Tafsir Ibn Uthaymeen — البقرة 2:280 – البقرة 2:286
البقرة 2:280
.. والحساب لهلك ما بقي عنده شيء؛ لأن نِعمة واحدة من نعم الله تحيط بكل الأعمال، أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسِر يُزاد عليه في الدَّين أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة لكن هذا هو الواقع؛ لأنه ما دام معسرًا فسبب الإنظار موجود، أو فسبب وجوب الإنظار موجود فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء يعني أن تعفوا عن الدَّين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُو﴾ بماذا؟ بإبراء المدِين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أُمهل حتى يُوسر، ومعلوم أن الأول أوْلى وأرفق بالمدِين وهو الإبراء، وإنما كان خيرًا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدِين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليمًا من الدَّين خير من إنظاره مع بقاء الدَّين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مُستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدًا، أوهم أن التصدُّق خير لنا إن كنا نعلم فإن لم نكن نعلم فليس خيرًا لنا، ولا شك أن هذا معنى فاسد لا يُراد بالآية، لكن المعنى (...)
* ومن فوائدها: كمال نعيم هؤلاء في الجنة لقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، لا خوف مما يستقبل ولا حزن على ما مضى.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء السادة الكرام إنما بنوا عملهم على عقيدة وهي الإيمان ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولهذا كلما تحقق الإيمان في قلب العبد صلحت أعماله، أو صارت أعماله أصلح، وكلما ضعف الإيمان في قلب العبد صارت أعماله أسوأ، ولو أننا انتبهنا لهذا وجعلنا الأعمال الصالحة مقاييس لما في قلوبنا لحصلنا خيرًا كثيرًا، إذا قلنا: أعمالنا الآن ما مدى صلاحها؟ هل هي على أكمل شيء أو لا؟ إن كانت على أكمل شيء بقدر المستطاع فهو دليل على أن قلوبنا فيها إيمان، هذا كمال الإيمان، وإن كان فيها نقص فالإيمان في القلب ناقص، بدل من أنك تذهب تتأمل في قلبك وتفكر عندك ميزان ظاهر وهو العمل كلما أكملته فإيمانك أكمل، وكلما ضعف فإيمانك ضعيف، ويشهد لهذا الميزان قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] » ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قلنا: إنها من باب الصفات أيش؟
* الطلبة: السلبية.
* الشيخ: السلبية، والصفات السلبية تكون لكمال ضدها، إذن أهل الجنة في غاية ما يكون من كمال النعيم لا يحزنون على شيء مضى، ولا يخافون من شيء مستقبل، نعيم الدنيا وأيش يكون فيه؟
* الطلبة: على العكس.
* الشيخ: على العكس، محفوف بحزن على ما سبق وخوف مما يلحق، فقارن بين النعيمين وما هي إلا ساعة ثم تنقضي.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٧] ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟
* الطالب: أن القرآن مثاني، مثاني في المعاني، فالله سبحانه وتعالى إذا ذكر معنًى عاقبه بما يضاده أو يقابله، فلما ذكر حال أهل الشر العاصين ذكر حال أهل الطاعة الطيبين.
* الشيخ: لا.
* الطالب: لما ذكر الذين يأكلون الربا وأنهم يقولون: إنما البيع مثل الربا ذكر الذين يعملون الصالحات ويتصدقون بأموالهم.
* الشيخ: نعم، صحيح، لما ذكر الربا وهو أساسه الظلم وأكل المال بالباطل عاقبه بذكر الإيمان والعمل الصالح وإيتاء الزكاة، طيب في هذه الآية أربعة أوصاف ذكرها الله عز وجل ما هي؟
* الطالب: أولًا: الإيمان، والعمل الصالح، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
* الشيخ: إيتاء الزكاة، لو قال قائل: إقام الصلاة من عمل الصالحات (...) الزكاة فيها مفعول محذوف. قسموا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هادول يحزنون كيف ما عملنا؟ لأيش ما عملنا؟ يقول ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] لكن هؤلاء لا يحزنون؛ لأنهم ربحوا دنياهم في الواقع فيحزن على أي شيء؟ كذلك لا يحزن على أن غيره أعلى منه منزلة في الجنة، فلا يحزن يقول: ليتني عامل مثل هذا العمل لأجل أن أنال درجته؛ لأن كل واحد قد رضي بما هو فيه من النعيم، كما قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أما النفي هنا فهو صفة سلبية يراد بها ثبوت كمال الضد، وهو كمال النعيم الذي ليس فيه خوف مما يُستقبل ولا حزن على ما مضى.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أولًا: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاعتناء به، لماذا؟ لأن النداء يفيد التنبيه، والتنبيه على خطاب سيُلقى يدل على الاهتمام بهذا الخطاب والعناية به، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن توجيهه أيضًا بلفظ الإيمان يفيد الإغراء، إغراء المخاطب لامتثال ما وُجِّه إليه، يفيد إغراءه لامتثال ما وُجِّه إليه كما لو قلت لك: أيها الرجل، افعل كذا وكذا، يعني أنني أغريك فتذكُر أنك رجل فتأخذك الشهامة فتفعل، كذلك هذا إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يذكر أنه مؤمن فيحمله إيمانه على أيش؟ على الامتثال والفعل إن كان أمرًا أو الترك إن كان نهيًا.
طيب فصار عندنا الآن مبحثان: المبحث الأول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية؛ لأن النداء للتنبيه، والتنبيه المقدم بين يدي الخطاب يدل على أهمية الخطاب، توجيهه للمؤمنين يُقصد به أيش؟ الإغراء والحث؛ يعني يا أيها الذين آمنوا بصفتكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، يدل أيضًا على أن مخالفته نقص في الإيمان، والقيام به كمال في الإيمان، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث مسعر بن كدام عن عبد الله بن مسعود.]] »، يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى مأخوذة من الوِقاية، وهي اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا امتثال أمره واجتناب نهيه، وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى التقوى، ولكن كل المعاني ترجع إلى هذا المعنى الذي ذكرنا وهو: امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ لأن به الوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وجه الخطاب إليهم بوصف الإيمان وأمرهم بالتقوى مما يدل على أن التقوى من مقتضيات الإيمان، وأن كل مؤمن حقًّا فلا بد أن يتقي الله عز وجل؛ لأن الإيمان إذا وقر في القلب صدقته الأعمال، وظهرت آثار ذلك على الجوارح، وعُرف الإنسان بإيمانه من تقواه.
وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي احذروا عقابه كما قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، والإنسان يجب عليه أن يحذر من عقاب الله عز وجل، وإذا حذر من عقاب الله اجتنب النواهي، ويجب عليه أن يرغب فيما عند الله من الثواب، وإذا رغب في الثواب فعل أيش؟
* الطلبة: الأوامر.
* الشيخ: الأوامر؛ لأن الأوامر عليها جزاء وثواب، فالترغيب فيها يحدو المرء إلى أن يقوم بها، والنواهي عليها عقاب، فالحذر منها يوجب للإنسان أن يبتعد عنها. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ و﴿اللَّهَ﴾ اسم عَلَم على الرب عز وجل، لا يُسمَّى به غيره، وهو أعرف المعارف على الإطلاق؛ لأن الله متى ذكر لا ينصرف الذهن إلا إلى الخالق عز وجل، ولهذا قالوا إنه أعرف المعارف؛ لأنه لا يشاركه أحد في هذه العلمية، لكن زيد وعمرو وبكر وخالد عَلَم لا شك ومعرفة إلا أنه يُشارَك في ذلك، أما هذا الاسم الجليل فإنه لا يشاركه أحد في مسماه.
قالوا: والأصل في كلمة ﴿اللَّهَ﴾ الإله، لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال كما حذفت الهمزة في الناس، وأصلها (الأناس)، وحذفت شر في وخير من قولهم: فلان خير من فلان وفلان شر من فلان، أي أخْيَر وأشَرّ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واختلف اللغويون هل هذا الاسم مشتق ولّا جامد؛ والصواب بلا ريب أنه مشتق، وأن جميع أسماء الله عز وجل تتضمن المعنى الذي اشتقت منه، فالسميع يتضمن السمع، والعليم يتضمن العِلم، والله يتضمن الألوهية، وهكذا ليس في أسماء الله تعالى اسم جامد لا يدل على معنى أبدًا، فالصواب أنه مشتق.
إذا قلنا: إنه مشتق وأصله الإله فما معنى الإله؟ الإله عند المتكلمين هو القادر على الاختراع، هذا الإله عند المتكلمين الذين يتسمَّون بالعقلاء، ومعلوم أننا إذا قلنا بهذا التفسير لم نخرج بتوحيدنا عن توحيد المشركين؛ لأن المشركين يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قلنا: (إله) بمعنى قادر على الاختراع صار معنى كلمة التوحيد: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهل هذا توحيد ينجي من النار ويعصم دم الإنسان وماله وأهله؟
إذا قلنا: لا إله إلا الله؛ أي لا قادر على الاختراع إلا الله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن المشركين يقرون بذلك، ومع هذا فهم مشركون مباحو الدم والمال والذرية، ولم يُدخلهم هذا التوحيد في الإسلام، فهذا التفسير بلا شك تفسير باطل، فليس معنى الإله القادر على الاختراع وإلا لكانت كلمة الإخلاص معناها أيش؟
* الطلبة: غير قادر.
* الشيخ: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا التوحيد هو توحيد المشركين تمامًا، ولكن معنى (إله) أي مألوه، فإله بمعنى مألوه؛ فهي (فِعال) بمعنى (مفعول)، ونحن نعرف أن اللغة العربية يأتي فيها (فِعال) بمعنى (مفعول) في مواضع كثيرة، مثل: غِراس وبِناء وفِراش، كلها بمعنى مَغروس ومَبني ومَفروش، فمعنى لا إله إلا الله أي لا مألوه إلا الله، إذن الله بمعنى المألوه؛ أي المعبود، المعبود حُبًّا وتعظيمًا، فلحبه نقوم بأوامره ولتعظيمه ندع نواهيه.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ شوف ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ترك ما بقي من الربا لا شك أنه من تقوى الله، لكن هذا من باب عطف الخاص على العام اعتناءً به، وإلا فهو من تقوى الله، لكن قدَّم الأمر بتقوى الله على الأمر بترك ما بقي من الربا ليكون الإنسان متهيئًا لقبول الأمر بترك ما بقي من الربا؛ لأنه إذا ورد عليه: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ورد على نفس مستعدة متهيئة لقبول ما تُؤمر به بعد ذلك، وقوله: ﴿ذَرُوا﴾ بمعنى اتركوا. ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ يعني إذا كان لكم معاملة ربوية وإلى الآن لم تقبضوا الربا فالواجب عليكم ترْك ما بقي من الربا أن تدعوا ما بقي من الربا، والربا في الأصل مر علينا أن الربا في الأصل الزيادة والنمو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥] أي زادت وعلت وارتفعت، وفي الشرع: تفاضل بين شيئين يحرم فيهما التفاضل أو نسأ في شيئين يحرم فيهما النَّسأ، فليس كل تفاضل ربًا وليس كل نَساء ربا، فلو أبدلت سيارتين بواحدة فليس بربا، ولو أبدلت سيارة بسيارة إلى أجل فليس بربا؛ لأن الربا إنما هو في أشياء مخصوصة خصَّها الشارع، وسبقت لنا.
قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا أيضًا من باب الإغراء مرة أخرى، يعني إن كنتم مؤمنين حقًّا فدعوا ما بقي من الربا، وهذه الجملة يقصد بها الإغراء والإثارة، إغراء الشخص وإثارته، إن كنت مؤمنًا حقًّا فدع الربا، فإن قلت: كيف يوجه الخطاب إلى المؤمنين ويقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ أفلا يكون في هذا تناقض؟
الجواب: لا؛ لأن معنى الثانية التحدي وليست الشرطية المطلقة أي إن كنت صادقًا في إيمانك فاتقِ الله وذر ما بقي من الربا. واضح؟
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق لنا أن الإيمان عند كثير من العلماء بمعنى التصديق، والصحيح أنه أخص من التصديق فهو إيمان بإقرار وقبول وإذعان، قالوا: والفرق بين (آمن له(، و(آمن به) أن الإيمان له إيمان بالمخبِر، والإيمان به إيمان بالمخبَر به، فإذا قلت: آمنت لفلان؛ أي صدقته فيما أخبر به، وإذا قلت: آمنت بكذا وكذا؛ أي صدقت بهذا الشيء بما أُخبر عنه، فتعديه باللام بالنسبة لمن؟
* الطلبة: للمخبِر.
