Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:260 – البقرة 2:279
المحتويات
البقرة 2:260
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] إلى آخره.
في ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ قراءتان: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ و﴿إِبْرَاهَامُ﴾ ، وفي ﴿أَرِنِي﴾ أيضًا قراءتان: ﴿أَرِنِي﴾ و﴿أَرْنِي﴾ بسكون الراء. وفي قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ قراءتان أيضًا: ﴿صُرْهُنَّ﴾ بالضم، و﴿صِرْهُنَّ﴾ بالكسر، وفي ﴿جُزْءًا﴾ قراءتان أيضًا: ﴿جُزُءًا﴾ و﴿جُزْءًا﴾ بسكون الزاي، فهذه كم كلمة؟ واحد اثنين ثلاثة أربع كلمات في كل كلمة منها قراءتان سبعيتان.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ إذ: مفعول لفعل محذوف، تقديره: اذكر إذ قال إبراهيم. و﴿أَرِنِي كَيْفَ﴾ الرؤية هنا بصرية فتنصب مفعولًا واحدًا، لكن لما دخلت عليها همزة التعدية صارت تنصب مفعولين؛ الأول: اليا، والثاني: جملة ﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ فيها إعرابان مشهوران، أحدهما: أن الهمزة دخلت على مُقدر عُطف عليه قوله: ولم تُؤمن، وهذا المقدّر يكون بحسب السياق، وعلى هذا فالهمزة في محلها، والإعراب الثاني: أن الهمزة مُقدمة وحرف العطف مؤخر، وأصلها: وألم، فتكون هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وذكرنا أن هذا الإعراب أسلم وأسهل، أسلم لأن الإنسان ربما يقدر فعلًا ليس هو المراد، وأسهل لئلا يُتعب الإنسان نفسه في طلب فعل يكون مناسبًا.
وفي قوله: ﴿صُرْهُنَّ﴾ بالضم من (صار يصور)، وبالكسر من (صار يصير). وفي قوله: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ الفعل هنا مرفوع ولا مجزوم؟
* طالب: مجزوم.
* الشيخ: هو على كل حال مبني، لكن هل هو في محل جزم ولا في محل رفع؟
* طالب: في محل جزم.
* الشيخ: على أنه؟
* طالب: جواب الطلب.
* الشيخ: جواب الطلب. هذه هي القصة الخامسة التي فيها إحياء الموتى في هذه السورة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: هذه هي الخامسة، والأولى؟
* طالب: في بني إسرائيل.
* الشيخ: في بني إسرائيل والثانية؟
* الطلبة: في إبراهيم.
* الشيخ: لا.
* طالب: في القتيل.
* الشيخ: في القتيل من بني إسرائيل في قصة البقرة، والثالث؟
* طالب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾.
* الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة ٢٤٣]
* طالب: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة ١٢٧]؟
* الشيخ: لا يا أخي ما فيها. والرابعة في قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، والخامس هذه الآية، كلها فيها إحياء الموتى في هذه الدنيا، فيكون فيه آية ظاهرة في الرد على المنكرين للبعث.
قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الأب الثالث للأنبياء؛ لأن الأول آدم، والثاني نوح، والثالث إبراهيم، كما قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، وقال في نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، وآدم معلوم أنه أبو البشر.
قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ مبتدأ، إن أخطأت فقوموني.
* طالب: لا يا شيخ.
* الشيخ: ﴿رَبِّ﴾ مبتدأ؟
* الطلبة: منادى، منادى.
* الشيخ: ﴿رَبِّ﴾ منادى، أين حرف النداء؟
* الطلبة: حذف، محذوف.
* الشيخ: محذوف للعلم به. ﴿رَبِّ﴾ إحنا نعرف أن المنادى يكون منصوبًا ويكون أحيانًا مبنيًّا على الضم، وهذا لا منصوبًا ولا مبنيًّا على الضم؟
* الطالب: المنادى له ست إعرابات، وهذا المضاف إلى ياء.. فحذفت الياء.
* الشيخ: هذا منادى المضاف إلى ياء المتكلم، وياء المتكلم هنا محذوفة وبقيت الكسرة.
* طالب: عوضًا عنها.
* الشيخ: ما هي عوضًا عنها.
* طالب: دليلًا.
* الشيخ: دليلًا عليها. إذن كيف نقول في إعرابه؟ نقول: ﴿رَبِّ﴾ منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. وقوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ يعني أرني بعيني حتى أرى، في لغتنا العامية نقول: (وَرَّنْ)، نقول: أرني يعني اجعلني أنظر وأرى بعيني ﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ السؤال هنا عن الكيفية ما هو بعن الإمكان؛ لأن إبراهيم لم يشك في القدرة، لكن أراد أن يعرف الكيفية، كيف يحيي الله الموتى بعد أن أماتهم وصاروا ترابًا وعظامًا كيف يحييهم؟
فالسؤال إذن عن الكيفية لا عن معنى الإحياء؛ لأن معنى الإحياء عنده معلوم والسؤال عن الكيفية. وقوله: ﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ هل مراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أي موتى يكونون، أو أن المراد به الموتى من بني آدم فضرب الله له مثلًا بالطيور الأربعة؟
إذا نظرنا إلى اللفظ ﴿الْمَوْتَى﴾ وجدنا أنه عام؛ يعني أي أحد، أو أي شيء يحييه الله عز وجل أمامه فقد أراه، قال الله تعالى له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ يعني ألست مؤمنًا؟ وهذا الاستفهام للتقرير وليس للإنكار أو للنفي، فهو كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يعني قد شرحنا لك. ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ يعني أو قد آمنت، فهذا للتقرير تقرير إيمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿بَلَى﴾ مُقررًا لهذا الشيء. وقوله: ﴿تُؤْمِنْ﴾ فسَّر كثير من الناس الإيمان في اللغة بالتصديق، فقال: الإيمان في اللغة التصديق، وهذا التفسير ليس بدقيق لكنه تفسير بما يقارب كتفسيرهم الريب بالشك، وتفسيرهم الرهن بالحبس، وتفسير قوله: ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام ٧٠] أي تُحبس، وما أشبه ذلك مما يفسرونه بالمعنى المقارب الذي يقرب للفهم وإلا ففي الواقع أن بين الإيمان والتصديق فرقًا، ويدلك على هذا التعدية، فالتصديق يتعدى بنفسه وبحرف الجر، ويختلف في المعنى إذا عُدي بنفسه وإذا عُدي بحرف الجر، وأما الإيمان فلا يتعدى إلا بحرف الجر ما يتعدى بنفسه، واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نرجع إلى التصديق؛ التصديق يتعدى بنفسه وبحرف الجر ومع ذلك يختلف معناه، فتقول: صدَّقته؛ أي صدقت المخبِر، وتقول: صدقت به؛ أي بالمخبر ولَّا بالخبر؟
* الطلبة: بالخبر.
* الشيخ: بالخبر، فتغير المعنى بين تعديته بحرف الجر وتعديته بنفسه، وتغير المعنى بذلك واختلاف تعدي الفعل يدل على أن بينهما فرقًا، إذ لو لم يكن بينهما فرق لتساوى الفعلان أو لتساوت المادتان في التعدي واللزوم لأيش؟ لأن المفسِّر يطابق المفسَّر، آمن تتعدى بنفسها ولّا بحرف الجر؟
* الطلبة: بحرف الجر.
* الشيخ: تتعدى بحرف الجر، وتتعدى بحرف الجر اللام وبحرف الجر البا، ويختلف معناها. لا تقول: آمنته كما تقول: صدقته، أبدًا، هذا لا يوجد في اللغة العربية، لكن تقول: آمنت به، و: آمنت له. آمنت به تفيد معنى الإقرار والطمأنينة، ولهذا يقال: أقررت به واطمأننت به عرفتم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لكن آمنت له تفيد معنى الاستسلام، استسلمت له وانقدت له مع الإقرار؛ لأن آمن من حيث الإقرار ما تتعدى باللام، لكن إذا تضمنت معنى الاستسلام تعدَّت باللام، ولهذا كان الإيمان شرعًا لا بد فيه من اطمئنان وهو القبول ومن إذعان وهو الاستسلام، فصح الآن أن الإيمان لا يصح أن نجعله بمعنى التصديق على سبيل الإطلاق لهذا المعنى الذي أشرنا إليه، لكن لا مانع أن نُفسره بالتصديق لإنسان نريد أن نُقرّب له أيش؟ المعنى، أما على وجه التدقيق والتحقيق فإن الفرق بينهما..
أما على وجه التدقيق والتحقيق فإن الفرق بينهما ظاهر، وقد أشار إلى شيء من هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان، كتاب الإيمان له مشهور، فالحاصل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام آمن بمعنى أنه أقر واطمأن واعترف اعترافًا لا مرية فيه بأن الله سبحانه وتعالى يحيي الموتى ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ (بلى) حرف يُجاب بها النفي، النفي المقرر بالاستفهام لإثباته، فإذا قلت: ألست حاضرًا معنا في الدرس يا عبد الله؟ وأيش تقول؟
* الطالب: بلى.
* الشيخ: بلى، يعني حاضر، وإذا قلت: ألستَ حاضرًا معنا في الدرس؟ وأيش تقول؟
* الطالب: نعم.
* طالب: هذا نفي.
* الشيخ: إذن ما حضرت! إذا قلت: نعم معناه ما حضرت.
* طالب: حضر بالقلب.
* الشيخ: إذن إذا أجبت بنعم فهو لتقرير النفي، وإذا أجبت ببلى فهو لتقرير الإثبات. يترتب على هذا مسائل كثيرة مهمة، أليس في ذمتك لفلان كذا وكذا؟
* الطلبة: نعم.. بلى.. إذا أردت التفصيل.
* الشيخ: نشوف إذا أجبت بلى أو نعم واضح، إذا قلت: نعم فهو تقرير لأيش؟
* الطلبة: للنفي.
* الشيخ: وإن قلت: بلى فهو للإثبات، ولهذا يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف ١٧٢] أنه قال:«لَوْ قَالُوا: نَعَمْ لَكَفَرُوا»[[الجامع لأحكام القرآن (٢ / ١٢).]]؛ لأن المعنى لو قالوا نعم يعني لست بربنا، واضح؟
* الطلبة: واضح.
* الشيخ: جيد، ومع ذلك فإنه قد يُجاب بنعم يراد بها بلى كقول الشاعر:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْـــــرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَـــــــــــــذَاكَ لَنَــــــــــــــــاتَدَانِــــــي ؎نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ∗∗∗ وَيَغْشَاهَا النَّهَارُ كَمَا غَشَانِي
الآن هذا الرجل
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْـــــرٍو ∗∗∗ وَإِيَّانَا فَـــــــــــــذَاكَ لَنَــــــــــــــــاتَدَانِــــــي
وأيش قال؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، يعني بلى، يعني بلى يجمع، وهو لا يريد النفي، قال شوف المسكين يكفيه هذا الجمع: وترى الهلال كما أراه، ما دام إني أنا أشوف الهلال وهي تشوف الهلال فهذا اجتماع لكن المفلس ما (...) يقول هكذا ويغشاها أيش الظلام أظن أو النهار كما غشاني نسيت الكلمة هذه، المهم في قوله: نعم وترى الهلال كما أراه، فهنا أجاب أليس بـ (نعم) يريد بذلك (بلى).
إذن ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ جوابها في الإثبات (بلى)، ولهذا قال: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي ليزداد طُمأنينة وإلا فقد كان مطمئنًّا من قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ﴾ أي ليزداد طمأنينة، والطمأنينة كما نعلم جميعًا هي الاستقرار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]] أي تستقر وتبقى. ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فأراه الله تعالى الآية.
﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة ٢٦٠] قوله: ﴿خُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ أيّ الطيور هذه؟
* الطلبة: لم يُقيّد.
* الشيخ: لم يعينها الله عز وجل، ولهذا تعتبر محاولة من حاول تعيينهن من المفسرين محاولة لا فائدة منها؛ لأنه لا يهمنا، أكانت هذه الطيور إوزًا، أم حمامًا، أم غربانًا، أم أي نوع من أنواع الطيور؛ لأن الله لم يُبيِّنها لنا.
﴿أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ ﴿صُرْهُنَّ﴾ من (صار يصير) أو من (صار يصور)، ﴿صُرْهُنَّ﴾ أي أملهن إليك، والصُّور الميل، ومنه الرجل الأَصْوَر التي مالت عينه إلى جانب من جفنه، الرجل الأصور يعني اللي مالت عينه إلى جانب من جفنه، ويسمى الأحْول، ولهذا حتى في عرف الناس الآن إذا واحد يناظر كذا يقول: يُصوّر، صور بعينه يناظر الشمس يناظر القمر وما أشبه ذلك، فمعنى ﴿صُرْهُنَّ﴾ أي أملهن، ﴿صُرْهُنَّ﴾ اضممهن إليك، ففعل، أخذ أربعة من الطير وضمَّهن إليه وذبحهن ووزَّعهن أجزاء.
قال: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ الجبال التي حوله ﴿اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ﴾ أي من هذه الأربعة ﴿جُزْءًا﴾ لأجل أن لا يظن الرائي أن عملك سحر؛ لأنك إذا أبعدتها عنك زالت الشُّبهة حتى يكون بعيدًا منك. ﴿اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ ففعل عليه الصلاة والسلام، جمع الأربعة وذبحهن، قطّعهن أجزاء، جعل على كل جبل جزءًا ثم بعد ذلك دعاهن، قال: أيتها الطيور، ائتين إليّ، فماذا صار؟ جاءت الطيور جاءت إليه تسعى سعيًا.
قال الله عز وجل: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾.
﴿ادْعُهُنَّ﴾ أي نادِهنّ؛ لأن النداء يُسمى دعاء، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] يعني لا تنادونه كما ينادي بعضكم بعضًا فتقولون: يا محمد، ولكن قولوا يا رسول الله، يا نبي الله، وما أشبه ذلك. إذن ﴿ادْعُهُنَّ﴾ يعني نادهن يعني قل: أقبلن.
قال الله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ﴿يَأْتِينَكَ﴾ قيل: إنها جواب قوله: ﴿ادْعُهُنَّ﴾، وقيل: إنها جواب لفعل شرط مُقدَّر تقديره: إن تدعهن يأتينك، فعلى القول الأول يكون جوابًا لقوله: ﴿ادْعُهُنَّ﴾؛ لأن من لازم أمر الله إياه بدعائهن أن يدعوهن، فكأن الشرط معلوم من الأمر، وعلى القول الثاني لا إشكال، إذا جعلنا ﴿يَأْتِينَكَ﴾ جوابًا لفعل شرط محذوف؛ يعني إن تدعهن يأتينك. ﴿يَأْتِينَكَ﴾ هذه جواب سواء قلنا جواب لفعل الأمر في ﴿ادْعُهُنَّ﴾ أو قلنا: إنها جواب لشرط مُقدّر تقديره: إن تدعهن، فهي مبنية على السكون وليست مجزومة، مبنية على السكون في محل جزم، وإنما بُنيت على السكون لاتصالها بماذا؟
* الطلبة: بنون النسوة.
* الشيخ: بنون النسوة ﴿يَأْتِينَكَ﴾.
وقوله: ﴿يَأْتِينَكَ﴾ من باب (أتى يَأتي) لا من باب (آتى يُؤتي)، والفرق بين البابين أن (آتى) بالمد بمعنى أعطى، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء ٢٠] يعني أعطيتم إحداهن، وأما (أتى) فهي بمعنى جاء، كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعني جاء أمر الله.
إذن إذا أردت أن تخبر عن شخص بأنه جاء تقول: أتى، وإذا أردت أن تخبر عن شخص بأنه أعطى تقول: آتى، واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إذن ﴿يَأْتِينَكَ﴾ من باب (أتى يأتي) بمعنى جاء؛ أي يقبلن إليك.
﴿سَعْيًا﴾ يحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال؛ لأن سعيًا ما فيه إشكال أنها مصدر، وفعلها (سعى)، لكن هل هي منصوبة على المصدرية وعاملها محذوف تقديره: يأتينك يسعين سعيًا، أو هو مصدر في موضع الحال أي يأتينك ساعيات؟ أيهما أوْلى؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني أوْلى، لماذا؟
* الطلبة: لعدم التقدير.
* الشيخ: لعدم التقدير، وعندنا قاعدة قررناها فيما سبق: أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأكيدًا أو تأسيسًا فهو تأسيس، وبين أن يكون محذوفًا منه أو غير محذوف فهو غير محذوف منه، هذه قاعدتان مفيدتان: إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأكيدًا أو تأسيسًا فهو تأسيس، وإذا دار الأمر بين أن يكون محذوفًا منه أو غير محذوف فهو غير محذوف منه. إذن نقول: ﴿سَعْيًا﴾ مصدر في موضع الحال.
قوله: ﴿سَعْيًا﴾ هل نُفسر السعي في كل موضع بحسبه، أو نقول سعيًا على الأرجل؟ قال بعضهم: إن السعي في كل شيء بحسبه؛ يعني أن سعي الطيور هو الطيران، فالمعنى: يأتينك طيرانًا لا نقص فيهن، أو أنه سعيًا على الأقدام يعني على أرجلهن يعني يمشي المشي لكن بسرعة، في هذا قولان للمفسرين؛ أحدهما: أن السعي هنا بمعنى الطيران؛ لأن سعي كل شيء بحسبه، والثاني: أن المراد بالسعي المشي بسرعة، ولكن أيهما أوْلى فيما يظهر لنا؟
* الطلبة: الطيران.
* الشيخ: الطيران؛ لأن كونهن يمشين على الأقدام لا يدل على كمالهن؛ إذ إن الطائر إذا كُسر جناحه صار يمشي، لكن كونهن يطرن هذا أبلغ، كأنهن أتين على أكمل الحياة والوجود.
ثم قال: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وَاعْلَمْ﴾ الخطاب لمن؟
* الطلبة: لإبراهيم.
* الشيخ: لإبراهيم، ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فإذا علمت ذلك علمت كمال قدرته عز وجل لكمال عزته وكمال حكمته؛ لأنه حكيم، والله سبحانه وتعالى يربط دائمًا بين هذين الاسمين: العزيز، والحكيم، أتدرون لماذا؟ لأن العزيز من المخلوقين قد تفوته الحكمة لعزته فيرى نفسه عزيزًا غالبًا فيتهور في تصرفاته، ويتصرف بدون حِكمة، والحكيم أيضًا إذا اقترنت حكمته بعزة صار له سلطان وقوة ولم تفُته الأمور انتظار أن يكون هذا التصرف حكيمًا أو غير حكيم، فجمع الله بين العزيز والحكيم.
فما معنى العزيز؟ ذكر ابن القيم في النونية أن له ثلاثة معانٍ: عزة القَدْر، وعزة القَهر، وعزة الامتناع.
فمعنى عزة القدر: أن الله تعالى ذو قدر رفيع متحاشٍ عن كل نقص، معروف عندنا القدر والشرف.
ومعنى عزة القهر: أن الله تعالى غالب لا يمكن أن يُقهر بل هو القاهر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] يعني: غلبني وقهرني في الخطاب.
الثالث: عزة الامتناع يعني: القوة وأنه سبحانه وتعالى لا يضره شيء لقوته، ومنه قولهم في اللغة العربية: أرض عَزَاز، عَزاز يعني صلبة قوية، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدْر، عزة القهر، عزة الامتناع.
الحكيم مشتقة من الحُكم والحِكمة، والحُكم نوعان: كوني، وقدَري، والحِكمة نوعان: صورة، وغاية، فالأقسام إذن أربعة، الحكيم منين مأخوذة؟
* الطلبة: من الحكم والحكمة.
* الشيخ: الحكيم من الحكم والحكمة، والحُكم نوعان والحكمة نوعان، الحُكم نوعان: حكم كوني، وحكم شرعي، يصح أن أقول: حكم قدري وحكم شرعي؟
* الطلبة: يصح.
* الشيخ: يصح، الحكم الكوني نافذ على كل أحد بكل حال صح؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: شاء الناس أم أبوا، الحكم الشرعي ليس نافذًا على كل أحد، هو ثابت لكن ليس كل أحد يُنفذه، بل من الناس من يستكبر عنه. واضح يا جماعة.
* الطلبة: واضح.
* الشيخ: نحتاج إلى مثال يؤيد ما قلنا، قال أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يحكم الله لي حكمًا قدريًّا كونيًّا، يعني ما أفارق أرض مصر إلى بلاد الشام حتى يأذن لي أبي يقول: تعالَ، أو يحكم الله لي، يُقدر ذلك سبحانه وتعالى.
الحكم الشرعي حين ذكر الله عز وجل الأحكام المتعلقة بالنساء المهاجرات في سورة الممتحنة قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] هذا حكم شرعي، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، وإن كان هذا يحتمل أن يكون أيضًا شاملًا للحكم القدري.
الحكمة أولًا ما هي الحكمة؟ الحِكمة هي وضع الشيء في موضعه بحيث لا يقول العقل: إن هذا في موضع لا يليق، بل يقول العقل الصريح: إن هذا في موضع لائق به، سواء كان كونيًّا أو شرعيًّا. قلنا: إن الحكمة صورة وغاية، فالصورة معناها: أن يكون الشيء على صورة معينة، هذا حكمة، الصلاة مثلًا كانت على هذا الوضع حكمة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الزكاة كونها لا تجب إلا في أموال معينة وبقدر معين ولأناس معينين حكمة ولّا لا؟
* الطلبة: حكمة.
* الشيخ: هذه في الأمور الشرعية.
الأمور القدرية: كون الإنسان على هذا الوجه، ذو قامة، مستقيم، يمشي على رجلين حكمة ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وكون الحمار يمشي على أربع حِكمة، لو مشى على رجلين وأيش نحمّل على راسه؟ ما يصلح نعم على ظهره، وعلى هذا فقِس، هذه الحكمة أيش؟
* طالب: القدرية.
* الشيخ: الكونية القدرية، هذه الحكمة صورة؛ يعني كون الشيء على صورة معينة هذا يكون على صورة معينة موافِقة للحكمة.
هل يلزم أن نعلم حكمة كل شيء في صورته؟ أبدًا، ما يلزم، يعني لو قال قائل: لماذا صارت الصلاة أربع ركعات في الظهر والعصر والعشاء، وركعتين في الفجر؟ ما تستطيع أن تعرف الحكمة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الحكمة الغائية، ما هو الغرض من إيجاد هذا الشيء؟ هذا واحد، وما هو الغرض من كونه على هذه الصفة؟ عرفتم. إذن الحكمة تتضمن الحكمة الغائية؟
* طالب: الصورة ووجه الصورة.
* الشيخ: يعني لماذا كان على هذه الصورة المعينة؟ هذه حكمة، ولماذا شُرع أو لماذا وقع إذا كان كونيًّا؟ هذا أيضًا له حكمة. لو قال قائل: ما الحكمة من الجدب؟ جدب الأرض وعدم النبات قحط المطر، الفساد في الأرض وأيش الحكمة من هذا؟
* الطلبة: ليتعظ.
* الشيخ: نعم ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١]. وأيش الحكمة من خلق المؤذيات كالعقارب والحيات وشدة الحر وشدة البرد وما أشبه ذلك؟
* الطلبة: ليتعظوا.
* الشيخ: حكمة لها عدة حِكم ذكرنا فيما مضى ست حِكم لخلق هذه الأشياء المؤذية، هذا نسميها حكمة أيش؟
* الطلبة: غائية.
* الشيخ: غائية، الحكمة من الشرائع، أولًا: التوحيد هو الأصل الأصيل لإيجاد كل الخلق؛ الإنس والجن، ثم هذه الشرائع المتفرعة هي له بمنزلة السقي، عندما تصلي كأنك تسقي قلبك مادة الحياة؛ لأنك تتصل بمن؟ بالله عز وجل، تناجيه وتخاطبه، لكن ترى هذا أُريد الصلاة التي فيها خطاب القلب واللسان لله عز وجل، وأكثر صلاتنا فيها خطاب اللسان فقط، القلب يخاطب مَن؟
* الطلبة: الإنسان يبغي الغنيمة من الدنيا.
* الشيخ: يختلف، هذا يخاطب سيارته، وهذا يخاطب عمارته، وهذا يخاطب صاحبه، يختلفون الناس حتى إن الإنسان إذا تذكر أنه هوجس وأنه أخطأ ولفّ صلاته يقوم الشيطان فاتحًا باب ثان خل هذا وراك يجي الثاني، ينتبه الإنسان يتجه لصلاته يفتح بابًا ثالثًا، وتجد هكذا أبواب تتفتح وكلها ليس فيها مصلحة للإنسان، أحيانًا إذا انتهت الصلاة بعد الهواجيس اللي من الله أكبر إلى ورحمة الله ذهبت ولا كلمة واحدة تكفيه عنها كلها، وأحيانًا يمضي ويدبّر ويغير ويقدم ويؤخّر في صلاته وإذا انتهى من صلاته وكل الهواجس مرت (...) كله (...) ما يبين، هذا الشيء واضح.
إذن الحكمة من هذه العبادات المتفرعة على التوحيد هي تغذية القلب، تغذية القلب بالاتصال بالله عز وجل، وزيادة الإيمان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥] فتبين بهذا وجه حكمة الله عز وجل في أحكامه الكونية والشرعية.
نرجع الآن إلى الآيات الكريمة لنأخذ فوائدها: أولًا: قال إبراهيم لربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
فيستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التوسل إلى الله بربوبيته من آداب الدعاء التي يتوسل بها الرسل (ربِّ)، الحكمة لأن إجابة الدعاء من مقتضات الربوبية؛ إذ إنه فعل، وكل ما يتعلق بأفعال الرب فهو من مقتضيات الربوبية، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام حين ذكر: «الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ»[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] ولو تأملت أكثر أدعية القرآن وجدتها مُصدرة بالرب؛ ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران ١٩١ - ١٩٣] إلى آخره، ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٧]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية، إذن نستفيد من هذا: أن من آداب الدعاء أن يتوسل الإنسان الداعي إلى الله بربوبيته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما يزداد به يقينه لقوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ لأنه إذا رأى بعينه لا شك أنه يزداد.
* ومنها: أنه ليس خبر اليقين كعين اليقين ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ لأن إبراهيم عنده خبر اليقين بأن الله قادر لكن يريد عين اليقين.
* ومنها: أن عين اليقين أكمل من خبر اليقين، ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (١٨٤٢، ٢٤٤٧)، وابن حبان (٦٢١٣-إحسان) من حديث ابن عباس.]]. يقول العلماء: إن اليقين له درجات ثلاثة: عِلم، وعين، وحق، كلها موجودة في القرآن وأظن في سورة واحدة، لا في سورتين، ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥] بعدها؟
* الطلبة: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر ٦]
* الشيخ: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جواب لو؟ جواب لو هذه ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ هي جواب لو ولّا لا؟
* الطلبة: إي نعم، لا.
* الشيخ: لا، ولهذا يجب الوقوف ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ تقف لازم؛ لأنك لو وصلت لأوهم أن قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جواب لـ (لو)، ولو كانت جوابًا لـ (لو) اختلف المعنى كثيرًا، ولهذا بعض الناس نسمعهم يقرؤون ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ﴾ هذا ما هو صحيح؛ لأن ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ جواب لقسم محذوف تقديره: والله لترون. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٧] هذا علم اليقين وعين اليقين؟ أين حق اليقين؟ في آخر سورة الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥].
نضرب مثالًا يوضح الأمر، قلت: إن معي تفاحة حلوة، وأنا عندك ثقة، هذا أيش؟
* الطلبة: خبر اليقين.
* الشيخ: إيه، خبر اليقين، هو بالنسبة لي خبر، وبالنسبة لك علم، علمت الآن أن معي تفاحة حلوة، فأخرجتها من جيبي وقلت: هذه التفاحة، عين اليقين، ثم أعطيتك إياها وأكلتها وإذا هو حلوة، هذا حق اليقين واضح؟ هذا الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان عنده علم اليقين بلا شك أن الله قادر على إحياء الموتى، لكن يريد عين اليقين، ولهذا قال الله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. يقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
من فوائد الآية: إثبات أفعال الله الاختيارية، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى له أفعال تتعلق بمشيئته. في قوله: ﴿تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
* ومن فوائدها: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بإحياء الموتى، وعليه جاءت الآية الكريمة: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧] فكفرهم بإنكار البعث.
* ومن فوائدها: إثبات الكلام لله عز وجل ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾، ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً﴾، والله سبحانه وتعالى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، بما شاء من القول، متى شاء في الزمن، كيف شاء في الكيفية، وكلام الله سبحانه وتعالى بأصوات مسموعة وحروف مقروءة؛ لأن هذا اللي نقرأ الآن أمامنا كلام الله وإبراهيم سمع كلام الله ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إذن هو بصوت، بأصوات مسموعة وحروف مقروءة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن إبراهيم مؤمن بقدرة الله عز وجل على إحياء الموتى لقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾.
فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين ما ثبت في الصحيح؛ صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»[[متفق عليه. البخاري (٤٥٣٧)، ومسلم (١٥١ / ٢٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، فأثبت شكًّا فينا وفي إبراهيم، وأننا أحق بالشك من إبراهيم؟
فالجواب: أن الحديث لا يراد به هذا المعنى؛ لأن هذا معنى يخالف الواقع، فهل عند الرسول عليه الصلاة والسلام شك في إحياء الموتى؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لكن المعنى: أن إبراهيم لم يشُكّ فلو قُدر أنه يشك فنحن أحق بالشك منه، وما دام الشك منتفيًا في حقنا فهو في حقه أشد انتفاء؛ لأننا لو قدر الشك في هذا الباب لكنا أيش؟ أحق بالشك من إبراهيم، فإذا علم أننا نؤمن بأن الله قادر فإبراهيم أولى منا بالإيمان، هذا هو معنى الحديث ولا يحتمل غيره.
فإن قلت: ولا زال الإشكال هل إبراهيم أكمل إيمانًا من محمد ﷺ؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ولكن هذا قاله ﷺ على سبيل التواضع، ولهذا قرن بينه وبين قوله: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِي»[[متفق عليه. البخاري (٣٣٧٢) ومسلم (١٥١ / ٢٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، يوسف كم بقي بالسجن؟
* الطلبة: سبع سنين.
* الشيخ: بضع سنين، وجاءه رسول الملك يدعوه، قال له: ما أطلع ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف ٥٠] مع أنه اللي يحبس سبع سنين وقالوا: اطلع يطلع ولّا لا؟ هذا مقتضى الطبيعة، لكن يوسف عليه الصلاة والسلام كان حليمًا، كان حليمًا حازمًا، قال: ما أطلع حتى تظهر البراءة براءتي كاملة ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ إلى آخر القصة فتبين بهذا أنه لا يلزم من قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا أن يكون إبراهيم أقوى إيمانًا منه.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات زيادة الإيمان في القلب، ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ففيه رد على من قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا ريب أن هذا القول ضعيف؛ لأن الواقع يكذبه، والنصوص تكذبه أيضًا، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح ٤]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]، وفي السُّنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[متفق عليه البخاري برقم (٣٠٤) ومسلم برقم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، فالإيمان إذن يزيد، ولكن يزيد كمية أو كيفية، أو كمية وكيفية؟
* الطلبة: كمية وكيفية.
* الشيخ: كمية وكيفية، كمية فالذي يسبح عشرًا أزيد إيمانًا من الذي يسبح خمسًا، والذي يصلي عشر ركعات أزيد إيمانًا من الذي يصلي خمسًا، هذا يزداد بماذا؟
* الطلبة: بالكمية.
* الشيخ: بالكمية، بالكيفية يزداد الإيمان بالكيفية، صلى ركعتين بطمأنينة وخشوع وتأمل، وصلى أربع ركعات لكن بسرعة، الثاني فيه زيادة العدد والأول فيه زيادة الكيفية، كذلك يزداد الإيمان بحسب إقرار القلب؛ لأننا ذكرنا الآن عمل الجوارح، يزداد الإيمان بحسب إقرار القلب، كلما كثرت الآيات لدى الإنسان لا شك أنه يزداد إيمانًا رسوخًا، اقرأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ على طرف ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١] هذا إيمانه ضعيف مهزوز، إن كان مشى ما جاءه فتنة فهو ماشي، وإن أتاه فتنة شُبهة أو شهوة انقلب على وجهه، نحن الآن هنا ما عندنا أحد يعارضنا في العقيدة ما عندنا معتزلة ولا جهمية ولا جبرية ولا أحد ماشين على الفطرة صح ولَّا لا؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: لكن لو يُبتلى الإنسان يجي واحد من عفاريت الإنس جيد في المجادلة والمحاجة من المعتزلة ربما يؤثر عليه، وينقلب؛ لأن ما عنده رسوخ، كذلك إنسان عنده إيمان، لكن تعرضت له امرأة ذات منصب وجمال وأغرته حتى وقع، وإنسان آخر تعرضت له هذه المرأة لكن قال: إني أخاف الله، تجد الفرق بينهما، فالمهم أن القول الراجح الذي لا شك فيه والذي تدل عليه الأدلة السمعية والواقعية أن الإيمان يزيد وينقص.
* طالب: قولنا ﴿سَعْيًا﴾ ما نقول: الأولى أن يسعى على الأرض بسرعة؛ لأنه هو يعني اللفظ؟
* الشيخ: هو المتبادر.
* الطالب: المتبادر.
* الشيخ: إيه، لكن بس هؤلاء الآخرون يقولون: سعي كل شيء بحسبه، أقول: سعي كل شيء بحسبه، فالطيور تسعى بأجنحتها.
* الطالب: فيه مثال يا شيخ في القرآن سعي كل شيء بحسبه؟
* الشيخ: إي نعم كيف؟ ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩] ما هو المراد بأنكم تركضون بالأقدام.
* الطالب: بس الغالب الركض على القدم.
* الشيخ: لا، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هذا ما هو السعي الذي هو الركض على القدم.
* الطالب: هذه معروفة يعني من السياق؟
* الشيخ: هذا يكون معروفًا من السياق، ما دام أضيف السعي إلى الطير فهو سعي الطيور، وعلى كل حال المسألة محتملة فيه، إن رجعنا إلى اللفظ فالسعي هو بالقدم، إن رجعنا إلى المعنى فالسعي بالجناح.
* الطالب: شيخ، من قال إن الحكمة المراد بها السُّنة؟
* الشيخ: لا هذه ما هي هنا مثل: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] صحيح المراد بها السنة مع أن الصحيح أن المراد بقوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ما هو أعم يعني الحكمة: الشريعة الواقعة موقعها ومنها السُّنة، ولهذا قال: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ١٦٤] يعني أسرار الشريعة.
* طالب: شيخ، الحُكم والقضاء والإرادة كلها لها تقسيمات كونية وشرعية الفرق بينهم؟
* الشيخ: الفرق بينهن كالفرق بين معناهن، فالإرادة غير الحكم؛ لأن الله يُريد ثم يحكُم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة ١] فكل شيء بحسبه له معنى مستقل لكن يُقسّم، وكذلك القضاء والحكم والكتابة كونية وشرعية وأشياء كثيرة.
* طالب: الآيات ألا تُختم بأسماء وصفات تناسبها؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: كون الآية خُتمت باسم العزيز في سياق سؤال إبراهيم على إحياء الموتى هل يشير بذلك إلى تحريم مثل هذا السؤال مستقبلًا؟
* الشيخ: لا، يأتينا هذا في الفوائد نشوف إن شاء الله.
* طالب: شيخ، يعني يقول: قال إبراهيم، هل المقصود يا شيخ إبراهيم كلم الله عز وجل كما كلمه موسى تكليمًا أو وحيًا؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: أقول: كيف كلم الله إبراهيم كلم الله عز وجل وحيا أو مباشرة كما كلم موسى؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه مباشرة، لكن إحنا ذكرنا لكم من قبل لماذا خُصّ موسى بأنه الكليم.
* الطلبة: بالرسالة.
* الشيخ: لأنه كُلم بالرسالة من عند الله لا وحيًا، وإلا الله كلم محمد عليه الصلاة والسلام وكلم موسى وكلم آدم.
* طالب: شيخ، ممكن الآن الواحد يسأل سؤال إبراهيم: رب أرني كيف كذا؟
* الشيخ: إذا كان ممكنًا، إن كان غير ممكن فهو يصير من الاعتداء في الدعاء، وإن كان ممكنًا فهو جائز.
* الطالب: شيخ، القدرة قلنا القوة أقوى من القدرة في الآية الثانية؟
* الشيخ: نعم أكمل من القدرة فيمن يوصف بالقوة.
* الطالب: هذا بالنسبة للمخلوق ومثلّناه يا شيخ أما بالنسبة للخالق عز وجل هما صفتان مستمرتان؟
* الشيخ: إي نعم، لكن نقول: القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
* الطالب: هذا بالنسبة للمخلوق يا شيخ.
* الشيخ: وحتى بالخالق، ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
* الطالب: نعم، ما يكون من جهة الكمال يا شيخ، وبس هذا تنويع في الآيات؟
* الشيخ: لا لا، القدرة يقابلها العجز لا شك.
* طالب: شيخ، في مسائل الاعتقاد التي تطرأ على المؤمنين من الناس، يعني هل تطرأ على الأنبياء؟
* الشيخ: والله ربما، وهذا على تفسير ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إنَّ أرْجَى آيَةٍ في القرآنِ هي هذِهِ الآيَةُ»[[تفسير الطبري (٤ / ٦٢٩).]] وقال غيره: أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣]، وقال آخرون: أرجى آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ابن عباس رضي الله عنه قال: إن هذا الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان يغفر الله للإنسان فيها، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فهذا الوسواس الذي قد يأتي للإنسان يرتفع ولا يضر، وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف ١١٠].
* طالب: ما نجعل منه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج ٥٢]؟
* الشيخ: لا لا ما هي من هذا النوع؛ لأن ذاك الشيطان يلقي في أمنيته.
* الطالب: لأنه قد يلقي الشيطان في أمنيته؟
* الشيخ: لا ما هي بأمنيته ما يتمناه في قلبه، الصواب أن الأمنية هنا بمعنى القراءة كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، وأن الشيطان قد يسمع على لسان النبي ما يرضاه الشيطان ولا يرضاه النبي.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠].
* فيه أيضًا: جواز الاقتصار في الجواب على الحرف الدال عليه، من أين يؤخذ؟
* الطلبة: من قوله: ﴿بَلَى﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿بَلَى﴾، وعليه فلو قيل للرجل: أولم تُطلّق زوجتك؟ فقال: بلى، طلقت، ولو قيل للرجل: أزوجت فلانًا؟ قال: نعم، انعقد؛ لأن حرف الجواب يغني عن ذكر الجملة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فإن الطمأنينة زيادة إيمان وقوة.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز امتحان الله عز وجل العبد بما يزداد به إيمانه لقوله: ﴿خُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: كمال قدرة الله تعالى حيث حصل إحياء الموتى؛ أي إحياء هذه الطيور بمجرد دعوة إبراهيم إياهن، أقبلن، فأقبلن سعيًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العزيز والحكيم.
وإثبات ما تضمناه من الصفة، وهي العزة والحكمة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة ولا عكس، يعني ليس كل صفة يُؤخذ منها اسم، لكن كل اسم يؤخذ منه صفة، لماذا؟ لأن أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف، بخلاف أسماء الإنسان فقد تكون أعلامًا وأوصافًا والغالب عليها أنها مجرد أعلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس الخبر كالمعاينة لقوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ودرجات اليقين ثلاثة: علم، وعين، وحق، علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، أيها أعلى؟
* الطلبة: حق اليقين.
* الشيخ: حق اليقين، ويظهر ذلك بالمثال، فإذا قلت لك: إن عندي تفاحة حلوة، فهذا علم اليقين، فإذا أريتك إياها فهو عين اليقين، فإذا أكلتها، فهذا حق اليقين كذا؟ الكفار وعدوا النار، فإذا رأوها يوم القيامة فهو عين اليقين ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف ٥٣]، فإذا دخلوها فهو حق اليقين.
البقرة 2:261
قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة ٢٦١]
﴿مَثَلُ﴾ يُطلق المثل على الشبه، ويُطلق المثل على الصفة، فإن ذُكر مماثل فالمراد به الشبه وإلا فالمراد به الصفة، ففي قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥] المراد بالمثل هنا الصفة، لماذا؟ لأنه لم يُذكر المماثل، أما إذا قيل: مثل هذا كمثل هذا فهذا بمعنى الشبه، فقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧] إلى آخره، هنا ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ هذا المراد به الشبه؛ يعني شبه هؤلاء كشبه هذا الشيء، ولننظر الآن هل هناك مطابقة بين الممثَّل والممثَّل به؟ لا؛ لأن الممثل هو العامل والممثل به العمل، فالحبة ليست بإزاء المنفِق لكنها بإزاء المنفَق، ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من الذي يقوم بإزاء المنفِق؟
* الطلبة: زارع الحبة.
* الشيخ: زارع الحبة، ولهذا قال بعض العلماء: إن الآية فيها تقدير إما في المبتدأ وإما في الخبر، فإما أن يُقدر: مثل عمل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة، أو يُقدر: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل زارع حبة أنبتت سبع سنابل، أما هنا في الآية الكريمة ففيها في الحقيقة اختصار، اختصار لفائدة وهي: أنه أن هذا التمثيل انتظم تمثيل العامل والعمل، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾، إذن لا بد من عمل ولا بد من عامل، فالمثل انتظمهما جميعًا، وهذا من بلاغة القرآن.
قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ ما معنى الإنفاق؟ معناه البذل، والأموال جمع مال، وهو كل ما يتموّله الإنسان من أعيان أو منافع، الأعيان مثل؟
* الطلبة: السيارات والدراهم.
* الشيخ: كالدراهم والدنانير والسيارات والدور وما أشبه ذلك، والمنافع كالعين المستأجرة فإن المستأجِر مالك للمنفعة، المهم أن المال يشمل، وأيش يشمل؟ الأعيان والمنافع كل ما يملكه الإنسان من عين أو منفعة فهو مال.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبيل بمعنى طريق، وسبيل الله سبحانه وتعالى هو شرعه؛ لأنه يهدي إليه ويوصل إليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] فالسبيل بمعنى الشرع، وأضيف إلى الله لسببين؛ السبب الأول: أنه هو الذي وضعه لعباده وشرعه لهم، والسبب الثاني: أنه مُوصل إليه، ويضاف السبيل أحيانًا إلى سالك السبيل، فيقال: سبيل المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥] هل بينهما تناقض؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأنه يضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم هم الذين سلكوا، وإلى الله باعتبار أنه الذي وضعه وأنه موصل إليه، كما أن السبيل أيضًا يضاف إلى سالكيه من غير المؤمنين، قال الله تعالى عن موسى لأخيه هارون: ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف ١٤٢]، وقال تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام ٥٥] إلى غير ذلك من الآيات، وذلك لأن السبيل هو الطريق فيضاف إلى كل أحد بحسبه.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قلت: المراد بذلك: في شرع الله؛ لأن شرع الله هو سبيله، ومعنى إنفاقهم في شرع الله أن يكون ذلك إخلاصًا لله واتباعًا لشرعه، فمن نوى بإنفاقه غير الله فليس في سبيل الله مثل الرياء، رجل أنفق في الجهاد أو أنفق في الصدقة على المساكين، لكنه أنفق ليقال: إن فلانًا جواد، أو إنه كريم، هذا ليس في سبيل الله، حقل العمل في سبيل الله ولّا لا؟
* طالب: في سبيل الله.
* الشيخ: يعني هذا الرجل أخذ مال وراح تصدق به على الفقراء أو ذهب إلى الذين يقبلون للجهاد فأعطاهم، الحقل هذا يعني مكان العمل في سبيل الله ولّا لا؟
* الطلبة: نعم، في سبيل الله.
* الشيخ: لكن عمل هذا الإنسان ليس في سبيل الله، لأيش؟ لأنه مرائي ما قصد وجه الله عز وجل، إذن ما أراد السبيل الذي يوصل إلى الله، ولا يهمه أن يقبل الله منه أو أن لا يقبل لا يهم، المهم أن يقال عند الناس أنه رجل كريم أو جواد.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيضًا لا بد أن يكون على حسب شريعة الله، فإن أنفق في وجه لا يرضى به الله فليس في سبيل الله، كذا؟ وإن أخلص لله، كرجل ينفق على البدع، إنسان يقول: أنا أريد بذلك وجه الله لكن ينفق على البدع، وهذا كثير كبناء الرُّبط للصوفية المنحرفة، بناء البيوت للأعياد الميلادية، طبع الكتب المشتملة على بِدع، هذا قد يريد الإنسان بذلك وجه الله لكنه ضال، فهل يكون في سبيل الله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، هذا لا يكون في سبيل الله، إذن ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا بد فيه من شيئين:
الأول: أن يكون خالصًا لله.
والثاني: أن يكون متبعًا فيه شريعة الله سبحانه وتعالى.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد به هنا كل شيء شرعه الله أو المراد به قتال أعداء الله؟ أكثر ما يُطلق سبيل الله على قتال أعداء الله، ولكنه قد يُراد به ما هو أشمل وأعم كهذه الآية فيكون شاملًا.
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ حبة بذرها إنسان فأنبتت سبع سنابل، صارت الواحدة سبعة. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ تكون الجميع سبع مئة، فالحسنة إذن في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبع مئة.
وهل هذا حد؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قد يضاعف الله تعالى أكثر من ذلك لمن يشاء، وكلمة ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ليس هناك مشيئة مجردة بالنسبة لله عز وجل، بل مشيئة الله مقرونة بالحِكمة فيضاعف لمن يشاء ممن اقتضت حكمته أن يضاعف له، وأسباب مضاعفة العمل تقدمت لنا، وذكرنا أن أسبابها كم؟
* الطلبة: سبعة.
* الشيخ: سبعة، من أهمها الإخلاص، هل يمكن أن نتذكرها الآن؟ يمكن أن نتذكر أسباب مضاعفة العمل؟
* طالب: (...)
* الشيخ: هذا واحد.
* طالب: اعتبار النية.. الزمن.
* الشيخ: قلت على النية؟
* طالب: نقول يعني هذا شيء.
* الشيخ: باعتبار الزمن.. باعتبار المكان.
* طالب: باعتبار العمل.
* الشيخ: العمل نفسه جنسه ولّا نوعه؟
* الطالب: جنسه ونوعه.
* الشيخ: جنسه ونوعه زين.
* طالب: الإخلاص.
* الشيخ: الإخلاص، النية.
* طالب: باعتبار الحال.
* الشيخ: الحال.
* طالب: باعتبار الكيفية.
* الشيخ: باعتبار الكيفية؟
* الطالب: ما يدخل في نوع العمل.
* الشيخ: ما يدخل في نوع العمل؟
أولًا: الدليل على ما قلت اعتبار العامل ما هو الدليل؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: أحسنت، هذا باعتبار العامل، فيه أيضًا دليل آخر؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ﴾ [المائدة ٢٧].
* الشيخ: لا هذاك ما (...).
* الطالب: ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؟
* الشيخ: لا.
* طالب: قال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله ﷺ: «سبق الدرهم الدينار الألف»[[أخرجه النسائي (٢٥٢٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: سَبَقَ دِرْهَمٌ مِئَة ألْفِ دِرَهْمٍ.]] أو بما معناه.
* الشيخ: إيه، لا لا، هذا باعتبار الحال.
* طالب: أجر المصابرة في آخر الزمان يكون للصابر أجر خمسين.
* الشيخ: صح، المصابرة في آخر الزمان يكون للعامل أجر خمسين[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]].
* طالب: خمسين أيش؟
* الشيخ: خمسين من الصحابة.
* طالب: الحال أليس تقدر فيما قال، الحديث..
* الشيخ: الحال كما في قول الرسول أي الصدقة أفضل؟ قال: «جُهْدُ الْمُقِلِّ»[[أخرجه أبو داود (١٤٤٩)، والنسائي (٢٥٢٦) من حديث عبد الله بن حُبشي.]]، طيب الزمان؟
* طالب: قوله ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ»[[متفق عليه. البخاري (٣٧)، ومسلم (٧٥٩ / ١٧٣) من حديث أبي هريرة.]] و«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً قَادِمَةً»[[ أخرجه أحمد (٢٢٥٣٥) من حديث أبي قتادة، وهو في مسلم (١١٦٢ / ١٩٦) بلفظ: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنةالتي قبله، والسنة التي بعده».]] والعشر الأوائل من ذي الحجة.
* الشيخ: وأيش الدليل في العشر الأوائل من ذي الحجة؟
* طالب: فيه حديث.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: قول الرسول ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»[[أخرجه أبو داود (٢٤٣٨) من حديث ابن عباس، وأصله في البخاري (٩٦٩).]].
* الشيخ: المكان عندك.
* الطالب: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»[[متفق عليه. البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤ / ٥٠٥) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: طيب من؟
* طالب: العمل، في معركة بدر الرسول ﷺ قال: «مَا يَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَإِنِّي غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه. البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث علي بن أبي طالب.]].
* الشيخ: وغيره؟
* طالب: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: صح، فالفرائض أفضل من جنس النوافل، النوع؟ أن يكون باعتبار النوع أيضًا؟
* طالب: مثل الفرائض والعشر الأواخر.
* الشيخ: الفرائض جنس، ونفس الفرائض تختلف، فالصلاة أفضل من الزكاة والزكاة أفضل من الصيام وصلاة العصر أفضل من غيرها.
* طالب: الفرائض ولا السنن.
* الشيخ: إي نعم، وباعتبار النوع؟ لماذا لا نقول الصلاة أفضل من الزكاة؟
* طالب: شيخ، هذا بشكل عام.
* طالب آخر: الصلاة جنس.
* الشيخ: شوف الآن جنس الفرائض أفضل من النوافل، هذا جنس، الجنس هو الذي تحته أنواع، وما مر علينا هذا في تعريف الجنس؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الجنس هو الذي تحته أنواع، الفرائض تحتها أنواع: صلاة، زكاة، صيام، حج ولَّا لا؟
* طالب: نعم، الصلاة.
* الشيخ: طيب، إذن الصلاة أفضل من الزكاة، الزكاة أفضل من الصيام، واضح؟ هذا باعتبار النوع.
* طالب: الدليل؟
* الشيخ: الدليل أن الصلاة من تركها فهو كافر، والزكاة ورد فيها من العقوبات ما لم يرد في الصيام والحج، بقي لنا أيضًا النوافل تختلف ولّا ما تختلف؟
* طالب: تختلف.
* الشيخ: تختلف، بعضها أوكد من بعض، هذا باعتبار النوع وأيش بقي علينا خمسة ها دولي؟
* طالب: كيفية المتابعة.
* الشيخ: الحال، كيفية العمل.. الكيفية؟
* الطالب: الذي يؤدي الصلاة بخشوع أفضل من الذي لا يؤديها بغير خشوع.
* الشيخ: نعم، كلما كان الإنسان أتبع في عبادته للرسول ﷺ كان أكمل، فصلاة بخشوع أفضل من صلاة بلا خشوع.
* طالب: باعتبار النية.
* الشيخ: نعم، باعتبار النية، الاختلاف باعتبار النية، وهذا الأخير ينبغي أن يكون هو الأول؛ لأن له تأثيرًا عظيمًا بالغًا.
قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هل هو على إطلاقه وأنه يضاعف سبحانه وتعالى لمجرد المشيئة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، بل يضاعف لمن يشاء ممن اقتضت حكمته أن يضاعف له؛ لأنه سبقنا قاعدة: أن كل شيء عُلق بمشيئة الله فإن المراد به المشيئة المقرونة بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ ومن سعته عز وجل سعة فضله وثوابه، ﴿وَاسِعٌ﴾ يعني في كل صفاته، عِلمه أوسع العلوم، رحمته أوسع الرحمة، وحلمه أوسع الحلم، وعطاؤه أوسع العطاء، وعلى هذا فقِس، فكل صفاته فإنها صفات واسعة عظيمة عُليا، و﴿عَلِيمٌ﴾ أي ذو علم، والعلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا هو على ما هو عليه، صح؟
* الطلبة: نعم، صح.
* الشيخ: سئل: متى غزوة بدر؟ قال: في السنة الخامسة، متأكد؟ قال: متأكد مثل ما أنك تكلمني الآن، نقول: هذا ما هو علم يسمى جهلًا مركبًا. سألناه عن غزوة بدر فقال: لا أدري، عالم ولا غير عالم؟
* الطلبة: عالم.. غير عالم.
* الشيخ: السؤال لواحد.
* الطالب: قال لا أدري، قال: ما يدري ما يعلم.
* الشيخ: إيه هل هو عالم ولا غير عالم؟
* الطالب: هو غير عالم.
* الشيخ: غير عالم، صح، ولكن هذا يسمى جهلًا بسيطًا، يعني غير مُركَّب.
سألناه عن غزوة بدر قال: إما في الثانية أو في الثالثة، ويترجح عندي أنها في الثانية، علم هذا؟
* الطلبة: ظن.
* الشيخ: ظن؛ لأنه ما جزم، الثالثة تسمى؟
* الطلبة: شك.
* الشيخ: لا، شوف الثانية لأنه قال: أظن أنها في الثانية.
* الطلبة: ظن.
* الشيخ: هذا ظن أو الثالثة.
* الطلبة: وهم.
* الشيخ: وهم. قال: لا أدري أفي الثانية أم في الثالثة، هذا؟
* الطلبة: شك.
* الشيخ: هذا شك تمام؟ هذه أنواع الإدراكات، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
البقرة 2:262
قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٦٢].
في ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ هذه مبتدأ، خبرها ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ جملة، جملة: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، يقول الله عز وجل لما بين فيما سبق الإخلاص وهو سابق على الإنفاق والمتابعة وهي سابقة على الإنفاق ذكر هنا ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ثم يعدم منهم ما يُبطل نفقتهم، يعني لأن النفقة لها شروط سابقة ولها مُبطلات لاحقة، الشروط السابقة: الإخلاص، والمتابعة أن تكون في سبيل الله، والشروط اللاحقة أن لا تتبع بالمن والأذى، يعني قد يُنفق الإنسان ماله في سبيل الله على وجه الشريعة، لكن يتبع هذا الإنفاق منًّا أو أذى بالنسبة للمنفَق عليهم، فذكر بعد، قال ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ أما الأول ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقد سبق الكلام عليه.
(ثم) أي بعد الإنفاق، وأتى بـ (ثُمَّ) الدالة على الترتيب والتراخي، يعني: ثم لا يتبعون ولو بعد مدة. ﴿مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾، المنّ هو أن يظهر الإنسان المنفق للمنفق عليه أن له عليه فضلًا كأن يظهر بمظهر المترفع عليه، وكأنه إذا رآه يقول له بعينه ما هو بفمه يقول: اذكر اللي أنا أعطيتك، هذا يمكن ولّا لا؟
* الطلبة: يمكن.
* الشيخ: يمكن، يعني تحس من ملامحه أنه يقول: اذكر اللي أنا أعطيتك، هذا يعتبر من، فإن أظهر ذلك للناس فهو أذى، بأن يقول مثلًا عند الناس: شوف هذا الرجل أنا أعطيته وأعطيته وكسوته وبنيت له بيتًا وفرشت له البيت وأثثته، وأتيت له بأرزاق ومع ذلك ما كأني عنده إلا واحد من الناس، هذا وأيش يكون هذا؟
* الطلبة: أذى.
* الشيخ: يكون أذى، فالذي يمن على المعطى أو يؤذيه بالقول الدال على مِنَّته عليه هذا يبطل أجره بهذا السبب، والذي لا يتبع ما أنفق مَنّا ولا أذى له الأجر كاملا ولهذا قال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الأجر: ما يعطاه العامل في مقابلة عمله، ومنه أجرة الأجير، وسمى الله سبحانه وتعالى هذا الثواب أجرًا؛ لأنه عز وجل تكفل للعامل بأن يجزيه على هذا العمل، فصار كأجر الأجير، وقد سمى الله تعالى الثواب أجرًا تشبيهًا للعمل بالاستئجار، وسماه مرة قرضًا وهو أبلغ في الكرم، قرضًا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٥] كأن هذا العمل الذي عملته لله عز وجل كأنه قرض أقرضته الله، ووجه الشبه بينهما أن في كل منهما التزام بماذا؟ بالوفاء فسماه الله قرضًا.
قال عز وجل: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مدخر عنده، هذا الأجر المدخر أمر مجزوم به، وهل للذي أنفق ولم يُتبع ما أنفق منا ولا أذًى هل له أجر مُقدم؟ الجواب: نعم، دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩] أي يأتي بخلَفه وبدله، فتبين الآن أن الإنسان المنفِق في سبيل الله الذي لم يُتبع ما أنفق منًّا ولا أذى له أجر مدخر عند الله تكون الحسنة سبع مئة وله ثواب عاجل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
* طالب: شيخ، مثلًا يذكر أنه فعل لكن ما هو عنده اللي هو أعطى مثلًا يقول: أعطيتك أو فعلت يعني في غيبة؟
* الشيخ: حتى هذا فيه أذى.
* الطالب: لكن هذا ما إنه؟
* الشيخ: لا هذا أذى؛ لأن هؤلاء الذين علموا بذلك ربما يذكرونه يومًا من الدهر، وربما أيضًا يعني يهبط ميزان هذا الرجل الْمُعطى يهبط ميزانه عندهم.
* طالب: أقول: لو ما يقصد واحدًا بعينه يقول: أعطيت كذا يعني؟
* الشيخ: إيه لا بأس، هذا لا بأس لكن هذا يُخشى فيه من الرياء أو الإعجاب.
* طالب: شيخ، ما الواجب على الذي أُنفق عليه إذا مثلًا أحسّ بالمنّة هل يرجع الذي أعطاه أو يعني؟
* الشيخ: هذه ما تجيء بالفوائد، لكن سؤاله مهم يقول: هل المنفق عليه إذا أحس بأن المنفِق مَنَّ عليه أو ربما آذاه هل الأفضل أن يبقى قابلًا للإنفاق أو يرده؟
* طالب: يرده.
* الشيخ: يرده كذا؟ طيب إذا رده هل يلزم المنفِق قبوله أم لا؟
* طالب: لا يلزم.
* الشيخ: لا يلزم؛ لأنه قد ملكه، المعطَى ملكه الآن، فرجوعه إلى المنفق معناه تجديد ملك فلا يلزمه قبوله، لكن له أن يقول: يا إما أن تقبل أو تحبس لسانك عن الكلام والأذى.
* الطالب: شيخ، في الحديث: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ»[[أخرجه مسلم (١١٥١ / ١٦٤) من حديث أبي هريرة.]]، وحدد المجازاة إلى سبع مئة، وفي هذه الآية غير محددة المجازاة؟
* الشيخ: نعم، ما يمنع فإما أن يقال: هذا خاص بالصدقة والإنفاق؛ لأن الإنفاق الإنسان يكون فيه شحيحًا، وكما قال الله تعالى في وصفه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨] وقال: ﴿تُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، وكثير من الناس يهون عليه العمل بالنسبة للإنفاق، وإما أن يقال: الاقتصار على السبع مئة في الحديث لا يمنع الزيادة؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء﴾ فيكون الأجر السبع مئة هو الأجر المحتّم وما زاد فهو بفضل الله.
* طالب: الحديث فيه زيادة: «وَيُضَاعِفُ سَبْعَ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه. البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]؟
* الشيخ: لا ما هو بهذا الحديث.
* الطالب: حديث ابن عباس: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ»[[الحديث السابق.]].
* الشيخ: لا ما هي في هذه هو يعني حديث الصوم.
* الطالب: شيخ، أقوال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] إلى آخر الحديث كيف نوفق بين هذا الحديث وبين قول النبي ﷺ يعني في الصبر في آخر الزمان يعني ما يبلغ مثل خمسين صحابي، هنا يقول: «مَا يَبْلُغُ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»؟
* الشيخ: إي نعم هذا مر علينا الجمع بينهما، تذكرونه؟
* الطالب: هذا باعتبار أصل العمل.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الحديث الأول.
* الشيخ: اللي هو؟ في حق الصحابة ولا في حق الصبر؟
* الطالب: لا، في حق الصحابة (...) هذا يعني عمله أحد الصحابة. الوجه الثاني: ما يمنع كونه من التابعين قد يكون من المغزى من بعض الصحابة، يعني من الأصل في الأصل.
* الشيخ: لا، ما هو هذا.
* طالب: كون العمل قد يعني عمل بعض الصحابة قد يفضل هذا عن الصحابي، ولكن الصحابي يفضل عليه بالصحبة، الصحبة هي فوق (...)
* طالب آخر: هو مثلًا إذا وصل هذا الصابر كعمل الصحابة في ذلك الوقت يكون أجره كأجر خمسين صحابي، أما إذا لم يصل إلى عمل الصحابي فإنه يعني لا يصل.
* الشيخ: ما فهمت يعني فسر لي ها الكلام؟
* الطالب: يعني مثلًا الصابر إذا عمل كعمل الصحابي.
* الشيخ: يعني مثلًا صلى صلاة الفريضة.
* الطالب: لا، يعني عمل، لا، ما هو بس صلاة الفريضة كل أعمالهم؛ لأن أعمالهم كثيرة الصحابة.
* الشيخ: خلها في الصدقة تصدق الصحابي بمُد وتصدق الصابر بمد كيف نقول؟
* الطالب: يعني مثلًا إخلاص الصحابي غير إخلاص.. ما في القلوب غير ما في قلوب الصحابة.
* طالب آخر: الحال الأول: باعتبار عصر الصحابة أفضل باعتبار العامل لكن في آخر الزمان باعتبار أجر العامل يكون أفضل أنه يعني لاقى من الصحابة ما لم يلاقيه هو؟
* الشيخ: يعني معنى ذلك أن عمل الصحابة أفضل ممن بعدهم بلا شك، لكن هذا له أجر خمسين من أجل معاناة العمل ومشقته، كالذي أصاب السُّنّة في التيمم لما لم يُعد الصلاة قال: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ» والثاني قال له: «الْأَجْر مَرَّتَيْنِ»[[أخرجه أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (٤٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، فهل نقول الآن إن هذا أفضل من ذاك؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، فيقال: الصحابة لا يدانيهم أحد في فضل العمل من أجل الصحبة، لكن هذا أفضل من أجل المعاناة والمضايَقة.
* طالب: ما الفرق بين واسع وكبير؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن الواسع من السّعة، وهو بلوغ غاية الشيء، وأما الكبير فإنه يعود إلى الذات والصفة وهي الكبرياء فقط، فمتعلق الواسع أشمل وأعم؛ لأنه يشمل جميع الصفات، أما هذا فهو فقط خاص بالكبرياء من الصفات وكذلك بكبر الذات ذات الله عز وجل فإنه أكبر من كل شيء.
* طالب: ما نقول واسع بذاته؟
* الشيخ: والله أخشى أن يتوهم منها متوهم بأن الأشياء حالَّة فيه، كما في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة ٢٥٥] فإن الكرسي محيط بالسماوات والأرض، ولهذا أتحاشى أن أقول هكذا، قل واسع في صفاته.
* طالب: يا شيخ فيها قراءة.
* الشيخ: إيه فيها قراءة ﴿يُضَعِّفُ﴾ .
* * *
* طالب: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٦١ - ٢٦٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الأجر هو الثواب كما قلنا سابقًا، وسُمِّي أجرًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى تعهد به للعامل كتعهد المستأجر بالأجرة لأجيره، وهذا من غاية فضل الله عز وجل أن يجعل الثواب للعاملين بمنزلة الأجرة على المستأجرين كما سمى الله تعالى ذلك قرضًا في قوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن ١٧]، ووجه مشابهة القرض ظاهر وهو أن كلًّا منهما لازم وفاؤه، فكأن الله عز وجل لكرمه وإحسانه جعل البذل من أجله والإنفاق من أجله بمنزلة القرض الذي يلزم المقترض وفاؤه.
وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أصل العندية تكون في المكان، وقد يراد بها ما يعم المكان أو الالتزام كما تقول: عندي لفلان كذا وكذا، أي: في عهدي وفي ذمتي له كذا وكذا، حتى وإن لم يكن ذلك عنده في مكانه، فالعندية قد يراد بها المكان وقد يراد بها ما يلتزم به الإنسان في ذمته وعهده. وهنا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يحتمل معنيين؛ يحتمل أنه عند الله سبحانه وتعالى ملتزمًا به، ولا بد أن يوفيه، ويحتمل معنى آخر وكلاهما صحيح: أن الثواب هذا يكون في الجنة التي عرش الرحمن سقفها، وهذه عِندية مكان، وهو لا ينافي ما سبق من عندية العهد والالتزام بالوفاء.
قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا خوف عليهم مما يُستقبل ولا هم يحزنون على ما مضى، فالحزن هو الهم أو الغم مما وقع سابقًا، والخوف والهم مما سيقع، فإذا كان هؤلاء لا يحزنون على فائت ولا يخافون من مستقبل كمل لهم النعيم؛ لأن النعيم يكون فيه الندم أو الحزن على ما سبق إذا فات النعيم كلية أو فات كماله، إذا فات كلية يتمنى الإنسان أنه عمل لهذا النعيم، أو فات كماله يتمنى أنه أيش؟ أتمه وأكمله، لكن هؤلاء لا يحزنون أبدًا حتى وإن كانوا في منازل دون المنازل العالية فإنهم لا يحزنون؛ لأن كل واحد من أهل الجنة يرى أنه لا أحد أنعم منه؛ لأنه على فرض أن يرى أحدًا أنعم منه فإنه سوف يحزن، وسوف يرى نفسه غير كامل النعيم، وأهل الجنة لا يرون أنفسهم إلا في كامل النعيم، على العكس من أهل النار فإن أهل النار- والعياذ بالله- كل واحد منهم يرى أنه لا أحد أشد منه عذابًا لأجل أن لا يتأسى بغيره، فإن الإنسان إذا رأى أن غيره يُعذب ولو بمثل عذابه تأسى به وهان عليه الأمر، فإذا رأى أنه لا يمكن أن يكون أحد مثله فإنه يشتد عليه العذاب والعياذ بالله من الناحية النفسية.
