Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:232 – البقرة 2:239

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. البقرة 2:232
  2. البقرة 2:233
  3. البقرة 2:234
  4. البقرة 2:235
  5. البقرة 2:236
  6. البقرة 2:237
  7. البقرة 2:238
  8. البقرة 2:239

البقرة 2:232

قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الخطاب هنا لعامة الناس، يعني: إذا طلق الواحد منكم، ﴿النِّسَاءَ﴾ يعني: الأزواج؛ ولهذا لم يضفها الله عز وجل إلى أحد، بل قال: ﴿النِّسَاءَ﴾ أتى بـ(أل) الدالة على العموم، كما في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤]، فالمعنى: إذا طلق أحد منكم امرأته فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف. قال بعض العلماء: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن البلوغ؛ لأنها إذا بلغت الأجل انتهت العدة ولا إمساك حينئذٍ، ولكن الصحيح أن المراد بالبلوغ هنا حقيقة البلوغ؛ وذلك لأن الأصل أن يحمل الكلام على ظاهره وحقيقته حتى يوجد دليل على أنه لا يراد به ذلك، وهذه قاعدة عامة في كل نصوص الكتاب والسنة، بل حتى في كلام الناس بعضهم مع بعض، في العقود والمعاملات وغيرها يحمل الكلام على أيش؟ على ظاهره وعلى حقيقته حتى يوجد دليل يصرفه عن ذلك، وعلى هذا فيكون معنى ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انتهت عدتهن؛ وذلك لأن للرجل أن يراجع زوجته بعد الحيضة الثالثة ما لم تغتسل، كما جاء ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم، فالمرأة إذا حاضت ثلاث مرات من الطلاق بلغت الأجل، لكن له أن يراجعها ما دامت لم تغتسل، وعلى هذا فيكون المراد بالآية ظاهرها، أي: أتممن العدة فأمسكوهن، ولكن قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ يدل على الترتيب والتعقيب، وأنه لا يتأخر، وإن كان بعض العلماء قال: ظاهر ما ورد عن الصحابة أنها لو فرطت في الغسل سنوات متعددة، فله أن يراجع ما دامت لم تغتسل، لكن هذا فيه نظر، ولكن له أن يراجعها ما لم تغتسل إذا لم تدع الغسل الواجب، فأما إذا مرت عليها صلاة ولم تغتسل ترجو أن يراجعها زوجها فإنها تمنع من ذلك. * طالب: شيخ، ما يكون يعني ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ دليل على أنه معنى ﴿بَلَغْنَ﴾: قاربن؟ * الشيخ: لا. * الطالب: وإلا كيف يمسكها بعد أن..؟ * الشيخ: إي نعم، له أن يراجعها ما لم تغتسل، هكذا ورد عن الصحابة، وإن كان العدة تنتهي بانقطاع الحيض؛ ولهذا لو مات أو ماتت بعد انقضاء الحيضة الثالثة ما ترثه ولا يرثها. * الطالب: لكن قد يحتاج يسافر معها؟ * طالب آخر: إذا كانت كتابية لا تغتسل. * الشيخ: الظاهر أن الكتابية التي لا تغتسل أنه ينتهي بانقضاء الحيض. * الطالب: قد يكون أهلها ليسوا موجودين في البلد الذي هو فيه، فإذا انقضت العدة يضطر أنه يسافر بها وهي ليست محرمًا له إذا (...)؟ * الشيخ: لا لا، ما دام ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أن الإنسان له أن يراجع ما دامت لم تغتسل ولو مع تمام العدة، فهذا يعتبر تفسيرًا من الصحابة رضي الله عنهم للآية الكريمة. * الطالب: لكن ما يفرق بين إذا كان أهلها في بلد (...)؟ * الشيخ: لا لا، لا يفرق؛ لأنه حق له. * الطالب: هو يسافر بها وليس محرمًا؟ * الشيخ: لا، ما يسافر، خلها تبقى ويطلب من أهلها أن يحضروا ويسافروا بها. * الطالب: ما هو بمحرم لها؟ * الشيخ: نعم، إذا انتهت العدة ولا راجع واغتسلت، فهو ما يجوز أن تبقى في بيته إلا إذا كان ليس هناك خلوة، مثل إذا كان في البيت أحد فلا مانع. إذن نقول: هذه الآية فيها قولان لأهل العلم: أحدهما: أن المعنى ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن البلوغ، وقد مر علينا أن التعبير بالفعل قد يراد به ما قاربت، لكن القول الراجح أن الآية على ظاهرها بدليل ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم. قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ ﴿أَمْسِكُوهُنَّ﴾ أي: ردوهن إلى عصمتكم وهو المراجعة، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ أي: دعوهن، والتسريح بمعنى الإطلاق، يعني: أطلقوهن يكن أحرارًا أو حرائر بالنسبة لأنفسهن، وهنا قال: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وهناك قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهنا قال: ﴿سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فما هو الفرق؟ قد يقال: إن هذا هو الواجب، والتسريح بالإحسان على سبيل الندب والأفضلية؛ لأن الإحسان ليس بواجب، بل هو مندوب إليه، ويأتي إن شاء الله أيضًا التعرض لهذا في الفوائد. قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (لا) ناهية، والفعل بعدها مجزوم بحذف النون، و﴿ضِرَارًا﴾ مفعول لأجله، وقد قال ابن مالك في المفعول لأجله: يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ ∗∗∗ أَبَانَ تَعْلِيلًا كَجُدْ شُكْرًا وَدِنْ وهنا أبان تعليلًا ولَّا لا؟ نعم، لا تمسكوهن لأجل الضرار، وكانوا في الجاهلية يراجعون الزوجات في العدة من أجل المضارة، يراجعها ويبقيها، ثم يطلقها وتستأنف العدة، ثم إذا قاربت راجعها ثم يطلقها فتستأنف العدة، وهكذا، وقد مر علينا أن الله عز وجل حدد ذلك بكم؟ بثلاث، فبعد الثالثة لا رجوع، وهنا قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ وفي الآية السابقة قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ فيكون الرجعة مشروطة بإرادة الإصلاح، وتحريمها مشروط بماذا؟ بقصد الإضرار، فإذا قصد الإضرار صارت حرامًا، وإذا لم يقصد الإصلاح فلا حق له في الرجعة، لكن لو راجع وما قصد الإضرار فإنه لا يأثم، قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ اللام هنا لام التعليل، ولكنها هنا يراد بها العاقبة، أي: لا تمسكوهن ضرارا فتكون عاقبتكم أو حالكم. واللام التي تعرف عند بعض النحويين بـ(لام كي) تارة يراد بها التعليل، وتارة تكون زائدة، وتارة تكون للعاقبة، فتكون للتعليل كما في قولك: حضرت لأقرأ، وكما في قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦]. وتكون زائدة كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، إذا جاءت بعد الإرادة فهي زائدة؛ لأن الإرادة هي التعليل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يريد الله أن يبين لكم. وتأتي للعاقبة وهي: إذا علم بأن ما بعدها غير مقصود لكن صارت العاقبة كذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] هل آل فرعون التقطوه لهذا الغرض؟ أبدًا، ولو أنهم ظنوا ذلك لقتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا. هذه الآية على أي الأحوال الثلاث تنطبق؟ على العاقبة، وقد يقال: إن من أراد الإضرار فقد أراد العدوان، فكأنه قال: لا تمسكوهن ضرارًا وعدوانًا؛ لأن قصد الإضرار بلا شك عدوان. قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ﴿مَنْ يَفْعَلْ﴾ هذه جملة شرطية، وجوابها: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ولماذا ارتبط الجواب بالفاء؟ لأنه لا يصح أن يحل محل الشرط، وقد قال ابن مالك: وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْفكل ما لا يصح أن يقع شرطًا، فإنه يجب إذا وقع جوابًا أن يقترن بالفاء، وقد نظمها بعض الناس تقريبًا لطالب العلم في قوله؟ جواب الشرط الذي يجب أن يقترن بالفاء ما هو؟ * طالب: ما أعرف. * الشيخ: هو دائمًا يتكرر علينا ما هو مشكل. * طالب: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّــــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: ؎اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ في هذه الآية أي الأحوال السبعة؟ قوله: وبقد، عرفتم؟ فإذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة وجب أن يقترن بالفاء. وهذا يقرب لطالب العلم المبتدئ، وإن كان الضابط الذي ذكره ابن مالك ضابطًا لا ينتقد. وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أصل الظلم في اللغة: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، ثم صار مستعملًا في كل ما فيه نقص سواء كان ذلك حسيًّا أو معنويًّا، ومن فرط فيما يجب له، أو فيما يجب عليه، أو انتهك ما يحرم عليه فقد انتقص، انتقص نفسه حقها؛ لأن النفس عندك أمانة يجب أن ترعاها حق رعايتها، يجب أن لا توقعها فيما حرم الله عليك، ويجب أن تقوم بما أوجب الله عليك، وإلا كنت ظالمًا لنفسك. وقوله: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ لم يقل: فقد ظلم الزوجة مع أنه في الواقع ظالم لزوجته، لكنه لما كان غيرة الإنسان على نفسه أقوى من غيرته على غيره قال: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ لأنه لو قال: فقد ظلم الزوجة، فإنه هو من الأصل قد أمسكها لأي شيء؟ للإضرار والعدوان، لكن الشيء الذي يثير الإنسان ويوجب له أن يدع الشيء هو أن يقال: إنك ظالم نفسك، وهذا الظلم للنفس قد لا يشعر به الإنسان في هذه الدنيا، بل قد يظن أنه قد انتصر لنفسه، ولكنه في الحقيقة يتبين له متى؟ في الآخرة حينما يؤخذ من أعماله الصالحة ويعطى لهذا المظلوم، فإن وجد شيئًا من أعماله الصالحة أخذ، وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وفيها قراءة: ﴿هُزْءًا﴾ ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هَزْءًا﴾ أو ﴿هُزُوًا﴾ قراءتان سبعيتان، لا تتخذوها أي: لا تجعلوها مهزوءًا بها وموضع استهزاء، وآيات الله عز وجل جمع آية، وهي: العلامة على الشيء، لكنها لا تكون آية إلا إذا كانت برهانًا موجبًا، فإنها تكون آية، فهي العلامة. وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وهي: ما جاءت به الرسل من الوحي، وآيات كونية وهي: هذه الكائنات التي نشاهدها، أما وجه كون ما جاءت به الرسل آية، فلأنه كلام لا يمكن أن يأتي البشر بمثله لا في التنظيم، ولا في الأسلوب، ولا في الغاية، ولا في غير ذلك، ولا سيما القرآن الكريم، وأما وجه كون الموجودات آيات كونية فظاهر؛ لأن هذه المخلوقات لا يمكن لأحد أن يخلق مثلها، وقد تحدى الله عز وجل أولئك العابدين أن تخلق معبوداتهم شيئًا من هذه الآيات، فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣]، هل يمكن أن يخلقوا السماوات والأرض؟ لا، هل يمكن أن يخلقوا بشرًا؟ لا، هل يمكن أن يخلقوا بعيرًا؟ لا، فهذه المخلوقات في انتظامها وحسنها كلها آيات تدل على أن الله تعالى هو الخالق وعلى وحدانيته سبحانه وتعالى: وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِـــــــــــــــــدُاتخاذ آيات الله الشرعية هزءًا ظاهر، بأن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله عز وجل، سواء سخر بالشرع كله أو سخر بجزء منه، حتى لو سخر بغسل الوجه بالوضوء فقد سخر بآيات الله كلها واستهزأ بآيات الله كلها؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة، فكيف بمن يستهزئ بكل الشريعة، أو بأركانها العظيمة بأن يستهزئ بالصلاة أو بالزكاة أو بالصيام أو بالحج أو ما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أعظم وأعظم، فالمستهزئ بأي شيء من شريعة الله مستهزئ بجميع الشريعة، كما أن من كفر بأي شيء من شريعة الله فهو كافر بجميع الشريعة، ومن كفر بأي رسول من الرسل فهو كافر بجميع الرسل، واضح؟ إذا كان هذا الإنسان ما يتخذ آيات الله هزءًا، ولكنه لا يعمل بها هل يكون كالمستهزئ؟ الجواب: لا، لا يكون كالمستهزئ؛ لأنه فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله عز وجل وبين من يسخر بالشرع ويستهزئ به، ويرى أنه عبث وأنه باطل وما أشبه ذلك، فالأول له حكم العصاة، إن كانت معصيته تبلغ به الكفر فهو كافر، وإلا فهو فاسق، وإلا فهو دون الفاسق، كما لو كانت من صغائر الذنوب ولم يصر عليها، وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا ومضوا، أو أن هذا العصر لا يصلح أن يكون عصرًا للعمل بهذا الشرع، فهذا لا شك أنه كُفْر. إذا استهزأ الإنسان بغير الشريعة ولكن بحامل الشريعة فهل يكون كافرًا؟ * الطلبة: نعم، فيه تفصيل.. * الشيخ: إي لازم، فيه تفصيل، الكفر ما هو هين، الكفر ليس بهين، كل شيء كافر كافر كافر؟ إذا استهزأ بحامل الشريعة من أجل حمله الشريعة فهو كافر، كما لو استهزأ برجل قد أعفى لحيته وقصده الاستهزاء بإعفاء اللحية، سواء كان على هذا الرجل أو على رجل آخر، هذا كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال الله عز وجل في أولئك النفر الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون الرسول ﷺ وأصحابه- ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء -يعنون رسول ﷺ- أنزل الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]، والذي يقول عن حملة الشرع والعاملين به: هؤلاء دراويش ما يعرفون، ولا يعرفون المجتمع ولا الدنيا، وما أشبه ذلك من الكلمات هؤلاء أيضًا كفار؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين ٢٩، ٣٠] شوف شوف ها المسكين ها الدرويش، يتغامزون فيما بينهم، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، وفي العصر أبدلنا (ضالون) بـ(رجعيون)، إذا رأوهم قالوا: هؤلاء رجعيون، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين ٣١] متنعمين، يعني: يرون أنهم حصلوا على شيء كثير أن يستهزئوا بهؤلاء الدراويش على زعمهم، قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٣٤]، فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين كفار، فأما لو سخر بحامل الشرع غير الرسول عليه الصلاة والسلام من أجل لباسه، أو من أجل مشيته، أو من أجل هيئته فهذا.. كيف يتخذ الآيات الكونية هُزءًا؟ * طالب: بإنكار نعمة (...). * الشيخ: (...). * طالب: يقول: ما فائدة هذه الآيات مما لو وُضِع ..؟ * الشيخ: مثلًا لو نزل المطر، لو نزل في أيام الصيف اللي ما جرت العادة بأن ينزل فيه المطر، (...) ويش هذا التدبير؟ يوم الناس محتاجين إلى المطر بس بالشتاء ما جاء والآن يأتي! مثلًا، هذا يمكن يوجد، يُوجد من بعض الفَجَرة يقولون مثل هذه الأشياء. أو مثل يُغلب قوميون من العرب تغلبهم اليهود مثلًا فيقولون: ما هذا؟ أيش يكون هذا؟ يكون النصر لليهود على العرب على بني كنعان وعدنان وقحطان؟! كيف هذا ودولا بني إسرائيل؟ وما أشبه ذلك؛ هذا من السخرية والاستهزاء بقضاء الله وقدرِه سواء كان من فعله الذي لا صُنع للآدمي فيه، ولا علاقة للإنسان فيه، أو من الأشياء اللي للإنسان فيها علاقة، ولكن المؤمن يستسلم لأمر الله عز وجل الكوني كما يستسلم لأمره الشرعي، ويرى أنه في غاية الحِكْمة وفي غاية الإتقان، وأنه في مكانه وأن من غُلِب من العَرَب أو غير العرب فإن الحكمة تقتضي أن يكون مغلوبًا، أن يكون كذلك؛ لأن الله عز وجل حكيم، ما يصنع شيئًا إلا لحكمة؛ فالمهم أن الاستهزاء بالآيات الكونية يمكن أن يكون، وقد نهى الله تعالى أن نتخذ هذه الآيات هُزءًا سواء كانت الآيات كونية أو شرعية، لكن بما أن الآية في سياق الآيات الشرعية تكون أخص بالآيات الشرعية منها في الآيات الكونية. قال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٣١]. اذكروا بماذا؟ باللسان؟ بالقلب؟ بالجوارح؟ بالجميع؟ * الشيخ: بالجميع، اذكروا نعمة الله عليكم حتى تقوموا بشُكْرها، فإن الغفلة عن ذِكْر النِّعم سبب لعدم الشكر، تذكروها باللسان بأن تُثني على الله بها؛ تقول: أنعم الله عليَّ بكذا ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١] تُثني على الله عز وجل بها، تقول: اللهم لك الحمد على ما أنعمت علي به من كذا وكذا من المال أو الزوجة أو الأولاد أو ما أشبه ذلك. وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف، والمفرد المضاف يدل على العموم، من صيغ العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] لو كان المراد بالنعمة مدلولها الإفرادي لكان إحصاؤه ممكنًا؟ * الطلبة: لا، ولا لها عدد. * الشيخ: لأنها ولا لها عدد، مختلفين أهل اللغة هل الواحد عدد ولا غير عدد. المهم أن نِعمة الله هنا عامة؛ نعم لا تُحصَى أجناسها فضلًا عن أفرادها؛ فقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ يشمل كل النِّعم وإن دقَّت؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]. واعلموا أن النِّعمة خير؛ والنَّعْمة شر؛ لأن معنى النَّعمة التنعُّم والترف؛ قال الله تعالى: فأخرجناهم ﴿مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل ١١]. أما النِّعمة فهي من الله عز وجل وهي خير وإحسان؛ فالإنسان واجِب عليه أن يذكر نعمة الله عز وجل بالثناء عليه بها في اللسان، والقيام بحقها في الأركان، واعتقاد أنها من عند الله تفضُّلًا وإحسانًا بالْجَنان؛ بالقلب حتى يكون بذلك متبرئًا من حوله وقوته؛ لأن النِّعمة كلها من الرب عز وجل. قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٣١]. ﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾ الواو حرف عطف؛ و﴿مَا﴾ اسم موصول مبنيٌّ على السكون في محل نصب عطفًا على أيش؟ على الله ولَّا على نعمة؟ * الطلبة: على نِعمة. * الشيخ: على نِعمة؛ يعني: واذكروا ما أنزل عليكم من الكتاب والحِكمة يعظكم به، والعطف هنا من باب عَطف الخاص على العامِّ؛ لأن ما أنزل الله عليهم من الكتاب والحكمة من النِّعم؛ بل هو من أكبر النِّعم ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ١٦٤]، لماذا عُطفت على النِّعم وهي عامة؟ لأن عطف الخاص على العام يدُل على أهميته وعُلوِّ شأنه؛ ولهذا أُفرِد من العموم تنصيصًا عليه؛ وذلك لأن دلالة العموم على جميع أفراده دلالة قطعية ولَّا ظنية؟ دلالة ظنية -خدوا بالكم لهذه القاعدة- دلالة العام على جميع أفراده دلالة ظنية؛ لأن العام أحيانًا يُراد به الخصوص وأحيانًا يكون عامًّا مخصوصًا؛ والفرق بينهما ظاهر، الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص، الفرق بينهما ظاهر ولَّا غير ظاهر؟ * طالب: غير ظاهر. * الشيخ: غير ظاهر، أحسنت، هكذا طالب العلم إذا ما ظهر له، يقول: ما هو ظاهر؛ الفرق بين العام المخصوص هو: أن اللفظ يكون عامًّا يُراد به جميع أفراده ثم يُخرَج منه بعض الأفراد مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر ٢، ٣] الإنسان هذه نقول فيها: عام مخصوص كذا؟ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤] هذا عامٌّ لكنه مخصوص بالزوج إذا قذف زوجته فإن له حكمًا خاصًّا. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، وإنما مثَّلنا بذلك مع المثال الأول لأجل أن نُمثِّل بالتخصيص المتصل والتخصيص المنفصِل، وهذا معلوم ولَّا غير معلوم؟ * الطلبة: معلوم. * الشيخ: التخصيص المتصل أن يكون في كلامٍ واحد؛ العام والمُخصِّص ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. والتخصيص المنفصل أن يكون التخصيص في كلام آخر منفصلًا عن الأول؛ فآية القذف نزَلت قبل آية اللعان؛ لأنه لما نزلت آية القذف «قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: أجد على زوجتي لُكَعَ بْنَ لكع، ثم أذهب وأطلب أربعة رجال يشهدون، لئن وجدتُه لأضربنه بالسيف غير مُصَفَح »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٨٤٦)، ومسلم (١٤٩٨ / ١٦) من حديث سعد بن عبادة، ولفظ مسلم: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، لو وجدتُ مع أهلي رجلًا لم أمسَّه حتى آتيَ بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ: «نَعَمْ»، قال: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأُعَاجِلُهُ بالسيف قبل ذلك.]]. فأنزل الله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور ٦]. المهم هذا مثال لأيش؟ للعام المخصوص بمُخصِّص متصل أو مخصص منفصل، العام الذي أُريد به الخصوص يكون من الأصل ما قُصِد عمومه، لم يُقصد عمومه أصلًا، بل قُصِد به شيء معين، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هل المراد جميع الناس؟ * طالب: ليس .. * الشيخ: أولًا: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ما قال إلا واحد، القائل واحد. ثانيًا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ من؟ أبو سفيان ومن معه، ما هو كل الناس؛ هذا يسمونه عام أريد به الخاص. تبين لكم الآن أن العام لا يدُلُّ على جميع أفراده دلالة قطعِيَّة، بل دلالته ظنية بدليل أنه قد يُخصَّص أو أنه قد يُراد به من الأصل الخصوص، فإذا ذُكر فرْد من الأفراد كان دلالة العموم على هذا الفرد دلالةً قطعيَّة ولَّا ظنية؟ * الطلبة: قطعية.. ظنية. * الشيخ: ذُكر فرد من أفراد العموم؟ قطعيَّة بارك الله فيكم، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٣١] هل هو داخل في النِّعمة ولَّا لا؟ قطعًا داخل في العموم، ولهذا خصصه. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] * طالب: قطعي(...) * الشيخ: الآن نعلم علم اليقين أن جبريل الروح داخل في الملائكة بلا شك، لكن إسرافيل وميكائيل وما أشبه ذلك؟ * الطالب: ظني. * الشيخ: نقول: نعم، العموم يدل على دخولهم، لكن ما نقطع قطعًا بدخولهم، لكن إذا ذكر الفرد من أفراد العموم قطعنا بدخوله. ثم نقول: هل هو بعد ذكره داخل في العموم، أو التنصيص عليه مُخرج له عن العموم؟ * الطلبة: مخرج له عن العموم. * الشيخ: بأسرع ما تجيبون ما أدري عن فهم ولا عن غير فهم؟ هل تخصيصه بالذكر يُخرجه من العموم؟ * الطالب: يخرجه من العموم. * الشيخ: أو نقول هو داخل في العموم وذُكر بخصوصه لتعلية شأنه ويكون حينئذ مذكورًا مرتين؟ * الطلبة: (...) * الشيخ: (...) الأول؟ * الطلبة: إي. * الشيخ: هذا أيضًا فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: إن التنصيص عليه دليل على أنه لم يُرد في العموم؛ فكأنه قال: واذكروا نعمة الله عليكم وهو يريد غير ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ثم قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾؛ وعلل هؤلاء قولهم بأن العطف يقتضي المغايرة؛ ولكن الصحيح أنه داخل في العموم، وأن التنصيص عليه تعلية لشأنه كأنه ذُكر مرتين، وأن المغايرة قد حصلت في العطف؛ لأنا عطفنا خاصًّا على عام، وهذا نوع من المغايرة؛ والمغايرة كما تكون في الذات تكون في الوصف كما هو معروف كما هو في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]. من الذي قدَّر فهدى والذي أخرج المرعى؟ * الطلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: لا، العطف يقتضي المغايرة؟ * الطلبة: لا.. * الشيخ: طيب ويش تقول بالقاعدة هذه؟ العطف يقتضي المغايرة ويش تسوون؟ * الطلبة: مغايرة.. * الشيخ: مغايرة الصفات، هنا التغاير بالأوصاف ولَّا لا؟ ولا شك أن صفات الله عز وجل كل واحدة غير الأخرى، فالذي خَلَقَ فسوَّى هو الذي قدَّر فهدى وهو الذي أخرج المرعى، لكن هذه صفة وهذه صفة. إذن فما أنزل الله علينا من الكتاب والحكمة لا شك أنه من نِعمة الله، وأنه يجب علينا أن نذكر ذلك، ولكن كيف نذكره؟ نيجي للناس نقول: يا جماعة، ترى الله أنزل علينا كتابًا وحِكمة؟ لا، اذكروه في قلوبكم وطبِّقوا ما فيه من التوجيهات فِعلًا أو ترْكًا بجوارحكم، وهذا هو ذِكْر القرآن، كيف يكون ذاكرًا للقرآن من لم يَعْمل به؟ أين ذكره للقرآن؟ فاذكروها بقلوبكم مُعترِفين لله تعالى بالفضل بإنزالها، ثم اعتقِدوا ما دلَّت عليه من العقائد، ونفِّذوا ما تقتضيه من الأوامر والنواهي، مفهوم ولَّا لا؟ وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المراد بالكتاب القرآن، وهو (فِعَال) بمعنى (مفعول) مثل فِراش بمعنى مفروش؛ وبِناء بمعنى مبنِيٍّ، غِراس بمعنى مغروس؛ ففِعال دائمًا تأتي بمعنى مفعول ومنها الكتاب، مكتوب بماذا؟ مكتوب في اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢] مكتوب بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٥]، مكتوب بالصحف التي بأيدينا ولَّا لا؟ فإذن هو مكتوب. وقوله: ﴿واَلْحِكْمَة﴾ هل المراد بالحكمة العِلم؟ يعني ما أنزل الله عليكم من الكتاب وما حصَّلتم فيه من العلم؛ لأن هذا الكتاب فيه علوم كثيرة أو المراد بالحكمة معرفة أسرار الشريعة؛ فإن الله تعالى أنزل الحكمة لنا في القرآن وما أكثر الأحكام المعلَّلة في كتاب الله عز وجل ولَّا لا؟ وقد بَيَّنا كثيرًا بأن التعليل المقرون بالأحكام الشرعية يفيد أي شيء؟ يفيد ثلاث فوائد: * طالب: أربعة. * الشيخ: نشوف: أولًا: بيان سمو الشريعة وعظمتها، وأنه ما من حكم من أحكامها إلا ومعلل بعِلَّة مطابقة للعقل. ثانيًا: طُمأنينة الإنسان؛ لأنه كلما علِم الحكمة اطمأن إليها أكثر ولَّا لا؟ ولهذا دائمًا الناس يسألون: لأيش كذا؟ لأيش كذا؟ عشان يطمئنون. الثالث: أن يُقاس عليه -أي على الحكم- ما شاركه في تلك العِلة؛ هذه ثلاثة. ونطلب من الأخ أن يأتي بالرابع إما من كيسه ولَّا من قلبه. * الطالب: ما في. * الشيخ: ما في، إذن. * الطالب: الرابع: انقياد المكلف. * الشيخ: هو الطمأنينة، هذا فرع على الطمأنينة، إذا اطمأن انقاد، هذا رأيٌ. أو نقول: المراد بالحكمة السُّنَّة. أو نقول: المراد بالحكمة ما يشمل هذه الثلاثة؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهو أنه إذا كانت الآية تحتمل المعاني المذكورة بدون ائتلاف بينها فالواجب حمْلها على الجميع. ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٣١]. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ الموعظة هي ذِكر الأحكام مقرونة بالترغيب أو الترهيب، ومن الترغيب فيها ذِكْر عللها؛ لأن النفس تطمئن إليها وتزداد تمسُّكًا بها إذا كانت مأمورًا بها؛ وتنفر منها وتزداد بُغضًا لها إذا كانت منهيًّا عنها؛ فإذن الموعظة ذِكر الأحكام مقرونة بالترغيب والترهيب. وقيل: إن الموعظة أعمُّ؛ فهي ذِكر الأحكام عمومًا؛ لأن الإنسان إذا التزم بها فقد اتَّعظ؛ لكن الأول أظْهر؛ لأن المراد بالموعظة ما يُحدِث في القلوب رغبة أو رهبة، وهذا لا يكون إلا إذا قُورِنت الأحكام بماذا؟ بعللها؛ في حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً وجِلت منها القلوب وذَرَفَت منها العيون »[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦).]]. فهذه لا بُدَّ أن تكون مُحرِّكة للقلب؛ وكل أحكام الله تعالى موعظة؛ لأن غالب الأحكام مقرونة بِعِللها إما مختومة باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته أو ذِكرٍ من عقابه أو ثوابه أو ما أشبه ذلك. وجملة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ حال، حال من فاعِل ﴿أَنْزَلَ﴾ وهو الله ولَّا لا؟ يعني: وما أنزل عليكم الكتاب والحكمة حال كونه واعظًا؛ ويجوز أن يكون حالًا من الكتاب؛ يعني حال كون الكتاب موعوظًا به، وهما متلازمان؛ فالكتاب والحكمة موعظة من الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧]. ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ما أكثر ما يأمر الله عز وجل بالتقوى؛ لأن بالتقوى صلاح القلوب. والتقوى اختلف المفسرون فيها على كثير من الأقوال، وأجمعها أن التقوى هي: اتِّخاذ وِقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. والاشتقاق يدل على هذا؛ لأنها مأخوذة من أين؟ من الوقاية، وعلى هذا فالتقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقال بعضهم فيها: خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لا تَحْقِـــــــــــــــرَنَّ صَغِيــــــــــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَــــــالَ مِــــــنَالْحَصَـــــــــى وقال بعضهم: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عِقاب الله. وكل هذه تعبيرات، لكنها تنصبُّ في معنى واحد وهي ما أشرنا إليه أولًا وهو أجمعها. وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واضح أن فيها إشارة ظاهرة إلى وجوب الإخلاص في تقوى الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان لا يتقي أحدًا، ولكنه يتقي من خلقه وهو الله عز وجل؛ لا يتقي الذنوب خوفًا من عيب الناس عليه، ولا يفعل الطاعات رجاءً لثواب الناس على ذلك، سواء كانت الطاعات من العبادات البدنية أو من العِلميَّة أو من غير ذلك، كل العبادات يجب أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا ذُكِر للإمام أحمد رحمه الله أن رجلًا قال لقوم: أنا لا أصلي بكم التراويح في رمضان إلا بكذا وكذا، فقال: نعوذ بالله، مَنْ يصلي خلف هذا؟[[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٩١).]] فاستعاذ منه رحمه الله، وقال: كيف؟ مَنْ يصلي خلف هذا؟ ولكن لا يُشكل عليك ما يأخذه الناس من رَصْد من بيت المال، فإن هذا لا بأس به؛ إذا أخذه الإنسان وهو غير مُشرِف ولا سائل فلا بأسَ به؛ أما إن كان سائلًا كما لو كتب فلان مثلًا: صليت في هذا المسجد شهرين، ثلاثة ما جاء الراتب، أو كتب يقول: زوِّدوا الرواتب أو ما أشبه ذلك، فهذا أخشى أن لا يحِل له ذلك؛ حتى فيمن سألوا زيادة الراتب من المعلمين وغيرهم، أنا أخشى أن يكون ذلك مُحبِطًا لأجورهم؛ لأن كل شيء تفعله لله يجب أن لا تريد به إلا الدار الآخرة، إلا ثواب الله عز وجل، أما أن تذهب تجادل للدنيا وأنت تعمل للآخرة فهذا خلاف العقل كما أنه خلاف الشرع. قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٣١]. ﴿اعْلَمُوا﴾ هذا أمْر بالعلم؛ العِلم الذي يجب أن يُثمر؛ ما هو مجرد العلم فقط، يجب أن يثمر؛ إذا علِمت ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿كُلِّ﴾ من صيغ العموم؛ و﴿شَيْءٍ﴾ كذلك، فإن كلمة (شيء) من أعم الأشياء، حتى أنها تقال حتى في العدم، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١]، فشيء من أعم الكلمات؛ ومضاف إليها كل، إذن تعُمُّ كل شيء؛ الموجود، والمعدوم، والصغير، والكبير، وما يتعلق بفعله سبحانه وتعالى، وما يتعلق بفعل العباد، وما كان سرًّا، وما كان علنًا حتى ما في القلب يعلمه الله عز وجل. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وفي ذكر قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بعد الأمْر بالتقوى إشارة إلى أنه لا تَجْعل تقواك مخالِفة لما في باطنك، فإن الله تعالى عليم بما في ضميرك وما في قلبك، فإيَّاك أن تطيع الله في العلانية وتَعْصيَه في السر حتى ولو في قلبك، والله عز وجل يعلم ما في قلب الإنسان وما سيكون في قلب الإنسان ولَّا لا؟ وما سيكون في قلبه؛ إذن فهو أعلم بك من نفسك. قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فعِلمه عز وجل محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، صغيرًا وكبيرًا، حاضرًا ومستقبلًا. قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مفعول مُقدم لـ ﴿عَلِيمٌ﴾، أو لا؟ مفعول مقدم لعليم، جار ومجرور متعلق بعليم؛ فهل نقول: إن هنا فائدة التقديم الحصر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: كيف ما في؟ ويش الفائدة من التقديم منها؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: مراعاة الفواصل لا شك في هذا، مراعاة الفواصل مقصودة في القرآن الكريم؛ لأن الفواصل إذا كانت على وتيرة واحدة لا شك أنها أصغى للسمع. ثم نقول: الظاهر -والله أعلم- أن الاختصاص هنا من باب أن الذي اختص بهذا العِلم العام هو الله؛ ولَّا كلمة ﴿بِكُلِّ شَيْء﴾ ما فيها حصر إطلاقًا؛ لكن لا عالِم بكل شيء إلا الله سبحانه وتعالى، أما المخلوق فعلمه محدود، محدود من كل ناحية من أوَّله وآخره وشموله، فمن أوله؛ لأن علم الإنسان مسبوق بالجهل ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨]. أو لا؟ وعلمك الذي تعلمه اليوم قبل أمس معناه أنك كنت أمس جاهلًا به، كذلك هو محفوف بالنسيان، فهو مسبوق بجهل وملحوق بالنسيان. ثم هو أيضًا ليس بشامل، ليس بشامل محصور ضيق جدًّا؛ حتى نفسه ما يعرف ماذا يكسب غدًا؛ ولكن الله عز وجل بكل شيء عليم. ثم قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢]. في هذه الآية إشكال من جهة الضمائر، نشوف: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الخطاب لمن؟ * الطلبة: للأزواج. * الشيخ: للأزواج ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الخطاب للأولياء، هذا هو المشهور؛ ولا مانع من تشتُّت الضمائر إذا كان ذلك معلومًا، لا مانع، كما أنه لا مانع من أن يكون الضمير عائدًا على السابق دون الذي يليه إذا كان ذلك معلومًا، مثل قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج ٧٨] ﴿هُوَ﴾ يعود على مَنْ؟ على الله لا على إبراهيم. فالحاصل أن تشتيت الضمائر إذا فُهِم المقصود لا بأس به، وقد يكون في تشتيتها فائدة؛ ما هي؟ انتباه الذهن؛ لأن المعروف أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة فإن الإنسان ينساب ذهنه معه، وربما ينسى ولا يتأمل، فإذا اختلفت الضمائر مثلًا أو اختلفت الصيغة كالالتفات فإنه ينتبه، يُفكِّر، يؤمِّل على من يرجع الضمير؛ إذا رجع على ما سبق اختلف المعنى؛ فالآية فيها أقوال: القول الأول: ما أشرتم إليه أن قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خِطاب للأزواج، وقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطاب للأولياء؛ ولا مانع من تشتت الضمائر لوضوح المعنى. والقول الثاني: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ خِطاب للأزواج. ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطاب للأزواج ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. وبِناء على هذا الرأي يكون قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ باعتبار ما مضى ولَّا ما يستقبل؟ * طالب: ما يستقبل. * الشيخ: باعتبار ما يستقبل، وعلى الأول ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ باعتبار ما مضى، واضح؟ * الطالب: نعم، بالنسبة للضمائر. * الشيخ: ما هو للضمائر، الأزواج أيضًا عندنا فيها معنيان؛ كلمة ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ هل للماضي أو للمستقبل؟ إذا قلنا ﴿فلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إنه خطاب للأزواج، فالمراد بالأزواج المستقبل، وإذا قلنا: الخطاب للأولياء فالمراد بالأزواج من مضى. كيف يكون الزوج المطلِّق عاضلًا للزوجة المطلَّقة أن تنكح غيره؟ نقول: نعم، هذا موجود في الجاهلية يكون الرجل شريفًا وذا جاه، فإذا طلَّق المرأة ما حد يتعدى فيتزوجها من بعده، فإن فَعَلَ فيا ويله، وحينئذٍ تكون الآية نهى الله فيها عن أيش؟ عن حال كانوا يرتكبونها في الجاهلية؛ أن الزوج إذا طلق الزوجة ما يمكن يخليها تتزوج بعده، وهذا لا شك أنه ظُلم، لكن هذا واقع؛ وأظنكم قد مر عليكم حديث سعد بن عُبادة فيما لو وجد على امرأته رجلًا قال: لأضربنه بالسيف غير مُصْفَحٍ، فقال الرسول ﷺ: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» »[[سبق تخريخه.]] فأخبره أصحابُه بأنه كان ذا غَيْرة -سعد بن عبادة- حتى إنه إذا طلَّق المرأة لا يتزوجها أحد من بعده، لكنه رضي الله عنه مو بيمنع الناس. على كل حال إن هذا أمر موجود في الجاهلية فنهى الله عنه، وعلى هذا الرأي تكون الضمائر متشتتة ولَّا على نسق واحد؟ على نسق واحد. فيه وجه ثالث في الآية: أن الخطاب لعموم الناس إذا طلقتم أيها الناس؛ وليس الخطاب للأزواج، فلا تعضلوهن أيها الناس، وعلى هذا فيُوجَّه المعنى لمن يصِح أن يُوجَّه إليه؛ وهذا القول من حيث إن الأُمَّة شيء واحد فالخطاب لها كأنه خطاب لكل فرد، هذا المعنى له قوة عظيمة، أن الله يخاطِب جميع العباد يقول: إذا طلقتم النساء فلا تعضلوهن. فهو يخاطب الناس باعتبار المجموع، لا باعتبار الجميع الذي يُقصد به كل فرد؛ أي أن الآية مُوجَّهة لكل الناس بقطع النظر عن زيد وعمرو فيكون المعنى: إذا طلقتم فلا تعضلوا؛ ويُنزَّل الطلاق على الزوج، والعَضل على مَنْ يتوجَّه منه العضل من الأولياء أو مِن الأزواج، وهذا المعنى له قوته. وعلى كل حال فنرجع إلى الآية ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ما هو الطلاق؟ في اللغة: حلُّ القَيْد؛ أطلقتُ الناقة، وطلَّقتُها فَكَكْتُ قَيْدَها. وفي الشرع: حَلُّ قَيْد النكاح أو بعضه، حل بعضه في الرجعية. ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ الأجل هنا تمام العِدَّة بالاتفاق بخلاف الأجل في الآية التي قبلها؛ الأجل في الآية التي قبلها بمعنى: المقارَبة على رأي كثير من أهل العلم أو بمعنى بلوغ الأجل قبل الاغتسال، لكن هنا: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: أتممن عِدَّتهن بالاتفاق. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الفاء هنا رابطة للجواب؛ لأيش رابطة للجواب؟ * طالب: طلبية؟ * الشيخ: لا؛ طلبية؟ الفاء طلبية، ويش هي؟ * طالب: لا ناهية. * الشيخ: لا، ناهية ولَّا نافية؟ نافية بالفاء، ولا ناهية بالهاء؟ * الطلبة: بالهاء؟ * الشيخ: بالهاء، الدليل أنها ناهية؟ * طالب: جزم الفعل. * الشيخ: جزم الفعل؛ لأنه محذوف النون، ما قال: فلا تعضلونهن؛ إذن هي طلبية ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والعَضْل معناه المنع، أي: فلا تمنعوهن. وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ هذه (أن) مصدرية وهي وما بعدها مؤوَّلة بمصدر منصوب بنزع الخافض، والتقدير: من أن ينكحنَ؛ أي من نكاح أزواجهن، والنصب هنا بنزع الخافض مضطرد ولا سماعي؟ * طالب: مضطرد. * الشيخ: ويش الدليل من كلام ابن مالك؟ * طالب: وَعَــــــدِّ لاَزِمـــــًا بِحَـــــرْفِجَـــــــــــــــرِّ ∗∗∗ وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْــبُ لِلْمُنْجَـــــرِّ؎نَقْـــــــلًا وَفِـــــــي أَنَّ وَأَنْيَطَّـــــــــــرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا * الشيخ: ﴿يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ هنا أضاف النكاح إلى النساء؛ لأن المراد به العَقْد، والعقد حاصل من الطرفين فيقال: نَكَحَتِ المرأةُ الرجل ونَكَحَ الرجلُ المرأة؛ وأما الوطء فإنهم يقولون.. يقال: نَكَحَ الرجلُ زوجتَه؛ ويقال: نكح بنت فلان؛ أي عقد عليها؛ فإذا صار المراد بالنكاح العقد صحَّ أن يُطلق على الرجل وعلى المرأة. وقوله: ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ جمع زَوْج، وسُمِّي الزوج زوجًا؛ لأنه يَجعل الفرد اثنين بالعَقْد، فالزوج يشفع زوجته وهي كذلك. وقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ هنا قال: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ ولم يقل: إذا تراضين تغليبًا لجانب الذكور، وإلا فإن الغالب أن الزوج راضٍ بذلك؛ لأنه خاطِبٌ سواء كان المطلِّق أو رجلًا جديدًا، لكن لما كان الرضا في عقد النكاح مشترط بين الرجل والمرأة غُلِّبَ جانب الرجال فقال: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقوله: ﴿تَرَاضَوْا﴾ تفاعلوا؛ أي حصل الرضا من الطرفين. وقوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الأزواج والزوجات. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء هنا للتعدية أو للمصاحبة؛ يعني إذا تراضوا رضًا معروفًا غير منكر شرعًا ولا عُرفًا؛ فإذا تراضى الزوج والزوجة سواء كان مُطلِّقًا أم خاطبًا بالمعروف الشرعي والعرفي فإنه لا يجوز أن يُعضل النساء من النكاح. ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ الخطاب لِمَنْ؟ لكل من يصح خِطابُه، وقد يقول قائل: لماذا لم يقُل: ذلكم؛ لأنه يخاطب جماعة في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؟ فيقال: إن اسم الإشارة إذا خُوطب به جماعة جاز أن يُذكر مفردًا ولو كانوا جماعة، وجاز أن يُراعى في ذلك المخاطَب؛ الكاف التي تتصل باسم الإشارة يجوز فيها لغةً ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مُراعاة المخاطَب إن كان مُذكرًا ذُكِّرت، وإن كان مُؤنَّثًا أُنِّثت، إذا كان مُفردًا أُفردت، وإذا كان جمعًا جُمعت، وإذا كان مُثنى ثُنِّيت. والوجه الثاني: أن تُفتح دائمًا، تكون بالإفراد والتذكير ﴿ذَلِكَ﴾ أيًّا كان المخاطب، فكأن المشير يقول: أُشير مخاطِبًا هذا الذي أمامي إلى كذا وكذا. والوجه الثالث: أن تُذكر الكافُ مُفردة مكسورةً في خطاب المؤنث، مفتوحة في خِطاب المذكر؛ مثال هذا: عندك مثلًا جماعة من النساء تريد أن تُشير إلى شيء مذكر، مخاطِبًا إياهن فتقول؟ * الطلبة: ذلكن. * الشيخ: ذَلِكُنَّ، كما قالت امرأة العزيز: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]؛ لأنها تشير إلى واحد مُذكِّر وهو يوسف، وتخاطب جماعة نسوة، فجعلت الضمير ضمير جماعة النسوة ﴿ذَلِكُنَّ﴾. ويجوز أن أقول في خطابهن (ذَلِكِ) بالكسر والإفراد؛ لأنني أخاطِب نساء؛ ويجوز أن أقول: (ذَلِكَ) بالفتح والإفراد؛ وكل هذا جاءت به اللغة، والأفصح مراعاة المخاطب، هذا هو الأفصح؛ ولهذا إذا جاءت على خلاف مُراعاة المخاطب لا بُدَّ فيها من تأويل. هنا قال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ المذكور واضح، المشار إليه مُفرد مذكر؛ لكن المخاطَب ﴿إِذَا طَلَّقْتُم﴾ جماعة ذُكور فيقتضي أن يقول أيش؟ * الطلبة: ذلكم. * الشيخ: ذلكم، كما جاء كذلك في سورة الطلاق في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق ٢]. وهنا جاءت بالإفراد؛ لأن كِلا الوجهين صحيح. وقوله: ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ﴾ الموعِظة تقدم لنا أنها ذِكر الأحكام مقرونة بترغيب في الأوامر، وترهيب في النواهي، هذه الموعظة؛ لأن الإنسان يتعظ بها. وقد تُطلق الموعظة على مجرَّد ذِكر الأحكام لما في الالتزام بها من الاتعاظ والذِّكرى، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ٥٨]. على أن هذه الآية ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء ٥٨] تشير إلى أيش؟ ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: الأمر بأداء الأمانة؛ فالحاصل أن هذا معنى الموعظة، ولا شيء أعظم موعظة من القرآن لمن كان له قلْب أو ألقى السمع وهو شهيد، وأما من أعرض عنه ولم يرفع به رأسًا فإنه لا ينتفع به بل يكون عليه مرضًا، ولهذا هنا قيد ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما خصه بمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه هو الذي يتعظ وينتفع ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧] فالمؤمنون هم الذين ينتفعون. وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (...) لا بد من هذا كله، أما الإيمان باليوم الآخر فإن المراد به الإيمان بأن هذا اليوم كائن لا محالة؛ وقد ذكر شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية أنه يَدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أَخْبَر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، وعلى هذا ففتنة القبر، ونعيم القبر أو عذابه تدخل في الإيمان باليوم الآخر. ويَقْرِن الله عز وجل دائمًا بين الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر أكبر ما يحث الإنسان على العمل؛ إذ مَنْ آمن بهذا اليوم الذي سيلاقي فيه ربه وسيحاسبه على عمله ويجازيه عليه فإنه سوف يعمل لهذا اليوم، وأما من أنكره هل يعمل؟ من أنكر هذا اليوم وقال: ما فيه بعث ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية ٢٤] فهذا ليس بعامل. فالإيمان باليوم الآخر هو أشد حادٍ للإنسان وحامل له على العمل، فِعلًا للمأمور وتركًا للمحظور. وسماه الله اليوم الآخر؛ لأنه لا يومَ بعدَه؛ وهذا اليوم الذي يكون هو يوم لا ليلَ فيه؛ لأن الشمس والقمر تُكوَّران وتُلقيان في النار، فليس فيه إلا يوم فقط؛ ولهذا سماه الله اليوم الآخِر فلا يوم بعده. الإيمان باليوم الآخر قلت: إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إن الإيمان به يتضمن كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فيتضمن فِتنة القبر، وعذابه، ونعِيمه، وقيام الناس حُفاة عُراة غُرلًا، ويتضمن وضع الموازين، ووزن الأعمال، وأخْذ الصحف، والصِّراط، ودُنوَّ الشمس من الناس، والعَرَق، والحوض، والشفاعة، كل ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام من ذلك فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة ٢٣٢] ﴿ذَلِكُمْ﴾ شوف الآن أتى بالخطاب مُراعًى فيه المخاطب ﴿ذَلِكُمْ﴾. ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ اسم تفضيل من الزكاء؛ والزكاء في الأصل التنمية ومنه الزكاة؛ لأنها تُنمِّي المال بإحلال البركة فيه وتُنمِّي الأخلاق بخروج الإنسان من طائفة البُخلاء إلى طائفة الكرماء؛ فالزكاة في اللغة: النماء. ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ من أي ناحية؟ أزكى لكم في أعمالكم، ونُموِّها وكثرتها؛ لأنكم إذا اتعظتم بذلك أطعتم الله ورسوله، فزادت الأعمال، وزاد الإيمان أيضًا؛ لأن الإيمان حتى الإيمان اللي في القلب يزداد بامتثال الأمر واجتناب النهي لله عز وجل. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه أيش؟ هل هي الموعظة، أو ما ذُكِر من الأحكام، أو لازم الموعظة وهو الاتعاظ؟ يعني عندنا الآن أحكام: إذا طلقتم النساء فلا تعضلوهن، وعندنا موعظة، وعندنا حُكْم، وعندنا اتعاظ، فعلى أي شيء تعود هذه الإشارة؟ هل المعنى ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي عدم عضلكم أزْكى لكم؟ أو المعنى ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي اتعاظكم بهذه الموعظة أزكى لكم؟ * الطلبة: تشمل الجميع. * الشيخ: تشمل الجميع؛ يعني ذلكم المذكور من الأحكام والموعظة، والاتعاظ أزْكَى لكم؛ كما قلت: اسم تفضيل من الزَّكاء وهو النماء. ﴿وَأَطْهَر﴾ أطهر من أين؟ أطهر من الفحشاء؛ لأنك ربما إذا عضلتَها من زوْجها الذي عاد فخطبها، وقد كان بينهما شيء من العلاقة من قَبْل ربما يُوسْوس لهما الشيطان فيحصُل منهما ما يحصل من الفاحشة؛ لأنه ما خَطَبَها ولا رَضِيَت به إلا وبينهما مودَّة ومحبة؛ فإذا عضلتموهن فربما يحصل ما يحصل من الفحشاء؛ ولهذا قال: ﴿أَطْهَر﴾. وتأمل أن الله عز وجل يذكر فيما يتعلق بالفواحش من التنزُّه عنها يذكر أن ذلك أزْكَى لما فيه من العِفَّة وطهارة القلْب التي بها يزكو العمل والإيمان وينمو. ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أطهر من أين؟ * طالب: من المعاصي. * الشيخ: من المعاصي، أو التهم، أو ما أشبه ذلك. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الجملة هنا اسمية في إسناد الله العلمَ إلى نفسه، وفي نفي العِلم عن عباده. قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ هذه جملة اسمية مُبتدِئة باسم. وقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ حذف المفعول لإفادة العموم؛ لأنه إذا حُذف المفعول من الفعل المتعدي صار شاملًا لكل ما يحتمله، وهو يعلم الحاضِر والمستقبل والماضي، وما يُصلحكم وما لا يصلحكم، وماذا تمتثلون، ومن يمتثل مِنكم ومن لا يمتثل؛ المهم أنه عام. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا هو الأصل في الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [النحل ٧٨]. فالأصل في الإنسان الجهل؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم يُحصِّل العلم شيئًا فشيئًا ممن حوله ومما سمعه وشاهده حتى ينمو علمه؛ وعلى هذا فنفي العِلم هنا باعتبار أيش؟ باعتبار أصل الإنسان أنه ليس بعالم، وإلَّا فإن الإنسان يعلم كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] فالإنسان لا شكَّ أنه يعلم؛ لكن الأصل فيه عَدَم العِلم لولا أن الله سبحانه وتعالى يُعلِّمه؛ ولا فرق في ذلك بين ما طريقه الوحي، وما طريقه الحِسّ، وما طريقه الفِطْرة؛ لأن طُرُق العِلْم مُتعددة؛ فالوحي من طرق العلم ولَّا لا؟ والحس من طرق العلم، وهو الذي يشاهده الإنسان بعينه، أو يسمعه بأذنه، أو يحسه بيده، أو بشمه، أو بذوقه؛ هذه من طُرق العلم؛ ومن طرق العلم أيضًا الفطرة فإن الإنسان مفطور على توحيد الله سبحانه وتعالى والإنابة إليه. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة ٢٣١]. * من فوائد الآية الكريمة: أن لكل طلاق أَجَلًا؛ لقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، وما هذا الأجل؟ الأجل هنا مُجمل، لكنه مُبيَّن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وغيرها من الآيات الدالة على العِدَّة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن يأتي مُجملًا أحيانًا ومُفصَّلًا أحيانًا، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود ١]. وفائدة الإتيان بالإجمال ثم التفصيل فائدته: أنه إذا ورد النص مجملًا فإن النفس تتطلع إلى معرفة ذلك الإجمال، وبيان ذلك المُبهم فيكون ذلك أشدَّ لها طلبًا للعِلْم ولَّا لا؟ لكن لو جاءها الشيء بارزًا مُفصَّلًا من الأول ما يكون هناك معها شغف للوصول إلى العلم؛ فإذا ذُكر مُجملًا صارت النفس تتطلب الوصول إلى بيان هذا المجمل فيكون هذا طريقًا من طُرُق تثبيت العلم. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المراجعة بعد تمام العِدَّة؛ لقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾، وجه الدلالة: أن قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ جواب للشرط في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُم﴾، ﴿فَبَلَغْنَ﴾؛ وهذا يقتضي أن يكون الإمساك أو التسريح بعد بلوغ الأجل. ضرورة أن المشروط يقع بعد الشَّرْط، المشروط اللي هو جواب يقع بعد الشرط؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن للزوج أن يُمسك حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، فلو طهُرت في الصباح بعد الفجر بعد أن طلعت الشمس ثم لم تغتسل إلا لصلاة الظهر؛ وراجعها زوجها فيما بين طهارتها واغتسالها فهو عند الإمام أحمد جائز وله أن يراجع؛ ولكن كثيرًا من أهل العِلم يرون أنه ينتهي وقت المراجعة بالطهارة من الحيضة الثالثة، وعلى هذا الرأي يحتاجون إلى تأويل قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى أن المعنى: قاربن البلوغ حتى يتمكن الزوج من المراجعة. ولكن ما ذهب إليه الإمام أحمد هو الصحيح؛ لأنه هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم، ويكون هذا من باب التوسيع على الزوج؛ لأنه قد يندم فيرجع؛ وهو نظير ثبوت الخيار بين المتبايعين ما داما في المجلس وإلا فإن العقد قد تم بالإيجاب والقبول، لكن لهما الخيار ما داما في المجلس توسعة عليهما، وهذا شيء معلوم في غريزة الإنسان وطبيعته أنه إذا مُنِع من الشيء صار في شوق إليه، فإذا حصَّله قد يزهَد فيه، فهذه السلعة عند فلان مثلًا أنا تجدني في شوق وشفقة إلى الحصول عليها، فإذا دخلت في مُلكي ما يكون في قلبي لها من الشوق مثل ما كان قبل ذلك. وعلى هذا فيكون الصحيح ما قاله الإمام أحمد رحمه الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب المعاشرة بالمعروف حتى بعد الطلاق؛ لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لئلا يؤذي الإنسان زوجته بالقول، أو بالفعل، أو بمنع الحقوق، أو ما أشبه ذلك. ومنه نعرف أن ما يجري بين الأزواج أحيانًا من المشاحَّة وادِّعاء الزوج ما يكون لزوجته من الأمتعة التي أعطاها إياها في المهر، أو فيما بعد ذلك؛ تجده مثلًا عند الطلاق يشاحنها يقول لها: أعطني كل شيء حتى إن بعضهم يطالبها بالحُلي الذي أعطاها، نسأل الله العافية، فهذا خلاف المعروف الذي أمر الله به. * ومن فوائد الآية الكريمة: عِناية الله عز وجل بعباده في أن يتعاملوا بينهم بماذا؟ بالمعروف سواء في حال الاتفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأن ذلك هو الذي يُقيم وَحْدة الأمة؛ فإن الأُمَّة إذا لم تتعامل بالمعروف بل بالمنكر تفرَّقت واختلفت، ولم تكن مُمثِّلة للأمة الإسلامية حقيقة؛ الأمة الإسلامية أُمَّة واحدة كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران ١٠٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم إمساك الْمُطلَّقة للمضارَّة؛ لقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾. فهل يُستفاد منه أن كل من عامل أخاه ضِرارًا فهو واقِع في الإثم؟ نعم، قياسًا على هذه المسألة؛ يُستفاد من هذا بالقياس: أنه لا يحل لأحد أن يعامل أخاه المسلم على وجه المضارة، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٣٥)، والترمذي (١٩٤٠) من حديث أبي صرمة.]] وجاء في الحديث الآخر: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» »[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس.]] فالمضارة بين المسلمين مُحرَّمة؛ ولهذا قال الله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المضارَّة عدوان؛ لقوله: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ سواء كانت اللام للعاقبة، أو كانت اللام للتعليل؛ يعني سواء كان الإنسان قصد في المضارة الاعتداء أو لم يقصدها، لكن هي نفسها عدوان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النفسَ أمانة عند الإنسان يجب أن يرعاها حق رعايتها؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. ومنها: تحريم ظُلم الإنسان نفسَه؛ لأن الله نهى ثم قال: من فعل ذلك فقد ظلم نفسه. * ومن فوائدها: أن فِعل المعاصي ظُلم للنفس، لا يقول الإنسان: أنا حُرّ، بأفعل، ويش عليكم أنا صابر على العذاب؛ نقول له: خطأ؛ فأنت لا يحل لك أن تظلم نفسك؛ إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» »[[أخرجه مسلم (٩٩٧ / ٤١) وبقيته: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا».]] في حصول المطلوب، فكذلك في النجاة من المرْهوب، ابدأ بنفسك، كما أنك تعلم أن ظلم الغير عدوان وحرام؛ فظلم نفسك أيضًا عدوان وحرام. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير البالغ من العدوان على الغير؛ حيث قال: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ لأن الظالم لغيره قد يَتصور في مَخيلته أنه ظالم لهذا الْمُعتدَى عليه، وهو في الحقيقة ظالم لنفسه. هل يمكن أن نأخذ منها أنه يجب على الإنسان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ * طالب: نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه جَعَلَ ظُلم الغير ظُلمًا للنفس، وعلى هذا فكما أنك لا تُحب أن تظلم نفسك فيجب أن لا تظلم غيرك؛ كما أنك إذا تبيَّن لك أنك في ظُلم غيرك معتدٍ، فأنت في ظُلم نفسك كذلك معتدٍ. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتخاذ آيات الله هُزُوًا؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. ومنها: أن المخالفة نوع من الهُزْء؛ وهذه مسألة خطيرة جدًّا؛ مخالفة أمر الله والوقوع في ما نهى عنه نوع من الهزء؛ كيف ذلك؟ لأنك إذا آمنت بأن الله عز وجل هو الرب العظيم الذي له الحكم وإليه الحكم ثم عصيته كأنك تستهزئ بهذه العَظمة وتستهتر بها، لو أن ملكًا من الملوك -ولله المثل الأعلى- نهاك عن شيء، ثم إنك أمامه وفي عينيه تُخالف هذا الأمر ألا يمكن أن يقول لك: أنت تستهزئ بي؟ أنا أمرتك تخالف أمامي؟ أو أنهاك تفعل ما نهيتك عنه أمامي؟ فالمعصية نوْع من الاستهزاء بالله عز وجل، وإن كانت ليست النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام؛ لأن النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام في الاستهزاء أن يستهزئ حقيقة سُخريًّا، مثل أن يسخر بالأذان، يقول: لأيش الأذان؟ الأذان من قبل اليوم، الناس ما عندهم ساعات، أما الآن ما حاجة إلى الأذان؛ هذا يعتبر تحصيل حاصل ولا حاجةَ إليه، أو يسخر بالمؤذن كيف يقوم ويرفع صوته بهذا النداء؛ أو يسخر بالمصلين، هذا مُخرِج عن الملة؛ فالاستهزاء بحُكم من أحكام الله غير مخالفة الحكم؛ مخالفة الحكم نوْع من الاستهزاء كما أنها نوْع من الشرك، لكنها غير الشرك الذي يُصطلح عليه؛ وليس بالاستهزاء الذي يخرج من الملة؛ إنما المخالفة لا شك أنها نوع من الاستهزاء كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ذكر نعمة الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. وهل المراد ذِكرها في نفسك بأن تتذكرها وتُفكِّر فيها وتؤمِّل فيها، أو ذكرها أمام الناس بالقول، أو ذكرها أمام الناس بالفعل؟ يشمل الجميع، لكن ذكرها أمام الناس سواء كان بالقول أو بالفعل يجب أن لا يكون على سبيل الافتخار عليهم؛ فإن كان على سبيل الافتخار عليهم فإن الله لا يُحب كل مختال فخور، يجب أن يكون من باب إظهار فضل ذي الفضل، وأن الله عز وجل أنعم عليه بهذه النِّعمة، كما لو كان الإنسان قويًّا فأظهر نِعمة الله عليه بالقوة، بالشجاعة، والمدافعة، وإعانة الرجل في دابته، وما أشبه ذلك، أو تَحدَّث بنِعمة الله، قال: الحمد لله، أنا في قوة وفي صحة، وأعطاني الله تعالى مالًا، أعطاني ولدًا، وما أشبه ذلك على سبيل إظهار نِعمة الله عز وجل، لا للافتخار على الخلق؛ فهذا داخل في الآية: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. وأما ذِكرها في القلب فظاهر يكون الإنسان دائمًا محتقرًا لنفسه أمام نعم الله، عالمًا بأنها محض مِنَّة من الله عز وجل؛ لا يكون كالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل يقولها بقلبه، وكذلك يتحدث بها بلسانه بأن هذا محض فضل من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى لو شاء لسلبك هذه النعمة، كما أنه سلبها أناسًا كثيرين تعرفهم أو لا تعرفهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مِنَّة الله علينا بإنزال الكتاب والحكمة أعظم من كل نِعمة؛ من أين تؤخذ؟ من تخصيصها بعد التعميم؛ لأن التخصيص بعد التعميم يدل على فضْل المختص؛ وعلى هذا فما أنزل الله علينا من الكتاب والحكمة أعظم مِنَّة مَنَّ الله بها علينا وأعظم نعمة؛ وذكر نعمة الله بما أنزل علينا سبق لنا أن المراد أن تُثني على الله بذلك، وأن تقوم بتنفيذ ما أمرك به وما نهاك عنه. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. قلنا: إنه يستفاد من الآية الكريمة: أن ما أنزل علينا من الكتاب والحكمة أعظم من كل نِعمة؛ ووجه ذلك: التخصيص بعد التعميم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن ما أنزله الله إما أن يكون عينًا قائمة بنفسها، أو صفة قائمة في عين ففي هذه الحال يكون مخلوقًا، وأما إذا أُطلِق الإنزال، وليس عينًا قائمة بنفسها، ولا وصفًا في عين قائمة بنفسها فهو من صفات الله عز وجل. مثال العين: قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة ٢٢] ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]. مثال الوصف في عين قائمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح ٤]. فأنزل السكينة، السَّكِينة هذه صفة في قلْب المؤمن، والمؤمن عيْن قائمة بنفسها فتكون هنا مخلوقة، السكينة مخلوقة وكذلك الحديد والماء النازل من السماء مخلوق، أما هنا الكتاب، فالكتاب كلام الله عز وجل، والكلام صِفة في المتكلِّم، فإذا قال الله إنه أنزل علينا الكتاب عُلم أن هذا الكتاب من صفات الله عز وجل؛ فيكون من كلامه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن شريعة الله عز وجل كلها حِكمة؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أنه لا حاجةَ إلى أن نسأل عن الحكمة في تشريع بعض المشروعات التي نجهل حكمتها؛ لأن من الأشياء المشروعة ما لا نعلم حكمته، لو قال قائل: ما الحكمة في كون صلاة الظهر أربعًا لا ثمانيًا ولا سِتًّا؟ ويش الرد؟ * الطالب: ما نعلم الحكمة. * الشيخ: ما نعلم الحِكمة؛ طب وهل لها حكمة؟ نعم لها حِكمة، لكننا لا نعلمها؛ ولهذا كان الواجب على المسلم من أحوال أحكام الشرعية أن يكون مُستسلمًا لها مُطلقًا؛ سواء علِم الحكمة أم لم يعلم، فأما من لم يستسلم ولم يطمئِنَّ للحُكم إلا بعد معرفة حكمته ففي الحقيقة أنه ما تعبَّد لله بشرعه وإنما تعبد بماذا؟ بهواه؛ سألت مُعاذةُ عائشة رضي الله عنها قالت: «ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ » ما قالت: الحكمة كذا وكذا، قالت: «كان يُصيبُنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤْمر بقضاء الصلاة. »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له، من حديث مُعاذة العدوية.]] هذه الحكمة. فإذن أحكام الله عز وجل ليس من حقنا أن نسأل عن حكمتها بِناءً على أنه لا يتم استسلامنا لها إلا بمعرفة الحكمة؛ أما السؤال عن الحِكمة من باب الاسترشاد، فإن هذا لا بأس به؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام عن حِكمة بعض الأشياء ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]. فالسؤال عن الحِكمة استرشادًا هذا لا بأس به، بل هو من طلَب العلم؛ والسؤال عن الحكمة بحيث لا يَستسلم الإنسان للحُكم ولا ينقاد إلا بمعرفتها فهذا خطأ. ويُستفاد من الآية الكريمة: أن ما جاء في كتاب الله فإنه موعظة يتعظ بها العبد، والاتِّعاظ معناه أن الإنسان يجتنب ما فيه مضرَّة إلى ما فيه منفعة؛ وَعَظْتُه فاتَّعظ؛ يعني انتفع وتَرَكَ ما فيه المضرة إلى ما فيه المصلحة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رحمة الله عز وجل؛ وأن الله تعالى ذو رحمة واسعة؛ من أين تؤخذ؟ مِن إنزال الكتاب والحكمة؛ لماذا؟ لمصلحتنا لِنتعظ به؛ فرحمة الله تُعرف بآثارها. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب التقوى؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. وقد سبق تعريفها أنها امتثال أمْر الله واجتناب نهيه. * ومن فوائدها: عُموم عِلْم الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ومن فوائدها أيضًا: التحذير؛ تحذير المرء من المخالفة، ما وجهه؟ * طالب: أن الله بكل شيء عليم. * الشيخ: أنه إذا علِم بأن الله بكل شيء عليم حذِر من مخالفته؛ ولهذا أعقبها بعد الأمر بالتقوى، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا﴾ وصدَّر ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ للتنبيه؛ لأنه إذا قيل: اعْلم كذا فهو زيادة تنبيه. وهذا كقوله في آخر السورة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] فيُعْقب الأمر بالتقوى لبيان إحاطة علمه بكل شيء حتى نحذر ولا نتهاون. وفي الآية ردٌّ على غُلاة القدريَّة الذين يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العِباد حتى تقع منهم؛ لكن هذا كان الغلاة يقولونه قديمًا، قال شيخ الإسلام: ومنكروه اليوم قليل؛ إنكار العلم قليل، لكنهم -كما تعرفون، أي القدرية- يقولون: إن للعبد مشيئة وقُدرة مستقلة عن الله عز وجل. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى آخره.يستفاد من هذه الآية ومما قبلها: شدة عناية الله سبحانه وتعالى بأمر النكاح والطلاق؛ لأنه من أهم العُقود وأخطرها؛ ولهذا جاء فيه من التفاصيل ما لم يأتِ في غيره. ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا نِكاح قبْل انقضاء العِدَّة؛ لقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وهو كذلك فإن النكاح في العِدَّة باطِل إلا ممن كانت العِدَّة له، يمكن؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يمكن، كيف ذلك؟ * الطالب: طلقة رجعية. * الشيخ: لا، هذا ما هو نكاح، لو طلقها على عِوض، خُلع؛ ففي هذه الحال تَبِينُ منه ولا يمكن يُراجعها بمجرد: راجعت زوجتي، بل لا بد من عَقْد، والعقد هنا جائز ولَّا لا؟ نعم جائز؛ لأنه ممن له العِدة. أما من غيره فإنه لا يحل العقد. وهل تحل به المرأة؟ الجواب: تحِل بعقد بعد انقضاء العدة؛ وقال بعض العلماء: إنها لا تحِل، ولو بعد انقضاء العدة لمن تزوجها وهي في العدة، والصحيح أن ذلك يرجع إلى رأي القاضي، وأنه إذا رأى حِرمان هذا الذي تزوجها في عدتها حرمانه منها مُطلقًا فله ذلك كما يُذكر عن عمر رضي الله عنه[[أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٠٠٦).]]؛ لأن القاعدة المعروفة الشرعية: مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه على وجه مُحرَّم عوقب بحرمانه. فللقاضي أن يمنعه من النكاح بها مطلقًا، يقول: ما يمكن يتزوجها؛ لكن جمهور أهل العلم على حِلِّها لهذا الذي عَقَدَ عليها بعد انقضاء العدة. ويُستفاد من الآية الكريمة: تحريم منع الولي مَوْلِيَّتَهُ أن تنكِح من رضيته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. ويُستفاد منها أيضا: أن النكاح لا بُدَّ فيه من ولي، وأن المرأة لا تُزوِّج نفسَها؛ وجهه؟ * الطلبة: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. * الشيخ: وجهه من هذه الجملة أنه لو كانت تملِك العقد لنفسها ما كان لِعضل وليها تأثير، ما كان له تأثير، عَضَل أو لم يعضُل تبغي تزوج نفسها؛ فلولا أن عضله مُؤثر ما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. هكذا استدل كثير من أهل العلم بهذه الآية؛ وربما يُنازِع مُنازِع في دلالتها على ذلك؛ لأنه قد يقول: إن الله نهى عن منعهن، والإنسان قد يمنع بحسب العادة والعُرف ابنته أو مَوْلِيَّتَهُ من أن تنكح زوجًا آخر، وإن كان ذلك يمكنها أن تتزوج هي بنفسها؛ لأنها لا تريد أن تخالفه مخافة الْمَعَرَّة، واللوم من الناس؛ يقال: منعها أبوها وراحت تزوج نفسها؛ يعني بمعنى أن الآية ليست واضحة صريحة في أنه لا يمكن النكاح إلا بولي؛ لأنه من الممكن أن يكونَ لها حق تزويج نفسها لكن يأتي أبوها ويقول: إن زوجتِ نفسك قتلتك؛ ممكن، يكون عَضَلَها مع أنه يُمكن أن تَزَوَّج؛ كما لو قال لها: إن بعتِ بيتَكِ قتلتُكِ مثلًا؛ صار مَنَعَها أن تبيع البيت أو لا؟ لكن لو باعته صح البيع ولها ذلك. * طالب: والجواب على ذلك، يا شيخ؟ * الشيخ: الجواب أنه إذا وُجد الاحتمال سقط الاستدلال، ولكن هناك آيات أخرى تدل على اشتراط الولي مثل قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١] وفيها أيضًا من فوائد الآية: إطلاق الشيء على ما مضى أو ما يُستقبل مع أنه في الحال لا يَتَّصف به؛ قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢]؛ لأنه إن كان المراد من طُلِّقت ثم أراد زوجها أن يعود عليها فهم أزواجهن باعتبار ما مَضَى؛ وإن كان المراد الخطّاب فهم أزواجهن باعتبار المستقبل. وقد جاء التعبير عن الماضي والمستقبل في القرآن: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء ٢] مع أنهم حين إتيان المال قد بلغوا وزال عنهم وصف اليتم. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦] وهو لا يعْصر الخمر، لكنه يعصر عنبًا يكون خمرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار الرِّضا في العقد في النكاح سواء كان من الزوج أو من الزوجة؛ لقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والرِّضا شرط لصحة النكاح سواء كانت الزوجة صغيرة أو كبيرة، وسواء كان المزوِّج أباها أم غيرَه على القول الراجح؛ وأنه ليس للأب ولا لغيره أن يُجبر المرأة على النكاح لعُموم قول النبي ﷺ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». قالوا: كيف إذنها يا رسول الله؟ قال: «أَنْ تَسْكُتَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] وورد في صحيح مسلم: «البِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» »[[(١٤٢١ / ٦٨).]] وهذا صريح في أنه لا يحل لأحد أن يُزوِّج ابنته وهي كارهة، بل لا بُدَّ من رضاها؛ والمعنى يقتضيه أيضًا؛ لأنه إذا كان الأب لا يملك أن يبيع حبَّة من مالها إلا برضاها، فكيف يملِك أن يبيع نفسها بدون رضاها؟! لو أن الرجل أكره ابنته على أن تشتري هذا البيت ويش حكم العقد؟ غير صحيح؛ مع أنه بإمكانها إذا اشترت البيت وهي كارِهة أن تبيعه، أن تبيعه بعد يوم أو يومين؛ فكيف يملك أن يُكرهها على أن تتزوج برجل لا تريده؟! الشريعة ما يمكن أن تأتي بإباحة هذه وتحريم البيع، هذا بعيد؛ لأنا نعلم أن الشريعة جاءت من لدن حكيم خبير جل وعلا؛ فالصواب بلا شك أنه لا يحل لإنسان أن يُجبر ابنته البالغة على نكاح لا تريده مهما كان، لكن إذا أرادت إنسانًا ليس مرضِيًّا في دينه وخلقه فللولي أن يمنع، وفي هذه الحال لو بقيت لم تتزوج طول عمرها فليس عليه شيء؛ لأنه مأمور بذلك، وما ترتب على المأمور فغير محظور، فإن قلت: يرد على ما قلت تزويج أبي بكر عائشة بالنبي ﷺ ولها ست سنين؟ ويش تقول لهذا؟ نقول: هات زوجة مثل عائشة وزوجًا مثل النبي عليه الصلاة والسلام ونحن نقول: زوجها ولها سنتان، لكن أين هذا؟! هل يُعقل أن عائشة تُعارِض لو بلغت عشرين سنة تعارض بزواجها من الرسول الله ﷺ؟ * الطلبة: لا يمكن. * الشيخ: أبدًا؛ بل لما خيَّرها بأمر الله، أول من خير من نسائه ويش قالت؟ قالت: أختار الله ورسوله، لما قال: «شَاوِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف عليه الصلاة والسلام أن تستعجل فتقول: اخترت نفسي، «قالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٧٨٥)، ومسلم (١٤٧٥ / ٢٢) من حديث عائشة.]]، القصة معروفة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٨] أعطيكُنَّ متاعًا، وأسرِّحْكُن سراحًا جميلًا بقول لين لطيف، وفي أمان الله ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [الأحزاب ٢٩] فهذا إحسان عظيم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أول من بدأ عليه الصلاة والسلام، شوف امتثاله لأمر ربه ﷺ؛ ما راح يبدأ إلا بأغلى النساء عنده، وأحب النساء إليه. وهي أيضًا أشبّ نسائه، بمعنى أنها قد تختار الحياة الدنيا وزينتها، فاجتمع في حقها السبب المقتضي لاختيار الدنيا، وشدة الأمر على رسول الله ﷺ لو أنها اختارت الدنيا، مع أن المصلحة لها لمّا خيّرها قال: «لَا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، يعني تستشيري أبويك، خاف أن تتعجل وتتسرع، لكنها رضي الله عنها قالت: يا رسول الله أفي هذا أسْتَأمِرُ أبَوَيّ؟ إني أريدُ اللهَ ورسولَهُ والدارَ الآخرَةَ »[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٧٨٦)، ومسلم (١٤٧٥ / ٢٢) من حديث عائشة. ]]، فانظر إلى ما حصل من أن المرأة حتى بعد بقاء العقد يمكن أن تُخَيَّر، فالمهم أنه لا يمكن أن تُجبر امرأة على نكاح من لا تريد، والاستدلال بحديث عائشة استدلال في غير محله؛ لأن عائشة -كما تشاهدون- خُيِّرت واختارت أيش؟ * الطلبة: الله ورسوله. * الشيخ: اختارت الله ورسوله، فمن اختارت الله ورسوله بعد أن خُيِّرت هل يمكن أن تعارض في أن يتزوجها الرسول ﷺ؟ أبدًا، مع أن الغيرة في النساء إذا خُيِّرت وقال لها زوجها: تبغين تقعدين عندي على التقشف وعلى ما أنا عليه من العيش، أو تبغين الدنيا تروحين لفلان وفلان، الغالب على المرأة أنها تأخذها الغيرة وتزعل، تقول: اللي ما يبغينا ما نبغيه، ومن باعنا بالرخص بعناه ببلاش، لكن على كل حال الصحيح بلا شك أنه لا بد من رضا الزوجة، وأدلتها من القرآن والسنة واضحة. ويُستفاد من الآية الكريمة: أن المرأة لو رضيت الزوج على وجه غير معروف، بل على وجه منكر لا يقره الشرع فإنها لا تُمَكَّن من ذلك؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، فلو أن المرأة رضيت هذا الخاطب لفسقه وانسلاخه من الدين، لكن ما وصل إلى حد الكفر، فهل لوليها أن يمنع؟ نعم له أن يمنع؛ لقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ولو قالت: رضيت به بلا مهر، أنا أبغيه بلا مهر لا تأخذ منه شيء، له أن يمنعها؟ له أن يمنعها؛ لأنه من شرط صحة النكاح المهر، ولهذا إذا شُرِط نفي المهر فالصحيح أن النكاح باطل، أما إذا سُكِت عنه فالنكاح صحيح ولها مهر المثل، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فهنا فرق بين أن يُسكت عن المهر وبين أن يُشرط عدم المهر. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الحِكَم أو أن الأحكام كلها مواعظ؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه -كما تقدمنا في التفسير- كل ما سبق من ذكر الأحكام يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن فوائدها أيضًا: أن مواعظ القرآن لا تنفع غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فإذا وجدت نفسي لا أتعظ بمواعظ القرآن فيجب أن أتهمها، يجب أن أتهمها، كيف؟ تقول: لِمَ ويش الدليل؟ لأن الله بيّن أن المؤمن بالله واليوم الآخر لا بد أن يتعظ بأحكام القرآن، فإذا وجدت من نفسك أنك لا تتعظ فاتهمها، فتِّش، قد يكون في القلب شيء أخل به، ولا تعتمد على الرسوم الظاهرة، لا تعتمد على إصلاح الصلاة ظاهرًا بالحركات والأقوال، ولا على كثرة الذكر باللسان؛ لأن هذا أحيانًا لا يصل إلى القلب، فلا ينتفع به، قد نصلي وقلوبنا غير حاضرة، حينئذ ما ننتفع بالصلاة، يكون يحول بين هذا السقي وبين عروق الشجرة حجر أصم لا ينفذ الماء من ورائه، ونحن نحس بذلك عندما نقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، بالله عليكم هل أنت إذا سلّمت من الصلاة تشعر بأنك تكره الفحشاء والمنكر أكثر مما تكرهها قبل أن تصلي؟ الجواب؟ * طالب: لا. * الشيخ: الجواب لا، لنكن صريحين، الجواب لا، إلا أن يشاء الله، أحيانًا يجعل الله عز وجل في القلب نورًا يحضر جدًّا في الصلاة حتى كأنك تخاطب الله سبحانه وتعالى، وأنت تخاطبه لا شك، لكن يحضر القلب فيجد الإنسان من هذه الصلاة لذة لا ينساها، ويجد بعد انصرافه كراهة للفحشاء والمنكر وحبًّا للخير، ويود أنه يبقى مع الله دائمًا في هذه الحال، فلهذا أنا أقول: إننا يجب أن نحاسب أنفسنا بمثل هذه الموازين، هل مواعظ القرآن هل ننتفع بها؟ ننظر، كلما كنا أشد انتفاعًا بمواعظ القرآن فنحن أكمل إيمانًا، وكلما نقصنا فالإيمان ناقص. وفي الآية دليل على إثبات اليوم الآخر وهو يوم القيامة، ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ويشمل الإيمانُ باليوم الآخر يشمل الإيمانَ بكل ما ذُكر في ذلك اليوم من البعث والحساب والصراط والحوض ودنو الشمس والعرق وغير ذلك مما ذُكر في الكتاب والسنة مجملًا أحيانًا ومفصلًا أحيانًا؛ بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت حتى فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر، وسمي ذلك اليوم اليوم الآخر، مر علينا نعم، ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ تزكية تنمي النفس، تنمي الإيمان، تنمي الأخلاق، تنمي الآداب، فهنا قال: ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ ولم يقيِّد محل الزكاء؛ ليكون ذلك عامًّا في كل شيء، وكل إنسان يطلب الزكاء، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠] إذن فيستفاد من ذلك: أنه كلما كان الإنسان أشد تطبيقًا لأحكام الله كان ذلك أزكى له. ويستفاد من ذلك أيضًا: أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان، أطهر لقلبه ولّا لبدنه؟ * الطلبة: لقلبه. * الشيخ: لقلبه؛ لأن بعض الأحكام ما لها تعلق بتطهير البدن، الوضوء والغسل فيه تعلق لتطهير البدن لكن بعضها ليس فيه، لكن أطهر للقلب، ولكن ثِق بأنه كلما طهر القلب طهر البدن، ولذلك تجد عند الإنسان المؤمن حقًّا عنده من الحيوية والنشاط والسرور والفرح ما ليس عند غيره، يُعرف ذلك في وجهه، الإنسان - والعياذ بالله - صاحب المعاصي مظلم الوجه، كاسف البال، لو فرح بما فرح من زهرة الدنيا أحيانًا فهو فرح خادع، لكن المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام وامتلأ قلبه بنور الله وهدايته ليس كذلك، فقد نقول أيضًا: إن طهارة القلب؛ بل نقولها، ما هو قد، نقول: إن طهارة القلب لا شك أنها تطهر البدن، وأسعد الناس بالدنيا أطهرهم قلبًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى نقص الإنسان في علمه؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ووجه النقصان، أو وجه إثبات نقصانه بطريقين: إثبات العلم لله، ونفيه عن الإنسان؛ لأن النفي فقط ما يدل على شدة النقص، لكن نفي مع إثبات أشد، فمثلًا أنا إذا قلت لك: أنا أعلم وأنت ما تعلم، أشد وقعًا في قولي: أنت لا تعلم، ولهذا من أدب إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أبيه أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]، ما قال: إني أعلم منك، أو إنك ما عندك علم، فالمراتب ثلاثة، تارة يقول الإنسان: أنا عندي من العلم ما ليس عندك، وهذا ألطف ما يكون؛ لأن هنا يُشعِر بأن لدى المقابل علمًا، لكن أنا عندي ما ليس عندك، ولا يلزم من قول الإنسان لغيره: أنا عندي من العلم ما ليس عندك، أن يكون أعلم منه؛ لأنه قد يكون عندي علم مثلًا بالنجارة وأنت ما عندك علم بالنجارة، لكن عندك علوم أخرى أكثر من النجارة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ثانيًا: أن يقول: أنت لا تعلم هذا الشيء، وهذه أشد من الأولى؛ لأنه نفى عنه العلم، وتارة يقول: أنا أعلم وأنت ما تعلم، هذه أشد؛ لأن فيها إثبات فضل المتكلم على المخاطَب، وفيها انتقاص أيش؟ المخاطَب، وهنا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فإذا كان الله يعلم ونحن لا نعلم فإن مقتضى ذلك أن نستسلم غاية الاستسلام لأحكامه سبحانه وتعالى، وأن لا نعارضها بعقولنا مهما كانت العقول إذا خالفت الشرع فليست بعقول حقيقة، ولهذا ينعى الله عز وجل على الكفار والمشركين ينعاهم بعدم العقل، فكل ما خالف الشرع فليس بعقل، نسميه ذكاء وعقل إدراك، ولكنه ليس عقل تصرف ورشد، وما أحسن عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال في أهل الكلام: إنهم أُوتُوا فهومًا ولم يُؤْتَوا علومًا، عندهم فهم لكن ما عندهم علم، وأُوتُوا ذكاء ولم يؤتوا زكاء، أوتوا ذكاء؛ عندهم ذكاء عندهم فهم لكنهم حُرِمُوا من العلم ومن الزكاء الذي هو ثمرة العلم، ترى ولم يؤتوا زكاء، من أين؟ من التزكية الزكاء، المهم أن الله بيَّن لنا في هذه الآية كماله جل وعلا ونقصه، وما أحسن مثل هذا الجمع أن يبيّن نقص الإنسان وكمال الخالق، أن يبين نقص المخلوق وكمال الخالق، اقرأ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧]، ولهذا ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وإن كانت آية مستقلة لكن مرتبطة بما قبلها ارتباطًا وثيقًا حتى يتبين كمال هذا ونقص هذا، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ والله عز وجل لا يريد من هذه الآية أن يبين أن الناس فانون، أو أن الناس يفنون، إنما يريد بيان نقص البشر أو نقص الخلق وكمال الخالق، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾، هنا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، والنفي هنا قد يقول قائل: هل هو سلب مطلق أو سلب إضافي؟ * طالب: إضافي. * الشيخ: إي نعم إضافي نسبي، وليس سلبًا مطلقًا؛ لأن لدينا علمًا لكن ناقص كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فنحن عندنا علوم ولكنها قليلة ولا تُنسب إلى علم الله سبحانه وتعالى، ثم قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾.. * طالب: (...) الأولى؟ * الشيخ: أو المعروف؟ المعروف واجب والإحسان سنة، ذكرنا هذا. * طالب: الفاء في قوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ على ماذا تدل؟ * الشيخ: على ماذا عُطفت؟ * الطالب: على ماذا تدل؟ * الشيخ: على أنه من حين ما تبلغ أجلها فهو إما إمساك أو تسريح. * * * (...) حتى نعرف ويش نقول. المفوضة الذين يقولون: إننا نقرأ آيات الصفات وأحاديثها ولا نقول فيها شيئًا، لا نثبت معنى خلاف الظاهر ولا معنى يوافق الظاهر، بل نفوض أمرها إلى الله، ونقول: ما علينا إلا التلاوة فقط، وأنها بمنزلة ألف باء تاء ثاء جيم حاء خاء إلى آخره، كأنها حروف هجائية ما لها معنى، على أن بعضهم -بعض المفوضة- يتناقض ويقولون: نحن لا ندري ماذا أراد الله بها، لكننا نعلم أنه لم يُرِد ظاهرها، طيب كيف بالأول تفوضون ثم تتناقضون؟ تقولون: لم يرد ظاهرها، وقد بيّن شيخ الإسلام رحمه الله تناقض هذه الطائفة منهم، المفوضة هل نقول: إن هذه الآية ترد عليهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؟ لأننا إذا لم نعلم أن الله سبحانه وتعالى له علم يدرك به ما نفعل فلا فائدة من قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ﴾، نعم يمكن فيها رد، ولا شك أن مذهب المفوضة يا إخواني أخبث من مذهب أهل التحريف، أخبث، وهو شرّ أقوال أهل البدع والإلحاد كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الرد على المنطقيين، يقول: هذا القول من شرّ أقوال أهل البدع والإلحاد، يقول: وبه استطال الفلاسفة المنكرون للصفات، بل المنكرون لليوم الآخر، بل المنكرون للخالق، ويش قالوا دول أهل التخييل؟ قالوا: روحوا أنتم (...)، أنتم جُهّال مثل الصبيان، ما تدرون ويش الله أراد، لكن نحن الفحول الذين عرفنا ماذا أراد الله، ويش أراد الله؟ قالوا: أراد الله التخييل ما له حقيقة، ما فيه رب ولا جنة ولا نار ولا حساب ولا شيء، وما هو إلا تخييل، وقالوا: نحن أولى منكم أيها المفوضة، ويش لون أولى منا؟ لأننا عرفنا المراد وأنتم ما عرفتم المراد، وإن كان قولهم هذا بالمراد خطأ بلا شك كما سنبين قريبًا إن شاء الله، لكن الكلام على أن مذهب أهل التفويض يجعل الناس أميين، بل يجعلهم صبيانًا، كيف الله يُنزل علينا آيات في الوضوء والطهارة والصلاة وما أشبه ذلك ونعرف معناها، وما يتعلق بأسمائه وصفاته ما نعرفه، هذا معقول؟ غير معقول، ولا يمكن أن نعبد ربًّا حق العبادة إلا ونحن نعرف من أسمائه وصفاته ما تقوم به العبادة، أما الرد على أهل التخييل فلا يمكن إفحامهم وإقحامهم إلا بطريق مَن؟ السلف، اللي يقولون: نحن نعلم ماذا أراد ربنا بكلامه، وأنه حق على حقيقته، لكن الكيفية والحقيقة التي عليها هذه الصفات ما ندركها.