* الشيخ: بالنسبة للمخبِر، وبالباء بالنسبة للمخبَر به، هذا هو الفرق بين: آمن له، وآمن به، لكن هنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لله ولَّا بالله؟
* الطلبة: بالله.
* الشيخ: بالله لأن الله أخبر عن صفاته عز وجل، فالإيمان به إيمان به بما أخبر به عن ذاته وعن صفاته.
* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد: أولًا: بلوغ القرآن الغاية في البلاغة، وذلك لأن الكلام في القرآن يأتي دائمًا مطابقًا لمقتضى الحال، فإذا كان الشيء مهمًّا أحاطه بالكلمات المثيرة التي تجعل النفوس قابلة لذلك، وهذا غاية ما يكون من البلاغة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر، ومسلم (٨٦٩ / ٤٧) من حديث عمار.]] ».
* من فوائد الآية الكريمة: أن تصدير الخطاب بالنداء يفيد التنبه والتلقي له لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يوجِّه الخطاب على وجه يثير المخاطَب ويحمِّسه للقبول والانقياد لقوله هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى وصية الله سبحانه وتعالى لعباده الأوَّلين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١] فإن قلت: هل هناك فرق بين التقوى وبين البر؟ فالجواب: إن ذُكِرا جميعًا فبينهما فرق، وإن افترقا فهما واحد يتفقان، فـ ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] يفسر البر بفعل الطاعات والتقوى بترك المحرمات، وإذا جاءت التقوى مُفردة تعُم هذا وهذا، وإذا جاء البِر مطلقًا يعُم هذا وهذا، يعُم التقوى بالتضمن؛ لأننا إذا أُمرنا بفعل الخير فلازم ذلك أو مقتضى ذلك ترك الشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ترك الربا وإن كان قد تم العقد عليه لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وهذا في عقد استُوفي بعضه وبقي بعضه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام وإن عُقدت في حال الشرك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ وإلا لو نفَّذنا العقود التي كانت في الشرك مع تحريمها في الإسلام لكان ما بقي من الربا جائزًا، ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت ولم يكن سبب تحريمها قائمًا الآن فإنها أيش؟ تنفذ على ما مضى ولا تُبطل، لو أنهما باعا بيعًا محرمًا في حال الكفر ثم أسلما عليه وسبب المانع غير قائم الآن فإنه يمضي على ما مضى عليه حتى لو كان ربًا، لو تعاقدا عقد ربا وهما كافران ثم استوفياه فإن ذلك يمضي وينفذ لقوله تعالى فيما سبق: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولو عقد الكافر على امرأة معتدة ثم أسلما وقد انقضت العدة ها؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: فالنكاح صحيح، ولو تزوج أخت زوجته، ثم ماتت الزوجة الأولى وأسلم فالنكاح باقٍ، ولو تزوج أخته ثم أسلم؟
* الطلبة: يفرق بينهما.
* الشيخ: يفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم قائم. إذن نستفيد من الآية الكريمة أنه إذا أسلم الإنسان على شيء محرّم، وسبب التحريم قائم وجب إلغاؤه لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تُؤخذ لئلا يستعين بها البنك على الربا، وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر. عرفت؟ فنقول: أأنتم أعلم أم الله؟ والاستحسان في مقابلة النص باطل، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يقل: خذوه فتصدقوا به، فإنه يجب علينا أن نذر ما بقي من الربا، أن ندعه.
فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكًا غير إسلامي بنك كفار وتركناه له صرفوه إلى الكنائس وإلى السلاح الذي يُقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم ونما به رِباهم فما الجواب؟ نقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خُوطبنا به، والنتائج ليست إلينا، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ نذره، كونهم يصرفونه إلى كذا أو إلى كذا، أو تنمو به أموالهم هذا ليس إلينا، ثم إننا نقول: هل هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل صحيح أنها فائدة من أموالنا؟ الجواب: لا، قد يكون المال الذي أعطيته إياه قد لا يربح، قد يتلف، فهذا الذي يعطيك ليس هو نماء مالك، حتى تقول: والله هذا نماء مالي أبي آخذه، أريد أن آخذه وأتصدق به تخلصًا منه، نقول: من يقول إن هذا نماء مالك قد يكون مالك الخاص اشتروا به شيئًا فخسروا أو احترق، ثم هو ليس نماء مالك أيضًا من جهة أن نماء مالك لا يكون محددًا بل هو قابل للزيادة وقابل للنقص، فليس هو فائدة مالك حتى تقول: والله إني أخشى أن آثم إذا أبقيته عندهم يصرفونه إلى ما حرم الله.
ثم إننا نقول: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة، في إصلاح طرق، في بناء مساجد تخلصًا منه، أو تقربًا به، نقول له: إن فعلت ذلك تقربًا لم يُقبل منك ولم تَسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك، وإذا صرفته على أنه ملكك لم يُقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث، ومن اكتسب مالًا خبيثًا فأنفقه وتصدق به لم يُقبل منه، وإن أخرجته تخلصًا منه فأي فائدة من شيء نقول: تلطَّخ به ثم حاول أن تغسله من يدك؟! أيش الفائدة؟! فإذا كنت الآن تعترف بأنه لا يحل لك فلماذا تأخذه ثم تحاول تخلصه؟!
ثم نقول أيضًا: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يُخرج هذا تخلصًا منه؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ربما إذا شاف الفائدة كبيرة كما يقولون إنها فائدة تغلبه نفسه ولا يُخرجه، (...) يقول: والله هذا مال كثير هذا شينو أطلعه، افتح الصندوق يا ولد حطوه فيه، إذا فتح الصندوق قال: أستغفر الله وأتوب إليه أخاف الله، إذن طلعه بره، إذا أراد يطلعه بره ثقل في يده ثم قال: رجعه للصندوق، ربما في النهاية أن يكون في الصندوق.
أيضًا أخذته أنت وقال الناس: إن فلانًا أخذ هذه الفائدة- التي يسمونها الفائدة- أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؛ لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تُخرج هذا المال وتتخلص منه؟ بلى، يمكن يقتدي الناس بك، والله فلان أخذ، لستَ تكتب إعلانًا بأنك أخذت هذا وأنفقته، الناس لا يعملون فيقتدون بك، وإذا اقتدوا بك وأخذوا وحتى لو علموا أنك تصرفه وتتخلص منه يرد عليهم ما أوردناه عليك من قبل وهو الشُّح وعدم التخلص منه، ولهذا نرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مُطلقًا، وماذا ستكون مقابلة الله عز وجل يوم القيامة إذا كان الله قد قال لك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ثم أنت تأخذه باستحسان بعقلك.
ثم إننا نقول: إن الإنسان إذا أخذ هذا الشيء لا يكاد يقلع، لا يكاد يقلع عن وضع الأموال في البنوك الربوية المحرمة الكافرة، لكن إذا قلنا لا تأخذه فسوف يبقى يحسب ألف حساب قبل أن يضع المال في البنك، إذا علم أنه محرَّم عليه، كل هذه الأشياء تدل على حكمة الله عز وجل في قوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يُوجِّه العباد إلى شيء آخر، ما قال: خذوه وتصدقوا به.
* من فوائد الآية الكريمة: أن ممارسة الرِّبا يُنافي الإيمان لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ولكن هل يُخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج نعم يُخرجه من الإيمان إلى الكفر، وهو عند الخوارج كافر كفرعون وهامان وقارون، كافر؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان، لكنه يخشى عليه من الكفر، لا سيما أكل الربا؛ لأن آكل الربا يتغذى بأيش؟
* الطلبة: بحرام.
* الشيخ: بحرام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين ذكر الرجل «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] » نسأل الله العافية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث حرَّم عليهم ما يتضمن الظلم وأكَّد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، اثنين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ثلاثة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والحُكم: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الله أكبر، ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ما بقي من الربا، ما بقي، كيف هذا اللي بيُجدد عقد الربا؟ إذا لم تفعلوا وتتركوا ما بقي من الربا فهذا الحُكم، أيهما أشد هذا أو الذي يبتدئ الربا؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني أشد، الذي يبتدئ الربا أشد من شخص تعامل بالربا قبل نزول الآية وأخذ ما بقي، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ﴿فَأْذَنُوا﴾ وفي قراءة: ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ائذنوا بمعنى اعلموا، ولكنه ضُمّن معنى اليقين أو الإيقان، أي فأيقنوا بحرب من الله ورسوله هذا على قراءة: ﴿فَأْذَنُوا﴾، أما على قراءة: ﴿فَآذِنُوا﴾ فهي بمعنى: أعلِموا، أعلِموا بالحرب، آذِن بكذا يعني أعلِم به، قال النبي عليه الصلاة والسلام للنساء اللاتي يُغسّلن ميتة: «إِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩ / ٣٦) من حديث أم عطية الأنصارية.]] » يعني أعلمنني، ففي الآية قراءتان: ائذنوا، وآذنوا، (ائذنوا) بمعنى (اعلموا)، لكنه ضُمّن معنى اليقين، أيقنوا بحرب يعني أيقنوا أنكم محاربون، لمن؟
* الطلبة: لله ورسوله.
* الشيخ: لله ورسوله، الله أكبر! من يستطيع أن يقابل الله ورسوله بالحرب؟! أو أعلموا يعني أعلموا غيركم أنكم محاربون لله ورسوله.
وقوله: ﴿آذِنُوا بِحَرْبٍ﴾ أو ﴿ائْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ هل معناه أن الإنسان يُصوّت يقول: أيها الناس طالعين نحارب لله ورسوله؟ أو مجرد بقائه على الربا إعلام؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: نعم، الثاني، الثاني هو المراد؛ لأن الأول قد لا يفعله الإنسان، قد لا يقوم الإنسان على باب دكانه ويقول: أيها الناس، أخبركم بأني محارِب لله ورسوله ما يقدر، ولا هو قائل هكذا، لو قال هكذا على عتبة دكانه لكان أول من يرجمه صغار الناس بالحجارة، ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول: إحنا جند الله ما دام أنك تحارب الله بس خذ حجارة برأسه وحجارة بصدره، لكنه ما يقول هكذا بلسانه، يقول هكذا بأيش؟
* الطلبة: بأفعاله.
* الشيخ: بفعله، فبقاؤه واستمراره على أكل الربا إيذان بحربه لله ورسوله، أي عقوبة أشد من هذه العقوبة إلا عقوبة الشرك بالله عز وجل؟! ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأتِ على ذنب دون الشرك. أبدًا أشد من الزنا، ولهذا جاء في الحديث الذي له طرق متعددة: «أَنَّ الرِّبَا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أُمَّهُ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (٢٢٧٤) من حديث أبي هريرة، والحاكم في المستدرك (٢٢٩٠) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] » وهذا كل يستبشعه، فالربا ليس بالأمر الهين، والله إن الواحد ترتجف فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية إذا كان مؤمنًا ائذنوا بحرب من الله ورسوله وأيش أنت يا ابن آدم؟! تحارب الله ورسوله علنًا تعلنه للناس؛ لأن أعلموا يعني أخبروا الناس بأنكم حرب لله ولرسوله ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وإنما كان كذلك لمحبة الله عز وجل للعدل وكراهته للظلم، والربا ظلم، ولكن لما كان ظلمًا تدعو النفوس إليه دعوة قوية؛ لأنه لا يأتي عَنوة، الظلم عنوة لا يقدم الظالم عليه إلا بعد أن يحسب ألف حساب، وسيجد من يمنعه ويصادمه، لكن هذا يأتي باختيار، باختيار منين؟
* طالب: من المحتاج.