إذن هذا النفي ماذا يُقصد به؟ يُقصد به كمال نعيمهم؛ فلا يحزنون على فائت ولا يهتمون بمستقبل؛ لأن الذي يحزن على فائت لا شك أنه يتناقص نعيمه ولا يتم، وتجده دائمًا يفتح عليه الشيطان العمل لو كان كذا لكان كذا لو كان كذا لكان كذا، والخائف أيضًا لا يتم نعيمه؛ لأنه لا يدري ماذا يكون في مستقبل أمره فتجده يُقدِّر وينظر ويفكر ولا يتهنّى بنعيم، فيكون المراد بالسلب هنا إثبات كمال النعيم.
البقرة 2:263
ثم قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ ﴿قَوْلٌ﴾ مبتدأ و﴿خَيْرٌ﴾ خبره، وساغ الابتداء به هنا وهو نكرة؛ لأنه وُصف، وإن شئت فقل: لأنه أفاد، وطريق إفادته الوصف، وإذا علَّلت بأنه أفاد صار أحسن؛ لأن هذا هو ما قاله علماء النحو، وشاهد ذلك قول ابن مالك:
وَلَا يَــــجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِــــــــرَهْ ∗∗∗ مَـــــــــا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَهْ؎وَهَلْ فَتًى فِيكُمْ فَمَا خِلٌّ لَنَا ∗∗∗ وَرَجُلٌ مِنَ الْكِرَامِ عِنْدَنَـــــــــــــا؎وَرَغْبَةٌ فِي الْخَيْرِ خَيْرٌ وَعَمَلْ ∗∗∗ بِرٍّ يَزِينُ وَلْيُقَسْ مَا لَمْ يُقَلْ
هذه الأمثلة أي مثال ينطبق على هذه الآية؟
* الطلبة: ورجل من الكرام عندنا.
* الشيخ: ورجل من الكرام عندنا.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ القول المعروف هو ما نطق به اللسان معروفًا في الشرع ومعروفًا في العُرف؛ لأن القول قد يكون معروفًا في الشرع غير معروف في العرف وقد يكون معروفًا في العُرف غير معروف في الشرع؛ فمثلًا لو كان من عادة هؤلاء القوم أن يتكلموا بالسب والشتم وما أشبه ذلك ويرون هذا أمرًا لا بأس به مثل ما يعتاد بعض الناس: تعالَ يا ملعون، تعالَ يا فاعل يا تارك، يا ابن الزنا والعياذ بالله وما أشبه ذلك، فيه ناس اعتادوا على هذا الكلام، وصار هذا المنكر عندهم معروفًا، هذا لا يدخل في هذه الآية؛ لأن..
من فوائد الآية الكريمة: بيان تثبيت المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة، وجه ذلك: أن الله تعالى ضرب مثلًا للمعاني بهذه القصة أو بهذه الصورة التي لا يودها أحد.
* ومن فوائدها: وجه المطابقة بين الإنسان المرائي وبين حال هذا الرجل؛ لأن المرائي إذا أنفق ماله يظهر من الناس مدحه والثناء عليه فيزداد ويربو في نفسه، ويظن أنه حصل على ما يريد، فإذا جاء يوم القيامة الوقت الذي يحتاج إلى هذا، لا يجد ثواب ما عمله، فيكون هذا العمل، العمل الذي فيه رياء كالإعصار الذي أصاب تلك الجنة.
* ومن فوائد الآية: جواز ضرب المثل بالحكاية القولية.
فهل يجوز ضرب المثل بالحكاية الفعلية؟ وهو ما يُسمى بالتمثيل؟
الجواب: نعم يجوز، لكن بشرط أن لا يشتمل على شيء محرم، ولنضرب لذلك أمثلة للأشياء المحرمة في التمثيل أولًا: أن لا يكون فيه قيام رجل بدور امرأة، أو قيام امرأة بدور رجل، أن لا يقوم الرجل بدور تمثيل المرأة أو بالعكس، لماذا؟ لأن النبي ﷺ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»[[أخرجه البخاري (٥٨٨٥) من حديث ابن عباس.]].
ثانيًا: ألَّا يتضمن ازدراء ذوي الفضل من الصحابة وأئمة الأمة؛ لأن ازدراءهم واحتقارهم محرم، والقيام بتمثيلهم يحط من قدرهم لا سيما إذا عُلم من حال الممثل أنه فاسق؛ لأن الغالب إذا كان فاسقًا وتقمص شخصية هذا الرجل التقي الذي له قدرُه وفضله في الأمة، فإن ذلك يحط من قدر هذا الذي قام بدوره في التمثيلية.
الثالث: ألَّا يكون فيه تقليد لأصوات الحيوانات، مثل أن يقوم بدور تمثيل الكلب أو الحمار؛ لأن الله لم يجعل التشبه في الحيوان إلا في مقام الذم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة ٥]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦] إلى آخره، وقال النبي ﷺ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٥٨٩) من حديث ابن عباس.]].
الرابع: ألا يتضمن تمثيل دور الكافر أو الفاسق، يعني بمعنى أن لا يكون أحد القائمين بأدوار هذه التمثيلية يمثل دور الكافر أو دور الفاسق، لماذا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لأنه يخشى أن يؤثر ذلك على قلبه، أن يتذكر يومًا من الدهر أنه قام بدور الكافر، فيؤثر على قلبه ويدخل عليه الشيطان من هذه الناحية، لكن لو فعل هل يكون كافرًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، يكون كافرًا؛ لأن هذا الرجل لا ينسب الكفر (...) يصور نفسه إنه رجل طلق امرأته وله زوجة هل تطلق الزوجة أو لا تطلق؟
* الطلبة: لا تطلق.
* الشيخ: لا تطلق الزوجة.
* طالب: لماذا لا تطلق الزوجة؟
* الشيخ: لأنه ليس يضيف الطلاق إلى نفسه كما أن هذا الذي مثَّل دور الكافر ليس يضيف الكفر إلى نفسه إنما يضيفه إلى غيره، وقد ظن بعض الناس أنه إذا قام بدور الكافر فإنه يكفُر ويخرج من الإسلام، ويجب عليه أن يجدد إسلامه، واستدل بالقرآن وكلام أهل العلم.
أما القرآن فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦] فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وبقول أهل العلم: إن من أتى بكلمة الكفر ولو مازحًا فإنه يكفر، قالوا: وهذا الرجل مازح ليس جادًّا. فنقول لهم: والنبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ»[[أخرجه أبو داود (٢١٩٤) من حديث أبي هريرة]] » فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق، يمزح عليها فإنها تطلق، فهل تقولون إذا قام الرجل بدور، إذا قام الممثل بدور رجل طلق امرأته أتقولون إنها تطلق امرأته؟ سيقولون: لا، وكل يقول: لا، والفرق ظاهر؛ لأن المازح يضيف الفعل إلا نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره، ولهذا لا تطلق زوجته لو قام بدور تمثيل المطلِّق ولا يكفر لو قام بدور تمثيل الكافر، لكن أرى أنه لا يجوز من ناحية أخرى وهي لعله يتأثر قلبه في المستقبل حيث يتذكر أنه كان يومًا من الدهر يمثل دور الكافر. هل يمكن أن نأتي بدليل يمثل الأمر بالحكاية الفعلية؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: ما هو؟
* طالب: «الرسول ﷺ كان يومًا مع الصحابة وخط مستقيمًا وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ»[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١١٠٩) من حديث ابن مسعود.]]؟
* الشيخ: سمعتم كلامه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ذكر الخطوط التي خط النبي عليه الصلاة والسلام فيها خط خطوطًا يمثل الإنسان وأمله وأجله، وكذلك خط خطوطًا لصراط الله المستقيم وللسُّبل، لكن هذا قد يكون فيه نظر.
* الطالب: قصة الأقرع والأعمى والأبرص الملك الذي أتى لواحد أتي بصورة يعني رجل فقير متمثل[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: إي نعم، الملك أتى الأبرص والأقرع والأعمى وسألهم ماذا يريدون كل ذكر أمنيته فأعطاهم الله تعالى أمنيتهم، ثم عاد إليهم الملك مرة أخرى، عاد إلى الأبرص بصورته وهيئته يعني أبرص وفقير وقال له: إنني رجل فقير وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، الآن الملَك يمثل دور رجل فقير وهو ليس بفقير هو ملك ولا يحتاج إلى أكل ولا شرب، وكذلك بالنسبة للأقرع وكذلك بالنسبة للأعمى، فبعض العلماء استدل بهذا الحديث وقال: إن الكذب باطل، ولا يمكن أن الله تعالى يقر ملَكًا من ملائكته على أمر باطل، ولكن هذا جيء به لبيان الصورة بدلًا أن تُحكى بالقول حُكيت بالفعل، ولا شك أن ضرب الأمثال بالقول كثير في القرآن؛ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل ٧٥].
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] إلى آخره.
فالمهم أن نقول: إن التمثيل إذا لم يشتمل على شيء محرم من الأمثلة التي ذكرناها أو غيرها فإنه لا بأس به وليس من الكذب في شيء؛ لأن الكذب يضيف الإنسان الأمر إلى نفسه فيأتي إليك ويقول: يقرع الباب فتقول مَنْ؟ يقول: أنا زيد، وليس هو بزيد، هذا كاذب واضح، لكن يأتي إنسان ويقول: أنا أُمثِّل دور فلان ويعرف الناس أنه ليس فلانًا هو ما كذب، ولكنه نعم إذا نسب القول إلى شخص معين هذا يحتاج إلى ثبوت هذا القول عن هذا الشخص المعين، أما إذا حكى قصة رجل بوصفه لا بعينه فليس فيه كذب.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى يبين لعباده الآيات، الشرعية أو الكونية؟
* الطلبة: كلتاهما.
* الشيخ: كلتاهما، الآيات الكونية والآيات الشرعية كلتاهما مبينة أو كلها مبيّنة في كتاب الله سبحانه وتعالى أتمّ بيان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التفكُّر، وأنه غاية مقصودة لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فالإنسان مأمور بالتفكر؛ لأن التفكر يؤدي إلى نتائج طيبة، لكن هذا فيما يمكن الوصول إليه بالتفكّر فيه، يقول: هذا فيما يمكن أيش؟ الوصول إليه بالتفكر فيه، أما مالم يمكن الوصول بالتفكر فيه فإن التفكر فيه ضياع وقت وربما يوصل إلى محظور، مثل التفكر في كيفية صفات الله عز وجل، هذا لا يجوز؛ لأنك لن تصل إلى نتيجة، ولهذا جاء في الأثر: «تَفَكَّرُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦١٨) من حديث ابن عباس.]]؛ لأن هذا أمر لا يمكن الوصول إليه وغاية لا تمكن الإحاطة بها ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فلو أن أحدًا قال: بأتفكر كيف استوى الله على العرش وأيش لون استوائه على العرش؟ قلنا: هذا مطلوب ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، هذا غير مطلوب، بل يجب الكف عنه؛ لأنه سيؤدي إلى نتيجة سيئة؛ إما إلى التكييف أو التمثيل أو التعطيل ولا بد.
التفكر في معاني أسماء الله وصفاته مطلوب ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، مطلوب؛ لأن المعنى كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سُئل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة[[أخرجه البيهقي في الاعتقاد (٥٤).]].
هل يمكن أن نأخذ من عموم قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أنه يشمل التفكر في الأمور الكونية كأن يتفكر الإنسان في الوصول إلى صنع الأسلحة التي يدافع بها عن الإسلام، والوصول إلى صنع الطائرات التي يحمل بها الناس وما أشبه ذلك؟ نعم، يمكن؟
* طالب: نعم يمكن.
* الشيخ: هل يمكن أن نقول إنها تشمل التفكر في طبقات الأرض وما عسى أن يُستخرج من هذه الطبقات من معادن جارية وجامدة؟
* طالب: نعم، يمكن يا شيخ.
* الشيخ: يمكن، إذن هي عامة.
البقرة 2:264
ثم قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ ﴿قَوْلٌ﴾ مبتدأ و﴿خَيْرٌ﴾ خبره، وساغ الابتداء به هنا وهو نكرة؛ لأنه وُصف، وإن شئت فقل: لأنه أفاد، وطريق إفادته الوصف، وإذا علَّلت بأنه أفاد صار أحسن؛ لأن هذا هو ما قاله علماء النحو، وشاهد ذلك قول ابن مالك:
وَلَا يَــــجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِــــــــرَهْ ∗∗∗ مَـــــــــا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَهْ؎وَهَلْ فَتًى فِيكُمْ فَمَا خِلٌّ لَنَا ∗∗∗ وَرَجُلٌ مِنَ الْكِرَامِ عِنْدَنَـــــــــــــا؎وَرَغْبَةٌ فِي الْخَيْرِ خَيْرٌ وَعَمَلْ ∗∗∗ بِرٍّ يَزِينُ وَلْيُقَسْ مَا لَمْ يُقَلْ
هذه الأمثلة أي مثال ينطبق على هذه الآية؟
* الطلبة: ورجل من الكرام عندنا.
* الشيخ: ورجل من الكرام عندنا.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ القول المعروف هو ما نطق به اللسان معروفًا في الشرع ومعروفًا في العُرف؛ لأن القول قد يكون معروفًا في الشرع غير معروف في العرف وقد يكون معروفًا في العُرف غير معروف في الشرع؛ فمثلًا لو كان من عادة هؤلاء القوم أن يتكلموا بالسب والشتم وما أشبه ذلك ويرون هذا أمرًا لا بأس به مثل ما يعتاد بعض الناس: تعالَ يا ملعون، تعالَ يا فاعل يا تارك، يا ابن الزنا والعياذ بالله وما أشبه ذلك، فيه ناس اعتادوا على هذا الكلام، وصار هذا المنكر عندهم معروفًا، هذا لا يدخل في هذه الآية؛ لأن..
من فوائد الآية الكريمة: بيان تثبيت المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة، وجه ذلك: أن الله تعالى ضرب مثلًا للمعاني بهذه القصة أو بهذه الصورة التي لا يودها أحد.
* ومن فوائدها: وجه المطابقة بين الإنسان المرائي وبين حال هذا الرجل؛ لأن المرائي إذا أنفق ماله يظهر من الناس مدحه والثناء عليه فيزداد ويربو في نفسه، ويظن أنه حصل على ما يريد، فإذا جاء يوم القيامة الوقت الذي يحتاج إلى هذا، لا يجد ثواب ما عمله، فيكون هذا العمل، العمل الذي فيه رياء كالإعصار الذي أصاب تلك الجنة.
* ومن فوائد الآية: جواز ضرب المثل بالحكاية القولية.
فهل يجوز ضرب المثل بالحكاية الفعلية؟ وهو ما يُسمى بالتمثيل؟
الجواب: نعم يجوز، لكن بشرط أن لا يشتمل على شيء محرم، ولنضرب لذلك أمثلة للأشياء المحرمة في التمثيل أولًا: أن لا يكون فيه قيام رجل بدور امرأة، أو قيام امرأة بدور رجل، أن لا يقوم الرجل بدور تمثيل المرأة أو بالعكس، لماذا؟ لأن النبي ﷺ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»[[أخرجه البخاري (٥٨٨٥) من حديث ابن عباس.]].
ثانيًا: ألَّا يتضمن ازدراء ذوي الفضل من الصحابة وأئمة الأمة؛ لأن ازدراءهم واحتقارهم محرم، والقيام بتمثيلهم يحط من قدرهم لا سيما إذا عُلم من حال الممثل أنه فاسق؛ لأن الغالب إذا كان فاسقًا وتقمص شخصية هذا الرجل التقي الذي له قدرُه وفضله في الأمة، فإن ذلك يحط من قدر هذا الذي قام بدوره في التمثيلية.
الثالث: ألَّا يكون فيه تقليد لأصوات الحيوانات، مثل أن يقوم بدور تمثيل الكلب أو الحمار؛ لأن الله لم يجعل التشبه في الحيوان إلا في مقام الذم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة ٥]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦] إلى آخره، وقال النبي ﷺ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٥٨٩) من حديث ابن عباس.]].
الرابع: ألا يتضمن تمثيل دور الكافر أو الفاسق، يعني بمعنى أن لا يكون أحد القائمين بأدوار هذه التمثيلية يمثل دور الكافر أو دور الفاسق، لماذا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لأنه يخشى أن يؤثر ذلك على قلبه، أن يتذكر يومًا من الدهر أنه قام بدور الكافر، فيؤثر على قلبه ويدخل عليه الشيطان من هذه الناحية، لكن لو فعل هل يكون كافرًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، يكون كافرًا؛ لأن هذا الرجل لا ينسب الكفر (...) يصور نفسه إنه رجل طلق امرأته وله زوجة هل تطلق الزوجة أو لا تطلق؟
* الطلبة: لا تطلق.
* الشيخ: لا تطلق الزوجة.
* طالب: لماذا لا تطلق الزوجة؟
* الشيخ: لأنه ليس يضيف الطلاق إلى نفسه كما أن هذا الذي مثَّل دور الكافر ليس يضيف الكفر إلى نفسه إنما يضيفه إلى غيره، وقد ظن بعض الناس أنه إذا قام بدور الكافر فإنه يكفُر ويخرج من الإسلام، ويجب عليه أن يجدد إسلامه، واستدل بالقرآن وكلام أهل العلم.
أما القرآن فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦] فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وبقول أهل العلم: إن من أتى بكلمة الكفر ولو مازحًا فإنه يكفر، قالوا: وهذا الرجل مازح ليس جادًّا. فنقول لهم: والنبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ»[[أخرجه أبو داود (٢١٩٤) من حديث أبي هريرة]] » فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق، يمزح عليها فإنها تطلق، فهل تقولون إذا قام الرجل بدور، إذا قام الممثل بدور رجل طلق امرأته أتقولون إنها تطلق امرأته؟ سيقولون: لا، وكل يقول: لا، والفرق ظاهر؛ لأن المازح يضيف الفعل إلا نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره، ولهذا لا تطلق زوجته لو قام بدور تمثيل المطلِّق ولا يكفر لو قام بدور تمثيل الكافر، لكن أرى أنه لا يجوز من ناحية أخرى وهي لعله يتأثر قلبه في المستقبل حيث يتذكر أنه كان يومًا من الدهر يمثل دور الكافر. هل يمكن أن نأتي بدليل يمثل الأمر بالحكاية الفعلية؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: ما هو؟
* طالب: «الرسول ﷺ كان يومًا مع الصحابة وخط مستقيمًا وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ»[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١١٠٩) من حديث ابن مسعود.]]؟
* الشيخ: سمعتم كلامه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ذكر الخطوط التي خط النبي عليه الصلاة والسلام فيها خط خطوطًا يمثل الإنسان وأمله وأجله، وكذلك خط خطوطًا لصراط الله المستقيم وللسُّبل، لكن هذا قد يكون فيه نظر.
* الطالب: قصة الأقرع والأعمى والأبرص الملك الذي أتى لواحد أتي بصورة يعني رجل فقير متمثل[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: إي نعم، الملك أتى الأبرص والأقرع والأعمى وسألهم ماذا يريدون كل ذكر أمنيته فأعطاهم الله تعالى أمنيتهم، ثم عاد إليهم الملك مرة أخرى، عاد إلى الأبرص بصورته وهيئته يعني أبرص وفقير وقال له: إنني رجل فقير وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، الآن الملَك يمثل دور رجل فقير وهو ليس بفقير هو ملك ولا يحتاج إلى أكل ولا شرب، وكذلك بالنسبة للأقرع وكذلك بالنسبة للأعمى، فبعض العلماء استدل بهذا الحديث وقال: إن الكذب باطل، ولا يمكن أن الله تعالى يقر ملَكًا من ملائكته على أمر باطل، ولكن هذا جيء به لبيان الصورة بدلًا أن تُحكى بالقول حُكيت بالفعل، ولا شك أن ضرب الأمثال بالقول كثير في القرآن؛ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل ٧٥].
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] إلى آخره.
فالمهم أن نقول: إن التمثيل إذا لم يشتمل على شيء محرم من الأمثلة التي ذكرناها أو غيرها فإنه لا بأس به وليس من الكذب في شيء؛ لأن الكذب يضيف الإنسان الأمر إلى نفسه فيأتي إليك ويقول: يقرع الباب فتقول مَنْ؟ يقول: أنا زيد، وليس هو بزيد، هذا كاذب واضح، لكن يأتي إنسان ويقول: أنا أُمثِّل دور فلان ويعرف الناس أنه ليس فلانًا هو ما كذب، ولكنه نعم إذا نسب القول إلى شخص معين هذا يحتاج إلى ثبوت هذا القول عن هذا الشخص المعين، أما إذا حكى قصة رجل بوصفه لا بعينه فليس فيه كذب.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى يبين لعباده الآيات، الشرعية أو الكونية؟
* الطلبة: كلتاهما.
* الشيخ: كلتاهما، الآيات الكونية والآيات الشرعية كلتاهما مبينة أو كلها مبيّنة في كتاب الله سبحانه وتعالى أتمّ بيان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التفكُّر، وأنه غاية مقصودة لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فالإنسان مأمور بالتفكر؛ لأن التفكر يؤدي إلى نتائج طيبة، لكن هذا فيما يمكن الوصول إليه بالتفكّر فيه، يقول: هذا فيما يمكن أيش؟ الوصول إليه بالتفكر فيه، أما مالم يمكن الوصول بالتفكر فيه فإن التفكر فيه ضياع وقت وربما يوصل إلى محظور، مثل التفكر في كيفية صفات الله عز وجل، هذا لا يجوز؛ لأنك لن تصل إلى نتيجة، ولهذا جاء في الأثر: «تَفَكَّرُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦١٨) من حديث ابن عباس.]]؛ لأن هذا أمر لا يمكن الوصول إليه وغاية لا تمكن الإحاطة بها ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فلو أن أحدًا قال: بأتفكر كيف استوى الله على العرش وأيش لون استوائه على العرش؟ قلنا: هذا مطلوب ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، هذا غير مطلوب، بل يجب الكف عنه؛ لأنه سيؤدي إلى نتيجة سيئة؛ إما إلى التكييف أو التمثيل أو التعطيل ولا بد.
التفكر في معاني أسماء الله وصفاته مطلوب ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، مطلوب؛ لأن المعنى كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سُئل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة[[أخرجه البيهقي في الاعتقاد (٥٤).]].
هل يمكن أن نأخذ من عموم قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أنه يشمل التفكر في الأمور الكونية كأن يتفكر الإنسان في الوصول إلى صنع الأسلحة التي يدافع بها عن الإسلام، والوصول إلى صنع الطائرات التي يحمل بها الناس وما أشبه ذلك؟ نعم، يمكن؟
* طالب: نعم يمكن.
* الشيخ: هل يمكن أن نقول إنها تشمل التفكر في طبقات الأرض وما عسى أن يُستخرج من هذه الطبقات من معادن جارية وجامدة؟
* طالب: نعم، يمكن يا شيخ.
* الشيخ: يمكن، إذن هي عامة.
البقرة 2:265
ثم قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ ﴿قَوْلٌ﴾ مبتدأ و﴿خَيْرٌ﴾ خبره، وساغ الابتداء به هنا وهو نكرة؛ لأنه وُصف، وإن شئت فقل: لأنه أفاد، وطريق إفادته الوصف، وإذا علَّلت بأنه أفاد صار أحسن؛ لأن هذا هو ما قاله علماء النحو، وشاهد ذلك قول ابن مالك:
وَلَا يَــــجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِــــــــرَهْ ∗∗∗ مَـــــــــا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَهْ؎وَهَلْ فَتًى فِيكُمْ فَمَا خِلٌّ لَنَا ∗∗∗ وَرَجُلٌ مِنَ الْكِرَامِ عِنْدَنَـــــــــــــا؎وَرَغْبَةٌ فِي الْخَيْرِ خَيْرٌ وَعَمَلْ ∗∗∗ بِرٍّ يَزِينُ وَلْيُقَسْ مَا لَمْ يُقَلْ
هذه الأمثلة أي مثال ينطبق على هذه الآية؟
* الطلبة: ورجل من الكرام عندنا.
* الشيخ: ورجل من الكرام عندنا.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ القول المعروف هو ما نطق به اللسان معروفًا في الشرع ومعروفًا في العُرف؛ لأن القول قد يكون معروفًا في الشرع غير معروف في العرف وقد يكون معروفًا في العُرف غير معروف في الشرع؛ فمثلًا لو كان من عادة هؤلاء القوم أن يتكلموا بالسب والشتم وما أشبه ذلك ويرون هذا أمرًا لا بأس به مثل ما يعتاد بعض الناس: تعالَ يا ملعون، تعالَ يا فاعل يا تارك، يا ابن الزنا والعياذ بالله وما أشبه ذلك، فيه ناس اعتادوا على هذا الكلام، وصار هذا المنكر عندهم معروفًا، هذا لا يدخل في هذه الآية؛ لأن..
من فوائد الآية الكريمة: بيان تثبيت المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة، وجه ذلك: أن الله تعالى ضرب مثلًا للمعاني بهذه القصة أو بهذه الصورة التي لا يودها أحد.
* ومن فوائدها: وجه المطابقة بين الإنسان المرائي وبين حال هذا الرجل؛ لأن المرائي إذا أنفق ماله يظهر من الناس مدحه والثناء عليه فيزداد ويربو في نفسه، ويظن أنه حصل على ما يريد، فإذا جاء يوم القيامة الوقت الذي يحتاج إلى هذا، لا يجد ثواب ما عمله، فيكون هذا العمل، العمل الذي فيه رياء كالإعصار الذي أصاب تلك الجنة.
* ومن فوائد الآية: جواز ضرب المثل بالحكاية القولية.
فهل يجوز ضرب المثل بالحكاية الفعلية؟ وهو ما يُسمى بالتمثيل؟
الجواب: نعم يجوز، لكن بشرط أن لا يشتمل على شيء محرم، ولنضرب لذلك أمثلة للأشياء المحرمة في التمثيل أولًا: أن لا يكون فيه قيام رجل بدور امرأة، أو قيام امرأة بدور رجل، أن لا يقوم الرجل بدور تمثيل المرأة أو بالعكس، لماذا؟ لأن النبي ﷺ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»[[أخرجه البخاري (٥٨٨٥) من حديث ابن عباس.]].
ثانيًا: ألَّا يتضمن ازدراء ذوي الفضل من الصحابة وأئمة الأمة؛ لأن ازدراءهم واحتقارهم محرم، والقيام بتمثيلهم يحط من قدرهم لا سيما إذا عُلم من حال الممثل أنه فاسق؛ لأن الغالب إذا كان فاسقًا وتقمص شخصية هذا الرجل التقي الذي له قدرُه وفضله في الأمة، فإن ذلك يحط من قدر هذا الذي قام بدوره في التمثيلية.
الثالث: ألَّا يكون فيه تقليد لأصوات الحيوانات، مثل أن يقوم بدور تمثيل الكلب أو الحمار؛ لأن الله لم يجعل التشبه في الحيوان إلا في مقام الذم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة ٥]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦] إلى آخره، وقال النبي ﷺ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٥٨٩) من حديث ابن عباس.]].
الرابع: ألا يتضمن تمثيل دور الكافر أو الفاسق، يعني بمعنى أن لا يكون أحد القائمين بأدوار هذه التمثيلية يمثل دور الكافر أو دور الفاسق، لماذا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لأنه يخشى أن يؤثر ذلك على قلبه، أن يتذكر يومًا من الدهر أنه قام بدور الكافر، فيؤثر على قلبه ويدخل عليه الشيطان من هذه الناحية، لكن لو فعل هل يكون كافرًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، يكون كافرًا؛ لأن هذا الرجل لا ينسب الكفر (...) يصور نفسه إنه رجل طلق امرأته وله زوجة هل تطلق الزوجة أو لا تطلق؟
* الطلبة: لا تطلق.
* الشيخ: لا تطلق الزوجة.
* طالب: لماذا لا تطلق الزوجة؟
* الشيخ: لأنه ليس يضيف الطلاق إلى نفسه كما أن هذا الذي مثَّل دور الكافر ليس يضيف الكفر إلى نفسه إنما يضيفه إلى غيره، وقد ظن بعض الناس أنه إذا قام بدور الكافر فإنه يكفُر ويخرج من الإسلام، ويجب عليه أن يجدد إسلامه، واستدل بالقرآن وكلام أهل العلم.
أما القرآن فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦] فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وبقول أهل العلم: إن من أتى بكلمة الكفر ولو مازحًا فإنه يكفر، قالوا: وهذا الرجل مازح ليس جادًّا. فنقول لهم: والنبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ»[[أخرجه أبو داود (٢١٩٤) من حديث أبي هريرة]] » فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق، يمزح عليها فإنها تطلق، فهل تقولون إذا قام الرجل بدور، إذا قام الممثل بدور رجل طلق امرأته أتقولون إنها تطلق امرأته؟ سيقولون: لا، وكل يقول: لا، والفرق ظاهر؛ لأن المازح يضيف الفعل إلا نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره، ولهذا لا تطلق زوجته لو قام بدور تمثيل المطلِّق ولا يكفر لو قام بدور تمثيل الكافر، لكن أرى أنه لا يجوز من ناحية أخرى وهي لعله يتأثر قلبه في المستقبل حيث يتذكر أنه كان يومًا من الدهر يمثل دور الكافر. هل يمكن أن نأتي بدليل يمثل الأمر بالحكاية الفعلية؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: ما هو؟
* طالب: «الرسول ﷺ كان يومًا مع الصحابة وخط مستقيمًا وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ»[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١١٠٩) من حديث ابن مسعود.]]؟
* الشيخ: سمعتم كلامه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ذكر الخطوط التي خط النبي عليه الصلاة والسلام فيها خط خطوطًا يمثل الإنسان وأمله وأجله، وكذلك خط خطوطًا لصراط الله المستقيم وللسُّبل، لكن هذا قد يكون فيه نظر.
* الطالب: قصة الأقرع والأعمى والأبرص الملك الذي أتى لواحد أتي بصورة يعني رجل فقير متمثل[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: إي نعم، الملك أتى الأبرص والأقرع والأعمى وسألهم ماذا يريدون كل ذكر أمنيته فأعطاهم الله تعالى أمنيتهم، ثم عاد إليهم الملك مرة أخرى، عاد إلى الأبرص بصورته وهيئته يعني أبرص وفقير وقال له: إنني رجل فقير وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، الآن الملَك يمثل دور رجل فقير وهو ليس بفقير هو ملك ولا يحتاج إلى أكل ولا شرب، وكذلك بالنسبة للأقرع وكذلك بالنسبة للأعمى، فبعض العلماء استدل بهذا الحديث وقال: إن الكذب باطل، ولا يمكن أن الله تعالى يقر ملَكًا من ملائكته على أمر باطل، ولكن هذا جيء به لبيان الصورة بدلًا أن تُحكى بالقول حُكيت بالفعل، ولا شك أن ضرب الأمثال بالقول كثير في القرآن؛ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل ٧٥].
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] إلى آخره.
فالمهم أن نقول: إن التمثيل إذا لم يشتمل على شيء محرم من الأمثلة التي ذكرناها أو غيرها فإنه لا بأس به وليس من الكذب في شيء؛ لأن الكذب يضيف الإنسان الأمر إلى نفسه فيأتي إليك ويقول: يقرع الباب فتقول مَنْ؟ يقول: أنا زيد، وليس هو بزيد، هذا كاذب واضح، لكن يأتي إنسان ويقول: أنا أُمثِّل دور فلان ويعرف الناس أنه ليس فلانًا هو ما كذب، ولكنه نعم إذا نسب القول إلى شخص معين هذا يحتاج إلى ثبوت هذا القول عن هذا الشخص المعين، أما إذا حكى قصة رجل بوصفه لا بعينه فليس فيه كذب.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى يبين لعباده الآيات، الشرعية أو الكونية؟
* الطلبة: كلتاهما.
* الشيخ: كلتاهما، الآيات الكونية والآيات الشرعية كلتاهما مبينة أو كلها مبيّنة في كتاب الله سبحانه وتعالى أتمّ بيان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التفكُّر، وأنه غاية مقصودة لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فالإنسان مأمور بالتفكر؛ لأن التفكر يؤدي إلى نتائج طيبة، لكن هذا فيما يمكن الوصول إليه بالتفكّر فيه، يقول: هذا فيما يمكن أيش؟ الوصول إليه بالتفكر فيه، أما مالم يمكن الوصول بالتفكر فيه فإن التفكر فيه ضياع وقت وربما يوصل إلى محظور، مثل التفكر في كيفية صفات الله عز وجل، هذا لا يجوز؛ لأنك لن تصل إلى نتيجة، ولهذا جاء في الأثر: «تَفَكَّرُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦١٨) من حديث ابن عباس.]]؛ لأن هذا أمر لا يمكن الوصول إليه وغاية لا تمكن الإحاطة بها ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فلو أن أحدًا قال: بأتفكر كيف استوى الله على العرش وأيش لون استوائه على العرش؟ قلنا: هذا مطلوب ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، هذا غير مطلوب، بل يجب الكف عنه؛ لأنه سيؤدي إلى نتيجة سيئة؛ إما إلى التكييف أو التمثيل أو التعطيل ولا بد.
التفكر في معاني أسماء الله وصفاته مطلوب ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، مطلوب؛ لأن المعنى كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سُئل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة[[أخرجه البيهقي في الاعتقاد (٥٤).]].
هل يمكن أن نأخذ من عموم قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أنه يشمل التفكر في الأمور الكونية كأن يتفكر الإنسان في الوصول إلى صنع الأسلحة التي يدافع بها عن الإسلام، والوصول إلى صنع الطائرات التي يحمل بها الناس وما أشبه ذلك؟ نعم، يمكن؟
* طالب: نعم يمكن.
* الشيخ: هل يمكن أن نقول إنها تشمل التفكر في طبقات الأرض وما عسى أن يُستخرج من هذه الطبقات من معادن جارية وجامدة؟
* طالب: نعم، يمكن يا شيخ.
* الشيخ: يمكن، إذن هي عامة.
البقرة 2:266
ثم قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ ﴿قَوْلٌ﴾ مبتدأ و﴿خَيْرٌ﴾ خبره، وساغ الابتداء به هنا وهو نكرة؛ لأنه وُصف، وإن شئت فقل: لأنه أفاد، وطريق إفادته الوصف، وإذا علَّلت بأنه أفاد صار أحسن؛ لأن هذا هو ما قاله علماء النحو، وشاهد ذلك قول ابن مالك:
وَلَا يَــــجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِــــــــرَهْ ∗∗∗ مَـــــــــا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَهْ؎وَهَلْ فَتًى فِيكُمْ فَمَا خِلٌّ لَنَا ∗∗∗ وَرَجُلٌ مِنَ الْكِرَامِ عِنْدَنَـــــــــــــا؎وَرَغْبَةٌ فِي الْخَيْرِ خَيْرٌ وَعَمَلْ ∗∗∗ بِرٍّ يَزِينُ وَلْيُقَسْ مَا لَمْ يُقَلْ
هذه الأمثلة أي مثال ينطبق على هذه الآية؟
* الطلبة: ورجل من الكرام عندنا.
* الشيخ: ورجل من الكرام عندنا.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ القول المعروف هو ما نطق به اللسان معروفًا في الشرع ومعروفًا في العُرف؛ لأن القول قد يكون معروفًا في الشرع غير معروف في العرف وقد يكون معروفًا في العُرف غير معروف في الشرع؛ فمثلًا لو كان من عادة هؤلاء القوم أن يتكلموا بالسب والشتم وما أشبه ذلك ويرون هذا أمرًا لا بأس به مثل ما يعتاد بعض الناس: تعالَ يا ملعون، تعالَ يا فاعل يا تارك، يا ابن الزنا والعياذ بالله وما أشبه ذلك، فيه ناس اعتادوا على هذا الكلام، وصار هذا المنكر عندهم معروفًا، هذا لا يدخل في هذه الآية؛ لأن..
من فوائد الآية الكريمة: بيان تثبيت المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة، وجه ذلك: أن الله تعالى ضرب مثلًا للمعاني بهذه القصة أو بهذه الصورة التي لا يودها أحد.
* ومن فوائدها: وجه المطابقة بين الإنسان المرائي وبين حال هذا الرجل؛ لأن المرائي إذا أنفق ماله يظهر من الناس مدحه والثناء عليه فيزداد ويربو في نفسه، ويظن أنه حصل على ما يريد، فإذا جاء يوم القيامة الوقت الذي يحتاج إلى هذا، لا يجد ثواب ما عمله، فيكون هذا العمل، العمل الذي فيه رياء كالإعصار الذي أصاب تلك الجنة.
* ومن فوائد الآية: جواز ضرب المثل بالحكاية القولية.
فهل يجوز ضرب المثل بالحكاية الفعلية؟ وهو ما يُسمى بالتمثيل؟
الجواب: نعم يجوز، لكن بشرط أن لا يشتمل على شيء محرم، ولنضرب لذلك أمثلة للأشياء المحرمة في التمثيل أولًا: أن لا يكون فيه قيام رجل بدور امرأة، أو قيام امرأة بدور رجل، أن لا يقوم الرجل بدور تمثيل المرأة أو بالعكس، لماذا؟ لأن النبي ﷺ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»[[أخرجه البخاري (٥٨٨٥) من حديث ابن عباس.]].
ثانيًا: ألَّا يتضمن ازدراء ذوي الفضل من الصحابة وأئمة الأمة؛ لأن ازدراءهم واحتقارهم محرم، والقيام بتمثيلهم يحط من قدرهم لا سيما إذا عُلم من حال الممثل أنه فاسق؛ لأن الغالب إذا كان فاسقًا وتقمص شخصية هذا الرجل التقي الذي له قدرُه وفضله في الأمة، فإن ذلك يحط من قدر هذا الذي قام بدوره في التمثيلية.
الثالث: ألَّا يكون فيه تقليد لأصوات الحيوانات، مثل أن يقوم بدور تمثيل الكلب أو الحمار؛ لأن الله لم يجعل التشبه في الحيوان إلا في مقام الذم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة ٥]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦] إلى آخره، وقال النبي ﷺ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٥٨٩) من حديث ابن عباس.]].
الرابع: ألا يتضمن تمثيل دور الكافر أو الفاسق، يعني بمعنى أن لا يكون أحد القائمين بأدوار هذه التمثيلية يمثل دور الكافر أو دور الفاسق، لماذا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لأنه يخشى أن يؤثر ذلك على قلبه، أن يتذكر يومًا من الدهر أنه قام بدور الكافر، فيؤثر على قلبه ويدخل عليه الشيطان من هذه الناحية، لكن لو فعل هل يكون كافرًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، يكون كافرًا؛ لأن هذا الرجل لا ينسب الكفر (...) يصور نفسه إنه رجل طلق امرأته وله زوجة هل تطلق الزوجة أو لا تطلق؟
* الطلبة: لا تطلق.
* الشيخ: لا تطلق الزوجة.
* طالب: لماذا لا تطلق الزوجة؟
* الشيخ: لأنه ليس يضيف الطلاق إلى نفسه كما أن هذا الذي مثَّل دور الكافر ليس يضيف الكفر إلى نفسه إنما يضيفه إلى غيره، وقد ظن بعض الناس أنه إذا قام بدور الكافر فإنه يكفُر ويخرج من الإسلام، ويجب عليه أن يجدد إسلامه، واستدل بالقرآن وكلام أهل العلم.
أما القرآن فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦] فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وبقول أهل العلم: إن من أتى بكلمة الكفر ولو مازحًا فإنه يكفر، قالوا: وهذا الرجل مازح ليس جادًّا. فنقول لهم: والنبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ»[[أخرجه أبو داود (٢١٩٤) من حديث أبي هريرة]] » فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق، يمزح عليها فإنها تطلق، فهل تقولون إذا قام الرجل بدور، إذا قام الممثل بدور رجل طلق امرأته أتقولون إنها تطلق امرأته؟ سيقولون: لا، وكل يقول: لا، والفرق ظاهر؛ لأن المازح يضيف الفعل إلا نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره، ولهذا لا تطلق زوجته لو قام بدور تمثيل المطلِّق ولا يكفر لو قام بدور تمثيل الكافر، لكن أرى أنه لا يجوز من ناحية أخرى وهي لعله يتأثر قلبه في المستقبل حيث يتذكر أنه كان يومًا من الدهر يمثل دور الكافر. هل يمكن أن نأتي بدليل يمثل الأمر بالحكاية الفعلية؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: ما هو؟
* طالب: «الرسول ﷺ كان يومًا مع الصحابة وخط مستقيمًا وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ»[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١١٠٩) من حديث ابن مسعود.]]؟
* الشيخ: سمعتم كلامه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ذكر الخطوط التي خط النبي عليه الصلاة والسلام فيها خط خطوطًا يمثل الإنسان وأمله وأجله، وكذلك خط خطوطًا لصراط الله المستقيم وللسُّبل، لكن هذا قد يكون فيه نظر.
* الطالب: قصة الأقرع والأعمى والأبرص الملك الذي أتى لواحد أتي بصورة يعني رجل فقير متمثل[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: إي نعم، الملك أتى الأبرص والأقرع والأعمى وسألهم ماذا يريدون كل ذكر أمنيته فأعطاهم الله تعالى أمنيتهم، ثم عاد إليهم الملك مرة أخرى، عاد إلى الأبرص بصورته وهيئته يعني أبرص وفقير وقال له: إنني رجل فقير وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، الآن الملَك يمثل دور رجل فقير وهو ليس بفقير هو ملك ولا يحتاج إلى أكل ولا شرب، وكذلك بالنسبة للأقرع وكذلك بالنسبة للأعمى، فبعض العلماء استدل بهذا الحديث وقال: إن الكذب باطل، ولا يمكن أن الله تعالى يقر ملَكًا من ملائكته على أمر باطل، ولكن هذا جيء به لبيان الصورة بدلًا أن تُحكى بالقول حُكيت بالفعل، ولا شك أن ضرب الأمثال بالقول كثير في القرآن؛ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل ٧٥].
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر ٢٩] إلى آخره.
فالمهم أن نقول: إن التمثيل إذا لم يشتمل على شيء محرم من الأمثلة التي ذكرناها أو غيرها فإنه لا بأس به وليس من الكذب في شيء؛ لأن الكذب يضيف الإنسان الأمر إلى نفسه فيأتي إليك ويقول: يقرع الباب فتقول مَنْ؟ يقول: أنا زيد، وليس هو بزيد، هذا كاذب واضح، لكن يأتي إنسان ويقول: أنا أُمثِّل دور فلان ويعرف الناس أنه ليس فلانًا هو ما كذب، ولكنه نعم إذا نسب القول إلى شخص معين هذا يحتاج إلى ثبوت هذا القول عن هذا الشخص المعين، أما إذا حكى قصة رجل بوصفه لا بعينه فليس فيه كذب.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى يبين لعباده الآيات، الشرعية أو الكونية؟
* الطلبة: كلتاهما.
* الشيخ: كلتاهما، الآيات الكونية والآيات الشرعية كلتاهما مبينة أو كلها مبيّنة في كتاب الله سبحانه وتعالى أتمّ بيان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التفكُّر، وأنه غاية مقصودة لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فالإنسان مأمور بالتفكر؛ لأن التفكر يؤدي إلى نتائج طيبة، لكن هذا فيما يمكن الوصول إليه بالتفكّر فيه، يقول: هذا فيما يمكن أيش؟ الوصول إليه بالتفكر فيه، أما مالم يمكن الوصول بالتفكر فيه فإن التفكر فيه ضياع وقت وربما يوصل إلى محظور، مثل التفكر في كيفية صفات الله عز وجل، هذا لا يجوز؛ لأنك لن تصل إلى نتيجة، ولهذا جاء في الأثر: «تَفَكَّرُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦١٨) من حديث ابن عباس.]]؛ لأن هذا أمر لا يمكن الوصول إليه وغاية لا تمكن الإحاطة بها ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فلو أن أحدًا قال: بأتفكر كيف استوى الله على العرش وأيش لون استوائه على العرش؟ قلنا: هذا مطلوب ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، هذا غير مطلوب، بل يجب الكف عنه؛ لأنه سيؤدي إلى نتيجة سيئة؛ إما إلى التكييف أو التمثيل أو التعطيل ولا بد.
التفكر في معاني أسماء الله وصفاته مطلوب ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، مطلوب؛ لأن المعنى كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سُئل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة[[أخرجه البيهقي في الاعتقاد (٥٤).]].
هل يمكن أن نأخذ من عموم قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أنه يشمل التفكر في الأمور الكونية كأن يتفكر الإنسان في الوصول إلى صنع الأسلحة التي يدافع بها عن الإسلام، والوصول إلى صنع الطائرات التي يحمل بها الناس وما أشبه ذلك؟ نعم، يمكن؟
* طالب: نعم يمكن.
* الشيخ: هل يمكن أن نقول إنها تشمل التفكر في طبقات الأرض وما عسى أن يُستخرج من هذه الطبقات من معادن جارية وجامدة؟
* طالب: نعم، يمكن يا شيخ.
* الشيخ: يمكن، إذن هي عامة.
البقرة 2:267
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٦٧] قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أيش؟ على أهميته والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه، والتنبيه على الشيء دليل على الاهتمام به، وأن تصديره بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بهذا الوصف يفيد عدة فوائد:
الأولى: الإغراء، والإغراء معناه الحث على قبول ما تُخاطب به، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) بلفظ: «فأَصْغِ لها سمعَكَ فإنَّهُ خيرٌ تُؤمَرُ به أو شرّ تُصرَفُ عنْهُ».]]، ولهذا لو ناديتك بوصفك وقلت: يا رجل، يا ذكي، يا كريم، معناه يا من تُوصف بهذا اجعل آثار هذا الشيء باديًا عليك، فيكون الفائدة الأولى هي الإغراء.
الفائدة الثانية: أن امتثال ما أُمر به من مقتضيات الإيمان كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا إن إيمانكم يدعوكم إلى كذا وكذا.
الشيء الثالث: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأنه لو حقَّق هذا الوصف لقام بما أُمِر به.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ بعد أن ذكر الله فيما سبق فضيلة الإنفاق ابتغاء وجهه، وسوء العاقبة لمن منّ بصدقته أو أنفق رياءً حث على الإنفاق، لكن الفرق بين ما هنا وبين ما سبق؛ أن ما هنا بيان للذي يُنفق منه، وهناك بيان للذي يُنفق عليه عرفتم؟ هنا بيان للذي ينفق منه، من أين نُنفق؟ قال: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الطيِّب من الكسب هو الكسب الحلال، والخبيث هو الكسب الحرام، كل كسب حرام فهو خبيث، وكل كسب حلال فهو طيِّب. ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ لا من خبائثه عرفتم؟ والخبيث: قد يراد به الحرام وهو خبيث لكسبه، وقد يراد به الرديء، وهو خبيث لعينه بعينه، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.
قال: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي ما حصَّلتموه بالكسب مثل الدراهم، التجارة، مغلَّة الوقف، الإجارة، وغير ذلك، كل شيء حصل بعمل منك فهو من كسبك.
قال: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال بعضهم: إن قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ معطوف على (ما) في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، ولكن الصحيح اللي يظهر أنه معطوف على قوله: ﴿طَيِّبَاتِ﴾ يعني أنفقوا من طيبات ما رزقناكم، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من الأرض؛ لأن ما أخرج الله لنا من الأرض كله طيب، ملك لنا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
وقوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ هنا (من) للتبعيض ولّا للبيان؟
* الطلبة: للتبعيض.
* الشيخ: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أنفقوا بعض طيبات ما كسبتم وبعض ما أخرجنا لكم من الأرض، أو أنفِقوا مما أخرجنا لكم من الأرض ولو أنفقتم الكل؟
* الطلبة: الأوَّل.
* الشيخ: فيه احتمال أن (مِن) لبيان الجنس، والمعنى ﴿أَنْفِقُوا﴾ من هذا ولو أنفق الإنسان كل ماله، أو أن المراد البعض التبعيض، ويكون الأمر بالإنفاق أمرًا بإنفاق البعض لا إنفاق الكل، ولكن أنا عندي أنها للجنس أحسن؛ لأنها للجنس تعم القليل والكثير.
قال: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ والله يخرج لنا من الأرض أيش؟
* طالب: النبات والمعادن.
* الشيخ: النخيل، الأعناب، الزروع، الفاكهة، المعادن، وغير ذلك أشياء كثيرة، فما أخرج لنا من الأرض يجب أن نُنفق منه.
قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ ﴿تَيَمَّمُوا﴾ بمعنى: تقصدوا؛ لأن التيمم في اللغة: القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة ٦].
وقوله: ﴿الْخَبِيثَ﴾ المراد بالخبيث هنا الردي، يعني لا تقصدوا الردي تخرجونه وتبقون لأنفسكم الطيِّب، فإن هذا ليس من العدل، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. كلمة: ﴿مِنْهُ﴾ متعلقة بـ﴿الْخَبِيثَ﴾ على أنها حال؟ أو متعلقة بـ﴿تُنْفِقُونَ﴾؟
فيها وجهان: قيل: إنها ﴿مِنْهُ﴾ متعلقة بـ﴿الْخَبِيثَ﴾ على أنها حال، الخبيث حال كونه مما أخرجنا لكم من الأرض، وعلى هذا يكون في ﴿تُنْفِقُونَ﴾ ضمير محذوف، تقديره: تنفقونه. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ أي مما أخرجنا لكم تنفقونه.
وقيل: بل متعلق بقوله: ﴿تُنْفِقُونَ﴾ يعني ولا تقصدوا الخبيث تُنفقون منه، وأنه قدمها على عاملها لأي شيء؟
* طالب: للحصر.
* الشيخ: للحصر، والقولان من حيث المعنى لا يختلفان، فإن معناها أن الله ينهانا أن نقصد الخبيث وهو الردي لننفق منه.
قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ نشوف الجيد منكم يعرب لنا ﴿بِآخِذِيهِ﴾؟ ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾.
* طالب: خبر ليس.
* الشيخ: أعربها ﴿لَسْتُمْ﴾ كلها كل الجملة أعربها؟
* الطالب: ﴿بِآخِذِيهِ﴾ جار ومجرور.
* الشيخ: لا أعرب ﴿لَسْتُمْ﴾.
* الطالب: ليس فعل ماضٍ مبني على الفتح.
* الشيخ: ليس فعل ماضٍ ناقص.
* الطالب: فعل ماضٍ ناقص.
* الشيخ: أيش يعمل؟
* الطالب: ينصب المفعول، يرفع المبتدأ وينصب الخبر.
* الشيخ: طيب، ﴿لَسْتُمْ﴾.
* الطالب: ضمير الفصل مبني على الضم في محل رفع فاعل.
* الشيخ: فاعل؟
* الطالب: لا ما هو فاعل في محل رفع.
* الشيخ: اسم؟
* الطالب: اسم (ليس).
* الشيخ: اسم (ليس) والميم؟
* الطالب: ميم الجمع.
* الشيخ: ﴿بِآخِذِيهِ﴾؟
* الطالب: الباء حرف جر زائد.
* الشيخ: زائد؟ إما قيدها وإلا قل زائد زائد.
* طالب: زائد بس؟
* الشيخ: زائد بس، ما يصلح؟
* طالب: نقول: الباء حرف جر زائد لفظًا يعني غير زائد معنى.
* الشيخ: نعم زين صح.
* طالب: و﴿آخِذ﴾ خبر كان منصوب بها وعلامة نصبه الياء و﴿آخِذ﴾ مضاف.
* الشيخ: وين الياء؟
* الطالب: ياء في آخذيه.
* الشيخ: ما هو حرف جر؟
* الطالب: بس يعني مقدر.
* الشيخ: وعلامة نصبه؟
* طالب: كسرة.
* الشيخ: الياء ولّا كسرة؟
* الطالب: الياء.
* الشيخ: الياء المقدّرة على الياء التي اجتلبت لحرف الجر الزائد، شوف فلسفة هذه، لكن هذه قواعد النحو، والنون؟
* الطالب: محذوف للإضافة.
* الشيخ: للإضافة طيب المعنى؟
* طالب: زائد معنى ولا غير زائد يا شيخ؟
* الشيخ: المعنى.
* طالب: من غير زائد ولا زائد؟
* الشيخ: لا في المعنى غير زائد، يفيد التوكيد.
قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ الإعراب كما سمعتم والباء حرف جر زائد لفظًا غير زائد معنى، لفظًا بمعنى أن الإعراب يصح بدونه، هذا اللفظ بس معنى قولنا زائد لفظًا أن الإعراب يصح بدونه، لكنه غير زائد معنى؛ لأنه يفيد أيش؟
* الطلبة: التوكيد.
* الشيخ: يفيد التوكيد، يعني أن الله عز وجل يقول: كيف تيمموا الخبيث تنفقون منه ولستم بآخذيه لو أُعطيتموه؟ أنت لو كان لك حق عند شخص وأعطاك الرديء من المال المشترك تقبل ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا تقبل إلا أن تغمضوا فيه، يعني أن تأخذوه عن إغماض وتساهل، فربما ولنضرب لهذا مثلًا: بيني وبينك تمر مشترك، في هذا التمر الردي والوسط والطيب، أردت القسمة فأعطيتك الجانب الردي من هذا التمر أتقبل؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: قد تقول: لا أقبل، لك الحق في هذا، وربما يكون عندك حياء وخجل فتأخذه على إغماض، ومعنى الإغماض معناه التساهل والتغاضي عن الشيء كالرجل يُغمض عينيه عن الشيء كراهة أن يراه لكن خجلًا منه، فكما يقال في المثل: (خذه وأنت ما تشوف). فنقول: لو أُعطيت من مال مشترك بينك وبين غيرك من الردي من هذا المال أتقبل؟ لا، إلا على إغماض، فكيف ترضى أن تُعطي من يستحق الإنفاق من مالك تعطيه من الجانب أيش الردي، هل هذا من العدل؟
ليس من العدل، علمًا بأنك إذا أعطيته من الردي فإنما أعطيت نفسك، وإذا أعطيته من الجيد فإنما أعطيت نفسك، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢] وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدَّق به[[أخرجه أبو نعيم في الحلية (١ / ٢٩٤)، من حديث نافع عنه بلفظ كان ابن عمر إذا اشتدّ عجبُهُ بشيء من ماله قرّبه لربه عز وجل.]]، وأبو طلحة -تعرفون قصته رضي الله عنه-« لما نزلت هذه الآية جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، إن الله يقول:» ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢] «وإن أحب مالي إليَّ بَيْرُحاء» - بيرحاء بستان مستقبلة المسجد النبوي كان النبي ﷺ يأتي إليها ويشرب من ماء فيها طيب قَراح ونظيف، يعني هذا البستان يزداد غلاؤه من حيث مجيء الرسول ﷺ إليه وشربه منه- قال رضي الله عنه: «وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إليَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّنِي– يعني - أُقَدِّمُهَا صَدَقَةً، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَخٍ بَخٍ، مَالٌ رَابِحٌ مَالٌ رَابِحٌ» » الله أكبر، هذا المال الرابح «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»[[أخرجه البخاري(١٤٦١) من حديث أنس.]]؛ لأنه قال: ضعها حيث أراك الله. الشاهد أن هذا الإنسان الذي ينفق الطيب هو أنفق لنفسه في الواقع، والذي يُنفق الخبيث لنفسه أيضًا.
هنا يقول: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ والطيِّب يعني نُنفق الطيب.
قال: ﴿وَاعْلَمُوا﴾.
* طالب: الجملة يا شيخ.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: ﴿لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾
* الشيخ: من حيث أيش؟
* الطالب: من حيث الإعراب، فيه موضع نصب على الحال.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: ﴿لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يمكن تصلح للحال.
قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ فهو لم يطلب منكم الإنفاق لفقره واحتياجه. ﴿حَمِيدٌ﴾ يعني حامد ومحمود؛ لأن فعيلًا تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، إتيانها بمعنى فاعل مثل؟
* طالب: سبحانه.
* الشيخ: لا، إتيان فعيل بمعنى فاعل مثل أيش؟
* طالب: رحيم بمعنى راحم.
* الشيخ: سميع بمعنى سامع، بصير بمعنى مُبصر، إتيانها بمعنى مفعول كقتيل وجريح وذبيح وما أشبه ذلك. هنا ﴿حَمِيدٌ﴾ تصح أن تكون بمعنى حامِد وبمعنى محمود، أما كون الله محمودًا فظاهر، وأما كونه حامدًا فكيف؟
لأنه يحمد عز وجل من يستحق الحمد من عباده، ولهذا أثنى على أنبيائه ورسله والصالحين من عباده، وهذا يدل على أنه عز وجل حامد لمن يستحق الحمد، وهو كذلك محمود، وجه المناسبة في ذكر الحميد بعد الغني أن غناه عز وجل غنى يُحمد عليه بخلاف غنى المخلوق، فقد يحمد عليه وقد لا يحمد، متى لا يحمد المخلوق على غناه؟
* الطلبة: إذا كان بخيلًا.
* الشيخ: إذا كان بخيلًا، إذا كان بخيلًا فإنه لا يُحمد على غناه، ويحمد إذا بذل، والله عز وجل غني حميد، فهو لم يسألكم هذا لحاجته إليه، ولكن لمصلحتكم أنتم.
* طالب: (...) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب ٥٣] يقول: أعطني من الجيد.
* الشيخ: أيش؟ إي نعم له أن يقول هذا، لكن يمكن إذا قال: أعطني من الجيد لشريكي قال شريكه: لا، ما أعطيك من الجيد، نتقاسم أنا وإياك الجيد ونعطيك حقك منه ونتقاسم الرجل ونعيطك حقك منه ونتقاسم الوسط ونعيطك حقك منه.
* طالب: ذكرنا في أول الآية أن الذي يمثِّل؛ يعني كالذي مثلًا يمثل أصوات الناس (...) صوت، ويقف ليلفت الناس بها؟
* الشيخ: هو ينسبها إلى شخص معين؟
* الطالب: نعم، بعضهم ينسبها إلى شخص معين.
* الشيخ: لا، هذه تكون مثل الغيبة؛ لأن ما كل أحد يرضى أن الناس يقلدون صوته.
* طالب: أيضًا يعني ما يكون محبوب.
* الشيخ: فيكون ذكرك أخاك بما يكره، نحن نريد مثلًا تمثيل واحد يبيع، يحكي إنسان يسيء الأدب.
* طالب: طب الجواب يا شيخ عن الحديث؟
* الشيخ: إنسان يسيء الأدب مع معامِله، إنسان مثلًا يسيء الأدب في تصرفه في الأسواق في المساجد، وما أشبه ذلك.
* طالب: الحديث يا شيخ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٣١) من حديث ابن عمر.]] قلنا: إن الأول يعني إذا مثلًا مثل دور الكافر كيف نجيب عن الحديث؟
* الشيخ: لأنه لا يمثل دور الكافر.
* الطالب: لا أنت ذكرت قلنا: يعني لا يكفر مثلًا، لكن لو رضي بهذا ومثله؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما يكفر؛ لأنه ما ينسب الكفر إلى نفسه.
* طالب: لكن الحديث «مَنْ تَشَبَّهَ»؟
* الشيخ: نعم من تشبه قصد الفعل، يعني رجل راح يلبس ثياب الكفار مثلًا، هذا يصير ما فيه شك متشبه؛ لأنه أضاف الفعل إلى نفسه، ثم هذا الحديث ليس يكفُر كفرًا مخرجًا عن الملة، ولهذا من تشبه بالكفار فإنه ليس بكافر، بل بعض العلماء قال: يكره وبعضهم قال: يحرم، والصحيح أنه يحرم التشبه بالكفار.
* طالب: شيخ، إحنا قلنا: التشبُّه تقليد أصوات الحيوانات يحرم، لكن إذا قلد مثلًا صوت الديك؟
* الشيخ: وأيش الديك؟
* طالب: يعني لم يأتِ به ذم في الشرع، يعني لم يعني نقول: الديك لم يُذم شرعًا، ما هو مثل الكلب؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟
* طالب: ليس حيوان أصلًا.
* الشيخ: السؤال يقول: لو أنه شبَّه أذان الديك؟ هو بيصير له عرف ولّا لا؟! لا صحيح وأيش تقولون: إذا قلد صوت حيوان لم يرد في الشرع ذمه وليس مما يُذم؟
* طالب: نشوف إذا الديك من الحيوان.
* طالب آخر: نقول يا شيخ، الحديث: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحدث لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ»؟
* الشيخ: يكذب يكذب «وَيْلٌ لِلَّذِي يَكْذِبُ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٩٠) من حديث معاوية بن حيدة.]].
* طالب: ما هو يحدث؟
* الشيخ: يحدث فيكذب.
* طالب: شيخ، هلا شو اسمه، الحيوان من حيث هو يعنى مذموم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما كرم بني آدم قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء ٧٠] والإنسان نزوله إلى الحيوان، يشمل كل شيء أي شيء مكروه للإنسان؛ لأنه نزول؟
* الشيخ: هذا وجه جيد، يقول: حتى لو كان في الديك أو في الـ..
* طالب: مردود يا شيخ.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: هل يثبت عن الرسول ﷺ «أنه وضعه على كتفه وكان يمشي بهم ويقول: «نِعْمَ الرَّاكِبَانِ أَنْتُمَا»[[أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦٧٧) من حديث سلمان الفارسي.]].
* طالب: الحسن والحسين.
* الشيخ: إي يعني جعله كأنه بعير يعني؟ طيب نشوف الآن، يظن بعض الناس أن الله سبحانه وتعالى فضل الآدمي على كل شيء وليس كذلك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا﴾ [الإسراء ٧٠] ما هو على كل شيء، ولهذا الإنسان ما هو مُفضّل على كل شيء، صحيح ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٧]، ولهذا في بني آدم من هو شر من الحيوان، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦].
يقول بعض الناس: هذا أخي في الإنسانية وما أشبه ذلك، هذا حرام، الإنسانية ما هي وصف يُمدح فيه الإنسان إلا إذا قام الإنسان بمقتضى هذه الإنسانية، وأما أنه إنسان وهو أخبث من الحيوان فليس فيه خير.
* طالب: شيخ تقليد صوت القرّاء؟
* الشيخ: ما فيه شيء.
* الطالب: يتعمد يقلد قارئًا؟
* الشيخ: إي نعم، قد يكون هذا القارئ قراءته جيدة؛ يعني يستأنس الناس بها ويستريحون لها ما فيه شيء.
* طالب: الديك (...).
* طالب آخر: اللي يمثل دور الكافر لو تلفَّظ بألفاظ كفرية مازحًا فيها يعني يسب الدين أو يسب القوم يعنى يسب المسلمين أو يسب الله؟
* الشيخ: إيه، لكن هو ما يسبه مضيفًا ذلك إلى نفسه، يسبه مضيفًا ذلك إلى من يقوم بدوره، ما هو يضيف لنفسه، هو لو يستهزئ بدين الله أو بالمسلمين ولو كان مازحًا، يعني مثلًا لو واحد يبي يتكلم يستهزئ بسنة من السنن، لو هي سنة من سنة الرسول وهو ينسب الشيء إلى نفسه كفر، وكما وضحت لكم يعني يتضح لك المثال تمامًا برجل طلق زوجته مازحًا ومثَّل دور رجل طلق زوجته، في المثال الأول تطلق الزوجة، وفي المثال الثاني إي نعم لا تطلق.
* طالب: شيخ، نقول فيه فرق إنه هذا الشيء يتعلق أما الاستهزاء بالله هذا يتعلق بـ.. ؟
* الشيخ: لا، هو يقول: أنا ما أستهزئ.
* الطالب: كلمات كفر.
* الشيخ: هذا ما يقول استهزئ، يعني هذه الكلمة التي قالها ينسبها إلى غيره، كأنه يقول: قال هذا الرجل الذي أنا أقوم بتمثيله كذا وكذا، وحاكي الكفر ليس بكافر.
ففرق بين الإنسان اللي مثلًا يسخر بالدين ويضيف السخرية إلى نفسه لو قال: والله أنا ما قصدت، نقول: وإذا لم تقصد أشد، أما أن يحكي عن رجل بأنه استهزأ بالدين فإنه لا يكفُر.
* طالب: شيخ، يعني أكثر من هذا يعني خاصة المشاهدين أن يصبح هذا الشيء متساهلًا، هذا الاستهزاء بالدين؟
* الشيخ: نحن قلنا: هذا حرام، لكن الكلام مش عليه، على الكفر هل يكفر ولَّا لا؟ لأن الخروج من الدين ما هو هين؛ يعني ليس إخراجك الإنسان من الدين كإخراجك إياه من المسجد أو من البيت، مسألة ليست بهينة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. * يستفاد من هذه الآية فضيلة الإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن هذا وصف يقتضي امتثال أمر الله، وهذا يدل على فضيلة الإيمان.
* ثانيًا: أن من مقتضى الإيمان امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وجهه: أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ فلولا أن للإيمان تأثيرًا لكان تصدير الأمر بهذا الوصف لغوًا لا فائدة منه.
* ثالثًا: وجوب الإنفاق من طيبات ما كسبنا لقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم صارِف عنه، أو حتى يدل دليل صارف عن الوجوب.
* ومن فوائد الآية: وجوب الزكاة في عروض التجارة لقوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ ولا شك أن عروض التجارة كسب، فإنها كسب بالمعاملة.
* ومن فوائدها: أن المال الحرام (...).
إذا قال قائل: ماذا أصنع به إذا تبت؟ يعني رجل اكتسب مالًا حرامًا ثم تاب، فماذا يصنع به؟
نقول: يتصدق به تخلصًا منه وإبراء لذمته لا تقربًا به؛ لأنه لو تصدَّق به تقرُّبًا به لم يُقبل منه ولم تبرأ ذمته، لم يقبل منه لقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»[[أخرجه مسلم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولم تبرأ ذمته لأنه إنما تصدق به على أنه مُلكه، لا على أنه متخلص منه متبرئ بخلاف من تصدق به تخلصًا منه فإنه يُؤجر على ذلك، فإذا تصدق به تبرئًا منه هل يؤجر على نفس الصدقة أو على البراءة والتوبة؟
* الطلبة: على البراءة والتوبة.
* الشيخ: على البراءة والتوبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية لقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ و﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾، وجه الدلالة من ﴿أَنْفِقُوا﴾ أنه لو كان الإنسان مجبرًا على عمله لم يصح أن يوجه إليه الأمر بالإنفاق؛ لأنه يقول: ما أقدر، لو أردت أن أنفق وأنا مجبر على العمل ما تمكنت. كذلك قوله: ﴿كَسَبْتُمْ﴾ أضاف الكسب إليهم فهو دليل على أن الإنسان يُنسب إليه الفعل ولا يُجبر عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الزكاة من الخارج من الأرض، من أين تؤخذ؟
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
* طالب: ﴿مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذا الشاهد.
* الشيخ: قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ففيها وجوب الزكاة فيما خرج من الأرض، عرفتم؟
وظاهر الآية وجوب الزكاة من الخارج من الأرض مطلقًا سواء كان قليلًا أم كثيرًا، وسواء كان مما يوسق ويكال أم لا، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم على أن الزكاة تجب في الخارج من الأرض مطلقًا لعموم الآية، ولكن الصواب خلاف ذلك لدلالة السنة على التفصيل في هذا، فأولًا: لا تجب الزكاة في القليل لقول النبي ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٤٨٤)، ومسلم (٩٧٩) واللفظ له، من حديث أبي سعيد الخدريّ.]] فإذا حصَّل الإنسان من الزرع دون خمسة أوسق، والوسق هو الحِمل، ومقدار الخمسة ثلاثمئة صاع بصاع النبي ﷺ، فإذا حصَّل الإنسان من الزرع ما يساوي مئتي صاع فقط، فلو رجعنا إلى ظاهر الآية؟
* الطلبة: لوجبت عليه.
* الشيخ: لوجبت عليه، ولكن السنة بينت أنه لا شيء عليه فيما دون ذلك في المئتين.
ثانيًا: دلت السنة على أن ما لا يُكال لا تجب فيه الزكاة، كيف ذلك؟
من قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» والوسق كما قلت هو الحمل وهو ستون صاعًا، وعليه فلا تجب الزكاة في الخضروات مثل التفاح والبرتقال والأترج وشبهها؛ لأن السُّنة بينت أنه لا بد من أن يكون ذلك الشيء مما يُوسق.
ثالثًا: أُجمل في الآية مقدار ما ينفق ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، وقد دلت السنة فيما خرج من الأرض أن الواجب فيما يسقى بمؤونة نصف العشر، يعني خمسة في المئة، وفيما يسقى بلا مؤونة العُشر؛ يعني عشرة في المئة، واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ هل بينت السُّنة ما يجب في عروض التجارة؟ نقول: نعم؛ لأن عروض التجارة تُقوَّم بالذهب والفضة، والذهب والفضة قد بينت السنة بأن في كل واحد منها أيش؟ رُبع العشر، ربع العشر كم؟
* الطلبة: اثنان ونصف.
* الشيخ: واحد من أربعين، وهو كذلك.
* من فوائد الآية: ما يتبين من اختلاف التعبير في قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، فلماذا عبر بالأول تعبيرًا يدل على أن ذلك من فعل العبد، والثاني عبر تعبيرًا يدل على أنه ليس من فِعل العبد؟
الأمر في هذا واضح؛ لأن نمو التجارة بالكسب غالبه من فعل العبد، يبيع ويشتري ويكسب، أما ما خرج من الأرض فليس من فِعل العبد في الواقع ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة ٦٣، ٦٤].
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: وجوب الزكاة في المعدن، في المعادن.
* الطلبة: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
* الشيخ: لدخولها في عموم ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. لكن العلماء يقولون: إن كان المعدن ذهبًا وفضة وجبت فيه الزكاة بكل حال، وإن كان غير ذهب وفضة كالنحاس والرصاص وما أشبهها ففيه الزكاة إن أعده للتجارة؛ لأن هذه المعادن لا تجب الزكاة فيها بعينها إنما تجب الزكاة فيها بالنية يعني إذا نواها للتجارة وجبت الزكاة فيها.
طيب هل يستفاد منها وجوب الزكاة في الرِّكاز؟
* الطلبة: لا يُستفاد.
* الشيخ: فيه خلاف؛ منهم من قال: يستفاد من ذلك، وجوب الزكاة في الركاز، ولا بد أن نعرف ما هو الركاز؟
الركاز: ما وجد من دفن الجاهلية أي مدفون الجاهلية، يعني ما وجد من النقود القديمة التي تُنسب إلى زمن بعيد بحيث يغلب على الظن أنه ليس لها أهل اليوم، هذه الدراهم والدنانير إذا وُجدت تكون ركازًا، فهل تجب فيها الزكاة أو لا تجب؟ فيها خلاف بين العلماء، هذا الخلاف مبني على المراد بقول النبي ﷺ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠) من حديث أبي هريرة.]].
فمنهم من قال: إن المراد بالخمس واحد من خمسة.
ومنهم من قال: إن المراد بالخمس (أل) للعهد المعروف شرعًا وهو الخمس الذي يُصرف مصرف الفيء، وقال: إنه لا يوجد شيء من أموال الزكاة والخمس، والذين قالوا: المراد بالخمس واحد من خمسة قالوا: إنما وجب فيه الخمس لسهولة الحصول عليه، يعني مثلًا الدراهم والدنانير أو عروض التجارة فيها تعب، وما أخرج الله من الأرض تعبه أسهل والركاز أسهل من الجميع فوجب في كل واحد منها ما تقتضيه الحكمة.
* طالب: ما يأخذ أحد يا شيخ.. ما أحد يدوّر ركازًا.
* الشيخ: لا، يوجد، يوجد ناس يعثرون عليه، يوجد؛ إما حفريات أو أحد ينبه يجي أحد في الرؤيا ينبهه يقول: المكان الفلاني فيه كذا وكذا.
* طالب: الراجح يا شيخ؟
* الشيخ: الراجح وجوب الخمس.
* من فوائد الآية الكريمة: تحريم قصد الرديء في إخراج الزكاة لقوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إذا ضُمت إلى حديث ابن عباس حين بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن قال: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس.]] إذا ضممت الحديث إلى الآية تبين لك العدل في الشريعة؛ لأن قوله: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» لو أن العامل على الزكاة قصد الكرائم من الأموال صار في هذا إجحاف على من؟
* الطلبة: على صاحب المال.
* الشيخ: على أهل الأموال، ولو قصد الردي صار إجحاف على أهل الزكاة، فصار الواجب وسطًا، لا نُلزم صاحب المال بإخراج الأجود ولا نمكنه من إخراج الأردأ، يُخرج الوسط.
* من فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى قاعدة إيمانية عامة وهي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) من حديث أنس ، واللفظ للبخاري.]] لقوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. فما وجه الدلالة؟ من يعرف؟
* طالب: أن الإنسان نفسه إذا كان لا يرضى بهذا لنفسه فمن باب أولى أنه لا يرضاه لغيره.
* الشيخ: فلماذا يرضاه لغيره أظن واضح؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: إذا كنت أنت لو أُعطيته من هذا المال ما أخذته إلا على إغماض وسهولة وإغضاء عن بعض الشيء، فلماذا تختاره لغيرك؟ وهذا ينبغي للإنسان أن يتخذه قاعدة فيما يُعامل به غيره، بأن يعامله على ما يحب أن يعامله به، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
شوف القاعدة في المعاملة مع الناس، ومع الأسف الشديد أن كثيرًا من الناس اليوم لا يتعاملون فيما بينهم هذه المعاملة، أكثر الناس يرى أن المكر غنيمة، وأن الكذب غنيمة حتى إن بعض العامة يقول: (الحلف الكاذب في البيع والشراء مسامير السلع)، مسامير السلع، وأيش معنى هذا؟
يعني يقول اللي يحكم السلع ويضبطه مثل المسمار للخشبة هو الحلف الكاذب أعوذ بالله لم يعلم أن «الْحَلِف مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ»[[أخرجه النسائي (4461) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال القياس، أو إثبات القياس. أقول من فوائد الآية إثبات القياس؟
* طالب: الآية؟
* الشيخ: الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
* طالب: حجة القياس؟
* الشيخ: ما تدري؟
* طالب آخر: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾.
* الشيخ: من أي الجملتين؟ من ﴿لَا تَيَمَّمُوا﴾ ولّا من ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؟
* الطالب: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ توافقونه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: نريد ضيفًا آخر، تفضل.
* طالب: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾
* الشيخ: لكن أظن بيعرف على طول ما دام انتفى الجملة الأولى، طيب بيِّن لي وجه القياس عشان نعرف إنك (...) مَنْ؟ لا إن حصل من الضيوف أحب إليّ.
* طالب: نعم ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا﴾.
* الشيخ: زين، وجه القياس؟
* الطالب: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
* الشيخ: أقول ما وجه القياس؟ هذا لفظ الآية لكن نريد وجه إثبات القياس من هذه الآية.
* الطالب: الذي لا يرضاه لنفسه لا يرضاه لغيره.
* الشيخ: يعني إذا كنت لا ترضاه لنفسك، فكيف ترضاه لغيرك يعني قِس هذا بهذا، واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: طيب قياس أولوية؟
* من فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: غني، حميد، كذا؟
وإثبات صفتين من صفات الله، وهما: الغِنى والحمد.
* وفيه أيضًا: إثبات صفة ثالثة من اجتماعهما جميعًا، وهو كمال غناه وهو أنه غِنى يُحمد عليه سبحانه وتعالى.
هذان الاسمان هل هما من الأسماء المتعدية بحيث لا يتم الإيمان بهما إلا بإثبات ثلاثة أمور، أو من الأسماء اللازمة بحيث يتم الإيمان بهما بإثبات الأمرين؟
* الطالب: الغني هذا لازم، والحميد متعدي.
* الشيخ: زين، الغني لازم، بماذا يتم الإيمان به؟
* الطالب: يتم الإيمان به بأنه اسم من أسماء الله عز وجل، وكذلك لا بد أن تؤمن بأنه صفة متضمن لصفة وهي الغنى.
* الشيخ: متضمن لصفة وهي الغنى. الحميد قلت: إنه متعدي فلا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة، قلها لي؟
* الطالب: يعني تؤمن بأنه اسم، وأن نؤمن بأن..
* الشيخ: بالصفة وهي الحمد.
* الطالب: وهي الحمد. ثالثًا: نؤمن
* الشيخ: بالحكم أو الأثر وهو أنه
* الطالب: يحمد على المؤمنين
* الشيخ: هذا إذا جعلنا حميد بمعنى حامد، فإن جعلناها بمعنى محمود؟
* طالب: محمود لازم.
* الشيخ: فهو لازم ويتم الإيمان به بأمرين: إثبات الاسم وإثبات الصفة أحسنت.
* طالب: الأولى متعدية؟
* الشيخ: لا ما هي متعدية.
* الطالب: حتى الأولى أنه يغني (...).
* الشيخ: لا، لا غني هو بنفسه.
البقرة 2:268
قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأ وخبره جملة: ﴿يَعِدُكُمُ﴾، و﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءتان: الضم والسكون ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ ، أما قراءة الضم فلا إشكال فيها؛ لأنه معطوف على مرفوع ﴿يَعِدُكُمُ﴾ ﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾.
وأما قراءة الجزم ففيها إشكال؛ لأن المعروف في قواعد النحو أن الفعل المضارع إذا لم يدخل عليه جازم ولا ناصب يكون مرفوعًا، وهنا كان مجزومًا قالوا: إن جزمه هنا للتخفيف لتخفيف النطق؛ لأن قوله: ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ أخف على اللسان من قوله: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾.
لكن هذه قاعدة غير متعدية، إنما يُعلَّل بها ما ثبت، هذه عِلَّة غير متعدية، وإنما يُعلّل بها ما ثبت، وأيش الفرق بين يعني لماذا قلنا غير متعدية؟
لأننا لو قلنا متعدية لكان قياس ذلك أن كل لفظة في القرآن يكون فيها ثقل على اللسان تُسكّن، وليس كذلك؛ لأن القرآن مبني على السماع، لكن إذا وردت قراءة فيها خِفّة وتُخالف القواعد العربية المعروفة فنحن نقول: خُولفت القاعدة للتخفيف.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ هذه أيضًا جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾؟ المبتدأ؟
* الطالب: ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ الراء ساكنة.
* الشيخ: إي فيها قراءة قلت لكم، فيها قراءة سبعية نعم الراء، فيها قراءة سبعية ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ وفيها قراءة: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءتان.
﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ أيضًا جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ ﴿اللَّهُ﴾، والخبر جملة ﴿يَعِدُكُمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ جملة خبرية أيضًا مكونة من مبتدأ وهو ﴿اللَّهُ﴾، ﴿وَاسِعٌ﴾ خبر، و﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثانٍ.
يقول الله عز وجل: إن ﴿الشَّيْطَانُ﴾ والشيطان اسم من أسماء إبليس قيل: إنه مشتق من (شطَن) إذا بعُد، وعلى هذا فالنون أصلية. وقيل: إنه مشتق من (شاطَ) إذا تغيظ وغضب؛ لأنه هو صفته التغيظ والغضب والحمق والجهل، ولكن الأول أقرب إنه من (شطن) إذا بعد بدليل أنه مصروف، قال الله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧]
وصرفه دليل على أن النون؟ أصلية ولا زائدة؟
* الطلبة: أصلية.
* الشيخ: أصلية، وإنما كان كذلك؛ لأن الله أبعده في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر ٣٥].
يقول: إن الشيطان يعد بني آدم الفقر ويأمره بالفحشاء، يعده الفقر يقول: لا تُنفق، لا تُنفق؛ لأنك إن أنفقت افتقرت، إذا كان عندك مئة ريال وأنفقت عشرة كم بقي؟
* الطلبة: تسعين.
* الشيخ: تسعين، أنفقت عشرة أخرى بقي ثمانين، أنفقت خمسين بقي ثلاثين، أنفقت عشرين بقي عشرة، أنفقت عشرة صرت فقيرًا، فهو يقول لك: لا تنفق؛ فإنك إن أنفقت صرت فقيرًا، فهو يعدكم الفقر، ولكن هذا صحيح ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، غير صحيح.
* الشيخ: لا، قال النبي ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة.]] الصدقات ما تُنقص الأموال.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩] يعني هم الذين نالوا درجة التضعيف.
قال: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ والفقر هو الخلو، ويوافقه في الاشتقاق الأكبر (القفر) وهي الأرض الخالية، يعني خلو ذات اليد. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فهو يعد ويخوف من الفقر ويأمر بالفحشاء، ما المراد بالفحشاء هنا؟
الفحشاء هو البخل؛ لأن الفحشاء في كل موضع بحسبه، والموضع الذي هنا هو موضع إنفاق، والذي يُستفحش فيه هو البخل، فالشيطان يأمر بالبخل، والبخل الذي يأمر به الشيطان قسمان: بخل بواجب كالبخل بالزكاة، والبخل بواجب النفقة للزوجة والأقارب، وبخل بمستحب، هذا هو الذي يأمر به الشيطان، أما البخل بالمباح فالشيطان لا يأمر به؛ لأنه لا يفيد المرء، إذا أنفق أو لم يُنفق بل قد يكون عدم إنفاقه في المباح أوْلى.
قال الله تعالى: الفحشاء قلت: إن المراد به هنا البخل، وتأتي لغير البخل؟ نعم، تأتي لما يُستفحش من الذنوب عمومًا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢] وتأتي للزنا واللواط ونكاح ذوات المحارم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢].
وقال الله تعالى في نكاح ذوات المحارم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء ٢٢]، وقال في اللواط قال عن لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ شوف فرق بين هذا وهذا.
﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾ لأن الصدقات تُكفَّر بها الخطايا، قال النبي ﷺ: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» »[[أخرجه الترمذي (2616) من حديث معاذ بلفظ: «وصَلَاة الرّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ».]].
﴿وَفَضْلًا﴾ يعني زيادة، فالصدقة تزيد المغفرة ضد يأمركم.
﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لا تتابعوني حتى تيقنوا.
* الطلبة: الفضل ضد الفقر.
* الشيخ: الفضل ضد الفقر، والمغفرة ضد الفحشاء؛ لأن الفحشاء تُكسب الذنوب والمغفرة تمحو الذنوب، ففرق بين هذا وهذا.
وقوله ﴿وَفَضْلًا﴾ إذا قال قائل: كيف تكون الصدقة أو الإنفاق من المال فضلًا ونحن نشاهد أنه ينقص؟ فالعشرة إذا أنفق منها درهمًا صارت تسعة، فما وجه الزيادة؟ أو على الأقل ما وجه عدم النقص؟
* طالب: على وجهين؛ الوجه الأول: أن هذا البركة والزيادة في الآخرة والله سيجزيه حسنات، الشيء الثاني: أن البركة التي تُعطى بركة قد تكون معنوية، وقد تكون حسية في بعض الأحيان فيزيد ماله، فما المعقول في هذا؟
* الشيخ: نقول: الزيادة! أما بالنسبة لزيادة الأجر في الآخرة فالأمر ظاهِر، إذا أنفقت درهمًا جاءك في الآخرة عشر دراهم إلى سبعمئة درهم، هذه زيادة، لكن إذا أردنا الزيادة الحسية في الدنيا كيف تكون الزيادة؟ قلنا: الزيادة من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن الإنسان قد يفتح الله له باب رزق فيتكسَّب ويزيد المال، أليس كذلك؟
* الطالب: بلى.
* الشيخ: ثانيًا: أن هذا المال ربما يقيه الله تعالى آفات لولا الصدقة لوقعت فيه، وهذا مشاهَد، ولهذا عند العامة الآن إذا ضاع للإنسان شيء ثم وجده بعد يقولون: هذا مال مُزكّى، يعني عند العامة إن المال إذا زُكِّي فالزكاة تقيه الآفات، واضح.
الشيء الثالث مما يزيده: هو البركة، البركة في الإنفاق، إذا نُزعت البركة من الإنفاق فقد يُنفق الإنسان عشرين درهمًا في أمور ما تنفعه، وإذا حلت البركة صار الإنفاق اليسير يقضي به الإنسان حاجات كثيرة، وهذا شيء مشاهَد، وأظن أني قد حكيت عليكم قصة وقعت مع رجلين اقتسما ثمر نخل، وكان ذلك في رمضان، أما أحدهما فقال: سأجذ الثمرة في رمضان نهارًا من أجل أن لا يحضر الفقراء فيأكلوا منه.
* الطلبة: بالليل؟
* الشيخ: لا، نهارًا، بالليل يجيون يأكلون.
أما الثاني فقال: أؤجل جذاذ النخل إلى الفطر وأجذ في النهار حتى يأتي الناس ويأكلون، شوف، وقُسم الثمر وقال أحدهما للآخر: تخيّر، خذ الذي تريد، فأخذ ما يرى أنه الأكثر، الذي أخذه مَن؟ البخيل، أخذ النصيب الذي يرى أنه الأكثر (...) لما جذوا النخل صار سهم الكريم الذي جذه بعد الفطر وأكل الفقراء منه كثيرًا صار أكثر من ذاك، فتخاصم الرجلان إلى القاضي، وادعى البخيل أن القسمة غلط مع أن الكريم كان قد خيّره، لما ترافعا إلى لقاضي قال: طيب، خيّرك؟ قال: نعم، قال له: اخترت سهمك؟ قال: نعم، لماذا؟ قال: لأني رأيته أكثر. قال: أقررت على نفسك الآن، كيف تطالب؟ ثم قال الكريم: إن القصة كذا وكذا وكذا، هو جذه في النهار في رمضان ولم يحضره فقير يأكل، وأنا أخّرته، ولما صار يوم العيد قلت للناس: إننا سنجذ النخل في اليوم الفلاني فمن شاء منكم أن يحضر فليحضر، وحضر المساكين كثيرًا وأكلوا، فقال له الشيخ: هذا مصداق قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة.]] شوف سبحان الله العظيم، هذا الشيء يعني مشهور عندنا في البلد (...) ﴿يُؤْتِي﴾ بمعنى يعطي، وهي في هذه الحال تنصب مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر. ويقال: يأتي ويأتي بمعنى يجيء، وهي في هذه الحال تنصب مفعولًا واحدًا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾ [يونس ٥٠]. أما إذا كانت من (آتى) بمعنى أعطى فهي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الحكمة، والثاني: (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ﴾ ربما نقول: إن هذه الجملة الثانية تدل على أن المفعول الأول ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ هو (مَنْ ) و﴿الْحِكْمَةَ﴾ هي المفعول الثاني؛ لأنه جعل المؤتى في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ هو اسم الشرط ﴿مَنْ يُؤْتَ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾. ﴿يُؤْتَ﴾: فعل مضارع مبني لأيش؟
* الطلبة: للمجهول.
* الشيخ: للمفعول، ونائب الفاعل فيه هو المفعول الأول، و﴿الْحِكْمَةَ﴾ هي المفعول الثاني، وجملة ﴿فَقَدْ أُوتِيَ﴾ هي جواب الشرط. و﴿أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿أُولُو﴾ في هذا التركيب.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو﴾؟ ﴿أُولُو﴾ وأيش إعرابها؟
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: (أولو) فاعل لـ﴿يَذَّكَّرُ﴾ لأن الاستثناء هنا مفرغ، و﴿أُولُو﴾ بمعنى أصحاب وهي ملحقة بجمع المذكر السالم، ولهذا رُفعت بالواو.
يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني أن الله تعالى يُعطي الحكمة من يشاء من عباده، وذلك لأن الأمر كله بيده سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦].
الحكمة بيد الله عز وجل يؤتيها من يشاء من عباده، وقد مر علينا كثيرًا بأن فعل الله المقيَّد بمشيئته يُردّ إلى الحكمة على ما تقتضيه الحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فالله سبحانه وتعالى يُعطي الحكمة من يعلم أنه أهل لها، كما يُعطي الرسالة من يعلم أنه أهل لها ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]
وليس فعل الله عز وجل لمجرد مشيئة أنه يُعطي هذا ويمنع هذا بس بمجرد أنه شاء هذا أو شاء هذا، ولكنه لحكمة.
وقوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ ما هي؟ الحكمة فِعلة من أحكم يُحكم إحكامًا؛ بمعنى أتقن، ولا إتقان إلا بأمرين: بالعلم، والرشد، لا يمكن أن يحصل إحكام لأي شيء من الأشياء إلا بأمرين هما: العلم والرُّشد؛ لأن من فاته العلم كيف يُحكِم الشيء وهو لا يعلم؟
لو قيل لك: إن هذا الرجل سوف يصنع ساعة، ويتقنها ويحسنها وهو لم يتعلم كيف يصنع؟ هل يمكن أن يصنعها أو لا؟
* الطلبة: لا، مستحيل.
* الشيخ: لا يمكن. لو قيل لك: إن هذا الرجل سوف يبني بناء وهو عالم بالبناء، ولكنه سفيه ما يحسن أن يتصرفن لا يحسن أن يضع الأعمدة ولا الجسور ولا المسطحات ولا شيء من هذا، يعني هو جيد وعنده عِلم، لكن ما عنده حسن تصرف، ليس عنده حسن التصرف، هل يمكن أن يُحكِم ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يمكن، إذن فالحكمة تعود إلى شيئين؛ العلم والرشد؛ ولهذا قال الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]. فبالكتاب العلم، وبالحكمة الرشد، وإن شئت فقل: إن الحكمة تشمل العلم والرشد أيضًا وهي السنة.
على كل حال الله عز وجل يهب الحكمة من يشاء، فتجد بعض الناس يهبه الله علمًا ورشدًا، عنده علم عنده رشد، ينزل الأشياء في منازلها، يُعطي عند كون العطاء أنفع، ويمنع عند كون المنع أنفع، ويتكلم إذا كان الكلام أنفع، ويسكت إذا كان السكوت خيرًا، وهكذا، نقول هذا أيش؟ هذا حكمة، ورشد، علم لأنه علم أن هذا أنفع ورشد؛ لأنه سلك النافع،
فإذا مَنَّ الله على الإنسان بهذا الأمر بالحكمة فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ يعني من يهبه الله الحكمة والعلم والرشد فإنه يؤتى خيرًا كثيرًا؛ لأن لديه العلم والرشد فلا يفوته شيء ولا يُضيّع فرصة وهو عالم بأمور الخير وأمور الشر.
وقوله: ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ولم يقل سبحانه وتعالى: فقد أوتي الخير كله؛ لأنه مهما كان الإنسان فهو ناقص مهما كان، مهما بلغ في العلم وفي الرشد فإنه ناقص يرد عليه الجهل ويرد عليه سوء التصرف، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون دائمًا يسأل الله تعالى التوفيق والرشاد والسداد؛ لأنه مهما كان ناقص، أحيانًا يتكلم الإنسان وهو حين يتكلم بالشيء يرى أنه على صواب، ثم بدأ يتبين له أنه خطأ، لماذا؟
لأنه فاته إما العلم وإما الرشد، بل حتى الإنسان المجتهد أحيانًا يجتهد في طلب الحق ويتحرى ويدرس النصوص، ثم يقول: الحكم كذا، وبعد مُضي مدة يتغير اجتهاده، ويرى أن الحكم خلاف الحكم الأول، وهذا نقص ولَّا كمال؟
* الطلبة: نقص.
* الشيخ: هذا نقص، ولكنه يكون كمالًا إذا رجع إلى الحق، ولم ينتصر لنفسه ويبقى على خطئه. يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قد تقول: لماذا اختلف الأسلوب في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾؟ لماذا لم يقل: ومن يؤته الحكمة؟ لأنه قال في الأول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾، فلماذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾؟
الجواب والله أعلم: أن الحكمة قد تكون غريزة وقد تكون مكتسبة بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلًا عن الناس، ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعُم كل طرق الحكمة التي تأتي منها سواء أُوتي الحكمة من قِبل الله عز وجل أو من قِبل الممارسة والتجارب على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب هو من الله عز وجل، هو الذي قيض لك من يفتح لك أبواب الحكمة وأبواب الخير.
يقول: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿مَا يَذَّكَّرُ﴾ التذكر بمعنى الاتعاظ والاعتبار بالأمور ومجاريها ونتائجها وثمراتها. ﴿مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو﴾ أي أصحاب ﴿الْأَلْبَابِ﴾ أي العقول؛ لأن الألباب جمع (لُبّ) وهو العقل. أصحاب العقول هم الذين يتذكرون سواء كان ذلك فيما أجرى الله على عباده من السنن السابقة في تعذيب المكذِّبين وإهلاك المجرمين، أو كان فيما يحصل من تجارب الحياة في زمانهم فإنه كما قيل: العاقل من اتعظ بغيره، كل إنسان عاقل يأخذ من الأمور عِبرًا ودروسًا، ولذلك تجده ينظر ويفكر ويقيس الماضي بالحاضر ويقيس المستقبل بالحاضر ليصل إلى نتيجة، أما من ليس عنده عقل فهو غافل، غافل لا يتذكر ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
إذا قال قائل: هل اللب هو الذكاء أو شيء آخر؟
* طالب: هو الذكاء.
* الشيخ: لا، اللب قلنا: إنه العقل، والعقل غير الذكاء، قد يكون من الكفار من هو غاية في الذكاء، لكنه غاية في السفه، ولهذا وصف الله الكفار بأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١].
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١].
إذن مهما رأينا من سياسات الأمم الكافرة وذكائها لا ينبغي أبدًا أن نقول إنهم عقلاء، كيف الله يقول ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وأنت تقول إنهم عقلاء؟! ولكن نقول: إنهم أذكياء، ولا يلزم من الذكاء العقل؛ العقل حُسن التصرف، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، أما الذكاء فهو حِدة الإدراك والفهم قد يُحمد وقد لا يحمد، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية عن المتكلمين قال: إنهم أوتوا ذَكاء ولم يُؤتوا ذَكاء، هذا جناس تام ولّا غير تام؟
* الطلبة: غير تام.
* الشيخ: جناس غير تام. الظاهر أنكم ما تعرفون بعد الجناس..
ولا علوم سمعية، وهم الذين يدعون أنهم؟ أنهم العقلاء، وأنهم أصحاب العقل، المهم أن ﴿الْأَلْبَابِ﴾ جمع لب وهو العقل، والعقل شيء غير الذكاء ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم، غيره.
* الشيخ: غير الذكاء، ولهذا أقول لكم إن العباقرة في الذكاء من الكفار لا يصح أن نسميهم عقلاء أبدًا، وأيش نسميهم؟
* الطلبة: أذكياء.
* الشيخ: أذكياء، أما عقلاء فلا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: عدة فوائد.
* طالب: الآية الماضية.
* الشيخ: طيب الآية التي قبلها ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨] إلى أخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات الشياطين؛ لقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾، وقد سبق أن المراد بالشيطان هنا الجنس، ما هو بشيطان معين بشخصه، معين بأيش؟ بجنسه،، يعني: جنس الشياطين.
* ومن فوائد الآية: أن للشيطان تأثيرًا على بني آدم إقدامًا أو إحجامًا، فإذا وعدنا الفقر وأمرنا بالبخل فإن مقتضى ذلك الإحجام، وعدم البذل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أبواب التشاؤم لا يفتحها إلا الشياطين؛ لقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ فالشيطان هو الذي، يفتح لك باب التشاؤم، يقول: إذا أنفقت، أنت الآن عندك عشرين ريال، أنفقت عشرة اليوم، واليوم الثاني خمسة، كم بقي؟ خمسة، وبكرة ثلاثة، بقي ريالين، وبعده ريالين أصبحت فقيرًا، لا تنفق، الإنسان بشر ربما ما ينفق، ربما ينسى قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩] وقول رسوله ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]].
* من فوائد الآية الكريمة: بيان عداوة الشيطان للإنسان؛ لأنه في الواقع عدو له في الخبر، وعدو له في الطلب، في الخبر يعده أيش؟ الفقر، في الطلب يأمره بالفحشاء، فهو عدو مخبرًا وطالبًا، والعياذ بالله.
* من فوائد الآية الكريمة: أن البخل من الفواحش، صح؟ لأيش؟ لأن المقام مقام إنفاق، فيكون الذين يأمرنا به الشيطان عدم الإنفاق، لكن هل إن البخل هو الفاحشة أو أنه من الفاحشة؟ من الفاحشة، نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الفاحشة جاءت لغير هذا المعنى في عدة آيات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر بعد الوسوسة والتهويل والتشاؤم يأمر يقول: لا تنفق، ولَّا يقول أمسك؟
* طالب: لا تنفق.
* طالب: أمسك.
* الشيخ: افطن.
* طالب: نفس الشيء.
* الشيخ: واحدة ثنتين، هل نقول: أمسك ولَّا لا تنفق؟
* طلبة: أمسك.
* طلبة: لا تنفق.
* طالب: يقول لا تنفق ياشيخ.
* الشيخ: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾؟
* الطلبة: أمسك؟
* الشيخ: أمسك أيه، أمسك؛ لأننا إذا قلنا: لا تنفق فهو نهي، فهو يصير الأمر من باب اللازم، لكن إذا قلنا أمسك؟
* طالب: صار مطابق
* الشيخ: صار مطابق، ثم كلمة أمسك أشد من كلمة لا تنفق، كأنه يقول: لا تنفق وشدِّد في الحفظ أمسك.
هل هناك أحد يأمر بهذا غير الشيطان؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وأيش هو؟
* طالب: النفس.
* الشيخ: النفس ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف ٥٣].
هل يمكن أن نقول: إنه يستفاد من الآية أن من أمر شخصًا بالإمساك عن الإنفاق فهو شبيه بالشيطان؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: كذا؟ صحيح، الذي يأمر الناس بالإمساك عن الإنفاق المشروع ما هو الإنفاق الغير المشروع شبيه بمن؟ بالشيطان. الذي يأمر غيره بالإنفاق المبذر؟
* طالب: من إخوان الشيطان.
* الشيخ: المبذر أخو الشيطان ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء ٢٧] والآمر له بالتبذير؟ الظاهر أنه شيطان؛ لأنه كل من يأمر بالسوء يأمر بالفحشاء فهو شيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شوف هذا الوعد، الوعد الكريم اللذيذ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ الله أكبر، شتان ما بين الوعدين، الشيطان يعدكم الفقر ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
قد يقول قائل: هل في الآيتين تطابق؟ أو بالأصح تقابل؟ ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، لكن الله يقول: ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾، زاد ولَّا ما زاد؟
* الطلبة: زاد.
* الشيخ: يعني يعدنا بشيئين: بالمغفرة والفضل، المغفرة للذنوب والفضل لزيادة المال في بركته ونمائه، واضح ولَّا لا؟ إذن نكتسب بالإنفاق هذين الأمرين الذين وعد الله تعالى بهما وهما: المغفرة والفضل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه المغفرة التي يعدنا الله بها مغفرة عظيمة. ﴿مِنْهُ﴾ لأيش؟ لأن عظم العطاء من عظم المعطي، ولهذا جاء في الحديث الذي وصى به النبي ﷺ أبا بكر قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]]. ومعلوم أن العطية بحسب المعطي، ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التفاؤل من الله، من أين؟
* الطلبة: يعدكم الله.
* الشيخ: ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ فإذا تفاءل الإنسان على ربه إذا أنفق، وهو يحسن الظن بالله عز وجل أن الله يغفر له الذنوب، ويزيده من فضله كان هذا من خير ما تنطوي عليه السريرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: واسع وعليم، وإثبات صفتين من صفاته: السعة والعلم، إذا قال قائل: من أين أثبتَّ السعة؟
* الطلبة: من واسع.
* الشيخ: من واسع، والاسم يدل على الصفة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أكيد؟
* طلبة: نعم، أكيد.
* الشيخ: ما أدري، أكيد؟ أكيد؟
* الطلبة: يا شيخ، أكيد يا شيخ.
* الشيخ: السميع يدل على السمع؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: والعليم؟
* الطلبة: يدل على العلم.
* الشيخ: يدل على العلم، وكل اسم من أسماء الله فهو دال على صفة لا بد، وقد مر علينا أنه لا يتم الإيمان بالاسم حتى تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، وأنه متضمن لصفة من صفاته دل عليها ذلك الاسم، وتؤمن بالأثر إذا كان من وصف متعد، واضح؟ ولا حاجة يا إخوان نقول: جيب دليل على إثبات الصفة؛ لأن اللغة العربية هي الدليل، القرآن نزل بأي لغة؟ بلغة العربية، اللغة العربية ما يمكن تقول السميع لمن لا سمع له، ولا الواسع لمن لا سعة له، ولا الحكيم لمن لا حكمة له، ومن ادعى أن العربية تأتي بمثل هذه الأسماء بدون إثبات للمعنى التي تضمنته فهو إما كاذب على اللغة العربية وإما جاهل بها، صح؟ إما كاذب وإما جاهل، أما رجل يعلم اللغة العربية ويصدق فيما يقول عنها فلا بد أن يقول إن كل اسم مشتق دال على الصفة التي تضمنها ولا بد، لو أنني رأيت رجلًا أعمى، ما شاء الله هذا الرجل البصير، وأيش تقولون؟
* الطلبة: تفاؤل.
* الشيخ: لا، بدون تفاؤل حقيقة.
* الطلبة: خطأ.
* الشيخ: تقول هذا كيف هذا رجل البصير، أعمى ما يشوف تقول عليه بصير؟!
رجل لو صارت عنده المدافع ما سمع ما شاء الله، جاءني الرجل السميع، أيش تقولون أنتم؟ تقولون: هذا الكلام جنون، كيف سميع وهو ما له سمع؟! واضح؟ إي نعم، أنا قال لي بعض الإخوة الحاضرين الآن قال لي إن واحد يقول: وأيش الدليل على أن الله له سمع؟ وأيش تقول لهذا؟ نقول: هات الدليل على أن لك عقلًا قبل أن نعطيك الدليل على أن الله له سمع، هل يمكن عقلا أو لغة أو عرفًا أن يقال السميع لمن لا سمع له؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا، ما يمكن، لكن بعض الناس انفتح عليهم باب الاجتهاد، وأنا أقول: أنا أشكر وأحمد الله أن الله سبحانه وتعالى سخر أو فتح علينا طلب الدليل، لكن طلب الدليل في كل شيء حتى فيما الدليل فيه نقول: وأيش الدليل؟ صحيح هذا؟ هذا إسراف، هذا إسراف ما هو طلب دليل.
* طالب: الصفة الثالثة يا شيخ؟
* الشيخ: نعم؟
* طالب: سعة العلم.
* الشيخ: إيه، فيه أيضًا يستفاد من الاسمين والصفتين: إثبات صفة ثالثة باجتماعهما؛ لأننا قلنا فيما سبق، القاعدة أن الاسم من أسماء الله قد يتضمن إذا جمع إلى غيره صفة أخرى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٤٣] شوف الجمع بين العفو والقدرة، لها ميزة أن عفوه غير مشوب بعجز إطلاقًا، لأيش؟ لأن بعض الناس قد يعفو لعجزه، واحد خطف غترة إنسان، وهرب بها واشتد المخطوف غترته وراءه سعيًا ولما عجز ليدركه قال: أنا مسامحك، أيش هذا العفو؟
* الطلبة: عجز.
* الشيخ: محمود هذا العفو ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، غير محمود.
* الشيخ: الله أعلم، على كل حال، هو ضعيف، ربما يستفيد ذلك في الآخرة ما يطالبه فيه لكن هو ضعيف بلا شك، لكن إن الله كان عفوًَّا قديرًا، هذا كمال.
إذن ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ما هي الصفة الثالثة التي تتولد من ذلك؟ أن علمه واسع، وكل صفاته واسعة، وهذا مأخوذ من اسمه الواسع، علمه، سمعه، بصره، قدرته كل صفاته.
ثم قال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦٩] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؟
* طالب: في قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أن سعة الله سبحانه وتعالى (...)
* الشيخ: لا، كل شيء.
* طالب: أن الصدقة تزيد المال.
* الشيخ: وأيش تقولون؟ الصدقة تزيد في المال، يؤخذ من قوله: ﴿وَفَضْلًا﴾.
يؤخذ من الآية الثانية: إثبات أفعال الله عز وجل التي تتعلق بمشيئته؛ لقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ وهذه من الصفات، أيش؟
* الطلبة: الفعلية.
* الشيخ: الفعلية، من الصفات الفعلية.
* ومن فوائدها: أن ما في الإنسان من العلم والرشد فهو فضل من الله عز وجل لقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ فأنت إذا من الله عليك بعلم ورشد وقوة وقدرة وسمع وبصر، لا تترفع هي من الله عز وجل ولو شاء الله لسلبها عنك بعد أن أعطاك إياها، قد يسلب الله سبحانه وتعالى العلم من الإنسان بعد أن أعطاه إياه، نعوذ بالله من ذلك، وربما يسلب منه الحكمة، تكون كل تصرفاته طيشًا وضلالًا وهدرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة، من أين نأخذها؟
* طالب: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، طيب. وهل نقول فيها إثبات الحكمة لله؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم فيها إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لأن الحكمة كمال ومعطي الكمال أولى به، معطي الكمال أولى به عز وجل، فنأخذ من الآية: إثبات الحكمة لله بهذا الطريق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الفخر العظيم لمن آتاه الله الحكمة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الشكر على من آتاه الله تعالى الحكمة؛ لأن هذا الخير الكثير يستوجب أيش؟ الشكر.
ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة قد تكون معلومة الطرق، يعني قد تتعدد طرق الحكمة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ وهذا أمر مشاهد، فالإنسان يكتسب الحكمة بمقتضى غريزته، ويكتسبها بالتجارب والممارسات ولَّا لا؟ ولهذا أحيانًا تصاحب رجلًا ذا أخلاق فاضلة فتكتسب من أخلاقه دون أن يعلمك، أحيانًا تكتسب الأخلاق من جاهل وأنت أعلم منه، صحيح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، هذا صحيح واقع؛ لأن الأخلاق غير العلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العقل؛ لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ لأن التذكر بلا شك يحمد عليه الإنسان، فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل دل ذلك على فضيلة العقل.
ومن فوائدها أيضًا: أن عدم التذكر سفه، أو لا؟ الذي لا يتذكر ولا يعتبر بما مضى، وما حضر هذا في الحقيقة ليس بعاقل، أو لا؟ بل نقول: إنه ميت كما قال المتنبي:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ ∗∗∗ مَــــا لِـــجُــــرْحٍ بِـــمَــــيِّـــــتٍإِيِــــــلَامُ
وهذا صحيح، فالإنسان الذي لا يعتبر ولا يتذكر هذا في الحقيقة ميت لا يستفيد شيئًا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان بلا عقل، قشور، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ حيث سمى العقل لبًّا.
تقدم لنا أن الله سبحانه تعالى بين أنه يؤتي الحكمة من يشاء، فهل هذه المشيئة مشيئة مطلقة مجردة، أم ماذا؟
* طالب: مشيئة مقرونة بالحكمة.
* الشيخ: مشيئة مقرونة بالحكمة؟ طيب، هل نطرد هذا في كل شيء؟ كلما جاءت المشيئة نقول: إنها مقرونة بالحكمة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب الدليل؟
* طالب: الدليل قوله سبحانه وتعالى في سورة الإنسان: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]
* الشيخ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ طيب أحسنت.
يقول: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ما هي الحكمة؟
* طالب: هي وضع الشيء في موضعه.
* الشيخ: إي، بس؟
* طالب: العلم والرشد.
* الشيخ: العلم والرشد، طيب. الدليل على أن الحكمة بمعنى العلم؟ فـ(ما) هنا شرطية، والدليل على أنها شرطية؟
* طالب: تلزمه.
* الشيخ: أنها مركبة من شرط وجواب ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة ٢٧٠] هذا الجواب ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
ثانيًا: يقول: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ من هذه زائدة زائدة، أيش معنى زائدة زائدة؟ أي: زائدة إعرابًا، زائدة معنًى، فهي حرف جر زائد من حيث الإعراب؛ ولهذا نعرب ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾ على أنها مفعول به، يعني: ما أنفقتم نفقة أو نذرتم نذرًا فإن الله يعلمه.
ويجوز أن تكون من بيانية ل ما في قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾، لأن ما الشرطية مبهمة والمبهم يحتاج إلى بيان.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ جملة جواب الشرط، والفاء هنا واقعة في جواب الشرط وجوبًا، الشاهد لذلك من كلام ابن مالك قوله:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شًرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
واقرن بفاء حتمًا يعني وجوبًا، جوابًا لو جُعل شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل، وإن هنا لو جعلت شرطًا لإن ما صحت؛ فلهذا وجب اقترانها بالفاء وهي في سبعة مواضع، مجموعة في بيت من ينشده لنا؟
* طالب: قوله:
اسْــمِــيِّــةٌ طَــلــَبِــيَّــةٌوَبِــجَــامِــدٍ ∗∗∗ وَبِــمَــا وَقَــدْ وَبِــلَــنْوَبِــالـتَّـنْـفِيـسِ
* الشيخ:
اسْــمِــيِّــةٌ طَــلــَبِــيَّــةٌوَبِــجَــامِــدٍ ∗∗∗ وَبِــمَــا وَقَــدْ وَبِــلَــنْوَبِــالـتَّـنْـفِيـسِ
يعني: إذا جاءت جملة شرط أحد هذه الأمور السبعة وجب اقترانها بالفاء.
طيب، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ جملة ثبوتية أو سلبية؟
* طالب: سلبية.
* الشيخ: سلبية؛ يعني جملة نفي، والمبتدأ فيها قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ و من فيها زائدة، زائدة إعرابًا زائدة معنى، يعني تزيد المعنى وإن كان في الإعراب زائدة، ولهذا نعرب ﴿أَنْصَارٍ﴾ على أنها مبتدأ مؤخر مرفوع بالابتداء، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
يقول الله عز وجل مخاطبًا عباده: أي نفقة نفقتموها وأي نذر نذرتموه فإن الله يعلمه، والمقصود من الإخبار بالعلم بيان ما يترتب على العلم من المجازاة، فقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ يشمل النفقات الواجبة وعلى رأسها الزكاة، وسمي الإنفاق إنفاقًا؛ لأنه يخرج، فالإنسان يخرِج هذا المنفق عن ملكه، ويشمل الإنفاق المستحب مثل الصدقات والإنفاق في وجوه البر من أعمال خيرية وغيرها، أي نفقة ينفقها الإنسان فإن الله يعلمها، وهذه النفقة إن أنفقها لله يبتغي بها وجه الله أثيب عليها، حتى وإن كانت على نفسه أو على أهله، قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً» نفقة نكرة في سياق النفي فتعُمّ «نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: «... حتى ما تجعل في في امرأتك».]] مع أن إنفاق الإنسان على امرأته واجب على أنه معاوضة يجبر عليها، كيف على أنه معاوضة؟ لأنها في مقابلة الاستمتاع بالزوجة حتى هذا الشيء الواجب الذي أنا أستفيد من عوضه إذا فعلته لله أجرت عليه، الإنفاق الآن يشمل الواجب وعلى رأسه الزكاة، والمستحب وهو كل ما أنفقه الإنسان لله عز وجل من غير إلزام عليه بذلك من أعمال الخير.
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ النذر بمعنى الإلزام، والمراد به ما نذره الإنسان على نفسه من طاعة فإن الله يعلمه، والنذر قسمه العلماء إلى خمسة أقسام، وأصل عقده مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]] سواء عقده الإنسان ابتداء أو بشرط فإنه يكره، ولهذا تجد كثيرًا من الناس الناذرين تجدهم يتندمون، وأحيانًا يذهبون إلى أهل العلم؛ لعلهم يجدون رخصة أو فكاكًا من هذا النذر، وما دام الإنسان في عافية فإنه لا ينبغي له أن يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به، ووظيفتكم أنتم أن تبينوا للناس أن عقد النذر مكروه حتى لا يلزموا أنفسهم به، ثم إن التخلف عن الوفاء به خطير جدًّا، فإن الله يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة ٧٥، ٧٦] فما العقوبة؟ ﴿أَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٧] لكن إذا نذر فإن كان نذر طاعة وجب عليه الوفاء به سواء كان ابتدائيًّا أو معلقًا بشرط لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]].
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ هل يدخل في النذر الدخول في العبادات الواجبة؟
الظاهر أنه يدخل فيه؛ لأن الإنسان إذا شرع في عبادة واجبة لزمه إتمامها، حتى وإن كانت قضاء، فلو أن رجلًا صام يومًا من قضاء رمضان، فهل له أن يفطر؟ لا؛ لأنه شرع في واجب، والشروع في واجب دخول في هذا الواجب على أنه لازم له وواجب عليه، ولهذا قال العلماء: كل من شرع في فرض سواء كان موسعًا أو مضيقًا لزمه إتمامه.
طيب، يدخل في ذلك أيضًا الشروط (...) فقد فرضه على نفسه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٢٩]
ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة ٢٧٠] يعلمه؛ أي يعلم ما أنفقتموه أو ما نذرتموه سواء كان ذلك الشيء ظاهرًا علنًا أو خفيًّا مستورًا؛ لماذا قلنا: سواء كان هكذا أو هكذا؟
لعموم قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولم يقل يعلم الظاهر منه، بل يعلم الظاهر والخفي، وعموم يعلمه
يشمل علمه على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل، والفائدة من ذكر علم الله به، الفائدة من ذلك الإشارة إلى ما يترتب على ذلك العلم من المجازاة، وإلا مجرد أن نعلم أن الله يعلمه بدون أن نشعر بما يستلزم ذلك العلم لا فائدة منه.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني ليس للظالمين أحد ينصرهم، لا من قبل الله عز وجل ولا من قبل المخلوق، هذا ظاهر الآية، ولكن قد يورد علينا مورد أن الظالمين قد يجدون من ينصرهم من الظلمة، أليس كذلك؟ فنقول: نعم، يوجد من ينصرهم من الظَّلَمة، لكن مآلهم جميعًا إلى الخذلان؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٢١] فالظالم لا يفلح أبدًا مهما علت به الدنيا فسوف ينزل، ومهما كثر أنصاره فسوف يخذل، لا يمكن أن يقدر له الفلاح، لكن الله عز وجل قد يمكنه أحيانًا من أجل أن يمحقه، كما ذكر الله تعالى ذلك في فوائد الهزيمة يوم أحد، فإن الله ذكر من جملة فوائدها أن يمحق الكافرين؛ لأن الكافر إذا شعر بالنصر استعلى وزاد طغيانه، إذا زاد طغيانه فقد قرب هلاكه وإتلافه، فإذن نرد على هذا الإشكال أو على هذا الإيراد بأن الظالمين وأنصارهم مآلهم الخذلان، وإن تناصروا فإنهم لن يفلحوا.
هذه الآية اشتملت على فوائد كثيرة، الفائدة الأولى: أن الإنفاق قليله وكثيره يثاب عليه المرء، من أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في سياق النفي؟
* طالب: أو الشرط.
* الشيخ: الشرط.
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أحسن من قولك: أو الشرط أن تقول: بل الشرط. زين، يشمل القليل والكثير.
اشتراط الإخلاص في النفقة، هل يمكن أن يؤخذ من الآية؟ لأن النفقة بدون إخلاص لا تنفع، كيف يؤخذ؟
* طالب: من قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فإن هذا يستلزم الجزاء عليه ولا جزاء على شيء لا إخلاص فيه.
من فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا أنفق نفقة أن يحتسب الأجر على الله، من أين يؤخذ؟ أن الإنسان إذا نفق نفقة ينبغي له أن يحتسب الأجر على الله عز وجل؟
* طالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾؛ لأنك إذا أنفقت وأنت تشعر أن الله يعلم هذا الإنفاق فسوف تحتسب الأجر على الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز النذر؟
* طالب: ما فيها جواز.
* الشيخ: ما فيها، كيف؟
* الطالب: لأن قال الله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ هذا قيد قيد بالشرط إذا نذرتم..
* الشيخ: يعني ما يعطي بيان حكم النذر؟
* الطالب: ما يعطي.
* الشيخ: ولكن يعطي بأن الله يعلمه، ثم قد يعاقب عليه الإنسان وقد لا يعاقب، وأيش تقولون؟ صحيح الآية لا تدل على الجواز، كما لو قال قائل مثلًا: إذا سرقت فإن الله يعلم سرقتك، هل هذا يعطي أن السرقة جائزة؟ لا؛ ولهذا لا نقول: إن الآية تعارض الحديث وهو نهي النبي ﷺ عن النذر؛ لأنها لا تدل على جوازه، لكن إذا نذر وجب عليه الوفاء إذا كان نذره طاعة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: وجه العموم؟
* الطالب: كل نفقة أو نذر فإن الله يعلم.
* الشيخ: أن ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ هذه عامة؛ لأن أدوات الشرط تفيد العموم.
* ومن فوائد الآية: الرد على غلاة القدرية؟
* طالب: أنهم يقولون إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم الشيء (...)
* الشيخ: إن الله لا يعلم الشيء، وبعضهم يقول ما يعلم بالأشياء أيضًا، أن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه تدخل إطلاقًا، لكن الآية ترد عليهم، أما من يقول منهم إن الله يعلم الشيء بعد وقوعه فلا ترد عليه؛ لأن الآية صريحة في أن الله يعلمه بعد وقوعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا ينصر الظالم.
* طالب: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
* الشيخ: طيب، ولكن يَرِد على هذا ما وقع في أحد أن الله سبحانه وتعالى نصر الكافرين.
* طالب: نقول: إن نصرهم لحكمة من الله سبحانه وتعالى هو أن يؤدب المؤمنين لمعصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أذن في المعركة ألا يُلاحقوا النبي ﷺ، وهذا ما (...)
* الشيخ: نقول في هذا بأن نصر الله لهؤلاء الكافرين ليس من أجل أن ينتصروا على المسلمين، ولكن من أجل العقوبة لما حصل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ثم هذا النصر أيضًا هل هو نصر مؤبد؟ لا؛ لأن الله ذكر أن هذا لإغراء الكافرين على كفرهم وطغيانهم حتى يمحقهم نهائيًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من دعا على أخيه وهو ظالم له فإن الله لا يجيب دعاءه.
* طالب: أقول: إن هذا طالب، وقد دعا على أخيه وهو ظالم له لا يسر الله على أخيه من دونه.
* الشيخ: نعم؛ لأنه لو أجيب لكان نصرًا له، وعلى هذا فإذا شهدت على شخص بحق، ودعا عليك، وقال: الله لا يربح فلانًا اللي علم علي، هل يقبل دعاؤه أو لا؟ لا؛ لأنه ظالم، والله عز وجل لا ينصر الظالمين أبدًا ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، والله سبحانه وتعالى أحكم وأعدل من أن ينصر الظالم، كثير من الناس الآن يخشون من دعوة الإنسان حتى وإن كان ظالمًا، ولكن نقول: كن مطمئنَّا فإن الظالم لن ينصره الله عز وجل وليجيب دعاءه، لكن فكر في نفسك أنت، هل أنت ظالم أم لا؟ لأنه ربما يكون منك ظلم فتجاب دعوته لأيش؟ لظلمك، وأنت لا تشعر، وأما إذا كان ظالمًا ظلمًا محضًا فإنه لن يجاب.
فيه أيضًا الثواب على القليل والكثير؟
* طالب: يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ النفقة تشمل القليل والكثير.
* الشيخ: طيب، هل في القرآن ما يشهد لذلك؟
* طالب: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [التوبة ١٢١]
* الشيخ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف ٤٩]
* طالب: لا، في النفقة.
* الشيخ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ طيب، فيه أيضًا غيرها؟
* طالب: الآية التي في سورة الكهف، قول الله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]
* الشيخ: طيب، وفي آخر سورة الزلزلة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨].
البقرة 2:269
قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأ وخبره جملة: ﴿يَعِدُكُمُ﴾، و﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءتان: الضم والسكون ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ ، أما قراءة الضم فلا إشكال فيها؛ لأنه معطوف على مرفوع ﴿يَعِدُكُمُ﴾ ﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾.
وأما قراءة الجزم ففيها إشكال؛ لأن المعروف في قواعد النحو أن الفعل المضارع إذا لم يدخل عليه جازم ولا ناصب يكون مرفوعًا، وهنا كان مجزومًا قالوا: إن جزمه هنا للتخفيف لتخفيف النطق؛ لأن قوله: ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ أخف على اللسان من قوله: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾.
لكن هذه قاعدة غير متعدية، إنما يُعلَّل بها ما ثبت، هذه عِلَّة غير متعدية، وإنما يُعلّل بها ما ثبت، وأيش الفرق بين يعني لماذا قلنا غير متعدية؟
لأننا لو قلنا متعدية لكان قياس ذلك أن كل لفظة في القرآن يكون فيها ثقل على اللسان تُسكّن، وليس كذلك؛ لأن القرآن مبني على السماع، لكن إذا وردت قراءة فيها خِفّة وتُخالف القواعد العربية المعروفة فنحن نقول: خُولفت القاعدة للتخفيف.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ هذه أيضًا جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾؟ المبتدأ؟
* الطالب: ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ الراء ساكنة.
* الشيخ: إي فيها قراءة قلت لكم، فيها قراءة سبعية نعم الراء، فيها قراءة سبعية ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ وفيها قراءة: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءتان.
﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ أيضًا جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ ﴿اللَّهُ﴾، والخبر جملة ﴿يَعِدُكُمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ جملة خبرية أيضًا مكونة من مبتدأ وهو ﴿اللَّهُ﴾، ﴿وَاسِعٌ﴾ خبر، و﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثانٍ.
يقول الله عز وجل: إن ﴿الشَّيْطَانُ﴾ والشيطان اسم من أسماء إبليس قيل: إنه مشتق من (شطَن) إذا بعُد، وعلى هذا فالنون أصلية. وقيل: إنه مشتق من (شاطَ) إذا تغيظ وغضب؛ لأنه هو صفته التغيظ والغضب والحمق والجهل، ولكن الأول أقرب إنه من (شطن) إذا بعد بدليل أنه مصروف، قال الله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧]
وصرفه دليل على أن النون؟ أصلية ولا زائدة؟
* الطلبة: أصلية.
* الشيخ: أصلية، وإنما كان كذلك؛ لأن الله أبعده في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر ٣٥].
يقول: إن الشيطان يعد بني آدم الفقر ويأمره بالفحشاء، يعده الفقر يقول: لا تُنفق، لا تُنفق؛ لأنك إن أنفقت افتقرت، إذا كان عندك مئة ريال وأنفقت عشرة كم بقي؟
* الطلبة: تسعين.
* الشيخ: تسعين، أنفقت عشرة أخرى بقي ثمانين، أنفقت خمسين بقي ثلاثين، أنفقت عشرين بقي عشرة، أنفقت عشرة صرت فقيرًا، فهو يقول لك: لا تنفق؛ فإنك إن أنفقت صرت فقيرًا، فهو يعدكم الفقر، ولكن هذا صحيح ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، غير صحيح.
* الشيخ: لا، قال النبي ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة.]] الصدقات ما تُنقص الأموال.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩] يعني هم الذين نالوا درجة التضعيف.
قال: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ والفقر هو الخلو، ويوافقه في الاشتقاق الأكبر (القفر) وهي الأرض الخالية، يعني خلو ذات اليد. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فهو يعد ويخوف من الفقر ويأمر بالفحشاء، ما المراد بالفحشاء هنا؟
الفحشاء هو البخل؛ لأن الفحشاء في كل موضع بحسبه، والموضع الذي هنا هو موضع إنفاق، والذي يُستفحش فيه هو البخل، فالشيطان يأمر بالبخل، والبخل الذي يأمر به الشيطان قسمان: بخل بواجب كالبخل بالزكاة، والبخل بواجب النفقة للزوجة والأقارب، وبخل بمستحب، هذا هو الذي يأمر به الشيطان، أما البخل بالمباح فالشيطان لا يأمر به؛ لأنه لا يفيد المرء، إذا أنفق أو لم يُنفق بل قد يكون عدم إنفاقه في المباح أوْلى.
قال الله تعالى: الفحشاء قلت: إن المراد به هنا البخل، وتأتي لغير البخل؟ نعم، تأتي لما يُستفحش من الذنوب عمومًا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢] وتأتي للزنا واللواط ونكاح ذوات المحارم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢].
وقال الله تعالى في نكاح ذوات المحارم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء ٢٢]، وقال في اللواط قال عن لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ شوف فرق بين هذا وهذا.
﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾ لأن الصدقات تُكفَّر بها الخطايا، قال النبي ﷺ: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» »[[أخرجه الترمذي (2616) من حديث معاذ بلفظ: «وصَلَاة الرّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ».]].
﴿وَفَضْلًا﴾ يعني زيادة، فالصدقة تزيد المغفرة ضد يأمركم.
﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لا تتابعوني حتى تيقنوا.
* الطلبة: الفضل ضد الفقر.
* الشيخ: الفضل ضد الفقر، والمغفرة ضد الفحشاء؛ لأن الفحشاء تُكسب الذنوب والمغفرة تمحو الذنوب، ففرق بين هذا وهذا.
وقوله ﴿وَفَضْلًا﴾ إذا قال قائل: كيف تكون الصدقة أو الإنفاق من المال فضلًا ونحن نشاهد أنه ينقص؟ فالعشرة إذا أنفق منها درهمًا صارت تسعة، فما وجه الزيادة؟ أو على الأقل ما وجه عدم النقص؟
* طالب: على وجهين؛ الوجه الأول: أن هذا البركة والزيادة في الآخرة والله سيجزيه حسنات، الشيء الثاني: أن البركة التي تُعطى بركة قد تكون معنوية، وقد تكون حسية في بعض الأحيان فيزيد ماله، فما المعقول في هذا؟
* الشيخ: نقول: الزيادة! أما بالنسبة لزيادة الأجر في الآخرة فالأمر ظاهِر، إذا أنفقت درهمًا جاءك في الآخرة عشر دراهم إلى سبعمئة درهم، هذه زيادة، لكن إذا أردنا الزيادة الحسية في الدنيا كيف تكون الزيادة؟ قلنا: الزيادة من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن الإنسان قد يفتح الله له باب رزق فيتكسَّب ويزيد المال، أليس كذلك؟
* الطالب: بلى.
* الشيخ: ثانيًا: أن هذا المال ربما يقيه الله تعالى آفات لولا الصدقة لوقعت فيه، وهذا مشاهَد، ولهذا عند العامة الآن إذا ضاع للإنسان شيء ثم وجده بعد يقولون: هذا مال مُزكّى، يعني عند العامة إن المال إذا زُكِّي فالزكاة تقيه الآفات، واضح.
الشيء الثالث مما يزيده: هو البركة، البركة في الإنفاق، إذا نُزعت البركة من الإنفاق فقد يُنفق الإنسان عشرين درهمًا في أمور ما تنفعه، وإذا حلت البركة صار الإنفاق اليسير يقضي به الإنسان حاجات كثيرة، وهذا شيء مشاهَد، وأظن أني قد حكيت عليكم قصة وقعت مع رجلين اقتسما ثمر نخل، وكان ذلك في رمضان، أما أحدهما فقال: سأجذ الثمرة في رمضان نهارًا من أجل أن لا يحضر الفقراء فيأكلوا منه.
* الطلبة: بالليل؟
* الشيخ: لا، نهارًا، بالليل يجيون يأكلون.
أما الثاني فقال: أؤجل جذاذ النخل إلى الفطر وأجذ في النهار حتى يأتي الناس ويأكلون، شوف، وقُسم الثمر وقال أحدهما للآخر: تخيّر، خذ الذي تريد، فأخذ ما يرى أنه الأكثر، الذي أخذه مَن؟ البخيل، أخذ النصيب الذي يرى أنه الأكثر (...) لما جذوا النخل صار سهم الكريم الذي جذه بعد الفطر وأكل الفقراء منه كثيرًا صار أكثر من ذاك، فتخاصم الرجلان إلى القاضي، وادعى البخيل أن القسمة غلط مع أن الكريم كان قد خيّره، لما ترافعا إلى لقاضي قال: طيب، خيّرك؟ قال: نعم، قال له: اخترت سهمك؟ قال: نعم، لماذا؟ قال: لأني رأيته أكثر. قال: أقررت على نفسك الآن، كيف تطالب؟ ثم قال الكريم: إن القصة كذا وكذا وكذا، هو جذه في النهار في رمضان ولم يحضره فقير يأكل، وأنا أخّرته، ولما صار يوم العيد قلت للناس: إننا سنجذ النخل في اليوم الفلاني فمن شاء منكم أن يحضر فليحضر، وحضر المساكين كثيرًا وأكلوا، فقال له الشيخ: هذا مصداق قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة.]] شوف سبحان الله العظيم، هذا الشيء يعني مشهور عندنا في البلد (...) ﴿يُؤْتِي﴾ بمعنى يعطي، وهي في هذه الحال تنصب مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر. ويقال: يأتي ويأتي بمعنى يجيء، وهي في هذه الحال تنصب مفعولًا واحدًا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾ [يونس ٥٠]. أما إذا كانت من (آتى) بمعنى أعطى فهي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الحكمة، والثاني: (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ﴾ ربما نقول: إن هذه الجملة الثانية تدل على أن المفعول الأول ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ هو (مَنْ ) و﴿الْحِكْمَةَ﴾ هي المفعول الثاني؛ لأنه جعل المؤتى في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ هو اسم الشرط ﴿مَنْ يُؤْتَ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾. ﴿يُؤْتَ﴾: فعل مضارع مبني لأيش؟
* الطلبة: للمجهول.
* الشيخ: للمفعول، ونائب الفاعل فيه هو المفعول الأول، و﴿الْحِكْمَةَ﴾ هي المفعول الثاني، وجملة ﴿فَقَدْ أُوتِيَ﴾ هي جواب الشرط. و﴿أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿أُولُو﴾ في هذا التركيب.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو﴾؟ ﴿أُولُو﴾ وأيش إعرابها؟
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: (أولو) فاعل لـ﴿يَذَّكَّرُ﴾ لأن الاستثناء هنا مفرغ، و﴿أُولُو﴾ بمعنى أصحاب وهي ملحقة بجمع المذكر السالم، ولهذا رُفعت بالواو.
يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني أن الله تعالى يُعطي الحكمة من يشاء من عباده، وذلك لأن الأمر كله بيده سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦].
الحكمة بيد الله عز وجل يؤتيها من يشاء من عباده، وقد مر علينا كثيرًا بأن فعل الله المقيَّد بمشيئته يُردّ إلى الحكمة على ما تقتضيه الحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فالله سبحانه وتعالى يُعطي الحكمة من يعلم أنه أهل لها، كما يُعطي الرسالة من يعلم أنه أهل لها ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]
وليس فعل الله عز وجل لمجرد مشيئة أنه يُعطي هذا ويمنع هذا بس بمجرد أنه شاء هذا أو شاء هذا، ولكنه لحكمة.
وقوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ ما هي؟ الحكمة فِعلة من أحكم يُحكم إحكامًا؛ بمعنى أتقن، ولا إتقان إلا بأمرين: بالعلم، والرشد، لا يمكن أن يحصل إحكام لأي شيء من الأشياء إلا بأمرين هما: العلم والرُّشد؛ لأن من فاته العلم كيف يُحكِم الشيء وهو لا يعلم؟
لو قيل لك: إن هذا الرجل سوف يصنع ساعة، ويتقنها ويحسنها وهو لم يتعلم كيف يصنع؟ هل يمكن أن يصنعها أو لا؟
* الطلبة: لا، مستحيل.
* الشيخ: لا يمكن. لو قيل لك: إن هذا الرجل سوف يبني بناء وهو عالم بالبناء، ولكنه سفيه ما يحسن أن يتصرفن لا يحسن أن يضع الأعمدة ولا الجسور ولا المسطحات ولا شيء من هذا، يعني هو جيد وعنده عِلم، لكن ما عنده حسن تصرف، ليس عنده حسن التصرف، هل يمكن أن يُحكِم ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يمكن، إذن فالحكمة تعود إلى شيئين؛ العلم والرشد؛ ولهذا قال الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]. فبالكتاب العلم، وبالحكمة الرشد، وإن شئت فقل: إن الحكمة تشمل العلم والرشد أيضًا وهي السنة.
على كل حال الله عز وجل يهب الحكمة من يشاء، فتجد بعض الناس يهبه الله علمًا ورشدًا، عنده علم عنده رشد، ينزل الأشياء في منازلها، يُعطي عند كون العطاء أنفع، ويمنع عند كون المنع أنفع، ويتكلم إذا كان الكلام أنفع، ويسكت إذا كان السكوت خيرًا، وهكذا، نقول هذا أيش؟ هذا حكمة، ورشد، علم لأنه علم أن هذا أنفع ورشد؛ لأنه سلك النافع،
فإذا مَنَّ الله على الإنسان بهذا الأمر بالحكمة فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ يعني من يهبه الله الحكمة والعلم والرشد فإنه يؤتى خيرًا كثيرًا؛ لأن لديه العلم والرشد فلا يفوته شيء ولا يُضيّع فرصة وهو عالم بأمور الخير وأمور الشر.
وقوله: ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ولم يقل سبحانه وتعالى: فقد أوتي الخير كله؛ لأنه مهما كان الإنسان فهو ناقص مهما كان، مهما بلغ في العلم وفي الرشد فإنه ناقص يرد عليه الجهل ويرد عليه سوء التصرف، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون دائمًا يسأل الله تعالى التوفيق والرشاد والسداد؛ لأنه مهما كان ناقص، أحيانًا يتكلم الإنسان وهو حين يتكلم بالشيء يرى أنه على صواب، ثم بدأ يتبين له أنه خطأ، لماذا؟
لأنه فاته إما العلم وإما الرشد، بل حتى الإنسان المجتهد أحيانًا يجتهد في طلب الحق ويتحرى ويدرس النصوص، ثم يقول: الحكم كذا، وبعد مُضي مدة يتغير اجتهاده، ويرى أن الحكم خلاف الحكم الأول، وهذا نقص ولَّا كمال؟
* الطلبة: نقص.
* الشيخ: هذا نقص، ولكنه يكون كمالًا إذا رجع إلى الحق، ولم ينتصر لنفسه ويبقى على خطئه. يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قد تقول: لماذا اختلف الأسلوب في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾؟ لماذا لم يقل: ومن يؤته الحكمة؟ لأنه قال في الأول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾، فلماذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾؟
الجواب والله أعلم: أن الحكمة قد تكون غريزة وقد تكون مكتسبة بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلًا عن الناس، ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعُم كل طرق الحكمة التي تأتي منها سواء أُوتي الحكمة من قِبل الله عز وجل أو من قِبل الممارسة والتجارب على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب هو من الله عز وجل، هو الذي قيض لك من يفتح لك أبواب الحكمة وأبواب الخير.
يقول: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿مَا يَذَّكَّرُ﴾ التذكر بمعنى الاتعاظ والاعتبار بالأمور ومجاريها ونتائجها وثمراتها. ﴿مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو﴾ أي أصحاب ﴿الْأَلْبَابِ﴾ أي العقول؛ لأن الألباب جمع (لُبّ) وهو العقل. أصحاب العقول هم الذين يتذكرون سواء كان ذلك فيما أجرى الله على عباده من السنن السابقة في تعذيب المكذِّبين وإهلاك المجرمين، أو كان فيما يحصل من تجارب الحياة في زمانهم فإنه كما قيل: العاقل من اتعظ بغيره، كل إنسان عاقل يأخذ من الأمور عِبرًا ودروسًا، ولذلك تجده ينظر ويفكر ويقيس الماضي بالحاضر ويقيس المستقبل بالحاضر ليصل إلى نتيجة، أما من ليس عنده عقل فهو غافل، غافل لا يتذكر ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
إذا قال قائل: هل اللب هو الذكاء أو شيء آخر؟
* طالب: هو الذكاء.
* الشيخ: لا، اللب قلنا: إنه العقل، والعقل غير الذكاء، قد يكون من الكفار من هو غاية في الذكاء، لكنه غاية في السفه، ولهذا وصف الله الكفار بأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١].
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١].
إذن مهما رأينا من سياسات الأمم الكافرة وذكائها لا ينبغي أبدًا أن نقول إنهم عقلاء، كيف الله يقول ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وأنت تقول إنهم عقلاء؟! ولكن نقول: إنهم أذكياء، ولا يلزم من الذكاء العقل؛ العقل حُسن التصرف، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، أما الذكاء فهو حِدة الإدراك والفهم قد يُحمد وقد لا يحمد، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية عن المتكلمين قال: إنهم أوتوا ذَكاء ولم يُؤتوا ذَكاء، هذا جناس تام ولّا غير تام؟
* الطلبة: غير تام.
* الشيخ: جناس غير تام. الظاهر أنكم ما تعرفون بعد الجناس..
ولا علوم سمعية، وهم الذين يدعون أنهم؟ أنهم العقلاء، وأنهم أصحاب العقل، المهم أن ﴿الْأَلْبَابِ﴾ جمع لب وهو العقل، والعقل شيء غير الذكاء ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم، غيره.
* الشيخ: غير الذكاء، ولهذا أقول لكم إن العباقرة في الذكاء من الكفار لا يصح أن نسميهم عقلاء أبدًا، وأيش نسميهم؟
* الطلبة: أذكياء.
* الشيخ: أذكياء، أما عقلاء فلا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: عدة فوائد.
* طالب: الآية الماضية.
* الشيخ: طيب الآية التي قبلها ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨] إلى أخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات الشياطين؛ لقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾، وقد سبق أن المراد بالشيطان هنا الجنس، ما هو بشيطان معين بشخصه، معين بأيش؟ بجنسه،، يعني: جنس الشياطين.
* ومن فوائد الآية: أن للشيطان تأثيرًا على بني آدم إقدامًا أو إحجامًا، فإذا وعدنا الفقر وأمرنا بالبخل فإن مقتضى ذلك الإحجام، وعدم البذل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أبواب التشاؤم لا يفتحها إلا الشياطين؛ لقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ فالشيطان هو الذي، يفتح لك باب التشاؤم، يقول: إذا أنفقت، أنت الآن عندك عشرين ريال، أنفقت عشرة اليوم، واليوم الثاني خمسة، كم بقي؟ خمسة، وبكرة ثلاثة، بقي ريالين، وبعده ريالين أصبحت فقيرًا، لا تنفق، الإنسان بشر ربما ما ينفق، ربما ينسى قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩] وقول رسوله ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]].
* من فوائد الآية الكريمة: بيان عداوة الشيطان للإنسان؛ لأنه في الواقع عدو له في الخبر، وعدو له في الطلب، في الخبر يعده أيش؟ الفقر، في الطلب يأمره بالفحشاء، فهو عدو مخبرًا وطالبًا، والعياذ بالله.
* من فوائد الآية الكريمة: أن البخل من الفواحش، صح؟ لأيش؟ لأن المقام مقام إنفاق، فيكون الذين يأمرنا به الشيطان عدم الإنفاق، لكن هل إن البخل هو الفاحشة أو أنه من الفاحشة؟ من الفاحشة، نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الفاحشة جاءت لغير هذا المعنى في عدة آيات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر بعد الوسوسة والتهويل والتشاؤم يأمر يقول: لا تنفق، ولَّا يقول أمسك؟
* طالب: لا تنفق.
* طالب: أمسك.
* الشيخ: افطن.
* طالب: نفس الشيء.
* الشيخ: واحدة ثنتين، هل نقول: أمسك ولَّا لا تنفق؟
* طلبة: أمسك.
* طلبة: لا تنفق.
* طالب: يقول لا تنفق ياشيخ.
* الشيخ: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾؟
* الطلبة: أمسك؟
* الشيخ: أمسك أيه، أمسك؛ لأننا إذا قلنا: لا تنفق فهو نهي، فهو يصير الأمر من باب اللازم، لكن إذا قلنا أمسك؟
* طالب: صار مطابق
* الشيخ: صار مطابق، ثم كلمة أمسك أشد من كلمة لا تنفق، كأنه يقول: لا تنفق وشدِّد في الحفظ أمسك.
هل هناك أحد يأمر بهذا غير الشيطان؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وأيش هو؟
* طالب: النفس.
* الشيخ: النفس ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف ٥٣].
هل يمكن أن نقول: إنه يستفاد من الآية أن من أمر شخصًا بالإمساك عن الإنفاق فهو شبيه بالشيطان؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: كذا؟ صحيح، الذي يأمر الناس بالإمساك عن الإنفاق المشروع ما هو الإنفاق الغير المشروع شبيه بمن؟ بالشيطان. الذي يأمر غيره بالإنفاق المبذر؟
* طالب: من إخوان الشيطان.
* الشيخ: المبذر أخو الشيطان ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء ٢٧] والآمر له بالتبذير؟ الظاهر أنه شيطان؛ لأنه كل من يأمر بالسوء يأمر بالفحشاء فهو شيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شوف هذا الوعد، الوعد الكريم اللذيذ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ الله أكبر، شتان ما بين الوعدين، الشيطان يعدكم الفقر ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
قد يقول قائل: هل في الآيتين تطابق؟ أو بالأصح تقابل؟ ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، لكن الله يقول: ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾، زاد ولَّا ما زاد؟
* الطلبة: زاد.
* الشيخ: يعني يعدنا بشيئين: بالمغفرة والفضل، المغفرة للذنوب والفضل لزيادة المال في بركته ونمائه، واضح ولَّا لا؟ إذن نكتسب بالإنفاق هذين الأمرين الذين وعد الله تعالى بهما وهما: المغفرة والفضل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه المغفرة التي يعدنا الله بها مغفرة عظيمة. ﴿مِنْهُ﴾ لأيش؟ لأن عظم العطاء من عظم المعطي، ولهذا جاء في الحديث الذي وصى به النبي ﷺ أبا بكر قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]]. ومعلوم أن العطية بحسب المعطي، ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التفاؤل من الله، من أين؟
* الطلبة: يعدكم الله.
* الشيخ: ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ فإذا تفاءل الإنسان على ربه إذا أنفق، وهو يحسن الظن بالله عز وجل أن الله يغفر له الذنوب، ويزيده من فضله كان هذا من خير ما تنطوي عليه السريرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: واسع وعليم، وإثبات صفتين من صفاته: السعة والعلم، إذا قال قائل: من أين أثبتَّ السعة؟
* الطلبة: من واسع.
* الشيخ: من واسع، والاسم يدل على الصفة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أكيد؟
* طلبة: نعم، أكيد.
* الشيخ: ما أدري، أكيد؟ أكيد؟
* الطلبة: يا شيخ، أكيد يا شيخ.
* الشيخ: السميع يدل على السمع؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: والعليم؟
* الطلبة: يدل على العلم.
* الشيخ: يدل على العلم، وكل اسم من أسماء الله فهو دال على صفة لا بد، وقد مر علينا أنه لا يتم الإيمان بالاسم حتى تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، وأنه متضمن لصفة من صفاته دل عليها ذلك الاسم، وتؤمن بالأثر إذا كان من وصف متعد، واضح؟ ولا حاجة يا إخوان نقول: جيب دليل على إثبات الصفة؛ لأن اللغة العربية هي الدليل، القرآن نزل بأي لغة؟ بلغة العربية، اللغة العربية ما يمكن تقول السميع لمن لا سمع له، ولا الواسع لمن لا سعة له، ولا الحكيم لمن لا حكمة له، ومن ادعى أن العربية تأتي بمثل هذه الأسماء بدون إثبات للمعنى التي تضمنته فهو إما كاذب على اللغة العربية وإما جاهل بها، صح؟ إما كاذب وإما جاهل، أما رجل يعلم اللغة العربية ويصدق فيما يقول عنها فلا بد أن يقول إن كل اسم مشتق دال على الصفة التي تضمنها ولا بد، لو أنني رأيت رجلًا أعمى، ما شاء الله هذا الرجل البصير، وأيش تقولون؟
* الطلبة: تفاؤل.
* الشيخ: لا، بدون تفاؤل حقيقة.
* الطلبة: خطأ.
* الشيخ: تقول هذا كيف هذا رجل البصير، أعمى ما يشوف تقول عليه بصير؟!
رجل لو صارت عنده المدافع ما سمع ما شاء الله، جاءني الرجل السميع، أيش تقولون أنتم؟ تقولون: هذا الكلام جنون، كيف سميع وهو ما له سمع؟! واضح؟ إي نعم، أنا قال لي بعض الإخوة الحاضرين الآن قال لي إن واحد يقول: وأيش الدليل على أن الله له سمع؟ وأيش تقول لهذا؟ نقول: هات الدليل على أن لك عقلًا قبل أن نعطيك الدليل على أن الله له سمع، هل يمكن عقلا أو لغة أو عرفًا أن يقال السميع لمن لا سمع له؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا، ما يمكن، لكن بعض الناس انفتح عليهم باب الاجتهاد، وأنا أقول: أنا أشكر وأحمد الله أن الله سبحانه وتعالى سخر أو فتح علينا طلب الدليل، لكن طلب الدليل في كل شيء حتى فيما الدليل فيه نقول: وأيش الدليل؟ صحيح هذا؟ هذا إسراف، هذا إسراف ما هو طلب دليل.
* طالب: الصفة الثالثة يا شيخ؟
* الشيخ: نعم؟
* طالب: سعة العلم.
* الشيخ: إيه، فيه أيضًا يستفاد من الاسمين والصفتين: إثبات صفة ثالثة باجتماعهما؛ لأننا قلنا فيما سبق، القاعدة أن الاسم من أسماء الله قد يتضمن إذا جمع إلى غيره صفة أخرى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٤٣] شوف الجمع بين العفو والقدرة، لها ميزة أن عفوه غير مشوب بعجز إطلاقًا، لأيش؟ لأن بعض الناس قد يعفو لعجزه، واحد خطف غترة إنسان، وهرب بها واشتد المخطوف غترته وراءه سعيًا ولما عجز ليدركه قال: أنا مسامحك، أيش هذا العفو؟
* الطلبة: عجز.
* الشيخ: محمود هذا العفو ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، غير محمود.
* الشيخ: الله أعلم، على كل حال، هو ضعيف، ربما يستفيد ذلك في الآخرة ما يطالبه فيه لكن هو ضعيف بلا شك، لكن إن الله كان عفوًَّا قديرًا، هذا كمال.
إذن ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ما هي الصفة الثالثة التي تتولد من ذلك؟ أن علمه واسع، وكل صفاته واسعة، وهذا مأخوذ من اسمه الواسع، علمه، سمعه، بصره، قدرته كل صفاته.
ثم قال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦٩] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؟
* طالب: في قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أن سعة الله سبحانه وتعالى (...)
* الشيخ: لا، كل شيء.
* طالب: أن الصدقة تزيد المال.
* الشيخ: وأيش تقولون؟ الصدقة تزيد في المال، يؤخذ من قوله: ﴿وَفَضْلًا﴾.
يؤخذ من الآية الثانية: إثبات أفعال الله عز وجل التي تتعلق بمشيئته؛ لقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ وهذه من الصفات، أيش؟
* الطلبة: الفعلية.
* الشيخ: الفعلية، من الصفات الفعلية.
* ومن فوائدها: أن ما في الإنسان من العلم والرشد فهو فضل من الله عز وجل لقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ فأنت إذا من الله عليك بعلم ورشد وقوة وقدرة وسمع وبصر، لا تترفع هي من الله عز وجل ولو شاء الله لسلبها عنك بعد أن أعطاك إياها، قد يسلب الله سبحانه وتعالى العلم من الإنسان بعد أن أعطاه إياه، نعوذ بالله من ذلك، وربما يسلب منه الحكمة، تكون كل تصرفاته طيشًا وضلالًا وهدرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة، من أين نأخذها؟
* طالب: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، طيب. وهل نقول فيها إثبات الحكمة لله؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم فيها إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لأن الحكمة كمال ومعطي الكمال أولى به، معطي الكمال أولى به عز وجل، فنأخذ من الآية: إثبات الحكمة لله بهذا الطريق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الفخر العظيم لمن آتاه الله الحكمة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الشكر على من آتاه الله تعالى الحكمة؛ لأن هذا الخير الكثير يستوجب أيش؟ الشكر.
ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة قد تكون معلومة الطرق، يعني قد تتعدد طرق الحكمة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ وهذا أمر مشاهد، فالإنسان يكتسب الحكمة بمقتضى غريزته، ويكتسبها بالتجارب والممارسات ولَّا لا؟ ولهذا أحيانًا تصاحب رجلًا ذا أخلاق فاضلة فتكتسب من أخلاقه دون أن يعلمك، أحيانًا تكتسب الأخلاق من جاهل وأنت أعلم منه، صحيح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، هذا صحيح واقع؛ لأن الأخلاق غير العلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العقل؛ لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ لأن التذكر بلا شك يحمد عليه الإنسان، فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل دل ذلك على فضيلة العقل.
ومن فوائدها أيضًا: أن عدم التذكر سفه، أو لا؟ الذي لا يتذكر ولا يعتبر بما مضى، وما حضر هذا في الحقيقة ليس بعاقل، أو لا؟ بل نقول: إنه ميت كما قال المتنبي:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ ∗∗∗ مَــــا لِـــجُــــرْحٍ بِـــمَــــيِّـــــتٍإِيِــــــلَامُ
وهذا صحيح، فالإنسان الذي لا يعتبر ولا يتذكر هذا في الحقيقة ميت لا يستفيد شيئًا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان بلا عقل، قشور، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ حيث سمى العقل لبًّا.
تقدم لنا أن الله سبحانه تعالى بين أنه يؤتي الحكمة من يشاء، فهل هذه المشيئة مشيئة مطلقة مجردة، أم ماذا؟
* طالب: مشيئة مقرونة بالحكمة.
* الشيخ: مشيئة مقرونة بالحكمة؟ طيب، هل نطرد هذا في كل شيء؟ كلما جاءت المشيئة نقول: إنها مقرونة بالحكمة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب الدليل؟
* طالب: الدليل قوله سبحانه وتعالى في سورة الإنسان: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]
* الشيخ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ طيب أحسنت.
يقول: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ما هي الحكمة؟
* طالب: هي وضع الشيء في موضعه.
* الشيخ: إي، بس؟
* طالب: العلم والرشد.
* الشيخ: العلم والرشد، طيب. الدليل على أن الحكمة بمعنى العلم؟ فـ(ما) هنا شرطية، والدليل على أنها شرطية؟
* طالب: تلزمه.
* الشيخ: أنها مركبة من شرط وجواب ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة ٢٧٠] هذا الجواب ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
ثانيًا: يقول: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ من هذه زائدة زائدة، أيش معنى زائدة زائدة؟ أي: زائدة إعرابًا، زائدة معنًى، فهي حرف جر زائد من حيث الإعراب؛ ولهذا نعرب ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾ على أنها مفعول به، يعني: ما أنفقتم نفقة أو نذرتم نذرًا فإن الله يعلمه.
ويجوز أن تكون من بيانية ل ما في قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾، لأن ما الشرطية مبهمة والمبهم يحتاج إلى بيان.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ جملة جواب الشرط، والفاء هنا واقعة في جواب الشرط وجوبًا، الشاهد لذلك من كلام ابن مالك قوله:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شًرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
واقرن بفاء حتمًا يعني وجوبًا، جوابًا لو جُعل شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل، وإن هنا لو جعلت شرطًا لإن ما صحت؛ فلهذا وجب اقترانها بالفاء وهي في سبعة مواضع، مجموعة في بيت من ينشده لنا؟
* طالب: قوله:
اسْــمِــيِّــةٌ طَــلــَبِــيَّــةٌوَبِــجَــامِــدٍ ∗∗∗ وَبِــمَــا وَقَــدْ وَبِــلَــنْوَبِــالـتَّـنْـفِيـسِ
* الشيخ:
اسْــمِــيِّــةٌ طَــلــَبِــيَّــةٌوَبِــجَــامِــدٍ ∗∗∗ وَبِــمَــا وَقَــدْ وَبِــلَــنْوَبِــالـتَّـنْـفِيـسِ
يعني: إذا جاءت جملة شرط أحد هذه الأمور السبعة وجب اقترانها بالفاء.
طيب، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ جملة ثبوتية أو سلبية؟
* طالب: سلبية.
* الشيخ: سلبية؛ يعني جملة نفي، والمبتدأ فيها قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ و من فيها زائدة، زائدة إعرابًا زائدة معنى، يعني تزيد المعنى وإن كان في الإعراب زائدة، ولهذا نعرب ﴿أَنْصَارٍ﴾ على أنها مبتدأ مؤخر مرفوع بالابتداء، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
يقول الله عز وجل مخاطبًا عباده: أي نفقة نفقتموها وأي نذر نذرتموه فإن الله يعلمه، والمقصود من الإخبار بالعلم بيان ما يترتب على العلم من المجازاة، فقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ يشمل النفقات الواجبة وعلى رأسها الزكاة، وسمي الإنفاق إنفاقًا؛ لأنه يخرج، فالإنسان يخرِج هذا المنفق عن ملكه، ويشمل الإنفاق المستحب مثل الصدقات والإنفاق في وجوه البر من أعمال خيرية وغيرها، أي نفقة ينفقها الإنسان فإن الله يعلمها، وهذه النفقة إن أنفقها لله يبتغي بها وجه الله أثيب عليها، حتى وإن كانت على نفسه أو على أهله، قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً» نفقة نكرة في سياق النفي فتعُمّ «نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: «... حتى ما تجعل في في امرأتك».]] مع أن إنفاق الإنسان على امرأته واجب على أنه معاوضة يجبر عليها، كيف على أنه معاوضة؟ لأنها في مقابلة الاستمتاع بالزوجة حتى هذا الشيء الواجب الذي أنا أستفيد من عوضه إذا فعلته لله أجرت عليه، الإنفاق الآن يشمل الواجب وعلى رأسه الزكاة، والمستحب وهو كل ما أنفقه الإنسان لله عز وجل من غير إلزام عليه بذلك من أعمال الخير.
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ النذر بمعنى الإلزام، والمراد به ما نذره الإنسان على نفسه من طاعة فإن الله يعلمه، والنذر قسمه العلماء إلى خمسة أقسام، وأصل عقده مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]] سواء عقده الإنسان ابتداء أو بشرط فإنه يكره، ولهذا تجد كثيرًا من الناس الناذرين تجدهم يتندمون، وأحيانًا يذهبون إلى أهل العلم؛ لعلهم يجدون رخصة أو فكاكًا من هذا النذر، وما دام الإنسان في عافية فإنه لا ينبغي له أن يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به، ووظيفتكم أنتم أن تبينوا للناس أن عقد النذر مكروه حتى لا يلزموا أنفسهم به، ثم إن التخلف عن الوفاء به خطير جدًّا، فإن الله يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة ٧٥، ٧٦] فما العقوبة؟ ﴿أَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٧] لكن إذا نذر فإن كان نذر طاعة وجب عليه الوفاء به سواء كان ابتدائيًّا أو معلقًا بشرط لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]].
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ هل يدخل في النذر الدخول في العبادات الواجبة؟
الظاهر أنه يدخل فيه؛ لأن الإنسان إذا شرع في عبادة واجبة لزمه إتمامها، حتى وإن كانت قضاء، فلو أن رجلًا صام يومًا من قضاء رمضان، فهل له أن يفطر؟ لا؛ لأنه شرع في واجب، والشروع في واجب دخول في هذا الواجب على أنه لازم له وواجب عليه، ولهذا قال العلماء: كل من شرع في فرض سواء كان موسعًا أو مضيقًا لزمه إتمامه.
طيب، يدخل في ذلك أيضًا الشروط (...) فقد فرضه على نفسه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٢٩]
ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة ٢٧٠] يعلمه؛ أي يعلم ما أنفقتموه أو ما نذرتموه سواء كان ذلك الشيء ظاهرًا علنًا أو خفيًّا مستورًا؛ لماذا قلنا: سواء كان هكذا أو هكذا؟
لعموم قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولم يقل يعلم الظاهر منه، بل يعلم الظاهر والخفي، وعموم يعلمه
يشمل علمه على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل، والفائدة من ذكر علم الله به، الفائدة من ذلك الإشارة إلى ما يترتب على ذلك العلم من المجازاة، وإلا مجرد أن نعلم أن الله يعلمه بدون أن نشعر بما يستلزم ذلك العلم لا فائدة منه.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني ليس للظالمين أحد ينصرهم، لا من قبل الله عز وجل ولا من قبل المخلوق، هذا ظاهر الآية، ولكن قد يورد علينا مورد أن الظالمين قد يجدون من ينصرهم من الظلمة، أليس كذلك؟ فنقول: نعم، يوجد من ينصرهم من الظَّلَمة، لكن مآلهم جميعًا إلى الخذلان؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٢١] فالظالم لا يفلح أبدًا مهما علت به الدنيا فسوف ينزل، ومهما كثر أنصاره فسوف يخذل، لا يمكن أن يقدر له الفلاح، لكن الله عز وجل قد يمكنه أحيانًا من أجل أن يمحقه، كما ذكر الله تعالى ذلك في فوائد الهزيمة يوم أحد، فإن الله ذكر من جملة فوائدها أن يمحق الكافرين؛ لأن الكافر إذا شعر بالنصر استعلى وزاد طغيانه، إذا زاد طغيانه فقد قرب هلاكه وإتلافه، فإذن نرد على هذا الإشكال أو على هذا الإيراد بأن الظالمين وأنصارهم مآلهم الخذلان، وإن تناصروا فإنهم لن يفلحوا.
هذه الآية اشتملت على فوائد كثيرة، الفائدة الأولى: أن الإنفاق قليله وكثيره يثاب عليه المرء، من أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في سياق النفي؟
* طالب: أو الشرط.
* الشيخ: الشرط.
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أحسن من قولك: أو الشرط أن تقول: بل الشرط. زين، يشمل القليل والكثير.
اشتراط الإخلاص في النفقة، هل يمكن أن يؤخذ من الآية؟ لأن النفقة بدون إخلاص لا تنفع، كيف يؤخذ؟
* طالب: من قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فإن هذا يستلزم الجزاء عليه ولا جزاء على شيء لا إخلاص فيه.
من فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا أنفق نفقة أن يحتسب الأجر على الله، من أين يؤخذ؟ أن الإنسان إذا نفق نفقة ينبغي له أن يحتسب الأجر على الله عز وجل؟
* طالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾؛ لأنك إذا أنفقت وأنت تشعر أن الله يعلم هذا الإنفاق فسوف تحتسب الأجر على الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز النذر؟
* طالب: ما فيها جواز.
* الشيخ: ما فيها، كيف؟
* الطالب: لأن قال الله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ هذا قيد قيد بالشرط إذا نذرتم..
* الشيخ: يعني ما يعطي بيان حكم النذر؟
* الطالب: ما يعطي.
* الشيخ: ولكن يعطي بأن الله يعلمه، ثم قد يعاقب عليه الإنسان وقد لا يعاقب، وأيش تقولون؟ صحيح الآية لا تدل على الجواز، كما لو قال قائل مثلًا: إذا سرقت فإن الله يعلم سرقتك، هل هذا يعطي أن السرقة جائزة؟ لا؛ ولهذا لا نقول: إن الآية تعارض الحديث وهو نهي النبي ﷺ عن النذر؛ لأنها لا تدل على جوازه، لكن إذا نذر وجب عليه الوفاء إذا كان نذره طاعة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: وجه العموم؟
* الطالب: كل نفقة أو نذر فإن الله يعلم.
* الشيخ: أن ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ هذه عامة؛ لأن أدوات الشرط تفيد العموم.
* ومن فوائد الآية: الرد على غلاة القدرية؟
* طالب: أنهم يقولون إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم الشيء (...)
* الشيخ: إن الله لا يعلم الشيء، وبعضهم يقول ما يعلم بالأشياء أيضًا، أن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه تدخل إطلاقًا، لكن الآية ترد عليهم، أما من يقول منهم إن الله يعلم الشيء بعد وقوعه فلا ترد عليه؛ لأن الآية صريحة في أن الله يعلمه بعد وقوعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا ينصر الظالم.
* طالب: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
* الشيخ: طيب، ولكن يَرِد على هذا ما وقع في أحد أن الله سبحانه وتعالى نصر الكافرين.
* طالب: نقول: إن نصرهم لحكمة من الله سبحانه وتعالى هو أن يؤدب المؤمنين لمعصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أذن في المعركة ألا يُلاحقوا النبي ﷺ، وهذا ما (...)
* الشيخ: نقول في هذا بأن نصر الله لهؤلاء الكافرين ليس من أجل أن ينتصروا على المسلمين، ولكن من أجل العقوبة لما حصل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ثم هذا النصر أيضًا هل هو نصر مؤبد؟ لا؛ لأن الله ذكر أن هذا لإغراء الكافرين على كفرهم وطغيانهم حتى يمحقهم نهائيًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من دعا على أخيه وهو ظالم له فإن الله لا يجيب دعاءه.
* طالب: أقول: إن هذا طالب، وقد دعا على أخيه وهو ظالم له لا يسر الله على أخيه من دونه.
* الشيخ: نعم؛ لأنه لو أجيب لكان نصرًا له، وعلى هذا فإذا شهدت على شخص بحق، ودعا عليك، وقال: الله لا يربح فلانًا اللي علم علي، هل يقبل دعاؤه أو لا؟ لا؛ لأنه ظالم، والله عز وجل لا ينصر الظالمين أبدًا ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، والله سبحانه وتعالى أحكم وأعدل من أن ينصر الظالم، كثير من الناس الآن يخشون من دعوة الإنسان حتى وإن كان ظالمًا، ولكن نقول: كن مطمئنَّا فإن الظالم لن ينصره الله عز وجل وليجيب دعاءه، لكن فكر في نفسك أنت، هل أنت ظالم أم لا؟ لأنه ربما يكون منك ظلم فتجاب دعوته لأيش؟ لظلمك، وأنت لا تشعر، وأما إذا كان ظالمًا ظلمًا محضًا فإنه لن يجاب.
فيه أيضًا الثواب على القليل والكثير؟
* طالب: يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ النفقة تشمل القليل والكثير.
* الشيخ: طيب، هل في القرآن ما يشهد لذلك؟
* طالب: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [التوبة ١٢١]
* الشيخ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف ٤٩]
* طالب: لا، في النفقة.
* الشيخ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ طيب، فيه أيضًا غيرها؟
* طالب: الآية التي في سورة الكهف، قول الله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]
* الشيخ: طيب، وفي آخر سورة الزلزلة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨].
البقرة 2:270
قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأ وخبره جملة: ﴿يَعِدُكُمُ﴾، و﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءتان: الضم والسكون ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ ، أما قراءة الضم فلا إشكال فيها؛ لأنه معطوف على مرفوع ﴿يَعِدُكُمُ﴾ ﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾.
وأما قراءة الجزم ففيها إشكال؛ لأن المعروف في قواعد النحو أن الفعل المضارع إذا لم يدخل عليه جازم ولا ناصب يكون مرفوعًا، وهنا كان مجزومًا قالوا: إن جزمه هنا للتخفيف لتخفيف النطق؛ لأن قوله: ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ أخف على اللسان من قوله: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾.
لكن هذه قاعدة غير متعدية، إنما يُعلَّل بها ما ثبت، هذه عِلَّة غير متعدية، وإنما يُعلّل بها ما ثبت، وأيش الفرق بين يعني لماذا قلنا غير متعدية؟
لأننا لو قلنا متعدية لكان قياس ذلك أن كل لفظة في القرآن يكون فيها ثقل على اللسان تُسكّن، وليس كذلك؛ لأن القرآن مبني على السماع، لكن إذا وردت قراءة فيها خِفّة وتُخالف القواعد العربية المعروفة فنحن نقول: خُولفت القاعدة للتخفيف.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ هذه أيضًا جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾؟ المبتدأ؟
* الطالب: ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ الراء ساكنة.
* الشيخ: إي فيها قراءة قلت لكم، فيها قراءة سبعية نعم الراء، فيها قراءة سبعية ﴿وَيَأْمُرْكُمْ﴾ وفيها قراءة: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءتان.
﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ أيضًا جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ ﴿اللَّهُ﴾، والخبر جملة ﴿يَعِدُكُمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ جملة خبرية أيضًا مكونة من مبتدأ وهو ﴿اللَّهُ﴾، ﴿وَاسِعٌ﴾ خبر، و﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثانٍ.
يقول الله عز وجل: إن ﴿الشَّيْطَانُ﴾ والشيطان اسم من أسماء إبليس قيل: إنه مشتق من (شطَن) إذا بعُد، وعلى هذا فالنون أصلية. وقيل: إنه مشتق من (شاطَ) إذا تغيظ وغضب؛ لأنه هو صفته التغيظ والغضب والحمق والجهل، ولكن الأول أقرب إنه من (شطن) إذا بعد بدليل أنه مصروف، قال الله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٧]
وصرفه دليل على أن النون؟ أصلية ولا زائدة؟
* الطلبة: أصلية.
* الشيخ: أصلية، وإنما كان كذلك؛ لأن الله أبعده في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر ٣٥].
يقول: إن الشيطان يعد بني آدم الفقر ويأمره بالفحشاء، يعده الفقر يقول: لا تُنفق، لا تُنفق؛ لأنك إن أنفقت افتقرت، إذا كان عندك مئة ريال وأنفقت عشرة كم بقي؟
* الطلبة: تسعين.
* الشيخ: تسعين، أنفقت عشرة أخرى بقي ثمانين، أنفقت خمسين بقي ثلاثين، أنفقت عشرين بقي عشرة، أنفقت عشرة صرت فقيرًا، فهو يقول لك: لا تنفق؛ فإنك إن أنفقت صرت فقيرًا، فهو يعدكم الفقر، ولكن هذا صحيح ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، غير صحيح.
* الشيخ: لا، قال النبي ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة.]] الصدقات ما تُنقص الأموال.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩] يعني هم الذين نالوا درجة التضعيف.
قال: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ والفقر هو الخلو، ويوافقه في الاشتقاق الأكبر (القفر) وهي الأرض الخالية، يعني خلو ذات اليد. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فهو يعد ويخوف من الفقر ويأمر بالفحشاء، ما المراد بالفحشاء هنا؟
الفحشاء هو البخل؛ لأن الفحشاء في كل موضع بحسبه، والموضع الذي هنا هو موضع إنفاق، والذي يُستفحش فيه هو البخل، فالشيطان يأمر بالبخل، والبخل الذي يأمر به الشيطان قسمان: بخل بواجب كالبخل بالزكاة، والبخل بواجب النفقة للزوجة والأقارب، وبخل بمستحب، هذا هو الذي يأمر به الشيطان، أما البخل بالمباح فالشيطان لا يأمر به؛ لأنه لا يفيد المرء، إذا أنفق أو لم يُنفق بل قد يكون عدم إنفاقه في المباح أوْلى.
قال الله تعالى: الفحشاء قلت: إن المراد به هنا البخل، وتأتي لغير البخل؟ نعم، تأتي لما يُستفحش من الذنوب عمومًا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢] وتأتي للزنا واللواط ونكاح ذوات المحارم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢].
وقال الله تعالى في نكاح ذوات المحارم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء ٢٢]، وقال في اللواط قال عن لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ شوف فرق بين هذا وهذا.
﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾ لأن الصدقات تُكفَّر بها الخطايا، قال النبي ﷺ: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» »[[أخرجه الترمذي (2616) من حديث معاذ بلفظ: «وصَلَاة الرّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ».]].
﴿وَفَضْلًا﴾ يعني زيادة، فالصدقة تزيد المغفرة ضد يأمركم.
﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لا تتابعوني حتى تيقنوا.
* الطلبة: الفضل ضد الفقر.
* الشيخ: الفضل ضد الفقر، والمغفرة ضد الفحشاء؛ لأن الفحشاء تُكسب الذنوب والمغفرة تمحو الذنوب، ففرق بين هذا وهذا.
وقوله ﴿وَفَضْلًا﴾ إذا قال قائل: كيف تكون الصدقة أو الإنفاق من المال فضلًا ونحن نشاهد أنه ينقص؟ فالعشرة إذا أنفق منها درهمًا صارت تسعة، فما وجه الزيادة؟ أو على الأقل ما وجه عدم النقص؟
* طالب: على وجهين؛ الوجه الأول: أن هذا البركة والزيادة في الآخرة والله سيجزيه حسنات، الشيء الثاني: أن البركة التي تُعطى بركة قد تكون معنوية، وقد تكون حسية في بعض الأحيان فيزيد ماله، فما المعقول في هذا؟
* الشيخ: نقول: الزيادة! أما بالنسبة لزيادة الأجر في الآخرة فالأمر ظاهِر، إذا أنفقت درهمًا جاءك في الآخرة عشر دراهم إلى سبعمئة درهم، هذه زيادة، لكن إذا أردنا الزيادة الحسية في الدنيا كيف تكون الزيادة؟ قلنا: الزيادة من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن الإنسان قد يفتح الله له باب رزق فيتكسَّب ويزيد المال، أليس كذلك؟
* الطالب: بلى.
* الشيخ: ثانيًا: أن هذا المال ربما يقيه الله تعالى آفات لولا الصدقة لوقعت فيه، وهذا مشاهَد، ولهذا عند العامة الآن إذا ضاع للإنسان شيء ثم وجده بعد يقولون: هذا مال مُزكّى، يعني عند العامة إن المال إذا زُكِّي فالزكاة تقيه الآفات، واضح.
الشيء الثالث مما يزيده: هو البركة، البركة في الإنفاق، إذا نُزعت البركة من الإنفاق فقد يُنفق الإنسان عشرين درهمًا في أمور ما تنفعه، وإذا حلت البركة صار الإنفاق اليسير يقضي به الإنسان حاجات كثيرة، وهذا شيء مشاهَد، وأظن أني قد حكيت عليكم قصة وقعت مع رجلين اقتسما ثمر نخل، وكان ذلك في رمضان، أما أحدهما فقال: سأجذ الثمرة في رمضان نهارًا من أجل أن لا يحضر الفقراء فيأكلوا منه.
* الطلبة: بالليل؟
* الشيخ: لا، نهارًا، بالليل يجيون يأكلون.
أما الثاني فقال: أؤجل جذاذ النخل إلى الفطر وأجذ في النهار حتى يأتي الناس ويأكلون، شوف، وقُسم الثمر وقال أحدهما للآخر: تخيّر، خذ الذي تريد، فأخذ ما يرى أنه الأكثر، الذي أخذه مَن؟ البخيل، أخذ النصيب الذي يرى أنه الأكثر (...) لما جذوا النخل صار سهم الكريم الذي جذه بعد الفطر وأكل الفقراء منه كثيرًا صار أكثر من ذاك، فتخاصم الرجلان إلى القاضي، وادعى البخيل أن القسمة غلط مع أن الكريم كان قد خيّره، لما ترافعا إلى لقاضي قال: طيب، خيّرك؟ قال: نعم، قال له: اخترت سهمك؟ قال: نعم، لماذا؟ قال: لأني رأيته أكثر. قال: أقررت على نفسك الآن، كيف تطالب؟ ثم قال الكريم: إن القصة كذا وكذا وكذا، هو جذه في النهار في رمضان ولم يحضره فقير يأكل، وأنا أخّرته، ولما صار يوم العيد قلت للناس: إننا سنجذ النخل في اليوم الفلاني فمن شاء منكم أن يحضر فليحضر، وحضر المساكين كثيرًا وأكلوا، فقال له الشيخ: هذا مصداق قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة.]] شوف سبحان الله العظيم، هذا الشيء يعني مشهور عندنا في البلد (...) ﴿يُؤْتِي﴾ بمعنى يعطي، وهي في هذه الحال تنصب مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر. ويقال: يأتي ويأتي بمعنى يجيء، وهي في هذه الحال تنصب مفعولًا واحدًا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾ [يونس ٥٠]. أما إذا كانت من (آتى) بمعنى أعطى فهي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الحكمة، والثاني: (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ﴾ ربما نقول: إن هذه الجملة الثانية تدل على أن المفعول الأول ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ هو (مَنْ ) و﴿الْحِكْمَةَ﴾ هي المفعول الثاني؛ لأنه جعل المؤتى في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ هو اسم الشرط ﴿مَنْ يُؤْتَ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾. ﴿يُؤْتَ﴾: فعل مضارع مبني لأيش؟
* الطلبة: للمجهول.
* الشيخ: للمفعول، ونائب الفاعل فيه هو المفعول الأول، و﴿الْحِكْمَةَ﴾ هي المفعول الثاني، وجملة ﴿فَقَدْ أُوتِيَ﴾ هي جواب الشرط. و﴿أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿أُولُو﴾ في هذا التركيب.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو﴾؟ ﴿أُولُو﴾ وأيش إعرابها؟
* الطالب: فاعل.
* الشيخ: (أولو) فاعل لـ﴿يَذَّكَّرُ﴾ لأن الاستثناء هنا مفرغ، و﴿أُولُو﴾ بمعنى أصحاب وهي ملحقة بجمع المذكر السالم، ولهذا رُفعت بالواو.
يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني أن الله تعالى يُعطي الحكمة من يشاء من عباده، وذلك لأن الأمر كله بيده سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦].
الحكمة بيد الله عز وجل يؤتيها من يشاء من عباده، وقد مر علينا كثيرًا بأن فعل الله المقيَّد بمشيئته يُردّ إلى الحكمة على ما تقتضيه الحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فالله سبحانه وتعالى يُعطي الحكمة من يعلم أنه أهل لها، كما يُعطي الرسالة من يعلم أنه أهل لها ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]
وليس فعل الله عز وجل لمجرد مشيئة أنه يُعطي هذا ويمنع هذا بس بمجرد أنه شاء هذا أو شاء هذا، ولكنه لحكمة.
وقوله: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ ما هي؟ الحكمة فِعلة من أحكم يُحكم إحكامًا؛ بمعنى أتقن، ولا إتقان إلا بأمرين: بالعلم، والرشد، لا يمكن أن يحصل إحكام لأي شيء من الأشياء إلا بأمرين هما: العلم والرُّشد؛ لأن من فاته العلم كيف يُحكِم الشيء وهو لا يعلم؟
لو قيل لك: إن هذا الرجل سوف يصنع ساعة، ويتقنها ويحسنها وهو لم يتعلم كيف يصنع؟ هل يمكن أن يصنعها أو لا؟
* الطلبة: لا، مستحيل.
* الشيخ: لا يمكن. لو قيل لك: إن هذا الرجل سوف يبني بناء وهو عالم بالبناء، ولكنه سفيه ما يحسن أن يتصرفن لا يحسن أن يضع الأعمدة ولا الجسور ولا المسطحات ولا شيء من هذا، يعني هو جيد وعنده عِلم، لكن ما عنده حسن تصرف، ليس عنده حسن التصرف، هل يمكن أن يُحكِم ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا يمكن، إذن فالحكمة تعود إلى شيئين؛ العلم والرشد؛ ولهذا قال الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]. فبالكتاب العلم، وبالحكمة الرشد، وإن شئت فقل: إن الحكمة تشمل العلم والرشد أيضًا وهي السنة.
على كل حال الله عز وجل يهب الحكمة من يشاء، فتجد بعض الناس يهبه الله علمًا ورشدًا، عنده علم عنده رشد، ينزل الأشياء في منازلها، يُعطي عند كون العطاء أنفع، ويمنع عند كون المنع أنفع، ويتكلم إذا كان الكلام أنفع، ويسكت إذا كان السكوت خيرًا، وهكذا، نقول هذا أيش؟ هذا حكمة، ورشد، علم لأنه علم أن هذا أنفع ورشد؛ لأنه سلك النافع،
فإذا مَنَّ الله على الإنسان بهذا الأمر بالحكمة فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ يعني من يهبه الله الحكمة والعلم والرشد فإنه يؤتى خيرًا كثيرًا؛ لأن لديه العلم والرشد فلا يفوته شيء ولا يُضيّع فرصة وهو عالم بأمور الخير وأمور الشر.
وقوله: ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ولم يقل سبحانه وتعالى: فقد أوتي الخير كله؛ لأنه مهما كان الإنسان فهو ناقص مهما كان، مهما بلغ في العلم وفي الرشد فإنه ناقص يرد عليه الجهل ويرد عليه سوء التصرف، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون دائمًا يسأل الله تعالى التوفيق والرشاد والسداد؛ لأنه مهما كان ناقص، أحيانًا يتكلم الإنسان وهو حين يتكلم بالشيء يرى أنه على صواب، ثم بدأ يتبين له أنه خطأ، لماذا؟
لأنه فاته إما العلم وإما الرشد، بل حتى الإنسان المجتهد أحيانًا يجتهد في طلب الحق ويتحرى ويدرس النصوص، ثم يقول: الحكم كذا، وبعد مُضي مدة يتغير اجتهاده، ويرى أن الحكم خلاف الحكم الأول، وهذا نقص ولَّا كمال؟
* الطلبة: نقص.
* الشيخ: هذا نقص، ولكنه يكون كمالًا إذا رجع إلى الحق، ولم ينتصر لنفسه ويبقى على خطئه. يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قد تقول: لماذا اختلف الأسلوب في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾؟ لماذا لم يقل: ومن يؤته الحكمة؟ لأنه قال في الأول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾، فلماذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾؟
الجواب والله أعلم: أن الحكمة قد تكون غريزة وقد تكون مكتسبة بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلًا عن الناس، ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعُم كل طرق الحكمة التي تأتي منها سواء أُوتي الحكمة من قِبل الله عز وجل أو من قِبل الممارسة والتجارب على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب هو من الله عز وجل، هو الذي قيض لك من يفتح لك أبواب الحكمة وأبواب الخير.
يقول: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿مَا يَذَّكَّرُ﴾ التذكر بمعنى الاتعاظ والاعتبار بالأمور ومجاريها ونتائجها وثمراتها. ﴿مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو﴾ أي أصحاب ﴿الْأَلْبَابِ﴾ أي العقول؛ لأن الألباب جمع (لُبّ) وهو العقل. أصحاب العقول هم الذين يتذكرون سواء كان ذلك فيما أجرى الله على عباده من السنن السابقة في تعذيب المكذِّبين وإهلاك المجرمين، أو كان فيما يحصل من تجارب الحياة في زمانهم فإنه كما قيل: العاقل من اتعظ بغيره، كل إنسان عاقل يأخذ من الأمور عِبرًا ودروسًا، ولذلك تجده ينظر ويفكر ويقيس الماضي بالحاضر ويقيس المستقبل بالحاضر ليصل إلى نتيجة، أما من ليس عنده عقل فهو غافل، غافل لا يتذكر ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
إذا قال قائل: هل اللب هو الذكاء أو شيء آخر؟
* طالب: هو الذكاء.
* الشيخ: لا، اللب قلنا: إنه العقل، والعقل غير الذكاء، قد يكون من الكفار من هو غاية في الذكاء، لكنه غاية في السفه، ولهذا وصف الله الكفار بأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١].
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١].
إذن مهما رأينا من سياسات الأمم الكافرة وذكائها لا ينبغي أبدًا أن نقول إنهم عقلاء، كيف الله يقول ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وأنت تقول إنهم عقلاء؟! ولكن نقول: إنهم أذكياء، ولا يلزم من الذكاء العقل؛ العقل حُسن التصرف، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، أما الذكاء فهو حِدة الإدراك والفهم قد يُحمد وقد لا يحمد، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية عن المتكلمين قال: إنهم أوتوا ذَكاء ولم يُؤتوا ذَكاء، هذا جناس تام ولّا غير تام؟
* الطلبة: غير تام.
* الشيخ: جناس غير تام. الظاهر أنكم ما تعرفون بعد الجناس..
ولا علوم سمعية، وهم الذين يدعون أنهم؟ أنهم العقلاء، وأنهم أصحاب العقل، المهم أن ﴿الْأَلْبَابِ﴾ جمع لب وهو العقل، والعقل شيء غير الذكاء ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم، غيره.
* الشيخ: غير الذكاء، ولهذا أقول لكم إن العباقرة في الذكاء من الكفار لا يصح أن نسميهم عقلاء أبدًا، وأيش نسميهم؟
* الطلبة: أذكياء.
* الشيخ: أذكياء، أما عقلاء فلا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: عدة فوائد.
* طالب: الآية الماضية.
* الشيخ: طيب الآية التي قبلها ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨] إلى أخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات الشياطين؛ لقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾، وقد سبق أن المراد بالشيطان هنا الجنس، ما هو بشيطان معين بشخصه، معين بأيش؟ بجنسه،، يعني: جنس الشياطين.
* ومن فوائد الآية: أن للشيطان تأثيرًا على بني آدم إقدامًا أو إحجامًا، فإذا وعدنا الفقر وأمرنا بالبخل فإن مقتضى ذلك الإحجام، وعدم البذل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أبواب التشاؤم لا يفتحها إلا الشياطين؛ لقوله: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ فالشيطان هو الذي، يفتح لك باب التشاؤم، يقول: إذا أنفقت، أنت الآن عندك عشرين ريال، أنفقت عشرة اليوم، واليوم الثاني خمسة، كم بقي؟ خمسة، وبكرة ثلاثة، بقي ريالين، وبعده ريالين أصبحت فقيرًا، لا تنفق، الإنسان بشر ربما ما ينفق، ربما ينسى قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩] وقول رسوله ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة.]].
* من فوائد الآية الكريمة: بيان عداوة الشيطان للإنسان؛ لأنه في الواقع عدو له في الخبر، وعدو له في الطلب، في الخبر يعده أيش؟ الفقر، في الطلب يأمره بالفحشاء، فهو عدو مخبرًا وطالبًا، والعياذ بالله.
* من فوائد الآية الكريمة: أن البخل من الفواحش، صح؟ لأيش؟ لأن المقام مقام إنفاق، فيكون الذين يأمرنا به الشيطان عدم الإنفاق، لكن هل إن البخل هو الفاحشة أو أنه من الفاحشة؟ من الفاحشة، نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الفاحشة جاءت لغير هذا المعنى في عدة آيات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر بعد الوسوسة والتهويل والتشاؤم يأمر يقول: لا تنفق، ولَّا يقول أمسك؟
* طالب: لا تنفق.
* طالب: أمسك.
* الشيخ: افطن.
* طالب: نفس الشيء.
* الشيخ: واحدة ثنتين، هل نقول: أمسك ولَّا لا تنفق؟
* طلبة: أمسك.
* طلبة: لا تنفق.
* طالب: يقول لا تنفق ياشيخ.
* الشيخ: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾؟
* الطلبة: أمسك؟
* الشيخ: أمسك أيه، أمسك؛ لأننا إذا قلنا: لا تنفق فهو نهي، فهو يصير الأمر من باب اللازم، لكن إذا قلنا أمسك؟
* طالب: صار مطابق
* الشيخ: صار مطابق، ثم كلمة أمسك أشد من كلمة لا تنفق، كأنه يقول: لا تنفق وشدِّد في الحفظ أمسك.
هل هناك أحد يأمر بهذا غير الشيطان؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وأيش هو؟
* طالب: النفس.
* الشيخ: النفس ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف ٥٣].
هل يمكن أن نقول: إنه يستفاد من الآية أن من أمر شخصًا بالإمساك عن الإنفاق فهو شبيه بالشيطان؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: كذا؟ صحيح، الذي يأمر الناس بالإمساك عن الإنفاق المشروع ما هو الإنفاق الغير المشروع شبيه بمن؟ بالشيطان. الذي يأمر غيره بالإنفاق المبذر؟
* طالب: من إخوان الشيطان.
* الشيخ: المبذر أخو الشيطان ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء ٢٧] والآمر له بالتبذير؟ الظاهر أنه شيطان؛ لأنه كل من يأمر بالسوء يأمر بالفحشاء فهو شيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شوف هذا الوعد، الوعد الكريم اللذيذ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ الله أكبر، شتان ما بين الوعدين، الشيطان يعدكم الفقر ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
قد يقول قائل: هل في الآيتين تطابق؟ أو بالأصح تقابل؟ ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، لكن الله يقول: ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾، زاد ولَّا ما زاد؟
* الطلبة: زاد.
* الشيخ: يعني يعدنا بشيئين: بالمغفرة والفضل، المغفرة للذنوب والفضل لزيادة المال في بركته ونمائه، واضح ولَّا لا؟ إذن نكتسب بالإنفاق هذين الأمرين الذين وعد الله تعالى بهما وهما: المغفرة والفضل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه المغفرة التي يعدنا الله بها مغفرة عظيمة. ﴿مِنْهُ﴾ لأيش؟ لأن عظم العطاء من عظم المعطي، ولهذا جاء في الحديث الذي وصى به النبي ﷺ أبا بكر قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق.]]. ومعلوم أن العطية بحسب المعطي، ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التفاؤل من الله، من أين؟
* الطلبة: يعدكم الله.
* الشيخ: ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ فإذا تفاءل الإنسان على ربه إذا أنفق، وهو يحسن الظن بالله عز وجل أن الله يغفر له الذنوب، ويزيده من فضله كان هذا من خير ما تنطوي عليه السريرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: واسع وعليم، وإثبات صفتين من صفاته: السعة والعلم، إذا قال قائل: من أين أثبتَّ السعة؟
* الطلبة: من واسع.
* الشيخ: من واسع، والاسم يدل على الصفة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أكيد؟
* طلبة: نعم، أكيد.
* الشيخ: ما أدري، أكيد؟ أكيد؟
* الطلبة: يا شيخ، أكيد يا شيخ.
* الشيخ: السميع يدل على السمع؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: والعليم؟
* الطلبة: يدل على العلم.
* الشيخ: يدل على العلم، وكل اسم من أسماء الله فهو دال على صفة لا بد، وقد مر علينا أنه لا يتم الإيمان بالاسم حتى تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، وأنه متضمن لصفة من صفاته دل عليها ذلك الاسم، وتؤمن بالأثر إذا كان من وصف متعد، واضح؟ ولا حاجة يا إخوان نقول: جيب دليل على إثبات الصفة؛ لأن اللغة العربية هي الدليل، القرآن نزل بأي لغة؟ بلغة العربية، اللغة العربية ما يمكن تقول السميع لمن لا سمع له، ولا الواسع لمن لا سعة له، ولا الحكيم لمن لا حكمة له، ومن ادعى أن العربية تأتي بمثل هذه الأسماء بدون إثبات للمعنى التي تضمنته فهو إما كاذب على اللغة العربية وإما جاهل بها، صح؟ إما كاذب وإما جاهل، أما رجل يعلم اللغة العربية ويصدق فيما يقول عنها فلا بد أن يقول إن كل اسم مشتق دال على الصفة التي تضمنها ولا بد، لو أنني رأيت رجلًا أعمى، ما شاء الله هذا الرجل البصير، وأيش تقولون؟
* الطلبة: تفاؤل.
* الشيخ: لا، بدون تفاؤل حقيقة.
* الطلبة: خطأ.
* الشيخ: تقول هذا كيف هذا رجل البصير، أعمى ما يشوف تقول عليه بصير؟!
رجل لو صارت عنده المدافع ما سمع ما شاء الله، جاءني الرجل السميع، أيش تقولون أنتم؟ تقولون: هذا الكلام جنون، كيف سميع وهو ما له سمع؟! واضح؟ إي نعم، أنا قال لي بعض الإخوة الحاضرين الآن قال لي إن واحد يقول: وأيش الدليل على أن الله له سمع؟ وأيش تقول لهذا؟ نقول: هات الدليل على أن لك عقلًا قبل أن نعطيك الدليل على أن الله له سمع، هل يمكن عقلا أو لغة أو عرفًا أن يقال السميع لمن لا سمع له؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا، ما يمكن، لكن بعض الناس انفتح عليهم باب الاجتهاد، وأنا أقول: أنا أشكر وأحمد الله أن الله سبحانه وتعالى سخر أو فتح علينا طلب الدليل، لكن طلب الدليل في كل شيء حتى فيما الدليل فيه نقول: وأيش الدليل؟ صحيح هذا؟ هذا إسراف، هذا إسراف ما هو طلب دليل.
* طالب: الصفة الثالثة يا شيخ؟
* الشيخ: نعم؟
* طالب: سعة العلم.
* الشيخ: إيه، فيه أيضًا يستفاد من الاسمين والصفتين: إثبات صفة ثالثة باجتماعهما؛ لأننا قلنا فيما سبق، القاعدة أن الاسم من أسماء الله قد يتضمن إذا جمع إلى غيره صفة أخرى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٤٣] شوف الجمع بين العفو والقدرة، لها ميزة أن عفوه غير مشوب بعجز إطلاقًا، لأيش؟ لأن بعض الناس قد يعفو لعجزه، واحد خطف غترة إنسان، وهرب بها واشتد المخطوف غترته وراءه سعيًا ولما عجز ليدركه قال: أنا مسامحك، أيش هذا العفو؟
* الطلبة: عجز.
* الشيخ: محمود هذا العفو ولَّا لا؟
* الطلبة: لا، غير محمود.
* الشيخ: الله أعلم، على كل حال، هو ضعيف، ربما يستفيد ذلك في الآخرة ما يطالبه فيه لكن هو ضعيف بلا شك، لكن إن الله كان عفوًَّا قديرًا، هذا كمال.
إذن ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ما هي الصفة الثالثة التي تتولد من ذلك؟ أن علمه واسع، وكل صفاته واسعة، وهذا مأخوذ من اسمه الواسع، علمه، سمعه، بصره، قدرته كل صفاته.
ثم قال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦٩] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؟
* طالب: في قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أن سعة الله سبحانه وتعالى (...)
* الشيخ: لا، كل شيء.
* طالب: أن الصدقة تزيد المال.
* الشيخ: وأيش تقولون؟ الصدقة تزيد في المال، يؤخذ من قوله: ﴿وَفَضْلًا﴾.
يؤخذ من الآية الثانية: إثبات أفعال الله عز وجل التي تتعلق بمشيئته؛ لقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ وهذه من الصفات، أيش؟
* الطلبة: الفعلية.
* الشيخ: الفعلية، من الصفات الفعلية.
* ومن فوائدها: أن ما في الإنسان من العلم والرشد فهو فضل من الله عز وجل لقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ فأنت إذا من الله عليك بعلم ورشد وقوة وقدرة وسمع وبصر، لا تترفع هي من الله عز وجل ولو شاء الله لسلبها عنك بعد أن أعطاك إياها، قد يسلب الله سبحانه وتعالى العلم من الإنسان بعد أن أعطاه إياه، نعوذ بالله من ذلك، وربما يسلب منه الحكمة، تكون كل تصرفاته طيشًا وضلالًا وهدرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة، من أين نأخذها؟
* طالب: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، طيب. وهل نقول فيها إثبات الحكمة لله؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم فيها إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لأن الحكمة كمال ومعطي الكمال أولى به، معطي الكمال أولى به عز وجل، فنأخذ من الآية: إثبات الحكمة لله بهذا الطريق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الفخر العظيم لمن آتاه الله الحكمة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الشكر على من آتاه الله تعالى الحكمة؛ لأن هذا الخير الكثير يستوجب أيش؟ الشكر.
ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة قد تكون معلومة الطرق، يعني قد تتعدد طرق الحكمة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ وهذا أمر مشاهد، فالإنسان يكتسب الحكمة بمقتضى غريزته، ويكتسبها بالتجارب والممارسات ولَّا لا؟ ولهذا أحيانًا تصاحب رجلًا ذا أخلاق فاضلة فتكتسب من أخلاقه دون أن يعلمك، أحيانًا تكتسب الأخلاق من جاهل وأنت أعلم منه، صحيح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، هذا صحيح واقع؛ لأن الأخلاق غير العلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العقل؛ لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ لأن التذكر بلا شك يحمد عليه الإنسان، فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل دل ذلك على فضيلة العقل.
ومن فوائدها أيضًا: أن عدم التذكر سفه، أو لا؟ الذي لا يتذكر ولا يعتبر بما مضى، وما حضر هذا في الحقيقة ليس بعاقل، أو لا؟ بل نقول: إنه ميت كما قال المتنبي:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ ∗∗∗ مَــــا لِـــجُــــرْحٍ بِـــمَــــيِّـــــتٍإِيِــــــلَامُ
وهذا صحيح، فالإنسان الذي لا يعتبر ولا يتذكر هذا في الحقيقة ميت لا يستفيد شيئًا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان بلا عقل، قشور، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ حيث سمى العقل لبًّا.
تقدم لنا أن الله سبحانه تعالى بين أنه يؤتي الحكمة من يشاء، فهل هذه المشيئة مشيئة مطلقة مجردة، أم ماذا؟
* طالب: مشيئة مقرونة بالحكمة.
* الشيخ: مشيئة مقرونة بالحكمة؟ طيب، هل نطرد هذا في كل شيء؟ كلما جاءت المشيئة نقول: إنها مقرونة بالحكمة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب الدليل؟
* طالب: الدليل قوله سبحانه وتعالى في سورة الإنسان: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]
* الشيخ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ طيب أحسنت.
يقول: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ما هي الحكمة؟
* طالب: هي وضع الشيء في موضعه.
* الشيخ: إي، بس؟
* طالب: العلم والرشد.
* الشيخ: العلم والرشد، طيب. الدليل على أن الحكمة بمعنى العلم؟ فـ(ما) هنا شرطية، والدليل على أنها شرطية؟
* طالب: تلزمه.
* الشيخ: أنها مركبة من شرط وجواب ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة ٢٧٠] هذا الجواب ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
ثانيًا: يقول: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ من هذه زائدة زائدة، أيش معنى زائدة زائدة؟ أي: زائدة إعرابًا، زائدة معنًى، فهي حرف جر زائد من حيث الإعراب؛ ولهذا نعرب ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾ على أنها مفعول به، يعني: ما أنفقتم نفقة أو نذرتم نذرًا فإن الله يعلمه.
ويجوز أن تكون من بيانية ل ما في قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾، لأن ما الشرطية مبهمة والمبهم يحتاج إلى بيان.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ جملة جواب الشرط، والفاء هنا واقعة في جواب الشرط وجوبًا، الشاهد لذلك من كلام ابن مالك قوله:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شًرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
واقرن بفاء حتمًا يعني وجوبًا، جوابًا لو جُعل شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل، وإن هنا لو جعلت شرطًا لإن ما صحت؛ فلهذا وجب اقترانها بالفاء وهي في سبعة مواضع، مجموعة في بيت من ينشده لنا؟
* طالب: قوله:
اسْــمِــيِّــةٌ طَــلــَبِــيَّــةٌوَبِــجَــامِــدٍ ∗∗∗ وَبِــمَــا وَقَــدْ وَبِــلَــنْوَبِــالـتَّـنْـفِيـسِ
* الشيخ:
اسْــمِــيِّــةٌ طَــلــَبِــيَّــةٌوَبِــجَــامِــدٍ ∗∗∗ وَبِــمَــا وَقَــدْ وَبِــلَــنْوَبِــالـتَّـنْـفِيـسِ
يعني: إذا جاءت جملة شرط أحد هذه الأمور السبعة وجب اقترانها بالفاء.
طيب، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ جملة ثبوتية أو سلبية؟
* طالب: سلبية.