البقرة 2:233

(...) جملة ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبره، فالجملة خبرية لكنها بمعنى الإنشائية، أي بمعنى الأمر، قال أهل العلم: وإنما تأتي الجملة الخبرية بمعنى الأمر مبالغةً في تحققها وامتثالها، يعني كأن الأمر مفروغ منه ولا بد منه. وقوله: ﴿الْوَالِدَاتُ﴾ اسم فاعل يعني: اللاتي وَلَدن، ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُن﴾ (أولادهن) يشمل الذكور والإناث؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن الولد في اللغة العربية يطلق على الذكر والأنثى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]. وقوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، الحول بمعنى السنة وهي اثنا عشر شهرًا هلاليًّا، فإذا قيل: ﴿حَوْلَيْنِ﴾، فالمعنى سنتان أربعة وعشرون شهرًا، ثم أكد الله هذين الحولين بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾، فالصفة هنا بالكمال لئلا يتوهم واهم أن المراد بالحولين تمامهما أو ما قارب التمام، فقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة﴾ [البقرة ١٩٦]، فأكدها بـ(كاملة) مع أنها عشرة لئلا يتوهم واهم أنه لما انفصلت الثلاثة عن السبعة لم تكن عشرة، فبيّن الله أنها عشرة كاملة. وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ الجارّ والمجرور هنا لا بد له من متعلَّق كسائر المواضع كما قيل: لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــارِ مِنَالتَّعَـــــــــلُّقِ ∗∗∗ بِـــــــــــــــــــــــفِعْلٍ اوْمَعْنَـــــــــــــــاهُ نَحْوِ مُرْتَقِ ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَـــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًا وَلَعَـــــــلْفقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ﴾ هذا الجارّ والمجرور متعلق بماذا؟ قيل: إنه متعلق بقوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُن﴾، فيكون المراد بـ﴿مَنْ﴾ الأزواج؛ لأنهم هم الذين يُرْضَع لهم، كما قال الله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق ٦]، وعلى هذا فالجار والمجرور متعلق بالفعل ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُن﴾، يعني يرضعن الأولاد للذي أراد أن يتم الرضاعة، ممن؟ من الأزواج، وقيل: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: ذلك، أي: ذلك الحكم وهو إرضاع الوالدة ولدَها حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، فيكون المراد بـ﴿مَنْ﴾ الزوجات المرضعات، أو تكون شاملة لهن وللمولود له بخلافه على التقدير الأول. وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أي أن يأتي بها على وجه التمام؛ فإنها لا تنقص عن شهرين، وهل تزيد؟ * الطلبة: حولين. * الشيخ: نعم عن حولين، وهل تزيد؟ يُنظر في حال الطفل إن بقي محتاجًا إلى اللبن زيد بقدره، وإن لم يكن محتاجًا فقد انتهى، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ هي بالنصب على أن (أنْ) مصدرية، وقرئ شاذًّا ﴿أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ على أن (أنْ) مخففة من الثقيلة، قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وقوله: ﴿الرَّضَاعَةَ﴾ هي مصدر أو اسم مصدر بمعنى الإرضاع الذي يحتاجه الطفل، قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، الإعراب أظنه واضح، وهو أن ﴿عَلَى الْمَوْلُودِ﴾ جارّ ومجرور خبر مقدم، و﴿رِزْقُهُنَّ﴾ مبتدأ مؤخر، وأما ﴿لَهُ﴾ فهي متعلقة بالمولود، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ مَن المولود له؟ قد يكون الزوج، وقد يكون السيد إذا كانت الوالدة أمة، كذا؟ وقد يكون غير ذلك لو فُرِض، لكن ما يتصور إلا بالزوج أو السيد، وقوله: ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، ولم يقل: وعلى الوالد، قال بعضهم: لفائدتين، إحداهما لفظية والثانية معنوية، أما الفائدة اللفظية فهي التفنن في العبارة، والدة ومولود له، وأما الفائدة المعنوية فلأن الوالد موهوب له، فالولد هبة لوالده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، والبيهقي في الكبرى (٧ / ٤٨٠) من حديث عبد الله بن عمرو واللفظ له.]]، فكأنه موهوب له هذا الولد، وقال زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم ٥]، فلهذا عبر بقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ الرزق بمعنى ما يرتزق به الإنسان من طعام وغيره، وقوله: ﴿كِسْوَتُهُنَّ﴾ ما يكسو به الإنسان بدنه، وقد مر علينا أن الكسوة نوعان: كسوة ضرورية لا بد منها وكسوة كمالية ذُكِرَا في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف ٢٦]، فالريش لباس الجمال والزينة، والمواري للسوءة هو اللباس الضروري، وبيّنّا أيضًا فيما سبق الحكمة في أن الله تعالى جعل للإنسان كسوة خارجية منه غير متصلة به ككسوة الحيوان مثلًا، ما هي؟ أن يشعر الإنسان بأنه عارٍ إلا أن يفعل ما يكسو به عورته، وحينئذ ينتقل من العورة الحسية إلى العورة المعنوية، ومن اللباس الحسي إلى اللباس المعنوي، كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف ٢٦]. ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ متعلق بماذا؟ بـ(رزق)، يعني أن يرزقهن وأن يكسوهن بالمعروف، أي: بما تعارفه الناس بينهم، وبما أقره الشرع، فالمعروف من العبادات ما أقره الشرع، والمعروف من العادات ما أقره أهل العرف، وهنا إطعام الزوجة وكسوتها من العبادات أو من العادات، أو منهما؟ * الطلبة: الاثنان. * الشيخ: منهما جميعًا، ولهذا أوجب الله على الإنسان أن يرزق زوجته وأن يكسوها، فهو من العبادات لكنه حق لآدمي ليس حقًّا لله، وهو من العادات أيضًا لجريان العادة به، إذن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بما تعارفه الناس بينهم، وبما عرفه الشرع فأقره، وقوله هنا: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ يشمل الزوج المفارق والمصاحب، أي أنه يلزمه أن ينفق على المرضعة سواء كانت في حباله أم لم تكن، ولكن إن كانت في حباله فإنه يسمى نفقة، وإن كانت في غير حباله يسمى أجرة، كما قال تعالى في المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق ٦]، فإن قلت: الآية هنا تشمل كما ذكرنا المطلقة وغير المطلقة، وطعام غير المطلقة وكسوتها واجب بكل حال، أفلا يمكن أن تقولوا: إننا نوجب عليه مع النفقة الواجبة بالزوجية أجرة للإرضاع؟ قلنا: القول الراجح أننا لا نوجب عليه ذلك، لا نوجب عليه أجرة للإرضاع، فكأن الله لما قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ كأن سائلًا سأل: إذن ما الذي على المولود له؟ فبيّن أن على المولود له رزقهن وكسوتهن، وحينئذ بيّن الله عز وجل أن قيام الزوج أو قيام المولود له بالرزق والكسوة في مقابلة إرضاع المرأة ولدها، ثم إنه قد تكون المرأة مع زوجها ولا يجب الإنفاق عليها، متى؟ * طالب: إذا نشزت. * الشيخ: إذا نشزت، وفي هذه الحال يجب عليه أن ينفق عليها مقابل الإرضاع. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿تُكَلَّفُ﴾ التكليف معناه إلزام ما فيه مشقة، ولهذا إذا حملت شيئًا ثقيلًا قلت: هذا يكلفني، أو هذا كلفني، فالتكليف في اللغة إلزام ما فيه مشقة، يعني لا يلزم الله عز وجل نفسًا إلا وسعها أي طاقتها، وهذا شامل فيما يجب لله وفيما يجب بأمر الله لعباد الله؛ فإنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والتكليف هنا شرعي ولّا قدري؟ * الطلبة: شرعي. * الشيخ: شرعي؛ فإن الله لا يوجب شرعًا ولا يُلزم شرعًا بشيء لا يستطيعه الإنسان ولا يدخل تحت وسعه، أما قدرًا فإن الله عز وجل قد يكلف الإنسان ما يشق عليه ليبتليه هل يصبر أو لا يصبر، وهذا معلوم. وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ما الذي نصب ﴿وُسْعَهَا﴾؟ (يكلف) على أنه مفعول ثان لـ(يكلف)، والمفعول الأول (نفسًا)، وهذا النوع من الاستثناء يسمى استثناء مفرغًا؛ لتفريغ العامل للعمل فيما بعد (إلا)، ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وهذه القاعدة قاعدة عامة في كل شيء، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦]، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد ذكر ما يؤخذ من هذه القاعدة الشرعية العامة. ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ فيها قراءتان: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ و﴿لَا تُضَارُّ﴾ ، فعلى قراءة الفتح ﴿لَا تُضَارَّ﴾ نقول: (لَا) ناهية، و(تُضَارَّ) فعل مضارع منصوب بـ(لا) الناهية وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره، صح؟ * الطلبة: خطأ. * الشيخ: لا؟ * الطلبة: مجزوم. * الشيخ: عندنا الآن الفعل مفتوح. * طالب: لا تُضَارّ. * الشيخ: بالكسر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، إذن نقول: (لا) ناهية، والناهية ما تنصب، وليس في اللغة (لا) تنصب المضارع أبدًا، وعلى هذا فنقول: (لا) ناهية، ﴿تُضَارَّ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية وعلامة جزمه السكون وحُرِّك بالفتح لالتقاء الساكنين، فإن قلت: لماذا لم يحرك بالكسر؟ لأن التحريك بالكسر هو الغالب في التقاء الساكنين، مثل: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١]؟ فالجواب: أن الفتح أخف، فلهذا اختير الفتح، أما على قراءة الرفع فإن (لا) نافية، ولهذا ما عملت بالفعل، و﴿تضار﴾ فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة؛ ولكن ماذا تقولون هل ﴿تُضَارَّ﴾ مبني للفاعل؟ أو مبني للمفعول؟ إن قلت: مبني للفاعل خطأ، مبني للمفعول خطأ، يصلح لهما؟ يصلح، مثل (مختار) هل هو اسم فاعل ولّا اسم مفعول؟ يصلح، والذي يعيِّن أحدهما السياق، هنا ﴿لَا تُضَارَّ﴾، إذا قلنا: إن (تضار) مبنية للفاعل صار فك الإدغام هكذا: لا تُضَارِرْ والدةٌ بولدها، كذا؟ لا تُضَارِرْ، أو لا؟ مثل: لا تضارِب، لا تجاهد، لا تقاتل، لا تضارِر، وإذا قلنا: إنها مبنية للمفعول صار فك الإدغام هكذا: لا تضارَر، مثل: لا تضارَب، لا تقاتَل، لا تجاهَد، وما أشبهها، إذن فاللفظ مشترَك بين اسم الفاعل واسم المفعول، وقد ذكرنا فيما سبق من فوائد التفسير أنه إذا كانت الآية صالحة لمعنيين فأكثر لا تناقض بينهما حُمِلَت عليهما، وأن هذا من بلاغة القرآن، فإن تناقضا أُخِذ بالراجح، هنا لا يتناقضان، ولنفسرها على أنه مبني للفاعل: لا تضارِر والدةٌ بولدها، مَن المضار، المضارَر؟ المولود له، يعني لا تضار الوالدة المولودَ له فتحمله ما لا يستطيع بأن تطلب منه أجرة كثيرة لا يستطيعها، أو تمتنع من إرضاع ولدها فتحرج المولود له بطلب المرضعات، هي فيها لبن، لكنها تقول: خلوه يتعب يروح يدوّر المرضعات، هذه مضارة ولّا لا؟ مضارة، والمضارة في الشرع ممنوعة محرمة، إذن (لا تُضَارِر والدةٌ بولدها)، المضارَر هو المولود له، وذكرنا مثالين من المضارة أحدهما: أن تطلب من الأجرة أو النفقة ما لا يطيق، والثاني: أن تمتنع من إرضاعه لتحرج والده، فيها لبن ولكن تقول: أنا أريد أن أضيق على هذا الرجل، فنهى الله عز وجل عن ذلك. أما إذا قلنا، أما إذا فسّرناها على أنها مبنية للمفعول: لا تضارَر والدة، فالنهي هنا منصب على من؟ على المولود له، يعني لا يضارُّ المولودُ له الوالدة، وبماذا يضارها؟ لا يضارها بمنعها من إرضاع ولدها بأن تطلب أن ترضع ولدها فيقول: لا، أنا لا أريد أن ترضعيه، هذه مضارة لها؛ لأن للأم شفقة وحنانًا يتطلبان أن ترضع الولد، كذلك يضارها بولدها بأن يلزمها به وهي لا تتمكن منه، لا تتمكن منه إما بمرض في ثديها أو بنقص اللبن أو ما أشبه ذلك، المهم أن يلزمها بما لا تطيق، هذا من المضارة، ومن المضارة أيضًا أن يماطل بحقها من النفقة أو من الأجرة، فإن ذلك من المضارة. وقوله: ﴿وَالِدَةٌ﴾ كيف نعربها؟ إن قلنا: إن (تضار) مبني للمفعول فهي؟ * الطلبة: فاعل. * الشيخ: لا، إن قلنا: إن (تضار) مبني للمفعول فهي نائب فاعل؛ وإذا قلنا: مبني للفاعل، فهي فاعل، طيب، وقوله: ﴿وَالِدَةٌ﴾ نكرة في سياق النهي أو النفي -على القراءتين- تدل على العموم، أي: لا يحل لأي والدة أن تضار بولدها، حتى لو كان بين الزوج وبين هذه الوالدة لو كان بينهما عداوة شخصية فإنه لا يجوز أن يضارها بولدها؛ لأن هذا حق لمن؟ لها ولولدها، فلا يمكن أن يضارها به، ولهذا جاءت (والدة) منكَّرة حتى تعم كل والدة، وهل يدخل في ذلك البهائم؟ * طالب: لا، ما يدخل. * الشيخ: ما يدخل فيه؟ يعني يجوز للإنسان أن يضار البهيمة بولدها؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إذن ويش هو؟ * طالب: ما يؤخذ من هذه الآية. * الشيخ: ما يؤخذ من هذه الآية؛ لأن الآية في سياق بني آدم، إنما يؤخذ من طريق آخر، من أحاديث أخرى وهي وجوب الرحمة بالحيوان. قال: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، يعني: ولا يضار مولود له بولده، الواو حرف عطف، و(لا) نافية، و(مَوْلُودٌ) معطوف على (والدة)، فكيف تعرب (مولود)؟ * طالب: على الوجهين. * الشيخ: على الوجهين، لكن إذا أعربت (والدة) فاعل فأعرب هذا نائب فاعل، وإن أعربت (والدة) نائب فاعل فهذا فاعل، وهذا غريب أن يُعطف شيء على شيء يوافقه في الإعراب فقط دون المعنى، ولكن إذا كان يخالفه في المعنى فالأوجه أن يقدَّر الفعل مبنيًّا لما يناسب الإعراب؛ لأن المعروف أن المتعاطفين يشتركان في المعنى الذي دل عليه العامل، فإن كانا يختلفان وجب أن يقدَّر للمعطوف فعل يناسبه، كما في قول الشاعر: عَلفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ∗∗∗ ....................... ما نقول: (ماء باردًا) معطوفة على (تبنًا)؛ لأنه ما يستقيم المعنى، وإنما نقول: وسقيتها، وعلى هذا فلا بد أن نقدر فعلًا بعد (لا) يكون (مولود) معمولًا له. وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ كيف يضار المولود له بولده؟ سبقت في الصورتين: تضاره المرأة بإحراجه بالإنفاق على ولده، بطلب الإرضاع لولده، أو بزيادة النفقة أو الأجرة، فإن كان هو اللي بيضار فإنه يضار المرأة المولود لها الوالدة بماذا؟ بمنع إرضاعه أو إلزامها بما لا تتحمل، أو مماطلته بحقوقها، هكذا. * طالب: نقص الأجرة. * الشيخ: أو نقص الأجرة، هذه من المماطلة، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، ﴿عَلَى الْوَارِثِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ مبتدأ مؤخر، وقد مر علينا في أصول الفقه أن (على) من الأدوات التي تدل على الوجوب، فإذا قيل: عليك كذا، يعني واجب عليكِ ﴿عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ يعني: ويجب على الوارث؟ * طالب: (...). * الشيخ: ممكن أن نقول هكذا، وأن المثلية هنا عائدة إلى الإرضاع وإلى الرزق والكسوة، وأما عودها إلى الرزق والكسوة فظاهر جدًّا، ولكن قوله: ﴿عَلَى الْوَارِثِ﴾ هل المراد على وارث المولود له؟ أو على وارث الرضيع مثل ذلك؟ في هذا قولان للمفسرين، والراجح أنه عائد على الوارث للرضيع، وتأمل أنه قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾، وهناك قال: ﴿عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾؛ لأن الوارث ليس كالأب موهوب له، بخلاف الوالد فإنه موهوب له. ﴿عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ من الوارث بفرض أو تعصيب أو رحم؟ هذا أيضًا موضع خلاف، فإذا نظرنا إلى ظاهر الآية فإنه شامل لكل من يرث، بفرض أو تعصيب أو رحم، وخصه بعض العلماء بالوارث بالتعصيب قياسًا على تحمل الدية، فقال: إن المطالَبين بالحقوق المالية هم العصبة، فكما أن أصحاب الفروض لا يُحَمَّلون من الدية شيئًا فكذلك لا يُحَمَّلون من الإنفاق شيئًا، وكذلك ذوو الأرحام، ولكن الراجح أنه شامل لكل من يرث بفرض أو تعصيب إلا ما خصه الدليل، فما خصه الدليل وجب أن يخصَّص بمقتضى ذلك الدليل، وإنما استثنينا لئلا يَرِد علينا ما ذهب إليه بعض الناس من وجوب إنفاق الزوجة على زوجها إذا كان فقيرًا، فإن بعض أهل العلم أخذ من عموم الآية وجوب إنفاق الزوجة على زوجها إذا كان فقيرًا، قال: لأن الزوج وارث، ولكن هذا مدفوع بالدليل الخاص وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع في خطبته قال: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]] بدون تفصيل. وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، ﴿إِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾، الفصال بمعنى الفطام، والفاعل في (أرادا) يعود على (الوالدة) و(المولود له)، والإرادة هنا ليست إرادة تَشَهٍّ بدليل قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾، لا بد من أن يقع هذا الفصال عن تراض منهما، والتراضي تَفَاعُلٌ من (رَضِيَ) فلا بد من أن يكون من الطرفين، لو رضيت الأم دون الأب امتنع الفصال، ولو رضي الأب دون الأم امتنع الفصال، وقوله: ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ التشاور تَفَاعُلٌ أيضًا، وأصله من شَارَ العسل إذا استخلصه، من أين يستخلصه؟ من الشمع، شِرْتُ العسل، يعني: استخلصته مما فيه من الشمع حتى ظهر نقيًّا خالصًا، فهو تفاعل من (شَارَ)، إذن ما معنى التشاور؟ التشاور التراجع في الرأي لاستخلاص الصحيح منه، يتراجع اثنان في الرأي من أجل أن يتوصل إلى الرأي الصحيح الموافق المفيد، فلا بد إذن من أيش؟ من أن يقع التشاور، لو أنهما تراضيا بدون تشاور جاءت الأم قالت لأبيه: ودي نفطم الولد علشان ما يتعبني في حمله وسقيه وما إلى ذلك، قال: طيب توكلي على الله؛ بدون أي تشاور، فهذا لا يجوز، لا بد أن يتشاورا، طيب التشاور ما محله وموضعه؟ هل محله وموضعه مصلحة الأب والأم من حيث حضانة الطفل والتعب عليه؟ أو موضعه مصلحة الطفل؟ مصلحة الطفل، لا بد أن يتشاورا في مصلحته، هل من مصلحته أن يُفطم قبل الحولين أو من المصلحة أن يبقى حتى يتم الحولين، أو من المصلحة أن يبقى بعد الحولين أيضًا، لأنه ربما يكون محتاجًا إلى الرضاعة حتى بعد الحولين، فلا بد من التشاور في هذا الأمر، ويُنظر إلى مصلحة من؟ الطفل. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، على من؟ على الأبوين في فصله قبل تمام الحولين، و(جناح) اسم (لا) مبني معها على الفتح، وخبرها الجار والمجرور بـ﴿عَلَيْهِمَا﴾ و(الجناح) سبق أن معناه: الإثم. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وفي قراءة: ﴿مَا أَتَيْتُمْ﴾ والفرق بين (أتيتم) و(آتيتم) أن (أتيتم) المقصور معناه: جئتم، و(آتيتم) الممدود معناها: أعطيتم، قال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء ٢٦]، ﴿آتِ﴾ بالمد، وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨]، ﴿فَأْتُوا﴾ ولم يقل: آتوا، يعني المراد: جيئوا، فإذا كان مهموزًا يعني ممدودًا الهمزة ممدوة فيه فهي بمعنى (أعطى)، وإن كانت مقصورة فهي بمعنى (جاء)، هنا يقول عز وجل: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ * طالب: للوالدين. * الشيخ: كيف للوالدين؟ للمولود له، وحينئذ يجب أن تستشكلوا، كيف قال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾ مع أنه قال في الأول: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾؟ مولود ولم يقل المولود لهم، فيقال: إن (المولود) اسم جنس، وإن شئت فقل: إن (المولود) اسم موصول باعتبار (أل)؛ لأن (أل) إذا كان صلتها صفة صارت اسمًا موصولًا من الأسماء المشتركة التي تصلح للمفرد ولغيره، وحينئذ فإفراد الضمير الراجع إليها باعتبار اللفظ وجمعه إن أردتم باعتبار المعنى، طيب، وملاحظة المعنى واللفظ في هذه الألقاب المشتركة جاء بها القرآن، وقد ذكرنا آية فيها مراعاة اللفظ ثم المعنى ثم اللفظ، تذكرونها؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: ما هي؟ * طالب: في سورة الطلاق في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١]. * الشيخ: نعم ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، كل الأنهار باعتبار أيش؟ * طالب: اللفظ. * الشيخ: اللفظ مفرد، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ باعتبار المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ باعتبار اللفظ، فهنا أردتم الخطاب للمولود لهم باعتبار المعنى. ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ أراد الشيء يحتاج إلى مفعول به، فأين مفعول ﴿أَرَدْتُمْ﴾؟ * طالب: (أن) وما دخلت عليه. * الشيخ: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به. وقوله: ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ منصوبة، ويش اللي نصبها؟ هل تقول: استرضع ولدَه ولّا استرضع لولده؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، إذن أين مفعول (استرضع)؟ لأن (استرضع) تحتاج إلى مفعول؛ لأن معنى (استرضع) أي: طلب الإرضاع، فهنا مطلوب منه الإرضاع لشخص راضع، فـ(أولادَكم) هو الشخص الراضع، وأين المطلوب منه الإرضاع؟ محذوف وتقديره: أن تسترضعوا مراضع لأولادكم، فنعرب (أولاد) على أنها منصوبة بنزع الخافض، وحُذف الخافض هنا لوضوح المعنى، وقيل: إنها منصوبة بالفعل تعديًا من باب التجوز، وعلى كل حال فإن مفعولها الأول محذوف، التقدير: مراضع لأولادكم، يعني إن أردتم أن تطلبوا من يرضع الأولاد ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾، أي: فلا إثم عليكم، ولكن هل هذا مطلوب أن الإنسان يطلب مراضع لأولاده؟ أو الأولى أن لا يطلب؟ أو في ذلك تفصيل؟ فيه تفصيل يأتي إن شاء الله ذكره في الفوائد. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ اشترط الله عز وجل أنه لا جناح علينا أن نطلب المراضع بشرط أن نقوم بما التزمنا به، فقوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ يعني: أعطيتم ﴿مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، اعلم أن قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ﴾ لا بد فيها من تقدير؛ لأن ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ﴾ قد يقول قائل: الذي نعطيه قد سلمناه، فما الفائدة من قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾؟ ولكن المعنى: إذا سلمتم ما فرضتم إيتاءه، ما فرضتم إيتاءه، وإنما عبَّر بالفعل عن إرادته بفرضه كأنه أمرٌ وقع وحصل، يعني كأن هذا الأمر الذي التزمتم به وفرضتموه على أنفسكم من الأجرة للمراضع كأنه أمر قد سُلِّم وأُوتِي، ولهذا قال: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ متعلق بـ﴿سَلَّمْتُمْ﴾، وتسليم الأجرة في المراضع بالمعروف أن يكون أيش؟ على نحو ما شُرِط قدرًا وأجلًا وجنسًا ووصفًا، يكون على قدر ما شُرِط أو على كيفية ما شُرِط أيش قلنا؟ قدرًا وجنسًا ووصفًا وأجلًا، فمثلا إذا قال: ترضعيه بعشرة أصواع من البر الطيب تحل في أول يوم من شهر ربيع الثاني، وجب عليه أن يسلّم عشرة أصواع من البر، وهذا أيش؟ القدر والجنس، الطيب الوصف، في أول يوم من ربيع الثاني الأجل، هذا (...) بقوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فلا بد أن يكون التسليم بالمعروف الذي يعرفه الشرع ويقره، ويتعارفه الناس فيما بينهم. * * * (...) ما أكثر ما يأمر الله تعالى بالتقوى في كتابه ويأمر بالتعاون على البر والتقوى، والتقوى كلمة مأخوذة من الوقاية، ويقال: إن أصلها (وَقْوَى)، لكن قُلِبَت الواو تاء فصارت (تقوى)، وهي مصدر، مصدر على وزن (فَعْلَى)، وأصح ما قيل في تفسيرها أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، يعني ثلاثة أمور: بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وإن شئنا لقلنا: إن تصديق أخباره داخلة في فعل أوامره؛ لأن تصديق الأخبار من الواجبات، لكن على سبيل الإيضاح أحسن، هي تقوى الله عز وجل اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هذه معطوفة على ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، والعلم بأن الله بما نعمل بصير من تقوى الله عز وجل، لكن لما كان من تمام التقوى أن تعلم هذا العلم أن الله بما تعمل بصير؛ لأنك متى علمت ذلك خِفت من هذا الذي هو بصير بعملك أن يجدك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك؛ لأنه بصير، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ عام؛ لأن (ما) اسم موصول، وأسماء الموصول من ألفاظ العموم سواء كانت هذه الألفاظ، سواء كانت أسماء الموصول من الألفاظ العامة المشتركة أو من الألفاظ الخاصة، الفرق بين الموصول الخاص والمشترك؛ الخاص هو ما دل على واحد أو اثنين أو جمع، والمشترك ما كان صالحًا للجميع، فـ(الذي) و(التي) و(اللذان) و(اللتان) و(الذين) و(اللائي) هذا خاص، و(مَن) و(ما) و(أل) هذه مشترك عام، فاسم الموصول وإن كان مفردًا فهو للعموم، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣]، قال: ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ مع أنه مفرد؛ لأنه صالح للعموم، وخاص موضوع للمفرد في الأصل، لكن الاسم الموصول يفيد العموم، ولهذا أخبر عنه بالجمع فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، لكن هنا اللي معنا ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الأفراد المشتركة الدالة وضعًا على أو الصالحة وضعًا للمفرد والمثنى والجمع، وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يشمل عمل القلوب وعمل الجوارح، فإن كان من أعمال الجوارح تعلق به البصر العلمي والبصر النظري، إن كان من عمل الجوارح تعلق به البصر العلمي والنظري، كيف العلمي والنظري؟ إذا عملنا عملًا فإن الله ينظر إليه ويراه سبحانه وتعالى بعينه، وكذلك يعلمه بعلمه، والعلم بصر، مثال يقال: فلان بصير بكذا، يعني عالم به، يعني ذو خبرة، فما كان من المشهود من الأعمال المشهودة تعلق به البصران العلمي والنظري، وما كان مسموعًا، يعني غير مبصَر، فإنه يتعلق به البصر العلمي، فالأشياء التي نقولها من عملنا، ولّا لا؟ والتي نقولها حتى بالقلوب من العمل، كذا؟ فأعمال القلوب وأقوال اللسان من العمل، وعليه فنقول: إن قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ شامل لعمل الجوارح وعمل القلب وعمل اللسان، عرفتم؟ فعمل القلب هو محبته ورجاؤه وخوفه وتوكله وإنابته، وما أشبه ذلك، وعمل اللسان القول، وعمل الجوارح الفعل، والله تعالى بصير بهذا كله ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، والفائدة من ذكر هذه الجملة بعد قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الفائدة التحذير من المخالفة، فإنك إن خالفت فإن الله بصير بعملك لا يخفى عليه شيء مما تفعله، وفي قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ولم يقل: بما توسوسون به، إشارة إلى أن الإنسان لا يؤاخَذ بالوسوسة، لا يؤاخَذ بالوسوسة، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]]، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، طيب ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قُدِّمت على متعلَّقها؛ لأنها متعلقة بماذا؟ بـ(بصير)، فما هي الفائدة من تقديمها؟ نشوف، هناك فائدة لفظية وهي مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، مع أنه يصح أن تكون الفواصل عند قوله: ﴿بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات ١٨] كما جاء في آية أخرى. ثانيًا: أنه قُدِّم لبيان الاهتمام به، ما يقال: للحصر وأنه لا يعلم إلا ما نعمل، هو يعلم كل شيء، لكن من أجل العناية به، يعني كأن يقال: لو فُرِض أنه لا يعلم إلا ما عملتم لكان ذلك كافيًا في تحذيركم وردعكم عن مخالفته. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد عديدة، أولًا: وجوب الإرضاع على الأم؛ لقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، ولكن هذا الوجوب ينافيه آخر الآية: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وعلى هذا فيتعين الوجوب فيما إذا لم يقبل الصبي ثديًا غير ثدي أمه، أو لم نجد مرضعة سوى أمه، ففي هذه الحال يجب، يجب الإرضاع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، أو لا؟ لأن الله أمر الأم أن ترضع، هو اللي أمرها، مع أن فطرتها وما جُبِلَت عليه تستلزم الإرضاع، لكن هذا لأن رحمة الله أعظم من رحمة الأم بولدها، وقد مر علينا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]، قلنا: إن هذه الآية تدل على أن الله أرحم بأولادنا منا، ولهذا جعلَنا أوصياء عليهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في الرضاع أن لا ينقص عن حولين، أو أن تمام الرضاع في الحولين، أو بعبارة ثانية أن تمام الرضاع ببلوغ الحولين، الدليل قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. * ومن فوائدها: توكيد اللفظ إذا كان يمكن أن يدخله الاحتمال؛ لقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾، ومن ذلك، (...) مثال آخر؟ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة ١٩٦] لئلا يتوهم واهم في ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أن تفريق الثلاثة والسبعة يقتضي أن يكون كل عدد منفردًا عن الآخر، ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، حتى لا يقول قائل: إن المراد بالكلام مجازه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي استعطاف المخاطب بما يقتضي عطفه، من أين نأخذها؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ﴿أَوْلَادَهُنَّ﴾، يعني توافق؛ لأنه ولدها ما هو ولد غيرها، فيكون هذا فيه أيش؟ استعطاف المخاطب بما يقتضي عطفه على الشيء، ولّا لا؟ ومثاله قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم ١، ٢] ما قال: ما ضل محمد، قال: ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ الذي تعرفونه وتعرفون أمانته وصدقه، ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾، وكان يجب عليكم وهو صاحبكم أن تكونوا أول مصدق به، وأول قابل لما يقول، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز النقص عن الحولين لكن بعد التشاور والتراضي؛ لقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ﴾، ولكن يجب أن نعلم أن الإتمام يطلق على إتمام الناقص وعلى إتمام الكامل، فإتمام الناقص واجب، إذا كان ذلك الناقص واجبًا كقوله ﷺ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٣٥)، ومسلم (٦٠٣ / ١٥٥) من حديث أبي قتادة.]]، هنا ما نقول: إتمام كمال، هذا إتمام واجب، وتارة يكون المقصود إتمام الكمال، مثل ما جاء في حديث: «مَنْ صَلَّى فِي قُبَاءَ فَلَهُ أَجْرُ عُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ»[[أخرجه النسائي (٦٩٩)، وابن ماجه (١٤١٢) من حديث سهل بن حنيف. ]]، هذا المراد تمام أيش؟ تمام الكمال، هنا هل المراد تمام الكمال ولّا تمام الوجوب؟ ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾؟ آخر الآية يدل على أنه تمام الكمال، وإلا لو كان تمام الوجوب لم يكن للإنسان فيه خيار، ولّا لا؟ طيب هذا الظاهر. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، من أين نأخذها؟ إثبات الإرادة ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، والجبرية الذين يسلبون الإنسان إرادته وقدرته، يقولون: الإنسان ما له إرادة ولا له قدرة، إنما هو مجبور على عمله، فلا يرون فرقًا بين الذي يتحرك بارتعاش وبين اللي يتحرك باختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الولد هبة للوالد لا للأم؛ لقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، وإن كانت هذه الفائدة تمشي على رِجْل واحدة إن كانت شبيهة بالآدميين، أو على رجلين إن كانت شبيهة بذوات الأربع، يعني ما هي بذاك القوية، إنما بعض العلماء استنبط أن هذه الآية تدل على أن الوالد موهوب له، وعلى كل حال عرج قوله لقول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، والبيهقي في الكبرى (٧ / ٤٨٠) من حديث عبد الله بن عمرو واللفظ له. ]]، ولا شك أن الولد ملك لوالده؛ هو وماله، ولهذا كما أن للوالد أن يأكل من مال الولد ما لا يضره ولا يحتاجه فله أن يستخدمه فيما لا يضر الولد ويصده عن مصالحه، له أن يستخدمه، ويجب على الولد أن يطيعه، فإن لم يفعل أُجْبِر على ذلك؛ لقوله ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ». * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه قد يكون للشيء الواحد سببان، كيف؟ * طالب: (...). * الشيخ: يمكن؟ من أين نأخذها؟ * الطالب: قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: سبب الرضاعة، إذا كانت زوجة يكون فيه سبب رضاعة وسبب زوجية. * الشيخ: وإن كانت غير زوجة؟ * الطالب: (...) * الشيخ: يعني إذن الرزق والكسوة هنا في التي مع الزوج لها سببان، والشيء قد يكون له أسباب متعددة، ولو كان شيئًا واحدًا كالفقير مثلًا والغارم وما أشبه ذلك يأخذ لفقره ولغرمه، وكابن العم الذي هو زوج، وكابن العم الذي هو زوج ومعتِق يأخذ للأسباب الثلاثة: للزوجية والقرابة والولد، ولّا لا؟ طيب، إذا تخلّف أحد السببين بقي حكم السبب الآخر، فلو فرض أن هذه المرأة ناشز ما تطيع زوجها وهي ترضع ولده، كان لها الرزق والكسوة، لا بالزوجية؛ لأنها ناشز، ولكن بالرضاعة، فإن قلت: إذا كان سبب الرزق والكسوة هو الزوجية أصبح الرضاع عديم التأثير؟ قلت: لا، لا يصبح عديم التأثير؛ لأننا قلنا: إذا تخلف الإنفاق بالزوجية وجب بالرضاعة، هذه واحدة، ثانيًا: أنه ربما يترتب عليها أو يترتب لها من الطعام والكسوة إذا كانت ترضع ما لا يترتب لو كانت لا ترضع، المرضع ربما تحتاج إلى غسل ثيابها دائمًا من الرضاعة، وتحتاج إلى زيادة طعام وشراب، وربما يقال: إنه لا بد أن تطعم هذا الطعام المعيّن، فحينئذ يكون له تأثير ولّا لا؟ يكون له تأثير، يعني لا يمكن أن يتساوى من كل وجه الطعام والرزق والكسوة للزوجية مع الرزق والكسوة بماذا؟ بالإرضاع، وعلى هذا يُتمَّم هذا من هذا ويكون للآية معنى. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار العرف بين الناس؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾، ومعلوم أنه إذا نص الشرع على المعروف وجب اعتباره، فإن قُدِّرَ الشيء بالشرع أُلْغِي العرف، وإن سُكِت عنه اعتُبِر العرف، فالمراتب ثلاثة: إما أن يُقَدَّر بالعرف نصًّا ويرد الشارع الأمر إلى العرف، وهذا واضح ولّا لا؟ واضح، وإما أن نقدره بالشرع فلا عبرة بالعرف، وإما أن يسكت، يوجب ويسكت، فيُرجع في ذلك إلى العرف، كذا؟ طيب، مثال الذي قدّره الشرع ولا عبرة فيه للعرف زكاة الفطر، زكاة الفطر صاع من طعام، من الحكمة فيها أنها طُعمة للمساكين، فإذا قُدِّر أن صاحب البيت ما يكفيه هو وعائلته الصاع، هل نقول: نزيد على الصاع للكفاية؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: كيف؟ * طالب: مقدر بالشرع. * الشيخ: مقدر بالشرع نعم، هذا السبب مقدر بالشرع، الشرع لم يقل: أطعموهم في هذا اليوم، قدّر صاعًا، كما أنه لو زاد الصاع على نفقته وعياله نقصره ولّا لا؟ ما نقصره، نعم، وأما ما جاء به الشرع ولكنه أطلقه فهذا كثير، مثل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق ٦]، لكن ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ قد نقول: مقدر بالشرع. * طالب: السفر. * الشيخ: السفر على قول، والحِرز، حِرز الأموال، هذا لم يقدره الشرع، والحرز معتبر في عدة مواضع، منها: السرقة والوديعة، الوديعة يراعَى فيها الحرز، يعني لو أني أعطيتك شيئًا وديعة يجب عليك أن تحفظه بماذا؟ في حرز مثله، فأنا أعطيتك كيسًا من الذهب، ذهبت أنت ووضعتها في حوش الغنم، هل وضعها في الحرز؟ قال: لا، هذا حرز، هذا حرز لكيس الفحم، أنا أحط كيس الفحم فيها وأجيب الشاة وأحطها في الحظيرة هذه، ويعتبر هذا حرزًا. * طالب: (...). * الشيخ: يقول: نعم، لكن الحرز حسب العرف، اسأل أي واحد من الناس هل صرة الذهب تُجعل في المكان اللي يجعل فيه كيس الفحم؟ ويش يقول؟ لا، إذن يُرجع في ذلك إلى أيش؟ إلى العرف، فالمراتب إذن ثلاثة، ما عُيِّن شرعًا فهو تبع الشرع ما يمكن أن يتغير، وما نص الشرع على اعتبار العرف فيه فيؤخذ بالعرف اتباعًا للنص، وما سكت عنه الشرع يُرَدّ فيه إلى العرف، نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أن المعتبر حال الزوجة لا حال الزوج؛ لأن الله أضاف الرزق والكسوة إلى الزوجة، فكأنه قال: الرزق الذي يصلح لمثلها، والكسوة التي تصلح لمثلها، وعلى هذا فإذا كان الزوج فقيرًا وهي غنية نلزمه بماذا؟ بنفقة غني وكسوة غني لا بد، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المعتبر حال الزوج، واستدل بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]، وأجاب عن الآية بأن قال: ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ من أمثالكم، و﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ من أمثالكم، وبهذا تجتمع الآيتان، وقال بعض أهل العلم: بل نعمل بالآيتين جميعًا، فنقول: المعتبر حال الزوج والزوجة، المعتبر حال الزوج والزوجة جميعًا، إن كانا موسرين فنفقة موسِر، وإن كانا معسرين فنفقة معسر، وإن كان أحدهما فقيرًا والآخر غنيًّا، واحد ونصف، كم نصفه؟ ثلاثة أرباع، إذن فيجعل متوسط، نفقة متوسط، إذا كان الزوج غنيًّا وهي فقيرة، أو الزوج فقيرًا وهي غنية فيعتبر نفقة متوسط بين الغني والفقير، طيب الزوج فقير ما عنده شيء، نقول: يلزمك نفقة متوسط؛ لأن الزوجة غنية، والآن نحن نقصنا من حقها بعض الشيء لأنك فقير وجمعنا بين حالتيكما، أعرفتم الآن؟ الصحيح أن المعتبر حال الزوج وهو مذهب الشافعي، وإن كان مذهب الحنابلة على أن المعتبر حال الزوجين جميعًا، لكن الحق أحق أن يتبع، فالمعتبر حال الزوج، ويكون معنى قوله هنا: ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ من أمثالكم، ولا في الآية إشكال. * الطالب: طيب الآن عكس يا شيخ، الآن هنا مذهب الحنابلة الزوج هو المعتبر، في مصر مذهب الشافعي.. * الشيخ: إي نعم (...). لقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَه﴾ (...). قال الله عز وجل: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، من فوائد الآية الكريمة: أن العرف له اعتبار بالشرع. من فوائدها: أن الله عز وجل لا يكلف نفسًا ما لا تطيق؛ لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾، يعني: إلا ما تطيق، ويتفرع على هذه الفائدة: بيان رحمة الله عز وجل بعباده، وأنه سبحانه وتعالى لا يكلفهم إلا ما يطيقون؛ لأن معنى ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ يعني: إلا طاقتها. * ومن فوائد الآية: تحريم المضارّة؛ لقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾، وهذا نهي، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِه﴾، وهل هذا خاص بالوالدة في ولدها والوالد في ولده؟ أو يستفاد منه العموم؟ نقول: هو لا شك أن سياق اللفظ خاص، لكن المعنى يقتضي العموم كما تشهد لذلك الأدلة «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٣٥)، والترمذي في جامعه (١٩٤٠) من حديث أبي صرمة واللفظ له.]]، و«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب النفقة على الوارث للمولود؛ لقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. ومن فوائدها أيضًا: أنه يجوز للأم أن تفطم الولد قبل تمام الحولين لكن بشروط: التراضي والتشاور؛ لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بهؤلاء الرضَّع، وأنه لا يمكن أن يُفْصَلوا قبل الحولين إلا بعد التراضي والتشاور؛ للآية الكريمة: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾. * ومن فوائد الآية: أنه لا يكفي المراضاة بين الزوجين في الفطام؛ بل لا بد أن يكون هذا بعد التشاور والتراجع في الأمر، حتى إذا تبينت المصلحة للطفل أقدم على ذلك، فلو أنها قالت لزوجها: أترخص لي أن أدع الرضاع بقية الحولين؟ فقال: نعم، فهذا تراضي لكن ما فيه تشاور، لا بد أن يقول: ننظر في الموضوع ويتشاورا ويتراجعا في المصلحة حتى يتم الأمر، وهل يؤخذ منه أن الله أرحم بالإنسان من أمه وأبيه؟ نعم؛ لعناية الله سبحانه وتعالى بذلك بقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استرضاع الإنسان لولده المراضع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وهل يشترط إذْن الأم في ذلك؟ ظاهر الآية أن هناك.. ولكن لو أن الأم طلبت أن ترضعه وقال الأب: ترضعه غيرك، فهل يُجبر الأب على موافقة الأم؟ الجواب: نعم؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٣] فبدأ بالوالدات، ولأن لبن الأم غالبًا أنفع، ولأن الأم أشفق، ولأن ذلك أدعى إلى التعاطف بين الأم وولدها. ولكن لو طلبتْ عليه أجرة أكثر من غيرها فهل يلزمه دفع الأجرة؟ لا، لا يلزمه دفع الأجرة، والمراد: إذا كانت في حباله على قول، أو إذا كانت منفصلة عنه على القول الثاني، أنتم فاهمين هذه؟ يعني: فيه رأيان لأهل العلم، يعني فيه لأهل العلم رأيين: الرأي الأول: أن للأم أن تطلب الأجرة ولو كانت مع الزوج. والثاني: أنه إذا كانت مع الزوج فليس لها إلا النفقة، وهذا القول هو الراجح كما سبق. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب دفع العوض في المعاوضة، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾. * الشيخ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ٢٣٣]. وأما أن تسترضع في ولدك ثم لا تدفع الأجرة فإن هذا حرام، وفي الحديث: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٤٤٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن الله أن الله قال: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان تسليم العوض بالمعروف؛ أي: بدون مماطلة وبدون نقص؛ لأن هذا هو المعروف الذي يتعارفه الناس بينهم ويعرفه الشرع ويقره؛ لقوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا يلزم الأجير سوى ما قُدِّر، أو سوى ما قدره هو إذا وافق عليه المستأجِر، أو بعبارة أوضح: لا يلزم المستأجَر أكثر مما قدَّر، أو مما جرى بينه وبين المؤْجِر؛ لقوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ﴾. فلو أن المستأجِر طُلب منه أن يزيد في الأجرة بعد تمام العقد فإنه لا يلزمه حتى لو غلت الأشياء ولو زادت المؤن، ما دام اتفقوا على شيء فلا يلزمه سوى ما اتفقوا عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وما أكثر ما يأمر الله تعالى بالتقوى؛ لأن عليها مدار الدين كله؛ إذ إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بتصديق خبره وامتثال أمره واجتناب نهيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بصفات الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائدها: التحذير من مخالفة الله؛ لأنه بعد أن أمر بالتقوى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائدها: عموم علم الله؛ لقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وما اسم موصول عام. * ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿آتَيْتُمْ﴾، ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾ فيها عدة شواهد ترد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله ليس له إرادة فيه. هل يستفاد من الآية الكريمة إثبات البصر لله؟ * طالب: نعم. * الشيخ: من قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾؛ لأن البصير ذكرنا أن له معنيين: البصير بمعنى الذي يُبصر المرئيات، والبصير بمعنى العليم.