* الشيخ: من المرابي من كلا الرجلين، آكل الربا وموكله، يأتي من هذا ومن هذا؛ لأن موكل الربا محتاج، ولولا أنه محتاج ما اختار لنفسه أن يُغلب، وآكل الربا ظالم معتدي ليس فيه قلبه رحمه، ولهذا نجد الآن أولئك القوم الذين يتحيلون على الربا بما يسمونه المداينة نجدهم كلما كان المستدين أفقر كان غُرمه أكثر، هذا هو الواقع، يجي إليهم الإنسان الذي يعرفون أنه سيوفي يقول: تعالَ بندينك العشر إحدى عشر؛ يعني المئة بكم؟
* الطلبة: بمئة وعشرة.
* الشيخ: مئة وعشرة، يجيهم الإنسان الفقير اللي يعرفون أنه ما يوفي إلا بعد سنتين أو ثلاثة إلا أن يموت له قريب غني، ومتى يموت له قريب غني؟! أو إن كان هو طماع يزوج بنته ويأخذ مهرها. على كل حال إذا جاءهم الفقير يعطونه العشر خمسة عشر أو أكثر، يا بن الحلال لأيش؟! قال: لأن الأول دسم وهذا هزيل، الأول دسم وأيش معنى دسم؟
* الطلبة: غني.
* الشيخ: يعني غني يمكن الآن أعوزته الدراهم وبيوفي، لكن ذا هزيل اركع له، هل هذه المعاملة معاملة رحمة ولّا معاملة قسوة؟
* الطلبة: معاملة قسوة.
* الشيخ: معاملة قسوة، لو كان بهم رحمة لكان الفقير أقرب إلى أن يُنزَّل عنه من الغليبة صح ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ومع ذلك يمسحون دموع التماسيح يقول: والله إحنا نرحم الناس يجينا إنسان فقير يبى يتزوج ولّا يبى يبني بيت نرحمه نعطيه، وأيش نسوي؟! لو ما نعطيه قعد ما تزوج ولا قعد بلا بيت، طيب كم أعطيته؟ قال: أعطيته العشرة بخمسة عشرة، لماذا؟ قال: لأنه بيبطي ما يوفي، وذاك الثاني الإنسان اللي فيه دسم على ما يقولون يُعطى العشر إحدى عشر.
إذن أنا أريد بهذه الأمثلة أن أخلص إلى أن الربا مبناه أيش؟
* الطلبة: الظلم.
* الشيخ: الظلم، مبناه الظلم، ولهذا كانت من حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن جعل هؤلاء المرابين معلنين للحرب على الله ورسوله، يعلنونها أمام الناس ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
هل باب التوبة مغلق؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا والله ما هو مغلق، ولا يُغلق من أرحم الراحمين ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] مهما عملت من ذنب فاعلم أن أمامك من يفرح بتوبتك «لَلَّهُ بِتَوْبَتِهِ أَفْرَحُ أَوْ أَشَدُّ فَرَحًا مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي أَضَاعَ نَاقَتَهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ وَجَدَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٤ / ٣) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] ».
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
ما معنى قوله: ﴿ذَرُوا﴾؟ اتركوا. كيف يقول اتركوا ما بقي ولم يقل: اتركوا الرِّبا؟
* الطالب: لأنه ربما يكون قد عقدوا على الربا فيأمرهم بأن يتركوا هذا الربا.
* الشيخ: حتى ما عُقِد عليه. يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ما نوع هذا العطف؟
* طالب: لأن من تقوى الله ترك الربا.
* الشيخ: أحسنت هو عطف الخاص على العام (...) والاعتناء به.
* الطالب: (...)
* الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه جملة شرطية أين جوابها؟ عند النحويين؟ أظن قرأنا هذا؟ ما ناقشناه طيب هذا المشهور عند النحويين، فيه رأي آخر؟ من يعرف؟ فيه رأي آخر.
* الطالب: لأن مثل هذا لا يحتاج إلى جواب
* الشيخ: أحسنت؛ لأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب ما دام قد ذُكر مضمونه فلا حاجة إلى تقديره، وهذا هو الذي يميل إليه ابن القيم رحمه الله بأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن مضمونه قد سبق، فلا حاجة أن نقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ما حاجة، نقول: لأن مضمون الجواب قد سبق فلا حاجة إليه.
إذا قال قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾؟
* طالب: ﴿فَآذِنُوا﴾
* الشيخ: ما معناها؟
* الطالب: أعْلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله.
* الشيخ: أعلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله أحسنت. و﴿فَأْذَنُوا﴾؟
* الطالب: فاعلموا.
* الشيخ: فاعلموا، طيب وأيش معنى فاعلموا بحرب (...) بأنفسكم. يؤخذ من مجموع القراءتين؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: يعني اعلموا وأعلموا غيركم بذلك كذا؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: طيب هذا على قراءة ائذنوا يعني اعلموا أنكم محاربون الله ورسوله هذا على قراءة ائذنوا على قراءة: ﴿آذِنُوا﴾ اللي يؤخذ من مجموع القراءتين؟
* طالب: اعلموا أنتم بأنفسكم.
* الشيخ: يعني اعلموا أنتم بأنفسكم وأعلموا غيركم أيضًا، وهذا أشد، هذا أشد إن الإنسان يَعلَم ويُعلّم.
إذا قال قائل: هل آذن هؤلاء الرِّبويون آذنوا غيرهم بأنهم محاربون؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: طيب إذا قال قائل: هم محاربون لله. ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إذا قال قائل: إيذانهم بحرب من الله واضح، لكن كيف يأذنون بحرب من رسول الله ﷺ وهو قد مات؟ فالجواب: أن هذا محاربة شريعته، محاربة شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ومحاربة شريعة الرسول محاربة له كما أن نصر شريعة الرسول نصر له.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿تُبْتُمْ﴾ أي رجعتم إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته، والتوبة نوعان؛ توبة مطلقة، وتوبة مقيدة، وإن شئت فقل: عامة وخاصة، توبة عامة من جميع الذنوب بحيث يكون الإنسان محافظًا على أوامر الله وترك نواهيه، وهذه هي التوبة الْمُطلقة ما هي مطلق توبة، توبة مطلقة تامة يستحق بها التائب أن يُلحق بالتوابين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] وعلى هذا أن يكون الإنسان تائبًا من كل ذنب، لا يصر على ذنب، هذه التوبة المطلقة، ومنها قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ إلى آخره [التوبة: ١١٢].
النوع الثاني: توبة مقيدة أو خاصة، وهي التوبة من ذنب خاص معين، فهذه تصح وتُعتبر، ويقبل منه أن يتوب إلى الله تعالى من هذا الذنب المعين وإن كان مُصرًّا على غيره، فالتائب من الربا تصح توبته وإن كان يشرب الخمر مثلًا، والتائب من شرب الخمر تصح توبته وإن كان يتعامل بالربا، هذه توبة خاصة، لكن لا يستحق التائب هنا أن يلتحق بذوي الوصف المطلق بالتوبة فيقال: إنه من التائبين؛ لأنه لا يمكن أن نُطلق عليه التوبة أنه من التائبين وهو مُصرّ على معصية، لكن توبته من الذنب المعيّن مقبولة؛ لأن هذا هو مقتضى العدل؛ عدل الله عز وجل، وذهب بعض أهل العلم إلى أن التوبة لا تُقبل من ذنب مع الإصرار على غيره، بل لا بد أن يعمل عملًا صالحًا في كل عبادته، وقال آخرون: لا تُقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على جنسه، ما هو على غيره، فالتوبة مثلًا من النظر للنساء الأجنبيات لا تُقبل إذا كان يتحدث إليهن؛ لأن الكل من جنس واحد، وإن كان النوع مختلفًا هذا حديث وهذا نظر، لكن الجنس واحد يعود إلى شهوة الفرج، ولا تقبل توبة الإنسان الذي يشرب الخمر مع الإصرار على بيع الخمر؛ يعني لا تصح توبته من شرب الخمر مع الإصرار على أيش؟
* الطلبة: على بيع الخمر.
* الشيخ: على بيع الخمر؛ لأن الجنس واحد، وهذا قول له وجه، لكن أقرب الأقوال عندي القول الأول أنها تصح التوبة من الذنب بعينه، ولو مع الإصرار على غيره؛ لأن هذا هو مقتضى العدل ومقتضى قول الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]] » والمسألة كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: لها غور، يعني لها غور بعيد؛ لأن التوبة الحقيقية وهي الرجوع إلى الله عز وجل لا تكون مع الإصرار على الذنوب أبدًا؛ لأن ما يقوم بقلب التائب من تعظيم الله عز وجل والخوف منه يمنعه أن يمارس شيئًا من الذنوب، لكنها توبة قاصرة ناقصة التوبة من ذنب معيّن خاصة.
ثم إن التوبة لها شروط، شروط خمسة يعدها علينا؟ (...) الندم على ما فعل طيب كل هذه الشروط واضحة؛ الإخلاص بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد من الخلق، أو مراعاة شيء من الدنيا.
الثاني: الإقلاع عن الذنب، فإن لم يُقلع فهو كاذب، كيف يقول: أتوب إلى الله تعالى من الربا وهو يرابي؟ هذا كاذب.
ثالث: الندم على ما وقع منه، الندم أن الإنسان يشعر بندم وحزن وأسى، فإن قلت: الندم انفعال وليس بفعل فكيف يُكلف الإنسان به؟ فالجواب: أن الانفعالات النفسية يحدثها التفكيرات العقلية، أليست المحبة والبغضاء انفعالًا؟ ومع ذلك يمكن للإنسان أن يحب الشيء إذا ردّد نتائجه وثمراته بفكره أحبه، والبغضاء كذلك يمكن إذا فكّر ونظر في النتائج والعواقب السيئة كره الشيء، كذلك هذا إذا فكر في عواقب الذنوب وآثارها السيئة حصل منه أيش؟
* الطلبة: ندم.
* الشيخ: ندم وأسف وحزن على ما مضى.
الرابع: العزم على أن لا يعود، وانتبه لقولك: العزم على أن لا يعود دون أن تقول أن لا يعود؛ لأن بينهما فرقًا عظيمًا؛ العزم على أن لا يعود معناه لو عاد فيما بعد غلبته نفسه وعاد فإن توبته السابقة لا تبطل، لكن لو قلت: الشرط الرابع أن لا يعود لكان إذا عاد بطلت توبته، والأمر ليس كذلك.
الخامس: أن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨] هذا ما له توبة، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام بل لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] وبعض الآيات هنا المراد به طلوع الشمس من مغربها.
* الطالب: (...)
* الشيخ: نعم، وهو؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: يدخل في الإقلاع.
* الطالب: يقلع (...)
* الشيخ: ما يمكن ما أقلع حتى يعطي صاحبه.
* الطالب: الأصل إذا كان أقلع (...)
* الشيخ: طيب ما يحتاج، الإقلاع بالمعنى الحقيقي، لا إقلاع مع إصرار. هذه خمسة شروط للتوبة، بالنسبة للربا التوبة منه تنطبق على هذا، لا بد أن توجد فيها هذه الشروط الخمسة. ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ رؤوس جمع رأس، والرأس هنا بمعنى الأصل؛ يعني لكم أصول الأموال، وأما الربا فليس لكم، الربا ليس لكم.
ثم علل الله عز وجل هذا الحكم بقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ لأنكم لم تأخذوا الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ لأنها لم تُنقص رؤوس أموالكم.
فلا يقول قائل: إن المرابي يجب أن يُعذَّر بأن يؤخذ من رأس ماله بمقدار ما أَخذ من أيش؟
* الطلبة: من الربا.
* الشيخ: من الربا، فمثلًا إذا كان أخذ العشر اثني عشر نقول: ننقص رأس ماله عشرة ننقص عشرة إلى ثمانية وشيء؛ لأن نسبة اثنين لاثني عشر ما هي نسبة الاثنين للثمانية أو العشرة.
على كل حال لا نقول هذا ولا هذا، لا يَظلم غيره بأخذ الربا ولا يُظلم بأن ينقص شيء من رأس ماله لتجرئه على الربا، وهذا تمام العدل.