* الشيخ: سلبية؛ يعني جملة نفي، والمبتدأ فيها قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ و من فيها زائدة، زائدة إعرابًا زائدة معنى، يعني تزيد المعنى وإن كان في الإعراب زائدة، ولهذا نعرب ﴿أَنْصَارٍ﴾ على أنها مبتدأ مؤخر مرفوع بالابتداء، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
يقول الله عز وجل مخاطبًا عباده: أي نفقة نفقتموها وأي نذر نذرتموه فإن الله يعلمه، والمقصود من الإخبار بالعلم بيان ما يترتب على العلم من المجازاة، فقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ يشمل النفقات الواجبة وعلى رأسها الزكاة، وسمي الإنفاق إنفاقًا؛ لأنه يخرج، فالإنسان يخرِج هذا المنفق عن ملكه، ويشمل الإنفاق المستحب مثل الصدقات والإنفاق في وجوه البر من أعمال خيرية وغيرها، أي نفقة ينفقها الإنسان فإن الله يعلمها، وهذه النفقة إن أنفقها لله يبتغي بها وجه الله أثيب عليها، حتى وإن كانت على نفسه أو على أهله، قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً» نفقة نكرة في سياق النفي فتعُمّ «نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: «... حتى ما تجعل في في امرأتك».]] مع أن إنفاق الإنسان على امرأته واجب على أنه معاوضة يجبر عليها، كيف على أنه معاوضة؟ لأنها في مقابلة الاستمتاع بالزوجة حتى هذا الشيء الواجب الذي أنا أستفيد من عوضه إذا فعلته لله أجرت عليه، الإنفاق الآن يشمل الواجب وعلى رأسه الزكاة، والمستحب وهو كل ما أنفقه الإنسان لله عز وجل من غير إلزام عليه بذلك من أعمال الخير.
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ النذر بمعنى الإلزام، والمراد به ما نذره الإنسان على نفسه من طاعة فإن الله يعلمه، والنذر قسمه العلماء إلى خمسة أقسام، وأصل عقده مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]] سواء عقده الإنسان ابتداء أو بشرط فإنه يكره، ولهذا تجد كثيرًا من الناس الناذرين تجدهم يتندمون، وأحيانًا يذهبون إلى أهل العلم؛ لعلهم يجدون رخصة أو فكاكًا من هذا النذر، وما دام الإنسان في عافية فإنه لا ينبغي له أن يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به، ووظيفتكم أنتم أن تبينوا للناس أن عقد النذر مكروه حتى لا يلزموا أنفسهم به، ثم إن التخلف عن الوفاء به خطير جدًّا، فإن الله يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة ٧٥، ٧٦] فما العقوبة؟ ﴿أَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٧] لكن إذا نذر فإن كان نذر طاعة وجب عليه الوفاء به سواء كان ابتدائيًّا أو معلقًا بشرط لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]].
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ هل يدخل في النذر الدخول في العبادات الواجبة؟
الظاهر أنه يدخل فيه؛ لأن الإنسان إذا شرع في عبادة واجبة لزمه إتمامها، حتى وإن كانت قضاء، فلو أن رجلًا صام يومًا من قضاء رمضان، فهل له أن يفطر؟ لا؛ لأنه شرع في واجب، والشروع في واجب دخول في هذا الواجب على أنه لازم له وواجب عليه، ولهذا قال العلماء: كل من شرع في فرض سواء كان موسعًا أو مضيقًا لزمه إتمامه.
طيب، يدخل في ذلك أيضًا الشروط (...) فقد فرضه على نفسه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٢٩]
ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة ٢٧٠] يعلمه؛ أي يعلم ما أنفقتموه أو ما نذرتموه سواء كان ذلك الشيء ظاهرًا علنًا أو خفيًّا مستورًا؛ لماذا قلنا: سواء كان هكذا أو هكذا؟
لعموم قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولم يقل يعلم الظاهر منه، بل يعلم الظاهر والخفي، وعموم يعلمه
يشمل علمه على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل، والفائدة من ذكر علم الله به، الفائدة من ذلك الإشارة إلى ما يترتب على ذلك العلم من المجازاة، وإلا مجرد أن نعلم أن الله يعلمه بدون أن نشعر بما يستلزم ذلك العلم لا فائدة منه.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني ليس للظالمين أحد ينصرهم، لا من قبل الله عز وجل ولا من قبل المخلوق، هذا ظاهر الآية، ولكن قد يورد علينا مورد أن الظالمين قد يجدون من ينصرهم من الظلمة، أليس كذلك؟ فنقول: نعم، يوجد من ينصرهم من الظَّلَمة، لكن مآلهم جميعًا إلى الخذلان؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٢١] فالظالم لا يفلح أبدًا مهما علت به الدنيا فسوف ينزل، ومهما كثر أنصاره فسوف يخذل، لا يمكن أن يقدر له الفلاح، لكن الله عز وجل قد يمكنه أحيانًا من أجل أن يمحقه، كما ذكر الله تعالى ذلك في فوائد الهزيمة يوم أحد، فإن الله ذكر من جملة فوائدها أن يمحق الكافرين؛ لأن الكافر إذا شعر بالنصر استعلى وزاد طغيانه، إذا زاد طغيانه فقد قرب هلاكه وإتلافه، فإذن نرد على هذا الإشكال أو على هذا الإيراد بأن الظالمين وأنصارهم مآلهم الخذلان، وإن تناصروا فإنهم لن يفلحوا.
هذه الآية اشتملت على فوائد كثيرة، الفائدة الأولى: أن الإنفاق قليله وكثيره يثاب عليه المرء، من أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في سياق النفي؟
* طالب: أو الشرط.
* الشيخ: الشرط.
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أحسن من قولك: أو الشرط أن تقول: بل الشرط. زين، يشمل القليل والكثير.
اشتراط الإخلاص في النفقة، هل يمكن أن يؤخذ من الآية؟ لأن النفقة بدون إخلاص لا تنفع، كيف يؤخذ؟
* طالب: من قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فإن هذا يستلزم الجزاء عليه ولا جزاء على شيء لا إخلاص فيه.
من فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا أنفق نفقة أن يحتسب الأجر على الله، من أين يؤخذ؟ أن الإنسان إذا نفق نفقة ينبغي له أن يحتسب الأجر على الله عز وجل؟
* طالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾؛ لأنك إذا أنفقت وأنت تشعر أن الله يعلم هذا الإنفاق فسوف تحتسب الأجر على الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز النذر؟
* طالب: ما فيها جواز.
* الشيخ: ما فيها، كيف؟
* الطالب: لأن قال الله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ هذا قيد قيد بالشرط إذا نذرتم..
* الشيخ: يعني ما يعطي بيان حكم النذر؟
* الطالب: ما يعطي.
* الشيخ: ولكن يعطي بأن الله يعلمه، ثم قد يعاقب عليه الإنسان وقد لا يعاقب، وأيش تقولون؟ صحيح الآية لا تدل على الجواز، كما لو قال قائل مثلًا: إذا سرقت فإن الله يعلم سرقتك، هل هذا يعطي أن السرقة جائزة؟ لا؛ ولهذا لا نقول: إن الآية تعارض الحديث وهو نهي النبي ﷺ عن النذر؛ لأنها لا تدل على جوازه، لكن إذا نذر وجب عليه الوفاء إذا كان نذره طاعة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
* الشيخ: وجه العموم؟
* الطالب: كل نفقة أو نذر فإن الله يعلم.
* الشيخ: أن ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ هذه عامة؛ لأن أدوات الشرط تفيد العموم.
* ومن فوائد الآية: الرد على غلاة القدرية؟
* طالب: أنهم يقولون إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم الشيء (...)
* الشيخ: إن الله لا يعلم الشيء، وبعضهم يقول ما يعلم بالأشياء أيضًا، أن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه تدخل إطلاقًا، لكن الآية ترد عليهم، أما من يقول منهم إن الله يعلم الشيء بعد وقوعه فلا ترد عليه؛ لأن الآية صريحة في أن الله يعلمه بعد وقوعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا ينصر الظالم.
* طالب: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
* الشيخ: طيب، ولكن يَرِد على هذا ما وقع في أحد أن الله سبحانه وتعالى نصر الكافرين.
* طالب: نقول: إن نصرهم لحكمة من الله سبحانه وتعالى هو أن يؤدب المؤمنين لمعصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أذن في المعركة ألا يُلاحقوا النبي ﷺ، وهذا ما (...)
* الشيخ: نقول في هذا بأن نصر الله لهؤلاء الكافرين ليس من أجل أن ينتصروا على المسلمين، ولكن من أجل العقوبة لما حصل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ثم هذا النصر أيضًا هل هو نصر مؤبد؟ لا؛ لأن الله ذكر أن هذا لإغراء الكافرين على كفرهم وطغيانهم حتى يمحقهم نهائيًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من دعا على أخيه وهو ظالم له فإن الله لا يجيب دعاءه.
* طالب: أقول: إن هذا طالب، وقد دعا على أخيه وهو ظالم له لا يسر الله على أخيه من دونه.
* الشيخ: نعم؛ لأنه لو أجيب لكان نصرًا له، وعلى هذا فإذا شهدت على شخص بحق، ودعا عليك، وقال: الله لا يربح فلانًا اللي علم علي، هل يقبل دعاؤه أو لا؟ لا؛ لأنه ظالم، والله عز وجل لا ينصر الظالمين أبدًا ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، والله سبحانه وتعالى أحكم وأعدل من أن ينصر الظالم، كثير من الناس الآن يخشون من دعوة الإنسان حتى وإن كان ظالمًا، ولكن نقول: كن مطمئنَّا فإن الظالم لن ينصره الله عز وجل وليجيب دعاءه، لكن فكر في نفسك أنت، هل أنت ظالم أم لا؟ لأنه ربما يكون منك ظلم فتجاب دعوته لأيش؟ لظلمك، وأنت لا تشعر، وأما إذا كان ظالمًا ظلمًا محضًا فإنه لن يجاب.
فيه أيضًا الثواب على القليل والكثير؟
* طالب: يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ النفقة تشمل القليل والكثير.
* الشيخ: طيب، هل في القرآن ما يشهد لذلك؟
* طالب: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [التوبة ١٢١]
* الشيخ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف ٤٩]
* طالب: لا، في النفقة.
* الشيخ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ طيب، فيه أيضًا غيرها؟
* طالب: الآية التي في سورة الكهف، قول الله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]
* الشيخ: طيب، وفي آخر سورة الزلزلة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨].
البقرة 2:271
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢٧١]
الإعراب: فيها جملة شرطية، ممكن أوجه السؤال لكم،فيها جملة شرطية؟
* طالب: إن حرف شرط.
* الشيخ: بس أرني الجملة الشرطية، ما أريد إعرابها؟
* طالب: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾.
* الشيخ: الدليل على أنها شرطية؟
* طالب: جواب الشرط ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾.
* الشيخ: طيب، تمام.
ثانيًا: فيها ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ لماذا اقترنت نعم بالفاء؟
* طالب: جملة اسمية.
* الشيخ: لا.
* طالب: فنعما هي فعل جامد.
* الشيخ: لأنها فعل جامد.
اسْــمِــيَّـــةٌ طَـــلَـــبِـــيَّــةٌوَبِــجَــامِــدٍ ∗∗∗ ..........................
فيها أيضًا جملة شرطية أخرى، اقترن الجواب فيها بالفاء فما هو السبب؟
* طالب: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ اقترنت بالفعل لأنها جملة؟
* الطلبة: اسمية.
* الشيخ: اسمية.
فيها: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فيها إشكال لماذا صارت بالرفع، وهي معطوفة على جملة الجواب ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ولم يقل: ويكفرْ؟
* طالب: لأنها معطوفة على المحل.
* الشيخ: المحل؟
* طالب: الاسمية محلها الرفع.
* الشيخ: لا هي محلها الجزم، هذه الجملة الاسمية ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ محلها الجزم.
* طالب: نقول يا شيخ: الواو استئنافية.
* الشيخ: صح، نقول: الواو استئنافية، هذا على قراءة الرفع، فيها قراءة أخرى ثانية وثالثة ﴿وَنُكَفِّرْ﴾ ﴿ونُكَفِّرُ﴾ ، ﴿نُكَفِّرْ﴾ على أنها مجزومة على محل جواب الشرط، وهو الجزم. ﴿وَنُكَفِّرُ﴾ على أنها استئنافية، فالقراءة فيها إذن ثلاث قراءات: و﴿يُكَفِّرُ﴾ ﴿وَنُكَفِّرْ﴾ ﴿ونُكَفِّرُ﴾ .
﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ هل نقول إن من هنا زائدة؟ لأن مثل هذا التركيب يأتي دائمًا بدون من كما في قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]
* طالب: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩] ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران ١٩٣]، فهل نقول إن من هنا زائدة؟ أو نقول إن من ليست بزائدة؟
* طالب: الثاني الضبط الثاني.
* الشيخ: الثاني هو المتعين لأن من لا تزاد في الإثبات؛ كما قال ابن مالك:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
وزيد يعني من
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
إذن فتكون من للتبعيض، ويكفر عنكم بعض سيئاتكم.
سيئات ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ما فيها إشكال إلى آخرها ما في ها إشكال أيضًا، بقية الآية ما فيها إشكال من جهة الإعراب.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ أي: تظهروها، والإظهار ينقسم إلى قسمين: إظهار عام وإظهار خاص، فالإظهار العام بأن يقوم الإنسان في محفل كبير ويتصدق، أو يقول: إني تصدقت، والإظهار الخاص أن يتصدق على فقير في مجمع صغير أو يخبر بعد ذلك أنه تصدق؛ لأن الإبداء يشمل إبداء الصدقة حين دفعها وإبداء الصدقة بعد ذلك بأن يخبر عنها، والصدقات هنا نشمل الزكاة والتطوع، كيف الزكاة والتطوع هل الزكاة صدقة؟ نعم؛ لأن الله قال في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠]، وإنما سميت صدقة قالوا: لأنها تدل على صدق الإيمان، كيف تدل على صدق الإيمان؟
من أحب ما يكون للإنسان المال، قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠] فإذا أظهر الإنسان هذا المحبوب لأمر موعود لا موجود، يعني: أظهر موجودًا لأمر موعود يدل ذلك على صدق إيمانه ولا لا؟ نعم، يدل على صدق الإيمان، إنسان الآن المال بيده، والمال حبيب له، والعامة يقولون جملة: إن المال أيش؟
* طالب: عديل الروح.
* الشيخ: عديل الروح؟ طيب يقول: هذا المال اللي هو من أحب الأشياء عنده يخرجه؛ لأنه وعد أن يثاب عليه، فالذي يخرج الموجود المحبوب لأمر موعود لا شك أنه مؤمن، فلهذا سميت صدقة.
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ هذه جملة إنشائية للثناء عليها، يعني: فهي خير، ونِعْم صدقة تبدى؛ لأنها نافعة، ولكن هناك حال أفضل منها، وهي قوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
* طالب: شيخ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾
* الشيخ: وقد يكون في الآخرة، وقد يكون فيهما إلا السيئات فإنه إذا جوزي عليها في الدنيا لا يجازى عليها في الآخرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ نأخذ فوائدها.
* طالب: الآية الثانية.
* الشيخ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. أكملنا تفسيرها؟
* طالب: (...)
* الشيخ: طيب، يقول: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي فنعم شيئًا هي، لأن الصدقة يعني وجه الثناء عليها مطلقًا؛ لأن الصدقة نفع متعد للغير، وإحسان إلى الناس، والله يحب المحسنين، فلهذا أثنى الله على الصدقات سواء أبديت أم أخفيت، لكن يقول: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ أي: لا تعلنوها، بل تكون سرًّا.
﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ أي على سبيل المثال؛ لأن الفقراء هم أهل الصدقات، ولو أعطاها غيرهم ممن يستحق الصدقات فهي كذلك.
وقوله: ﴿تُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ يستفاد منه أنه لا بد أن تصل إليهم، أما لو نوى أن يتصدق بهذا المال، ولكن لم يصل إلى الفقراء فإنه لا يكتب له أجر الصدقة؛ ولهذا كان الإنسان مخيرًا فيه بين أن يمضي الصدقة أو يردها.
وقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: من إبدائها وإظهارها.
ثم قال عز وجل: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ ثلاث قراءات سبعية: ﴿يُكَفِّرُ﴾ بالياء وضم الراء، ﴿نُكَفِّرْ﴾ بالنون وسكون الراء، ﴿نُكَفِّرُ﴾ أيضا بالنون وضم الراء، أما على قراءة الجزم ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ فهي معطوفة على محل قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأن محلها الجزم حيث إنها جواب الشرط، وأما على قراءة الرفع فعلى الاستئناف.
وقوله: ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يحتمل أن تكون تبعيضية، وأن يقال: إن الصدقة لا تكفر جميع السيئات، ولكنها تكفر بعضها، ويحتمل أن تكون بيانية، لكن الأول أقرب، والسيئات هي ما يسوء الإنسان.
وهل السيئة تسوء الإنسان في الدنيا والآخرة؟ أم في الآخرة فقط؟
الجواب: أما في الآخرة فلا شك أنها تسوء المرء؛ لأنه يجد ثوابها عقابًا، وأما في الدنيا فإنها قد تسوؤه أيضًا؛ لأن فرح النفس بالمعصية يعقبه حزن وغم، فإن العصاة وإن فرحوا ظاهرًا لممارسة هذه المعاصي التي تلائم النفس الأمارة بالسوء، فإن وراء النفس الأمارة بالسوء نفس لوامة تلوم على فعل المعصية، ثم يعقب ذلك الفرح حزن، هذا فيمن في قلبه حياة، أما من قلبه ميت فإنه لا يحزن، ولو فعل ما فعل من المعصية.
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ ∗∗∗ مَــا لِــجُــرْحٍ بِــمَــيِّــتٍإِيـــلَامُ
هؤلاء طبع الله على قلوبهم فلا يحزنون بفعل المعاصي أبدًا، لكن المؤمن لا بد أن يحزن، حتى إن بعض الناس يجد أحيانًا من نفسه غمًّا وانقباضًا ولا يعلم له سببًا محسوسًا بينًا، لكن عندما يتذكر يجد أنه فعل معصية أو غفل عن ذكر أو ما أشبه ذلك.
وبعض الناس أيضًا يفعل بعض المحرمات، فإذا فعله بمجرد ما ينتهي منه يجد الغم والحزن، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على عبده أن يحصل له مثل هذا الانفعال النفسي إذا فرط في واجب أو انتهك محرمًا، وأظن أنه مر عليكم حين سلم الرسول ﷺ من ركعتين من إحدى صلاته العشي فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان؛ لأن نفسه منقبضة حيث لم يتم صلاته، وحدثني من أثق به أن رجلًا كان مشهورًا بالورع - في عصرنا ليس بعيدًا - كان مشهورًا بالورع، لا يأكل إلا ما كسب بيده، وكان جمالًا يحمل على بعيره، فخرج ذات يوم ليحمل على بعيره أثلًا مقطوعا، تعرفون الأثل؟
كانوا يقطعونه ويدخلونه بالبيوت ليكون حطبًا، فأناخ البعير حولها كالمجموعة من الخشب، أناخ البعير وحمل الخشب عليه وربطه فأثار البعير فأبت أن تقوم، كلما أثارها، ضربها أبت أن تقوم، وهذا ليس من عادتها، فسكت عنها، ثم عاد ثم سكت ثم عاد، أبت، ففكر أو فتح الله عليه لينظر، فالتفت يمينًا وشمالًا، وإذا الخشب الذي له لم يحمله وإذا هو قد حمل خشب جاره، أي: نعم، هذا مسموع مؤكد، فنزل الخشب في مكانه وأثار البعير فقامت بكل سهولة، ثم أناخها هناك وحمل عليها، وهذا من لطف الله سبحانه وتعالى بالإنسان أنه أحيانًا يمنعه الله سبحانه وتعالى شيئًا لو علم به ما فعله، فيحول الله بينه وبين هذا الشيء الذي لا يرضاه هو لو كان عالمًا به، المهم أن السيئة تسوء المؤمن في الدنيا والآخرة إلا أن يعفو الله عنها، أما الكافر فإنه تسوؤه في الآخرة، أما في الدنيا فلا تسوؤه، ولكن مع هذا قد يعاقب عليها.
قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مُتعلق بـ﴿خَبِيرٌ﴾، والخبير اسم من أسماء الله، ومعناه: ذو الخبرة، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، وأصلها من الخبار وهو الزرع؛ لأن الإنسان يضع الحب في الأرض مختفيًا، ومنه الحديث: نهى عن المخابرة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٨١)، ومسلم (١٥٣٦ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، فالخبير معناه العليم ببواطن الأمور، وكلنا يعلم أن العليم ببواطن الأمور يكون عليمًا بظواهرها من باب أولى، وهنا إشكال في قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ حيث قدم هنا ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وأحيانًا يقدم ﴿خَبِيرٌ﴾ على ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مثل: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣]، فيقال: تقديمها هنا للحصر، لكنه حصر إضافي؛ لأن الله خبير بما نعمل، وخبير بما لا نعمل، وخبير بما نعمل نحن بني آدم، وبما يعمل الحيوان الآخر، وخبير بكل شيء، لكن قدمه للاهتمام به، والتهديد عن المخالفة كأنه يقول: لو لم يكن خبيرًا بشيء فهو خبير بما تعملون فاحذروا.
* طالب: الفواصل.
* الشيخ: الفواصل، لا، قد يقول الإنسان يفصل بالنون.
خير سواء أخفاها أو أظهرها؛ لقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١].
ومنها: أن الإسرار بالصدقة أفضل؛ لقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وللحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وذكر منهم: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا؛ حَتَى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»[[أخرجه البخاري (١٤٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولكن قد يكون في الإظهار خير يرجح على الإسرار، كما لو كان هذا الفقير طلب منا أن نعينه ونساعده، فأظهرتَ الصدقة عليه من أجل أن يقتدي بك الناس، فهذا يكون خيرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضُل الأعمال، أن بعض الأعمال أفضل من بعض؛ لقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، أليس كذلك؟ نعم؛ لأن الإنسان يشرف بعمله ويفضل بعمله، وتفاضل الأعمال يستلزم زيادة الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، فإذا تفاضلت الأعمال تفاضل الإيمان، وهذا كله دليل على مذهب أهل السنة والجماعة وهو تفاضل الأعمال والعمال، وقد ذكرنا فيما سبق أن لأسباب فضل العمل أن له أسبابًا ستة أو سبعة، مرت علينا سابقًا فراجعوها، فهنا فيه تفاضل الأعمال الذي يستلزم تفاضل الإيمان، وأهل السنة الجماعة يؤمنون بأن الإيمان يزيد وينقص كما سيأتي إن شاء الله تعالى في العقيدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصدقة سبب لتكفير السيئات؛ لقوله: ﴿وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١] قراءة، ﴿نُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ويشهد لهذا أيضًا، بل يؤيده قول النبي ﷺ: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ »[[أخرجه الترمذي (٢٦١٦) وابن ماجه (٣٩٧٣) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومعنى الاختيارية التي يفعلها بمشيئته وإرادته، وليس المعنى أن الله تعالى قد يكره على العمل، لا؛ لقوله: ﴿وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ .
* ومن فوائد الآية: بيان آثار الذنوب، وأنها تسوء العبد؛ لقوله: ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
ومنها: إثبات الاسم لله عز وجل الخبير، وإثبات ما دل عليه من صفة.
ومنها: تحذير العبد من المخالفة؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢٧١] فإن إخباره إيانا بذلك يستلزم أن نخشى من خبرته عز وجل، فلا يَفْقِدُنا حيث أَمَرنا ولا يرانا حيث نهانا.
البقرة 2:272
ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢] الخطاب هنا للرسول ﷺ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ﴿هُدَاهُمْ﴾ الضمير يعود على بني آدم، والهدى هنا المنفي هدى التوفيق، وأما هدى البيان فهو على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، ولقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى ٤٨]، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد ٤٠]، إلى آيات كثيرة تدل على أن على الرسول ﷺ أن يهدي الناس هداية الدلالة والإرشاد، أما هداية التوفيق فليست على الرسول ولا إلى الرسول، لا يجب عليه أن يهديهم وليس بقدرته واستطاعته أن يهديهم، ولو كان بقدرته أن يهديهم لهدى عمه أبا طالب، ولكنه لا يستطيع ذلك؛ لأن هذا إلى الله تعالى وحده، وإذا كان ليس عليه هداهم، فمن الذي يتولى ذلك؟ استمع قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢] هداية دلالة وإرشاد ولَّا هداية توفيق؟ نعم، جميعًا، جميعًا لكن أنصها هداية التوفيق؛ لأنها جاءت بعد نفي الهداية من الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢] لما بين الله عز وجل أحوال المتصدقين وأحوال المرابين وأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يتصدق العبد لما يتضمنه صدقته من المعروف والإحسان، قال للنبي ﷺ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ والآيات السابقة ليس فيها تعرض للربا لكن فيها تعرض للإنفاق وعدم الإنفاق، الإنفاق والبخل، والربا سيأتي إن شاء الله فيما بعد.
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والهدى الذي نفى الله وجوبه على رسوله محمد ﷺ هو هدى التوفيق، فإن الرسول ﷺ لا يُلزَم بأن يهتدي الناس، إنما يَلزَمُه البلاغ، أما اهتداء الناس فهو إلى الله؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وأما هداهم الذي بمعنى إبلاغ الرسالة إليهم، وإبلاغ الوحي فإنه واجب على الرسول ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن هدى التوفيق ليس إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: ولكن الهداية على الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣] فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي من يشاء، ويهدي هداية توفيق وهداية إرشاد وبيان، فالله عز وجل هو الذي يبين لخلقه ويوفق من شاء من خلقه للهداية، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مر علينا كثيرًا بأن تعليق الفعل بالمشيئة أو تقييد الفعل بالمشيئة مربوط بماذا؟ بالحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئا إلا والحكمة تقتضي مشيئته، وعلى هذا فيكون ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ممن هو أهل للهداية، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] أما من ليس أهلًا للهداية فإن الله تعالى لا يهديه؛ لأنها حقت عليه كلمة العذاب، ولأنه زاغ فأزاغ الله قلبه.
قال: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢] وليس لله عز وجل فالله تعالى لا ينتفع به ﴿مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ تقدمونه، وما لا تنفقونه فقد حرمتم أنفسكم، قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ما هذه شرطية بدليل اقتران الجواب بالفاء في قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لما الشرطية؛ لأن ما الشرطية مبهمة تحتاج إلى بيان يعني: أي خير تنفقونه فلأنفسكم، وما المراد بالخير؟ الخير كل ما بذل لوجه الله عز وجل من مال أو منفعة وأغلب ما يكون في الأموال، ولكن قد يكون في المنافع أيضًا، وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الفاء رابطة للجواب، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فهو لأنفسكم، يعني: وليس لغيركم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩].
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٧٢] يعني: ما تنفقون إنفاقًا ينفعكم إلا ما ابتغيتم به وجه الله، فأما ما ابتغي به سوى الله فلا ينفع صاحبه بل هو خسارة عليه، وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ أي: طلب، وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ المراد به الوجه الحقيقي، وذلك أن الإنسان إذا كان من أهل الجنة فإنه ينظر إلى الله عز وجل ينظر إليه نظرا حقيقيا بالعين، كما قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] وكما قال النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢/ ٢٩٩)، والترمذي (٢٥٥٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] إذن، إلا طلب وجه الله أي وجهه الحقيقي الذي هو صفته؛ لأن من وصل إلى الجنة نظر إلى وجه الله، فيكون أعلى مطلوب للإنسان في عمله الصالح هو النظر إلى وجه الله عز وجل، إذن المراد بالوجه؟ الأخ، المراد بالوجه الحقيقي ولَّا الجهة؟
* طالب: الحقيقي.
* الشيخ: كيف يبتغي الإنسان يطلب الإنسان وجه الله؟ وأيش لون يعني؟
* الطالب: النظر إلى وجه الله.
* الشيخ: النظر إلى وجهه الذي يكون في دار كرامته وهي الجنة.
إذن ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله.
إذا قال قائل: ألسنا نرى أحدًا ينفق لغير وجه الله؟ فالجواب: بلى، نرى ذلك، لكن الإنفاق النافع هو الذي ابتغي به وجه الله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فِي امْرَأَتِكَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٥٦)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.]].
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢] ما هذه أيضًا شرطية بدليل جزم الجواب ﴿يُوَفَّ﴾ فإنه مجزوم بحذف حرف العلة وهي الألف، ﴿مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ يعني: أي خير تنفقونه من الأموال قليلًا كان أو كثيرًا ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: تعطونه، وكيف يوفى؟ «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
قال: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٢] يعني: لا تظلمون بنقص شيء من ثواب ما أنفقتموه، بل تعطونه وافيًا كاملًا، بل ليس الأمر أننا لا نظلم فقط بل نزاد، وتضاعف لنا الحسنات «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»، والإنسان «إِذِا تِصِدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ وَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي الْإِنْسَانُ فَلُوَّهُ -يعني: مهره الصغير- حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٠)، ومسلم (١٠١٤ / ٦٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] التمرة مثل الجبل كم ضوعفت؟ أضعاف كثيرة ما لها حصر، التمرة إذا كانت مثل الجبل فمعناه أضعاف كثيرة لا حصر لها، ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ يعني: لا يظلمكم الله عز وجل في ثوابكم لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم، ولكن لكمال عدله حرم الظلم على نفسه.
* في هذه الآية فوائد كثيرة منها: أن هداية الخلق ليست لازمة للرسل، بل ولا لغيرهم؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾، وهذا كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢].
* ومن فوائدها: أن الإنسان إذا أبلغ شريعة الله برئت ذمته؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ولو كانت ذمته لا تبرأ لكان ملزمًا بأن يهتدوا وهذا ليس عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن جميع الأمور دقيقها وجليلها بيد الله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفيها: رد على القدرية؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفيها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفيها أيضًا: أن أفعال العبد واقعة بمشيئة الله؛ لأن اهتداء العبد فعله، فإذا كان واقعا بمشيئة الله فهو دليل على أن أفعال العباد متعلقة بمشيئة الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال الإنسان لا تنصرف إلى غيره؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢].
هل يستفاد من الآية أن ثواب الأعمال الصالحة لا ينفع؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ فجعل ما ينفقه الإنسان من خير لنفسه، يعني فلا يتعداه إلى غيره؟ الجواب: لا، لكنها تبين أن ما عمله الإنسان فهو حق له، ولا تدل على منع أن يتصدق الإنسان على غيره بعمله، ولهذا جاءت السنة صريحة بجواز الصدقة عن الميت كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي قال: «يا رسول الله إن أمي افْتُلِتَتْ نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وكذلك حديث سعد بن عبادة تصدق بمخرافه -أي ببستانه- تصدق به لأمه، إذن فالآية لا تدل على منع الصدقة عن الغير، وإنما تدل على أن ما عمله الإنسان لا يصرف إلى غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنفاق الذي لا يبتغى به وجه الله لا ينفع العبد؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: التنبيه على الإخلاص، أن يكون الإنسان مخلصًا لله تعالى في كل عمله حتى في الإنفاق وبذل المال ينبغي له أن يكون مخلصًا فيه؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ الإنفاق قد يحمل عليه محبة الظهور، ومحبة الثناء وأن يقال: فلان كريم وأن تتجه الأنظار إليه، ولكن كل هذا لا ينفع، لا ينفع إلا ما ابتغي به وجه الله.
وفيه إثبات وجه الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾، وأهل السنة والجماعة يقولون: إن لله تعالى وجهًا حقيقيًّا موصوفًا بالجلال والإكرام، وأنه من الصفات الذاتية الخبرية، والذاتية الخبرية هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، ونظير مسماها أبعاض وأجزاء لنا، ولكن ما نقول إنه أبعاض وأجزاء لله؛ لأنه لا ينبغي إطلاق هذا اللفظ على صفات الله عز وجل، أهل التعطيل ينكرون أن يكون لله وجهًا حقيقيًا، ويقولون المراد بالوجه الثواب أو الجهة أونحو ذلك، وهذا تحريف منهم لظاهر اللفظ مخالف له -أي لظاهر اللفظ- ولإجماع السلف على أن لله تعالى وجهًا حقيقيًا، ولأن الثواب لا يوصف بالجلال والإكرام، والله قد وصف وجهه بالجلال والإكرام فقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينقص من عمله شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢].
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنفاق من الحرام لا يقبل، من قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ ووجهه: أن الحرام ليس بخير بل هو شر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الظلم في جزاء الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ وهذا يستلزم كمال عدله؛ لأنه مر علينا كثيرًا أن كل ما نفى الله عن نفسه من الصفات فإنه مستلزم لكمال ضده.
البقرة 2:273
ثم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣].
هذا بيان لمصرف الإنفاق، كأن سائلًا يسأل إلى أين نصرف هذا الخير؟ لما قال: ﴿مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ كأنه قيل: إلى أين نصرفه؟ فقال: ﴿للفقراء﴾ وعلى هذا فتكون للفقراء إما متعلقة بـ﴿تُنْفِقُوا﴾ أو بمحذوف، تقديره: الإنفاق أو الصدقات للفقراء، والفقراء جمع فقير، والفقير هو المعدِم؛ لأن أصل هذه الكلمة مأخوذة من الفقر الموافق للقفر في الاشتقاق الأكبر، في الاشتقاق الأكبر الذي يساوي في الحروف دون الترتيب، والقفر هو الشيء الخالي، الأرض الخالية وكما قال الشاعر:
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرٍ ∗∗∗ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ
يقولون: إن الإنسان ما يأتي بهذا البيت سبع مرات إلا يغلط فيه، الكلام على إن القفر بمعنى الشيء الخالي، الفقير معناه الخالي ذات اليد، ويقرن بالمسكين أحيانا، فإذا قرن بالمسكين صار لكل منهما معنى، وصار الفقير من كان خالي ذات اليد، أو لا يجد من النفقة إلا أقل من النصف، والمسكين أحسن حالًا منه، لكن لا يجد جميع الكفاية، أما إذا انفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحدا، فهو من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ يعني: خالي ذات اليد.
﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٧٣] أي: منعوا في سبيل الله؛ لأن الاحصار بمعنى المنع، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] أي: منعتم عن إتمامهما، ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: أحصروا في الجهاد، إما بالاستعداد له، وإما بما أصابهم من الجهاد من العيوب التي أقعدتهم عن العمل، المهم أنهم أحصروا في هذا الطريق، في سبيل الله.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٧٣] يعني: لا يستطيعون سفرًا يبتغون به الرزق؛ لأنهم إما مشغولون بالجهاد، وإما عاجزون عن السفر لما أصابهم من الجراح أو الكسور أو نحو ذلك.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة ٢٧٣] ﴿يَحْسِبُهُم﴾، وقراءة: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ ففيها قراءتان، الجاهل الذي ليس عنده علم، أو الجاهل بأحوالهم؟ الثاني، الجاهل بأحوالهم؛ لأن جهل كل شيء بحسبه، الجاهل بأحوالهم الذي لا يعرفهم يحسبهم أغنياء، من أي شيء؟ قال: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: بسبب تعففهم وعدم سؤالهم، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ لأنك إذا رأيتهم ظننتهم أغنياء مع أنهم فقراء، وهذا كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الطَّوَّافَ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقُمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي يَتَعَفَّفُ لَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩ /١٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذا هو المسكين حقيقة، لكنك إذا رأيته تقول هذا غني، لا يظهر بمظهر الفقراء أبدًا لا في هيئته ولا في لباسه، وقوله: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ يعني: العفة عن ما في أيدي الناس، وكلمة التعفف قد يقول قائل: إن ظاهرها تكلف العفة؛ لأن تعفف ليست كعف، عف أي: صار عفيفًا، تعفف أي: تكلَّف العفة، هكذا قيل، ولكن الصواب خلاف ذلك، بل الصواب أن التاء هنا للمبالغة، وليست للتكلف والطلب، بل المعنى أنك تحسبهم أغنياء لكمال عفتهم فلا يسألون الناس.
قال: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، في الأول يقول: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ والحسبان بحسب ظاهر الحال، وأما ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ فهو بمقتضى الفراسة والنظر والتدقيق، وكثير من الناس يكون عنده من الفراسة ودقة النظر ما يعرف به الأحوال الباطنة، فهؤلاء إذا رأيتهم عرفتهم بسيماهم، السيما بمعنى العلامة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٤٧ / ٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».]] يعني: علامة ليست لغيركم،﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بعلامتهم، وأيش العلامة اللي فيهم؟ العلامة هي أن الإنسان إذا رآهم ظنهم أغنياء، وإذا دقق في حالهم تبين لهم أنهم فقراء لكنهم متعففون، وكم من إنسان يأتيك بمظهر الفقير المدقع، ثياب ممزقة، وشعر منفوش، ووجه كالح، وأنين، وطنين، وإذا أمعنت النظر فيه عرفت أنه غني، وكم من إنسان بالعكس يأتيك بزي الغني بهيئة الإنسان المنتصر على نفسه الذي لا يحتاج إلى أحد، لكن إذا دققت في حاله علمت أنه فقير، وهذا يعرفه مَنْ مَنَّ الله عليه بالفراسة، وكثير من الناس يعطيهم الله تعالى علما بالفراسة يعلمون أحوال الإنسان بملامح وجهه ونظراته وكذلك بعض عباراته، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠].
قال: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الإلحاف هو الإلحاح في المسألة، الإلحاح في المسألة، قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ هل النفي للقيد؟ ولَّا للقيد والمقيد؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ فإن النفي للقيد، يعني: لا يسألون الناس سؤال إلحاف، ولكن يسألونهم سؤال تلطف وحياء وخجل، إذا رده المسؤول مرة ما عاد إليه مرة أخرى، هذا مقتضى أيش؟ مقتضى ظاهر اللفظ، لكن مقتضى السياق وأن المقام مقام ثناء أن النفي نفي للقيد الذي هو الإلحاف والمقيد الذي هو السؤال، فهم لا يسألون الناس إلحافًا ولا غير إلحاف، بدليل قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ولو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء، بل لظنهم فقراء بسبب سؤالهم، فعليه يكون النفي عن القيد وأيش؟ والمقيد، لكنه ذكر أعلى أنواع السؤال المذموم وهو الإلحاح؛ ولهذا تجد الإنسان إذا ألحَّ وإن كان فقيرًا يُثقِل عليك، وتَمل مسألته حتى ربما تأخذك العزة بالإثم ولا تعطيه مع علمك باستحقاقه؛ لأنه ألح، وتجد الإنسان الذي يظهر بمظهر الغني المتعفف تجدك ترق له وتعطيه أكثر مما تعطي السائل، هذه خمس صفات، قال: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ هذه خمس، والسادسة: الفقراء، فهولاء هم المستحقون حقًّا للصدقة والإنفاق، وإذا تخلفت صفة من الصفات فالاستحقاق باق لكن ليس كما إذا تمت هذه الصفات الست.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٧٣] هذه الجملة جملة شرطية ذُيِّلَت بها الآية المبينة لأهل الاستحقاق حثًّا على الإنفاق؛ لأنه إذا كان الله عليمًا بأي خير ننفقه فسيجازينا عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فتأمل ما في هذه الآيات من ظهور الحث على الإنفاق، وأن الإنفاق هذا كله مقيد بالخير، ومقيد بأهله الذين يستحقونه، ففي الآية بيان من يستحق الإنفاق الاستحقاق الكامل، وهم الفقراء الموصوفون بهذه الصفات الخمس؛ لأننا قلنا هم الفقراء الموصوفون بهذه الصفات الخمس التي ارتكزت على الفقر.
* من فوائد الآية الكريمة: أن تشاغل الإنسان بعمل يعد من سبيل الله يبيح أن نعطيه وننفق عليه، فلو تشاغل القادر على الكسب بطلب العلم فإننا نعطيه حتى من الصدقة الواجبة ليتفرغ لطلب العلم، ولو تفرغ إنسان للجهاد في سبيل الله أعطيناه ولَّا لا؟ نعم، أعطيناه، ولو من الصدقة الواجبة.
طيب، لو تفرغ الإنسان للعبادة فإنه لا يعطى إلا من الصدقة المستحبة، أما من الزكاة فلا يعطى، لأنه تفرغ لنفع قاصر لا يتعداه، وفرق بين النفع القاصر والنفع العام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن نعطي، بل لا يجوز أن نعطي من يستطيع التكسب؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه علم منه أنهم إذا كانوا يستطيعون الضرب في الأرض والتكسب فإنهم لا يعطون، ولهذا لما جاء رجلان إلى الرسول ﷺ يسألانه الصدقة صَعَّد فيهما النظر وصوبه، ثم قال: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ»[[أخرجه أبو داود (١٦٣٣)، والنسائي في المجتبى (٢٥٩٨) من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار.]]، فإذا كان الإنسان يستطيع الضرب في الأرض والتجارة والتكسب فإنه لا يعطى؛ لأنه وإن كان فقيرًا بماله لكنه ليس فقيرًا بعمله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التعفف؛ لقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.
ومنها: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون فطنًا، ذا حزم ودقة نظر؛ لأن الله وصف هذا الذي لا يعلم عن حال هؤلاء بأنه جاهل، فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ فينبغي للإنسان أن يكون ذا فطنة وحزم ونظر في الأمور.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ فإن من هنا للسببية، أي بسبب تعففهم يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفراسة والفطنة؛ لقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ فإن السيما هي العلامة التي لا يطلع عليها إلا ذوي الفراسة، وكم من إنسان سليم القلب ليس عنده فراسة، ولا بعد نظر يخدع بأدنى سبب، وكم من إنسان عنده قوة فراسة وحزم ونظر في العواقب يحميه الله تعالى بفراسته عن أشياء كثيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من لا يسأل الناس؛ لقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، وقد كان من جملة ما بايع النبي ﷺ عليه أصحابه «أن لا يسألوا الناس شيئًا، حتى إن الرجل ليَسْقُطُ سوطُه من على بعيره فينزل ويأخذه، ولا يقول لأخيه: أعطني إياه »[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه.]]، كل هذا بعدا عن السؤال، والسؤال لغير ضرورة، سؤال المال لغير ضرورة محرم إلا إذا علمنا أن المسؤول يفرح بذلك ويسر، كما لو سأل الإنسان صديقًا له يعرف أنه يكون ممتنا بهذا السؤال فإن ذلك لا بأس به، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في اللحم الذي على البرمة قال: «هُوَ لِبَرِيرَةَ صَدَقَةٌ، وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٠٧٥ / ١٧١) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ».]] فإذا علمت أن صاحبك يُسَرُّ بسؤالك الشيء ويفرح ولولا أنك سألته لأهداه إليك مثلًا، فلا بأس أن تسأل، ولكن ترك السؤال أسلم؛ لأنه من ذا الذي يتأكد بيقين أن صاحبه يحب أن يسأله؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ وهذه عامة أي خير يكون فإن الله به عليم، ففيه بيان عموم علم الله، وأنه شامل لما يعمله الإنسان، ولما يفعله الله عز وجل بنفسه.
البقرة 2:274
ثم قال تعالى مثنيًا على المنفقين قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٢٧٤]
﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبر المبتدأ، واقترنت بالفاء لشبه المبتدأ بالشرط في العموم؛ لأن المبتدأ هنا اسم موصول، والاسم الموصول يشبه الشرط في العموم.
قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ يحتمل أن يقال: أن يراد بالأموال هنا كل الأموال، ويحتمل أن يراد الجنس، فيشمل الكل والبعض.
وقوله: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هذا فيه عموم الزمن، ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ فيه عموم الأحوال، يعني على كل حال وفي كل زمن.
وقوله: ﴿سِرًّا﴾ أي خفاء، وهو مفعول مطلق لـ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يعني: إنفاقًا سرًّا، ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ يعني جهرًا، وفي تقديم السر على العلانية والليل على النهار دليل على أن الصدقة كلما كانت أخفى فهي أفضل وأولى، ولكن قد تكون علانية أفضل إذا ترتب على ذلك مصلحة.
قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿أجرهم﴾ يعني ثوابهم عند الله مدخرًا يجدونه أحوج ما يكونون إليه، وهذا الأجر قد بين فيما سبق بـأن ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١].
قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٤] ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فيما مضى، فهم لا يحزنون على ما سبق ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون ثواب الله عز وجل، ولا يحزنون على ما مضى لأنهم أنفقوه عن طيب نفس.
في الآية الكريمة: ثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، سواء كان ليلًا أو نهارًا، أو سرًّا أو جهارًا، وفيه أيضًا دليل على كثرة ثوابهم؛ لأنه أضافهم إلى نفسه فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ والثواب عند العظيم يكون عظيما.
* ومن فوائد الآية: أن الإنفاق يكون سببا لشرح الصدر وطرد الهم والغم؛ لقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهذا أمر مجرب مشاهد أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي بها وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلبه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ذلك من أسباب انشراح الصدر، ذكره في زاد المعاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظم العطية؛ لقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لأن عظم المعطي يستلزم عظم العطية.
ومنها أيضًا: كرم الله عز وجل حيث جعل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه جعله أجرًا لفاعله يؤجر عليه كالأجير إذا استأجرته فإن أجره ثابت لازم. ونقف على هذا لأنه البحث الآتي مهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من أين يؤخذ؟
* الطالب:(...)؟
* الشيخ: لا، أخاف هذا يكون دليلًا لهم، أخاف أن يكون حجة لهم، يقولون: ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، ما تبغون الثواب.
* الطالب:...؟
* الشيخ: إي هو يقول: نعم أنت إذا عملت لله نفسه هذا لا بأس نعم؟
* طالب: ما يمكن أن نقول إن من في الآية تبعيضية أي: من بعض أموالكم..؟
* الشيخ: وين فيه؟
* الطالب: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾.
* الشيخ: لا، هي الأحسن أن تكون بيانية؛ لأن ما إذا جاءت من بعد ما الشرطية أو الموصولة فهي بيانية.
* الطالب: قاعدة؟
* الشيخ: إيه، قاعدة نعم قاعدة.
* طالب: شيخ، ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلقة بمن؟
* الشيخ: بمحذوف، خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الإنفاق للفقراء.
* الطالب: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ متعلقة (...)؟
* الشيخ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ إذا كان فيها احتمال لهذا ولهذا نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، إذا أطلق فالمراد به قتال الأعداء، هذا هو الصحيح.
* طالب: شيخ، قلتم أنه يجوز أن يعطى لطالب العلم والمجاهد من الصدقة الواجبة، فالدليل بالنسبة للمجاهد واضح في هذه الآية، طب وطالب العلم؟
* الشيخ: طالب العلم مجاهد في سبيل الله؛ لأن الجهاد في سبيل الله يشمل الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم، بل إن الجهاد بالعلم أشق؛ لأن الجهاد بالعلم سلاح للمنافقين، المنافق ما تقدر تقاتله أو تجاهده بالسلاح، لكن بالحجة والبيان، فالسلاح بالعلم أعم وأشمل؛ لأنه يجاهد به المنافق، ويجاهد به الكافر، ويجاهد به الفاسق العاصي المسلم بخلاف الجهاد في السلاح.
* طالب: شيخ، في سبيل الله كما نعلم، وذكرت حضرتك الآن أنها إذا أطلقت فتكون في الجهاد في القتال؟
* الشيخ: إي نعم، لكن العلماء يقولون: إن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله.
* طالب: يعني بمنزلة القتال؟
* الشيخ: إي نعم حتى إن ابن القيم في مقدمة النونية قال: إنه أفضل لشموله وعمومه.
* طالب: شيخ، الأوصاف التي وردت في الآية، هل هي تنطبق على فقراء الصفة؟
* الشيخ: إي نعم، تنطبق، الفقراء أهل الصفة تنطبق لأنهم محصرون في سبيل الله، وتنطبق عليهم هذه الصفات، لكنها ليست خاصة بهم، بل هم من أول ما يدخل فيهم في الآية الكريمة.
* طالب: إذا كان طالب العلم قويًّا مقتدرًا على الكسب، يُعْطَى من الزكاة؟
* الشيخ: لا ما يعطى، ما يعطى؛ لأنه لا حاجة له إلى ذلك.
* الطالب: أقول الذين يستطيعون ضربا في الأرض هل يستحقون (...) الزكاة؟
* الشيخ: لا يستحقون إلا إذا كان دخلهم لا يكفيهم وعائلتهم، إذا كان لهم عائلة في بلادهم وهذا الدخل الذي يأخذونه الآن ما يكفيهم صاروا فقراء.
* طالب: من هم فقراء الصفة؟
* الشيخ: الصفة هؤلاء قوم مهاجرون ليس لهم أهل في المدينة، وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام لهم صفة في المسجد يأوون إليها، فيأتون فقراء لا معهم زاد ولا مزاد ولا لهم أهل ولا شيء، فهم في هذا المكان يتصدق عليهم المسلمون.
* الطالب: في ناس موجودين الآن؟
* الشيخ: لا، هذا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام الآن ما هم موجودين.
* طالب: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ هل هو خاص بالرسول ﷺ؟
* الشيخ: لا، هذا الخطاب عام لكل من يتأتى منه الخطاب يعني تعرفهم أيها الناظر بسيماهم.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥].
في الآية التي قبلها يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٤]
ذكرنا * من فوائدها: أن تقديم الليل والسر على النهار و العلانية يشعر بأنه كلما كانت الصدقة أخفى فهي أفضل، ولكننا ذكرنا أنه قد تكون العلانية أفضل بحسب الحال.
وذكرنا من فوائدها أيضًا: أن هؤلاء الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية لا يخافون في المستقبل، ولا يحزنون على الماضي، فلا يخافون في المستقبل من ظلم أو هضم، ولا يحزنون على الماضي؛ لأنهم استغلوا الماضي وأنفقوا مما رزقهم الله عز وجل سرًّا وعلانية.
* ومن فوائد الآية: أن إنفاق الإنسان من غير ماله لا أجر فيه؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ ويشمل هذا الوكيل فلا يتبرع من مال موكله، والولي فلا يتبرع من مال موليه، ويشمل ذلك الغاصب فلا يتبرع من المال المغصوب، وكل هذا إن فعلوا فليس لهم أجر، ولكن لو أن أحدًا اكتسب مالًا محرما ولم يعلم صاحبه ثم تاب، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق به تخلصا منه لصاحبه لا تقربًا به إلى الله؛ لأنه لا ينفعه لأنه ليس بماله.
و* يستفاد من الآية الكريمة: عظم ثواب المنفقين؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وإضافة الشيء إلى الله عز وجل تدل على عظمته؛ لأن عظمة المعطي تدل على عظمة المعطى، ومنه قوله في الحديث الصحيح: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]].
البقرة 2:275
ثم قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿لَا يَقُومُونَ﴾ خبره، فقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ قال العلماء: معناه أنهم يأخذون الربا فينتفعون به بأكل أو شرب أو لباس أو سكن أو غير ذلك، لكنه ذكر الأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع وأكثر وجوه الانتفاع، فهو أعمها وأكثرها، كل الناس يتكسبون ولا ينتفعون من مالهم إلا ما أكلوا أو لبسوا «لَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٨ / ٣) من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه بلفظ: «قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟».]]، وقوله: ﴿الرِّبَا﴾ الربا لغة الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥] أي: زادت، ومنه ربا الشيء أي: علا وارتفع وزاد، وهو في الشرع: زيادة في شيئين منع الشارع من التفاضل بينهما، هذا واحد أو تأخير قبض بين شيئين اشترط الشارع التقابض فيهما، إذن هو إما زيادة وإما تأخير؛ ولهذا يقولون: إن الربا ربا نسيئة وربا فضل، ربا النسيئة أعظم من ربا الفضل، ثم الربا هل هو في كل شيء؟ لا ليس في كل شيء، يجوز أن أبيع عليك كتابًا بكتابين، وثوبًا بثوبين، وبعيرًا ببعيرين، وسيارة بسيارتين، وبيتًا ببيتين، كذا؟ ورجلًا برجلين، وامرأة بامرأتين صح؟ صح في الرقيق، إي نعم، في الرقيق، لكن الربا إنما يكون في أشياء معينة بينها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ» قال: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»[[أخرجه مسلم (١٥٨٧ / ٨١) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.]] كم هي؟
* طالب: ستة، البُرُّ والشعير والملح والتمر..
* الشيخ: والزبيب والأقط؟
* الطالب: لا، ولا الزبيب.
* الشيخ: ولا الزبيب؟
* طالب: الذهب والفضة.
* الشيخ: نعم، الذهب والفضة، طيب امش؟
* الطالب: الذهب والفضة والبُرُّ والتمر والملح والشعير.
* الشيخ: نعم، والشعير، كذا قال النبي ﷺ، احفظوا الحديث، «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ» يعني: إذا بيع هذا بهذا «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»[[أخرجه مسلم (١٥٨٧ / ٨١) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.]] هذه الأموال الربوية، هذه هي الأموال الربوية فذهب بذهب لا بد فيه من أمرين: المساواة، والقبض قبل التفرق، فضة بفضة لا بد فيها من أمرين: مساواة وقبض قبل التفرق، بُرٌّ ببُرٍّ لا بد فيه من أمرين: المساواة والقبض قبل التفرق، شعير بشعير لا بد فيه من أمرين: مساواة، وقبض قبل التفرق، تمر بتمر كذلك، ملح بملح كذلك، شوف يقول: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ» إذا اختلفت هذه الأصناف فبعت تمرًا بشعير، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد، إذا بعت ذهبًا بذهب يدًا بيد لكن كيلو بكيلو وعشر جرامات؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: وأيش نوع الربا؟ ربا فضل زيادة، هذا فيه زيادة، بعت ذهبًا بذهب، سواء بسواء مع تأخير القبض، ربا هذا ربا وأيش سُمِّي؟
* الطلبة: نسيئة.
* الشيخ: ربا نسيئة، بعت ذهبًا بذهب كيلو بكيلو وعشر جرامات مع تأخير القبض، ربا جامع بين الفضل والنسيئة، تمام ولَّا لا؟ طيب، بعت مسجلا بمسجلين؟ بعت مسجلا بمسجلين مع تأخير القبض يجوز؟
* الطلبة: نعم يجوز.
* الشيخ: يجوز، لأيش؟ لأنه لا هو بذهب ولا فضة ولا بُر ولا تمر ولا شعير ولا ملح، كذا؟ إذن يجوز، بعت بعيرًا ببعيرين يجوز، «كان الرسول عليه الصلاة والسلام يستسلف البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة »[[أخرجه أبو داود (٣٣٥٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بلفظ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَهُ أَنْ يُجَهّزَ جيشًا فنفدَتِ الإبلُ فأمرَهُ أنْ يأخُذَ فِي قلاصِ الصَّدقةِ، فكان يأخذُ البعيرَ بالبعيريْنِ إلى إبلِ الصدقَةِ.]] يجوز؛ لأن هذا ليس من الأموال الربوية، إذن فليس الربا هو الزيادة في كل شيء، الزيادة في أشياء معينة خصها الشارع، ستة، عرفتم؟ طيب، بعت عليك ورقة بورقتين إلى أجل؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ورقة، استفسر: إن كان عادية؛ يعني ورقة قرطاس تكتب بها فهذا جائز، وإن كان ورقة نقود فهذا لا يجوز؛ لأنها تلحق بالنقود، لا يجوز؛ لأنها تلحق بالنقود، طيب بعت عليك تفاحة كبيرة أبو سرة تفاحتين صغيرتين ما لهم سرة، جائز؟
* طالب: التفاح ما له سرة!
* الشيخ: أنا قلت تفاحة أبو سرة؟ لا، أنا أريد برتقال أبو سرة يجوز ولَّا لا؟
* طالب: يجوز.
* الشيخ: يجوز، لأيش؟ لأنه هذا ما يدخل في الحديث، كذا؟ شوف ذهب، فضة، بر، تمر، شعير، ملح، هذا ما هو من هذه كله، إذن ما في مانع، كذا؟ طيب تفاحة بتفاحتين؟ كذلك يجوز؛ لأنه لا يدخل في الحديث.
يرى بعض العلماء أنه لا ربا إلا في هذه الستة وغير ذلك ما فيه ربا، يقول: لأن الله أحل البيع وحرم الربا، والرسول ﷺ قال الربا في هذه الأشياء، فلا ربا في غيرها، وهذا مذهب الظاهرية ومذهب بعض علماء القياس؛ لأن علماء القياس الذين قالوا لا قياس في هذه المسألة قالوا لأن العلماء اختلفوا في العلة وليس ثمة دليل واضح يرجح أحد الأقوال، فحينئذ تتعارض الأقوال وتتساقط، كما لو اختلف عليه في الصلاة من ينبهه؟ واحد لما قمت قال: سبحان الله، لما قعدت قال الثاني: سبحان الله. وأيش يصير؟ تسقط أقوالهم وأرجع إلى ما عندي، إذن نقول: الربا في هذه الستة أمر معلوم لا شك فيه، قطعي بالنص والإجماع أيضًا، بالنص والإجماع، وما سوى ذلك فهو موضع خلاف بين أهل العلم.
طيب، لو بعتك دراهم، فضة عشرة ريالات فضة بأحد عشر ريالًا مع القبض يجوز؟
* الطلبة: ما يجوز.
* الشيخ: وأيش الربا اللي فيه؟
* الطلبة: تفاضل.
* الشيخ: ربا تفاضل، أظن واضح الآن.
يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ هناك ربا جامع بين النسيئة والتفاضل بأن يعطيه عشرة بأحد عشر لمدة سنة، هذا جامع بين النوعين، ربا فضل من أجل الزيادة، وربا نسيئة من أجل التأخير، في الجاهلية كانوا إذا حل الدين على شخص وهو فقير قال له: إما أن ترابي وإما أن تقضي، يعني: توفيه ولَّا ترابي، إذا أوفاه واضح انتهت المعاملة، المراباة وأيش يقول؟ يقول: تبقى عليك المئة والعشرين إلى سنة بمئة وأربعين، عرفت؟ ثم إذا جاءت السنة الثانية فإذا هو فقير، قال له: يلا تقضي أو ترابي؟ قال: ما عندي ما أقضي، قال: طيب، خل مئة وأربعين كم؟ مئة وستين، وهكذا، هذا هو قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران ١٣٠]، ونظير ذلك ما يفعله بعض الناس عندنا، يعطيه مثلًا الدين مئة ألف، ويقول: عليك زكاته كل سنة، كل سنة عليك زكاته وهو فقير، كم يربح كل سنة هذا؟ مئة ألف يربح بالسنة ألفين وخمس مئة، كل سنة أضعافًا مضاعفة على هذا الفقير، أليس كذلك؟ إذن داخل في الربا، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ -يقول الله عز وجل-: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وقد اختلف المفسرون ما هذا القيام، ومتى؟ فقال بعضهم وهم الأكثر: إنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، يعني: كالمصروع، الذي يتخبطه الشيطان، التخبط معناه الضرب العشوائي، ولهذا نقول للسيارة إذا صارت ما هي بزينة مخبطة، ونقول هذا الرجل خبط عياله يعني ضربهم ضربًا عشوائيًّا، فالشيطان يُسَلَّط على بني آدم تسليطًا عشوائيًّا فيصرعهم، فيقومون هؤلاء من قبورهم يوم القيامة كالمصروعين، كالمصروعين -والعياذ بالله- يشهدهم الناس كلهم، وهذا القول قول جمهور المفسرين، وهو مروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
القول الثاني: لا يقومون يعني في الربا والتعامل به إلا كما يقوم المصروع؛ لأنهم -والعياذ بالله- لشدة شغفهم بالربا كأنما يتصرفون تصرف المتخبط الذي لا يشعر؛ لأنهم سكارى بمحبة الربا، وسكارى بما يربحونه، وهم الخاسرون من الربا، فيكون القيام هنا متى؟ في الدنيا، شبه تصرفاتهم العشوائية الجنونية المبنية على هذا الربا العظيم الذي يتضخم المال عند الإنسان من كثرة الربا بأيش؟ بالإنسان المصروع الذي لا يعرف كيف يتصرف، تخبط، وهذا قول كثير من المتأخرين، وقالوا: إن يوم القيامة هنا ليس له ذكر، ما في ذكر حتى نقول لا يقومون يوم القيامة، ولكن الله شبه حالهم بحال من؟ أيش؟ بحال المصروع من سوء تصرفهم مجانين بس وين وين وين يمشون لكل أحد، وكلما كان الإنسان أشدَّ فقرًا كانوا له أشدَّ ظلمًا، يجيئهم واحد دسم وأيش معنى دسم يعني كثير الشحم؟ يعني: ماله لا بأس به يستدين منهم يقول: نعم، نعطيك العشرة اثنا عشر، جاءهم واحد فقير ميت من الجوع، قال: دينوني قال نعطيك العشرة ثمانية عشر، وأيش الفرق؟ هذاك يرجون أنه يوفيهم، وذا ما يرجون إنه يوفيهم فقير، يكثرون عليه الظلم لفقره بينما إن حاله تقتضي الرأفة والتخفيف، لكن هؤلاء ظلمة ما همهم إلا أكل أموال الناس، فيقول: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
طيب اختلف الآن المفسرون في معنى القيام ومتى هو، لكنهم لم يختلفوا في قوله: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني: متفقون على أن الشيطان يتخبط الإنسان، ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني بالمس بالجنون، وهذا أمر مشاهد، أن الشيطان يصرع بني آدم، يصرعه وربما يقتله -نسأل الله العافية- يصرعه ويبدأ يتخبط ويتكلم وهو لا يتكلم، الإنسان نفسه ما هو بيتكلم، يتكلم اللي فيه، الصارع، وهذا قد جاءت به السنة بسند جيد رواه الإمام أحمد في مسنده: «أن الرسول عليه السلام مر بامرأة ولها ابن يُصرَع، فقرأ عليه، فشُفِيَ هذا الابن، وقال له: اخرُج عدو الله فإني رسول الله »[[مسند أحمد (١٧٥٤٩) من حديث مُرّة الثقفي رضي الله عنه.]] وهذا سنده جيد في المسند وغيره أيضًا، ثم إن الواقع يشهد بذلك، الواقع يشهد بذلك، فكثير من المصروعين يؤتى بهم إلى أحد من الناس الذي يقرأ وعنده عزيمة جيدة، يخاطب الجن يقول: وأيش السبب، لأيش؟ وأحيانًا يعلمه الجن: يقول: السبب كذا وكذا وكذا، ويشترط الجن شروط أحيانًا يشترط شروطًا إذا وَفَّي له بها طلع، وأنا أذكر أن بعض الناس من الذين توفوا رحمة الله عليهم أتي إليه بصبي قد مسه الشيطان، فخاطب الجن وقال له: وأيش اللي..؟ قال: إن هذا الصبي كان يعجبني صوته، وهو في الابتدائي وأنني ما زلت أترقب غفلته حتى كان ذات يوم وهو يراجع دروسه في سطح بيته فمر بس أسود، فحذفه رماه بحصاة، ففز فتحينت الفرصة فصرعته، اتق الله وقام يكلمها ويتكلم عليها، قالت: ما أخرج حتى تودوني على حدود الكويت، إذا وصلت هناك فلا بأس، أنا أخرج، فذهب به أبوه إلى هناك فلما وقفت السيارة عند اللي يفتشون في الجوازات، وذهب أبوه يعرض الجوازات على المسؤولين، ورجع وإذا الولد قد شفي، ما فيه إلا العافية، فرجع، هذه القصة اشتهرت عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن (...)، أما شيخ الإسلام ابن تيمية فحكى عنه تلميذه ابن القيم في زاد المعاد أنه أتي إليه برجل مصروع، قد صرعته امرأة فكلمها وهددها فقالت له المرأة الجنية: إنني أحب هذا الرجل، قال لها شيخ الإسلام: لكن هو لا يحبك، فقالت: إني أريد أن أحج به، فقال لها شيخ الإسلام: هو لا يريد الحج معك، فقالت لشيخ الإسلام: أنا أخرج كرامة للشيخ، قال لها: لا تخرجي كرامة للشيخ، اخرجي طاعة لله ورسوله، ثم عاهدها أن تخرج ولا ترجع وخرجت ولا رجعت، ويقول في نفس القصة: أول ما كلمها وأبت صار يضربها، الضرب يقع في الظاهر على الرجل وهو يقع عليها، ولهذا يقول لما أفاق هذا الرجل، قال لهم: ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ وأيش اللي جاء بي؟ قالوا: سبحان الله ما أحسست بالضرب والكلام والمحاورة، قال: أبدا ما أحسست بشيء من ذلك. سبحان الله، المهم أن هذا أمر واقع لا يمكن تكذيبه، ويقول ابن القيم: لا يكذب به إلا جهلة الأطباء الذين يعزون ذلك إلى توتر عصبي. وقال أيضًا: إنه لاشك إن التوتر العصبي يحصل منه هذا، لكن الصرع نوعان: صرع بالشياطين وصرع بتوتر الأعصاب، ونحن لا ننكر لا هذا ولا هذا، والقرآن يشهد لوقوع ذلك ولَّا لا؟ نعم؛ لقوله: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
شوف، من تخبطهم العقلي أنهم تخبطوا تخبطًا فكريًّا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥] شوف، أعوذ بالله قالوا: البيع مثل الربا، لا فرق بينهما، هما سواء؛ لأنك بدلا من أن تقول لهذا الرجل هذه السلعة التي تساوي الآن مئة، أبيعها عليك بمئة وعشرين إلى أجل، هذا مثل قولك: خذ مئة ريال بمئة وعشرين إلى أجل، وأيش الفرق؟ قالوا: البيع مثل الربا، ألست تقول: إنك إذا بعت هذه السلعة تساوي الآن مئة نقدا بمئة وعشرين إلى سنة جائز ولَّا غير جائز؟ جائز ما فيه إشكال، حتى بعض العلماء حكى الاتفاق ما دام الرجل يريد السلعة نفسها ما دام يريد السلعة نفسها ما يريد التحيل فهو جائز بالاتفاق، قالوا: إذا جاز هذا، جاز خذ مئة بمئة وعشرين وأي فرق؟ عرفتم، ولَّا لا؟
طيب، قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ هل قالوه من باب التحدي حيث عكسوا القياس فقاسوا ما فيه شُبْهَة على ما لا شبهة فيه؟ ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ ما قالوا: إنما الربا مثل البيع، كان مقتضى الظاهر أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع، لكنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا فجعلوا الربا أصلًا في الحل والبيع فرعا ومقيسا، هل قالوا هذا من باب التحدي تحدي من يقول: إنه حرام؛ حيث يقولون بلسان الحال: الربا أحل من البيع كيف تقولون إنه حرام؟ لأن مقتضى هذا القياس أن الربا أحل من البيع، فهل قالوا القياس على هذا الوجه؟ من باب تحدي المحرمين الذين يقولون: الربا حرام، كأنما يقولون: الربا أولى بالحل من البيع غصبًا عليكم؟ أم قالوا ذلك؛ لأنه التبس عليهم الأمر لشدة ولعهم بالربا لم يتبين لهم الفرق بين البيع وبين الربا؟ يحتمل، أما البلاغيون فقالوا: إن هذا من باب القياس المقلوب، من باب القياس المقلوب، أو التشبيه المقلوب، وأن الأصل إنما الربا مثل البيع، لكن قلبوا التشبيه ادعاء منهم أن وجه الشبه في المشبه أظهر من المشبه به، ولكن لا يبعد أنهم قالوا ذلك من باب التحدي، يعني: أنتم تقولون الربا حرام، ونحن نقول الربا أحل من البيع، أحل من البيع، هذا ما نقوله، ويكون الأمر قد التبس عليهم واقترن هذا أيضًا بالتحدي لمن يُحرِّمون.