البقرة 2:234

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٣٤]. أولًا: إعراب الآية ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ؛ اسم موصول مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، وجملة: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ صلته؛ صلة الموصول، لا بد للموصول من صلة، وجملة: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ﴾. وفيها إشكال حيث لم يوجد رابط يربطها بالخبر؛ لأن قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ما فيها ضمير يعود على ﴿الَّذِينَ﴾، فاختلف الناس في تقدير الخبر، أو في كيفية الربط بين المبتدأ والخبر؛ فقال بعضهم: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، وعلى هذا فيكون الضمير في بعدهم هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ والخبر، وقال بعضهم: تربص، وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، فجعل المبتدأ شيئًا مُقدرًا، أي: وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، هذان وجهان، ولكن الأول أيسر من الثاني، الأول أيسر: والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، أو ويذرون أزواجًا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرًا. أيضًا قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أربعة إعرابها: نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه، وقوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ أي: عشر ليال، وعُبر عن الأيام بالليالي لأن الليالي هي غرر الأيام حيث إنها قبلها. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لم يقل: فلا جناح عليهن، بل قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ مخاطبًا الرجال؛ لأنهم أولياء النساء، إلى آخره. نعود الآن إلى المعنى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قال: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بضم الياء، ولم يقل: يَتوفون؛ لأن الإنسان مُتوفًّى، والتوفي بمعنى قبض الحق وافيًا، ويقال: تَوفَّيت حقي منه؛ أي: قضيته وافيًا، والإنسان مُتوفًّى؛ لأنه يقضي أجله في الدنيا ثم تُقبض روحه. وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بالبناء للمجهول، من الذي يَتوفى؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ورد في القرآن على ثلاثة أوجه: فمرة أُضيف إلى الله، ومرة أضيف إلى ملك الموت، ومرة أضيف إلى الرسل الذين هم الملائكة؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢] فهنا أضاف الوفاة إلى من؟ * طالب: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله، وقال عز وجل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] فأضاف التوفي إلى ملك الموت، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فأضاف التوفي إلى الرسل. والجمع بين هذه الوجوه الثلاثة سهل وممكن؛ أما إضافة التوفي إلى الله فلأنه بأمره، وإذا وقع الشيء بأمره فهو الفاعل له؛ كما يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. بنى عمرو بن العاص، هو ما بناها بيده، ولكنه بُنيت بأمره، وكذلك تقول: بنى الملك قصرًا مشيدًا؛ أي: أمر ببنائه، فوقعت إضافة التوفي إلى الله لأن ذلك بأمره. وأما الجمع بين الرسل وبين ملك الموت: فالرسل جمع، وملك الموت مفرد، والجمع بين الآيتين: أن لملك الموت أعوانًا يساعدونه ويسوقون الروح من أسفل البدن إلى الحلقوم، ثم يأتي ملك الموت ويقبضها، أو نقول: إن ملك الموت يقبض الروح ويعطيها الملائكة، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؛ ولهذا بُنيت الآية الكريمة هنا، بُني الفعل فيها للمجهول ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾. هل يصح في غير القرآن أن نقول: فلان تَوفَّى؟ بالبناء للفاعل؟ * طالب: لا، لا يصح. * الشيخ: قال بعضهم: إنه يصح، والمعنى: تَوفَّى أجلَه المقدَّر له؛ أي: استوفاه، كأنه حق له فاستوفاه. وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ الخطاب للناس جميعًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، وعلى هذا: فكل كاف خطاب في القرآن فإنها للناس جميعًا. وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ أي: يتركون وراءهم أزواجًا، و﴿أَزْوَاجًا﴾ جمع زوج، وهو من عُقد له النكاح من رجل أو امرأة، الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوج، إلا أن الفرضيين رحمهم الله اصطلحوا على أن الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوجة، من أجل التمييز بينهما في التمثيل. وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ نكرة، فيشمل الصغيرة والكبيرة، والحرة والأمة، والمدخول بها وغير المدخول بها، كذا؟ ويخرج بها من ليست بزوجة كالسُّرّية، وأم الولد، فإنه إذا مات السيد عن أمته فلا تدخل في الآية الكريمة. ولو مات عن أم ولده التي كان يطؤها وأتت منه بولد فإنها لا تدخل في الآية الكريمة؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾. ولو عقد على امرأة عقدًا غير صحيح فإنها لا تدخل في الآية؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾، وهذه ليست بزوجة، فلو عقد على امرأة وهو لا يصلي؛ تارك للصلاة، ثم مات فإنها لا تدخل في هذه الآية، ما عليها عِدة، لكن إن كان قد وطئها فعليها استبراء فقط، لماذا؟ * طالب: العقد غير الزواج. * الشيخ: لأنها غير زوجة؛ إذ إن هذا العقد ليس بصحيح، باطل. وقوله: ﴿يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يعني: ينتظرن؛ لأن تربَّص مشتملة في حروفها الأصول على الراء والباء والصاد، فهي موافقة لمادة (صبر)؛ ولهذا كان معنى التربص الحبس، ومعنى الصبر الحبس، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، تنتظر بنفسها، وإنما قال: تربص بنفسها؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح، فقال الله لها: تربصي بنفسك؛ يعني: انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك، هوِّن على نفسك وما أشبهها. وأما قول من قال: إن (أنفسهن) توكيد للفاعل في ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهُن، فزيدت الباء، فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة، ولأن مثل هذا التركيب شاذ في اللغة العربية، وعلى هذا فالمعنى الصحيح: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عشرًا، يعني: عشرة أيام ولَّا عشر ليال؟ * الطلبة: عشر ليال. * الشيخ: عشر ليال، بل عشرة أيام، لكن يعبر عن الأيام بالليالي؛ ولهذا قال الله عز وجل في سورة طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه ١٠٢ - ١٠٤]. فتبين أن المراد بالعشر هنا: الأيام، فهنا قوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ يعني: عشرة أيام، لكن قال أهل اللغة: إنهم يعبرون –أي: العرب- بالليالي عن الأيام؛ لأنها سابقتها. وهل الأربعة أشهر وعشر تعتبر بالأهلة أو بالأيام؟ فيها خلاف سيأتينا إن شاء الله تعالى في ذكر الفوائد. وقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ لماذا اختير هذا العدد ولم يُعلَّق الحكم بالأقراء كما في المطلقات؟ قال بعض العلماء: اختير هذا العدد لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر، وزيدت العشرة للاستثبات، هكذا ذكره بعض أهل العلم، ولكنك عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل، لماذا؟ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل، وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ثم إن الاحتياط بأربعة أشهر وعشر يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: يمكن العلم قبل هذه المدة، فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر، وعندي -والله أعلم- أن الحكمة هو أنه لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولًا كاملًا في العدة بعد موت زوجها، وأين تبقى؟ تبقى في حش؛ بيت في بيتها -يعني: معناها البيت من الشعر- يحط لها بيت صغير؛ خباء؛ يصنع خباء لها تقعد فيه، ولا تمس الماء أبدًا، تأكل وتشرب لا بأس لكي ما تموت، لكن ما تمس الماء أبدًا، وتبقى بعرقها ورائحتها وحيضها ونتنها لمدة سنة كاملة، فإذا تمت السنة أتوا لها بعصفور ولَّا فارة ولَّا شيء، قالوا: امحشي به فرجك. فقلَّما تتمسح بشيء إلا مات، منين؟ * الطلبة: من الرائحة. * الشيخ: من الرائحة الكريهة، مُدة سنة يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان، ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة، فأخذت البعرة ورمت بها، ويش الفائدة من هذا؟ يعني تقول: كلما مر عليَّ فهو أهون من رمي هذه البعرة. شوف أيش لون هذا! حكم جائر -والعياذ بالله- وسفيه أيضًا، فجاء الإسلام وأبدل الحول بهذه الأربعة أشهر؛ لأن أربعة أشهر ثلث حول، وعشرة أيام ثلث شهر، والثلث كثير، فأتي من الحول بثلثه، ومن الأشهر بثلثها، فإن تبيّنت هذه الحكمة وكانت هي مراد الله عز وجل فذلك من فضل الله، وإن لم تتبين فإننا نقول: الله أعلم بما أراد، وهذه كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم الحكمة فيها. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ﴿إِذَا بَلَغْنَ﴾ الضمير يعود على الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن. ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ أي: مدة العِدّة، وأجل كل شيء غايته، أي: الغاية التي تنتهي بها العدة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الخطاب للناس، ولم يقل: فلا جناح عليهن كما هو متوقع، المتوقع أن يقول: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليهن، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لماذا؟ لأن الخطاب لأولياء النساء، فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئًا محرمًا عليها في هذه العِدة لزم وليها أن يمنعها، وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء، لكن بالمعروف. وقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويش هذا الفعل اللي كان بالأول ممنوعًا، كان ممنوعًا بالأول ثم كان جائزًا بعد انقضاء العِدة؟ الفعل هو الإحداد، وهو اجتناب الزينة وكل ما يدعو إلى جماعها ويرغِّب في النظر إليها، هذا الإحداد، فما دامت في العدة فإنه يجب عليها أن تتجنب هذا الشيء، فتلبس الثياب الخلقة، صح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، تلبس الثياب ما شاءت من الثياب إلا ثياب الجماع. * الطلبة: نعم. * الشيخ: هذا صحيح، يعني: لها أن تلبس الثوب الجديد والثوب الملوّن، لكن لا تلبس ثوبًا جميلًا؛ لأن هذا يُرغّب في النظر إليها ويدعو إلى جماعها؛ فإن الرجل إذا رأى المرأة متزينة لا شك أنه يرغب. تتجنب الحلي؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن هذا داخل فيما يرغِّب في النظر إليها، تتجنب التحسين بأنواعه سواء في اليد أو الرجل أو العين أو الوجه أو الشفتين، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: صح. الحناء، تمتنع منه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم. تتجنب الطيب بأنواعه، كذا؟ إلا دهن العود؟ * الطلبة: لا، كله. * الشيخ: كل الطيب بأنواعه، إلا أن الشارع رخّص لها إذا طهرت بنوع من الطيب وهو القسط أو الأظفار، ويشبه -والله أعلم- هذا العود الهندي هذا أنها تتطيب به تتبخر لأجل إزالة الرائحة التي بقيت بعد الحيض. تتجنب مشط رأسها؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا. الاغتسال؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما تتجنبه؟ * الطالب: لا. * الشيخ: استعمال الصابون؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: إن كان مُطيبًا تتجنبه، وإلا فلا. هل يجب عليها أن تغتسل في يوم معين من الأسبوع أو متى شاءت؟ * الطلبة: متى شاءت. * الشيخ: متى شاءت، مع أنه عند العامة يقولون: إنها ما تغتسل إلا يوم الجمعة. هل يجوز أن تصعد إلى السطح في الليالي المقمرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الليالي المقمرة، يجوز؟ * الطلبة: نعم، يجوز. * الشيخ: يشاهدها القمر؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يقول العامة: إنه لا يجوز أن تصعد إلى السطح أو تخرج إلى صحن البيت في الليالي المقمرة لأن القمر يشاهدها حينئذٍ، فالقمر يقولون: إنه إنسان، بدليل أن له عينين -ما جعلوا له لسانًا وشفتين- يقولون بس: عينين وأنف، يقولون: إن له عينين وأنفًا، يشوفون ها السواد اللي في القمر ويحسبونه عينين. وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شوف حتى بعد انقضاء العدة لا بد أن يكون ما تفعله في نفسها في نِطاق المعروف، والمعروف هو ما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع، فلا يخرج عن المروءة وعن عادة الناس ذوي المروءة، ولا يخرج عن نطاق الشرع، فلو أرادت أن تتبرج؛ تخرج متبرجة متزينة متطيبة، قلنا: لا، لا يجوز. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ختم الآية بهذه تحذيرًا من مخالفته، يعني: احذروا أن تخالفوا هذا الحكم، فإن الله بما تعملون خبير، والخبير هو العليم ببواطن الأمور، فهو أخص من العليم؛ لأنه مأخوذ من الخبير بالأرض والحرث، ومنه المخابرة: المزارعة؛ لأن الزرع يوضع في الأرض فيدفن ويخفى، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور وخفاياها. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة ٢٣٥]. ﴿لَا جُنَاحَ﴾ يعني: لا إثم ولا حرج. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لجميع الناس، كل خطاب في القرآن بلفظ الجمع فهو للناس عمومًا، إلا ما عينه السياق في قرينة فلا بأس؛ لأنا ذكرنا قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] والقرآن نازل لجميع الناس. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿فِيمَا﴾ أي: في الذي، وإن شئت فقل: ما نكرة موصوفة؛ أي: في قولٍ عرضتم به من خطبة النساء، ولكن الموصول أولى، والدليل على أنه أولى أنه بُيِّن في قوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. و﴿عَرَّضْتُمْ﴾ التعريض والتلويح هو أن يأتي بالكلام غير مصرح بمراده. فيه تصريح وتلويح وتعريض، التعريض والتلويح معناهما واحد؛ يعني: يأتي الإنسان بكلام لا يتبين فيه مراده؛ مثل،بالنسبة للمثال اللي معنا، أن يقول للمرأة: إني في مثلك لراغب، أنا أرغب الزوجة التي هي مثلك، إنك امرأة يرغب فيك الرجال، وما أشبه ذلك، إذا انقضت العدة فأخبريني، وعلى هذا فقِس، هذا التعريض، هذا ما فيه تصريح أنه يخطبها لا لنفسه ولا لغيره، لكنه يسمى تعريضًا. * * * (...) ويذرون أزواجًا أزواجهن يتربصن، فيكون هنا تقدير مبتدأ خبره جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول. طيب جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (...)؟ * * * الخطبة معناها: هو أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها ويطلبها إليه، وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأن عظيم، وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول، طلب الإنسان الزوجة إلى نفسه يكون مقرونًا بالقول، حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة وأهلها ويخطب فيهم؛ يعني: يتكلم بخطبة ثم يبدي أنه يرغب، وربما الآن في وقتنا الحاضر يُصدِّر طلب المرأة بخطبة كتابية؛ يكتب: من فلان لفلان، ويذكر ما يحتاج إلى بيانه في رغبته في يد المرأة، ولكن مع هذا يفرقون بين الخِطبة بالكسر وبين الخُطبة بالضم، فيقولون: الخُطْبة هي القول المشتمل على الوعظ والتذكير وما أشبه ذلك، والخِطْبة هي طلب المرأة لتكون زوجة للخاطب. وقوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ النساء هذه عامة، النساء هنا عامة، ولكنه يراد بها الخاص، أو نقول: إن (أل) هنا للعهد، العهد الذكري وهو قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾، يعني: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ يعني: المذكورات، وهن الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن، واضح؟ وعلى هذا فتكون (أل) هنا للعهد الذِّكري، لكن اللفظ جاء بغير اللفظ، بل جاء بالمعنى، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] هذه أل للعهد الذكري، لكنها جاءت باللفظ الأول تمامًا، وكما في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور ٣٥] وين المصباح؟ المذكور، ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ يعني: المذكورة، إلى آخره. هنا النساء عادت إلى الأزواج بالمعنى، فيكون المراد بالنساء هنا من؟ اللاتي تُوفي عنهن أزواجهن. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: بالقول، ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بدون قول، ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم بأنكم ستتزوجون هذه المرأة التي تُوفي عنها زوجها، ولكن بدون أن تخبروها أو تخبروا أحدًا، لكن تضمروا. وإذا كانت امرأة لم يُتوفّ عنها زوجها وليست معها أحد، هل للإنسان أن يُكِنّ في نفسه أنه سيتزوجها؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ما فيه شك، يجوز، إذا كان يجوز أن يخاطبها بصريح الخِطبة فإن إضماره في قلبه أن يتزوجها من باب أولى، وهذه تأتي في الفوائد. قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ كلمة (عَلِم) مشتقة من العِلْم، وقد سبق لنا أن العِلْم إدراك الشيء إدراكًا جازمًا. * طالب: مطابقًا. * الشيخ: مطابقًا، إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، مثل أن أدرك أن هذا مصحف، مطابق ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وجازم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: خرج بإدراك: عدم الإدراك، ويسمى: جهلًا، إنسان ما يدري عن الشيء تقول له: أيش هذا؟ يقول: ما أعرفه، هذا ليس عنده علم، بل جهل. جازمًا: خرج به الشك والظن والوهم، فالظن هو ما يترجّح في نفس المرء مع احتمال غيره، والوهم هو الطرف المرجوح، والشك متساوي الطرفين ما فيه الترجيح ولا هذا، وهذا يقوله العلماء في باب أصول الدين في بحث أصول الفقه، وهو غير الشك والظن الموجود في الفقه؛ لأن الشك والظن في باب الفقه هو ما ينافي اليقين، يعني: فالمترجح ليس بشيء عندهم، فلو أن الإنسان كان على وضوء، ثم شك هل انتقض وضوؤه، لكن ترجح عنده أنه انتقض، فإنه يعمل بهذا الظن ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا، ما يعمل بهذا الظن، كان متوضئًا وشك هل أحدث أم لا، وغلب على ظنه أنه أحدث، فهل يعمل بهذا الظن ويتوضأ؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]، يعني: حتى يتيقن، فالظن في الأحكام العملية ملحق بماذا؟ ملحق بالشك، الظن الطارئ على المتيقَّن. إذن هنا ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ قلنا: العِلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا. مطابقًا: خرج به الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يُدرك الإنسان الشيء على خلاف حقيقته غير مطابق، فلو سألنا شخصًا وقلنا له: متى كانت غزوة بدر؟ قال: لا أدري؟ * الطلبة: هذا جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، لا يدري، وجزاه الله خيرًا. ولو سألنا شخصًا آخر متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد لله الذي نصر نبيه في يوم بدر وسماه يوم الفرقان، وأنزل فيه آيات عديدة من القرآن، كانت غزوة بدر في السنة الخامسة من الهجرة في ربيع الأول، أيش جهل هذا؟ * الطلبة: جهل مركب. * الشيخ: مركب؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لو كان من غير الخطبة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي، هذا جهله جهل مركب، وما أكثر الجهال المركَّبين وإن كانوا فصحاء! إذن نقول: هذا جهله جهل مركب. أهو أسوأ حالًا أو الجاهل البسيط؟ * طالب: الجاهل البسيط. * الشيخ: الجاهل البسيط أسوأ حالًا يا أخي! * الطلبة: المركب. * الشيخ: الجاهل المركب، ليش؟ لأن جهله مركب من جهلين: جهل بالواقع، وجهل بنفسه، هو عند نفسه أنه عالم وليس بعالم، فقد جهل نفسه، وجهل بالواقع أيضًا؛ ولهذا سماه العلماء جهلًا مُركَّبًا. سألنا ثالثًا وقلنا: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: أظنها إما في الثانية أو في الثالثة، هذا جاهل، لكن عنده نوع من العلم إلا أنه شاك، صح ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إلا أنه شاك، ما أدركها إدراكًا جازمًا؛ لما قال: الثانية، صحيح هي في الثانية، لكن عنده شك هل هي في الثانية أو في الثالثة. الله عز وجل علمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، أيش معنى أزلًا وأبدًا؟ يعني: أزلًا فيما مضى، وأبدًا فيما يستقبل، ويدخل فيهما الحاضر؛ لأن الحاضر اللحظة التي قبل لحظة الآن ماضي، واللي بعده؟ مستقبل، وهي نفسها لا تتقسم، هي: إما حاضر وإما مستقبل وإما ماضٍ، لكنها بلحظة تنقسم، على كل حال الله عز وجل عالم، وعلمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا. واعلم أن علم الله عز وجل لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا نقص في الشمول والإحاطة، فقد أحاط بكل شيء علمًا. ومنها ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بالقول أو بالقلب؟ * الطلبة: بهما. * الشيخ: بهما جميعًا، يذكرها الإنسان بقلبه، ويذكرها الإنسان بلسانه، يذكرها مثلًا لإخوانه؛ لأبيه، لابنه، لصديقه، وما أشبه ذلك بأنه يرغب أن يتزوج فلانة، أو يذكر ذلك بقلبه وفي نفسه. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ هذا نهي ولَّا خبر؟ * الطلبة: نهي. * الشيخ: نهي؟ ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾. * الطلبة: نهي. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون؛ لأن تواعدون من الأفعال الخمسة، إذا حذفت النون فلا بد من ناصب أو جازم، وإن كانت قد تحذف كثيرًا مع نون الوقاية، وقد تحذف أيضًا -لكن ليس بكثير- مع عدم نون الوقاية؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، قال: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»، ولم يقل: لا تدخلون، مع أنها نافية هذه، «وَلَا تُؤْمِنُوا»، ولم يقل: ولا تؤمنون، مع أنها نافية ولست بناهية. * طالب: الإعراب كيف يا شيخ؟ * الشيخ: نقول: الإعراب، لا: نافية، وتدخل: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة للتخفيف. قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ كلمة ﴿سِرًّا﴾ ذكر المفسرون -كثير منهم- أن السر من أسماء النكاح؛ أي: لا تواعدوهن نكاحًا، وقالوا: إن السر من أسماء النكاح؛ لأنه يقع بين الرجل وامرأته سرًّا، وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: فيما بينكم وبينهن، وإذا نُهي عن السر فالعلانية من باب أولى، ويختلف الإعراب بناء على القولين؛ فإذا قلنا: إن ﴿سِرًّا﴾ هو النكاح صار مفعولًا ثانيًا؛ يعني: لا تواعدوهن نكاحًا، وإذا قلنا: إن السر ضد العلانية والمعنى: لا تواعدوهن وعدًا سريًّا صارت؟ * طالب: حال. * الشيخ: أو مفعولًا مطلقًا؛ يعني: وعدًا سرًّا، وأيًّا كان فإن الله عز وجل ينهى عن أن يُصرَّح للمرأة في عدة النكاح. ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن هل الاستثناء هنا منقطع أو متصل؟ إن كانت بمعنى لكن فهو منقطع، وإن كانت بمعنى إلا فهو متصل، هذا من حيث التقدير؛ إن قدّرت إلا بمعنى لكن فهو منقطع. وعلامة أخرى معنوية، وهي أنه إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو متصل، وإذا لم يكن من جنسه فهو منقطع. هنا ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هل هو من جنس ما قبله؟ من المواعدة سرًّا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ لأن المواعدة سرًّا ليست من القول المعروف، ولَّا لا؟ إذ إن القول المعروف هو التعريض دون التصريح. وإذا كان متصلًا، لكن لا يصح أن يكون متصلًا؛ لأن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، وعلى هذا فيكون الاستثناء هنا منقطعًا، النحويون يمثلون للاستثناء المنقطع بقولهم: قام القوم إلا حمارًا، صحيح هذا التمثيل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ويش السبب؟ * طالب: ليس من جنس الرجال. * الشيخ: ليس من جنسهم ولََّا لا؟ وإنما يأتون بهذا لأن.. (...) متصل ولَّا منقطع؟ * الطلبة: منقطع، إن كان للعبودية، حسب التفسير. * الشيخ: إي، حسب تفسير العبودية؛ إن كان المراد: إن عبادي المخلصين ليس لك عليهم سلطان، فالاستثناء منقطع لا شك، وإن كان عبادي من جِنس قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]. * طالب: متصل. * الشيخ: فالاستثناء متصل، وأيهما أبلغ؟ * طالب: الأول. * الشيخ: الأول أبلغ، وإن كان الثاني هو الأصل، الأصل أن الاستثناء متصل، لكن الأول أبلغ: إن عبادي المخلصين لا يمكن أن تصل إليهم إطلاقًا ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢]، لكن من اتبعك هم الذين يكون لك عليهم سلطان. يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ معروف من قبل مَنْ؟ * الطلبة: من قبل الشرع. * الشيخ: من قبل الشرع، وهو؟ ما هو القول المعروف؟ التعريض الذي أباحه الله. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، لما ذكر الله عز وجل التعريض والتصريح، وأن التعريض جائز دون التصريح والمواعدة -ولو سرًّا- قال عز وجل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ﴿تَعْزِمُوا﴾ العزم على الشيء معناه: التنفيذ، و﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: عقده؛ لأن النكاح عقد بين الزوج والزوجة، فهو كالعقود الأخرى كعَقد البيع وما أشبه ذلك، وقوله: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: الزواج. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ حتى هذه للغاية، وما بعدها منصوب بها، وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ فِعال بمعنى مَفعول، وما المراد بالكتاب؟ الذي ذكر المفسرون أن المراد بالكتاب هنا العدة؛ لأن الله تعالى فرضها، فهي مفروضة على أن فِعالًا بمعنى مفعول، يعني: حتى يبلغ المفروض أجله، والمفروض هي العدة، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت أو طلاق أو نحوه؛ بأن يقال مثلًا: توفي في اليوم الفلاني، ويكون هذا داخلًا في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق ١] يعني: اضبطوها وحرروها، وعلى هذا فيكون المعنى: الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب أيش؟ سبب العدة من وفاة أو طلاق. وقوله: ﴿أَجَلَهُ﴾ أجل الشيء: منتهاه وغايته؛ يعني: حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله سبحانه وتعالى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر، وأتى به سبحانه وتعالى للأهمية والتحذير من المخالفة، ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه، اعلم كذا وكذا، لأجل أن تنتبه ويبلغ علمك هذا الشيء. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما استقر في أنفسكم مما تضمرونه من كل شيء، ولكن هل يؤاخذنا الله عز وجل بما أنفسنا؟ هذا يرجع فيه إلى ما تقتضيه الأدلة من غير هذه الآية، وسنبين إن شاء الله تعالى عند الفوائد. وقوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ يعني: إذا علمتم هذا فاحذروا الله عز وجل من أن تضمروا في هذه الأنفس ما لا يرضاه سبحانه وتعالى، والحذَر من الشيء معناه: أخذ الحِذْر، وهو الاحتياط وعدم المخالفة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لما حذرنا عز وجل قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فإذا أضمرتم في أنفسكم ما لا يرضاه فإن لديكم بابًا واسعًا، ما هو؟ المغفرة، تعرّضوا لمغفرة الله سبحانه وتعالى بأن تستغفروا وتتوبوا إليه، وسبق لنا مرارًا أن الغفور مأخوذ من الغَفْر وهو السَّتر، والمراد به ستر الذنب والتجاوز عنه. وقوله: ﴿حَلِيمٌ﴾ فالحليم هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية: وَهُــوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِــــلُعَبْــــــــدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَــــةٍ لِيَتُــــوبَ مِــــنْعِصْيَــــــــــــــــانِ الحليم هو الذي يؤخر العقوبة عمن يستحقها، وضده من ليس بحليم: من يُعاجل بالعقوبة، والله عز وجل قرن هنا بين المغفرة والرحمة وهو الحلم؛ ليتبين أن تأخيره للعقوبة من أجل أن يتعرض الإنسان لأسباب مغفرته؛ ولهذا جمع بينهما: غفور حليم، فهو يغفر الذنب لمن تاب منه، وهو يحلم فلا يعاجل عبده بالعقوبة سبحانه وتعالى. وكل هذه الأشياء: اعلموا واعلموا واحذروا وما أشبه ذلك تدل على عظم عقد النكاح، وأنه أمر لا يجوز التلاعب به أبدًا، ولهذا كان النكاح في عقده وحَلِّه جِده جِد، وهزله جِد أيضًا، النكاح ولو كان هُزءًا ينعقد، والطلاق ولو كان هُزءًا يحصل به الفراق، كل ذلك من أجل البعد عن التلاعب في هذا العقد العظيم الذي له خطره. ثم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] نقول في ﴿لَا جُنَاحَ﴾ هنا كما قلنا في الأول: إنها نافية للجنس، و﴿جُنَاحَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح؛ لأنه مفرد، وقوله: ﴿جُنَاحَ﴾ أي: إثم. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ لما كان الإنسان قد يتوهم أنه إذا طلق الزوجة بعد أن عقد عليها أن عليه إثمًا في ذلك، لأيش؟ لأنه كسرها، وربما تتأثر تأثرًا كبيرًا، ليش إن هذا الرجل بعد أن عقد عليها ذهب يطلقها؟ لماذا؟ فينفر الناس منها ولا يتزوجونها، فبين الله عز وجل أن ذلك ليس فيه جناح علينا، إذا طلقنا المرأة من دون أن نمسها، واضح؟ ولهذا قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿مَا لَمْ﴾ اختلف أهل الإعراب في إعرابها؛ فقال بعضهم: إن (ما) مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام عدم مسِّكم لهن، وقال بعضهم: إن (ما) شرطية، فهو من باب دخول الشرط على الشرط؛ يعني: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسُّوهن، وهذا يأتي في اللغة العربية كثيرًا؛ أي: كون الشرط الثاني شرطًا في الأول؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط، ومنه قول الشاعر: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنَّــــا مَعَاقِــــلَ عِــــزٍّ زَانَهَــــاكَــــــــــــــــرَمُ فيكون الثاني شرطًا في الأول، أيهما السابق؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: نعم، إذا دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، كلما دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، فهنا يقول: إن (ما) شرطية، وإن تقدير الآية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن. إن طلقتموهن إن لم تمسوهن؛ يعني أنه إذا طلقها بدون مس فلا جناح عليه، والمعنى واحد ولكن الاختلاف في الإعراب. وقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءة ثانية: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، وكلاهما بمعنًى واحد، والمراد به الجماع، لكن جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي مبين- أن يكنوا عما يُستحيا من ذكره صريحًا بما يدل عليه، فهنا ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ و﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ولكل منهما وجه؛ فعلى قراءة ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ لأن الجماع مس من الطرفين، فكل من الزوج والزوجة يمس الآخر، أليس كذلك؟ وعليه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣]. وأما على قراءة المس الذي لا يفيد إلا وقوع الفعل من جانب واحد فهو أيضًا واضح؛ لأن حقيقة الفاعل مَنْ؟ الزوج، الرجل، فهو ماس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران ٤٧] نعم، مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فجعل المس من جانب واحد وهو الرجل. وعلى هذا فينبغي لنا أن نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، وعلى قاعدة بعض أهل العلم يقولون: إذا اجتمع قراءتان في إحداهما زيادة حرف فينبغي أن نأخذ بما فيها زيادة حرف لأنها أكثر ثوابًا؛ إذ إن الحرف الواحد من القرآن فيه عشر حسنات. فإذا كان كذلك، فإننا نتتبع القراءات التي فيها زيادة حروف ونأخذ بها، نقرأ بها، ولكن هذا القول فيه نظر، بل الصواب أننا نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف صفات العبادات، وقد مر علينا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل أن تفعل هذه مرة وهذه مرة حتى تأتي بالسنة كلها، هذه أيضًا تفعل هذه مرة وهذه مرة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، حتى تأتي بكل الوجوه التي قرأها النبي ﷺ، ولكن يجب عليك أن تتيقن أنه قد قرئ بهذه القراءة، فلا تتخرص، فإذا نسيت فاقرأ ما علمت؛ لأنك لو تقرأ بشيء على سبيل الظن قلت على الله ما لم تعلم، والمسألة خطيرة، إنما من منّ الله عليه بمعرفة القراءات فإن الأفضل أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، إلا في حضور العامة، حضور العامة لا، اقرأ بالقراءة التي بين أيديهم، لماذا؟ لأنك لو تقرأ بقراءة خارجة عما في أيديهم ألبست عليهم وحصل في هذا إشكال؛ لأنهم إن اعتقدوا فيك العلم والحفظ قالوا: كيف القرآن كذا يختلف؟ وإلا نسبوك إلى الجهل وعدم المبالاة بكتاب الله عز وجل وقالوا: هذا فلان إمامنا اللي ما يهم فيه غلط ولا ما هي غلط، (...) من باب أولى للعوام. وعلى هذا فنقول: إن الأفضل لا كما قاله بعض أهل العلم أن تتبع القراءات التي فيها حرف زائد على القراءات الأخرى، بل الأفضل أن تقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، ومنه قوله في الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] و﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ نقول الأفضل: نقرأ بهذا مرة وبهذا أخرى لأجل أن نأخذ بكلتا القراءتين. قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: تجمعوا بين الأمرين، بين أن لا تفرضوا لهن فريضة وبين أن لا تمسوهن، فلا جناح عليكم إذا طلقتم المرأة بعد العقد بدون مسيس وبدون تسمية المهر، وتسمية المهر من عدمها لها ثلاثة أوجه: إما أن يسمي المهر ويعيِّنه -وهذا هو الأفضل- بأن يعيِّن الرجل الزوج المهر فيقول: أنا أريد أن أتزوجها بخمس مئة ريال، فيقول الولي: زوجتك ابنتي بخمس مئة ريال؛ هذا مهر مسمًّى، أو يسكت يقول: زوجتك ابنتي، ويقول: قبلتُ، أو يقول: زوَّجتك ابنتي، ويقول الزوج: بشرط أن لا مهر لها، فيشترط عدم المهر، هذه ثلاث صور، إذا عيَّن المهر فالأمر فيه ظاهر ويثبت ما عيَّن، وإذا سكت فهذا هو الذي في هذه الآية: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وأو هنا على القول الراجح حرف عطف، معطوفة على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، وليست كما قال بعضهم: إنها (أو) بمعنى إلا؛ يعني: ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة؛ فإن هذا ما يستقيم مع الكلام. المهم إذا تزوجها بدون أن يسمي لها مهرًا فهو ما في هذه الآية. إذا تزوجها وشرط عدم المهر فالشرط فاسد، لكن هل يفسد العقد أم لا؟ في هذا قولان لأهل العلم: فقال جماعة من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن النكاح باطل ولا يصح إذا شرط عدم المهر؛ لأنه إذا شرط عدم المهر فقد خالف قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فيها قراءتان، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ شرط ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فشرط الله الحِل بأن يكون هناك مال، وأيضًا إذا شرط عدم المهر صار ذلك هبة، والهبة خاصة بمن؟ بالنبي ﷺ. وقال بعض أهل العلم -الطائفة الثانية من أهل العلم-: إن النكاح صحيح والشرط فاسد، ويجب لها مهر المثل. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: كذلك أيضًا لا جناح عليكم في أن يقع منكم هذان الأمران: لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، وكما قلت في أول الكلام على الآية: إن المرأة قد يكون في قلبها شيء حيث طلقت بعد العقد وقبل الدخول، ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك أنه لم يُسمَّ لها مهر؛ فإن الناس قد يقولون: هذه المرأة لا تساوي شيئًا، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قال بعض المفسرين أو المعرِبين: إن هذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة، والتقدير: فطلقوهن ومتعوهن، وأن قوله: (فطلقوهن) مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ لأن معنى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ معناها: قد أبحنا لكم طلاق النساء فطلقوهن، فيكون المراد بالأمر المقدر -كما قالوا- المراد به الإباحة، والمراد بالأمر المذكور المراد به الوجوب. وقال بعض المعرِبين: لا حاجة إلى التقدير؛ لأن قوله (فطلقوهن) المراد به الإباحة مفهوم من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وما دام المعنى يفهم بدون تقدير فإنه لا يجوز التقدير؛ لأن التقدير نوع من التأويل، ولأن الأصل تمام الكلام وعدم احتياجه إلى تقدير. وهذا القول أرجح، وعلى هذا فقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: إذا طلقتموهن، وهذا مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ ما معنى التمتيع؟ أن يعطيها ما فيه المتعة والبلاغ من زاد أو لباس أو غير ذلك مما تقتضيه الحال والعُرف. وقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ في ﴿قَدَرُهُ﴾ قراءتان: ﴿قَدْرُهُ﴾ و﴿قَدَرُهُ﴾، وقوله: ﴿الْمُوسِعِ﴾ هو الغني، وقوله: ﴿الْمُقْتِرِ﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء ١٠٠] أي: مَنُوعًا، فالمقتر معناه: الذي ليس عنده شيء أو الفقير، والموسع: الغني الكثير المال، فـ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أو ﴿قَدْرُهُ﴾ أي: ما يناسب حاله، وعلى الفقير ما يناسب حاله، والجملة هذه قيل: إنها استئنافية لا محل لها من الإعراب تبين مقدار الواجب الذي أوجبه الله في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وقيل: إنها في موضع نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: متعوهن حال كونكم موسرين أو معسرين، على الموسر قدره، وعلى المقتر قدره. أما إعرابها فإن ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿عَلَى الْمُقْتِر﴾ أيضًا خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾ هذه يحتمل أن يكون اسم مصدر -يعني: مفعولًا مطلقًا- عامله قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: تمتيعًا بالمعروف، فمتاع هنا بمعنى تمتيع، مثل كلام بمعنى تكليم، وسلام بمعنى تسليم وما أشبهها، وعلى هذا فيكون إعرابها مفعولًا مطلقًا، ويحتمل أن يكون حالًا؛ يعني: حال كون القَدَر أو القَدْر متاعًا بالمعروف. وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني معناه: يقتضيه العُرف، وكم في الآيات التي مرت التحويل على العرف مما يدل على أن العرف له اعتبار شرعي. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿حَقًّا﴾ منصوبة على أنها مصدر لفعل محذوف، يعني: أُحقُّ ذلك حقًّا على المحسنين، أو على أنها مصدر معنوي لقوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ حقًّا، أو على أنها صفة لقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ يعني: متاعًا حقًّا، كل الأوجه هذه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى. والحق هو الشيء الثابت اللازم يقال: حقّ، والحق إما أن يكون في الأخبار وإما أن يكون في الأحكام، فإن كان في الأخبار فهو الصدق، وإن كان في الأحكام فهو العدل، وقد يُجمع بينه وبين الصدق فيُحمل الصدقُ على الخبرِ والحقُّ على العدلِ مثل قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] قال العلماء: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار، ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: على الفاعلين الإحسان. المحسن اسم فاعل من أحسن؛ أي: قام بالإحسان وعمل به، والإحسان هنا ما كان موافقًا للشرع، فإذا قرن بالعدل صار المراد بالإحسان: الفضل الزائد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]، فالإحسان تارةً يُراد به موافقة الشرع ولو كان شيئًا واجبًا، وتارةً يُراد به ما زاد على الواجب، وهذا إذا قُرِن بماذا؟ إذا قُرِن بالعدل كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: والمحسنات؟ * طالب: يخاطب الأزواج. * الشيخ: لأنه يخاطب الأزواج، الزوجات ما بيمتعن أزواجهن؛ لأنهن مخطوبات لا خاطبات (...) ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة فوائد: أولًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، من أين؟ * طالب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾. * الشيخ: لا، من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ لأنها خبر بمعنى الأمر. ويستفاد من عمومها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿أَزْوَاجًا﴾. * الشيخ: ﴿أَزْوَاجًا﴾ وأطْلق. ويستفاد منها أيضًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء دخل بها أم لم يدخل، من قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق، فإن الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب ٤٩] واضح؟ فهذان رجلان كلاهما تزوجا، أحدهما مات قبل أن يدخل، والثاني طلق قبل أن يدخل، على زوجة الأول العدة، والثاني ليس عليها عدة، كذا؟ ولزوجة الأول المهر كاملًا، ولزوجة الثاني نصف المهر، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ولزوجة الأول الميراث، والثانية؟ * الطلبة: لا شيء. * الشيخ: صح، لأنه ما مات. المهم إذا مات ما هو زوج (...) ولا عدة عليها، إذن عموم الآية يشمل أيش؟ من دخل بها ومن لم يدخل بها. عموم الآية يتناول الحامل وغير الحامل، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ تشمل الحامل وغيرها، لكن الحامل خصت بآية الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]. لمعترض أن يعترض ويقول: بين الآيتين عموم وخصوص وجهي، فلا يمكن أن تخص إحداهما بالأخرى إلا بدليل؛ ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم إلى أنها تعتدّ بأطول الأجلين[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة، وفيه قصة ابن عباس رضي الله عنهما، وأما حديث عليٍّ فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٠٩٨).]] جمعًا بين الآيتين، أعرفتم؟ ما هو الجواب؟ الجواب: أن السُّنة دلت على تقديم عموم آية الطلاق؛ حيث إن «سُبَيْعَةَ الأسلميَّة نُفِسَتْ بعد موت زوجها بليالٍ، فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]] »، وعلى هذا فيكون عموم آية الطلاق مُقدمًا على عموم آية البقرة، واضح يا جماعة؟ ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج ولا تتعرض للزواج؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، كما تقول: انتظر بكذا وكذا، تربّص بكذا وكذا، يعني: لا تتعجل. ويُستفاد من الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل بوضع أربعة أشهر وعشرًا، أو بفرض أربعة أشهر وعشرًا، ويش الحكمة؟ * الطلبة: ليتبين (...). * الشيخ: قيل: ليتبين الحمل، وهذا فيه نظر؛ لأن الحمل يتبين في مدة أقل، ولكنه سبق لنا تعليل في هذا وهو؟ * الطلبة: (...) قلنا: تعبدية. * الشيخ: قيل: إنها تعبدية، هذا ما لنا فيه تصرف، إذا قلنا: تعبدية، ما لنا فيه تصرف، لكننا نقول: حكمة معقولة؟ * طالب: نعم، أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة. * الشيخ: أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة وثلث الشهر؛ لأنه في الجاهلية كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها تبقى حولًا كاملًا، ففرض الله من هذا الحول ثلثه، ومن جنس الشهور ثلث الشهر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفًا من تجمُّل وخروج من البيت وغير ذلك؛ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: فلا جناح عليهن، مع أن الحديث عن المرأة، عن النساء، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، كأنه أشار إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء فيكونون مسؤولين عنهن. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار العرف؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد مر علينا مرارًا وتكرارًا: أن العُرف معتبر إذا لم يُخالف الشرع، فإن خالف الشرع فليس بمعتَبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عِلم الله عز وجل بالظاهر والخفي، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والخبير هو العالم ببواطن الأمور، ومن علم ببواطن الأمور كان عليمًا بظواهرها من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى آخره. يُستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها، من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وقد سبق لنا التعريض معناه، كذا؟ ويُستفاد من الآية: تحريم التصريح بعدة المتوفى عنها زوجها في خطبة المعتدة من وفاة، تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة؛ لقوله: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾، فنفى الجناح عن التعريض، وهو دون التصريح، والتصريح محرم. استطرادا للفوائد نقول: إن خطبة المعتدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تحرم تصريحًا وتعريضًا، وتباح تصريحًا وتعريضًا، وتباح تعريضًا لا تصريحًا، تحرم تعريضًا وتصريحًا، وتباح تعريضًا وتصريحًا، وتحرم تصريحًا لا تعريضًا. متى تحرم تصريحًا وتعريضًا؟ في الرجعية لغير زوجها، فيحرم على الإنسان أن يخطب المرأة الرجعية، لا تصريحًا ولا تعريضًا، والرجعية مَن هي؟ يعني: المعتدَّة التي يجوز لزوجها أن يراجعها بغير عقد، هذه الرجعية. والتي تحل تصريحًا وتعريضًا هي البائن من زوجها إذا كانت تحل له، مثل المطلقة على عوض، والمختلعة، والفاسخة لنكاحها لسبب، وما أشبه ذلك، المهم أن القاعدة ما هي؟ هي المبانة لزوجها إذا كانت تحل له، فيجوز لزوجها أن يخطبها تعريضًا وتصريحًا وأن يتزوجها، فلو طلّق الإنسان امرأته على عِوض ثم بعد ذلك ندم وهي أيضًا ندمت، إن طلب يتزوجها يجوز يخطبها من أهلها؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يجوز أن يخطبها ويجوز أن يتزوجها. والذي يباح تعريضًا لا تصريحا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: كل مُبانة لغير زوجها، يعني: كل مُبانة يجوز لغير زوجها أن يعرِّض بخطبتها بدون تصريح؛ مثل المتوفى عنها زوجها، والمبانة بطلاق الثلاث، أو بفسخ، أو نحو ذلك، عرفتم؟ هذه أقسام الخطبة. * طالب: البكر يا شيخ؟ * الشيخ: البكر، ما هي معتدة، كلامنا على المعتدة. * الطالب: ما هي الأقسام؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجوز تعريضًا أو تصريحًا؟ * الشيخ: البكر ما هي معتدة. * الطالب: المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل، فيعرض لها أحد بالزواج. * الشيخ: تدخل في المبانة. الدليل على جواز التعريض دون التصريح للمتوفى عنها زوجها هذه الآية، هذه الآية دليل، ويقاس عليها كل مبانة من زوجها؛ لأن لها علاقة بزوجها من جهة، وهي منفصلة عنه من جهة أخرى. أما الرجعية فلأنها زوجة، كما قال الله تعالى فيما سبق: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨]. وأما المبانة من الشخص إذا كانت تحل له فواضح أنها زوجته، فيحل له أن يخطبها وأن يتزوجها، وقولنا: إذا كانت تحل له، احترازًا من المبانة بالثلاث، المبانة بالثلاث لا يحل لزوجها أن يخطبها مطلقًا؛ لأنها ما تحل له. ويستفاد من الآية الكريمة: جواز إضمار الإنسان في نفسه ما لا يحل له أن يفعله بجوارحه؛ لقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ذكر الإنسان المرأة المعتدة في نفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾، فلو قال شخص: إنني أريد أن أتزوج امرأة فلان التي توفى عنها زوجها، يقول يحدث غيره، يجوز ولَّا ما يجوز؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز ولا حرج فيه، وكذلك لو ذكرها في نفسه، لكن الذكر في النفس هل يغني عنه قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؟ يمكن أن يغني عنه، وإلا فإن ما في القلب يسمى ذِكرًا كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥ / ٢، ٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ..» الحديث.]]، فما أضمره الإنسان في نفسه فهو ذكر وحديث. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من وفاة؛ أن يواعدها النكاح فيقول: إذا انتهت عدتك فإني سأتزوجك؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. * ومن فوائدها: أن التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها من القول المعروف غير المنكر؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. هل يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أن النكاح باطل؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، منين الدليل؟ من قوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، وقوله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨)، وابن ماجه (٢٥٢١) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، إذن لو تزوج الإنسان امرأة معتدة فإن النكاح لا يصح. وهل تحل له بعد انقضاء العدة ولَّا ما تحل؟ * الطلبة: فيه أقوال. * الشيخ: فيه خلاف؛ فمن أهل العلم من قال: لا تحل له، ومنهم من قال: تحل له. الذي قال: لا تحل له، بنى قوله على قاعدة معروفة في الفقه وهي: من تعجل شيئًا قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه. وهذه القاعدة لها أصل من السنة، وهو منع القاتل من الميراث[[أخرجه الترمذي (٢١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأنه يُخشى أن يتعجل القتل لأجل أن يرث، ولكن الراجح في هذه المسألة أنه إن رأى الحاكم أن يمنعه منها فعل، وإلا فلا، وربما يُحمل ما روي عن عمر في ذلك على هذا الوجه؛ أن فعله رضي الله عنه ليس سنة، ولكنه عقوبة وتعزير[[أخرجه أحمد في المسند (٣٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فإذا رأى الحاكم أن يمنع هذا الخاطب الذي تعجل في الخطبة قبل أوان جوازها.. الشيخ: منع الحق لمن يستحقه لولا التعذير، والتعذير بمنع الحق لمن يستحقه هو جائز، وعلى هذا فنقول: الصحيح في هذه المسألة أن من عقد على مُعتدَّة فالأصل أنها تحل له بعد انتهاء العدة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] لكن إن رأى الحاكم أن يمنعه منها تعذيرًا فله ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العناية بالعدة وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ لأن أجله ما بُيِّن هنا، وإن كان بُيِّن في آية ثانية، وقد سبق لنا أن من فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه وتحرص عليه حتى تدركه، فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان ولا ينساه، واضح؟ ولهذا نحن لا نؤيد فكرة أن يكون كل شيء موجودًا عند الطالب؛ يعني ما نؤيد أننا نجيب له كتاب ونشرح له كل ما فيه، خلِّ الكتاب به بعض الشيء لأجل الإنسان يستعمل فكره، ولا نؤيد استعمال الطالب للآلات الحاسبة إلا عند الضرورة، ويش الآلات الحاسبة؟ معروفة؛ لأنك إذا تعودتها. * طالب: لم تُعمِل الفكر وتبلّد. * الشيخ: تبلّد فكرك، وصار ما تعرف إلا بهذه الآلة، ولا نؤيد أيضًا استعمال الطالب لآلات الفرائض؛ آلات علم الفرائض، فيه آلات الآن كمبيوتر ما تبين لك علم الفرائض، اعرف بس قاعدتها واضرب الأرقام هذه وتحل لك المسألة، تقسم لك أي مال يكون، بدلًا من أن تتعب في قسم التركات وتُراجع كتب الفرضيين استعمل هذه، ولكن ما نعلمكم اللي عنده؛ لأني أخشى بعد تتخذونها، استعملها لو كنت عامي ما تعرف شيئًا من الفرائض أبدًا، بس يوريك كيف تعمل، ثم تجيء بالمال وتكتب على الشاشة، ثم تنغز الأزرَّة وتكتب الورثة، ومع ذلك لو نغزت واحدًا (...) من هادولا ما تطلع اسمه ما تعطيه. * طالب: ما مذهبها؟ * الشيخ: مذهبها على المشهور عند الحنابلة. * طالب: حسبما تُعد؟ * الشيخ: حسب، لكن (...) أقول: إني لا أؤيد ذلك؛ لأن الطالب ينبغي أن يدرك العلم بفهمه. يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ويستفاد منها: وجوب الحذر من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يُرضي ربه من قوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾. ويستفاد منه: أن هذا القرآن العظيم مثاني بمعنى: تُثنَّى فيه الأمور والمواضيع، فإذا ذُكر أهل الجنة ذُكر أهل النار، وإذا ذُكر الرجاء ذُكر معه الخوف، وهكذا، وقد نص الله على ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] وهو هذا القرآن، من أين يؤخذ من هذه الآية؟ لأنه لما حذر قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والحليم، وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن؟ * طالب: للصفات. * الشيخ: للصفة، وهل يتضمن الحكم؟ * طالب: إذا تعدَّى. * الشيخ: إي، فيه تفصيل، إن كان متعديًا يتضمن الحكم، وإن كان غير متعدٍ لم يتضمن. وهل يدل على أكثر من صفة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ربما يدل بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة عندهم ثلاثة: مطابَقة، وتضَمُّن، والتزام، وياسر يضرب لنا مثالًا للمطابقة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كنت أريد المسألة تعيدها تشرحها. * الشيخ: مثال ذلك أقرب شيء نمثّل بالمحسوس، أنا عندي الآن بيت، فإذا قلت: هذا بيت فلان، كلمة (بيت فلان) تدل على كل البيت بما فيه من الغُرَف والْحُجر والفُسَح والصالات وما أشبه ذلك، ولَّا لا؟ تدل على مجموعه دلالة مطابقة؛ يعني إذا دل اللفظ على كل معناه فهو مطابقة، وتدل على الحجرة الواحدة والصالة الواحدة والفسحة الواحدة بالتضمن؛ يعني إذا دل اللفظ على جزء معناه فهي دلالة تضمن، وتدل على أن لهذا البيت بانيًا بالالتزام؛ لأن البيت ما يقوم بنفسه لا بد من بانٍ يبنيه تُسَمَّى هذه: التزام؛ يعني دلالة اللفظ على أمر خارج عن مدلوله وهو من لوازمه يسمى (دلالة التزام). بالنسبة لأسماء الله تدل على ذات الله وعلى الصفة التي يتضمنها هذا الاسم، تدل على الأمرين دلالة أيش؟ * الطلبة: دلالة مطابقة. * الشيخ: دلالة مطابقة، وتدل على الأمر الخارج اللازم لهذا المعنى؛ تدل دلالة التزام، مثل (الخالق) من أسماء الله؛ دلالته على الذات والخلق مطابقة، ودلالته على العلم والقدرة التزام، ودلالته على الخلق وحده أو الذات وحدها تضمن. واضح؟ * الطالب: لا. * الشيخ: سبحان الله! واضح؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: الخالق الآن يدل على ذات الله والصفة اللي هي الخلق دلالة مطابقة؛ لأنه دل على كل معناه، ويدل على الذات وحدها وعلى الخلق وحده تضمن؛ يعني معناه إفراد كل واحد عن الآخر، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام، كيف؟ ما يمكن يكون خالقًا إلا وهو عالم قادر، ولَّا لا؟ هل يخلق من لا يقدر؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، هل يخلق من لا يعلم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لا بد أن يكون عالمًا قادرًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فذكر العلم وذكر القدرة بعد أن ذكر أنه خَلَق، ولا يمكن أن يكون هناك خَلْق إلا بعلم كيف يخلق وبقدرة على الخلق وإلا (...). ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إلى آخره [البقرة: ٢٣٦]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. وربما يُشعر قوله: ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أن الأَوْلى عدم ذلك وأن لا يطلق؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها وقدم لها الصداق فيه شيء على المرأة وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعًا متعجلًا. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إطلاق المسِّ على الجماع؛ لقوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. ويستفاد منها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ لأنه معطوف على قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: وما لم تفرضوا لهن فريضة. وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة وشرط أن لا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح صحيح والشرط فاسد ولها مهر المثل، ومنهم من يرى أن النكاح غير صحيح، وهذا هو الصحيح أنه إذا شُرط عدم المهر فالنكاح غير صحيح؛ لأن الله اشترط للحِلّ المال؛ قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢٤]. والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يُشرَط المهر ويعيَّن، أو يُسكَت عنه، أو يُشرَط عدمه؛ ففي الحالة الأولى النكاح صحيح ولا إشكال فيه ولا نزاع، وفي الثانية النكاح صحيح ولها مهر الْمِثل إذا سُكت عنه، وفي الثالثة أن يُشرط عدمه موضع خلاف بين أهل العلم. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب المتعة على من طلَّق زوجته قبل الدخول ولم يسمِّ لها مهرًا؛ لقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وهذا بالإجماع أنه إذا طلقها قبل المسيس والخلوة ولم يفرض لها مهرًا فلها المتعة واجبة بالإجماع. ويستفاد من الآية أيضا: أن العبرة بالمتعة حال الزوج: إن كان موسرًا فعليه قدره، وإن كان معسرًا فعليه قدره؛ لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة يعني فائدة أخرى وهي: امتناع التكليف بما لا يطاق، كيف ذلك؟ * طالب: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وهذه القاعدة امتناع التكليف بما لا يطاق دل عليها القرآن في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إذا أمتع زوجته هذا الإمتاع أن يكون بالمعروف؛ أي: بما يقتضيه العرف، بحيث يبذله عن سخاء نفس وبدون مِنَّة؛ لقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائدها: أن القيام بهذه المتعة من الإحسان وإن كانت واجبة؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بشأن النكاح حيث أنزل فيه هذه الآيات الكثيرة المتعددة ولم تتم بعدُ أيضًا؛ لأنه عقد من أخطر العقود، إن لم يكن هو أخطر العقود فإنه من أخطرها. واستنبط بعض العلماء من هذه الآية أن المعتبَر في الإنفاق حال الزوج لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فقاس الإنفاق على الإمتاع، وهذا القياس قد يُقبل وقد لا يُقبل، لكن يغني عنه النص في هذا وهو قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]. وظاهر الآية الكريمة: أنه إذا دخل بها ولم يمسها وجب المهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ فعلَّق الحكم بالمسيس، وهو الجماع، ولكن الصحابة رضي الله عنهم حكموا بأن الخلوة كالمسيس؛ لأنه استباح منها ما لا يُباح لغير الزوج وهو الخلوة، فإذا خلا بها أو قبّلها أو باشرها لشهوة فهو كالجماع يتقرر به المهر. * طالب: استنتاج الفائدة من الآية. * الشيخ: إي، لأنه قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، فظاهره أنه إذا طلقها قبل أن يجامع فإنه ليس عليه متعة مع أن عليه متعة في هذه الحال. * طالب: إذا خلا بها. * الشيخ: إذا خلا بها، إذا خلا بها ظاهره أنه أن عليه المتعة، إذا خلا بها وليس عليه المهر كاملًا؛ لأنه علق الحكم ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فعلق وجوب المتعة بحال وهي إذا لم يمسها، فظاهره أنه وإن خلا بها لا يجب لها المهر، واضح؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ولكن الصحابة حكموا بأن الخلوة كالجماع، وعلى هذا فإذا خلا بها وجب لها المهر دون المتعة، واضح؟ * طالب: مهر المثل، مهر كامل؟ * الشيخ: كامل نعم، المهر كامل. * الطالب: حتى بدون مسيس ولا جماع. * الشيخ: إي نعم، بدون مسيس ولا جماع، يجب لها المهر وتجب عليها العدة، ويثبت كل ما يثبت بالجماع. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٧]، وفي قراءة: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، والمراد به الجماع. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أو ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ أي: من قبل أن تجامعوهن. وهنا كلمة ﴿قَبْلِ﴾ نجد أنها مجرورة بـ (مِن)، فهي إذن معربة، وإذا كانت معربة فلماذا لم تُنون؟ * الطلبة: للإضافة. * الشيخ: لأنها مضافة، مضافة إلى أي شيء؟ * طالب: المصدر المؤول. * الشيخ: لأن أن الداخلة على الفعل تؤول بمصدر؛ أي: من قبل مسِّهن، أو مماسَّتهن على القراءة الثانية. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الواو هذه للحال؛ يعني: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة؛ أي: عيَّنتم لهن مهرًا مسمى؛ مثل أن يتزوجها على ألف درهم معيَّنة ثم يطلقها قبل ذلك؛ قبل أن يمس، هذا فرض المسألة التي ذكر الله عز وجل. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الفاء هذه واقعة في جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، و﴿نِصْفُ﴾ مبتدأ خبره محذوف، وما تقدير هذا الخبر؟ * طالب: فلهن. * الشيخ: (فلهن) أو (فعليكم) يصلح هذا وهذا: فلهن نصف ما فرضتم، أو: فعليكم نصف ما فرضتم، ويجوز أن نجعل ﴿نِصْفُ﴾ خبر مبتدأ محذوف ويكون التقدير: فالواجب نصف ما فرضتم. قوله: ﴿نِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ إن كان هذا المفروض يمكن إفراز بعضه عن بعض فُصِل، كما لو كان ألف درهم فيُجعل خمس مئة وخمس مئة، وإن كان لا يمكن إفرازه بقي النصف مشاعًا كما لو كان بعيرًا مثلًا أو سيارة، لو كان سيارة وتزوجها على هذه السيارة ثم طلقها قبل أن يمسها، فكيف نقول له النصف؟ مشاعًا. نقول: له النصف مشاعًا، أي: لها نصف هذه السيارة وله نصفها. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (إلا) استثناء من أعم الأحوال، يعني: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال، وهذا الاستثناء يسمونه الاستثناء من أعم الأحوال؛ يعني كأنه يقول: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (أن) هذه حرف مصدر ينصب الفعل المضارع، والمشكِل أنه لم ينصب؛ لأن الواو موجودة ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فهل نقول: إن هذا للضرورة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا ضرورة. * الطلبة: النون موجودة. * الشيخ: إي، النون، والواو فاعل! ﴿يَعْفُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل! * طالب: لا يا شيخ النون نون النسوة. * الشيخ: ها، النون للنسوة، إذن الفعل منصوب لكنه مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، سكون أيش؟ سكون الواو ﴿يَعْفُونَ﴾؛ لأن الواو هذه من الفعل، ولهذا لو وزناه في الميزان الصرفي لكان ميزانه (يَفْعُلْنَ) بخلاف قولك: الرجال يعفون، فإن وزن يعفون؟ * الطلبة: يفعلون. * الشيخ: لا. * طالب: يَفْعُونَ. * الشيخ: وزن يعفون: يَفْعُونَ، صح؟ لأن لام الفعل حُذفت لأجل واو الجماعة، إذن نقول: ﴿يَعْفُونَ﴾ هذه منصوبة، لكنها مبنية على السكون في محل نصب؛ لأنها متصلة بنون النسوة. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟ يعود على النساء المطلقات. * طالب: ما يعود على الأزواج؟ * الشيخ: لا لا، كيف يعود على الأزواج، نحن قلنا: نون نسوة، الأولى يكون النساء. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يعني أو إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح، فإن عفون أو عفا الذي بيده عقدة النكاح، فما الحكم؟ ننظر من هو مستثنى؟ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فإن عفوا فكل ما فرضتم، لكم ولَّا لهن؟ * الطلبة: لكم. * الشيخ: نشوف، هذا ينبني على ما المراد بقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، اختلف المفسرون في هذا والفقهاء أيضًا؛ فقال بعض أهل العلم: إن المراد بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوج؛ لأنه هو الذي يملك العقد والطلاق، أرأيت لو قال الولي: زوجتك بنتي، فقال: (هونت ما أبغاها)، ينعقد النكاح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما ينعقد، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولو أنه انعقد وقال: قبلت، ثم قال: طلقت، ينفسخ النكاح؟ * طالب: لا ينفسخ. * الشيخ: ينفسخ، زوجه، إذن من الذي بيده العقدة الآن؟ هو الزوج، وهذا واضح جدًّا أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح الولي مطلقًا؛ لأنه هو الذي يعقد فيقول للزوج: زوجتك، فحينئذٍ يكون بيده العقدة، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة بناء على القول بأن الأب يُجبر ابنته، فهو إن شاء عقد وإن شاء لم يعقد بخلاف الأولياء الآخرين لأنهم لا يعقدون إلا بإذن مولياتهم، فيكون الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة، إذن ففيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه الزوج، الثاني: أنه الولي مطلقًا، الثالث: أنه الأب خاصة، ولكننا إذا رجعنا إلى ما يقتضيه اللفظ وجدنا أن القول الأول هو الصواب وأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، أليس كذلك؟ وأيضًا إذا جعلناه هو الزوج فقد استفدنا من الآية فائدتين: الفائدة الأولى: العفو من جانب الزوجة، والفائدة الثانية: العفو من جانب الزوج. وإذا جعلنا الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا أو الأب صار العفو من جانب واحد. ثالثًا: إذا جعلناه الزوج صار الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، ولَّا لا؟ وإذا جعلناه الولي صار المعنى: إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فلكم الكل دون النساء، واضح؟ ودلالة الآية على المعنيين أوْلى من دلالتها على معنى واحد، فهذه ثلاثة أوجه تُرجح أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج مع كون اللفظ دالًّا عليه بنفسه دون مرجِّح؛ لأن الأولياء لو جاؤوا كلهم وقالوا: زوجناك أيها الرجل الحبيب الطيب الكريم العالم الشجاع نرغب في أن نزوجك، وجاءت الأم وبنتها وخالتها وعمتها وكل شيء وقالوا: زوجناك، فقال: لا أريد، أيش يكون؟ ما ينعقد، إذن الذي بيده العقدة حقيقة هو الزوج، ولا حاجة لمرجِّح ما دام اللفظ دالًّا عليه، وبناء على ذلك يكون الاستثناء، نعرف الآن الاستثناء: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، صح أوْ لا؟ * طالب: (...) كان. * الشيخ: أقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ مستثنى من قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، تمام؟ يبقى إشكال فيما إذا كان الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح وأسقط حقه، فكيف نقول: إنه عفا مع أنه هو الْمُعفَى؟ نقول: نعم؛ لأن المفروض أن الزوج قد سلَّم المهر، فإذا سلم المهر بقي عند من؟ عند الزوجة، فإذن عفو الزوج معناه أن لا يطالبها بما قبضت، ولَّا لا؟ بما قبضت. إذا كان نصف المهر مؤجلًا، فكيف يصح عفو الزوج في هذه الحال؟ * طالب: يعطي مرتين. * الشيخ: لا، عفو الزوج؟ * طالب: يعطي النصف المؤجل. * الشيخ: لا، يكون بناءً على الأغلب؛ لأن الآن قصدي أن الزوج يعفو، كيف يعفو وهو ما بعد صار في ذمة زوجته شيء؟ إلى الآن ما سلمها نصف المهر فكيف يصح أن يقول: إلا أن يعفو؟ نقول: إن الآية مبنية على الأغلب، وإنه كان ينبغي أن يكون الصداق معجلًا لا مؤجلًا. * طالب: مقدم؟ * الشيخ: إي، معجل ومقدم؛ يعني لا مؤجلًا، وعلى هذا فيصح أن يكون الزوج عافيًا بمعنى أنه يسقط ما قبضته المرأة فلا يطالبها به. وقوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ كلمة ﴿عُقْدَةُ﴾ ولم يقل: عَقْد، إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين أطرافي الحبل. ثم قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا أيضًا مما يرجح أن المراد به الزوج؛ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ أيها الأزواج، ولم يقل: وأن يعفون أقرب للتقوى، بل قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾؛ لأن الانكسار الآن من جانب من؟ * الطلبة: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا عفوت عن حقك أيها الزوج كان ذلك أقرب للتقوى وأجبر لخاطرها؛ لأنه قد يكون في قلبها شيء، لماذا يطلقها قبل أن يدخل بها؟ فقوله: ﴿أَنْ تَعْفُوا﴾ يعني عما تستحقون من المهر إذا طلقتم قبل الدخول، وهو ربعه. * طالب: نصفه. * الشيخ: ربعه ولَّا نصفه؟ * الطلبة: نصفه. * الشيخ: متأكدون؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وهو نصفه، إذا عفوتم عن ذلك فهو أقرب للتقوى. وهنا قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ولم يقل: فهو تقوى؛ لأن العفو ليس بواجب، لكن هذا يقربكم من التقوى ويكون وسيلة لكم إلى تقوى الله عز وجل فيما يجب تقواه به. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ الخطاب هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ هل هو خاص بالزوجين؛ الزوج مع الزوجة وأوليائها، أو هو عام؟ * طالب: عام. * الشيخ: نقول: إن نظرنا إلى لفظه فهو عام، وإن نظرنا إلى سياقه فهو خاص، وإذا جعلناه خاصًّا بمقتضى السياق فإنه يكون عامًّا بالعموم المعنوي؛ لأن هذا التوجيه الكريم من الله عز وجل ليس خاصًّا بهؤلاء، كل الناس بيقول: لا تنسَ الفضل بينك وبين أخيك. وقوله: ﴿لَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴿تَنْسَوُا﴾ هنا بمعنى: تتركوا؛ لأن النسيان يطلق بمعنى الترك، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان الذي هو الذهول، فيكون المعنى: لا تنشغلوا فيما بينكم مما يحصل بالفراق قبل الدخول، لا تنشغلوا عن نسيان الفضل؛ لأن الإنسان قد ينشغل بالشيء عن الشيء فينساه، فالنسيان إذن يحتمل أن يكون المراد به الترك، ويحتمل أن يكون به الذهول، وكلاهما وارد في اللغة العربية؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩] وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] النسيان هنا بمعنى الترك، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] والنسيان هنا بمعنى الذهول، الذهول عن الشيء المعلوم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]. * الطلبة: يصلح (...). * الشيخ: أيهم؟ يصلح هذا وهذا؟ إن قلنا: إن النسيان بمعنى الترك فلا إشكال، وإن قلنا: إن النسيان بمعنى الذهول احتجنا إلى جواب على: كيف يعاقبه الله عز وجل مع أنه نسي؟ والجواب على الإشكال الأخير ظاهر كما أجاب به أهل العلم فقالوا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان من خصائص هذه الأمة وليس للأمم السابقين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[[ أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس رضيالله عنهما.]]. هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ قلت: يحتمل أن يكون النسيان بمعنى الترك؛ يعني لا تتركوا الفضل بينكم، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان؛ لأن الإنسان في مثل هذه المقامات قد ينشغل فكره وينسى ما نُدب إليه من الفضل. وقوله: ﴿الْفَضْلَ﴾ قيل: إنه بمعنى الإفضال؛ يعني لا تنسوا أن يُفضِل بعضكم على بعض ويعطيه من الفضل. فهنا هل نقول للزوج: اعفُ ولا تترك نفسك من الإفضال على الزوجة، أو نقول للزوجة: أسقطي ولا تنسي الفضل بينك وبين الزوج، أو للجميع؟ * الطلبة: للجميع. * الشيخ: للجميع بحسب الحال؛ قد يكون الزوج معذورًا في الطلاق قبل الدخول، وقد يكون فقيرًا والمرأة غنية فيكون مقتضى الحال أن يكون الإفضال من الزوجة على الزوج، وقد لا يكون هكذا فيكون الإفضال من الزوج على الزوجة. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ختم الآية بهذا الاسم للتحذير من المخالفة؛ فإن الله بصير بكل ما نعمل. وهل البصر: بصر العين الذي مقتضاه الرؤية، أو البصر: العِلم؛ فيشمل ما يُرى وما يُسمع وما يُعلم؟ * الطلبة: الأخير أشمل. * الشيخ: نعم، الأخير أعم، والأول فيه احتمال أن المراد بصير بما نعمل بمعنى أنه يراه، لكن تعلمون أن هذا التفسير يقتضي حصر ذلك فيما يُرى فقط، والتفسير الثاني أعم، وإذا وُجد معنيان أحدهما أعم واللفظ محتمل له كان الأخذ به أولى لأنه أشمل. يستفاد من الآية الكريمة: جواز الطلاق قبل المس مع تعيين المهر، وجهه: أن الله أقر هذه الحال وجعل لها أحكامًا، ولو كانت حرامًا ما أقرها ولا جعل لها أحكامًا. وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهر؛ لأن الآية فيما إذا طُلقت قبل المسيس ولم يُسمَّ لها مهر، وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمِّي لها مهر، كذا؟ وإن طلقت بعد المسيس؟ إن سُمِّي لها مهر فلها المهر، وإلا فلها المتعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾، فلو تنازع الزوجان فقالت الزوجة للزوج: أعطني ما شئت، وقال الزوج لها: افرضي ما شئتِ، تحجه بهذا وتقول: أنت اللي موكل لك الأمر. نعم، تحجه تقول له: أنت الذي لك الفرض. ولكن إذا أبت بما فرض؟ * الطلبة: ليس لها. * الشيخ: ليس لها ذلك؟ لا، لها ذلك، ما يمكن نجبرها بمهر لا ترضاه. * طالب: شيخ، (...) الآية ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. * الشيخ: إي نعم، لكن إذا فرض لها عشرة آلاف قالت: ما يكفي؟ * طالب: يعني قبل عقدها؟ قبل العقد؟ * الشيخ: قبل قبل، إي، قبل العقد هي بالخيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب نصف المهر إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها مهرًا؛ لقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز إسقاط المرأة المهر عن الزوج أو بعضه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. ومن فوائده: جواز تصرف المرأة في مالها؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ولكن هذا مشروط بما إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة كما تدل عليه آيات أخرى، فإن لم تكن كذلك فلا تملك هذا. وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها وإن كانت مدينة لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾؟ * طالب: لا يملك الحق (...). * الشيخ: أو نقول: إذا كانت مدينة فليس لها أن تعفو، فالآية ظاهرها العموم ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ وليس هذا معاوضة حتى نقول: إن هذه المرأة أخذت من مالها ما يضر بالغرماء، بل هذا عِوض جديد مقابل باستمتاع الرجل بالزوجة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فإن قلنا: إنه الولي مطلقًا أو الأب صار عندنا إشكال، ما هو؟ هو أن الولي لا يملك التبرع ولا الإسقاط لمال موليه، انتبه للقاعدة، الولي سواء كان وليًّا على مال يتيم أو على مال سفيه لا يملك التبرع ولا الإسقاط؛ لأن ذلك ليس من حظ اليتيم أو السفيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، ولهذا المسألة مشكلة من الناحية المالية على قول من يقول: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا، ليش؟ لأن الولي لا يملك العفو عما استحقته موليته، أفهمتم؟ أما إذا كان الأب فالأب فيه خلاف، هل يملك إسقاط الدَّين الذي لولده أو لا يملكه؟ فمن أهل العلم من قال: يملك إسقاط الدَّين الذي لولده، ومنهم من قال: لا يملك، والراجح أنه يملك؛ لأنه إذا كان يملك تملُّك العين الذي في يد الولد فله أن يملك إسقاط الدَّين الذي له من باب أولى؛ لأن تعلق نفس الولد بالمال الذي بيده أقوى من تعلقها بالدَّين، فإذا كان يملك يأخذ ماله من بين يديه فله أن يُسقط دينه عمن هو عليه، وعلى هذا لا إشكال إذا قلنا بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، لكن سبق لنا أن هذا قول ضعيف، وعلى هذا فتنزع هذه الفائدة؛ لأنها مبنية على قول مرجوح (...) حتى مع الدَّين، الآية قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ظاهرها جواز العفو حتى مع الدَّين؛ يعني حتى ولو كان على الإنسان دين فإنه يجوز أن يعفو، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، اختلف العلماء في جواز تبرع الإنسان في ماله أو بشيء من ماله إذا كان عليه دَين يستغرق؛ فالمشهور من مذهبنا مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يتبرع الإنسان بشيء من ماله وإن كان عليه دَين يستغرق ما لم يُحجر عليه، فإن حُجِر عليه فإن التصرف ممنوع كما هو ظاهر، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يصح تبرعه بشيء من ماله مع الدَّين المستغرق لتعلق حق الغرماء به، وقوله هو الصواب وأنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله (...). من المعلوم أن الواجب أهم من التطوع، وإذا كان بعض أهل العلم يُسقِط الزكاة الواجبة في المال إذا كان على الإنسان دين مع وجوب الزكاة، فالتبرع من باب أولى؛ لأن الواجب لا يسقط إلا إذا كان التصرف محرمًا، وعلى هذا فيكون حتى على قاعدة المذهب لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله مع دين يستغرق، ولكن قد يقال: إنه يُعفى عن الشيء اليسير الزهيد كالدرهم والدرهمين؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم عليهم ديون أكثر مما في أيديهم من الأموال ويأتي السائل فيعطونه الدرهم والدرهمين وما أشبه ذلك، فهل نقول: إنهم آثمون؟ في القلب من هذا شيء، ولكن لا شك أنهم مخطئون وأن تصرفهم هذا غير سليم؛ هذا الدرهم الذي تعطيه لهذا السائل أعطِه نفسك أولًا لأنك محتاج، فإذا أوفيت دينك فبعد هذا تصدق بما شئت؛ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»[[أخرجه مسلم (٩٩٧ / ٤١) من حديث جابر.]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام قبل كل شيء، قد يقول: هذا درهم أو درهمين ما هو بنافع ولا هو بضار، نقول له: ما تقول في قطرات الماء ينزل من السماء هل تسيل به الأودية؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وهي قطرة واحدة، هذا الدرهم وفره اليوم والدرهم الثاني وفره غدًا، وتوفر في السنة ثلاث مئة وأربعة وخمسين درهمًا، نِعمة، فعلى هذا نقول: إنه من الحكمة والعقل والدين أن الإنسان الذي عليه دَين يستغرق يجمع ما يُحصّل في قضاء دينه. يستفاد من الآية الكريمة: أن النكاح من العقود؛ لقوله: ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. ويترتب على هذه الفائدة: جواز التوكيل فيه؛ «لأن النبي ﷺ وكّل في العقود عروة بن الجَعْد، وكَّله في شراء أضحية له »[[أخرجه البخاري (٣٦٤٢) من حديث عروة بن الجعد.]]، فيجوز أن يوكل الإنسان من يتزوج له، ولكن كيف يكون عقد النكاح إذا كان الإنسان وكيلًا للزوج، هل يقول الولي له: زوجتُك بنتي، فيقول: قبلت؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما يصلح. هل يقول: زوجت موكلك بنتي فيقول: قبلت لموكلي؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا. * طالب: يُعيِّنه. * الشيخ: لازم يعيّنه، يقول: زوجت موكلك فلانًا ابنتي فلانة، فيقول: قبلت النكاح لموكلي، وهذه المسألة كلمة: لموكلي، يرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يقول: لموكلي، وبعض العلماء يقول: لا يجب اكتفاءً بالإيجاب، ويش هو الإيجاب؟ الإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فإذا قال: زوّجت ابنتي فلانة موكلك فلانًا فقال: قبلت، يعني؟ أقول: يعني لمن؟ * طالب: قبلت لموكلي. * الشيخ: لموكلي، لكن ذكر الموكل في القبول أولى، يقول: قبلت لموكلي فلان، واضح؟ إذا كان الولي هو الذي وكّل فكيف يقول؟ يقول: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانةَ. * طالب: أو وليها، يعني يكون لها ولي؟ * الشيخ: فلانةَ، فيقول ذاك الزوج: قبلت، ولَّا لا؟ طيب، هل يثبت لهذا العقد ما يثبت لعقد البيع من الخيار؛ خيار المجلس أو خيار الشرط؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: خيار المجلس لا يثبت؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٧٩) ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام. ]]، ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالبًا إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق ونظر وبحث، بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة وعن حرص على الربح بدون أن يتروَّى الإنسان، واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع، وهذا ظاهر؛ لأن البيع يقول: إذا ما جازت لي أرجع، أبيعها، لكن المشكلة الزوجة، ولهذا ليس فيه خيار مجلس -أعني النكاح- لكن هل فيه خيار شرط؟ * طالب: لا، ما فيه. * طالب: فيه شرط. * الشيخ: المذهب لا خيارَ فيه، ليس فيه خيار الشرط، واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨ / ٦٣)، واللفظ للبخاري، من حديث عقبة بن عامر.]]. وعندي أن خيار الشرط بالنسبة للزوج غير وارد، ليش؟ لأن النكاح في حقه جائز متى شاء طلق، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذن هو في غِنى عن الشرط، لكن الزوجة هي التي تحتاج إلى الشرط، والصحيح أنه جائز، فيقول: زوجتك ابنتي بشرط الخيار لمدة سنة، كذا؟ الخيار لها، العقد تام الآن، لكن لها الخيار إذا شاءت أن ترد العقد، أو ما يقع كثيرًا بشرط الخيار لها في جلوسها مع أهلك؛ لأن بعض الناس قد يكون أهله عندهم سوء عِشرة، ويزوجوه منه (...) بيقولون: بشرط أنه إذا لم يطب لها المقام مع أهلك فلها الخيار، فالمهم أن العلماء مختلفون في خيار الشرط في النكاح؛ المذهب: لا يصح، واختار شيخ الإسلام أن ذلك صحيح، وهو مستفاد من كلمة ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: استحباب أو الحث، أو بعبارة أصح: الترغيب في العفو، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وهذا شامل لكون العفو نفسه مقرِّبًا للتقوى، ولكون العفو أيضًا سببًا للتقوى؛ فالإنسان الذي يعفو عن عباد الله يعفو الله عنه، وإذا عفا الله عنك فإن ذلك يكون سببًا بتقواك الله عز وجل؛ لأن مدار التقوى على الإيمان، وكلما عفا الإنسان عن عباد الله مبتغيًا بذلك وجه الله ازداد إيمانه فازدادت تقواه. هل يستفاد من هذه الآية: أن الأعمال تتفاضل؟ * الطلبة: نعم، ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. * الشيخ: نعم، لكن هل يستفاد منها أن الأعمال تتفاضل؟ * الطلبة: نعم، هذه واضحة. * طالب: الذي يعفو أفضل من الذي ليس يعفو، لفظ تفضيل ﴿أَقْرَبُ﴾، ﴿أَقْرَبُ﴾ لفظ تفضيل. * الشيخ: إي نعم، هذه نعم يستفاد منها أن الناس يختلفون في القرب من التقوى، لكن هل يفيد أن الأعمال بعضها أفضل من بعض، أو يفيد أن الإيمان بعضه أعلى من بعض؟ هذا هو الظاهر، كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد تقوى، وكلما كان إلى التقوى أقرب كان إلى الإيمان أقرب. إذن فيُستفاد منه أن الناس يتفاضلون في الإيمان، وهذا هو القول الراجح بلا شك، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، هل الذي يزيد وينقص هو إقرار القلب، أو قول اللسان، أو عمل الجوارح؟ * الطلبة: الكل. * الشيخ: الكل، إقرار القلب يزيد بلا شك يتفاضل، وأقوال اللسان تتفاضل، وأفعال الجوارح تتفاضل، كذا؟ أما تفاضل أعمال الجوارح فظاهر؛ فالمصلي أربع ركعات أزيد من المصلي ركعتين، وأقوال اللسان كذلك؛ فالذاكر اللهَ عشر مرات أفضل من الذاكره خمس مرات، لكن كيف يتفاضل الإيمان في القلب؟ نقول: نعم، يتفاضل؛ لأن زيادة اليقين لها سبب، ولَّا لا؟ فإذن كلما ازداد اليقين كان أقوى في الإيمان وهو يتفاضل، أنا عندما يخبرني رجل ثقة في خبر ويكون عندي شيء من العلم، إذا أخبرني آخر بهذا الخبر ازداد علمي ولَّا لا؟ * طلبة: ازداد علمي. * الشيخ: ازداد علمي ويقيني، وهكذا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] فالزيادة ثابتة في القرآن. بعض العلماء يقول: أثبت الزيادة ولا تُثبت النقص، ما قولكم في هذا؟ * الطلبة: ما يستقيم. * الشيخ: هذا غير صحيح، ليش؟ * الطلبة: لا زيادة إلا بنقص. * الشيخ: لا زيادة إلا بنقص؛ إذ إن الزيادة يقابلها النقص، فمثلًا إذا قلنا: هذا زائد على هذا لزم أن يكون الثاني المزيد عليه ناقصًا، ولهذا الصواب أنهما متلازمان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ لا تنسَ أن يكون لك الفضل عليهم، ولهذا جاء في الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى»[[أخرجه البخاري (٢٠٧٦) بلفظ: «رَحِمَ اللَّهُ رجلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وإذا اقْتَضَى» من حديث جابر .]] (...). فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر، والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة عِلم الله تعالى وبصره بكل شيء مما نعمله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فيها ترغيبًا في العمل الصالح وترهيبًا من العمل السيئ؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة معناه: احرصوا على العمل الصالح فإنه لن يضيع، واحذروا من العمل السيئ فإنكم تجازون عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله سبحانه وتعالى. * الطالب: قلتم يا شيخ إن خيار الشرط غير وارد للزوج؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: بالنسبة للمهر الذي دفعه للزوجة لو اشترط يعني يعود إليه المهر، أما إذا لم يشترط لا يعود؟ * الشيخ: لو كان يعود عليه المهر كان صحيح يستفيد من الشرط، لكن الظاهر أنه ما يعود عليه المهر لعموم الحديث ذكرناه، لها المهر بما استحل من فرجها. * الطالب: إذن ما صار (...). * الشيخ: ولهذا هو الحقيقة مشكلة، إلا إذا قلنا بأنه يعود، لكن العلماء كلهم يكادون مُطبقين على أنه يستقر المهر بالدخول. * الطالب: إذن ما صار (...). * الشيخ: هو هذا اللي (...)، والشيخ صرح رحمه الله بأنه يجوز شرط الخيار لهما أو لأحدهما، فبالنسبة للزوجة ظاهر، بالنسبة للزوج ما له مصلحة إلا مثل ما قلت، إذا قلنا: بأنه يعود عليه المهر، أو إذا قلنا: بأنه يعود عليه نصف المهر قبل الدخول، وإلا فالفائدة قليلة. * طالب: والزوجة يعود لها أيش؟ الزوجة يعود لها؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا اختارت الطلاق في ها السنة هذه، اختارت الفراق مع (...) يعود لها المهر؟ * الشيخ: المهر لها ثابت. * الطالب: ثابت؟ * الشيخ: ثابت بالدخول. * الطالب: ما يدخل فيه يعني الإجحاف؟ * الشيخ: هو اللي اشترط، هو الذي رضي بذلك. * الطالب: لكن ربما تختار الفراق ثم يطيب لها المقام يعني؟ * الشيخ: لا، كيف ما دام اشترط لها إلا إذا قالت الشرط عيّنته، إذا لم تستقم الحال مع أهلك، وهذا هو الأحسن يعني كونه يكون شرطًا مطلقًا حتى في النفس منها شيء؛ لأنه قد يكون شبيهًا بنكاح المتعة، فالأوْلى أن يقيد هذا الرأي بكونه تشترط المرأة الخيار في شيء لها فيه غرض كسوء العشرة منه أو من أهله. * الطالب: ولا يجوز أنه يقول: إن اخترتِ الفراق يرجع المهر؟ * الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأنه خلاف الشرع، إذا دخل بها فلها المهر (...).