طيب إذا كان له رأس المال لا يظلم ولا يظلم فأين يكون الربا؟ هل يبقى عند المرابي أو يؤخذ منه ويجعل في بيت المال؟ الآية الكريمة يقول الله فيها: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ فالمرابي لا يستحق الآن إلا رأس ماله فقط، بقينا في المأخوذ منه الربا إن أبقينا له الربا معناه أنه كسب، كسب مرتين، مرة بوجود المال عنده كل هذه المدة ينتفع به، والمرة الثانية ببقاء هذا الربح عنده، نرجع إلى القواعد الشرعية فنقول: هذا الربح قد أعطاه المأخوذ منه باختياره، والتزمه باختياره، ولكن لما كان هذا التزامًا غير شرعي قلنا: إننا نأخذه منك ونجعله في بيت المال، كما نقول في مهر البغي وحُلوان الكاهن، نعم لو فُرض أن المرْبي الذي أخذ منه الربا قد بذل الربا كرهًا بأن قال له عند حلول الأجل: إما أن تقضيني وإما أن تزيد وتُربي، فأربى من أجل أن يبقى الدين في ذمته لأنه معسر، فهذا نقول: له الربا، ولا يؤخذ منه شيء.
يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ لأن الجبرية يقولون: إن الإنسان لا يستطيع الفعل؛ لأنه مجبر، ولا التَّرْك؛ لأنه مجبر، وعلى رأيهم يكون تعطيل الأمر والنهي، يكون الأمر والنهي معطلًا؛ لأن الإنسان ما يقدر يفعل ما أُمر به ولا يترك ما نُهي عنه، وهذا حقيقة تعطيل الأمر والنهي، والبحث في هذا والرد عليهم ومناقشتهم معروف في التوحيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصر على الربا معلن الحرب على الله ورسوله لقوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان معلنًا الحرب على الله ورسوله فهو معلن الحرب على أولياء الله ورسوله، من هم؟ المؤمنون؛ لأن كل مؤمن يجب أن ينتصر لله ورسوله، وكل حرب على الله ورسوله فهي حرب على المؤمنين؛ لأن هؤلاء المؤمنين هم حزب الله عز وجل، وحينئذٍ يكون المرابي معلنًا الحرب على الله ورسوله والمؤمنين، أما على الله ورسوله فدلالة ذلك عليه دلالة المطابقة، وعلى المؤمنين دلالة التزام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم الربا، وأنا لا أذكر أن شيئًا من الذنوب صار بهذه المنزلة، تذكرون شيئًا؟
* طالب: الشرك.
* الشيخ: لكن الشرك صحيح ذُكر لكن ما ذُكِر بهذه الصيغة ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ شوف النبي عليه الصلاة والسلام لما قال:
«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟». قَالُوا: بَلَي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧ / ١٤٣) من حديث أبي بَكْرة نفيع بن الحارث، واللفظ للبخاري.]] لأنها تتعلق بالآدميين، والنفس مجبولة على العدوان على غيرها إلا من عصم الله، فلهذا جاء مثل هذا الوعيد العظيم في آكل الربا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على كل من تاب إلى الله عز وجل من الربا أن لا يأخذ شيئًا مما استفاده بالربا لقوله: ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رأس المال لأي غرض كان سواء أخذته لتتصدق به، أو لتبذله في المنافع العامة، أو لتتقي به كما يقال أن يُصرف هذا في كنائس أو في أسلحة ضد المسلمين أو ما أشبه ذلك، المهم أنك إذا كنت صادقًا في التوبة فلا تأخذ أكثر من رأس المال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الحكمة في تحريم الربا، وهي: الظلم لقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
فإن قلت: في بعض صور الربا لا ظلم، قلنا: إن العِلّة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها، فإن الحكم لا يتخصص بفقدها، أو لا ينتفي بفقدها، صحيح أنه يوجد في بعض الصور صور الربا ما ليس فيه ظلم كما لو اشترى الإنسان صاع بُر طيب بصاعي بُر رديء يساويه في القيمة، فهنا فيه ظلم ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما فيه ظلم، ما فيه ظلم أبدًا، ولهذا لا تجد أحدهما يقول: أنا صابر على الظلم؛ لأنه ما فيه ظلم، لكن محمدًا ﷺ رسول الله الذي جاء بهذا القرآن قال لما أُخبر بمثل هذه الصورة قال: «أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤ / ٩٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]] » فدل هذا على أن تخلف الظلم في بعض الصور لا يخرجها عن حُكم الرِّبا الحكم العام؛ لأن هذه العلة منتشرة لا يمكن ضبطها، وقد يرضى الفقير بأن يُعطى مئة درهم بمئة وعشرين، ويقول: أنا راضٍ بهذا؛ لأنني سوف أنتفع بهذه الدراهم من الآن وهذاك سوف يُحجب نفعها من الآن، فأنا مُنتفع في بمقابل الزيادة، وذاك محجوب عنه النفع أيضًا في مقابل الزيادة التي أُعطيها فلا ظلم، أنا انتفعت بالمال وزاد عليَّ كمية وذاك حجب انتفاع المال وزِيد له.
* طالب: كالبنوك.
* الشيخ: كالبنوك وغير البنوك، المهم أننا نقول: إن مثل هذه العِلَّة لما كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يكون أيش؟ يكون فيها عامًّا، وهذا له أمثلة كثيرة ودائمًا نجد في كلام أهل العلم مثل هذا التعليل: إن العلة إذا كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يعُمّ ولا ينظر للعلة، علّة القصر في السفر والفطر في السفر المشقّة، لكن إذا كان الإنسان يسافر بالطائرة ما فيه علّة، ما فيه مشقة إطلاقا، هل نقول لا يفطر؟ لا، هل نقول لا يَقصر؟ لا، بِناء على هذا الذي أشرنا إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾.
* ومن فوائدها: رحمة الله تعالى بالعباد حيث أرسل إليهم الرسل، وذلك لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما ينفعها ويضرها على وجه التفصيل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: العقول تعرف ما ينفعها ويضرها على سبيل الجملة، لكن على سبيل التفصيل لا تعرف لقصورها ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل، فكان في هذا رحمة عظيمة للخلق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم لقوله: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نعم، نقول: يتصدق بها تخلصًا منها لا تقربًا بها فينويها لمن؟
* الطلبة: لصاحبها.
* الشيخ: لصاحبها، والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيُخيِّره يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي فالأجر للمتصدِّق، إن قال: أريد أجره فأجره له قد نُوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* الطالب: اختلاط المالين المحرم والحلال هل يصلح أن (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلًا بُرّ وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضها على بعض، أما إذا كان ما يمكن فلا طريق لاجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (كان) المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرًا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: (كان) هذه تامة، وإذا كانت تامة فإنها تكتفي بمرفوعها قال ابن مالك في الألفية:
........................... ∗∗∗ وَذُو تَمَــــامٍ مَــــا بِرَفْــــعٍيَكْتَفِــــــــــــــــي؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِص............. ∗∗∗ ...........................
وذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي، هذه تامة، وعلى هذا نقول: (كان) فعل ماضٍ، و(ذو) فاعل رُفع بالواو؛ لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ و﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فيكف نُقدّر هذا الخبر؟ نُقدّر فعليكم ولَّا فله؟
* طالب: فعليكم.
* الشيخ: أو فالواجب عليكم نَظِرة، أو فعليكم نَظِرة، أو فله نَظِرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب عليَّ أن أوفيه حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبدأ بالإعراب قبل الشرح، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه (أن) المصدرية فيُحوّل إلى مصدر، ويكون التقدير: تَصدُّقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة الشرطية نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني إن وُجد ذو عسرة، أي صاحب عُسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الرِّبا، الربا محرم فما الذي بقي؟ الإنظار والإبراء؛ يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نَظِرة بمعنى إنظار؛ يعني عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يُوسِر بسنة، قد يُوسر بسنتين بثلاث، قد لا يُوسر أبدًا، فيقال: يُفرّق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئًا على شخص فقير وقلت: إلى ميسرة فالمعروف عند أكثر أهل أكثر العلم أن ذلك ليس بصحيح، لماذا؟ لأنها مجهولة، مجهول، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الغرر، لكن لو أنك بِعت عليه ثم تبين إعساره فالواجب أيش؟
* الطلبة: إنظاره.
* الشيخ: إنظاره إلى ميسرة إن لم تختر الفسخ، إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تخترِ الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه مُعسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن أن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك والله ما عندي شيء لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ لِتَشْتَرِيَ ثَوْبَيْنِ إِلَى مَيْسَرَةٍ[[أخرجه الترمذي في جامعه (١٢١٣) من حديث عائشة.]] » فهذا يدل على أن مثل هذا جائز.
* طالب: (...) مراده إذا أخذ فائدة الربا بيعطيه مثل ما أخذ؟
* الشيخ: أبدًا ما هو جائز.
* الطالب: يعني يتقاس على البنوك (...)؟
* طالب: شيخ، (...)
* الشيخ: المهم أن هذا موجه إلى شيء معين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وأما الآية اللي في الفاتحة فلا شك أن الإنسان محتاج إلى الهداية في كل حين حتى في نفس العمل محتاج للهداية.
* الطالب: يعني ما يخالف (...)؟
* الشيخ: ما أظن.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا يحتاج إلى أن يُنظر في ديونه، فإذا كانت ديونه أكثر من موجوداته فإنه يُحجر عليه، وإذا حُجر عليه يُباع ماله ويُوزع على الغرماء بالقسط.
* الطالب: فائدة من قول الله تعالى: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] » هل تضاف هذه للآية؟
* الشيخ: إي نعم، هذه تضاف إلى الآية صح.
* الطالب: فيه فائدة.. فائدة أخرى أن حرف (...)
* طالب: إذا تاب المرابي، هل يرد كل الربا الذي مضى سابقًا أو نفس العقد اللي تم الآن بين المرابي والمرابى له؟
* الشيخ: لا، الواجب يعيد كل ما أخذ.
* الطالب: حتى السابق.
* الشيخ: حتى السابق.
* الطالب: إذا كان لا يعلم؟
* الشيخ: إذا كان لا يعلم فقد نقول إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ كما عَلِم له ما سلف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يجب على المسلمين أن يعطوه.
* الطالب: إذا ما وجدوا؟
* الشيخ: ما وجدوا؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: له أن يأخذ من ماله يلتزم بذلك ولا يوفيه، يعني ما يوفيه الربا قصدي الزائد الأصل لازم أن يوفي.
* الطالب: يا شيخ، إنسان موظف في البنك ويتعامل في الربا ثم دعاني للطعام عنده (...) هل أرد دعوته أم لا (...) دعاني إلى وليمة هل أرده أم أجيبه؟
* الشيخ: إي نعم، فهمتم السؤال؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول: هل تجوز إجابة دعوة المرابي أو لا؟ هذه الخلاصة فما تقولون؟ ما هو؟
* طالب: المراد (...).
* الشيخ: أبدًا دعاني (...) عنده خبز ولحم وأشياء زينة ما بأروح (...) ولا أدعيه أبدًا (...)
المحرم لكسبه إثمه على الكاسب، وعلى هذا فلا إثم عليك أنت حتى لو أجبته، ثم إن هذا المرابي لا بد له أن له أصلًا، أن لماله أصلًا ولَّا لا؟ لا بد أن لماله أصلًا، ما هو بالربا على طول بيمشي عليه يكون عنده مثلًا مئة ريال بدأ يشتغل فيها بها بالربا وزادت، فلماله أصل، وهذا الربا حصل من المال المباح ومن العمل المحرم من المال المباح ومن العمل المحرم، وقد ذكر بعض العلماء أن الغاصب إذا اتجر بالمغصوب فليس الربح كله لرب المال بل يُعطى الغاصب إذا تاب ما يكون مقابل عمله. على كل حال إجابة دعوة المرابي نقول: جائزة، والأولى تركها، لكن إن أفضت إجابته إلى محظور فإنه تحرم إجابته من هذه الناحية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (كان) هنا فيها إشكال، ما هو الإشكال؟
* طالب: من حيث (...)
