم؟ إلى قسمين: إذْن شرعي، وإذْن كوني، وهذه من الفوائد يمكن الإنسان لو يتأمل يجد أكثر من هذا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ما المراد بالمحيض؟ يقال في هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ما قيل فيما قبلها من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾، * فيُستفاد منها: تتابُع أسئلة الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله ﷺ. * ويُستفاد منها: حِرص الصحابة على العلم؛ حيث يسألون رسول الله ﷺ عن مثل هذه الأمور. * ويُستفاد منها: أنه لا ينبغي أن يستحي الإنسان عن سؤال العِلْم مهما كان من الأمور الباطنة؛ لقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾. * ويُستفاد منها أيضًا: أن الله عز وجل قد يتولَّى الإجابة فيما سُئِل عنه رسول الله ﷺ؛ حيث قال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تقديم العِلَّة على الحُكم حتى يرِد الحُكم على الذهن وهو مستعد لقبوله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]. وتقديم العِلَّة على الحكم فيه الفائدة التي أشرنا إليها وهي أن يرد الحكم على الذهن وهو مستعد لقبوله. * ويُستفاد منها: أن المحيض أذى وهو الحيض؛ لأنه قَذَر ونَجِس؛ ولهذا أمَر النبي عليه الصلاة والسلام بغَسْله قليلِه وكثيره، فقد كانت النساء تُصيب ثيابهن الحيض فيسألن النبي ﷺ عن ذلك فيأمرهن أن يَقْرصْنه، تحكُّه أولًا ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب اعتزال المرأة حال الحيض؛ لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وقد بَيَّنت السُّنة ماذا يُعتزل فيه وهو الجماع، لقول النبي ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»[[أخرجه مسلم (٣٠٢ / ١٦) من حديث أنس.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: مِنَّة الله على الرجل والمرأة في اعتزالها حال الحيض؛ لأنه أذى، مضر بالمرأة ومضر بالرجل، الوطء حال الحيض. * ويُستفاد من الآية الكريمة: النهي عن قُرْبانهن حتى يَطْهُرن؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ فإن قلت: كيف يُجمع بين هذه الآية وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»[[سبق تخريجه.]] فإن هذا يقتضي قُرْبانهن؟ قلنا، أو فالجواب أن نقول: إن النهي عن القُرْبان مُبيَّن؛ بأن لا يقرب الإنسان الجماع؛ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان الرجل لا يملك نفسه فإنه لا يَقرب الفرْج، ولا يستمتع بما دون الإزار، وجعلوا ذلك وجهًا للجمع بين جواب النبي ﷺ حين سُئل: ماذا يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: «مَا فَوْقَ الْإِزَارِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٢١٢) من حديث عبد الله بن سعد، و(٢١٣) من حديث معاذ بن جبل واللفظ له.]] وبين قوله: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ».[[سبق تخريجه.]] * ويُستفاد من الآية الكريمة: تحريم الوطء بعد الطُّهر قبل الغُسل؛ لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٢٢]، وفي قراءة أخرى: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ يعني: يغتسلن، وفيه ردٌّ على قول من قال من أهل العلم: إن المراد بذلك غَسْل الفرْج وإزالة الأذى، وأنه يجوز للرجل أن يَطَأ زوجته بعد الطُّهر من حيضها وإن لم تغتسل إذا غسل المحل. الدليل: قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإن معناها: إذا اغتسَلْنَ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] فالاطِّهار والتطهُّر معناه الاغتسال. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب جماع الزوجة بعد طُهرها من الحيض. * طالب: لا يلزم. * طالب آخر: على قول الظاهرية. * طالب آخر: يباح. * الشيخ: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾. نقول: نعم، قال به بعض أهل العلم، قال: إنه يجب على الرجل إذا اغتسلت زوجته من الحيض أن يُجامعها؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا، والصواب أن الأمر فيه لرفع الحَظْر ولا نقول: للإباحة، الصواب أن الأمر بعد النهي لرفع الحَظْر، فهو يرفع الحظر، ثم يُبقي الحكم على ما كان عليه قبل النهي. انتبهوا للفرق بين قولنا: إن الأمر بعد النهي للإباحة، وبين القول بأن الأمر بعد النهي لرفع الحظر، بينهما فرق، إذا قلنا: إن الأمر بعد النهي للإباحة فمعناه أن النهي رَفَعَ الحكم الأول، ألْغَاه، ثم جاء الأمر بعد النهي فأباح المَنْهِيَّ عنه، وأما إذا قلنا: إن الأمر بعد النهي رفع للحظر فقط، فمعناه أنه ارتفع النهي وبَقِي الحكم على ما كان عليه من قبل النهي، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أمرًا بعد الحظر يفيد رُجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، وإتيان المرأة إن لزم منه معاشرتها بالمعروف كان من الأمر المطلوب وإلا فلا. ولا ريب أن النساء يختلفن، فبعض النساء ترغب أن يأتيها الزوج، فيكون إتيانه لها من باب المعاشَرة بالمعروف المطلوبة في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩]. وبعض النساء لا يَهُمُّها ذلك، وبعض النساء ربما تكره ذلك. فالحاصل أن الأمر هُنا رفع للحظر فيُبقِي الأمر على ما كان عليه من قبل الحظر، ونحن نقول لأبي محمد علي بن حزم: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢]؟ هل تُوجِب على المحرم إذا حلَّ من إحرامه أن يحمل البندق لأجل أن يصطاد الصيد؟ سيقول: لا، والأمر في الآية هذه كالأمر في آية المائدة؛ لأن الله قال: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢]، فهو أمْر بعْد النهي، فالحاصل أن الصحيح أنَّ الأمر بعد النهي رفْعٌ للحظر، ورد للأمر على ما كان عليه قبل الحظر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعدَّى حُدود الله، لا زمانًا ولا مكانًا فيما أباح الله له من إتيان أهله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات محبَّة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ والمحبة حقيقيَّة لله عزَّ وجل على الوجه اللائق به، وهكذا جميع ما وصف الله به نفسَه من المحبة والرضا والكراهة والغضَب والسَّخَط وغيرها كلها حقيقة ثابتة لله على الوجه اللائق به. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات أمْر الله عز وجل، وأن أمرَه واجِب الطاعة حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة التوبة، وأنها أمر مطلوب، من أين؟ * الطالب: من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إن كان الله يحب التوابين فهو مطلوب. * الشيخ: فإنه مطلوب من الإنسان أن يفعل ما يحبه الله عز وجل. فإذن * يُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة التوبة، وأنها من أسباب محبة الله للعبد. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن صفة المحبة من صفات الله الفعلية لا الذاتية، كيف؟ لأنها عُلِّقت بالتوبة، والتوبة من فِعْل العبد تتجدَّد، فكذلك محبة الله عز وجل تتعلَّق بأسبابها، وكل صفة من صفات الله تتعلق بأسبابها فهي من الصفات الفعلية. * ويُستفاد من الآية الكريمة: محبَّة الله تعالى للمتطهِّرين لقوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: حُسْن أسلوب القرآن؛ لأنه جَمَعَ في هذه الآية بين التطهُّر المعنويِّ والتطهُّر الحِسِّي، من أين تؤخذ؟ * يُستفاد من الآية حُسن أسلوب القرآن حيث جمع بين التطهر الحِسِّي والمعنوي. * طالب: الطهارة الحسية طهارة البدن (...) والطهارة المعنوية طهارة.. * الشيخ: لا، ما عندي عِلم. * طالب: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. * الشيخ: لا لا. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] من الآية الأخيرة؟ * الشيخ: طيب وين التطهر الظاهر والباطن أو الحسي والمعنوي؟ * الطالب: التوابين هي التوبة الباطنية. * الشيخ: نعم، التوبة الطهارة الباطنية. * الطالب: والمتطهرين.. * الشيخ: الطهارة الحسية؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، صحيح؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: نعم، * ويستفاد من الآية الكريمة: تعْليل الأحكام الشرعية؛ لقوله: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾. * وبناءً على ذلك يُستفاد منها: إثبات حكمة الله عز وجل، وأنه لا يَشْرَع شيئًا إلا لحكمة ولَّا لا؟ لأنه قال: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فإذن ما دام الله علَّل ذلك فمعناه أنه ما شرعه إلا لحكمة، وهذا مُقتضى اسمه تبارك وتعالى: الحكيم. * ويُستفاد من الآية الكريمة فائدة -لننظر فيها- وهي: حِكمة الله تعالى في حيْض المرأة؛ حيث قال بعض الأطباء: إن في ذلك مَصلحة للرجل؛ لأنه يحجزه عن الجماع، وإدامة الجماع ضرر على الإنسان، وفي بيت مشهور بيت حكمة قال: ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ لِلْأَنَامِ ∗∗∗ وَدَاعِيَةُ الصِّحِيحِ إِلَى السِّقَامِ ؎دَوَامُ مُدَامَةٍ وَدَوَامُ وَطْأٍ ∗∗∗ وَإِدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ نعم، واحد متغدي منتنًا بطنه، يِسَيِّل على صديقه، وإذا عنده طعام: لحم وعصب وما أشبه ذلك، ويأكل منها اللحم والعصب وهو مملوء البطن وأيش يكون هذا؟ هذا إدخال طعام على طعام خطر عليه، وأما الْمَدامة فهي الخمر، ومعلوم أن الخمر فَساد للعقل والدين والبدن، لا سيما إذا أُدمن والعياذ بالله، وكذلك الوطء مُنهك للبدن؛ ولهذا من حِكمة الله عز وجل أن الإنسان إذا جامَعَ يجب عليه أن يغْتسل ليتطهر وليُعيد نشاط بدنه إليه. أقول: هذه الفائدة يمكن أن تؤخذ من الآية؟ حِكمة الله عز وجل في الحيض وفي أمر الرجال باعتزال النساء فيه؛ لأجل أن يحافظوا بعض الشيء على صحتهم يمكن هذا؟ * طالب: يُقال: إنما شُرع لنا أن فيه مصلحة لنا في ديننا ودنيانا؛ وذلك لأنه فيه أذى يعني للرجل والمرأة، ولذلك نهانا الله عنه وجميع ما شُرع لنا وأبيح لنا فيه الخير. * الشيخ: هذا ما فيه إشكال، لكن نحن نريد الخير الْمُعيَّن ولَّا ما فيه شهادة، نحن نعرف ونعلم جميعًا كلنا والحمد لله أن الله ما شرع شيئًا إلا لحِكمة وخيرٌ للعباد في معاشِهم ومعادهم، هذا ما فيه إشكال، لكن نريد تلك المصلحة المعينة، هل هي صحيحة أم لا؟ * طالب: الظاهر أنها غير ظاهرة؛ لأن النبي ﷺ أباح الوطء ما دون.. * الشيخ: أباح الاستمتاع؟ * طالب: نعم. * الشيخ: بما دون الفرج؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لكن بس هو صحيح. * طالب: أقول: بالنسبة للمرأة صحيح هذا، لكن بالنسبة للرجل قد (...). * الشيخ: لا، وأيضًا والاستمتاع بما دون الفرج، الاستمتاع بما دون الفرج يمكن ينهك البدن أكثر لأن ذاك استمتاع طبيعي، وهذا استمتاع في الغالب غير طبيعي، وهو غير ما أباحه الله. المهم خلاص انسحبت من هذا، ما فيها فائدة. ثم قال تعالى.. فيه فائدة غير هذه؟ * طالب: في المحبة قلنا: فعلية، لماذا لا نقول: ذاتية فِعلية؟ * الشيخ: قد نقول: إنها ذاتية فِعلية، ممكن أن نقول؛ لأن الله يعلم من هذا الرجل أنه سيكون من التوابين والمتطهرين فيحبه، لكنه لا يحبه حتى يوجد هذا الشيء. * طالب: إثبات المحبة (...)، الحب والبغض لله، هذا هو القائم في نفسه؟ * الشيخ: هو قائم في نفسه لا شك، ولذلك قلنا لكم: الصِّفات الفعلية منها معنوي، ومنها غير معنوي، منها معنوي ومنها فِعلي، لكن نقول: إن المحبة تتعلق بالمحبوب، والمحبوب يكون حادِثًا، لكن الله تعالى يعلم أن شيئًا سيكون مما يُحِب فيحب هذا الشيء وقت وجوده. * طالب: شيخ، تفريق بعضهم بين ﴿تَقْرَبُوهُنَّ﴾ و (تَقْرُبُوهُنَّ)؟ على أن تقرَبوهن التلبس بهن، وتَقْرُبُوهُنَّ يعني: تدنون منهن. * الشيخ: والأولى أيش معناها؟ * الطالب: تَقْرَبُوهُنَّ أي: تتلبسون. * الشيخ: لا لا، ما هو بصحيح؛ لأن ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] يشمل كل ما يدعو إلى الزنا، فهو منهيٌّ عن الزنا وعن أسبابه. * الطالب: شيخ أنه ذكرها بالفتح لأنها عامة وأشمل، يقول: لكن ولم يذكرها بالضم لأنها خاصة بالدنو والقرب؟ * الشيخ: لا أبدًا، يقال: قَرُب يَقْرُب، وقَرَب يَقْرَب، بس هي من باب.. يسمون هذا أبواب الأوزان، ولا أظن بينها هذا الفرق. ثم قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن النساء حرْث للرجال، بمعنى مَوْضع زراعة. * ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرجل حُرٌّ في هذا الحرث، إن شاء فَعَلَ وإن شاء لم يَفْعَلْ؛ لقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إلا أنه مُوقَّت في أربعة أشهر على رأي بعض أهل العِلم أو فيما جرى به العرف على رأي آخر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: جواز إتيان المرأة في محل الحَرْث من أي جهة؛ لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وهل يُستفاد من الآية الكريمة مشروعية كَوْن الإنسان ينوي بجِماعه الولد؟ * طالب: نعم. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ غير ﴿قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فجعل الله تعالى الإتيان للحرث، فكأنه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتيَ المرأة من أجْل طلب الولد، وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه ما جَامَعَ إلا بقصد نية الولد أو إلا بقصد الولد. وعلى كل حال الناس يختلفون في هذا، ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد ويريد بذلك قضاء الوطر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه يُشرَع للمرء أن يُقدِّم لنفسِه عند الجماع لقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]. وقد ذكرنا في التفسير معنى قوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، وأن من معناها أيش؟ التسمية وإرادة تحصين الفرج، وإرادة الولد، كذا؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن إتيان المرأة من مصالح الإنسان الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ فكأن هذا إشارة من الله عز وجل إلى أن المصلحة لنا لا لغيرنا فقدِّم لنفسك. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وُجوب تقوى الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ويُستفاد منها: وجوب التمشِّي في معاملة الأهل في إتيانهم وترْكهم على أيش؟ على ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله، فيجب عليك أن تتمشَّى في مُعاشرة أهلك فعلًا وتَرْكًا على ما شرعه الله. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات البَعْث، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * ويستفاد منها: إثبات رؤية الله، من أين تؤخذ؟ * الطلبة:﴿أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * طالب: ما يلزم. * الشيخ: ما يلزم من الملاقاة في النظر؟ * طالب: لا يلزم. * الشيخ: لاقاه، أيش معناه؟ * طالب: قابله. * الشيخ: قابله وأيش اللي بيقابل مغط عيونه، استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنها تفيد إثبات رؤية الله؛ لأن الملاقاة الأصل عدم الحاجب، الأصل عدم الحاجب فيكون دالًّا على إثبات رؤية الله. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أَمَرَ بالتقوى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن من البلاغة إذا أخبرْتَ الإنسان بأمْر هام أن تُقدِّم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه، من أين؟ * الطلبة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، ما قال: اتقوا الله فإنكم ملاقوه، قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، وهذا مما يَزيد الإنسان انتباهًا وتحسُّبًا لهذه الملاقاة. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن المؤمنين ناجون من أَوْضار هذه الملاقاة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد منه: أن البشارة للمؤمنين مُطلقة حيث قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذْكُر المُبَشَّر به. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، وجهه عدم التقييد، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤]، وسئل النبي ﷺ عن الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له فقال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تحذِير غير المؤمنين من هذه الملاقاة، من أين تُؤخذ؟ لأنه لما أمَرَنَا أن نعلم بأننا ملاقوه قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: وأنذر غير المؤمنين، وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١]. * الطلبة: يعني: وسرابيل تقيكم البرد. * الشيخ: تقيكم الحر والبرد، فهنا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علَّق البشارة عليهم فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد منه: جَواز إتيان الرجل امرأته من دُبرها في قبلها؛ لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وكانت اليهود -عليهم لعائن الله- يقولون: إن الرجل إذا أتى امرأته من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحْوَل، فكذَّبهم الله عز وجل. * طالب: شيخ، ما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ حث الرجال على المحافظة على نسائهم؛ لأنه قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ وقال: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾؟ * الشيخ: نعم، يُستفاد منها، يستفاد من الإضافة ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾، و﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يُستفاد منه أنه ينبغي للإنسان أن يُحافظ على هذه المرأة التي أُضيفت له، وعلى أنها حرثه كما يحافظ على حرث أرضه. * ويُستفاد منها أيضًا فائدة أخرى: وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن لا يُقلِّل من النسل؛ لقوله: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وإذا كانت حرثًا فهل الإنسان عندما يحرث أرضًا هل يُقلِّل من الزرع ولَّا يُكثر من الزرع؟ يكثر من الزرع، هذا هو الغالب لا شكَّ، يكثر من الزرع فنقول: هذا أيضًا ينبغي للإنسان أن يكثر من الأولاد ما استطاع. وأما القول بتحديد النسل فإن هذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين، يريدون من المسلمين أن لا يكثُروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، إذا كثروا استغنوا بأنفسهم عنهم، إذا كثروا حرثوا الأرض وشغلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد وغير ذلك، فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذِلَّة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء. وما رأيكم في امرأة تقول: أنا أريد أن أتناول حبوب منع الحمل لأنني إذا حملت تعبت، كنت قبل الحمل أصعد إلى السطح وأنزل وأخرج وأجيء، وأجلس بهدوء وأقوم بهدوء، لكن لما حملت كبر البطن وثقُل الولد صرت أتعب، أقوم أنا على جُموعي في العاجِن وأجلس بكل كلافة، والدرج لا أصعدها، وإذا أتى الوَضْع فحدِّث ولا حرج من التعب؟ وأيش نقول؟ أعظم الله أجرك، ما (...) أعظم الله أجرك، لكن نقول: هذا أمر طبيعي، فإن الله يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف ١٥] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. هذا أمر لا بُدَّ منه كيف يجي ولد بدون أي تعب؟! * طالب: ولا تسمح له أن يتزوج غيرها، هي تَبْلع الحبوب ولا تسمح أن يتزوج غيرها. * الشيخ: عجيب، هذا المشكل. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة ٢٢٣] إن الملاقاة شاملة للكافر والمؤمن، والرؤية خاصة بالمؤمن؟ * الشيخ: إي نعم، لكن ملاقاة الكافِر قد يحتجب الله عنه بدليل قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]. * طالب: إذن ما فيها دلالة؟ * الشيخ: لا فيها؛ لأن الأصل في الملاقاة عدَم الاحتجاب إلا بدليل، شنو يلاقيه بدون نظر؟ * طالب: لكن، هل كل مؤمن يرى الله في الجنة؟ * الشيخ: نعم. * طالب: كل مؤمن؟ * الشيخ: كل مؤمن في الجنة يرى الله. * طالب: أليس في الجنة درجات؟! * الشيخ: إي نعم درجات، لكن يختلفون في رؤية الله، منهم من يراه كل يوم، ومنهم من يراه كل أسبوع أو كل شهر الله أعلم، لكن لا شكَّ أنهم يختلفون، إنما ما من مؤمن إلا يرى الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٥] ولم يذكر الله وجوهًا أُخرى. ثم قال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٤]. * الطالب: ألا يعتبر هذا اعتراضًا على الله؟ * الشيخ: ما هو؟ * الطالب: تحديد النسل (...)؟ * الشيخ: لا ما هو اعتراض على الله عز وجل، لكنه خِلاف الأَوْلى، والصحابة كانوا يعزلون والقرآن ينزل، والعَزْل معناه أنه يمنع الحمل. * طالب: لعِلَّة ظاهرة؟ * الشيخ: لا ما أمرهم الرسول. * طالب: أقول: لعلة ما عرضوه على الرسول ﷺ فراح (...). * الشيخ: لا، حديث جابر: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠ / ١٣٦) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله.]] لكن هم سألوا الرسول عن العَزْل فقال: «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ»[[أخرجه مسلم (١٤٤٢ / ١٤١) من حديث جُدامة بنت وهب.]]. فهذا يدل على أن الأولى ترْكُه، وأنه لا ينبغي إلا لحاجة مع أن أهْل العلم يقولون: يحرم على الرجل أن يعزل عن الْحُرَّة إلا بإذنها؛ لأن النَّسل من حقها. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: النهي عن كثرة الأيمان؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ لأن الآية فيها معنيانِ كما سبق، لكن على قول من يقول: ﴿لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ لا تُكثروا الأيْمان به لأجل أن تكونوا من أهل البِرِّ والتقوى والإصلاح، فعلى هذا الرأي يكون في الآية دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يُكثر الأيْمان بالله، ويدُل لذلك قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]. وعلى الرأي الثاني يُستفاد منها: أنه لا ينبغي للإنسان أو يُنهى الإنسان عن جَعْل اليمين حاجزًا يمنعه عن البر والتقوى والإصلاح، فالمعنى يختلف ولَّا لا؟ يختلف؛ لأن المعنى على الوجه الثاني أن الإنسان إذا حلف على شيء وهو عمل بر، لا يقول: والله ما أفعله؛ لأني حلفتُ على تركه، إذا حلف على فِعل شيء وهو حرام ما يفعله ويقول: لأني حلفت؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ هذا في فِعْل الخير، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ في فِعل المحرم، أو في ترك المحرم، ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ واضحة. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب احترام الله عز وجل على الوجه الأول؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. * ويُستفاد منها: أن الإنسان إذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فإنه يفْعل الخير ويُكفِّر عن اليمين؛ لقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. * ويُستفاد منها: الحث على البِرِّ، ووجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعًا من فِعْل البر، فما بالك إذا لم يكن هناك يمين؟! وكذلك الحث على التقوى وعلى الإصلاح. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإصلاح بين الناس؛ لقوله: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فنصَّ عليه مع أنه من البِرِّ، والتنصيص على الشيء بعد التعميم، وأيش يدل عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، ولا ريب أن الإصلاح بين الناس من الأمور الهامة لما فيه من رَأْب الصدع، ولَمّ الشعث، وجمع الشَّمل، وهذا خلاف من -والعياذ بالله- مَنْ يفعلون ما يُوجب القطيعة بين الناس مثل النَّميمة، النميمة تُوجب القطيعة بين الناس؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٨) واللفظ له من حديث حذيفة بن اليمان.]] * الشيخ: * ويُستفاد منها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما السميع والعليم، وما تضمَّناه من صفة، وما تضمناه من حُكم وأثر. * ويُستفاد منها: تحذير الإنسان مِن المخالفة، وجهه أنه إذا كان الله سميعًا عليمًا فإياكَ أن تخالف ما أمرك به، فإنك إن خالفته بما يُسمع سمعك، وبما يُعلم علِمك، فاحذر الله عز وجل. * طالب: بالنسبة للرأي الأول في الحلف يقول: لا تجعلوا الله (...).

البقرة 2:224

قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ هذه الجملة معطوفة على الجمل السابقة التي وقعت فيها الأسئلة من أصحاب النبي ﷺ، بخلاف أسئلة اليهود لنبيهم موسى عليه السلام حينما أمرهم أن يذبحوا بقرة، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة ٦٨] إلى أن قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. أما الصحابة رضي الله عنهم فإنما يسألون النبي ﷺ عن الأحكام من أجل أن يقوموا بما يكون الجواب موجبًا له. قوله: ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾ كلمة المحيض تصلح أن تكون مصدرًا ميميًّا فتكون بمعنى الحيض، وتصلح أن تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض، أو اسم زمان فيكون المراد به زمان الحيض، ولننظر أي هذه الاحتمالات أولى بسياق الآية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ هذا الجواب، ﴿هُوَ﴾ أي المحيض ﴿أَذًى﴾ وهذا يرجح الاحتمال الأول أن المحيض مصدر ميمي، يعني يسألونك عن الحيض ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أذى لمن؟ للزوج أو للزوجة أو لهما معًا؟ أثبت الطب أنه أذى لهما معًا، وأنه يحصل فيه ضرر على الزوج كما أن فيه ضررًا على المرأة، ولهذا قال: ﴿هُوَ أَذًى﴾ والأذى يطلق على الشيء المكروه والشيء المستقذر وهو كذلك. ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ الفاء هنا للتفريع، أو للسببية، أي فيتفرع على كونه أذى توجيهُ الأمر إليكم باعتزال النساء، أو فبسبب كونه أذى اعتزلوا النساء في المحيض، وقوله: ﴿اعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ أي الحائضات؛ لقوله: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ والمراد بالمحيض هنا مكانُ الحيض وزمانُه، أي اعتزلوا النساء فلا تجامعوهن في فروجهن لأنه مكان الحيض، ولا زمن الحيض لأنه وقت الحيض، فيكون المحيض هنا ظرف زمان وظرف مكان، اعتزلوا النساء في المحيض، وقوله: ﴿اعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ بأي شيء؟ لا شك أن المراد به الجماع وليس المراد به أن نعتزلهن في المؤاكلة والمشاربة والمساكنة لا؛ لأن الذي تعلق به التحريم وهو مكان الحيض أو زمانه إنما يُنتفع به بماذا؟ بالوطء بالجماع، فالمعنى: اعتزلوهن في الجماع. ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ﴿لَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أي النساء في المحيض حتى يطهرن، وفي قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ دليل على أنه يجب اجتناب الجماع وما حوله، وعلى هذا فلا يحل للرجل من زوجته إذا كانت حائضًا إلا ما فوق الإزار، وأما ما دونه فلا يحل؛ لأن الله يقول: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم كما سنبين إن شاء الله في الفوائد. وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ في قراءة: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وهذه القراءة تناسب الجملة التالية ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ ، وأما على قراءة ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فالمراد بها: حتى يَطْهُرن من الحيض، فالقراءتان إذن: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ أي يغتسلن كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] فالِاطِّهار بمعنى الاغتسال، وأما ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فالمعنى: يَطْهُرن من الحيض، يقال: طَهُرت المرأة من حيضها أي انقطع، فعلامة الطهر للمرأة هو القَصة البيضاء بأن لا تتغير القطنة إذا احتشت بها، يعني إذا دخلت القطنة في الفرج وخرجت بيضاء فهذا هو علامة الطهر، وهذا هو الغالب في النساء أن الطهر هو البياض، لكن بعض النساء لا يرى ذلك، تعرف الطهر بانقطاع الحيض فقط ولا ترى القصة البيضاء، وعلى هذا فيكون الآية الكريمة دالة على منع إتيان المرأة حتى تطهر من الحيض ويكون الطهر بحسب ما يكون من حال المرأة، والغالب أن الطهر هو القصة البيضاء. وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ هل المراد بالتطهر الاغتسال أو المراد بالتطهر تطهير المحل من الدم وإن لم تغتسل؟ * طالب: الأول. * الشيخ: ذهب بعض العلماء إلى أن المراد حتى يغسلن دم الحيض، ولكن جمهور أهل العلم على أن المراد ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن، وقالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] وليس المراد بقوله: ﴿اطَّهَّرُوا﴾ اغسلوا أثر الجنابة، بل المراد اغتسلوا، وعليه فيكون قوله: ﴿إِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني اغتسلن. على قراءة: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ لا فرق بين الجملتين، لكن على قراءة: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإن ظاهر الآية الكريمة ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أنه إذا طهرت المرأة فليس جماعها كجماعها قبل الطهر وإن كان ممنوعًا، لكن ليس كجماعها؟ * الطلبة: قبل الطهر. * الشيخ: وهو كذلك، فإن جماعها بعد الطهر وقبل الاغتسال لا يوجب الكفارة على القول بوجوبها، وأيضًا فإنه يبيح لها الصيام إذا طَهُرت ولم تَطَهَّر أبيح لها الصيام، وأيضًا فإنه يباح لها يباح الطلاق؛ لأنها الآن طاهرة فتكون مطلقة للعدة، فتبيَّن أن هناك فرقًا في الأحكام بين الطهر والتطهر. وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الفاء رابطة للجواب جواب الشرط وهو قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أي جامعوهن، كُنِّي بالإتيان عن المجامعة. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قيل: إن (من) بمعنى (في)، أي فَأْتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه وهو الفرج، وقيل: (من) للابتداء فهي على بابها، أي فَأْتوهن من هذه الطريق، من هذه الطريق من حيث أمركم الله، وما الذي أمرنا الله به؟ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أمرنا الله أن نطأهن في الفروج لقوله في الآية التي بعدها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والحرث هو موضع الزرع، وموضع الزرع هو القُبُل، فيكون معنى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي من قُبُلهن وليس من الدبر، وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ولم يبين الجهة التي نأتي بها المرأة من حيث أمرنا الله، ولهذا يجوز للإنسان أن يجامع زوجته مقبلة ومدبرة، يعني من قدام ومن خلف لكن في صمام واحد أي في الفرج، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وقد ذهب ابن حزم رحمه الله إلى أنه يجب على المرء كلما طهرت زوجته أن يجامعها؛ لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ والأصل في الأمر الوجوب. * طالب: الوجوب والفورية. * الشيخ: إي نعم، ولكن الجمهور خالفوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بيان ذلك في الفوائد. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ هذا تعليل لما سبق من الأوامر وهي: اعتزال النساء في المحيض، وإتيانهن من حيث أمر الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ يحب التوابين أي يُثيبهم على توبتهم. * طالب: .(...) * الشيخ: لا، كيف؟ اللي يقولها الآن معلمكم، معلمكم يقول: يحب أي يُثيب التوابين على توبتهم. * طالب: أوَّل المعلم، فما نستطيع؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: المعلم أوَّل. * طلبة: تأويل. * الشيخ: إي يعني معناه يجب أن نرد على معلمنا إذا أخطأ إذن ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ المحبة صفة غير الثواب، الثواب من آثار المحبة ولوازمها، والمحبة صفة في ذات الله عز وجل، وهي محبة حقيقية لائقة بجلال الله وعظمته، غير مشبهة لمحبة المخلوق للمخلوق، هذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد مر البحث في هذا كثيرًا، وبينا أن من أهل العلم بل من المسلمين من حرَّف هذا المعنى وقال: إن معنى (يحب) أي يثيب، ولكن هذا ليس بصحيح. وقوله: ﴿التَّوَّابِينَ﴾ التواب على وزن فَعَّال، ووزن (فعَّال) تأتي للمبالغة أي للكثرة، وتأتي للنسبة ولو لم يكن إلا مرة، فما المراد به هنا؟ ﴿التَّوَّابِينَ﴾ الكثير التوبة، أو ﴿التَّوَّابِينَ﴾ المنتسبين للتوبة ولو مرة واحدة؟ * طالب: يشمل هذا وذاك. * الشيخ: الظاهر أنه يشمل، يشمل هذا وهذا، ولا ينبغي أن نحملها على النسبة فقط؛ لأننا لو حملناها على النسبة فقط لكان من عصى ثم تاب وعصى ثم تاب وعصى ثم تاب غير محبوب عند الله، والله عز وجل يقول: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ حتى الذي يُكثر من الذنب ويُعقبه بتوبة فإن الله سبحانه وتعالى يحبه، ولهذا ليس من شرط التوبة ألا يعود إلى الذنب، هذا ليس من شرطه، شرط التوبة أن يعزم على ألا يعود، فإن عاد وسولت له نفسه بالعودة فإنه يتوب الله عليه إذا تاب، إذن الرب عز وجل يحب التوابين. ومن هم التوابون؟ التوابون كثيرو التوبة، والتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وقد سبق لنا أن شروطها خمسة؟ * طالب: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فعل، وألا يعود إلى الذنب. * الشيخ: وألا يعود أو وأن يعزم ألا يعود؟ * الطالب: وأن يعزم ألا يعود إلى الذنب، أعرف منها ثلاثة. * طالب آخر: وإن كانت حقوق يرد الحقوق والمظالم إلى أهلها. * الشيخ: لا، هذه داخلة في الإقلاع. * طالب: أن تكون قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها. * الشيخ: أن تكون في زمن القبول. * الطالب: في زمن القبول وقبل طلوع الشمس. * الشيخ: في زمن القبول يدخل هذا وهذا، في واحد بعد بقي عليه؟ * طالب: الإخلاص. * الشيخ: الإخلاص لله، فشروط التوبة إذن خمسة: الإخلاص لله، والندم على الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على ألا يعود، وأن تكون التوبة في وقت القبول أو في زمن القبول، أما الأول فشرط التوبة الإخلاص لأن التوبة من أجَلِّ العبادات، والعبادات من شرطها الإخلاص، فلو تاب الإنسان من ذنبه مراعاةً لشعور أحد من الناس أو مُراءاة للناس فإن توبته لا تقبل، وإذا لم يندم على ما مضى من الذنب وصار فِعْل الذنب وعدمه سواء فإنها لا تقبل توبته لأنه ما صدق في رجوعه، الراجع الصادق هو الذي يندم يقول: ليتني ما فعلت، وإذا لم يقلع فليس بصادق، بل هو إلى الاستهزاء أقرب منه إلى التوبة، رجل يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من الغيبة، يا فلان ما شفت فلان هذا السيئ الخلق. تاب ولَّا لا؟ * طالب: ما تاب. * الشيخ: ما تاب، واحد يقول: اللهم إني أتوب إليك من أكل الربا، تعال يا ولد خذ مئة بمئة وعشرين، تائب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: هذا ما تاب. واحد يقول: اللهم إني أتوب إليك من حقوق الناس، وهو عند القاضي يدَّعي ما ليس له وينكر ما عليه، تائب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما هو تائب، ليس بتائب، التوبة الرجوع، هذا ما رجع. الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، فإن لم يعزم فليس بصادق في توبته، فكأنه بيقول: ما أنا بعائد، لكن في نفسه أنه لو سنحت الفرصة لفعل الذنب، فهذا ليس بتائب. الخامس: أن تكون في زمن القبول وهو: أن تكون قبل حضور الأجل، فإن كان بعد حضور الأجل وانقطاع الأمل فإنها لا تقبل، كقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] ما ينفع بعد ما شاهد العذاب ما تنفع، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥] ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] ماذا قيل له؟ ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١] ما ينفع ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] هذه ليست توبة، كذلك أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لا تنفع التوبة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] فسر النبي عليه الصلاة والسلام بعض آيات الله بأنها طلوع الشمس من مغربها، وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية. ]] هذه شروط التوبة. وهل يشترط للتوبة أن يقلع عن جميع الذنوب؟ أو تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ نشوف الآن الشروط اللي معنا، هل من الشروط ألا يصر على ذنب؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، إذن تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، ولكن هذا التائب لا يستحق الوصف المطلق للتائبين؛ لأن الذي عنده مطلق توبة لا توبة مطلقة فلا يستحق الوصف المطلق للتائبين ولا المدح والثناء للتائبين، وقال بعض أهل العلم: إنها لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره من جنسه، أفهمتم؟ فمثلًا لو تاب من النظر المحرم لكنه يتكلم الكلام المحرم مع النساء تقبل توبته؟ قال بعض العلماء: لا تقبل لأن الجنس واحد، وكذلك لو تاب من الزنا زنا الفرج وهو مصر على زنا العين واليد والرجل واللسان فإنها لا تقبل لأن الجنس واحد، ولكن الجمهور على أن ذلك ليس بشرط، وأنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ولو من جنسه. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ التوبة تطهير القلب، و﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ تطهير الأبدان، يحب الذين يتطهرون من الأنجاس والأرجاس، ومن ذلك المتجنبون لوطء الحائض، المتجنبون لوطء الحائض لأنهم أيش؟ متطهرون في الواقع، فالله تبارك وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين. ثم قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ يعني زوجاتكم ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي موضع حرث لكم كما تكون الأرض حرثًا للزارع يبث فيها الحب فيخرج الحب وينمو ويُنتفع به، كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق فينزرع في الرحم حتى ينمو ويخرج بشرًا سويًّا، فالنساء حرث للرجال، ولهذا قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الفاء هذه للسببية أو للتفريع ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والمراد بالحرث هنا أيش؟ موضع الحرث وهو الفرج، ائتوه ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (أنَّى) بمعنى حيث فهي ظرف مكان بمعنى ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم: من جهة القُبُل يعني الأمام، من جهة الخلف، من جهة الجنب، من أي جهة، المهم أن يكون الإتيان في الحرث، وقد زعمت اليهود أن الرجل إذا أتى المرأة من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحول، وكذبوا في ذلك، وقد أنزل الله تكذيبهم في هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وسيأتي إن شاء الله الفوائد على هذه الجمل فوائد كثيرة. قال: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ وأيش نقدم؟ نقدم الطاعات وما ينفعنا عند الله عز وجل، وإنما قال: ﴿قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ حتى لا ننشغل بهؤلاء النساء عن تقديم ما ينفعنا يوم القيامة ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ومن التقديم للنفس أن يبتغي الإنسان بالجماع تحصين فرجه وتحصين فرج امرأته، وطلب الولد الصالح، والتسمية عند الجماع وما أشبه ذلك مما يقارن الجماع من الأعمال الصالحة بالنية، مثلًا الإنسان قد يجامع زوجته لكن من الناس من يريد مجرد قضاء الوطر فقط هذا لا شك أنه مفيد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يا رسولَ اللهِ، أَيَأْتي أحدُنا شهوتَه وَيكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]] ولكن أفيد من ذلك ما أشار الله إليه في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بماذا؟ * طالب: بالعمل الصالح. * الشيخ: بالنية في العمل الصالح الذي يترتب على النية، فينوي الإنسان مثلًا بجِماعِه هذا قضاء الوطر والتمتع بما أباح الله له، والاستغناء به عما حرم الله، ثانيًا: ينوي بذلك تحصين فرجه وفرج امرأته؛ لأنه لا شك أن هذا فيه تحصين الفرج؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنِ امْرَأَةٍ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا مَعَهَا -يَعْنِي مَعَ أَهْلِهِ- مِثْلُ الَّذِي مَعَهَا»[[أخرجه الترمذي (١١٥٨) من حديث جابر بن عبد الله.]] إذن فالجماع مُحصِّن للفرج، وإلا لكان النفس تتعلق بهذا الذي رأته ثم تحصل الفتنة. ثالثًا: ينوي بجماعه أن يرزقه الله تعالى ولدًا صالحًا، وما أفضل الولد إذا وُفِّق الإنسان لولد صالح ينفعه في حياته وبعد مماته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]. رابعًا: أن يفعل ما ينبغي أن يُفعل حال الجماع مثل التسمية عند الجماع فيقول: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَينَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١) ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس.]] كل هذا داخل تحت قوله تبارك تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الله أكبر، لما أمر بالتقديم لأنفسنا أمرنا أن نجتنب ما حرم الله علينا فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وهذا يشمل كل ما يتعلق بالمرأة في مسألة الجماع مما يخالف شريعة الله مثل أن يجامعها في الدبر مثلًا، فإن هذا ليس من تقوى الله عز وجل، بل هو من معصيته. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ شوف ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذا تنبيه للإنسان أن يعلم فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] استمِع للمثل، هنا قال: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ تنبيه؛ لأن تعلم أنك ملاقي الله عز وجل، ﴿أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، هذا اللقاء لقاء حقيقي ولَّا المراد ﴿مُلَاقُوهُ﴾ أي ملاقو ثوابه أو عقابه؟ الأول، لقاء حقيقي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤٣) ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم.]] كل إنسان سوف يلاقي الله عز وجل فاستعِد لهذه الملاقاة، انظر ماذا أعددت لها، وهذه الملاقاة ليست والله ببعيدة ما أقربها، مهما طال بك الزمن فإنه قريب ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦] فما أسرع هذه الملاقاة التي ستكون بينك وبين ربك يكلمك عز وجل مكالمة منه إليك ليس بينك وبينه ترجمان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ -عَلَى شِمَالِهِ- فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[أخرجه البخاري (٧٥١٢) من حديث عدي بن حاتم.]] وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ هل يشمل ذلك النظر إلى وجه الله الكريم؟ نعم ربما يشمله، ربما يشمله كما استدل به بعض أهل العلم، أو استدل بها بعض أهل العلم على ثبوت رؤية الله عز وجل في الآخرة. ثم قال لما حذر هذا التحذير العظيم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ لو كانت قلوبنا حية لكان لهذه الكلمة وقْعٌ في نفوسنا؛ لأنها من كلام الله عز وجل مصدرة بـ (اعلموا) لكن والله القلوب ميتة والشكوى إلى الله عز وجل، لما جاء بهذه الجملة العظيمة المنذرة المخيفة قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الحمد لله، ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذه الملاقاة ملاقاة خير، وهنا قال: ﴿بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذكر المبشَّر به حتى يكون عامًّا لكل ما فيه بشارة في الدنيا وفي الآخرة، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٢ - ٦٤] ولهذا قال هنا: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذكر وقت البشارة ولا مكانها ولا نوعها، إذن فهي بشارة عامة شاملة، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) عن أبي ذر.]] فأنت بشِّر كل مؤمن بكل خير، حتى في ملاقاة الله عز وجل بشِّرْه؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا قرر المؤمن بذنوبه ماذا يقول له؟ يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] حساب يسير آخره هذه البشارة العظيمة «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». * طالب: لها سبب نزول يا شيخ الآية آخر؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: هي ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم﴾ [البقرة ٢٢٣]. * الشيخ: إي ذكرناها قبل قليل، قصة اليهود الذين قالوا: إذا أتى الإنسان امرأته من دبرها في قبلها صار الولد أحول، فقال الله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. * الطالب: فيه بعض المفسرين قالوا: إن المهاجرين كانوا يفعلون كذا والأنصار لأ؟ * الشيخ: داخلة في هذا أقول: داخلة في هذا. يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ فقال بعضهم: المعنى لا تُكثروا الحلف إذا كنتم تريدون البر والتقوى والإصلاح، لا تُكثروا الحلف بالله، فلا تجعلوا الله تعالى معروضًا في أيمانكم دائمًا، ولا شك أن هذا منهي عنه، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر الحلف بالله، بل يجب أن يكون في قلبه من تعظيم الله عز وجل ما يمنعه أن يجعله عرضة في كل شيء، يعترض أو يعرض الله عز وجل في كل شيء. وقال بعض المفسرين: لا تجعلوا الله مانعًا لأيمانكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ﴿لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ يعني عرضة مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح، وهذا المعنى أقرب من الأول وإن كان الأول معنى محتملًا لكن هذا أقرب ويؤيده قول النبي ﷺ: «إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا تَحَلَّلْتُ مِنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٣٣) ومسلم (١٦٤٩ / ٧) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢ / ١٩) من حديث عبد الرحمن بن سمرة. ]] وعلى هذا يكون معنى الآية: لا تجعلوا الأيمان مانعًا لكم من البر، ويكون قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ يكون مؤولًا بمصدر منصوب بنزع الخافض أي: عرضة عن بِرِّكم، وقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ هذا إذا حلف على ترك الواجب، نقول: لا تجعل اليمين مانعًا لك من فعل الواجب، ماذا يصنع؟ * طالب: يكفِّر عن يمينه. * الشيخ: يكفِّر عن يمينه ويفعل الواجب، مثل أن قال: والله لا أكلم فلانًا، وفلان مؤمن يحرم هجره، نقول الآن: حلفت وأيش هو عليه؟ * طالب: كفارة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على الواجب. * الشيخ: على ترك الواجب، فيجب عليك أن تكفر عن يمينك وأن تكلمه. قال: والله لا أصلي مع الجماعة. صلِّ مع الجماعة يا ولد، صلِّ مع الجماعة. لا والله عنادًا لكم والله ما أصلي مع الجماعة، هذا يمكن يقع من بعض السفهاء، ماذا نقول له؟ صل مع الجماعة، قال: والله أنا حلفت عاد، مضى مني يمين، ماذا نقول له؟ لا تجعل الله عرضة لأيمانك عن البر، قم بالواجب وكفر عن يمينك. وقوله: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ هذا فيما إذا حلف على فعل محرم ما هو على ترك واجب، على فعل محرم، قال: والله لأجحدن مال فلان الذي عليَّ، حلف على أيش؟ * طالب: محرم. * الشيخ: على فعل محرم، وهو جحد الحق الواجب عليه، ماذا نقول له؟ نقول: كفر عن يمينك وأدِّ الحق إلى صاحبه. والله حلفتُ جرى مني يمين إني لأجحده. نقول: هذا يمين لا يعيقك عن التقوى، اتق الله عز وجل وقم بما أوجب الله عليك من إعطاء صاحب الحق حقه. طيب إنسان قال: والله لأضربن فلانًا، هو ما فعل جناية لكن صار في نفسه عليه شيء قال: والله لأضربن فلانًا، صار بينهم خصومة، قال: والله لأضربه، والله ما يروح مني إلا أنا جارح رأسه وداق عنقه، وأيش نقول؟ نقول: يا أخي هذا حرام، اتق الله عز وجل وكفر عن يمينك وأْتِ الذي هو خير، كفر عن يمينك ولا تضرب هذا الرجل أو تدق عنقه أو لا. ولهذا قال أهل العلم: إن الحنث في اليمين تجري فيه الأحكام الخمسة: تارة يكون واجبًا، وتارة يكون حرامًا، وتارة يكون سنة، وتارة يكون مكروهًا، وتارة يكون مباحًا، لكن في قسم المباح حفظ اليمين فيه أولى، حفظ اليمين أولى في المباح. قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أيضًا بعض الناس يصلح بين رجلين فيحصل منهما إساءة عليه، يقول: والله ما عمري أصلح بين الناس أبدًا، لأيش؟ قال: لأن ها دولاأصلحت بينهم ولحقني منهم الضرر، والله يكفيك شر مَن تُحسن إليه. وأيش نقول له؟ * طالب: اتقِ الله وأصلح. * الشيخ: نقول: كفر عن يمينك وأصلح بين عباد الله، قال: أنا جرى مني يمين؟ نقول: هذا اليمين الحمد لله كل شيء يمكن أن يحلل. إن كفر عن اليمين قبل الحنث يسمى أيش؟ يسمى تَحِلَّة، وإن كفر بعد الحنث يسمى كفارة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢] ولهذا جاء في الحديث الذي أشرت إليه قبل قليل: «إِلَّا تَحَلَّلْتُ يَمِينِي -أو قال: عَنْ يَمِينِي- وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[سبق تخريجه.]] وعلى هذا فنقول للذي أقسم ألا يصلح بين الناس: أصلح بين الناس وكفر عن يمينك، أو تحلل من يمينك وأصلح بين الناس. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الجملة هذه لا شك أن فيها نوعًا من التهديد، فإن الإنسان إذا جعل الله عرضة لأيمانه عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس لا شك أنه مستحق للَّوْم وللعقاب، فإن الله نهاه، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لما يقال، عليم بما يُفعل بل بكل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] هذان الاسمان من أسماء الله من الأسماء المتعدية أو اللازمة؟ * طالب: المتعدية. * الشيخ: المتعدية، إذن لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط، الأول: أن يؤمن بأنها اسم من أسماء الله دالة على ذات الله عز وجل. ثانيًا: يعتقد أنها دالة على صفة من صفات الله متضمنة لذلك. والثالث: أن يؤمن بما يترتب عليها من الحُكْم والآثار. فـ﴿سَمِيعٌ﴾ أي ذو سمع يسمع به، ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم يعلم به، والغرض أو الحكمة من ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: التحذير من مخالفة الإنسان ربه، فإنه إذا خالف الله فالله سميع عليم. * طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، الفائدة الأولى، فوائد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية. * الفائدة الأولى: أن لفظ الإيمان أخص من لفظ التوحيد، لقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ولقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ولم يقل: ولا تنكحوا المشركات حتى يوحدن، ولم يقل: ولا تُنكحوا المشركين حتى يوحدوا. الفائدة الثانية.. إذن الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين: إثبات أن إجابة دعوة الله عز وجل إنما تكون بإذنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٢١]. السادسة والعشرون: إثبات الإذن لله، وليس المراد بالإذن ما يقوم به السمع، المراد بالإذن الأمْر؛ لقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، وقد بيَّنا في التفسير أن إذن الله عز وجل ينقسم إلى ثلاثة أقسام. * طالب: ينقسم إلى قسمين. * الشيخ: إلى ثلاثة. * طالب: قسمين. * الشيخ: مصمم؟ إلى قسمين: إذْن شرعي، وإذْن كوني، وهذه من الفوائد يمكن الإنسان لو يتأمل يجد أكثر من هذا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ما المراد بالمحيض؟ يقال في هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ما قيل فيما قبلها من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾، * فيُستفاد منها: تتابُع أسئلة الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله ﷺ. * ويُستفاد منها: حِرص الصحابة على العلم؛ حيث يسألون رسول الله ﷺ عن مثل هذه الأمور. * ويُستفاد منها: أنه لا ينبغي أن يستحي الإنسان عن سؤال العِلْم مهما كان من الأمور الباطنة؛ لقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾. * ويُستفاد منها أيضًا: أن الله عز وجل قد يتولَّى الإجابة فيما سُئِل عنه رسول الله ﷺ؛ حيث قال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تقديم العِلَّة على الحُكم حتى يرِد الحُكم على الذهن وهو مستعد لقبوله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]. وتقديم العِلَّة على الحكم فيه الفائدة التي أشرنا إليها وهي أن يرد الحكم على الذهن وهو مستعد لقبوله. * ويُستفاد منها: أن المحيض أذى وهو الحيض؛ لأنه قَذَر ونَجِس؛ ولهذا أمَر النبي عليه الصلاة والسلام بغَسْله قليلِه وكثيره، فقد كانت النساء تُصيب ثيابهن الحيض فيسألن النبي ﷺ عن ذلك فيأمرهن أن يَقْرصْنه، تحكُّه أولًا ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب اعتزال المرأة حال الحيض؛ لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وقد بَيَّنت السُّنة ماذا يُعتزل فيه وهو الجماع، لقول النبي ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»[[أخرجه مسلم (٣٠٢ / ١٦) من حديث أنس.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: مِنَّة الله على الرجل والمرأة في اعتزالها حال الحيض؛ لأنه أذى، مضر بالمرأة ومضر بالرجل، الوطء حال الحيض. * ويُستفاد من الآية الكريمة: النهي عن قُرْبانهن حتى يَطْهُرن؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ فإن قلت: كيف يُجمع بين هذه الآية وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»[[سبق تخريجه.]] فإن هذا يقتضي قُرْبانهن؟ قلنا، أو فالجواب أن نقول: إن النهي عن القُرْبان مُبيَّن؛ بأن لا يقرب الإنسان الجماع؛ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان الرجل لا يملك نفسه فإنه لا يَقرب الفرْج، ولا يستمتع بما دون الإزار، وجعلوا ذلك وجهًا للجمع بين جواب النبي ﷺ حين سُئل: ماذا يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: «مَا فَوْقَ الْإِزَارِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٢١٢) من حديث عبد الله بن سعد، و(٢١٣) من حديث معاذ بن جبل واللفظ له.]] وبين قوله: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ».[[سبق تخريجه.]] * ويُستفاد من الآية الكريمة: تحريم الوطء بعد الطُّهر قبل الغُسل؛ لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٢٢]، وفي قراءة أخرى: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ يعني: يغتسلن، وفيه ردٌّ على قول من قال من أهل العلم: إن المراد بذلك غَسْل الفرْج وإزالة الأذى، وأنه يجوز للرجل أن يَطَأ زوجته بعد الطُّهر من حيضها وإن لم تغتسل إذا غسل المحل. الدليل: قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإن معناها: إذا اغتسَلْنَ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦] فالاطِّهار والتطهُّر معناه الاغتسال. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب جماع الزوجة بعد طُهرها من الحيض. * طالب: لا يلزم. * طالب آخر: على قول الظاهرية. * طالب آخر: يباح. * الشيخ: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾. نقول: نعم، قال به بعض أهل العلم، قال: إنه يجب على الرجل إذا اغتسلت زوجته من الحيض أن يُجامعها؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا، والصواب أن الأمر فيه لرفع الحَظْر ولا نقول: للإباحة، الصواب أن الأمر بعد النهي لرفع الحَظْر، فهو يرفع الحظر، ثم يُبقي الحكم على ما كان عليه قبل النهي. انتبهوا للفرق بين قولنا: إن الأمر بعد النهي للإباحة، وبين القول بأن الأمر بعد النهي لرفع الحظر، بينهما فرق، إذا قلنا: إن الأمر بعد النهي للإباحة فمعناه أن النهي رَفَعَ الحكم الأول، ألْغَاه، ثم جاء الأمر بعد النهي فأباح المَنْهِيَّ عنه، وأما إذا قلنا: إن الأمر بعد النهي رفع للحظر فقط، فمعناه أنه ارتفع النهي وبَقِي الحكم على ما كان عليه من قبل النهي، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أمرًا بعد الحظر يفيد رُجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، وإتيان المرأة إن لزم منه معاشرتها بالمعروف كان من الأمر المطلوب وإلا فلا. ولا ريب أن النساء يختلفن، فبعض النساء ترغب أن يأتيها الزوج، فيكون إتيانه لها من باب المعاشَرة بالمعروف المطلوبة في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩]. وبعض النساء لا يَهُمُّها ذلك، وبعض النساء ربما تكره ذلك. فالحاصل أن الأمر هُنا رفع للحظر فيُبقِي الأمر على ما كان عليه من قبل الحظر، ونحن نقول لأبي محمد علي بن حزم: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢]؟ هل تُوجِب على المحرم إذا حلَّ من إحرامه أن يحمل البندق لأجل أن يصطاد الصيد؟ سيقول: لا، والأمر في الآية هذه كالأمر في آية المائدة؛ لأن الله قال: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢]، فهو أمْر بعْد النهي، فالحاصل أن الصحيح أنَّ الأمر بعد النهي رفْعٌ للحظر، ورد للأمر على ما كان عليه قبل الحظر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعدَّى حُدود الله، لا زمانًا ولا مكانًا فيما أباح الله له من إتيان أهله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات محبَّة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ والمحبة حقيقيَّة لله عزَّ وجل على الوجه اللائق به، وهكذا جميع ما وصف الله به نفسَه من المحبة والرضا والكراهة والغضَب والسَّخَط وغيرها كلها حقيقة ثابتة لله على الوجه اللائق به. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات أمْر الله عز وجل، وأن أمرَه واجِب الطاعة حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة التوبة، وأنها أمر مطلوب، من أين؟ * الطالب: من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إن كان الله يحب التوابين فهو مطلوب. * الشيخ: فإنه مطلوب من الإنسان أن يفعل ما يحبه الله عز وجل. فإذن * يُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة التوبة، وأنها من أسباب محبة الله للعبد. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن صفة المحبة من صفات الله الفعلية لا الذاتية، كيف؟ لأنها عُلِّقت بالتوبة، والتوبة من فِعْل العبد تتجدَّد، فكذلك محبة الله عز وجل تتعلَّق بأسبابها، وكل صفة من صفات الله تتعلق بأسبابها فهي من الصفات الفعلية. * ويُستفاد من الآية الكريمة: محبَّة الله تعالى للمتطهِّرين لقوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: حُسْن أسلوب القرآن؛ لأنه جَمَعَ في هذه الآية بين التطهُّر المعنويِّ والتطهُّر الحِسِّي، من أين تؤخذ؟ * يُستفاد من الآية حُسن أسلوب القرآن حيث جمع بين التطهر الحِسِّي والمعنوي. * طالب: الطهارة الحسية طهارة البدن (...) والطهارة المعنوية طهارة.. * الشيخ: لا، ما عندي عِلم. * طالب: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. * الشيخ: لا لا. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] من الآية الأخيرة؟ * الشيخ: طيب وين التطهر الظاهر والباطن أو الحسي والمعنوي؟ * الطالب: التوابين هي التوبة الباطنية. * الشيخ: نعم، التوبة الطهارة الباطنية. * الطالب: والمتطهرين.. * الشيخ: الطهارة الحسية؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، صحيح؟ * الطلبة: صحيح. * الشيخ: نعم، * ويستفاد من الآية الكريمة: تعْليل الأحكام الشرعية؛ لقوله: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾. * وبناءً على ذلك يُستفاد منها: إثبات حكمة الله عز وجل، وأنه لا يَشْرَع شيئًا إلا لحكمة ولَّا لا؟ لأنه قال: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فإذن ما دام الله علَّل ذلك فمعناه أنه ما شرعه إلا لحكمة، وهذا مُقتضى اسمه تبارك وتعالى: الحكيم. * ويُستفاد من الآية الكريمة فائدة -لننظر فيها- وهي: حِكمة الله تعالى في حيْض المرأة؛ حيث قال بعض الأطباء: إن في ذلك مَصلحة للرجل؛ لأنه يحجزه عن الجماع، وإدامة الجماع ضرر على الإنسان، وفي بيت مشهور بيت حكمة قال: ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ لِلْأَنَامِ ∗∗∗ وَدَاعِيَةُ الصِّحِيحِ إِلَى السِّقَامِ ؎دَوَامُ مُدَامَةٍ وَدَوَامُ وَطْأٍ ∗∗∗ وَإِدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ نعم، واحد متغدي منتنًا بطنه، يِسَيِّل على صديقه، وإذا عنده طعام: لحم وعصب وما أشبه ذلك، ويأكل منها اللحم والعصب وهو مملوء البطن وأيش يكون هذا؟ هذا إدخال طعام على طعام خطر عليه، وأما الْمَدامة فهي الخمر، ومعلوم أن الخمر فَساد للعقل والدين والبدن، لا سيما إذا أُدمن والعياذ بالله، وكذلك الوطء مُنهك للبدن؛ ولهذا من حِكمة الله عز وجل أن الإنسان إذا جامَعَ يجب عليه أن يغْتسل ليتطهر وليُعيد نشاط بدنه إليه. أقول: هذه الفائدة يمكن أن تؤخذ من الآية؟ حِكمة الله عز وجل في الحيض وفي أمر الرجال باعتزال النساء فيه؛ لأجل أن يحافظوا بعض الشيء على صحتهم يمكن هذا؟ * طالب: يُقال: إنما شُرع لنا أن فيه مصلحة لنا في ديننا ودنيانا؛ وذلك لأنه فيه أذى يعني للرجل والمرأة، ولذلك نهانا الله عنه وجميع ما شُرع لنا وأبيح لنا فيه الخير. * الشيخ: هذا ما فيه إشكال، لكن نحن نريد الخير الْمُعيَّن ولَّا ما فيه شهادة، نحن نعرف ونعلم جميعًا كلنا والحمد لله أن الله ما شرع شيئًا إلا لحِكمة وخيرٌ للعباد في معاشِهم ومعادهم، هذا ما فيه إشكال، لكن نريد تلك المصلحة المعينة، هل هي صحيحة أم لا؟ * طالب: الظاهر أنها غير ظاهرة؛ لأن النبي ﷺ أباح الوطء ما دون.. * الشيخ: أباح الاستمتاع؟ * طالب: نعم. * الشيخ: بما دون الفرج؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لكن بس هو صحيح. * طالب: أقول: بالنسبة للمرأة صحيح هذا، لكن بالنسبة للرجل قد (...). * الشيخ: لا، وأيضًا والاستمتاع بما دون الفرج، الاستمتاع بما دون الفرج يمكن ينهك البدن أكثر لأن ذاك استمتاع طبيعي، وهذا استمتاع في الغالب غير طبيعي، وهو غير ما أباحه الله. المهم خلاص انسحبت من هذا، ما فيها فائدة. ثم قال تعالى.. فيه فائدة غير هذه؟ * طالب: في المحبة قلنا: فعلية، لماذا لا نقول: ذاتية فِعلية؟ * الشيخ: قد نقول: إنها ذاتية فِعلية، ممكن أن نقول؛ لأن الله يعلم من هذا الرجل أنه سيكون من التوابين والمتطهرين فيحبه، لكنه لا يحبه حتى يوجد هذا الشيء. * طالب: إثبات المحبة (...)، الحب والبغض لله، هذا هو القائم في نفسه؟ * الشيخ: هو قائم في نفسه لا شك، ولذلك قلنا لكم: الصِّفات الفعلية منها معنوي، ومنها غير معنوي، منها معنوي ومنها فِعلي، لكن نقول: إن المحبة تتعلق بالمحبوب، والمحبوب يكون حادِثًا، لكن الله تعالى يعلم أن شيئًا سيكون مما يُحِب فيحب هذا الشيء وقت وجوده. * طالب: شيخ، تفريق بعضهم بين ﴿تَقْرَبُوهُنَّ﴾ و (تَقْرُبُوهُنَّ)؟ على أن تقرَبوهن التلبس بهن، وتَقْرُبُوهُنَّ يعني: تدنون منهن. * الشيخ: والأولى أيش معناها؟ * الطالب: تَقْرَبُوهُنَّ أي: تتلبسون. * الشيخ: لا لا، ما هو بصحيح؛ لأن ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] يشمل كل ما يدعو إلى الزنا، فهو منهيٌّ عن الزنا وعن أسبابه. * الطالب: شيخ أنه ذكرها بالفتح لأنها عامة وأشمل، يقول: لكن ولم يذكرها بالضم لأنها خاصة بالدنو والقرب؟ * الشيخ: لا أبدًا، يقال: قَرُب يَقْرُب، وقَرَب يَقْرَب، بس هي من باب.. يسمون هذا أبواب الأوزان، ولا أظن بينها هذا الفرق. ثم قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن النساء حرْث للرجال، بمعنى مَوْضع زراعة. * ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرجل حُرٌّ في هذا الحرث، إن شاء فَعَلَ وإن شاء لم يَفْعَلْ؛ لقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إلا أنه مُوقَّت في أربعة أشهر على رأي بعض أهل العِلم أو فيما جرى به العرف على رأي آخر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: جواز إتيان المرأة في محل الحَرْث من أي جهة؛ لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وهل يُستفاد من الآية الكريمة مشروعية كَوْن الإنسان ينوي بجِماعه الولد؟ * طالب: نعم. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ غير ﴿قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فجعل الله تعالى الإتيان للحرث، فكأنه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتيَ المرأة من أجْل طلب الولد، وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه ما جَامَعَ إلا بقصد نية الولد أو إلا بقصد الولد. وعلى كل حال الناس يختلفون في هذا، ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد ويريد بذلك قضاء الوطر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه يُشرَع للمرء أن يُقدِّم لنفسِه عند الجماع لقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]. وقد ذكرنا في التفسير معنى قوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، وأن من معناها أيش؟ التسمية وإرادة تحصين الفرج، وإرادة الولد، كذا؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن إتيان المرأة من مصالح الإنسان الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ فكأن هذا إشارة من الله عز وجل إلى أن المصلحة لنا لا لغيرنا فقدِّم لنفسك. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وُجوب تقوى الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ويُستفاد منها: وجوب التمشِّي في معاملة الأهل في إتيانهم وترْكهم على أيش؟ على ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله، فيجب عليك أن تتمشَّى في مُعاشرة أهلك فعلًا وتَرْكًا على ما شرعه الله. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات البَعْث، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * ويستفاد منها: إثبات رؤية الله، من أين تؤخذ؟ * الطلبة:﴿أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * طالب: ما يلزم. * الشيخ: ما يلزم من الملاقاة في النظر؟ * طالب: لا يلزم. * الشيخ: لاقاه، أيش معناه؟ * طالب: قابله. * الشيخ: قابله وأيش اللي بيقابل مغط عيونه، استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنها تفيد إثبات رؤية الله؛ لأن الملاقاة الأصل عدم الحاجب، الأصل عدم الحاجب فيكون دالًّا على إثبات رؤية الله. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أَمَرَ بالتقوى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن من البلاغة إذا أخبرْتَ الإنسان بأمْر هام أن تُقدِّم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه، من أين؟ * الطلبة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، ما قال: اتقوا الله فإنكم ملاقوه، قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، وهذا مما يَزيد الإنسان انتباهًا وتحسُّبًا لهذه الملاقاة. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن المؤمنين ناجون من أَوْضار هذه الملاقاة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد منه: أن البشارة للمؤمنين مُطلقة حيث قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذْكُر المُبَشَّر به. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، وجهه عدم التقييد، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤]، وسئل النبي ﷺ عن الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له فقال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تحذِير غير المؤمنين من هذه الملاقاة، من أين تُؤخذ؟ لأنه لما أمَرَنَا أن نعلم بأننا ملاقوه قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: وأنذر غير المؤمنين، وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١]. * الطلبة: يعني: وسرابيل تقيكم البرد. * الشيخ: تقيكم الحر والبرد، فهنا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علَّق البشارة عليهم فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد منه: جَواز إتيان الرجل امرأته من دُبرها في قبلها؛ لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وكانت اليهود -عليهم لعائن الله- يقولون: إن الرجل إذا أتى امرأته من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحْوَل، فكذَّبهم الله عز وجل. * طالب: شيخ، ما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ حث الرجال على المحافظة على نسائهم؛ لأنه قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ وقال: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾؟ * الشيخ: نعم، يُستفاد منها، يستفاد من الإضافة ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾، و﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يُستفاد منه أنه ينبغي للإنسان أن يُحافظ على هذه المرأة التي أُضيفت له، وعلى أنها حرثه كما يحافظ على حرث أرضه. * ويُستفاد منها أيضًا فائدة أخرى: وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن لا يُقلِّل من النسل؛ لقوله: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وإذا كانت حرثًا فهل الإنسان عندما يحرث أرضًا هل يُقلِّل من الزرع ولَّا يُكثر من الزرع؟ يكثر من الزرع، هذا هو الغالب لا شكَّ، يكثر من الزرع فنقول: هذا أيضًا ينبغي للإنسان أن يكثر من الأولاد ما استطاع. وأما القول بتحديد النسل فإن هذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين، يريدون من المسلمين أن لا يكثُروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، إذا كثروا استغنوا بأنفسهم عنهم، إذا كثروا حرثوا الأرض وشغلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد وغير ذلك، فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذِلَّة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء. وما رأيكم في امرأة تقول: أنا أريد أن أتناول حبوب منع الحمل لأنني إذا حملت تعبت، كنت قبل الحمل أصعد إلى السطح وأنزل وأخرج وأجيء، وأجلس بهدوء وأقوم بهدوء، لكن لما حملت كبر البطن وثقُل الولد صرت أتعب، أقوم أنا على جُموعي في العاجِن وأجلس بكل كلافة، والدرج لا أصعدها، وإذا أتى الوَضْع فحدِّث ولا حرج من التعب؟ وأيش نقول؟ أعظم الله أجرك، ما (...) أعظم الله أجرك، لكن نقول: هذا أمر طبيعي، فإن الله يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف ١٥] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. هذا أمر لا بُدَّ منه كيف يجي ولد بدون أي تعب؟! * طالب: ولا تسمح له أن يتزوج غيرها، هي تَبْلع الحبوب ولا تسمح أن يتزوج غيرها. * الشيخ: عجيب، هذا المشكل. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة ٢٢٣] إن الملاقاة شاملة للكافر والمؤمن، والرؤية خاصة بالمؤمن؟ * الشيخ: إي نعم، لكن ملاقاة الكافِر قد يحتجب الله عنه بدليل قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]. * طالب: إذن ما فيها دلالة؟ * الشيخ: لا فيها؛ لأن الأصل في الملاقاة عدَم الاحتجاب إلا بدليل، شنو يلاقيه بدون نظر؟ * طالب: لكن، هل كل مؤمن يرى الله في الجنة؟ * الشيخ: نعم. * طالب: كل مؤمن؟ * الشيخ: كل مؤمن في الجنة يرى الله. * طالب: أليس في الجنة درجات؟! * الشيخ: إي نعم درجات، لكن يختلفون في رؤية الله، منهم من يراه كل يوم، ومنهم من يراه كل أسبوع أو كل شهر الله أعلم، لكن لا شكَّ أنهم يختلفون، إنما ما من مؤمن إلا يرى الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٥] ولم يذكر الله وجوهًا أُخرى. ثم قال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٤]. * الطالب: ألا يعتبر هذا اعتراضًا على الله؟ * الشيخ: ما هو؟ * الطالب: تحديد النسل (...)؟ * الشيخ: لا ما هو اعتراض على الله عز وجل، لكنه خِلاف الأَوْلى، والصحابة كانوا يعزلون والقرآن ينزل، والعَزْل معناه أنه يمنع الحمل. * طالب: لعِلَّة ظاهرة؟ * الشيخ: لا ما أمرهم الرسول. * طالب: أقول: لعلة ما عرضوه على الرسول ﷺ فراح (...). * الشيخ: لا، حديث جابر: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠ / ١٣٦) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله.]] لكن هم سألوا الرسول عن العَزْل فقال: «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ»[[أخرجه مسلم (١٤٤٢ / ١٤١) من حديث جُدامة بنت وهب.]]. فهذا يدل على أن الأولى ترْكُه، وأنه لا ينبغي إلا لحاجة مع أن أهْل العلم يقولون: يحرم على الرجل أن يعزل عن الْحُرَّة إلا بإذنها؛ لأن النَّسل من حقها. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: النهي عن كثرة الأيمان؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ لأن الآية فيها معنيانِ كما سبق، لكن على قول من يقول: ﴿لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ لا تُكثروا الأيْمان به لأجل أن تكونوا من أهل البِرِّ والتقوى والإصلاح، فعلى هذا الرأي يكون في الآية دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يُكثر الأيْمان بالله، ويدُل لذلك قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]. وعلى الرأي الثاني يُستفاد منها: أنه لا ينبغي للإنسان أو يُنهى الإنسان عن جَعْل اليمين حاجزًا يمنعه عن البر والتقوى والإصلاح، فالمعنى يختلف ولَّا لا؟ يختلف؛ لأن المعنى على الوجه الثاني أن الإنسان إذا حلف على شيء وهو عمل بر، لا يقول: والله ما أفعله؛ لأني حلفتُ على تركه، إذا حلف على فِعل شيء وهو حرام ما يفعله ويقول: لأني حلفت؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ هذا في فِعْل الخير، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ في فِعل المحرم، أو في ترك المحرم، ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ واضحة. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب احترام الله عز وجل على الوجه الأول؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. * ويُستفاد منها: أن الإنسان إذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فإنه يفْعل الخير ويُكفِّر عن اليمين؛ لقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. * ويُستفاد منها: الحث على البِرِّ، ووجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعًا من فِعْل البر، فما بالك إذا لم يكن هناك يمين؟! وكذلك الحث على التقوى وعلى الإصلاح. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإصلاح بين الناس؛ لقوله: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فنصَّ عليه مع أنه من البِرِّ، والتنصيص على الشيء بعد التعميم، وأيش يدل عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، ولا ريب أن الإصلاح بين الناس من الأمور الهامة لما فيه من رَأْب الصدع، ولَمّ الشعث، وجمع الشَّمل، وهذا خلاف من -والعياذ بالله- مَنْ يفعلون ما يُوجب القطيعة بين الناس مثل النَّميمة، النميمة تُوجب القطيعة بين الناس؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٨) واللفظ له من حديث حذيفة بن اليمان.]] * الشيخ: * ويُستفاد منها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما السميع والعليم، وما تضمَّناه من صفة، وما تضمناه من حُكم وأثر. * ويُستفاد منها: تحذير الإنسان مِن المخالفة، وجهه أنه إذا كان الله سميعًا عليمًا فإياكَ أن تخالف ما أمرك به، فإنك إن خالفته بما يُسمع سمعك، وبما يُعلم علِمك، فاحذر الله عز وجل. * طالب: بالنسبة للرأي الأول في الحلف يقول: لا تجعلوا الله (...).

البقرة 2:225

الشيخ: ﴿يُؤَاخِذ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: المؤاخذة بمعنى العقوبة، والثاني: المؤاخذة بمعنى الإلزام بالكفارة، وكلا المعنيين صحيح، فاللغو في اليمين لا يؤاخذ الله به لا إثمًا ولا كفَّارة، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [المائدة ٨٩] ما هو اللغو؟ اللغو في الأصل في اللغة: الشيء الساقِط، والمراد به هنا: ما لم يقصده الإنسان في قلبه، هذا المراد باللغو في اليمين، ما لم يقصده الإنسان في قلبه، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩] فدلَّ هذا على أن اللغو في اليمين هو الذي لم يُقصد أيش؟ لم يُقصد عقْدُه، هذا اللغو في اليمين، مثاله: قول الإنسان في عرْض حديثه: لا والله، وبلى والله، والله ما شوفت فلان، والله ما يصير بفلان، طب تفضل معي، قال: لا والله ما أنا برائح، يا رجَّال مشى، عليه كفّارة ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ * الطلبة: لأنه ما قصد اليمين. * الشيخ: لأنه ما قصد اليمين، فإذا لم يقصد اليمين فلا كفَّارة عليه للآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ولقول النبي ﷺ في الحديث الأساسي القاعدة العظيمة في الإسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) واللفظ له من حديث عمر بن الخطاب.]]. إذن هذا اللغو في اليمين. وقال بعض أهل العلم: إن اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظنه كذلك ويتبين بخلافه، وهذا ما ذكره فُقهاء الأحناف رحمهم الله، ولكن الصواب: أنه لا يدخل في لغو اليمين إلا أنه لا حُكْمَ له، لا حكم له ما هو من أجل أنه من اللغو، لكن من أجل أن الإنسان حلف على شيء يظنه كذلك، وحَلِفُه على ما قام في نفسه من الظن صِدق ولَّا لا؟ * طالب: صِدْق. * الشيخ: صِدْق، فلذلك حتى لو كان الأمر بخلافه ما عليه شيء، ولا فرْق بين أن يكون ذلك في المستقبل أو في الماضي، في الماضي مثل أن يقول: والله ما جاء فلان، هذا ظنه، ولكنه قد جاء. في المستقبل مثل أن يقول: والله لا يأتي فلان غدًا، فيجيء، أو يقول: والله ليَأْتِيَنَّ ثم لا يجيء. وأما إذا حَلَفَ على نفسه لقصد إلزام نفسه مثل أن يقول: والله لأفعلنَّ غدًا كذا، ثم لا يفعل، فهنا عليه الكفّارة إذا تمت الشروط. إذن للعلماء في تفسير اللغو قولان: أحدهما: أن المراد به اليمين التي لم يُقصد عقْدُها. والثاني ما هو؟ * الطالب: أن يحلف على ما يغلب على ظنه هكذا. * الشيخ: والثاني: أن يحلف على شيء يغلب على ظنه أنه كما حلف، ثم يَتَبَيَّن بخلافه. قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥] الحمد لله ما قال: بما حل في قلوبكم، أو بما كان، ولكن قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، وهذه قاعدة عامة، ما هو في الأيْمان فقط، كل ما كسبت القلوب فإننا مؤاخذون به، ومعلوم أن الكسب لا بُدَّ فيه من عمل، فليس مُجرَّد ما يقع في القلب يكون مؤاخذًا به حتى يكون هناك عمَل وحركة للقلب، فهناك تقتضي الكفارة. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٥]. لما ذكر اللغو والمنعقِد ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين وهما؟ * الطالب: السميع العليم. * الشيخ: لا، العزيز، العظيم، أو الحكيم؟ العزيز الحكيم صح؟ * طالب: لا. * الشيخ: إياك والتقليد ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. (...) باللغو باليمين؛ لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الْمَدَار على ما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الحلف على ما يغْلِب على الظن غيْرُ مؤاخذ به، ولو تبين خلافه بناء على أحد التفسيرين، وهو صحيح؛ لأن الله لا يُؤاخذنا إلا بما كسبت القلوب، وما كسبت القلوب فهو ما تعمدت فيه الإثم. * ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وما تضمناه من وصف وهما: الغفور الحليم. * ومنها: أن للقلبِ كَسْبًا وعملًا؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، والقلوب لها أعمال ولها أقوال، فأقوال القلب: إقرارُه واعترافه، وأفعال القلب: حركاته من المحبة والإرادة والخوف والخشية وما أشبه ذلك. ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦]. ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مُقدَّم، و﴿تَرَبُّصُ﴾ مبتدأ مؤخر، وبعد هذا بَيَّن الله الحال، بعد هذا التربص. قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ اللام هذه إما أن تكونَ للإباحة وإما أن تكونَ للاستحقاق، يعني: يستحِقُّون تربص أربعة أشهر، أو يباح لهم تربص أربعة أشهر. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾ الْأَلِيَّة بمعنى الحلف، فمعنى ﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلِفون. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ قيل: إنها بمعنى عن، يعني: يحلفون عن وطء نسائهم. وقيل: إنها على بابها، آلى منها فهي مُبيِّنَة لموضع الألِيَّة يعني: الحلف. وقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: من زَوْجاتهم؛ لأن المرأة أو لأن نساء الرَّجُل هن زوجاته، وتكون امرأته بمجرد العَقْد وإن لم يحصل الدخول. قوله: ﴿تَرَبُّصُ﴾ بمعنى: انتظار، وهو شبِيه بالصَّبر لموافقته إيّاه في الحروف، وإن خالفه في الترتيب، والصبر بمعنى: حبْس النفس وانتظارها. وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ابتداءً من إيلائهم لا من مُطالبة الزوجة له، فينتظرون لمدة أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلَوا منهن. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حِرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على أن لا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يُعاشر زوجته بالمعروف، وليس من العِشْرة بالمعروف أن يحلفَ الإنسان أن لا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر، فإن فعل فقد عَرَّض نفسه للعقوبة، لكنه إذا رجع غفر الله له. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يشمل ما إذا فاؤوا قبل أربعة أشهر أو فاؤوا بعدها، فإن فاؤوا قبل أربعة أشهر فالأمْر واضح، وإن فاؤوا بعدها فكذلك لكن لا بُدَّ أن يكون فيأتُهم بعدها مباشرة؛ لأنه بعد أربعة أشْهُر يقال له: إما أن تفيء وإما أن تُطلِّق. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هذا إثبات الاسمين الكريمين لله عز وجل الغفور والرحيم، والغفور ذو المغفرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والرحيم: ذو الرحمة كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]. والمغفرة هي: سَتْر الذنب والتجاوُز عنه، مأخوذة من الْمِغْفَر وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتِّقاء السهام، وفي المغفر تغطية، ووقاية. وقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ مُشتق من الرحمة المستلزِمة للعطف والحنو، والإحسان، ودفْع النِّقَم، فالرحمة إذن صفة من صفات الله عز وجل، وهي غير الإحسان وغير إرادة الإحسان، بل الإحسان وإرادة الإحسان من مقتضياتها ولوازمها. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧] أي: قصدوه بعزيمة تامة، ويدل على أن العَزْم هنا بمعنى القصد أنه تعدَّى بنفسه إلى الطلاق، ولو كان العزم بمعناه الأصلي لقال: وإن عزموا على الطلاق، كما فسَّر ذلك بعض المفسرين، وقالوا: إن الطلاق منصوب بنزع الخافض، والتقدير: وإن عزموا على الطلاق. لكنه قد مر علينا أن النصْبَ بنزع الخافض لا يطَّرد في: أَنَّ، وأَنْ، وأما بدونهما فإنه يُوقَف على السماع، ولكننا يمكن أن نتخلص من ذلك فنقول: ﴿إِنْ عَزَمُوا﴾ بمعنى: قصدوا بعزيمة تامّة، فقد ضُمِّن العزم هنا معنى القصد ﴿إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: أن يُطلقوا زوجاتهم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعني: سميع لأقوالهم ومنها الطلاق، عليم بأحوالهم ومنها مُفارقة الزوجات، وفي ختم الجملة هذه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في ختمها بذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يُريد الطلاق؛ لأن ختمها بهذين الاسمين فيه شيء من التهديد بخلاف الأول، الأول: قال: ﴿إِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦] وهنا قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى، وله معنيان: أحدهما: الإجابة. والثاني: إدراك المسموع، أما الإجابة فمثالها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده، فإن قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يعني: لمجيبه، وسمع الله لمن حمده بمعنى: استجابَ؛ ولهذا عُدِّيت باللام، ولم يقل: سمع الله مَنْ. أما السميع بمعنى: مُدرك المسموعات، والسمع بمعنى إدراك المسموع، فإن العلماء قسَّموه إلى أقسام: منها ما يُراد به التهديد. ومنها ما يُراد به التأييد. ومنها ما يُراد به الإحاطة. فمثال ما يراد به التهديد: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١] فهذا يُراد به التهديد، بدليل قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]. ومثال ما يُراد به التأييد: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. ومثال ما يُراد به الإحاطة: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١]. فالسمع الأول من الصفات الفِعْلية الذي هو إجابة الدعاء، والسمع بالمعنى الثاني من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال مُتَّصفًا بالسمع، لكن الذي يتجدَّد المسموع، أما سمْع الله عز وجل فإنه لم يزل ولا يزال متصفًا به. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العِلْم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، فإن لم يُدرِك الشيء فهو جاهِل به، وإن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل به أيضًا، وإن أدركه إدراكًا غير جازم فهذا ليس بعلم، لكنه إما ظن أو شك، أو وهم، فالعلم إذن، ما هو العلم؟ * طالب: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. * الشيخ: نعم، أحسنت، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل، ومن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل، لكنه جهل مركَّب، يعني جاهل جهلًا مركَّبًا، وإن أدركه على ما هو عليه لكن بدون جزم فليس بعالِم، لكنه إما شاك، أو ظانٌّ، أو واهِم، فهذه خمسة أقسام، من لم يدركه أصلًا فهو جاهل جهلًا بسيطًا، مثل أن يقال لك: متى كانت غزوة بدر؟ فتقول: والله ما أدري، نعم، هذا ما هو؟ * الطلبة: جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، قال لك قائل: إن في أحد أعضاء الوضوء جَرحًا، فهل يجوز أن أتيمم عنه؟ فقال: ما أدري. * طالب: جهل بسيط. * الشيخ: جهل بسيط، سأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: كانت غزوة بدر في يوم الاثنين، الموافق للخامس عشر من شهر جُمادى الثانية سنة سبع من الهجرة. * طالب: مُركَّب. * الشيخ: كيف؟ تبغون أدق من هذا؟! ذكر لكم اليوم والشهر والسنة؟ * طالب: ليس على ما هو عليه. * الشيخ: ليس على ما هو عليه، هذا يسمى جهلًا مركبًا، من أين مركَّب؟ مُركب من كونه جاهلًا وجاهل بنفسِه أنه جاهل، جاهل وجاهل أنه جاهل، فهو مُركَّب من جهْلين، قال لك: متى كانت غزوة بدر؟ قال: أظنها في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، هذا عِلم؟ ليس بعِلم، هذا ظن. قال: متى كانت؟ قال: والله عندي شك فيها هل هي في السنة الثانية أو في السنة الثالثة، ليس بعلم، هذا شك. طيب الذي قال بالأول: أظنها في السنة الثانية عنده طرف آخر أظنها في غيرها، الطرف الثاني أظنها في غيرها يُسمى وَهْمًا، الطرف المرجوح يسمى وهمًا. طيب يقولون: إن رجلًا يسمى توما الحكيم، ذكرت لكم قصته سابقًا يدَّعي أنه حكيم عالِم، وكان له حمار، فقال الحمار مُغنِّيًا: قَــــــــالَ حِمَــــــــارُ الْحَكِيـــــــــــــمِتَوْمَـــــــــــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَــــبْ؎لِأَنَّـــنِــــــــــــي جَـــــاهِـــــــــــلٌبَـــسِـــيــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَــاحِـــبِــــي جَــــاهِـــــــلٌمُـــرَكَّــــــبْ يعني يقول الحمار: لو إن كان الدهر مُنصفًا، لكن الحمار عاد ما يدري يعني نسب الحكم إلى الدهر، يقول: لو كان عنده إنصاف الدهر لكان أنا اللي أركب صاحبي، أركب على ظهره أحط عليه أوثار وأمشي، لكنه بالعكس. أما قصة الحكيم هذا فإنه قال فيها الشاعر: وَمَــــنْ رَامَ الْعُلُـــــومَ بِغَيْـــــرِشَيْــــــخٍ ∗∗∗ يَضِــلُّ عَــنِ الصِّــرَاطِ الْمُسْتَقِيــم؎وَتَلْتَبِـــسُ الــْعُـــلُــــــومُ عَلَيْــــــهِحَتَّـــى ∗∗∗ يَكُونَ أَضَلَّ مِــنْ تومــا الْحَكِيـمِ؎تَصَــدَّقَ بِالْبِنَــاتِ عَلَــــى رِجَـــــالٍ ∗∗∗ يُـــــرِيــــــدُ بِــذَاكَ جَــــنَّـــاتِالنِّعِـــيــمِ التصدُّق على المحتاجين بالدراهم، فيه فضل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: فيه فضل، قد يؤدِّي إلى دخول الجنات، لكن هذا قال: بدل ما أروح أعطيهم الفلوس ويتعبوا في الخطبة: تعالوا، نعطيكم بنات، نتصدق على هؤلاء العُزَّاب ببنات مُباشرة، ماذا تريد يا توما؟ قال: هذا أفضل، أنا أريد بذلك جنات النعيم، وأيش تقولون في هذه الصدقات؟ * الطلبة: وبال، وجهل. * الشيخ: هذا زنا، والعياذ بالله، هذا زنا. الحاصل أن العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا، هذا هو العلم، الرب عز وجل يدرك الأشياء على ما هي عليه؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: لو قلت لشخص وأنت تكذب: الله يعلم إني ما فعلت كذا، وأنت فاعل، إنك لو قلت هكذا فإنه ربما تكفر، لأيش؟ قال: لأنك إذا قلت: الله يعلم أني ما فعلته، وأنت فاعله نسبت الله إلى أي شيء؟ إلى الجهل، وأنه لا يدري، وهذا كُفر مع أن بعض الناس الآن يتعاطون هذه الحال، يقول: الله يعلم أني ما فعلته، أنت ما فعلت هذا؟ قال: الله يعلم أني ما فعلته، وهو فاعله، هذه خطيرة جدًّا. قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧] ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ﴾ نعم. * طالب: قلنا: التربص أربعة أشهر (...). * الشيخ: الإيلاء. * الطالب: لا تبتدأ من.. * الشيخ: من المطالبة. * الطالب: مطالبة الزوجات، هل في الآية ما يدل على ذلك؟ * الشيخ: إيه، بيجينا في الفوائد. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾. * طالب: هل صحيح يكفر من قال هذه المقالة؟ * الشيخ: هو إن قصد المعنى كفر، لكن غالب الناس ما يقصدون المعنى. * طالب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يا شيخ، ما المقصود يعني إن عزموا أزواجكم هذا يطلقوهم، ما هذا معناها؟ * الشيخ: لا، إن أرادوا الطلاق. * طالب: هنا أرادوا أجود من (...). * الشيخ: ما حصل له، يجينا إن شاء الله بالفوائد. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأيش وجه العموم فيه؟ أنه من الأسماء الموصولة، ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ من الأسماء الموصولة. * طالب: ليس كذلك. * الشيخ: ليس كذلك، سبحان الله! صحيح من الأسماء الموصولة. * طالب: (أل)؟ * الشيخ: طيب، هذا الموصول وصلته، وَصِــــفَـــــةٌ صَـــرِيــحَـــةٌ صِـــــلَـــــةُأَلْ ∗∗∗ ....................؎وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ ∗∗∗ .................... إذن اسم موصول؛ لأن ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ اسم موصول، فهي عام، يعني كل منْ طُلِّقت. وقوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ هذه يُستثنى منها -كما سيأتي إن شاء الله- من لم يدخل بها؛ لأن اللي ما دخل عليها ما عليها عِدة. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي بما في نُفوسهن، فهن المأمُونات على أحوالهن، وأيضًا يتربصن بأنفسهن، أي في مكان حصِين تُحصِّن به نفسها وهو بيت الزوج كما سيُذكر إن شاء الله في الطلاق. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذه ﴿ثَلَاثَةَ﴾ نائبة مناب الظرف، ، ولّا لا؟ أو نائبة مناب المفعول المطلق، يعني: تربُّصًا ثلاثة قروء. والقُروء جمع قَرْء بالفتح، واختلف العلماء في معنى القَرْء؛ هل هو الحيض أو الطُّهْر، وحصل في ذلك نزاع طويل عريض، مَن أراد أن ينظُر إليه فما وجدته مبسوطًا كما بُسط في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله. والصواب أن القُروء هي الحيض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في المستحاضة أنها «تَجْلِسْ قَدْر مَا كَانَتْ تَحْبِسُها أَقْرَاؤُها»[[أخرجه البخاري (٣٢٥) بلفظ: «وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ الْأَيَّامَ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا»، ومسلم (٣٣٤ / ٦٥) بلفظ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» من حديث عائشة، وأبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) من حديث دينار بلفظ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا».]] أي: حِيَضُها، فثلاث القروء أي: ثلاث حِيَض، كمْ مدتها غالبًا؟ ثلاثة شهور، لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق ٤] ولكن ربما تحيض المرأة لأقلَّ من ذلك، وربما لا تحيض إلا لأكثر حتى إني سمعت أن امرأة تطهُر أربعة أشهر، ويأتيها الحيض شهرًا واحدًا كاملًا، شهرا كاملا، كأنه (...) وهذا نادر، لكن الغالب أنه في كل شهر مرة. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ أي: لهؤلاء المطلقات ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من أين؟ من الحمْل، لا يحلُّ لها أن تكتم الحمل، لكن كيف تكتم الحمل؟ ما غرضها بذلك؟ ويش غرضها أن تكتم الحمل؟ * طالب: إطالة العدة؟ * الشيخ: إطالة العدة، أو تقصير العِدّة. * طالب: تزوج. * الشيخ: إي، لكن هل أنها تكتم ما في بطنها وتقول: إنها حاضت ثلاث حِيَض لتطويل العدة، ولا لتقليلها؟ * طالب: بالعكس لتقصيرها. * الشيخ: لتقصير العدة، ربما تكتم لتقصير العِدَّة من أجل أن تتخلصَ من زوجها، فلا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في الرحم، بل يجب عليها البيان كغيرها ممن له معاملة مع غيره، فإنه يجب عليه البيان والصدق كما قال النبي ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وكَتَما مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]. وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ سُمِّي رَحِمًا؛ لأنه ينضم على الجنين ويحفظه، فهو كذوي الأرحام من حيْث انضمامهم على قَريبهم وحُنوِّهم عليه، وعطفهم عليه. وقوله: ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ لأن الجنين بإذن الله يكون في الرحم، وليس في البطن، والرحم هذا وصفه الله بأنه قَرَارٌ مَكِين، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات ٢١، ٢٢]. ووصفه الله تعالى بأنه في ثلاث ظُلُمات ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر ٦] وهي: ظُلْمة البطن، وظلمة الرَّحم، وظلمة المشْيمة، الغشاء الذي على الجنين، هذا الغشاء الذي على الجنين سبحان الذي خلقه، غِشاء من ماء لزِج ليِّن جِدًّا جِدًّا؛ لأن الجنين كما تعرفون، الجنين عبارة عن مُضغة ما عليها جلد، ورقيقة جدًّا، لو لم يكن هذا الماء الذي تتحرك به تحركًا عظيمًا لكانت تتمزق، لكن الله جعل هذا الماء لأجل أن تتحرك في كل اتجاه حتى عاد يكبر، فإذا كبر فإنه بإذن الله يكون وجهه إلى ظهْر أمِّه، شوف الحكمة، وظهره إلى بطن أمه لأيش؟ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر فالظهر عمود فقري عِظام يَقِيه، إذا كان ظهره هو إلى بطن الأم صار ظهرُه يتحمل، يتحمل الضَّغط والصدمة وما أشبه ذلك، فإذا أراد الرب العظيم أن يُخرجه تحرَّك ثم انقلب على رأسه، انقلب على رأسه في الرحم، ينقلب حتى يسلك مَسلكه، ولذلك قال أهل العلم: إنه لو ماتت امرأة حامل بمسلم، امرأة حامل كافرة هي وولدها مسلم أين نقبرها؟ يقولون: إن وُجد مكان مُنفرد دُفنت في مكان منفرد، وإن لم يُوجد فإنها تُدفن مع المسلمين احترامًا لمن في بطنها، ولكن كيف تدفن؟ يقولون: إنها تُدفن على جنبها الأيسر مستدبرة القبلة أو الجَنْب الأيمن؟ * طالب: الأيسر. * الشيخ: الجنب الأيسر مستدبرة القبلة؛ لأجل أن يكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة، شوف سبحان الله العظيم. * طالب: يُصلى عليها يا شيخ؟ * الشيخ: إيوه، يُصلى على ما بطنها، يُصلى عليها ويُنوى الصلاة على ما في بطنها، وبهذه المناسبة أود أن أنبهكم إذا تقدمت امرأة حامل ليصلى عليها وولدها قد نُفِخَت فيه الروح يجب أن ننوي الصلاة عليه وعلى أمه، لو صلينا على أمِّه فقط معناه أننا ما أدينا الفريضة للصلاة على ما في بطنها، وهذه مسألة أظنها تخفى كثيرًا من الناس، أكثر الناس إذا قُدمت امرأة حامل يصلون على هذه المرأة فقط مع أن أهل العِلم يقولون: يجب أن الصلاة تُنوى على المرأة وعلى ما في بطنها الاثنين جميعًا. * طالب: ما يخبرونا. * طالب آخر: ما يخبرون المصلين. * الشيخ: لكن أحيانًا مثل عندنا هنا في القصيم، يتبين الحمل تكون بطن الأم كبيراً. * طالب: ما هو بلازم يكون فيه حمل. * الشيخ: إي قد لا يكون حمل. المهم على كل حال أنه يجب على الأقل أن هذا الأمر يُنْشَر حتى لو أن أهلها فقط نَوَوْا ذلك يكفي، يعني ما هو بلازم كل المأمومين ينوي ذلك، لو ينوي واحد من الناس كفى. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن كُنَّ لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا حرجَ عليهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن؟ * الطلبة: لا، عليها من الحرج. * الشيخ: لا؟ إذن هذا الشرط يُراد به الإغراء والتهييج، يعني: إن كانت صادقة بأنها تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تكتم ذلك. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، والمراد باليوم الآخر يوم القيامة، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إنه يدخل في الإيمان به كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فِتنة القبر، وعذاب القبر أو نعيمه، وكل ما يكون. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما المناسب للإيمان بالله هنا؟ الإيمان بما له من صفات الفضل والرحمة والإحسان أو الإيمان بما له من صفات العقوبة والغضب والانتقام؟ * طالب: كله جميعًا. * الشيخ: لكن المرأة، وأيش تلاحظ الآن، هل تلاحظ الخوف من عقوبة الله فلا تكتم، أو تلاحظ الطمع في فضله فتُبيِّن؟ * طالب: كلا الأمرين؟ * الشيخ: كلا الأمرين، لكن الغالب أنه إذا وقع هنا في مقام النهي فإن المنهيّات يُراعى فيها جانب الخوف بخلاف المأمورات، فإن المأمورات يُراعى فيها جانب الفضل والطمع، أما المنهيات فيراعى فيها في الغالب جانب الخوف. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما ذكر اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، فالناس إذا بُعثوا يوم القيامة ما عاد فيه موت، ما فيه إلا الخلود أبدًا، إما في جنة وإما في نار. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذَكَرَ اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فِعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ لأنه يَعلم أن أمامه يومًا يُجازى فيه الإنسان على عَمَلِه فتجده يحرص على فِعْل المأمور وعلى ترْك المحظور. قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البُعولة جمع بَعْل وهو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود ٧٢] يعني: زوجي. ﴿بُعُولَتُهُنَّ﴾: أي بُعولة المطلَّقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك الزمن أو في ذلك التربص إلى آخره. ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ من أين؟ أَطْلَقَ، ما قال: أحق بِرَدِّهن من أنفسهن، ولا قال: من أَهْلِهنَّ، ولا قال: من أزواج آخرين، ليكون ذلك عامًّا، فالحق للزوج ما دامت في مدة التربص ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائدًا على ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ قد يُفْهم منه أن المطلقات هي عامٌّ أريد به الخاص، مَنْ أُريد به؟ * طالب: الرَّجْعِيَّات. * الشيخ: الرجعيات؛ لأن الأحقيَّة هنا لا تكون إلا للرجعيات، أما البَوائن، البوائن بفسْخ أو طلاق، كالطلاق على عِوض أو طلاقًا ثلاثًا، فإن بعولتهن لا حق لهم في ردهن. وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان هذه المسألة. قال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟ التربص ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فإن قال قائل: كيف تقولون أنها عائدة على التربص؟ أين التربص؟ نقول: لأنه مصدر مفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والمصدر المفهوم من الفِعْل قد يعود إليه الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، اعدلوا هو يعني: العدل، المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾، كقوله في ذلك المشار إليه التربص المفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾. لكن اشترط الله لأحقِّيَّة الزوج البُعولة قال: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] إن أرادوا -أي البعولة- إصلاحًا في ردِّهن، فإن أرادوا إضرارًا فظاهر الآية الكريمة أنه لا حَقَّ لهم في ذلك؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس، وابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]. كيف يريد الإضرار بها؟ ينتظر حتى إذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجع، فإذا راجع طلَّق، فإذا طلَّق وابتدأت العدة انتظر حتى تُشارف على انقضاء العدة، فإذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجعها، ثم طلَّقها، الشرع حده، الآن ما عاد الرجع، لكن في الجاهلية يتركها حتى تُشارف، ثم يُعيدها، ثم يطلقها، ثم يتركها حتى تشارف ثم يعيدها، ثم يطلقها وهكذا حتى حدَّ الله ذلك بثلاث طلقات. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: ثُبوت حكم الإيلاء، ثبوت الحكم؛ لأن الله تعالى ضرب له أربعة أشهر. * ويستفاد منه: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويستفاد من هذه الآية: أن الْمُولِي يُضرَب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فهنا قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ثم قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾، فيفيد أن ابتداء المدة من أين؟ من الإيلاء. * ويستفاد منه: حِكمة الله عز وجل ورحمته بعباده في مراعاة الحقوق، حقوق مَنْ؟ الزوجة لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وفي الحقيقة أنه كما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضًا حتى لا يضيع حق المرأة على يده فيكون ظالمًا. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُولِي يُوقَف عند مُضِيِّ أربعة أشهر، ويُقال له: إما أن تفيءَ وإما أن تُطلِّق؛ لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها: أن الطلاق بِيدِ الزوج؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والضمير يعود على مَنْ؟ على ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويُستفاد منها: صِحة الإيلاء من غير المدخول بها، مِن أين؟ من قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد. * ويُستفاد منه: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق مُحرَّم لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإن المغفرة لا تكون إلا في مُقابلة أيش؟ ذنب. * ويُستفاد من الآية: أن رُجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة، من أين يُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإن رجوع الإنسان عن التمادي في المعصية هو من علامات التوبة فيكون سببًا للمغفرة. * ويُستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لا يُحب الطَّلاق؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها أيضًا من الآية: أن الطلاق لا يقَع بمجرد تمام الْمُدَّة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. وهل يؤخذ من الآية أنه لو أبى أن يرجع وأن يُطلِّق فإنه يُجبر؟ لو قال: لا أرجع ولا أطلق؟ * طالب: تُطلق عليه. * طالب آخر: يُجبر. * الشيخ: نشوف هل يؤخذ من الآية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما يخالف، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ منه أنه إذا لم يفِئ ولم يُطلِّق أُجبر؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، من اللي مستعد ليبين لي وجه الدلالة؟ * طالب: التهديد؛ لأنه آخر الآية قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: هذه في الآية أن الطلاق ليس محبوبًا إلى الله. * طالب: شيخ، هنا الأمران مخيَّر فيه صحيح، الأمر الأول: لا يمكن للحاكم ولا لغيره أن يجبره عليه، بقي الأمر الثاني: إما أن يُطلق وإما أن يُسند إلى غيره. * الشيخ: إذا قال ما أنا مطلق؟ والله يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فرد الأمر إليهم. * طالب: ما نستطيع أن نجبره على الرجوع إلى زوجته. * الشيخ: ما يخالف، الرجوع يمكن نقول: ما نجبره على الرجوع. * طالب: ما بقي إلا الطلاق، والطلاق إن لم يقع منه وليس هنالك حال ثالثة نلجأ إليها نجبره عليه. * طالب آخر: قال لنا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فحدَّد أربعة أشهر، تبقى أربعة أشهر إما أن نُجبره على الرجوع وإما أن تكون طالقًا، يُطلِّقها أصلًا. * الشيخ: والشاهد؟ * طالب: خيّر الله سبحانه وتعالى المؤمن بين أمرين، والمقام مقام تفصيل يعني، لو كان فيه حالة ثالثة كان ذكرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: وهي؟ إذن معناها لو كان فيه حال ثالثة وهي الإجبار على الطلاق لذكرها؟ * طالب: لا، (...) يُلزَم. * الشيخ: يشتغلون. * طالب: من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: وين ما فاؤوا يُجبرون على الطلاق. * الشيخ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾؟ * طالب: الظاهر ما يستفاد. * الشيخ: كما نقول مثلًا: إن الله ذكر أنه ما له إلا حالين، فهو يُجبر على أحد الحالين؛ لأن الله إنما ذَكَرَ الحالين من أجْل حقوق مَنْ؟ * طالب: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا قلنا له أن يمتنع عن هذا وهذا، ضاع حق الزوجة، وحينئذٍ يكون إجبار الحاكم له من باب الأخْذ بحق الزوجة؛ لأننا لو نقول: إنه إن شاء طلَّق، وإن شاء رجع، وإن شاء لا طلَّق ولا رجع فإنه يضيع حق المرأة، والله عز وجل إنما جعل هذا الخيار له من أجل حق الزوجة، فلا يمكن أن يضيع؛ ولهذا قال العلماء: إنه إذا أبى هذا وهذا، فإن الحاكم إما أن يُلزمه بالطلاق حتى يُطلِّق، يَحبسه حتى يُطلق ومر علينا هذا أظن في قواعد ابن رجب، إما أن يلزمه يقول: لازم أنك تطلق ويحبسه ويعزِّره حتى يُطلق، وإما أن يُطلِّق عليه. وهذا واضح، هذا هو الصحيح، ويمكن أن يؤخذ من الآية لأنه ما ذكر إلا ها الحالين لأجل حماية حق الزوجة ولا بد منه، وإذا لم يكن بُدٌّ من حمايته فيجبر على أحد الأمرين، والفَيئة قد يُتعذر الإجبار عليها لأن هذا الشيء يرجع إلى نفس الإنسان وميله، وهذا لا يمكن أن يجبر على أن يميل إليه نعم. * طالب: ما يؤخذ من الآية أن من رَجَعَ عن ذنب لو ما تلفظ بالتوبة أنه من التوبة؟ * الشيخ: إي هذا الرجوع، الرجوع عن المعصية توبة. * الطالب: أقول: لو ما قال؟ * الشيخ: لو ما قال: أستغفر الله وأتوب إليه، حتى ما ذكرها في شروط التوبة. فيها أيضًا، هل يُؤخذ من الآية أن الإيلاء لا يصح من الصغير؟ * طالب: لا يؤخذ. * طالب آخر: لا يستطيع. * الشيخ: ولَّا لا؟ * طالب: هي عامة. * الشيخ: كيف ذلك؟ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والصغير.. وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ من هذا اللفظ أنه لا بد أن يكون الطلاق على وجه شرعي؟ الجواب: نعم؛ لأن الطلاق هنا مطلق، وما أُطِلَق في الكتاب والسنة فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية، فالنكاح والبيع والصلاة والصيام وغيرها كلها تطلق على أيش؟ على الحقائق الشرعية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطلاق على وجه مباح شرعًا. فإن طَلَّق في حال الحيض فإنه على القول الراجح: لا يقع الطلاق، وعلى قول الجمهور: يقع، ولكنه يقال له: راجع زوجتك كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يراجع زوجته[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (١٤٧١ / ١١) من حديث ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا».]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله، وهم: الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:226

الشيخ: ﴿يُؤَاخِذ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: المؤاخذة بمعنى العقوبة، والثاني: المؤاخذة بمعنى الإلزام بالكفارة، وكلا المعنيين صحيح، فاللغو في اليمين لا يؤاخذ الله به لا إثمًا ولا كفَّارة، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [المائدة ٨٩] ما هو اللغو؟ اللغو في الأصل في اللغة: الشيء الساقِط، والمراد به هنا: ما لم يقصده الإنسان في قلبه، هذا المراد باللغو في اليمين، ما لم يقصده الإنسان في قلبه، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩] فدلَّ هذا على أن اللغو في اليمين هو الذي لم يُقصد أيش؟ لم يُقصد عقْدُه، هذا اللغو في اليمين، مثاله: قول الإنسان في عرْض حديثه: لا والله، وبلى والله، والله ما شوفت فلان، والله ما يصير بفلان، طب تفضل معي، قال: لا والله ما أنا برائح، يا رجَّال مشى، عليه كفّارة ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ * الطلبة: لأنه ما قصد اليمين. * الشيخ: لأنه ما قصد اليمين، فإذا لم يقصد اليمين فلا كفَّارة عليه للآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ولقول النبي ﷺ في الحديث الأساسي القاعدة العظيمة في الإسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) واللفظ له من حديث عمر بن الخطاب.]]. إذن هذا اللغو في اليمين. وقال بعض أهل العلم: إن اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظنه كذلك ويتبين بخلافه، وهذا ما ذكره فُقهاء الأحناف رحمهم الله، ولكن الصواب: أنه لا يدخل في لغو اليمين إلا أنه لا حُكْمَ له، لا حكم له ما هو من أجل أنه من اللغو، لكن من أجل أن الإنسان حلف على شيء يظنه كذلك، وحَلِفُه على ما قام في نفسه من الظن صِدق ولَّا لا؟ * طالب: صِدْق. * الشيخ: صِدْق، فلذلك حتى لو كان الأمر بخلافه ما عليه شيء، ولا فرْق بين أن يكون ذلك في المستقبل أو في الماضي، في الماضي مثل أن يقول: والله ما جاء فلان، هذا ظنه، ولكنه قد جاء. في المستقبل مثل أن يقول: والله لا يأتي فلان غدًا، فيجيء، أو يقول: والله ليَأْتِيَنَّ ثم لا يجيء. وأما إذا حَلَفَ على نفسه لقصد إلزام نفسه مثل أن يقول: والله لأفعلنَّ غدًا كذا، ثم لا يفعل، فهنا عليه الكفّارة إذا تمت الشروط. إذن للعلماء في تفسير اللغو قولان: أحدهما: أن المراد به اليمين التي لم يُقصد عقْدُها. والثاني ما هو؟ * الطالب: أن يحلف على ما يغلب على ظنه هكذا. * الشيخ: والثاني: أن يحلف على شيء يغلب على ظنه أنه كما حلف، ثم يَتَبَيَّن بخلافه. قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥] الحمد لله ما قال: بما حل في قلوبكم، أو بما كان، ولكن قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، وهذه قاعدة عامة، ما هو في الأيْمان فقط، كل ما كسبت القلوب فإننا مؤاخذون به، ومعلوم أن الكسب لا بُدَّ فيه من عمل، فليس مُجرَّد ما يقع في القلب يكون مؤاخذًا به حتى يكون هناك عمَل وحركة للقلب، فهناك تقتضي الكفارة. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٥]. لما ذكر اللغو والمنعقِد ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين وهما؟ * الطالب: السميع العليم. * الشيخ: لا، العزيز، العظيم، أو الحكيم؟ العزيز الحكيم صح؟ * طالب: لا. * الشيخ: إياك والتقليد ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. (...) باللغو باليمين؛ لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الْمَدَار على ما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الحلف على ما يغْلِب على الظن غيْرُ مؤاخذ به، ولو تبين خلافه بناء على أحد التفسيرين، وهو صحيح؛ لأن الله لا يُؤاخذنا إلا بما كسبت القلوب، وما كسبت القلوب فهو ما تعمدت فيه الإثم. * ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وما تضمناه من وصف وهما: الغفور الحليم. * ومنها: أن للقلبِ كَسْبًا وعملًا؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، والقلوب لها أعمال ولها أقوال، فأقوال القلب: إقرارُه واعترافه، وأفعال القلب: حركاته من المحبة والإرادة والخوف والخشية وما أشبه ذلك. ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦]. ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مُقدَّم، و﴿تَرَبُّصُ﴾ مبتدأ مؤخر، وبعد هذا بَيَّن الله الحال، بعد هذا التربص. قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ اللام هذه إما أن تكونَ للإباحة وإما أن تكونَ للاستحقاق، يعني: يستحِقُّون تربص أربعة أشهر، أو يباح لهم تربص أربعة أشهر. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾ الْأَلِيَّة بمعنى الحلف، فمعنى ﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلِفون. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ قيل: إنها بمعنى عن، يعني: يحلفون عن وطء نسائهم. وقيل: إنها على بابها، آلى منها فهي مُبيِّنَة لموضع الألِيَّة يعني: الحلف. وقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: من زَوْجاتهم؛ لأن المرأة أو لأن نساء الرَّجُل هن زوجاته، وتكون امرأته بمجرد العَقْد وإن لم يحصل الدخول. قوله: ﴿تَرَبُّصُ﴾ بمعنى: انتظار، وهو شبِيه بالصَّبر لموافقته إيّاه في الحروف، وإن خالفه في الترتيب، والصبر بمعنى: حبْس النفس وانتظارها. وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ابتداءً من إيلائهم لا من مُطالبة الزوجة له، فينتظرون لمدة أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلَوا منهن. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حِرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على أن لا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يُعاشر زوجته بالمعروف، وليس من العِشْرة بالمعروف أن يحلفَ الإنسان أن لا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر، فإن فعل فقد عَرَّض نفسه للعقوبة، لكنه إذا رجع غفر الله له. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يشمل ما إذا فاؤوا قبل أربعة أشهر أو فاؤوا بعدها، فإن فاؤوا قبل أربعة أشهر فالأمْر واضح، وإن فاؤوا بعدها فكذلك لكن لا بُدَّ أن يكون فيأتُهم بعدها مباشرة؛ لأنه بعد أربعة أشْهُر يقال له: إما أن تفيء وإما أن تُطلِّق. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هذا إثبات الاسمين الكريمين لله عز وجل الغفور والرحيم، والغفور ذو المغفرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والرحيم: ذو الرحمة كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]. والمغفرة هي: سَتْر الذنب والتجاوُز عنه، مأخوذة من الْمِغْفَر وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتِّقاء السهام، وفي المغفر تغطية، ووقاية. وقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ مُشتق من الرحمة المستلزِمة للعطف والحنو، والإحسان، ودفْع النِّقَم، فالرحمة إذن صفة من صفات الله عز وجل، وهي غير الإحسان وغير إرادة الإحسان، بل الإحسان وإرادة الإحسان من مقتضياتها ولوازمها. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧] أي: قصدوه بعزيمة تامة، ويدل على أن العَزْم هنا بمعنى القصد أنه تعدَّى بنفسه إلى الطلاق، ولو كان العزم بمعناه الأصلي لقال: وإن عزموا على الطلاق، كما فسَّر ذلك بعض المفسرين، وقالوا: إن الطلاق منصوب بنزع الخافض، والتقدير: وإن عزموا على الطلاق. لكنه قد مر علينا أن النصْبَ بنزع الخافض لا يطَّرد في: أَنَّ، وأَنْ، وأما بدونهما فإنه يُوقَف على السماع، ولكننا يمكن أن نتخلص من ذلك فنقول: ﴿إِنْ عَزَمُوا﴾ بمعنى: قصدوا بعزيمة تامّة، فقد ضُمِّن العزم هنا معنى القصد ﴿إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: أن يُطلقوا زوجاتهم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعني: سميع لأقوالهم ومنها الطلاق، عليم بأحوالهم ومنها مُفارقة الزوجات، وفي ختم الجملة هذه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في ختمها بذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يُريد الطلاق؛ لأن ختمها بهذين الاسمين فيه شيء من التهديد بخلاف الأول، الأول: قال: ﴿إِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦] وهنا قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى، وله معنيان: أحدهما: الإجابة. والثاني: إدراك المسموع، أما الإجابة فمثالها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده، فإن قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يعني: لمجيبه، وسمع الله لمن حمده بمعنى: استجابَ؛ ولهذا عُدِّيت باللام، ولم يقل: سمع الله مَنْ. أما السميع بمعنى: مُدرك المسموعات، والسمع بمعنى إدراك المسموع، فإن العلماء قسَّموه إلى أقسام: منها ما يُراد به التهديد. ومنها ما يُراد به التأييد. ومنها ما يُراد به الإحاطة. فمثال ما يراد به التهديد: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١] فهذا يُراد به التهديد، بدليل قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]. ومثال ما يُراد به التأييد: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. ومثال ما يُراد به الإحاطة: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١]. فالسمع الأول من الصفات الفِعْلية الذي هو إجابة الدعاء، والسمع بالمعنى الثاني من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال مُتَّصفًا بالسمع، لكن الذي يتجدَّد المسموع، أما سمْع الله عز وجل فإنه لم يزل ولا يزال متصفًا به. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العِلْم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، فإن لم يُدرِك الشيء فهو جاهِل به، وإن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل به أيضًا، وإن أدركه إدراكًا غير جازم فهذا ليس بعلم، لكنه إما ظن أو شك، أو وهم، فالعلم إذن، ما هو العلم؟ * طالب: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. * الشيخ: نعم، أحسنت، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل، ومن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل، لكنه جهل مركَّب، يعني جاهل جهلًا مركَّبًا، وإن أدركه على ما هو عليه لكن بدون جزم فليس بعالِم، لكنه إما شاك، أو ظانٌّ، أو واهِم، فهذه خمسة أقسام، من لم يدركه أصلًا فهو جاهل جهلًا بسيطًا، مثل أن يقال لك: متى كانت غزوة بدر؟ فتقول: والله ما أدري، نعم، هذا ما هو؟ * الطلبة: جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، قال لك قائل: إن في أحد أعضاء الوضوء جَرحًا، فهل يجوز أن أتيمم عنه؟ فقال: ما أدري. * طالب: جهل بسيط. * الشيخ: جهل بسيط، سأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: كانت غزوة بدر في يوم الاثنين، الموافق للخامس عشر من شهر جُمادى الثانية سنة سبع من الهجرة. * طالب: مُركَّب. * الشيخ: كيف؟ تبغون أدق من هذا؟! ذكر لكم اليوم والشهر والسنة؟ * طالب: ليس على ما هو عليه. * الشيخ: ليس على ما هو عليه، هذا يسمى جهلًا مركبًا، من أين مركَّب؟ مُركب من كونه جاهلًا وجاهل بنفسِه أنه جاهل، جاهل وجاهل أنه جاهل، فهو مُركَّب من جهْلين، قال لك: متى كانت غزوة بدر؟ قال: أظنها في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، هذا عِلم؟ ليس بعِلم، هذا ظن. قال: متى كانت؟ قال: والله عندي شك فيها هل هي في السنة الثانية أو في السنة الثالثة، ليس بعلم، هذا شك. طيب الذي قال بالأول: أظنها في السنة الثانية عنده طرف آخر أظنها في غيرها، الطرف الثاني أظنها في غيرها يُسمى وَهْمًا، الطرف المرجوح يسمى وهمًا. طيب يقولون: إن رجلًا يسمى توما الحكيم، ذكرت لكم قصته سابقًا يدَّعي أنه حكيم عالِم، وكان له حمار، فقال الحمار مُغنِّيًا: قَــــــــالَ حِمَــــــــارُ الْحَكِيـــــــــــــمِتَوْمَـــــــــــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَــــبْ؎لِأَنَّـــنِــــــــــــي جَـــــاهِـــــــــــلٌبَـــسِـــيــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَــاحِـــبِــــي جَــــاهِـــــــلٌمُـــرَكَّــــــبْ يعني يقول الحمار: لو إن كان الدهر مُنصفًا، لكن الحمار عاد ما يدري يعني نسب الحكم إلى الدهر، يقول: لو كان عنده إنصاف الدهر لكان أنا اللي أركب صاحبي، أركب على ظهره أحط عليه أوثار وأمشي، لكنه بالعكس. أما قصة الحكيم هذا فإنه قال فيها الشاعر: وَمَــــنْ رَامَ الْعُلُـــــومَ بِغَيْـــــرِشَيْــــــخٍ ∗∗∗ يَضِــلُّ عَــنِ الصِّــرَاطِ الْمُسْتَقِيــم؎وَتَلْتَبِـــسُ الــْعُـــلُــــــومُ عَلَيْــــــهِحَتَّـــى ∗∗∗ يَكُونَ أَضَلَّ مِــنْ تومــا الْحَكِيـمِ؎تَصَــدَّقَ بِالْبِنَــاتِ عَلَــــى رِجَـــــالٍ ∗∗∗ يُـــــرِيــــــدُ بِــذَاكَ جَــــنَّـــاتِالنِّعِـــيــمِ التصدُّق على المحتاجين بالدراهم، فيه فضل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: فيه فضل، قد يؤدِّي إلى دخول الجنات، لكن هذا قال: بدل ما أروح أعطيهم الفلوس ويتعبوا في الخطبة: تعالوا، نعطيكم بنات، نتصدق على هؤلاء العُزَّاب ببنات مُباشرة، ماذا تريد يا توما؟ قال: هذا أفضل، أنا أريد بذلك جنات النعيم، وأيش تقولون في هذه الصدقات؟ * الطلبة: وبال، وجهل. * الشيخ: هذا زنا، والعياذ بالله، هذا زنا. الحاصل أن العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا، هذا هو العلم، الرب عز وجل يدرك الأشياء على ما هي عليه؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: لو قلت لشخص وأنت تكذب: الله يعلم إني ما فعلت كذا، وأنت فاعل، إنك لو قلت هكذا فإنه ربما تكفر، لأيش؟ قال: لأنك إذا قلت: الله يعلم أني ما فعلته، وأنت فاعله نسبت الله إلى أي شيء؟ إلى الجهل، وأنه لا يدري، وهذا كُفر مع أن بعض الناس الآن يتعاطون هذه الحال، يقول: الله يعلم أني ما فعلته، أنت ما فعلت هذا؟ قال: الله يعلم أني ما فعلته، وهو فاعله، هذه خطيرة جدًّا. قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧] ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ﴾ نعم. * طالب: قلنا: التربص أربعة أشهر (...). * الشيخ: الإيلاء. * الطالب: لا تبتدأ من.. * الشيخ: من المطالبة. * الطالب: مطالبة الزوجات، هل في الآية ما يدل على ذلك؟ * الشيخ: إيه، بيجينا في الفوائد. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾. * طالب: هل صحيح يكفر من قال هذه المقالة؟ * الشيخ: هو إن قصد المعنى كفر، لكن غالب الناس ما يقصدون المعنى. * طالب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يا شيخ، ما المقصود يعني إن عزموا أزواجكم هذا يطلقوهم، ما هذا معناها؟ * الشيخ: لا، إن أرادوا الطلاق. * طالب: هنا أرادوا أجود من (...). * الشيخ: ما حصل له، يجينا إن شاء الله بالفوائد. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأيش وجه العموم فيه؟ أنه من الأسماء الموصولة، ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ من الأسماء الموصولة. * طالب: ليس كذلك. * الشيخ: ليس كذلك، سبحان الله! صحيح من الأسماء الموصولة. * طالب: (أل)؟ * الشيخ: طيب، هذا الموصول وصلته، وَصِــــفَـــــةٌ صَـــرِيــحَـــةٌ صِـــــلَـــــةُأَلْ ∗∗∗ ....................؎وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ ∗∗∗ .................... إذن اسم موصول؛ لأن ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ اسم موصول، فهي عام، يعني كل منْ طُلِّقت. وقوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ هذه يُستثنى منها -كما سيأتي إن شاء الله- من لم يدخل بها؛ لأن اللي ما دخل عليها ما عليها عِدة. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي بما في نُفوسهن، فهن المأمُونات على أحوالهن، وأيضًا يتربصن بأنفسهن، أي في مكان حصِين تُحصِّن به نفسها وهو بيت الزوج كما سيُذكر إن شاء الله في الطلاق. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذه ﴿ثَلَاثَةَ﴾ نائبة مناب الظرف، ، ولّا لا؟ أو نائبة مناب المفعول المطلق، يعني: تربُّصًا ثلاثة قروء. والقُروء جمع قَرْء بالفتح، واختلف العلماء في معنى القَرْء؛ هل هو الحيض أو الطُّهْر، وحصل في ذلك نزاع طويل عريض، مَن أراد أن ينظُر إليه فما وجدته مبسوطًا كما بُسط في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله. والصواب أن القُروء هي الحيض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في المستحاضة أنها «تَجْلِسْ قَدْر مَا كَانَتْ تَحْبِسُها أَقْرَاؤُها»[[أخرجه البخاري (٣٢٥) بلفظ: «وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ الْأَيَّامَ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا»، ومسلم (٣٣٤ / ٦٥) بلفظ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» من حديث عائشة، وأبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) من حديث دينار بلفظ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا».]] أي: حِيَضُها، فثلاث القروء أي: ثلاث حِيَض، كمْ مدتها غالبًا؟ ثلاثة شهور، لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق ٤] ولكن ربما تحيض المرأة لأقلَّ من ذلك، وربما لا تحيض إلا لأكثر حتى إني سمعت أن امرأة تطهُر أربعة أشهر، ويأتيها الحيض شهرًا واحدًا كاملًا، شهرا كاملا، كأنه (...) وهذا نادر، لكن الغالب أنه في كل شهر مرة. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ أي: لهؤلاء المطلقات ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من أين؟ من الحمْل، لا يحلُّ لها أن تكتم الحمل، لكن كيف تكتم الحمل؟ ما غرضها بذلك؟ ويش غرضها أن تكتم الحمل؟ * طالب: إطالة العدة؟ * الشيخ: إطالة العدة، أو تقصير العِدّة. * طالب: تزوج. * الشيخ: إي، لكن هل أنها تكتم ما في بطنها وتقول: إنها حاضت ثلاث حِيَض لتطويل العدة، ولا لتقليلها؟ * طالب: بالعكس لتقصيرها. * الشيخ: لتقصير العدة، ربما تكتم لتقصير العِدَّة من أجل أن تتخلصَ من زوجها، فلا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في الرحم، بل يجب عليها البيان كغيرها ممن له معاملة مع غيره، فإنه يجب عليه البيان والصدق كما قال النبي ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وكَتَما مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]. وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ سُمِّي رَحِمًا؛ لأنه ينضم على الجنين ويحفظه، فهو كذوي الأرحام من حيْث انضمامهم على قَريبهم وحُنوِّهم عليه، وعطفهم عليه. وقوله: ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ لأن الجنين بإذن الله يكون في الرحم، وليس في البطن، والرحم هذا وصفه الله بأنه قَرَارٌ مَكِين، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات ٢١، ٢٢]. ووصفه الله تعالى بأنه في ثلاث ظُلُمات ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر ٦] وهي: ظُلْمة البطن، وظلمة الرَّحم، وظلمة المشْيمة، الغشاء الذي على الجنين، هذا الغشاء الذي على الجنين سبحان الذي خلقه، غِشاء من ماء لزِج ليِّن جِدًّا جِدًّا؛ لأن الجنين كما تعرفون، الجنين عبارة عن مُضغة ما عليها جلد، ورقيقة جدًّا، لو لم يكن هذا الماء الذي تتحرك به تحركًا عظيمًا لكانت تتمزق، لكن الله جعل هذا الماء لأجل أن تتحرك في كل اتجاه حتى عاد يكبر، فإذا كبر فإنه بإذن الله يكون وجهه إلى ظهْر أمِّه، شوف الحكمة، وظهره إلى بطن أمه لأيش؟ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر فالظهر عمود فقري عِظام يَقِيه، إذا كان ظهره هو إلى بطن الأم صار ظهرُه يتحمل، يتحمل الضَّغط والصدمة وما أشبه ذلك، فإذا أراد الرب العظيم أن يُخرجه تحرَّك ثم انقلب على رأسه، انقلب على رأسه في الرحم، ينقلب حتى يسلك مَسلكه، ولذلك قال أهل العلم: إنه لو ماتت امرأة حامل بمسلم، امرأة حامل كافرة هي وولدها مسلم أين نقبرها؟ يقولون: إن وُجد مكان مُنفرد دُفنت في مكان منفرد، وإن لم يُوجد فإنها تُدفن مع المسلمين احترامًا لمن في بطنها، ولكن كيف تدفن؟ يقولون: إنها تُدفن على جنبها الأيسر مستدبرة القبلة أو الجَنْب الأيمن؟ * طالب: الأيسر. * الشيخ: الجنب الأيسر مستدبرة القبلة؛ لأجل أن يكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة، شوف سبحان الله العظيم. * طالب: يُصلى عليها يا شيخ؟ * الشيخ: إيوه، يُصلى على ما بطنها، يُصلى عليها ويُنوى الصلاة على ما في بطنها، وبهذه المناسبة أود أن أنبهكم إذا تقدمت امرأة حامل ليصلى عليها وولدها قد نُفِخَت فيه الروح يجب أن ننوي الصلاة عليه وعلى أمه، لو صلينا على أمِّه فقط معناه أننا ما أدينا الفريضة للصلاة على ما في بطنها، وهذه مسألة أظنها تخفى كثيرًا من الناس، أكثر الناس إذا قُدمت امرأة حامل يصلون على هذه المرأة فقط مع أن أهل العِلم يقولون: يجب أن الصلاة تُنوى على المرأة وعلى ما في بطنها الاثنين جميعًا. * طالب: ما يخبرونا. * طالب آخر: ما يخبرون المصلين. * الشيخ: لكن أحيانًا مثل عندنا هنا في القصيم، يتبين الحمل تكون بطن الأم كبيراً. * طالب: ما هو بلازم يكون فيه حمل. * الشيخ: إي قد لا يكون حمل. المهم على كل حال أنه يجب على الأقل أن هذا الأمر يُنْشَر حتى لو أن أهلها فقط نَوَوْا ذلك يكفي، يعني ما هو بلازم كل المأمومين ينوي ذلك، لو ينوي واحد من الناس كفى. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن كُنَّ لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا حرجَ عليهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن؟ * الطلبة: لا، عليها من الحرج. * الشيخ: لا؟ إذن هذا الشرط يُراد به الإغراء والتهييج، يعني: إن كانت صادقة بأنها تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تكتم ذلك. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، والمراد باليوم الآخر يوم القيامة، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إنه يدخل في الإيمان به كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فِتنة القبر، وعذاب القبر أو نعيمه، وكل ما يكون. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما المناسب للإيمان بالله هنا؟ الإيمان بما له من صفات الفضل والرحمة والإحسان أو الإيمان بما له من صفات العقوبة والغضب والانتقام؟ * طالب: كله جميعًا. * الشيخ: لكن المرأة، وأيش تلاحظ الآن، هل تلاحظ الخوف من عقوبة الله فلا تكتم، أو تلاحظ الطمع في فضله فتُبيِّن؟ * طالب: كلا الأمرين؟ * الشيخ: كلا الأمرين، لكن الغالب أنه إذا وقع هنا في مقام النهي فإن المنهيّات يُراعى فيها جانب الخوف بخلاف المأمورات، فإن المأمورات يُراعى فيها جانب الفضل والطمع، أما المنهيات فيراعى فيها في الغالب جانب الخوف. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما ذكر اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، فالناس إذا بُعثوا يوم القيامة ما عاد فيه موت، ما فيه إلا الخلود أبدًا، إما في جنة وإما في نار. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذَكَرَ اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فِعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ لأنه يَعلم أن أمامه يومًا يُجازى فيه الإنسان على عَمَلِه فتجده يحرص على فِعْل المأمور وعلى ترْك المحظور. قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البُعولة جمع بَعْل وهو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود ٧٢] يعني: زوجي. ﴿بُعُولَتُهُنَّ﴾: أي بُعولة المطلَّقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك الزمن أو في ذلك التربص إلى آخره. ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ من أين؟ أَطْلَقَ، ما قال: أحق بِرَدِّهن من أنفسهن، ولا قال: من أَهْلِهنَّ، ولا قال: من أزواج آخرين، ليكون ذلك عامًّا، فالحق للزوج ما دامت في مدة التربص ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائدًا على ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ قد يُفْهم منه أن المطلقات هي عامٌّ أريد به الخاص، مَنْ أُريد به؟ * طالب: الرَّجْعِيَّات. * الشيخ: الرجعيات؛ لأن الأحقيَّة هنا لا تكون إلا للرجعيات، أما البَوائن، البوائن بفسْخ أو طلاق، كالطلاق على عِوض أو طلاقًا ثلاثًا، فإن بعولتهن لا حق لهم في ردهن. وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان هذه المسألة. قال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟ التربص ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فإن قال قائل: كيف تقولون أنها عائدة على التربص؟ أين التربص؟ نقول: لأنه مصدر مفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والمصدر المفهوم من الفِعْل قد يعود إليه الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، اعدلوا هو يعني: العدل، المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾، كقوله في ذلك المشار إليه التربص المفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾. لكن اشترط الله لأحقِّيَّة الزوج البُعولة قال: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] إن أرادوا -أي البعولة- إصلاحًا في ردِّهن، فإن أرادوا إضرارًا فظاهر الآية الكريمة أنه لا حَقَّ لهم في ذلك؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس، وابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]. كيف يريد الإضرار بها؟ ينتظر حتى إذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجع، فإذا راجع طلَّق، فإذا طلَّق وابتدأت العدة انتظر حتى تُشارف على انقضاء العدة، فإذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجعها، ثم طلَّقها، الشرع حده، الآن ما عاد الرجع، لكن في الجاهلية يتركها حتى تُشارف، ثم يُعيدها، ثم يطلقها، ثم يتركها حتى تشارف ثم يعيدها، ثم يطلقها وهكذا حتى حدَّ الله ذلك بثلاث طلقات. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: ثُبوت حكم الإيلاء، ثبوت الحكم؛ لأن الله تعالى ضرب له أربعة أشهر. * ويستفاد منه: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويستفاد من هذه الآية: أن الْمُولِي يُضرَب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فهنا قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ثم قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾، فيفيد أن ابتداء المدة من أين؟ من الإيلاء. * ويستفاد منه: حِكمة الله عز وجل ورحمته بعباده في مراعاة الحقوق، حقوق مَنْ؟ الزوجة لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وفي الحقيقة أنه كما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضًا حتى لا يضيع حق المرأة على يده فيكون ظالمًا. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُولِي يُوقَف عند مُضِيِّ أربعة أشهر، ويُقال له: إما أن تفيءَ وإما أن تُطلِّق؛ لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها: أن الطلاق بِيدِ الزوج؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والضمير يعود على مَنْ؟ على ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويُستفاد منها: صِحة الإيلاء من غير المدخول بها، مِن أين؟ من قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد. * ويُستفاد منه: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق مُحرَّم لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإن المغفرة لا تكون إلا في مُقابلة أيش؟ ذنب. * ويُستفاد من الآية: أن رُجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة، من أين يُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإن رجوع الإنسان عن التمادي في المعصية هو من علامات التوبة فيكون سببًا للمغفرة. * ويُستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لا يُحب الطَّلاق؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها أيضًا من الآية: أن الطلاق لا يقَع بمجرد تمام الْمُدَّة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. وهل يؤخذ من الآية أنه لو أبى أن يرجع وأن يُطلِّق فإنه يُجبر؟ لو قال: لا أرجع ولا أطلق؟ * طالب: تُطلق عليه. * طالب آخر: يُجبر. * الشيخ: نشوف هل يؤخذ من الآية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما يخالف، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ منه أنه إذا لم يفِئ ولم يُطلِّق أُجبر؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، من اللي مستعد ليبين لي وجه الدلالة؟ * طالب: التهديد؛ لأنه آخر الآية قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: هذه في الآية أن الطلاق ليس محبوبًا إلى الله. * طالب: شيخ، هنا الأمران مخيَّر فيه صحيح، الأمر الأول: لا يمكن للحاكم ولا لغيره أن يجبره عليه، بقي الأمر الثاني: إما أن يُطلق وإما أن يُسند إلى غيره. * الشيخ: إذا قال ما أنا مطلق؟ والله يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فرد الأمر إليهم. * طالب: ما نستطيع أن نجبره على الرجوع إلى زوجته. * الشيخ: ما يخالف، الرجوع يمكن نقول: ما نجبره على الرجوع. * طالب: ما بقي إلا الطلاق، والطلاق إن لم يقع منه وليس هنالك حال ثالثة نلجأ إليها نجبره عليه. * طالب آخر: قال لنا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فحدَّد أربعة أشهر، تبقى أربعة أشهر إما أن نُجبره على الرجوع وإما أن تكون طالقًا، يُطلِّقها أصلًا. * الشيخ: والشاهد؟ * طالب: خيّر الله سبحانه وتعالى المؤمن بين أمرين، والمقام مقام تفصيل يعني، لو كان فيه حالة ثالثة كان ذكرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: وهي؟ إذن معناها لو كان فيه حال ثالثة وهي الإجبار على الطلاق لذكرها؟ * طالب: لا، (...) يُلزَم. * الشيخ: يشتغلون. * طالب: من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: وين ما فاؤوا يُجبرون على الطلاق. * الشيخ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾؟ * طالب: الظاهر ما يستفاد. * الشيخ: كما نقول مثلًا: إن الله ذكر أنه ما له إلا حالين، فهو يُجبر على أحد الحالين؛ لأن الله إنما ذَكَرَ الحالين من أجْل حقوق مَنْ؟ * طالب: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا قلنا له أن يمتنع عن هذا وهذا، ضاع حق الزوجة، وحينئذٍ يكون إجبار الحاكم له من باب الأخْذ بحق الزوجة؛ لأننا لو نقول: إنه إن شاء طلَّق، وإن شاء رجع، وإن شاء لا طلَّق ولا رجع فإنه يضيع حق المرأة، والله عز وجل إنما جعل هذا الخيار له من أجل حق الزوجة، فلا يمكن أن يضيع؛ ولهذا قال العلماء: إنه إذا أبى هذا وهذا، فإن الحاكم إما أن يُلزمه بالطلاق حتى يُطلِّق، يَحبسه حتى يُطلق ومر علينا هذا أظن في قواعد ابن رجب، إما أن يلزمه يقول: لازم أنك تطلق ويحبسه ويعزِّره حتى يُطلق، وإما أن يُطلِّق عليه. وهذا واضح، هذا هو الصحيح، ويمكن أن يؤخذ من الآية لأنه ما ذكر إلا ها الحالين لأجل حماية حق الزوجة ولا بد منه، وإذا لم يكن بُدٌّ من حمايته فيجبر على أحد الأمرين، والفَيئة قد يُتعذر الإجبار عليها لأن هذا الشيء يرجع إلى نفس الإنسان وميله، وهذا لا يمكن أن يجبر على أن يميل إليه نعم. * طالب: ما يؤخذ من الآية أن من رَجَعَ عن ذنب لو ما تلفظ بالتوبة أنه من التوبة؟ * الشيخ: إي هذا الرجوع، الرجوع عن المعصية توبة. * الطالب: أقول: لو ما قال؟ * الشيخ: لو ما قال: أستغفر الله وأتوب إليه، حتى ما ذكرها في شروط التوبة. فيها أيضًا، هل يُؤخذ من الآية أن الإيلاء لا يصح من الصغير؟ * طالب: لا يؤخذ. * طالب آخر: لا يستطيع. * الشيخ: ولَّا لا؟ * طالب: هي عامة. * الشيخ: كيف ذلك؟ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والصغير.. وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ من هذا اللفظ أنه لا بد أن يكون الطلاق على وجه شرعي؟ الجواب: نعم؛ لأن الطلاق هنا مطلق، وما أُطِلَق في الكتاب والسنة فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية، فالنكاح والبيع والصلاة والصيام وغيرها كلها تطلق على أيش؟ على الحقائق الشرعية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطلاق على وجه مباح شرعًا. فإن طَلَّق في حال الحيض فإنه على القول الراجح: لا يقع الطلاق، وعلى قول الجمهور: يقع، ولكنه يقال له: راجع زوجتك كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يراجع زوجته[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (١٤٧١ / ١١) من حديث ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا».]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله، وهم: الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:227

الشيخ: ﴿يُؤَاخِذ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: المؤاخذة بمعنى العقوبة، والثاني: المؤاخذة بمعنى الإلزام بالكفارة، وكلا المعنيين صحيح، فاللغو في اليمين لا يؤاخذ الله به لا إثمًا ولا كفَّارة، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [المائدة ٨٩] ما هو اللغو؟ اللغو في الأصل في اللغة: الشيء الساقِط، والمراد به هنا: ما لم يقصده الإنسان في قلبه، هذا المراد باللغو في اليمين، ما لم يقصده الإنسان في قلبه، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩] فدلَّ هذا على أن اللغو في اليمين هو الذي لم يُقصد أيش؟ لم يُقصد عقْدُه، هذا اللغو في اليمين، مثاله: قول الإنسان في عرْض حديثه: لا والله، وبلى والله، والله ما شوفت فلان، والله ما يصير بفلان، طب تفضل معي، قال: لا والله ما أنا برائح، يا رجَّال مشى، عليه كفّارة ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ * الطلبة: لأنه ما قصد اليمين. * الشيخ: لأنه ما قصد اليمين، فإذا لم يقصد اليمين فلا كفَّارة عليه للآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ولقول النبي ﷺ في الحديث الأساسي القاعدة العظيمة في الإسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) واللفظ له من حديث عمر بن الخطاب.]]. إذن هذا اللغو في اليمين. وقال بعض أهل العلم: إن اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظنه كذلك ويتبين بخلافه، وهذا ما ذكره فُقهاء الأحناف رحمهم الله، ولكن الصواب: أنه لا يدخل في لغو اليمين إلا أنه لا حُكْمَ له، لا حكم له ما هو من أجل أنه من اللغو، لكن من أجل أن الإنسان حلف على شيء يظنه كذلك، وحَلِفُه على ما قام في نفسه من الظن صِدق ولَّا لا؟ * طالب: صِدْق. * الشيخ: صِدْق، فلذلك حتى لو كان الأمر بخلافه ما عليه شيء، ولا فرْق بين أن يكون ذلك في المستقبل أو في الماضي، في الماضي مثل أن يقول: والله ما جاء فلان، هذا ظنه، ولكنه قد جاء. في المستقبل مثل أن يقول: والله لا يأتي فلان غدًا، فيجيء، أو يقول: والله ليَأْتِيَنَّ ثم لا يجيء. وأما إذا حَلَفَ على نفسه لقصد إلزام نفسه مثل أن يقول: والله لأفعلنَّ غدًا كذا، ثم لا يفعل، فهنا عليه الكفّارة إذا تمت الشروط. إذن للعلماء في تفسير اللغو قولان: أحدهما: أن المراد به اليمين التي لم يُقصد عقْدُها. والثاني ما هو؟ * الطالب: أن يحلف على ما يغلب على ظنه هكذا. * الشيخ: والثاني: أن يحلف على شيء يغلب على ظنه أنه كما حلف، ثم يَتَبَيَّن بخلافه. قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥] الحمد لله ما قال: بما حل في قلوبكم، أو بما كان، ولكن قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، وهذه قاعدة عامة، ما هو في الأيْمان فقط، كل ما كسبت القلوب فإننا مؤاخذون به، ومعلوم أن الكسب لا بُدَّ فيه من عمل، فليس مُجرَّد ما يقع في القلب يكون مؤاخذًا به حتى يكون هناك عمَل وحركة للقلب، فهناك تقتضي الكفارة. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٥]. لما ذكر اللغو والمنعقِد ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين وهما؟ * الطالب: السميع العليم. * الشيخ: لا، العزيز، العظيم، أو الحكيم؟ العزيز الحكيم صح؟ * طالب: لا. * الشيخ: إياك والتقليد ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. (...) باللغو باليمين؛ لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الْمَدَار على ما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الحلف على ما يغْلِب على الظن غيْرُ مؤاخذ به، ولو تبين خلافه بناء على أحد التفسيرين، وهو صحيح؛ لأن الله لا يُؤاخذنا إلا بما كسبت القلوب، وما كسبت القلوب فهو ما تعمدت فيه الإثم. * ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وما تضمناه من وصف وهما: الغفور الحليم. * ومنها: أن للقلبِ كَسْبًا وعملًا؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، والقلوب لها أعمال ولها أقوال، فأقوال القلب: إقرارُه واعترافه، وأفعال القلب: حركاته من المحبة والإرادة والخوف والخشية وما أشبه ذلك. ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦]. ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مُقدَّم، و﴿تَرَبُّصُ﴾ مبتدأ مؤخر، وبعد هذا بَيَّن الله الحال، بعد هذا التربص. قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ اللام هذه إما أن تكونَ للإباحة وإما أن تكونَ للاستحقاق، يعني: يستحِقُّون تربص أربعة أشهر، أو يباح لهم تربص أربعة أشهر. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾ الْأَلِيَّة بمعنى الحلف، فمعنى ﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلِفون. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ قيل: إنها بمعنى عن، يعني: يحلفون عن وطء نسائهم. وقيل: إنها على بابها، آلى منها فهي مُبيِّنَة لموضع الألِيَّة يعني: الحلف. وقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: من زَوْجاتهم؛ لأن المرأة أو لأن نساء الرَّجُل هن زوجاته، وتكون امرأته بمجرد العَقْد وإن لم يحصل الدخول. قوله: ﴿تَرَبُّصُ﴾ بمعنى: انتظار، وهو شبِيه بالصَّبر لموافقته إيّاه في الحروف، وإن خالفه في الترتيب، والصبر بمعنى: حبْس النفس وانتظارها. وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ابتداءً من إيلائهم لا من مُطالبة الزوجة له، فينتظرون لمدة أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلَوا منهن. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حِرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على أن لا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يُعاشر زوجته بالمعروف، وليس من العِشْرة بالمعروف أن يحلفَ الإنسان أن لا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر، فإن فعل فقد عَرَّض نفسه للعقوبة، لكنه إذا رجع غفر الله له. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يشمل ما إذا فاؤوا قبل أربعة أشهر أو فاؤوا بعدها، فإن فاؤوا قبل أربعة أشهر فالأمْر واضح، وإن فاؤوا بعدها فكذلك لكن لا بُدَّ أن يكون فيأتُهم بعدها مباشرة؛ لأنه بعد أربعة أشْهُر يقال له: إما أن تفيء وإما أن تُطلِّق. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هذا إثبات الاسمين الكريمين لله عز وجل الغفور والرحيم، والغفور ذو المغفرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والرحيم: ذو الرحمة كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]. والمغفرة هي: سَتْر الذنب والتجاوُز عنه، مأخوذة من الْمِغْفَر وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتِّقاء السهام، وفي المغفر تغطية، ووقاية. وقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ مُشتق من الرحمة المستلزِمة للعطف والحنو، والإحسان، ودفْع النِّقَم، فالرحمة إذن صفة من صفات الله عز وجل، وهي غير الإحسان وغير إرادة الإحسان، بل الإحسان وإرادة الإحسان من مقتضياتها ولوازمها. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧] أي: قصدوه بعزيمة تامة، ويدل على أن العَزْم هنا بمعنى القصد أنه تعدَّى بنفسه إلى الطلاق، ولو كان العزم بمعناه الأصلي لقال: وإن عزموا على الطلاق، كما فسَّر ذلك بعض المفسرين، وقالوا: إن الطلاق منصوب بنزع الخافض، والتقدير: وإن عزموا على الطلاق. لكنه قد مر علينا أن النصْبَ بنزع الخافض لا يطَّرد في: أَنَّ، وأَنْ، وأما بدونهما فإنه يُوقَف على السماع، ولكننا يمكن أن نتخلص من ذلك فنقول: ﴿إِنْ عَزَمُوا﴾ بمعنى: قصدوا بعزيمة تامّة، فقد ضُمِّن العزم هنا معنى القصد ﴿إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: أن يُطلقوا زوجاتهم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعني: سميع لأقوالهم ومنها الطلاق، عليم بأحوالهم ومنها مُفارقة الزوجات، وفي ختم الجملة هذه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في ختمها بذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يُريد الطلاق؛ لأن ختمها بهذين الاسمين فيه شيء من التهديد بخلاف الأول، الأول: قال: ﴿إِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦] وهنا قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى، وله معنيان: أحدهما: الإجابة. والثاني: إدراك المسموع، أما الإجابة فمثالها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده، فإن قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يعني: لمجيبه، وسمع الله لمن حمده بمعنى: استجابَ؛ ولهذا عُدِّيت باللام، ولم يقل: سمع الله مَنْ. أما السميع بمعنى: مُدرك المسموعات، والسمع بمعنى إدراك المسموع، فإن العلماء قسَّموه إلى أقسام: منها ما يُراد به التهديد. ومنها ما يُراد به التأييد. ومنها ما يُراد به الإحاطة. فمثال ما يراد به التهديد: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١] فهذا يُراد به التهديد، بدليل قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]. ومثال ما يُراد به التأييد: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. ومثال ما يُراد به الإحاطة: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١]. فالسمع الأول من الصفات الفِعْلية الذي هو إجابة الدعاء، والسمع بالمعنى الثاني من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال مُتَّصفًا بالسمع، لكن الذي يتجدَّد المسموع، أما سمْع الله عز وجل فإنه لم يزل ولا يزال متصفًا به. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العِلْم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، فإن لم يُدرِك الشيء فهو جاهِل به، وإن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل به أيضًا، وإن أدركه إدراكًا غير جازم فهذا ليس بعلم، لكنه إما ظن أو شك، أو وهم، فالعلم إذن، ما هو العلم؟ * طالب: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. * الشيخ: نعم، أحسنت، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل، ومن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل، لكنه جهل مركَّب، يعني جاهل جهلًا مركَّبًا، وإن أدركه على ما هو عليه لكن بدون جزم فليس بعالِم، لكنه إما شاك، أو ظانٌّ، أو واهِم، فهذه خمسة أقسام، من لم يدركه أصلًا فهو جاهل جهلًا بسيطًا، مثل أن يقال لك: متى كانت غزوة بدر؟ فتقول: والله ما أدري، نعم، هذا ما هو؟ * الطلبة: جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، قال لك قائل: إن في أحد أعضاء الوضوء جَرحًا، فهل يجوز أن أتيمم عنه؟ فقال: ما أدري. * طالب: جهل بسيط. * الشيخ: جهل بسيط، سأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: كانت غزوة بدر في يوم الاثنين، الموافق للخامس عشر من شهر جُمادى الثانية سنة سبع من الهجرة. * طالب: مُركَّب. * الشيخ: كيف؟ تبغون أدق من هذا؟! ذكر لكم اليوم والشهر والسنة؟ * طالب: ليس على ما هو عليه. * الشيخ: ليس على ما هو عليه، هذا يسمى جهلًا مركبًا، من أين مركَّب؟ مُركب من كونه جاهلًا وجاهل بنفسِه أنه جاهل، جاهل وجاهل أنه جاهل، فهو مُركَّب من جهْلين، قال لك: متى كانت غزوة بدر؟ قال: أظنها في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، هذا عِلم؟ ليس بعِلم، هذا ظن. قال: متى كانت؟ قال: والله عندي شك فيها هل هي في السنة الثانية أو في السنة الثالثة، ليس بعلم، هذا شك. طيب الذي قال بالأول: أظنها في السنة الثانية عنده طرف آخر أظنها في غيرها، الطرف الثاني أظنها في غيرها يُسمى وَهْمًا، الطرف المرجوح يسمى وهمًا. طيب يقولون: إن رجلًا يسمى توما الحكيم، ذكرت لكم قصته سابقًا يدَّعي أنه حكيم عالِم، وكان له حمار، فقال الحمار مُغنِّيًا: قَــــــــالَ حِمَــــــــارُ الْحَكِيـــــــــــــمِتَوْمَـــــــــــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَــــبْ؎لِأَنَّـــنِــــــــــــي جَـــــاهِـــــــــــلٌبَـــسِـــيــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَــاحِـــبِــــي جَــــاهِـــــــلٌمُـــرَكَّــــــبْ يعني يقول الحمار: لو إن كان الدهر مُنصفًا، لكن الحمار عاد ما يدري يعني نسب الحكم إلى الدهر، يقول: لو كان عنده إنصاف الدهر لكان أنا اللي أركب صاحبي، أركب على ظهره أحط عليه أوثار وأمشي، لكنه بالعكس. أما قصة الحكيم هذا فإنه قال فيها الشاعر: وَمَــــنْ رَامَ الْعُلُـــــومَ بِغَيْـــــرِشَيْــــــخٍ ∗∗∗ يَضِــلُّ عَــنِ الصِّــرَاطِ الْمُسْتَقِيــم؎وَتَلْتَبِـــسُ الــْعُـــلُــــــومُ عَلَيْــــــهِحَتَّـــى ∗∗∗ يَكُونَ أَضَلَّ مِــنْ تومــا الْحَكِيـمِ؎تَصَــدَّقَ بِالْبِنَــاتِ عَلَــــى رِجَـــــالٍ ∗∗∗ يُـــــرِيــــــدُ بِــذَاكَ جَــــنَّـــاتِالنِّعِـــيــمِ التصدُّق على المحتاجين بالدراهم، فيه فضل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: فيه فضل، قد يؤدِّي إلى دخول الجنات، لكن هذا قال: بدل ما أروح أعطيهم الفلوس ويتعبوا في الخطبة: تعالوا، نعطيكم بنات، نتصدق على هؤلاء العُزَّاب ببنات مُباشرة، ماذا تريد يا توما؟ قال: هذا أفضل، أنا أريد بذلك جنات النعيم، وأيش تقولون في هذه الصدقات؟ * الطلبة: وبال، وجهل. * الشيخ: هذا زنا، والعياذ بالله، هذا زنا. الحاصل أن العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا، هذا هو العلم، الرب عز وجل يدرك الأشياء على ما هي عليه؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: لو قلت لشخص وأنت تكذب: الله يعلم إني ما فعلت كذا، وأنت فاعل، إنك لو قلت هكذا فإنه ربما تكفر، لأيش؟ قال: لأنك إذا قلت: الله يعلم أني ما فعلته، وأنت فاعله نسبت الله إلى أي شيء؟ إلى الجهل، وأنه لا يدري، وهذا كُفر مع أن بعض الناس الآن يتعاطون هذه الحال، يقول: الله يعلم أني ما فعلته، أنت ما فعلت هذا؟ قال: الله يعلم أني ما فعلته، وهو فاعله، هذه خطيرة جدًّا. قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧] ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ﴾ نعم. * طالب: قلنا: التربص أربعة أشهر (...). * الشيخ: الإيلاء. * الطالب: لا تبتدأ من.. * الشيخ: من المطالبة. * الطالب: مطالبة الزوجات، هل في الآية ما يدل على ذلك؟ * الشيخ: إيه، بيجينا في الفوائد. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾. * طالب: هل صحيح يكفر من قال هذه المقالة؟ * الشيخ: هو إن قصد المعنى كفر، لكن غالب الناس ما يقصدون المعنى. * طالب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يا شيخ، ما المقصود يعني إن عزموا أزواجكم هذا يطلقوهم، ما هذا معناها؟ * الشيخ: لا، إن أرادوا الطلاق. * طالب: هنا أرادوا أجود من (...). * الشيخ: ما حصل له، يجينا إن شاء الله بالفوائد. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأيش وجه العموم فيه؟ أنه من الأسماء الموصولة، ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ من الأسماء الموصولة. * طالب: ليس كذلك. * الشيخ: ليس كذلك، سبحان الله! صحيح من الأسماء الموصولة. * طالب: (أل)؟ * الشيخ: طيب، هذا الموصول وصلته، وَصِــــفَـــــةٌ صَـــرِيــحَـــةٌ صِـــــلَـــــةُأَلْ ∗∗∗ ....................؎وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ ∗∗∗ .................... إذن اسم موصول؛ لأن ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ اسم موصول، فهي عام، يعني كل منْ طُلِّقت. وقوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ هذه يُستثنى منها -كما سيأتي إن شاء الله- من لم يدخل بها؛ لأن اللي ما دخل عليها ما عليها عِدة. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي بما في نُفوسهن، فهن المأمُونات على أحوالهن، وأيضًا يتربصن بأنفسهن، أي في مكان حصِين تُحصِّن به نفسها وهو بيت الزوج كما سيُذكر إن شاء الله في الطلاق. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذه ﴿ثَلَاثَةَ﴾ نائبة مناب الظرف، ، ولّا لا؟ أو نائبة مناب المفعول المطلق، يعني: تربُّصًا ثلاثة قروء. والقُروء جمع قَرْء بالفتح، واختلف العلماء في معنى القَرْء؛ هل هو الحيض أو الطُّهْر، وحصل في ذلك نزاع طويل عريض، مَن أراد أن ينظُر إليه فما وجدته مبسوطًا كما بُسط في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله. والصواب أن القُروء هي الحيض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في المستحاضة أنها «تَجْلِسْ قَدْر مَا كَانَتْ تَحْبِسُها أَقْرَاؤُها»[[أخرجه البخاري (٣٢٥) بلفظ: «وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ الْأَيَّامَ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا»، ومسلم (٣٣٤ / ٦٥) بلفظ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» من حديث عائشة، وأبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) من حديث دينار بلفظ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا».]] أي: حِيَضُها، فثلاث القروء أي: ثلاث حِيَض، كمْ مدتها غالبًا؟ ثلاثة شهور، لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق ٤] ولكن ربما تحيض المرأة لأقلَّ من ذلك، وربما لا تحيض إلا لأكثر حتى إني سمعت أن امرأة تطهُر أربعة أشهر، ويأتيها الحيض شهرًا واحدًا كاملًا، شهرا كاملا، كأنه (...) وهذا نادر، لكن الغالب أنه في كل شهر مرة. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ أي: لهؤلاء المطلقات ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من أين؟ من الحمْل، لا يحلُّ لها أن تكتم الحمل، لكن كيف تكتم الحمل؟ ما غرضها بذلك؟ ويش غرضها أن تكتم الحمل؟ * طالب: إطالة العدة؟ * الشيخ: إطالة العدة، أو تقصير العِدّة. * طالب: تزوج. * الشيخ: إي، لكن هل أنها تكتم ما في بطنها وتقول: إنها حاضت ثلاث حِيَض لتطويل العدة، ولا لتقليلها؟ * طالب: بالعكس لتقصيرها. * الشيخ: لتقصير العدة، ربما تكتم لتقصير العِدَّة من أجل أن تتخلصَ من زوجها، فلا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في الرحم، بل يجب عليها البيان كغيرها ممن له معاملة مع غيره، فإنه يجب عليه البيان والصدق كما قال النبي ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وكَتَما مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]. وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ سُمِّي رَحِمًا؛ لأنه ينضم على الجنين ويحفظه، فهو كذوي الأرحام من حيْث انضمامهم على قَريبهم وحُنوِّهم عليه، وعطفهم عليه. وقوله: ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ لأن الجنين بإذن الله يكون في الرحم، وليس في البطن، والرحم هذا وصفه الله بأنه قَرَارٌ مَكِين، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات ٢١، ٢٢]. ووصفه الله تعالى بأنه في ثلاث ظُلُمات ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر ٦] وهي: ظُلْمة البطن، وظلمة الرَّحم، وظلمة المشْيمة، الغشاء الذي على الجنين، هذا الغشاء الذي على الجنين سبحان الذي خلقه، غِشاء من ماء لزِج ليِّن جِدًّا جِدًّا؛ لأن الجنين كما تعرفون، الجنين عبارة عن مُضغة ما عليها جلد، ورقيقة جدًّا، لو لم يكن هذا الماء الذي تتحرك به تحركًا عظيمًا لكانت تتمزق، لكن الله جعل هذا الماء لأجل أن تتحرك في كل اتجاه حتى عاد يكبر، فإذا كبر فإنه بإذن الله يكون وجهه إلى ظهْر أمِّه، شوف الحكمة، وظهره إلى بطن أمه لأيش؟ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر فالظهر عمود فقري عِظام يَقِيه، إذا كان ظهره هو إلى بطن الأم صار ظهرُه يتحمل، يتحمل الضَّغط والصدمة وما أشبه ذلك، فإذا أراد الرب العظيم أن يُخرجه تحرَّك ثم انقلب على رأسه، انقلب على رأسه في الرحم، ينقلب حتى يسلك مَسلكه، ولذلك قال أهل العلم: إنه لو ماتت امرأة حامل بمسلم، امرأة حامل كافرة هي وولدها مسلم أين نقبرها؟ يقولون: إن وُجد مكان مُنفرد دُفنت في مكان منفرد، وإن لم يُوجد فإنها تُدفن مع المسلمين احترامًا لمن في بطنها، ولكن كيف تدفن؟ يقولون: إنها تُدفن على جنبها الأيسر مستدبرة القبلة أو الجَنْب الأيمن؟ * طالب: الأيسر. * الشيخ: الجنب الأيسر مستدبرة القبلة؛ لأجل أن يكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة، شوف سبحان الله العظيم. * طالب: يُصلى عليها يا شيخ؟ * الشيخ: إيوه، يُصلى على ما بطنها، يُصلى عليها ويُنوى الصلاة على ما في بطنها، وبهذه المناسبة أود أن أنبهكم إذا تقدمت امرأة حامل ليصلى عليها وولدها قد نُفِخَت فيه الروح يجب أن ننوي الصلاة عليه وعلى أمه، لو صلينا على أمِّه فقط معناه أننا ما أدينا الفريضة للصلاة على ما في بطنها، وهذه مسألة أظنها تخفى كثيرًا من الناس، أكثر الناس إذا قُدمت امرأة حامل يصلون على هذه المرأة فقط مع أن أهل العِلم يقولون: يجب أن الصلاة تُنوى على المرأة وعلى ما في بطنها الاثنين جميعًا. * طالب: ما يخبرونا. * طالب آخر: ما يخبرون المصلين. * الشيخ: لكن أحيانًا مثل عندنا هنا في القصيم، يتبين الحمل تكون بطن الأم كبيراً. * طالب: ما هو بلازم يكون فيه حمل. * الشيخ: إي قد لا يكون حمل. المهم على كل حال أنه يجب على الأقل أن هذا الأمر يُنْشَر حتى لو أن أهلها فقط نَوَوْا ذلك يكفي، يعني ما هو بلازم كل المأمومين ينوي ذلك، لو ينوي واحد من الناس كفى. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن كُنَّ لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا حرجَ عليهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن؟ * الطلبة: لا، عليها من الحرج. * الشيخ: لا؟ إذن هذا الشرط يُراد به الإغراء والتهييج، يعني: إن كانت صادقة بأنها تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تكتم ذلك. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، والمراد باليوم الآخر يوم القيامة، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إنه يدخل في الإيمان به كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فِتنة القبر، وعذاب القبر أو نعيمه، وكل ما يكون. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما المناسب للإيمان بالله هنا؟ الإيمان بما له من صفات الفضل والرحمة والإحسان أو الإيمان بما له من صفات العقوبة والغضب والانتقام؟ * طالب: كله جميعًا. * الشيخ: لكن المرأة، وأيش تلاحظ الآن، هل تلاحظ الخوف من عقوبة الله فلا تكتم، أو تلاحظ الطمع في فضله فتُبيِّن؟ * طالب: كلا الأمرين؟ * الشيخ: كلا الأمرين، لكن الغالب أنه إذا وقع هنا في مقام النهي فإن المنهيّات يُراعى فيها جانب الخوف بخلاف المأمورات، فإن المأمورات يُراعى فيها جانب الفضل والطمع، أما المنهيات فيراعى فيها في الغالب جانب الخوف. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما ذكر اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، فالناس إذا بُعثوا يوم القيامة ما عاد فيه موت، ما فيه إلا الخلود أبدًا، إما في جنة وإما في نار. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذَكَرَ اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فِعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ لأنه يَعلم أن أمامه يومًا يُجازى فيه الإنسان على عَمَلِه فتجده يحرص على فِعْل المأمور وعلى ترْك المحظور. قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البُعولة جمع بَعْل وهو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود ٧٢] يعني: زوجي. ﴿بُعُولَتُهُنَّ﴾: أي بُعولة المطلَّقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك الزمن أو في ذلك التربص إلى آخره. ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ من أين؟ أَطْلَقَ، ما قال: أحق بِرَدِّهن من أنفسهن، ولا قال: من أَهْلِهنَّ، ولا قال: من أزواج آخرين، ليكون ذلك عامًّا، فالحق للزوج ما دامت في مدة التربص ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائدًا على ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ قد يُفْهم منه أن المطلقات هي عامٌّ أريد به الخاص، مَنْ أُريد به؟ * طالب: الرَّجْعِيَّات. * الشيخ: الرجعيات؛ لأن الأحقيَّة هنا لا تكون إلا للرجعيات، أما البَوائن، البوائن بفسْخ أو طلاق، كالطلاق على عِوض أو طلاقًا ثلاثًا، فإن بعولتهن لا حق لهم في ردهن. وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان هذه المسألة. قال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟ التربص ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فإن قال قائل: كيف تقولون أنها عائدة على التربص؟ أين التربص؟ نقول: لأنه مصدر مفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والمصدر المفهوم من الفِعْل قد يعود إليه الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، اعدلوا هو يعني: العدل، المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾، كقوله في ذلك المشار إليه التربص المفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾. لكن اشترط الله لأحقِّيَّة الزوج البُعولة قال: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] إن أرادوا -أي البعولة- إصلاحًا في ردِّهن، فإن أرادوا إضرارًا فظاهر الآية الكريمة أنه لا حَقَّ لهم في ذلك؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس، وابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]. كيف يريد الإضرار بها؟ ينتظر حتى إذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجع، فإذا راجع طلَّق، فإذا طلَّق وابتدأت العدة انتظر حتى تُشارف على انقضاء العدة، فإذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجعها، ثم طلَّقها، الشرع حده، الآن ما عاد الرجع، لكن في الجاهلية يتركها حتى تُشارف، ثم يُعيدها، ثم يطلقها، ثم يتركها حتى تشارف ثم يعيدها، ثم يطلقها وهكذا حتى حدَّ الله ذلك بثلاث طلقات. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: ثُبوت حكم الإيلاء، ثبوت الحكم؛ لأن الله تعالى ضرب له أربعة أشهر. * ويستفاد منه: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويستفاد من هذه الآية: أن الْمُولِي يُضرَب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فهنا قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ثم قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾، فيفيد أن ابتداء المدة من أين؟ من الإيلاء. * ويستفاد منه: حِكمة الله عز وجل ورحمته بعباده في مراعاة الحقوق، حقوق مَنْ؟ الزوجة لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وفي الحقيقة أنه كما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضًا حتى لا يضيع حق المرأة على يده فيكون ظالمًا. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُولِي يُوقَف عند مُضِيِّ أربعة أشهر، ويُقال له: إما أن تفيءَ وإما أن تُطلِّق؛ لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها: أن الطلاق بِيدِ الزوج؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والضمير يعود على مَنْ؟ على ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويُستفاد منها: صِحة الإيلاء من غير المدخول بها، مِن أين؟ من قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد. * ويُستفاد منه: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق مُحرَّم لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإن المغفرة لا تكون إلا في مُقابلة أيش؟ ذنب. * ويُستفاد من الآية: أن رُجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة، من أين يُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإن رجوع الإنسان عن التمادي في المعصية هو من علامات التوبة فيكون سببًا للمغفرة. * ويُستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لا يُحب الطَّلاق؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها أيضًا من الآية: أن الطلاق لا يقَع بمجرد تمام الْمُدَّة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. وهل يؤخذ من الآية أنه لو أبى أن يرجع وأن يُطلِّق فإنه يُجبر؟ لو قال: لا أرجع ولا أطلق؟ * طالب: تُطلق عليه. * طالب آخر: يُجبر. * الشيخ: نشوف هل يؤخذ من الآية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما يخالف، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ منه أنه إذا لم يفِئ ولم يُطلِّق أُجبر؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، من اللي مستعد ليبين لي وجه الدلالة؟ * طالب: التهديد؛ لأنه آخر الآية قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: هذه في الآية أن الطلاق ليس محبوبًا إلى الله. * طالب: شيخ، هنا الأمران مخيَّر فيه صحيح، الأمر الأول: لا يمكن للحاكم ولا لغيره أن يجبره عليه، بقي الأمر الثاني: إما أن يُطلق وإما أن يُسند إلى غيره. * الشيخ: إذا قال ما أنا مطلق؟ والله يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فرد الأمر إليهم. * طالب: ما نستطيع أن نجبره على الرجوع إلى زوجته. * الشيخ: ما يخالف، الرجوع يمكن نقول: ما نجبره على الرجوع. * طالب: ما بقي إلا الطلاق، والطلاق إن لم يقع منه وليس هنالك حال ثالثة نلجأ إليها نجبره عليه. * طالب آخر: قال لنا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فحدَّد أربعة أشهر، تبقى أربعة أشهر إما أن نُجبره على الرجوع وإما أن تكون طالقًا، يُطلِّقها أصلًا. * الشيخ: والشاهد؟ * طالب: خيّر الله سبحانه وتعالى المؤمن بين أمرين، والمقام مقام تفصيل يعني، لو كان فيه حالة ثالثة كان ذكرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: وهي؟ إذن معناها لو كان فيه حال ثالثة وهي الإجبار على الطلاق لذكرها؟ * طالب: لا، (...) يُلزَم. * الشيخ: يشتغلون. * طالب: من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: وين ما فاؤوا يُجبرون على الطلاق. * الشيخ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾؟ * طالب: الظاهر ما يستفاد. * الشيخ: كما نقول مثلًا: إن الله ذكر أنه ما له إلا حالين، فهو يُجبر على أحد الحالين؛ لأن الله إنما ذَكَرَ الحالين من أجْل حقوق مَنْ؟ * طالب: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا قلنا له أن يمتنع عن هذا وهذا، ضاع حق الزوجة، وحينئذٍ يكون إجبار الحاكم له من باب الأخْذ بحق الزوجة؛ لأننا لو نقول: إنه إن شاء طلَّق، وإن شاء رجع، وإن شاء لا طلَّق ولا رجع فإنه يضيع حق المرأة، والله عز وجل إنما جعل هذا الخيار له من أجل حق الزوجة، فلا يمكن أن يضيع؛ ولهذا قال العلماء: إنه إذا أبى هذا وهذا، فإن الحاكم إما أن يُلزمه بالطلاق حتى يُطلِّق، يَحبسه حتى يُطلق ومر علينا هذا أظن في قواعد ابن رجب، إما أن يلزمه يقول: لازم أنك تطلق ويحبسه ويعزِّره حتى يُطلق، وإما أن يُطلِّق عليه. وهذا واضح، هذا هو الصحيح، ويمكن أن يؤخذ من الآية لأنه ما ذكر إلا ها الحالين لأجل حماية حق الزوجة ولا بد منه، وإذا لم يكن بُدٌّ من حمايته فيجبر على أحد الأمرين، والفَيئة قد يُتعذر الإجبار عليها لأن هذا الشيء يرجع إلى نفس الإنسان وميله، وهذا لا يمكن أن يجبر على أن يميل إليه نعم. * طالب: ما يؤخذ من الآية أن من رَجَعَ عن ذنب لو ما تلفظ بالتوبة أنه من التوبة؟ * الشيخ: إي هذا الرجوع، الرجوع عن المعصية توبة. * الطالب: أقول: لو ما قال؟ * الشيخ: لو ما قال: أستغفر الله وأتوب إليه، حتى ما ذكرها في شروط التوبة. فيها أيضًا، هل يُؤخذ من الآية أن الإيلاء لا يصح من الصغير؟ * طالب: لا يؤخذ. * طالب آخر: لا يستطيع. * الشيخ: ولَّا لا؟ * طالب: هي عامة. * الشيخ: كيف ذلك؟ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والصغير.. وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ من هذا اللفظ أنه لا بد أن يكون الطلاق على وجه شرعي؟ الجواب: نعم؛ لأن الطلاق هنا مطلق، وما أُطِلَق في الكتاب والسنة فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية، فالنكاح والبيع والصلاة والصيام وغيرها كلها تطلق على أيش؟ على الحقائق الشرعية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطلاق على وجه مباح شرعًا. فإن طَلَّق في حال الحيض فإنه على القول الراجح: لا يقع الطلاق، وعلى قول الجمهور: يقع، ولكنه يقال له: راجع زوجتك كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يراجع زوجته[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (١٤٧١ / ١١) من حديث ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا».]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله، وهم: الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:228