البقرة 2:235

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٣٤]. أولًا: إعراب الآية ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ؛ اسم موصول مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، وجملة: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ صلته؛ صلة الموصول، لا بد للموصول من صلة، وجملة: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ﴾. وفيها إشكال حيث لم يوجد رابط يربطها بالخبر؛ لأن قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ما فيها ضمير يعود على ﴿الَّذِينَ﴾، فاختلف الناس في تقدير الخبر، أو في كيفية الربط بين المبتدأ والخبر؛ فقال بعضهم: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، وعلى هذا فيكون الضمير في بعدهم هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ والخبر، وقال بعضهم: تربص، وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، فجعل المبتدأ شيئًا مُقدرًا، أي: وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، هذان وجهان، ولكن الأول أيسر من الثاني، الأول أيسر: والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، أو ويذرون أزواجًا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرًا. أيضًا قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أربعة إعرابها: نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه، وقوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ أي: عشر ليال، وعُبر عن الأيام بالليالي لأن الليالي هي غرر الأيام حيث إنها قبلها. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لم يقل: فلا جناح عليهن، بل قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ مخاطبًا الرجال؛ لأنهم أولياء النساء، إلى آخره. نعود الآن إلى المعنى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قال: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بضم الياء، ولم يقل: يَتوفون؛ لأن الإنسان مُتوفًّى، والتوفي بمعنى قبض الحق وافيًا، ويقال: تَوفَّيت حقي منه؛ أي: قضيته وافيًا، والإنسان مُتوفًّى؛ لأنه يقضي أجله في الدنيا ثم تُقبض روحه. وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بالبناء للمجهول، من الذي يَتوفى؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ورد في القرآن على ثلاثة أوجه: فمرة أُضيف إلى الله، ومرة أضيف إلى ملك الموت، ومرة أضيف إلى الرسل الذين هم الملائكة؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢] فهنا أضاف الوفاة إلى من؟ * طالب: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله، وقال عز وجل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] فأضاف التوفي إلى ملك الموت، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فأضاف التوفي إلى الرسل. والجمع بين هذه الوجوه الثلاثة سهل وممكن؛ أما إضافة التوفي إلى الله فلأنه بأمره، وإذا وقع الشيء بأمره فهو الفاعل له؛ كما يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. بنى عمرو بن العاص، هو ما بناها بيده، ولكنه بُنيت بأمره، وكذلك تقول: بنى الملك قصرًا مشيدًا؛ أي: أمر ببنائه، فوقعت إضافة التوفي إلى الله لأن ذلك بأمره. وأما الجمع بين الرسل وبين ملك الموت: فالرسل جمع، وملك الموت مفرد، والجمع بين الآيتين: أن لملك الموت أعوانًا يساعدونه ويسوقون الروح من أسفل البدن إلى الحلقوم، ثم يأتي ملك الموت ويقبضها، أو نقول: إن ملك الموت يقبض الروح ويعطيها الملائكة، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؛ ولهذا بُنيت الآية الكريمة هنا، بُني الفعل فيها للمجهول ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾. هل يصح في غير القرآن أن نقول: فلان تَوفَّى؟ بالبناء للفاعل؟ * طالب: لا، لا يصح. * الشيخ: قال بعضهم: إنه يصح، والمعنى: تَوفَّى أجلَه المقدَّر له؛ أي: استوفاه، كأنه حق له فاستوفاه. وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ الخطاب للناس جميعًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، وعلى هذا: فكل كاف خطاب في القرآن فإنها للناس جميعًا. وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ أي: يتركون وراءهم أزواجًا، و﴿أَزْوَاجًا﴾ جمع زوج، وهو من عُقد له النكاح من رجل أو امرأة، الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوج، إلا أن الفرضيين رحمهم الله اصطلحوا على أن الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوجة، من أجل التمييز بينهما في التمثيل. وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ نكرة، فيشمل الصغيرة والكبيرة، والحرة والأمة، والمدخول بها وغير المدخول بها، كذا؟ ويخرج بها من ليست بزوجة كالسُّرّية، وأم الولد، فإنه إذا مات السيد عن أمته فلا تدخل في الآية الكريمة. ولو مات عن أم ولده التي كان يطؤها وأتت منه بولد فإنها لا تدخل في الآية الكريمة؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾. ولو عقد على امرأة عقدًا غير صحيح فإنها لا تدخل في الآية؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾، وهذه ليست بزوجة، فلو عقد على امرأة وهو لا يصلي؛ تارك للصلاة، ثم مات فإنها لا تدخل في هذه الآية، ما عليها عِدة، لكن إن كان قد وطئها فعليها استبراء فقط، لماذا؟ * طالب: العقد غير الزواج. * الشيخ: لأنها غير زوجة؛ إذ إن هذا العقد ليس بصحيح، باطل. وقوله: ﴿يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يعني: ينتظرن؛ لأن تربَّص مشتملة في حروفها الأصول على الراء والباء والصاد، فهي موافقة لمادة (صبر)؛ ولهذا كان معنى التربص الحبس، ومعنى الصبر الحبس، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، تنتظر بنفسها، وإنما قال: تربص بنفسها؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح، فقال الله لها: تربصي بنفسك؛ يعني: انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك، هوِّن على نفسك وما أشبهها. وأما قول من قال: إن (أنفسهن) توكيد للفاعل في ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهُن، فزيدت الباء، فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة، ولأن مثل هذا التركيب شاذ في اللغة العربية، وعلى هذا فالمعنى الصحيح: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عشرًا، يعني: عشرة أيام ولَّا عشر ليال؟ * الطلبة: عشر ليال. * الشيخ: عشر ليال، بل عشرة أيام، لكن يعبر عن الأيام بالليالي؛ ولهذا قال الله عز وجل في سورة طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه ١٠٢ - ١٠٤]. فتبين أن المراد بالعشر هنا: الأيام، فهنا قوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ يعني: عشرة أيام، لكن قال أهل اللغة: إنهم يعبرون –أي: العرب- بالليالي عن الأيام؛ لأنها سابقتها. وهل الأربعة أشهر وعشر تعتبر بالأهلة أو بالأيام؟ فيها خلاف سيأتينا إن شاء الله تعالى في ذكر الفوائد. وقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ لماذا اختير هذا العدد ولم يُعلَّق الحكم بالأقراء كما في المطلقات؟ قال بعض العلماء: اختير هذا العدد لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر، وزيدت العشرة للاستثبات، هكذا ذكره بعض أهل العلم، ولكنك عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل، لماذا؟ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل، وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ثم إن الاحتياط بأربعة أشهر وعشر يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: يمكن العلم قبل هذه المدة، فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر، وعندي -والله أعلم- أن الحكمة هو أنه لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولًا كاملًا في العدة بعد موت زوجها، وأين تبقى؟ تبقى في حش؛ بيت في بيتها -يعني: معناها البيت من الشعر- يحط لها بيت صغير؛ خباء؛ يصنع خباء لها تقعد فيه، ولا تمس الماء أبدًا، تأكل وتشرب لا بأس لكي ما تموت، لكن ما تمس الماء أبدًا، وتبقى بعرقها ورائحتها وحيضها ونتنها لمدة سنة كاملة، فإذا تمت السنة أتوا لها بعصفور ولَّا فارة ولَّا شيء، قالوا: امحشي به فرجك. فقلَّما تتمسح بشيء إلا مات، منين؟ * الطلبة: من الرائحة. * الشيخ: من الرائحة الكريهة، مُدة سنة يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان، ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة، فأخذت البعرة ورمت بها، ويش الفائدة من هذا؟ يعني تقول: كلما مر عليَّ فهو أهون من رمي هذه البعرة. شوف أيش لون هذا! حكم جائر -والعياذ بالله- وسفيه أيضًا، فجاء الإسلام وأبدل الحول بهذه الأربعة أشهر؛ لأن أربعة أشهر ثلث حول، وعشرة أيام ثلث شهر، والثلث كثير، فأتي من الحول بثلثه، ومن الأشهر بثلثها، فإن تبيّنت هذه الحكمة وكانت هي مراد الله عز وجل فذلك من فضل الله، وإن لم تتبين فإننا نقول: الله أعلم بما أراد، وهذه كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم الحكمة فيها. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ﴿إِذَا بَلَغْنَ﴾ الضمير يعود على الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن. ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ أي: مدة العِدّة، وأجل كل شيء غايته، أي: الغاية التي تنتهي بها العدة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الخطاب للناس، ولم يقل: فلا جناح عليهن كما هو متوقع، المتوقع أن يقول: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليهن، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لماذا؟ لأن الخطاب لأولياء النساء، فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئًا محرمًا عليها في هذه العِدة لزم وليها أن يمنعها، وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء، لكن بالمعروف. وقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويش هذا الفعل اللي كان بالأول ممنوعًا، كان ممنوعًا بالأول ثم كان جائزًا بعد انقضاء العِدة؟ الفعل هو الإحداد، وهو اجتناب الزينة وكل ما يدعو إلى جماعها ويرغِّب في النظر إليها، هذا الإحداد، فما دامت في العدة فإنه يجب عليها أن تتجنب هذا الشيء، فتلبس الثياب الخلقة، صح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، تلبس الثياب ما شاءت من الثياب إلا ثياب الجماع. * الطلبة: نعم. * الشيخ: هذا صحيح، يعني: لها أن تلبس الثوب الجديد والثوب الملوّن، لكن لا تلبس ثوبًا جميلًا؛ لأن هذا يُرغّب في النظر إليها ويدعو إلى جماعها؛ فإن الرجل إذا رأى المرأة متزينة لا شك أنه يرغب. تتجنب الحلي؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن هذا داخل فيما يرغِّب في النظر إليها، تتجنب التحسين بأنواعه سواء في اليد أو الرجل أو العين أو الوجه أو الشفتين، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: صح. الحناء، تمتنع منه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم. تتجنب الطيب بأنواعه، كذا؟ إلا دهن العود؟ * الطلبة: لا، كله. * الشيخ: كل الطيب بأنواعه، إلا أن الشارع رخّص لها إذا طهرت بنوع من الطيب وهو القسط أو الأظفار، ويشبه -والله أعلم- هذا العود الهندي هذا أنها تتطيب به تتبخر لأجل إزالة الرائحة التي بقيت بعد الحيض. تتجنب مشط رأسها؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا. الاغتسال؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما تتجنبه؟ * الطالب: لا. * الشيخ: استعمال الصابون؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: إن كان مُطيبًا تتجنبه، وإلا فلا. هل يجب عليها أن تغتسل في يوم معين من الأسبوع أو متى شاءت؟ * الطلبة: متى شاءت. * الشيخ: متى شاءت، مع أنه عند العامة يقولون: إنها ما تغتسل إلا يوم الجمعة. هل يجوز أن تصعد إلى السطح في الليالي المقمرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الليالي المقمرة، يجوز؟ * الطلبة: نعم، يجوز. * الشيخ: يشاهدها القمر؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يقول العامة: إنه لا يجوز أن تصعد إلى السطح أو تخرج إلى صحن البيت في الليالي المقمرة لأن القمر يشاهدها حينئذٍ، فالقمر يقولون: إنه إنسان، بدليل أن له عينين -ما جعلوا له لسانًا وشفتين- يقولون بس: عينين وأنف، يقولون: إن له عينين وأنفًا، يشوفون ها السواد اللي في القمر ويحسبونه عينين. وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شوف حتى بعد انقضاء العدة لا بد أن يكون ما تفعله في نفسها في نِطاق المعروف، والمعروف هو ما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع، فلا يخرج عن المروءة وعن عادة الناس ذوي المروءة، ولا يخرج عن نطاق الشرع، فلو أرادت أن تتبرج؛ تخرج متبرجة متزينة متطيبة، قلنا: لا، لا يجوز. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ختم الآية بهذه تحذيرًا من مخالفته، يعني: احذروا أن تخالفوا هذا الحكم، فإن الله بما تعملون خبير، والخبير هو العليم ببواطن الأمور، فهو أخص من العليم؛ لأنه مأخوذ من الخبير بالأرض والحرث، ومنه المخابرة: المزارعة؛ لأن الزرع يوضع في الأرض فيدفن ويخفى، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور وخفاياها. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة ٢٣٥]. ﴿لَا جُنَاحَ﴾ يعني: لا إثم ولا حرج. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لجميع الناس، كل خطاب في القرآن بلفظ الجمع فهو للناس عمومًا، إلا ما عينه السياق في قرينة فلا بأس؛ لأنا ذكرنا قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] والقرآن نازل لجميع الناس. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿فِيمَا﴾ أي: في الذي، وإن شئت فقل: ما نكرة موصوفة؛ أي: في قولٍ عرضتم به من خطبة النساء، ولكن الموصول أولى، والدليل على أنه أولى أنه بُيِّن في قوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. و﴿عَرَّضْتُمْ﴾ التعريض والتلويح هو أن يأتي بالكلام غير مصرح بمراده. فيه تصريح وتلويح وتعريض، التعريض والتلويح معناهما واحد؛ يعني: يأتي الإنسان بكلام لا يتبين فيه مراده؛ مثل،بالنسبة للمثال اللي معنا، أن يقول للمرأة: إني في مثلك لراغب، أنا أرغب الزوجة التي هي مثلك، إنك امرأة يرغب فيك الرجال، وما أشبه ذلك، إذا انقضت العدة فأخبريني، وعلى هذا فقِس، هذا التعريض، هذا ما فيه تصريح أنه يخطبها لا لنفسه ولا لغيره، لكنه يسمى تعريضًا. * * * (...) ويذرون أزواجًا أزواجهن يتربصن، فيكون هنا تقدير مبتدأ خبره جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول. طيب جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (...)؟ * * * الخطبة معناها: هو أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها ويطلبها إليه، وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأن عظيم، وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول، طلب الإنسان الزوجة إلى نفسه يكون مقرونًا بالقول، حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة وأهلها ويخطب فيهم؛ يعني: يتكلم بخطبة ثم يبدي أنه يرغب، وربما الآن في وقتنا الحاضر يُصدِّر طلب المرأة بخطبة كتابية؛ يكتب: من فلان لفلان، ويذكر ما يحتاج إلى بيانه في رغبته في يد المرأة، ولكن مع هذا يفرقون بين الخِطبة بالكسر وبين الخُطبة بالضم، فيقولون: الخُطْبة هي القول المشتمل على الوعظ والتذكير وما أشبه ذلك، والخِطْبة هي طلب المرأة لتكون زوجة للخاطب. وقوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ النساء هذه عامة، النساء هنا عامة، ولكنه يراد بها الخاص، أو نقول: إن (أل) هنا للعهد، العهد الذكري وهو قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾، يعني: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ يعني: المذكورات، وهن الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن، واضح؟ وعلى هذا فتكون (أل) هنا للعهد الذِّكري، لكن اللفظ جاء بغير اللفظ، بل جاء بالمعنى، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] هذه أل للعهد الذكري، لكنها جاءت باللفظ الأول تمامًا، وكما في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور ٣٥] وين المصباح؟ المذكور، ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ يعني: المذكورة، إلى آخره. هنا النساء عادت إلى الأزواج بالمعنى، فيكون المراد بالنساء هنا من؟ اللاتي تُوفي عنهن أزواجهن. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: بالقول، ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بدون قول، ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم بأنكم ستتزوجون هذه المرأة التي تُوفي عنها زوجها، ولكن بدون أن تخبروها أو تخبروا أحدًا، لكن تضمروا. وإذا كانت امرأة لم يُتوفّ عنها زوجها وليست معها أحد، هل للإنسان أن يُكِنّ في نفسه أنه سيتزوجها؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ما فيه شك، يجوز، إذا كان يجوز أن يخاطبها بصريح الخِطبة فإن إضماره في قلبه أن يتزوجها من باب أولى، وهذه تأتي في الفوائد. قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ كلمة (عَلِم) مشتقة من العِلْم، وقد سبق لنا أن العِلْم إدراك الشيء إدراكًا جازمًا. * طالب: مطابقًا. * الشيخ: مطابقًا، إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، مثل أن أدرك أن هذا مصحف، مطابق ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وجازم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: خرج بإدراك: عدم الإدراك، ويسمى: جهلًا، إنسان ما يدري عن الشيء تقول له: أيش هذا؟ يقول: ما أعرفه، هذا ليس عنده علم، بل جهل. جازمًا: خرج به الشك والظن والوهم، فالظن هو ما يترجّح في نفس المرء مع احتمال غيره، والوهم هو الطرف المرجوح، والشك متساوي الطرفين ما فيه الترجيح ولا هذا، وهذا يقوله العلماء في باب أصول الدين في بحث أصول الفقه، وهو غير الشك والظن الموجود في الفقه؛ لأن الشك والظن في باب الفقه هو ما ينافي اليقين، يعني: فالمترجح ليس بشيء عندهم، فلو أن الإنسان كان على وضوء، ثم شك هل انتقض وضوؤه، لكن ترجح عنده أنه انتقض، فإنه يعمل بهذا الظن ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا، ما يعمل بهذا الظن، كان متوضئًا وشك هل أحدث أم لا، وغلب على ظنه أنه أحدث، فهل يعمل بهذا الظن ويتوضأ؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]، يعني: حتى يتيقن، فالظن في الأحكام العملية ملحق بماذا؟ ملحق بالشك، الظن الطارئ على المتيقَّن. إذن هنا ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ قلنا: العِلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا. مطابقًا: خرج به الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يُدرك الإنسان الشيء على خلاف حقيقته غير مطابق، فلو سألنا شخصًا وقلنا له: متى كانت غزوة بدر؟ قال: لا أدري؟ * الطلبة: هذا جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، لا يدري، وجزاه الله خيرًا. ولو سألنا شخصًا آخر متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد لله الذي نصر نبيه في يوم بدر وسماه يوم الفرقان، وأنزل فيه آيات عديدة من القرآن، كانت غزوة بدر في السنة الخامسة من الهجرة في ربيع الأول، أيش جهل هذا؟ * الطلبة: جهل مركب. * الشيخ: مركب؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لو كان من غير الخطبة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي، هذا جهله جهل مركب، وما أكثر الجهال المركَّبين وإن كانوا فصحاء! إذن نقول: هذا جهله جهل مركب. أهو أسوأ حالًا أو الجاهل البسيط؟ * طالب: الجاهل البسيط. * الشيخ: الجاهل البسيط أسوأ حالًا يا أخي! * الطلبة: المركب. * الشيخ: الجاهل المركب، ليش؟ لأن جهله مركب من جهلين: جهل بالواقع، وجهل بنفسه، هو عند نفسه أنه عالم وليس بعالم، فقد جهل نفسه، وجهل بالواقع أيضًا؛ ولهذا سماه العلماء جهلًا مُركَّبًا. سألنا ثالثًا وقلنا: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: أظنها إما في الثانية أو في الثالثة، هذا جاهل، لكن عنده نوع من العلم إلا أنه شاك، صح ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إلا أنه شاك، ما أدركها إدراكًا جازمًا؛ لما قال: الثانية، صحيح هي في الثانية، لكن عنده شك هل هي في الثانية أو في الثالثة. الله عز وجل علمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، أيش معنى أزلًا وأبدًا؟ يعني: أزلًا فيما مضى، وأبدًا فيما يستقبل، ويدخل فيهما الحاضر؛ لأن الحاضر اللحظة التي قبل لحظة الآن ماضي، واللي بعده؟ مستقبل، وهي نفسها لا تتقسم، هي: إما حاضر وإما مستقبل وإما ماضٍ، لكنها بلحظة تنقسم، على كل حال الله عز وجل عالم، وعلمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا. واعلم أن علم الله عز وجل لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا نقص في الشمول والإحاطة، فقد أحاط بكل شيء علمًا. ومنها ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بالقول أو بالقلب؟ * الطلبة: بهما. * الشيخ: بهما جميعًا، يذكرها الإنسان بقلبه، ويذكرها الإنسان بلسانه، يذكرها مثلًا لإخوانه؛ لأبيه، لابنه، لصديقه، وما أشبه ذلك بأنه يرغب أن يتزوج فلانة، أو يذكر ذلك بقلبه وفي نفسه. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ هذا نهي ولَّا خبر؟ * الطلبة: نهي. * الشيخ: نهي؟ ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾. * الطلبة: نهي. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون؛ لأن تواعدون من الأفعال الخمسة، إذا حذفت النون فلا بد من ناصب أو جازم، وإن كانت قد تحذف كثيرًا مع نون الوقاية، وقد تحذف أيضًا -لكن ليس بكثير- مع عدم نون الوقاية؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، قال: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»، ولم يقل: لا تدخلون، مع أنها نافية هذه، «وَلَا تُؤْمِنُوا»، ولم يقل: ولا تؤمنون، مع أنها نافية ولست بناهية. * طالب: الإعراب كيف يا شيخ؟ * الشيخ: نقول: الإعراب، لا: نافية، وتدخل: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة للتخفيف. قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ كلمة ﴿سِرًّا﴾ ذكر المفسرون -كثير منهم- أن السر من أسماء النكاح؛ أي: لا تواعدوهن نكاحًا، وقالوا: إن السر من أسماء النكاح؛ لأنه يقع بين الرجل وامرأته سرًّا، وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: فيما بينكم وبينهن، وإذا نُهي عن السر فالعلانية من باب أولى، ويختلف الإعراب بناء على القولين؛ فإذا قلنا: إن ﴿سِرًّا﴾ هو النكاح صار مفعولًا ثانيًا؛ يعني: لا تواعدوهن نكاحًا، وإذا قلنا: إن السر ضد العلانية والمعنى: لا تواعدوهن وعدًا سريًّا صارت؟ * طالب: حال. * الشيخ: أو مفعولًا مطلقًا؛ يعني: وعدًا سرًّا، وأيًّا كان فإن الله عز وجل ينهى عن أن يُصرَّح للمرأة في عدة النكاح. ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن هل الاستثناء هنا منقطع أو متصل؟ إن كانت بمعنى لكن فهو منقطع، وإن كانت بمعنى إلا فهو متصل، هذا من حيث التقدير؛ إن قدّرت إلا بمعنى لكن فهو منقطع. وعلامة أخرى معنوية، وهي أنه إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو متصل، وإذا لم يكن من جنسه فهو منقطع. هنا ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هل هو من جنس ما قبله؟ من المواعدة سرًّا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ لأن المواعدة سرًّا ليست من القول المعروف، ولَّا لا؟ إذ إن القول المعروف هو التعريض دون التصريح. وإذا كان متصلًا، لكن لا يصح أن يكون متصلًا؛ لأن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، وعلى هذا فيكون الاستثناء هنا منقطعًا، النحويون يمثلون للاستثناء المنقطع بقولهم: قام القوم إلا حمارًا، صحيح هذا التمثيل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ويش السبب؟ * طالب: ليس من جنس الرجال. * الشيخ: ليس من جنسهم ولََّا لا؟ وإنما يأتون بهذا لأن.. (...) متصل ولَّا منقطع؟ * الطلبة: منقطع، إن كان للعبودية، حسب التفسير. * الشيخ: إي، حسب تفسير العبودية؛ إن كان المراد: إن عبادي المخلصين ليس لك عليهم سلطان، فالاستثناء منقطع لا شك، وإن كان عبادي من جِنس قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]. * طالب: متصل. * الشيخ: فالاستثناء متصل، وأيهما أبلغ؟ * طالب: الأول. * الشيخ: الأول أبلغ، وإن كان الثاني هو الأصل، الأصل أن الاستثناء متصل، لكن الأول أبلغ: إن عبادي المخلصين لا يمكن أن تصل إليهم إطلاقًا ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢]، لكن من اتبعك هم الذين يكون لك عليهم سلطان. يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ معروف من قبل مَنْ؟ * الطلبة: من قبل الشرع. * الشيخ: من قبل الشرع، وهو؟ ما هو القول المعروف؟ التعريض الذي أباحه الله. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، لما ذكر الله عز وجل التعريض والتصريح، وأن التعريض جائز دون التصريح والمواعدة -ولو سرًّا- قال عز وجل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ﴿تَعْزِمُوا﴾ العزم على الشيء معناه: التنفيذ، و﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: عقده؛ لأن النكاح عقد بين الزوج والزوجة، فهو كالعقود الأخرى كعَقد البيع وما أشبه ذلك، وقوله: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: الزواج. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ حتى هذه للغاية، وما بعدها منصوب بها، وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ فِعال بمعنى مَفعول، وما المراد بالكتاب؟ الذي ذكر المفسرون أن المراد بالكتاب هنا العدة؛ لأن الله تعالى فرضها، فهي مفروضة على أن فِعالًا بمعنى مفعول، يعني: حتى يبلغ المفروض أجله، والمفروض هي العدة، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت أو طلاق أو نحوه؛ بأن يقال مثلًا: توفي في اليوم الفلاني، ويكون هذا داخلًا في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق ١] يعني: اضبطوها وحرروها، وعلى هذا فيكون المعنى: الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب أيش؟ سبب العدة من وفاة أو طلاق. وقوله: ﴿أَجَلَهُ﴾ أجل الشيء: منتهاه وغايته؛ يعني: حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله سبحانه وتعالى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر، وأتى به سبحانه وتعالى للأهمية والتحذير من المخالفة، ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه، اعلم كذا وكذا، لأجل أن تنتبه ويبلغ علمك هذا الشيء. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما استقر في أنفسكم مما تضمرونه من كل شيء، ولكن هل يؤاخذنا الله عز وجل بما أنفسنا؟ هذا يرجع فيه إلى ما تقتضيه الأدلة من غير هذه الآية، وسنبين إن شاء الله تعالى عند الفوائد. وقوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ يعني: إذا علمتم هذا فاحذروا الله عز وجل من أن تضمروا في هذه الأنفس ما لا يرضاه سبحانه وتعالى، والحذَر من الشيء معناه: أخذ الحِذْر، وهو الاحتياط وعدم المخالفة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لما حذرنا عز وجل قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فإذا أضمرتم في أنفسكم ما لا يرضاه فإن لديكم بابًا واسعًا، ما هو؟ المغفرة، تعرّضوا لمغفرة الله سبحانه وتعالى بأن تستغفروا وتتوبوا إليه، وسبق لنا مرارًا أن الغفور مأخوذ من الغَفْر وهو السَّتر، والمراد به ستر الذنب والتجاوز عنه. وقوله: ﴿حَلِيمٌ﴾ فالحليم هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية: وَهُــوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِــــلُعَبْــــــــدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَــــةٍ لِيَتُــــوبَ مِــــنْعِصْيَــــــــــــــــانِ الحليم هو الذي يؤخر العقوبة عمن يستحقها، وضده من ليس بحليم: من يُعاجل بالعقوبة، والله عز وجل قرن هنا بين المغفرة والرحمة وهو الحلم؛ ليتبين أن تأخيره للعقوبة من أجل أن يتعرض الإنسان لأسباب مغفرته؛ ولهذا جمع بينهما: غفور حليم، فهو يغفر الذنب لمن تاب منه، وهو يحلم فلا يعاجل عبده بالعقوبة سبحانه وتعالى. وكل هذه الأشياء: اعلموا واعلموا واحذروا وما أشبه ذلك تدل على عظم عقد النكاح، وأنه أمر لا يجوز التلاعب به أبدًا، ولهذا كان النكاح في عقده وحَلِّه جِده جِد، وهزله جِد أيضًا، النكاح ولو كان هُزءًا ينعقد، والطلاق ولو كان هُزءًا يحصل به الفراق، كل ذلك من أجل البعد عن التلاعب في هذا العقد العظيم الذي له خطره. ثم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] نقول في ﴿لَا جُنَاحَ﴾ هنا كما قلنا في الأول: إنها نافية للجنس، و﴿جُنَاحَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح؛ لأنه مفرد، وقوله: ﴿جُنَاحَ﴾ أي: إثم. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ لما كان الإنسان قد يتوهم أنه إذا طلق الزوجة بعد أن عقد عليها أن عليه إثمًا في ذلك، لأيش؟ لأنه كسرها، وربما تتأثر تأثرًا كبيرًا، ليش إن هذا الرجل بعد أن عقد عليها ذهب يطلقها؟ لماذا؟ فينفر الناس منها ولا يتزوجونها، فبين الله عز وجل أن ذلك ليس فيه جناح علينا، إذا طلقنا المرأة من دون أن نمسها، واضح؟ ولهذا قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿مَا لَمْ﴾ اختلف أهل الإعراب في إعرابها؛ فقال بعضهم: إن (ما) مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام عدم مسِّكم لهن، وقال بعضهم: إن (ما) شرطية، فهو من باب دخول الشرط على الشرط؛ يعني: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسُّوهن، وهذا يأتي في اللغة العربية كثيرًا؛ أي: كون الشرط الثاني شرطًا في الأول؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط، ومنه قول الشاعر: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنَّــــا مَعَاقِــــلَ عِــــزٍّ زَانَهَــــاكَــــــــــــــــرَمُ فيكون الثاني شرطًا في الأول، أيهما السابق؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: نعم، إذا دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، كلما دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، فهنا يقول: إن (ما) شرطية، وإن تقدير الآية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن. إن طلقتموهن إن لم تمسوهن؛ يعني أنه إذا طلقها بدون مس فلا جناح عليه، والمعنى واحد ولكن الاختلاف في الإعراب. وقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءة ثانية: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، وكلاهما بمعنًى واحد، والمراد به الجماع، لكن جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي مبين- أن يكنوا عما يُستحيا من ذكره صريحًا بما يدل عليه، فهنا ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ و﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ولكل منهما وجه؛ فعلى قراءة ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ لأن الجماع مس من الطرفين، فكل من الزوج والزوجة يمس الآخر، أليس كذلك؟ وعليه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣]. وأما على قراءة المس الذي لا يفيد إلا وقوع الفعل من جانب واحد فهو أيضًا واضح؛ لأن حقيقة الفاعل مَنْ؟ الزوج، الرجل، فهو ماس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران ٤٧] نعم، مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فجعل المس من جانب واحد وهو الرجل. وعلى هذا فينبغي لنا أن نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، وعلى قاعدة بعض أهل العلم يقولون: إذا اجتمع قراءتان في إحداهما زيادة حرف فينبغي أن نأخذ بما فيها زيادة حرف لأنها أكثر ثوابًا؛ إذ إن الحرف الواحد من القرآن فيه عشر حسنات. فإذا كان كذلك، فإننا نتتبع القراءات التي فيها زيادة حروف ونأخذ بها، نقرأ بها، ولكن هذا القول فيه نظر، بل الصواب أننا نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف صفات العبادات، وقد مر علينا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل أن تفعل هذه مرة وهذه مرة حتى تأتي بالسنة كلها، هذه أيضًا تفعل هذه مرة وهذه مرة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، حتى تأتي بكل الوجوه التي قرأها النبي ﷺ، ولكن يجب عليك أن تتيقن أنه قد قرئ بهذه القراءة، فلا تتخرص، فإذا نسيت فاقرأ ما علمت؛ لأنك لو تقرأ بشيء على سبيل الظن قلت على الله ما لم تعلم، والمسألة خطيرة، إنما من منّ الله عليه بمعرفة القراءات فإن الأفضل أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، إلا في حضور العامة، حضور العامة لا، اقرأ بالقراءة التي بين أيديهم، لماذا؟ لأنك لو تقرأ بقراءة خارجة عما في أيديهم ألبست عليهم وحصل في هذا إشكال؛ لأنهم إن اعتقدوا فيك العلم والحفظ قالوا: كيف القرآن كذا يختلف؟ وإلا نسبوك إلى الجهل وعدم المبالاة بكتاب الله عز وجل وقالوا: هذا فلان إمامنا اللي ما يهم فيه غلط ولا ما هي غلط، (...) من باب أولى للعوام. وعلى هذا فنقول: إن الأفضل لا كما قاله بعض أهل العلم أن تتبع القراءات التي فيها حرف زائد على القراءات الأخرى، بل الأفضل أن تقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، ومنه قوله في الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] و﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ نقول الأفضل: نقرأ بهذا مرة وبهذا أخرى لأجل أن نأخذ بكلتا القراءتين. قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: تجمعوا بين الأمرين، بين أن لا تفرضوا لهن فريضة وبين أن لا تمسوهن، فلا جناح عليكم إذا طلقتم المرأة بعد العقد بدون مسيس وبدون تسمية المهر، وتسمية المهر من عدمها لها ثلاثة أوجه: إما أن يسمي المهر ويعيِّنه -وهذا هو الأفضل- بأن يعيِّن الرجل الزوج المهر فيقول: أنا أريد أن أتزوجها بخمس مئة ريال، فيقول الولي: زوجتك ابنتي بخمس مئة ريال؛ هذا مهر مسمًّى، أو يسكت يقول: زوجتك ابنتي، ويقول: قبلتُ، أو يقول: زوَّجتك ابنتي، ويقول الزوج: بشرط أن لا مهر لها، فيشترط عدم المهر، هذه ثلاث صور، إذا عيَّن المهر فالأمر فيه ظاهر ويثبت ما عيَّن، وإذا سكت فهذا هو الذي في هذه الآية: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وأو هنا على القول الراجح حرف عطف، معطوفة على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، وليست كما قال بعضهم: إنها (أو) بمعنى إلا؛ يعني: ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة؛ فإن هذا ما يستقيم مع الكلام. المهم إذا تزوجها بدون أن يسمي لها مهرًا فهو ما في هذه الآية. إذا تزوجها وشرط عدم المهر فالشرط فاسد، لكن هل يفسد العقد أم لا؟ في هذا قولان لأهل العلم: فقال جماعة من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن النكاح باطل ولا يصح إذا شرط عدم المهر؛ لأنه إذا شرط عدم المهر فقد خالف قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فيها قراءتان، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ شرط ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فشرط الله الحِل بأن يكون هناك مال، وأيضًا إذا شرط عدم المهر صار ذلك هبة، والهبة خاصة بمن؟ بالنبي ﷺ. وقال بعض أهل العلم -الطائفة الثانية من أهل العلم-: إن النكاح صحيح والشرط فاسد، ويجب لها مهر المثل. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: كذلك أيضًا لا جناح عليكم في أن يقع منكم هذان الأمران: لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، وكما قلت في أول الكلام على الآية: إن المرأة قد يكون في قلبها شيء حيث طلقت بعد العقد وقبل الدخول، ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك أنه لم يُسمَّ لها مهر؛ فإن الناس قد يقولون: هذه المرأة لا تساوي شيئًا، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قال بعض المفسرين أو المعرِبين: إن هذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة، والتقدير: فطلقوهن ومتعوهن، وأن قوله: (فطلقوهن) مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ لأن معنى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ معناها: قد أبحنا لكم طلاق النساء فطلقوهن، فيكون المراد بالأمر المقدر -كما قالوا- المراد به الإباحة، والمراد بالأمر المذكور المراد به الوجوب. وقال بعض المعرِبين: لا حاجة إلى التقدير؛ لأن قوله (فطلقوهن) المراد به الإباحة مفهوم من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وما دام المعنى يفهم بدون تقدير فإنه لا يجوز التقدير؛ لأن التقدير نوع من التأويل، ولأن الأصل تمام الكلام وعدم احتياجه إلى تقدير. وهذا القول أرجح، وعلى هذا فقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: إذا طلقتموهن، وهذا مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ ما معنى التمتيع؟ أن يعطيها ما فيه المتعة والبلاغ من زاد أو لباس أو غير ذلك مما تقتضيه الحال والعُرف. وقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ في ﴿قَدَرُهُ﴾ قراءتان: ﴿قَدْرُهُ﴾ و﴿قَدَرُهُ﴾، وقوله: ﴿الْمُوسِعِ﴾ هو الغني، وقوله: ﴿الْمُقْتِرِ﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء ١٠٠] أي: مَنُوعًا، فالمقتر معناه: الذي ليس عنده شيء أو الفقير، والموسع: الغني الكثير المال، فـ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أو ﴿قَدْرُهُ﴾ أي: ما يناسب حاله، وعلى الفقير ما يناسب حاله، والجملة هذه قيل: إنها استئنافية لا محل لها من الإعراب تبين مقدار الواجب الذي أوجبه الله في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وقيل: إنها في موضع نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: متعوهن حال كونكم موسرين أو معسرين، على الموسر قدره، وعلى المقتر قدره. أما إعرابها فإن ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿عَلَى الْمُقْتِر﴾ أيضًا خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾ هذه يحتمل أن يكون اسم مصدر -يعني: مفعولًا مطلقًا- عامله قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: تمتيعًا بالمعروف، فمتاع هنا بمعنى تمتيع، مثل كلام بمعنى تكليم، وسلام بمعنى تسليم وما أشبهها، وعلى هذا فيكون إعرابها مفعولًا مطلقًا، ويحتمل أن يكون حالًا؛ يعني: حال كون القَدَر أو القَدْر متاعًا بالمعروف. وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني معناه: يقتضيه العُرف، وكم في الآيات التي مرت التحويل على العرف مما يدل على أن العرف له اعتبار شرعي. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿حَقًّا﴾ منصوبة على أنها مصدر لفعل محذوف، يعني: أُحقُّ ذلك حقًّا على المحسنين، أو على أنها مصدر معنوي لقوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ حقًّا، أو على أنها صفة لقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ يعني: متاعًا حقًّا، كل الأوجه هذه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى. والحق هو الشيء الثابت اللازم يقال: حقّ، والحق إما أن يكون في الأخبار وإما أن يكون في الأحكام، فإن كان في الأخبار فهو الصدق، وإن كان في الأحكام فهو العدل، وقد يُجمع بينه وبين الصدق فيُحمل الصدقُ على الخبرِ والحقُّ على العدلِ مثل قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] قال العلماء: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار، ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: على الفاعلين الإحسان. المحسن اسم فاعل من أحسن؛ أي: قام بالإحسان وعمل به، والإحسان هنا ما كان موافقًا للشرع، فإذا قرن بالعدل صار المراد بالإحسان: الفضل الزائد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]، فالإحسان تارةً يُراد به موافقة الشرع ولو كان شيئًا واجبًا، وتارةً يُراد به ما زاد على الواجب، وهذا إذا قُرِن بماذا؟ إذا قُرِن بالعدل كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: والمحسنات؟ * طالب: يخاطب الأزواج. * الشيخ: لأنه يخاطب الأزواج، الزوجات ما بيمتعن أزواجهن؛ لأنهن مخطوبات لا خاطبات (...) ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة فوائد: أولًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، من أين؟ * طالب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾. * الشيخ: لا، من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ لأنها خبر بمعنى الأمر. ويستفاد من عمومها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿أَزْوَاجًا﴾. * الشيخ: ﴿أَزْوَاجًا﴾ وأطْلق. ويستفاد منها أيضًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء دخل بها أم لم يدخل، من قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق، فإن الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب ٤٩] واضح؟ فهذان رجلان كلاهما تزوجا، أحدهما مات قبل أن يدخل، والثاني طلق قبل أن يدخل، على زوجة الأول العدة، والثاني ليس عليها عدة، كذا؟ ولزوجة الأول المهر كاملًا، ولزوجة الثاني نصف المهر، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ولزوجة الأول الميراث، والثانية؟ * الطلبة: لا شيء. * الشيخ: صح، لأنه ما مات. المهم إذا مات ما هو زوج (...) ولا عدة عليها، إذن عموم الآية يشمل أيش؟ من دخل بها ومن لم يدخل بها. عموم الآية يتناول الحامل وغير الحامل، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ تشمل الحامل وغيرها، لكن الحامل خصت بآية الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]. لمعترض أن يعترض ويقول: بين الآيتين عموم وخصوص وجهي، فلا يمكن أن تخص إحداهما بالأخرى إلا بدليل؛ ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم إلى أنها تعتدّ بأطول الأجلين[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة، وفيه قصة ابن عباس رضي الله عنهما، وأما حديث عليٍّ فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٠٩٨).]] جمعًا بين الآيتين، أعرفتم؟ ما هو الجواب؟ الجواب: أن السُّنة دلت على تقديم عموم آية الطلاق؛ حيث إن «سُبَيْعَةَ الأسلميَّة نُفِسَتْ بعد موت زوجها بليالٍ، فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]] »، وعلى هذا فيكون عموم آية الطلاق مُقدمًا على عموم آية البقرة، واضح يا جماعة؟ ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج ولا تتعرض للزواج؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، كما تقول: انتظر بكذا وكذا، تربّص بكذا وكذا، يعني: لا تتعجل. ويُستفاد من الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل بوضع أربعة أشهر وعشرًا، أو بفرض أربعة أشهر وعشرًا، ويش الحكمة؟ * الطلبة: ليتبين (...). * الشيخ: قيل: ليتبين الحمل، وهذا فيه نظر؛ لأن الحمل يتبين في مدة أقل، ولكنه سبق لنا تعليل في هذا وهو؟ * الطلبة: (...) قلنا: تعبدية. * الشيخ: قيل: إنها تعبدية، هذا ما لنا فيه تصرف، إذا قلنا: تعبدية، ما لنا فيه تصرف، لكننا نقول: حكمة معقولة؟ * طالب: نعم، أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة. * الشيخ: أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة وثلث الشهر؛ لأنه في الجاهلية كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها تبقى حولًا كاملًا، ففرض الله من هذا الحول ثلثه، ومن جنس الشهور ثلث الشهر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفًا من تجمُّل وخروج من البيت وغير ذلك؛ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: فلا جناح عليهن، مع أن الحديث عن المرأة، عن النساء، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، كأنه أشار إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء فيكونون مسؤولين عنهن. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار العرف؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد مر علينا مرارًا وتكرارًا: أن العُرف معتبر إذا لم يُخالف الشرع، فإن خالف الشرع فليس بمعتَبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عِلم الله عز وجل بالظاهر والخفي، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والخبير هو العالم ببواطن الأمور، ومن علم ببواطن الأمور كان عليمًا بظواهرها من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى آخره. يُستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها، من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وقد سبق لنا التعريض معناه، كذا؟ ويُستفاد من الآية: تحريم التصريح بعدة المتوفى عنها زوجها في خطبة المعتدة من وفاة، تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة؛ لقوله: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾، فنفى الجناح عن التعريض، وهو دون التصريح، والتصريح محرم. استطرادا للفوائد نقول: إن خطبة المعتدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تحرم تصريحًا وتعريضًا، وتباح تصريحًا وتعريضًا، وتباح تعريضًا لا تصريحًا، تحرم تعريضًا وتصريحًا، وتباح تعريضًا وتصريحًا، وتحرم تصريحًا لا تعريضًا. متى تحرم تصريحًا وتعريضًا؟ في الرجعية لغير زوجها، فيحرم على الإنسان أن يخطب المرأة الرجعية، لا تصريحًا ولا تعريضًا، والرجعية مَن هي؟ يعني: المعتدَّة التي يجوز لزوجها أن يراجعها بغير عقد، هذه الرجعية. والتي تحل تصريحًا وتعريضًا هي البائن من زوجها إذا كانت تحل له، مثل المطلقة على عوض، والمختلعة، والفاسخة لنكاحها لسبب، وما أشبه ذلك، المهم أن القاعدة ما هي؟ هي المبانة لزوجها إذا كانت تحل له، فيجوز لزوجها أن يخطبها تعريضًا وتصريحًا وأن يتزوجها، فلو طلّق الإنسان امرأته على عِوض ثم بعد ذلك ندم وهي أيضًا ندمت، إن طلب يتزوجها يجوز يخطبها من أهلها؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يجوز أن يخطبها ويجوز أن يتزوجها. والذي يباح تعريضًا لا تصريحا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: كل مُبانة لغير زوجها، يعني: كل مُبانة يجوز لغير زوجها أن يعرِّض بخطبتها بدون تصريح؛ مثل المتوفى عنها زوجها، والمبانة بطلاق الثلاث، أو بفسخ، أو نحو ذلك، عرفتم؟ هذه أقسام الخطبة. * طالب: البكر يا شيخ؟ * الشيخ: البكر، ما هي معتدة، كلامنا على المعتدة. * الطالب: ما هي الأقسام؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجوز تعريضًا أو تصريحًا؟ * الشيخ: البكر ما هي معتدة. * الطالب: المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل، فيعرض لها أحد بالزواج. * الشيخ: تدخل في المبانة. الدليل على جواز التعريض دون التصريح للمتوفى عنها زوجها هذه الآية، هذه الآية دليل، ويقاس عليها كل مبانة من زوجها؛ لأن لها علاقة بزوجها من جهة، وهي منفصلة عنه من جهة أخرى. أما الرجعية فلأنها زوجة، كما قال الله تعالى فيما سبق: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨]. وأما المبانة من الشخص إذا كانت تحل له فواضح أنها زوجته، فيحل له أن يخطبها وأن يتزوجها، وقولنا: إذا كانت تحل له، احترازًا من المبانة بالثلاث، المبانة بالثلاث لا يحل لزوجها أن يخطبها مطلقًا؛ لأنها ما تحل له. ويستفاد من الآية الكريمة: جواز إضمار الإنسان في نفسه ما لا يحل له أن يفعله بجوارحه؛ لقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ذكر الإنسان المرأة المعتدة في نفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾، فلو قال شخص: إنني أريد أن أتزوج امرأة فلان التي توفى عنها زوجها، يقول يحدث غيره، يجوز ولَّا ما يجوز؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز ولا حرج فيه، وكذلك لو ذكرها في نفسه، لكن الذكر في النفس هل يغني عنه قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؟ يمكن أن يغني عنه، وإلا فإن ما في القلب يسمى ذِكرًا كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥ / ٢، ٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ..» الحديث.]]، فما أضمره الإنسان في نفسه فهو ذكر وحديث. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من وفاة؛ أن يواعدها النكاح فيقول: إذا انتهت عدتك فإني سأتزوجك؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. * ومن فوائدها: أن التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها من القول المعروف غير المنكر؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. هل يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أن النكاح باطل؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، منين الدليل؟ من قوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، وقوله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨)، وابن ماجه (٢٥٢١) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، إذن لو تزوج الإنسان امرأة معتدة فإن النكاح لا يصح. وهل تحل له بعد انقضاء العدة ولَّا ما تحل؟ * الطلبة: فيه أقوال. * الشيخ: فيه خلاف؛ فمن أهل العلم من قال: لا تحل له، ومنهم من قال: تحل له. الذي قال: لا تحل له، بنى قوله على قاعدة معروفة في الفقه وهي: من تعجل شيئًا قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه. وهذه القاعدة لها أصل من السنة، وهو منع القاتل من الميراث[[أخرجه الترمذي (٢١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأنه يُخشى أن يتعجل القتل لأجل أن يرث، ولكن الراجح في هذه المسألة أنه إن رأى الحاكم أن يمنعه منها فعل، وإلا فلا، وربما يُحمل ما روي عن عمر في ذلك على هذا الوجه؛ أن فعله رضي الله عنه ليس سنة، ولكنه عقوبة وتعزير[[أخرجه أحمد في المسند (٣٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فإذا رأى الحاكم أن يمنع هذا الخاطب الذي تعجل في الخطبة قبل أوان جوازها.. الشيخ: منع الحق لمن يستحقه لولا التعذير، والتعذير بمنع الحق لمن يستحقه هو جائز، وعلى هذا فنقول: الصحيح في هذه المسألة أن من عقد على مُعتدَّة فالأصل أنها تحل له بعد انتهاء العدة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] لكن إن رأى الحاكم أن يمنعه منها تعذيرًا فله ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العناية بالعدة وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ لأن أجله ما بُيِّن هنا، وإن كان بُيِّن في آية ثانية، وقد سبق لنا أن من فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه وتحرص عليه حتى تدركه، فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان ولا ينساه، واضح؟ ولهذا نحن لا نؤيد فكرة أن يكون كل شيء موجودًا عند الطالب؛ يعني ما نؤيد أننا نجيب له كتاب ونشرح له كل ما فيه، خلِّ الكتاب به بعض الشيء لأجل الإنسان يستعمل فكره، ولا نؤيد استعمال الطالب للآلات الحاسبة إلا عند الضرورة، ويش الآلات الحاسبة؟ معروفة؛ لأنك إذا تعودتها. * طالب: لم تُعمِل الفكر وتبلّد. * الشيخ: تبلّد فكرك، وصار ما تعرف إلا بهذه الآلة، ولا نؤيد أيضًا استعمال الطالب لآلات الفرائض؛ آلات علم الفرائض، فيه آلات الآن كمبيوتر ما تبين لك علم الفرائض، اعرف بس قاعدتها واضرب الأرقام هذه وتحل لك المسألة، تقسم لك أي مال يكون، بدلًا من أن تتعب في قسم التركات وتُراجع كتب الفرضيين استعمل هذه، ولكن ما نعلمكم اللي عنده؛ لأني أخشى بعد تتخذونها، استعملها لو كنت عامي ما تعرف شيئًا من الفرائض أبدًا، بس يوريك كيف تعمل، ثم تجيء بالمال وتكتب على الشاشة، ثم تنغز الأزرَّة وتكتب الورثة، ومع ذلك لو نغزت واحدًا (...) من هادولا ما تطلع اسمه ما تعطيه. * طالب: ما مذهبها؟ * الشيخ: مذهبها على المشهور عند الحنابلة. * طالب: حسبما تُعد؟ * الشيخ: حسب، لكن (...) أقول: إني لا أؤيد ذلك؛ لأن الطالب ينبغي أن يدرك العلم بفهمه. يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ويستفاد منها: وجوب الحذر من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يُرضي ربه من قوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾. ويستفاد منه: أن هذا القرآن العظيم مثاني بمعنى: تُثنَّى فيه الأمور والمواضيع، فإذا ذُكر أهل الجنة ذُكر أهل النار، وإذا ذُكر الرجاء ذُكر معه الخوف، وهكذا، وقد نص الله على ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] وهو هذا القرآن، من أين يؤخذ من هذه الآية؟ لأنه لما حذر قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والحليم، وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن؟ * طالب: للصفات. * الشيخ: للصفة، وهل يتضمن الحكم؟ * طالب: إذا تعدَّى. * الشيخ: إي، فيه تفصيل، إن كان متعديًا يتضمن الحكم، وإن كان غير متعدٍ لم يتضمن. وهل يدل على أكثر من صفة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ربما يدل بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة عندهم ثلاثة: مطابَقة، وتضَمُّن، والتزام، وياسر يضرب لنا مثالًا للمطابقة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كنت أريد المسألة تعيدها تشرحها. * الشيخ: مثال ذلك أقرب شيء نمثّل بالمحسوس، أنا عندي الآن بيت، فإذا قلت: هذا بيت فلان، كلمة (بيت فلان) تدل على كل البيت بما فيه من الغُرَف والْحُجر والفُسَح والصالات وما أشبه ذلك، ولَّا لا؟ تدل على مجموعه دلالة مطابقة؛ يعني إذا دل اللفظ على كل معناه فهو مطابقة، وتدل على الحجرة الواحدة والصالة الواحدة والفسحة الواحدة بالتضمن؛ يعني إذا دل اللفظ على جزء معناه فهي دلالة تضمن، وتدل على أن لهذا البيت بانيًا بالالتزام؛ لأن البيت ما يقوم بنفسه لا بد من بانٍ يبنيه تُسَمَّى هذه: التزام؛ يعني دلالة اللفظ على أمر خارج عن مدلوله وهو من لوازمه يسمى (دلالة التزام). بالنسبة لأسماء الله تدل على ذات الله وعلى الصفة التي يتضمنها هذا الاسم، تدل على الأمرين دلالة أيش؟ * الطلبة: دلالة مطابقة. * الشيخ: دلالة مطابقة، وتدل على الأمر الخارج اللازم لهذا المعنى؛ تدل دلالة التزام، مثل (الخالق) من أسماء الله؛ دلالته على الذات والخلق مطابقة، ودلالته على العلم والقدرة التزام، ودلالته على الخلق وحده أو الذات وحدها تضمن. واضح؟ * الطالب: لا. * الشيخ: سبحان الله! واضح؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: الخالق الآن يدل على ذات الله والصفة اللي هي الخلق دلالة مطابقة؛ لأنه دل على كل معناه، ويدل على الذات وحدها وعلى الخلق وحده تضمن؛ يعني معناه إفراد كل واحد عن الآخر، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام، كيف؟ ما يمكن يكون خالقًا إلا وهو عالم قادر، ولَّا لا؟ هل يخلق من لا يقدر؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، هل يخلق من لا يعلم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لا بد أن يكون عالمًا قادرًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فذكر العلم وذكر القدرة بعد أن ذكر أنه خَلَق، ولا يمكن أن يكون هناك خَلْق إلا بعلم كيف يخلق وبقدرة على الخلق وإلا (...). ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إلى آخره [البقرة: ٢٣٦]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. وربما يُشعر قوله: ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أن الأَوْلى عدم ذلك وأن لا يطلق؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها وقدم لها الصداق فيه شيء على المرأة وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعًا متعجلًا. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إطلاق المسِّ على الجماع؛ لقوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. ويستفاد منها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ لأنه معطوف على قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: وما لم تفرضوا لهن فريضة. وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة وشرط أن لا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح صحيح والشرط فاسد ولها مهر المثل، ومنهم من يرى أن النكاح غير صحيح، وهذا هو الصحيح أنه إذا شُرط عدم المهر فالنكاح غير صحيح؛ لأن الله اشترط للحِلّ المال؛ قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢٤]. والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يُشرَط المهر ويعيَّن، أو يُسكَت عنه، أو يُشرَط عدمه؛ ففي الحالة الأولى النكاح صحيح ولا إشكال فيه ولا نزاع، وفي الثانية النكاح صحيح ولها مهر الْمِثل إذا سُكت عنه، وفي الثالثة أن يُشرط عدمه موضع خلاف بين أهل العلم. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب المتعة على من طلَّق زوجته قبل الدخول ولم يسمِّ لها مهرًا؛ لقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وهذا بالإجماع أنه إذا طلقها قبل المسيس والخلوة ولم يفرض لها مهرًا فلها المتعة واجبة بالإجماع. ويستفاد من الآية أيضا: أن العبرة بالمتعة حال الزوج: إن كان موسرًا فعليه قدره، وإن كان معسرًا فعليه قدره؛ لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة يعني فائدة أخرى وهي: امتناع التكليف بما لا يطاق، كيف ذلك؟ * طالب: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وهذه القاعدة امتناع التكليف بما لا يطاق دل عليها القرآن في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إذا أمتع زوجته هذا الإمتاع أن يكون بالمعروف؛ أي: بما يقتضيه العرف، بحيث يبذله عن سخاء نفس وبدون مِنَّة؛ لقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائدها: أن القيام بهذه المتعة من الإحسان وإن كانت واجبة؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بشأن النكاح حيث أنزل فيه هذه الآيات الكثيرة المتعددة ولم تتم بعدُ أيضًا؛ لأنه عقد من أخطر العقود، إن لم يكن هو أخطر العقود فإنه من أخطرها. واستنبط بعض العلماء من هذه الآية أن المعتبَر في الإنفاق حال الزوج لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فقاس الإنفاق على الإمتاع، وهذا القياس قد يُقبل وقد لا يُقبل، لكن يغني عنه النص في هذا وهو قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]. وظاهر الآية الكريمة: أنه إذا دخل بها ولم يمسها وجب المهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ فعلَّق الحكم بالمسيس، وهو الجماع، ولكن الصحابة رضي الله عنهم حكموا بأن الخلوة كالمسيس؛ لأنه استباح منها ما لا يُباح لغير الزوج وهو الخلوة، فإذا خلا بها أو قبّلها أو باشرها لشهوة فهو كالجماع يتقرر به المهر. * طالب: استنتاج الفائدة من الآية. * الشيخ: إي، لأنه قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، فظاهره أنه إذا طلقها قبل أن يجامع فإنه ليس عليه متعة مع أن عليه متعة في هذه الحال. * طالب: إذا خلا بها. * الشيخ: إذا خلا بها، إذا خلا بها ظاهره أنه أن عليه المتعة، إذا خلا بها وليس عليه المهر كاملًا؛ لأنه علق الحكم ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فعلق وجوب المتعة بحال وهي إذا لم يمسها، فظاهره أنه وإن خلا بها لا يجب لها المهر، واضح؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ولكن الصحابة حكموا بأن الخلوة كالجماع، وعلى هذا فإذا خلا بها وجب لها المهر دون المتعة، واضح؟ * طالب: مهر المثل، مهر كامل؟ * الشيخ: كامل نعم، المهر كامل. * الطالب: حتى بدون مسيس ولا جماع. * الشيخ: إي نعم، بدون مسيس ولا جماع، يجب لها المهر وتجب عليها العدة، ويثبت كل ما يثبت بالجماع. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٧]، وفي قراءة: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، والمراد به الجماع. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أو ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ أي: من قبل أن تجامعوهن. وهنا كلمة ﴿قَبْلِ﴾ نجد أنها مجرورة بـ (مِن)، فهي إذن معربة، وإذا كانت معربة فلماذا لم تُنون؟ * الطلبة: للإضافة. * الشيخ: لأنها مضافة، مضافة إلى أي شيء؟ * طالب: المصدر المؤول. * الشيخ: لأن أن الداخلة على الفعل تؤول بمصدر؛ أي: من قبل مسِّهن، أو مماسَّتهن على القراءة الثانية. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الواو هذه للحال؛ يعني: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة؛ أي: عيَّنتم لهن مهرًا مسمى؛ مثل أن يتزوجها على ألف درهم معيَّنة ثم يطلقها قبل ذلك؛ قبل أن يمس، هذا فرض المسألة التي ذكر الله عز وجل. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الفاء هذه واقعة في جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، و﴿نِصْفُ﴾ مبتدأ خبره محذوف، وما تقدير هذا الخبر؟ * طالب: فلهن. * الشيخ: (فلهن) أو (فعليكم) يصلح هذا وهذا: فلهن نصف ما فرضتم، أو: فعليكم نصف ما فرضتم، ويجوز أن نجعل ﴿نِصْفُ﴾ خبر مبتدأ محذوف ويكون التقدير: فالواجب نصف ما فرضتم. قوله: ﴿نِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ إن كان هذا المفروض يمكن إفراز بعضه عن بعض فُصِل، كما لو كان ألف درهم فيُجعل خمس مئة وخمس مئة، وإن كان لا يمكن إفرازه بقي النصف مشاعًا كما لو كان بعيرًا مثلًا أو سيارة، لو كان سيارة وتزوجها على هذه السيارة ثم طلقها قبل أن يمسها، فكيف نقول له النصف؟ مشاعًا. نقول: له النصف مشاعًا، أي: لها نصف هذه السيارة وله نصفها. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (إلا) استثناء من أعم الأحوال، يعني: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال، وهذا الاستثناء يسمونه الاستثناء من أعم الأحوال؛ يعني كأنه يقول: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (أن) هذه حرف مصدر ينصب الفعل المضارع، والمشكِل أنه لم ينصب؛ لأن الواو موجودة ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فهل نقول: إن هذا للضرورة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا ضرورة. * الطلبة: النون موجودة. * الشيخ: إي، النون، والواو فاعل! ﴿يَعْفُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل! * طالب: لا يا شيخ النون نون النسوة. * الشيخ: ها، النون للنسوة، إذن الفعل منصوب لكنه مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، سكون أيش؟ سكون الواو ﴿يَعْفُونَ﴾؛ لأن الواو هذه من الفعل، ولهذا لو وزناه في الميزان الصرفي لكان ميزانه (يَفْعُلْنَ) بخلاف قولك: الرجال يعفون، فإن وزن يعفون؟ * الطلبة: يفعلون. * الشيخ: لا. * طالب: يَفْعُونَ. * الشيخ: وزن يعفون: يَفْعُونَ، صح؟ لأن لام الفعل حُذفت لأجل واو الجماعة، إذن نقول: ﴿يَعْفُونَ﴾ هذه منصوبة، لكنها مبنية على السكون في محل نصب؛ لأنها متصلة بنون النسوة. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟ يعود على النساء المطلقات. * طالب: ما يعود على الأزواج؟ * الشيخ: لا لا، كيف يعود على الأزواج، نحن قلنا: نون نسوة، الأولى يكون النساء. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يعني أو إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح، فإن عفون أو عفا الذي بيده عقدة النكاح، فما الحكم؟ ننظر من هو مستثنى؟ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فإن عفوا فكل ما فرضتم، لكم ولَّا لهن؟ * الطلبة: لكم. * الشيخ: نشوف، هذا ينبني على ما المراد بقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، اختلف المفسرون في هذا والفقهاء أيضًا؛ فقال بعض أهل العلم: إن المراد بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوج؛ لأنه هو الذي يملك العقد والطلاق، أرأيت لو قال الولي: زوجتك بنتي، فقال: (هونت ما أبغاها)، ينعقد النكاح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما ينعقد، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولو أنه انعقد وقال: قبلت، ثم قال: طلقت، ينفسخ النكاح؟ * طالب: لا ينفسخ. * الشيخ: ينفسخ، زوجه، إذن من الذي بيده العقدة الآن؟ هو الزوج، وهذا واضح جدًّا أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح الولي مطلقًا؛ لأنه هو الذي يعقد فيقول للزوج: زوجتك، فحينئذٍ يكون بيده العقدة، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة بناء على القول بأن الأب يُجبر ابنته، فهو إن شاء عقد وإن شاء لم يعقد بخلاف الأولياء الآخرين لأنهم لا يعقدون إلا بإذن مولياتهم، فيكون الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة، إذن ففيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه الزوج، الثاني: أنه الولي مطلقًا، الثالث: أنه الأب خاصة، ولكننا إذا رجعنا إلى ما يقتضيه اللفظ وجدنا أن القول الأول هو الصواب وأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، أليس كذلك؟ وأيضًا إذا جعلناه هو الزوج فقد استفدنا من الآية فائدتين: الفائدة الأولى: العفو من جانب الزوجة، والفائدة الثانية: العفو من جانب الزوج. وإذا جعلنا الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا أو الأب صار العفو من جانب واحد. ثالثًا: إذا جعلناه الزوج صار الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، ولَّا لا؟ وإذا جعلناه الولي صار المعنى: إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فلكم الكل دون النساء، واضح؟ ودلالة الآية على المعنيين أوْلى من دلالتها على معنى واحد، فهذه ثلاثة أوجه تُرجح أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج مع كون اللفظ دالًّا عليه بنفسه دون مرجِّح؛ لأن الأولياء لو جاؤوا كلهم وقالوا: زوجناك أيها الرجل الحبيب الطيب الكريم العالم الشجاع نرغب في أن نزوجك، وجاءت الأم وبنتها وخالتها وعمتها وكل شيء وقالوا: زوجناك، فقال: لا أريد، أيش يكون؟ ما ينعقد، إذن الذي بيده العقدة حقيقة هو الزوج، ولا حاجة لمرجِّح ما دام اللفظ دالًّا عليه، وبناء على ذلك يكون الاستثناء، نعرف الآن الاستثناء: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، صح أوْ لا؟ * طالب: (...) كان. * الشيخ: أقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ مستثنى من قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، تمام؟ يبقى إشكال فيما إذا كان الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح وأسقط حقه، فكيف نقول: إنه عفا مع أنه هو الْمُعفَى؟ نقول: نعم؛ لأن المفروض أن الزوج قد سلَّم المهر، فإذا سلم المهر بقي عند من؟ عند الزوجة، فإذن عفو الزوج معناه أن لا يطالبها بما قبضت، ولَّا لا؟ بما قبضت. إذا كان نصف المهر مؤجلًا، فكيف يصح عفو الزوج في هذه الحال؟ * طالب: يعطي مرتين. * الشيخ: لا، عفو الزوج؟ * طالب: يعطي النصف المؤجل. * الشيخ: لا، يكون بناءً على الأغلب؛ لأن الآن قصدي أن الزوج يعفو، كيف يعفو وهو ما بعد صار في ذمة زوجته شيء؟ إلى الآن ما سلمها نصف المهر فكيف يصح أن يقول: إلا أن يعفو؟ نقول: إن الآية مبنية على الأغلب، وإنه كان ينبغي أن يكون الصداق معجلًا لا مؤجلًا. * طالب: مقدم؟ * الشيخ: إي، معجل ومقدم؛ يعني لا مؤجلًا، وعلى هذا فيصح أن يكون الزوج عافيًا بمعنى أنه يسقط ما قبضته المرأة فلا يطالبها به. وقوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ كلمة ﴿عُقْدَةُ﴾ ولم يقل: عَقْد، إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين أطرافي الحبل. ثم قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا أيضًا مما يرجح أن المراد به الزوج؛ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ أيها الأزواج، ولم يقل: وأن يعفون أقرب للتقوى، بل قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾؛ لأن الانكسار الآن من جانب من؟ * الطلبة: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا عفوت عن حقك أيها الزوج كان ذلك أقرب للتقوى وأجبر لخاطرها؛ لأنه قد يكون في قلبها شيء، لماذا يطلقها قبل أن يدخل بها؟ فقوله: ﴿أَنْ تَعْفُوا﴾ يعني عما تستحقون من المهر إذا طلقتم قبل الدخول، وهو ربعه. * طالب: نصفه. * الشيخ: ربعه ولَّا نصفه؟ * الطلبة: نصفه. * الشيخ: متأكدون؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وهو نصفه، إذا عفوتم عن ذلك فهو أقرب للتقوى. وهنا قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ولم يقل: فهو تقوى؛ لأن العفو ليس بواجب، لكن هذا يقربكم من التقوى ويكون وسيلة لكم إلى تقوى الله عز وجل فيما يجب تقواه به. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ الخطاب هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ هل هو خاص بالزوجين؛ الزوج مع الزوجة وأوليائها، أو هو عام؟ * طالب: عام. * الشيخ: نقول: إن نظرنا إلى لفظه فهو عام، وإن نظرنا إلى سياقه فهو خاص، وإذا جعلناه خاصًّا بمقتضى السياق فإنه يكون عامًّا بالعموم المعنوي؛ لأن هذا التوجيه الكريم من الله عز وجل ليس خاصًّا بهؤلاء، كل الناس بيقول: لا تنسَ الفضل بينك وبين أخيك. وقوله: ﴿لَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴿تَنْسَوُا﴾ هنا بمعنى: تتركوا؛ لأن النسيان يطلق بمعنى الترك، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان الذي هو الذهول، فيكون المعنى: لا تنشغلوا فيما بينكم مما يحصل بالفراق قبل الدخول، لا تنشغلوا عن نسيان الفضل؛ لأن الإنسان قد ينشغل بالشيء عن الشيء فينساه، فالنسيان إذن يحتمل أن يكون المراد به الترك، ويحتمل أن يكون به الذهول، وكلاهما وارد في اللغة العربية؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩] وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] النسيان هنا بمعنى الترك، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] والنسيان هنا بمعنى الذهول، الذهول عن الشيء المعلوم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]. * الطلبة: يصلح (...). * الشيخ: أيهم؟ يصلح هذا وهذا؟ إن قلنا: إن النسيان بمعنى الترك فلا إشكال، وإن قلنا: إن النسيان بمعنى الذهول احتجنا إلى جواب على: كيف يعاقبه الله عز وجل مع أنه نسي؟ والجواب على الإشكال الأخير ظاهر كما أجاب به أهل العلم فقالوا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان من خصائص هذه الأمة وليس للأمم السابقين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[[ أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس رضيالله عنهما.]]. هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ قلت: يحتمل أن يكون النسيان بمعنى الترك؛ يعني لا تتركوا الفضل بينكم، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان؛ لأن الإنسان في مثل هذه المقامات قد ينشغل فكره وينسى ما نُدب إليه من الفضل. وقوله: ﴿الْفَضْلَ﴾ قيل: إنه بمعنى الإفضال؛ يعني لا تنسوا أن يُفضِل بعضكم على بعض ويعطيه من الفضل. فهنا هل نقول للزوج: اعفُ ولا تترك نفسك من الإفضال على الزوجة، أو نقول للزوجة: أسقطي ولا تنسي الفضل بينك وبين الزوج، أو للجميع؟ * الطلبة: للجميع. * الشيخ: للجميع بحسب الحال؛ قد يكون الزوج معذورًا في الطلاق قبل الدخول، وقد يكون فقيرًا والمرأة غنية فيكون مقتضى الحال أن يكون الإفضال من الزوجة على الزوج، وقد لا يكون هكذا فيكون الإفضال من الزوج على الزوجة. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ختم الآية بهذا الاسم للتحذير من المخالفة؛ فإن الله بصير بكل ما نعمل. وهل البصر: بصر العين الذي مقتضاه الرؤية، أو البصر: العِلم؛ فيشمل ما يُرى وما يُسمع وما يُعلم؟ * الطلبة: الأخير أشمل. * الشيخ: نعم، الأخير أعم، والأول فيه احتمال أن المراد بصير بما نعمل بمعنى أنه يراه، لكن تعلمون أن هذا التفسير يقتضي حصر ذلك فيما يُرى فقط، والتفسير الثاني أعم، وإذا وُجد معنيان أحدهما أعم واللفظ محتمل له كان الأخذ به أولى لأنه أشمل. يستفاد من الآية الكريمة: جواز الطلاق قبل المس مع تعيين المهر، وجهه: أن الله أقر هذه الحال وجعل لها أحكامًا، ولو كانت حرامًا ما أقرها ولا جعل لها أحكامًا. وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهر؛ لأن الآية فيما إذا طُلقت قبل المسيس ولم يُسمَّ لها مهر، وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمِّي لها مهر، كذا؟ وإن طلقت بعد المسيس؟ إن سُمِّي لها مهر فلها المهر، وإلا فلها المتعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾، فلو تنازع الزوجان فقالت الزوجة للزوج: أعطني ما شئت، وقال الزوج لها: افرضي ما شئتِ، تحجه بهذا وتقول: أنت اللي موكل لك الأمر. نعم، تحجه تقول له: أنت الذي لك الفرض. ولكن إذا أبت بما فرض؟ * الطلبة: ليس لها. * الشيخ: ليس لها ذلك؟ لا، لها ذلك، ما يمكن نجبرها بمهر لا ترضاه. * طالب: شيخ، (...) الآية ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. * الشيخ: إي نعم، لكن إذا فرض لها عشرة آلاف قالت: ما يكفي؟ * طالب: يعني قبل عقدها؟ قبل العقد؟ * الشيخ: قبل قبل، إي، قبل العقد هي بالخيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب نصف المهر إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها مهرًا؛ لقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز إسقاط المرأة المهر عن الزوج أو بعضه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. ومن فوائده: جواز تصرف المرأة في مالها؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ولكن هذا مشروط بما إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة كما تدل عليه آيات أخرى، فإن لم تكن كذلك فلا تملك هذا. وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها وإن كانت مدينة لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾؟ * طالب: لا يملك الحق (...). * الشيخ: أو نقول: إذا كانت مدينة فليس لها أن تعفو، فالآية ظاهرها العموم ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ وليس هذا معاوضة حتى نقول: إن هذه المرأة أخذت من مالها ما يضر بالغرماء، بل هذا عِوض جديد مقابل باستمتاع الرجل بالزوجة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فإن قلنا: إنه الولي مطلقًا أو الأب صار عندنا إشكال، ما هو؟ هو أن الولي لا يملك التبرع ولا الإسقاط لمال موليه، انتبه للقاعدة، الولي سواء كان وليًّا على مال يتيم أو على مال سفيه لا يملك التبرع ولا الإسقاط؛ لأن ذلك ليس من حظ اليتيم أو السفيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، ولهذا المسألة مشكلة من الناحية المالية على قول من يقول: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا، ليش؟ لأن الولي لا يملك العفو عما استحقته موليته، أفهمتم؟ أما إذا كان الأب فالأب فيه خلاف، هل يملك إسقاط الدَّين الذي لولده أو لا يملكه؟ فمن أهل العلم من قال: يملك إسقاط الدَّين الذي لولده، ومنهم من قال: لا يملك، والراجح أنه يملك؛ لأنه إذا كان يملك تملُّك العين الذي في يد الولد فله أن يملك إسقاط الدَّين الذي له من باب أولى؛ لأن تعلق نفس الولد بالمال الذي بيده أقوى من تعلقها بالدَّين، فإذا كان يملك يأخذ ماله من بين يديه فله أن يُسقط دينه عمن هو عليه، وعلى هذا لا إشكال إذا قلنا بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، لكن سبق لنا أن هذا قول ضعيف، وعلى هذا فتنزع هذه الفائدة؛ لأنها مبنية على قول مرجوح (...) حتى مع الدَّين، الآية قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ظاهرها جواز العفو حتى مع الدَّين؛ يعني حتى ولو كان على الإنسان دين فإنه يجوز أن يعفو، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، اختلف العلماء في جواز تبرع الإنسان في ماله أو بشيء من ماله إذا كان عليه دَين يستغرق؛ فالمشهور من مذهبنا مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يتبرع الإنسان بشيء من ماله وإن كان عليه دَين يستغرق ما لم يُحجر عليه، فإن حُجِر عليه فإن التصرف ممنوع كما هو ظاهر، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يصح تبرعه بشيء من ماله مع الدَّين المستغرق لتعلق حق الغرماء به، وقوله هو الصواب وأنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله (...). من المعلوم أن الواجب أهم من التطوع، وإذا كان بعض أهل العلم يُسقِط الزكاة الواجبة في المال إذا كان على الإنسان دين مع وجوب الزكاة، فالتبرع من باب أولى؛ لأن الواجب لا يسقط إلا إذا كان التصرف محرمًا، وعلى هذا فيكون حتى على قاعدة المذهب لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله مع دين يستغرق، ولكن قد يقال: إنه يُعفى عن الشيء اليسير الزهيد كالدرهم والدرهمين؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم عليهم ديون أكثر مما في أيديهم من الأموال ويأتي السائل فيعطونه الدرهم والدرهمين وما أشبه ذلك، فهل نقول: إنهم آثمون؟ في القلب من هذا شيء، ولكن لا شك أنهم مخطئون وأن تصرفهم هذا غير سليم؛ هذا الدرهم الذي تعطيه لهذا السائل أعطِه نفسك أولًا لأنك محتاج، فإذا أوفيت دينك فبعد هذا تصدق بما شئت؛ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»[[أخرجه مسلم (٩٩٧ / ٤١) من حديث جابر.]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام قبل كل شيء، قد يقول: هذا درهم أو درهمين ما هو بنافع ولا هو بضار، نقول له: ما تقول في قطرات الماء ينزل من السماء هل تسيل به الأودية؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وهي قطرة واحدة، هذا الدرهم وفره اليوم والدرهم الثاني وفره غدًا، وتوفر في السنة ثلاث مئة وأربعة وخمسين درهمًا، نِعمة، فعلى هذا نقول: إنه من الحكمة والعقل والدين أن الإنسان الذي عليه دَين يستغرق يجمع ما يُحصّل في قضاء دينه. يستفاد من الآية الكريمة: أن النكاح من العقود؛ لقوله: ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. ويترتب على هذه الفائدة: جواز التوكيل فيه؛ «لأن النبي ﷺ وكّل في العقود عروة بن الجَعْد، وكَّله في شراء أضحية له »[[أخرجه البخاري (٣٦٤٢) من حديث عروة بن الجعد.]]، فيجوز أن يوكل الإنسان من يتزوج له، ولكن كيف يكون عقد النكاح إذا كان الإنسان وكيلًا للزوج، هل يقول الولي له: زوجتُك بنتي، فيقول: قبلت؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما يصلح. هل يقول: زوجت موكلك بنتي فيقول: قبلت لموكلي؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا. * طالب: يُعيِّنه. * الشيخ: لازم يعيّنه، يقول: زوجت موكلك فلانًا ابنتي فلانة، فيقول: قبلت النكاح لموكلي، وهذه المسألة كلمة: لموكلي، يرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يقول: لموكلي، وبعض العلماء يقول: لا يجب اكتفاءً بالإيجاب، ويش هو الإيجاب؟ الإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فإذا قال: زوّجت ابنتي فلانة موكلك فلانًا فقال: قبلت، يعني؟ أقول: يعني لمن؟ * طالب: قبلت لموكلي. * الشيخ: لموكلي، لكن ذكر الموكل في القبول أولى، يقول: قبلت لموكلي فلان، واضح؟ إذا كان الولي هو الذي وكّل فكيف يقول؟ يقول: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانةَ. * طالب: أو وليها، يعني يكون لها ولي؟ * الشيخ: فلانةَ، فيقول ذاك الزوج: قبلت، ولَّا لا؟ طيب، هل يثبت لهذا العقد ما يثبت لعقد البيع من الخيار؛ خيار المجلس أو خيار الشرط؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: خيار المجلس لا يثبت؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٧٩) ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام. ]]، ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالبًا إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق ونظر وبحث، بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة وعن حرص على الربح بدون أن يتروَّى الإنسان، واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع، وهذا ظاهر؛ لأن البيع يقول: إذا ما جازت لي أرجع، أبيعها، لكن المشكلة الزوجة، ولهذا ليس فيه خيار مجلس -أعني النكاح- لكن هل فيه خيار شرط؟ * طالب: لا، ما فيه. * طالب: فيه شرط. * الشيخ: المذهب لا خيارَ فيه، ليس فيه خيار الشرط، واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨ / ٦٣)، واللفظ للبخاري، من حديث عقبة بن عامر.]]. وعندي أن خيار الشرط بالنسبة للزوج غير وارد، ليش؟ لأن النكاح في حقه جائز متى شاء طلق، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذن هو في غِنى عن الشرط، لكن الزوجة هي التي تحتاج إلى الشرط، والصحيح أنه جائز، فيقول: زوجتك ابنتي بشرط الخيار لمدة سنة، كذا؟ الخيار لها، العقد تام الآن، لكن لها الخيار إذا شاءت أن ترد العقد، أو ما يقع كثيرًا بشرط الخيار لها في جلوسها مع أهلك؛ لأن بعض الناس قد يكون أهله عندهم سوء عِشرة، ويزوجوه منه (...) بيقولون: بشرط أنه إذا لم يطب لها المقام مع أهلك فلها الخيار، فالمهم أن العلماء مختلفون في خيار الشرط في النكاح؛ المذهب: لا يصح، واختار شيخ الإسلام أن ذلك صحيح، وهو مستفاد من كلمة ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: استحباب أو الحث، أو بعبارة أصح: الترغيب في العفو، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وهذا شامل لكون العفو نفسه مقرِّبًا للتقوى، ولكون العفو أيضًا سببًا للتقوى؛ فالإنسان الذي يعفو عن عباد الله يعفو الله عنه، وإذا عفا الله عنك فإن ذلك يكون سببًا بتقواك الله عز وجل؛ لأن مدار التقوى على الإيمان، وكلما عفا الإنسان عن عباد الله مبتغيًا بذلك وجه الله ازداد إيمانه فازدادت تقواه. هل يستفاد من هذه الآية: أن الأعمال تتفاضل؟ * الطلبة: نعم، ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. * الشيخ: نعم، لكن هل يستفاد منها أن الأعمال تتفاضل؟ * الطلبة: نعم، هذه واضحة. * طالب: الذي يعفو أفضل من الذي ليس يعفو، لفظ تفضيل ﴿أَقْرَبُ﴾، ﴿أَقْرَبُ﴾ لفظ تفضيل. * الشيخ: إي نعم، هذه نعم يستفاد منها أن الناس يختلفون في القرب من التقوى، لكن هل يفيد أن الأعمال بعضها أفضل من بعض، أو يفيد أن الإيمان بعضه أعلى من بعض؟ هذا هو الظاهر، كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد تقوى، وكلما كان إلى التقوى أقرب كان إلى الإيمان أقرب. إذن فيُستفاد منه أن الناس يتفاضلون في الإيمان، وهذا هو القول الراجح بلا شك، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، هل الذي يزيد وينقص هو إقرار القلب، أو قول اللسان، أو عمل الجوارح؟ * الطلبة: الكل. * الشيخ: الكل، إقرار القلب يزيد بلا شك يتفاضل، وأقوال اللسان تتفاضل، وأفعال الجوارح تتفاضل، كذا؟ أما تفاضل أعمال الجوارح فظاهر؛ فالمصلي أربع ركعات أزيد من المصلي ركعتين، وأقوال اللسان كذلك؛ فالذاكر اللهَ عشر مرات أفضل من الذاكره خمس مرات، لكن كيف يتفاضل الإيمان في القلب؟ نقول: نعم، يتفاضل؛ لأن زيادة اليقين لها سبب، ولَّا لا؟ فإذن كلما ازداد اليقين كان أقوى في الإيمان وهو يتفاضل، أنا عندما يخبرني رجل ثقة في خبر ويكون عندي شيء من العلم، إذا أخبرني آخر بهذا الخبر ازداد علمي ولَّا لا؟ * طلبة: ازداد علمي. * الشيخ: ازداد علمي ويقيني، وهكذا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] فالزيادة ثابتة في القرآن. بعض العلماء يقول: أثبت الزيادة ولا تُثبت النقص، ما قولكم في هذا؟ * الطلبة: ما يستقيم. * الشيخ: هذا غير صحيح، ليش؟ * الطلبة: لا زيادة إلا بنقص. * الشيخ: لا زيادة إلا بنقص؛ إذ إن الزيادة يقابلها النقص، فمثلًا إذا قلنا: هذا زائد على هذا لزم أن يكون الثاني المزيد عليه ناقصًا، ولهذا الصواب أنهما متلازمان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ لا تنسَ أن يكون لك الفضل عليهم، ولهذا جاء في الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى»[[أخرجه البخاري (٢٠٧٦) بلفظ: «رَحِمَ اللَّهُ رجلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وإذا اقْتَضَى» من حديث جابر .]] (...). فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر، والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة عِلم الله تعالى وبصره بكل شيء مما نعمله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فيها ترغيبًا في العمل الصالح وترهيبًا من العمل السيئ؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة معناه: احرصوا على العمل الصالح فإنه لن يضيع، واحذروا من العمل السيئ فإنكم تجازون عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله سبحانه وتعالى. * الطالب: قلتم يا شيخ إن خيار الشرط غير وارد للزوج؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: بالنسبة للمهر الذي دفعه للزوجة لو اشترط يعني يعود إليه المهر، أما إذا لم يشترط لا يعود؟ * الشيخ: لو كان يعود عليه المهر كان صحيح يستفيد من الشرط، لكن الظاهر أنه ما يعود عليه المهر لعموم الحديث ذكرناه، لها المهر بما استحل من فرجها. * الطالب: إذن ما صار (...). * الشيخ: ولهذا هو الحقيقة مشكلة، إلا إذا قلنا بأنه يعود، لكن العلماء كلهم يكادون مُطبقين على أنه يستقر المهر بالدخول. * الطالب: إذن ما صار (...). * الشيخ: هو هذا اللي (...)، والشيخ صرح رحمه الله بأنه يجوز شرط الخيار لهما أو لأحدهما، فبالنسبة للزوجة ظاهر، بالنسبة للزوج ما له مصلحة إلا مثل ما قلت، إذا قلنا: بأنه يعود عليه المهر، أو إذا قلنا: بأنه يعود عليه نصف المهر قبل الدخول، وإلا فالفائدة قليلة. * طالب: والزوجة يعود لها أيش؟ الزوجة يعود لها؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا اختارت الطلاق في ها السنة هذه، اختارت الفراق مع (...) يعود لها المهر؟ * الشيخ: المهر لها ثابت. * الطالب: ثابت؟ * الشيخ: ثابت بالدخول. * الطالب: ما يدخل فيه يعني الإجحاف؟ * الشيخ: هو اللي اشترط، هو الذي رضي بذلك. * الطالب: لكن ربما تختار الفراق ثم يطيب لها المقام يعني؟ * الشيخ: لا، كيف ما دام اشترط لها إلا إذا قالت الشرط عيّنته، إذا لم تستقم الحال مع أهلك، وهذا هو الأحسن يعني كونه يكون شرطًا مطلقًا حتى في النفس منها شيء؛ لأنه قد يكون شبيهًا بنكاح المتعة، فالأوْلى أن يقيد هذا الرأي بكونه تشترط المرأة الخيار في شيء لها فيه غرض كسوء العشرة منه أو من أهله. * الطالب: ولا يجوز أنه يقول: إن اخترتِ الفراق يرجع المهر؟ * الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأنه خلاف الشرع، إذا دخل بها فلها المهر (...).