* الشيخ: من حيث العربية؛ يعني من حيث الإعراب فيها إشكال.
* الطالب: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ هذه كان تُسمى كان التامة لا تحتاج لاسم.
* الشيخ: إي نعم، الإشكال أننا لم نجد خبرها.
* الطالب: فتسمى التامة.
* الشيخ: فنقول هذه تامة، ما معناها إذا كانت تامة؟
* الطالب: تكتفي بالاسم.
* الشيخ: تكتفي بالفاعل.
* الطالب: أيوه بالفاعل.
* الشيخ: لكن وأيش معناها ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي إن وُجد ذو عسرة طيب. أين جواب الشرط في ﴿إِنْ كَانَ﴾؟
* الطالب: جواب الشرط ﴿فَنَظِرَةٌ﴾
* الشيخ: جملة ولّا مفرد؟
* الطالب: لا، جملة.
* الشيخ: جملة، لماذا ارتبطت بالفاء؟
* الطالب: لأنها (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: جملة اسمية.
* الشيخ: لأنها جملة اسمية. طيب ما هي الجمل التي يجب أن تقترن بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟
* الطالب: وَبِجَامِدِ وبقد وبالتنفيس
* الشيخ: أعد البيت
* الطالب:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
* الشيخ: سبع هي سبع
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
كذا؟ قوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذه أيش نوعها مفرد ولّا جملة ولّا؟ هل هي جملة ولّا مفرد هذا السؤال ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟
* الطالب: جملة.
* الشيخ: جملة، مُكونة من؟
* الطالب: فعل وفاعل.
* الشيخ: لا. جملة اسمية مكونة من؟
* الطالب: حرف وفعل.
* الشيخ: حرف وفعل؟
* طالب: من مبتدأ وخبر.
* الشيخ: من مبتدأ وخبر، أين المبتدأ؟
* الطالب: المصدر.
* الشيخ: المصدر المنسبك من أن والفعل، والتقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: تصدقكم خير لكم تمام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه جملة شرطية وين جوابها؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، بجواب شرط ذلك مفعول به.
* طالب: (...).
* الشيخ: إن كنتم تعلمون ذلك فافعلوا أو فتصدقوا، كذا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم؛ لقوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها، أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق بها تخلصا منها لا تقربها بها، فينويها لمن؟ لصاحبها والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيخيره، يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي، فالأجر للمتصدق، إن قال: أريد أجره، فأجره له قد نوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* طالب: (...) اختلاط المالين (...) رأس المال الحلال (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني: يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلا بر وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلاط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضه على بعض، أما إذا ما يمكن فلا طريق إلى اجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ كان المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: كان هذه تامة، وإذا كانت تامة، فإنها تكتفي بمرفوعها، قال ابن مالك في الألفية:
....................... ∗∗∗ وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي ؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ........ ∗∗∗ ..................... وذو تمام ما برفع يكتفي هذه تامة، وعلى هذا نقول: كان فعل ماض وذو فاعل، رفعت بالواو لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية، والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فكيف نقدر هذا الخبر؟ نقدر فعليكم ولَّا فله؟ أو فالواجب؟ نعم، فالواجب عليكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فله نظرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب علي أن أوفية حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبتديء بالإعراب قبل الشرح، طيب ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه أن المصدرية فيحول إلى مصدر، ويكون التقدير: تصدقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة شرطية، نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٧٨]
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي: تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: إن وجد ذو عسرة، أي صاحب عسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الربا، الربا محرم، فما الذي بقي؟ الإنظار، والإبراء يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار، وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نظرة في معنى إنظار، يعني: عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يوسر بسنة، قد يوسر بسنتين بثلاث، قد لا يوسر أبدًا، فيقال: يفرق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئا على شخص فقير، وقلت: إلى ميسرة، فالمعروف عند أهل أكثر العلم (...) فالواجب أيش؟ إنظاره إلى ميسرة، إن لم تختر الفسخ إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تختر الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة، فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه معسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك، والله ما عندي شيء، لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها:« أن رجلا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت له عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: إنّ فلانًا قَدِمَ له بزٌّ منَ الشّامِ فلو أرسلْتَ إليه لتشتريَ ثوبيْنِ إلى مَيْسَرة »[[أخرجه الترمذي (١٢١٣) من حديث عائشة.]]، فهذا يدل على أن مثل هذا جائز، على كل حال هذا إن شاء الله يأتي في الفوائد.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وفي قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بالضم، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا، عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسر يزاد عليه في الدين، أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة، لكن هذا هو الواقع؛ لأنه مادام معسرا فسبب الإنظار موجود أو فسبب وجوب الإنظار موجود، فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء، يعني: أن تعفوا عن الدين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ بإبراء المدين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أمهل حتى يوسر، ومعلوم أن الأول أولى وأرفق بالمدين وهو الإبراء، وإنما كان خيرا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليما من الدين خير من إنظاره مع بقاء الدين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدا، أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم، فإن لم نكن نعلم فليس خيرا لنا، ولاشك أن هذا معنى فاسد لا يراد بالآية، لكن المعنى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا أي: تصدقوا، والمراد بالجملة هنا أيش؟ الحث والإغراء؛ لأن كل ذي علم عاقل فلابد أن يختار ما هو خير، فلابد أن يكون يختار ما هو خير.
في هذه الآية فوائد منها: ثبوت رحمة الله عز وجل، وجه ذلك: أنه أوجب على عباده إنظار المعسر، وهذا رحمة بمن؟ بالمعسر، ففيه إثبات رحمة الله عز وجل التي منها أنه ألزم من له الدين أن ينظر المعسر.
ومنها: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس إلى موسر ومعسر، من الموسر في هذه الآية؟ الدائن، والمعسر المدين، وحكمة الله عز وجل هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها أبدا؛ ولذلك بدأ الشيوعيون الذي يريدون أن يساووا الناس بدؤوا يتراجعون الآن، بدؤوا يتراجعون؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الاختلاف، قال الله عز وجل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢] لولا هذا الرفع، هل يمكن أن يسخر لنا أحد يعمل لنا ما نريد؟ أبدا، تجيء للعامل تقول: تعال اعمل عندي، وبأعطيك فلوس، وأيش يقول؟ يقول (...) ما أنا بعامل، أنت تعمل عندي. تجد التاجر تقول له مثلا: أورد لي التجارة وأعطيك كذا وكذا، وأيش يقول؟ يقول اللي عندك عندي.. (...) وأنت ورد لي. وهكذا، فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله عز وجل وشرعه من التفاوت بينهم، هذا معسر وهذا موسر حتى يتبين بذلك حكمة الله عز وجل وتقوم أحوال العباد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إنظار المعسر يعني إمهاله، وجوب إنظار المعسر؛ لقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾.
ومنها أي من فوائد الآية: وجوب إمتداد إنظاره إلى الميسرة، لا إلى شهر ولا إلى سنة، وإلا إلى أسبوع إلى الميسرة، طيب وإن طالت مدة الميسرة؟ وإن طالت نعم.
* ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كيف ذلك؟ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمرًا إلى أن تزول العلة وهي العسرة حتى يجوز مطالبته، وفي عكس ذلك ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]] الغني يحرم عليه المماطلة، والدائن تحرم عليه المطالبة إذا كان المدين معسرا، لو أن الناس مشوا على تقوى الله عز وجل في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل، لكن نجد الغني يماطل، الدراهم عنده في الدرج أو في الصندوق، يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي. يقول: بكرة. يجيئهم بكرة، يقول: بعد بكرة، وهكذا، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[سبق تخريجه.]]، ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا ينظرون المعسر ولا يرحمونه، يقول: أعطني وإلا فالحبس، ويحبس فعلا، وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، لا يجوز أن يحبس، بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر، يعزر الدائن، لماذا؟ لأن طلبه مع الإعسار معصية، والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإبراء، فضيلة الإبراء من الدين؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإبراء سنة و الإنظار واجب، وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أليس كذلك؟ السنة الآن أفضل من الواجب بنص القرآن، وحينئذ يرد علينا إشكال وهو كيف نجمع بين مدلول القرآن الكريم هنا وبين قوله الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] فإن هذا يقتضي أن الفرائض أفضل من النوافل، أليس كذلك؟ وهذا لاشك فيه أن الفرائض أفضل من النوافل، وإن كان الجهلة منا والسفهاء يعتنون بالنوافل أكثر مما يعتنون بالفرائض، تجده في صلاة نافلة خاشعا يتدبر ما يقول وما يفعل، وفي صلاة الفريضة على العكس ينظر إلى الساعة تارة، وإلى القلم تارة، ويذكر شيئا نسيه فيخرج القلم يكتب براحته حتى لا ينسى، وفي النفل تجده خاشعا متدبرا ما يقوله ويفعل، وهذا لاشك أنه من جهلنا، وإلا فالعناية بالفرائض أولى من العناية بالنوافل، المهم كيف نجمع بين مدلول هذه الآية الكريمة وبين ما دل عليه الحديث القدسي؟ الجواب أن الجمع بينهما هو أنه إذا كان النفل شاملًا للواجب، شاملًا للواجب يعني يتضمن الواجب فهو أفضل؛ لأنه صار واجبا وزيادة، صار واجبا وزيادة عرفتم؟ طيب، الإبراء يتضمن الإنظار ولَّا لا؟ إي نعم، فيه إنظار وزيادة، أليس كذلك؟ فيه إنظار وزيادة، إذن فنقول إنما كان أفضل؛ لأنه مشتمل على الواجب وزيادة، ونظير ذلك ما قاله بعض العلماء: الوضوء ثلاثا سنة والوضوء مرة واجب، والثلاث أفضل من الواجب، كيف الثلاث أفضل من الواجب، وهي سنة والواجب فريضة؟ الجواب: لأن هذه السنة متضمنة للواجب، فهي واجب وزيادة، قالوا أيضا: ابتداء السلام سنة ورده فرض، والابتداء أفضل من الرد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧) ومسلم (٦٢٣٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري.]]، كيف هذا؟ والحديث: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[سبق تخريجه.]]. قالوا: نعم؛ لأن هذا الرد مبني على الابتداء، فصار الابتداء مشروعا لذاته ولغيره، لولا الابتداء ما حصل الرد، فلما كان الرد مبنيا على الابتداء صار الابتداء هنا أفضل؛ لأنه صار سببًا وذاتًا، فهو سلام ابتدائي وسبب لواجب فأعطي فضيلة الواجب؛ لأنه سببه، وفضيلة الابتداء؛ لأنه الابتداء، عرفتم؟
من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال، كيف؟ لقوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وتفاضل الأعمال يقتضي تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض، وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية، أن العمال يختلفون ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٥] ولَّا يستوون؟ لا يستوون، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، يتفرع على ذلك عندنا الآن من الآية الكريمة نأخذ تفاضل الأعمال يتفرع عليه: تفاضل العامل، يتفرع على ذلك: تفاضل الإيمان، تفاضل الإيمان، كيف ذلك؟ لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، هل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئه من الزكاة؟ انتبهوا يعني إنسان عليه مائة ريال زكاة، يطلب شخصا فقيرا مائة ريال: وقال: أبرأت هذا الفقير، أبرأته عن زكاتي، هل تجزئه أو لا؟ نشوف من الآية، هل تقولون إن الآية تدل على إجزاء إبراء الفقير عن الزكاة؟ لو قال قائل نعم الآية تدل على أنه يجزئ لأن الله سمى الإبراء صدقة وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] فإذا كان الإبراء صدقة، وأبرأت الفقير فقد أديت الزكاة، ولكن الصحيح أنه لا يجزئ، الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ، كيف؟ لأن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢٦٧] وجعل الدين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب، والمراد بالخبيث هنا الرديء ما هو الحرام، أليس كذلك؟ لأن العين ملك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء، والدين الذي على معسر مال تالف في الواقع، مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار ولَّا زواله؟ الأصل بقاء الإعسار، وحينئذ يكون هذا الدين بمنزلة المال التالف، فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا لا يجزئ بلا نزاع، بلا نزاع لا يجزئ، ولو قلنا يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأته ونويتها من الزكاة فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة، هذا لا يمكن؛ ولهذا لو خيرت شخصا فقلت: أنا أعطيك عشرة ريالات أو أحولك على إنسان فقير بالعشرة، وأيش يختار؟
* طلبة: العشرة.