طيب، شوف هل بينهما فرق؟ بينهما فرق، الفرق أوضحه الله بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]، فإن قال قائل: هذا فرق بالحكم، وهو الذي فيه الدعوة والخصومة ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ هم يقولون أيضًا: أحل الربا، فيقال: إن الله أشار إلى الفرق العظيم بينهما، فكون الله أحل هذا وحرم هذا، دليل على أن بينهما فرقًا؛ لأنه لا يمكن لشيئين يفترقان في الحكم إلا وبينهما فرق في العلة والسبب؛ لأن الشرع لا يساوي بين مفترقين ولا يُفرِّق بين متماثلين، فيكون الله عز وجل هنا قد أبطل قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ وبين أن بينهما فرقًا عرفناه من أي طريق؟ من طريق اختلافهما في الحكم فإذا اختلفا في الحكم لزم أن يختلفا في أيش؟ في الحقيقة والعلة، واضح يا جماعة؟ فإذن هنا نقول إن الله تعالى ذكر الفرق بينهما، وجهه؟ أن الله فرق بينهما في الحكم، وإذا افترقا في الحكم لزم أن يفترقا في الحقيقة والعلة، واضح؟ وهو كذلك فإنه لا يخفى على أحد أن الإنسان إذا باع السلعة التي تساوي مئة بمئة وعشرين أن هذا بيع محض، وأنا ما أبدلت ربويا بربوي، وإنما بعت سلعة بثمن مؤجل ومن المعلوم بفطر جميع عقول الناس أو بفطر عقول جميع الناس أن هناك فرقًا بين الثمن المعجل والثمن المؤجل، أليس بينهما فرق؟ نقول: بلى.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾
أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق الحكمي الشرعي، ليس هو الفرق الحكمي الشرعي بل هو فرق معنوي دل عليه الفرق الشرعي عرفت؟ وأظن هذا واضح، وهذا أبلغ من أن نقول إن الفرق بينهما فرق حكمي شرعي؛ لأن هذا الفرق الحكمي الشرعي لا بد أن يكون مبنيًّا على فرق معنوي، وهو واضح.
أظنا كنا نتكلم على الأموال الربوية؛ لأننا نحب أن نبسط القول في هذا من أجل أن يتبين الحكم الشرعي في الربا، ذكرنا أن الأموال الربوية نص عليها الشرع، وأنها كم؟
* طالب: ست.
* الشيخ: ستة أنواع، ما هي؟
* طالب: القمح والشعير والذهب والفضة والملح والتمر.
* الشيخ: كم هذه؟ ستة طيب.
* الشيخ: كيف يكون الربا في هذه الستة؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فلا ربا فيه أصلًا، واضح، ذهب بذهب يجري فيه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بجرام ذهب مع تأخر القبض؟
* طالب: نسيئة.
* الشيخ: بيع جرام ذهب بجرامين مع تأخر القبض؟
* طالب: ربا فضل ونسيئة.
* الشيخ: صح، توافقون على هذا؟ إي نعم. بيع ذهب بفضة ما الذي يجري فيه من الربا؟ أي أنواع الربا يجري؟ بيع ذهب بفضة؟...
* طالب: فضل.
* طالب: يجري فيه ربا النسيئة.
* الشيخ: ربا النسيئة فقط؟ طيب باع جرام ذهب بخمسة جرامات فضة مع التقابض؟
* طالب: لا ربا.
* الشيخ: لا ربا، يجوز؟
* طالب: يجوز.
* الشيخ: يجوز لأنه ليس فيه ربا فضل.
باع جرام ذهب بخمسة جرامات فضة بدون تقابض؟
* طالب: هذا يكون فيه ربا نسيئة.
* الشيخ: هذا ربا ونوعه ربا نسيئة.باع صاعًا من البُر بصاعين من القمح؟
* الطالب: نسيئة.
* الشيخ: انتبه للمثال صاعًا من البُرِّ بصاعين من القمح؟
* الطالب: ربا الفضل.
* الشيخ: ربا الفضل كيف هذا بُر وهذا قمح؟ أي قمح مع التقابض، فيه ربا؟ لا تقابض ما تأخر، النسيئة يعني التأخير، وأيش تقول في هذا؟
* طالب: ما فيه ربا.
* الشيخ: ما فيه ربا. باع صاع بُرٍّ بصاعي شعير مع التقابض، وأيش تقول؟
* طالب: هذا ربا الفضل.
* الشيخ: يعني حرام؟ حرام؟
* طالب: حرام.
* الشيخ: صاع بُر بصاعي شعير حرام ولَّا حلال؟ يمكن صاعات ذهب بصاع بر، يمكن ولَّا لا؟ نسأل الله أن يحمينا، يمكن يصير؛ لأن الذهب العلة فيه الثمنية والوزن، وذاك العلة فيه الكيل والطعم فهمت يا..؟ طيب. بقي عندنا المثال الرابع على حسب ما شرحناه، باع بعيرا ببعيرين إلى أجل؟ بعيرا ببعيرين؟
* طالب: يجوز.
* الشيخ: كيف يجوز، بعير ببعيرين؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأيش؟
* طالب: لأنه ليس من الأصناف التي وردت.
* الشيخ: صحيح، لأنها ليست من الأصناف الربوية كذا؟ والأصل الحل ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ولأنه أيضًا قد ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد حسن «أن الرسول أمره أن يجهز جيشًا فكان يأخذ البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة إلى إبل الصدقة »[[أخرجه أبو داود (٣٣٥٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بلفظ: أنّ رسولَ الله ﷺ أمرَهُ أن يجهزَ جيشًا فنفدتِ الإبلُ فأمرَهُ أن يأخذَ في قِلاصِ الصدقة، فكان يأخذُ البعير بالبعيريْنِ إلى إبِلِ الصدقَة.]].
إذا باع صاع بُر طيب، بصاعي بُر رديء مع التقابض؟ صاع بُر طيب يساوي عشرة بصاعي بُر رديء تساوي عشرة، كلها قيمتها واحدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وأيش تقولون؟ يقول: إنه لا يجوز؟ ما نوع الربا هذا؟
* طالب: ربا الفضل.
* الشيخ: ربا الفضل طيب، هل عندك دليل؟
* طالب: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ»[[مسلم (١٥٨٧ / ٨١) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.]].
* الشيخ: يدا بيد كذا؟ صح، وفيه دليل أيضًا أخص من هذا؟
* طالب: الصحابي (...).
* الشيخ: هو باع الجيد وأخذ الرديء، ولَّا باع الرديء وأخذ الجيد؟
* طالب: باع الرديء وأخذ الجيد.
* الشيخ: طيب.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، أسمعتم القصة؟ «أُتِي الرسول عليه الصلاة والسلام بتمر طيب، فقال: «هَذَا تَمْرُنَا؟». قالوا: لا، ولكننا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فنهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال:«رُدُّوهُ» وقال: «هَذَا عَيْنُ الرِّبَا»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤ / ٩٦) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بلفظ: جاء بلالٌ إلى النبي ﷺ بتمرٍ بَرْنِيّ، فقال له النبي ﷺ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟»، قال بلال: كان عندنا تمرٌ رَدِيٌّ، فبعت منه صاعين بصاع، لنطعم النبيَّ ﷺ. فقال النبي ﷺ عند ذلك: «أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لا تَفْعَلْ، ولكنْ إذا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِهِ».]]، ثم أرشدهم إلى الصواب بأن يبيعوا التمر الرديء، ثم يشتروا بثمنه تمرًا طيبًا، واضح؟ طيب وبهذا نعرف أن العلة في الربا أصلها الظلم لكن قد تكون في بعض الأحيان قد تتخلف هذه العلة، فلا يكون في هذا ظلم، فصاع طيب يساوي عشرة بصاعين رديئين يساويين عشرة فيه ظلم ولَّا لا؟ ما فيه ظلم، ولكن لما كانت النفوس مجبولة على حب المال والكسب والربح فيه، صار ربما يتخذ هذا ذريعة إلى الربا، فسد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام جميع الذرائع إلى الربا، نظير ذلك كل المحرمات العظيمة تجد أن الشارع قد أحاطها بما حولها وسد كل ذريعة، الزنا أحاطه بكل ما يفضي إليه، بمنع كل ما يفضي إليه، نظر الرجل إلى المرأة بغير شهوة ما فيه شيء في الأصل ينظر إلى امرأة كبشر، لكن لما كان ذريعة إلى الزنا منعه، الشرك إذا نذر شخص أن يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله، وهو مخلص لله عز وجل يمنع ولَّا لا؟
* الطلبة: يمنع.
* الشيخ: مع أن فعله مباح، لكن لما كان ذريعة إلى الشرك منع منه، فكل المحرمات الكبيرة تجد الشارع قد أحاطها بما حولها، ومنع كل ذريعة توصل إلى هذا الشيء، فنقول: إنه لا ظلم فيما إذا باع صاعًا من التمر الطيب بصاعين من التمر الرديء، ولكن هذا يكون ذريعة إلى الربا فمنعه الشرع، وقال: هذا عين الربا، على كل حال إذا عرفتم القواعد سهل عليكم التطبيق، الآن عندنا ذكرنا أربع قواعد، بيع الربوي بجنسه يجري فيه الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة، انفرادًا واجتماعًا ولا انفرادًا أو اجتماعًا؟ انفردًا واجتماعًا كذا؟ يعني بمعنى أنه قد ينفرد فيه ربا الفضل أو ربا النسيئة أو يجتمعان.
ثانيًا: ربوي بغير جنسه مع الاتفاق في العلة، يجري فيه ربا النسيئة فقط دون ربا الفضل أي: أنه يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا لكن بشرط أيش؟ بشرط التقابض.
ثالثا: ربوي بغير جنسه لا يشاركه في علة الربا هذا لا ربا بينهما لا فضل ولا نسيئة؛ ولهذا أجاز الشارع السلم، السلم، تعرفون السلم؟ أن تدفع دراهم إلى شخص لتشتري بها طعامًا بعد سنة، سواء كان تمرًا أو برًّا أو غير ذلك، الآن الدراهم والتمر رِبَوِيَّان ولَّا لا؟ ربويان، لكنهما اختلفا في الجنس والعلة، في الجنس والعلة، واضح يا جماعة؟ طيب.
رابعًا: أن يباع شيء لا يجري فيه الربا بشيء لا يجري فيه الربا أصلًا، يعني: ليس من الأموال الرِّبَوِيَّة، فهذا ليس به ربا لا نسيئة ولا فضل.
* * *
قال الله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]
وقفنا على هذا أظن؟ كيف؟ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة ٢٧٥]
من شرطية، وفعل الشرط ﴿جَاءَهُ﴾، وجواب الشرط ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يعني: أي إنسان تأتيه موعظة من الله عز وجل، وقوله: ﴿جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ يشمل ما إذا كان الموعظة جاءته؛ لأنها نزلت أو جاءته لأنه كان جاهلًا بها، فمثلًا لو أن رجلا كان يتعامل بالربا ويأخذ به وهو لا يدري أن هذا النوع من المعاملات ربا، ثم علم وانتهى، فالربا السابق يكون حلالًا له، أما الربا الذي لم يأخذه الآن فإنه يكون حرامًا عليه، كذلك أيضًا الذين كانوا يرابون قبل نزول الآية الذين كانوا يرابون قبل نزول الآية، نزلت الآية بتحريم الربا، وكانوا قد أخذوا الربا فيما سبق هل يلزمهم رده؟ لا، أما الربا الباقي فلا يجوز لهم أخذه، ولهذا أعلن رسول الله ﷺ عام حجة الوداع قال: «رِبَا الْجَاهِلَيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]] طيب، قوله: ﴿مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ الموعظة ما يحصل به الاتعاظ، والذي يحصل به الاتعاظ نوعان: شرعي وكوني، أما الشرعي فهو ما جاءت به الرسل، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس ٥٧]، وأما الكوني فما يجريه الله عز وجل من الكوارث كالزلازل والفيضانات والجدب وغير ذلك، دليله قوله تعالى في قرية أصحاب السبت: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٦٦] إذن فمواعظ الله إما آيات كونية وإما آيات شرعية، وكثير من الناس...
البقرة 2:277
.. والحساب لهلك ما بقي عنده شيء؛ لأن نِعمة واحدة من نعم الله تحيط بكل الأعمال، أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسِر يُزاد عليه في الدَّين أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة لكن هذا هو الواقع؛ لأنه ما دام معسرًا فسبب الإنظار موجود، أو فسبب وجوب الإنظار موجود فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء يعني أن تعفوا عن الدَّين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُو﴾ بماذا؟ بإبراء المدِين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أُمهل حتى يُوسر، ومعلوم أن الأول أوْلى وأرفق بالمدِين وهو الإبراء، وإنما كان خيرًا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدِين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليمًا من الدَّين خير من إنظاره مع بقاء الدَّين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مُستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدًا، أوهم أن التصدُّق خير لنا إن كنا نعلم فإن لم نكن نعلم فليس خيرًا لنا، ولا شك أن هذا معنى فاسد لا يُراد بالآية، لكن المعنى (...)
* ومن فوائدها: كمال نعيم هؤلاء في الجنة لقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، لا خوف مما يستقبل ولا حزن على ما مضى.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء السادة الكرام إنما بنوا عملهم على عقيدة وهي الإيمان ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولهذا كلما تحقق الإيمان في قلب العبد صلحت أعماله، أو صارت أعماله أصلح، وكلما ضعف الإيمان في قلب العبد صارت أعماله أسوأ، ولو أننا انتبهنا لهذا وجعلنا الأعمال الصالحة مقاييس لما في قلوبنا لحصلنا خيرًا كثيرًا، إذا قلنا: أعمالنا الآن ما مدى صلاحها؟ هل هي على أكمل شيء أو لا؟ إن كانت على أكمل شيء بقدر المستطاع فهو دليل على أن قلوبنا فيها إيمان، هذا كمال الإيمان، وإن كان فيها نقص فالإيمان في القلب ناقص، بدل من أنك تذهب تتأمل في قلبك وتفكر عندك ميزان ظاهر وهو العمل كلما أكملته فإيمانك أكمل، وكلما ضعف فإيمانك ضعيف، ويشهد لهذا الميزان قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] » ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قلنا: إنها من باب الصفات أيش؟
* الطلبة: السلبية.
* الشيخ: السلبية، والصفات السلبية تكون لكمال ضدها، إذن أهل الجنة في غاية ما يكون من كمال النعيم لا يحزنون على شيء مضى، ولا يخافون من شيء مستقبل، نعيم الدنيا وأيش يكون فيه؟
* الطلبة: على العكس.
* الشيخ: على العكس، محفوف بحزن على ما سبق وخوف مما يلحق، فقارن بين النعيمين وما هي إلا ساعة ثم تنقضي.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٧] ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟
* الطالب: أن القرآن مثاني، مثاني في المعاني، فالله سبحانه وتعالى إذا ذكر معنًى عاقبه بما يضاده أو يقابله، فلما ذكر حال أهل الشر العاصين ذكر حال أهل الطاعة الطيبين.
* الشيخ: لا.
* الطالب: لما ذكر الذين يأكلون الربا وأنهم يقولون: إنما البيع مثل الربا ذكر الذين يعملون الصالحات ويتصدقون بأموالهم.
* الشيخ: نعم، صحيح، لما ذكر الربا وهو أساسه الظلم وأكل المال بالباطل عاقبه بذكر الإيمان والعمل الصالح وإيتاء الزكاة، طيب في هذه الآية أربعة أوصاف ذكرها الله عز وجل ما هي؟
* الطالب: أولًا: الإيمان، والعمل الصالح، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
* الشيخ: إيتاء الزكاة، لو قال قائل: إقام الصلاة من عمل الصالحات (...) الزكاة فيها مفعول محذوف. قسموا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هادول يحزنون كيف ما عملنا؟ لأيش ما عملنا؟ يقول ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] لكن هؤلاء لا يحزنون؛ لأنهم ربحوا دنياهم في الواقع فيحزن على أي شيء؟ كذلك لا يحزن على أن غيره أعلى منه منزلة في الجنة، فلا يحزن يقول: ليتني عامل مثل هذا العمل لأجل أن أنال درجته؛ لأن كل واحد قد رضي بما هو فيه من النعيم، كما قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أما النفي هنا فهو صفة سلبية يراد بها ثبوت كمال الضد، وهو كمال النعيم الذي ليس فيه خوف مما يُستقبل ولا حزن على ما مضى.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أولًا: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاعتناء به، لماذا؟ لأن النداء يفيد التنبيه، والتنبيه على خطاب سيُلقى يدل على الاهتمام بهذا الخطاب والعناية به، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن توجيهه أيضًا بلفظ الإيمان يفيد الإغراء، إغراء المخاطب لامتثال ما وُجِّه إليه، يفيد إغراءه لامتثال ما وُجِّه إليه كما لو قلت لك: أيها الرجل، افعل كذا وكذا، يعني أنني أغريك فتذكُر أنك رجل فتأخذك الشهامة فتفعل، كذلك هذا إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يذكر أنه مؤمن فيحمله إيمانه على أيش؟ على الامتثال والفعل إن كان أمرًا أو الترك إن كان نهيًا.
طيب فصار عندنا الآن مبحثان: المبحث الأول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية؛ لأن النداء للتنبيه، والتنبيه المقدم بين يدي الخطاب يدل على أهمية الخطاب، توجيهه للمؤمنين يُقصد به أيش؟ الإغراء والحث؛ يعني يا أيها الذين آمنوا بصفتكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، يدل أيضًا على أن مخالفته نقص في الإيمان، والقيام به كمال في الإيمان، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث مسعر بن كدام عن عبد الله بن مسعود.]] »، يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى مأخوذة من الوِقاية، وهي اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا امتثال أمره واجتناب نهيه، وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى التقوى، ولكن كل المعاني ترجع إلى هذا المعنى الذي ذكرنا وهو: امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ لأن به الوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وجه الخطاب إليهم بوصف الإيمان وأمرهم بالتقوى مما يدل على أن التقوى من مقتضيات الإيمان، وأن كل مؤمن حقًّا فلا بد أن يتقي الله عز وجل؛ لأن الإيمان إذا وقر في القلب صدقته الأعمال، وظهرت آثار ذلك على الجوارح، وعُرف الإنسان بإيمانه من تقواه.
وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي احذروا عقابه كما قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، والإنسان يجب عليه أن يحذر من عقاب الله عز وجل، وإذا حذر من عقاب الله اجتنب النواهي، ويجب عليه أن يرغب فيما عند الله من الثواب، وإذا رغب في الثواب فعل أيش؟
* الطلبة: الأوامر.
* الشيخ: الأوامر؛ لأن الأوامر عليها جزاء وثواب، فالترغيب فيها يحدو المرء إلى أن يقوم بها، والنواهي عليها عقاب، فالحذر منها يوجب للإنسان أن يبتعد عنها. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ و﴿اللَّهَ﴾ اسم عَلَم على الرب عز وجل، لا يُسمَّى به غيره، وهو أعرف المعارف على الإطلاق؛ لأن الله متى ذكر لا ينصرف الذهن إلا إلى الخالق عز وجل، ولهذا قالوا إنه أعرف المعارف؛ لأنه لا يشاركه أحد في هذه العلمية، لكن زيد وعمرو وبكر وخالد عَلَم لا شك ومعرفة إلا أنه يُشارَك في ذلك، أما هذا الاسم الجليل فإنه لا يشاركه أحد في مسماه.
قالوا: والأصل في كلمة ﴿اللَّهَ﴾ الإله، لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال كما حذفت الهمزة في الناس، وأصلها (الأناس)، وحذفت شر في وخير من قولهم: فلان خير من فلان وفلان شر من فلان، أي أخْيَر وأشَرّ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واختلف اللغويون هل هذا الاسم مشتق ولّا جامد؛ والصواب بلا ريب أنه مشتق، وأن جميع أسماء الله عز وجل تتضمن المعنى الذي اشتقت منه، فالسميع يتضمن السمع، والعليم يتضمن العِلم، والله يتضمن الألوهية، وهكذا ليس في أسماء الله تعالى اسم جامد لا يدل على معنى أبدًا، فالصواب أنه مشتق.
إذا قلنا: إنه مشتق وأصله الإله فما معنى الإله؟ الإله عند المتكلمين هو القادر على الاختراع، هذا الإله عند المتكلمين الذين يتسمَّون بالعقلاء، ومعلوم أننا إذا قلنا بهذا التفسير لم نخرج بتوحيدنا عن توحيد المشركين؛ لأن المشركين يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قلنا: (إله) بمعنى قادر على الاختراع صار معنى كلمة التوحيد: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهل هذا توحيد ينجي من النار ويعصم دم الإنسان وماله وأهله؟
إذا قلنا: لا إله إلا الله؛ أي لا قادر على الاختراع إلا الله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن المشركين يقرون بذلك، ومع هذا فهم مشركون مباحو الدم والمال والذرية، ولم يُدخلهم هذا التوحيد في الإسلام، فهذا التفسير بلا شك تفسير باطل، فليس معنى الإله القادر على الاختراع وإلا لكانت كلمة الإخلاص معناها أيش؟
* الطلبة: غير قادر.
* الشيخ: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا التوحيد هو توحيد المشركين تمامًا، ولكن معنى (إله) أي مألوه، فإله بمعنى مألوه؛ فهي (فِعال) بمعنى (مفعول)، ونحن نعرف أن اللغة العربية يأتي فيها (فِعال) بمعنى (مفعول) في مواضع كثيرة، مثل: غِراس وبِناء وفِراش، كلها بمعنى مَغروس ومَبني ومَفروش، فمعنى لا إله إلا الله أي لا مألوه إلا الله، إذن الله بمعنى المألوه؛ أي المعبود، المعبود حُبًّا وتعظيمًا، فلحبه نقوم بأوامره ولتعظيمه ندع نواهيه.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ شوف ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ترك ما بقي من الربا لا شك أنه من تقوى الله، لكن هذا من باب عطف الخاص على العام اعتناءً به، وإلا فهو من تقوى الله، لكن قدَّم الأمر بتقوى الله على الأمر بترك ما بقي من الربا ليكون الإنسان متهيئًا لقبول الأمر بترك ما بقي من الربا؛ لأنه إذا ورد عليه: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ورد على نفس مستعدة متهيئة لقبول ما تُؤمر به بعد ذلك، وقوله: ﴿ذَرُوا﴾ بمعنى اتركوا. ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ يعني إذا كان لكم معاملة ربوية وإلى الآن لم تقبضوا الربا فالواجب عليكم ترْك ما بقي من الربا أن تدعوا ما بقي من الربا، والربا في الأصل مر علينا أن الربا في الأصل الزيادة والنمو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥] أي زادت وعلت وارتفعت، وفي الشرع: تفاضل بين شيئين يحرم فيهما التفاضل أو نسأ في شيئين يحرم فيهما النَّسأ، فليس كل تفاضل ربًا وليس كل نَساء ربا، فلو أبدلت سيارتين بواحدة فليس بربا، ولو أبدلت سيارة بسيارة إلى أجل فليس بربا؛ لأن الربا إنما هو في أشياء مخصوصة خصَّها الشارع، وسبقت لنا.
قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا أيضًا من باب الإغراء مرة أخرى، يعني إن كنتم مؤمنين حقًّا فدعوا ما بقي من الربا، وهذه الجملة يقصد بها الإغراء والإثارة، إغراء الشخص وإثارته، إن كنت مؤمنًا حقًّا فدع الربا، فإن قلت: كيف يوجه الخطاب إلى المؤمنين ويقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ أفلا يكون في هذا تناقض؟
الجواب: لا؛ لأن معنى الثانية التحدي وليست الشرطية المطلقة أي إن كنت صادقًا في إيمانك فاتقِ الله وذر ما بقي من الربا. واضح؟
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق لنا أن الإيمان عند كثير من العلماء بمعنى التصديق، والصحيح أنه أخص من التصديق فهو إيمان بإقرار وقبول وإذعان، قالوا: والفرق بين (آمن له(، و(آمن به) أن الإيمان له إيمان بالمخبِر، والإيمان به إيمان بالمخبَر به، فإذا قلت: آمنت لفلان؛ أي صدقته فيما أخبر به، وإذا قلت: آمنت بكذا وكذا؛ أي صدقت بهذا الشيء بما أُخبر عنه، فتعديه باللام بالنسبة لمن؟
* الطلبة: للمخبِر.
* الشيخ: بالنسبة للمخبِر، وبالباء بالنسبة للمخبَر به، هذا هو الفرق بين: آمن له، وآمن به، لكن هنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لله ولَّا بالله؟
* الطلبة: بالله.
* الشيخ: بالله لأن الله أخبر عن صفاته عز وجل، فالإيمان به إيمان به بما أخبر به عن ذاته وعن صفاته.
* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد: أولًا: بلوغ القرآن الغاية في البلاغة، وذلك لأن الكلام في القرآن يأتي دائمًا مطابقًا لمقتضى الحال، فإذا كان الشيء مهمًّا أحاطه بالكلمات المثيرة التي تجعل النفوس قابلة لذلك، وهذا غاية ما يكون من البلاغة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر، ومسلم (٨٦٩ / ٤٧) من حديث عمار.]] ».
* من فوائد الآية الكريمة: أن تصدير الخطاب بالنداء يفيد التنبه والتلقي له لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يوجِّه الخطاب على وجه يثير المخاطَب ويحمِّسه للقبول والانقياد لقوله هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى وصية الله سبحانه وتعالى لعباده الأوَّلين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١] فإن قلت: هل هناك فرق بين التقوى وبين البر؟ فالجواب: إن ذُكِرا جميعًا فبينهما فرق، وإن افترقا فهما واحد يتفقان، فـ ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] يفسر البر بفعل الطاعات والتقوى بترك المحرمات، وإذا جاءت التقوى مُفردة تعُم هذا وهذا، وإذا جاء البِر مطلقًا يعُم هذا وهذا، يعُم التقوى بالتضمن؛ لأننا إذا أُمرنا بفعل الخير فلازم ذلك أو مقتضى ذلك ترك الشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ترك الربا وإن كان قد تم العقد عليه لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وهذا في عقد استُوفي بعضه وبقي بعضه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام وإن عُقدت في حال الشرك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ وإلا لو نفَّذنا العقود التي كانت في الشرك مع تحريمها في الإسلام لكان ما بقي من الربا جائزًا، ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت ولم يكن سبب تحريمها قائمًا الآن فإنها أيش؟ تنفذ على ما مضى ولا تُبطل، لو أنهما باعا بيعًا محرمًا في حال الكفر ثم أسلما عليه وسبب المانع غير قائم الآن فإنه يمضي على ما مضى عليه حتى لو كان ربًا، لو تعاقدا عقد ربا وهما كافران ثم استوفياه فإن ذلك يمضي وينفذ لقوله تعالى فيما سبق: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولو عقد الكافر على امرأة معتدة ثم أسلما وقد انقضت العدة ها؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: فالنكاح صحيح، ولو تزوج أخت زوجته، ثم ماتت الزوجة الأولى وأسلم فالنكاح باقٍ، ولو تزوج أخته ثم أسلم؟
* الطلبة: يفرق بينهما.
* الشيخ: يفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم قائم. إذن نستفيد من الآية الكريمة أنه إذا أسلم الإنسان على شيء محرّم، وسبب التحريم قائم وجب إلغاؤه لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تُؤخذ لئلا يستعين بها البنك على الربا، وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر. عرفت؟ فنقول: أأنتم أعلم أم الله؟ والاستحسان في مقابلة النص باطل، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يقل: خذوه فتصدقوا به، فإنه يجب علينا أن نذر ما بقي من الربا، أن ندعه.
فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكًا غير إسلامي بنك كفار وتركناه له صرفوه إلى الكنائس وإلى السلاح الذي يُقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم ونما به رِباهم فما الجواب؟ نقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خُوطبنا به، والنتائج ليست إلينا، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ نذره، كونهم يصرفونه إلى كذا أو إلى كذا، أو تنمو به أموالهم هذا ليس إلينا، ثم إننا نقول: هل هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل صحيح أنها فائدة من أموالنا؟ الجواب: لا، قد يكون المال الذي أعطيته إياه قد لا يربح، قد يتلف، فهذا الذي يعطيك ليس هو نماء مالك، حتى تقول: والله هذا نماء مالي أبي آخذه، أريد أن آخذه وأتصدق به تخلصًا منه، نقول: من يقول إن هذا نماء مالك قد يكون مالك الخاص اشتروا به شيئًا فخسروا أو احترق، ثم هو ليس نماء مالك أيضًا من جهة أن نماء مالك لا يكون محددًا بل هو قابل للزيادة وقابل للنقص، فليس هو فائدة مالك حتى تقول: والله إني أخشى أن آثم إذا أبقيته عندهم يصرفونه إلى ما حرم الله.
ثم إننا نقول: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة، في إصلاح طرق، في بناء مساجد تخلصًا منه، أو تقربًا به، نقول له: إن فعلت ذلك تقربًا لم يُقبل منك ولم تَسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك، وإذا صرفته على أنه ملكك لم يُقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث، ومن اكتسب مالًا خبيثًا فأنفقه وتصدق به لم يُقبل منه، وإن أخرجته تخلصًا منه فأي فائدة من شيء نقول: تلطَّخ به ثم حاول أن تغسله من يدك؟! أيش الفائدة؟! فإذا كنت الآن تعترف بأنه لا يحل لك فلماذا تأخذه ثم تحاول تخلصه؟!
ثم نقول أيضًا: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يُخرج هذا تخلصًا منه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ربما إذا شاف الفائدة كبيرة كما يقولون إنها فائدة تغلبه نفسه ولا يُخرجه، (...) يقول: والله هذا مال كثير هذا شينو أطلعه، افتح الصندوق يا ولد حطوه فيه، إذا فتح الصندوق قال: أستغفر الله وأتوب إليه أخاف الله، إذن طلعه بره، إذا أراد يطلعه بره ثقل في يده ثم قال: رجعه للصندوق، ربما في النهاية أن يكون في الصندوق.
أيضًا أخذته أنت وقال الناس: إن فلانًا أخذ هذه الفائدة- التي يسمونها الفائدة- أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؛ لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تُخرج هذا المال وتتخلص منه؟ بلى، يمكن يقتدي الناس بك، والله فلان أخذ، لستَ تكتب إعلانًا بأنك أخذت هذا وأنفقته، الناس لا يعملون فيقتدون بك، وإذا اقتدوا بك وأخذوا وحتى لو علموا أنك تصرفه وتتخلص منه يرد عليهم ما أوردناه عليك من قبل وهو الشُّح وعدم التخلص منه، ولهذا نرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مُطلقًا، وماذا ستكون مقابلة الله عز وجل يوم القيامة إذا كان الله قد قال لك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ثم أنت تأخذه باستحسان بعقلك.
ثم إننا نقول: إن الإنسان إذا أخذ هذا الشيء لا يكاد يقلع، لا يكاد يقلع عن وضع الأموال في البنوك الربوية المحرمة الكافرة، لكن إذا قلنا لا تأخذه فسوف يبقى يحسب ألف حساب قبل أن يضع المال في البنك، إذا علم أنه محرَّم عليه، كل هذه الأشياء تدل على حكمة الله عز وجل في قوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يُوجِّه العباد إلى شيء آخر، ما قال: خذوه وتصدقوا به.
* من فوائد الآية الكريمة: أن ممارسة الرِّبا يُنافي الإيمان لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ولكن هل يُخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج نعم يُخرجه من الإيمان إلى الكفر، وهو عند الخوارج كافر كفرعون وهامان وقارون، كافر؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان، لكنه يخشى عليه من الكفر، لا سيما أكل الربا؛ لأن آكل الربا يتغذى بأيش؟
* الطلبة: بحرام.
* الشيخ: بحرام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين ذكر الرجل «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] » نسأل الله العافية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث حرَّم عليهم ما يتضمن الظلم وأكَّد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، اثنين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ثلاثة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والحُكم: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الله أكبر، ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ما بقي من الربا، ما بقي، كيف هذا اللي بيُجدد عقد الربا؟ إذا لم تفعلوا وتتركوا ما بقي من الربا فهذا الحُكم، أيهما أشد هذا أو الذي يبتدئ الربا؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني أشد، الذي يبتدئ الربا أشد من شخص تعامل بالربا قبل نزول الآية وأخذ ما بقي، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ﴿فَأْذَنُوا﴾ وفي قراءة: ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ائذنوا بمعنى اعلموا، ولكنه ضُمّن معنى اليقين أو الإيقان، أي فأيقنوا بحرب من الله ورسوله هذا على قراءة: ﴿فَأْذَنُوا﴾، أما على قراءة: ﴿فَآذِنُوا﴾ فهي بمعنى: أعلِموا، أعلِموا بالحرب، آذِن بكذا يعني أعلِم به، قال النبي عليه الصلاة والسلام للنساء اللاتي يُغسّلن ميتة: «إِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩ / ٣٦) من حديث أم عطية الأنصارية.]] » يعني أعلمنني، ففي الآية قراءتان: ائذنوا، وآذنوا، (ائذنوا) بمعنى (اعلموا)، لكنه ضُمّن معنى اليقين، أيقنوا بحرب يعني أيقنوا أنكم محاربون، لمن؟
* الطلبة: لله ورسوله.
* الشيخ: لله ورسوله، الله أكبر! من يستطيع أن يقابل الله ورسوله بالحرب؟! أو أعلموا يعني أعلموا غيركم أنكم محاربون لله ورسوله.
وقوله: ﴿آذِنُوا بِحَرْبٍ﴾ أو ﴿ائْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ هل معناه أن الإنسان يُصوّت يقول: أيها الناس طالعين نحارب لله ورسوله؟ أو مجرد بقائه على الربا إعلام؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: نعم، الثاني، الثاني هو المراد؛ لأن الأول قد لا يفعله الإنسان، قد لا يقوم الإنسان على باب دكانه ويقول: أيها الناس، أخبركم بأني محارِب لله ورسوله ما يقدر، ولا هو قائل هكذا، لو قال هكذا على عتبة دكانه لكان أول من يرجمه صغار الناس بالحجارة، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول: إحنا جند الله ما دام أنك تحارب الله بس خذ حجارة برأسه وحجارة بصدره، لكنه ما يقول هكذا بلسانه، يقول هكذا بأيش؟
* الطلبة: بأفعاله.
* الشيخ: بفعله، فبقاؤه واستمراره على أكل الربا إيذان بحربه لله ورسوله، أي عقوبة أشد من هذه العقوبة إلا عقوبة الشرك بالله عز وجل؟! ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأتِ على ذنب دون الشرك. أبدًا أشد من الزنا، ولهذا جاء في الحديث الذي له طرق متعددة: «أَنَّ الرِّبَا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أُمَّهُ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (٢٢٧٤) من حديث أبي هريرة، والحاكم في المستدرك (٢٢٩٠) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] » وهذا كل يستبشعه، فالربا ليس بالأمر الهين، والله إن الواحد ترتجف فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية إذا كان مؤمنًا ائذنوا بحرب من الله ورسوله وأيش أنت يا ابن آدم؟! تحارب الله ورسوله علنًا تعلنه للناس؛ لأن أعلموا يعني أخبروا الناس بأنكم حرب لله ولرسوله ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وإنما كان كذلك لمحبة الله عز وجل للعدل وكراهته للظلم، والربا ظلم، ولكن لما كان ظلمًا تدعو النفوس إليه دعوة قوية؛ لأنه لا يأتي عَنوة، الظلم عنوة لا يقدم الظالم عليه إلا بعد أن يحسب ألف حساب، وسيجد من يمنعه ويصادمه، لكن هذا يأتي باختيار، باختيار منين؟
* طالب: من المحتاج.
* الشيخ: من المرابي من كلا الرجلين، آكل الربا وموكله، يأتي من هذا ومن هذا؛ لأن موكل الربا محتاج، ولولا أنه محتاج ما اختار لنفسه أن يُغلب، وآكل الربا ظالم معتدي ليس فيه قلبه رحمه، ولهذا نجد الآن أولئك القوم الذين يتحيلون على الربا بما يسمونه المداينة نجدهم كلما كان المستدين أفقر كان غُرمه أكثر، هذا هو الواقع، يجي إليهم الإنسان الذي يعرفون أنه سيوفي يقول: تعالَ بندينك العشر إحدى عشر؛ يعني المئة بكم؟
* الطلبة: بمئة وعشرة.
* الشيخ: مئة وعشرة، يجيهم الإنسان الفقير اللي يعرفون أنه ما يوفي إلا بعد سنتين أو ثلاثة إلا أن يموت له قريب غني، ومتى يموت له قريب غني؟! أو إن كان هو طماع يزوج بنته ويأخذ مهرها. على كل حال إذا جاءهم الفقير يعطونه العشر خمسة عشر أو أكثر، يا بن الحلال لأيش؟! قال: لأن الأول دسم وهذا هزيل، الأول دسم وأيش معنى دسم؟
* الطلبة: غني.
* الشيخ: يعني غني يمكن الآن أعوزته الدراهم وبيوفي، لكن ذا هزيل اركع له، هل هذه المعاملة معاملة رحمة ولّا معاملة قسوة؟
* الطلبة: معاملة قسوة.
* الشيخ: معاملة قسوة، لو كان بهم رحمة لكان الفقير أقرب إلى أن يُنزَّل عنه من الغليبة صح ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ومع ذلك يمسحون دموع التماسيح يقول: والله إحنا نرحم الناس يجينا إنسان فقير يبى يتزوج ولّا يبى يبني بيت نرحمه نعطيه، وأيش نسوي؟! لو ما نعطيه قعد ما تزوج ولا قعد بلا بيت، طيب كم أعطيته؟ قال: أعطيته العشرة بخمسة عشرة، لماذا؟ قال: لأنه بيبطي ما يوفي، وذاك الثاني الإنسان اللي فيه دسم على ما يقولون يُعطى العشر إحدى عشر.
إذن أنا أريد بهذه الأمثلة أن أخلص إلى أن الربا مبناه أيش؟
* الطلبة: الظلم.
* الشيخ: الظلم، مبناه الظلم، ولهذا كانت من حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن جعل هؤلاء المرابين معلنين للحرب على الله ورسوله، يعلنونها أمام الناس ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
هل باب التوبة مغلق؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا والله ما هو مغلق، ولا يُغلق من أرحم الراحمين ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] مهما عملت من ذنب فاعلم أن أمامك من يفرح بتوبتك «لَلَّهُ بِتَوْبَتِهِ أَفْرَحُ أَوْ أَشَدُّ فَرَحًا مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي أَضَاعَ نَاقَتَهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ وَجَدَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٤ / ٣) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] ».
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
ما معنى قوله: ﴿ذَرُوا﴾؟ اتركوا. كيف يقول اتركوا ما بقي ولم يقل: اتركوا الرِّبا؟
* الطالب: لأنه ربما يكون قد عقدوا على الربا فيأمرهم بأن يتركوا هذا الربا.
* الشيخ: حتى ما عُقِد عليه. يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ما نوع هذا العطف؟
* طالب: لأن من تقوى الله ترك الربا.
* الشيخ: أحسنت هو عطف الخاص على العام (...) والاعتناء به.
* الطالب: (...)
* الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه جملة شرطية أين جوابها؟ عند النحويين؟ أظن قرأنا هذا؟ ما ناقشناه طيب هذا المشهور عند النحويين، فيه رأي آخر؟ من يعرف؟ فيه رأي آخر.
* الطالب: لأن مثل هذا لا يحتاج إلى جواب
* الشيخ: أحسنت؛ لأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب ما دام قد ذُكر مضمونه فلا حاجة إلى تقديره، وهذا هو الذي يميل إليه ابن القيم رحمه الله بأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن مضمونه قد سبق، فلا حاجة أن نقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ما حاجة، نقول: لأن مضمون الجواب قد سبق فلا حاجة إليه.
إذا قال قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾؟
* طالب: ﴿فَآذِنُوا﴾
* الشيخ: ما معناها؟
* الطالب: أعْلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله.
* الشيخ: أعلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله أحسنت. و﴿فَأْذَنُوا﴾؟
* الطالب: فاعلموا.
* الشيخ: فاعلموا، طيب وأيش معنى فاعلموا بحرب (...) بأنفسكم. يؤخذ من مجموع القراءتين؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: يعني اعلموا وأعلموا غيركم بذلك كذا؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: طيب هذا على قراءة ائذنوا يعني اعلموا أنكم محاربون الله ورسوله هذا على قراءة ائذنوا على قراءة: ﴿آذِنُوا﴾ اللي يؤخذ من مجموع القراءتين؟
* طالب: اعلموا أنتم بأنفسكم.
* الشيخ: يعني اعلموا أنتم بأنفسكم وأعلموا غيركم أيضًا، وهذا أشد، هذا أشد إن الإنسان يَعلَم ويُعلّم.
إذا قال قائل: هل آذن هؤلاء الرِّبويون آذنوا غيرهم بأنهم محاربون؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: طيب إذا قال قائل: هم محاربون لله. ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إذا قال قائل: إيذانهم بحرب من الله واضح، لكن كيف يأذنون بحرب من رسول الله ﷺ وهو قد مات؟ فالجواب: أن هذا محاربة شريعته، محاربة شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ومحاربة شريعة الرسول محاربة له كما أن نصر شريعة الرسول نصر له.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿تُبْتُمْ﴾ أي رجعتم إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته، والتوبة نوعان؛ توبة مطلقة، وتوبة مقيدة، وإن شئت فقل: عامة وخاصة، توبة عامة من جميع الذنوب بحيث يكون الإنسان محافظًا على أوامر الله وترك نواهيه، وهذه هي التوبة الْمُطلقة ما هي مطلق توبة، توبة مطلقة تامة يستحق بها التائب أن يُلحق بالتوابين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] وعلى هذا أن يكون الإنسان تائبًا من كل ذنب، لا يصر على ذنب، هذه التوبة المطلقة، ومنها قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ إلى آخره [التوبة: ١١٢].
النوع الثاني: توبة مقيدة أو خاصة، وهي التوبة من ذنب خاص معين، فهذه تصح وتُعتبر، ويقبل منه أن يتوب إلى الله تعالى من هذا الذنب المعين وإن كان مُصرًّا على غيره، فالتائب من الربا تصح توبته وإن كان يشرب الخمر مثلًا، والتائب من شرب الخمر تصح توبته وإن كان يتعامل بالربا، هذه توبة خاصة، لكن لا يستحق التائب هنا أن يلتحق بذوي الوصف المطلق بالتوبة فيقال: إنه من التائبين؛ لأنه لا يمكن أن نُطلق عليه التوبة أنه من التائبين وهو مُصرّ على معصية، لكن توبته من الذنب المعيّن مقبولة؛ لأن هذا هو مقتضى العدل؛ عدل الله عز وجل، وذهب بعض أهل العلم إلى أن التوبة لا تُقبل من ذنب مع الإصرار على غيره، بل لا بد أن يعمل عملًا صالحًا في كل عبادته، وقال آخرون: لا تُقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على جنسه، ما هو على غيره، فالتوبة مثلًا من النظر للنساء الأجنبيات لا تُقبل إذا كان يتحدث إليهن؛ لأن الكل من جنس واحد، وإن كان النوع مختلفًا هذا حديث وهذا نظر، لكن الجنس واحد يعود إلى شهوة الفرج، ولا تقبل توبة الإنسان الذي يشرب الخمر مع الإصرار على بيع الخمر؛ يعني لا تصح توبته من شرب الخمر مع الإصرار على أيش؟
* الطلبة: على بيع الخمر.
* الشيخ: على بيع الخمر؛ لأن الجنس واحد، وهذا قول له وجه، لكن أقرب الأقوال عندي القول الأول أنها تصح التوبة من الذنب بعينه، ولو مع الإصرار على غيره؛ لأن هذا هو مقتضى العدل ومقتضى قول الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]] » والمسألة كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: لها غور، يعني لها غور بعيد؛ لأن التوبة الحقيقية وهي الرجوع إلى الله عز وجل لا تكون مع الإصرار على الذنوب أبدًا؛ لأن ما يقوم بقلب التائب من تعظيم الله عز وجل والخوف منه يمنعه أن يمارس شيئًا من الذنوب، لكنها توبة قاصرة ناقصة التوبة من ذنب معيّن خاصة.
ثم إن التوبة لها شروط، شروط خمسة يعدها علينا؟ (...) الندم على ما فعل طيب كل هذه الشروط واضحة؛ الإخلاص بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد من الخلق، أو مراعاة شيء من الدنيا.
الثاني: الإقلاع عن الذنب، فإن لم يُقلع فهو كاذب، كيف يقول: أتوب إلى الله تعالى من الربا وهو يرابي؟ هذا كاذب.
ثالث: الندم على ما وقع منه، الندم أن الإنسان يشعر بندم وحزن وأسى، فإن قلت: الندم انفعال وليس بفعل فكيف يُكلف الإنسان به؟ فالجواب: أن الانفعالات النفسية يحدثها التفكيرات العقلية، أليست المحبة والبغضاء انفعالًا؟ ومع ذلك يمكن للإنسان أن يحب الشيء إذا ردّد نتائجه وثمراته بفكره أحبه، والبغضاء كذلك يمكن إذا فكّر ونظر في النتائج والعواقب السيئة كره الشيء، كذلك هذا إذا فكر في عواقب الذنوب وآثارها السيئة حصل منه أيش؟
* الطلبة: ندم.
* الشيخ: ندم وأسف وحزن على ما مضى.
الرابع: العزم على أن لا يعود، وانتبه لقولك: العزم على أن لا يعود دون أن تقول أن لا يعود؛ لأن بينهما فرقًا عظيمًا؛ العزم على أن لا يعود معناه لو عاد فيما بعد غلبته نفسه وعاد فإن توبته السابقة لا تبطل، لكن لو قلت: الشرط الرابع أن لا يعود لكان إذا عاد بطلت توبته، والأمر ليس كذلك.
الخامس: أن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] هذا ما له توبة، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام بل لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] وبعض الآيات هنا المراد به طلوع الشمس من مغربها.
* الطالب: (...)
* الشيخ: نعم، وهو؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: يدخل في الإقلاع.
* الطالب: يقلع (...)
* الشيخ: ما يمكن ما أقلع حتى يعطي صاحبه.
* الطالب: الأصل إذا كان أقلع (...)
* الشيخ: طيب ما يحتاج، الإقلاع بالمعنى الحقيقي، لا إقلاع مع إصرار. هذه خمسة شروط للتوبة، بالنسبة للربا التوبة منه تنطبق على هذا، لا بد أن توجد فيها هذه الشروط الخمسة. ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ رؤوس جمع رأس، والرأس هنا بمعنى الأصل؛ يعني لكم أصول الأموال، وأما الربا فليس لكم، الربا ليس لكم.
ثم علل الله عز وجل هذا الحكم بقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ لأنكم لم تأخذوا الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ لأنها لم تُنقص رؤوس أموالكم.
فلا يقول قائل: إن المرابي يجب أن يُعذَّر بأن يؤخذ من رأس ماله بمقدار ما أَخذ من أيش؟
* الطلبة: من الربا.
* الشيخ: من الربا، فمثلًا إذا كان أخذ العشر اثني عشر نقول: ننقص رأس ماله عشرة ننقص عشرة إلى ثمانية وشيء؛ لأن نسبة اثنين لاثني عشر ما هي نسبة الاثنين للثمانية أو العشرة.
على كل حال لا نقول هذا ولا هذا، لا يَظلم غيره بأخذ الربا ولا يُظلم بأن ينقص شيء من رأس ماله لتجرئه على الربا، وهذا تمام العدل.
طيب إذا كان له رأس المال لا يظلم ولا يظلم فأين يكون الربا؟ هل يبقى عند المرابي أو يؤخذ منه ويجعل في بيت المال؟ الآية الكريمة يقول الله فيها: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ فالمرابي لا يستحق الآن إلا رأس ماله فقط، بقينا في المأخوذ منه الربا إن أبقينا له الربا معناه أنه كسب، كسب مرتين، مرة بوجود المال عنده كل هذه المدة ينتفع به، والمرة الثانية ببقاء هذا الربح عنده، نرجع إلى القواعد الشرعية فنقول: هذا الربح قد أعطاه المأخوذ منه باختياره، والتزمه باختياره، ولكن لما كان هذا التزامًا غير شرعي قلنا: إننا نأخذه منك ونجعله في بيت المال، كما نقول في مهر البغي وحُلوان الكاهن، نعم لو فُرض أن المرْبي الذي أخذ منه الربا قد بذل الربا كرهًا بأن قال له عند حلول الأجل: إما أن تقضيني وإما أن تزيد وتُربي، فأربى من أجل أن يبقى الدين في ذمته لأنه معسر، فهذا نقول: له الربا، ولا يؤخذ منه شيء.
يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ لأن الجبرية يقولون: إن الإنسان لا يستطيع الفعل؛ لأنه مجبر، ولا التَّرْك؛ لأنه مجبر، وعلى رأيهم يكون تعطيل الأمر والنهي، يكون الأمر والنهي معطلًا؛ لأن الإنسان ما يقدر يفعل ما أُمر به ولا يترك ما نُهي عنه، وهذا حقيقة تعطيل الأمر والنهي، والبحث في هذا والرد عليهم ومناقشتهم معروف في التوحيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصر على الربا معلن الحرب على الله ورسوله لقوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان معلنًا الحرب على الله ورسوله فهو معلن الحرب على أولياء الله ورسوله، من هم؟ المؤمنون؛ لأن كل مؤمن يجب أن ينتصر لله ورسوله، وكل حرب على الله ورسوله فهي حرب على المؤمنين؛ لأن هؤلاء المؤمنين هم حزب الله عز وجل، وحينئذٍ يكون المرابي معلنًا الحرب على الله ورسوله والمؤمنين، أما على الله ورسوله فدلالة ذلك عليه دلالة المطابقة، وعلى المؤمنين دلالة التزام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم الربا، وأنا لا أذكر أن شيئًا من الذنوب صار بهذه المنزلة، تذكرون شيئًا؟
* طالب: الشرك.
* الشيخ: لكن الشرك صحيح ذُكر لكن ما ذُكِر بهذه الصيغة ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ شوف النبي عليه الصلاة والسلام لما قال:
«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟». قَالُوا: بَلَي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧ / ١٤٣) من حديث أبي بَكْرة نفيع بن الحارث، واللفظ للبخاري.]] لأنها تتعلق بالآدميين، والنفس مجبولة على العدوان على غيرها إلا من عصم الله، فلهذا جاء مثل هذا الوعيد العظيم في آكل الربا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على كل من تاب إلى الله عز وجل من الربا أن لا يأخذ شيئًا مما استفاده بالربا لقوله: ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رأس المال لأي غرض كان سواء أخذته لتتصدق به، أو لتبذله في المنافع العامة، أو لتتقي به كما يقال أن يُصرف هذا في كنائس أو في أسلحة ضد المسلمين أو ما أشبه ذلك، المهم أنك إذا كنت صادقًا في التوبة فلا تأخذ أكثر من رأس المال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الحكمة في تحريم الربا، وهي: الظلم لقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
فإن قلت: في بعض صور الربا لا ظلم، قلنا: إن العِلّة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها، فإن الحكم لا يتخصص بفقدها، أو لا ينتفي بفقدها، صحيح أنه يوجد في بعض الصور صور الربا ما ليس فيه ظلم كما لو اشترى الإنسان صاع بُر طيب بصاعي بُر رديء يساويه في القيمة، فهنا فيه ظلم ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما فيه ظلم، ما فيه ظلم أبدًا، ولهذا لا تجد أحدهما يقول: أنا صابر على الظلم؛ لأنه ما فيه ظلم، لكن محمدًا ﷺ رسول الله الذي جاء بهذا القرآن قال لما أُخبر بمثل هذه الصورة قال: «أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤ / ٩٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] » فدل هذا على أن تخلف الظلم في بعض الصور لا يخرجها عن حُكم الرِّبا الحكم العام؛ لأن هذه العلة منتشرة لا يمكن ضبطها، وقد يرضى الفقير بأن يُعطى مئة درهم بمئة وعشرين، ويقول: أنا راضٍ بهذا؛ لأنني سوف أنتفع بهذه الدراهم من الآن وهذاك سوف يُحجب نفعها من الآن، فأنا مُنتفع في بمقابل الزيادة، وذاك محجوب عنه النفع أيضًا في مقابل الزيادة التي أُعطيها فلا ظلم، أنا انتفعت بالمال وزاد عليَّ كمية وذاك حجب انتفاع المال وزِيد له.
* طالب: كالبنوك.
* الشيخ: كالبنوك وغير البنوك، المهم أننا نقول: إن مثل هذه العِلَّة لما كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يكون أيش؟ يكون فيها عامًّا، وهذا له أمثلة كثيرة ودائمًا نجد في كلام أهل العلم مثل هذا التعليل: إن العلة إذا كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يعُمّ ولا ينظر للعلة، علّة القصر في السفر والفطر في السفر المشقّة، لكن إذا كان الإنسان يسافر بالطائرة ما فيه علّة، ما فيه مشقة إطلاقا، هل نقول لا يفطر؟ لا، هل نقول لا يَقصر؟ لا، بِناء على هذا الذي أشرنا إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾.
* ومن فوائدها: رحمة الله تعالى بالعباد حيث أرسل إليهم الرسل، وذلك لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما ينفعها ويضرها على وجه التفصيل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: العقول تعرف ما ينفعها ويضرها على سبيل الجملة، لكن على سبيل التفصيل لا تعرف لقصورها ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل، فكان في هذا رحمة عظيمة للخلق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم لقوله: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نعم، نقول: يتصدق بها تخلصًا منها لا تقربًا بها فينويها لمن؟
* الطلبة: لصاحبها.
* الشيخ: لصاحبها، والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيُخيِّره يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي فالأجر للمتصدِّق، إن قال: أريد أجره فأجره له قد نُوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* الطالب: اختلاط المالين المحرم والحلال هل يصلح أن (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلًا بُرّ وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضها على بعض، أما إذا كان ما يمكن فلا طريق لاجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (كان) المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرًا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: (كان) هذه تامة، وإذا كانت تامة فإنها تكتفي بمرفوعها قال ابن مالك في الألفية:
........................... ∗∗∗ وَذُو تَمَــــامٍ مَــــا بِرَفْــــعٍيَكْتَفِــــــــــــــــي؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِص............. ∗∗∗ ...........................
وذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي، هذه تامة، وعلى هذا نقول: (كان) فعل ماضٍ، و(ذو) فاعل رُفع بالواو؛ لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ و﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فيكف نُقدّر هذا الخبر؟ نُقدّر فعليكم ولَّا فله؟
* طالب: فعليكم.
* الشيخ: أو فالواجب عليكم نَظِرة، أو فعليكم نَظِرة، أو فله نَظِرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب عليَّ أن أوفيه حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبدأ بالإعراب قبل الشرح، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه (أن) المصدرية فيُحوّل إلى مصدر، ويكون التقدير: تَصدُّقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة الشرطية نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني إن وُجد ذو عسرة، أي صاحب عُسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الرِّبا، الربا محرم فما الذي بقي؟ الإنظار والإبراء؛ يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نَظِرة بمعنى إنظار؛ يعني عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يُوسِر بسنة، قد يُوسر بسنتين بثلاث، قد لا يُوسر أبدًا، فيقال: يُفرّق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئًا على شخص فقير وقلت: إلى ميسرة فالمعروف عند أكثر أهل أكثر العلم أن ذلك ليس بصحيح، لماذا؟ لأنها مجهولة، مجهول، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الغرر، لكن لو أنك بِعت عليه ثم تبين إعساره فالواجب أيش؟
* الطلبة: إنظاره.
* الشيخ: إنظاره إلى ميسرة إن لم تختر الفسخ، إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تخترِ الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه مُعسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن أن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك والله ما عندي شيء لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ لِتَشْتَرِيَ ثَوْبَيْنِ إِلَى مَيْسَرَةٍ[[أخرجه الترمذي في جامعه (١٢١٣) من حديث عائشة.]] » فهذا يدل على أن مثل هذا جائز.
* طالب: (...) مراده إذا أخذ فائدة الربا بيعطيه مثل ما أخذ؟
* الشيخ: أبدًا ما هو جائز.
* الطالب: يعني يتقاس على البنوك (...)؟
* طالب: شيخ، (...)
* الشيخ: المهم أن هذا موجه إلى شيء معين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وأما الآية اللي في الفاتحة فلا شك أن الإنسان محتاج إلى الهداية في كل حين حتى في نفس العمل محتاج للهداية.
* الطالب: يعني ما يخالف (...)؟
* الشيخ: ما أظن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا يحتاج إلى أن يُنظر في ديونه، فإذا كانت ديونه أكثر من موجوداته فإنه يُحجر عليه، وإذا حُجر عليه يُباع ماله ويُوزع على الغرماء بالقسط.
* الطالب: فائدة من قول الله تعالى: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] » هل تضاف هذه للآية؟
* الشيخ: إي نعم، هذه تضاف إلى الآية صح.
* الطالب: فيه فائدة.. فائدة أخرى أن حرف (...)
* طالب: إذا تاب المرابي، هل يرد كل الربا الذي مضى سابقًا أو نفس العقد اللي تم الآن بين المرابي والمرابى له؟
* الشيخ: لا، الواجب يعيد كل ما أخذ.
* الطالب: حتى السابق.
* الشيخ: حتى السابق.
* الطالب: إذا كان لا يعلم؟
* الشيخ: إذا كان لا يعلم فقد نقول إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ كما عَلِم له ما سلف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يجب على المسلمين أن يعطوه.
* الطالب: إذا ما وجدوا؟
* الشيخ: ما وجدوا؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: له أن يأخذ من ماله يلتزم بذلك ولا يوفيه، يعني ما يوفيه الربا قصدي الزائد الأصل لازم أن يوفي.
* الطالب: يا شيخ، إنسان موظف في البنك ويتعامل في الربا ثم دعاني للطعام عنده (...) هل أرد دعوته أم لا (...) دعاني إلى وليمة هل أرده أم أجيبه؟
* الشيخ: إي نعم، فهمتم السؤال؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول: هل تجوز إجابة دعوة المرابي أو لا؟ هذه الخلاصة فما تقولون؟ ما هو؟
* طالب: المراد (...).
* الشيخ: أبدًا دعاني (...) عنده خبز ولحم وأشياء زينة ما بأروح (...) ولا أدعيه أبدًا (...)
المحرم لكسبه إثمه على الكاسب، وعلى هذا فلا إثم عليك أنت حتى لو أجبته، ثم إن هذا المرابي لا بد له أن له أصلًا، أن لماله أصلًا ولَّا لا؟ لا بد أن لماله أصلًا، ما هو بالربا على طول بيمشي عليه يكون عنده مثلًا مئة ريال بدأ يشتغل فيها بها بالربا وزادت، فلماله أصل، وهذا الربا حصل من المال المباح ومن العمل المحرم من المال المباح ومن العمل المحرم، وقد ذكر بعض العلماء أن الغاصب إذا اتجر بالمغصوب فليس الربح كله لرب المال بل يُعطى الغاصب إذا تاب ما يكون مقابل عمله. على كل حال إجابة دعوة المرابي نقول: جائزة، والأولى تركها، لكن إن أفضت إجابته إلى محظور فإنه تحرم إجابته من هذه الناحية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (كان) هنا فيها إشكال، ما هو الإشكال؟
* طالب: من حيث (...)
* الشيخ: من حيث العربية؛ يعني من حيث الإعراب فيها إشكال.
* الطالب: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ هذه كان تُسمى كان التامة لا تحتاج لاسم.
* الشيخ: إي نعم، الإشكال أننا لم نجد خبرها.
* الطالب: فتسمى التامة.
* الشيخ: فنقول هذه تامة، ما معناها إذا كانت تامة؟
* الطالب: تكتفي بالاسم.
* الشيخ: تكتفي بالفاعل.
* الطالب: أيوه بالفاعل.
* الشيخ: لكن وأيش معناها ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي إن وُجد ذو عسرة طيب. أين جواب الشرط في ﴿إِنْ كَانَ﴾؟
* الطالب: جواب الشرط ﴿فَنَظِرَةٌ﴾
* الشيخ: جملة ولّا مفرد؟
* الطالب: لا، جملة.
* الشيخ: جملة، لماذا ارتبطت بالفاء؟
* الطالب: لأنها (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: جملة اسمية.
* الشيخ: لأنها جملة اسمية. طيب ما هي الجمل التي يجب أن تقترن بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟
* الطالب: وَبِجَامِدِ وبقد وبالتنفيس
* الشيخ: أعد البيت
* الطالب:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
* الشيخ: سبع هي سبع
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
كذا؟ قوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذه أيش نوعها مفرد ولّا جملة ولّا؟ هل هي جملة ولّا مفرد هذا السؤال ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟
* الطالب: جملة.
* الشيخ: جملة، مُكونة من؟
* الطالب: فعل وفاعل.
* الشيخ: لا. جملة اسمية مكونة من؟
* الطالب: حرف وفعل.
* الشيخ: حرف وفعل؟
* طالب: من مبتدأ وخبر.
* الشيخ: من مبتدأ وخبر، أين المبتدأ؟
* الطالب: المصدر.
* الشيخ: المصدر المنسبك من أن والفعل، والتقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: تصدقكم خير لكم تمام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه جملة شرطية وين جوابها؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، بجواب شرط ذلك مفعول به.
* طالب: (...).
* الشيخ: إن كنتم تعلمون ذلك فافعلوا أو فتصدقوا، كذا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم؛ لقوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها، أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق بها تخلصا منها لا تقربها بها، فينويها لمن؟ لصاحبها والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيخيره، يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي، فالأجر للمتصدق، إن قال: أريد أجره، فأجره له قد نوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* طالب: (...) اختلاط المالين (...) رأس المال الحلال (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني: يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلا بر وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلاط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضه على بعض، أما إذا ما يمكن فلا طريق إلى اجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ كان المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: كان هذه تامة، وإذا كانت تامة، فإنها تكتفي بمرفوعها، قال ابن مالك في الألفية:
....................... ∗∗∗ وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي ؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ........ ∗∗∗ ..................... وذو تمام ما برفع يكتفي هذه تامة، وعلى هذا نقول: كان فعل ماض وذو فاعل، رفعت بالواو لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية، والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فكيف نقدر هذا الخبر؟ نقدر فعليكم ولَّا فله؟ أو فالواجب؟ نعم، فالواجب عليكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فله نظرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب علي أن أوفية حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبتديء بالإعراب قبل الشرح، طيب ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه أن المصدرية فيحول إلى مصدر، ويكون التقدير: تصدقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة شرطية، نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٧٨]
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي: تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: إن وجد ذو عسرة، أي صاحب عسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الربا، الربا محرم، فما الذي بقي؟ الإنظار، والإبراء يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار، وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نظرة في معنى إنظار، يعني: عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يوسر بسنة، قد يوسر بسنتين بثلاث، قد لا يوسر أبدًا، فيقال: يفرق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئا على شخص فقير، وقلت: إلى ميسرة، فالمعروف عند أهل أكثر العلم (...) فالواجب أيش؟ إنظاره إلى ميسرة، إن لم تختر الفسخ إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تختر الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة، فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه معسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك، والله ما عندي شيء، لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها:« أن رجلا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت له عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: إنّ فلانًا قَدِمَ له بزٌّ منَ الشّامِ فلو أرسلْتَ إليه لتشتريَ ثوبيْنِ إلى مَيْسَرة »[[أخرجه الترمذي (١٢١٣) من حديث عائشة.]]، فهذا يدل على أن مثل هذا جائز، على كل حال هذا إن شاء الله يأتي في الفوائد.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وفي قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بالضم، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا، عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسر يزاد عليه في الدين، أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة، لكن هذا هو الواقع؛ لأنه مادام معسرا فسبب الإنظار موجود أو فسبب وجوب الإنظار موجود، فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء، يعني: أن تعفوا عن الدين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ بإبراء المدين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أمهل حتى يوسر، ومعلوم أن الأول أولى وأرفق بالمدين وهو الإبراء، وإنما كان خيرا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليما من الدين خير من إنظاره مع بقاء الدين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدا، أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم، فإن لم نكن نعلم فليس خيرا لنا، ولاشك أن هذا معنى فاسد لا يراد بالآية، لكن المعنى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا أي: تصدقوا، والمراد بالجملة هنا أيش؟ الحث والإغراء؛ لأن كل ذي علم عاقل فلابد أن يختار ما هو خير، فلابد أن يكون يختار ما هو خير.