البقرة 2:236

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٣٤]. أولًا: إعراب الآية ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ؛ اسم موصول مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، وجملة: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ صلته؛ صلة الموصول، لا بد للموصول من صلة، وجملة: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ﴾. وفيها إشكال حيث لم يوجد رابط يربطها بالخبر؛ لأن قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ما فيها ضمير يعود على ﴿الَّذِينَ﴾، فاختلف الناس في تقدير الخبر، أو في كيفية الربط بين المبتدأ والخبر؛ فقال بعضهم: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، وعلى هذا فيكون الضمير في بعدهم هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ والخبر، وقال بعضهم: تربص، وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، فجعل المبتدأ شيئًا مُقدرًا، أي: وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، هذان وجهان، ولكن الأول أيسر من الثاني، الأول أيسر: والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، أو ويذرون أزواجًا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرًا. أيضًا قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أربعة إعرابها: نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه، وقوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ أي: عشر ليال، وعُبر عن الأيام بالليالي لأن الليالي هي غرر الأيام حيث إنها قبلها. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لم يقل: فلا جناح عليهن، بل قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ مخاطبًا الرجال؛ لأنهم أولياء النساء، إلى آخره. نعود الآن إلى المعنى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قال: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بضم الياء، ولم يقل: يَتوفون؛ لأن الإنسان مُتوفًّى، والتوفي بمعنى قبض الحق وافيًا، ويقال: تَوفَّيت حقي منه؛ أي: قضيته وافيًا، والإنسان مُتوفًّى؛ لأنه يقضي أجله في الدنيا ثم تُقبض روحه. وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بالبناء للمجهول، من الذي يَتوفى؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ورد في القرآن على ثلاثة أوجه: فمرة أُضيف إلى الله، ومرة أضيف إلى ملك الموت، ومرة أضيف إلى الرسل الذين هم الملائكة؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢] فهنا أضاف الوفاة إلى من؟ * طالب: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله، وقال عز وجل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] فأضاف التوفي إلى ملك الموت، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فأضاف التوفي إلى الرسل. والجمع بين هذه الوجوه الثلاثة سهل وممكن؛ أما إضافة التوفي إلى الله فلأنه بأمره، وإذا وقع الشيء بأمره فهو الفاعل له؛ كما يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. بنى عمرو بن العاص، هو ما بناها بيده، ولكنه بُنيت بأمره، وكذلك تقول: بنى الملك قصرًا مشيدًا؛ أي: أمر ببنائه، فوقعت إضافة التوفي إلى الله لأن ذلك بأمره. وأما الجمع بين الرسل وبين ملك الموت: فالرسل جمع، وملك الموت مفرد، والجمع بين الآيتين: أن لملك الموت أعوانًا يساعدونه ويسوقون الروح من أسفل البدن إلى الحلقوم، ثم يأتي ملك الموت ويقبضها، أو نقول: إن ملك الموت يقبض الروح ويعطيها الملائكة، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؛ ولهذا بُنيت الآية الكريمة هنا، بُني الفعل فيها للمجهول ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾. هل يصح في غير القرآن أن نقول: فلان تَوفَّى؟ بالبناء للفاعل؟ * طالب: لا، لا يصح. * الشيخ: قال بعضهم: إنه يصح، والمعنى: تَوفَّى أجلَه المقدَّر له؛ أي: استوفاه، كأنه حق له فاستوفاه. وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ الخطاب للناس جميعًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، وعلى هذا: فكل كاف خطاب في القرآن فإنها للناس جميعًا. وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ أي: يتركون وراءهم أزواجًا، و﴿أَزْوَاجًا﴾ جمع زوج، وهو من عُقد له النكاح من رجل أو امرأة، الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوج، إلا أن الفرضيين رحمهم الله اصطلحوا على أن الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوجة، من أجل التمييز بينهما في التمثيل. وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ نكرة، فيشمل الصغيرة والكبيرة، والحرة والأمة، والمدخول بها وغير المدخول بها، كذا؟ ويخرج بها من ليست بزوجة كالسُّرّية، وأم الولد، فإنه إذا مات السيد عن أمته فلا تدخل في الآية الكريمة. ولو مات عن أم ولده التي كان يطؤها وأتت منه بولد فإنها لا تدخل في الآية الكريمة؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾. ولو عقد على امرأة عقدًا غير صحيح فإنها لا تدخل في الآية؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾، وهذه ليست بزوجة، فلو عقد على امرأة وهو لا يصلي؛ تارك للصلاة، ثم مات فإنها لا تدخل في هذه الآية، ما عليها عِدة، لكن إن كان قد وطئها فعليها استبراء فقط، لماذا؟ * طالب: العقد غير الزواج. * الشيخ: لأنها غير زوجة؛ إذ إن هذا العقد ليس بصحيح، باطل. وقوله: ﴿يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يعني: ينتظرن؛ لأن تربَّص مشتملة في حروفها الأصول على الراء والباء والصاد، فهي موافقة لمادة (صبر)؛ ولهذا كان معنى التربص الحبس، ومعنى الصبر الحبس، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، تنتظر بنفسها، وإنما قال: تربص بنفسها؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح، فقال الله لها: تربصي بنفسك؛ يعني: انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك، هوِّن على نفسك وما أشبهها. وأما قول من قال: إن (أنفسهن) توكيد للفاعل في ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهُن، فزيدت الباء، فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة، ولأن مثل هذا التركيب شاذ في اللغة العربية، وعلى هذا فالمعنى الصحيح: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عشرًا، يعني: عشرة أيام ولَّا عشر ليال؟ * الطلبة: عشر ليال. * الشيخ: عشر ليال، بل عشرة أيام، لكن يعبر عن الأيام بالليالي؛ ولهذا قال الله عز وجل في سورة طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه ١٠٢ - ١٠٤]. فتبين أن المراد بالعشر هنا: الأيام، فهنا قوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ يعني: عشرة أيام، لكن قال أهل اللغة: إنهم يعبرون –أي: العرب- بالليالي عن الأيام؛ لأنها سابقتها. وهل الأربعة أشهر وعشر تعتبر بالأهلة أو بالأيام؟ فيها خلاف سيأتينا إن شاء الله تعالى في ذكر الفوائد. وقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ لماذا اختير هذا العدد ولم يُعلَّق الحكم بالأقراء كما في المطلقات؟ قال بعض العلماء: اختير هذا العدد لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر، وزيدت العشرة للاستثبات، هكذا ذكره بعض أهل العلم، ولكنك عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل، لماذا؟ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل، وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ثم إن الاحتياط بأربعة أشهر وعشر يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: يمكن العلم قبل هذه المدة، فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر، وعندي -والله أعلم- أن الحكمة هو أنه لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولًا كاملًا في العدة بعد موت زوجها، وأين تبقى؟ تبقى في حش؛ بيت في بيتها -يعني: معناها البيت من الشعر- يحط لها بيت صغير؛ خباء؛ يصنع خباء لها تقعد فيه، ولا تمس الماء أبدًا، تأكل وتشرب لا بأس لكي ما تموت، لكن ما تمس الماء أبدًا، وتبقى بعرقها ورائحتها وحيضها ونتنها لمدة سنة كاملة، فإذا تمت السنة أتوا لها بعصفور ولَّا فارة ولَّا شيء، قالوا: امحشي به فرجك. فقلَّما تتمسح بشيء إلا مات، منين؟ * الطلبة: من الرائحة. * الشيخ: من الرائحة الكريهة، مُدة سنة يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان، ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة، فأخذت البعرة ورمت بها، ويش الفائدة من هذا؟ يعني تقول: كلما مر عليَّ فهو أهون من رمي هذه البعرة. شوف أيش لون هذا! حكم جائر -والعياذ بالله- وسفيه أيضًا، فجاء الإسلام وأبدل الحول بهذه الأربعة أشهر؛ لأن أربعة أشهر ثلث حول، وعشرة أيام ثلث شهر، والثلث كثير، فأتي من الحول بثلثه، ومن الأشهر بثلثها، فإن تبيّنت هذه الحكمة وكانت هي مراد الله عز وجل فذلك من فضل الله، وإن لم تتبين فإننا نقول: الله أعلم بما أراد، وهذه كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم الحكمة فيها. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ﴿إِذَا بَلَغْنَ﴾ الضمير يعود على الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن. ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ أي: مدة العِدّة، وأجل كل شيء غايته، أي: الغاية التي تنتهي بها العدة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الخطاب للناس، ولم يقل: فلا جناح عليهن كما هو متوقع، المتوقع أن يقول: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليهن، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لماذا؟ لأن الخطاب لأولياء النساء، فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئًا محرمًا عليها في هذه العِدة لزم وليها أن يمنعها، وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء، لكن بالمعروف. وقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويش هذا الفعل اللي كان بالأول ممنوعًا، كان ممنوعًا بالأول ثم كان جائزًا بعد انقضاء العِدة؟ الفعل هو الإحداد، وهو اجتناب الزينة وكل ما يدعو إلى جماعها ويرغِّب في النظر إليها، هذا الإحداد، فما دامت في العدة فإنه يجب عليها أن تتجنب هذا الشيء، فتلبس الثياب الخلقة، صح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، تلبس الثياب ما شاءت من الثياب إلا ثياب الجماع. * الطلبة: نعم. * الشيخ: هذا صحيح، يعني: لها أن تلبس الثوب الجديد والثوب الملوّن، لكن لا تلبس ثوبًا جميلًا؛ لأن هذا يُرغّب في النظر إليها ويدعو إلى جماعها؛ فإن الرجل إذا رأى المرأة متزينة لا شك أنه يرغب. تتجنب الحلي؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن هذا داخل فيما يرغِّب في النظر إليها، تتجنب التحسين بأنواعه سواء في اليد أو الرجل أو العين أو الوجه أو الشفتين، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: صح. الحناء، تمتنع منه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم. تتجنب الطيب بأنواعه، كذا؟ إلا دهن العود؟ * الطلبة: لا، كله. * الشيخ: كل الطيب بأنواعه، إلا أن الشارع رخّص لها إذا طهرت بنوع من الطيب وهو القسط أو الأظفار، ويشبه -والله أعلم- هذا العود الهندي هذا أنها تتطيب به تتبخر لأجل إزالة الرائحة التي بقيت بعد الحيض. تتجنب مشط رأسها؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا. الاغتسال؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما تتجنبه؟ * الطالب: لا. * الشيخ: استعمال الصابون؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: إن كان مُطيبًا تتجنبه، وإلا فلا. هل يجب عليها أن تغتسل في يوم معين من الأسبوع أو متى شاءت؟ * الطلبة: متى شاءت. * الشيخ: متى شاءت، مع أنه عند العامة يقولون: إنها ما تغتسل إلا يوم الجمعة. هل يجوز أن تصعد إلى السطح في الليالي المقمرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الليالي المقمرة، يجوز؟ * الطلبة: نعم، يجوز. * الشيخ: يشاهدها القمر؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يقول العامة: إنه لا يجوز أن تصعد إلى السطح أو تخرج إلى صحن البيت في الليالي المقمرة لأن القمر يشاهدها حينئذٍ، فالقمر يقولون: إنه إنسان، بدليل أن له عينين -ما جعلوا له لسانًا وشفتين- يقولون بس: عينين وأنف، يقولون: إن له عينين وأنفًا، يشوفون ها السواد اللي في القمر ويحسبونه عينين. وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شوف حتى بعد انقضاء العدة لا بد أن يكون ما تفعله في نفسها في نِطاق المعروف، والمعروف هو ما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع، فلا يخرج عن المروءة وعن عادة الناس ذوي المروءة، ولا يخرج عن نطاق الشرع، فلو أرادت أن تتبرج؛ تخرج متبرجة متزينة متطيبة، قلنا: لا، لا يجوز. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ختم الآية بهذه تحذيرًا من مخالفته، يعني: احذروا أن تخالفوا هذا الحكم، فإن الله بما تعملون خبير، والخبير هو العليم ببواطن الأمور، فهو أخص من العليم؛ لأنه مأخوذ من الخبير بالأرض والحرث، ومنه المخابرة: المزارعة؛ لأن الزرع يوضع في الأرض فيدفن ويخفى، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور وخفاياها. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة ٢٣٥]. ﴿لَا جُنَاحَ﴾ يعني: لا إثم ولا حرج. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لجميع الناس، كل خطاب في القرآن بلفظ الجمع فهو للناس عمومًا، إلا ما عينه السياق في قرينة فلا بأس؛ لأنا ذكرنا قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] والقرآن نازل لجميع الناس. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿فِيمَا﴾ أي: في الذي، وإن شئت فقل: ما نكرة موصوفة؛ أي: في قولٍ عرضتم به من خطبة النساء، ولكن الموصول أولى، والدليل على أنه أولى أنه بُيِّن في قوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. و﴿عَرَّضْتُمْ﴾ التعريض والتلويح هو أن يأتي بالكلام غير مصرح بمراده. فيه تصريح وتلويح وتعريض، التعريض والتلويح معناهما واحد؛ يعني: يأتي الإنسان بكلام لا يتبين فيه مراده؛ مثل،بالنسبة للمثال اللي معنا، أن يقول للمرأة: إني في مثلك لراغب، أنا أرغب الزوجة التي هي مثلك، إنك امرأة يرغب فيك الرجال، وما أشبه ذلك، إذا انقضت العدة فأخبريني، وعلى هذا فقِس، هذا التعريض، هذا ما فيه تصريح أنه يخطبها لا لنفسه ولا لغيره، لكنه يسمى تعريضًا. * * * (...) ويذرون أزواجًا أزواجهن يتربصن، فيكون هنا تقدير مبتدأ خبره جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول. طيب جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (...)؟ * * * الخطبة معناها: هو أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها ويطلبها إليه، وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأن عظيم، وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول، طلب الإنسان الزوجة إلى نفسه يكون مقرونًا بالقول، حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة وأهلها ويخطب فيهم؛ يعني: يتكلم بخطبة ثم يبدي أنه يرغب، وربما الآن في وقتنا الحاضر يُصدِّر طلب المرأة بخطبة كتابية؛ يكتب: من فلان لفلان، ويذكر ما يحتاج إلى بيانه في رغبته في يد المرأة، ولكن مع هذا يفرقون بين الخِطبة بالكسر وبين الخُطبة بالضم، فيقولون: الخُطْبة هي القول المشتمل على الوعظ والتذكير وما أشبه ذلك، والخِطْبة هي طلب المرأة لتكون زوجة للخاطب. وقوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ النساء هذه عامة، النساء هنا عامة، ولكنه يراد بها الخاص، أو نقول: إن (أل) هنا للعهد، العهد الذكري وهو قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾، يعني: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ يعني: المذكورات، وهن الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن، واضح؟ وعلى هذا فتكون (أل) هنا للعهد الذِّكري، لكن اللفظ جاء بغير اللفظ، بل جاء بالمعنى، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] هذه أل للعهد الذكري، لكنها جاءت باللفظ الأول تمامًا، وكما في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور ٣٥] وين المصباح؟ المذكور، ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ يعني: المذكورة، إلى آخره. هنا النساء عادت إلى الأزواج بالمعنى، فيكون المراد بالنساء هنا من؟ اللاتي تُوفي عنهن أزواجهن. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: بالقول، ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بدون قول، ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم بأنكم ستتزوجون هذه المرأة التي تُوفي عنها زوجها، ولكن بدون أن تخبروها أو تخبروا أحدًا، لكن تضمروا. وإذا كانت امرأة لم يُتوفّ عنها زوجها وليست معها أحد، هل للإنسان أن يُكِنّ في نفسه أنه سيتزوجها؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ما فيه شك، يجوز، إذا كان يجوز أن يخاطبها بصريح الخِطبة فإن إضماره في قلبه أن يتزوجها من باب أولى، وهذه تأتي في الفوائد. قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ كلمة (عَلِم) مشتقة من العِلْم، وقد سبق لنا أن العِلْم إدراك الشيء إدراكًا جازمًا. * طالب: مطابقًا. * الشيخ: مطابقًا، إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، مثل أن أدرك أن هذا مصحف، مطابق ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وجازم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: خرج بإدراك: عدم الإدراك، ويسمى: جهلًا، إنسان ما يدري عن الشيء تقول له: أيش هذا؟ يقول: ما أعرفه، هذا ليس عنده علم، بل جهل. جازمًا: خرج به الشك والظن والوهم، فالظن هو ما يترجّح في نفس المرء مع احتمال غيره، والوهم هو الطرف المرجوح، والشك متساوي الطرفين ما فيه الترجيح ولا هذا، وهذا يقوله العلماء في باب أصول الدين في بحث أصول الفقه، وهو غير الشك والظن الموجود في الفقه؛ لأن الشك والظن في باب الفقه هو ما ينافي اليقين، يعني: فالمترجح ليس بشيء عندهم، فلو أن الإنسان كان على وضوء، ثم شك هل انتقض وضوؤه، لكن ترجح عنده أنه انتقض، فإنه يعمل بهذا الظن ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا، ما يعمل بهذا الظن، كان متوضئًا وشك هل أحدث أم لا، وغلب على ظنه أنه أحدث، فهل يعمل بهذا الظن ويتوضأ؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]، يعني: حتى يتيقن، فالظن في الأحكام العملية ملحق بماذا؟ ملحق بالشك، الظن الطارئ على المتيقَّن. إذن هنا ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ قلنا: العِلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا. مطابقًا: خرج به الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يُدرك الإنسان الشيء على خلاف حقيقته غير مطابق، فلو سألنا شخصًا وقلنا له: متى كانت غزوة بدر؟ قال: لا أدري؟ * الطلبة: هذا جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، لا يدري، وجزاه الله خيرًا. ولو سألنا شخصًا آخر متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد لله الذي نصر نبيه في يوم بدر وسماه يوم الفرقان، وأنزل فيه آيات عديدة من القرآن، كانت غزوة بدر في السنة الخامسة من الهجرة في ربيع الأول، أيش جهل هذا؟ * الطلبة: جهل مركب. * الشيخ: مركب؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لو كان من غير الخطبة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي، هذا جهله جهل مركب، وما أكثر الجهال المركَّبين وإن كانوا فصحاء! إذن نقول: هذا جهله جهل مركب. أهو أسوأ حالًا أو الجاهل البسيط؟ * طالب: الجاهل البسيط. * الشيخ: الجاهل البسيط أسوأ حالًا يا أخي! * الطلبة: المركب. * الشيخ: الجاهل المركب، ليش؟ لأن جهله مركب من جهلين: جهل بالواقع، وجهل بنفسه، هو عند نفسه أنه عالم وليس بعالم، فقد جهل نفسه، وجهل بالواقع أيضًا؛ ولهذا سماه العلماء جهلًا مُركَّبًا. سألنا ثالثًا وقلنا: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: أظنها إما في الثانية أو في الثالثة، هذا جاهل، لكن عنده نوع من العلم إلا أنه شاك، صح ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إلا أنه شاك، ما أدركها إدراكًا جازمًا؛ لما قال: الثانية، صحيح هي في الثانية، لكن عنده شك هل هي في الثانية أو في الثالثة. الله عز وجل علمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، أيش معنى أزلًا وأبدًا؟ يعني: أزلًا فيما مضى، وأبدًا فيما يستقبل، ويدخل فيهما الحاضر؛ لأن الحاضر اللحظة التي قبل لحظة الآن ماضي، واللي بعده؟ مستقبل، وهي نفسها لا تتقسم، هي: إما حاضر وإما مستقبل وإما ماضٍ، لكنها بلحظة تنقسم، على كل حال الله عز وجل عالم، وعلمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا. واعلم أن علم الله عز وجل لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا نقص في الشمول والإحاطة، فقد أحاط بكل شيء علمًا. ومنها ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بالقول أو بالقلب؟ * الطلبة: بهما. * الشيخ: بهما جميعًا، يذكرها الإنسان بقلبه، ويذكرها الإنسان بلسانه، يذكرها مثلًا لإخوانه؛ لأبيه، لابنه، لصديقه، وما أشبه ذلك بأنه يرغب أن يتزوج فلانة، أو يذكر ذلك بقلبه وفي نفسه. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ هذا نهي ولَّا خبر؟ * الطلبة: نهي. * الشيخ: نهي؟ ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾. * الطلبة: نهي. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون؛ لأن تواعدون من الأفعال الخمسة، إذا حذفت النون فلا بد من ناصب أو جازم، وإن كانت قد تحذف كثيرًا مع نون الوقاية، وقد تحذف أيضًا -لكن ليس بكثير- مع عدم نون الوقاية؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، قال: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»، ولم يقل: لا تدخلون، مع أنها نافية هذه، «وَلَا تُؤْمِنُوا»، ولم يقل: ولا تؤمنون، مع أنها نافية ولست بناهية. * طالب: الإعراب كيف يا شيخ؟ * الشيخ: نقول: الإعراب، لا: نافية، وتدخل: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة للتخفيف. قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ كلمة ﴿سِرًّا﴾ ذكر المفسرون -كثير منهم- أن السر من أسماء النكاح؛ أي: لا تواعدوهن نكاحًا، وقالوا: إن السر من أسماء النكاح؛ لأنه يقع بين الرجل وامرأته سرًّا، وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: فيما بينكم وبينهن، وإذا نُهي عن السر فالعلانية من باب أولى، ويختلف الإعراب بناء على القولين؛ فإذا قلنا: إن ﴿سِرًّا﴾ هو النكاح صار مفعولًا ثانيًا؛ يعني: لا تواعدوهن نكاحًا، وإذا قلنا: إن السر ضد العلانية والمعنى: لا تواعدوهن وعدًا سريًّا صارت؟ * طالب: حال. * الشيخ: أو مفعولًا مطلقًا؛ يعني: وعدًا سرًّا، وأيًّا كان فإن الله عز وجل ينهى عن أن يُصرَّح للمرأة في عدة النكاح. ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن هل الاستثناء هنا منقطع أو متصل؟ إن كانت بمعنى لكن فهو منقطع، وإن كانت بمعنى إلا فهو متصل، هذا من حيث التقدير؛ إن قدّرت إلا بمعنى لكن فهو منقطع. وعلامة أخرى معنوية، وهي أنه إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو متصل، وإذا لم يكن من جنسه فهو منقطع. هنا ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هل هو من جنس ما قبله؟ من المواعدة سرًّا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ لأن المواعدة سرًّا ليست من القول المعروف، ولَّا لا؟ إذ إن القول المعروف هو التعريض دون التصريح. وإذا كان متصلًا، لكن لا يصح أن يكون متصلًا؛ لأن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، وعلى هذا فيكون الاستثناء هنا منقطعًا، النحويون يمثلون للاستثناء المنقطع بقولهم: قام القوم إلا حمارًا، صحيح هذا التمثيل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ويش السبب؟ * طالب: ليس من جنس الرجال. * الشيخ: ليس من جنسهم ولََّا لا؟ وإنما يأتون بهذا لأن.. (...) متصل ولَّا منقطع؟ * الطلبة: منقطع، إن كان للعبودية، حسب التفسير. * الشيخ: إي، حسب تفسير العبودية؛ إن كان المراد: إن عبادي المخلصين ليس لك عليهم سلطان، فالاستثناء منقطع لا شك، وإن كان عبادي من جِنس قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]. * طالب: متصل. * الشيخ: فالاستثناء متصل، وأيهما أبلغ؟ * طالب: الأول. * الشيخ: الأول أبلغ، وإن كان الثاني هو الأصل، الأصل أن الاستثناء متصل، لكن الأول أبلغ: إن عبادي المخلصين لا يمكن أن تصل إليهم إطلاقًا ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢]، لكن من اتبعك هم الذين يكون لك عليهم سلطان. يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ معروف من قبل مَنْ؟ * الطلبة: من قبل الشرع. * الشيخ: من قبل الشرع، وهو؟ ما هو القول المعروف؟ التعريض الذي أباحه الله. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، لما ذكر الله عز وجل التعريض والتصريح، وأن التعريض جائز دون التصريح والمواعدة -ولو سرًّا- قال عز وجل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ﴿تَعْزِمُوا﴾ العزم على الشيء معناه: التنفيذ، و﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: عقده؛ لأن النكاح عقد بين الزوج والزوجة، فهو كالعقود الأخرى كعَقد البيع وما أشبه ذلك، وقوله: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: الزواج. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ حتى هذه للغاية، وما بعدها منصوب بها، وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ فِعال بمعنى مَفعول، وما المراد بالكتاب؟ الذي ذكر المفسرون أن المراد بالكتاب هنا العدة؛ لأن الله تعالى فرضها، فهي مفروضة على أن فِعالًا بمعنى مفعول، يعني: حتى يبلغ المفروض أجله، والمفروض هي العدة، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت أو طلاق أو نحوه؛ بأن يقال مثلًا: توفي في اليوم الفلاني، ويكون هذا داخلًا في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق ١] يعني: اضبطوها وحرروها، وعلى هذا فيكون المعنى: الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب أيش؟ سبب العدة من وفاة أو طلاق. وقوله: ﴿أَجَلَهُ﴾ أجل الشيء: منتهاه وغايته؛ يعني: حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله سبحانه وتعالى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر، وأتى به سبحانه وتعالى للأهمية والتحذير من المخالفة، ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه، اعلم كذا وكذا، لأجل أن تنتبه ويبلغ علمك هذا الشيء. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما استقر في أنفسكم مما تضمرونه من كل شيء، ولكن هل يؤاخذنا الله عز وجل بما أنفسنا؟ هذا يرجع فيه إلى ما تقتضيه الأدلة من غير هذه الآية، وسنبين إن شاء الله تعالى عند الفوائد. وقوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ يعني: إذا علمتم هذا فاحذروا الله عز وجل من أن تضمروا في هذه الأنفس ما لا يرضاه سبحانه وتعالى، والحذَر من الشيء معناه: أخذ الحِذْر، وهو الاحتياط وعدم المخالفة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لما حذرنا عز وجل قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فإذا أضمرتم في أنفسكم ما لا يرضاه فإن لديكم بابًا واسعًا، ما هو؟ المغفرة، تعرّضوا لمغفرة الله سبحانه وتعالى بأن تستغفروا وتتوبوا إليه، وسبق لنا مرارًا أن الغفور مأخوذ من الغَفْر وهو السَّتر، والمراد به ستر الذنب والتجاوز عنه. وقوله: ﴿حَلِيمٌ﴾ فالحليم هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية: وَهُــوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِــــلُعَبْــــــــدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَــــةٍ لِيَتُــــوبَ مِــــنْعِصْيَــــــــــــــــانِ الحليم هو الذي يؤخر العقوبة عمن يستحقها، وضده من ليس بحليم: من يُعاجل بالعقوبة، والله عز وجل قرن هنا بين المغفرة والرحمة وهو الحلم؛ ليتبين أن تأخيره للعقوبة من أجل أن يتعرض الإنسان لأسباب مغفرته؛ ولهذا جمع بينهما: غفور حليم، فهو يغفر الذنب لمن تاب منه، وهو يحلم فلا يعاجل عبده بالعقوبة سبحانه وتعالى. وكل هذه الأشياء: اعلموا واعلموا واحذروا وما أشبه ذلك تدل على عظم عقد النكاح، وأنه أمر لا يجوز التلاعب به أبدًا، ولهذا كان النكاح في عقده وحَلِّه جِده جِد، وهزله جِد أيضًا، النكاح ولو كان هُزءًا ينعقد، والطلاق ولو كان هُزءًا يحصل به الفراق، كل ذلك من أجل البعد عن التلاعب في هذا العقد العظيم الذي له خطره. ثم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] نقول في ﴿لَا جُنَاحَ﴾ هنا كما قلنا في الأول: إنها نافية للجنس، و﴿جُنَاحَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح؛ لأنه مفرد، وقوله: ﴿جُنَاحَ﴾ أي: إثم. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ لما كان الإنسان قد يتوهم أنه إذا طلق الزوجة بعد أن عقد عليها أن عليه إثمًا في ذلك، لأيش؟ لأنه كسرها، وربما تتأثر تأثرًا كبيرًا، ليش إن هذا الرجل بعد أن عقد عليها ذهب يطلقها؟ لماذا؟ فينفر الناس منها ولا يتزوجونها، فبين الله عز وجل أن ذلك ليس فيه جناح علينا، إذا طلقنا المرأة من دون أن نمسها، واضح؟ ولهذا قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿مَا لَمْ﴾ اختلف أهل الإعراب في إعرابها؛ فقال بعضهم: إن (ما) مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام عدم مسِّكم لهن، وقال بعضهم: إن (ما) شرطية، فهو من باب دخول الشرط على الشرط؛ يعني: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسُّوهن، وهذا يأتي في اللغة العربية كثيرًا؛ أي: كون الشرط الثاني شرطًا في الأول؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط، ومنه قول الشاعر: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنَّــــا مَعَاقِــــلَ عِــــزٍّ زَانَهَــــاكَــــــــــــــــرَمُ فيكون الثاني شرطًا في الأول، أيهما السابق؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: نعم، إذا دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، كلما دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، فهنا يقول: إن (ما) شرطية، وإن تقدير الآية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن. إن طلقتموهن إن لم تمسوهن؛ يعني أنه إذا طلقها بدون مس فلا جناح عليه، والمعنى واحد ولكن الاختلاف في الإعراب. وقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءة ثانية: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، وكلاهما بمعنًى واحد، والمراد به الجماع، لكن جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي مبين- أن يكنوا عما يُستحيا من ذكره صريحًا بما يدل عليه، فهنا ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ و﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ولكل منهما وجه؛ فعلى قراءة ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ لأن الجماع مس من الطرفين، فكل من الزوج والزوجة يمس الآخر، أليس كذلك؟ وعليه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣]. وأما على قراءة المس الذي لا يفيد إلا وقوع الفعل من جانب واحد فهو أيضًا واضح؛ لأن حقيقة الفاعل مَنْ؟ الزوج، الرجل، فهو ماس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران ٤٧] نعم، مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فجعل المس من جانب واحد وهو الرجل. وعلى هذا فينبغي لنا أن نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، وعلى قاعدة بعض أهل العلم يقولون: إذا اجتمع قراءتان في إحداهما زيادة حرف فينبغي أن نأخذ بما فيها زيادة حرف لأنها أكثر ثوابًا؛ إذ إن الحرف الواحد من القرآن فيه عشر حسنات. فإذا كان كذلك، فإننا نتتبع القراءات التي فيها زيادة حروف ونأخذ بها، نقرأ بها، ولكن هذا القول فيه نظر، بل الصواب أننا نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف صفات العبادات، وقد مر علينا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل أن تفعل هذه مرة وهذه مرة حتى تأتي بالسنة كلها، هذه أيضًا تفعل هذه مرة وهذه مرة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، حتى تأتي بكل الوجوه التي قرأها النبي ﷺ، ولكن يجب عليك أن تتيقن أنه قد قرئ بهذه القراءة، فلا تتخرص، فإذا نسيت فاقرأ ما علمت؛ لأنك لو تقرأ بشيء على سبيل الظن قلت على الله ما لم تعلم، والمسألة خطيرة، إنما من منّ الله عليه بمعرفة القراءات فإن الأفضل أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، إلا في حضور العامة، حضور العامة لا، اقرأ بالقراءة التي بين أيديهم، لماذا؟ لأنك لو تقرأ بقراءة خارجة عما في أيديهم ألبست عليهم وحصل في هذا إشكال؛ لأنهم إن اعتقدوا فيك العلم والحفظ قالوا: كيف القرآن كذا يختلف؟ وإلا نسبوك إلى الجهل وعدم المبالاة بكتاب الله عز وجل وقالوا: هذا فلان إمامنا اللي ما يهم فيه غلط ولا ما هي غلط، (...) من باب أولى للعوام. وعلى هذا فنقول: إن الأفضل لا كما قاله بعض أهل العلم أن تتبع القراءات التي فيها حرف زائد على القراءات الأخرى، بل الأفضل أن تقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، ومنه قوله في الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] و﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ نقول الأفضل: نقرأ بهذا مرة وبهذا أخرى لأجل أن نأخذ بكلتا القراءتين. قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: تجمعوا بين الأمرين، بين أن لا تفرضوا لهن فريضة وبين أن لا تمسوهن، فلا جناح عليكم إذا طلقتم المرأة بعد العقد بدون مسيس وبدون تسمية المهر، وتسمية المهر من عدمها لها ثلاثة أوجه: إما أن يسمي المهر ويعيِّنه -وهذا هو الأفضل- بأن يعيِّن الرجل الزوج المهر فيقول: أنا أريد أن أتزوجها بخمس مئة ريال، فيقول الولي: زوجتك ابنتي بخمس مئة ريال؛ هذا مهر مسمًّى، أو يسكت يقول: زوجتك ابنتي، ويقول: قبلتُ، أو يقول: زوَّجتك ابنتي، ويقول الزوج: بشرط أن لا مهر لها، فيشترط عدم المهر، هذه ثلاث صور، إذا عيَّن المهر فالأمر فيه ظاهر ويثبت ما عيَّن، وإذا سكت فهذا هو الذي في هذه الآية: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وأو هنا على القول الراجح حرف عطف، معطوفة على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، وليست كما قال بعضهم: إنها (أو) بمعنى إلا؛ يعني: ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة؛ فإن هذا ما يستقيم مع الكلام. المهم إذا تزوجها بدون أن يسمي لها مهرًا فهو ما في هذه الآية. إذا تزوجها وشرط عدم المهر فالشرط فاسد، لكن هل يفسد العقد أم لا؟ في هذا قولان لأهل العلم: فقال جماعة من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن النكاح باطل ولا يصح إذا شرط عدم المهر؛ لأنه إذا شرط عدم المهر فقد خالف قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فيها قراءتان، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ شرط ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فشرط الله الحِل بأن يكون هناك مال، وأيضًا إذا شرط عدم المهر صار ذلك هبة، والهبة خاصة بمن؟ بالنبي ﷺ. وقال بعض أهل العلم -الطائفة الثانية من أهل العلم-: إن النكاح صحيح والشرط فاسد، ويجب لها مهر المثل. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: كذلك أيضًا لا جناح عليكم في أن يقع منكم هذان الأمران: لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، وكما قلت في أول الكلام على الآية: إن المرأة قد يكون في قلبها شيء حيث طلقت بعد العقد وقبل الدخول، ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك أنه لم يُسمَّ لها مهر؛ فإن الناس قد يقولون: هذه المرأة لا تساوي شيئًا، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قال بعض المفسرين أو المعرِبين: إن هذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة، والتقدير: فطلقوهن ومتعوهن، وأن قوله: (فطلقوهن) مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ لأن معنى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ معناها: قد أبحنا لكم طلاق النساء فطلقوهن، فيكون المراد بالأمر المقدر -كما قالوا- المراد به الإباحة، والمراد بالأمر المذكور المراد به الوجوب. وقال بعض المعرِبين: لا حاجة إلى التقدير؛ لأن قوله (فطلقوهن) المراد به الإباحة مفهوم من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وما دام المعنى يفهم بدون تقدير فإنه لا يجوز التقدير؛ لأن التقدير نوع من التأويل، ولأن الأصل تمام الكلام وعدم احتياجه إلى تقدير. وهذا القول أرجح، وعلى هذا فقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: إذا طلقتموهن، وهذا مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ ما معنى التمتيع؟ أن يعطيها ما فيه المتعة والبلاغ من زاد أو لباس أو غير ذلك مما تقتضيه الحال والعُرف. وقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ في ﴿قَدَرُهُ﴾ قراءتان: ﴿قَدْرُهُ﴾ و﴿قَدَرُهُ﴾، وقوله: ﴿الْمُوسِعِ﴾ هو الغني، وقوله: ﴿الْمُقْتِرِ﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء ١٠٠] أي: مَنُوعًا، فالمقتر معناه: الذي ليس عنده شيء أو الفقير، والموسع: الغني الكثير المال، فـ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أو ﴿قَدْرُهُ﴾ أي: ما يناسب حاله، وعلى الفقير ما يناسب حاله، والجملة هذه قيل: إنها استئنافية لا محل لها من الإعراب تبين مقدار الواجب الذي أوجبه الله في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وقيل: إنها في موضع نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: متعوهن حال كونكم موسرين أو معسرين، على الموسر قدره، وعلى المقتر قدره. أما إعرابها فإن ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿عَلَى الْمُقْتِر﴾ أيضًا خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾ هذه يحتمل أن يكون اسم مصدر -يعني: مفعولًا مطلقًا- عامله قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: تمتيعًا بالمعروف، فمتاع هنا بمعنى تمتيع، مثل كلام بمعنى تكليم، وسلام بمعنى تسليم وما أشبهها، وعلى هذا فيكون إعرابها مفعولًا مطلقًا، ويحتمل أن يكون حالًا؛ يعني: حال كون القَدَر أو القَدْر متاعًا بالمعروف. وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني معناه: يقتضيه العُرف، وكم في الآيات التي مرت التحويل على العرف مما يدل على أن العرف له اعتبار شرعي. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿حَقًّا﴾ منصوبة على أنها مصدر لفعل محذوف، يعني: أُحقُّ ذلك حقًّا على المحسنين، أو على أنها مصدر معنوي لقوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ حقًّا، أو على أنها صفة لقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ يعني: متاعًا حقًّا، كل الأوجه هذه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى. والحق هو الشيء الثابت اللازم يقال: حقّ، والحق إما أن يكون في الأخبار وإما أن يكون في الأحكام، فإن كان في الأخبار فهو الصدق، وإن كان في الأحكام فهو العدل، وقد يُجمع بينه وبين الصدق فيُحمل الصدقُ على الخبرِ والحقُّ على العدلِ مثل قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] قال العلماء: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار، ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: على الفاعلين الإحسان. المحسن اسم فاعل من أحسن؛ أي: قام بالإحسان وعمل به، والإحسان هنا ما كان موافقًا للشرع، فإذا قرن بالعدل صار المراد بالإحسان: الفضل الزائد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]، فالإحسان تارةً يُراد به موافقة الشرع ولو كان شيئًا واجبًا، وتارةً يُراد به ما زاد على الواجب، وهذا إذا قُرِن بماذا؟ إذا قُرِن بالعدل كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: والمحسنات؟ * طالب: يخاطب الأزواج. * الشيخ: لأنه يخاطب الأزواج، الزوجات ما بيمتعن أزواجهن؛ لأنهن مخطوبات لا خاطبات (...) ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة فوائد: أولًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، من أين؟ * طالب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾. * الشيخ: لا، من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ لأنها خبر بمعنى الأمر. ويستفاد من عمومها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿أَزْوَاجًا﴾. * الشيخ: ﴿أَزْوَاجًا﴾ وأطْلق. ويستفاد منها أيضًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء دخل بها أم لم يدخل، من قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق، فإن الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب ٤٩] واضح؟ فهذان رجلان كلاهما تزوجا، أحدهما مات قبل أن يدخل، والثاني طلق قبل أن يدخل، على زوجة الأول العدة، والثاني ليس عليها عدة، كذا؟ ولزوجة الأول المهر كاملًا، ولزوجة الثاني نصف المهر، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ولزوجة الأول الميراث، والثانية؟ * الطلبة: لا شيء. * الشيخ: صح، لأنه ما مات. المهم إذا مات ما هو زوج (...) ولا عدة عليها، إذن عموم الآية يشمل أيش؟ من دخل بها ومن لم يدخل بها. عموم الآية يتناول الحامل وغير الحامل، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ تشمل الحامل وغيرها، لكن الحامل خصت بآية الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]. لمعترض أن يعترض ويقول: بين الآيتين عموم وخصوص وجهي، فلا يمكن أن تخص إحداهما بالأخرى إلا بدليل؛ ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم إلى أنها تعتدّ بأطول الأجلين[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة، وفيه قصة ابن عباس رضي الله عنهما، وأما حديث عليٍّ فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٠٩٨).]] جمعًا بين الآيتين، أعرفتم؟ ما هو الجواب؟ الجواب: أن السُّنة دلت على تقديم عموم آية الطلاق؛ حيث إن «سُبَيْعَةَ الأسلميَّة نُفِسَتْ بعد موت زوجها بليالٍ، فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]] »، وعلى هذا فيكون عموم آية الطلاق مُقدمًا على عموم آية البقرة، واضح يا جماعة؟ ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج ولا تتعرض للزواج؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، كما تقول: انتظر بكذا وكذا، تربّص بكذا وكذا، يعني: لا تتعجل. ويُستفاد من الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل بوضع أربعة أشهر وعشرًا، أو بفرض أربعة أشهر وعشرًا، ويش الحكمة؟ * الطلبة: ليتبين (...). * الشيخ: قيل: ليتبين الحمل، وهذا فيه نظر؛ لأن الحمل يتبين في مدة أقل، ولكنه سبق لنا تعليل في هذا وهو؟ * الطلبة: (...) قلنا: تعبدية. * الشيخ: قيل: إنها تعبدية، هذا ما لنا فيه تصرف، إذا قلنا: تعبدية، ما لنا فيه تصرف، لكننا نقول: حكمة معقولة؟ * طالب: نعم، أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة. * الشيخ: أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة وثلث الشهر؛ لأنه في الجاهلية كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها تبقى حولًا كاملًا، ففرض الله من هذا الحول ثلثه، ومن جنس الشهور ثلث الشهر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفًا من تجمُّل وخروج من البيت وغير ذلك؛ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: فلا جناح عليهن، مع أن الحديث عن المرأة، عن النساء، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، كأنه أشار إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء فيكونون مسؤولين عنهن. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار العرف؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد مر علينا مرارًا وتكرارًا: أن العُرف معتبر إذا لم يُخالف الشرع، فإن خالف الشرع فليس بمعتَبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عِلم الله عز وجل بالظاهر والخفي، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والخبير هو العالم ببواطن الأمور، ومن علم ببواطن الأمور كان عليمًا بظواهرها من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى آخره. يُستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها، من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وقد سبق لنا التعريض معناه، كذا؟ ويُستفاد من الآية: تحريم التصريح بعدة المتوفى عنها زوجها في خطبة المعتدة من وفاة، تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة؛ لقوله: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾، فنفى الجناح عن التعريض، وهو دون التصريح، والتصريح محرم. استطرادا للفوائد نقول: إن خطبة المعتدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تحرم تصريحًا وتعريضًا، وتباح تصريحًا وتعريضًا، وتباح تعريضًا لا تصريحًا، تحرم تعريضًا وتصريحًا، وتباح تعريضًا وتصريحًا، وتحرم تصريحًا لا تعريضًا. متى تحرم تصريحًا وتعريضًا؟ في الرجعية لغير زوجها، فيحرم على الإنسان أن يخطب المرأة الرجعية، لا تصريحًا ولا تعريضًا، والرجعية مَن هي؟ يعني: المعتدَّة التي يجوز لزوجها أن يراجعها بغير عقد، هذه الرجعية. والتي تحل تصريحًا وتعريضًا هي البائن من زوجها إذا كانت تحل له، مثل المطلقة على عوض، والمختلعة، والفاسخة لنكاحها لسبب، وما أشبه ذلك، المهم أن القاعدة ما هي؟ هي المبانة لزوجها إذا كانت تحل له، فيجوز لزوجها أن يخطبها تعريضًا وتصريحًا وأن يتزوجها، فلو طلّق الإنسان امرأته على عِوض ثم بعد ذلك ندم وهي أيضًا ندمت، إن طلب يتزوجها يجوز يخطبها من أهلها؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يجوز أن يخطبها ويجوز أن يتزوجها. والذي يباح تعريضًا لا تصريحا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: كل مُبانة لغير زوجها، يعني: كل مُبانة يجوز لغير زوجها أن يعرِّض بخطبتها بدون تصريح؛ مثل المتوفى عنها زوجها، والمبانة بطلاق الثلاث، أو بفسخ، أو نحو ذلك، عرفتم؟ هذه أقسام الخطبة. * طالب: البكر يا شيخ؟ * الشيخ: البكر، ما هي معتدة، كلامنا على المعتدة. * الطالب: ما هي الأقسام؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجوز تعريضًا أو تصريحًا؟ * الشيخ: البكر ما هي معتدة. * الطالب: المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل، فيعرض لها أحد بالزواج. * الشيخ: تدخل في المبانة. الدليل على جواز التعريض دون التصريح للمتوفى عنها زوجها هذه الآية، هذه الآية دليل، ويقاس عليها كل مبانة من زوجها؛ لأن لها علاقة بزوجها من جهة، وهي منفصلة عنه من جهة أخرى. أما الرجعية فلأنها زوجة، كما قال الله تعالى فيما سبق: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨]. وأما المبانة من الشخص إذا كانت تحل له فواضح أنها زوجته، فيحل له أن يخطبها وأن يتزوجها، وقولنا: إذا كانت تحل له، احترازًا من المبانة بالثلاث، المبانة بالثلاث لا يحل لزوجها أن يخطبها مطلقًا؛ لأنها ما تحل له. ويستفاد من الآية الكريمة: جواز إضمار الإنسان في نفسه ما لا يحل له أن يفعله بجوارحه؛ لقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ذكر الإنسان المرأة المعتدة في نفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾، فلو قال شخص: إنني أريد أن أتزوج امرأة فلان التي توفى عنها زوجها، يقول يحدث غيره، يجوز ولَّا ما يجوز؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز ولا حرج فيه، وكذلك لو ذكرها في نفسه، لكن الذكر في النفس هل يغني عنه قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؟ يمكن أن يغني عنه، وإلا فإن ما في القلب يسمى ذِكرًا كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥ / ٢، ٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ..» الحديث.]]، فما أضمره الإنسان في نفسه فهو ذكر وحديث. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من وفاة؛ أن يواعدها النكاح فيقول: إذا انتهت عدتك فإني سأتزوجك؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. * ومن فوائدها: أن التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها من القول المعروف غير المنكر؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. هل يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أن النكاح باطل؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، منين الدليل؟ من قوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، وقوله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨)، وابن ماجه (٢٥٢١) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، إذن لو تزوج الإنسان امرأة معتدة فإن النكاح لا يصح. وهل تحل له بعد انقضاء العدة ولَّا ما تحل؟ * الطلبة: فيه أقوال. * الشيخ: فيه خلاف؛ فمن أهل العلم من قال: لا تحل له، ومنهم من قال: تحل له. الذي قال: لا تحل له، بنى قوله على قاعدة معروفة في الفقه وهي: من تعجل شيئًا قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه. وهذه القاعدة لها أصل من السنة، وهو منع القاتل من الميراث[[أخرجه الترمذي (٢١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأنه يُخشى أن يتعجل القتل لأجل أن يرث، ولكن الراجح في هذه المسألة أنه إن رأى الحاكم أن يمنعه منها فعل، وإلا فلا، وربما يُحمل ما روي عن عمر في ذلك على هذا الوجه؛ أن فعله رضي الله عنه ليس سنة، ولكنه عقوبة وتعزير[[أخرجه أحمد في المسند (٣٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فإذا رأى الحاكم أن يمنع هذا الخاطب الذي تعجل في الخطبة قبل أوان جوازها.. الشيخ: منع الحق لمن يستحقه لولا التعذير، والتعذير بمنع الحق لمن يستحقه هو جائز، وعلى هذا فنقول: الصحيح في هذه المسألة أن من عقد على مُعتدَّة فالأصل أنها تحل له بعد انتهاء العدة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] لكن إن رأى الحاكم أن يمنعه منها تعذيرًا فله ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العناية بالعدة وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ لأن أجله ما بُيِّن هنا، وإن كان بُيِّن في آية ثانية، وقد سبق لنا أن من فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه وتحرص عليه حتى تدركه، فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان ولا ينساه، واضح؟ ولهذا نحن لا نؤيد فكرة أن يكون كل شيء موجودًا عند الطالب؛ يعني ما نؤيد أننا نجيب له كتاب ونشرح له كل ما فيه، خلِّ الكتاب به بعض الشيء لأجل الإنسان يستعمل فكره، ولا نؤيد استعمال الطالب للآلات الحاسبة إلا عند الضرورة، ويش الآلات الحاسبة؟ معروفة؛ لأنك إذا تعودتها. * طالب: لم تُعمِل الفكر وتبلّد. * الشيخ: تبلّد فكرك، وصار ما تعرف إلا بهذه الآلة، ولا نؤيد أيضًا استعمال الطالب لآلات الفرائض؛ آلات علم الفرائض، فيه آلات الآن كمبيوتر ما تبين لك علم الفرائض، اعرف بس قاعدتها واضرب الأرقام هذه وتحل لك المسألة، تقسم لك أي مال يكون، بدلًا من أن تتعب في قسم التركات وتُراجع كتب الفرضيين استعمل هذه، ولكن ما نعلمكم اللي عنده؛ لأني أخشى بعد تتخذونها، استعملها لو كنت عامي ما تعرف شيئًا من الفرائض أبدًا، بس يوريك كيف تعمل، ثم تجيء بالمال وتكتب على الشاشة، ثم تنغز الأزرَّة وتكتب الورثة، ومع ذلك لو نغزت واحدًا (...) من هادولا ما تطلع اسمه ما تعطيه. * طالب: ما مذهبها؟ * الشيخ: مذهبها على المشهور عند الحنابلة. * طالب: حسبما تُعد؟ * الشيخ: حسب، لكن (...) أقول: إني لا أؤيد ذلك؛ لأن الطالب ينبغي أن يدرك العلم بفهمه. يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ويستفاد منها: وجوب الحذر من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يُرضي ربه من قوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾. ويستفاد منه: أن هذا القرآن العظيم مثاني بمعنى: تُثنَّى فيه الأمور والمواضيع، فإذا ذُكر أهل الجنة ذُكر أهل النار، وإذا ذُكر الرجاء ذُكر معه الخوف، وهكذا، وقد نص الله على ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] وهو هذا القرآن، من أين يؤخذ من هذه الآية؟ لأنه لما حذر قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والحليم، وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن؟ * طالب: للصفات. * الشيخ: للصفة، وهل يتضمن الحكم؟ * طالب: إذا تعدَّى. * الشيخ: إي، فيه تفصيل، إن كان متعديًا يتضمن الحكم، وإن كان غير متعدٍ لم يتضمن. وهل يدل على أكثر من صفة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ربما يدل بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة عندهم ثلاثة: مطابَقة، وتضَمُّن، والتزام، وياسر يضرب لنا مثالًا للمطابقة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كنت أريد المسألة تعيدها تشرحها. * الشيخ: مثال ذلك أقرب شيء نمثّل بالمحسوس، أنا عندي الآن بيت، فإذا قلت: هذا بيت فلان، كلمة (بيت فلان) تدل على كل البيت بما فيه من الغُرَف والْحُجر والفُسَح والصالات وما أشبه ذلك، ولَّا لا؟ تدل على مجموعه دلالة مطابقة؛ يعني إذا دل اللفظ على كل معناه فهو مطابقة، وتدل على الحجرة الواحدة والصالة الواحدة والفسحة الواحدة بالتضمن؛ يعني إذا دل اللفظ على جزء معناه فهي دلالة تضمن، وتدل على أن لهذا البيت بانيًا بالالتزام؛ لأن البيت ما يقوم بنفسه لا بد من بانٍ يبنيه تُسَمَّى هذه: التزام؛ يعني دلالة اللفظ على أمر خارج عن مدلوله وهو من لوازمه يسمى (دلالة التزام). بالنسبة لأسماء الله تدل على ذات الله وعلى الصفة التي يتضمنها هذا الاسم، تدل على الأمرين دلالة أيش؟ * الطلبة: دلالة مطابقة. * الشيخ: دلالة مطابقة، وتدل على الأمر الخارج اللازم لهذا المعنى؛ تدل دلالة التزام، مثل (الخالق) من أسماء الله؛ دلالته على الذات والخلق مطابقة، ودلالته على العلم والقدرة التزام، ودلالته على الخلق وحده أو الذات وحدها تضمن. واضح؟ * الطالب: لا. * الشيخ: سبحان الله! واضح؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: الخالق الآن يدل على ذات الله والصفة اللي هي الخلق دلالة مطابقة؛ لأنه دل على كل معناه، ويدل على الذات وحدها وعلى الخلق وحده تضمن؛ يعني معناه إفراد كل واحد عن الآخر، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام، كيف؟ ما يمكن يكون خالقًا إلا وهو عالم قادر، ولَّا لا؟ هل يخلق من لا يقدر؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، هل يخلق من لا يعلم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لا بد أن يكون عالمًا قادرًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فذكر العلم وذكر القدرة بعد أن ذكر أنه خَلَق، ولا يمكن أن يكون هناك خَلْق إلا بعلم كيف يخلق وبقدرة على الخلق وإلا (...). ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إلى آخره [البقرة: ٢٣٦]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. وربما يُشعر قوله: ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أن الأَوْلى عدم ذلك وأن لا يطلق؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها وقدم لها الصداق فيه شيء على المرأة وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعًا متعجلًا. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إطلاق المسِّ على الجماع؛ لقوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. ويستفاد منها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ لأنه معطوف على قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: وما لم تفرضوا لهن فريضة. وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة وشرط أن لا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح صحيح والشرط فاسد ولها مهر المثل، ومنهم من يرى أن النكاح غير صحيح، وهذا هو الصحيح أنه إذا شُرط عدم المهر فالنكاح غير صحيح؛ لأن الله اشترط للحِلّ المال؛ قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢٤]. والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يُشرَط المهر ويعيَّن، أو يُسكَت عنه، أو يُشرَط عدمه؛ ففي الحالة الأولى النكاح صحيح ولا إشكال فيه ولا نزاع، وفي الثانية النكاح صحيح ولها مهر الْمِثل إذا سُكت عنه، وفي الثالثة أن يُشرط عدمه موضع خلاف بين أهل العلم. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب المتعة على من طلَّق زوجته قبل الدخول ولم يسمِّ لها مهرًا؛ لقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وهذا بالإجماع أنه إذا طلقها قبل المسيس والخلوة ولم يفرض لها مهرًا فلها المتعة واجبة بالإجماع. ويستفاد من الآية أيضا: أن العبرة بالمتعة حال الزوج: إن كان موسرًا فعليه قدره، وإن كان معسرًا فعليه قدره؛ لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة يعني فائدة أخرى وهي: امتناع التكليف بما لا يطاق، كيف ذلك؟ * طالب: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وهذه القاعدة امتناع التكليف بما لا يطاق دل عليها القرآن في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إذا أمتع زوجته هذا الإمتاع أن يكون بالمعروف؛ أي: بما يقتضيه العرف، بحيث يبذله عن سخاء نفس وبدون مِنَّة؛ لقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائدها: أن القيام بهذه المتعة من الإحسان وإن كانت واجبة؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بشأن النكاح حيث أنزل فيه هذه الآيات الكثيرة المتعددة ولم تتم بعدُ أيضًا؛ لأنه عقد من أخطر العقود، إن لم يكن هو أخطر العقود فإنه من أخطرها. واستنبط بعض العلماء من هذه الآية أن المعتبَر في الإنفاق حال الزوج لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فقاس الإنفاق على الإمتاع، وهذا القياس قد يُقبل وقد لا يُقبل، لكن يغني عنه النص في هذا وهو قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]. وظاهر الآية الكريمة: أنه إذا دخل بها ولم يمسها وجب المهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ فعلَّق الحكم بالمسيس، وهو الجماع، ولكن الصحابة رضي الله عنهم حكموا بأن الخلوة كالمسيس؛ لأنه استباح منها ما لا يُباح لغير الزوج وهو الخلوة، فإذا خلا بها أو قبّلها أو باشرها لشهوة فهو كالجماع يتقرر به المهر. * طالب: استنتاج الفائدة من الآية. * الشيخ: إي، لأنه قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، فظاهره أنه إذا طلقها قبل أن يجامع فإنه ليس عليه متعة مع أن عليه متعة في هذه الحال. * طالب: إذا خلا بها. * الشيخ: إذا خلا بها، إذا خلا بها ظاهره أنه أن عليه المتعة، إذا خلا بها وليس عليه المهر كاملًا؛ لأنه علق الحكم ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فعلق وجوب المتعة بحال وهي إذا لم يمسها، فظاهره أنه وإن خلا بها لا يجب لها المهر، واضح؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ولكن الصحابة حكموا بأن الخلوة كالجماع، وعلى هذا فإذا خلا بها وجب لها المهر دون المتعة، واضح؟ * طالب: مهر المثل، مهر كامل؟ * الشيخ: كامل نعم، المهر كامل. * الطالب: حتى بدون مسيس ولا جماع. * الشيخ: إي نعم، بدون مسيس ولا جماع، يجب لها المهر وتجب عليها العدة، ويثبت كل ما يثبت بالجماع. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٧]، وفي قراءة: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، والمراد به الجماع. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أو ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ أي: من قبل أن تجامعوهن. وهنا كلمة ﴿قَبْلِ﴾ نجد أنها مجرورة بـ (مِن)، فهي إذن معربة، وإذا كانت معربة فلماذا لم تُنون؟ * الطلبة: للإضافة. * الشيخ: لأنها مضافة، مضافة إلى أي شيء؟ * طالب: المصدر المؤول. * الشيخ: لأن أن الداخلة على الفعل تؤول بمصدر؛ أي: من قبل مسِّهن، أو مماسَّتهن على القراءة الثانية. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الواو هذه للحال؛ يعني: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة؛ أي: عيَّنتم لهن مهرًا مسمى؛ مثل أن يتزوجها على ألف درهم معيَّنة ثم يطلقها قبل ذلك؛ قبل أن يمس، هذا فرض المسألة التي ذكر الله عز وجل. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الفاء هذه واقعة في جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، و﴿نِصْفُ﴾ مبتدأ خبره محذوف، وما تقدير هذا الخبر؟ * طالب: فلهن. * الشيخ: (فلهن) أو (فعليكم) يصلح هذا وهذا: فلهن نصف ما فرضتم، أو: فعليكم نصف ما فرضتم، ويجوز أن نجعل ﴿نِصْفُ﴾ خبر مبتدأ محذوف ويكون التقدير: فالواجب نصف ما فرضتم. قوله: ﴿نِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ إن كان هذا المفروض يمكن إفراز بعضه عن بعض فُصِل، كما لو كان ألف درهم فيُجعل خمس مئة وخمس مئة، وإن كان لا يمكن إفرازه بقي النصف مشاعًا كما لو كان بعيرًا مثلًا أو سيارة، لو كان سيارة وتزوجها على هذه السيارة ثم طلقها قبل أن يمسها، فكيف نقول له النصف؟ مشاعًا. نقول: له النصف مشاعًا، أي: لها نصف هذه السيارة وله نصفها. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (إلا) استثناء من أعم الأحوال، يعني: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال، وهذا الاستثناء يسمونه الاستثناء من أعم الأحوال؛ يعني كأنه يقول: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (أن) هذه حرف مصدر ينصب الفعل المضارع، والمشكِل أنه لم ينصب؛ لأن الواو موجودة ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فهل نقول: إن هذا للضرورة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا ضرورة. * الطلبة: النون موجودة. * الشيخ: إي، النون، والواو فاعل! ﴿يَعْفُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل! * طالب: لا يا شيخ النون نون النسوة. * الشيخ: ها، النون للنسوة، إذن الفعل منصوب لكنه مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، سكون أيش؟ سكون الواو ﴿يَعْفُونَ﴾؛ لأن الواو هذه من الفعل، ولهذا لو وزناه في الميزان الصرفي لكان ميزانه (يَفْعُلْنَ) بخلاف قولك: الرجال يعفون، فإن وزن يعفون؟ * الطلبة: يفعلون. * الشيخ: لا. * طالب: يَفْعُونَ. * الشيخ: وزن يعفون: يَفْعُونَ، صح؟ لأن لام الفعل حُذفت لأجل واو الجماعة، إذن نقول: ﴿يَعْفُونَ﴾ هذه منصوبة، لكنها مبنية على السكون في محل نصب؛ لأنها متصلة بنون النسوة. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟ يعود على النساء المطلقات. * طالب: ما يعود على الأزواج؟ * الشيخ: لا لا، كيف يعود على الأزواج، نحن قلنا: نون نسوة، الأولى يكون النساء. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يعني أو إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح، فإن عفون أو عفا الذي بيده عقدة النكاح، فما الحكم؟ ننظر من هو مستثنى؟ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فإن عفوا فكل ما فرضتم، لكم ولَّا لهن؟ * الطلبة: لكم. * الشيخ: نشوف، هذا ينبني على ما المراد بقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، اختلف المفسرون في هذا والفقهاء أيضًا؛ فقال بعض أهل العلم: إن المراد بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوج؛ لأنه هو الذي يملك العقد والطلاق، أرأيت لو قال الولي: زوجتك بنتي، فقال: (هونت ما أبغاها)، ينعقد النكاح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما ينعقد، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولو أنه انعقد وقال: قبلت، ثم قال: طلقت، ينفسخ النكاح؟ * طالب: لا ينفسخ. * الشيخ: ينفسخ، زوجه، إذن من الذي بيده العقدة الآن؟ هو الزوج، وهذا واضح جدًّا أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح الولي مطلقًا؛ لأنه هو الذي يعقد فيقول للزوج: زوجتك، فحينئذٍ يكون بيده العقدة، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة بناء على القول بأن الأب يُجبر ابنته، فهو إن شاء عقد وإن شاء لم يعقد بخلاف الأولياء الآخرين لأنهم لا يعقدون إلا بإذن مولياتهم، فيكون الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة، إذن ففيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه الزوج، الثاني: أنه الولي مطلقًا، الثالث: أنه الأب خاصة، ولكننا إذا رجعنا إلى ما يقتضيه اللفظ وجدنا أن القول الأول هو الصواب وأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، أليس كذلك؟ وأيضًا إذا جعلناه هو الزوج فقد استفدنا من الآية فائدتين: الفائدة الأولى: العفو من جانب الزوجة، والفائدة الثانية: العفو من جانب الزوج. وإذا جعلنا الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا أو الأب صار العفو من جانب واحد. ثالثًا: إذا جعلناه الزوج صار الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، ولَّا لا؟ وإذا جعلناه الولي صار المعنى: إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فلكم الكل دون النساء، واضح؟ ودلالة الآية على المعنيين أوْلى من دلالتها على معنى واحد، فهذه ثلاثة أوجه تُرجح أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج مع كون اللفظ دالًّا عليه بنفسه دون مرجِّح؛ لأن الأولياء لو جاؤوا كلهم وقالوا: زوجناك أيها الرجل الحبيب الطيب الكريم العالم الشجاع نرغب في أن نزوجك، وجاءت الأم وبنتها وخالتها وعمتها وكل شيء وقالوا: زوجناك، فقال: لا أريد، أيش يكون؟ ما ينعقد، إذن الذي بيده العقدة حقيقة هو الزوج، ولا حاجة لمرجِّح ما دام اللفظ دالًّا عليه، وبناء على ذلك يكون الاستثناء، نعرف الآن الاستثناء: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، صح أوْ لا؟ * طالب: (...) كان. * الشيخ: أقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ مستثنى من قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، تمام؟ يبقى إشكال فيما إذا كان الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح وأسقط حقه، فكيف نقول: إنه عفا مع أنه هو الْمُعفَى؟ نقول: نعم؛ لأن المفروض أن الزوج قد سلَّم المهر، فإذا سلم المهر بقي عند من؟ عند الزوجة، فإذن عفو الزوج معناه أن لا يطالبها بما قبضت، ولَّا لا؟ بما قبضت. إذا كان نصف المهر مؤجلًا، فكيف يصح عفو الزوج في هذه الحال؟ * طالب: يعطي مرتين. * الشيخ: لا، عفو الزوج؟ * طالب: يعطي النصف المؤجل. * الشيخ: لا، يكون بناءً على الأغلب؛ لأن الآن قصدي أن الزوج يعفو، كيف يعفو وهو ما بعد صار في ذمة زوجته شيء؟ إلى الآن ما سلمها نصف المهر فكيف يصح أن يقول: إلا أن يعفو؟ نقول: إن الآية مبنية على الأغلب، وإنه كان ينبغي أن يكون الصداق معجلًا لا مؤجلًا. * طالب: مقدم؟ * الشيخ: إي، معجل ومقدم؛ يعني لا مؤجلًا، وعلى هذا فيصح أن يكون الزوج عافيًا بمعنى أنه يسقط ما قبضته المرأة فلا يطالبها به. وقوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ كلمة ﴿عُقْدَةُ﴾ ولم يقل: عَقْد، إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين أطرافي الحبل. ثم قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا أيضًا مما يرجح أن المراد به الزوج؛ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ أيها الأزواج، ولم يقل: وأن يعفون أقرب للتقوى، بل قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾؛ لأن الانكسار الآن من جانب من؟ * الطلبة: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا عفوت عن حقك أيها الزوج كان ذلك أقرب للتقوى وأجبر لخاطرها؛ لأنه قد يكون في قلبها شيء، لماذا يطلقها قبل أن يدخل بها؟ فقوله: ﴿أَنْ تَعْفُوا﴾ يعني عما تستحقون من المهر إذا طلقتم قبل الدخول، وهو ربعه. * طالب: نصفه. * الشيخ: ربعه ولَّا نصفه؟ * الطلبة: نصفه. * الشيخ: متأكدون؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وهو نصفه، إذا عفوتم عن ذلك فهو أقرب للتقوى. وهنا قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ولم يقل: فهو تقوى؛ لأن العفو ليس بواجب، لكن هذا يقربكم من التقوى ويكون وسيلة لكم إلى تقوى الله عز وجل فيما يجب تقواه به. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ الخطاب هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ هل هو خاص بالزوجين؛ الزوج مع الزوجة وأوليائها، أو هو عام؟ * طالب: عام. * الشيخ: نقول: إن نظرنا إلى لفظه فهو عام، وإن نظرنا إلى سياقه فهو خاص، وإذا جعلناه خاصًّا بمقتضى السياق فإنه يكون عامًّا بالعموم المعنوي؛ لأن هذا التوجيه الكريم من الله عز وجل ليس خاصًّا بهؤلاء، كل الناس بيقول: لا تنسَ الفضل بينك وبين أخيك. وقوله: ﴿لَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴿تَنْسَوُا﴾ هنا بمعنى: تتركوا؛ لأن النسيان يطلق بمعنى الترك، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان الذي هو الذهول، فيكون المعنى: لا تنشغلوا فيما بينكم مما يحصل بالفراق قبل الدخول، لا تنشغلوا عن نسيان الفضل؛ لأن الإنسان قد ينشغل بالشيء عن الشيء فينساه، فالنسيان إذن يحتمل أن يكون المراد به الترك، ويحتمل أن يكون به الذهول، وكلاهما وارد في اللغة العربية؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩] وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] النسيان هنا بمعنى الترك، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] والنسيان هنا بمعنى الذهول، الذهول عن الشيء المعلوم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]. * الطلبة: يصلح (...). * الشيخ: أيهم؟ يصلح هذا وهذا؟ إن قلنا: إن النسيان بمعنى الترك فلا إشكال، وإن قلنا: إن النسيان بمعنى الذهول احتجنا إلى جواب على: كيف يعاقبه الله عز وجل مع أنه نسي؟ والجواب على الإشكال الأخير ظاهر كما أجاب به أهل العلم فقالوا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان من خصائص هذه الأمة وليس للأمم السابقين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[[ أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس رضيالله عنهما.]]. هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ قلت: يحتمل أن يكون النسيان بمعنى الترك؛ يعني لا تتركوا الفضل بينكم، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان؛ لأن الإنسان في مثل هذه المقامات قد ينشغل فكره وينسى ما نُدب إليه من الفضل. وقوله: ﴿الْفَضْلَ﴾ قيل: إنه بمعنى الإفضال؛ يعني لا تنسوا أن يُفضِل بعضكم على بعض ويعطيه من الفضل. فهنا هل نقول للزوج: اعفُ ولا تترك نفسك من الإفضال على الزوجة، أو نقول للزوجة: أسقطي ولا تنسي الفضل بينك وبين الزوج، أو للجميع؟ * الطلبة: للجميع. * الشيخ: للجميع بحسب الحال؛ قد يكون الزوج معذورًا في الطلاق قبل الدخول، وقد يكون فقيرًا والمرأة غنية فيكون مقتضى الحال أن يكون الإفضال من الزوجة على الزوج، وقد لا يكون هكذا فيكون الإفضال من الزوج على الزوجة. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ختم الآية بهذا الاسم للتحذير من المخالفة؛ فإن الله بصير بكل ما نعمل. وهل البصر: بصر العين الذي مقتضاه الرؤية، أو البصر: العِلم؛ فيشمل ما يُرى وما يُسمع وما يُعلم؟ * الطلبة: الأخير أشمل. * الشيخ: نعم، الأخير أعم، والأول فيه احتمال أن المراد بصير بما نعمل بمعنى أنه يراه، لكن تعلمون أن هذا التفسير يقتضي حصر ذلك فيما يُرى فقط، والتفسير الثاني أعم، وإذا وُجد معنيان أحدهما أعم واللفظ محتمل له كان الأخذ به أولى لأنه أشمل. يستفاد من الآية الكريمة: جواز الطلاق قبل المس مع تعيين المهر، وجهه: أن الله أقر هذه الحال وجعل لها أحكامًا، ولو كانت حرامًا ما أقرها ولا جعل لها أحكامًا. وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهر؛ لأن الآية فيما إذا طُلقت قبل المسيس ولم يُسمَّ لها مهر، وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمِّي لها مهر، كذا؟ وإن طلقت بعد المسيس؟ إن سُمِّي لها مهر فلها المهر، وإلا فلها المتعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾، فلو تنازع الزوجان فقالت الزوجة للزوج: أعطني ما شئت، وقال الزوج لها: افرضي ما شئتِ، تحجه بهذا وتقول: أنت اللي موكل لك الأمر. نعم، تحجه تقول له: أنت الذي لك الفرض. ولكن إذا أبت بما فرض؟ * الطلبة: ليس لها. * الشيخ: ليس لها ذلك؟ لا، لها ذلك، ما يمكن نجبرها بمهر لا ترضاه. * طالب: شيخ، (...) الآية ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. * الشيخ: إي نعم، لكن إذا فرض لها عشرة آلاف قالت: ما يكفي؟ * طالب: يعني قبل عقدها؟ قبل العقد؟ * الشيخ: قبل قبل، إي، قبل العقد هي بالخيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب نصف المهر إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها مهرًا؛ لقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز إسقاط المرأة المهر عن الزوج أو بعضه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. ومن فوائده: جواز تصرف المرأة في مالها؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ولكن هذا مشروط بما إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة كما تدل عليه آيات أخرى، فإن لم تكن كذلك فلا تملك هذا. وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها وإن كانت مدينة لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾؟ * طالب: لا يملك الحق (...). * الشيخ: أو نقول: إذا كانت مدينة فليس لها أن تعفو، فالآية ظاهرها العموم ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ وليس هذا معاوضة حتى نقول: إن هذه المرأة أخذت من مالها ما يضر بالغرماء، بل هذا عِوض جديد مقابل باستمتاع الرجل بالزوجة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فإن قلنا: إنه الولي مطلقًا أو الأب صار عندنا إشكال، ما هو؟ هو أن الولي لا يملك التبرع ولا الإسقاط لمال موليه، انتبه للقاعدة، الولي سواء كان وليًّا على مال يتيم أو على مال سفيه لا يملك التبرع ولا الإسقاط؛ لأن ذلك ليس من حظ اليتيم أو السفيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، ولهذا المسألة مشكلة من الناحية المالية على قول من يقول: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا، ليش؟ لأن الولي لا يملك العفو عما استحقته موليته، أفهمتم؟ أما إذا كان الأب فالأب فيه خلاف، هل يملك إسقاط الدَّين الذي لولده أو لا يملكه؟ فمن أهل العلم من قال: يملك إسقاط الدَّين الذي لولده، ومنهم من قال: لا يملك، والراجح أنه يملك؛ لأنه إذا كان يملك تملُّك العين الذي في يد الولد فله أن يملك إسقاط الدَّين الذي له من باب أولى؛ لأن تعلق نفس الولد بالمال الذي بيده أقوى من تعلقها بالدَّين، فإذا كان يملك يأخذ ماله من بين يديه فله أن يُسقط دينه عمن هو عليه، وعلى هذا لا إشكال إذا قلنا بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، لكن سبق لنا أن هذا قول ضعيف، وعلى هذا فتنزع هذه الفائدة؛ لأنها مبنية على قول مرجوح (...) حتى مع الدَّين، الآية قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ظاهرها جواز العفو حتى مع الدَّين؛ يعني حتى ولو كان على الإنسان دين فإنه يجوز أن يعفو، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، اختلف العلماء في جواز تبرع الإنسان في ماله أو بشيء من ماله إذا كان عليه دَين يستغرق؛ فالمشهور من مذهبنا مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يتبرع الإنسان بشيء من ماله وإن كان عليه دَين يستغرق ما لم يُحجر عليه، فإن حُجِر عليه فإن التصرف ممنوع كما هو ظاهر، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يصح تبرعه بشيء من ماله مع الدَّين المستغرق لتعلق حق الغرماء به، وقوله هو الصواب وأنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله (...). من المعلوم أن الواجب أهم من التطوع، وإذا كان بعض أهل العلم يُسقِط الزكاة الواجبة في المال إذا كان على الإنسان دين مع وجوب الزكاة، فالتبرع من باب أولى؛ لأن الواجب لا يسقط إلا إذا كان التصرف محرمًا، وعلى هذا فيكون حتى على قاعدة المذهب لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله مع دين يستغرق، ولكن قد يقال: إنه يُعفى عن الشيء اليسير الزهيد كالدرهم والدرهمين؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم عليهم ديون أكثر مما في أيديهم من الأموال ويأتي السائل فيعطونه الدرهم والدرهمين وما أشبه ذلك، فهل نقول: إنهم آثمون؟ في القلب من هذا شيء، ولكن لا شك أنهم مخطئون وأن تصرفهم هذا غير سليم؛ هذا الدرهم الذي تعطيه لهذا السائل أعطِه نفسك أولًا لأنك محتاج، فإذا أوفيت دينك فبعد هذا تصدق بما شئت؛ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»[[أخرجه مسلم (٩٩٧ / ٤١) من حديث جابر.]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام قبل كل شيء، قد يقول: هذا درهم أو درهمين ما هو بنافع ولا هو بضار، نقول له: ما تقول في قطرات الماء ينزل من السماء هل تسيل به الأودية؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وهي قطرة واحدة، هذا الدرهم وفره اليوم والدرهم الثاني وفره غدًا، وتوفر في السنة ثلاث مئة وأربعة وخمسين درهمًا، نِعمة، فعلى هذا نقول: إنه من الحكمة والعقل والدين أن الإنسان الذي عليه دَين يستغرق يجمع ما يُحصّل في قضاء دينه. يستفاد من الآية الكريمة: أن النكاح من العقود؛ لقوله: ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. ويترتب على هذه الفائدة: جواز التوكيل فيه؛ «لأن النبي ﷺ وكّل في العقود عروة بن الجَعْد، وكَّله في شراء أضحية له »[[أخرجه البخاري (٣٦٤٢) من حديث عروة بن الجعد.]]، فيجوز أن يوكل الإنسان من يتزوج له، ولكن كيف يكون عقد النكاح إذا كان الإنسان وكيلًا للزوج، هل يقول الولي له: زوجتُك بنتي، فيقول: قبلت؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما يصلح. هل يقول: زوجت موكلك بنتي فيقول: قبلت لموكلي؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا. * طالب: يُعيِّنه. * الشيخ: لازم يعيّنه، يقول: زوجت موكلك فلانًا ابنتي فلانة، فيقول: قبلت النكاح لموكلي، وهذه المسألة كلمة: لموكلي، يرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يقول: لموكلي، وبعض العلماء يقول: لا يجب اكتفاءً بالإيجاب، ويش هو الإيجاب؟ الإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فإذا قال: زوّجت ابنتي فلانة موكلك فلانًا فقال: قبلت، يعني؟ أقول: يعني لمن؟ * طالب: قبلت لموكلي. * الشيخ: لموكلي، لكن ذكر الموكل في القبول أولى، يقول: قبلت لموكلي فلان، واضح؟ إذا كان الولي هو الذي وكّل فكيف يقول؟ يقول: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانةَ. * طالب: أو وليها، يعني يكون لها ولي؟ * الشيخ: فلانةَ، فيقول ذاك الزوج: قبلت، ولَّا لا؟ طيب، هل يثبت لهذا العقد ما يثبت لعقد البيع من الخيار؛ خيار المجلس أو خيار الشرط؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: خيار المجلس لا يثبت؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٧٩) ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام. ]]، ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالبًا إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق ونظر وبحث، بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة وعن حرص على الربح بدون أن يتروَّى الإنسان، واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع، وهذا ظاهر؛ لأن البيع يقول: إذا ما جازت لي أرجع، أبيعها، لكن المشكلة الزوجة، ولهذا ليس فيه خيار مجلس -أعني النكاح- لكن هل فيه خيار شرط؟ * طالب: لا، ما فيه. * طالب: فيه شرط. * الشيخ: المذهب لا خيارَ فيه، ليس فيه خيار الشرط، واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨ / ٦٣)، واللفظ للبخاري، من حديث عقبة بن عامر.]]. وعندي أن خيار الشرط بالنسبة للزوج غير وارد، ليش؟ لأن النكاح في حقه جائز متى شاء طلق، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذن هو في غِنى عن الشرط، لكن الزوجة هي التي تحتاج إلى الشرط، والصحيح أنه جائز، فيقول: زوجتك ابنتي بشرط الخيار لمدة سنة، كذا؟ الخيار لها، العقد تام الآن، لكن لها الخيار إذا شاءت أن ترد العقد، أو ما يقع كثيرًا بشرط الخيار لها في جلوسها مع أهلك؛ لأن بعض الناس قد يكون أهله عندهم سوء عِشرة، ويزوجوه منه (...) بيقولون: بشرط أنه إذا لم يطب لها المقام مع أهلك فلها الخيار، فالمهم أن العلماء مختلفون في خيار الشرط في النكاح؛ المذهب: لا يصح، واختار شيخ الإسلام أن ذلك صحيح، وهو مستفاد من كلمة ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: استحباب أو الحث، أو بعبارة أصح: الترغيب في العفو، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وهذا شامل لكون العفو نفسه مقرِّبًا للتقوى، ولكون العفو أيضًا سببًا للتقوى؛ فالإنسان الذي يعفو عن عباد الله يعفو الله عنه، وإذا عفا الله عنك فإن ذلك يكون سببًا بتقواك الله عز وجل؛ لأن مدار التقوى على الإيمان، وكلما عفا الإنسان عن عباد الله مبتغيًا بذلك وجه الله ازداد إيمانه فازدادت تقواه. هل يستفاد من هذه الآية: أن الأعمال تتفاضل؟ * الطلبة: نعم، ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. * الشيخ: نعم، لكن هل يستفاد منها أن الأعمال تتفاضل؟ * الطلبة: نعم، هذه واضحة. * طالب: الذي يعفو أفضل من الذي ليس يعفو، لفظ تفضيل ﴿أَقْرَبُ﴾، ﴿أَقْرَبُ﴾ لفظ تفضيل. * الشيخ: إي نعم، هذه نعم يستفاد منها أن الناس يختلفون في القرب من التقوى، لكن هل يفيد أن الأعمال بعضها أفضل من بعض، أو يفيد أن الإيمان بعضه أعلى من بعض؟ هذا هو الظاهر، كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد تقوى، وكلما كان إلى التقوى أقرب كان إلى الإيمان أقرب. إذن فيُستفاد منه أن الناس يتفاضلون في الإيمان، وهذا هو القول الراجح بلا شك، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، هل الذي يزيد وينقص هو إقرار القلب، أو قول اللسان، أو عمل الجوارح؟ * الطلبة: الكل. * الشيخ: الكل، إقرار القلب يزيد بلا شك يتفاضل، وأقوال اللسان تتفاضل، وأفعال الجوارح تتفاضل، كذا؟ أما تفاضل أعمال الجوارح فظاهر؛ فالمصلي أربع ركعات أزيد من المصلي ركعتين، وأقوال اللسان كذلك؛ فالذاكر اللهَ عشر مرات أفضل من الذاكره خمس مرات، لكن كيف يتفاضل الإيمان في القلب؟ نقول: نعم، يتفاضل؛ لأن زيادة اليقين لها سبب، ولَّا لا؟ فإذن كلما ازداد اليقين كان أقوى في الإيمان وهو يتفاضل، أنا عندما يخبرني رجل ثقة في خبر ويكون عندي شيء من العلم، إذا أخبرني آخر بهذا الخبر ازداد علمي ولَّا لا؟ * طلبة: ازداد علمي. * الشيخ: ازداد علمي ويقيني، وهكذا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] فالزيادة ثابتة في القرآن. بعض العلماء يقول: أثبت الزيادة ولا تُثبت النقص، ما قولكم في هذا؟ * الطلبة: ما يستقيم. * الشيخ: هذا غير صحيح، ليش؟ * الطلبة: لا زيادة إلا بنقص. * الشيخ: لا زيادة إلا بنقص؛ إذ إن الزيادة يقابلها النقص، فمثلًا إذا قلنا: هذا زائد على هذا لزم أن يكون الثاني المزيد عليه ناقصًا، ولهذا الصواب أنهما متلازمان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ لا تنسَ أن يكون لك الفضل عليهم، ولهذا جاء في الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى»[[أخرجه البخاري (٢٠٧٦) بلفظ: «رَحِمَ اللَّهُ رجلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وإذا اقْتَضَى» من حديث جابر .]] (...). فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر، والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة عِلم الله تعالى وبصره بكل شيء مما نعمله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فيها ترغيبًا في العمل الصالح وترهيبًا من العمل السيئ؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة معناه: احرصوا على العمل الصالح فإنه لن يضيع، واحذروا من العمل السيئ فإنكم تجازون عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله سبحانه وتعالى. * الطالب: قلتم يا شيخ إن خيار الشرط غير وارد للزوج؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: بالنسبة للمهر الذي دفعه للزوجة لو اشترط يعني يعود إليه المهر، أما إذا لم يشترط لا يعود؟ * الشيخ: لو كان يعود عليه المهر كان صحيح يستفيد من الشرط، لكن الظاهر أنه ما يعود عليه المهر لعموم الحديث ذكرناه، لها المهر بما استحل من فرجها. * الطالب: إذن ما صار (...). * الشيخ: ولهذا هو الحقيقة مشكلة، إلا إذا قلنا بأنه يعود، لكن العلماء كلهم يكادون مُطبقين على أنه يستقر المهر بالدخول. * الطالب: إذن ما صار (...). * الشيخ: هو هذا اللي (...)، والشيخ صرح رحمه الله بأنه يجوز شرط الخيار لهما أو لأحدهما، فبالنسبة للزوجة ظاهر، بالنسبة للزوج ما له مصلحة إلا مثل ما قلت، إذا قلنا: بأنه يعود عليه المهر، أو إذا قلنا: بأنه يعود عليه نصف المهر قبل الدخول، وإلا فالفائدة قليلة. * طالب: والزوجة يعود لها أيش؟ الزوجة يعود لها؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا اختارت الطلاق في ها السنة هذه، اختارت الفراق مع (...) يعود لها المهر؟ * الشيخ: المهر لها ثابت. * الطالب: ثابت؟ * الشيخ: ثابت بالدخول. * الطالب: ما يدخل فيه يعني الإجحاف؟ * الشيخ: هو اللي اشترط، هو الذي رضي بذلك. * الطالب: لكن ربما تختار الفراق ثم يطيب لها المقام يعني؟ * الشيخ: لا، كيف ما دام اشترط لها إلا إذا قالت الشرط عيّنته، إذا لم تستقم الحال مع أهلك، وهذا هو الأحسن يعني كونه يكون شرطًا مطلقًا حتى في النفس منها شيء؛ لأنه قد يكون شبيهًا بنكاح المتعة، فالأوْلى أن يقيد هذا الرأي بكونه تشترط المرأة الخيار في شيء لها فيه غرض كسوء العشرة منه أو من أهله. * الطالب: ولا يجوز أنه يقول: إن اخترتِ الفراق يرجع المهر؟ * الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأنه خلاف الشرع، إذا دخل بها فلها المهر (...).