* الشيخ: تعطيني عشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الله يهديكم تأملوا؟ قلت لإنسان: أنا باعطيك عشرة ريالات نقدا ولَّا باحولك على إنسان فقير، وأيش يأخذ؟
* الطلبة:العشرة.
* الشيخ: العشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ولا يتردد؟
* الطلبة: ولا يتردد.
* الشيخ: ولا يتردد، إذن صارت العشرة بالنسبة للدين من باب الطيب، وذاك من باب الرديء، لو أردت أن تعطي شخصا شاة سمينة صحيحة، وتعطيه شاة هزيلة مريضة، أيٍّ اللي يختار؟ الأول، هذا نفس الشيء، إذن نقول لا يجوز إبراء الفقير واحتساب ذلك من الزكاة، نعم، لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن دين، زكاة عن دين، إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدين فهذا ربما نقول إن هذا صحيح؛ لأن هذا الدين الذي أبرأت صار من جنس المال الذي زكيت به عنه.
البقرة 2:281
ثم قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وفي قراءة: ﴿تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٨١].
قوله: ﴿يَوْمًا﴾ هنا ليست ظرفا؛ لأن الفعل واقع عليها لا فيها، والظرف يكون الفعل واقعا فيه لا عليه، فاليوم متقى فهو مفعول به، وجملة: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ صفة ليوم؛ لأنه نكرة، والجمل بعد النكرات صفات، وقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾ معطوف على ﴿تُرْجَعُونَ﴾ يعني: يوم ترجعون فيه، وتوفون فيه ما كسبتم، وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ جملة استئنافية، ويحتمل أن تكون جملة حالية لكن الأول أظهر.
يقول الله عز وجل بعد أن ذكر كثيرا من أنواع المعاملات والربا حذر من هذا اليوم الذي يرجع فيه الخلائق إلى الله عز وجل، وهذا اليوم نَكَّره للتعظيم ولم يبينه إلا بوصفه وهو قوله: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وهو يوم القيامة، أمرنا الله باتقائه حتى لا نعتدي على أحد؛ لأننا إذا اعتدينا على أحد بظلم فإنه في هذا اليوم الذي نحن محتاجون فيه للثواب سوف يأخذ المظلوم من ثوابنا.
وقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: تعطى، والتوفية بمعنى الاستيفاء وهو أخذ الحق ممن هو عليه، فـ ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي تعطى ثوابها وأجرها المكتوب لها إن كان عملها صالحا أو (...)
بمعنى الاستيفاء وهو أخذ الحق ممن هو عليه، فـ ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: تعطى ثوابها وأجرها المكتوب لها إن كان عملها صالحًا، أو إن كان علمها سيئًا تعطى العقاب على عملها.
وقوله: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ الكسب هو ما عمله الإنسان أو ما حصل له بعمل، ما حصل له بعمل يسمى كسبا، لو أن الإنسان اتجر وحصل له ربح نقول هذا كسب، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ الظلم في الأصل النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني:لم تنقص، هذا في الأصل ولكنه استعمل بمعنى أعم، فصار الظلم يكون بالنقص وبالزيادة، بالنقص من العمل الصالح، وبالزيادة من العمل السيئ يعني أن الإنسان لا ينقص من حسناته ولا يزاد في سيئاته، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] ﴿ظُلْمًا﴾ [طه ١١٢] بزيادة السيئات ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] بنقص الحسنات.
في هذه الآية الكريمة: وجوب اتقاء هذا اليوم الذي هو يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، لكن بماذا نتقيه؟ نتقيه بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى قد تضاف لغير الله، لكن إذا لم تكن على وجه العبادة فإنها تضاف إلى غير الله، فيقال: اتق فلانا، اتق كذا، وهذا في القرآن والسنة كثير قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠] ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] لكن فرق بين التقويين، التقوى الأولى تقوى عبادة وتذلل وخضوع، والثاني تقوى وقاية فقط، يأخذ ما يتقي به عذاب هذا اليوم أو عذاب النار، وقال النبي ﷺ: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ»[[أخرجه البخاري (٢٤٤٨) من حديث ابن عباس.]] فأضاف التقوى هنا إلى الدعوة، واشتهر بين الناس: اتق شر من أحسنت إليه، لكن هذه التقوى المضافة إلى المخلوق ليست تقوى العبادة الخاصة بالله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن مرجع الخلائق كلها إلى الله حكمًا وتقديرًا وجزاء، فالمرجع كله إلى الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢] في كل شيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل، وذلك بالبعث؛ فإن الله تعالى يبعث الخلائق بعد أن كانوا رميما وترابا.
* ومن فوائدها: الرد على الجبرية.
* الطلبة: (...)
* الشيخ: (...)﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ لأن الأمر بالتقوى لو كان الإنسان مجبورا لكان من تكليف ما لا يطاق، أليس كذلك؟ نعم
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يوفى يوم القيامة إلا عمله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ واستدل به بعض العلماء على أنه لا يجوز إهداء القرب من الإنسان، يعني أنك لو عملت عملًا صالحًا لشخص معين فإن ذلك لا ينفعه ولا يستفيد منه؛ لأن الله قال: ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ لا ما كسب غيرها، فما كسب غيره فهو له، فلو أن الإنسان عمل عملًا صالحًا يريد أن يكون لأخيه أو عمه أو خاله أو صديقه فإن ذلك لا ينفعه، واستُثْنِي من ذلك الأولاد؛ قالوا: لأن الأولاد من الكسب، ولأنه ثبت عن النبي ﷺ« في قصة المرأة التي قالت: إن أباها لا يثبت الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥١٣) ومسلم (١٣٣٤ / ٤٠٧) من حديث ابن عباس.]]، وفي الأخرى التي قالت: «إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[أخرجه البخاري (١٨٥٢) من حديث ابن عباس.]] قالوا: وهذا لأن الأولاد من الكسب، فأجزأ العمل الصالح منهم عن آبائهم وأمهاتهم، وأما الدعاء للغير إذا كان المدعو له مسلما فإنه ينتفع به بإجماع المسلمين، بالنص والإجماع، النص: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر ١٠] ولم يذكر الله ذلك عنهم إلا وهم أي المدعو لهم ينتفعون به، وأما الإجماع فإن المسلمين كلهم يصلون على الأموات ويقولون في الصلاة أيش؟ اللهم اغفر له وارحمه، فهم مجمعون على أنه ينتفع بذلك.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم خلاف طويل عريض، والراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في هذه المسألة، أنه يجوز للإنسان أن يعمل العمل الصالح لمن شاء من المسلمين إلا ما كان فريضة، فإنه لا يجوز أن يجعله لغيره؛ لأنه مفروض عليه هو بنفسه، فلو توضأ الإنسان لصلاة الظهر ونوى أن يكون الوضوء لأبيه، فإن ذلك لا يجزئ ولا يصح؛ لأنه مفروض عليك أنت فرضًا، فالفرائض لا تهدى لأحد، النوافل يجوز إهداؤها بأن تعمل تنوي بعملك هذه النافلة أنها لفلان، ولكن هل هذا أمر مطلوب، ومشروع أن يفعله الإنسان؟ أم هو من الأمر الجائز الذي لا نقول: إنه بدعة، ولكن لا نحبذه؟ الثاني: فنحن لا نقول إنه مشروع ولا نقول إنه بدعة، وإنما نقول هو من الأمر الجائز، والدعاء أفضل منه، الدعاء أفضل منه، الدليل على أن الدعاء أفضل من العمل: أن الرسول ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انَْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنَتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، ولم يقل: يصلي له أو يتصدق أو يصوم أو ما أشبه ذلك، وإرشاد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الدعاء خاصة دليل على أنه أفضل وهو كذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصغير يكتب له الثواب، تؤخذ منين؟ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من العموم، لو قال قائل: ويكتب عليه العقاب؟
* الطلبة: (...)
* الشيخ: نقول: ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾؟ إي نعم، نقول: أولا أن السنة جاءت برفع القلم عنه[[أخرجه أبو داود (٤٣٩٨) والترمذي (١٤٢٣) من حديث عائشة.]]،كذا؟ وأيضًا قال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ والصبي لو عوقب لكان في ذلك ظلم.
لكن لو قال قائل: إن سيئات الصبي لا تدخل هنا، بل ولا سيئات الكبير؛ لأن الله قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦] ففرق بين العمل الصالح فقال: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ والسيئ قال: ﴿عَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ لو قال قائل: إن ﴿كَسَبَتْ﴾ هنا أخرجت اكتسبت، نقول ما يصح هذا، لا يصح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر ٥١]فجعل السيئات كسبا، لكن فائدتها في آية البقرة قيل: إن فائدتها لفظية يعني من أجل تنويع اللفظ كسب واكتسب، يعني لو كانت الآية: لها ما كسبت وعليها ما كسبت صار فيها شيء من القلق، لكن ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦] والمعنى واحد لكن اختلفا في اللفظ، وقيل: بل بينهما فرق؛ وذلك لأن الكسب قد يكون من فعل الإنسان، وقد يكون من فعل غيره، فلو وهب لك هبة فهي كسب، أما الاكتساب فهو ما عالج الإنسان الوصول إليه، ويكون لا يكتب عليه إلا ما فعله مباشرة دون ما حصل من غيره؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨]
لو قال قائل لقريبه: يا فلان، أنت شربت الخمر، قال: نعم، قال: إثمك علي. يا فلان، أنت سرقت؟ قال: نعم. إثمك علي. يا فلان، أنت فعلت الفاحشة؟ قال نعم. قال: إثمك علي. يا فلان، أنت أشركت بالله؟ قال: نعم: قال: إثمك علي. طيب المهم، اللي حصل عليه هاتان من ها دول؟ أبدا، ولا واحد منها، الشرك وما دونه ما يلحقه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت ١٢].
* طالب:(...)؟
* الشيخ: يقول المعنى انقطع عمله الذي هو عمله؛ ولهذا أضافه إلى نفسه، ولم يقل: انقطع العمل عنه، لو كان لفظ الحديث انقطع العمل عنه ما يصله أي عمل، لكن الرسول ﷺ أخبر أن عمله هو نفسه ينقطع إلا من ثلاثة.
* طالب: (...) والده وقد حج (...) عامي (...) بعد أن عرف المناسك وعرف الحج الصحيح فهل يحج (...)؟
* الشيخ: يعني شاك في أداء الفريضة؟
* طالب: هو شاك، يا شيخ أن والده ما أدى الفريضة على الوجه الصحيح
* الشيخ: إذا كان يظن أنه قد أخل بالفريضة، فالظاهر هنا أن نرجح أن يحج عنه، أما إذا كان يريد أن يحج عنه وهو يعرف أنه قد أدى الفريضة على وجه الأكمل حسب الاستطاعة، فنقول: إن الدعاء أفضل.
* طالب: (...)
* الشيخ: والله العوام إذا وفقوا برجل عالم صالح انتفعوا.