الشيخ: ﴿يُؤَاخِذ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: المؤاخذة بمعنى العقوبة، والثاني: المؤاخذة بمعنى الإلزام بالكفارة، وكلا المعنيين صحيح، فاللغو في اليمين لا يؤاخذ الله به لا إثمًا ولا كفَّارة، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [المائدة ٨٩] ما هو اللغو؟ اللغو في الأصل في اللغة: الشيء الساقِط، والمراد به هنا: ما لم يقصده الإنسان في قلبه، هذا المراد باللغو في اليمين، ما لم يقصده الإنسان في قلبه، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩] فدلَّ هذا على أن اللغو في اليمين هو الذي لم يُقصد أيش؟ لم يُقصد عقْدُه، هذا اللغو في اليمين، مثاله: قول الإنسان في عرْض حديثه: لا والله، وبلى والله، والله ما شوفت فلان، والله ما يصير بفلان، طب تفضل معي، قال: لا والله ما أنا برائح، يا رجَّال مشى، عليه كفّارة ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ * الطلبة: لأنه ما قصد اليمين. * الشيخ: لأنه ما قصد اليمين، فإذا لم يقصد اليمين فلا كفَّارة عليه للآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ولقول النبي ﷺ في الحديث الأساسي القاعدة العظيمة في الإسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) واللفظ له من حديث عمر بن الخطاب.]]. إذن هذا اللغو في اليمين. وقال بعض أهل العلم: إن اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظنه كذلك ويتبين بخلافه، وهذا ما ذكره فُقهاء الأحناف رحمهم الله، ولكن الصواب: أنه لا يدخل في لغو اليمين إلا أنه لا حُكْمَ له، لا حكم له ما هو من أجل أنه من اللغو، لكن من أجل أن الإنسان حلف على شيء يظنه كذلك، وحَلِفُه على ما قام في نفسه من الظن صِدق ولَّا لا؟ * طالب: صِدْق. * الشيخ: صِدْق، فلذلك حتى لو كان الأمر بخلافه ما عليه شيء، ولا فرْق بين أن يكون ذلك في المستقبل أو في الماضي، في الماضي مثل أن يقول: والله ما جاء فلان، هذا ظنه، ولكنه قد جاء. في المستقبل مثل أن يقول: والله لا يأتي فلان غدًا، فيجيء، أو يقول: والله ليَأْتِيَنَّ ثم لا يجيء. وأما إذا حَلَفَ على نفسه لقصد إلزام نفسه مثل أن يقول: والله لأفعلنَّ غدًا كذا، ثم لا يفعل، فهنا عليه الكفّارة إذا تمت الشروط. إذن للعلماء في تفسير اللغو قولان: أحدهما: أن المراد به اليمين التي لم يُقصد عقْدُها. والثاني ما هو؟ * الطالب: أن يحلف على ما يغلب على ظنه هكذا. * الشيخ: والثاني: أن يحلف على شيء يغلب على ظنه أنه كما حلف، ثم يَتَبَيَّن بخلافه. قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥] الحمد لله ما قال: بما حل في قلوبكم، أو بما كان، ولكن قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، وهذه قاعدة عامة، ما هو في الأيْمان فقط، كل ما كسبت القلوب فإننا مؤاخذون به، ومعلوم أن الكسب لا بُدَّ فيه من عمل، فليس مُجرَّد ما يقع في القلب يكون مؤاخذًا به حتى يكون هناك عمَل وحركة للقلب، فهناك تقتضي الكفارة. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٥]. لما ذكر اللغو والمنعقِد ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين وهما؟ * الطالب: السميع العليم. * الشيخ: لا، العزيز، العظيم، أو الحكيم؟ العزيز الحكيم صح؟ * طالب: لا. * الشيخ: إياك والتقليد ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. (...) باللغو باليمين؛ لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الْمَدَار على ما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الحلف على ما يغْلِب على الظن غيْرُ مؤاخذ به، ولو تبين خلافه بناء على أحد التفسيرين، وهو صحيح؛ لأن الله لا يُؤاخذنا إلا بما كسبت القلوب، وما كسبت القلوب فهو ما تعمدت فيه الإثم. * ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وما تضمناه من وصف وهما: الغفور الحليم. * ومنها: أن للقلبِ كَسْبًا وعملًا؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، والقلوب لها أعمال ولها أقوال، فأقوال القلب: إقرارُه واعترافه، وأفعال القلب: حركاته من المحبة والإرادة والخوف والخشية وما أشبه ذلك. ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦]. ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مُقدَّم، و﴿تَرَبُّصُ﴾ مبتدأ مؤخر، وبعد هذا بَيَّن الله الحال، بعد هذا التربص. قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ اللام هذه إما أن تكونَ للإباحة وإما أن تكونَ للاستحقاق، يعني: يستحِقُّون تربص أربعة أشهر، أو يباح لهم تربص أربعة أشهر. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾ الْأَلِيَّة بمعنى الحلف، فمعنى ﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلِفون. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ قيل: إنها بمعنى عن، يعني: يحلفون عن وطء نسائهم. وقيل: إنها على بابها، آلى منها فهي مُبيِّنَة لموضع الألِيَّة يعني: الحلف. وقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: من زَوْجاتهم؛ لأن المرأة أو لأن نساء الرَّجُل هن زوجاته، وتكون امرأته بمجرد العَقْد وإن لم يحصل الدخول. قوله: ﴿تَرَبُّصُ﴾ بمعنى: انتظار، وهو شبِيه بالصَّبر لموافقته إيّاه في الحروف، وإن خالفه في الترتيب، والصبر بمعنى: حبْس النفس وانتظارها. وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ابتداءً من إيلائهم لا من مُطالبة الزوجة له، فينتظرون لمدة أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلَوا منهن. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حِرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على أن لا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يُعاشر زوجته بالمعروف، وليس من العِشْرة بالمعروف أن يحلفَ الإنسان أن لا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر، فإن فعل فقد عَرَّض نفسه للعقوبة، لكنه إذا رجع غفر الله له. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يشمل ما إذا فاؤوا قبل أربعة أشهر أو فاؤوا بعدها، فإن فاؤوا قبل أربعة أشهر فالأمْر واضح، وإن فاؤوا بعدها فكذلك لكن لا بُدَّ أن يكون فيأتُهم بعدها مباشرة؛ لأنه بعد أربعة أشْهُر يقال له: إما أن تفيء وإما أن تُطلِّق. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هذا إثبات الاسمين الكريمين لله عز وجل الغفور والرحيم، والغفور ذو المغفرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والرحيم: ذو الرحمة كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]. والمغفرة هي: سَتْر الذنب والتجاوُز عنه، مأخوذة من الْمِغْفَر وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتِّقاء السهام، وفي المغفر تغطية، ووقاية. وقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ مُشتق من الرحمة المستلزِمة للعطف والحنو، والإحسان، ودفْع النِّقَم، فالرحمة إذن صفة من صفات الله عز وجل، وهي غير الإحسان وغير إرادة الإحسان، بل الإحسان وإرادة الإحسان من مقتضياتها ولوازمها. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧] أي: قصدوه بعزيمة تامة، ويدل على أن العَزْم هنا بمعنى القصد أنه تعدَّى بنفسه إلى الطلاق، ولو كان العزم بمعناه الأصلي لقال: وإن عزموا على الطلاق، كما فسَّر ذلك بعض المفسرين، وقالوا: إن الطلاق منصوب بنزع الخافض، والتقدير: وإن عزموا على الطلاق. لكنه قد مر علينا أن النصْبَ بنزع الخافض لا يطَّرد في: أَنَّ، وأَنْ، وأما بدونهما فإنه يُوقَف على السماع، ولكننا يمكن أن نتخلص من ذلك فنقول: ﴿إِنْ عَزَمُوا﴾ بمعنى: قصدوا بعزيمة تامّة، فقد ضُمِّن العزم هنا معنى القصد ﴿إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: أن يُطلقوا زوجاتهم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعني: سميع لأقوالهم ومنها الطلاق، عليم بأحوالهم ومنها مُفارقة الزوجات، وفي ختم الجملة هذه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في ختمها بذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يُريد الطلاق؛ لأن ختمها بهذين الاسمين فيه شيء من التهديد بخلاف الأول، الأول: قال: ﴿إِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦] وهنا قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى، وله معنيان: أحدهما: الإجابة. والثاني: إدراك المسموع، أما الإجابة فمثالها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده، فإن قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يعني: لمجيبه، وسمع الله لمن حمده بمعنى: استجابَ؛ ولهذا عُدِّيت باللام، ولم يقل: سمع الله مَنْ. أما السميع بمعنى: مُدرك المسموعات، والسمع بمعنى إدراك المسموع، فإن العلماء قسَّموه إلى أقسام: منها ما يُراد به التهديد. ومنها ما يُراد به التأييد. ومنها ما يُراد به الإحاطة. فمثال ما يراد به التهديد: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١] فهذا يُراد به التهديد، بدليل قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]. ومثال ما يُراد به التأييد: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. ومثال ما يُراد به الإحاطة: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١]. فالسمع الأول من الصفات الفِعْلية الذي هو إجابة الدعاء، والسمع بالمعنى الثاني من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال مُتَّصفًا بالسمع، لكن الذي يتجدَّد المسموع، أما سمْع الله عز وجل فإنه لم يزل ولا يزال متصفًا به. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العِلْم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، فإن لم يُدرِك الشيء فهو جاهِل به، وإن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل به أيضًا، وإن أدركه إدراكًا غير جازم فهذا ليس بعلم، لكنه إما ظن أو شك، أو وهم، فالعلم إذن، ما هو العلم؟ * طالب: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. * الشيخ: نعم، أحسنت، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل، ومن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل، لكنه جهل مركَّب، يعني جاهل جهلًا مركَّبًا، وإن أدركه على ما هو عليه لكن بدون جزم فليس بعالِم، لكنه إما شاك، أو ظانٌّ، أو واهِم، فهذه خمسة أقسام، من لم يدركه أصلًا فهو جاهل جهلًا بسيطًا، مثل أن يقال لك: متى كانت غزوة بدر؟ فتقول: والله ما أدري، نعم، هذا ما هو؟ * الطلبة: جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، قال لك قائل: إن في أحد أعضاء الوضوء جَرحًا، فهل يجوز أن أتيمم عنه؟ فقال: ما أدري. * طالب: جهل بسيط. * الشيخ: جهل بسيط، سأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: كانت غزوة بدر في يوم الاثنين، الموافق للخامس عشر من شهر جُمادى الثانية سنة سبع من الهجرة. * طالب: مُركَّب. * الشيخ: كيف؟ تبغون أدق من هذا؟! ذكر لكم اليوم والشهر والسنة؟ * طالب: ليس على ما هو عليه. * الشيخ: ليس على ما هو عليه، هذا يسمى جهلًا مركبًا، من أين مركَّب؟ مُركب من كونه جاهلًا وجاهل بنفسِه أنه جاهل، جاهل وجاهل أنه جاهل، فهو مُركَّب من جهْلين، قال لك: متى كانت غزوة بدر؟ قال: أظنها في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، هذا عِلم؟ ليس بعِلم، هذا ظن. قال: متى كانت؟ قال: والله عندي شك فيها هل هي في السنة الثانية أو في السنة الثالثة، ليس بعلم، هذا شك. طيب الذي قال بالأول: أظنها في السنة الثانية عنده طرف آخر أظنها في غيرها، الطرف الثاني أظنها في غيرها يُسمى وَهْمًا، الطرف المرجوح يسمى وهمًا. طيب يقولون: إن رجلًا يسمى توما الحكيم، ذكرت لكم قصته سابقًا يدَّعي أنه حكيم عالِم، وكان له حمار، فقال الحمار مُغنِّيًا: قَــــــــالَ حِمَــــــــارُ الْحَكِيـــــــــــــمِتَوْمَـــــــــــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَــــبْ؎لِأَنَّـــنِــــــــــــي جَـــــاهِـــــــــــلٌبَـــسِـــيــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَــاحِـــبِــــي جَــــاهِـــــــلٌمُـــرَكَّــــــبْ يعني يقول الحمار: لو إن كان الدهر مُنصفًا، لكن الحمار عاد ما يدري يعني نسب الحكم إلى الدهر، يقول: لو كان عنده إنصاف الدهر لكان أنا اللي أركب صاحبي، أركب على ظهره أحط عليه أوثار وأمشي، لكنه بالعكس. أما قصة الحكيم هذا فإنه قال فيها الشاعر: وَمَــــنْ رَامَ الْعُلُـــــومَ بِغَيْـــــرِشَيْــــــخٍ ∗∗∗ يَضِــلُّ عَــنِ الصِّــرَاطِ الْمُسْتَقِيــم؎وَتَلْتَبِـــسُ الــْعُـــلُــــــومُ عَلَيْــــــهِحَتَّـــى ∗∗∗ يَكُونَ أَضَلَّ مِــنْ تومــا الْحَكِيـمِ؎تَصَــدَّقَ بِالْبِنَــاتِ عَلَــــى رِجَـــــالٍ ∗∗∗ يُـــــرِيــــــدُ بِــذَاكَ جَــــنَّـــاتِالنِّعِـــيــمِ التصدُّق على المحتاجين بالدراهم، فيه فضل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: فيه فضل، قد يؤدِّي إلى دخول الجنات، لكن هذا قال: بدل ما أروح أعطيهم الفلوس ويتعبوا في الخطبة: تعالوا، نعطيكم بنات، نتصدق على هؤلاء العُزَّاب ببنات مُباشرة، ماذا تريد يا توما؟ قال: هذا أفضل، أنا أريد بذلك جنات النعيم، وأيش تقولون في هذه الصدقات؟ * الطلبة: وبال، وجهل. * الشيخ: هذا زنا، والعياذ بالله، هذا زنا. الحاصل أن العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا، هذا هو العلم، الرب عز وجل يدرك الأشياء على ما هي عليه؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: لو قلت لشخص وأنت تكذب: الله يعلم إني ما فعلت كذا، وأنت فاعل، إنك لو قلت هكذا فإنه ربما تكفر، لأيش؟ قال: لأنك إذا قلت: الله يعلم أني ما فعلته، وأنت فاعله نسبت الله إلى أي شيء؟ إلى الجهل، وأنه لا يدري، وهذا كُفر مع أن بعض الناس الآن يتعاطون هذه الحال، يقول: الله يعلم أني ما فعلته، أنت ما فعلت هذا؟ قال: الله يعلم أني ما فعلته، وهو فاعله، هذه خطيرة جدًّا. قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧] ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ﴾ نعم. * طالب: قلنا: التربص أربعة أشهر (...). * الشيخ: الإيلاء. * الطالب: لا تبتدأ من.. * الشيخ: من المطالبة. * الطالب: مطالبة الزوجات، هل في الآية ما يدل على ذلك؟ * الشيخ: إيه، بيجينا في الفوائد. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾. * طالب: هل صحيح يكفر من قال هذه المقالة؟ * الشيخ: هو إن قصد المعنى كفر، لكن غالب الناس ما يقصدون المعنى. * طالب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يا شيخ، ما المقصود يعني إن عزموا أزواجكم هذا يطلقوهم، ما هذا معناها؟ * الشيخ: لا، إن أرادوا الطلاق. * طالب: هنا أرادوا أجود من (...). * الشيخ: ما حصل له، يجينا إن شاء الله بالفوائد. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأيش وجه العموم فيه؟ أنه من الأسماء الموصولة، ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ من الأسماء الموصولة. * طالب: ليس كذلك. * الشيخ: ليس كذلك، سبحان الله! صحيح من الأسماء الموصولة. * طالب: (أل)؟ * الشيخ: طيب، هذا الموصول وصلته، وَصِــــفَـــــةٌ صَـــرِيــحَـــةٌ صِـــــلَـــــةُأَلْ ∗∗∗ ....................؎وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ ∗∗∗ .................... إذن اسم موصول؛ لأن ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ اسم موصول، فهي عام، يعني كل منْ طُلِّقت. وقوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ هذه يُستثنى منها -كما سيأتي إن شاء الله- من لم يدخل بها؛ لأن اللي ما دخل عليها ما عليها عِدة. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي بما في نُفوسهن، فهن المأمُونات على أحوالهن، وأيضًا يتربصن بأنفسهن، أي في مكان حصِين تُحصِّن به نفسها وهو بيت الزوج كما سيُذكر إن شاء الله في الطلاق. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذه ﴿ثَلَاثَةَ﴾ نائبة مناب الظرف، ، ولّا لا؟ أو نائبة مناب المفعول المطلق، يعني: تربُّصًا ثلاثة قروء. والقُروء جمع قَرْء بالفتح، واختلف العلماء في معنى القَرْء؛ هل هو الحيض أو الطُّهْر، وحصل في ذلك نزاع طويل عريض، مَن أراد أن ينظُر إليه فما وجدته مبسوطًا كما بُسط في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله. والصواب أن القُروء هي الحيض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في المستحاضة أنها «تَجْلِسْ قَدْر مَا كَانَتْ تَحْبِسُها أَقْرَاؤُها»[[أخرجه البخاري (٣٢٥) بلفظ: «وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ الْأَيَّامَ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا»، ومسلم (٣٣٤ / ٦٥) بلفظ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» من حديث عائشة، وأبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) من حديث دينار بلفظ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا».]] أي: حِيَضُها، فثلاث القروء أي: ثلاث حِيَض، كمْ مدتها غالبًا؟ ثلاثة شهور، لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق ٤] ولكن ربما تحيض المرأة لأقلَّ من ذلك، وربما لا تحيض إلا لأكثر حتى إني سمعت أن امرأة تطهُر أربعة أشهر، ويأتيها الحيض شهرًا واحدًا كاملًا، شهرا كاملا، كأنه (...) وهذا نادر، لكن الغالب أنه في كل شهر مرة. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ أي: لهؤلاء المطلقات ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من أين؟ من الحمْل، لا يحلُّ لها أن تكتم الحمل، لكن كيف تكتم الحمل؟ ما غرضها بذلك؟ ويش غرضها أن تكتم الحمل؟ * طالب: إطالة العدة؟ * الشيخ: إطالة العدة، أو تقصير العِدّة. * طالب: تزوج. * الشيخ: إي، لكن هل أنها تكتم ما في بطنها وتقول: إنها حاضت ثلاث حِيَض لتطويل العدة، ولا لتقليلها؟ * طالب: بالعكس لتقصيرها. * الشيخ: لتقصير العدة، ربما تكتم لتقصير العِدَّة من أجل أن تتخلصَ من زوجها، فلا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في الرحم، بل يجب عليها البيان كغيرها ممن له معاملة مع غيره، فإنه يجب عليه البيان والصدق كما قال النبي ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وكَتَما مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]. وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ سُمِّي رَحِمًا؛ لأنه ينضم على الجنين ويحفظه، فهو كذوي الأرحام من حيْث انضمامهم على قَريبهم وحُنوِّهم عليه، وعطفهم عليه. وقوله: ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ لأن الجنين بإذن الله يكون في الرحم، وليس في البطن، والرحم هذا وصفه الله بأنه قَرَارٌ مَكِين، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات ٢١، ٢٢]. ووصفه الله تعالى بأنه في ثلاث ظُلُمات ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر ٦] وهي: ظُلْمة البطن، وظلمة الرَّحم، وظلمة المشْيمة، الغشاء الذي على الجنين، هذا الغشاء الذي على الجنين سبحان الذي خلقه، غِشاء من ماء لزِج ليِّن جِدًّا جِدًّا؛ لأن الجنين كما تعرفون، الجنين عبارة عن مُضغة ما عليها جلد، ورقيقة جدًّا، لو لم يكن هذا الماء الذي تتحرك به تحركًا عظيمًا لكانت تتمزق، لكن الله جعل هذا الماء لأجل أن تتحرك في كل اتجاه حتى عاد يكبر، فإذا كبر فإنه بإذن الله يكون وجهه إلى ظهْر أمِّه، شوف الحكمة، وظهره إلى بطن أمه لأيش؟ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر فالظهر عمود فقري عِظام يَقِيه، إذا كان ظهره هو إلى بطن الأم صار ظهرُه يتحمل، يتحمل الضَّغط والصدمة وما أشبه ذلك، فإذا أراد الرب العظيم أن يُخرجه تحرَّك ثم انقلب على رأسه، انقلب على رأسه في الرحم، ينقلب حتى يسلك مَسلكه، ولذلك قال أهل العلم: إنه لو ماتت امرأة حامل بمسلم، امرأة حامل كافرة هي وولدها مسلم أين نقبرها؟ يقولون: إن وُجد مكان مُنفرد دُفنت في مكان منفرد، وإن لم يُوجد فإنها تُدفن مع المسلمين احترامًا لمن في بطنها، ولكن كيف تدفن؟ يقولون: إنها تُدفن على جنبها الأيسر مستدبرة القبلة أو الجَنْب الأيمن؟ * طالب: الأيسر. * الشيخ: الجنب الأيسر مستدبرة القبلة؛ لأجل أن يكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة، شوف سبحان الله العظيم. * طالب: يُصلى عليها يا شيخ؟ * الشيخ: إيوه، يُصلى على ما بطنها، يُصلى عليها ويُنوى الصلاة على ما في بطنها، وبهذه المناسبة أود أن أنبهكم إذا تقدمت امرأة حامل ليصلى عليها وولدها قد نُفِخَت فيه الروح يجب أن ننوي الصلاة عليه وعلى أمه، لو صلينا على أمِّه فقط معناه أننا ما أدينا الفريضة للصلاة على ما في بطنها، وهذه مسألة أظنها تخفى كثيرًا من الناس، أكثر الناس إذا قُدمت امرأة حامل يصلون على هذه المرأة فقط مع أن أهل العِلم يقولون: يجب أن الصلاة تُنوى على المرأة وعلى ما في بطنها الاثنين جميعًا. * طالب: ما يخبرونا. * طالب آخر: ما يخبرون المصلين. * الشيخ: لكن أحيانًا مثل عندنا هنا في القصيم، يتبين الحمل تكون بطن الأم كبيراً. * طالب: ما هو بلازم يكون فيه حمل. * الشيخ: إي قد لا يكون حمل. المهم على كل حال أنه يجب على الأقل أن هذا الأمر يُنْشَر حتى لو أن أهلها فقط نَوَوْا ذلك يكفي، يعني ما هو بلازم كل المأمومين ينوي ذلك، لو ينوي واحد من الناس كفى. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن كُنَّ لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا حرجَ عليهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن؟ * الطلبة: لا، عليها من الحرج. * الشيخ: لا؟ إذن هذا الشرط يُراد به الإغراء والتهييج، يعني: إن كانت صادقة بأنها تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تكتم ذلك. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، والمراد باليوم الآخر يوم القيامة، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إنه يدخل في الإيمان به كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فِتنة القبر، وعذاب القبر أو نعيمه، وكل ما يكون. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما المناسب للإيمان بالله هنا؟ الإيمان بما له من صفات الفضل والرحمة والإحسان أو الإيمان بما له من صفات العقوبة والغضب والانتقام؟ * طالب: كله جميعًا. * الشيخ: لكن المرأة، وأيش تلاحظ الآن، هل تلاحظ الخوف من عقوبة الله فلا تكتم، أو تلاحظ الطمع في فضله فتُبيِّن؟ * طالب: كلا الأمرين؟ * الشيخ: كلا الأمرين، لكن الغالب أنه إذا وقع هنا في مقام النهي فإن المنهيّات يُراعى فيها جانب الخوف بخلاف المأمورات، فإن المأمورات يُراعى فيها جانب الفضل والطمع، أما المنهيات فيراعى فيها في الغالب جانب الخوف. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما ذكر اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، فالناس إذا بُعثوا يوم القيامة ما عاد فيه موت، ما فيه إلا الخلود أبدًا، إما في جنة وإما في نار. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذَكَرَ اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فِعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ لأنه يَعلم أن أمامه يومًا يُجازى فيه الإنسان على عَمَلِه فتجده يحرص على فِعْل المأمور وعلى ترْك المحظور. قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البُعولة جمع بَعْل وهو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود ٧٢] يعني: زوجي. ﴿بُعُولَتُهُنَّ﴾: أي بُعولة المطلَّقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك الزمن أو في ذلك التربص إلى آخره. ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ من أين؟ أَطْلَقَ، ما قال: أحق بِرَدِّهن من أنفسهن، ولا قال: من أَهْلِهنَّ، ولا قال: من أزواج آخرين، ليكون ذلك عامًّا، فالحق للزوج ما دامت في مدة التربص ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائدًا على ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ قد يُفْهم منه أن المطلقات هي عامٌّ أريد به الخاص، مَنْ أُريد به؟ * طالب: الرَّجْعِيَّات. * الشيخ: الرجعيات؛ لأن الأحقيَّة هنا لا تكون إلا للرجعيات، أما البَوائن، البوائن بفسْخ أو طلاق، كالطلاق على عِوض أو طلاقًا ثلاثًا، فإن بعولتهن لا حق لهم في ردهن. وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان هذه المسألة. قال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟ التربص ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فإن قال قائل: كيف تقولون أنها عائدة على التربص؟ أين التربص؟ نقول: لأنه مصدر مفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والمصدر المفهوم من الفِعْل قد يعود إليه الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، اعدلوا هو يعني: العدل، المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾، كقوله في ذلك المشار إليه التربص المفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾. لكن اشترط الله لأحقِّيَّة الزوج البُعولة قال: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] إن أرادوا -أي البعولة- إصلاحًا في ردِّهن، فإن أرادوا إضرارًا فظاهر الآية الكريمة أنه لا حَقَّ لهم في ذلك؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس، وابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]. كيف يريد الإضرار بها؟ ينتظر حتى إذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجع، فإذا راجع طلَّق، فإذا طلَّق وابتدأت العدة انتظر حتى تُشارف على انقضاء العدة، فإذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجعها، ثم طلَّقها، الشرع حده، الآن ما عاد الرجع، لكن في الجاهلية يتركها حتى تُشارف، ثم يُعيدها، ثم يطلقها، ثم يتركها حتى تشارف ثم يعيدها، ثم يطلقها وهكذا حتى حدَّ الله ذلك بثلاث طلقات. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: ثُبوت حكم الإيلاء، ثبوت الحكم؛ لأن الله تعالى ضرب له أربعة أشهر. * ويستفاد منه: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويستفاد من هذه الآية: أن الْمُولِي يُضرَب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فهنا قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ثم قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾، فيفيد أن ابتداء المدة من أين؟ من الإيلاء. * ويستفاد منه: حِكمة الله عز وجل ورحمته بعباده في مراعاة الحقوق، حقوق مَنْ؟ الزوجة لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وفي الحقيقة أنه كما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضًا حتى لا يضيع حق المرأة على يده فيكون ظالمًا. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُولِي يُوقَف عند مُضِيِّ أربعة أشهر، ويُقال له: إما أن تفيءَ وإما أن تُطلِّق؛ لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها: أن الطلاق بِيدِ الزوج؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والضمير يعود على مَنْ؟ على ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويُستفاد منها: صِحة الإيلاء من غير المدخول بها، مِن أين؟ من قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد. * ويُستفاد منه: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق مُحرَّم لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإن المغفرة لا تكون إلا في مُقابلة أيش؟ ذنب. * ويُستفاد من الآية: أن رُجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة، من أين يُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإن رجوع الإنسان عن التمادي في المعصية هو من علامات التوبة فيكون سببًا للمغفرة. * ويُستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لا يُحب الطَّلاق؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها أيضًا من الآية: أن الطلاق لا يقَع بمجرد تمام الْمُدَّة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. وهل يؤخذ من الآية أنه لو أبى أن يرجع وأن يُطلِّق فإنه يُجبر؟ لو قال: لا أرجع ولا أطلق؟ * طالب: تُطلق عليه. * طالب آخر: يُجبر. * الشيخ: نشوف هل يؤخذ من الآية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما يخالف، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ منه أنه إذا لم يفِئ ولم يُطلِّق أُجبر؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، من اللي مستعد ليبين لي وجه الدلالة؟ * طالب: التهديد؛ لأنه آخر الآية قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: هذه في الآية أن الطلاق ليس محبوبًا إلى الله. * طالب: شيخ، هنا الأمران مخيَّر فيه صحيح، الأمر الأول: لا يمكن للحاكم ولا لغيره أن يجبره عليه، بقي الأمر الثاني: إما أن يُطلق وإما أن يُسند إلى غيره. * الشيخ: إذا قال ما أنا مطلق؟ والله يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فرد الأمر إليهم. * طالب: ما نستطيع أن نجبره على الرجوع إلى زوجته. * الشيخ: ما يخالف، الرجوع يمكن نقول: ما نجبره على الرجوع. * طالب: ما بقي إلا الطلاق، والطلاق إن لم يقع منه وليس هنالك حال ثالثة نلجأ إليها نجبره عليه. * طالب آخر: قال لنا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فحدَّد أربعة أشهر، تبقى أربعة أشهر إما أن نُجبره على الرجوع وإما أن تكون طالقًا، يُطلِّقها أصلًا. * الشيخ: والشاهد؟ * طالب: خيّر الله سبحانه وتعالى المؤمن بين أمرين، والمقام مقام تفصيل يعني، لو كان فيه حالة ثالثة كان ذكرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: وهي؟ إذن معناها لو كان فيه حال ثالثة وهي الإجبار على الطلاق لذكرها؟ * طالب: لا، (...) يُلزَم. * الشيخ: يشتغلون. * طالب: من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: وين ما فاؤوا يُجبرون على الطلاق. * الشيخ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾؟ * طالب: الظاهر ما يستفاد. * الشيخ: كما نقول مثلًا: إن الله ذكر أنه ما له إلا حالين، فهو يُجبر على أحد الحالين؛ لأن الله إنما ذَكَرَ الحالين من أجْل حقوق مَنْ؟ * طالب: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا قلنا له أن يمتنع عن هذا وهذا، ضاع حق الزوجة، وحينئذٍ يكون إجبار الحاكم له من باب الأخْذ بحق الزوجة؛ لأننا لو نقول: إنه إن شاء طلَّق، وإن شاء رجع، وإن شاء لا طلَّق ولا رجع فإنه يضيع حق المرأة، والله عز وجل إنما جعل هذا الخيار له من أجل حق الزوجة، فلا يمكن أن يضيع؛ ولهذا قال العلماء: إنه إذا أبى هذا وهذا، فإن الحاكم إما أن يُلزمه بالطلاق حتى يُطلِّق، يَحبسه حتى يُطلق ومر علينا هذا أظن في قواعد ابن رجب، إما أن يلزمه يقول: لازم أنك تطلق ويحبسه ويعزِّره حتى يُطلق، وإما أن يُطلِّق عليه. وهذا واضح، هذا هو الصحيح، ويمكن أن يؤخذ من الآية لأنه ما ذكر إلا ها الحالين لأجل حماية حق الزوجة ولا بد منه، وإذا لم يكن بُدٌّ من حمايته فيجبر على أحد الأمرين، والفَيئة قد يُتعذر الإجبار عليها لأن هذا الشيء يرجع إلى نفس الإنسان وميله، وهذا لا يمكن أن يجبر على أن يميل إليه نعم. * طالب: ما يؤخذ من الآية أن من رَجَعَ عن ذنب لو ما تلفظ بالتوبة أنه من التوبة؟ * الشيخ: إي هذا الرجوع، الرجوع عن المعصية توبة. * الطالب: أقول: لو ما قال؟ * الشيخ: لو ما قال: أستغفر الله وأتوب إليه، حتى ما ذكرها في شروط التوبة. فيها أيضًا، هل يُؤخذ من الآية أن الإيلاء لا يصح من الصغير؟ * طالب: لا يؤخذ. * طالب آخر: لا يستطيع. * الشيخ: ولَّا لا؟ * طالب: هي عامة. * الشيخ: كيف ذلك؟ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والصغير.. وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ من هذا اللفظ أنه لا بد أن يكون الطلاق على وجه شرعي؟ الجواب: نعم؛ لأن الطلاق هنا مطلق، وما أُطِلَق في الكتاب والسنة فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية، فالنكاح والبيع والصلاة والصيام وغيرها كلها تطلق على أيش؟ على الحقائق الشرعية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطلاق على وجه مباح شرعًا. فإن طَلَّق في حال الحيض فإنه على القول الراجح: لا يقع الطلاق، وعلى قول الجمهور: يقع، ولكنه يقال له: راجع زوجتك كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يراجع زوجته[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (١٤٧١ / ١١) من حديث ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا».]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله، وهم: الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:229

الشيخ: ﴿يُؤَاخِذ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: المؤاخذة بمعنى العقوبة، والثاني: المؤاخذة بمعنى الإلزام بالكفارة، وكلا المعنيين صحيح، فاللغو في اليمين لا يؤاخذ الله به لا إثمًا ولا كفَّارة، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [المائدة ٨٩] ما هو اللغو؟ اللغو في الأصل في اللغة: الشيء الساقِط، والمراد به هنا: ما لم يقصده الإنسان في قلبه، هذا المراد باللغو في اليمين، ما لم يقصده الإنسان في قلبه، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩] فدلَّ هذا على أن اللغو في اليمين هو الذي لم يُقصد أيش؟ لم يُقصد عقْدُه، هذا اللغو في اليمين، مثاله: قول الإنسان في عرْض حديثه: لا والله، وبلى والله، والله ما شوفت فلان، والله ما يصير بفلان، طب تفضل معي، قال: لا والله ما أنا برائح، يا رجَّال مشى، عليه كفّارة ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ * الطلبة: لأنه ما قصد اليمين. * الشيخ: لأنه ما قصد اليمين، فإذا لم يقصد اليمين فلا كفَّارة عليه للآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ولقول النبي ﷺ في الحديث الأساسي القاعدة العظيمة في الإسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) واللفظ له من حديث عمر بن الخطاب.]]. إذن هذا اللغو في اليمين. وقال بعض أهل العلم: إن اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظنه كذلك ويتبين بخلافه، وهذا ما ذكره فُقهاء الأحناف رحمهم الله، ولكن الصواب: أنه لا يدخل في لغو اليمين إلا أنه لا حُكْمَ له، لا حكم له ما هو من أجل أنه من اللغو، لكن من أجل أن الإنسان حلف على شيء يظنه كذلك، وحَلِفُه على ما قام في نفسه من الظن صِدق ولَّا لا؟ * طالب: صِدْق. * الشيخ: صِدْق، فلذلك حتى لو كان الأمر بخلافه ما عليه شيء، ولا فرْق بين أن يكون ذلك في المستقبل أو في الماضي، في الماضي مثل أن يقول: والله ما جاء فلان، هذا ظنه، ولكنه قد جاء. في المستقبل مثل أن يقول: والله لا يأتي فلان غدًا، فيجيء، أو يقول: والله ليَأْتِيَنَّ ثم لا يجيء. وأما إذا حَلَفَ على نفسه لقصد إلزام نفسه مثل أن يقول: والله لأفعلنَّ غدًا كذا، ثم لا يفعل، فهنا عليه الكفّارة إذا تمت الشروط. إذن للعلماء في تفسير اللغو قولان: أحدهما: أن المراد به اليمين التي لم يُقصد عقْدُها. والثاني ما هو؟ * الطالب: أن يحلف على ما يغلب على ظنه هكذا. * الشيخ: والثاني: أن يحلف على شيء يغلب على ظنه أنه كما حلف، ثم يَتَبَيَّن بخلافه. قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥] الحمد لله ما قال: بما حل في قلوبكم، أو بما كان، ولكن قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، وهذه قاعدة عامة، ما هو في الأيْمان فقط، كل ما كسبت القلوب فإننا مؤاخذون به، ومعلوم أن الكسب لا بُدَّ فيه من عمل، فليس مُجرَّد ما يقع في القلب يكون مؤاخذًا به حتى يكون هناك عمَل وحركة للقلب، فهناك تقتضي الكفارة. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٥]. لما ذكر اللغو والمنعقِد ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين وهما؟ * الطالب: السميع العليم. * الشيخ: لا، العزيز، العظيم، أو الحكيم؟ العزيز الحكيم صح؟ * طالب: لا. * الشيخ: إياك والتقليد ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. (...) باللغو باليمين؛ لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الْمَدَار على ما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الحلف على ما يغْلِب على الظن غيْرُ مؤاخذ به، ولو تبين خلافه بناء على أحد التفسيرين، وهو صحيح؛ لأن الله لا يُؤاخذنا إلا بما كسبت القلوب، وما كسبت القلوب فهو ما تعمدت فيه الإثم. * ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وما تضمناه من وصف وهما: الغفور الحليم. * ومنها: أن للقلبِ كَسْبًا وعملًا؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، والقلوب لها أعمال ولها أقوال، فأقوال القلب: إقرارُه واعترافه، وأفعال القلب: حركاته من المحبة والإرادة والخوف والخشية وما أشبه ذلك. ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦]. ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مُقدَّم، و﴿تَرَبُّصُ﴾ مبتدأ مؤخر، وبعد هذا بَيَّن الله الحال، بعد هذا التربص. قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ اللام هذه إما أن تكونَ للإباحة وإما أن تكونَ للاستحقاق، يعني: يستحِقُّون تربص أربعة أشهر، أو يباح لهم تربص أربعة أشهر. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾ الْأَلِيَّة بمعنى الحلف، فمعنى ﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلِفون. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ قيل: إنها بمعنى عن، يعني: يحلفون عن وطء نسائهم. وقيل: إنها على بابها، آلى منها فهي مُبيِّنَة لموضع الألِيَّة يعني: الحلف. وقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: من زَوْجاتهم؛ لأن المرأة أو لأن نساء الرَّجُل هن زوجاته، وتكون امرأته بمجرد العَقْد وإن لم يحصل الدخول. قوله: ﴿تَرَبُّصُ﴾ بمعنى: انتظار، وهو شبِيه بالصَّبر لموافقته إيّاه في الحروف، وإن خالفه في الترتيب، والصبر بمعنى: حبْس النفس وانتظارها. وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ابتداءً من إيلائهم لا من مُطالبة الزوجة له، فينتظرون لمدة أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلَوا منهن. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حِرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على أن لا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يُعاشر زوجته بالمعروف، وليس من العِشْرة بالمعروف أن يحلفَ الإنسان أن لا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر، فإن فعل فقد عَرَّض نفسه للعقوبة، لكنه إذا رجع غفر الله له. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يشمل ما إذا فاؤوا قبل أربعة أشهر أو فاؤوا بعدها، فإن فاؤوا قبل أربعة أشهر فالأمْر واضح، وإن فاؤوا بعدها فكذلك لكن لا بُدَّ أن يكون فيأتُهم بعدها مباشرة؛ لأنه بعد أربعة أشْهُر يقال له: إما أن تفيء وإما أن تُطلِّق. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هذا إثبات الاسمين الكريمين لله عز وجل الغفور والرحيم، والغفور ذو المغفرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والرحيم: ذو الرحمة كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]. والمغفرة هي: سَتْر الذنب والتجاوُز عنه، مأخوذة من الْمِغْفَر وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتِّقاء السهام، وفي المغفر تغطية، ووقاية. وقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ مُشتق من الرحمة المستلزِمة للعطف والحنو، والإحسان، ودفْع النِّقَم، فالرحمة إذن صفة من صفات الله عز وجل، وهي غير الإحسان وغير إرادة الإحسان، بل الإحسان وإرادة الإحسان من مقتضياتها ولوازمها. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧] أي: قصدوه بعزيمة تامة، ويدل على أن العَزْم هنا بمعنى القصد أنه تعدَّى بنفسه إلى الطلاق، ولو كان العزم بمعناه الأصلي لقال: وإن عزموا على الطلاق، كما فسَّر ذلك بعض المفسرين، وقالوا: إن الطلاق منصوب بنزع الخافض، والتقدير: وإن عزموا على الطلاق. لكنه قد مر علينا أن النصْبَ بنزع الخافض لا يطَّرد في: أَنَّ، وأَنْ، وأما بدونهما فإنه يُوقَف على السماع، ولكننا يمكن أن نتخلص من ذلك فنقول: ﴿إِنْ عَزَمُوا﴾ بمعنى: قصدوا بعزيمة تامّة، فقد ضُمِّن العزم هنا معنى القصد ﴿إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: أن يُطلقوا زوجاتهم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعني: سميع لأقوالهم ومنها الطلاق، عليم بأحوالهم ومنها مُفارقة الزوجات، وفي ختم الجملة هذه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في ختمها بذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يُريد الطلاق؛ لأن ختمها بهذين الاسمين فيه شيء من التهديد بخلاف الأول، الأول: قال: ﴿إِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦] وهنا قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى، وله معنيان: أحدهما: الإجابة. والثاني: إدراك المسموع، أما الإجابة فمثالها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده، فإن قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يعني: لمجيبه، وسمع الله لمن حمده بمعنى: استجابَ؛ ولهذا عُدِّيت باللام، ولم يقل: سمع الله مَنْ. أما السميع بمعنى: مُدرك المسموعات، والسمع بمعنى إدراك المسموع، فإن العلماء قسَّموه إلى أقسام: منها ما يُراد به التهديد. ومنها ما يُراد به التأييد. ومنها ما يُراد به الإحاطة. فمثال ما يراد به التهديد: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١] فهذا يُراد به التهديد، بدليل قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]. ومثال ما يُراد به التأييد: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. ومثال ما يُراد به الإحاطة: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١]. فالسمع الأول من الصفات الفِعْلية الذي هو إجابة الدعاء، والسمع بالمعنى الثاني من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال مُتَّصفًا بالسمع، لكن الذي يتجدَّد المسموع، أما سمْع الله عز وجل فإنه لم يزل ولا يزال متصفًا به. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العِلْم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، فإن لم يُدرِك الشيء فهو جاهِل به، وإن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل به أيضًا، وإن أدركه إدراكًا غير جازم فهذا ليس بعلم، لكنه إما ظن أو شك، أو وهم، فالعلم إذن، ما هو العلم؟ * طالب: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. * الشيخ: نعم، أحسنت، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل، ومن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل، لكنه جهل مركَّب، يعني جاهل جهلًا مركَّبًا، وإن أدركه على ما هو عليه لكن بدون جزم فليس بعالِم، لكنه إما شاك، أو ظانٌّ، أو واهِم، فهذه خمسة أقسام، من لم يدركه أصلًا فهو جاهل جهلًا بسيطًا، مثل أن يقال لك: متى كانت غزوة بدر؟ فتقول: والله ما أدري، نعم، هذا ما هو؟ * الطلبة: جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، قال لك قائل: إن في أحد أعضاء الوضوء جَرحًا، فهل يجوز أن أتيمم عنه؟ فقال: ما أدري. * طالب: جهل بسيط. * الشيخ: جهل بسيط، سأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: كانت غزوة بدر في يوم الاثنين، الموافق للخامس عشر من شهر جُمادى الثانية سنة سبع من الهجرة. * طالب: مُركَّب. * الشيخ: كيف؟ تبغون أدق من هذا؟! ذكر لكم اليوم والشهر والسنة؟ * طالب: ليس على ما هو عليه. * الشيخ: ليس على ما هو عليه، هذا يسمى جهلًا مركبًا، من أين مركَّب؟ مُركب من كونه جاهلًا وجاهل بنفسِه أنه جاهل، جاهل وجاهل أنه جاهل، فهو مُركَّب من جهْلين، قال لك: متى كانت غزوة بدر؟ قال: أظنها في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، هذا عِلم؟ ليس بعِلم، هذا ظن. قال: متى كانت؟ قال: والله عندي شك فيها هل هي في السنة الثانية أو في السنة الثالثة، ليس بعلم، هذا شك. طيب الذي قال بالأول: أظنها في السنة الثانية عنده طرف آخر أظنها في غيرها، الطرف الثاني أظنها في غيرها يُسمى وَهْمًا، الطرف المرجوح يسمى وهمًا. طيب يقولون: إن رجلًا يسمى توما الحكيم، ذكرت لكم قصته سابقًا يدَّعي أنه حكيم عالِم، وكان له حمار، فقال الحمار مُغنِّيًا: قَــــــــالَ حِمَــــــــارُ الْحَكِيـــــــــــــمِتَوْمَـــــــــــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَــــبْ؎لِأَنَّـــنِــــــــــــي جَـــــاهِـــــــــــلٌبَـــسِـــيــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَــاحِـــبِــــي جَــــاهِـــــــلٌمُـــرَكَّــــــبْ يعني يقول الحمار: لو إن كان الدهر مُنصفًا، لكن الحمار عاد ما يدري يعني نسب الحكم إلى الدهر، يقول: لو كان عنده إنصاف الدهر لكان أنا اللي أركب صاحبي، أركب على ظهره أحط عليه أوثار وأمشي، لكنه بالعكس. أما قصة الحكيم هذا فإنه قال فيها الشاعر: وَمَــــنْ رَامَ الْعُلُـــــومَ بِغَيْـــــرِشَيْــــــخٍ ∗∗∗ يَضِــلُّ عَــنِ الصِّــرَاطِ الْمُسْتَقِيــم؎وَتَلْتَبِـــسُ الــْعُـــلُــــــومُ عَلَيْــــــهِحَتَّـــى ∗∗∗ يَكُونَ أَضَلَّ مِــنْ تومــا الْحَكِيـمِ؎تَصَــدَّقَ بِالْبِنَــاتِ عَلَــــى رِجَـــــالٍ ∗∗∗ يُـــــرِيــــــدُ بِــذَاكَ جَــــنَّـــاتِالنِّعِـــيــمِ التصدُّق على المحتاجين بالدراهم، فيه فضل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: فيه فضل، قد يؤدِّي إلى دخول الجنات، لكن هذا قال: بدل ما أروح أعطيهم الفلوس ويتعبوا في الخطبة: تعالوا، نعطيكم بنات، نتصدق على هؤلاء العُزَّاب ببنات مُباشرة، ماذا تريد يا توما؟ قال: هذا أفضل، أنا أريد بذلك جنات النعيم، وأيش تقولون في هذه الصدقات؟ * الطلبة: وبال، وجهل. * الشيخ: هذا زنا، والعياذ بالله، هذا زنا. الحاصل أن العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا، هذا هو العلم، الرب عز وجل يدرك الأشياء على ما هي عليه؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: لو قلت لشخص وأنت تكذب: الله يعلم إني ما فعلت كذا، وأنت فاعل، إنك لو قلت هكذا فإنه ربما تكفر، لأيش؟ قال: لأنك إذا قلت: الله يعلم أني ما فعلته، وأنت فاعله نسبت الله إلى أي شيء؟ إلى الجهل، وأنه لا يدري، وهذا كُفر مع أن بعض الناس الآن يتعاطون هذه الحال، يقول: الله يعلم أني ما فعلته، أنت ما فعلت هذا؟ قال: الله يعلم أني ما فعلته، وهو فاعله، هذه خطيرة جدًّا. قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧] ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ﴾ نعم. * طالب: قلنا: التربص أربعة أشهر (...). * الشيخ: الإيلاء. * الطالب: لا تبتدأ من.. * الشيخ: من المطالبة. * الطالب: مطالبة الزوجات، هل في الآية ما يدل على ذلك؟ * الشيخ: إيه، بيجينا في الفوائد. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾. * طالب: هل صحيح يكفر من قال هذه المقالة؟ * الشيخ: هو إن قصد المعنى كفر، لكن غالب الناس ما يقصدون المعنى. * طالب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يا شيخ، ما المقصود يعني إن عزموا أزواجكم هذا يطلقوهم، ما هذا معناها؟ * الشيخ: لا، إن أرادوا الطلاق. * طالب: هنا أرادوا أجود من (...). * الشيخ: ما حصل له، يجينا إن شاء الله بالفوائد. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأيش وجه العموم فيه؟ أنه من الأسماء الموصولة، ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ من الأسماء الموصولة. * طالب: ليس كذلك. * الشيخ: ليس كذلك، سبحان الله! صحيح من الأسماء الموصولة. * طالب: (أل)؟ * الشيخ: طيب، هذا الموصول وصلته، وَصِــــفَـــــةٌ صَـــرِيــحَـــةٌ صِـــــلَـــــةُأَلْ ∗∗∗ ....................؎وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ ∗∗∗ .................... إذن اسم موصول؛ لأن ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ اسم موصول، فهي عام، يعني كل منْ طُلِّقت. وقوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ هذه يُستثنى منها -كما سيأتي إن شاء الله- من لم يدخل بها؛ لأن اللي ما دخل عليها ما عليها عِدة. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي بما في نُفوسهن، فهن المأمُونات على أحوالهن، وأيضًا يتربصن بأنفسهن، أي في مكان حصِين تُحصِّن به نفسها وهو بيت الزوج كما سيُذكر إن شاء الله في الطلاق. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذه ﴿ثَلَاثَةَ﴾ نائبة مناب الظرف، ، ولّا لا؟ أو نائبة مناب المفعول المطلق، يعني: تربُّصًا ثلاثة قروء. والقُروء جمع قَرْء بالفتح، واختلف العلماء في معنى القَرْء؛ هل هو الحيض أو الطُّهْر، وحصل في ذلك نزاع طويل عريض، مَن أراد أن ينظُر إليه فما وجدته مبسوطًا كما بُسط في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله. والصواب أن القُروء هي الحيض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في المستحاضة أنها «تَجْلِسْ قَدْر مَا كَانَتْ تَحْبِسُها أَقْرَاؤُها»[[أخرجه البخاري (٣٢٥) بلفظ: «وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ الْأَيَّامَ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا»، ومسلم (٣٣٤ / ٦٥) بلفظ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» من حديث عائشة، وأبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) من حديث دينار بلفظ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا».]] أي: حِيَضُها، فثلاث القروء أي: ثلاث حِيَض، كمْ مدتها غالبًا؟ ثلاثة شهور، لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق ٤] ولكن ربما تحيض المرأة لأقلَّ من ذلك، وربما لا تحيض إلا لأكثر حتى إني سمعت أن امرأة تطهُر أربعة أشهر، ويأتيها الحيض شهرًا واحدًا كاملًا، شهرا كاملا، كأنه (...) وهذا نادر، لكن الغالب أنه في كل شهر مرة. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ أي: لهؤلاء المطلقات ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من أين؟ من الحمْل، لا يحلُّ لها أن تكتم الحمل، لكن كيف تكتم الحمل؟ ما غرضها بذلك؟ ويش غرضها أن تكتم الحمل؟ * طالب: إطالة العدة؟ * الشيخ: إطالة العدة، أو تقصير العِدّة. * طالب: تزوج. * الشيخ: إي، لكن هل أنها تكتم ما في بطنها وتقول: إنها حاضت ثلاث حِيَض لتطويل العدة، ولا لتقليلها؟ * طالب: بالعكس لتقصيرها. * الشيخ: لتقصير العدة، ربما تكتم لتقصير العِدَّة من أجل أن تتخلصَ من زوجها، فلا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في الرحم، بل يجب عليها البيان كغيرها ممن له معاملة مع غيره، فإنه يجب عليه البيان والصدق كما قال النبي ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وكَتَما مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]. وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ سُمِّي رَحِمًا؛ لأنه ينضم على الجنين ويحفظه، فهو كذوي الأرحام من حيْث انضمامهم على قَريبهم وحُنوِّهم عليه، وعطفهم عليه. وقوله: ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ لأن الجنين بإذن الله يكون في الرحم، وليس في البطن، والرحم هذا وصفه الله بأنه قَرَارٌ مَكِين، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات ٢١، ٢٢]. ووصفه الله تعالى بأنه في ثلاث ظُلُمات ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر ٦] وهي: ظُلْمة البطن، وظلمة الرَّحم، وظلمة المشْيمة، الغشاء الذي على الجنين، هذا الغشاء الذي على الجنين سبحان الذي خلقه، غِشاء من ماء لزِج ليِّن جِدًّا جِدًّا؛ لأن الجنين كما تعرفون، الجنين عبارة عن مُضغة ما عليها جلد، ورقيقة جدًّا، لو لم يكن هذا الماء الذي تتحرك به تحركًا عظيمًا لكانت تتمزق، لكن الله جعل هذا الماء لأجل أن تتحرك في كل اتجاه حتى عاد يكبر، فإذا كبر فإنه بإذن الله يكون وجهه إلى ظهْر أمِّه، شوف الحكمة، وظهره إلى بطن أمه لأيش؟ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر فالظهر عمود فقري عِظام يَقِيه، إذا كان ظهره هو إلى بطن الأم صار ظهرُه يتحمل، يتحمل الضَّغط والصدمة وما أشبه ذلك، فإذا أراد الرب العظيم أن يُخرجه تحرَّك ثم انقلب على رأسه، انقلب على رأسه في الرحم، ينقلب حتى يسلك مَسلكه، ولذلك قال أهل العلم: إنه لو ماتت امرأة حامل بمسلم، امرأة حامل كافرة هي وولدها مسلم أين نقبرها؟ يقولون: إن وُجد مكان مُنفرد دُفنت في مكان منفرد، وإن لم يُوجد فإنها تُدفن مع المسلمين احترامًا لمن في بطنها، ولكن كيف تدفن؟ يقولون: إنها تُدفن على جنبها الأيسر مستدبرة القبلة أو الجَنْب الأيمن؟ * طالب: الأيسر. * الشيخ: الجنب الأيسر مستدبرة القبلة؛ لأجل أن يكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة، شوف سبحان الله العظيم. * طالب: يُصلى عليها يا شيخ؟ * الشيخ: إيوه، يُصلى على ما بطنها، يُصلى عليها ويُنوى الصلاة على ما في بطنها، وبهذه المناسبة أود أن أنبهكم إذا تقدمت امرأة حامل ليصلى عليها وولدها قد نُفِخَت فيه الروح يجب أن ننوي الصلاة عليه وعلى أمه، لو صلينا على أمِّه فقط معناه أننا ما أدينا الفريضة للصلاة على ما في بطنها، وهذه مسألة أظنها تخفى كثيرًا من الناس، أكثر الناس إذا قُدمت امرأة حامل يصلون على هذه المرأة فقط مع أن أهل العِلم يقولون: يجب أن الصلاة تُنوى على المرأة وعلى ما في بطنها الاثنين جميعًا. * طالب: ما يخبرونا. * طالب آخر: ما يخبرون المصلين. * الشيخ: لكن أحيانًا مثل عندنا هنا في القصيم، يتبين الحمل تكون بطن الأم كبيراً. * طالب: ما هو بلازم يكون فيه حمل. * الشيخ: إي قد لا يكون حمل. المهم على كل حال أنه يجب على الأقل أن هذا الأمر يُنْشَر حتى لو أن أهلها فقط نَوَوْا ذلك يكفي، يعني ما هو بلازم كل المأمومين ينوي ذلك، لو ينوي واحد من الناس كفى. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن كُنَّ لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا حرجَ عليهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن؟ * الطلبة: لا، عليها من الحرج. * الشيخ: لا؟ إذن هذا الشرط يُراد به الإغراء والتهييج، يعني: إن كانت صادقة بأنها تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تكتم ذلك. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، والمراد باليوم الآخر يوم القيامة، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إنه يدخل في الإيمان به كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فِتنة القبر، وعذاب القبر أو نعيمه، وكل ما يكون. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما المناسب للإيمان بالله هنا؟ الإيمان بما له من صفات الفضل والرحمة والإحسان أو الإيمان بما له من صفات العقوبة والغضب والانتقام؟ * طالب: كله جميعًا. * الشيخ: لكن المرأة، وأيش تلاحظ الآن، هل تلاحظ الخوف من عقوبة الله فلا تكتم، أو تلاحظ الطمع في فضله فتُبيِّن؟ * طالب: كلا الأمرين؟ * الشيخ: كلا الأمرين، لكن الغالب أنه إذا وقع هنا في مقام النهي فإن المنهيّات يُراعى فيها جانب الخوف بخلاف المأمورات، فإن المأمورات يُراعى فيها جانب الفضل والطمع، أما المنهيات فيراعى فيها في الغالب جانب الخوف. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما ذكر اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، فالناس إذا بُعثوا يوم القيامة ما عاد فيه موت، ما فيه إلا الخلود أبدًا، إما في جنة وإما في نار. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذَكَرَ اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فِعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ لأنه يَعلم أن أمامه يومًا يُجازى فيه الإنسان على عَمَلِه فتجده يحرص على فِعْل المأمور وعلى ترْك المحظور. قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البُعولة جمع بَعْل وهو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود ٧٢] يعني: زوجي. ﴿بُعُولَتُهُنَّ﴾: أي بُعولة المطلَّقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك الزمن أو في ذلك التربص إلى آخره. ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ من أين؟ أَطْلَقَ، ما قال: أحق بِرَدِّهن من أنفسهن، ولا قال: من أَهْلِهنَّ، ولا قال: من أزواج آخرين، ليكون ذلك عامًّا، فالحق للزوج ما دامت في مدة التربص ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائدًا على ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ قد يُفْهم منه أن المطلقات هي عامٌّ أريد به الخاص، مَنْ أُريد به؟ * طالب: الرَّجْعِيَّات. * الشيخ: الرجعيات؛ لأن الأحقيَّة هنا لا تكون إلا للرجعيات، أما البَوائن، البوائن بفسْخ أو طلاق، كالطلاق على عِوض أو طلاقًا ثلاثًا، فإن بعولتهن لا حق لهم في ردهن. وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان هذه المسألة. قال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟ التربص ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فإن قال قائل: كيف تقولون أنها عائدة على التربص؟ أين التربص؟ نقول: لأنه مصدر مفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والمصدر المفهوم من الفِعْل قد يعود إليه الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، اعدلوا هو يعني: العدل، المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾، كقوله في ذلك المشار إليه التربص المفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾. لكن اشترط الله لأحقِّيَّة الزوج البُعولة قال: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] إن أرادوا -أي البعولة- إصلاحًا في ردِّهن، فإن أرادوا إضرارًا فظاهر الآية الكريمة أنه لا حَقَّ لهم في ذلك؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس، وابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]. كيف يريد الإضرار بها؟ ينتظر حتى إذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجع، فإذا راجع طلَّق، فإذا طلَّق وابتدأت العدة انتظر حتى تُشارف على انقضاء العدة، فإذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجعها، ثم طلَّقها، الشرع حده، الآن ما عاد الرجع، لكن في الجاهلية يتركها حتى تُشارف، ثم يُعيدها، ثم يطلقها، ثم يتركها حتى تشارف ثم يعيدها، ثم يطلقها وهكذا حتى حدَّ الله ذلك بثلاث طلقات. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: ثُبوت حكم الإيلاء، ثبوت الحكم؛ لأن الله تعالى ضرب له أربعة أشهر. * ويستفاد منه: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويستفاد من هذه الآية: أن الْمُولِي يُضرَب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فهنا قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ثم قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾، فيفيد أن ابتداء المدة من أين؟ من الإيلاء. * ويستفاد منه: حِكمة الله عز وجل ورحمته بعباده في مراعاة الحقوق، حقوق مَنْ؟ الزوجة لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وفي الحقيقة أنه كما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضًا حتى لا يضيع حق المرأة على يده فيكون ظالمًا. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُولِي يُوقَف عند مُضِيِّ أربعة أشهر، ويُقال له: إما أن تفيءَ وإما أن تُطلِّق؛ لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها: أن الطلاق بِيدِ الزوج؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والضمير يعود على مَنْ؟ على ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويُستفاد منها: صِحة الإيلاء من غير المدخول بها، مِن أين؟ من قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد. * ويُستفاد منه: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق مُحرَّم لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإن المغفرة لا تكون إلا في مُقابلة أيش؟ ذنب. * ويُستفاد من الآية: أن رُجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة، من أين يُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإن رجوع الإنسان عن التمادي في المعصية هو من علامات التوبة فيكون سببًا للمغفرة. * ويُستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لا يُحب الطَّلاق؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها أيضًا من الآية: أن الطلاق لا يقَع بمجرد تمام الْمُدَّة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. وهل يؤخذ من الآية أنه لو أبى أن يرجع وأن يُطلِّق فإنه يُجبر؟ لو قال: لا أرجع ولا أطلق؟ * طالب: تُطلق عليه. * طالب آخر: يُجبر. * الشيخ: نشوف هل يؤخذ من الآية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما يخالف، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ منه أنه إذا لم يفِئ ولم يُطلِّق أُجبر؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، من اللي مستعد ليبين لي وجه الدلالة؟ * طالب: التهديد؛ لأنه آخر الآية قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: هذه في الآية أن الطلاق ليس محبوبًا إلى الله. * طالب: شيخ، هنا الأمران مخيَّر فيه صحيح، الأمر الأول: لا يمكن للحاكم ولا لغيره أن يجبره عليه، بقي الأمر الثاني: إما أن يُطلق وإما أن يُسند إلى غيره. * الشيخ: إذا قال ما أنا مطلق؟ والله يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فرد الأمر إليهم. * طالب: ما نستطيع أن نجبره على الرجوع إلى زوجته. * الشيخ: ما يخالف، الرجوع يمكن نقول: ما نجبره على الرجوع. * طالب: ما بقي إلا الطلاق، والطلاق إن لم يقع منه وليس هنالك حال ثالثة نلجأ إليها نجبره عليه. * طالب آخر: قال لنا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فحدَّد أربعة أشهر، تبقى أربعة أشهر إما أن نُجبره على الرجوع وإما أن تكون طالقًا، يُطلِّقها أصلًا. * الشيخ: والشاهد؟ * طالب: خيّر الله سبحانه وتعالى المؤمن بين أمرين، والمقام مقام تفصيل يعني، لو كان فيه حالة ثالثة كان ذكرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: وهي؟ إذن معناها لو كان فيه حال ثالثة وهي الإجبار على الطلاق لذكرها؟ * طالب: لا، (...) يُلزَم. * الشيخ: يشتغلون. * طالب: من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: وين ما فاؤوا يُجبرون على الطلاق. * الشيخ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾؟ * طالب: الظاهر ما يستفاد. * الشيخ: كما نقول مثلًا: إن الله ذكر أنه ما له إلا حالين، فهو يُجبر على أحد الحالين؛ لأن الله إنما ذَكَرَ الحالين من أجْل حقوق مَنْ؟ * طالب: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا قلنا له أن يمتنع عن هذا وهذا، ضاع حق الزوجة، وحينئذٍ يكون إجبار الحاكم له من باب الأخْذ بحق الزوجة؛ لأننا لو نقول: إنه إن شاء طلَّق، وإن شاء رجع، وإن شاء لا طلَّق ولا رجع فإنه يضيع حق المرأة، والله عز وجل إنما جعل هذا الخيار له من أجل حق الزوجة، فلا يمكن أن يضيع؛ ولهذا قال العلماء: إنه إذا أبى هذا وهذا، فإن الحاكم إما أن يُلزمه بالطلاق حتى يُطلِّق، يَحبسه حتى يُطلق ومر علينا هذا أظن في قواعد ابن رجب، إما أن يلزمه يقول: لازم أنك تطلق ويحبسه ويعزِّره حتى يُطلق، وإما أن يُطلِّق عليه. وهذا واضح، هذا هو الصحيح، ويمكن أن يؤخذ من الآية لأنه ما ذكر إلا ها الحالين لأجل حماية حق الزوجة ولا بد منه، وإذا لم يكن بُدٌّ من حمايته فيجبر على أحد الأمرين، والفَيئة قد يُتعذر الإجبار عليها لأن هذا الشيء يرجع إلى نفس الإنسان وميله، وهذا لا يمكن أن يجبر على أن يميل إليه نعم. * طالب: ما يؤخذ من الآية أن من رَجَعَ عن ذنب لو ما تلفظ بالتوبة أنه من التوبة؟ * الشيخ: إي هذا الرجوع، الرجوع عن المعصية توبة. * الطالب: أقول: لو ما قال؟ * الشيخ: لو ما قال: أستغفر الله وأتوب إليه، حتى ما ذكرها في شروط التوبة. فيها أيضًا، هل يُؤخذ من الآية أن الإيلاء لا يصح من الصغير؟ * طالب: لا يؤخذ. * طالب آخر: لا يستطيع. * الشيخ: ولَّا لا؟ * طالب: هي عامة. * الشيخ: كيف ذلك؟ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والصغير.. وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ من هذا اللفظ أنه لا بد أن يكون الطلاق على وجه شرعي؟ الجواب: نعم؛ لأن الطلاق هنا مطلق، وما أُطِلَق في الكتاب والسنة فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية، فالنكاح والبيع والصلاة والصيام وغيرها كلها تطلق على أيش؟ على الحقائق الشرعية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطلاق على وجه مباح شرعًا. فإن طَلَّق في حال الحيض فإنه على القول الراجح: لا يقع الطلاق، وعلى قول الجمهور: يقع، ولكنه يقال له: راجع زوجتك كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يراجع زوجته[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (١٤٧١ / ١١) من حديث ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا».]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله، وهم: الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:230

الشيخ: ﴿يُؤَاخِذ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: المؤاخذة بمعنى العقوبة، والثاني: المؤاخذة بمعنى الإلزام بالكفارة، وكلا المعنيين صحيح، فاللغو في اليمين لا يؤاخذ الله به لا إثمًا ولا كفَّارة، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [المائدة ٨٩] ما هو اللغو؟ اللغو في الأصل في اللغة: الشيء الساقِط، والمراد به هنا: ما لم يقصده الإنسان في قلبه، هذا المراد باللغو في اليمين، ما لم يقصده الإنسان في قلبه، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩] فدلَّ هذا على أن اللغو في اليمين هو الذي لم يُقصد أيش؟ لم يُقصد عقْدُه، هذا اللغو في اليمين، مثاله: قول الإنسان في عرْض حديثه: لا والله، وبلى والله، والله ما شوفت فلان، والله ما يصير بفلان، طب تفضل معي، قال: لا والله ما أنا برائح، يا رجَّال مشى، عليه كفّارة ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ * الطلبة: لأنه ما قصد اليمين. * الشيخ: لأنه ما قصد اليمين، فإذا لم يقصد اليمين فلا كفَّارة عليه للآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ولقول النبي ﷺ في الحديث الأساسي القاعدة العظيمة في الإسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) واللفظ له من حديث عمر بن الخطاب.]]. إذن هذا اللغو في اليمين. وقال بعض أهل العلم: إن اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظنه كذلك ويتبين بخلافه، وهذا ما ذكره فُقهاء الأحناف رحمهم الله، ولكن الصواب: أنه لا يدخل في لغو اليمين إلا أنه لا حُكْمَ له، لا حكم له ما هو من أجل أنه من اللغو، لكن من أجل أن الإنسان حلف على شيء يظنه كذلك، وحَلِفُه على ما قام في نفسه من الظن صِدق ولَّا لا؟ * طالب: صِدْق. * الشيخ: صِدْق، فلذلك حتى لو كان الأمر بخلافه ما عليه شيء، ولا فرْق بين أن يكون ذلك في المستقبل أو في الماضي، في الماضي مثل أن يقول: والله ما جاء فلان، هذا ظنه، ولكنه قد جاء. في المستقبل مثل أن يقول: والله لا يأتي فلان غدًا، فيجيء، أو يقول: والله ليَأْتِيَنَّ ثم لا يجيء. وأما إذا حَلَفَ على نفسه لقصد إلزام نفسه مثل أن يقول: والله لأفعلنَّ غدًا كذا، ثم لا يفعل، فهنا عليه الكفّارة إذا تمت الشروط. إذن للعلماء في تفسير اللغو قولان: أحدهما: أن المراد به اليمين التي لم يُقصد عقْدُها. والثاني ما هو؟ * الطالب: أن يحلف على ما يغلب على ظنه هكذا. * الشيخ: والثاني: أن يحلف على شيء يغلب على ظنه أنه كما حلف، ثم يَتَبَيَّن بخلافه. قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥] الحمد لله ما قال: بما حل في قلوبكم، أو بما كان، ولكن قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، وهذه قاعدة عامة، ما هو في الأيْمان فقط، كل ما كسبت القلوب فإننا مؤاخذون به، ومعلوم أن الكسب لا بُدَّ فيه من عمل، فليس مُجرَّد ما يقع في القلب يكون مؤاخذًا به حتى يكون هناك عمَل وحركة للقلب، فهناك تقتضي الكفارة. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٥]. لما ذكر اللغو والمنعقِد ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين وهما؟ * الطالب: السميع العليم. * الشيخ: لا، العزيز، العظيم، أو الحكيم؟ العزيز الحكيم صح؟ * طالب: لا. * الشيخ: إياك والتقليد ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. (...) باللغو باليمين؛ لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الْمَدَار على ما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الحلف على ما يغْلِب على الظن غيْرُ مؤاخذ به، ولو تبين خلافه بناء على أحد التفسيرين، وهو صحيح؛ لأن الله لا يُؤاخذنا إلا بما كسبت القلوب، وما كسبت القلوب فهو ما تعمدت فيه الإثم. * ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وما تضمناه من وصف وهما: الغفور الحليم. * ومنها: أن للقلبِ كَسْبًا وعملًا؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، والقلوب لها أعمال ولها أقوال، فأقوال القلب: إقرارُه واعترافه، وأفعال القلب: حركاته من المحبة والإرادة والخوف والخشية وما أشبه ذلك. ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦]. ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مُقدَّم، و﴿تَرَبُّصُ﴾ مبتدأ مؤخر، وبعد هذا بَيَّن الله الحال، بعد هذا التربص. قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ اللام هذه إما أن تكونَ للإباحة وإما أن تكونَ للاستحقاق، يعني: يستحِقُّون تربص أربعة أشهر، أو يباح لهم تربص أربعة أشهر. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾ الْأَلِيَّة بمعنى الحلف، فمعنى ﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلِفون. وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ قيل: إنها بمعنى عن، يعني: يحلفون عن وطء نسائهم. وقيل: إنها على بابها، آلى منها فهي مُبيِّنَة لموضع الألِيَّة يعني: الحلف. وقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: من زَوْجاتهم؛ لأن المرأة أو لأن نساء الرَّجُل هن زوجاته، وتكون امرأته بمجرد العَقْد وإن لم يحصل الدخول. قوله: ﴿تَرَبُّصُ﴾ بمعنى: انتظار، وهو شبِيه بالصَّبر لموافقته إيّاه في الحروف، وإن خالفه في الترتيب، والصبر بمعنى: حبْس النفس وانتظارها. وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ابتداءً من إيلائهم لا من مُطالبة الزوجة له، فينتظرون لمدة أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلَوا منهن. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حِرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على أن لا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يُعاشر زوجته بالمعروف، وليس من العِشْرة بالمعروف أن يحلفَ الإنسان أن لا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر، فإن فعل فقد عَرَّض نفسه للعقوبة، لكنه إذا رجع غفر الله له. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يشمل ما إذا فاؤوا قبل أربعة أشهر أو فاؤوا بعدها، فإن فاؤوا قبل أربعة أشهر فالأمْر واضح، وإن فاؤوا بعدها فكذلك لكن لا بُدَّ أن يكون فيأتُهم بعدها مباشرة؛ لأنه بعد أربعة أشْهُر يقال له: إما أن تفيء وإما أن تُطلِّق. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هذا إثبات الاسمين الكريمين لله عز وجل الغفور والرحيم، والغفور ذو المغفرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والرحيم: ذو الرحمة كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]. والمغفرة هي: سَتْر الذنب والتجاوُز عنه، مأخوذة من الْمِغْفَر وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتِّقاء السهام، وفي المغفر تغطية، ووقاية. وقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ مُشتق من الرحمة المستلزِمة للعطف والحنو، والإحسان، ودفْع النِّقَم، فالرحمة إذن صفة من صفات الله عز وجل، وهي غير الإحسان وغير إرادة الإحسان، بل الإحسان وإرادة الإحسان من مقتضياتها ولوازمها. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧] أي: قصدوه بعزيمة تامة، ويدل على أن العَزْم هنا بمعنى القصد أنه تعدَّى بنفسه إلى الطلاق، ولو كان العزم بمعناه الأصلي لقال: وإن عزموا على الطلاق، كما فسَّر ذلك بعض المفسرين، وقالوا: إن الطلاق منصوب بنزع الخافض، والتقدير: وإن عزموا على الطلاق. لكنه قد مر علينا أن النصْبَ بنزع الخافض لا يطَّرد في: أَنَّ، وأَنْ، وأما بدونهما فإنه يُوقَف على السماع، ولكننا يمكن أن نتخلص من ذلك فنقول: ﴿إِنْ عَزَمُوا﴾ بمعنى: قصدوا بعزيمة تامّة، فقد ضُمِّن العزم هنا معنى القصد ﴿إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: أن يُطلقوا زوجاتهم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعني: سميع لأقوالهم ومنها الطلاق، عليم بأحوالهم ومنها مُفارقة الزوجات، وفي ختم الجملة هذه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في ختمها بذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يُريد الطلاق؛ لأن ختمها بهذين الاسمين فيه شيء من التهديد بخلاف الأول، الأول: قال: ﴿إِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦] وهنا قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى، وله معنيان: أحدهما: الإجابة. والثاني: إدراك المسموع، أما الإجابة فمثالها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده، فإن قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يعني: لمجيبه، وسمع الله لمن حمده بمعنى: استجابَ؛ ولهذا عُدِّيت باللام، ولم يقل: سمع الله مَنْ. أما السميع بمعنى: مُدرك المسموعات، والسمع بمعنى إدراك المسموع، فإن العلماء قسَّموه إلى أقسام: منها ما يُراد به التهديد. ومنها ما يُراد به التأييد. ومنها ما يُراد به الإحاطة. فمثال ما يراد به التهديد: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١] فهذا يُراد به التهديد، بدليل قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]. ومثال ما يُراد به التأييد: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. ومثال ما يُراد به الإحاطة: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١]. فالسمع الأول من الصفات الفِعْلية الذي هو إجابة الدعاء، والسمع بالمعنى الثاني من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال مُتَّصفًا بالسمع، لكن الذي يتجدَّد المسموع، أما سمْع الله عز وجل فإنه لم يزل ولا يزال متصفًا به. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العِلْم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، فإن لم يُدرِك الشيء فهو جاهِل به، وإن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل به أيضًا، وإن أدركه إدراكًا غير جازم فهذا ليس بعلم، لكنه إما ظن أو شك، أو وهم، فالعلم إذن، ما هو العلم؟ * طالب: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. * الشيخ: نعم، أحسنت، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل، ومن أدركه على غير ما هو عليه فهو جاهل، لكنه جهل مركَّب، يعني جاهل جهلًا مركَّبًا، وإن أدركه على ما هو عليه لكن بدون جزم فليس بعالِم، لكنه إما شاك، أو ظانٌّ، أو واهِم، فهذه خمسة أقسام، من لم يدركه أصلًا فهو جاهل جهلًا بسيطًا، مثل أن يقال لك: متى كانت غزوة بدر؟ فتقول: والله ما أدري، نعم، هذا ما هو؟ * الطلبة: جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، قال لك قائل: إن في أحد أعضاء الوضوء جَرحًا، فهل يجوز أن أتيمم عنه؟ فقال: ما أدري. * طالب: جهل بسيط. * الشيخ: جهل بسيط، سأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: كانت غزوة بدر في يوم الاثنين، الموافق للخامس عشر من شهر جُمادى الثانية سنة سبع من الهجرة. * طالب: مُركَّب. * الشيخ: كيف؟ تبغون أدق من هذا؟! ذكر لكم اليوم والشهر والسنة؟ * طالب: ليس على ما هو عليه. * الشيخ: ليس على ما هو عليه، هذا يسمى جهلًا مركبًا، من أين مركَّب؟ مُركب من كونه جاهلًا وجاهل بنفسِه أنه جاهل، جاهل وجاهل أنه جاهل، فهو مُركَّب من جهْلين، قال لك: متى كانت غزوة بدر؟ قال: أظنها في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، هذا عِلم؟ ليس بعِلم، هذا ظن. قال: متى كانت؟ قال: والله عندي شك فيها هل هي في السنة الثانية أو في السنة الثالثة، ليس بعلم، هذا شك. طيب الذي قال بالأول: أظنها في السنة الثانية عنده طرف آخر أظنها في غيرها، الطرف الثاني أظنها في غيرها يُسمى وَهْمًا، الطرف المرجوح يسمى وهمًا. طيب يقولون: إن رجلًا يسمى توما الحكيم، ذكرت لكم قصته سابقًا يدَّعي أنه حكيم عالِم، وكان له حمار، فقال الحمار مُغنِّيًا: قَــــــــالَ حِمَــــــــارُ الْحَكِيـــــــــــــمِتَوْمَـــــــــــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَــــبْ؎لِأَنَّـــنِــــــــــــي جَـــــاهِـــــــــــلٌبَـــسِـــيــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَــاحِـــبِــــي جَــــاهِـــــــلٌمُـــرَكَّــــــبْ يعني يقول الحمار: لو إن كان الدهر مُنصفًا، لكن الحمار عاد ما يدري يعني نسب الحكم إلى الدهر، يقول: لو كان عنده إنصاف الدهر لكان أنا اللي أركب صاحبي، أركب على ظهره أحط عليه أوثار وأمشي، لكنه بالعكس. أما قصة الحكيم هذا فإنه قال فيها الشاعر: وَمَــــنْ رَامَ الْعُلُـــــومَ بِغَيْـــــرِشَيْــــــخٍ ∗∗∗ يَضِــلُّ عَــنِ الصِّــرَاطِ الْمُسْتَقِيــم؎وَتَلْتَبِـــسُ الــْعُـــلُــــــومُ عَلَيْــــــهِحَتَّـــى ∗∗∗ يَكُونَ أَضَلَّ مِــنْ تومــا الْحَكِيـمِ؎تَصَــدَّقَ بِالْبِنَــاتِ عَلَــــى رِجَـــــالٍ ∗∗∗ يُـــــرِيــــــدُ بِــذَاكَ جَــــنَّـــاتِالنِّعِـــيــمِ التصدُّق على المحتاجين بالدراهم، فيه فضل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: فيه فضل، قد يؤدِّي إلى دخول الجنات، لكن هذا قال: بدل ما أروح أعطيهم الفلوس ويتعبوا في الخطبة: تعالوا، نعطيكم بنات، نتصدق على هؤلاء العُزَّاب ببنات مُباشرة، ماذا تريد يا توما؟ قال: هذا أفضل، أنا أريد بذلك جنات النعيم، وأيش تقولون في هذه الصدقات؟ * الطلبة: وبال، وجهل. * الشيخ: هذا زنا، والعياذ بالله، هذا زنا. الحاصل أن العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا، هذا هو العلم، الرب عز وجل يدرك الأشياء على ما هي عليه؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: لو قلت لشخص وأنت تكذب: الله يعلم إني ما فعلت كذا، وأنت فاعل، إنك لو قلت هكذا فإنه ربما تكفر، لأيش؟ قال: لأنك إذا قلت: الله يعلم أني ما فعلته، وأنت فاعله نسبت الله إلى أي شيء؟ إلى الجهل، وأنه لا يدري، وهذا كُفر مع أن بعض الناس الآن يتعاطون هذه الحال، يقول: الله يعلم أني ما فعلته، أنت ما فعلت هذا؟ قال: الله يعلم أني ما فعلته، وهو فاعله، هذه خطيرة جدًّا. قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧] ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ﴾ نعم. * طالب: قلنا: التربص أربعة أشهر (...). * الشيخ: الإيلاء. * الطالب: لا تبتدأ من.. * الشيخ: من المطالبة. * الطالب: مطالبة الزوجات، هل في الآية ما يدل على ذلك؟ * الشيخ: إيه، بيجينا في الفوائد. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾. * طالب: هل صحيح يكفر من قال هذه المقالة؟ * الشيخ: هو إن قصد المعنى كفر، لكن غالب الناس ما يقصدون المعنى. * طالب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يا شيخ، ما المقصود يعني إن عزموا أزواجكم هذا يطلقوهم، ما هذا معناها؟ * الشيخ: لا، إن أرادوا الطلاق. * طالب: هنا أرادوا أجود من (...). * الشيخ: ما حصل له، يجينا إن شاء الله بالفوائد. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ عام ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وأيش وجه العموم فيه؟ أنه من الأسماء الموصولة، ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ من الأسماء الموصولة. * طالب: ليس كذلك. * الشيخ: ليس كذلك، سبحان الله! صحيح من الأسماء الموصولة. * طالب: (أل)؟ * الشيخ: طيب، هذا الموصول وصلته، وَصِــــفَـــــةٌ صَـــرِيــحَـــةٌ صِـــــلَـــــةُأَلْ ∗∗∗ ....................؎وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ ∗∗∗ .................... إذن اسم موصول؛ لأن ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ اسم موصول، فهي عام، يعني كل منْ طُلِّقت. وقوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ هذه يُستثنى منها -كما سيأتي إن شاء الله- من لم يدخل بها؛ لأن اللي ما دخل عليها ما عليها عِدة. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي بما في نُفوسهن، فهن المأمُونات على أحوالهن، وأيضًا يتربصن بأنفسهن، أي في مكان حصِين تُحصِّن به نفسها وهو بيت الزوج كما سيُذكر إن شاء الله في الطلاق. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذه ﴿ثَلَاثَةَ﴾ نائبة مناب الظرف، ، ولّا لا؟ أو نائبة مناب المفعول المطلق، يعني: تربُّصًا ثلاثة قروء. والقُروء جمع قَرْء بالفتح، واختلف العلماء في معنى القَرْء؛ هل هو الحيض أو الطُّهْر، وحصل في ذلك نزاع طويل عريض، مَن أراد أن ينظُر إليه فما وجدته مبسوطًا كما بُسط في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله. والصواب أن القُروء هي الحيض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في المستحاضة أنها «تَجْلِسْ قَدْر مَا كَانَتْ تَحْبِسُها أَقْرَاؤُها»[[أخرجه البخاري (٣٢٥) بلفظ: «وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ الْأَيَّامَ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا»، ومسلم (٣٣٤ / ٦٥) بلفظ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» من حديث عائشة، وأبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) من حديث دينار بلفظ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا».]] أي: حِيَضُها، فثلاث القروء أي: ثلاث حِيَض، كمْ مدتها غالبًا؟ ثلاثة شهور، لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق ٤] ولكن ربما تحيض المرأة لأقلَّ من ذلك، وربما لا تحيض إلا لأكثر حتى إني سمعت أن امرأة تطهُر أربعة أشهر، ويأتيها الحيض شهرًا واحدًا كاملًا، شهرا كاملا، كأنه (...) وهذا نادر، لكن الغالب أنه في كل شهر مرة. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ أي: لهؤلاء المطلقات ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من أين؟ من الحمْل، لا يحلُّ لها أن تكتم الحمل، لكن كيف تكتم الحمل؟ ما غرضها بذلك؟ ويش غرضها أن تكتم الحمل؟ * طالب: إطالة العدة؟ * الشيخ: إطالة العدة، أو تقصير العِدّة. * طالب: تزوج. * الشيخ: إي، لكن هل أنها تكتم ما في بطنها وتقول: إنها حاضت ثلاث حِيَض لتطويل العدة، ولا لتقليلها؟ * طالب: بالعكس لتقصيرها. * الشيخ: لتقصير العدة، ربما تكتم لتقصير العِدَّة من أجل أن تتخلصَ من زوجها، فلا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في الرحم، بل يجب عليها البيان كغيرها ممن له معاملة مع غيره، فإنه يجب عليه البيان والصدق كما قال النبي ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وكَتَما مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]. وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ سُمِّي رَحِمًا؛ لأنه ينضم على الجنين ويحفظه، فهو كذوي الأرحام من حيْث انضمامهم على قَريبهم وحُنوِّهم عليه، وعطفهم عليه. وقوله: ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ لأن الجنين بإذن الله يكون في الرحم، وليس في البطن، والرحم هذا وصفه الله بأنه قَرَارٌ مَكِين، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات ٢١، ٢٢]. ووصفه الله تعالى بأنه في ثلاث ظُلُمات ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر ٦] وهي: ظُلْمة البطن، وظلمة الرَّحم، وظلمة المشْيمة، الغشاء الذي على الجنين، هذا الغشاء الذي على الجنين سبحان الذي خلقه، غِشاء من ماء لزِج ليِّن جِدًّا جِدًّا؛ لأن الجنين كما تعرفون، الجنين عبارة عن مُضغة ما عليها جلد، ورقيقة جدًّا، لو لم يكن هذا الماء الذي تتحرك به تحركًا عظيمًا لكانت تتمزق، لكن الله جعل هذا الماء لأجل أن تتحرك في كل اتجاه حتى عاد يكبر، فإذا كبر فإنه بإذن الله يكون وجهه إلى ظهْر أمِّه، شوف الحكمة، وظهره إلى بطن أمه لأيش؟ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر فالظهر عمود فقري عِظام يَقِيه، إذا كان ظهره هو إلى بطن الأم صار ظهرُه يتحمل، يتحمل الضَّغط والصدمة وما أشبه ذلك، فإذا أراد الرب العظيم أن يُخرجه تحرَّك ثم انقلب على رأسه، انقلب على رأسه في الرحم، ينقلب حتى يسلك مَسلكه، ولذلك قال أهل العلم: إنه لو ماتت امرأة حامل بمسلم، امرأة حامل كافرة هي وولدها مسلم أين نقبرها؟ يقولون: إن وُجد مكان مُنفرد دُفنت في مكان منفرد، وإن لم يُوجد فإنها تُدفن مع المسلمين احترامًا لمن في بطنها، ولكن كيف تدفن؟ يقولون: إنها تُدفن على جنبها الأيسر مستدبرة القبلة أو الجَنْب الأيمن؟ * طالب: الأيسر. * الشيخ: الجنب الأيسر مستدبرة القبلة؛ لأجل أن يكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة، شوف سبحان الله العظيم. * طالب: يُصلى عليها يا شيخ؟ * الشيخ: إيوه، يُصلى على ما بطنها، يُصلى عليها ويُنوى الصلاة على ما في بطنها، وبهذه المناسبة أود أن أنبهكم إذا تقدمت امرأة حامل ليصلى عليها وولدها قد نُفِخَت فيه الروح يجب أن ننوي الصلاة عليه وعلى أمه، لو صلينا على أمِّه فقط معناه أننا ما أدينا الفريضة للصلاة على ما في بطنها، وهذه مسألة أظنها تخفى كثيرًا من الناس، أكثر الناس إذا قُدمت امرأة حامل يصلون على هذه المرأة فقط مع أن أهل العِلم يقولون: يجب أن الصلاة تُنوى على المرأة وعلى ما في بطنها الاثنين جميعًا. * طالب: ما يخبرونا. * طالب آخر: ما يخبرون المصلين. * الشيخ: لكن أحيانًا مثل عندنا هنا في القصيم، يتبين الحمل تكون بطن الأم كبيراً. * طالب: ما هو بلازم يكون فيه حمل. * الشيخ: إي قد لا يكون حمل. المهم على كل حال أنه يجب على الأقل أن هذا الأمر يُنْشَر حتى لو أن أهلها فقط نَوَوْا ذلك يكفي، يعني ما هو بلازم كل المأمومين ينوي ذلك، لو ينوي واحد من الناس كفى. قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن كُنَّ لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا حرجَ عليهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن؟ * الطلبة: لا، عليها من الحرج. * الشيخ: لا؟ إذن هذا الشرط يُراد به الإغراء والتهييج، يعني: إن كانت صادقة بأنها تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تكتم ذلك. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، والمراد باليوم الآخر يوم القيامة، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إنه يدخل في الإيمان به كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فِتنة القبر، وعذاب القبر أو نعيمه، وكل ما يكون. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما المناسب للإيمان بالله هنا؟ الإيمان بما له من صفات الفضل والرحمة والإحسان أو الإيمان بما له من صفات العقوبة والغضب والانتقام؟ * طالب: كله جميعًا. * الشيخ: لكن المرأة، وأيش تلاحظ الآن، هل تلاحظ الخوف من عقوبة الله فلا تكتم، أو تلاحظ الطمع في فضله فتُبيِّن؟ * طالب: كلا الأمرين؟ * الشيخ: كلا الأمرين، لكن الغالب أنه إذا وقع هنا في مقام النهي فإن المنهيّات يُراعى فيها جانب الخوف بخلاف المأمورات، فإن المأمورات يُراعى فيها جانب الفضل والطمع، أما المنهيات فيراعى فيها في الغالب جانب الخوف. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما ذكر اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، فالناس إذا بُعثوا يوم القيامة ما عاد فيه موت، ما فيه إلا الخلود أبدًا، إما في جنة وإما في نار. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذَكَرَ اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فِعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ لأنه يَعلم أن أمامه يومًا يُجازى فيه الإنسان على عَمَلِه فتجده يحرص على فِعْل المأمور وعلى ترْك المحظور. قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البُعولة جمع بَعْل وهو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود ٧٢] يعني: زوجي. ﴿بُعُولَتُهُنَّ﴾: أي بُعولة المطلَّقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك الزمن أو في ذلك التربص إلى آخره. ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ من أين؟ أَطْلَقَ، ما قال: أحق بِرَدِّهن من أنفسهن، ولا قال: من أَهْلِهنَّ، ولا قال: من أزواج آخرين، ليكون ذلك عامًّا، فالحق للزوج ما دامت في مدة التربص ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائدًا على ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ قد يُفْهم منه أن المطلقات هي عامٌّ أريد به الخاص، مَنْ أُريد به؟ * طالب: الرَّجْعِيَّات. * الشيخ: الرجعيات؛ لأن الأحقيَّة هنا لا تكون إلا للرجعيات، أما البَوائن، البوائن بفسْخ أو طلاق، كالطلاق على عِوض أو طلاقًا ثلاثًا، فإن بعولتهن لا حق لهم في ردهن. وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان هذه المسألة. قال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟ التربص ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فإن قال قائل: كيف تقولون أنها عائدة على التربص؟ أين التربص؟ نقول: لأنه مصدر مفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والمصدر المفهوم من الفِعْل قد يعود إليه الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، اعدلوا هو يعني: العدل، المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾، كقوله في ذلك المشار إليه التربص المفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾. لكن اشترط الله لأحقِّيَّة الزوج البُعولة قال: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] إن أرادوا -أي البعولة- إصلاحًا في ردِّهن، فإن أرادوا إضرارًا فظاهر الآية الكريمة أنه لا حَقَّ لهم في ذلك؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس، وابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]. كيف يريد الإضرار بها؟ ينتظر حتى إذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجع، فإذا راجع طلَّق، فإذا طلَّق وابتدأت العدة انتظر حتى تُشارف على انقضاء العدة، فإذا شارفت على انتهاء العِدَّة راجعها، ثم طلَّقها، الشرع حده، الآن ما عاد الرجع، لكن في الجاهلية يتركها حتى تُشارف، ثم يُعيدها، ثم يطلقها، ثم يتركها حتى تشارف ثم يعيدها، ثم يطلقها وهكذا حتى حدَّ الله ذلك بثلاث طلقات. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * يُستفاد من الآية الكريمة: ثُبوت حكم الإيلاء، ثبوت الحكم؛ لأن الله تعالى ضرب له أربعة أشهر. * ويستفاد منه: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويستفاد من هذه الآية: أن الْمُولِي يُضرَب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فهنا قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ثم قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾، فيفيد أن ابتداء المدة من أين؟ من الإيلاء. * ويستفاد منه: حِكمة الله عز وجل ورحمته بعباده في مراعاة الحقوق، حقوق مَنْ؟ الزوجة لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وفي الحقيقة أنه كما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضًا حتى لا يضيع حق المرأة على يده فيكون ظالمًا. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُولِي يُوقَف عند مُضِيِّ أربعة أشهر، ويُقال له: إما أن تفيءَ وإما أن تُطلِّق؛ لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها: أن الطلاق بِيدِ الزوج؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧]، والضمير يعود على مَنْ؟ على ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. * ويُستفاد منها: صِحة الإيلاء من غير المدخول بها، مِن أين؟ من قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد. * ويُستفاد منه: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق مُحرَّم لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإن المغفرة لا تكون إلا في مُقابلة أيش؟ ذنب. * ويُستفاد من الآية: أن رُجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة، من أين يُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإن رجوع الإنسان عن التمادي في المعصية هو من علامات التوبة فيكون سببًا للمغفرة. * ويُستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لا يُحب الطَّلاق؛ لقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. * ويُستفاد منها أيضًا من الآية: أن الطلاق لا يقَع بمجرد تمام الْمُدَّة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. وهل يؤخذ من الآية أنه لو أبى أن يرجع وأن يُطلِّق فإنه يُجبر؟ لو قال: لا أرجع ولا أطلق؟ * طالب: تُطلق عليه. * طالب آخر: يُجبر. * الشيخ: نشوف هل يؤخذ من الآية؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما يخالف، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ منه أنه إذا لم يفِئ ولم يُطلِّق أُجبر؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: طيب، من اللي مستعد ليبين لي وجه الدلالة؟ * طالب: التهديد؛ لأنه آخر الآية قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: هذه في الآية أن الطلاق ليس محبوبًا إلى الله. * طالب: شيخ، هنا الأمران مخيَّر فيه صحيح، الأمر الأول: لا يمكن للحاكم ولا لغيره أن يجبره عليه، بقي الأمر الثاني: إما أن يُطلق وإما أن يُسند إلى غيره. * الشيخ: إذا قال ما أنا مطلق؟ والله يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فرد الأمر إليهم. * طالب: ما نستطيع أن نجبره على الرجوع إلى زوجته. * الشيخ: ما يخالف، الرجوع يمكن نقول: ما نجبره على الرجوع. * طالب: ما بقي إلا الطلاق، والطلاق إن لم يقع منه وليس هنالك حال ثالثة نلجأ إليها نجبره عليه. * طالب آخر: قال لنا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فحدَّد أربعة أشهر، تبقى أربعة أشهر إما أن نُجبره على الرجوع وإما أن تكون طالقًا، يُطلِّقها أصلًا. * الشيخ: والشاهد؟ * طالب: خيّر الله سبحانه وتعالى المؤمن بين أمرين، والمقام مقام تفصيل يعني، لو كان فيه حالة ثالثة كان ذكرها الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: وهي؟ إذن معناها لو كان فيه حال ثالثة وهي الإجبار على الطلاق لذكرها؟ * طالب: لا، (...) يُلزَم. * الشيخ: يشتغلون. * طالب: من قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: وين ما فاؤوا يُجبرون على الطلاق. * الشيخ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾؟ * طالب: الظاهر ما يستفاد. * الشيخ: كما نقول مثلًا: إن الله ذكر أنه ما له إلا حالين، فهو يُجبر على أحد الحالين؛ لأن الله إنما ذَكَرَ الحالين من أجْل حقوق مَنْ؟ * طالب: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا قلنا له أن يمتنع عن هذا وهذا، ضاع حق الزوجة، وحينئذٍ يكون إجبار الحاكم له من باب الأخْذ بحق الزوجة؛ لأننا لو نقول: إنه إن شاء طلَّق، وإن شاء رجع، وإن شاء لا طلَّق ولا رجع فإنه يضيع حق المرأة، والله عز وجل إنما جعل هذا الخيار له من أجل حق الزوجة، فلا يمكن أن يضيع؛ ولهذا قال العلماء: إنه إذا أبى هذا وهذا، فإن الحاكم إما أن يُلزمه بالطلاق حتى يُطلِّق، يَحبسه حتى يُطلق ومر علينا هذا أظن في قواعد ابن رجب، إما أن يلزمه يقول: لازم أنك تطلق ويحبسه ويعزِّره حتى يُطلق، وإما أن يُطلِّق عليه. وهذا واضح، هذا هو الصحيح، ويمكن أن يؤخذ من الآية لأنه ما ذكر إلا ها الحالين لأجل حماية حق الزوجة ولا بد منه، وإذا لم يكن بُدٌّ من حمايته فيجبر على أحد الأمرين، والفَيئة قد يُتعذر الإجبار عليها لأن هذا الشيء يرجع إلى نفس الإنسان وميله، وهذا لا يمكن أن يجبر على أن يميل إليه نعم. * طالب: ما يؤخذ من الآية أن من رَجَعَ عن ذنب لو ما تلفظ بالتوبة أنه من التوبة؟ * الشيخ: إي هذا الرجوع، الرجوع عن المعصية توبة. * الطالب: أقول: لو ما قال؟ * الشيخ: لو ما قال: أستغفر الله وأتوب إليه، حتى ما ذكرها في شروط التوبة. فيها أيضًا، هل يُؤخذ من الآية أن الإيلاء لا يصح من الصغير؟ * طالب: لا يؤخذ. * طالب آخر: لا يستطيع. * الشيخ: ولَّا لا؟ * طالب: هي عامة. * الشيخ: كيف ذلك؟ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والصغير.. وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هل يؤخذ من هذا اللفظ أنه لا بد أن يكون الطلاق على وجه شرعي؟ الجواب: نعم؛ لأن الطلاق هنا مطلق، وما أُطِلَق في الكتاب والسنة فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية، فالنكاح والبيع والصلاة والصيام وغيرها كلها تطلق على أيش؟ على الحقائق الشرعية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطلاق على وجه مباح شرعًا. فإن طَلَّق في حال الحيض فإنه على القول الراجح: لا يقع الطلاق، وعلى قول الجمهور: يقع، ولكنه يقال له: راجع زوجتك كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يراجع زوجته[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (١٤٧١ / ١١) من حديث ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا».]]. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله، وهم: الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٧]. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:231

قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الخطاب هنا لعامة الناس، يعني: إذا طلق الواحد منكم، ﴿النِّسَاءَ﴾ يعني: الأزواج؛ ولهذا لم يضفها الله عز وجل إلى أحد، بل قال: ﴿النِّسَاءَ﴾ أتى بـ(أل) الدالة على العموم، كما في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤]، فالمعنى: إذا طلق أحد منكم امرأته فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف. قال بعض العلماء: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن البلوغ؛ لأنها إذا بلغت الأجل انتهت العدة ولا إمساك حينئذٍ، ولكن الصحيح أن المراد بالبلوغ هنا حقيقة البلوغ؛ وذلك لأن الأصل أن يحمل الكلام على ظاهره وحقيقته حتى يوجد دليل على أنه لا يراد به ذلك، وهذه قاعدة عامة في كل نصوص الكتاب والسنة، بل حتى في كلام الناس بعضهم مع بعض، في العقود والمعاملات وغيرها يحمل الكلام على أيش؟ على ظاهره وعلى حقيقته حتى يوجد دليل يصرفه عن ذلك، وعلى هذا فيكون معنى ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انتهت عدتهن؛ وذلك لأن للرجل أن يراجع زوجته بعد الحيضة الثالثة ما لم تغتسل، كما جاء ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم، فالمرأة إذا حاضت ثلاث مرات من الطلاق بلغت الأجل، لكن له أن يراجعها ما دامت لم تغتسل، وعلى هذا فيكون المراد بالآية ظاهرها، أي: أتممن العدة فأمسكوهن، ولكن قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ يدل على الترتيب والتعقيب، وأنه لا يتأخر، وإن كان بعض العلماء قال: ظاهر ما ورد عن الصحابة أنها لو فرطت في الغسل سنوات متعددة، فله أن يراجع ما دامت لم تغتسل، لكن هذا فيه نظر، ولكن له أن يراجعها ما لم تغتسل إذا لم تدع الغسل الواجب، فأما إذا مرت عليها صلاة ولم تغتسل ترجو أن يراجعها زوجها فإنها تمنع من ذلك. * طالب: شيخ، ما يكون يعني ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ دليل على أنه معنى ﴿بَلَغْنَ﴾: قاربن؟ * الشيخ: لا. * الطالب: وإلا كيف يمسكها بعد أن..؟ * الشيخ: إي نعم، له أن يراجعها ما لم تغتسل، هكذا ورد عن الصحابة، وإن كان العدة تنتهي بانقطاع الحيض؛ ولهذا لو مات أو ماتت بعد انقضاء الحيضة الثالثة ما ترثه ولا يرثها. * الطالب: لكن قد يحتاج يسافر معها؟ * طالب آخر: إذا كانت كتابية لا تغتسل. * الشيخ: الظاهر أن الكتابية التي لا تغتسل أنه ينتهي بانقضاء الحيض. * الطالب: قد يكون أهلها ليسوا موجودين في البلد الذي هو فيه، فإذا انقضت العدة يضطر أنه يسافر بها وهي ليست محرمًا له إذا (...)؟ * الشيخ: لا لا، ما دام ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أن الإنسان له أن يراجع ما دامت لم تغتسل ولو مع تمام العدة، فهذا يعتبر تفسيرًا من الصحابة رضي الله عنهم للآية الكريمة. * الطالب: لكن ما يفرق بين إذا كان أهلها في بلد (...)؟ * الشيخ: لا لا، لا يفرق؛ لأنه حق له. * الطالب: هو يسافر بها وليس محرمًا؟ * الشيخ: لا، ما يسافر، خلها تبقى ويطلب من أهلها أن يحضروا ويسافروا بها. * الطالب: ما هو بمحرم لها؟ * الشيخ: نعم، إذا انتهت العدة ولا راجع واغتسلت، فهو ما يجوز أن تبقى في بيته إلا إذا كان ليس هناك خلوة، مثل إذا كان في البيت أحد فلا مانع. إذن نقول: هذه الآية فيها قولان لأهل العلم: أحدهما: أن المعنى ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن البلوغ، وقد مر علينا أن التعبير بالفعل قد يراد به ما قاربت، لكن القول الراجح أن الآية على ظاهرها بدليل ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم. قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ ﴿أَمْسِكُوهُنَّ﴾ أي: ردوهن إلى عصمتكم وهو المراجعة، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ أي: دعوهن، والتسريح بمعنى الإطلاق، يعني: أطلقوهن يكن أحرارًا أو حرائر بالنسبة لأنفسهن، وهنا قال: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وهناك قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهنا قال: ﴿سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فما هو الفرق؟ قد يقال: إن هذا هو الواجب، والتسريح بالإحسان على سبيل الندب والأفضلية؛ لأن الإحسان ليس بواجب، بل هو مندوب إليه، ويأتي إن شاء الله أيضًا التعرض لهذا في الفوائد. قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (لا) ناهية، والفعل بعدها مجزوم بحذف النون، و﴿ضِرَارًا﴾ مفعول لأجله، وقد قال ابن مالك في المفعول لأجله: يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ ∗∗∗ أَبَانَ تَعْلِيلًا كَجُدْ شُكْرًا وَدِنْ وهنا أبان تعليلًا ولَّا لا؟ نعم، لا تمسكوهن لأجل الضرار، وكانوا في الجاهلية يراجعون الزوجات في العدة من أجل المضارة، يراجعها ويبقيها، ثم يطلقها وتستأنف العدة، ثم إذا قاربت راجعها ثم يطلقها فتستأنف العدة، وهكذا، وقد مر علينا أن الله عز وجل حدد ذلك بكم؟ بثلاث، فبعد الثالثة لا رجوع، وهنا قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ وفي الآية السابقة قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ فيكون الرجعة مشروطة بإرادة الإصلاح، وتحريمها مشروط بماذا؟ بقصد الإضرار، فإذا قصد الإضرار صارت حرامًا، وإذا لم يقصد الإصلاح فلا حق له في الرجعة، لكن لو راجع وما قصد الإضرار فإنه لا يأثم، قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ اللام هنا لام التعليل، ولكنها هنا يراد بها العاقبة، أي: لا تمسكوهن ضرارا فتكون عاقبتكم أو حالكم. واللام التي تعرف عند بعض النحويين بـ(لام كي) تارة يراد بها التعليل، وتارة تكون زائدة، وتارة تكون للعاقبة، فتكون للتعليل كما في قولك: حضرت لأقرأ، وكما في قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦]. وتكون زائدة كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، إذا جاءت بعد الإرادة فهي زائدة؛ لأن الإرادة هي التعليل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يريد الله أن يبين لكم. وتأتي للعاقبة وهي: إذا علم بأن ما بعدها غير مقصود لكن صارت العاقبة كذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] هل آل فرعون التقطوه لهذا الغرض؟ أبدًا، ولو أنهم ظنوا ذلك لقتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا. هذه الآية على أي الأحوال الثلاث تنطبق؟ على العاقبة، وقد يقال: إن من أراد الإضرار فقد أراد العدوان، فكأنه قال: لا تمسكوهن ضرارًا وعدوانًا؛ لأن قصد الإضرار بلا شك عدوان. قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ﴿مَنْ يَفْعَلْ﴾ هذه جملة شرطية، وجوابها: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ولماذا ارتبط الجواب بالفاء؟ لأنه لا يصح أن يحل محل الشرط، وقد قال ابن مالك: وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْفكل ما لا يصح أن يقع شرطًا، فإنه يجب إذا وقع جوابًا أن يقترن بالفاء، وقد نظمها بعض الناس تقريبًا لطالب العلم في قوله؟ جواب الشرط الذي يجب أن يقترن بالفاء ما هو؟ * طالب: ما أعرف. * الشيخ: هو دائمًا يتكرر علينا ما هو مشكل. * طالب: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّــــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: ؎اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ في هذه الآية أي الأحوال السبعة؟ قوله: وبقد، عرفتم؟ فإذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة وجب أن يقترن بالفاء. وهذا يقرب لطالب العلم المبتدئ، وإن كان الضابط الذي ذكره ابن مالك ضابطًا لا ينتقد. وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أصل الظلم في اللغة: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، ثم صار مستعملًا في كل ما فيه نقص سواء كان ذلك حسيًّا أو معنويًّا، ومن فرط فيما يجب له، أو فيما يجب عليه، أو انتهك ما يحرم عليه فقد انتقص، انتقص نفسه حقها؛ لأن النفس عندك أمانة يجب أن ترعاها حق رعايتها، يجب أن لا توقعها فيما حرم الله عليك، ويجب أن تقوم بما أوجب الله عليك، وإلا كنت ظالمًا لنفسك. وقوله: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ لم يقل: فقد ظلم الزوجة مع أنه في الواقع ظالم لزوجته، لكنه لما كان غيرة الإنسان على نفسه أقوى من غيرته على غيره قال: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ لأنه لو قال: فقد ظلم الزوجة، فإنه هو من الأصل قد أمسكها لأي شيء؟ للإضرار والعدوان، لكن الشيء الذي يثير الإنسان ويوجب له أن يدع الشيء هو أن يقال: إنك ظالم نفسك، وهذا الظلم للنفس قد لا يشعر به الإنسان في هذه الدنيا، بل قد يظن أنه قد انتصر لنفسه، ولكنه في الحقيقة يتبين له متى؟ في الآخرة حينما يؤخذ من أعماله الصالحة ويعطى لهذا المظلوم، فإن وجد شيئًا من أعماله الصالحة أخذ، وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وفيها قراءة: ﴿هُزْءًا﴾ ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هَزْءًا﴾ أو ﴿هُزُوًا﴾ قراءتان سبعيتان، لا تتخذوها أي: لا تجعلوها مهزوءًا بها وموضع استهزاء، وآيات الله عز وجل جمع آية، وهي: العلامة على الشيء، لكنها لا تكون آية إلا إذا كانت برهانًا موجبًا، فإنها تكون آية، فهي العلامة. وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وهي: ما جاءت به الرسل من الوحي، وآيات كونية وهي: هذه الكائنات التي نشاهدها، أما وجه كون ما جاءت به الرسل آية، فلأنه كلام لا يمكن أن يأتي البشر بمثله لا في التنظيم، ولا في الأسلوب، ولا في الغاية، ولا في غير ذلك، ولا سيما القرآن الكريم، وأما وجه كون الموجودات آيات كونية فظاهر؛ لأن هذه المخلوقات لا يمكن لأحد أن يخلق مثلها، وقد تحدى الله عز وجل أولئك العابدين أن تخلق معبوداتهم شيئًا من هذه الآيات، فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣]، هل يمكن أن يخلقوا السماوات والأرض؟ لا، هل يمكن أن يخلقوا بشرًا؟ لا، هل يمكن أن يخلقوا بعيرًا؟ لا، فهذه المخلوقات في انتظامها وحسنها كلها آيات تدل على أن الله تعالى هو الخالق وعلى وحدانيته سبحانه وتعالى: وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِـــــــــــــــــدُاتخاذ آيات الله الشرعية هزءًا ظاهر، بأن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله عز وجل، سواء سخر بالشرع كله أو سخر بجزء منه، حتى لو سخر بغسل الوجه بالوضوء فقد سخر بآيات الله كلها واستهزأ بآيات الله كلها؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة، فكيف بمن يستهزئ بكل الشريعة، أو بأركانها العظيمة بأن يستهزئ بالصلاة أو بالزكاة أو بالصيام أو بالحج أو ما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أعظم وأعظم، فالمستهزئ بأي شيء من شريعة الله مستهزئ بجميع الشريعة، كما أن من كفر بأي شيء من شريعة الله فهو كافر بجميع الشريعة، ومن كفر بأي رسول من الرسل فهو كافر بجميع الرسل، واضح؟ إذا كان هذا الإنسان ما يتخذ آيات الله هزءًا، ولكنه لا يعمل بها هل يكون كالمستهزئ؟ الجواب: لا، لا يكون كالمستهزئ؛ لأنه فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله عز وجل وبين من يسخر بالشرع ويستهزئ به، ويرى أنه عبث وأنه باطل وما أشبه ذلك، فالأول له حكم العصاة، إن كانت معصيته تبلغ به الكفر فهو كافر، وإلا فهو فاسق، وإلا فهو دون الفاسق، كما لو كانت من صغائر الذنوب ولم يصر عليها، وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا ومضوا، أو أن هذا العصر لا يصلح أن يكون عصرًا للعمل بهذا الشرع، فهذا لا شك أنه كُفْر. إذا استهزأ الإنسان بغير الشريعة ولكن بحامل الشريعة فهل يكون كافرًا؟ * الطلبة: نعم، فيه تفصيل.. * الشيخ: إي لازم، فيه تفصيل، الكفر ما هو هين، الكفر ليس بهين، كل شيء كافر كافر كافر؟ إذا استهزأ بحامل الشريعة من أجل حمله الشريعة فهو كافر، كما لو استهزأ برجل قد أعفى لحيته وقصده الاستهزاء بإعفاء اللحية، سواء كان على هذا الرجل أو على رجل آخر، هذا كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال الله عز وجل في أولئك النفر الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون الرسول ﷺ وأصحابه- ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء -يعنون رسول ﷺ- أنزل الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]، والذي يقول عن حملة الشرع والعاملين به: هؤلاء دراويش ما يعرفون، ولا يعرفون المجتمع ولا الدنيا، وما أشبه ذلك من الكلمات هؤلاء أيضًا كفار؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين ٢٩، ٣٠] شوف شوف ها المسكين ها الدرويش، يتغامزون فيما بينهم، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، وفي العصر أبدلنا (ضالون) بـ(رجعيون)، إذا رأوهم قالوا: هؤلاء رجعيون، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين ٣١] متنعمين، يعني: يرون أنهم حصلوا على شيء كثير أن يستهزئوا بهؤلاء الدراويش على زعمهم، قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٣٤]، فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين كفار، فأما لو سخر بحامل الشرع غير الرسول عليه الصلاة والسلام من أجل لباسه، أو من أجل مشيته، أو من أجل هيئته فهذا.. كيف يتخذ الآيات الكونية هُزءًا؟ * طالب: بإنكار نعمة (...). * الشيخ: (...). * طالب: يقول: ما فائدة هذه الآيات مما لو وُضِع ..؟ * الشيخ: مثلًا لو نزل المطر، لو نزل في أيام الصيف اللي ما جرت العادة بأن ينزل فيه المطر، (...) ويش هذا التدبير؟ يوم الناس محتاجين إلى المطر بس بالشتاء ما جاء والآن يأتي! مثلًا، هذا يمكن يوجد، يُوجد من بعض الفَجَرة يقولون مثل هذه الأشياء. أو مثل يُغلب قوميون من العرب تغلبهم اليهود مثلًا فيقولون: ما هذا؟ أيش يكون هذا؟ يكون النصر لليهود على العرب على بني كنعان وعدنان وقحطان؟! كيف هذا ودولا بني إسرائيل؟ وما أشبه ذلك؛ هذا من السخرية والاستهزاء بقضاء الله وقدرِه سواء كان من فعله الذي لا صُنع للآدمي فيه، ولا علاقة للإنسان فيه، أو من الأشياء اللي للإنسان فيها علاقة، ولكن المؤمن يستسلم لأمر الله عز وجل الكوني كما يستسلم لأمره الشرعي، ويرى أنه في غاية الحِكْمة وفي غاية الإتقان، وأنه في مكانه وأن من غُلِب من العَرَب أو غير العرب فإن الحكمة تقتضي أن يكون مغلوبًا، أن يكون كذلك؛ لأن الله عز وجل حكيم، ما يصنع شيئًا إلا لحكمة؛ فالمهم أن الاستهزاء بالآيات الكونية يمكن أن يكون، وقد نهى الله تعالى أن نتخذ هذه الآيات هُزءًا سواء كانت الآيات كونية أو شرعية، لكن بما أن الآية في سياق الآيات الشرعية تكون أخص بالآيات الشرعية منها في الآيات الكونية. قال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٣١]. اذكروا بماذا؟ باللسان؟ بالقلب؟ بالجوارح؟ بالجميع؟ * الشيخ: بالجميع، اذكروا نعمة الله عليكم حتى تقوموا بشُكْرها، فإن الغفلة عن ذِكْر النِّعم سبب لعدم الشكر، تذكروها باللسان بأن تُثني على الله بها؛ تقول: أنعم الله عليَّ بكذا ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١] تُثني على الله عز وجل بها، تقول: اللهم لك الحمد على ما أنعمت علي به من كذا وكذا من المال أو الزوجة أو الأولاد أو ما أشبه ذلك. وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف، والمفرد المضاف يدل على العموم، من صيغ العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] لو كان المراد بالنعمة مدلولها الإفرادي لكان إحصاؤه ممكنًا؟ * الطلبة: لا، ولا لها عدد. * الشيخ: لأنها ولا لها عدد، مختلفين أهل اللغة هل الواحد عدد ولا غير عدد. المهم أن نِعمة الله هنا عامة؛ نعم لا تُحصَى أجناسها فضلًا عن أفرادها؛ فقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ يشمل كل النِّعم وإن دقَّت؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]. واعلموا أن النِّعمة خير؛ والنَّعْمة شر؛ لأن معنى النَّعمة التنعُّم والترف؛ قال الله تعالى: فأخرجناهم ﴿مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل ١١]. أما النِّعمة فهي من الله عز وجل وهي خير وإحسان؛ فالإنسان واجِب عليه أن يذكر نعمة الله عز وجل بالثناء عليه بها في اللسان، والقيام بحقها في الأركان، واعتقاد أنها من عند الله تفضُّلًا وإحسانًا بالْجَنان؛ بالقلب حتى يكون بذلك متبرئًا من حوله وقوته؛ لأن النِّعمة كلها من الرب عز وجل. قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٣١]. ﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾ الواو حرف عطف؛ و﴿مَا﴾ اسم موصول مبنيٌّ على السكون في محل نصب عطفًا على أيش؟ على الله ولَّا على نعمة؟ * الطلبة: على نِعمة. * الشيخ: على نِعمة؛ يعني: واذكروا ما أنزل عليكم من الكتاب والحِكمة يعظكم به، والعطف هنا من باب عَطف الخاص على العامِّ؛ لأن ما أنزل الله عليهم من الكتاب والحكمة من النِّعم؛ بل هو من أكبر النِّعم ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ١٦٤]، لماذا عُطفت على النِّعم وهي عامة؟ لأن عطف الخاص على العام يدُل على أهميته وعُلوِّ شأنه؛ ولهذا أُفرِد من العموم تنصيصًا عليه؛ وذلك لأن دلالة العموم على جميع أفراده دلالة قطعية ولَّا ظنية؟ دلالة ظنية -خدوا بالكم لهذه القاعدة- دلالة العام على جميع أفراده دلالة ظنية؛ لأن العام أحيانًا يُراد به الخصوص وأحيانًا يكون عامًّا مخصوصًا؛ والفرق بينهما ظاهر، الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص، الفرق بينهما ظاهر ولَّا غير ظاهر؟ * طالب: غير ظاهر. * الشيخ: غير ظاهر، أحسنت، هكذا طالب العلم إذا ما ظهر له، يقول: ما هو ظاهر؛ الفرق بين العام المخصوص هو: أن اللفظ يكون عامًّا يُراد به جميع أفراده ثم يُخرَج منه بعض الأفراد مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر ٢، ٣] الإنسان هذه نقول فيها: عام مخصوص كذا؟ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤] هذا عامٌّ لكنه مخصوص بالزوج إذا قذف زوجته فإن له حكمًا خاصًّا. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، وإنما مثَّلنا بذلك مع المثال الأول لأجل أن نُمثِّل بالتخصيص المتصل والتخصيص المنفصِل، وهذا معلوم ولَّا غير معلوم؟ * الطلبة: معلوم. * الشيخ: التخصيص المتصل أن يكون في كلامٍ واحد؛ العام والمُخصِّص ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. والتخصيص المنفصل أن يكون التخصيص في كلام آخر منفصلًا عن الأول؛ فآية القذف نزَلت قبل آية اللعان؛ لأنه لما نزلت آية القذف «قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: أجد على زوجتي لُكَعَ بْنَ لكع، ثم أذهب وأطلب أربعة رجال يشهدون، لئن وجدتُه لأضربنه بالسيف غير مُصَفَح »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٨٤٦)، ومسلم (١٤٩٨ / ١٦) من حديث سعد بن عبادة، ولفظ مسلم: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، لو وجدتُ مع أهلي رجلًا لم أمسَّه حتى آتيَ بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ: «نَعَمْ»، قال: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأُعَاجِلُهُ بالسيف قبل ذلك.]]. فأنزل الله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور ٦]. المهم هذا مثال لأيش؟ للعام المخصوص بمُخصِّص متصل أو مخصص منفصل، العام الذي أُريد به الخصوص يكون من الأصل ما قُصِد عمومه، لم يُقصد عمومه أصلًا، بل قُصِد به شيء معين، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هل المراد جميع الناس؟ * طالب: ليس .. * الشيخ: أولًا: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ما قال إلا واحد، القائل واحد. ثانيًا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ من؟ أبو سفيان ومن معه، ما هو كل الناس؛ هذا يسمونه عام أريد به الخاص. تبين لكم الآن أن العام لا يدُلُّ على جميع أفراده دلالة قطعِيَّة، بل دلالته ظنية بدليل أنه قد يُخصَّص أو أنه قد يُراد به من الأصل الخصوص، فإذا ذُكر فرْد من الأفراد كان دلالة العموم على هذا الفرد دلالةً قطعيَّة ولَّا ظنية؟ * الطلبة: قطعية.. ظنية. * الشيخ: ذُكر فرد من أفراد العموم؟ قطعيَّة بارك الله فيكم، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٣١] هل هو داخل في النِّعمة ولَّا لا؟ قطعًا داخل في العموم، ولهذا خصصه. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] * طالب: قطعي(...) * الشيخ: الآن نعلم علم اليقين أن جبريل الروح داخل في الملائكة بلا شك، لكن إسرافيل وميكائيل وما أشبه ذلك؟ * الطالب: ظني. * الشيخ: نقول: نعم، العموم يدل على دخولهم، لكن ما نقطع قطعًا بدخولهم، لكن إذا ذكر الفرد من أفراد العموم قطعنا بدخوله. ثم نقول: هل هو بعد ذكره داخل في العموم، أو التنصيص عليه مُخرج له عن العموم؟ * الطلبة: مخرج له عن العموم. * الشيخ: بأسرع ما تجيبون ما أدري عن فهم ولا عن غير فهم؟ هل تخصيصه بالذكر يُخرجه من العموم؟ * الطالب: يخرجه من العموم. * الشيخ: أو نقول هو داخل في العموم وذُكر بخصوصه لتعلية شأنه ويكون حينئذ مذكورًا مرتين؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: (...) الأول؟ * الطلبة: إي. * الشيخ: هذا أيضًا فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: إن التنصيص عليه دليل على أنه لم يُرد في العموم؛ فكأنه قال: واذكروا نعمة الله عليكم وهو يريد غير ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ثم قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾؛ وعلل هؤلاء قولهم بأن العطف يقتضي المغايرة؛ ولكن الصحيح أنه داخل في العموم، وأن التنصيص عليه تعلية لشأنه كأنه ذُكر مرتين، وأن المغايرة قد حصلت في العطف؛ لأنا عطفنا خاصًّا على عام، وهذا نوع من المغايرة؛ والمغايرة كما تكون في الذات تكون في الوصف كما هو معروف كما هو في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]. من الذي قدَّر فهدى والذي أخرج المرعى؟ * الطلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا، العطف يقتضي المغايرة؟ * الطلبة: لا.. * الشيخ: طيب ويش تقول بالقاعدة هذه؟ العطف يقتضي المغايرة ويش تسوون؟ * الطلبة: مغايرة.. * الشيخ: مغايرة الصفات، هنا التغاير بالأوصاف ولَّا لا؟ ولا شك أن صفات الله عز وجل كل واحدة غير الأخرى، فالذي خَلَقَ فسوَّى هو الذي قدَّر فهدى وهو الذي أخرج المرعى، لكن هذه صفة وهذه صفة. إذن فما أنزل الله علينا من الكتاب والحكمة لا شك أنه من نِعمة الله، وأنه يجب علينا أن نذكر ذلك، ولكن كيف نذكره؟ نيجي للناس نقول: يا جماعة، ترى الله أنزل علينا كتابًا وحِكمة؟ لا، اذكروه في قلوبكم وطبِّقوا ما فيه من التوجيهات فِعلًا أو ترْكًا بجوارحكم، وهذا هو ذِكْر القرآن، كيف يكون ذاكرًا للقرآن من لم يَعْمل به؟ أين ذكره للقرآن؟ فاذكروها بقلوبكم مُعترِفين لله تعالى بالفضل بإنزالها، ثم اعتقِدوا ما دلَّت عليه من العقائد، ونفِّذوا ما تقتضيه من الأوامر والنواهي، مفهوم ولَّا لا؟ وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المراد بالكتاب القرآن، وهو (فِعَال) بمعنى (مفعول) مثل فِراش بمعنى مفروش؛ وبِناء بمعنى مبنِيٍّ، غِراس بمعنى مغروس؛ ففِعال دائمًا تأتي بمعنى مفعول ومنها الكتاب، مكتوب بماذا؟ مكتوب في اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢] مكتوب بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٥]، مكتوب بالصحف التي بأيدينا ولَّا لا؟ فإذن هو مكتوب. وقوله: ﴿واَلْحِكْمَة﴾ هل المراد بالحكمة العِلم؟ يعني ما أنزل الله عليكم من الكتاب وما حصَّلتم فيه من العلم؛ لأن هذا الكتاب فيه علوم كثيرة أو المراد بالحكمة معرفة أسرار الشريعة؛ فإن الله تعالى أنزل الحكمة لنا في القرآن وما أكثر الأحكام المعلَّلة في كتاب الله عز وجل ولَّا لا؟ وقد بَيَّنا كثيرًا بأن التعليل المقرون بالأحكام الشرعية يفيد أي شيء؟ يفيد ثلاث فوائد: * طالب: أربعة. * الشيخ: نشوف: أولًا: بيان سمو الشريعة وعظمتها، وأنه ما من حكم من أحكامها إلا ومعلل بعِلَّة مطابقة للعقل. ثانيًا: طُمأنينة الإنسان؛ لأنه كلما علِم الحكمة اطمأن إليها أكثر ولَّا لا؟ ولهذا دائمًا الناس يسألون: لأيش كذا؟ لأيش كذا؟ عشان يطمئنون. الثالث: أن يُقاس عليه -أي على الحكم- ما شاركه في تلك العِلة؛ هذه ثلاثة. ونطلب من الأخ أن يأتي بالرابع إما من كيسه ولَّا من قلبه. * الطالب: ما في. * الشيخ: ما في، إذن. * الطالب: الرابع: انقياد المكلف. * الشيخ: هو الطمأنينة، هذا فرع على الطمأنينة، إذا اطمأن انقاد، هذا رأيٌ. أو نقول: المراد بالحكمة السُّنَّة. أو نقول: المراد بالحكمة ما يشمل هذه الثلاثة؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهو أنه إذا كانت الآية تحتمل المعاني المذكورة بدون ائتلاف بينها فالواجب حمْلها على الجميع. ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٣١]. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ الموعظة هي ذِكر الأحكام مقرونة بالترغيب أو الترهيب، ومن الترغيب فيها ذِكْر عللها؛ لأن النفس تطمئن إليها وتزداد تمسُّكًا بها إذا كانت مأمورًا بها؛ وتنفر منها وتزداد بُغضًا لها إذا كانت منهيًّا عنها؛ فإذن الموعظة ذِكر الأحكام مقرونة بالترغيب والترهيب. وقيل: إن الموعظة أعمُّ؛ فهي ذِكر الأحكام عمومًا؛ لأن الإنسان إذا التزم بها فقد اتَّعظ؛ لكن الأول أظْهر؛ لأن المراد بالموعظة ما يُحدِث في القلوب رغبة أو رهبة، وهذا لا يكون إلا إذا قُورِنت الأحكام بماذا؟ بعللها؛ في حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً وجِلت منها القلوب وذَرَفَت منها العيون »[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦).]]. فهذه لا بُدَّ أن تكون مُحرِّكة للقلب؛ وكل أحكام الله تعالى موعظة؛ لأن غالب الأحكام مقرونة بِعِللها إما مختومة باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته أو ذِكرٍ من عقابه أو ثوابه أو ما أشبه ذلك. وجملة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ حال، حال من فاعِل ﴿أَنْزَلَ﴾ وهو الله ولَّا لا؟ يعني: وما أنزل عليكم الكتاب والحكمة حال كونه واعظًا؛ ويجوز أن يكون حالًا من الكتاب؛ يعني حال كون الكتاب موعوظًا به، وهما متلازمان؛ فالكتاب والحكمة موعظة من الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧]. ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ما أكثر ما يأمر الله عز وجل بالتقوى؛ لأن بالتقوى صلاح القلوب. والتقوى اختلف المفسرون فيها على كثير من الأقوال، وأجمعها أن التقوى هي: اتِّخاذ وِقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. والاشتقاق يدل على هذا؛ لأنها مأخوذة من أين؟ من الوقاية، وعلى هذا فالتقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقال بعضهم فيها: خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لا تَحْقِـــــــــــــــرَنَّ صَغِيــــــــــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَــــــالَ مِــــــنَالْحَصَـــــــــى وقال بعضهم: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عِقاب الله. وكل هذه تعبيرات، لكنها تنصبُّ في معنى واحد وهي ما أشرنا إليه أولًا وهو أجمعها. وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واضح أن فيها إشارة ظاهرة إلى وجوب الإخلاص في تقوى الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان لا يتقي أحدًا، ولكنه يتقي من خلقه وهو الله عز وجل؛ لا يتقي الذنوب خوفًا من عيب الناس عليه، ولا يفعل الطاعات رجاءً لثواب الناس على ذلك، سواء كانت الطاعات من العبادات البدنية أو من العِلميَّة أو من غير ذلك، كل العبادات يجب أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا ذُكِر للإمام أحمد رحمه الله أن رجلًا قال لقوم: أنا لا أصلي بكم التراويح في رمضان إلا بكذا وكذا، فقال: نعوذ بالله، مَنْ يصلي خلف هذا؟[[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٩١).]] فاستعاذ منه رحمه الله، وقال: كيف؟ مَنْ يصلي خلف هذا؟ ولكن لا يُشكل عليك ما يأخذه الناس من رَصْد من بيت المال، فإن هذا لا بأس به؛ إذا أخذه الإنسان وهو غير مُشرِف ولا سائل فلا بأسَ به؛ أما إن كان سائلًا كما لو كتب فلان مثلًا: صليت في هذا المسجد شهرين، ثلاثة ما جاء الراتب، أو كتب يقول: زوِّدوا الرواتب أو ما أشبه ذلك، فهذا أخشى أن لا يحِل له ذلك؛ حتى فيمن سألوا زيادة الراتب من المعلمين وغيرهم، أنا أخشى أن يكون ذلك مُحبِطًا لأجورهم؛ لأن كل شيء تفعله لله يجب أن لا تريد به إلا الدار الآخرة، إلا ثواب الله عز وجل، أما أن تذهب تجادل للدنيا وأنت تعمل للآخرة فهذا خلاف العقل كما أنه خلاف الشرع. قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٣١]. ﴿اعْلَمُوا﴾ هذا أمْر بالعلم؛ العِلم الذي يجب أن يُثمر؛ ما هو مجرد العلم فقط، يجب أن يثمر؛ إذا علِمت ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿كُلِّ﴾ من صيغ العموم؛ و﴿شَيْءٍ﴾ كذلك، فإن كلمة (شيء) من أعم الأشياء، حتى أنها تقال حتى في العدم، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١]، فشيء من أعم الكلمات؛ ومضاف إليها كل، إذن تعُمُّ كل شيء؛ الموجود، والمعدوم، والصغير، والكبير، وما يتعلق بفعله سبحانه وتعالى، وما يتعلق بفعل العباد، وما كان سرًّا، وما كان علنًا حتى ما في القلب يعلمه الله عز وجل. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وفي ذكر قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بعد الأمْر بالتقوى إشارة إلى أنه لا تَجْعل تقواك مخالِفة لما في باطنك، فإن الله تعالى عليم بما في ضميرك وما في قلبك، فإيَّاك أن تطيع الله في العلانية وتَعْصيَه في السر حتى ولو في قلبك، والله عز وجل يعلم ما في قلب الإنسان وما سيكون في قلب الإنسان ولَّا لا؟ وما سيكون في قلبه؛ إذن فهو أعلم بك من نفسك. قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فعِلمه عز وجل محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، صغيرًا وكبيرًا، حاضرًا ومستقبلًا. قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مفعول مُقدم لـ ﴿عَلِيمٌ﴾، أو لا؟ مفعول مقدم لعليم، جار ومجرور متعلق بعليم؛ فهل نقول: إن هنا فائدة التقديم الحصر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: كيف ما في؟ ويش الفائدة من التقديم منها؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: مراعاة الفواصل لا شك في هذا، مراعاة الفواصل مقصودة في القرآن الكريم؛ لأن الفواصل إذا كانت على وتيرة واحدة لا شك أنها أصغى للسمع. ثم نقول: الظاهر -والله أعلم- أن الاختصاص هنا من باب أن الذي اختص بهذا العِلم العام هو الله؛ ولَّا كلمة ﴿بِكُلِّ شَيْء﴾ ما فيها حصر إطلاقًا؛ لكن لا عالِم بكل شيء إلا الله سبحانه وتعالى، أما المخلوق فعلمه محدود، محدود من كل ناحية من أوَّله وآخره وشموله، فمن أوله؛ لأن علم الإنسان مسبوق بالجهل ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨]. أو لا؟ وعلمك الذي تعلمه اليوم قبل أمس معناه أنك كنت أمس جاهلًا به، كذلك هو محفوف بالنسيان، فهو مسبوق بجهل وملحوق بالنسيان. ثم هو أيضًا ليس بشامل، ليس بشامل محصور ضيق جدًّا؛ حتى نفسه ما يعرف ماذا يكسب غدًا؛ ولكن الله عز وجل بكل شيء عليم. ثم قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢]. في هذه الآية إشكال من جهة الضمائر، نشوف: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الخطاب لمن؟ * الطلبة: للأزواج. * الشيخ: للأزواج ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الخطاب للأولياء، هذا هو المشهور؛ ولا مانع من تشتُّت الضمائر إذا كان ذلك معلومًا، لا مانع، كما أنه لا مانع من أن يكون الضمير عائدًا على السابق دون الذي يليه إذا كان ذلك معلومًا، مثل قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج ٧٨] ﴿هُوَ﴾ يعود على مَنْ؟ على الله لا على إبراهيم. فالحاصل أن تشتيت الضمائر إذا فُهِم المقصود لا بأس به، وقد يكون في تشتيتها فائدة؛ ما هي؟ انتباه الذهن؛ لأن المعروف أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة فإن الإنسان ينساب ذهنه معه، وربما ينسى ولا يتأمل، فإذا اختلفت الضمائر مثلًا أو اختلفت الصيغة كالالتفات فإنه ينتبه، يُفكِّر، يؤمِّل على من يرجع الضمير؛ إذا رجع على ما سبق اختلف المعنى؛ فالآية فيها أقوال: القول الأول: ما أشرتم إليه أن قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خِطاب للأزواج، وقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطاب للأولياء؛ ولا مانع من تشتت الضمائر لوضوح المعنى. والقول الثاني: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ خِطاب للأزواج. ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطاب للأزواج ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. وبِناء على هذا الرأي يكون قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ باعتبار ما مضى ولَّا ما يستقبل؟ * طالب: ما يستقبل. * الشيخ: باعتبار ما يستقبل، وعلى الأول ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ باعتبار ما مضى، واضح؟ * الطالب: نعم، بالنسبة للضمائر. * الشيخ: ما هو للضمائر، الأزواج أيضًا عندنا فيها معنيان؛ كلمة ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ هل للماضي أو للمستقبل؟ إذا قلنا ﴿فلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إنه خطاب للأزواج، فالمراد بالأزواج المستقبل، وإذا قلنا: الخطاب للأولياء فالمراد بالأزواج من مضى. كيف يكون الزوج المطلِّق عاضلًا للزوجة المطلَّقة أن تنكح غيره؟ نقول: نعم، هذا موجود في الجاهلية يكون الرجل شريفًا وذا جاه، فإذا طلَّق المرأة ما حد يتعدى فيتزوجها من بعده، فإن فَعَلَ فيا ويله، وحينئذٍ تكون الآية نهى الله فيها عن أيش؟ عن حال كانوا يرتكبونها في الجاهلية؛ أن الزوج إذا طلق الزوجة ما يمكن يخليها تتزوج بعده، وهذا لا شك أنه ظُلم، لكن هذا واقع؛ وأظنكم قد مر عليكم حديث سعد بن عُبادة فيما لو وجد على امرأته رجلًا قال: لأضربنه بالسيف غير مُصْفَحٍ، فقال الرسول ﷺ: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» »[[سبق تخريخه.]] فأخبره أصحابُه بأنه كان ذا غَيْرة -سعد بن عبادة- حتى إنه إذا طلَّق المرأة لا يتزوجها أحد من بعده، لكنه رضي الله عنه مو بيمنع الناس. على كل حال إن هذا أمر موجود في الجاهلية فنهى الله عنه، وعلى هذا الرأي تكون الضمائر متشتتة ولَّا على نسق واحد؟ على نسق واحد. فيه وجه ثالث في الآية: أن الخطاب لعموم الناس إذا طلقتم أيها الناس؛ وليس الخطاب للأزواج، فلا تعضلوهن أيها الناس، وعلى هذا فيُوجَّه المعنى لمن يصِح أن يُوجَّه إليه؛ وهذا القول من حيث إن الأُمَّة شيء واحد فالخطاب لها كأنه خطاب لكل فرد، هذا المعنى له قوة عظيمة، أن الله يخاطِب جميع العباد يقول: إذا طلقتم النساء فلا تعضلوهن. فهو يخاطب الناس باعتبار المجموع، لا باعتبار الجميع الذي يُقصد به كل فرد؛ أي أن الآية مُوجَّهة لكل الناس بقطع النظر عن زيد وعمرو فيكون المعنى: إذا طلقتم فلا تعضلوا؛ ويُنزَّل الطلاق على الزوج، والعَضل على مَنْ يتوجَّه منه العضل من الأولياء أو مِن الأزواج، وهذا المعنى له قوته. وعلى كل حال فنرجع إلى الآية ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ما هو الطلاق؟ في اللغة: حلُّ القَيْد؛ أطلقتُ الناقة، وطلَّقتُها فَكَكْتُ قَيْدَها. وفي الشرع: حَلُّ قَيْد النكاح أو بعضه، حل بعضه في الرجعية. ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ الأجل هنا تمام العِدَّة بالاتفاق بخلاف الأجل في الآية التي قبلها؛ الأجل في الآية التي قبلها بمعنى: المقارَبة على رأي كثير من أهل العلم أو بمعنى بلوغ الأجل قبل الاغتسال، لكن هنا: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: أتممن عِدَّتهن بالاتفاق. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الفاء هنا رابطة للجواب؛ لأيش رابطة للجواب؟ * طالب: طلبية؟ * الشيخ: لا؛ طلبية؟ الفاء طلبية، ويش هي؟ * طالب: لا ناهية. * الشيخ: لا، ناهية ولَّا نافية؟ نافية بالفاء، ولا ناهية بالهاء؟ * الطلبة: بالهاء؟ * الشيخ: بالهاء، الدليل أنها ناهية؟ * طالب: جزم الفعل. * الشيخ: جزم الفعل؛ لأنه محذوف النون، ما قال: فلا تعضلونهن؛ إذن هي طلبية ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والعَضْل معناه المنع، أي: فلا تمنعوهن. وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ هذه (أن) مصدرية وهي وما بعدها مؤوَّلة بمصدر منصوب بنزع الخافض، والتقدير: من أن ينكحنَ؛ أي من نكاح أزواجهن، والنصب هنا بنزع الخافض مضطرد ولا سماعي؟ * طالب: مضطرد. * الشيخ: ويش الدليل من كلام ابن مالك؟ * طالب: وَعَــــــدِّ لاَزِمـــــًا بِحَـــــرْفِجَـــــــــــــــرِّ ∗∗∗ وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْــبُ لِلْمُنْجَـــــرِّ؎نَقْـــــــلًا وَفِـــــــي أَنَّ وَأَنْيَطَّـــــــــــرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا * الشيخ: ﴿يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ هنا أضاف النكاح إلى النساء؛ لأن المراد به العَقْد، والعقد حاصل من الطرفين فيقال: نَكَحَتِ المرأةُ الرجل ونَكَحَ الرجلُ المرأة؛ وأما الوطء فإنهم يقولون.. يقال: نَكَحَ الرجلُ زوجتَه؛ ويقال: نكح بنت فلان؛ أي عقد عليها؛ فإذا صار المراد بالنكاح العقد صحَّ أن يُطلق على الرجل وعلى المرأة. وقوله: ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ جمع زَوْج، وسُمِّي الزوج زوجًا؛ لأنه يَجعل الفرد اثنين بالعَقْد، فالزوج يشفع زوجته وهي كذلك. وقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ هنا قال: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ ولم يقل: إذا تراضين تغليبًا لجانب الذكور، وإلا فإن الغالب أن الزوج راضٍ بذلك؛ لأنه خاطِبٌ سواء كان المطلِّق أو رجلًا جديدًا، لكن لما كان الرضا في عقد النكاح مشترط بين الرجل والمرأة غُلِّبَ جانب الرجال فقال: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقوله: ﴿تَرَاضَوْا﴾ تفاعلوا؛ أي حصل الرضا من الطرفين. وقوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الأزواج والزوجات. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء هنا للتعدية أو للمصاحبة؛ يعني إذا تراضوا رضًا معروفًا غير منكر شرعًا ولا عُرفًا؛ فإذا تراضى الزوج والزوجة سواء كان مُطلِّقًا أم خاطبًا بالمعروف الشرعي والعرفي فإنه لا يجوز أن يُعضل النساء من النكاح. ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ الخطاب لِمَنْ؟ لكل من يصح خِطابُه، وقد يقول قائل: لماذا لم يقُل: ذلكم؛ لأنه يخاطب جماعة في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؟ فيقال: إن اسم الإشارة إذا خُوطب به جماعة جاز أن يُذكر مفردًا ولو كانوا جماعة، وجاز أن يُراعى في ذلك المخاطَب؛ الكاف التي تتصل باسم الإشارة يجوز فيها لغةً ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مُراعاة المخاطَب إن كان مُذكرًا ذُكِّرت، وإن كان مُؤنَّثًا أُنِّثت، إذا كان مُفردًا أُفردت، وإذا كان جمعًا جُمعت، وإذا كان مُثنى ثُنِّيت. والوجه الثاني: أن تُفتح دائمًا، تكون بالإفراد والتذكير ﴿ذَلِكَ﴾ أيًّا كان المخاطب، فكأن المشير يقول: أُشير مخاطِبًا هذا الذي أمامي إلى كذا وكذا. والوجه الثالث: أن تُذكر الكافُ مُفردة مكسورةً في خطاب المؤنث، مفتوحة في خِطاب المذكر؛ مثال هذا: عندك مثلًا جماعة من النساء تريد أن تُشير إلى شيء مذكر، مخاطِبًا إياهن فتقول؟ * الطلبة: ذلكن. * الشيخ: ذَلِكُنَّ، كما قالت امرأة العزيز: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]؛ لأنها تشير إلى واحد مُذكِّر وهو يوسف، وتخاطب جماعة نسوة، فجعلت الضمير ضمير جماعة النسوة ﴿ذَلِكُنَّ﴾. ويجوز أن أقول في خطابهن (ذَلِكِ) بالكسر والإفراد؛ لأنني أخاطِب نساء؛ ويجوز أن أقول: (ذَلِكَ) بالفتح والإفراد؛ وكل هذا جاءت به اللغة، والأفصح مراعاة المخاطب، هذا هو الأفصح؛ ولهذا إذا جاءت على خلاف مُراعاة المخاطب لا بُدَّ فيها من تأويل. هنا قال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ المذكور واضح، المشار إليه مُفرد مذكر؛ لكن المخاطَب ﴿إِذَا طَلَّقْتُم﴾ جماعة ذُكور فيقتضي أن يقول أيش؟ * الطلبة: ذلكم. * الشيخ: ذلكم، كما جاء كذلك في سورة الطلاق في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق ٢]. وهنا جاءت بالإفراد؛ لأن كِلا الوجهين صحيح. وقوله: ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ﴾ الموعِظة تقدم لنا أنها ذِكر الأحكام مقرونة بترغيب في الأوامر، وترهيب في النواهي، هذه الموعظة؛ لأن الإنسان يتعظ بها. وقد تُطلق الموعظة على مجرَّد ذِكر الأحكام لما في الالتزام بها من الاتعاظ والذِّكرى، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ٥٨]. على أن هذه الآية ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء ٥٨] تشير إلى أيش؟ ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: الأمر بأداء الأمانة؛ فالحاصل أن هذا معنى الموعظة، ولا شيء أعظم موعظة من القرآن لمن كان له قلْب أو ألقى السمع وهو شهيد، وأما من أعرض عنه ولم يرفع به رأسًا فإنه لا ينتفع به بل يكون عليه مرضًا، ولهذا هنا قيد ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما خصه بمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه هو الذي يتعظ وينتفع ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧] فالمؤمنون هم الذين ينتفعون. وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (...) لا بد من هذا كله، أما الإيمان باليوم الآخر فإن المراد به الإيمان بأن هذا اليوم كائن لا محالة؛ وقد ذكر شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية أنه يَدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أَخْبَر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، وعلى هذا ففتنة القبر، ونعيم القبر أو عذابه تدخل في الإيمان باليوم الآخر. ويَقْرِن الله عز وجل دائمًا بين الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر أكبر ما يحث الإنسان على العمل؛ إذ مَنْ آمن بهذا اليوم الذي سيلاقي فيه ربه وسيحاسبه على عمله ويجازيه عليه فإنه سوف يعمل لهذا اليوم، وأما من أنكره هل يعمل؟ من أنكر هذا اليوم وقال: ما فيه بعث ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية ٢٤] فهذا ليس بعامل. فالإيمان باليوم الآخر هو أشد حادٍ للإنسان وحامل له على العمل، فِعلًا للمأمور وتركًا للمحظور. وسماه الله اليوم الآخر؛ لأنه لا يومَ بعدَه؛ وهذا اليوم الذي يكون هو يوم لا ليلَ فيه؛ لأن الشمس والقمر تُكوَّران وتُلقيان في النار، فليس فيه إلا يوم فقط؛ ولهذا سماه الله اليوم الآخِر فلا يوم بعده. الإيمان باليوم الآخر قلت: إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إن الإيمان به يتضمن كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فيتضمن فِتنة القبر، وعذابه، ونعِيمه، وقيام الناس حُفاة عُراة غُرلًا، ويتضمن وضع الموازين، ووزن الأعمال، وأخْذ الصحف، والصِّراط، ودُنوَّ الشمس من الناس، والعَرَق، والحوض، والشفاعة، كل ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام من ذلك فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة ٢٣٢] ﴿ذَلِكُمْ﴾ شوف الآن أتى بالخطاب مُراعًى فيه المخاطب ﴿ذَلِكُمْ﴾. ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ اسم تفضيل من الزكاء؛ والزكاء في الأصل التنمية ومنه الزكاة؛ لأنها تُنمِّي المال بإحلال البركة فيه وتُنمِّي الأخلاق بخروج الإنسان من طائفة البُخلاء إلى طائفة الكرماء؛ فالزكاة في اللغة: النماء. ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ من أي ناحية؟ أزكى لكم في أعمالكم، ونُموِّها وكثرتها؛ لأنكم إذا اتعظتم بذلك أطعتم الله ورسوله، فزادت الأعمال، وزاد الإيمان أيضًا؛ لأن الإيمان حتى الإيمان اللي في القلب يزداد بامتثال الأمر واجتناب النهي لله عز وجل. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه أيش؟ هل هي الموعظة، أو ما ذُكِر من الأحكام، أو لازم الموعظة وهو الاتعاظ؟ يعني عندنا الآن أحكام: إذا طلقتم النساء فلا تعضلوهن، وعندنا موعظة، وعندنا حُكْم، وعندنا اتعاظ، فعلى أي شيء تعود هذه الإشارة؟ هل المعنى ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي عدم عضلكم أزْكى لكم؟ أو المعنى ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي اتعاظكم بهذه الموعظة أزكى لكم؟ * الطلبة: تشمل الجميع. * الشيخ: تشمل الجميع؛ يعني ذلكم المذكور من الأحكام والموعظة، والاتعاظ أزْكَى لكم؛ كما قلت: اسم تفضيل من الزَّكاء وهو النماء. ﴿وَأَطْهَر﴾ أطهر من أين؟ أطهر من الفحشاء؛ لأنك ربما إذا عضلتَها من زوْجها الذي عاد فخطبها، وقد كان بينهما شيء من العلاقة من قَبْل ربما يُوسْوس لهما الشيطان فيحصُل منهما ما يحصل من الفاحشة؛ لأنه ما خَطَبَها ولا رَضِيَت به إلا وبينهما مودَّة ومحبة؛ فإذا عضلتموهن فربما يحصل ما يحصل من الفحشاء؛ ولهذا قال: ﴿أَطْهَر﴾. وتأمل أن الله عز وجل يذكر فيما يتعلق بالفواحش من التنزُّه عنها يذكر أن ذلك أزْكَى لما فيه من العِفَّة وطهارة القلْب التي بها يزكو العمل والإيمان وينمو. ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أطهر من أين؟ * طالب: من المعاصي. * الشيخ: من المعاصي، أو التهم، أو ما أشبه ذلك. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الجملة هنا اسمية في إسناد الله العلمَ إلى نفسه، وفي نفي العِلم عن عباده. قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ هذه جملة اسمية مُبتدِئة باسم. وقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ حذف المفعول لإفادة العموم؛ لأنه إذا حُذف المفعول من الفعل المتعدي صار شاملًا لكل ما يحتمله، وهو يعلم الحاضِر والمستقبل والماضي، وما يُصلحكم وما لا يصلحكم، وماذا تمتثلون، ومن يمتثل مِنكم ومن لا يمتثل؛ المهم أنه عام. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا هو الأصل في الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [النحل ٧٨]. فالأصل في الإنسان الجهل؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم يُحصِّل العلم شيئًا فشيئًا ممن حوله ومما سمعه وشاهده حتى ينمو علمه؛ وعلى هذا فنفي العِلم هنا باعتبار أيش؟ باعتبار أصل الإنسان أنه ليس بعالم، وإلَّا فإن الإنسان يعلم كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] فالإنسان لا شكَّ أنه يعلم؛ لكن الأصل فيه عَدَم العِلم لولا أن الله سبحانه وتعالى يُعلِّمه؛ ولا فرق في ذلك بين ما طريقه الوحي، وما طريقه الحِسّ، وما طريقه الفِطْرة؛ لأن طُرُق العِلْم مُتعددة؛ فالوحي من طرق العلم ولَّا لا؟ والحس من طرق العلم، وهو الذي يشاهده الإنسان بعينه، أو يسمعه بأذنه، أو يحسه بيده، أو بشمه، أو بذوقه؛ هذه من طُرق العلم؛ ومن طرق العلم أيضًا الفطرة فإن الإنسان مفطور على توحيد الله سبحانه وتعالى والإنابة إليه. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة ٢٣١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن لكل طلاق أَجَلًا؛ لقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، وما هذا الأجل؟ الأجل هنا مُجمل، لكنه مُبيَّن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وغيرها من الآيات الدالة على العِدَّة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن يأتي مُجملًا أحيانًا ومُفصَّلًا أحيانًا، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود ١]. وفائدة الإتيان بالإجمال ثم التفصيل فائدته: أنه إذا ورد النص مجملًا فإن النفس تتطلع إلى معرفة ذلك الإجمال، وبيان ذلك المُبهم فيكون ذلك أشدَّ لها طلبًا للعِلْم ولَّا لا؟ لكن لو جاءها الشيء بارزًا مُفصَّلًا من الأول ما يكون هناك معها شغف للوصول إلى العلم؛ فإذا ذُكر مُجملًا صارت النفس تتطلب الوصول إلى بيان هذا المجمل فيكون هذا طريقًا من طُرُق تثبيت العلم. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المراجعة بعد تمام العِدَّة؛ لقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾، وجه الدلالة: أن قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ جواب للشرط في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُم﴾، ﴿فَبَلَغْنَ﴾؛ وهذا يقتضي أن يكون الإمساك أو التسريح بعد بلوغ الأجل. ضرورة أن المشروط يقع بعد الشَّرْط، المشروط اللي هو جواب يقع بعد الشرط؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن للزوج أن يُمسك حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، فلو طهُرت في الصباح بعد الفجر بعد أن طلعت الشمس ثم لم تغتسل إلا لصلاة الظهر؛ وراجعها زوجها فيما بين طهارتها واغتسالها فهو عند الإمام أحمد جائز وله أن يراجع؛ ولكن كثيرًا من أهل العِلم يرون أنه ينتهي وقت المراجعة بالطهارة من الحيضة الثالثة، وعلى هذا الرأي يحتاجون إلى تأويل قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى أن المعنى: قاربن البلوغ حتى يتمكن الزوج من المراجعة. ولكن ما ذهب إليه الإمام أحمد هو الصحيح؛ لأنه هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم، ويكون هذا من باب التوسيع على الزوج؛ لأنه قد يندم فيرجع؛ وهو نظير ثبوت الخيار بين المتبايعين ما داما في المجلس وإلا فإن العقد قد تم بالإيجاب والقبول، لكن لهما الخيار ما داما في المجلس توسعة عليهما، وهذا شيء معلوم في غريزة الإنسان وطبيعته أنه إذا مُنِع من الشيء صار في شوق إليه، فإذا حصَّله قد يزهَد فيه، فهذه السلعة عند فلان مثلًا أنا تجدني في شوق وشفقة إلى الحصول عليها، فإذا دخلت في مُلكي ما يكون في قلبي لها من الشوق مثل ما كان قبل ذلك. وعلى هذا فيكون الصحيح ما قاله الإمام أحمد رحمه الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب المعاشرة بالمعروف حتى بعد الطلاق؛ لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لئلا يؤذي الإنسان زوجته بالقول، أو بالفعل، أو بمنع الحقوق، أو ما أشبه ذلك. ومنه نعرف أن ما يجري بين الأزواج أحيانًا من المشاحَّة وادِّعاء الزوج ما يكون لزوجته من الأمتعة التي أعطاها إياها في المهر، أو فيما بعد ذلك؛ تجده مثلًا عند الطلاق يشاحنها يقول لها: أعطني كل شيء حتى إن بعضهم يطالبها بالحُلي الذي أعطاها، نسأل الله العافية، فهذا خلاف المعروف الذي أمر الله به. * ومن فوائد الآية الكريمة: عِناية الله عز وجل بعباده في أن يتعاملوا بينهم بماذا؟ بالمعروف سواء في حال الاتفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأن ذلك هو الذي يُقيم وَحْدة الأمة؛ فإن الأُمَّة إذا لم تتعامل بالمعروف بل بالمنكر تفرَّقت واختلفت، ولم تكن مُمثِّلة للأمة الإسلامية حقيقة؛ الأمة الإسلامية أُمَّة واحدة كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران ١٠٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم إمساك الْمُطلَّقة للمضارَّة؛ لقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾. فهل يُستفاد منه أن كل من عامل أخاه ضِرارًا فهو واقِع في الإثم؟ نعم، قياسًا على هذه المسألة؛ يُستفاد من هذا بالقياس: أنه لا يحل لأحد أن يعامل أخاه المسلم على وجه المضارة، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٣٥)، والترمذي (١٩٤٠) من حديث أبي صرمة.]] وجاء في الحديث الآخر: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» »[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس.]] فالمضارة بين المسلمين مُحرَّمة؛ ولهذا قال الله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المضارَّة عدوان؛ لقوله: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ سواء كانت اللام للعاقبة، أو كانت اللام للتعليل؛ يعني سواء كان الإنسان قصد في المضارة الاعتداء أو لم يقصدها، لكن هي نفسها عدوان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النفسَ أمانة عند الإنسان يجب أن يرعاها حق رعايتها؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. ومنها: تحريم ظُلم الإنسان نفسَه؛ لأن الله نهى ثم قال: من فعل ذلك فقد ظلم نفسه. * ومن فوائدها: أن فِعل المعاصي ظُلم للنفس، لا يقول الإنسان: أنا حُرّ، بأفعل، ويش عليكم أنا صابر على العذاب؛ نقول له: خطأ؛ فأنت لا يحل لك أن تظلم نفسك؛ إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» »[[أخرجه مسلم (٩٩٧ / ٤١) وبقيته: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا».]] في حصول المطلوب، فكذلك في النجاة من المرْهوب، ابدأ بنفسك، كما أنك تعلم أن ظلم الغير عدوان وحرام؛ فظلم نفسك أيضًا عدوان وحرام. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير البالغ من العدوان على الغير؛ حيث قال: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ لأن الظالم لغيره قد يَتصور في مَخيلته أنه ظالم لهذا الْمُعتدَى عليه، وهو في الحقيقة ظالم لنفسه. هل يمكن أن نأخذ منها أنه يجب على الإنسان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ * طالب: نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه جَعَلَ ظُلم الغير ظُلمًا للنفس، وعلى هذا فكما أنك لا تُحب أن تظلم نفسك فيجب أن لا تظلم غيرك؛ كما أنك إذا تبيَّن لك أنك في ظُلم غيرك معتدٍ، فأنت في ظُلم نفسك كذلك معتدٍ. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتخاذ آيات الله هُزُوًا؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. ومنها: أن المخالفة نوع من الهُزْء؛ وهذه مسألة خطيرة جدًّا؛ مخالفة أمر الله والوقوع في ما نهى عنه نوع من الهزء؛ كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بأن الله عز وجل هو الرب العظيم الذي له الحكم وإليه الحكم ثم عصيته كأنك تستهزئ بهذه العَظمة وتستهتر بها، لو أن ملكًا من الملوك -ولله المثل الأعلى- نهاك عن شيء، ثم إنك أمامه وفي عينيه تُخالف هذا الأمر ألا يمكن أن يقول لك: أنت تستهزئ بي؟ أنا أمرتك تخالف أمامي؟ أو أنهاك تفعل ما نهيتك عنه أمامي؟ فالمعصية نوْع من الاستهزاء بالله عز وجل، وإن كانت ليست النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام؛ لأن النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام في الاستهزاء أن يستهزئ حقيقة سُخريًّا، مثل أن يسخر بالأذان، يقول: لأيش الأذان؟ الأذان من قبل اليوم، الناس ما عندهم ساعات، أما الآن ما حاجة إلى الأذان؛ هذا يعتبر تحصيل حاصل ولا حاجةَ إليه، أو يسخر بالمؤذن كيف يقوم ويرفع صوته بهذا النداء؛ أو يسخر بالمصلين، هذا مُخرِج عن الملة؛ فالاستهزاء بحُكم من أحكام الله غير مخالفة الحكم؛ مخالفة الحكم نوْع من الاستهزاء كما أنها نوْع من الشرك، لكنها غير الشرك الذي يُصطلح عليه؛ وليس بالاستهزاء الذي يخرج من الملة؛ إنما المخالفة لا شك أنها نوع من الاستهزاء كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ذكر نعمة الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. وهل المراد ذِكرها في نفسك بأن تتذكرها وتُفكِّر فيها وتؤمِّل فيها، أو ذكرها أمام الناس بالقول، أو ذكرها أمام الناس بالفعل؟ يشمل الجميع، لكن ذكرها أمام الناس سواء كان بالقول أو بالفعل يجب أن لا يكون على سبيل الافتخار عليهم؛ فإن كان على سبيل الافتخار عليهم فإن الله لا يُحب كل مختال فخور، يجب أن يكون من باب إظهار فضل ذي الفضل، وأن الله عز وجل أنعم عليه بهذه النِّعمة، كما لو كان الإنسان قويًّا فأظهر نِعمة الله عليه بالقوة، بالشجاعة، والمدافعة، وإعانة الرجل في دابته، وما أشبه ذلك، أو تَحدَّث بنِعمة الله، قال: الحمد لله، أنا في قوة وفي صحة، وأعطاني الله تعالى مالًا، أعطاني ولدًا، وما أشبه ذلك على سبيل إظهار نِعمة الله عز وجل، لا للافتخار على الخلق؛ فهذا داخل في الآية: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. وأما ذِكرها في القلب فظاهر يكون الإنسان دائمًا محتقرًا لنفسه أمام نعم الله، عالمًا بأنها محض مِنَّة من الله عز وجل؛ لا يكون كالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل يقولها بقلبه، وكذلك يتحدث بها بلسانه بأن هذا محض فضل من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى لو شاء لسلبك هذه النعمة، كما أنه سلبها أناسًا كثيرين تعرفهم أو لا تعرفهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مِنَّة الله علينا بإنزال الكتاب والحكمة أعظم من كل نِعمة؛ من أين تؤخذ؟ من تخصيصها بعد التعميم؛ لأن التخصيص بعد التعميم يدل على فضْل المختص؛ وعلى هذا فما أنزل الله علينا من الكتاب والحكمة أعظم مِنَّة مَنَّ الله بها علينا وأعظم نعمة؛ وذكر نعمة الله بما أنزل علينا سبق لنا أن المراد أن تُثني على الله بذلك، وأن تقوم بتنفيذ ما أمرك به وما نهاك عنه. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. قلنا: إنه يستفاد من الآية الكريمة: أن ما أنزل علينا من الكتاب والحكمة أعظم من كل نِعمة؛ ووجه ذلك: التخصيص بعد التعميم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن ما أنزله الله إما أن يكون عينًا قائمة بنفسها، أو صفة قائمة في عين ففي هذه الحال يكون مخلوقًا، وأما إذا أُطلِق الإنزال، وليس عينًا قائمة بنفسها، ولا وصفًا في عين قائمة بنفسها فهو من صفات الله عز وجل. مثال العين: قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة ٢٢] ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]. مثال الوصف في عين قائمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح ٤]. فأنزل السكينة، السَّكِينة هذه صفة في قلْب المؤمن، والمؤمن عيْن قائمة بنفسها فتكون هنا مخلوقة، السكينة مخلوقة وكذلك الحديد والماء النازل من السماء مخلوق، أما هنا الكتاب، فالكتاب كلام الله عز وجل، والكلام صِفة في المتكلِّم، فإذا قال الله إنه أنزل علينا الكتاب عُلم أن هذا الكتاب من صفات الله عز وجل؛ فيكون من كلامه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن شريعة الله عز وجل كلها حِكمة؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أنه لا حاجةَ إلى أن نسأل عن الحكمة في تشريع بعض المشروعات التي نجهل حكمتها؛ لأن من الأشياء المشروعة ما لا نعلم حكمته، لو قال قائل: ما الحكمة في كون صلاة الظهر أربعًا لا ثمانيًا ولا سِتًّا؟ ويش الرد؟ * الطالب: ما نعلم الحكمة. * الشيخ: ما نعلم الحِكمة؛ طب وهل لها حكمة؟ نعم لها حِكمة، لكننا لا نعلمها؛ ولهذا كان الواجب على المسلم من أحوال أحكام الشرعية أن يكون مُستسلمًا لها مُطلقًا؛ سواء علِم الحكمة أم لم يعلم، فأما من لم يستسلم ولم يطمئِنَّ للحُكم إلا بعد معرفة حكمته ففي الحقيقة أنه ما تعبَّد لله بشرعه وإنما تعبد بماذا؟ بهواه؛ سألت مُعاذةُ عائشة رضي الله عنها قالت: «ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ » ما قالت: الحكمة كذا وكذا، قالت: «كان يُصيبُنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤْمر بقضاء الصلاة. »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له، من حديث مُعاذة العدوية.]] هذه الحكمة. فإذن أحكام الله عز وجل ليس من حقنا أن نسأل عن حكمتها بِناءً على أنه لا يتم استسلامنا لها إلا بمعرفة الحكمة؛ أما السؤال عن الحِكمة من باب الاسترشاد، فإن هذا لا بأس به؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام عن حِكمة بعض الأشياء ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]. فالسؤال عن الحِكمة استرشادًا هذا لا بأس به، بل هو من طلَب العلم؛ والسؤال عن الحكمة بحيث لا يَستسلم الإنسان للحُكم ولا ينقاد إلا بمعرفتها فهذا خطأ. ويُستفاد من الآية الكريمة: أن ما جاء في كتاب الله فإنه موعظة يتعظ بها العبد، والاتِّعاظ معناه أن الإنسان يجتنب ما فيه مضرَّة إلى ما فيه منفعة؛ وَعَظْتُه فاتَّعظ؛ يعني انتفع وتَرَكَ ما فيه المضرة إلى ما فيه المصلحة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رحمة الله عز وجل؛ وأن الله تعالى ذو رحمة واسعة؛ من أين تؤخذ؟ مِن إنزال الكتاب والحكمة؛ لماذا؟ لمصلحتنا لِنتعظ به؛ فرحمة الله تُعرف بآثارها. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب التقوى؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. وقد سبق تعريفها أنها امتثال أمْر الله واجتناب نهيه. * ومن فوائدها: عُموم عِلْم الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ومن فوائدها أيضًا: التحذير؛ تحذير المرء من المخالفة، ما وجهه؟ * طالب: أن الله بكل شيء عليم. * الشيخ: أنه إذا علِم بأن الله بكل شيء عليم حذِر من مخالفته؛ ولهذا أعقبها بعد الأمر بالتقوى، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا﴾ وصدَّر ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ للتنبيه؛ لأنه إذا قيل: اعْلم كذا فهو زيادة تنبيه. وهذا كقوله في آخر السورة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] فيُعْقب الأمر بالتقوى لبيان إحاطة علمه بكل شيء حتى نحذر ولا نتهاون. وفي الآية ردٌّ على غُلاة القدريَّة الذين يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العِباد حتى تقع منهم؛ لكن هذا كان الغلاة يقولونه قديمًا، قال شيخ الإسلام: ومنكروه اليوم قليل؛ إنكار العلم قليل، لكنهم -كما تعرفون، أي القدرية- يقولون: إن للعبد مشيئة وقُدرة مستقلة عن الله عز وجل. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى آخره.يستفاد من هذه الآية ومما قبلها: شدة عناية الله سبحانه وتعالى بأمر النكاح والطلاق؛ لأنه من أهم العُقود وأخطرها؛ ولهذا جاء فيه من التفاصيل ما لم يأتِ في غيره. ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا نِكاح قبْل انقضاء العِدَّة؛ لقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وهو كذلك فإن النكاح في العِدَّة باطِل إلا ممن كانت العِدَّة له، يمكن؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يمكن، كيف ذلك؟ * الطالب: طلقة رجعية. * الشيخ: لا، هذا ما هو نكاح، لو طلقها على عِوض، خُلع؛ ففي هذه الحال تَبِينُ منه ولا يمكن يُراجعها بمجرد: راجعت زوجتي، بل لا بد من عَقْد، والعقد هنا جائز ولَّا لا؟ نعم جائز؛ لأنه ممن له العِدة. أما من غيره فإنه لا يحل العقد. وهل تحل به المرأة؟ الجواب: تحِل بعقد بعد انقضاء العدة؛ وقال بعض العلماء: إنها لا تحِل، ولو بعد انقضاء العدة لمن تزوجها وهي في العدة، والصحيح أن ذلك يرجع إلى رأي القاضي، وأنه إذا رأى حِرمان هذا الذي تزوجها في عدتها حرمانه منها مُطلقًا فله ذلك كما يُذكر عن عمر رضي الله عنه[[أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٠٠٦).]]؛ لأن القاعدة المعروفة الشرعية: مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه على وجه مُحرَّم عوقب بحرمانه. فللقاضي أن يمنعه من النكاح بها مطلقًا، يقول: ما يمكن يتزوجها؛ لكن جمهور أهل العلم على حِلِّها لهذا الذي عَقَدَ عليها بعد انقضاء العدة. ويُستفاد من الآية الكريمة: تحريم منع الولي مَوْلِيَّتَهُ أن تنكِح من رضيته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. ويُستفاد منها أيضا: أن النكاح لا بُدَّ فيه من ولي، وأن المرأة لا تُزوِّج نفسَها؛ وجهه؟ * الطلبة: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. * الشيخ: وجهه من هذه الجملة أنه لو كانت تملِك العقد لنفسها ما كان لِعضل وليها تأثير، ما كان له تأثير، عَضَل أو لم يعضُل تبغي تزوج نفسها؛ فلولا أن عضله مُؤثر ما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. هكذا استدل كثير من أهل العلم بهذه الآية؛ وربما يُنازِع مُنازِع في دلالتها على ذلك؛ لأنه قد يقول: إن الله نهى عن منعهن، والإنسان قد يمنع بحسب العادة والعُرف ابنته أو مَوْلِيَّتَهُ من أن تنكح زوجًا آخر، وإن كان ذلك يمكنها أن تتزوج هي بنفسها؛ لأنها لا تريد أن تخالفه مخافة الْمَعَرَّة، واللوم من الناس؛ يقال: منعها أبوها وراحت تزوج نفسها؛ يعني بمعنى أن الآية ليست واضحة صريحة في أنه لا يمكن النكاح إلا بولي؛ لأنه من الممكن أن يكونَ لها حق تزويج نفسها لكن يأتي أبوها ويقول: إن زوجتِ نفسك قتلتك؛ ممكن، يكون عَضَلَها مع أنه يُمكن أن تَزَوَّج؛ كما لو قال لها: إن بعتِ بيتَكِ قتلتُكِ مثلًا؛ صار مَنَعَها أن تبيع البيت أو لا؟ لكن لو باعته صح البيع ولها ذلك. * طالب: والجواب على ذلك، يا شيخ؟ * الشيخ: الجواب أنه إذا وُجد الاحتمال سقط الاستدلال، ولكن هناك آيات أخرى تدل على اشتراط الولي مثل قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١] وفيها أيضًا من فوائد الآية: إطلاق الشيء على ما مضى أو ما يُستقبل مع أنه في الحال لا يَتَّصف به؛ قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢]؛ لأنه إن كان المراد من طُلِّقت ثم أراد زوجها أن يعود عليها فهم أزواجهن باعتبار ما مَضَى؛ وإن كان المراد الخطّاب فهم أزواجهن باعتبار المستقبل. وقد جاء التعبير عن الماضي والمستقبل في القرآن: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء ٢] مع أنهم حين إتيان المال قد بلغوا وزال عنهم وصف اليتم. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦] وهو لا يعْصر الخمر، لكنه يعصر عنبًا يكون خمرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار الرِّضا في العقد في النكاح سواء كان من الزوج أو من الزوجة؛ لقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والرِّضا شرط لصحة النكاح سواء كانت الزوجة صغيرة أو كبيرة، وسواء كان المزوِّج أباها أم غيرَه على القول الراجح؛ وأنه ليس للأب ولا لغيره أن يُجبر المرأة على النكاح لعُموم قول النبي ﷺ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». قالوا: كيف إذنها يا رسول الله؟ قال: «أَنْ تَسْكُتَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] وورد في صحيح مسلم: «البِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» »[[(١٤٢١ / ٦٨).]] وهذا صريح في أنه لا يحل لأحد أن يُزوِّج ابنته وهي كارهة، بل لا بُدَّ من رضاها؛ والمعنى يقتضيه أيضًا؛ لأنه إذا كان الأب لا يملك أن يبيع حبَّة من مالها إلا برضاها، فكيف يملِك أن يبيع نفسها بدون رضاها؟! لو أن الرجل أكره ابنته على أن تشتري هذا البيت ويش حكم العقد؟ غير صحيح؛ مع أنه بإمكانها إذا اشترت البيت وهي كارِهة أن تبيعه، أن تبيعه بعد يوم أو يومين؛ فكيف يملك أن يُكرهها على أن تتزوج برجل لا تريده؟! الشريعة ما يمكن أن تأتي بإباحة هذه وتحريم البيع، هذا بعيد؛ لأنا نعلم أن الشريعة جاءت من لدن حكيم خبير جل وعلا؛ فالصواب بلا شك أنه لا يحل لإنسان أن يُجبر ابنته البالغة على نكاح لا تريده مهما كان، لكن إذا أرادت إنسانًا ليس مرضِيًّا في دينه وخلقه فللولي أن يمنع، وفي هذه الحال لو بقيت لم تتزوج طول عمرها فليس عليه شيء؛ لأنه مأمور بذلك، وما ترتب على المأمور فغير محظور، فإن قلت: يرد على ما قلت تزويج أبي بكر عائشة بالنبي ﷺ ولها ست سنين؟ ويش تقول لهذا؟ نقول: هات زوجة مثل عائشة وزوجًا مثل النبي عليه الصلاة والسلام ونحن نقول: زوجها ولها سنتان، لكن أين هذا؟! هل يُعقل أن عائشة تُعارِض لو بلغت عشرين سنة تعارض بزواجها من الرسول الله ﷺ؟ * الطلبة: لا يمكن. * الشيخ: أبدًا؛ بل لما خيَّرها بأمر الله، أول من خير من نسائه ويش قالت؟ قالت: أختار الله ورسوله، لما قال: «شَاوِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف عليه الصلاة والسلام أن تستعجل فتقول: اخترت نفسي، «قالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٧٨٥)، ومسلم (١٤٧٥ / ٢٢) من حديث عائشة.]]، القصة معروفة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٨] أعطيكُنَّ متاعًا، وأسرِّحْكُن سراحًا جميلًا بقول لين لطيف، وفي أمان الله ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [الأحزاب ٢٩] فهذا إحسان عظيم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أول من بدأ عليه الصلاة والسلام، شوف امتثاله لأمر ربه ﷺ؛ ما راح يبدأ إلا بأغلى النساء عنده، وأحب النساء إليه. وهي أيضًا أشبّ نسائه، بمعنى أنها قد تختار الحياة الدنيا وزينتها، فاجتمع في حقها السبب المقتضي لاختيار الدنيا، وشدة الأمر على رسول الله ﷺ لو أنها اختارت الدنيا، مع أن المصلحة لها لمّا خيّرها قال: «لَا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، يعني تستشيري أبويك، خاف أن تتعجل وتتسرع، لكنها رضي الله عنها قالت: يا رسول الله أفي هذا أسْتَأمِرُ أبَوَيّ؟ إني أريدُ اللهَ ورسولَهُ والدارَ الآخرَةَ »[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٧٨٦)، ومسلم (١٤٧٥ / ٢٢) من حديث عائشة. ]]، فانظر إلى ما حصل من أن المرأة حتى بعد بقاء العقد يمكن أن تُخَيَّر، فالمهم أنه لا يمكن أن تُجبر امرأة على نكاح من لا تريد، والاستدلال بحديث عائشة استدلال في غير محله؛ لأن عائشة -كما تشاهدون- خُيِّرت واختارت أيش؟ * الطلبة: الله ورسوله. * الشيخ: اختارت الله ورسوله، فمن اختارت الله ورسوله بعد أن خُيِّرت هل يمكن أن تعارض في أن يتزوجها الرسول ﷺ؟ أبدًا، مع أن الغيرة في النساء إذا خُيِّرت وقال لها زوجها: تبغين تقعدين عندي على التقشف وعلى ما أنا عليه من العيش، أو تبغين الدنيا تروحين لفلان وفلان، الغالب على المرأة أنها تأخذها الغيرة وتزعل، تقول: اللي ما يبغينا ما نبغيه، ومن باعنا بالرخص بعناه ببلاش، لكن على كل حال الصحيح بلا شك أنه لا بد من رضا الزوجة، وأدلتها من القرآن والسنة واضحة. ويُستفاد من الآية الكريمة: أن المرأة لو رضيت الزوج على وجه غير معروف، بل على وجه منكر لا يقره الشرع فإنها لا تُمَكَّن من ذلك؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، فلو أن المرأة رضيت هذا الخاطب لفسقه وانسلاخه من الدين، لكن ما وصل إلى حد الكفر، فهل لوليها أن يمنع؟ نعم له أن يمنع؛ لقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ولو قالت: رضيت به بلا مهر، أنا أبغيه بلا مهر لا تأخذ منه شيء، له أن يمنعها؟ له أن يمنعها؛ لأنه من شرط صحة النكاح المهر، ولهذا إذا شُرِط نفي المهر فالصحيح أن النكاح باطل، أما إذا سُكِت عنه فالنكاح صحيح ولها مهر المثل، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فهنا فرق بين أن يُسكت عن المهر وبين أن يُشرط عدم المهر. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الحِكَم أو أن الأحكام كلها مواعظ؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه -كما تقدمنا في التفسير- كل ما سبق من ذكر الأحكام يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن فوائدها أيضًا: أن مواعظ القرآن لا تنفع غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فإذا وجدت نفسي لا أتعظ بمواعظ القرآن فيجب أن أتهمها، يجب أن أتهمها، كيف؟ تقول: لِمَ ويش الدليل؟ لأن الله بيّن أن المؤمن بالله واليوم الآخر لا بد أن يتعظ بأحكام القرآن، فإذا وجدت من نفسك أنك لا تتعظ فاتهمها، فتِّش، قد يكون في القلب شيء أخل به، ولا تعتمد على الرسوم الظاهرة، لا تعتمد على إصلاح الصلاة ظاهرًا بالحركات والأقوال، ولا على كثرة الذكر باللسان؛ لأن هذا أحيانًا لا يصل إلى القلب، فلا ينتفع به، قد نصلي وقلوبنا غير حاضرة، حينئذ ما ننتفع بالصلاة، يكون يحول بين هذا السقي وبين عروق الشجرة حجر أصم لا ينفذ الماء من ورائه، ونحن نحس بذلك عندما نقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، بالله عليكم هل أنت إذا سلّمت من الصلاة تشعر بأنك تكره الفحشاء والمنكر أكثر مما تكرهها قبل أن تصلي؟ الجواب؟ * طالب: لا. * الشيخ: الجواب لا، لنكن صريحين، الجواب لا، إلا أن يشاء الله، أحيانًا يجعل الله عز وجل في القلب نورًا يحضر جدًّا في الصلاة حتى كأنك تخاطب الله سبحانه وتعالى، وأنت تخاطبه لا شك، لكن يحضر القلب فيجد الإنسان من هذه الصلاة لذة لا ينساها، ويجد بعد انصرافه كراهة للفحشاء والمنكر وحبًّا للخير، ويود أنه يبقى مع الله دائمًا في هذه الحال، فلهذا أنا أقول: إننا يجب أن نحاسب أنفسنا بمثل هذه الموازين، هل مواعظ القرآن هل ننتفع بها؟ ننظر، كلما كنا أشد انتفاعًا بمواعظ القرآن فنحن أكمل إيمانًا، وكلما نقصنا فالإيمان ناقص. وفي الآية دليل على إثبات اليوم الآخر وهو يوم القيامة، ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ويشمل الإيمانُ باليوم الآخر يشمل الإيمانَ بكل ما ذُكر في ذلك اليوم من البعث والحساب والصراط والحوض ودنو الشمس والعرق وغير ذلك مما ذُكر في الكتاب والسنة مجملًا أحيانًا ومفصلًا أحيانًا؛ بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت حتى فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر، وسمي ذلك اليوم اليوم الآخر، مر علينا نعم، ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ تزكية تنمي النفس، تنمي الإيمان، تنمي الأخلاق، تنمي الآداب، فهنا قال: ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ ولم يقيِّد محل الزكاء؛ ليكون ذلك عامًّا في كل شيء، وكل إنسان يطلب الزكاء، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠] إذن فيستفاد من ذلك: أنه كلما كان الإنسان أشد تطبيقًا لأحكام الله كان ذلك أزكى له. ويستفاد من ذلك أيضًا: أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان، أطهر لقلبه ولّا لبدنه؟ * الطلبة: لقلبه. * الشيخ: لقلبه؛ لأن بعض الأحكام ما لها تعلق بتطهير البدن، الوضوء والغسل فيه تعلق لتطهير البدن لكن بعضها ليس فيه، لكن أطهر للقلب، ولكن ثِق بأنه كلما طهر القلب طهر البدن، ولذلك تجد عند الإنسان المؤمن حقًّا عنده من الحيوية والنشاط والسرور والفرح ما ليس عند غيره، يُعرف ذلك في وجهه، الإنسان - والعياذ بالله - صاحب المعاصي مظلم الوجه، كاسف البال، لو فرح بما فرح من زهرة الدنيا أحيانًا فهو فرح خادع، لكن المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام وامتلأ قلبه بنور الله وهدايته ليس كذلك، فقد نقول أيضًا: إن طهارة القلب؛ بل نقولها، ما هو قد، نقول: إن طهارة القلب لا شك أنها تطهر البدن، وأسعد الناس بالدنيا أطهرهم قلبًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى نقص الإنسان في علمه؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ووجه النقصان، أو وجه إثبات نقصانه بطريقين: إثبات العلم لله، ونفيه عن الإنسان؛ لأن النفي فقط ما يدل على شدة النقص، لكن نفي مع إثبات أشد، فمثلًا أنا إذا قلت لك: أنا أعلم وأنت ما تعلم، أشد وقعًا في قولي: أنت لا تعلم، ولهذا من أدب إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أبيه أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]، ما قال: إني أعلم منك، أو إنك ما عندك علم، فالمراتب ثلاثة، تارة يقول الإنسان: أنا عندي من العلم ما ليس عندك، وهذا ألطف ما يكون؛ لأن هنا يُشعِر بأن لدى المقابل علمًا، لكن أنا عندي ما ليس عندك، ولا يلزم من قول الإنسان لغيره: أنا عندي من العلم ما ليس عندك، أن يكون أعلم منه؛ لأنه قد يكون عندي علم مثلًا بالنجارة وأنت ما عندك علم بالنجارة، لكن عندك علوم أخرى أكثر من النجارة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ثانيًا: أن يقول: أنت لا تعلم هذا الشيء، وهذه أشد من الأولى؛ لأنه نفى عنه العلم، وتارة يقول: أنا أعلم وأنت ما تعلم، هذه أشد؛ لأن فيها إثبات فضل المتكلم على المخاطَب، وفيها انتقاص أيش؟ المخاطَب، وهنا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فإذا كان الله يعلم ونحن لا نعلم فإن مقتضى ذلك أن نستسلم غاية الاستسلام لأحكامه سبحانه وتعالى، وأن لا نعارضها بعقولنا مهما كانت العقول إذا خالفت الشرع فليست بعقول حقيقة، ولهذا ينعى الله عز وجل على الكفار والمشركين ينعاهم بعدم العقل، فكل ما خالف الشرع فليس بعقل، نسميه ذكاء وعقل إدراك، ولكنه ليس عقل تصرف ورشد، وما أحسن عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال في أهل الكلام: إنهم أُوتُوا فهومًا ولم يُؤْتَوا علومًا، عندهم فهم لكن ما عندهم علم، وأُوتُوا ذكاء ولم يؤتوا زكاء، أوتوا ذكاء؛ عندهم ذكاء عندهم فهم لكنهم حُرِمُوا من العلم ومن الزكاء الذي هو ثمرة العلم، ترى ولم يؤتوا زكاء، من أين؟ من التزكية الزكاء، المهم أن الله بيَّن لنا في هذه الآية كماله جل وعلا ونقصه، وما أحسن مثل هذا الجمع أن يبيّن نقص الإنسان وكمال الخالق، أن يبين نقص المخلوق وكمال الخالق، اقرأ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧]، ولهذا ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وإن كانت آية مستقلة لكن مرتبطة بما قبلها ارتباطًا وثيقًا حتى يتبين كمال هذا ونقص هذا، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ والله عز وجل لا يريد من هذه الآية أن يبين أن الناس فانون، أو أن الناس يفنون، إنما يريد بيان نقص البشر أو نقص الخلق وكمال الخالق، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾، هنا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، والنفي هنا قد يقول قائل: هل هو سلب مطلق أو سلب إضافي؟ * طالب: إضافي. * الشيخ: إي نعم إضافي نسبي، وليس سلبًا مطلقًا؛ لأن لدينا علمًا لكن ناقص كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فنحن عندنا علوم ولكنها قليلة ولا تُنسب إلى علم الله سبحانه وتعالى، ثم قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾.. * طالب: (...) الأولى؟ * الشيخ: أو المعروف؟ المعروف واجب والإحسان سنة، ذكرنا هذا. * طالب: الفاء في قوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ على ماذا تدل؟ * الشيخ: على ماذا عُطفت؟ * الطالب: على ماذا تدل؟ * الشيخ: على أنه من حين ما تبلغ أجلها فهو إما إمساك أو تسريح. * * * (...) حتى نعرف ويش نقول. المفوضة الذين يقولون: إننا نقرأ آيات الصفات وأحاديثها ولا نقول فيها شيئًا، لا نثبت معنى خلاف الظاهر ولا معنى يوافق الظاهر، بل نفوض أمرها إلى الله، ونقول: ما علينا إلا التلاوة فقط، وأنها بمنزلة ألف باء تاء ثاء جيم حاء خاء إلى آخره، كأنها حروف هجائية ما لها معنى، على أن بعضهم -بعض المفوضة- يتناقض ويقولون: نحن لا ندري ماذا أراد الله بها، لكننا نعلم أنه لم يُرِد ظاهرها، طيب كيف بالأول تفوضون ثم تتناقضون؟ تقولون: لم يرد ظاهرها، وقد بيّن شيخ الإسلام رحمه الله تناقض هذه الطائفة منهم، المفوضة هل نقول: إن هذه الآية ترد عليهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؟ لأننا إذا لم نعلم أن الله سبحانه وتعالى له علم يدرك به ما نفعل فلا فائدة من قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ﴾، نعم يمكن فيها رد، ولا شك أن مذهب المفوضة يا إخواني أخبث من مذهب أهل التحريف، أخبث، وهو شرّ أقوال أهل البدع والإلحاد كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الرد على المنطقيين، يقول: هذا القول من شرّ أقوال أهل البدع والإلحاد، يقول: وبه استطال الفلاسفة المنكرون للصفات، بل المنكرون لليوم الآخر، بل المنكرون للخالق، ويش قالوا دول أهل التخييل؟ قالوا: روحوا أنتم (...)، أنتم جُهّال مثل الصبيان، ما تدرون ويش الله أراد، لكن نحن الفحول الذين عرفنا ماذا أراد الله، ويش أراد الله؟ قالوا: أراد الله التخييل ما له حقيقة، ما فيه رب ولا جنة ولا نار ولا حساب ولا شيء، وما هو إلا تخييل، وقالوا: نحن أولى منكم أيها المفوضة، ويش لون أولى منا؟ لأننا عرفنا المراد وأنتم ما عرفتم المراد، وإن كان قولهم هذا بالمراد خطأ بلا شك كما سنبين قريبًا إن شاء الله، لكن الكلام على أن مذهب أهل التفويض يجعل الناس أميين، بل يجعلهم صبيانًا، كيف الله يُنزل علينا آيات في الوضوء والطهارة والصلاة وما أشبه ذلك ونعرف معناها، وما يتعلق بأسمائه وصفاته ما نعرفه، هذا معقول؟ غير معقول، ولا يمكن أن نعبد ربًّا حق العبادة إلا ونحن نعرف من أسمائه وصفاته ما تقوم به العبادة، أما الرد على أهل التخييل فلا يمكن إفحامهم وإقحامهم إلا بطريق مَن؟ السلف، اللي يقولون: نحن نعلم ماذا أراد ربنا بكلامه، وأنه حق على حقيقته، لكن الكيفية والحقيقة التي عليها هذه الصفات ما ندركها.