البقرة 2:237

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٣٤]. أولًا: إعراب الآية ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ؛ اسم موصول مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، وجملة: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ صلته؛ صلة الموصول، لا بد للموصول من صلة، وجملة: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ﴾. وفيها إشكال حيث لم يوجد رابط يربطها بالخبر؛ لأن قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ما فيها ضمير يعود على ﴿الَّذِينَ﴾، فاختلف الناس في تقدير الخبر، أو في كيفية الربط بين المبتدأ والخبر؛ فقال بعضهم: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، وعلى هذا فيكون الضمير في بعدهم هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ والخبر، وقال بعضهم: تربص، وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، فجعل المبتدأ شيئًا مُقدرًا، أي: وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، هذان وجهان، ولكن الأول أيسر من الثاني، الأول أيسر: والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، أو ويذرون أزواجًا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرًا. أيضًا قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أربعة إعرابها: نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه، وقوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ أي: عشر ليال، وعُبر عن الأيام بالليالي لأن الليالي هي غرر الأيام حيث إنها قبلها. وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لم يقل: فلا جناح عليهن، بل قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ مخاطبًا الرجال؛ لأنهم أولياء النساء، إلى آخره. نعود الآن إلى المعنى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قال: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بضم الياء، ولم يقل: يَتوفون؛ لأن الإنسان مُتوفًّى، والتوفي بمعنى قبض الحق وافيًا، ويقال: تَوفَّيت حقي منه؛ أي: قضيته وافيًا، والإنسان مُتوفًّى؛ لأنه يقضي أجله في الدنيا ثم تُقبض روحه. وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بالبناء للمجهول، من الذي يَتوفى؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ورد في القرآن على ثلاثة أوجه: فمرة أُضيف إلى الله، ومرة أضيف إلى ملك الموت، ومرة أضيف إلى الرسل الذين هم الملائكة؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢] فهنا أضاف الوفاة إلى من؟ * طالب: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله، وقال عز وجل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] فأضاف التوفي إلى ملك الموت، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فأضاف التوفي إلى الرسل. والجمع بين هذه الوجوه الثلاثة سهل وممكن؛ أما إضافة التوفي إلى الله فلأنه بأمره، وإذا وقع الشيء بأمره فهو الفاعل له؛ كما يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. بنى عمرو بن العاص، هو ما بناها بيده، ولكنه بُنيت بأمره، وكذلك تقول: بنى الملك قصرًا مشيدًا؛ أي: أمر ببنائه، فوقعت إضافة التوفي إلى الله لأن ذلك بأمره. وأما الجمع بين الرسل وبين ملك الموت: فالرسل جمع، وملك الموت مفرد، والجمع بين الآيتين: أن لملك الموت أعوانًا يساعدونه ويسوقون الروح من أسفل البدن إلى الحلقوم، ثم يأتي ملك الموت ويقبضها، أو نقول: إن ملك الموت يقبض الروح ويعطيها الملائكة، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؛ ولهذا بُنيت الآية الكريمة هنا، بُني الفعل فيها للمجهول ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾. هل يصح في غير القرآن أن نقول: فلان تَوفَّى؟ بالبناء للفاعل؟ * طالب: لا، لا يصح. * الشيخ: قال بعضهم: إنه يصح، والمعنى: تَوفَّى أجلَه المقدَّر له؛ أي: استوفاه، كأنه حق له فاستوفاه. وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ الخطاب للناس جميعًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، وعلى هذا: فكل كاف خطاب في القرآن فإنها للناس جميعًا. وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ أي: يتركون وراءهم أزواجًا، و﴿أَزْوَاجًا﴾ جمع زوج، وهو من عُقد له النكاح من رجل أو امرأة، الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوج، إلا أن الفرضيين رحمهم الله اصطلحوا على أن الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوجة، من أجل التمييز بينهما في التمثيل. وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ نكرة، فيشمل الصغيرة والكبيرة، والحرة والأمة، والمدخول بها وغير المدخول بها، كذا؟ ويخرج بها من ليست بزوجة كالسُّرّية، وأم الولد، فإنه إذا مات السيد عن أمته فلا تدخل في الآية الكريمة. ولو مات عن أم ولده التي كان يطؤها وأتت منه بولد فإنها لا تدخل في الآية الكريمة؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾. ولو عقد على امرأة عقدًا غير صحيح فإنها لا تدخل في الآية؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾، وهذه ليست بزوجة، فلو عقد على امرأة وهو لا يصلي؛ تارك للصلاة، ثم مات فإنها لا تدخل في هذه الآية، ما عليها عِدة، لكن إن كان قد وطئها فعليها استبراء فقط، لماذا؟ * طالب: العقد غير الزواج. * الشيخ: لأنها غير زوجة؛ إذ إن هذا العقد ليس بصحيح، باطل. وقوله: ﴿يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يعني: ينتظرن؛ لأن تربَّص مشتملة في حروفها الأصول على الراء والباء والصاد، فهي موافقة لمادة (صبر)؛ ولهذا كان معنى التربص الحبس، ومعنى الصبر الحبس، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، تنتظر بنفسها، وإنما قال: تربص بنفسها؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح، فقال الله لها: تربصي بنفسك؛ يعني: انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك، هوِّن على نفسك وما أشبهها. وأما قول من قال: إن (أنفسهن) توكيد للفاعل في ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهُن، فزيدت الباء، فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة، ولأن مثل هذا التركيب شاذ في اللغة العربية، وعلى هذا فالمعنى الصحيح: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عشرًا، يعني: عشرة أيام ولَّا عشر ليال؟ * الطلبة: عشر ليال. * الشيخ: عشر ليال، بل عشرة أيام، لكن يعبر عن الأيام بالليالي؛ ولهذا قال الله عز وجل في سورة طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه ١٠٢ - ١٠٤]. فتبين أن المراد بالعشر هنا: الأيام، فهنا قوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ يعني: عشرة أيام، لكن قال أهل اللغة: إنهم يعبرون –أي: العرب- بالليالي عن الأيام؛ لأنها سابقتها. وهل الأربعة أشهر وعشر تعتبر بالأهلة أو بالأيام؟ فيها خلاف سيأتينا إن شاء الله تعالى في ذكر الفوائد. وقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ لماذا اختير هذا العدد ولم يُعلَّق الحكم بالأقراء كما في المطلقات؟ قال بعض العلماء: اختير هذا العدد لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر، وزيدت العشرة للاستثبات، هكذا ذكره بعض أهل العلم، ولكنك عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل، لماذا؟ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل، وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ثم إن الاحتياط بأربعة أشهر وعشر يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: يمكن العلم قبل هذه المدة، فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر، وعندي -والله أعلم- أن الحكمة هو أنه لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولًا كاملًا في العدة بعد موت زوجها، وأين تبقى؟ تبقى في حش؛ بيت في بيتها -يعني: معناها البيت من الشعر- يحط لها بيت صغير؛ خباء؛ يصنع خباء لها تقعد فيه، ولا تمس الماء أبدًا، تأكل وتشرب لا بأس لكي ما تموت، لكن ما تمس الماء أبدًا، وتبقى بعرقها ورائحتها وحيضها ونتنها لمدة سنة كاملة، فإذا تمت السنة أتوا لها بعصفور ولَّا فارة ولَّا شيء، قالوا: امحشي به فرجك. فقلَّما تتمسح بشيء إلا مات، منين؟ * الطلبة: من الرائحة. * الشيخ: من الرائحة الكريهة، مُدة سنة يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان، ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة، فأخذت البعرة ورمت بها، ويش الفائدة من هذا؟ يعني تقول: كلما مر عليَّ فهو أهون من رمي هذه البعرة. شوف أيش لون هذا! حكم جائر -والعياذ بالله- وسفيه أيضًا، فجاء الإسلام وأبدل الحول بهذه الأربعة أشهر؛ لأن أربعة أشهر ثلث حول، وعشرة أيام ثلث شهر، والثلث كثير، فأتي من الحول بثلثه، ومن الأشهر بثلثها، فإن تبيّنت هذه الحكمة وكانت هي مراد الله عز وجل فذلك من فضل الله، وإن لم تتبين فإننا نقول: الله أعلم بما أراد، وهذه كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم الحكمة فيها. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ﴿إِذَا بَلَغْنَ﴾ الضمير يعود على الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن. ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ أي: مدة العِدّة، وأجل كل شيء غايته، أي: الغاية التي تنتهي بها العدة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الخطاب للناس، ولم يقل: فلا جناح عليهن كما هو متوقع، المتوقع أن يقول: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليهن، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لماذا؟ لأن الخطاب لأولياء النساء، فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئًا محرمًا عليها في هذه العِدة لزم وليها أن يمنعها، وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء، لكن بالمعروف. وقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويش هذا الفعل اللي كان بالأول ممنوعًا، كان ممنوعًا بالأول ثم كان جائزًا بعد انقضاء العِدة؟ الفعل هو الإحداد، وهو اجتناب الزينة وكل ما يدعو إلى جماعها ويرغِّب في النظر إليها، هذا الإحداد، فما دامت في العدة فإنه يجب عليها أن تتجنب هذا الشيء، فتلبس الثياب الخلقة، صح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، تلبس الثياب ما شاءت من الثياب إلا ثياب الجماع. * الطلبة: نعم. * الشيخ: هذا صحيح، يعني: لها أن تلبس الثوب الجديد والثوب الملوّن، لكن لا تلبس ثوبًا جميلًا؛ لأن هذا يُرغّب في النظر إليها ويدعو إلى جماعها؛ فإن الرجل إذا رأى المرأة متزينة لا شك أنه يرغب. تتجنب الحلي؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن هذا داخل فيما يرغِّب في النظر إليها، تتجنب التحسين بأنواعه سواء في اليد أو الرجل أو العين أو الوجه أو الشفتين، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: صح. الحناء، تمتنع منه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم. تتجنب الطيب بأنواعه، كذا؟ إلا دهن العود؟ * الطلبة: لا، كله. * الشيخ: كل الطيب بأنواعه، إلا أن الشارع رخّص لها إذا طهرت بنوع من الطيب وهو القسط أو الأظفار، ويشبه -والله أعلم- هذا العود الهندي هذا أنها تتطيب به تتبخر لأجل إزالة الرائحة التي بقيت بعد الحيض. تتجنب مشط رأسها؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا. الاغتسال؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما تتجنبه؟ * الطالب: لا. * الشيخ: استعمال الصابون؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: إن كان مُطيبًا تتجنبه، وإلا فلا. هل يجب عليها أن تغتسل في يوم معين من الأسبوع أو متى شاءت؟ * الطلبة: متى شاءت. * الشيخ: متى شاءت، مع أنه عند العامة يقولون: إنها ما تغتسل إلا يوم الجمعة. هل يجوز أن تصعد إلى السطح في الليالي المقمرة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الليالي المقمرة، يجوز؟ * الطلبة: نعم، يجوز. * الشيخ: يشاهدها القمر؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يقول العامة: إنه لا يجوز أن تصعد إلى السطح أو تخرج إلى صحن البيت في الليالي المقمرة لأن القمر يشاهدها حينئذٍ، فالقمر يقولون: إنه إنسان، بدليل أن له عينين -ما جعلوا له لسانًا وشفتين- يقولون بس: عينين وأنف، يقولون: إن له عينين وأنفًا، يشوفون ها السواد اللي في القمر ويحسبونه عينين. وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شوف حتى بعد انقضاء العدة لا بد أن يكون ما تفعله في نفسها في نِطاق المعروف، والمعروف هو ما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع، فلا يخرج عن المروءة وعن عادة الناس ذوي المروءة، ولا يخرج عن نطاق الشرع، فلو أرادت أن تتبرج؛ تخرج متبرجة متزينة متطيبة، قلنا: لا، لا يجوز. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ختم الآية بهذه تحذيرًا من مخالفته، يعني: احذروا أن تخالفوا هذا الحكم، فإن الله بما تعملون خبير، والخبير هو العليم ببواطن الأمور، فهو أخص من العليم؛ لأنه مأخوذ من الخبير بالأرض والحرث، ومنه المخابرة: المزارعة؛ لأن الزرع يوضع في الأرض فيدفن ويخفى، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور وخفاياها. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة ٢٣٥]. ﴿لَا جُنَاحَ﴾ يعني: لا إثم ولا حرج. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لجميع الناس، كل خطاب في القرآن بلفظ الجمع فهو للناس عمومًا، إلا ما عينه السياق في قرينة فلا بأس؛ لأنا ذكرنا قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] والقرآن نازل لجميع الناس. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿فِيمَا﴾ أي: في الذي، وإن شئت فقل: ما نكرة موصوفة؛ أي: في قولٍ عرضتم به من خطبة النساء، ولكن الموصول أولى، والدليل على أنه أولى أنه بُيِّن في قوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. و﴿عَرَّضْتُمْ﴾ التعريض والتلويح هو أن يأتي بالكلام غير مصرح بمراده. فيه تصريح وتلويح وتعريض، التعريض والتلويح معناهما واحد؛ يعني: يأتي الإنسان بكلام لا يتبين فيه مراده؛ مثل،بالنسبة للمثال اللي معنا، أن يقول للمرأة: إني في مثلك لراغب، أنا أرغب الزوجة التي هي مثلك، إنك امرأة يرغب فيك الرجال، وما أشبه ذلك، إذا انقضت العدة فأخبريني، وعلى هذا فقِس، هذا التعريض، هذا ما فيه تصريح أنه يخطبها لا لنفسه ولا لغيره، لكنه يسمى تعريضًا. * * * (...) ويذرون أزواجًا أزواجهن يتربصن، فيكون هنا تقدير مبتدأ خبره جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول. طيب جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (...)؟ * * * الخطبة معناها: هو أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها ويطلبها إليه، وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأن عظيم، وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول، طلب الإنسان الزوجة إلى نفسه يكون مقرونًا بالقول، حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة وأهلها ويخطب فيهم؛ يعني: يتكلم بخطبة ثم يبدي أنه يرغب، وربما الآن في وقتنا الحاضر يُصدِّر طلب المرأة بخطبة كتابية؛ يكتب: من فلان لفلان، ويذكر ما يحتاج إلى بيانه في رغبته في يد المرأة، ولكن مع هذا يفرقون بين الخِطبة بالكسر وبين الخُطبة بالضم، فيقولون: الخُطْبة هي القول المشتمل على الوعظ والتذكير وما أشبه ذلك، والخِطْبة هي طلب المرأة لتكون زوجة للخاطب. وقوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ النساء هذه عامة، النساء هنا عامة، ولكنه يراد بها الخاص، أو نقول: إن (أل) هنا للعهد، العهد الذكري وهو قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾، يعني: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ يعني: المذكورات، وهن الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن، واضح؟ وعلى هذا فتكون (أل) هنا للعهد الذِّكري، لكن اللفظ جاء بغير اللفظ، بل جاء بالمعنى، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] هذه أل للعهد الذكري، لكنها جاءت باللفظ الأول تمامًا، وكما في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور ٣٥] وين المصباح؟ المذكور، ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ يعني: المذكورة، إلى آخره. هنا النساء عادت إلى الأزواج بالمعنى، فيكون المراد بالنساء هنا من؟ اللاتي تُوفي عنهن أزواجهن. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: بالقول، ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بدون قول، ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم بأنكم ستتزوجون هذه المرأة التي تُوفي عنها زوجها، ولكن بدون أن تخبروها أو تخبروا أحدًا، لكن تضمروا. وإذا كانت امرأة لم يُتوفّ عنها زوجها وليست معها أحد، هل للإنسان أن يُكِنّ في نفسه أنه سيتزوجها؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ما فيه شك، يجوز، إذا كان يجوز أن يخاطبها بصريح الخِطبة فإن إضماره في قلبه أن يتزوجها من باب أولى، وهذه تأتي في الفوائد. قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ كلمة (عَلِم) مشتقة من العِلْم، وقد سبق لنا أن العِلْم إدراك الشيء إدراكًا جازمًا. * طالب: مطابقًا. * الشيخ: مطابقًا، إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، مثل أن أدرك أن هذا مصحف، مطابق ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وجازم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: خرج بإدراك: عدم الإدراك، ويسمى: جهلًا، إنسان ما يدري عن الشيء تقول له: أيش هذا؟ يقول: ما أعرفه، هذا ليس عنده علم، بل جهل. جازمًا: خرج به الشك والظن والوهم، فالظن هو ما يترجّح في نفس المرء مع احتمال غيره، والوهم هو الطرف المرجوح، والشك متساوي الطرفين ما فيه الترجيح ولا هذا، وهذا يقوله العلماء في باب أصول الدين في بحث أصول الفقه، وهو غير الشك والظن الموجود في الفقه؛ لأن الشك والظن في باب الفقه هو ما ينافي اليقين، يعني: فالمترجح ليس بشيء عندهم، فلو أن الإنسان كان على وضوء، ثم شك هل انتقض وضوؤه، لكن ترجح عنده أنه انتقض، فإنه يعمل بهذا الظن ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا، ما يعمل بهذا الظن، كان متوضئًا وشك هل أحدث أم لا، وغلب على ظنه أنه أحدث، فهل يعمل بهذا الظن ويتوضأ؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]، يعني: حتى يتيقن، فالظن في الأحكام العملية ملحق بماذا؟ ملحق بالشك، الظن الطارئ على المتيقَّن. إذن هنا ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ قلنا: العِلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا. مطابقًا: خرج به الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يُدرك الإنسان الشيء على خلاف حقيقته غير مطابق، فلو سألنا شخصًا وقلنا له: متى كانت غزوة بدر؟ قال: لا أدري؟ * الطلبة: هذا جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، لا يدري، وجزاه الله خيرًا. ولو سألنا شخصًا آخر متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد لله الذي نصر نبيه في يوم بدر وسماه يوم الفرقان، وأنزل فيه آيات عديدة من القرآن، كانت غزوة بدر في السنة الخامسة من الهجرة في ربيع الأول، أيش جهل هذا؟ * الطلبة: جهل مركب. * الشيخ: مركب؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لو كان من غير الخطبة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي، هذا جهله جهل مركب، وما أكثر الجهال المركَّبين وإن كانوا فصحاء! إذن نقول: هذا جهله جهل مركب. أهو أسوأ حالًا أو الجاهل البسيط؟ * طالب: الجاهل البسيط. * الشيخ: الجاهل البسيط أسوأ حالًا يا أخي! * الطلبة: المركب. * الشيخ: الجاهل المركب، ليش؟ لأن جهله مركب من جهلين: جهل بالواقع، وجهل بنفسه، هو عند نفسه أنه عالم وليس بعالم، فقد جهل نفسه، وجهل بالواقع أيضًا؛ ولهذا سماه العلماء جهلًا مُركَّبًا. سألنا ثالثًا وقلنا: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: أظنها إما في الثانية أو في الثالثة، هذا جاهل، لكن عنده نوع من العلم إلا أنه شاك، صح ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إلا أنه شاك، ما أدركها إدراكًا جازمًا؛ لما قال: الثانية، صحيح هي في الثانية، لكن عنده شك هل هي في الثانية أو في الثالثة. الله عز وجل علمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، أيش معنى أزلًا وأبدًا؟ يعني: أزلًا فيما مضى، وأبدًا فيما يستقبل، ويدخل فيهما الحاضر؛ لأن الحاضر اللحظة التي قبل لحظة الآن ماضي، واللي بعده؟ مستقبل، وهي نفسها لا تتقسم، هي: إما حاضر وإما مستقبل وإما ماضٍ، لكنها بلحظة تنقسم، على كل حال الله عز وجل عالم، وعلمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا. واعلم أن علم الله عز وجل لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا نقص في الشمول والإحاطة، فقد أحاط بكل شيء علمًا. ومنها ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بالقول أو بالقلب؟ * الطلبة: بهما. * الشيخ: بهما جميعًا، يذكرها الإنسان بقلبه، ويذكرها الإنسان بلسانه، يذكرها مثلًا لإخوانه؛ لأبيه، لابنه، لصديقه، وما أشبه ذلك بأنه يرغب أن يتزوج فلانة، أو يذكر ذلك بقلبه وفي نفسه. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ هذا نهي ولَّا خبر؟ * الطلبة: نهي. * الشيخ: نهي؟ ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾. * الطلبة: نهي. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون؛ لأن تواعدون من الأفعال الخمسة، إذا حذفت النون فلا بد من ناصب أو جازم، وإن كانت قد تحذف كثيرًا مع نون الوقاية، وقد تحذف أيضًا -لكن ليس بكثير- مع عدم نون الوقاية؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، قال: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»، ولم يقل: لا تدخلون، مع أنها نافية هذه، «وَلَا تُؤْمِنُوا»، ولم يقل: ولا تؤمنون، مع أنها نافية ولست بناهية. * طالب: الإعراب كيف يا شيخ؟ * الشيخ: نقول: الإعراب، لا: نافية، وتدخل: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة للتخفيف. قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ كلمة ﴿سِرًّا﴾ ذكر المفسرون -كثير منهم- أن السر من أسماء النكاح؛ أي: لا تواعدوهن نكاحًا، وقالوا: إن السر من أسماء النكاح؛ لأنه يقع بين الرجل وامرأته سرًّا، وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: فيما بينكم وبينهن، وإذا نُهي عن السر فالعلانية من باب أولى، ويختلف الإعراب بناء على القولين؛ فإذا قلنا: إن ﴿سِرًّا﴾ هو النكاح صار مفعولًا ثانيًا؛ يعني: لا تواعدوهن نكاحًا، وإذا قلنا: إن السر ضد العلانية والمعنى: لا تواعدوهن وعدًا سريًّا صارت؟ * طالب: حال. * الشيخ: أو مفعولًا مطلقًا؛ يعني: وعدًا سرًّا، وأيًّا كان فإن الله عز وجل ينهى عن أن يُصرَّح للمرأة في عدة النكاح. ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن هل الاستثناء هنا منقطع أو متصل؟ إن كانت بمعنى لكن فهو منقطع، وإن كانت بمعنى إلا فهو متصل، هذا من حيث التقدير؛ إن قدّرت إلا بمعنى لكن فهو منقطع. وعلامة أخرى معنوية، وهي أنه إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو متصل، وإذا لم يكن من جنسه فهو منقطع. هنا ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هل هو من جنس ما قبله؟ من المواعدة سرًّا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ لأن المواعدة سرًّا ليست من القول المعروف، ولَّا لا؟ إذ إن القول المعروف هو التعريض دون التصريح. وإذا كان متصلًا، لكن لا يصح أن يكون متصلًا؛ لأن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، وعلى هذا فيكون الاستثناء هنا منقطعًا، النحويون يمثلون للاستثناء المنقطع بقولهم: قام القوم إلا حمارًا، صحيح هذا التمثيل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ويش السبب؟ * طالب: ليس من جنس الرجال. * الشيخ: ليس من جنسهم ولََّا لا؟ وإنما يأتون بهذا لأن.. (...) متصل ولَّا منقطع؟ * الطلبة: منقطع، إن كان للعبودية، حسب التفسير. * الشيخ: إي، حسب تفسير العبودية؛ إن كان المراد: إن عبادي المخلصين ليس لك عليهم سلطان، فالاستثناء منقطع لا شك، وإن كان عبادي من جِنس قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]. * طالب: متصل. * الشيخ: فالاستثناء متصل، وأيهما أبلغ؟ * طالب: الأول. * الشيخ: الأول أبلغ، وإن كان الثاني هو الأصل، الأصل أن الاستثناء متصل، لكن الأول أبلغ: إن عبادي المخلصين لا يمكن أن تصل إليهم إطلاقًا ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢]، لكن من اتبعك هم الذين يكون لك عليهم سلطان. يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ معروف من قبل مَنْ؟ * الطلبة: من قبل الشرع. * الشيخ: من قبل الشرع، وهو؟ ما هو القول المعروف؟ التعريض الذي أباحه الله. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، لما ذكر الله عز وجل التعريض والتصريح، وأن التعريض جائز دون التصريح والمواعدة -ولو سرًّا- قال عز وجل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ﴿تَعْزِمُوا﴾ العزم على الشيء معناه: التنفيذ، و﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: عقده؛ لأن النكاح عقد بين الزوج والزوجة، فهو كالعقود الأخرى كعَقد البيع وما أشبه ذلك، وقوله: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: الزواج. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ حتى هذه للغاية، وما بعدها منصوب بها، وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ فِعال بمعنى مَفعول، وما المراد بالكتاب؟ الذي ذكر المفسرون أن المراد بالكتاب هنا العدة؛ لأن الله تعالى فرضها، فهي مفروضة على أن فِعالًا بمعنى مفعول، يعني: حتى يبلغ المفروض أجله، والمفروض هي العدة، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت أو طلاق أو نحوه؛ بأن يقال مثلًا: توفي في اليوم الفلاني، ويكون هذا داخلًا في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق ١] يعني: اضبطوها وحرروها، وعلى هذا فيكون المعنى: الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب أيش؟ سبب العدة من وفاة أو طلاق. وقوله: ﴿أَجَلَهُ﴾ أجل الشيء: منتهاه وغايته؛ يعني: حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله سبحانه وتعالى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر، وأتى به سبحانه وتعالى للأهمية والتحذير من المخالفة، ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه، اعلم كذا وكذا، لأجل أن تنتبه ويبلغ علمك هذا الشيء. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما استقر في أنفسكم مما تضمرونه من كل شيء، ولكن هل يؤاخذنا الله عز وجل بما أنفسنا؟ هذا يرجع فيه إلى ما تقتضيه الأدلة من غير هذه الآية، وسنبين إن شاء الله تعالى عند الفوائد. وقوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ يعني: إذا علمتم هذا فاحذروا الله عز وجل من أن تضمروا في هذه الأنفس ما لا يرضاه سبحانه وتعالى، والحذَر من الشيء معناه: أخذ الحِذْر، وهو الاحتياط وعدم المخالفة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لما حذرنا عز وجل قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فإذا أضمرتم في أنفسكم ما لا يرضاه فإن لديكم بابًا واسعًا، ما هو؟ المغفرة، تعرّضوا لمغفرة الله سبحانه وتعالى بأن تستغفروا وتتوبوا إليه، وسبق لنا مرارًا أن الغفور مأخوذ من الغَفْر وهو السَّتر، والمراد به ستر الذنب والتجاوز عنه. وقوله: ﴿حَلِيمٌ﴾ فالحليم هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية: وَهُــوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِــــلُعَبْــــــــدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَــــةٍ لِيَتُــــوبَ مِــــنْعِصْيَــــــــــــــــانِ الحليم هو الذي يؤخر العقوبة عمن يستحقها، وضده من ليس بحليم: من يُعاجل بالعقوبة، والله عز وجل قرن هنا بين المغفرة والرحمة وهو الحلم؛ ليتبين أن تأخيره للعقوبة من أجل أن يتعرض الإنسان لأسباب مغفرته؛ ولهذا جمع بينهما: غفور حليم، فهو يغفر الذنب لمن تاب منه، وهو يحلم فلا يعاجل عبده بالعقوبة سبحانه وتعالى. وكل هذه الأشياء: اعلموا واعلموا واحذروا وما أشبه ذلك تدل على عظم عقد النكاح، وأنه أمر لا يجوز التلاعب به أبدًا، ولهذا كان النكاح في عقده وحَلِّه جِده جِد، وهزله جِد أيضًا، النكاح ولو كان هُزءًا ينعقد، والطلاق ولو كان هُزءًا يحصل به الفراق، كل ذلك من أجل البعد عن التلاعب في هذا العقد العظيم الذي له خطره. ثم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] نقول في ﴿لَا جُنَاحَ﴾ هنا كما قلنا في الأول: إنها نافية للجنس، و﴿جُنَاحَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح؛ لأنه مفرد، وقوله: ﴿جُنَاحَ﴾ أي: إثم. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ لما كان الإنسان قد يتوهم أنه إذا طلق الزوجة بعد أن عقد عليها أن عليه إثمًا في ذلك، لأيش؟ لأنه كسرها، وربما تتأثر تأثرًا كبيرًا، ليش إن هذا الرجل بعد أن عقد عليها ذهب يطلقها؟ لماذا؟ فينفر الناس منها ولا يتزوجونها، فبين الله عز وجل أن ذلك ليس فيه جناح علينا، إذا طلقنا المرأة من دون أن نمسها، واضح؟ ولهذا قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿مَا لَمْ﴾ اختلف أهل الإعراب في إعرابها؛ فقال بعضهم: إن (ما) مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام عدم مسِّكم لهن، وقال بعضهم: إن (ما) شرطية، فهو من باب دخول الشرط على الشرط؛ يعني: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسُّوهن، وهذا يأتي في اللغة العربية كثيرًا؛ أي: كون الشرط الثاني شرطًا في الأول؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط، ومنه قول الشاعر: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنَّــــا مَعَاقِــــلَ عِــــزٍّ زَانَهَــــاكَــــــــــــــــرَمُ فيكون الثاني شرطًا في الأول، أيهما السابق؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: نعم، إذا دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، كلما دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، فهنا يقول: إن (ما) شرطية، وإن تقدير الآية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن. إن طلقتموهن إن لم تمسوهن؛ يعني أنه إذا طلقها بدون مس فلا جناح عليه، والمعنى واحد ولكن الاختلاف في الإعراب. وقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءة ثانية: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، وكلاهما بمعنًى واحد، والمراد به الجماع، لكن جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي مبين- أن يكنوا عما يُستحيا من ذكره صريحًا بما يدل عليه، فهنا ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ و﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ولكل منهما وجه؛ فعلى قراءة ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ لأن الجماع مس من الطرفين، فكل من الزوج والزوجة يمس الآخر، أليس كذلك؟ وعليه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣]. وأما على قراءة المس الذي لا يفيد إلا وقوع الفعل من جانب واحد فهو أيضًا واضح؛ لأن حقيقة الفاعل مَنْ؟ الزوج، الرجل، فهو ماس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران ٤٧] نعم، مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فجعل المس من جانب واحد وهو الرجل. وعلى هذا فينبغي لنا أن نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، وعلى قاعدة بعض أهل العلم يقولون: إذا اجتمع قراءتان في إحداهما زيادة حرف فينبغي أن نأخذ بما فيها زيادة حرف لأنها أكثر ثوابًا؛ إذ إن الحرف الواحد من القرآن فيه عشر حسنات. فإذا كان كذلك، فإننا نتتبع القراءات التي فيها زيادة حروف ونأخذ بها، نقرأ بها، ولكن هذا القول فيه نظر، بل الصواب أننا نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف صفات العبادات، وقد مر علينا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل أن تفعل هذه مرة وهذه مرة حتى تأتي بالسنة كلها، هذه أيضًا تفعل هذه مرة وهذه مرة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، حتى تأتي بكل الوجوه التي قرأها النبي ﷺ، ولكن يجب عليك أن تتيقن أنه قد قرئ بهذه القراءة، فلا تتخرص، فإذا نسيت فاقرأ ما علمت؛ لأنك لو تقرأ بشيء على سبيل الظن قلت على الله ما لم تعلم، والمسألة خطيرة، إنما من منّ الله عليه بمعرفة القراءات فإن الأفضل أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، إلا في حضور العامة، حضور العامة لا، اقرأ بالقراءة التي بين أيديهم، لماذا؟ لأنك لو تقرأ بقراءة خارجة عما في أيديهم ألبست عليهم وحصل في هذا إشكال؛ لأنهم إن اعتقدوا فيك العلم والحفظ قالوا: كيف القرآن كذا يختلف؟ وإلا نسبوك إلى الجهل وعدم المبالاة بكتاب الله عز وجل وقالوا: هذا فلان إمامنا اللي ما يهم فيه غلط ولا ما هي غلط، (...) من باب أولى للعوام. وعلى هذا فنقول: إن الأفضل لا كما قاله بعض أهل العلم أن تتبع القراءات التي فيها حرف زائد على القراءات الأخرى، بل الأفضل أن تقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، ومنه قوله في الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] و﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ نقول الأفضل: نقرأ بهذا مرة وبهذا أخرى لأجل أن نأخذ بكلتا القراءتين. قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: تجمعوا بين الأمرين، بين أن لا تفرضوا لهن فريضة وبين أن لا تمسوهن، فلا جناح عليكم إذا طلقتم المرأة بعد العقد بدون مسيس وبدون تسمية المهر، وتسمية المهر من عدمها لها ثلاثة أوجه: إما أن يسمي المهر ويعيِّنه -وهذا هو الأفضل- بأن يعيِّن الرجل الزوج المهر فيقول: أنا أريد أن أتزوجها بخمس مئة ريال، فيقول الولي: زوجتك ابنتي بخمس مئة ريال؛ هذا مهر مسمًّى، أو يسكت يقول: زوجتك ابنتي، ويقول: قبلتُ، أو يقول: زوَّجتك ابنتي، ويقول الزوج: بشرط أن لا مهر لها، فيشترط عدم المهر، هذه ثلاث صور، إذا عيَّن المهر فالأمر فيه ظاهر ويثبت ما عيَّن، وإذا سكت فهذا هو الذي في هذه الآية: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وأو هنا على القول الراجح حرف عطف، معطوفة على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، وليست كما قال بعضهم: إنها (أو) بمعنى إلا؛ يعني: ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة؛ فإن هذا ما يستقيم مع الكلام. المهم إذا تزوجها بدون أن يسمي لها مهرًا فهو ما في هذه الآية. إذا تزوجها وشرط عدم المهر فالشرط فاسد، لكن هل يفسد العقد أم لا؟ في هذا قولان لأهل العلم: فقال جماعة من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن النكاح باطل ولا يصح إذا شرط عدم المهر؛ لأنه إذا شرط عدم المهر فقد خالف قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فيها قراءتان، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ شرط ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فشرط الله الحِل بأن يكون هناك مال، وأيضًا إذا شرط عدم المهر صار ذلك هبة، والهبة خاصة بمن؟ بالنبي ﷺ. وقال بعض أهل العلم -الطائفة الثانية من أهل العلم-: إن النكاح صحيح والشرط فاسد، ويجب لها مهر المثل. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: كذلك أيضًا لا جناح عليكم في أن يقع منكم هذان الأمران: لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، وكما قلت في أول الكلام على الآية: إن المرأة قد يكون في قلبها شيء حيث طلقت بعد العقد وقبل الدخول، ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك أنه لم يُسمَّ لها مهر؛ فإن الناس قد يقولون: هذه المرأة لا تساوي شيئًا، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قال بعض المفسرين أو المعرِبين: إن هذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة، والتقدير: فطلقوهن ومتعوهن، وأن قوله: (فطلقوهن) مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ لأن معنى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ معناها: قد أبحنا لكم طلاق النساء فطلقوهن، فيكون المراد بالأمر المقدر -كما قالوا- المراد به الإباحة، والمراد بالأمر المذكور المراد به الوجوب. وقال بعض المعرِبين: لا حاجة إلى التقدير؛ لأن قوله (فطلقوهن) المراد به الإباحة مفهوم من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وما دام المعنى يفهم بدون تقدير فإنه لا يجوز التقدير؛ لأن التقدير نوع من التأويل، ولأن الأصل تمام الكلام وعدم احتياجه إلى تقدير. وهذا القول أرجح، وعلى هذا فقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: إذا طلقتموهن، وهذا مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ ما معنى التمتيع؟ أن يعطيها ما فيه المتعة والبلاغ من زاد أو لباس أو غير ذلك مما تقتضيه الحال والعُرف. وقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ في ﴿قَدَرُهُ﴾ قراءتان: ﴿قَدْرُهُ﴾ و﴿قَدَرُهُ﴾، وقوله: ﴿الْمُوسِعِ﴾ هو الغني، وقوله: ﴿الْمُقْتِرِ﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء ١٠٠] أي: مَنُوعًا، فالمقتر معناه: الذي ليس عنده شيء أو الفقير، والموسع: الغني الكثير المال، فـ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أو ﴿قَدْرُهُ﴾ أي: ما يناسب حاله، وعلى الفقير ما يناسب حاله، والجملة هذه قيل: إنها استئنافية لا محل لها من الإعراب تبين مقدار الواجب الذي أوجبه الله في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وقيل: إنها في موضع نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: متعوهن حال كونكم موسرين أو معسرين، على الموسر قدره، وعلى المقتر قدره. أما إعرابها فإن ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿عَلَى الْمُقْتِر﴾ أيضًا خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾ هذه يحتمل أن يكون اسم مصدر -يعني: مفعولًا مطلقًا- عامله قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: تمتيعًا بالمعروف، فمتاع هنا بمعنى تمتيع، مثل كلام بمعنى تكليم، وسلام بمعنى تسليم وما أشبهها، وعلى هذا فيكون إعرابها مفعولًا مطلقًا، ويحتمل أن يكون حالًا؛ يعني: حال كون القَدَر أو القَدْر متاعًا بالمعروف. وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني معناه: يقتضيه العُرف، وكم في الآيات التي مرت التحويل على العرف مما يدل على أن العرف له اعتبار شرعي. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿حَقًّا﴾ منصوبة على أنها مصدر لفعل محذوف، يعني: أُحقُّ ذلك حقًّا على المحسنين، أو على أنها مصدر معنوي لقوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ حقًّا، أو على أنها صفة لقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ يعني: متاعًا حقًّا، كل الأوجه هذه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى. والحق هو الشيء الثابت اللازم يقال: حقّ، والحق إما أن يكون في الأخبار وإما أن يكون في الأحكام، فإن كان في الأخبار فهو الصدق، وإن كان في الأحكام فهو العدل، وقد يُجمع بينه وبين الصدق فيُحمل الصدقُ على الخبرِ والحقُّ على العدلِ مثل قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] قال العلماء: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار، ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: على الفاعلين الإحسان. المحسن اسم فاعل من أحسن؛ أي: قام بالإحسان وعمل به، والإحسان هنا ما كان موافقًا للشرع، فإذا قرن بالعدل صار المراد بالإحسان: الفضل الزائد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]، فالإحسان تارةً يُراد به موافقة الشرع ولو كان شيئًا واجبًا، وتارةً يُراد به ما زاد على الواجب، وهذا إذا قُرِن بماذا؟ إذا قُرِن بالعدل كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: والمحسنات؟ * طالب: يخاطب الأزواج. * الشيخ: لأنه يخاطب الأزواج، الزوجات ما بيمتعن أزواجهن؛ لأنهن مخطوبات لا خاطبات (...) ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة فوائد: أولًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، من أين؟ * طالب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾. * الشيخ: لا، من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ لأنها خبر بمعنى الأمر. ويستفاد من عمومها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿أَزْوَاجًا﴾. * الشيخ: ﴿أَزْوَاجًا﴾ وأطْلق. ويستفاد منها أيضًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء دخل بها أم لم يدخل، من قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق، فإن الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب ٤٩] واضح؟ فهذان رجلان كلاهما تزوجا، أحدهما مات قبل أن يدخل، والثاني طلق قبل أن يدخل، على زوجة الأول العدة، والثاني ليس عليها عدة، كذا؟ ولزوجة الأول المهر كاملًا، ولزوجة الثاني نصف المهر، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ولزوجة الأول الميراث، والثانية؟ * الطلبة: لا شيء. * الشيخ: صح، لأنه ما مات. المهم إذا مات ما هو زوج (...) ولا عدة عليها، إذن عموم الآية يشمل أيش؟ من دخل بها ومن لم يدخل بها. عموم الآية يتناول الحامل وغير الحامل، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ تشمل الحامل وغيرها، لكن الحامل خصت بآية الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]. لمعترض أن يعترض ويقول: بين الآيتين عموم وخصوص وجهي، فلا يمكن أن تخص إحداهما بالأخرى إلا بدليل؛ ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم إلى أنها تعتدّ بأطول الأجلين[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة، وفيه قصة ابن عباس رضي الله عنهما، وأما حديث عليٍّ فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٠٩٨).]] جمعًا بين الآيتين، أعرفتم؟ ما هو الجواب؟ الجواب: أن السُّنة دلت على تقديم عموم آية الطلاق؛ حيث إن «سُبَيْعَةَ الأسلميَّة نُفِسَتْ بعد موت زوجها بليالٍ، فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]] »، وعلى هذا فيكون عموم آية الطلاق مُقدمًا على عموم آية البقرة، واضح يا جماعة؟ ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج ولا تتعرض للزواج؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، كما تقول: انتظر بكذا وكذا، تربّص بكذا وكذا، يعني: لا تتعجل. ويُستفاد من الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل بوضع أربعة أشهر وعشرًا، أو بفرض أربعة أشهر وعشرًا، ويش الحكمة؟ * الطلبة: ليتبين (...). * الشيخ: قيل: ليتبين الحمل، وهذا فيه نظر؛ لأن الحمل يتبين في مدة أقل، ولكنه سبق لنا تعليل في هذا وهو؟ * الطلبة: (...) قلنا: تعبدية. * الشيخ: قيل: إنها تعبدية، هذا ما لنا فيه تصرف، إذا قلنا: تعبدية، ما لنا فيه تصرف، لكننا نقول: حكمة معقولة؟ * طالب: نعم، أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة. * الشيخ: أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة وثلث الشهر؛ لأنه في الجاهلية كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها تبقى حولًا كاملًا، ففرض الله من هذا الحول ثلثه، ومن جنس الشهور ثلث الشهر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفًا من تجمُّل وخروج من البيت وغير ذلك؛ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: فلا جناح عليهن، مع أن الحديث عن المرأة، عن النساء، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، كأنه أشار إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء فيكونون مسؤولين عنهن. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار العرف؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد مر علينا مرارًا وتكرارًا: أن العُرف معتبر إذا لم يُخالف الشرع، فإن خالف الشرع فليس بمعتَبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عِلم الله عز وجل بالظاهر والخفي، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والخبير هو العالم ببواطن الأمور، ومن علم ببواطن الأمور كان عليمًا بظواهرها من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى آخره. يُستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها، من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وقد سبق لنا التعريض معناه، كذا؟ ويُستفاد من الآية: تحريم التصريح بعدة المتوفى عنها زوجها في خطبة المعتدة من وفاة، تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة؛ لقوله: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾، فنفى الجناح عن التعريض، وهو دون التصريح، والتصريح محرم. استطرادا للفوائد نقول: إن خطبة المعتدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تحرم تصريحًا وتعريضًا، وتباح تصريحًا وتعريضًا، وتباح تعريضًا لا تصريحًا، تحرم تعريضًا وتصريحًا، وتباح تعريضًا وتصريحًا، وتحرم تصريحًا لا تعريضًا. متى تحرم تصريحًا وتعريضًا؟ في الرجعية لغير زوجها، فيحرم على الإنسان أن يخطب المرأة الرجعية، لا تصريحًا ولا تعريضًا، والرجعية مَن هي؟ يعني: المعتدَّة التي يجوز لزوجها أن يراجعها بغير عقد، هذه الرجعية. والتي تحل تصريحًا وتعريضًا هي البائن من زوجها إذا كانت تحل له، مثل المطلقة على عوض، والمختلعة، والفاسخة لنكاحها لسبب، وما أشبه ذلك، المهم أن القاعدة ما هي؟ هي المبانة لزوجها إذا كانت تحل له، فيجوز لزوجها أن يخطبها تعريضًا وتصريحًا وأن يتزوجها، فلو طلّق الإنسان امرأته على عِوض ثم بعد ذلك ندم وهي أيضًا ندمت، إن طلب يتزوجها يجوز يخطبها من أهلها؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يجوز أن يخطبها ويجوز أن يتزوجها. والذي يباح تعريضًا لا تصريحا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: كل مُبانة لغير زوجها، يعني: كل مُبانة يجوز لغير زوجها أن يعرِّض بخطبتها بدون تصريح؛ مثل المتوفى عنها زوجها، والمبانة بطلاق الثلاث، أو بفسخ، أو نحو ذلك، عرفتم؟ هذه أقسام الخطبة. * طالب: البكر يا شيخ؟ * الشيخ: البكر، ما هي معتدة، كلامنا على المعتدة. * الطالب: ما هي الأقسام؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجوز تعريضًا أو تصريحًا؟ * الشيخ: البكر ما هي معتدة. * الطالب: المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل، فيعرض لها أحد بالزواج. * الشيخ: تدخل في المبانة. الدليل على جواز التعريض دون التصريح للمتوفى عنها زوجها هذه الآية، هذه الآية دليل، ويقاس عليها كل مبانة من زوجها؛ لأن لها علاقة بزوجها من جهة، وهي منفصلة عنه من جهة أخرى. أما الرجعية فلأنها زوجة، كما قال الله تعالى فيما سبق: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨]. وأما المبانة من الشخص إذا كانت تحل له فواضح أنها زوجته، فيحل له أن يخطبها وأن يتزوجها، وقولنا: إذا كانت تحل له، احترازًا من المبانة بالثلاث، المبانة بالثلاث لا يحل لزوجها أن يخطبها مطلقًا؛ لأنها ما تحل له. ويستفاد من الآية الكريمة: جواز إضمار الإنسان في نفسه ما لا يحل له أن يفعله بجوارحه؛ لقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ذكر الإنسان المرأة المعتدة في نفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾، فلو قال شخص: إنني أريد أن أتزوج امرأة فلان التي توفى عنها زوجها، يقول يحدث غيره، يجوز ولَّا ما يجوز؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز ولا حرج فيه، وكذلك لو ذكرها في نفسه، لكن الذكر في النفس هل يغني عنه قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؟ يمكن أن يغني عنه، وإلا فإن ما في القلب يسمى ذِكرًا كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥ / ٢، ٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ..» الحديث.]]، فما أضمره الإنسان في نفسه فهو ذكر وحديث. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من وفاة؛ أن يواعدها النكاح فيقول: إذا انتهت عدتك فإني سأتزوجك؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. * ومن فوائدها: أن التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها من القول المعروف غير المنكر؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. هل يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أن النكاح باطل؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، منين الدليل؟ من قوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، وقوله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨)، وابن ماجه (٢٥٢١) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، إذن لو تزوج الإنسان امرأة معتدة فإن النكاح لا يصح. وهل تحل له بعد انقضاء العدة ولَّا ما تحل؟ * الطلبة: فيه أقوال. * الشيخ: فيه خلاف؛ فمن أهل العلم من قال: لا تحل له، ومنهم من قال: تحل له. الذي قال: لا تحل له، بنى قوله على قاعدة معروفة في الفقه وهي: من تعجل شيئًا قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه. وهذه القاعدة لها أصل من السنة، وهو منع القاتل من الميراث[[أخرجه الترمذي (٢١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأنه يُخشى أن يتعجل القتل لأجل أن يرث، ولكن الراجح في هذه المسألة أنه إن رأى الحاكم أن يمنعه منها فعل، وإلا فلا، وربما يُحمل ما روي عن عمر في ذلك على هذا الوجه؛ أن فعله رضي الله عنه ليس سنة، ولكنه عقوبة وتعزير[[أخرجه أحمد في المسند (٣٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فإذا رأى الحاكم أن يمنع هذا الخاطب الذي تعجل في الخطبة قبل أوان جوازها.. الشيخ: منع الحق لمن يستحقه لولا التعذير، والتعذير بمنع الحق لمن يستحقه هو جائز، وعلى هذا فنقول: الصحيح في هذه المسألة أن من عقد على مُعتدَّة فالأصل أنها تحل له بعد انتهاء العدة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] لكن إن رأى الحاكم أن يمنعه منها تعذيرًا فله ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العناية بالعدة وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ لأن أجله ما بُيِّن هنا، وإن كان بُيِّن في آية ثانية، وقد سبق لنا أن من فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه وتحرص عليه حتى تدركه، فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان ولا ينساه، واضح؟ ولهذا نحن لا نؤيد فكرة أن يكون كل شيء موجودًا عند الطالب؛ يعني ما نؤيد أننا نجيب له كتاب ونشرح له كل ما فيه، خلِّ الكتاب به بعض الشيء لأجل الإنسان يستعمل فكره، ولا نؤيد استعمال الطالب للآلات الحاسبة إلا عند الضرورة، ويش الآلات الحاسبة؟ معروفة؛ لأنك إذا تعودتها. * طالب: لم تُعمِل الفكر وتبلّد. * الشيخ: تبلّد فكرك، وصار ما تعرف إلا بهذه الآلة، ولا نؤيد أيضًا استعمال الطالب لآلات الفرائض؛ آلات علم الفرائض، فيه آلات الآن كمبيوتر ما تبين لك علم الفرائض، اعرف بس قاعدتها واضرب الأرقام هذه وتحل لك المسألة، تقسم لك أي مال يكون، بدلًا من أن تتعب في قسم التركات وتُراجع كتب الفرضيين استعمل هذه، ولكن ما نعلمكم اللي عنده؛ لأني أخشى بعد تتخذونها، استعملها لو كنت عامي ما تعرف شيئًا من الفرائض أبدًا، بس يوريك كيف تعمل، ثم تجيء بالمال وتكتب على الشاشة، ثم تنغز الأزرَّة وتكتب الورثة، ومع ذلك لو نغزت واحدًا (...) من هادولا ما تطلع اسمه ما تعطيه. * طالب: ما مذهبها؟ * الشيخ: مذهبها على المشهور عند الحنابلة. * طالب: حسبما تُعد؟ * الشيخ: حسب، لكن (...) أقول: إني لا أؤيد ذلك؛ لأن الطالب ينبغي أن يدرك العلم بفهمه. يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ويستفاد منها: وجوب الحذر من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يُرضي ربه من قوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾. ويستفاد منه: أن هذا القرآن العظيم مثاني بمعنى: تُثنَّى فيه الأمور والمواضيع، فإذا ذُكر أهل الجنة ذُكر أهل النار، وإذا ذُكر الرجاء ذُكر معه الخوف، وهكذا، وقد نص الله على ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] وهو هذا القرآن، من أين يؤخذ من هذه الآية؟ لأنه لما حذر قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والحليم، وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن؟ * طالب: للصفات. * الشيخ: للصفة، وهل يتضمن الحكم؟ * طالب: إذا تعدَّى. * الشيخ: إي، فيه تفصيل، إن كان متعديًا يتضمن الحكم، وإن كان غير متعدٍ لم يتضمن. وهل يدل على أكثر من صفة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ربما يدل بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة عندهم ثلاثة: مطابَقة، وتضَمُّن، والتزام، وياسر يضرب لنا مثالًا للمطابقة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كنت أريد المسألة تعيدها تشرحها. * الشيخ: مثال ذلك أقرب شيء نمثّل بالمحسوس، أنا عندي الآن بيت، فإذا قلت: هذا بيت فلان، كلمة (بيت فلان) تدل على كل البيت بما فيه من الغُرَف والْحُجر والفُسَح والصالات وما أشبه ذلك، ولَّا لا؟ تدل على مجموعه دلالة مطابقة؛ يعني إذا دل اللفظ على كل معناه فهو مطابقة، وتدل على الحجرة الواحدة والصالة الواحدة والفسحة الواحدة بالتضمن؛ يعني إذا دل اللفظ على جزء معناه فهي دلالة تضمن، وتدل على أن لهذا البيت بانيًا بالالتزام؛ لأن البيت ما يقوم بنفسه لا بد من بانٍ يبنيه تُسَمَّى هذه: التزام؛ يعني دلالة اللفظ على أمر خارج عن مدلوله وهو من لوازمه يسمى (دلالة التزام). بالنسبة لأسماء الله تدل على ذات الله وعلى الصفة التي يتضمنها هذا الاسم، تدل على الأمرين دلالة أيش؟ * الطلبة: دلالة مطابقة. * الشيخ: دلالة مطابقة، وتدل على الأمر الخارج اللازم لهذا المعنى؛ تدل دلالة التزام، مثل (الخالق) من أسماء الله؛ دلالته على الذات والخلق مطابقة، ودلالته على العلم والقدرة التزام، ودلالته على الخلق وحده أو الذات وحدها تضمن. واضح؟ * الطالب: لا. * الشيخ: سبحان الله! واضح؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: الخالق الآن يدل على ذات الله والصفة اللي هي الخلق دلالة مطابقة؛ لأنه دل على كل معناه، ويدل على الذات وحدها وعلى الخلق وحده تضمن؛ يعني معناه إفراد كل واحد عن الآخر، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام، كيف؟ ما يمكن يكون خالقًا إلا وهو عالم قادر، ولَّا لا؟ هل يخلق من لا يقدر؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، هل يخلق من لا يعلم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لا بد أن يكون عالمًا قادرًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فذكر العلم وذكر القدرة بعد أن ذكر أنه خَلَق، ولا يمكن أن يكون هناك خَلْق إلا بعلم كيف يخلق وبقدرة على الخلق وإلا (...). ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إلى آخره [البقرة: ٢٣٦]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. وربما يُشعر قوله: ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أن الأَوْلى عدم ذلك وأن لا يطلق؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها وقدم لها الصداق فيه شيء على المرأة وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعًا متعجلًا. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إطلاق المسِّ على الجماع؛ لقوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. ويستفاد منها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ لأنه معطوف على قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: وما لم تفرضوا لهن فريضة. وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة وشرط أن لا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح صحيح والشرط فاسد ولها مهر المثل، ومنهم من يرى أن النكاح غير صحيح، وهذا هو الصحيح أنه إذا شُرط عدم المهر فالنكاح غير صحيح؛ لأن الله اشترط للحِلّ المال؛ قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢٤]. والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يُشرَط المهر ويعيَّن، أو يُسكَت عنه، أو يُشرَط عدمه؛ ففي الحالة الأولى النكاح صحيح ولا إشكال فيه ولا نزاع، وفي الثانية النكاح صحيح ولها مهر الْمِثل إذا سُكت عنه، وفي الثالثة أن يُشرط عدمه موضع خلاف بين أهل العلم. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب المتعة على من طلَّق زوجته قبل الدخول ولم يسمِّ لها مهرًا؛ لقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وهذا بالإجماع أنه إذا طلقها قبل المسيس والخلوة ولم يفرض لها مهرًا فلها المتعة واجبة بالإجماع. ويستفاد من الآية أيضا: أن العبرة بالمتعة حال الزوج: إن كان موسرًا فعليه قدره، وإن كان معسرًا فعليه قدره؛ لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة يعني فائدة أخرى وهي: امتناع التكليف بما لا يطاق، كيف ذلك؟ * طالب: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وهذه القاعدة امتناع التكليف بما لا يطاق دل عليها القرآن في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إذا أمتع زوجته هذا الإمتاع أن يكون بالمعروف؛ أي: بما يقتضيه العرف، بحيث يبذله عن سخاء نفس وبدون مِنَّة؛ لقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائدها: أن القيام بهذه المتعة من الإحسان وإن كانت واجبة؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بشأن النكاح حيث أنزل فيه هذه الآيات الكثيرة المتعددة ولم تتم بعدُ أيضًا؛ لأنه عقد من أخطر العقود، إن لم يكن هو أخطر العقود فإنه من أخطرها. واستنبط بعض العلماء من هذه الآية أن المعتبَر في الإنفاق حال الزوج لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فقاس الإنفاق على الإمتاع، وهذا القياس قد يُقبل وقد لا يُقبل، لكن يغني عنه النص في هذا وهو قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]. وظاهر الآية الكريمة: أنه إذا دخل بها ولم يمسها وجب المهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ فعلَّق الحكم بالمسيس، وهو الجماع، ولكن الصحابة رضي الله عنهم حكموا بأن الخلوة كالمسيس؛ لأنه استباح منها ما لا يُباح لغير الزوج وهو الخلوة، فإذا خلا بها أو قبّلها أو باشرها لشهوة فهو كالجماع يتقرر به المهر. * طالب: استنتاج الفائدة من الآية. * الشيخ: إي، لأنه قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، فظاهره أنه إذا طلقها قبل أن يجامع فإنه ليس عليه متعة مع أن عليه متعة في هذه الحال. * طالب: إذا خلا بها. * الشيخ: إذا خلا بها، إذا خلا بها ظاهره أنه أن عليه المتعة، إذا خلا بها وليس عليه المهر كاملًا؛ لأنه علق الحكم ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فعلق وجوب المتعة بحال وهي إذا لم يمسها، فظاهره أنه وإن خلا بها لا يجب لها المهر، واضح؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ولكن الصحابة حكموا بأن الخلوة كالجماع، وعلى هذا فإذا خلا بها وجب لها المهر دون المتعة، واضح؟ * طالب: مهر المثل، مهر كامل؟ * الشيخ: كامل نعم، المهر كامل. * الطالب: حتى بدون مسيس ولا جماع. * الشيخ: إي نعم، بدون مسيس ولا جماع، يجب لها المهر وتجب عليها العدة، ويثبت كل ما يثبت بالجماع. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٧]، وفي قراءة: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، والمراد به الجماع. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أو ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ أي: من قبل أن تجامعوهن. وهنا كلمة ﴿قَبْلِ﴾ نجد أنها مجرورة بـ (مِن)، فهي إذن معربة، وإذا كانت معربة فلماذا لم تُنون؟ * الطلبة: للإضافة. * الشيخ: لأنها مضافة، مضافة إلى أي شيء؟ * طالب: المصدر المؤول. * الشيخ: لأن أن الداخلة على الفعل تؤول بمصدر؛ أي: من قبل مسِّهن، أو مماسَّتهن على القراءة الثانية. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الواو هذه للحال؛ يعني: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة؛ أي: عيَّنتم لهن مهرًا مسمى؛ مثل أن يتزوجها على ألف درهم معيَّنة ثم يطلقها قبل ذلك؛ قبل أن يمس، هذا فرض المسألة التي ذكر الله عز وجل. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الفاء هذه واقعة في جواب الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، و﴿نِصْفُ﴾ مبتدأ خبره محذوف، وما تقدير هذا الخبر؟ * طالب: فلهن. * الشيخ: (فلهن) أو (فعليكم) يصلح هذا وهذا: فلهن نصف ما فرضتم، أو: فعليكم نصف ما فرضتم، ويجوز أن نجعل ﴿نِصْفُ﴾ خبر مبتدأ محذوف ويكون التقدير: فالواجب نصف ما فرضتم. قوله: ﴿نِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ إن كان هذا المفروض يمكن إفراز بعضه عن بعض فُصِل، كما لو كان ألف درهم فيُجعل خمس مئة وخمس مئة، وإن كان لا يمكن إفرازه بقي النصف مشاعًا كما لو كان بعيرًا مثلًا أو سيارة، لو كان سيارة وتزوجها على هذه السيارة ثم طلقها قبل أن يمسها، فكيف نقول له النصف؟ مشاعًا. نقول: له النصف مشاعًا، أي: لها نصف هذه السيارة وله نصفها. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (إلا) استثناء من أعم الأحوال، يعني: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال، وهذا الاستثناء يسمونه الاستثناء من أعم الأحوال؛ يعني كأنه يقول: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (أن) هذه حرف مصدر ينصب الفعل المضارع، والمشكِل أنه لم ينصب؛ لأن الواو موجودة ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فهل نقول: إن هذا للضرورة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا ضرورة. * الطلبة: النون موجودة. * الشيخ: إي، النون، والواو فاعل! ﴿يَعْفُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل! * طالب: لا يا شيخ النون نون النسوة. * الشيخ: ها، النون للنسوة، إذن الفعل منصوب لكنه مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، سكون أيش؟ سكون الواو ﴿يَعْفُونَ﴾؛ لأن الواو هذه من الفعل، ولهذا لو وزناه في الميزان الصرفي لكان ميزانه (يَفْعُلْنَ) بخلاف قولك: الرجال يعفون، فإن وزن يعفون؟ * الطلبة: يفعلون. * الشيخ: لا. * طالب: يَفْعُونَ. * الشيخ: وزن يعفون: يَفْعُونَ، صح؟ لأن لام الفعل حُذفت لأجل واو الجماعة، إذن نقول: ﴿يَعْفُونَ﴾ هذه منصوبة، لكنها مبنية على السكون في محل نصب؛ لأنها متصلة بنون النسوة. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟ يعود على النساء المطلقات. * طالب: ما يعود على الأزواج؟ * الشيخ: لا لا، كيف يعود على الأزواج، نحن قلنا: نون نسوة، الأولى يكون النساء. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يعني أو إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح، فإن عفون أو عفا الذي بيده عقدة النكاح، فما الحكم؟ ننظر من هو مستثنى؟ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، فإن عفوا فكل ما فرضتم، لكم ولَّا لهن؟ * الطلبة: لكم. * الشيخ: نشوف، هذا ينبني على ما المراد بقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، اختلف المفسرون في هذا والفقهاء أيضًا؛ فقال بعض أهل العلم: إن المراد بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوج؛ لأنه هو الذي يملك العقد والطلاق، أرأيت لو قال الولي: زوجتك بنتي، فقال: (هونت ما أبغاها)، ينعقد النكاح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما ينعقد، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولو أنه انعقد وقال: قبلت، ثم قال: طلقت، ينفسخ النكاح؟ * طالب: لا ينفسخ. * الشيخ: ينفسخ، زوجه، إذن من الذي بيده العقدة الآن؟ هو الزوج، وهذا واضح جدًّا أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح الولي مطلقًا؛ لأنه هو الذي يعقد فيقول للزوج: زوجتك، فحينئذٍ يكون بيده العقدة، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة بناء على القول بأن الأب يُجبر ابنته، فهو إن شاء عقد وإن شاء لم يعقد بخلاف الأولياء الآخرين لأنهم لا يعقدون إلا بإذن مولياتهم، فيكون الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة، إذن ففيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه الزوج، الثاني: أنه الولي مطلقًا، الثالث: أنه الأب خاصة، ولكننا إذا رجعنا إلى ما يقتضيه اللفظ وجدنا أن القول الأول هو الصواب وأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، أليس كذلك؟ وأيضًا إذا جعلناه هو الزوج فقد استفدنا من الآية فائدتين: الفائدة الأولى: العفو من جانب الزوجة، والفائدة الثانية: العفو من جانب الزوج. وإذا جعلنا الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا أو الأب صار العفو من جانب واحد. ثالثًا: إذا جعلناه الزوج صار الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، ولَّا لا؟ وإذا جعلناه الولي صار المعنى: إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فلكم الكل دون النساء، واضح؟ ودلالة الآية على المعنيين أوْلى من دلالتها على معنى واحد، فهذه ثلاثة أوجه تُرجح أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج مع كون اللفظ دالًّا عليه بنفسه دون مرجِّح؛ لأن الأولياء لو جاؤوا كلهم وقالوا: زوجناك أيها الرجل الحبيب الطيب الكريم العالم الشجاع نرغب في أن نزوجك، وجاءت الأم وبنتها وخالتها وعمتها وكل شيء وقالوا: زوجناك، فقال: لا أريد، أيش يكون؟ ما ينعقد، إذن الذي بيده العقدة حقيقة هو الزوج، ولا حاجة لمرجِّح ما دام اللفظ دالًّا عليه، وبناء على ذلك يكون الاستثناء، نعرف الآن الاستثناء: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، صح أوْ لا؟ * طالب: (...) كان. * الشيخ: أقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ مستثنى من قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلكم الكل ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فلهن الكل، تمام؟ يبقى إشكال فيما إذا كان الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح وأسقط حقه، فكيف نقول: إنه عفا مع أنه هو الْمُعفَى؟ نقول: نعم؛ لأن المفروض أن الزوج قد سلَّم المهر، فإذا سلم المهر بقي عند من؟ عند الزوجة، فإذن عفو الزوج معناه أن لا يطالبها بما قبضت، ولَّا لا؟ بما قبضت. إذا كان نصف المهر مؤجلًا، فكيف يصح عفو الزوج في هذه الحال؟ * طالب: يعطي مرتين. * الشيخ: لا، عفو الزوج؟ * طالب: يعطي النصف المؤجل. * الشيخ: لا، يكون بناءً على الأغلب؛ لأن الآن قصدي أن الزوج يعفو، كيف يعفو وهو ما بعد صار في ذمة زوجته شيء؟ إلى الآن ما سلمها نصف المهر فكيف يصح أن يقول: إلا أن يعفو؟ نقول: إن الآية مبنية على الأغلب، وإنه كان ينبغي أن يكون الصداق معجلًا لا مؤجلًا. * طالب: مقدم؟ * الشيخ: إي، معجل ومقدم؛ يعني لا مؤجلًا، وعلى هذا فيصح أن يكون الزوج عافيًا بمعنى أنه يسقط ما قبضته المرأة فلا يطالبها به. وقوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ كلمة ﴿عُقْدَةُ﴾ ولم يقل: عَقْد، إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين أطرافي الحبل. ثم قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا أيضًا مما يرجح أن المراد به الزوج؛ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ أيها الأزواج، ولم يقل: وأن يعفون أقرب للتقوى، بل قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾؛ لأن الانكسار الآن من جانب من؟ * الطلبة: الزوجة. * الشيخ: الزوجة، فإذا عفوت عن حقك أيها الزوج كان ذلك أقرب للتقوى وأجبر لخاطرها؛ لأنه قد يكون في قلبها شيء، لماذا يطلقها قبل أن يدخل بها؟ فقوله: ﴿أَنْ تَعْفُوا﴾ يعني عما تستحقون من المهر إذا طلقتم قبل الدخول، وهو ربعه. * طالب: نصفه. * الشيخ: ربعه ولَّا نصفه؟ * الطلبة: نصفه. * الشيخ: متأكدون؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وهو نصفه، إذا عفوتم عن ذلك فهو أقرب للتقوى. وهنا قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ولم يقل: فهو تقوى؛ لأن العفو ليس بواجب، لكن هذا يقربكم من التقوى ويكون وسيلة لكم إلى تقوى الله عز وجل فيما يجب تقواه به. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ الخطاب هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ هل هو خاص بالزوجين؛ الزوج مع الزوجة وأوليائها، أو هو عام؟ * طالب: عام. * الشيخ: نقول: إن نظرنا إلى لفظه فهو عام، وإن نظرنا إلى سياقه فهو خاص، وإذا جعلناه خاصًّا بمقتضى السياق فإنه يكون عامًّا بالعموم المعنوي؛ لأن هذا التوجيه الكريم من الله عز وجل ليس خاصًّا بهؤلاء، كل الناس بيقول: لا تنسَ الفضل بينك وبين أخيك. وقوله: ﴿لَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴿تَنْسَوُا﴾ هنا بمعنى: تتركوا؛ لأن النسيان يطلق بمعنى الترك، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان الذي هو الذهول، فيكون المعنى: لا تنشغلوا فيما بينكم مما يحصل بالفراق قبل الدخول، لا تنشغلوا عن نسيان الفضل؛ لأن الإنسان قد ينشغل بالشيء عن الشيء فينساه، فالنسيان إذن يحتمل أن يكون المراد به الترك، ويحتمل أن يكون به الذهول، وكلاهما وارد في اللغة العربية؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩] وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] النسيان هنا بمعنى الترك، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] والنسيان هنا بمعنى الذهول، الذهول عن الشيء المعلوم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]. * الطلبة: يصلح (...). * الشيخ: أيهم؟ يصلح هذا وهذا؟ إن قلنا: إن النسيان بمعنى الترك فلا إشكال، وإن قلنا: إن النسيان بمعنى الذهول احتجنا إلى جواب على: كيف يعاقبه الله عز وجل مع أنه نسي؟ والجواب على الإشكال الأخير ظاهر كما أجاب به أهل العلم فقالوا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان من خصائص هذه الأمة وليس للأمم السابقين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[[ أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس رضيالله عنهما.]]. هنا ﴿لَا تَنْسَوُا﴾ قلت: يحتمل أن يكون النسيان بمعنى الترك؛ يعني لا تتركوا الفضل بينكم، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان؛ لأن الإنسان في مثل هذه المقامات قد ينشغل فكره وينسى ما نُدب إليه من الفضل. وقوله: ﴿الْفَضْلَ﴾ قيل: إنه بمعنى الإفضال؛ يعني لا تنسوا أن يُفضِل بعضكم على بعض ويعطيه من الفضل. فهنا هل نقول للزوج: اعفُ ولا تترك نفسك من الإفضال على الزوجة، أو نقول للزوجة: أسقطي ولا تنسي الفضل بينك وبين الزوج، أو للجميع؟ * الطلبة: للجميع. * الشيخ: للجميع بحسب الحال؛ قد يكون الزوج معذورًا في الطلاق قبل الدخول، وقد يكون فقيرًا والمرأة غنية فيكون مقتضى الحال أن يكون الإفضال من الزوجة على الزوج، وقد لا يكون هكذا فيكون الإفضال من الزوج على الزوجة. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ختم الآية بهذا الاسم للتحذير من المخالفة؛ فإن الله بصير بكل ما نعمل. وهل البصر: بصر العين الذي مقتضاه الرؤية، أو البصر: العِلم؛ فيشمل ما يُرى وما يُسمع وما يُعلم؟ * الطلبة: الأخير أشمل. * الشيخ: نعم، الأخير أعم، والأول فيه احتمال أن المراد بصير بما نعمل بمعنى أنه يراه، لكن تعلمون أن هذا التفسير يقتضي حصر ذلك فيما يُرى فقط، والتفسير الثاني أعم، وإذا وُجد معنيان أحدهما أعم واللفظ محتمل له كان الأخذ به أولى لأنه أشمل. يستفاد من الآية الكريمة: جواز الطلاق قبل المس مع تعيين المهر، وجهه: أن الله أقر هذه الحال وجعل لها أحكامًا، ولو كانت حرامًا ما أقرها ولا جعل لها أحكامًا. وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهر؛ لأن الآية فيما إذا طُلقت قبل المسيس ولم يُسمَّ لها مهر، وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمِّي لها مهر، كذا؟ وإن طلقت بعد المسيس؟ إن سُمِّي لها مهر فلها المهر، وإلا فلها المتعة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾، فلو تنازع الزوجان فقالت الزوجة للزوج: أعطني ما شئت، وقال الزوج لها: افرضي ما شئتِ، تحجه بهذا وتقول: أنت اللي موكل لك الأمر. نعم، تحجه تقول له: أنت الذي لك الفرض. ولكن إذا أبت بما فرض؟ * الطلبة: ليس لها. * الشيخ: ليس لها ذلك؟ لا، لها ذلك، ما يمكن نجبرها بمهر لا ترضاه. * طالب: شيخ، (...) الآية ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. * الشيخ: إي نعم، لكن إذا فرض لها عشرة آلاف قالت: ما يكفي؟ * طالب: يعني قبل عقدها؟ قبل العقد؟ * الشيخ: قبل قبل، إي، قبل العقد هي بالخيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب نصف المهر إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها مهرًا؛ لقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: جواز إسقاط المرأة المهر عن الزوج أو بعضه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. ومن فوائده: جواز تصرف المرأة في مالها؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ولكن هذا مشروط بما إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة كما تدل عليه آيات أخرى، فإن لم تكن كذلك فلا تملك هذا. وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها وإن كانت مدينة لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾؟ * طالب: لا يملك الحق (...). * الشيخ: أو نقول: إذا كانت مدينة فليس لها أن تعفو، فالآية ظاهرها العموم ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ وليس هذا معاوضة حتى نقول: إن هذه المرأة أخذت من مالها ما يضر بالغرماء، بل هذا عِوض جديد مقابل باستمتاع الرجل بالزوجة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فإن قلنا: إنه الولي مطلقًا أو الأب صار عندنا إشكال، ما هو؟ هو أن الولي لا يملك التبرع ولا الإسقاط لمال موليه، انتبه للقاعدة، الولي سواء كان وليًّا على مال يتيم أو على مال سفيه لا يملك التبرع ولا الإسقاط؛ لأن ذلك ليس من حظ اليتيم أو السفيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، ولهذا المسألة مشكلة من الناحية المالية على قول من يقول: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا، ليش؟ لأن الولي لا يملك العفو عما استحقته موليته، أفهمتم؟ أما إذا كان الأب فالأب فيه خلاف، هل يملك إسقاط الدَّين الذي لولده أو لا يملكه؟ فمن أهل العلم من قال: يملك إسقاط الدَّين الذي لولده، ومنهم من قال: لا يملك، والراجح أنه يملك؛ لأنه إذا كان يملك تملُّك العين الذي في يد الولد فله أن يملك إسقاط الدَّين الذي له من باب أولى؛ لأن تعلق نفس الولد بالمال الذي بيده أقوى من تعلقها بالدَّين، فإذا كان يملك يأخذ ماله من بين يديه فله أن يُسقط دينه عمن هو عليه، وعلى هذا لا إشكال إذا قلنا بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، لكن سبق لنا أن هذا قول ضعيف، وعلى هذا فتنزع هذه الفائدة؛ لأنها مبنية على قول مرجوح (...) حتى مع الدَّين، الآية قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ظاهرها جواز العفو حتى مع الدَّين؛ يعني حتى ولو كان على الإنسان دين فإنه يجوز أن يعفو، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، اختلف العلماء في جواز تبرع الإنسان في ماله أو بشيء من ماله إذا كان عليه دَين يستغرق؛ فالمشهور من مذهبنا مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يتبرع الإنسان بشيء من ماله وإن كان عليه دَين يستغرق ما لم يُحجر عليه، فإن حُجِر عليه فإن التصرف ممنوع كما هو ظاهر، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يصح تبرعه بشيء من ماله مع الدَّين المستغرق لتعلق حق الغرماء به، وقوله هو الصواب وأنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله (...). من المعلوم أن الواجب أهم من التطوع، وإذا كان بعض أهل العلم يُسقِط الزكاة الواجبة في المال إذا كان على الإنسان دين مع وجوب الزكاة، فالتبرع من باب أولى؛ لأن الواجب لا يسقط إلا إذا كان التصرف محرمًا، وعلى هذا فيكون حتى على قاعدة المذهب لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله مع دين يستغرق، ولكن قد يقال: إنه يُعفى عن الشيء اليسير الزهيد كالدرهم والدرهمين؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم عليهم ديون أكثر مما في أيديهم من الأموال ويأتي السائل فيعطونه الدرهم والدرهمين وما أشبه ذلك، فهل نقول: إنهم آثمون؟ في القلب من هذا شيء، ولكن لا شك أنهم مخطئون وأن تصرفهم هذا غير سليم؛ هذا الدرهم الذي تعطيه لهذا السائل أعطِه نفسك أولًا لأنك محتاج، فإذا أوفيت دينك فبعد هذا تصدق بما شئت؛ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»[[أخرجه مسلم (٩٩٧ / ٤١) من حديث جابر.]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام قبل كل شيء، قد يقول: هذا درهم أو درهمين ما هو بنافع ولا هو بضار، نقول له: ما تقول في قطرات الماء ينزل من السماء هل تسيل به الأودية؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وهي قطرة واحدة، هذا الدرهم وفره اليوم والدرهم الثاني وفره غدًا، وتوفر في السنة ثلاث مئة وأربعة وخمسين درهمًا، نِعمة، فعلى هذا نقول: إنه من الحكمة والعقل والدين أن الإنسان الذي عليه دَين يستغرق يجمع ما يُحصّل في قضاء دينه. يستفاد من الآية الكريمة: أن النكاح من العقود؛ لقوله: ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. ويترتب على هذه الفائدة: جواز التوكيل فيه؛ «لأن النبي ﷺ وكّل في العقود عروة بن الجَعْد، وكَّله في شراء أضحية له »[[أخرجه البخاري (٣٦٤٢) من حديث عروة بن الجعد.]]، فيجوز أن يوكل الإنسان من يتزوج له، ولكن كيف يكون عقد النكاح إذا كان الإنسان وكيلًا للزوج، هل يقول الولي له: زوجتُك بنتي، فيقول: قبلت؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما يصلح. هل يقول: زوجت موكلك بنتي فيقول: قبلت لموكلي؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا. * طالب: يُعيِّنه. * الشيخ: لازم يعيّنه، يقول: زوجت موكلك فلانًا ابنتي فلانة، فيقول: قبلت النكاح لموكلي، وهذه المسألة كلمة: لموكلي، يرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يقول: لموكلي، وبعض العلماء يقول: لا يجب اكتفاءً بالإيجاب، ويش هو الإيجاب؟ الإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فإذا قال: زوّجت ابنتي فلانة موكلك فلانًا فقال: قبلت، يعني؟ أقول: يعني لمن؟ * طالب: قبلت لموكلي. * الشيخ: لموكلي، لكن ذكر الموكل في القبول أولى، يقول: قبلت لموكلي فلان، واضح؟ إذا كان الولي هو الذي وكّل فكيف يقول؟ يقول: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانةَ. * طالب: أو وليها، يعني يكون لها ولي؟ * الشيخ: فلانةَ، فيقول ذاك الزوج: قبلت، ولَّا لا؟ طيب، هل يثبت لهذا العقد ما يثبت لعقد البيع من الخيار؛ خيار المجلس أو خيار الشرط؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: خيار المجلس لا يثبت؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٧٩) ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام. ]]، ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالبًا إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق ونظر وبحث، بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة وعن حرص على الربح بدون أن يتروَّى الإنسان، واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع، وهذا ظاهر؛ لأن البيع يقول: إذا ما جازت لي أرجع، أبيعها، لكن المشكلة الزوجة، ولهذا ليس فيه خيار مجلس -أعني النكاح- لكن هل فيه خيار شرط؟ * طالب: لا، ما فيه. * طالب: فيه شرط. * الشيخ: المذهب لا خيارَ فيه، ليس فيه خيار الشرط، واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨ / ٦٣)، واللفظ للبخاري، من حديث عقبة بن عامر.]]. وعندي أن خيار الشرط بالنسبة للزوج غير وارد، ليش؟ لأن النكاح في حقه جائز متى شاء طلق، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إذن هو في غِنى عن الشرط، لكن الزوجة هي التي تحتاج إلى الشرط، والصحيح أنه جائز، فيقول: زوجتك ابنتي بشرط الخيار لمدة سنة، كذا؟ الخيار لها، العقد تام الآن، لكن لها الخيار إذا شاءت أن ترد العقد، أو ما يقع كثيرًا بشرط الخيار لها في جلوسها مع أهلك؛ لأن بعض الناس قد يكون أهله عندهم سوء عِشرة، ويزوجوه منه (...) بيقولون: بشرط أنه إذا لم يطب لها المقام مع أهلك فلها الخيار، فالمهم أن العلماء مختلفون في خيار الشرط في النكاح؛ المذهب: لا يصح، واختار شيخ الإسلام أن ذلك صحيح، وهو مستفاد من كلمة ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: استحباب أو الحث، أو بعبارة أصح: الترغيب في العفو، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وهذا شامل لكون العفو نفسه مقرِّبًا للتقوى، ولكون العفو أيضًا سببًا للتقوى؛ فالإنسان الذي يعفو عن عباد الله يعفو الله عنه، وإذا عفا الله عنك فإن ذلك يكون سببًا بتقواك الله عز وجل؛ لأن مدار التقوى على الإيمان، وكلما عفا الإنسان عن عباد الله مبتغيًا بذلك وجه الله ازداد إيمانه فازدادت تقواه. هل يستفاد من هذه الآية: أن الأعمال تتفاضل؟ * الطلبة: نعم، ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. * الشيخ: نعم، لكن هل يستفاد منها أن الأعمال تتفاضل؟ * الطلبة: نعم، هذه واضحة. * طالب: الذي يعفو أفضل من الذي ليس يعفو، لفظ تفضيل ﴿أَقْرَبُ﴾، ﴿أَقْرَبُ﴾ لفظ تفضيل. * الشيخ: إي نعم، هذه نعم يستفاد منها أن الناس يختلفون في القرب من التقوى، لكن هل يفيد أن الأعمال بعضها أفضل من بعض، أو يفيد أن الإيمان بعضه أعلى من بعض؟ هذا هو الظاهر، كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد تقوى، وكلما كان إلى التقوى أقرب كان إلى الإيمان أقرب. إذن فيُستفاد منه أن الناس يتفاضلون في الإيمان، وهذا هو القول الراجح بلا شك، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، هل الذي يزيد وينقص هو إقرار القلب، أو قول اللسان، أو عمل الجوارح؟ * الطلبة: الكل. * الشيخ: الكل، إقرار القلب يزيد بلا شك يتفاضل، وأقوال اللسان تتفاضل، وأفعال الجوارح تتفاضل، كذا؟ أما تفاضل أعمال الجوارح فظاهر؛ فالمصلي أربع ركعات أزيد من المصلي ركعتين، وأقوال اللسان كذلك؛ فالذاكر اللهَ عشر مرات أفضل من الذاكره خمس مرات، لكن كيف يتفاضل الإيمان في القلب؟ نقول: نعم، يتفاضل؛ لأن زيادة اليقين لها سبب، ولَّا لا؟ فإذن كلما ازداد اليقين كان أقوى في الإيمان وهو يتفاضل، أنا عندما يخبرني رجل ثقة في خبر ويكون عندي شيء من العلم، إذا أخبرني آخر بهذا الخبر ازداد علمي ولَّا لا؟ * طلبة: ازداد علمي. * الشيخ: ازداد علمي ويقيني، وهكذا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] فالزيادة ثابتة في القرآن. بعض العلماء يقول: أثبت الزيادة ولا تُثبت النقص، ما قولكم في هذا؟ * الطلبة: ما يستقيم. * الشيخ: هذا غير صحيح، ليش؟ * الطلبة: لا زيادة إلا بنقص. * الشيخ: لا زيادة إلا بنقص؛ إذ إن الزيادة يقابلها النقص، فمثلًا إذا قلنا: هذا زائد على هذا لزم أن يكون الثاني المزيد عليه ناقصًا، ولهذا الصواب أنهما متلازمان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ لا تنسَ أن يكون لك الفضل عليهم، ولهذا جاء في الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى»[[أخرجه البخاري (٢٠٧٦) بلفظ: «رَحِمَ اللَّهُ رجلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وإذا اقْتَضَى» من حديث جابر .]] (...). فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر، والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة عِلم الله تعالى وبصره بكل شيء مما نعمله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فيها ترغيبًا في العمل الصالح وترهيبًا من العمل السيئ؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة معناه: احرصوا على العمل الصالح فإنه لن يضيع، واحذروا من العمل السيئ فإنكم تجازون عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله سبحانه وتعالى. * الطالب: قلتم يا شيخ إن خيار الشرط غير وارد للزوج؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: بالنسبة للمهر الذي دفعه للزوجة لو اشترط يعني يعود إليه المهر، أما إذا لم يشترط لا يعود؟ * الشيخ: لو كان يعود عليه المهر كان صحيح يستفيد من الشرط، لكن الظاهر أنه ما يعود عليه المهر لعموم الحديث ذكرناه، لها المهر بما استحل من فرجها. * الطالب: إذن ما صار (...). * الشيخ: ولهذا هو الحقيقة مشكلة، إلا إذا قلنا بأنه يعود، لكن العلماء كلهم يكادون مُطبقين على أنه يستقر المهر بالدخول. * الطالب: إذن ما صار (...). * الشيخ: هو هذا اللي (...)، والشيخ صرح رحمه الله بأنه يجوز شرط الخيار لهما أو لأحدهما، فبالنسبة للزوجة ظاهر، بالنسبة للزوج ما له مصلحة إلا مثل ما قلت، إذا قلنا: بأنه يعود عليه المهر، أو إذا قلنا: بأنه يعود عليه نصف المهر قبل الدخول، وإلا فالفائدة قليلة. * طالب: والزوجة يعود لها أيش؟ الزوجة يعود لها؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: إذا اختارت الطلاق في ها السنة هذه، اختارت الفراق مع (...) يعود لها المهر؟ * الشيخ: المهر لها ثابت. * الطالب: ثابت؟ * الشيخ: ثابت بالدخول. * الطالب: ما يدخل فيه يعني الإجحاف؟ * الشيخ: هو اللي اشترط، هو الذي رضي بذلك. * الطالب: لكن ربما تختار الفراق ثم يطيب لها المقام يعني؟ * الشيخ: لا، كيف ما دام اشترط لها إلا إذا قالت الشرط عيّنته، إذا لم تستقم الحال مع أهلك، وهذا هو الأحسن يعني كونه يكون شرطًا مطلقًا حتى في النفس منها شيء؛ لأنه قد يكون شبيهًا بنكاح المتعة، فالأوْلى أن يقيد هذا الرأي بكونه تشترط المرأة الخيار في شيء لها فيه غرض كسوء العشرة منه أو من أهله. * الطالب: ولا يجوز أنه يقول: إن اخترتِ الفراق يرجع المهر؟ * الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأنه خلاف الشرع، إذا دخل بها فلها المهر (...).