* طالب: شيخ، بالنسبة لبعض أهل العلم يقول: (...) الثواب إلا ما ورد فيه الدليل ويستدلون بعموم قوله الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩] وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة.]] يقول: ما ورد يفعل وما لم يرد (...)؟
* الشيخ: أما الأول ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩] فصحيح، ما له إلا ما سعى، فسعي غيره ليس له، لكن إذا أراد الغير أن يجعله له يعني: بمعنى أنه ما يمكن إن سعي غيره يؤخذ منه وتعطى إياه، لكن إذا أعطاك ما في مانع كما لو قلت: ليس لك إلا ما تملك من المال، وجاء إنسان وأعطاك من المال، أما الاقتصار على ما ورد فيقال التي وردت قضايا أعيان، لو كانت أقوالًا من الرسول عليه الصلاة والسلام قلنا: نعم نتقيد بها، لكن قضايا أعيان جاءوا الرسول فعلت كذا وقال: نعم يجزئ، وهذا مما يدل على أن العمل الصالح للغير يجزئ في الواقع؛ لأننا ما ندري لو جاء رجل وقال: يا رسول الله صليت ركعتين لأمي أو لأبي أو لأخي ما ندري وأيش يكون الجواب، أما لو كان لأقوال بأن قال: من تصدق لأبيه أو أمه أو لأخيه وما أشبه ذلك لقلنا إن هذا قول ونقتصر عليه، أما أناس يسألوننا فما ندري لو جاء مثلا ألف واحد يسأل كل واحد يسأل عن العمل، فالجواب المتوقع الذي نظن أن الرسول سيقول: نعم، أما من «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]] هذا نعم ما عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله، هذا عمل عملا عليه أمر الله ورسوله أخلص لله واتبع رسول الله، لكن أراد أن ينفع به شخصا مسلما.
* طالب: الصلاة؟
* الشيخ: صلاة أيش؟
* الطالب: مثل قيام الليل يقوم من الليل بنية (...)؟
* الشيخ: إي نعم لا، شوف هو إما أن يكون نيابة أو إهداء، إهداء ما فيه مانع،
* طالب: يصلي (...)؟
* الشيخ: نعم نعم يصلي ويقول: اللهم إني نويت أن هذه الصلاة لأبي ثوابها لأبي، أما أن يقول لأبيه نم بفراشك وأنا أصلي عنك من باب الوكالة لا ما يصلح.
* طالب: شيخ، الحج أفضل من الدعاء (...)؟
* الشيخ: أيه لكن هل هو مبني على أنه عبادة ما هو دعاء؛ ولهذا لو أنك ذهبت قلت: لبيك اللهم لبيك وطفت ولم تتكلم بأي دعوة، وسعيت ولم تتكلم بأي دعوة وكل الأشياء فعلت الذكر دون الدعاء يجزئ الحج وإلا ما يجزئ؟ يجزئ نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إن الرجوع إلى الله عز وجل،
* الطالب: الحكم (...)؟
* الشيخ: الحكم أعم، الحكم أعم يعني إن الله عز وجل يحكم بالشيء فيقع، والتقدير في الأزل السابق.
* الطالب: حديث الدعاء هو العبادة (...) أولا المرء يدعو له، أن الدعاء هنا المراد به العبادة شامل للعبادة كلها؛لحديث الدعاء هو العبادة؟
* الشيخ: ما يستقيم هذا، لا ما يستقيم، لاشك إن الدعاء عبادة؛ لأن الإنسان إذا رفع يديه إلى الله يسأله فهذا تعبد وتذلل، لكن عندما يطلق الدعاء فالمراد به دعاء المسألة عندما يطلق، لكن دعاء المسألة من العبادة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هذه بعض العامة إذا صار الميت يشتهي هذا النوع من الطعام في العادة، فهم إذا قدموه يقول هكذا بأيديهم عليه: اللهم اجعل ثوابه لفلان، هذا لاشك أنها من البدع، هذا من البدع؛ لأنهم يظنون والله أعلم إنه ما دام يحبه يبي يصرفه، إذا كان مثلا جريش ولحم ويحب الجريش واللحم، وقال: اللهم اجعل ثوابه له، إنه يجيب في قبره جريش ولحم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: أنا أشوف الناس العامة
* طالب: (...)؟
* الشيخ: والله، هم ما فيه شك أنها على ها الصيغة ما ورد عن السلف، لكن لو قالوا: احنا بنفعله؛ لأن أكلنا إياه صدقة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْإِنْسَانُ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَعَلَى زَوْجَتِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٦٩٠) من حديث أبي عبيدة بن الجراح بلفظ: وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ.]] نبي من هذا الباب..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أي، نقول هذا ثواب له، ولكن ما ينبغي أن يفتح هذا الباب، ما يفتح هذا الباب أمام العامة أبدا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الآن بعض الناس يعتمد على غيره في هذه المسألة، إذا قال: والله ما توصي قال: عيالي هم عشاي وضحيتى العامة (...)
* * *
* طالب: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٢]
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾
أظن أننا انتهينا من كل شيء فيما سبق من المناقشة والفوائد؟ طيب.
هذه الآية الكريمة أطول آية في كتاب الله، وهي كما تشاهدون في المعاملات بين الخلق، وأقصر آية في كتاب الله ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر ٢١] لأنها ستة أحرف؟
* طالب: ﴿طه﴾ [طه ١]
* الشيخ: إي نعم، لا الحروف الهجائية هذه أظن فيها أقصر من ﴿طه﴾ [طه ١]، ﴿ن﴾ [القلم ١]، ﴿ص﴾ [ص ١]، لكن نريد الحروف غير الهجائية ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر ٢١] إذن أطول آية آية الدين، وأقصر آية ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر ٢١] وأجمع آية للحروف الهجائية كلها آيتان في القرآن فقط، آيتان في القرآن جمعتا جميع الحروف الهجائية.
* طالب: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح ٢٩]
* الشيخ:نعم هذه واحدة، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح ٢٩] إلي آخر الآية هذه جمعت جميع الحروف الهجائية، نعم، الثانية؟
* طالب: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]
* الشيخ: نعم ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤] في آل عمران هذه فيها جميع الحروف الهجائية، لكن الآية التي معنا مع طولها لا تشتمل على جميع الحروف الهجائية.
البقرة 2:282
يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ سبق لنا أن تصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء للتنبيه ولا ينبه إلى على شيء هام، وتقدم لنا أيضا أنه إذا وجه الخطاب للمؤمنين فإن فيه فوائد:
أولا الإغراء والحث، كأنه يناديهم بصفة إيمانهم الذي يحملهم على امتثال الأمر واجتناب النهي.
ثانيا: أن الالتزام بهذا من مقتضيات الإيمان.
ثالثا: أن المخالفة فيه مما ينقص الإيمان، هذه ثلاث فوائد فيما إذا وجه الخطاب إلى من؟ إلى المؤمنين، ويذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إِذَا قالَ الله تعالى: يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا فأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني: استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤْمَرُ به، وإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عنْهُ »[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦) من حديث ابن مسعود.]].
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾، والإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه إيمان (...) تقول: آمنت له، والمخبر به تقول: آمنت به، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذن الإيمان شرعًا هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، للقبول قبول أيش؟ قبول الخبر وقبول الحكم أيضا، أقبل أن هذا فرض أو أن هذا سنة أو ما أشبه ذلك، والإذعان يعني الاستسلام والانقياد، فمن صدق بدون قبول فليس بمؤمن، فأبو طالب مثلًا مصدق برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يكن مؤمنا؛ لأنه لم يقبل ولم يذعن.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ هذه تدل على فعل واقع من اثنين مثل تشارك وتقاتل وتساب وتخاصم وما أشبه ذلك، أي: إذا داين بعضكم بعضا، والمداينة تطلق على الدين المعروف، وعلى المكافآت «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ»[[ أخرجه أبو داود (١٦٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] و «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٢٦٢) من حديث أبي قلابة. ]]، فلهذا أكد بقوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾ حتى يخرج المكافآت، يعني: إذا أعطيتك وأعطيتني هذا مداينة؛ لأني عملت وكوفئت وعليه يتنزل عليه قولهم: كما تدين تدان، لكن لما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ رفع هذا الاحتمال وصار المراد ما يثبت في الذمة، يعني: إذا تعاملتم معاملة فيها دين، والدين كل ما يثبت في الذمة وضده العين، فإذا بعتك هذه الحقيبة بهذا المسجل هذا دين ولَّا غير دين؟ هذا عين ليس بدين، وإذا بعتك هذه الحقيبة بعشرة ريالات لم أعينها، فهذا عين ودين، المبيع عين والثمن دين، طيب يقول: ﴿تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ إذن الدين كلما ثبت في الذمة فهو دين، ثمن المبيع الذي لم يعين دين، الأجرة دين، القرض دين، الصداق دين، المهم كل ما ثبت في الذمة فإنه دين، خلافًا للمفهوم من الدين عند العامة، عند العامة أن الدين هو التورق، وليس كذلك، بل التورق فرد من أفراد الديون، فالدين إذن كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع أو أجرة أو صداق أو قرض، قرض يعني سلف، أو غير ذلك.
وقوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى غاية محدودة، الأجل الغاية التي ينتهي إليها الشيء، ﴿مُسَمًّى﴾ يعني: معين محدود مثل: بعت عليك هذا الشيء بعشرة ريالات إلى شهر رجب، هذا أجل مسمى..؟
طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
هذه الآية الكريمة أطول آية في كتاب الله، وهي كما تشاهدون في المعاملات بين الخلق، وأقصر آية في كتاب الله؟ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر ٢١]؛ لأنها ستة أحرف.
* طالب: طه.
* الشيخ: إي نعم، لا الحروف الهجائية هذه أظن فيها أقصر من طه، ن، ص، لكن نريد الحروف غير الهجائية، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، إذن أطول آية آية الدين، وأقصر آية: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، وأجمع آية للحروف الهجائية كلها آيتان في القرآن فقط، آيتان في القرآن جمعتا جميع الحروف الهجائية.
* طالب: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح ٢٩].
* الشيخ: نعم، هذه واحدة ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى آخر الآية هذه جمعت جميع حروف الهجائية، الثانية؟
* طالب: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤].
* الشيخ: نعم، ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ في آل عمران ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، هذه فيها جميع الحروف الهجائية، لكن الآية التي معنا مع طولها لا تشتمل على جميع حروف الهجائية.
يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ سبق لنا أن تصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء للتنبيه، ولا ينبه إلا على شيء هام، وتقدم لنا -أيضًا- أنه إذا وجه الخطاب للمؤمنين فإن فيه فوائد:
أولًا: الإغراء والحث، كأنه يناديهم بصفة إيمانهم الذي يحملهم على امتثال الأمر واجتناب النهي.
ثانيًا: أن الالتزام بهذا من مقتضيات الإيمان.
ثالثًا: أن المخالفة فيه مما ينقص الإيمان، هذه ثلاث فوائد فيما إذا وجه الخطاب إلى من؟ إلى المؤمنين، ويذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا قالَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِهَا سمْعَك » -يعني: استمع لها- «فإمَّا خيرٌ تُؤمَرُ به، وإمَّا شَرٌّ تُنهَى عنه »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث ابن مسعود.]].
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾، والإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه إيمان (...) تقول: آمنت له، والمخبر به تقول: آمنت به.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذن الإيمان شرعًا هو: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، للقبول قبول أيش؟ قبول الخبر وقبول الحكم أيضًا، أقبل أن هذا فرض أو أن هذا سنة أو ما أشبه ذلك، والإذعان يعني: الاستسلام والانقياد، فمن صدق بدون قبول فليس بمؤمن، فأبو طالب مثلًا مصدق برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يكن مؤمنا؛ لأنه لم يقبل ولم يذعن.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ هذه تدل على فعل واقع من اثنين، مثل تشارك وتقاتل وتساب وتخاصم وما أشبه ذلك، أي: إذا داين بعضكم بعضًا، والمداينة تطلق على الدين المعروف وعلى المكافآت «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (١٦٧٢)، والنسائي في المجتبى (٢٥٦٧) من حديث ابن عمر.]]، و«كََمَا تَدِينُ تُدَانُ»[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٢٦٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٣٢) من حديث أبي قلابة]]؛ فلهذا أكد بقوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾ حتى يخرج المكافآت، يعني: إذا أعطيتك وأعطيتني هذه مداينة؛ لأني عملت وكوفئت، وعليه يتنزل عليه قولهم: كما تدين تدان، لكن لما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ رفع هذا الاحتمال، وصار المراد ما يثبت في الذمة، يعني: إذا تعاملتم معاملة فيها دين، والدين: كل ما يثبت في الذمة، وضده العين، فإذا بعتك هذه الحقيبة بهذا المسجل هذا دين ولَّا غير دين؟ هذا عين ليس بدين، وإذا بعتك هذه الحقيبة بعشرة ريالات لم أعينها، فهذا عين ودين، المبيع عين، والثمن دين.