في هذه الآية فوائد منها: ثبوت رحمة الله عز وجل، وجه ذلك: أنه أوجب على عباده إنظار المعسر، وهذا رحمة بمن؟ بالمعسر، ففيه إثبات رحمة الله عز وجل التي منها أنه ألزم من له الدين أن ينظر المعسر.
ومنها: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس إلى موسر ومعسر، من الموسر في هذه الآية؟ الدائن، والمعسر المدين، وحكمة الله عز وجل هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها أبدا؛ ولذلك بدأ الشيوعيون الذي يريدون أن يساووا الناس بدؤوا يتراجعون الآن، بدؤوا يتراجعون؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الاختلاف، قال الله عز وجل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢] لولا هذا الرفع، هل يمكن أن يسخر لنا أحد يعمل لنا ما نريد؟ أبدا، تجيء للعامل تقول: تعال اعمل عندي، وبأعطيك فلوس، وأيش يقول؟ يقول (...) ما أنا بعامل، أنت تعمل عندي. تجد التاجر تقول له مثلا: أورد لي التجارة وأعطيك كذا وكذا، وأيش يقول؟ يقول اللي عندك عندي.. (...) وأنت ورد لي. وهكذا، فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله عز وجل وشرعه من التفاوت بينهم، هذا معسر وهذا موسر حتى يتبين بذلك حكمة الله عز وجل وتقوم أحوال العباد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إنظار المعسر يعني إمهاله، وجوب إنظار المعسر؛ لقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾.
ومنها أي من فوائد الآية: وجوب إمتداد إنظاره إلى الميسرة، لا إلى شهر ولا إلى سنة، وإلا إلى أسبوع إلى الميسرة، طيب وإن طالت مدة الميسرة؟ وإن طالت نعم.
* ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كيف ذلك؟ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمرًا إلى أن تزول العلة وهي العسرة حتى يجوز مطالبته، وفي عكس ذلك ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]] الغني يحرم عليه المماطلة، والدائن تحرم عليه المطالبة إذا كان المدين معسرا، لو أن الناس مشوا على تقوى الله عز وجل في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل، لكن نجد الغني يماطل، الدراهم عنده في الدرج أو في الصندوق، يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي. يقول: بكرة. يجيئهم بكرة، يقول: بعد بكرة، وهكذا، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[سبق تخريجه.]]، ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا ينظرون المعسر ولا يرحمونه، يقول: أعطني وإلا فالحبس، ويحبس فعلا، وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، لا يجوز أن يحبس، بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر، يعزر الدائن، لماذا؟ لأن طلبه مع الإعسار معصية، والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإبراء، فضيلة الإبراء من الدين؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإبراء سنة و الإنظار واجب، وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أليس كذلك؟ السنة الآن أفضل من الواجب بنص القرآن، وحينئذ يرد علينا إشكال وهو كيف نجمع بين مدلول القرآن الكريم هنا وبين قوله الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] فإن هذا يقتضي أن الفرائض أفضل من النوافل، أليس كذلك؟ وهذا لاشك فيه أن الفرائض أفضل من النوافل، وإن كان الجهلة منا والسفهاء يعتنون بالنوافل أكثر مما يعتنون بالفرائض، تجده في صلاة نافلة خاشعا يتدبر ما يقول وما يفعل، وفي صلاة الفريضة على العكس ينظر إلى الساعة تارة، وإلى القلم تارة، ويذكر شيئا نسيه فيخرج القلم يكتب براحته حتى لا ينسى، وفي النفل تجده خاشعا متدبرا ما يقوله ويفعل، وهذا لاشك أنه من جهلنا، وإلا فالعناية بالفرائض أولى من العناية بالنوافل، المهم كيف نجمع بين مدلول هذه الآية الكريمة وبين ما دل عليه الحديث القدسي؟ الجواب أن الجمع بينهما هو أنه إذا كان النفل شاملًا للواجب، شاملًا للواجب يعني يتضمن الواجب فهو أفضل؛ لأنه صار واجبا وزيادة، صار واجبا وزيادة عرفتم؟ طيب، الإبراء يتضمن الإنظار ولَّا لا؟ إي نعم، فيه إنظار وزيادة، أليس كذلك؟ فيه إنظار وزيادة، إذن فنقول إنما كان أفضل؛ لأنه مشتمل على الواجب وزيادة، ونظير ذلك ما قاله بعض العلماء: الوضوء ثلاثا سنة والوضوء مرة واجب، والثلاث أفضل من الواجب، كيف الثلاث أفضل من الواجب، وهي سنة والواجب فريضة؟ الجواب: لأن هذه السنة متضمنة للواجب، فهي واجب وزيادة، قالوا أيضا: ابتداء السلام سنة ورده فرض، والابتداء أفضل من الرد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧) ومسلم (٦٢٣٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري.]]، كيف هذا؟ والحديث: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[سبق تخريجه.]]. قالوا: نعم؛ لأن هذا الرد مبني على الابتداء، فصار الابتداء مشروعا لذاته ولغيره، لولا الابتداء ما حصل الرد، فلما كان الرد مبنيا على الابتداء صار الابتداء هنا أفضل؛ لأنه صار سببًا وذاتًا، فهو سلام ابتدائي وسبب لواجب فأعطي فضيلة الواجب؛ لأنه سببه، وفضيلة الابتداء؛ لأنه الابتداء، عرفتم؟
من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال، كيف؟ لقوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وتفاضل الأعمال يقتضي تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض، وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية، أن العمال يختلفون ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٥] ولَّا يستوون؟ لا يستوون، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، يتفرع على ذلك عندنا الآن من الآية الكريمة نأخذ تفاضل الأعمال يتفرع عليه: تفاضل العامل، يتفرع على ذلك: تفاضل الإيمان، تفاضل الإيمان، كيف ذلك؟ لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، هل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئه من الزكاة؟ انتبهوا يعني إنسان عليه مائة ريال زكاة، يطلب شخصا فقيرا مائة ريال: وقال: أبرأت هذا الفقير، أبرأته عن زكاتي، هل تجزئه أو لا؟ نشوف من الآية، هل تقولون إن الآية تدل على إجزاء إبراء الفقير عن الزكاة؟ لو قال قائل نعم الآية تدل على أنه يجزئ لأن الله سمى الإبراء صدقة وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] فإذا كان الإبراء صدقة، وأبرأت الفقير فقد أديت الزكاة، ولكن الصحيح أنه لا يجزئ، الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ، كيف؟ لأن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢٦٧] وجعل الدين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب، والمراد بالخبيث هنا الرديء ما هو الحرام، أليس كذلك؟ لأن العين ملك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء، والدين الذي على معسر مال تالف في الواقع، مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار ولَّا زواله؟ الأصل بقاء الإعسار، وحينئذ يكون هذا الدين بمنزلة المال التالف، فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا لا يجزئ بلا نزاع، بلا نزاع لا يجزئ، ولو قلنا يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأته ونويتها من الزكاة فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة، هذا لا يمكن؛ ولهذا لو خيرت شخصا فقلت: أنا أعطيك عشرة ريالات أو أحولك على إنسان فقير بالعشرة، وأيش يختار؟
* طلبة: العشرة.
* الشيخ: تعطيني عشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الله يهديكم تأملوا؟ قلت لإنسان: أنا باعطيك عشرة ريالات نقدا ولَّا باحولك على إنسان فقير، وأيش يأخذ؟
* الطلبة:العشرة.
* الشيخ: العشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ولا يتردد؟
* الطلبة: ولا يتردد.
* الشيخ: ولا يتردد، إذن صارت العشرة بالنسبة للدين من باب الطيب، وذاك من باب الرديء، لو أردت أن تعطي شخصا شاة سمينة صحيحة، وتعطيه شاة هزيلة مريضة، أيٍّ اللي يختار؟ الأول، هذا نفس الشيء، إذن نقول لا يجوز إبراء الفقير واحتساب ذلك من الزكاة، نعم، لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن دين، زكاة عن دين، إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدين فهذا ربما نقول إن هذا صحيح؛ لأن هذا الدين الذي أبرأت صار من جنس المال الذي زكيت به عنه.
البقرة 2:278
.. والحساب لهلك ما بقي عنده شيء؛ لأن نِعمة واحدة من نعم الله تحيط بكل الأعمال، أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسِر يُزاد عليه في الدَّين أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة لكن هذا هو الواقع؛ لأنه ما دام معسرًا فسبب الإنظار موجود، أو فسبب وجوب الإنظار موجود فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء يعني أن تعفوا عن الدَّين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُو﴾ بماذا؟ بإبراء المدِين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أُمهل حتى يُوسر، ومعلوم أن الأول أوْلى وأرفق بالمدِين وهو الإبراء، وإنما كان خيرًا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدِين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليمًا من الدَّين خير من إنظاره مع بقاء الدَّين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مُستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدًا، أوهم أن التصدُّق خير لنا إن كنا نعلم فإن لم نكن نعلم فليس خيرًا لنا، ولا شك أن هذا معنى فاسد لا يُراد بالآية، لكن المعنى (...)
* ومن فوائدها: كمال نعيم هؤلاء في الجنة لقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، لا خوف مما يستقبل ولا حزن على ما مضى.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء السادة الكرام إنما بنوا عملهم على عقيدة وهي الإيمان ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولهذا كلما تحقق الإيمان في قلب العبد صلحت أعماله، أو صارت أعماله أصلح، وكلما ضعف الإيمان في قلب العبد صارت أعماله أسوأ، ولو أننا انتبهنا لهذا وجعلنا الأعمال الصالحة مقاييس لما في قلوبنا لحصلنا خيرًا كثيرًا، إذا قلنا: أعمالنا الآن ما مدى صلاحها؟ هل هي على أكمل شيء أو لا؟ إن كانت على أكمل شيء بقدر المستطاع فهو دليل على أن قلوبنا فيها إيمان، هذا كمال الإيمان، وإن كان فيها نقص فالإيمان في القلب ناقص، بدل من أنك تذهب تتأمل في قلبك وتفكر عندك ميزان ظاهر وهو العمل كلما أكملته فإيمانك أكمل، وكلما ضعف فإيمانك ضعيف، ويشهد لهذا الميزان قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] » ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قلنا: إنها من باب الصفات أيش؟
* الطلبة: السلبية.
* الشيخ: السلبية، والصفات السلبية تكون لكمال ضدها، إذن أهل الجنة في غاية ما يكون من كمال النعيم لا يحزنون على شيء مضى، ولا يخافون من شيء مستقبل، نعيم الدنيا وأيش يكون فيه؟
* الطلبة: على العكس.
* الشيخ: على العكس، محفوف بحزن على ما سبق وخوف مما يلحق، فقارن بين النعيمين وما هي إلا ساعة ثم تنقضي.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٧] ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟
* الطالب: أن القرآن مثاني، مثاني في المعاني، فالله سبحانه وتعالى إذا ذكر معنًى عاقبه بما يضاده أو يقابله، فلما ذكر حال أهل الشر العاصين ذكر حال أهل الطاعة الطيبين.
* الشيخ: لا.
* الطالب: لما ذكر الذين يأكلون الربا وأنهم يقولون: إنما البيع مثل الربا ذكر الذين يعملون الصالحات ويتصدقون بأموالهم.
* الشيخ: نعم، صحيح، لما ذكر الربا وهو أساسه الظلم وأكل المال بالباطل عاقبه بذكر الإيمان والعمل الصالح وإيتاء الزكاة، طيب في هذه الآية أربعة أوصاف ذكرها الله عز وجل ما هي؟
* الطالب: أولًا: الإيمان، والعمل الصالح، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
* الشيخ: إيتاء الزكاة، لو قال قائل: إقام الصلاة من عمل الصالحات (...) الزكاة فيها مفعول محذوف. قسموا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هادول يحزنون كيف ما عملنا؟ لأيش ما عملنا؟ يقول ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] لكن هؤلاء لا يحزنون؛ لأنهم ربحوا دنياهم في الواقع فيحزن على أي شيء؟ كذلك لا يحزن على أن غيره أعلى منه منزلة في الجنة، فلا يحزن يقول: ليتني عامل مثل هذا العمل لأجل أن أنال درجته؛ لأن كل واحد قد رضي بما هو فيه من النعيم، كما قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أما النفي هنا فهو صفة سلبية يراد بها ثبوت كمال الضد، وهو كمال النعيم الذي ليس فيه خوف مما يُستقبل ولا حزن على ما مضى.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أولًا: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاعتناء به، لماذا؟ لأن النداء يفيد التنبيه، والتنبيه على خطاب سيُلقى يدل على الاهتمام بهذا الخطاب والعناية به، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن توجيهه أيضًا بلفظ الإيمان يفيد الإغراء، إغراء المخاطب لامتثال ما وُجِّه إليه، يفيد إغراءه لامتثال ما وُجِّه إليه كما لو قلت لك: أيها الرجل، افعل كذا وكذا، يعني أنني أغريك فتذكُر أنك رجل فتأخذك الشهامة فتفعل، كذلك هذا إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يذكر أنه مؤمن فيحمله إيمانه على أيش؟ على الامتثال والفعل إن كان أمرًا أو الترك إن كان نهيًا.
طيب فصار عندنا الآن مبحثان: المبحث الأول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية؛ لأن النداء للتنبيه، والتنبيه المقدم بين يدي الخطاب يدل على أهمية الخطاب، توجيهه للمؤمنين يُقصد به أيش؟ الإغراء والحث؛ يعني يا أيها الذين آمنوا بصفتكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، يدل أيضًا على أن مخالفته نقص في الإيمان، والقيام به كمال في الإيمان، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث مسعر بن كدام عن عبد الله بن مسعود.]] »، يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى مأخوذة من الوِقاية، وهي اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا امتثال أمره واجتناب نهيه، وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى التقوى، ولكن كل المعاني ترجع إلى هذا المعنى الذي ذكرنا وهو: امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ لأن به الوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وجه الخطاب إليهم بوصف الإيمان وأمرهم بالتقوى مما يدل على أن التقوى من مقتضيات الإيمان، وأن كل مؤمن حقًّا فلا بد أن يتقي الله عز وجل؛ لأن الإيمان إذا وقر في القلب صدقته الأعمال، وظهرت آثار ذلك على الجوارح، وعُرف الإنسان بإيمانه من تقواه.
وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي احذروا عقابه كما قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، والإنسان يجب عليه أن يحذر من عقاب الله عز وجل، وإذا حذر من عقاب الله اجتنب النواهي، ويجب عليه أن يرغب فيما عند الله من الثواب، وإذا رغب في الثواب فعل أيش؟
* الطلبة: الأوامر.
* الشيخ: الأوامر؛ لأن الأوامر عليها جزاء وثواب، فالترغيب فيها يحدو المرء إلى أن يقوم بها، والنواهي عليها عقاب، فالحذر منها يوجب للإنسان أن يبتعد عنها. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ و﴿اللَّهَ﴾ اسم عَلَم على الرب عز وجل، لا يُسمَّى به غيره، وهو أعرف المعارف على الإطلاق؛ لأن الله متى ذكر لا ينصرف الذهن إلا إلى الخالق عز وجل، ولهذا قالوا إنه أعرف المعارف؛ لأنه لا يشاركه أحد في هذه العلمية، لكن زيد وعمرو وبكر وخالد عَلَم لا شك ومعرفة إلا أنه يُشارَك في ذلك، أما هذا الاسم الجليل فإنه لا يشاركه أحد في مسماه.
قالوا: والأصل في كلمة ﴿اللَّهَ﴾ الإله، لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال كما حذفت الهمزة في الناس، وأصلها (الأناس)، وحذفت شر في وخير من قولهم: فلان خير من فلان وفلان شر من فلان، أي أخْيَر وأشَرّ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واختلف اللغويون هل هذا الاسم مشتق ولّا جامد؛ والصواب بلا ريب أنه مشتق، وأن جميع أسماء الله عز وجل تتضمن المعنى الذي اشتقت منه، فالسميع يتضمن السمع، والعليم يتضمن العِلم، والله يتضمن الألوهية، وهكذا ليس في أسماء الله تعالى اسم جامد لا يدل على معنى أبدًا، فالصواب أنه مشتق.
إذا قلنا: إنه مشتق وأصله الإله فما معنى الإله؟ الإله عند المتكلمين هو القادر على الاختراع، هذا الإله عند المتكلمين الذين يتسمَّون بالعقلاء، ومعلوم أننا إذا قلنا بهذا التفسير لم نخرج بتوحيدنا عن توحيد المشركين؛ لأن المشركين يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قلنا: (إله) بمعنى قادر على الاختراع صار معنى كلمة التوحيد: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهل هذا توحيد ينجي من النار ويعصم دم الإنسان وماله وأهله؟
إذا قلنا: لا إله إلا الله؛ أي لا قادر على الاختراع إلا الله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن المشركين يقرون بذلك، ومع هذا فهم مشركون مباحو الدم والمال والذرية، ولم يُدخلهم هذا التوحيد في الإسلام، فهذا التفسير بلا شك تفسير باطل، فليس معنى الإله القادر على الاختراع وإلا لكانت كلمة الإخلاص معناها أيش؟
* الطلبة: غير قادر.
* الشيخ: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا التوحيد هو توحيد المشركين تمامًا، ولكن معنى (إله) أي مألوه، فإله بمعنى مألوه؛ فهي (فِعال) بمعنى (مفعول)، ونحن نعرف أن اللغة العربية يأتي فيها (فِعال) بمعنى (مفعول) في مواضع كثيرة، مثل: غِراس وبِناء وفِراش، كلها بمعنى مَغروس ومَبني ومَفروش، فمعنى لا إله إلا الله أي لا مألوه إلا الله، إذن الله بمعنى المألوه؛ أي المعبود، المعبود حُبًّا وتعظيمًا، فلحبه نقوم بأوامره ولتعظيمه ندع نواهيه.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ شوف ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ترك ما بقي من الربا لا شك أنه من تقوى الله، لكن هذا من باب عطف الخاص على العام اعتناءً به، وإلا فهو من تقوى الله، لكن قدَّم الأمر بتقوى الله على الأمر بترك ما بقي من الربا ليكون الإنسان متهيئًا لقبول الأمر بترك ما بقي من الربا؛ لأنه إذا ورد عليه: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ورد على نفس مستعدة متهيئة لقبول ما تُؤمر به بعد ذلك، وقوله: ﴿ذَرُوا﴾ بمعنى اتركوا. ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ يعني إذا كان لكم معاملة ربوية وإلى الآن لم تقبضوا الربا فالواجب عليكم ترْك ما بقي من الربا أن تدعوا ما بقي من الربا، والربا في الأصل مر علينا أن الربا في الأصل الزيادة والنمو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥] أي زادت وعلت وارتفعت، وفي الشرع: تفاضل بين شيئين يحرم فيهما التفاضل أو نسأ في شيئين يحرم فيهما النَّسأ، فليس كل تفاضل ربًا وليس كل نَساء ربا، فلو أبدلت سيارتين بواحدة فليس بربا، ولو أبدلت سيارة بسيارة إلى أجل فليس بربا؛ لأن الربا إنما هو في أشياء مخصوصة خصَّها الشارع، وسبقت لنا.
قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا أيضًا من باب الإغراء مرة أخرى، يعني إن كنتم مؤمنين حقًّا فدعوا ما بقي من الربا، وهذه الجملة يقصد بها الإغراء والإثارة، إغراء الشخص وإثارته، إن كنت مؤمنًا حقًّا فدع الربا، فإن قلت: كيف يوجه الخطاب إلى المؤمنين ويقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ أفلا يكون في هذا تناقض؟
الجواب: لا؛ لأن معنى الثانية التحدي وليست الشرطية المطلقة أي إن كنت صادقًا في إيمانك فاتقِ الله وذر ما بقي من الربا. واضح؟
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق لنا أن الإيمان عند كثير من العلماء بمعنى التصديق، والصحيح أنه أخص من التصديق فهو إيمان بإقرار وقبول وإذعان، قالوا: والفرق بين (آمن له(، و(آمن به) أن الإيمان له إيمان بالمخبِر، والإيمان به إيمان بالمخبَر به، فإذا قلت: آمنت لفلان؛ أي صدقته فيما أخبر به، وإذا قلت: آمنت بكذا وكذا؛ أي صدقت بهذا الشيء بما أُخبر عنه، فتعديه باللام بالنسبة لمن؟
* الطلبة: للمخبِر.
* الشيخ: بالنسبة للمخبِر، وبالباء بالنسبة للمخبَر به، هذا هو الفرق بين: آمن له، وآمن به، لكن هنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لله ولَّا بالله؟
* الطلبة: بالله.
* الشيخ: بالله لأن الله أخبر عن صفاته عز وجل، فالإيمان به إيمان به بما أخبر به عن ذاته وعن صفاته.
* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد: أولًا: بلوغ القرآن الغاية في البلاغة، وذلك لأن الكلام في القرآن يأتي دائمًا مطابقًا لمقتضى الحال، فإذا كان الشيء مهمًّا أحاطه بالكلمات المثيرة التي تجعل النفوس قابلة لذلك، وهذا غاية ما يكون من البلاغة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر، ومسلم (٨٦٩ / ٤٧) من حديث عمار.]] ».
* من فوائد الآية الكريمة: أن تصدير الخطاب بالنداء يفيد التنبه والتلقي له لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يوجِّه الخطاب على وجه يثير المخاطَب ويحمِّسه للقبول والانقياد لقوله هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى وصية الله سبحانه وتعالى لعباده الأوَّلين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١] فإن قلت: هل هناك فرق بين التقوى وبين البر؟ فالجواب: إن ذُكِرا جميعًا فبينهما فرق، وإن افترقا فهما واحد يتفقان، فـ ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] يفسر البر بفعل الطاعات والتقوى بترك المحرمات، وإذا جاءت التقوى مُفردة تعُم هذا وهذا، وإذا جاء البِر مطلقًا يعُم هذا وهذا، يعُم التقوى بالتضمن؛ لأننا إذا أُمرنا بفعل الخير فلازم ذلك أو مقتضى ذلك ترك الشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ترك الربا وإن كان قد تم العقد عليه لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وهذا في عقد استُوفي بعضه وبقي بعضه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام وإن عُقدت في حال الشرك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ وإلا لو نفَّذنا العقود التي كانت في الشرك مع تحريمها في الإسلام لكان ما بقي من الربا جائزًا، ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت ولم يكن سبب تحريمها قائمًا الآن فإنها أيش؟ تنفذ على ما مضى ولا تُبطل، لو أنهما باعا بيعًا محرمًا في حال الكفر ثم أسلما عليه وسبب المانع غير قائم الآن فإنه يمضي على ما مضى عليه حتى لو كان ربًا، لو تعاقدا عقد ربا وهما كافران ثم استوفياه فإن ذلك يمضي وينفذ لقوله تعالى فيما سبق: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولو عقد الكافر على امرأة معتدة ثم أسلما وقد انقضت العدة ها؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: فالنكاح صحيح، ولو تزوج أخت زوجته، ثم ماتت الزوجة الأولى وأسلم فالنكاح باقٍ، ولو تزوج أخته ثم أسلم؟
* الطلبة: يفرق بينهما.
* الشيخ: يفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم قائم. إذن نستفيد من الآية الكريمة أنه إذا أسلم الإنسان على شيء محرّم، وسبب التحريم قائم وجب إلغاؤه لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تُؤخذ لئلا يستعين بها البنك على الربا، وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر. عرفت؟ فنقول: أأنتم أعلم أم الله؟ والاستحسان في مقابلة النص باطل، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يقل: خذوه فتصدقوا به، فإنه يجب علينا أن نذر ما بقي من الربا، أن ندعه.
فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكًا غير إسلامي بنك كفار وتركناه له صرفوه إلى الكنائس وإلى السلاح الذي يُقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم ونما به رِباهم فما الجواب؟ نقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خُوطبنا به، والنتائج ليست إلينا، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ نذره، كونهم يصرفونه إلى كذا أو إلى كذا، أو تنمو به أموالهم هذا ليس إلينا، ثم إننا نقول: هل هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل صحيح أنها فائدة من أموالنا؟ الجواب: لا، قد يكون المال الذي أعطيته إياه قد لا يربح، قد يتلف، فهذا الذي يعطيك ليس هو نماء مالك، حتى تقول: والله هذا نماء مالي أبي آخذه، أريد أن آخذه وأتصدق به تخلصًا منه، نقول: من يقول إن هذا نماء مالك قد يكون مالك الخاص اشتروا به شيئًا فخسروا أو احترق، ثم هو ليس نماء مالك أيضًا من جهة أن نماء مالك لا يكون محددًا بل هو قابل للزيادة وقابل للنقص، فليس هو فائدة مالك حتى تقول: والله إني أخشى أن آثم إذا أبقيته عندهم يصرفونه إلى ما حرم الله.
ثم إننا نقول: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة، في إصلاح طرق، في بناء مساجد تخلصًا منه، أو تقربًا به، نقول له: إن فعلت ذلك تقربًا لم يُقبل منك ولم تَسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك، وإذا صرفته على أنه ملكك لم يُقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث، ومن اكتسب مالًا خبيثًا فأنفقه وتصدق به لم يُقبل منه، وإن أخرجته تخلصًا منه فأي فائدة من شيء نقول: تلطَّخ به ثم حاول أن تغسله من يدك؟! أيش الفائدة؟! فإذا كنت الآن تعترف بأنه لا يحل لك فلماذا تأخذه ثم تحاول تخلصه؟!
ثم نقول أيضًا: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يُخرج هذا تخلصًا منه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ربما إذا شاف الفائدة كبيرة كما يقولون إنها فائدة تغلبه نفسه ولا يُخرجه، (...) يقول: والله هذا مال كثير هذا شينو أطلعه، افتح الصندوق يا ولد حطوه فيه، إذا فتح الصندوق قال: أستغفر الله وأتوب إليه أخاف الله، إذن طلعه بره، إذا أراد يطلعه بره ثقل في يده ثم قال: رجعه للصندوق، ربما في النهاية أن يكون في الصندوق.
أيضًا أخذته أنت وقال الناس: إن فلانًا أخذ هذه الفائدة- التي يسمونها الفائدة- أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؛ لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تُخرج هذا المال وتتخلص منه؟ بلى، يمكن يقتدي الناس بك، والله فلان أخذ، لستَ تكتب إعلانًا بأنك أخذت هذا وأنفقته، الناس لا يعملون فيقتدون بك، وإذا اقتدوا بك وأخذوا وحتى لو علموا أنك تصرفه وتتخلص منه يرد عليهم ما أوردناه عليك من قبل وهو الشُّح وعدم التخلص منه، ولهذا نرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مُطلقًا، وماذا ستكون مقابلة الله عز وجل يوم القيامة إذا كان الله قد قال لك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ثم أنت تأخذه باستحسان بعقلك.
ثم إننا نقول: إن الإنسان إذا أخذ هذا الشيء لا يكاد يقلع، لا يكاد يقلع عن وضع الأموال في البنوك الربوية المحرمة الكافرة، لكن إذا قلنا لا تأخذه فسوف يبقى يحسب ألف حساب قبل أن يضع المال في البنك، إذا علم أنه محرَّم عليه، كل هذه الأشياء تدل على حكمة الله عز وجل في قوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يُوجِّه العباد إلى شيء آخر، ما قال: خذوه وتصدقوا به.
* من فوائد الآية الكريمة: أن ممارسة الرِّبا يُنافي الإيمان لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ولكن هل يُخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج نعم يُخرجه من الإيمان إلى الكفر، وهو عند الخوارج كافر كفرعون وهامان وقارون، كافر؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان، لكنه يخشى عليه من الكفر، لا سيما أكل الربا؛ لأن آكل الربا يتغذى بأيش؟
* الطلبة: بحرام.
* الشيخ: بحرام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين ذكر الرجل «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] » نسأل الله العافية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث حرَّم عليهم ما يتضمن الظلم وأكَّد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، اثنين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ثلاثة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والحُكم: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الله أكبر، ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ما بقي من الربا، ما بقي، كيف هذا اللي بيُجدد عقد الربا؟ إذا لم تفعلوا وتتركوا ما بقي من الربا فهذا الحُكم، أيهما أشد هذا أو الذي يبتدئ الربا؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني أشد، الذي يبتدئ الربا أشد من شخص تعامل بالربا قبل نزول الآية وأخذ ما بقي، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ﴿فَأْذَنُوا﴾ وفي قراءة: ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ائذنوا بمعنى اعلموا، ولكنه ضُمّن معنى اليقين أو الإيقان، أي فأيقنوا بحرب من الله ورسوله هذا على قراءة: ﴿فَأْذَنُوا﴾، أما على قراءة: ﴿فَآذِنُوا﴾ فهي بمعنى: أعلِموا، أعلِموا بالحرب، آذِن بكذا يعني أعلِم به، قال النبي عليه الصلاة والسلام للنساء اللاتي يُغسّلن ميتة: «إِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩ / ٣٦) من حديث أم عطية الأنصارية.]] » يعني أعلمنني، ففي الآية قراءتان: ائذنوا، وآذنوا، (ائذنوا) بمعنى (اعلموا)، لكنه ضُمّن معنى اليقين، أيقنوا بحرب يعني أيقنوا أنكم محاربون، لمن؟
* الطلبة: لله ورسوله.
* الشيخ: لله ورسوله، الله أكبر! من يستطيع أن يقابل الله ورسوله بالحرب؟! أو أعلموا يعني أعلموا غيركم أنكم محاربون لله ورسوله.
وقوله: ﴿آذِنُوا بِحَرْبٍ﴾ أو ﴿ائْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ هل معناه أن الإنسان يُصوّت يقول: أيها الناس طالعين نحارب لله ورسوله؟ أو مجرد بقائه على الربا إعلام؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: نعم، الثاني، الثاني هو المراد؛ لأن الأول قد لا يفعله الإنسان، قد لا يقوم الإنسان على باب دكانه ويقول: أيها الناس، أخبركم بأني محارِب لله ورسوله ما يقدر، ولا هو قائل هكذا، لو قال هكذا على عتبة دكانه لكان أول من يرجمه صغار الناس بالحجارة، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول: إحنا جند الله ما دام أنك تحارب الله بس خذ حجارة برأسه وحجارة بصدره، لكنه ما يقول هكذا بلسانه، يقول هكذا بأيش؟
* الطلبة: بأفعاله.
* الشيخ: بفعله، فبقاؤه واستمراره على أكل الربا إيذان بحربه لله ورسوله، أي عقوبة أشد من هذه العقوبة إلا عقوبة الشرك بالله عز وجل؟! ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأتِ على ذنب دون الشرك. أبدًا أشد من الزنا، ولهذا جاء في الحديث الذي له طرق متعددة: «أَنَّ الرِّبَا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أُمَّهُ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (٢٢٧٤) من حديث أبي هريرة، والحاكم في المستدرك (٢٢٩٠) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] » وهذا كل يستبشعه، فالربا ليس بالأمر الهين، والله إن الواحد ترتجف فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية إذا كان مؤمنًا ائذنوا بحرب من الله ورسوله وأيش أنت يا ابن آدم؟! تحارب الله ورسوله علنًا تعلنه للناس؛ لأن أعلموا يعني أخبروا الناس بأنكم حرب لله ولرسوله ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وإنما كان كذلك لمحبة الله عز وجل للعدل وكراهته للظلم، والربا ظلم، ولكن لما كان ظلمًا تدعو النفوس إليه دعوة قوية؛ لأنه لا يأتي عَنوة، الظلم عنوة لا يقدم الظالم عليه إلا بعد أن يحسب ألف حساب، وسيجد من يمنعه ويصادمه، لكن هذا يأتي باختيار، باختيار منين؟
* طالب: من المحتاج.
* الشيخ: من المرابي من كلا الرجلين، آكل الربا وموكله، يأتي من هذا ومن هذا؛ لأن موكل الربا محتاج، ولولا أنه محتاج ما اختار لنفسه أن يُغلب، وآكل الربا ظالم معتدي ليس فيه قلبه رحمه، ولهذا نجد الآن أولئك القوم الذين يتحيلون على الربا بما يسمونه المداينة نجدهم كلما كان المستدين أفقر كان غُرمه أكثر، هذا هو الواقع، يجي إليهم الإنسان الذي يعرفون أنه سيوفي يقول: تعالَ بندينك العشر إحدى عشر؛ يعني المئة بكم؟
* الطلبة: بمئة وعشرة.
* الشيخ: مئة وعشرة، يجيهم الإنسان الفقير اللي يعرفون أنه ما يوفي إلا بعد سنتين أو ثلاثة إلا أن يموت له قريب غني، ومتى يموت له قريب غني؟! أو إن كان هو طماع يزوج بنته ويأخذ مهرها. على كل حال إذا جاءهم الفقير يعطونه العشر خمسة عشر أو أكثر، يا بن الحلال لأيش؟! قال: لأن الأول دسم وهذا هزيل، الأول دسم وأيش معنى دسم؟
* الطلبة: غني.
* الشيخ: يعني غني يمكن الآن أعوزته الدراهم وبيوفي، لكن ذا هزيل اركع له، هل هذه المعاملة معاملة رحمة ولّا معاملة قسوة؟
* الطلبة: معاملة قسوة.
* الشيخ: معاملة قسوة، لو كان بهم رحمة لكان الفقير أقرب إلى أن يُنزَّل عنه من الغليبة صح ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ومع ذلك يمسحون دموع التماسيح يقول: والله إحنا نرحم الناس يجينا إنسان فقير يبى يتزوج ولّا يبى يبني بيت نرحمه نعطيه، وأيش نسوي؟! لو ما نعطيه قعد ما تزوج ولا قعد بلا بيت، طيب كم أعطيته؟ قال: أعطيته العشرة بخمسة عشرة، لماذا؟ قال: لأنه بيبطي ما يوفي، وذاك الثاني الإنسان اللي فيه دسم على ما يقولون يُعطى العشر إحدى عشر.
إذن أنا أريد بهذه الأمثلة أن أخلص إلى أن الربا مبناه أيش؟
* الطلبة: الظلم.
* الشيخ: الظلم، مبناه الظلم، ولهذا كانت من حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن جعل هؤلاء المرابين معلنين للحرب على الله ورسوله، يعلنونها أمام الناس ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
هل باب التوبة مغلق؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا والله ما هو مغلق، ولا يُغلق من أرحم الراحمين ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] مهما عملت من ذنب فاعلم أن أمامك من يفرح بتوبتك «لَلَّهُ بِتَوْبَتِهِ أَفْرَحُ أَوْ أَشَدُّ فَرَحًا مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي أَضَاعَ نَاقَتَهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ وَجَدَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٤ / ٣) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] ».
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
ما معنى قوله: ﴿ذَرُوا﴾؟ اتركوا. كيف يقول اتركوا ما بقي ولم يقل: اتركوا الرِّبا؟
* الطالب: لأنه ربما يكون قد عقدوا على الربا فيأمرهم بأن يتركوا هذا الربا.
* الشيخ: حتى ما عُقِد عليه. يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ما نوع هذا العطف؟
* طالب: لأن من تقوى الله ترك الربا.
* الشيخ: أحسنت هو عطف الخاص على العام (...) والاعتناء به.
* الطالب: (...)
* الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه جملة شرطية أين جوابها؟ عند النحويين؟ أظن قرأنا هذا؟ ما ناقشناه طيب هذا المشهور عند النحويين، فيه رأي آخر؟ من يعرف؟ فيه رأي آخر.
* الطالب: لأن مثل هذا لا يحتاج إلى جواب
* الشيخ: أحسنت؛ لأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب ما دام قد ذُكر مضمونه فلا حاجة إلى تقديره، وهذا هو الذي يميل إليه ابن القيم رحمه الله بأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن مضمونه قد سبق، فلا حاجة أن نقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ما حاجة، نقول: لأن مضمون الجواب قد سبق فلا حاجة إليه.
إذا قال قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾؟
* طالب: ﴿فَآذِنُوا﴾
* الشيخ: ما معناها؟
* الطالب: أعْلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله.
* الشيخ: أعلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله أحسنت. و﴿فَأْذَنُوا﴾؟
* الطالب: فاعلموا.
* الشيخ: فاعلموا، طيب وأيش معنى فاعلموا بحرب (...) بأنفسكم. يؤخذ من مجموع القراءتين؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: يعني اعلموا وأعلموا غيركم بذلك كذا؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: طيب هذا على قراءة ائذنوا يعني اعلموا أنكم محاربون الله ورسوله هذا على قراءة ائذنوا على قراءة: ﴿آذِنُوا﴾ اللي يؤخذ من مجموع القراءتين؟
* طالب: اعلموا أنتم بأنفسكم.
* الشيخ: يعني اعلموا أنتم بأنفسكم وأعلموا غيركم أيضًا، وهذا أشد، هذا أشد إن الإنسان يَعلَم ويُعلّم.
إذا قال قائل: هل آذن هؤلاء الرِّبويون آذنوا غيرهم بأنهم محاربون؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: طيب إذا قال قائل: هم محاربون لله. ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إذا قال قائل: إيذانهم بحرب من الله واضح، لكن كيف يأذنون بحرب من رسول الله ﷺ وهو قد مات؟ فالجواب: أن هذا محاربة شريعته، محاربة شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ومحاربة شريعة الرسول محاربة له كما أن نصر شريعة الرسول نصر له.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿تُبْتُمْ﴾ أي رجعتم إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته، والتوبة نوعان؛ توبة مطلقة، وتوبة مقيدة، وإن شئت فقل: عامة وخاصة، توبة عامة من جميع الذنوب بحيث يكون الإنسان محافظًا على أوامر الله وترك نواهيه، وهذه هي التوبة الْمُطلقة ما هي مطلق توبة، توبة مطلقة تامة يستحق بها التائب أن يُلحق بالتوابين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] وعلى هذا أن يكون الإنسان تائبًا من كل ذنب، لا يصر على ذنب، هذه التوبة المطلقة، ومنها قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ إلى آخره [التوبة: ١١٢].
النوع الثاني: توبة مقيدة أو خاصة، وهي التوبة من ذنب خاص معين، فهذه تصح وتُعتبر، ويقبل منه أن يتوب إلى الله تعالى من هذا الذنب المعين وإن كان مُصرًّا على غيره، فالتائب من الربا تصح توبته وإن كان يشرب الخمر مثلًا، والتائب من شرب الخمر تصح توبته وإن كان يتعامل بالربا، هذه توبة خاصة، لكن لا يستحق التائب هنا أن يلتحق بذوي الوصف المطلق بالتوبة فيقال: إنه من التائبين؛ لأنه لا يمكن أن نُطلق عليه التوبة أنه من التائبين وهو مُصرّ على معصية، لكن توبته من الذنب المعيّن مقبولة؛ لأن هذا هو مقتضى العدل؛ عدل الله عز وجل، وذهب بعض أهل العلم إلى أن التوبة لا تُقبل من ذنب مع الإصرار على غيره، بل لا بد أن يعمل عملًا صالحًا في كل عبادته، وقال آخرون: لا تُقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على جنسه، ما هو على غيره، فالتوبة مثلًا من النظر للنساء الأجنبيات لا تُقبل إذا كان يتحدث إليهن؛ لأن الكل من جنس واحد، وإن كان النوع مختلفًا هذا حديث وهذا نظر، لكن الجنس واحد يعود إلى شهوة الفرج، ولا تقبل توبة الإنسان الذي يشرب الخمر مع الإصرار على بيع الخمر؛ يعني لا تصح توبته من شرب الخمر مع الإصرار على أيش؟
* الطلبة: على بيع الخمر.
* الشيخ: على بيع الخمر؛ لأن الجنس واحد، وهذا قول له وجه، لكن أقرب الأقوال عندي القول الأول أنها تصح التوبة من الذنب بعينه، ولو مع الإصرار على غيره؛ لأن هذا هو مقتضى العدل ومقتضى قول الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]] » والمسألة كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: لها غور، يعني لها غور بعيد؛ لأن التوبة الحقيقية وهي الرجوع إلى الله عز وجل لا تكون مع الإصرار على الذنوب أبدًا؛ لأن ما يقوم بقلب التائب من تعظيم الله عز وجل والخوف منه يمنعه أن يمارس شيئًا من الذنوب، لكنها توبة قاصرة ناقصة التوبة من ذنب معيّن خاصة.
ثم إن التوبة لها شروط، شروط خمسة يعدها علينا؟ (...) الندم على ما فعل طيب كل هذه الشروط واضحة؛ الإخلاص بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد من الخلق، أو مراعاة شيء من الدنيا.
الثاني: الإقلاع عن الذنب، فإن لم يُقلع فهو كاذب، كيف يقول: أتوب إلى الله تعالى من الربا وهو يرابي؟ هذا كاذب.
ثالث: الندم على ما وقع منه، الندم أن الإنسان يشعر بندم وحزن وأسى، فإن قلت: الندم انفعال وليس بفعل فكيف يُكلف الإنسان به؟ فالجواب: أن الانفعالات النفسية يحدثها التفكيرات العقلية، أليست المحبة والبغضاء انفعالًا؟ ومع ذلك يمكن للإنسان أن يحب الشيء إذا ردّد نتائجه وثمراته بفكره أحبه، والبغضاء كذلك يمكن إذا فكّر ونظر في النتائج والعواقب السيئة كره الشيء، كذلك هذا إذا فكر في عواقب الذنوب وآثارها السيئة حصل منه أيش؟
* الطلبة: ندم.
* الشيخ: ندم وأسف وحزن على ما مضى.
الرابع: العزم على أن لا يعود، وانتبه لقولك: العزم على أن لا يعود دون أن تقول أن لا يعود؛ لأن بينهما فرقًا عظيمًا؛ العزم على أن لا يعود معناه لو عاد فيما بعد غلبته نفسه وعاد فإن توبته السابقة لا تبطل، لكن لو قلت: الشرط الرابع أن لا يعود لكان إذا عاد بطلت توبته، والأمر ليس كذلك.
الخامس: أن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] هذا ما له توبة، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام بل لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] وبعض الآيات هنا المراد به طلوع الشمس من مغربها.
* الطالب: (...)
* الشيخ: نعم، وهو؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: يدخل في الإقلاع.
* الطالب: يقلع (...)
* الشيخ: ما يمكن ما أقلع حتى يعطي صاحبه.
* الطالب: الأصل إذا كان أقلع (...)
* الشيخ: طيب ما يحتاج، الإقلاع بالمعنى الحقيقي، لا إقلاع مع إصرار. هذه خمسة شروط للتوبة، بالنسبة للربا التوبة منه تنطبق على هذا، لا بد أن توجد فيها هذه الشروط الخمسة. ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ رؤوس جمع رأس، والرأس هنا بمعنى الأصل؛ يعني لكم أصول الأموال، وأما الربا فليس لكم، الربا ليس لكم.
ثم علل الله عز وجل هذا الحكم بقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ لأنكم لم تأخذوا الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ لأنها لم تُنقص رؤوس أموالكم.
فلا يقول قائل: إن المرابي يجب أن يُعذَّر بأن يؤخذ من رأس ماله بمقدار ما أَخذ من أيش؟
* الطلبة: من الربا.
* الشيخ: من الربا، فمثلًا إذا كان أخذ العشر اثني عشر نقول: ننقص رأس ماله عشرة ننقص عشرة إلى ثمانية وشيء؛ لأن نسبة اثنين لاثني عشر ما هي نسبة الاثنين للثمانية أو العشرة.
على كل حال لا نقول هذا ولا هذا، لا يَظلم غيره بأخذ الربا ولا يُظلم بأن ينقص شيء من رأس ماله لتجرئه على الربا، وهذا تمام العدل.
طيب إذا كان له رأس المال لا يظلم ولا يظلم فأين يكون الربا؟ هل يبقى عند المرابي أو يؤخذ منه ويجعل في بيت المال؟ الآية الكريمة يقول الله فيها: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ فالمرابي لا يستحق الآن إلا رأس ماله فقط، بقينا في المأخوذ منه الربا إن أبقينا له الربا معناه أنه كسب، كسب مرتين، مرة بوجود المال عنده كل هذه المدة ينتفع به، والمرة الثانية ببقاء هذا الربح عنده، نرجع إلى القواعد الشرعية فنقول: هذا الربح قد أعطاه المأخوذ منه باختياره، والتزمه باختياره، ولكن لما كان هذا التزامًا غير شرعي قلنا: إننا نأخذه منك ونجعله في بيت المال، كما نقول في مهر البغي وحُلوان الكاهن، نعم لو فُرض أن المرْبي الذي أخذ منه الربا قد بذل الربا كرهًا بأن قال له عند حلول الأجل: إما أن تقضيني وإما أن تزيد وتُربي، فأربى من أجل أن يبقى الدين في ذمته لأنه معسر، فهذا نقول: له الربا، ولا يؤخذ منه شيء.
يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ لأن الجبرية يقولون: إن الإنسان لا يستطيع الفعل؛ لأنه مجبر، ولا التَّرْك؛ لأنه مجبر، وعلى رأيهم يكون تعطيل الأمر والنهي، يكون الأمر والنهي معطلًا؛ لأن الإنسان ما يقدر يفعل ما أُمر به ولا يترك ما نُهي عنه، وهذا حقيقة تعطيل الأمر والنهي، والبحث في هذا والرد عليهم ومناقشتهم معروف في التوحيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصر على الربا معلن الحرب على الله ورسوله لقوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان معلنًا الحرب على الله ورسوله فهو معلن الحرب على أولياء الله ورسوله، من هم؟ المؤمنون؛ لأن كل مؤمن يجب أن ينتصر لله ورسوله، وكل حرب على الله ورسوله فهي حرب على المؤمنين؛ لأن هؤلاء المؤمنين هم حزب الله عز وجل، وحينئذٍ يكون المرابي معلنًا الحرب على الله ورسوله والمؤمنين، أما على الله ورسوله فدلالة ذلك عليه دلالة المطابقة، وعلى المؤمنين دلالة التزام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم الربا، وأنا لا أذكر أن شيئًا من الذنوب صار بهذه المنزلة، تذكرون شيئًا؟
* طالب: الشرك.
* الشيخ: لكن الشرك صحيح ذُكر لكن ما ذُكِر بهذه الصيغة ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ شوف النبي عليه الصلاة والسلام لما قال:
«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟». قَالُوا: بَلَي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧ / ١٤٣) من حديث أبي بَكْرة نفيع بن الحارث، واللفظ للبخاري.]] لأنها تتعلق بالآدميين، والنفس مجبولة على العدوان على غيرها إلا من عصم الله، فلهذا جاء مثل هذا الوعيد العظيم في آكل الربا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على كل من تاب إلى الله عز وجل من الربا أن لا يأخذ شيئًا مما استفاده بالربا لقوله: ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رأس المال لأي غرض كان سواء أخذته لتتصدق به، أو لتبذله في المنافع العامة، أو لتتقي به كما يقال أن يُصرف هذا في كنائس أو في أسلحة ضد المسلمين أو ما أشبه ذلك، المهم أنك إذا كنت صادقًا في التوبة فلا تأخذ أكثر من رأس المال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الحكمة في تحريم الربا، وهي: الظلم لقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
فإن قلت: في بعض صور الربا لا ظلم، قلنا: إن العِلّة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها، فإن الحكم لا يتخصص بفقدها، أو لا ينتفي بفقدها، صحيح أنه يوجد في بعض الصور صور الربا ما ليس فيه ظلم كما لو اشترى الإنسان صاع بُر طيب بصاعي بُر رديء يساويه في القيمة، فهنا فيه ظلم ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما فيه ظلم، ما فيه ظلم أبدًا، ولهذا لا تجد أحدهما يقول: أنا صابر على الظلم؛ لأنه ما فيه ظلم، لكن محمدًا ﷺ رسول الله الذي جاء بهذا القرآن قال لما أُخبر بمثل هذه الصورة قال: «أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤ / ٩٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] » فدل هذا على أن تخلف الظلم في بعض الصور لا يخرجها عن حُكم الرِّبا الحكم العام؛ لأن هذه العلة منتشرة لا يمكن ضبطها، وقد يرضى الفقير بأن يُعطى مئة درهم بمئة وعشرين، ويقول: أنا راضٍ بهذا؛ لأنني سوف أنتفع بهذه الدراهم من الآن وهذاك سوف يُحجب نفعها من الآن، فأنا مُنتفع في بمقابل الزيادة، وذاك محجوب عنه النفع أيضًا في مقابل الزيادة التي أُعطيها فلا ظلم، أنا انتفعت بالمال وزاد عليَّ كمية وذاك حجب انتفاع المال وزِيد له.
* طالب: كالبنوك.
* الشيخ: كالبنوك وغير البنوك، المهم أننا نقول: إن مثل هذه العِلَّة لما كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يكون أيش؟ يكون فيها عامًّا، وهذا له أمثلة كثيرة ودائمًا نجد في كلام أهل العلم مثل هذا التعليل: إن العلة إذا كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يعُمّ ولا ينظر للعلة، علّة القصر في السفر والفطر في السفر المشقّة، لكن إذا كان الإنسان يسافر بالطائرة ما فيه علّة، ما فيه مشقة إطلاقا، هل نقول لا يفطر؟ لا، هل نقول لا يَقصر؟ لا، بِناء على هذا الذي أشرنا إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾.
* ومن فوائدها: رحمة الله تعالى بالعباد حيث أرسل إليهم الرسل، وذلك لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما ينفعها ويضرها على وجه التفصيل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: العقول تعرف ما ينفعها ويضرها على سبيل الجملة، لكن على سبيل التفصيل لا تعرف لقصورها ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل، فكان في هذا رحمة عظيمة للخلق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم لقوله: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نعم، نقول: يتصدق بها تخلصًا منها لا تقربًا بها فينويها لمن؟
* الطلبة: لصاحبها.
* الشيخ: لصاحبها، والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيُخيِّره يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي فالأجر للمتصدِّق، إن قال: أريد أجره فأجره له قد نُوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* الطالب: اختلاط المالين المحرم والحلال هل يصلح أن (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلًا بُرّ وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضها على بعض، أما إذا كان ما يمكن فلا طريق لاجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (كان) المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرًا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: (كان) هذه تامة، وإذا كانت تامة فإنها تكتفي بمرفوعها قال ابن مالك في الألفية:
........................... ∗∗∗ وَذُو تَمَــــامٍ مَــــا بِرَفْــــعٍيَكْتَفِــــــــــــــــي؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِص............. ∗∗∗ ...........................
وذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي، هذه تامة، وعلى هذا نقول: (كان) فعل ماضٍ، و(ذو) فاعل رُفع بالواو؛ لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ و﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فيكف نُقدّر هذا الخبر؟ نُقدّر فعليكم ولَّا فله؟
* طالب: فعليكم.
* الشيخ: أو فالواجب عليكم نَظِرة، أو فعليكم نَظِرة، أو فله نَظِرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب عليَّ أن أوفيه حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبدأ بالإعراب قبل الشرح، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه (أن) المصدرية فيُحوّل إلى مصدر، ويكون التقدير: تَصدُّقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة الشرطية نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني إن وُجد ذو عسرة، أي صاحب عُسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الرِّبا، الربا محرم فما الذي بقي؟ الإنظار والإبراء؛ يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نَظِرة بمعنى إنظار؛ يعني عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يُوسِر بسنة، قد يُوسر بسنتين بثلاث، قد لا يُوسر أبدًا، فيقال: يُفرّق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئًا على شخص فقير وقلت: إلى ميسرة فالمعروف عند أكثر أهل أكثر العلم أن ذلك ليس بصحيح، لماذا؟ لأنها مجهولة، مجهول، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الغرر، لكن لو أنك بِعت عليه ثم تبين إعساره فالواجب أيش؟
* الطلبة: إنظاره.
* الشيخ: إنظاره إلى ميسرة إن لم تختر الفسخ، إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تخترِ الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه مُعسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن أن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك والله ما عندي شيء لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ لِتَشْتَرِيَ ثَوْبَيْنِ إِلَى مَيْسَرَةٍ[[أخرجه الترمذي في جامعه (١٢١٣) من حديث عائشة.]] » فهذا يدل على أن مثل هذا جائز.
* طالب: (...) مراده إذا أخذ فائدة الربا بيعطيه مثل ما أخذ؟
* الشيخ: أبدًا ما هو جائز.
* الطالب: يعني يتقاس على البنوك (...)؟
* طالب: شيخ، (...)
* الشيخ: المهم أن هذا موجه إلى شيء معين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وأما الآية اللي في الفاتحة فلا شك أن الإنسان محتاج إلى الهداية في كل حين حتى في نفس العمل محتاج للهداية.
* الطالب: يعني ما يخالف (...)؟
* الشيخ: ما أظن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا يحتاج إلى أن يُنظر في ديونه، فإذا كانت ديونه أكثر من موجوداته فإنه يُحجر عليه، وإذا حُجر عليه يُباع ماله ويُوزع على الغرماء بالقسط.
* الطالب: فائدة من قول الله تعالى: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] » هل تضاف هذه للآية؟
* الشيخ: إي نعم، هذه تضاف إلى الآية صح.
* الطالب: فيه فائدة.. فائدة أخرى أن حرف (...)
* طالب: إذا تاب المرابي، هل يرد كل الربا الذي مضى سابقًا أو نفس العقد اللي تم الآن بين المرابي والمرابى له؟
* الشيخ: لا، الواجب يعيد كل ما أخذ.
* الطالب: حتى السابق.
* الشيخ: حتى السابق.
* الطالب: إذا كان لا يعلم؟
* الشيخ: إذا كان لا يعلم فقد نقول إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ كما عَلِم له ما سلف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يجب على المسلمين أن يعطوه.
* الطالب: إذا ما وجدوا؟
* الشيخ: ما وجدوا؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: له أن يأخذ من ماله يلتزم بذلك ولا يوفيه، يعني ما يوفيه الربا قصدي الزائد الأصل لازم أن يوفي.
* الطالب: يا شيخ، إنسان موظف في البنك ويتعامل في الربا ثم دعاني للطعام عنده (...) هل أرد دعوته أم لا (...) دعاني إلى وليمة هل أرده أم أجيبه؟
* الشيخ: إي نعم، فهمتم السؤال؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول: هل تجوز إجابة دعوة المرابي أو لا؟ هذه الخلاصة فما تقولون؟ ما هو؟
* طالب: المراد (...).
* الشيخ: أبدًا دعاني (...) عنده خبز ولحم وأشياء زينة ما بأروح (...) ولا أدعيه أبدًا (...)
المحرم لكسبه إثمه على الكاسب، وعلى هذا فلا إثم عليك أنت حتى لو أجبته، ثم إن هذا المرابي لا بد له أن له أصلًا، أن لماله أصلًا ولَّا لا؟ لا بد أن لماله أصلًا، ما هو بالربا على طول بيمشي عليه يكون عنده مثلًا مئة ريال بدأ يشتغل فيها بها بالربا وزادت، فلماله أصل، وهذا الربا حصل من المال المباح ومن العمل المحرم من المال المباح ومن العمل المحرم، وقد ذكر بعض العلماء أن الغاصب إذا اتجر بالمغصوب فليس الربح كله لرب المال بل يُعطى الغاصب إذا تاب ما يكون مقابل عمله. على كل حال إجابة دعوة المرابي نقول: جائزة، والأولى تركها، لكن إن أفضت إجابته إلى محظور فإنه تحرم إجابته من هذه الناحية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (كان) هنا فيها إشكال، ما هو الإشكال؟
* طالب: من حيث (...)
* الشيخ: من حيث العربية؛ يعني من حيث الإعراب فيها إشكال.
* الطالب: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ هذه كان تُسمى كان التامة لا تحتاج لاسم.
* الشيخ: إي نعم، الإشكال أننا لم نجد خبرها.
* الطالب: فتسمى التامة.
* الشيخ: فنقول هذه تامة، ما معناها إذا كانت تامة؟
* الطالب: تكتفي بالاسم.
* الشيخ: تكتفي بالفاعل.
* الطالب: أيوه بالفاعل.
* الشيخ: لكن وأيش معناها ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي إن وُجد ذو عسرة طيب. أين جواب الشرط في ﴿إِنْ كَانَ﴾؟
* الطالب: جواب الشرط ﴿فَنَظِرَةٌ﴾
* الشيخ: جملة ولّا مفرد؟
* الطالب: لا، جملة.
* الشيخ: جملة، لماذا ارتبطت بالفاء؟
* الطالب: لأنها (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: جملة اسمية.
* الشيخ: لأنها جملة اسمية. طيب ما هي الجمل التي يجب أن تقترن بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟
* الطالب: وَبِجَامِدِ وبقد وبالتنفيس
* الشيخ: أعد البيت
* الطالب:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
* الشيخ: سبع هي سبع
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
كذا؟ قوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذه أيش نوعها مفرد ولّا جملة ولّا؟ هل هي جملة ولّا مفرد هذا السؤال ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟
* الطالب: جملة.
* الشيخ: جملة، مُكونة من؟
* الطالب: فعل وفاعل.
* الشيخ: لا. جملة اسمية مكونة من؟
* الطالب: حرف وفعل.
* الشيخ: حرف وفعل؟
* طالب: من مبتدأ وخبر.
* الشيخ: من مبتدأ وخبر، أين المبتدأ؟
* الطالب: المصدر.
* الشيخ: المصدر المنسبك من أن والفعل، والتقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: تصدقكم خير لكم تمام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه جملة شرطية وين جوابها؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، بجواب شرط ذلك مفعول به.
* طالب: (...).
* الشيخ: إن كنتم تعلمون ذلك فافعلوا أو فتصدقوا، كذا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم؛ لقوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها، أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق بها تخلصا منها لا تقربها بها، فينويها لمن؟ لصاحبها والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيخيره، يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي، فالأجر للمتصدق، إن قال: أريد أجره، فأجره له قد نوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* طالب: (...) اختلاط المالين (...) رأس المال الحلال (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني: يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلا بر وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلاط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضه على بعض، أما إذا ما يمكن فلا طريق إلى اجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ كان المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: كان هذه تامة، وإذا كانت تامة، فإنها تكتفي بمرفوعها، قال ابن مالك في الألفية:
....................... ∗∗∗ وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي ؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ........ ∗∗∗ ..................... وذو تمام ما برفع يكتفي هذه تامة، وعلى هذا نقول: كان فعل ماض وذو فاعل، رفعت بالواو لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية، والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فكيف نقدر هذا الخبر؟ نقدر فعليكم ولَّا فله؟ أو فالواجب؟ نعم، فالواجب عليكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فله نظرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب علي أن أوفية حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبتديء بالإعراب قبل الشرح، طيب ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه أن المصدرية فيحول إلى مصدر، ويكون التقدير: تصدقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة شرطية، نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٧٨]
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي: تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: إن وجد ذو عسرة، أي صاحب عسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الربا، الربا محرم، فما الذي بقي؟ الإنظار، والإبراء يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار، وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نظرة في معنى إنظار، يعني: عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يوسر بسنة، قد يوسر بسنتين بثلاث، قد لا يوسر أبدًا، فيقال: يفرق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئا على شخص فقير، وقلت: إلى ميسرة، فالمعروف عند أهل أكثر العلم (...) فالواجب أيش؟ إنظاره إلى ميسرة، إن لم تختر الفسخ إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تختر الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة، فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه معسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك، والله ما عندي شيء، لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها:« أن رجلا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت له عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: إنّ فلانًا قَدِمَ له بزٌّ منَ الشّامِ فلو أرسلْتَ إليه لتشتريَ ثوبيْنِ إلى مَيْسَرة »[[أخرجه الترمذي (١٢١٣) من حديث عائشة.]]، فهذا يدل على أن مثل هذا جائز، على كل حال هذا إن شاء الله يأتي في الفوائد.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وفي قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بالضم، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا، عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسر يزاد عليه في الدين، أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة، لكن هذا هو الواقع؛ لأنه مادام معسرا فسبب الإنظار موجود أو فسبب وجوب الإنظار موجود، فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء، يعني: أن تعفوا عن الدين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ بإبراء المدين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أمهل حتى يوسر، ومعلوم أن الأول أولى وأرفق بالمدين وهو الإبراء، وإنما كان خيرا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليما من الدين خير من إنظاره مع بقاء الدين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدا، أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم، فإن لم نكن نعلم فليس خيرا لنا، ولاشك أن هذا معنى فاسد لا يراد بالآية، لكن المعنى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا أي: تصدقوا، والمراد بالجملة هنا أيش؟ الحث والإغراء؛ لأن كل ذي علم عاقل فلابد أن يختار ما هو خير، فلابد أن يكون يختار ما هو خير.
في هذه الآية فوائد منها: ثبوت رحمة الله عز وجل، وجه ذلك: أنه أوجب على عباده إنظار المعسر، وهذا رحمة بمن؟ بالمعسر، ففيه إثبات رحمة الله عز وجل التي منها أنه ألزم من له الدين أن ينظر المعسر.
ومنها: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس إلى موسر ومعسر، من الموسر في هذه الآية؟ الدائن، والمعسر المدين، وحكمة الله عز وجل هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها أبدا؛ ولذلك بدأ الشيوعيون الذي يريدون أن يساووا الناس بدؤوا يتراجعون الآن، بدؤوا يتراجعون؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الاختلاف، قال الله عز وجل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢] لولا هذا الرفع، هل يمكن أن يسخر لنا أحد يعمل لنا ما نريد؟ أبدا، تجيء للعامل تقول: تعال اعمل عندي، وبأعطيك فلوس، وأيش يقول؟ يقول (...) ما أنا بعامل، أنت تعمل عندي. تجد التاجر تقول له مثلا: أورد لي التجارة وأعطيك كذا وكذا، وأيش يقول؟ يقول اللي عندك عندي.. (...) وأنت ورد لي. وهكذا، فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله عز وجل وشرعه من التفاوت بينهم، هذا معسر وهذا موسر حتى يتبين بذلك حكمة الله عز وجل وتقوم أحوال العباد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إنظار المعسر يعني إمهاله، وجوب إنظار المعسر؛ لقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾.
ومنها أي من فوائد الآية: وجوب إمتداد إنظاره إلى الميسرة، لا إلى شهر ولا إلى سنة، وإلا إلى أسبوع إلى الميسرة، طيب وإن طالت مدة الميسرة؟ وإن طالت نعم.
* ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كيف ذلك؟ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمرًا إلى أن تزول العلة وهي العسرة حتى يجوز مطالبته، وفي عكس ذلك ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]] الغني يحرم عليه المماطلة، والدائن تحرم عليه المطالبة إذا كان المدين معسرا، لو أن الناس مشوا على تقوى الله عز وجل في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل، لكن نجد الغني يماطل، الدراهم عنده في الدرج أو في الصندوق، يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي. يقول: بكرة. يجيئهم بكرة، يقول: بعد بكرة، وهكذا، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[سبق تخريجه.]]، ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا ينظرون المعسر ولا يرحمونه، يقول: أعطني وإلا فالحبس، ويحبس فعلا، وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، لا يجوز أن يحبس، بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر، يعزر الدائن، لماذا؟ لأن طلبه مع الإعسار معصية، والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإبراء، فضيلة الإبراء من الدين؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإبراء سنة و الإنظار واجب، وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أليس كذلك؟ السنة الآن أفضل من الواجب بنص القرآن، وحينئذ يرد علينا إشكال وهو كيف نجمع بين مدلول القرآن الكريم هنا وبين قوله الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] فإن هذا يقتضي أن الفرائض أفضل من النوافل، أليس كذلك؟ وهذا لاشك فيه أن الفرائض أفضل من النوافل، وإن كان الجهلة منا والسفهاء يعتنون بالنوافل أكثر مما يعتنون بالفرائض، تجده في صلاة نافلة خاشعا يتدبر ما يقول وما يفعل، وفي صلاة الفريضة على العكس ينظر إلى الساعة تارة، وإلى القلم تارة، ويذكر شيئا نسيه فيخرج القلم يكتب براحته حتى لا ينسى، وفي النفل تجده خاشعا متدبرا ما يقوله ويفعل، وهذا لاشك أنه من جهلنا، وإلا فالعناية بالفرائض أولى من العناية بالنوافل، المهم كيف نجمع بين مدلول هذه الآية الكريمة وبين ما دل عليه الحديث القدسي؟ الجواب أن الجمع بينهما هو أنه إذا كان النفل شاملًا للواجب، شاملًا للواجب يعني يتضمن الواجب فهو أفضل؛ لأنه صار واجبا وزيادة، صار واجبا وزيادة عرفتم؟ طيب، الإبراء يتضمن الإنظار ولَّا لا؟ إي نعم، فيه إنظار وزيادة، أليس كذلك؟ فيه إنظار وزيادة، إذن فنقول إنما كان أفضل؛ لأنه مشتمل على الواجب وزيادة، ونظير ذلك ما قاله بعض العلماء: الوضوء ثلاثا سنة والوضوء مرة واجب، والثلاث أفضل من الواجب، كيف الثلاث أفضل من الواجب، وهي سنة والواجب فريضة؟ الجواب: لأن هذه السنة متضمنة للواجب، فهي واجب وزيادة، قالوا أيضا: ابتداء السلام سنة ورده فرض، والابتداء أفضل من الرد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧) ومسلم (٦٢٣٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري.]]، كيف هذا؟ والحديث: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[سبق تخريجه.]]. قالوا: نعم؛ لأن هذا الرد مبني على الابتداء، فصار الابتداء مشروعا لذاته ولغيره، لولا الابتداء ما حصل الرد، فلما كان الرد مبنيا على الابتداء صار الابتداء هنا أفضل؛ لأنه صار سببًا وذاتًا، فهو سلام ابتدائي وسبب لواجب فأعطي فضيلة الواجب؛ لأنه سببه، وفضيلة الابتداء؛ لأنه الابتداء، عرفتم؟
من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال، كيف؟ لقوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وتفاضل الأعمال يقتضي تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض، وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية، أن العمال يختلفون ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٥] ولَّا يستوون؟ لا يستوون، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، يتفرع على ذلك عندنا الآن من الآية الكريمة نأخذ تفاضل الأعمال يتفرع عليه: تفاضل العامل، يتفرع على ذلك: تفاضل الإيمان، تفاضل الإيمان، كيف ذلك؟ لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، هل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئه من الزكاة؟ انتبهوا يعني إنسان عليه مائة ريال زكاة، يطلب شخصا فقيرا مائة ريال: وقال: أبرأت هذا الفقير، أبرأته عن زكاتي، هل تجزئه أو لا؟ نشوف من الآية، هل تقولون إن الآية تدل على إجزاء إبراء الفقير عن الزكاة؟ لو قال قائل نعم الآية تدل على أنه يجزئ لأن الله سمى الإبراء صدقة وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] فإذا كان الإبراء صدقة، وأبرأت الفقير فقد أديت الزكاة، ولكن الصحيح أنه لا يجزئ، الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ، كيف؟ لأن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢٦٧] وجعل الدين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب، والمراد بالخبيث هنا الرديء ما هو الحرام، أليس كذلك؟ لأن العين ملك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء، والدين الذي على معسر مال تالف في الواقع، مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار ولَّا زواله؟ الأصل بقاء الإعسار، وحينئذ يكون هذا الدين بمنزلة المال التالف، فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا لا يجزئ بلا نزاع، بلا نزاع لا يجزئ، ولو قلنا يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأته ونويتها من الزكاة فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة، هذا لا يمكن؛ ولهذا لو خيرت شخصا فقلت: أنا أعطيك عشرة ريالات أو أحولك على إنسان فقير بالعشرة، وأيش يختار؟
* طلبة: العشرة.
* الشيخ: تعطيني عشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الله يهديكم تأملوا؟ قلت لإنسان: أنا باعطيك عشرة ريالات نقدا ولَّا باحولك على إنسان فقير، وأيش يأخذ؟
* الطلبة:العشرة.
* الشيخ: العشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ولا يتردد؟
* الطلبة: ولا يتردد.
* الشيخ: ولا يتردد، إذن صارت العشرة بالنسبة للدين من باب الطيب، وذاك من باب الرديء، لو أردت أن تعطي شخصا شاة سمينة صحيحة، وتعطيه شاة هزيلة مريضة، أيٍّ اللي يختار؟ الأول، هذا نفس الشيء، إذن نقول لا يجوز إبراء الفقير واحتساب ذلك من الزكاة، نعم، لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن دين، زكاة عن دين، إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدين فهذا ربما نقول إن هذا صحيح؛ لأن هذا الدين الذي أبرأت صار من جنس المال الذي زكيت به عنه.
البقرة 2:279
.. والحساب لهلك ما بقي عنده شيء؛ لأن نِعمة واحدة من نعم الله تحيط بكل الأعمال، أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسِر يُزاد عليه في الدَّين أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة لكن هذا هو الواقع؛ لأنه ما دام معسرًا فسبب الإنظار موجود، أو فسبب وجوب الإنظار موجود فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء يعني أن تعفوا عن الدَّين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُو﴾ بماذا؟ بإبراء المدِين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أُمهل حتى يُوسر، ومعلوم أن الأول أوْلى وأرفق بالمدِين وهو الإبراء، وإنما كان خيرًا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدِين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليمًا من الدَّين خير من إنظاره مع بقاء الدَّين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مُستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدًا، أوهم أن التصدُّق خير لنا إن كنا نعلم فإن لم نكن نعلم فليس خيرًا لنا، ولا شك أن هذا معنى فاسد لا يُراد بالآية، لكن المعنى (...)
* ومن فوائدها: كمال نعيم هؤلاء في الجنة لقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، لا خوف مما يستقبل ولا حزن على ما مضى.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء السادة الكرام إنما بنوا عملهم على عقيدة وهي الإيمان ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولهذا كلما تحقق الإيمان في قلب العبد صلحت أعماله، أو صارت أعماله أصلح، وكلما ضعف الإيمان في قلب العبد صارت أعماله أسوأ، ولو أننا انتبهنا لهذا وجعلنا الأعمال الصالحة مقاييس لما في قلوبنا لحصلنا خيرًا كثيرًا، إذا قلنا: أعمالنا الآن ما مدى صلاحها؟ هل هي على أكمل شيء أو لا؟ إن كانت على أكمل شيء بقدر المستطاع فهو دليل على أن قلوبنا فيها إيمان، هذا كمال الإيمان، وإن كان فيها نقص فالإيمان في القلب ناقص، بدل من أنك تذهب تتأمل في قلبك وتفكر عندك ميزان ظاهر وهو العمل كلما أكملته فإيمانك أكمل، وكلما ضعف فإيمانك ضعيف، ويشهد لهذا الميزان قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] » ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قلنا: إنها من باب الصفات أيش؟
* الطلبة: السلبية.
* الشيخ: السلبية، والصفات السلبية تكون لكمال ضدها، إذن أهل الجنة في غاية ما يكون من كمال النعيم لا يحزنون على شيء مضى، ولا يخافون من شيء مستقبل، نعيم الدنيا وأيش يكون فيه؟
* الطلبة: على العكس.
* الشيخ: على العكس، محفوف بحزن على ما سبق وخوف مما يلحق، فقارن بين النعيمين وما هي إلا ساعة ثم تنقضي.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٧] ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟
* الطالب: أن القرآن مثاني، مثاني في المعاني، فالله سبحانه وتعالى إذا ذكر معنًى عاقبه بما يضاده أو يقابله، فلما ذكر حال أهل الشر العاصين ذكر حال أهل الطاعة الطيبين.
* الشيخ: لا.
* الطالب: لما ذكر الذين يأكلون الربا وأنهم يقولون: إنما البيع مثل الربا ذكر الذين يعملون الصالحات ويتصدقون بأموالهم.
* الشيخ: نعم، صحيح، لما ذكر الربا وهو أساسه الظلم وأكل المال بالباطل عاقبه بذكر الإيمان والعمل الصالح وإيتاء الزكاة، طيب في هذه الآية أربعة أوصاف ذكرها الله عز وجل ما هي؟
* الطالب: أولًا: الإيمان، والعمل الصالح، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
* الشيخ: إيتاء الزكاة، لو قال قائل: إقام الصلاة من عمل الصالحات (...) الزكاة فيها مفعول محذوف. قسموا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هادول يحزنون كيف ما عملنا؟ لأيش ما عملنا؟ يقول ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] لكن هؤلاء لا يحزنون؛ لأنهم ربحوا دنياهم في الواقع فيحزن على أي شيء؟ كذلك لا يحزن على أن غيره أعلى منه منزلة في الجنة، فلا يحزن يقول: ليتني عامل مثل هذا العمل لأجل أن أنال درجته؛ لأن كل واحد قد رضي بما هو فيه من النعيم، كما قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أما النفي هنا فهو صفة سلبية يراد بها ثبوت كمال الضد، وهو كمال النعيم الذي ليس فيه خوف مما يُستقبل ولا حزن على ما مضى.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أولًا: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاعتناء به، لماذا؟ لأن النداء يفيد التنبيه، والتنبيه على خطاب سيُلقى يدل على الاهتمام بهذا الخطاب والعناية به، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن توجيهه أيضًا بلفظ الإيمان يفيد الإغراء، إغراء المخاطب لامتثال ما وُجِّه إليه، يفيد إغراءه لامتثال ما وُجِّه إليه كما لو قلت لك: أيها الرجل، افعل كذا وكذا، يعني أنني أغريك فتذكُر أنك رجل فتأخذك الشهامة فتفعل، كذلك هذا إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يذكر أنه مؤمن فيحمله إيمانه على أيش؟ على الامتثال والفعل إن كان أمرًا أو الترك إن كان نهيًا.
طيب فصار عندنا الآن مبحثان: المبحث الأول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية؛ لأن النداء للتنبيه، والتنبيه المقدم بين يدي الخطاب يدل على أهمية الخطاب، توجيهه للمؤمنين يُقصد به أيش؟ الإغراء والحث؛ يعني يا أيها الذين آمنوا بصفتكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، يدل أيضًا على أن مخالفته نقص في الإيمان، والقيام به كمال في الإيمان، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث مسعر بن كدام عن عبد الله بن مسعود.]] »، يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى مأخوذة من الوِقاية، وهي اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا امتثال أمره واجتناب نهيه، وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى التقوى، ولكن كل المعاني ترجع إلى هذا المعنى الذي ذكرنا وهو: امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ لأن به الوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وجه الخطاب إليهم بوصف الإيمان وأمرهم بالتقوى مما يدل على أن التقوى من مقتضيات الإيمان، وأن كل مؤمن حقًّا فلا بد أن يتقي الله عز وجل؛ لأن الإيمان إذا وقر في القلب صدقته الأعمال، وظهرت آثار ذلك على الجوارح، وعُرف الإنسان بإيمانه من تقواه.
وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي احذروا عقابه كما قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، والإنسان يجب عليه أن يحذر من عقاب الله عز وجل، وإذا حذر من عقاب الله اجتنب النواهي، ويجب عليه أن يرغب فيما عند الله من الثواب، وإذا رغب في الثواب فعل أيش؟
* الطلبة: الأوامر.
* الشيخ: الأوامر؛ لأن الأوامر عليها جزاء وثواب، فالترغيب فيها يحدو المرء إلى أن يقوم بها، والنواهي عليها عقاب، فالحذر منها يوجب للإنسان أن يبتعد عنها. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ و﴿اللَّهَ﴾ اسم عَلَم على الرب عز وجل، لا يُسمَّى به غيره، وهو أعرف المعارف على الإطلاق؛ لأن الله متى ذكر لا ينصرف الذهن إلا إلى الخالق عز وجل، ولهذا قالوا إنه أعرف المعارف؛ لأنه لا يشاركه أحد في هذه العلمية، لكن زيد وعمرو وبكر وخالد عَلَم لا شك ومعرفة إلا أنه يُشارَك في ذلك، أما هذا الاسم الجليل فإنه لا يشاركه أحد في مسماه.
قالوا: والأصل في كلمة ﴿اللَّهَ﴾ الإله، لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال كما حذفت الهمزة في الناس، وأصلها (الأناس)، وحذفت شر في وخير من قولهم: فلان خير من فلان وفلان شر من فلان، أي أخْيَر وأشَرّ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واختلف اللغويون هل هذا الاسم مشتق ولّا جامد؛ والصواب بلا ريب أنه مشتق، وأن جميع أسماء الله عز وجل تتضمن المعنى الذي اشتقت منه، فالسميع يتضمن السمع، والعليم يتضمن العِلم، والله يتضمن الألوهية، وهكذا ليس في أسماء الله تعالى اسم جامد لا يدل على معنى أبدًا، فالصواب أنه مشتق.
إذا قلنا: إنه مشتق وأصله الإله فما معنى الإله؟ الإله عند المتكلمين هو القادر على الاختراع، هذا الإله عند المتكلمين الذين يتسمَّون بالعقلاء، ومعلوم أننا إذا قلنا بهذا التفسير لم نخرج بتوحيدنا عن توحيد المشركين؛ لأن المشركين يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قلنا: (إله) بمعنى قادر على الاختراع صار معنى كلمة التوحيد: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهل هذا توحيد ينجي من النار ويعصم دم الإنسان وماله وأهله؟
إذا قلنا: لا إله إلا الله؛ أي لا قادر على الاختراع إلا الله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن المشركين يقرون بذلك، ومع هذا فهم مشركون مباحو الدم والمال والذرية، ولم يُدخلهم هذا التوحيد في الإسلام، فهذا التفسير بلا شك تفسير باطل، فليس معنى الإله القادر على الاختراع وإلا لكانت كلمة الإخلاص معناها أيش؟
* الطلبة: غير قادر.
* الشيخ: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا التوحيد هو توحيد المشركين تمامًا، ولكن معنى (إله) أي مألوه، فإله بمعنى مألوه؛ فهي (فِعال) بمعنى (مفعول)، ونحن نعرف أن اللغة العربية يأتي فيها (فِعال) بمعنى (مفعول) في مواضع كثيرة، مثل: غِراس وبِناء وفِراش، كلها بمعنى مَغروس ومَبني ومَفروش، فمعنى لا إله إلا الله أي لا مألوه إلا الله، إذن الله بمعنى المألوه؛ أي المعبود، المعبود حُبًّا وتعظيمًا، فلحبه نقوم بأوامره ولتعظيمه ندع نواهيه.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ شوف ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ترك ما بقي من الربا لا شك أنه من تقوى الله، لكن هذا من باب عطف الخاص على العام اعتناءً به، وإلا فهو من تقوى الله، لكن قدَّم الأمر بتقوى الله على الأمر بترك ما بقي من الربا ليكون الإنسان متهيئًا لقبول الأمر بترك ما بقي من الربا؛ لأنه إذا ورد عليه: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ورد على نفس مستعدة متهيئة لقبول ما تُؤمر به بعد ذلك، وقوله: ﴿ذَرُوا﴾ بمعنى اتركوا. ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ يعني إذا كان لكم معاملة ربوية وإلى الآن لم تقبضوا الربا فالواجب عليكم ترْك ما بقي من الربا أن تدعوا ما بقي من الربا، والربا في الأصل مر علينا أن الربا في الأصل الزيادة والنمو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥] أي زادت وعلت وارتفعت، وفي الشرع: تفاضل بين شيئين يحرم فيهما التفاضل أو نسأ في شيئين يحرم فيهما النَّسأ، فليس كل تفاضل ربًا وليس كل نَساء ربا، فلو أبدلت سيارتين بواحدة فليس بربا، ولو أبدلت سيارة بسيارة إلى أجل فليس بربا؛ لأن الربا إنما هو في أشياء مخصوصة خصَّها الشارع، وسبقت لنا.
قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا أيضًا من باب الإغراء مرة أخرى، يعني إن كنتم مؤمنين حقًّا فدعوا ما بقي من الربا، وهذه الجملة يقصد بها الإغراء والإثارة، إغراء الشخص وإثارته، إن كنت مؤمنًا حقًّا فدع الربا، فإن قلت: كيف يوجه الخطاب إلى المؤمنين ويقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ أفلا يكون في هذا تناقض؟
الجواب: لا؛ لأن معنى الثانية التحدي وليست الشرطية المطلقة أي إن كنت صادقًا في إيمانك فاتقِ الله وذر ما بقي من الربا. واضح؟
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق لنا أن الإيمان عند كثير من العلماء بمعنى التصديق، والصحيح أنه أخص من التصديق فهو إيمان بإقرار وقبول وإذعان، قالوا: والفرق بين (آمن له(، و(آمن به) أن الإيمان له إيمان بالمخبِر، والإيمان به إيمان بالمخبَر به، فإذا قلت: آمنت لفلان؛ أي صدقته فيما أخبر به، وإذا قلت: آمنت بكذا وكذا؛ أي صدقت بهذا الشيء بما أُخبر عنه، فتعديه باللام بالنسبة لمن؟
* الطلبة: للمخبِر.
* الشيخ: بالنسبة للمخبِر، وبالباء بالنسبة للمخبَر به، هذا هو الفرق بين: آمن له، وآمن به، لكن هنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لله ولَّا بالله؟
* الطلبة: بالله.
* الشيخ: بالله لأن الله أخبر عن صفاته عز وجل، فالإيمان به إيمان به بما أخبر به عن ذاته وعن صفاته.
* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد: أولًا: بلوغ القرآن الغاية في البلاغة، وذلك لأن الكلام في القرآن يأتي دائمًا مطابقًا لمقتضى الحال، فإذا كان الشيء مهمًّا أحاطه بالكلمات المثيرة التي تجعل النفوس قابلة لذلك، وهذا غاية ما يكون من البلاغة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر، ومسلم (٨٦٩ / ٤٧) من حديث عمار.]] ».
* من فوائد الآية الكريمة: أن تصدير الخطاب بالنداء يفيد التنبه والتلقي له لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يوجِّه الخطاب على وجه يثير المخاطَب ويحمِّسه للقبول والانقياد لقوله هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى وصية الله سبحانه وتعالى لعباده الأوَّلين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١] فإن قلت: هل هناك فرق بين التقوى وبين البر؟ فالجواب: إن ذُكِرا جميعًا فبينهما فرق، وإن افترقا فهما واحد يتفقان، فـ ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] يفسر البر بفعل الطاعات والتقوى بترك المحرمات، وإذا جاءت التقوى مُفردة تعُم هذا وهذا، وإذا جاء البِر مطلقًا يعُم هذا وهذا، يعُم التقوى بالتضمن؛ لأننا إذا أُمرنا بفعل الخير فلازم ذلك أو مقتضى ذلك ترك الشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ترك الربا وإن كان قد تم العقد عليه لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وهذا في عقد استُوفي بعضه وبقي بعضه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام وإن عُقدت في حال الشرك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ وإلا لو نفَّذنا العقود التي كانت في الشرك مع تحريمها في الإسلام لكان ما بقي من الربا جائزًا، ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت ولم يكن سبب تحريمها قائمًا الآن فإنها أيش؟ تنفذ على ما مضى ولا تُبطل، لو أنهما باعا بيعًا محرمًا في حال الكفر ثم أسلما عليه وسبب المانع غير قائم الآن فإنه يمضي على ما مضى عليه حتى لو كان ربًا، لو تعاقدا عقد ربا وهما كافران ثم استوفياه فإن ذلك يمضي وينفذ لقوله تعالى فيما سبق: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولو عقد الكافر على امرأة معتدة ثم أسلما وقد انقضت العدة ها؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: فالنكاح صحيح، ولو تزوج أخت زوجته، ثم ماتت الزوجة الأولى وأسلم فالنكاح باقٍ، ولو تزوج أخته ثم أسلم؟
* الطلبة: يفرق بينهما.
* الشيخ: يفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم قائم. إذن نستفيد من الآية الكريمة أنه إذا أسلم الإنسان على شيء محرّم، وسبب التحريم قائم وجب إلغاؤه لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تُؤخذ لئلا يستعين بها البنك على الربا، وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر. عرفت؟ فنقول: أأنتم أعلم أم الله؟ والاستحسان في مقابلة النص باطل، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يقل: خذوه فتصدقوا به، فإنه يجب علينا أن نذر ما بقي من الربا، أن ندعه.
فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكًا غير إسلامي بنك كفار وتركناه له صرفوه إلى الكنائس وإلى السلاح الذي يُقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم ونما به رِباهم فما الجواب؟ نقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خُوطبنا به، والنتائج ليست إلينا، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ نذره، كونهم يصرفونه إلى كذا أو إلى كذا، أو تنمو به أموالهم هذا ليس إلينا، ثم إننا نقول: هل هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل صحيح أنها فائدة من أموالنا؟ الجواب: لا، قد يكون المال الذي أعطيته إياه قد لا يربح، قد يتلف، فهذا الذي يعطيك ليس هو نماء مالك، حتى تقول: والله هذا نماء مالي أبي آخذه، أريد أن آخذه وأتصدق به تخلصًا منه، نقول: من يقول إن هذا نماء مالك قد يكون مالك الخاص اشتروا به شيئًا فخسروا أو احترق، ثم هو ليس نماء مالك أيضًا من جهة أن نماء مالك لا يكون محددًا بل هو قابل للزيادة وقابل للنقص، فليس هو فائدة مالك حتى تقول: والله إني أخشى أن آثم إذا أبقيته عندهم يصرفونه إلى ما حرم الله.
ثم إننا نقول: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة، في إصلاح طرق، في بناء مساجد تخلصًا منه، أو تقربًا به، نقول له: إن فعلت ذلك تقربًا لم يُقبل منك ولم تَسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك، وإذا صرفته على أنه ملكك لم يُقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث، ومن اكتسب مالًا خبيثًا فأنفقه وتصدق به لم يُقبل منه، وإن أخرجته تخلصًا منه فأي فائدة من شيء نقول: تلطَّخ به ثم حاول أن تغسله من يدك؟! أيش الفائدة؟! فإذا كنت الآن تعترف بأنه لا يحل لك فلماذا تأخذه ثم تحاول تخلصه؟!
ثم نقول أيضًا: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يُخرج هذا تخلصًا منه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ربما إذا شاف الفائدة كبيرة كما يقولون إنها فائدة تغلبه نفسه ولا يُخرجه، (...) يقول: والله هذا مال كثير هذا شينو أطلعه، افتح الصندوق يا ولد حطوه فيه، إذا فتح الصندوق قال: أستغفر الله وأتوب إليه أخاف الله، إذن طلعه بره، إذا أراد يطلعه بره ثقل في يده ثم قال: رجعه للصندوق، ربما في النهاية أن يكون في الصندوق.
أيضًا أخذته أنت وقال الناس: إن فلانًا أخذ هذه الفائدة- التي يسمونها الفائدة- أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؛ لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تُخرج هذا المال وتتخلص منه؟ بلى، يمكن يقتدي الناس بك، والله فلان أخذ، لستَ تكتب إعلانًا بأنك أخذت هذا وأنفقته، الناس لا يعملون فيقتدون بك، وإذا اقتدوا بك وأخذوا وحتى لو علموا أنك تصرفه وتتخلص منه يرد عليهم ما أوردناه عليك من قبل وهو الشُّح وعدم التخلص منه، ولهذا نرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مُطلقًا، وماذا ستكون مقابلة الله عز وجل يوم القيامة إذا كان الله قد قال لك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ثم أنت تأخذه باستحسان بعقلك.
ثم إننا نقول: إن الإنسان إذا أخذ هذا الشيء لا يكاد يقلع، لا يكاد يقلع عن وضع الأموال في البنوك الربوية المحرمة الكافرة، لكن إذا قلنا لا تأخذه فسوف يبقى يحسب ألف حساب قبل أن يضع المال في البنك، إذا علم أنه محرَّم عليه، كل هذه الأشياء تدل على حكمة الله عز وجل في قوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يُوجِّه العباد إلى شيء آخر، ما قال: خذوه وتصدقوا به.
* من فوائد الآية الكريمة: أن ممارسة الرِّبا يُنافي الإيمان لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ولكن هل يُخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج نعم يُخرجه من الإيمان إلى الكفر، وهو عند الخوارج كافر كفرعون وهامان وقارون، كافر؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان، لكنه يخشى عليه من الكفر، لا سيما أكل الربا؛ لأن آكل الربا يتغذى بأيش؟
* الطلبة: بحرام.
* الشيخ: بحرام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين ذكر الرجل «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] » نسأل الله العافية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث حرَّم عليهم ما يتضمن الظلم وأكَّد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، اثنين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ثلاثة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والحُكم: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الله أكبر، ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ما بقي من الربا، ما بقي، كيف هذا اللي بيُجدد عقد الربا؟ إذا لم تفعلوا وتتركوا ما بقي من الربا فهذا الحُكم، أيهما أشد هذا أو الذي يبتدئ الربا؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني أشد، الذي يبتدئ الربا أشد من شخص تعامل بالربا قبل نزول الآية وأخذ ما بقي، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ﴿فَأْذَنُوا﴾ وفي قراءة: ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ائذنوا بمعنى اعلموا، ولكنه ضُمّن معنى اليقين أو الإيقان، أي فأيقنوا بحرب من الله ورسوله هذا على قراءة: ﴿فَأْذَنُوا﴾، أما على قراءة: ﴿فَآذِنُوا﴾ فهي بمعنى: أعلِموا، أعلِموا بالحرب، آذِن بكذا يعني أعلِم به، قال النبي عليه الصلاة والسلام للنساء اللاتي يُغسّلن ميتة: «إِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩ / ٣٦) من حديث أم عطية الأنصارية.]] » يعني أعلمنني، ففي الآية قراءتان: ائذنوا، وآذنوا، (ائذنوا) بمعنى (اعلموا)، لكنه ضُمّن معنى اليقين، أيقنوا بحرب يعني أيقنوا أنكم محاربون، لمن؟
* الطلبة: لله ورسوله.
* الشيخ: لله ورسوله، الله أكبر! من يستطيع أن يقابل الله ورسوله بالحرب؟! أو أعلموا يعني أعلموا غيركم أنكم محاربون لله ورسوله.
وقوله: ﴿آذِنُوا بِحَرْبٍ﴾ أو ﴿ائْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ هل معناه أن الإنسان يُصوّت يقول: أيها الناس طالعين نحارب لله ورسوله؟ أو مجرد بقائه على الربا إعلام؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: نعم، الثاني، الثاني هو المراد؛ لأن الأول قد لا يفعله الإنسان، قد لا يقوم الإنسان على باب دكانه ويقول: أيها الناس، أخبركم بأني محارِب لله ورسوله ما يقدر، ولا هو قائل هكذا، لو قال هكذا على عتبة دكانه لكان أول من يرجمه صغار الناس بالحجارة، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول: إحنا جند الله ما دام أنك تحارب الله بس خذ حجارة برأسه وحجارة بصدره، لكنه ما يقول هكذا بلسانه، يقول هكذا بأيش؟
* الطلبة: بأفعاله.
* الشيخ: بفعله، فبقاؤه واستمراره على أكل الربا إيذان بحربه لله ورسوله، أي عقوبة أشد من هذه العقوبة إلا عقوبة الشرك بالله عز وجل؟! ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأتِ على ذنب دون الشرك. أبدًا أشد من الزنا، ولهذا جاء في الحديث الذي له طرق متعددة: «أَنَّ الرِّبَا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أُمَّهُ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (٢٢٧٤) من حديث أبي هريرة، والحاكم في المستدرك (٢٢٩٠) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] » وهذا كل يستبشعه، فالربا ليس بالأمر الهين، والله إن الواحد ترتجف فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية إذا كان مؤمنًا ائذنوا بحرب من الله ورسوله وأيش أنت يا ابن آدم؟! تحارب الله ورسوله علنًا تعلنه للناس؛ لأن أعلموا يعني أخبروا الناس بأنكم حرب لله ولرسوله ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وإنما كان كذلك لمحبة الله عز وجل للعدل وكراهته للظلم، والربا ظلم، ولكن لما كان ظلمًا تدعو النفوس إليه دعوة قوية؛ لأنه لا يأتي عَنوة، الظلم عنوة لا يقدم الظالم عليه إلا بعد أن يحسب ألف حساب، وسيجد من يمنعه ويصادمه، لكن هذا يأتي باختيار، باختيار منين؟
* طالب: من المحتاج.
* الشيخ: من المرابي من كلا الرجلين، آكل الربا وموكله، يأتي من هذا ومن هذا؛ لأن موكل الربا محتاج، ولولا أنه محتاج ما اختار لنفسه أن يُغلب، وآكل الربا ظالم معتدي ليس فيه قلبه رحمه، ولهذا نجد الآن أولئك القوم الذين يتحيلون على الربا بما يسمونه المداينة نجدهم كلما كان المستدين أفقر كان غُرمه أكثر، هذا هو الواقع، يجي إليهم الإنسان الذي يعرفون أنه سيوفي يقول: تعالَ بندينك العشر إحدى عشر؛ يعني المئة بكم؟
* الطلبة: بمئة وعشرة.
* الشيخ: مئة وعشرة، يجيهم الإنسان الفقير اللي يعرفون أنه ما يوفي إلا بعد سنتين أو ثلاثة إلا أن يموت له قريب غني، ومتى يموت له قريب غني؟! أو إن كان هو طماع يزوج بنته ويأخذ مهرها. على كل حال إذا جاءهم الفقير يعطونه العشر خمسة عشر أو أكثر، يا بن الحلال لأيش؟! قال: لأن الأول دسم وهذا هزيل، الأول دسم وأيش معنى دسم؟
* الطلبة: غني.
* الشيخ: يعني غني يمكن الآن أعوزته الدراهم وبيوفي، لكن ذا هزيل اركع له، هل هذه المعاملة معاملة رحمة ولّا معاملة قسوة؟
* الطلبة: معاملة قسوة.
* الشيخ: معاملة قسوة، لو كان بهم رحمة لكان الفقير أقرب إلى أن يُنزَّل عنه من الغليبة صح ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ومع ذلك يمسحون دموع التماسيح يقول: والله إحنا نرحم الناس يجينا إنسان فقير يبى يتزوج ولّا يبى يبني بيت نرحمه نعطيه، وأيش نسوي؟! لو ما نعطيه قعد ما تزوج ولا قعد بلا بيت، طيب كم أعطيته؟ قال: أعطيته العشرة بخمسة عشرة، لماذا؟ قال: لأنه بيبطي ما يوفي، وذاك الثاني الإنسان اللي فيه دسم على ما يقولون يُعطى العشر إحدى عشر.
إذن أنا أريد بهذه الأمثلة أن أخلص إلى أن الربا مبناه أيش؟
* الطلبة: الظلم.
* الشيخ: الظلم، مبناه الظلم، ولهذا كانت من حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن جعل هؤلاء المرابين معلنين للحرب على الله ورسوله، يعلنونها أمام الناس ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
هل باب التوبة مغلق؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا والله ما هو مغلق، ولا يُغلق من أرحم الراحمين ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] مهما عملت من ذنب فاعلم أن أمامك من يفرح بتوبتك «لَلَّهُ بِتَوْبَتِهِ أَفْرَحُ أَوْ أَشَدُّ فَرَحًا مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي أَضَاعَ نَاقَتَهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ وَجَدَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٤ / ٣) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] ».
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
ما معنى قوله: ﴿ذَرُوا﴾؟ اتركوا. كيف يقول اتركوا ما بقي ولم يقل: اتركوا الرِّبا؟
* الطالب: لأنه ربما يكون قد عقدوا على الربا فيأمرهم بأن يتركوا هذا الربا.
* الشيخ: حتى ما عُقِد عليه. يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ما نوع هذا العطف؟
* طالب: لأن من تقوى الله ترك الربا.
* الشيخ: أحسنت هو عطف الخاص على العام (...) والاعتناء به.
* الطالب: (...)
* الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه جملة شرطية أين جوابها؟ عند النحويين؟ أظن قرأنا هذا؟ ما ناقشناه طيب هذا المشهور عند النحويين، فيه رأي آخر؟ من يعرف؟ فيه رأي آخر.
* الطالب: لأن مثل هذا لا يحتاج إلى جواب
* الشيخ: أحسنت؛ لأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب ما دام قد ذُكر مضمونه فلا حاجة إلى تقديره، وهذا هو الذي يميل إليه ابن القيم رحمه الله بأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن مضمونه قد سبق، فلا حاجة أن نقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ما حاجة، نقول: لأن مضمون الجواب قد سبق فلا حاجة إليه.
إذا قال قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾؟
* طالب: ﴿فَآذِنُوا﴾
* الشيخ: ما معناها؟
* الطالب: أعْلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله.
* الشيخ: أعلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله أحسنت. و﴿فَأْذَنُوا﴾؟
* الطالب: فاعلموا.
* الشيخ: فاعلموا، طيب وأيش معنى فاعلموا بحرب (...) بأنفسكم. يؤخذ من مجموع القراءتين؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: يعني اعلموا وأعلموا غيركم بذلك كذا؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: طيب هذا على قراءة ائذنوا يعني اعلموا أنكم محاربون الله ورسوله هذا على قراءة ائذنوا على قراءة: ﴿آذِنُوا﴾ اللي يؤخذ من مجموع القراءتين؟
* طالب: اعلموا أنتم بأنفسكم.
* الشيخ: يعني اعلموا أنتم بأنفسكم وأعلموا غيركم أيضًا، وهذا أشد، هذا أشد إن الإنسان يَعلَم ويُعلّم.
إذا قال قائل: هل آذن هؤلاء الرِّبويون آذنوا غيرهم بأنهم محاربون؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: طيب إذا قال قائل: هم محاربون لله. ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إذا قال قائل: إيذانهم بحرب من الله واضح، لكن كيف يأذنون بحرب من رسول الله ﷺ وهو قد مات؟ فالجواب: أن هذا محاربة شريعته، محاربة شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ومحاربة شريعة الرسول محاربة له كما أن نصر شريعة الرسول نصر له.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿تُبْتُمْ﴾ أي رجعتم إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته، والتوبة نوعان؛ توبة مطلقة، وتوبة مقيدة، وإن شئت فقل: عامة وخاصة، توبة عامة من جميع الذنوب بحيث يكون الإنسان محافظًا على أوامر الله وترك نواهيه، وهذه هي التوبة الْمُطلقة ما هي مطلق توبة، توبة مطلقة تامة يستحق بها التائب أن يُلحق بالتوابين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] وعلى هذا أن يكون الإنسان تائبًا من كل ذنب، لا يصر على ذنب، هذه التوبة المطلقة، ومنها قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ إلى آخره [التوبة: ١١٢].
النوع الثاني: توبة مقيدة أو خاصة، وهي التوبة من ذنب خاص معين، فهذه تصح وتُعتبر، ويقبل منه أن يتوب إلى الله تعالى من هذا الذنب المعين وإن كان مُصرًّا على غيره، فالتائب من الربا تصح توبته وإن كان يشرب الخمر مثلًا، والتائب من شرب الخمر تصح توبته وإن كان يتعامل بالربا، هذه توبة خاصة، لكن لا يستحق التائب هنا أن يلتحق بذوي الوصف المطلق بالتوبة فيقال: إنه من التائبين؛ لأنه لا يمكن أن نُطلق عليه التوبة أنه من التائبين وهو مُصرّ على معصية، لكن توبته من الذنب المعيّن مقبولة؛ لأن هذا هو مقتضى العدل؛ عدل الله عز وجل، وذهب بعض أهل العلم إلى أن التوبة لا تُقبل من ذنب مع الإصرار على غيره، بل لا بد أن يعمل عملًا صالحًا في كل عبادته، وقال آخرون: لا تُقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على جنسه، ما هو على غيره، فالتوبة مثلًا من النظر للنساء الأجنبيات لا تُقبل إذا كان يتحدث إليهن؛ لأن الكل من جنس واحد، وإن كان النوع مختلفًا هذا حديث وهذا نظر، لكن الجنس واحد يعود إلى شهوة الفرج، ولا تقبل توبة الإنسان الذي يشرب الخمر مع الإصرار على بيع الخمر؛ يعني لا تصح توبته من شرب الخمر مع الإصرار على أيش؟
* الطلبة: على بيع الخمر.
* الشيخ: على بيع الخمر؛ لأن الجنس واحد، وهذا قول له وجه، لكن أقرب الأقوال عندي القول الأول أنها تصح التوبة من الذنب بعينه، ولو مع الإصرار على غيره؛ لأن هذا هو مقتضى العدل ومقتضى قول الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]] » والمسألة كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: لها غور، يعني لها غور بعيد؛ لأن التوبة الحقيقية وهي الرجوع إلى الله عز وجل لا تكون مع الإصرار على الذنوب أبدًا؛ لأن ما يقوم بقلب التائب من تعظيم الله عز وجل والخوف منه يمنعه أن يمارس شيئًا من الذنوب، لكنها توبة قاصرة ناقصة التوبة من ذنب معيّن خاصة.
ثم إن التوبة لها شروط، شروط خمسة يعدها علينا؟ (...) الندم على ما فعل طيب كل هذه الشروط واضحة؛ الإخلاص بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد من الخلق، أو مراعاة شيء من الدنيا.
الثاني: الإقلاع عن الذنب، فإن لم يُقلع فهو كاذب، كيف يقول: أتوب إلى الله تعالى من الربا وهو يرابي؟ هذا كاذب.
ثالث: الندم على ما وقع منه، الندم أن الإنسان يشعر بندم وحزن وأسى، فإن قلت: الندم انفعال وليس بفعل فكيف يُكلف الإنسان به؟ فالجواب: أن الانفعالات النفسية يحدثها التفكيرات العقلية، أليست المحبة والبغضاء انفعالًا؟ ومع ذلك يمكن للإنسان أن يحب الشيء إذا ردّد نتائجه وثمراته بفكره أحبه، والبغضاء كذلك يمكن إذا فكّر ونظر في النتائج والعواقب السيئة كره الشيء، كذلك هذا إذا فكر في عواقب الذنوب وآثارها السيئة حصل منه أيش؟
* الطلبة: ندم.
* الشيخ: ندم وأسف وحزن على ما مضى.
الرابع: العزم على أن لا يعود، وانتبه لقولك: العزم على أن لا يعود دون أن تقول أن لا يعود؛ لأن بينهما فرقًا عظيمًا؛ العزم على أن لا يعود معناه لو عاد فيما بعد غلبته نفسه وعاد فإن توبته السابقة لا تبطل، لكن لو قلت: الشرط الرابع أن لا يعود لكان إذا عاد بطلت توبته، والأمر ليس كذلك.
الخامس: أن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] هذا ما له توبة، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام بل لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] وبعض الآيات هنا المراد به طلوع الشمس من مغربها.
* الطالب: (...)
* الشيخ: نعم، وهو؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: يدخل في الإقلاع.
* الطالب: يقلع (...)
* الشيخ: ما يمكن ما أقلع حتى يعطي صاحبه.
* الطالب: الأصل إذا كان أقلع (...)
* الشيخ: طيب ما يحتاج، الإقلاع بالمعنى الحقيقي، لا إقلاع مع إصرار. هذه خمسة شروط للتوبة، بالنسبة للربا التوبة منه تنطبق على هذا، لا بد أن توجد فيها هذه الشروط الخمسة. ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ رؤوس جمع رأس، والرأس هنا بمعنى الأصل؛ يعني لكم أصول الأموال، وأما الربا فليس لكم، الربا ليس لكم.
ثم علل الله عز وجل هذا الحكم بقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ لأنكم لم تأخذوا الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ لأنها لم تُنقص رؤوس أموالكم.
فلا يقول قائل: إن المرابي يجب أن يُعذَّر بأن يؤخذ من رأس ماله بمقدار ما أَخذ من أيش؟
* الطلبة: من الربا.
* الشيخ: من الربا، فمثلًا إذا كان أخذ العشر اثني عشر نقول: ننقص رأس ماله عشرة ننقص عشرة إلى ثمانية وشيء؛ لأن نسبة اثنين لاثني عشر ما هي نسبة الاثنين للثمانية أو العشرة.
على كل حال لا نقول هذا ولا هذا، لا يَظلم غيره بأخذ الربا ولا يُظلم بأن ينقص شيء من رأس ماله لتجرئه على الربا، وهذا تمام العدل.
طيب إذا كان له رأس المال لا يظلم ولا يظلم فأين يكون الربا؟ هل يبقى عند المرابي أو يؤخذ منه ويجعل في بيت المال؟ الآية الكريمة يقول الله فيها: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ فالمرابي لا يستحق الآن إلا رأس ماله فقط، بقينا في المأخوذ منه الربا إن أبقينا له الربا معناه أنه كسب، كسب مرتين، مرة بوجود المال عنده كل هذه المدة ينتفع به، والمرة الثانية ببقاء هذا الربح عنده، نرجع إلى القواعد الشرعية فنقول: هذا الربح قد أعطاه المأخوذ منه باختياره، والتزمه باختياره، ولكن لما كان هذا التزامًا غير شرعي قلنا: إننا نأخذه منك ونجعله في بيت المال، كما نقول في مهر البغي وحُلوان الكاهن، نعم لو فُرض أن المرْبي الذي أخذ منه الربا قد بذل الربا كرهًا بأن قال له عند حلول الأجل: إما أن تقضيني وإما أن تزيد وتُربي، فأربى من أجل أن يبقى الدين في ذمته لأنه معسر، فهذا نقول: له الربا، ولا يؤخذ منه شيء.
يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ لأن الجبرية يقولون: إن الإنسان لا يستطيع الفعل؛ لأنه مجبر، ولا التَّرْك؛ لأنه مجبر، وعلى رأيهم يكون تعطيل الأمر والنهي، يكون الأمر والنهي معطلًا؛ لأن الإنسان ما يقدر يفعل ما أُمر به ولا يترك ما نُهي عنه، وهذا حقيقة تعطيل الأمر والنهي، والبحث في هذا والرد عليهم ومناقشتهم معروف في التوحيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصر على الربا معلن الحرب على الله ورسوله لقوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان معلنًا الحرب على الله ورسوله فهو معلن الحرب على أولياء الله ورسوله، من هم؟ المؤمنون؛ لأن كل مؤمن يجب أن ينتصر لله ورسوله، وكل حرب على الله ورسوله فهي حرب على المؤمنين؛ لأن هؤلاء المؤمنين هم حزب الله عز وجل، وحينئذٍ يكون المرابي معلنًا الحرب على الله ورسوله والمؤمنين، أما على الله ورسوله فدلالة ذلك عليه دلالة المطابقة، وعلى المؤمنين دلالة التزام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم الربا، وأنا لا أذكر أن شيئًا من الذنوب صار بهذه المنزلة، تذكرون شيئًا؟
* طالب: الشرك.
* الشيخ: لكن الشرك صحيح ذُكر لكن ما ذُكِر بهذه الصيغة ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ شوف النبي عليه الصلاة والسلام لما قال:
«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟». قَالُوا: بَلَي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧ / ١٤٣) من حديث أبي بَكْرة نفيع بن الحارث، واللفظ للبخاري.]] لأنها تتعلق بالآدميين، والنفس مجبولة على العدوان على غيرها إلا من عصم الله، فلهذا جاء مثل هذا الوعيد العظيم في آكل الربا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على كل من تاب إلى الله عز وجل من الربا أن لا يأخذ شيئًا مما استفاده بالربا لقوله: ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رأس المال لأي غرض كان سواء أخذته لتتصدق به، أو لتبذله في المنافع العامة، أو لتتقي به كما يقال أن يُصرف هذا في كنائس أو في أسلحة ضد المسلمين أو ما أشبه ذلك، المهم أنك إذا كنت صادقًا في التوبة فلا تأخذ أكثر من رأس المال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الحكمة في تحريم الربا، وهي: الظلم لقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
فإن قلت: في بعض صور الربا لا ظلم، قلنا: إن العِلّة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها، فإن الحكم لا يتخصص بفقدها، أو لا ينتفي بفقدها، صحيح أنه يوجد في بعض الصور صور الربا ما ليس فيه ظلم كما لو اشترى الإنسان صاع بُر طيب بصاعي بُر رديء يساويه في القيمة، فهنا فيه ظلم ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما فيه ظلم، ما فيه ظلم أبدًا، ولهذا لا تجد أحدهما يقول: أنا صابر على الظلم؛ لأنه ما فيه ظلم، لكن محمدًا ﷺ رسول الله الذي جاء بهذا القرآن قال لما أُخبر بمثل هذه الصورة قال: «أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤ / ٩٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] » فدل هذا على أن تخلف الظلم في بعض الصور لا يخرجها عن حُكم الرِّبا الحكم العام؛ لأن هذه العلة منتشرة لا يمكن ضبطها، وقد يرضى الفقير بأن يُعطى مئة درهم بمئة وعشرين، ويقول: أنا راضٍ بهذا؛ لأنني سوف أنتفع بهذه الدراهم من الآن وهذاك سوف يُحجب نفعها من الآن، فأنا مُنتفع في بمقابل الزيادة، وذاك محجوب عنه النفع أيضًا في مقابل الزيادة التي أُعطيها فلا ظلم، أنا انتفعت بالمال وزاد عليَّ كمية وذاك حجب انتفاع المال وزِيد له.
* طالب: كالبنوك.
* الشيخ: كالبنوك وغير البنوك، المهم أننا نقول: إن مثل هذه العِلَّة لما كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يكون أيش؟ يكون فيها عامًّا، وهذا له أمثلة كثيرة ودائمًا نجد في كلام أهل العلم مثل هذا التعليل: إن العلة إذا كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يعُمّ ولا ينظر للعلة، علّة القصر في السفر والفطر في السفر المشقّة، لكن إذا كان الإنسان يسافر بالطائرة ما فيه علّة، ما فيه مشقة إطلاقا، هل نقول لا يفطر؟ لا، هل نقول لا يَقصر؟ لا، بِناء على هذا الذي أشرنا إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾.
* ومن فوائدها: رحمة الله تعالى بالعباد حيث أرسل إليهم الرسل، وذلك لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما ينفعها ويضرها على وجه التفصيل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: العقول تعرف ما ينفعها ويضرها على سبيل الجملة، لكن على سبيل التفصيل لا تعرف لقصورها ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل، فكان في هذا رحمة عظيمة للخلق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم لقوله: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نعم، نقول: يتصدق بها تخلصًا منها لا تقربًا بها فينويها لمن؟
* الطلبة: لصاحبها.
* الشيخ: لصاحبها، والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيُخيِّره يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي فالأجر للمتصدِّق، إن قال: أريد أجره فأجره له قد نُوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* الطالب: اختلاط المالين المحرم والحلال هل يصلح أن (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلًا بُرّ وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضها على بعض، أما إذا كان ما يمكن فلا طريق لاجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (كان) المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرًا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: (كان) هذه تامة، وإذا كانت تامة فإنها تكتفي بمرفوعها قال ابن مالك في الألفية:
........................... ∗∗∗ وَذُو تَمَــــامٍ مَــــا بِرَفْــــعٍيَكْتَفِــــــــــــــــي؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِص............. ∗∗∗ ...........................
وذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي، هذه تامة، وعلى هذا نقول: (كان) فعل ماضٍ، و(ذو) فاعل رُفع بالواو؛ لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ و﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فيكف نُقدّر هذا الخبر؟ نُقدّر فعليكم ولَّا فله؟
* طالب: فعليكم.
* الشيخ: أو فالواجب عليكم نَظِرة، أو فعليكم نَظِرة، أو فله نَظِرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب عليَّ أن أوفيه حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبدأ بالإعراب قبل الشرح، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه (أن) المصدرية فيُحوّل إلى مصدر، ويكون التقدير: تَصدُّقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة الشرطية نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني إن وُجد ذو عسرة، أي صاحب عُسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الرِّبا، الربا محرم فما الذي بقي؟ الإنظار والإبراء؛ يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نَظِرة بمعنى إنظار؛ يعني عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يُوسِر بسنة، قد يُوسر بسنتين بثلاث، قد لا يُوسر أبدًا، فيقال: يُفرّق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئًا على شخص فقير وقلت: إلى ميسرة فالمعروف عند أكثر أهل أكثر العلم أن ذلك ليس بصحيح، لماذا؟ لأنها مجهولة، مجهول، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الغرر، لكن لو أنك بِعت عليه ثم تبين إعساره فالواجب أيش؟
* الطلبة: إنظاره.
* الشيخ: إنظاره إلى ميسرة إن لم تختر الفسخ، إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تخترِ الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه مُعسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن أن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك والله ما عندي شيء لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ لِتَشْتَرِيَ ثَوْبَيْنِ إِلَى مَيْسَرَةٍ[[أخرجه الترمذي في جامعه (١٢١٣) من حديث عائشة.]] » فهذا يدل على أن مثل هذا جائز.
* طالب: (...) مراده إذا أخذ فائدة الربا بيعطيه مثل ما أخذ؟
* الشيخ: أبدًا ما هو جائز.
* الطالب: يعني يتقاس على البنوك (...)؟
* طالب: شيخ، (...)
* الشيخ: المهم أن هذا موجه إلى شيء معين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وأما الآية اللي في الفاتحة فلا شك أن الإنسان محتاج إلى الهداية في كل حين حتى في نفس العمل محتاج للهداية.
* الطالب: يعني ما يخالف (...)؟
* الشيخ: ما أظن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا يحتاج إلى أن يُنظر في ديونه، فإذا كانت ديونه أكثر من موجوداته فإنه يُحجر عليه، وإذا حُجر عليه يُباع ماله ويُوزع على الغرماء بالقسط.
* الطالب: فائدة من قول الله تعالى: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] » هل تضاف هذه للآية؟
* الشيخ: إي نعم، هذه تضاف إلى الآية صح.
* الطالب: فيه فائدة.. فائدة أخرى أن حرف (...)
* طالب: إذا تاب المرابي، هل يرد كل الربا الذي مضى سابقًا أو نفس العقد اللي تم الآن بين المرابي والمرابى له؟
* الشيخ: لا، الواجب يعيد كل ما أخذ.
* الطالب: حتى السابق.
* الشيخ: حتى السابق.
* الطالب: إذا كان لا يعلم؟
* الشيخ: إذا كان لا يعلم فقد نقول إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ كما عَلِم له ما سلف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يجب على المسلمين أن يعطوه.
* الطالب: إذا ما وجدوا؟
* الشيخ: ما وجدوا؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: له أن يأخذ من ماله يلتزم بذلك ولا يوفيه، يعني ما يوفيه الربا قصدي الزائد الأصل لازم أن يوفي.
* الطالب: يا شيخ، إنسان موظف في البنك ويتعامل في الربا ثم دعاني للطعام عنده (...) هل أرد دعوته أم لا (...) دعاني إلى وليمة هل أرده أم أجيبه؟
* الشيخ: إي نعم، فهمتم السؤال؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول: هل تجوز إجابة دعوة المرابي أو لا؟ هذه الخلاصة فما تقولون؟ ما هو؟
* طالب: المراد (...).
* الشيخ: أبدًا دعاني (...) عنده خبز ولحم وأشياء زينة ما بأروح (...) ولا أدعيه أبدًا (...)
المحرم لكسبه إثمه على الكاسب، وعلى هذا فلا إثم عليك أنت حتى لو أجبته، ثم إن هذا المرابي لا بد له أن له أصلًا، أن لماله أصلًا ولَّا لا؟ لا بد أن لماله أصلًا، ما هو بالربا على طول بيمشي عليه يكون عنده مثلًا مئة ريال بدأ يشتغل فيها بها بالربا وزادت، فلماله أصل، وهذا الربا حصل من المال المباح ومن العمل المحرم من المال المباح ومن العمل المحرم، وقد ذكر بعض العلماء أن الغاصب إذا اتجر بالمغصوب فليس الربح كله لرب المال بل يُعطى الغاصب إذا تاب ما يكون مقابل عمله. على كل حال إجابة دعوة المرابي نقول: جائزة، والأولى تركها، لكن إن أفضت إجابته إلى محظور فإنه تحرم إجابته من هذه الناحية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (كان) هنا فيها إشكال، ما هو الإشكال؟
* طالب: من حيث (...)
* الشيخ: من حيث العربية؛ يعني من حيث الإعراب فيها إشكال.
* الطالب: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ هذه كان تُسمى كان التامة لا تحتاج لاسم.
* الشيخ: إي نعم، الإشكال أننا لم نجد خبرها.
* الطالب: فتسمى التامة.
* الشيخ: فنقول هذه تامة، ما معناها إذا كانت تامة؟
* الطالب: تكتفي بالاسم.
* الشيخ: تكتفي بالفاعل.
* الطالب: أيوه بالفاعل.
* الشيخ: لكن وأيش معناها ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي إن وُجد ذو عسرة طيب. أين جواب الشرط في ﴿إِنْ كَانَ﴾؟
* الطالب: جواب الشرط ﴿فَنَظِرَةٌ﴾
* الشيخ: جملة ولّا مفرد؟
* الطالب: لا، جملة.
* الشيخ: جملة، لماذا ارتبطت بالفاء؟
* الطالب: لأنها (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: جملة اسمية.
* الشيخ: لأنها جملة اسمية. طيب ما هي الجمل التي يجب أن تقترن بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟
* الطالب: وَبِجَامِدِ وبقد وبالتنفيس
* الشيخ: أعد البيت
* الطالب:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
* الشيخ: سبع هي سبع
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
كذا؟ قوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذه أيش نوعها مفرد ولّا جملة ولّا؟ هل هي جملة ولّا مفرد هذا السؤال ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟
* الطالب: جملة.
* الشيخ: جملة، مُكونة من؟
* الطالب: فعل وفاعل.
* الشيخ: لا. جملة اسمية مكونة من؟
* الطالب: حرف وفعل.
* الشيخ: حرف وفعل؟
* طالب: من مبتدأ وخبر.
* الشيخ: من مبتدأ وخبر، أين المبتدأ؟
* الطالب: المصدر.
* الشيخ: المصدر المنسبك من أن والفعل، والتقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: تصدقكم خير لكم تمام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه جملة شرطية وين جوابها؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، بجواب شرط ذلك مفعول به.
* طالب: (...).
* الشيخ: إن كنتم تعلمون ذلك فافعلوا أو فتصدقوا، كذا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم؛ لقوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها، أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق بها تخلصا منها لا تقربها بها، فينويها لمن؟ لصاحبها والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيخيره، يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي، فالأجر للمتصدق، إن قال: أريد أجره، فأجره له قد نوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* طالب: (...) اختلاط المالين (...) رأس المال الحلال (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني: يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلا بر وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلاط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضه على بعض، أما إذا ما يمكن فلا طريق إلى اجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ كان المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: كان هذه تامة، وإذا كانت تامة، فإنها تكتفي بمرفوعها، قال ابن مالك في الألفية:
....................... ∗∗∗ وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي ؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ........ ∗∗∗ ..................... وذو تمام ما برفع يكتفي هذه تامة، وعلى هذا نقول: كان فعل ماض وذو فاعل، رفعت بالواو لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية، والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فكيف نقدر هذا الخبر؟ نقدر فعليكم ولَّا فله؟ أو فالواجب؟ نعم، فالواجب عليكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فله نظرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب علي أن أوفية حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبتديء بالإعراب قبل الشرح، طيب ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه أن المصدرية فيحول إلى مصدر، ويكون التقدير: تصدقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة شرطية، نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٧٨]
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي: تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: إن وجد ذو عسرة، أي صاحب عسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الربا، الربا محرم، فما الذي بقي؟ الإنظار، والإبراء يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار، وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نظرة في معنى إنظار، يعني: عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يوسر بسنة، قد يوسر بسنتين بثلاث، قد لا يوسر أبدًا، فيقال: يفرق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئا على شخص فقير، وقلت: إلى ميسرة، فالمعروف عند أهل أكثر العلم (...) فالواجب أيش؟ إنظاره إلى ميسرة، إن لم تختر الفسخ إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تختر الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة، فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه معسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك، والله ما عندي شيء، لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها:« أن رجلا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت له عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: إنّ فلانًا قَدِمَ له بزٌّ منَ الشّامِ فلو أرسلْتَ إليه لتشتريَ ثوبيْنِ إلى مَيْسَرة »[[أخرجه الترمذي (١٢١٣) من حديث عائشة.]]، فهذا يدل على أن مثل هذا جائز، على كل حال هذا إن شاء الله يأتي في الفوائد.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وفي قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بالضم، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا، عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسر يزاد عليه في الدين، أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة، لكن هذا هو الواقع؛ لأنه مادام معسرا فسبب الإنظار موجود أو فسبب وجوب الإنظار موجود، فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء، يعني: أن تعفوا عن الدين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ بإبراء المدين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أمهل حتى يوسر، ومعلوم أن الأول أولى وأرفق بالمدين وهو الإبراء، وإنما كان خيرا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليما من الدين خير من إنظاره مع بقاء الدين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدا، أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم، فإن لم نكن نعلم فليس خيرا لنا، ولاشك أن هذا معنى فاسد لا يراد بالآية، لكن المعنى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا أي: تصدقوا، والمراد بالجملة هنا أيش؟ الحث والإغراء؛ لأن كل ذي علم عاقل فلابد أن يختار ما هو خير، فلابد أن يكون يختار ما هو خير.
في هذه الآية فوائد منها: ثبوت رحمة الله عز وجل، وجه ذلك: أنه أوجب على عباده إنظار المعسر، وهذا رحمة بمن؟ بالمعسر، ففيه إثبات رحمة الله عز وجل التي منها أنه ألزم من له الدين أن ينظر المعسر.
ومنها: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس إلى موسر ومعسر، من الموسر في هذه الآية؟ الدائن، والمعسر المدين، وحكمة الله عز وجل هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها أبدا؛ ولذلك بدأ الشيوعيون الذي يريدون أن يساووا الناس بدؤوا يتراجعون الآن، بدؤوا يتراجعون؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الاختلاف، قال الله عز وجل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢] لولا هذا الرفع، هل يمكن أن يسخر لنا أحد يعمل لنا ما نريد؟ أبدا، تجيء للعامل تقول: تعال اعمل عندي، وبأعطيك فلوس، وأيش يقول؟ يقول (...) ما أنا بعامل، أنت تعمل عندي. تجد التاجر تقول له مثلا: أورد لي التجارة وأعطيك كذا وكذا، وأيش يقول؟ يقول اللي عندك عندي.. (...) وأنت ورد لي. وهكذا، فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله عز وجل وشرعه من التفاوت بينهم، هذا معسر وهذا موسر حتى يتبين بذلك حكمة الله عز وجل وتقوم أحوال العباد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إنظار المعسر يعني إمهاله، وجوب إنظار المعسر؛ لقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾.
ومنها أي من فوائد الآية: وجوب إمتداد إنظاره إلى الميسرة، لا إلى شهر ولا إلى سنة، وإلا إلى أسبوع إلى الميسرة، طيب وإن طالت مدة الميسرة؟ وإن طالت نعم.
* ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كيف ذلك؟ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمرًا إلى أن تزول العلة وهي العسرة حتى يجوز مطالبته، وفي عكس ذلك ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]] الغني يحرم عليه المماطلة، والدائن تحرم عليه المطالبة إذا كان المدين معسرا، لو أن الناس مشوا على تقوى الله عز وجل في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل، لكن نجد الغني يماطل، الدراهم عنده في الدرج أو في الصندوق، يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي. يقول: بكرة. يجيئهم بكرة، يقول: بعد بكرة، وهكذا، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[سبق تخريجه.]]، ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا ينظرون المعسر ولا يرحمونه، يقول: أعطني وإلا فالحبس، ويحبس فعلا، وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، لا يجوز أن يحبس، بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر، يعزر الدائن، لماذا؟ لأن طلبه مع الإعسار معصية، والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإبراء، فضيلة الإبراء من الدين؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإبراء سنة و الإنظار واجب، وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أليس كذلك؟ السنة الآن أفضل من الواجب بنص القرآن، وحينئذ يرد علينا إشكال وهو كيف نجمع بين مدلول القرآن الكريم هنا وبين قوله الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] فإن هذا يقتضي أن الفرائض أفضل من النوافل، أليس كذلك؟ وهذا لاشك فيه أن الفرائض أفضل من النوافل، وإن كان الجهلة منا والسفهاء يعتنون بالنوافل أكثر مما يعتنون بالفرائض، تجده في صلاة نافلة خاشعا يتدبر ما يقول وما يفعل، وفي صلاة الفريضة على العكس ينظر إلى الساعة تارة، وإلى القلم تارة، ويذكر شيئا نسيه فيخرج القلم يكتب براحته حتى لا ينسى، وفي النفل تجده خاشعا متدبرا ما يقوله ويفعل، وهذا لاشك أنه من جهلنا، وإلا فالعناية بالفرائض أولى من العناية بالنوافل، المهم كيف نجمع بين مدلول هذه الآية الكريمة وبين ما دل عليه الحديث القدسي؟ الجواب أن الجمع بينهما هو أنه إذا كان النفل شاملًا للواجب، شاملًا للواجب يعني يتضمن الواجب فهو أفضل؛ لأنه صار واجبا وزيادة، صار واجبا وزيادة عرفتم؟ طيب، الإبراء يتضمن الإنظار ولَّا لا؟ إي نعم، فيه إنظار وزيادة، أليس كذلك؟ فيه إنظار وزيادة، إذن فنقول إنما كان أفضل؛ لأنه مشتمل على الواجب وزيادة، ونظير ذلك ما قاله بعض العلماء: الوضوء ثلاثا سنة والوضوء مرة واجب، والثلاث أفضل من الواجب، كيف الثلاث أفضل من الواجب، وهي سنة والواجب فريضة؟ الجواب: لأن هذه السنة متضمنة للواجب، فهي واجب وزيادة، قالوا أيضا: ابتداء السلام سنة ورده فرض، والابتداء أفضل من الرد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧) ومسلم (٦٢٣٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري.]]، كيف هذا؟ والحديث: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[سبق تخريجه.]]. قالوا: نعم؛ لأن هذا الرد مبني على الابتداء، فصار الابتداء مشروعا لذاته ولغيره، لولا الابتداء ما حصل الرد، فلما كان الرد مبنيا على الابتداء صار الابتداء هنا أفضل؛ لأنه صار سببًا وذاتًا، فهو سلام ابتدائي وسبب لواجب فأعطي فضيلة الواجب؛ لأنه سببه، وفضيلة الابتداء؛ لأنه الابتداء، عرفتم؟
من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال، كيف؟ لقوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وتفاضل الأعمال يقتضي تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض، وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية، أن العمال يختلفون ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٥] ولَّا يستوون؟ لا يستوون، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، يتفرع على ذلك عندنا الآن من الآية الكريمة نأخذ تفاضل الأعمال يتفرع عليه: تفاضل العامل، يتفرع على ذلك: تفاضل الإيمان، تفاضل الإيمان، كيف ذلك؟ لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، هل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئه من الزكاة؟ انتبهوا يعني إنسان عليه مائة ريال زكاة، يطلب شخصا فقيرا مائة ريال: وقال: أبرأت هذا الفقير، أبرأته عن زكاتي، هل تجزئه أو لا؟ نشوف من الآية، هل تقولون إن الآية تدل على إجزاء إبراء الفقير عن الزكاة؟ لو قال قائل نعم الآية تدل على أنه يجزئ لأن الله سمى الإبراء صدقة وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] فإذا كان الإبراء صدقة، وأبرأت الفقير فقد أديت الزكاة، ولكن الصحيح أنه لا يجزئ، الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ، كيف؟ لأن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢٦٧] وجعل الدين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب، والمراد بالخبيث هنا الرديء ما هو الحرام، أليس كذلك؟ لأن العين ملك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء، والدين الذي على معسر مال تالف في الواقع، مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار ولَّا زواله؟ الأصل بقاء الإعسار، وحينئذ يكون هذا الدين بمنزلة المال التالف، فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا لا يجزئ بلا نزاع، بلا نزاع لا يجزئ، ولو قلنا يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأته ونويتها من الزكاة فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة، هذا لا يمكن؛ ولهذا لو خيرت شخصا فقلت: أنا أعطيك عشرة ريالات أو أحولك على إنسان فقير بالعشرة، وأيش يختار؟
* طلبة: العشرة.
* الشيخ: تعطيني عشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الله يهديكم تأملوا؟ قلت لإنسان: أنا باعطيك عشرة ريالات نقدا ولَّا باحولك على إنسان فقير، وأيش يأخذ؟
* الطلبة:العشرة.
* الشيخ: العشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ولا يتردد؟
* الطلبة: ولا يتردد.
* الشيخ: ولا يتردد، إذن صارت العشرة بالنسبة للدين من باب الطيب، وذاك من باب الرديء، لو أردت أن تعطي شخصا شاة سمينة صحيحة، وتعطيه شاة هزيلة مريضة، أيٍّ اللي يختار؟ الأول، هذا نفس الشيء، إذن نقول لا يجوز إبراء الفقير واحتساب ذلك من الزكاة، نعم، لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن دين، زكاة عن دين، إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدين فهذا ربما نقول إن هذا صحيح؛ لأن هذا الدين الذي أبرأت صار من جنس المال الذي زكيت به عنه.