البقرة 2:238

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. أولًا: هذه الآية جاءت بين أحكام النساء وعدتهن ومهورهن وما يتعلق بذلك، مع أن الصلاة من العبادات الخاصة بالله عز وجل، ونحن نعلم أن الترتيب في الآيات توقيفي؛ يعني أنه بأمر الله ورسوله، فما وجه كون هذه الآيات؛ الأمر بالمحافظة على الصلاة بين آيات تتحدث عن النساء وأحكامهن؟ الجواب على ذلك أن يقال: هناك مناسبة لفظية بلاغية؛ وهي أن الكلام إذا سار على نسق واحد فإن الإنسان ربما يغفل ولا يحدث شيء يوجب له الانتباه، فإذا جاء الشيء في غير موضعه المترقب صار ذلك أشد انتباهًا؛ لأنه تدركون مثلًا: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ثم تأتي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ سبحان الله ويش لون هذا؟ فهذا يوجب أيش؟ * طالب: الانتباه. * الشيخ: الانتباه. ثانيًا: أن المحافظة على الصلوات تُعين الإنسان على تنفيذ هذه الأحكام الشرعية؛ لأن الله يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، فإذا قام الإنسان بالمحافظة على صلواته سهل عليه أن يلتزم هذه الحدود، التي كما رأيتم من قبل يُكرر الله فيها ذكر الحدود والتقوى وما أشبه ذلك. ثالثًا: أنه ربما إذا تشاغل الإنسان في أحكام تتعلق به شخصيًّا كمسألة النكاح والطلاق والعدة وما أشبه ذلك ربما ينسى ما يكون خاصًّا لله مثل الصلاة فنُبِّه على ذلك بين هذه الأحكام المتقاربة والمتشابهة. فهذه ثلاثة أوجه من الحكمة التي بلغتنا، ولله عز وجل حِكم فوق ما ندركه، ربما يكون هناك حِكم أخرى أعظم وأبلغ مما ذكرناه الآن، إنما على كل حال ذكر هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ إلى آخره، ذكرها في هذا الموضع لا شك أنه يوجب التساؤل، لا لأن الإنسان شاكّ في حكمة الله، ولكن لأن الإنسان يريد أن يعرف الحكمة والأسرار في هذا القرآن العظيم. نرجع الآن إلى قوله: ﴿حَافِظُوا﴾ ولم يقل: احفظوا، والمحافظة على الشيء بمعنى العناية به والملازمة له؛ بمعنى أن الإنسان يكون دائمًا محافظًا عليها، وهو أبلغ من قولك: احفظ الصلاة، بدليل أنك لو أعطيتني وديعة وقلت: يا أخي حافظ عليها، أو قلت: هذه وديعة احفظها، أيهما أبلغ؟ * الطلبة: حافظ عليها. * الشيخ: (حافظ عليها) أبلغ، فلهذا جاء في الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾. وقوله: ﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الصلوات جمع (صَلاة)، وهي معرفة عند الفقهاء بماذا؟ * الطلبة: بأنها أقوال وأعمال مفتتحة بالتكبير. * الشيخ: بأنها أقوال * طالب: وأفعال.. * الشيخ: هذا ناقص جدًّا، والصواب أنها عبادة، عبادة ذات أقوال، أو التعبد لله تعالى بأقوال وأعمال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهذا أمر يجب عليكم أن تنتبهوا له: أن التعاريف في العبادات الشرعية لا بد أن تقرن فيها العبادة حتى لا تكون أعمالًا جافة، أنت لو قلت: هي أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم ما يشعر الإنسان المخاطَب بأنها عبادة، لكن إذا قلت: التعبد لله، أو عبادة ذات أقوال وأفعال صار هذا أبلغ، وحتى يستحضر الإنسان أنه في هذه الصلاة متعبد لله. وقوله: ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ قلت: إنها جمع صلاة، وهي لغةً: الدعاء، وشرعًا: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. وكلمة ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ هذه عامة تشمل النوافل والفرائض؛ لأن النوافل وإن كان الإنسان لا يأثم بتركها لكنها مهمة بالنسبة للفرائض، من مهمتها أنها تكمل النقص الذي في الفرائض، وأينا لم يؤدِّ الفريضة على وجه ناقص؟! فنحتاج إلى ما يتمم هذه الفرائض، ومنها النوافل، الحمد لله أن الله شرعها. وقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الصواب أن العطف هنا للمغايرة وليس عطف تفسير كما قيل، ولكنه عطف مغاير، مغاير بالذات ولَّا بالصفة؟ * طالب: بالصفة. * الشيخ: بالصفة؛ لأن الصلاة الوسطى، وسطى بمعنى فُضلى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] أي: أمةً عدلًا خيارًا مفضلة، فـ﴿الْوُسْطَى﴾ هنا بمعنى الفُضلى، فهي معطوفة على ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ باعتبار تغاير الوصف، فما هي هذه الوسطى؟ اختلف فيها أهل العلم على أقوال متعددة، ولكنه سبق لنا في مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أولى ما يُفسَّر به القرآن أن يُفسَّر بالقرآن ثم بالسنة، وهنا جاءت السنة صريحة صحيحة بأن المراد بالوسطى صلاة العصر[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٣١) ومسلم (٦٢٧ / ٢٠٥) من حديث علي.]]. وعلى هذا فإنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ولا يمكن أن نلتفت إلى قول سوى هذا القول؛ لأن الذي فسر لنا هذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أعلم الناس بما أراد الله؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] وعلى هذا فالصلاة الوسطى -بلا شك- هي صلاة العصر، وأمر الله بالمحافظة عليها بذاتها؛ لأنها ذات فضل عظيم، وفيها أجر عظيم هي والفجر كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤) ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله.]]. الصلاة اللي قبل طلوع الشمس هي الفجر، والتي قبل الغروب هي العصر، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٠٢) ومسلم (٢٨٨٦ / ١١) بلفظ: «مِنَ الصَّلاةِ صَلاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأنَّمَا وُتِرَ أهلَه ومَالَه» من حديث جرير بن عبد الله.]] وعلى هذا فهي أفضل الصلوات، فهي الوسطى بدليل تفسير النبي ﷺ. وقد مر علينا: إذا عُطف الخاص على العام فهل ذلك ذِكر له مرتين أو ذِكر له مرة واحدة؟ والصحيح أنه ذكر له مرتين: مرة على سبيل العموم ومرة على سبيل الخصوص، وتخصيصه بالذكر مع دخوله في العموم يدل على العناية به وفضله، وهنا قال الله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ ولم يُبيِّن عز وجل كيف المحافظة، ولكنها بُيِّنت في آيات أخرى وفي سنة الرسول ﷺ؛ فمنها: المحافظة على الأوقات؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء ٧٨]. ومنها: المحافظة على الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء ١٠٢]. ومنها: المحافظة على ركوعها وسجودها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج ٧٧]. ومنها: المحافظة على قيامها؛ لقوله تعالى هنا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. ومنها: المحافظة على القراءة فيها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل ٢٠]. ومنها: المحافظة على ستر العورة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف ٣١] إلى غير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة من الأوامر المتعلقة بالصلاة، فإنها كلها داخلة في قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ﴿قُومُوا لِلَّهِ﴾ هذا أمر ولا إشكال فيه. وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ اللام هذه يصح أن تكون للتعليل؛ أي: قوموا لأجل الله، وإذا كانت للتعليل فإنها تحتمل معاني: المعنى الأول: قوموا ممتثلين لأمر الله، يصح هذا الوجه ولَّا ما يصح؟ * الطلبة: يصح. * الشيخ: ﴿قُومُوا لِلَّهِ﴾ مثلما تقول: افعل هذا لله؛ أي: لأن الله أمركم. ثانيًا: أن تكون اللام هنا للاختصاص، أو للتخصيص؛ أي: قوموا مخلصين لله، يصلح أو ما يصلح؟ * الطلبة: يصلح. * الشيخ: يصلح؛ حتى لا يكون في عبادتك شرك ولو بالرياء، فقم لله تعالى في صلاتك مخلصًا له. ويحتمل أن تكون اللام هنا للتعليل بمعنى التعظيم؛ يعني: قم معظِّمًا لله كما يقوم الناس يعظم بعضهم بعضًا بالقيام، وكل هذه معانٍ صحيحة ولا يناقض بعضها بعضًا. وفي قوله: ﴿قُومُوا﴾ هل المراد بالقيام هنا المكث على الشيء، أو المراد به القيام على القدمين؟ العلماء يستدلون بهذه الآية على ركنية القيام في صلاة الفريضة، يستدلون بها، وبناءً على هذا الاستدلال يكون القيام هنا القيام على القدمين، فحينئذٍ نقول: ﴿قُومُوا لِلَّهِ﴾ أي: واقفين. وقوله: ﴿قَانِتِينَ﴾ إعرابها واضح للجميع أظن، وهي؟ * الطلبة: حال. * الشيخ: حال من؟ * الطلبة: الواو. * الشيخ: من الواو في ﴿قُومُوا﴾ أي: حال كونكم قانتين. والقنوت يطلق على عدة معانٍ: منها: دوام العبادة والطاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠]، ومثالها أيضًا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. [الزمر: ٩]. ويُطلق القنوت على الخشوع، وهو السكون تعظيمًا لمن قنتَّ له، وعليه يدل سبب نزول الآية؛ فإن الناس كانوا يُكلم بعضهم بعضًا وهو إلى جنبه في الصلاة، يخاطبه مخاطبة عادية حتى أنزل الله ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأُمروا بالسكوت ونُهوا عن الكلام. إذن فهو خشوع القلب الذي يظهر فيه خشوع الجوارح ومنها اللسان حتى لا يتكلم الإنسان إلا فيما يتعلق بصلاته، وكذلك لا يفعل إلا ما يتعلق بصلاته. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٩] خفتم من أيش؟ أي خفتم من القيام لله قانتين، أو خفتم من المحافظة الواجبة بأن أخافكم عدو أو مرض أو ما أشبه ذلك مما يخاف منه الإنسان. وهل المراد الخوف من المكروه، أو يشمل حتى الخوف على فوات المطلوب؟ لا شك أن ظاهر الآية المعنى الأول: الخوف من المكروه؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، ولكن بعض أهل العلم ذكر أنه يشمل الخوف من فوات المطلوب، حتى قالوا: إن الرجل لو أحرم بالحج وخاف أن يفوته الوقوف بعرفة فإنه يجوز له أن يصلي صلاة الخوف على راحلته؛ لأن هذا فوات مطلوب ويعظم على المرء فواته، فيكون كالخوف من حصول المكروه. يقول عز وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾ يعني لا نساء؟ * الطلبة: لا، راجِلين. * الشيخ: الدليل قوله؟ * الطلبة: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾. * الشيخ: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾، وهذا من طُرق التفسير أن تُفسر الكلمة بما يقابل ما جُعلت قسيمًا لها. أو لا؟ فهنا ﴿رِجَالًا﴾ يعني: لا ركبانًا؛ أي: على أرجلكم، وهي جمع (راجِل)، والراجل: الذي يمشي على رجليه، والرجال هنا بالآية: الذين يمشون على أرجلهم، بخلاف الرجال في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] فإن المراد بهم الذكور، أليس كذلك؟ لأنه قال: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾، وهذه الطريقة؛ أعني طريقة تفسير القرآن بما يقابل ذكر القسيم، هذه مفيدة لطالب العلم، وقد مثَّلنا من قبل بقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]؛ لأن (ثُبات) يبعد فهمها، في الواقع أن المراد بثبات أيش؟ الوحدان، فُرَادى أو انفروا جميعًا. طيب ﴿رِجَالًا﴾ ويش إعرابها؟ * طالب: حال. * الشيخ: ﴿رِجَالًا﴾ حال؟ انتبه، يصلح أن تكون حالًا؟ الحال وصف، نناقش في كلمة وصف. * طالب: مؤول. * طالب آخر: رجل. * الشيخ: هذه رجل، ما هي وصف أو لا؟ كلمة رجل أو رجالًا الجمع هذه ما هي وصف، اسم جامد، ولكن نقول: إنه مؤول؟ نعم، نقول: إنه مؤول، أو نقول: إنه وصف لأنه جمع أيش؟ راجِل، وراجِل اسم فاعل، فيكون وصفًا. على كل حال هي إعرابها -كما قلتم- حال، إعرابها حال. ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: راكبين، وركبان جمع (راكِب)، يعني: إن خفتم فلم تتمكنوا من المحافظة ولا من القيام فإنكم تُصلُّون رجالًا أو ركبانًا. كلمة ﴿رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ تعني أن الإنسان يصلي ولو كان يمشي، أوْ لا؟ هو بيتحرك وبيمشي؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: حركة كثيرة ولا قليلة؟ * الطلبة: كثيرة. * الشيخ: ربما تكون كثيرة، نعم، وربما تكون قليلة، حسب ما تقتضيه الحال، لكن الحركة هنا لا تبطل الصلاة لأجل الضرورة. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ شوف ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ مقابل الخوف؛ يعني: زال الخوف عنكم ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الكلام الآن في الصلاة ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ كيف قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾؟ الجواب على ذلك: لأن الصلاة ذكر من أفضل الذكر؛ قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]، قال بعض المفسرين: ولَمَا فيها من ذكر اللهِ أكبرُ وأعظمُ من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وعلى كل حال فالصلاة -بلا شك- من ذِكر الله؛ لأنها مشتملة على ذكر الله بأنواع من التعظيم والذكر؛ فيها قيام وقعود وركوع وسجود وقرآن وتسبيح وتكبير ودعاء، ولَّا لا؟ فهي مشتملة على روضة من رياض الذكر. وقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ الكاف هنا للتعليل ولَّا للتشبيه؟ * الطلبة: للتشبيه. * طالب: يجوز الاثنان. * الشيخ: نعم، فيها وجهان: الوجه الأول أنها للتعليل؛ أي: فاذكروا الله لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمون، فتكون الكاف هنا للتعليل كما هي في قوله تعالى فيما مر علينا: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة ١٨٥]، ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة ١٩٨]، فهنا ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ يحتمل أن تكون الكاف للتشبيه ويحتمل أن تكون للتعليل؛ أما للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الصفة التي دلكم عليها، وهي أن تكون صلاة أمْن لا صلاة خوف. مرة ثانية نعيد هذا، نقول: الكاف في قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ يحتمل أن تكون للتعليل كما هي في قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾، ويحتمل أن تكون للتشبيه؛ فعلى الأول يكون المعنى: اذكروا الله شكرًا له على ما علَّمكم، وعلى الثاني يكون: اذكروا الله على الوصف الذي علمكم، ولهذا قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. وإذا نظرت إلى سياق الآية فإنه يترجح عندك أن التعليل أقرب؛ لأنه قال: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، فلتعليمه إيَّانا ما لم نعلم يجب علينا أن نذكره. * طالب: ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا﴾ الـ(ما) هنا الموجودة (...) أو موصولة؟ * الشيخ: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾. * الطالب: ﴿مَا لَمْ﴾ ما؟ * الشيخ: ﴿مَا﴾ هذه (ما) اسم موصول؛ يعني: كما علمكم الذي لم تكونوا تعلمون، وحينئذٍ نحتاج إلى الرابط، قصدي العائد الذي يعود على الموصول. * الطلبة: محذوف. * الشيخ: محذوف تقديره: ما لم تكونوا تعلمونه. نعود إلى الفوائد: أولًا: وجوب المحافظة على الصلوات؛ لقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، فإن قلت: إنك ذكرت في التفسير أن الصلوات عامة للفرائض والنوافل، فهل المحافظة على النوافل واجبة؟ * طالب: لا. * الشيخ: قلنا: أما أداؤها على الوصف الذي جاءت به فهو واجب؛ لو أن أحدًا أراد أن يصلي نافلة وبدأ يسجد قبل أن يركع أو يسجد على يد واحدة أو على رجل واحدة كان ذلك حرامًا؛ لأنه استهزأ بآيات الله، وأما إذا كان المراد المحافظة على النفل أن يؤدى كما أُمر ولكنه لازم أن يحافظ عليه فإن هذا من باب استعمال المشترك في معنيين، أو لا؟ لأن المحافظة هنا تكون واجبة وتكون مستحبّة، فهي بالنسبة للفرائض واجبة لكل حال، وبالنسبة للنوافل مستحبة إذا أداها على الوجه المشروع، أما إذا أدَّاها على وجه آخر فهي حرام، والمحافظة على الوجه المشروع واجبة. * ومن فوائد الآية: فضيلة صلاة العصر، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ حيث خصَّها بعد التعميم. ومنها: وجوب القيام؛ لقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾. ومنها: وجوب الإخلاص؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ﴾. ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا تعبّد لله أن يستشعر أمر الله بناءً على المعنى الذي أشرنا إليه في اللام أنك تقوم ممتثلًا لأمر الله، وهذه أقول: إنها تفوتنا كثيرًا، يفوتنا كثيرًا عندما نقوم لله تعالى بعبادة أن نشعر بأننا نقوم بها امتثالًا لأمر الله، هذا يفوتنا كثيرًا، نعم، نحن نقوم بهذا على أنه واجب، لكن ما نستشعر كأن الله يأمرنا به، وإذا استشعرنا بأن الله يأمرنا به صار ذلك أفيد لنا وأصلح لقلوبنا. وهل يدخل في ذلك؛ في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، أنه يجب أن نأتي بالصلاة على وجه متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وجهه أنه إذا كان قيامنا امتثالًا لأمر الله فقد أمرنا الله أن نتأسى برسوله وأن نتبعه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[[أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب القنوت لله، وهو خشوع القلب الذي يظهر منه سكون الجوارح؛ لقوله: ﴿قَانِتِينَ﴾، وليس هذا القنوت قنوت الوتر، لا، هذا القنوت -كما أشرنا إليه- هو خشوع، خشوع القلب؛ بدليل أنه لما نزلت مُنعوا من الكلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الكلام في حال الصلاة اعتمادًا على أيش؟ * الطلبة: سبب النزول. * الشيخ: على سبب النزول؛ لأن سبب النزول يدل على أنه يحرم أن نتكلم في الصلاة. والتكلم في الصلاة محرّم حتى وإن كان لتنبيه الإمام؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا؟ يعني لو زاد الإمام ركعة يعني وقلنا له: سبحان الله ولا فهم، فقلنا له: زدت ركعة. * طالب: لا يجوز. * طالب آخر: هذا من جنس الصلاة. * الشيخ: لا، الإخوان يقولون: ما يخالف، لا، هذا يقول: للصلاة، لمصلحة الصلاة؟ * الطالب: من جنس الصلاة، يقال: من جنس الصلاة. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: يعني آية قرآنية مثلًا. * الشيخ: إي، لا، إحنا نقول: الكلام، القرآن ما يدخل في الكلام، كلام الله القرآن ما هو كلام الآدميين، والمراد كلام الآدميين. نقول: لا يجوز كلام الآدميين حتى فيما يتعلق بمصلحة الصلاة، حتى لو أن الإمام اختلط عليه الأمر فلم يدرِ ما يقول ولم يدرِ ما يفعل لا تنبهه بكلام الآدميين، أما بكلام الله عز وجل بأن تقرأ آية تشير إلى ذلك وتقصد القراءة فهذا لا بأس به. لو أن الإنسان تكلم بغير قصد، ما قَصَد الكلام؛ مثل: استأذن عليه رجل وهو يصلي وعلى العادة قال: ادخل، أيش تقولون؟ * الطلبة: لا بأس. * الشيخ: هو فيه بأس، لكن هل يبطل الصلاة ولَّا لا؟ * الطلبة: لا يبطل الصلاة. * الشيخ: ليش؟ * الطلبة: لأنه بغير اختياره. * الشيخ: لأنه بغير اختياره. لو أنه وقع عليه شيء وقال: أح؟ * الطلبة: كذلك. ليس اختياريًّا، لو تكلم جاهل يحسب أن الكلام لا بأس به. * طالب: والصحيح هذا؟ * الشيخ: إيه الصحيح أنها لا تبطل صلاته ودليل ذلك« حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه حينما دخل مع النبي ﷺ وهو يصلي بالناس فعطس رجل فقال: الحمد لله، فقال له معاوية: يرحمك الله، فرماه الناس بأبصارهم ينظرون إليه فقال: وَاثُكْلَى أُمِّيَاهْ! رضي الله عنه، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت، ولما سلم الرسول ﷺ دعاه قال معاوية بن الحكم رضي الله عنه: فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا أحسن تعليمًا منه، والله ما كَهَرَنِي ولا نَهَرَني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التكبير والتحميد وقراءة القرآن »[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]] أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة، ولو كان ذلك مبطلًا لأمره بالإعادة كما أمر الذي كان لا يطمئن في صلاته أمره أن يعيدها. وكذلك لو تكلم ناسيًا فإنه. * طالب: لا تبطل صلاته. * الشيخ: لا تبطل صلاته. لو تكلم موسوسًا، فيه بعض الناس موسوس، أتاه الشيطان ووسوس له ومع كثرة الوسوسة بدأ يتكلم، ما تقولون؟ * طالب: (...) يا شيخ، مغلوب. * الشيخ: مغلوب على أمره؛ يعني بعض الناس -والعياذ بالله- يخليه الشيطان ينطق بما أراد، لا سيما فيما يتعلق في مسألة الطلاق، دائمًا يجيء ناس يستفتون يقول إنه طلق زوجته غصبًا عليه، ما أراد، لكن أجرى الشيطان على لسانه هذا الكلام، فالمهم أن الكلام لا يُبطل الصلاة إلا إذا كان من عالم ذاكر غير مغلوب عليه، فأما إذا كان عن جهل أو نسيان أو غلبة فإنه لا يبطل؛ لأن هناك قاعدة عند أهل العلم يقولون: إن فعل المحظور مع العذر لا أثر له، ولا يترتب عليه شيء، كل المحظورات مع العذر لا يترتب عليها شيء، وهذه القاعدة تنفعك هنا وفي غيرها حتى محظورات الإحرام حتى الجماع، لو جامع الإنسان قبل التحلل الأول ناسيًا أو جاهلًا فإن حجه صحيح وليس عليه شيء؛ لأن هذه قاعدة يعني مؤسسة على أصل وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمَْ﴾ [الأحزاب ٥]، وقوله في الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة ٩٥]. فكل المحظورات إذا فعلها الإنسان وهو معذور فيها فإنه لا أثر لها ولا حكم لها. * الشيخ: القنوط. ومن فوائد الآية الثانية. * طالب: هل تستطيعون (…)؟ * الشيخ: ما أدري إذا كان العلاج بالصلاة. * الطالب: كيف ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، يعني ما يقصد بها (…)؟ * الشيخ: وجوب القيام، وجوب الإخلاص، وتحريم الكلام، هذي ثلاث فوائد. * طالب: هل الأمر القيام على إطلاقه يعني؟ * الشيخ: ويستثنى من هذا النفل (...) إذا لم تستدل عليه. هذه في وجوب القيام يجب أن يستثنى من ذلك صلاة النافلة لدلالة السنة على جوازها من قاعد، هذا إذا جعلنا ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ في ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ عامة﴾، وإن جعلناها خاصة بالفرائض فلا استثناء. * طالب: إذن المراد. * الشيخ: يستثنى من هذا (...) يستثنى منها النافلة لدلالة السنة على جوازها من قاعد إلا أن يكون المراد بالصلوات الفرائض فلا استثناء. ويؤخذ من الآية الثانية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وأن هذا الدين يسر؛ لأن هذا من التيسير على العباد. ويستفاد منها أيضًا: جواز الحركة الكثيرة للضرورة لقوله: ﴿فَرِجَالًا﴾ لأن الراجل سوف يتحرك بحركة كثيرة؛ المشي. ويستفاد منها: جواز الصلاة على الراحلة في حال الخوف لقوله: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ كذا؟ أما في حال الأمن فلا تجوز الصلاة على الراحلة إلا النافلة، إلا إذا تمكن من الإتيان بالصلاة على وجه التمام فإنه يجوز، ولهذا جوزنا الصلاة في السفينة وفي القطار وما أشبه ذلك؛ لأنه سيأتي به على وجه التمام، أما على الراحلة الأخرى من بعير وسيارة فإنه لا يجوز، وكذلك الطيارة فإنه لا يجوز أن يصلي عليها الفريضة؛ لأنه لن يتأتى منه أن يصليها على الكمال. * طالب: حتى في الطائرة يا شيخ؟ * الشيخ: ما يتمكن أن يأتي بها على التمام، إذا تمكنت تقوم وتركع وتسجد فذاك، لكن ما تفعل، أما إذا خفت خروج الوقت تصلي علي أي حال يا أخي، هذه ما هي واردة، إذا خاف الإنسان خروج الوقت يصلي على أي حال ولو مضطجعًا وفي أي مكان. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أنه يجب على المرء القيام بالطاعة على التمام متى زال العذر، أن يجب عليه أن يقوم بالطاعة أو بالعبادة على التمام متى زال العذر لقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٣٩]. ومن فوائدها أيضًا: أن الصلاة من الذكر لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ والكلام هنا في الصلاة. ومن فوائدها أيضًا: بيان منة الله علينا في العلم لقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. ومن فوائدها أيضًا: بيان نقص الإنسان لكون الأصل فيه الجهل، حيث قال: ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان الجهل حتى يعلمه الله عز وجل. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستحل لعمله وعلمه لقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾. والرد على الجبرية أيضًا لتوجيه الأوامر إلى الإنسان لقوله: ﴿حَافِظُوا﴾ و﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ وما أشبهها؛ لأننا لو قلنا بأن العبد مجبور صار توجيه الخطاب إليه من تكليف ما لا يطاق ولا يمكن تطبيقه، وهل يستفاد منها وجوب صلاة الجماعة؟ * الطلبة: ذكرت في الآية. * الشيخ: لا. * طالب: (...) ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾. * الشيخ: إن قلنا: يستفاد وجوب الجماعة وأن الخطاب موجه للجميع صار معناه أن الخائف الواحد لا يصلي راجلًا ولا راكبًا، ولكن هذه كسائر الخطابات تُوجه للعموم وإن كانت تتناول الفرق. ثم قال تعالى. * طالب: شيخ، لو صعب عليه استقبال القبلة في حالة الجو الغائم؟ * الشيخ: إي نعم، يسقط استقبال القبلة، وربما يستفاد من هذا مع أنه ما تعرض الله تعالى في الآيات لاستقبال القبلة إطلاقًا، ما ذكر.

البقرة 2:239

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. أولًا: هذه الآية جاءت بين أحكام النساء وعدتهن ومهورهن وما يتعلق بذلك، مع أن الصلاة من العبادات الخاصة بالله عز وجل، ونحن نعلم أن الترتيب في الآيات توقيفي؛ يعني أنه بأمر الله ورسوله، فما وجه كون هذه الآيات؛ الأمر بالمحافظة على الصلاة بين آيات تتحدث عن النساء وأحكامهن؟ الجواب على ذلك أن يقال: هناك مناسبة لفظية بلاغية؛ وهي أن الكلام إذا سار على نسق واحد فإن الإنسان ربما يغفل ولا يحدث شيء يوجب له الانتباه، فإذا جاء الشيء في غير موضعه المترقب صار ذلك أشد انتباهًا؛ لأنه تدركون مثلًا: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ثم تأتي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ سبحان الله ويش لون هذا؟ فهذا يوجب أيش؟ * طالب: الانتباه. * الشيخ: الانتباه. ثانيًا: أن المحافظة على الصلوات تُعين الإنسان على تنفيذ هذه الأحكام الشرعية؛ لأن الله يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، فإذا قام الإنسان بالمحافظة على صلواته سهل عليه أن يلتزم هذه الحدود، التي كما رأيتم من قبل يُكرر الله فيها ذكر الحدود والتقوى وما أشبه ذلك. ثالثًا: أنه ربما إذا تشاغل الإنسان في أحكام تتعلق به شخصيًّا كمسألة النكاح والطلاق والعدة وما أشبه ذلك ربما ينسى ما يكون خاصًّا لله مثل الصلاة فنُبِّه على ذلك بين هذه الأحكام المتقاربة والمتشابهة. فهذه ثلاثة أوجه من الحكمة التي بلغتنا، ولله عز وجل حِكم فوق ما ندركه، ربما يكون هناك حِكم أخرى أعظم وأبلغ مما ذكرناه الآن، إنما على كل حال ذكر هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ إلى آخره، ذكرها في هذا الموضع لا شك أنه يوجب التساؤل، لا لأن الإنسان شاكّ في حكمة الله، ولكن لأن الإنسان يريد أن يعرف الحكمة والأسرار في هذا القرآن العظيم. نرجع الآن إلى قوله: ﴿حَافِظُوا﴾ ولم يقل: احفظوا، والمحافظة على الشيء بمعنى العناية به والملازمة له؛ بمعنى أن الإنسان يكون دائمًا محافظًا عليها، وهو أبلغ من قولك: احفظ الصلاة، بدليل أنك لو أعطيتني وديعة وقلت: يا أخي حافظ عليها، أو قلت: هذه وديعة احفظها، أيهما أبلغ؟ * الطلبة: حافظ عليها. * الشيخ: (حافظ عليها) أبلغ، فلهذا جاء في الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾. وقوله: ﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الصلوات جمع (صَلاة)، وهي معرفة عند الفقهاء بماذا؟ * الطلبة: بأنها أقوال وأعمال مفتتحة بالتكبير. * الشيخ: بأنها أقوال * طالب: وأفعال.. * الشيخ: هذا ناقص جدًّا، والصواب أنها عبادة، عبادة ذات أقوال، أو التعبد لله تعالى بأقوال وأعمال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهذا أمر يجب عليكم أن تنتبهوا له: أن التعاريف في العبادات الشرعية لا بد أن تقرن فيها العبادة حتى لا تكون أعمالًا جافة، أنت لو قلت: هي أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم ما يشعر الإنسان المخاطَب بأنها عبادة، لكن إذا قلت: التعبد لله، أو عبادة ذات أقوال وأفعال صار هذا أبلغ، وحتى يستحضر الإنسان أنه في هذه الصلاة متعبد لله. وقوله: ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ قلت: إنها جمع صلاة، وهي لغةً: الدعاء، وشرعًا: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. وكلمة ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ هذه عامة تشمل النوافل والفرائض؛ لأن النوافل وإن كان الإنسان لا يأثم بتركها لكنها مهمة بالنسبة للفرائض، من مهمتها أنها تكمل النقص الذي في الفرائض، وأينا لم يؤدِّ الفريضة على وجه ناقص؟! فنحتاج إلى ما يتمم هذه الفرائض، ومنها النوافل، الحمد لله أن الله شرعها. وقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الصواب أن العطف هنا للمغايرة وليس عطف تفسير كما قيل، ولكنه عطف مغاير، مغاير بالذات ولَّا بالصفة؟ * طالب: بالصفة. * الشيخ: بالصفة؛ لأن الصلاة الوسطى، وسطى بمعنى فُضلى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] أي: أمةً عدلًا خيارًا مفضلة، فـ﴿الْوُسْطَى﴾ هنا بمعنى الفُضلى، فهي معطوفة على ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ باعتبار تغاير الوصف، فما هي هذه الوسطى؟ اختلف فيها أهل العلم على أقوال متعددة، ولكنه سبق لنا في مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أولى ما يُفسَّر به القرآن أن يُفسَّر بالقرآن ثم بالسنة، وهنا جاءت السنة صريحة صحيحة بأن المراد بالوسطى صلاة العصر[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٣١) ومسلم (٦٢٧ / ٢٠٥) من حديث علي.]]. وعلى هذا فإنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ولا يمكن أن نلتفت إلى قول سوى هذا القول؛ لأن الذي فسر لنا هذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أعلم الناس بما أراد الله؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] وعلى هذا فالصلاة الوسطى -بلا شك- هي صلاة العصر، وأمر الله بالمحافظة عليها بذاتها؛ لأنها ذات فضل عظيم، وفيها أجر عظيم هي والفجر كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤) ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله.]]. الصلاة اللي قبل طلوع الشمس هي الفجر، والتي قبل الغروب هي العصر، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٠٢) ومسلم (٢٨٨٦ / ١١) بلفظ: «مِنَ الصَّلاةِ صَلاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأنَّمَا وُتِرَ أهلَه ومَالَه» من حديث جرير بن عبد الله.]] وعلى هذا فهي أفضل الصلوات، فهي الوسطى بدليل تفسير النبي ﷺ. وقد مر علينا: إذا عُطف الخاص على العام فهل ذلك ذِكر له مرتين أو ذِكر له مرة واحدة؟ والصحيح أنه ذكر له مرتين: مرة على سبيل العموم ومرة على سبيل الخصوص، وتخصيصه بالذكر مع دخوله في العموم يدل على العناية به وفضله، وهنا قال الله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ ولم يُبيِّن عز وجل كيف المحافظة، ولكنها بُيِّنت في آيات أخرى وفي سنة الرسول ﷺ؛ فمنها: المحافظة على الأوقات؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء ٧٨]. ومنها: المحافظة على الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء ١٠٢]. ومنها: المحافظة على ركوعها وسجودها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج ٧٧]. ومنها: المحافظة على قيامها؛ لقوله تعالى هنا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. ومنها: المحافظة على القراءة فيها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل ٢٠]. ومنها: المحافظة على ستر العورة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف ٣١] إلى غير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة من الأوامر المتعلقة بالصلاة، فإنها كلها داخلة في قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ﴿قُومُوا لِلَّهِ﴾ هذا أمر ولا إشكال فيه. وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ اللام هذه يصح أن تكون للتعليل؛ أي: قوموا لأجل الله، وإذا كانت للتعليل فإنها تحتمل معاني: المعنى الأول: قوموا ممتثلين لأمر الله، يصح هذا الوجه ولَّا ما يصح؟ * الطلبة: يصح. * الشيخ: ﴿قُومُوا لِلَّهِ﴾ مثلما تقول: افعل هذا لله؛ أي: لأن الله أمركم. ثانيًا: أن تكون اللام هنا للاختصاص، أو للتخصيص؛ أي: قوموا مخلصين لله، يصلح أو ما يصلح؟ * الطلبة: يصلح. * الشيخ: يصلح؛ حتى لا يكون في عبادتك شرك ولو بالرياء، فقم لله تعالى في صلاتك مخلصًا له. ويحتمل أن تكون اللام هنا للتعليل بمعنى التعظيم؛ يعني: قم معظِّمًا لله كما يقوم الناس يعظم بعضهم بعضًا بالقيام، وكل هذه معانٍ صحيحة ولا يناقض بعضها بعضًا. وفي قوله: ﴿قُومُوا﴾ هل المراد بالقيام هنا المكث على الشيء، أو المراد به القيام على القدمين؟ العلماء يستدلون بهذه الآية على ركنية القيام في صلاة الفريضة، يستدلون بها، وبناءً على هذا الاستدلال يكون القيام هنا القيام على القدمين، فحينئذٍ نقول: ﴿قُومُوا لِلَّهِ﴾ أي: واقفين. وقوله: ﴿قَانِتِينَ﴾ إعرابها واضح للجميع أظن، وهي؟ * الطلبة: حال. * الشيخ: حال من؟ * الطلبة: الواو. * الشيخ: من الواو في ﴿قُومُوا﴾ أي: حال كونكم قانتين. والقنوت يطلق على عدة معانٍ: منها: دوام العبادة والطاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠]، ومثالها أيضًا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. [الزمر: ٩]. ويُطلق القنوت على الخشوع، وهو السكون تعظيمًا لمن قنتَّ له، وعليه يدل سبب نزول الآية؛ فإن الناس كانوا يُكلم بعضهم بعضًا وهو إلى جنبه في الصلاة، يخاطبه مخاطبة عادية حتى أنزل الله ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأُمروا بالسكوت ونُهوا عن الكلام. إذن فهو خشوع القلب الذي يظهر فيه خشوع الجوارح ومنها اللسان حتى لا يتكلم الإنسان إلا فيما يتعلق بصلاته، وكذلك لا يفعل إلا ما يتعلق بصلاته. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٩] خفتم من أيش؟ أي خفتم من القيام لله قانتين، أو خفتم من المحافظة الواجبة بأن أخافكم عدو أو مرض أو ما أشبه ذلك مما يخاف منه الإنسان. وهل المراد الخوف من المكروه، أو يشمل حتى الخوف على فوات المطلوب؟ لا شك أن ظاهر الآية المعنى الأول: الخوف من المكروه؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، ولكن بعض أهل العلم ذكر أنه يشمل الخوف من فوات المطلوب، حتى قالوا: إن الرجل لو أحرم بالحج وخاف أن يفوته الوقوف بعرفة فإنه يجوز له أن يصلي صلاة الخوف على راحلته؛ لأن هذا فوات مطلوب ويعظم على المرء فواته، فيكون كالخوف من حصول المكروه. يقول عز وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾ يعني لا نساء؟ * الطلبة: لا، راجِلين. * الشيخ: الدليل قوله؟ * الطلبة: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾. * الشيخ: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾، وهذا من طُرق التفسير أن تُفسر الكلمة بما يقابل ما جُعلت قسيمًا لها. أو لا؟ فهنا ﴿رِجَالًا﴾ يعني: لا ركبانًا؛ أي: على أرجلكم، وهي جمع (راجِل)، والراجل: الذي يمشي على رجليه، والرجال هنا بالآية: الذين يمشون على أرجلهم، بخلاف الرجال في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤] فإن المراد بهم الذكور، أليس كذلك؟ لأنه قال: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾، وهذه الطريقة؛ أعني طريقة تفسير القرآن بما يقابل ذكر القسيم، هذه مفيدة لطالب العلم، وقد مثَّلنا من قبل بقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]؛ لأن (ثُبات) يبعد فهمها، في الواقع أن المراد بثبات أيش؟ الوحدان، فُرَادى أو انفروا جميعًا. طيب ﴿رِجَالًا﴾ ويش إعرابها؟ * طالب: حال. * الشيخ: ﴿رِجَالًا﴾ حال؟ انتبه، يصلح أن تكون حالًا؟ الحال وصف، نناقش في كلمة وصف. * طالب: مؤول. * طالب آخر: رجل. * الشيخ: هذه رجل، ما هي وصف أو لا؟ كلمة رجل أو رجالًا الجمع هذه ما هي وصف، اسم جامد، ولكن نقول: إنه مؤول؟ نعم، نقول: إنه مؤول، أو نقول: إنه وصف لأنه جمع أيش؟ راجِل، وراجِل اسم فاعل، فيكون وصفًا. على كل حال هي إعرابها -كما قلتم- حال، إعرابها حال. ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: راكبين، وركبان جمع (راكِب)، يعني: إن خفتم فلم تتمكنوا من المحافظة ولا من القيام فإنكم تُصلُّون رجالًا أو ركبانًا. كلمة ﴿رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ تعني أن الإنسان يصلي ولو كان يمشي، أوْ لا؟ هو بيتحرك وبيمشي؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: حركة كثيرة ولا قليلة؟ * الطلبة: كثيرة. * الشيخ: ربما تكون كثيرة، نعم، وربما تكون قليلة، حسب ما تقتضيه الحال، لكن الحركة هنا لا تبطل الصلاة لأجل الضرورة. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ شوف ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ مقابل الخوف؛ يعني: زال الخوف عنكم ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الكلام الآن في الصلاة ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ كيف قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾؟ الجواب على ذلك: لأن الصلاة ذكر من أفضل الذكر؛ قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]، قال بعض المفسرين: ولَمَا فيها من ذكر اللهِ أكبرُ وأعظمُ من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وعلى كل حال فالصلاة -بلا شك- من ذِكر الله؛ لأنها مشتملة على ذكر الله بأنواع من التعظيم والذكر؛ فيها قيام وقعود وركوع وسجود وقرآن وتسبيح وتكبير ودعاء، ولَّا لا؟ فهي مشتملة على روضة من رياض الذكر. وقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ الكاف هنا للتعليل ولَّا للتشبيه؟ * الطلبة: للتشبيه. * طالب: يجوز الاثنان. * الشيخ: نعم، فيها وجهان: الوجه الأول أنها للتعليل؛ أي: فاذكروا الله لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمون، فتكون الكاف هنا للتعليل كما هي في قوله تعالى فيما مر علينا: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة ١٨٥]، ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة ١٩٨]، فهنا ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ يحتمل أن تكون الكاف للتشبيه ويحتمل أن تكون للتعليل؛ أما للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الصفة التي دلكم عليها، وهي أن تكون صلاة أمْن لا صلاة خوف. مرة ثانية نعيد هذا، نقول: الكاف في قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ يحتمل أن تكون للتعليل كما هي في قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾، ويحتمل أن تكون للتشبيه؛ فعلى الأول يكون المعنى: اذكروا الله شكرًا له على ما علَّمكم، وعلى الثاني يكون: اذكروا الله على الوصف الذي علمكم، ولهذا قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. وإذا نظرت إلى سياق الآية فإنه يترجح عندك أن التعليل أقرب؛ لأنه قال: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، فلتعليمه إيَّانا ما لم نعلم يجب علينا أن نذكره. * طالب: ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا﴾ الـ(ما) هنا الموجودة (...) أو موصولة؟ * الشيخ: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾. * الطالب: ﴿مَا لَمْ﴾ ما؟ * الشيخ: ﴿مَا﴾ هذه (ما) اسم موصول؛ يعني: كما علمكم الذي لم تكونوا تعلمون، وحينئذٍ نحتاج إلى الرابط، قصدي العائد الذي يعود على الموصول. * الطلبة: محذوف. * الشيخ: محذوف تقديره: ما لم تكونوا تعلمونه. نعود إلى الفوائد: أولًا: وجوب المحافظة على الصلوات؛ لقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، فإن قلت: إنك ذكرت في التفسير أن الصلوات عامة للفرائض والنوافل، فهل المحافظة على النوافل واجبة؟ * طالب: لا. * الشيخ: قلنا: أما أداؤها على الوصف الذي جاءت به فهو واجب؛ لو أن أحدًا أراد أن يصلي نافلة وبدأ يسجد قبل أن يركع أو يسجد على يد واحدة أو على رجل واحدة كان ذلك حرامًا؛ لأنه استهزأ بآيات الله، وأما إذا كان المراد المحافظة على النفل أن يؤدى كما أُمر ولكنه لازم أن يحافظ عليه فإن هذا من باب استعمال المشترك في معنيين، أو لا؟ لأن المحافظة هنا تكون واجبة وتكون مستحبّة، فهي بالنسبة للفرائض واجبة لكل حال، وبالنسبة للنوافل مستحبة إذا أداها على الوجه المشروع، أما إذا أدَّاها على وجه آخر فهي حرام، والمحافظة على الوجه المشروع واجبة. * ومن فوائد الآية: فضيلة صلاة العصر، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ حيث خصَّها بعد التعميم. ومنها: وجوب القيام؛ لقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾. ومنها: وجوب الإخلاص؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ﴾. ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا تعبّد لله أن يستشعر أمر الله بناءً على المعنى الذي أشرنا إليه في اللام أنك تقوم ممتثلًا لأمر الله، وهذه أقول: إنها تفوتنا كثيرًا، يفوتنا كثيرًا عندما نقوم لله تعالى بعبادة أن نشعر بأننا نقوم بها امتثالًا لأمر الله، هذا يفوتنا كثيرًا، نعم، نحن نقوم بهذا على أنه واجب، لكن ما نستشعر كأن الله يأمرنا به، وإذا استشعرنا بأن الله يأمرنا به صار ذلك أفيد لنا وأصلح لقلوبنا. وهل يدخل في ذلك؛ في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، أنه يجب أن نأتي بالصلاة على وجه متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وجهه أنه إذا كان قيامنا امتثالًا لأمر الله فقد أمرنا الله أن نتأسى برسوله وأن نتبعه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[[أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب القنوت لله، وهو خشوع القلب الذي يظهر منه سكون الجوارح؛ لقوله: ﴿قَانِتِينَ﴾، وليس هذا القنوت قنوت الوتر، لا، هذا القنوت -كما أشرنا إليه- هو خشوع، خشوع القلب؛ بدليل أنه لما نزلت مُنعوا من الكلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الكلام في حال الصلاة اعتمادًا على أيش؟ * الطلبة: سبب النزول. * الشيخ: على سبب النزول؛ لأن سبب النزول يدل على أنه يحرم أن نتكلم في الصلاة. والتكلم في الصلاة محرّم حتى وإن كان لتنبيه الإمام؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا؟ يعني لو زاد الإمام ركعة يعني وقلنا له: سبحان الله ولا فهم، فقلنا له: زدت ركعة. * طالب: لا يجوز. * طالب آخر: هذا من جنس الصلاة. * الشيخ: لا، الإخوان يقولون: ما يخالف، لا، هذا يقول: للصلاة، لمصلحة الصلاة؟ * الطالب: من جنس الصلاة، يقال: من جنس الصلاة. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: يعني آية قرآنية مثلًا. * الشيخ: إي، لا، إحنا نقول: الكلام، القرآن ما يدخل في الكلام، كلام الله القرآن ما هو كلام الآدميين، والمراد كلام الآدميين. نقول: لا يجوز كلام الآدميين حتى فيما يتعلق بمصلحة الصلاة، حتى لو أن الإمام اختلط عليه الأمر فلم يدرِ ما يقول ولم يدرِ ما يفعل لا تنبهه بكلام الآدميين، أما بكلام الله عز وجل بأن تقرأ آية تشير إلى ذلك وتقصد القراءة فهذا لا بأس به. لو أن الإنسان تكلم بغير قصد، ما قَصَد الكلام؛ مثل: استأذن عليه رجل وهو يصلي وعلى العادة قال: ادخل، أيش تقولون؟ * الطلبة: لا بأس. * الشيخ: هو فيه بأس، لكن هل يبطل الصلاة ولَّا لا؟ * الطلبة: لا يبطل الصلاة. * الشيخ: ليش؟ * الطلبة: لأنه بغير اختياره. * الشيخ: لأنه بغير اختياره. لو أنه وقع عليه شيء وقال: أح؟ * الطلبة: كذلك. ليس اختياريًّا، لو تكلم جاهل يحسب أن الكلام لا بأس به. * طالب: والصحيح هذا؟ * الشيخ: إيه الصحيح أنها لا تبطل صلاته ودليل ذلك« حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه حينما دخل مع النبي ﷺ وهو يصلي بالناس فعطس رجل فقال: الحمد لله، فقال له معاوية: يرحمك الله، فرماه الناس بأبصارهم ينظرون إليه فقال: وَاثُكْلَى أُمِّيَاهْ! رضي الله عنه، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت، ولما سلم الرسول ﷺ دعاه قال معاوية بن الحكم رضي الله عنه: فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا أحسن تعليمًا منه، والله ما كَهَرَنِي ولا نَهَرَني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التكبير والتحميد وقراءة القرآن »[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]] أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة، ولو كان ذلك مبطلًا لأمره بالإعادة كما أمر الذي كان لا يطمئن في صلاته أمره أن يعيدها. وكذلك لو تكلم ناسيًا فإنه. * طالب: لا تبطل صلاته. * الشيخ: لا تبطل صلاته. لو تكلم موسوسًا، فيه بعض الناس موسوس، أتاه الشيطان ووسوس له ومع كثرة الوسوسة بدأ يتكلم، ما تقولون؟ * طالب: (...) يا شيخ، مغلوب. * الشيخ: مغلوب على أمره؛ يعني بعض الناس -والعياذ بالله- يخليه الشيطان ينطق بما أراد، لا سيما فيما يتعلق في مسألة الطلاق، دائمًا يجيء ناس يستفتون يقول إنه طلق زوجته غصبًا عليه، ما أراد، لكن أجرى الشيطان على لسانه هذا الكلام، فالمهم أن الكلام لا يُبطل الصلاة إلا إذا كان من عالم ذاكر غير مغلوب عليه، فأما إذا كان عن جهل أو نسيان أو غلبة فإنه لا يبطل؛ لأن هناك قاعدة عند أهل العلم يقولون: إن فعل المحظور مع العذر لا أثر له، ولا يترتب عليه شيء، كل المحظورات مع العذر لا يترتب عليها شيء، وهذه القاعدة تنفعك هنا وفي غيرها حتى محظورات الإحرام حتى الجماع، لو جامع الإنسان قبل التحلل الأول ناسيًا أو جاهلًا فإن حجه صحيح وليس عليه شيء؛ لأن هذه قاعدة يعني مؤسسة على أصل وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمَْ﴾ [الأحزاب ٥]، وقوله في الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة ٩٥]. فكل المحظورات إذا فعلها الإنسان وهو معذور فيها فإنه لا أثر لها ولا حكم لها. * الشيخ: القنوط. ومن فوائد الآية الثانية. * طالب: هل تستطيعون (…)؟ * الشيخ: ما أدري إذا كان العلاج بالصلاة. * الطالب: كيف ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، يعني ما يقصد بها (…)؟ * الشيخ: وجوب القيام، وجوب الإخلاص، وتحريم الكلام، هذي ثلاث فوائد. * طالب: هل الأمر القيام على إطلاقه يعني؟ * الشيخ: ويستثنى من هذا النفل (...) إذا لم تستدل عليه. هذه في وجوب القيام يجب أن يستثنى من ذلك صلاة النافلة لدلالة السنة على جوازها من قاعد، هذا إذا جعلنا ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ في ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ عامة﴾، وإن جعلناها خاصة بالفرائض فلا استثناء. * طالب: إذن المراد. * الشيخ: يستثنى من هذا (...) يستثنى منها النافلة لدلالة السنة على جوازها من قاعد إلا أن يكون المراد بالصلوات الفرائض فلا استثناء. ويؤخذ من الآية الثانية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وأن هذا الدين يسر؛ لأن هذا من التيسير على العباد. ويستفاد منها أيضًا: جواز الحركة الكثيرة للضرورة لقوله: ﴿فَرِجَالًا﴾ لأن الراجل سوف يتحرك بحركة كثيرة؛ المشي. ويستفاد منها: جواز الصلاة على الراحلة في حال الخوف لقوله: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ كذا؟ أما في حال الأمن فلا تجوز الصلاة على الراحلة إلا النافلة، إلا إذا تمكن من الإتيان بالصلاة على وجه التمام فإنه يجوز، ولهذا جوزنا الصلاة في السفينة وفي القطار وما أشبه ذلك؛ لأنه سيأتي به على وجه التمام، أما على الراحلة الأخرى من بعير وسيارة فإنه لا يجوز، وكذلك الطيارة فإنه لا يجوز أن يصلي عليها الفريضة؛ لأنه لن يتأتى منه أن يصليها على الكمال. * طالب: حتى في الطائرة يا شيخ؟ * الشيخ: ما يتمكن أن يأتي بها على التمام، إذا تمكنت تقوم وتركع وتسجد فذاك، لكن ما تفعل، أما إذا خفت خروج الوقت تصلي علي أي حال يا أخي، هذه ما هي واردة، إذا خاف الإنسان خروج الوقت يصلي على أي حال ولو مضطجعًا وفي أي مكان. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أنه يجب على المرء القيام بالطاعة على التمام متى زال العذر، أن يجب عليه أن يقوم بالطاعة أو بالعبادة على التمام متى زال العذر لقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٣٩]. ومن فوائدها أيضًا: أن الصلاة من الذكر لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ والكلام هنا في الصلاة. ومن فوائدها أيضًا: بيان منة الله علينا في العلم لقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. ومن فوائدها أيضًا: بيان نقص الإنسان لكون الأصل فيه الجهل، حيث قال: ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان الجهل حتى يعلمه الله عز وجل. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستحل لعمله وعلمه لقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾. والرد على الجبرية أيضًا لتوجيه الأوامر إلى الإنسان لقوله: ﴿حَافِظُوا﴾ و﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ وما أشبهها؛ لأننا لو قلنا بأن العبد مجبور صار توجيه الخطاب إليه من تكليف ما لا يطاق ولا يمكن تطبيقه، وهل يستفاد منها وجوب صلاة الجماعة؟ * الطلبة: ذكرت في الآية. * الشيخ: لا. * طالب: (...) ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾. * الشيخ: إن قلنا: يستفاد وجوب الجماعة وأن الخطاب موجه للجميع صار معناه أن الخائف الواحد لا يصلي راجلًا ولا راكبًا، ولكن هذه كسائر الخطابات تُوجه للعموم وإن كانت تتناول الفرق. ثم قال تعالى. * طالب: شيخ، لو صعب عليه استقبال القبلة في حالة الجو الغائم؟ * الشيخ: إي نعم، يسقط استقبال القبلة، وربما يستفاد من هذا مع أنه ما تعرض الله تعالى في الآيات لاستقبال القبلة إطلاقًا، ما ذكر.