يقول: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ إذن الدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، ثمن المبيع الذي لم يعين دين، الأجرة دين، القرض دين، الصداق دين، المهم كل ما ثبت في الذمة فإنه دين، خلافًا للمفهوم من الدين عند العامة، عند العامة أن الدين هو التورق، وليس كذلك، بل التورق فرد من أفراد الديون، فالدين إذن كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع أو أجرة أو صداق أو قرض -قرض يعني سلف- أو غير ذلك.
وقوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: إلى غاية محدودة، الأجل الغاية التي ينتهي إليها الشيء، ﴿مُسَمًّى﴾ يعني: معين محدود، مثل: بعت عليك هذا الشيء بعشرة ريالات إلى شهر رجب، هذا أجل مسمى ولَّا لا؟ مسمى، مسمًّى بالشهر.
وقوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هل يفيد؟ يفيد أمرين: أنه قد يكون الدين إلى غير أجل، وقد يكون الدين إلى أجل غير مسمى، قد يكون إلى غير أجل، مثل إذا قلت: بعتك هذا الشيء بعشرة ريالات، هذا دين ولكنه غير مؤجل، أجل غير مسمى: بعتك هذا الشيء بعشرة ريالات إلى قدوم زيد، هذا مؤجل ولا غير مؤجل؟
* الطلبة: مؤجل.
* الشيخ: بأجل مسمى ولا غير مسمى؟
* الطلبة: غير مسمى.
* الشيخ: غير مسمى، هذا غير معلوم؛ لأننا لا ندري متى يقدم زيد، قد يقدم بعد يوم، وقد يقدم بعد سنة، وقد يقدم بعد عشر سنوات، وقد لا يقدم.
بعتك هذا الشيء إلى وقت الحصاد؟
* الطلبة: مسمى.
* الشيخ: معلوم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الحصاد معروف، حصاد الزرع، لكن هل هو معين ولا غير معين؟
* الطلبة: معين.
* الشيخ: اختلف العلماء في هذا منهم من يقول: إنه غير معين؛ لأن الحصاد فيه شيء من الجهالة، قد يكون بين أول الحصاد وآخرهم شهر أو أكثر، فيكون هذا فيه جهالة، فلا يصح، ولكن الصحيح أنه يصح، وأنه إذا اختلف الناس هذا الاختلاف فينظر الوسط؛ لأن هذا هو ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ النَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٢٥٣)، ومسلم (١٦٠٤ / ١٢٧) من حديث ابن عباس. واللفظ له.]]، ومعلوم أن البايع بايع الثمر متى يعطي المبيع وقت الجذاذ، ووقت الجذاذ كوقت الحصاد، إي نعم.
يقول: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ الفاء هنا رابطة للجواب، أي جواب؟ جواب الشرط في ﴿إِذَا﴾، ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ وهذا كما تشاهدون أمر، وهذا الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب أو للإرشاد؟ سبق لنا في أصول الفقه: أن الأمر يأتي للوجوب والاستحباب والإرشاد، فعلى أيها يحمل؟ الأصل أنه على الأول، وقيل -وهو رأي الجمهور-: إنه على الثاني، وقيل: إنه للإرشاد؛ لأن هذا توجيه إلى معاملة، فيها حفظ حق الإنسان فقط وليس فيها ظلم، ولكن الذين قالوا: إنه للاستحباب، قالوا: هذا أدنى ما نقول في الأمر، وإذا كان لحفظ حق الإنسان وقد أمره الله به، فإنه يكون للاستحباب، والإنسان منهي عن إضاعة المال.
والذين قالوا: إنه للوجوب، قالوا: لأن في هذا درءًا لما قد يحصل بالنسيان؛ لأنه إذا لم يكتب صار عرضة للنسيان، وإذا حصل النسيان صار هناك نزاع وخصومة تؤدي إلى العداوة والبغضاء بين المسلمين، والعداوة والبغضاء بين المسلمين محرمة، فكل ما يكون سببًا لها أيش؟ يكون محرمًّا؛ ولهذا علل الله تحريم الخمر والميسر بماذا؟
* طالب: بأنه رجس من عمل الشيطان.
* الشيخ: ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر﴾ [المائدة ٩١].
على كل حال الأصل الوجوب، لكن الجمهور قالوا: إنه للاستحباب، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- الكلام عليه في الفوائد، قال: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أي: اكتبوا الدين.
﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ إلى آخره، ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ اللام هذه للأمر، ولكن المعروف أن لام الأمر تكون مكسورة، كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ وهنا ليست مكسورة فلماذا؟
* طالب: لأنها جاءت بعد الواو وبعد ثم.
* الشيخ: بعد الواو، إذا جاءت بعد الواو وثم وأيش بعد؟
* الطالب: والفاء.
* الشيخ: والفاء، إذا جاءت لام الأمر بعد هذه الحروف الثلاثة، فإنها تسكن.
قال: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ﴿كَاتِبٌ﴾ نكرها؛ ليبين أنه يكفي أحد الكتاب، يعني: أحد من الكتبة، أي واحد يكتب، ولكن قال: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ العدل هو الاستقامة، والاستقامة في الخبر هو الصدق، والاستقامة في الحكم ضد الجور، والكاتب إذن مخبر؛ لأنه سيكتب، وهو في الحقيقة أيضًا حاكم؛ ولهذا لا بد أن يكون هذا الكاتب موثوقًا وذا أمانة وذا علم بالكتابة الشرعية؛ لأن الكتابة الشرعية هي العدل، فلا يكفي أن نأتي بأي واحد من السوق نقول: تعال اكتب بيننا، بل لا بد أن يكون كاتبًا عدلًا ويكتب العدل، عدلًا ويكتب العدل، وعلى هذا فنقول: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ وصف يعود على الكاتب وعلى الكتابة، أن يكون الكاتب عدلًا وأن تكون الكتابة كذلك بالعدل، وهو المطابقة لما جاء به الشرع.
وقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ هل البينية هذه بينية معاملة، أي: بينية معنوية، أو بينية مكانية؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: الظاهر أنه الأول، يعني: بينكم في المعاملة؛ لأن المعاملة بين اثنين فيكون هذا يربط بينهما، وقال بعض الناس: إنها تشمل البينية المكانية أيضًا، وأنه ينبغي أن يكون الكاتب حين الكتابة متوسطًا بين أيش؟ المتكاتبين؛ لأجل أن يسمع من كل منهما على السواء؛ لأنه لو كان من جانب أحدهما لكان قد يخفى عليه كلام الآخر البعيد، وربما يكون الثاني اللي بينه وبين الآخر البعيد إذا تكلم البعيد هذا يهمهم وأيش معنى يهمهم؟ يعني: يشوش عليه، يهمهم لأجل ما يسمع هذا جيد، قالوا: فتكون البينية هنا بينية المعاملة التعامل وهو الارتباط بين الاثنين وبينية المكان، ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾.
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ﴿لَا﴾ هذه نعربها؟ وأيش نعرب ﴿لَا﴾؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية بالفاء؟
* طالب: لا ناهية.
* الشيخ: نعم، ما الذي أعلمك أنها ناهية؟
* الطالب: لأنها أتت بعدها الفعل.
* الشيخ: لا.
* الطالب: لأنها جزمت الفعل.
* الشيخ: جزمت الفعل، وين الفعل المجزوم؟
* الطالب: ﴿وَلَا يَأْبَ﴾.
* الشيخ: ﴿يَأْبَ﴾ ما جزم، مفتوح؟
* الطالب: حذف حرف العلة.
* الشيخ: هذا مجزوم بحذف حرف العلة وهي الألف، كذا؟
قال: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ ﴿يَأْبَ﴾ أي: يمتنع، ﴿كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾ هذه مصدرية مؤولة بالمصدر، ومحلها من الإعراب؟ ولا يأب كاتب كتابة، أو ولا يأب الكاتب من الكتابة، إن كان على الأول فالفعل متعديًا بنفسه، وإن كان على الثاني فهو منصوب بنزع الخافض.
قال: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ الكاف هذه للتشبيه، وقيل: إنها للتعليل، فعلى الأول: ينهاه الله عز وجل أن يأبى عن الكتابة على الوجه الذي علمه الله إياها؛ لأن الله عز وجل علم الإنسان كيف يكتب بين المتعاملين، فلا يجوز له أن يمتنع عن الكتابة كما علمه الله، بل يجب عليه أن يكتب كما علمه الله، هذا إذا جعلناها لأيش؟ للتشبيه.
وإن جعلناها للتعليل صار المعنى: ولا يأبى كاتب أن يكتب؛ لأن الله علمه الكتابة، فليذكر فضل الله عليه وإحسانه عليه، وليكن محسنًا إلى عباد الله كما أحسن الله إليه، وهذا كقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص ٧٧].
ولكن لو قال قائل: هل الكاف تأتي للتعليل؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يطلب منكم مثالًا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة ١٩٨].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾، أي: لهدايته إياكم.
ويطلب منكم شاهدًا على ذلك من كلام ابن مالك؟
* طالب: قوله:
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ ∗∗∗ يُـعْـنَـى وَزَائِـدًا لِـتَـوْكِـيـدٍوَرَدْ
* الشيخ: شبه بكاف وبها التعليل قد يعني، يعني: بها التعليل قد يقصد.
يقول: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ الفاء للتفريع، واللام للأمر، وسكنت؛ لأنها وقعت بعد الفاء. وقوله: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ ما موضعها مما قبلها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، قلنا: الفاء للتفريع، لكن ما موقعها مما قبلها في المعنى؟ يعني: لو قال قائل: إنه يغني عنها قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، فإذا نهي عن الامتناع من الكتابة، فلازم ذلك أن يكتب، فهل نقول: إنها من باب التوكيد؟ نعم، قال بعض العلماء: إنها من باب التوكيد، وقال آخرون: بل هي تأسيس وليست بتوكيد، ومر عليكم في مختصر التحرير في أصول الفقه أنه: إذا احتمل أن يكون الكلام تأكيدًا أو تأسيسًا حمل على التأسيس؛ لأن التوكيد زيادة، فبعض العلماء يقول: إنها للتأسيس، كيف ذلك؟ قال: لأن النهي عن الكتابة لا يقتضي المبادرة بها، والأمر بالكتابة يقتضي المبادرة بذلك؛ لأن الأمر للفور، كما مر في أصول الفقه، فكأنه قال: لا يأب كاتب، وليبادر بالكتابة، فمثلًا الكاتب لو كتب بعد شهر، هل يقال: إنه أبى أن يكتب؟ لا، امتثل، لكن إذا قيل: فليكتب معناها أنه يبادر بالكتابة لا يماطل، يقول لما ييجوا: والله ايتوا بكرة، جاؤوا بكرة قال: ايتوا بعد بكرة، بعد بكرة قال: ايتوا بعد يومين، بعد يومين قال: بعد أسبوع بسافر، بعد أسبوع قال: ايتوا بعد شهر، وبعد شهر كتب، نقول: هذا أبى ولا أبى، في النهاية كتب، لكن ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ هي التي تقيد هذا الأمر، إذن لها فائدة ولَّا مؤكدة؟ نقول: لها فائدة، مؤسسة وليست مؤكدة، قال: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ﴾ ﴿يُمْلِلِ﴾ ويقال: يملي، وهما لغتان فصيحتان، فالإملال والإملاء بمعنى واحد، عرفتم؟ فتقول مثلًا: أمليت عليه، وتقول: أمللت عليه، لغة عربية فصحى وهي في القرآن.
قال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ﴾ ولَّا يملل الذي له الحق؟ الذي عليه؛ لأن الذي له الحق ربما يقول للكاتب: اكتب، اكتب بأن في ذمة فلان لي مليون ريال، واللي له مئة ريال، يمكن؟ إي يمكن، اللي ما يخاف الله يمكن، لكن الذي يملل الذي عليه الحق؛ لأنه هو المطالب، فيملي ويقول: اكتب بأنني استقرضت من فلان كذا وكذا، هذا دين، بأنني اشتريت من فلان سلعة بكذا وكذا، هذا دين، بأنني استأجرت من فلان بيته بكذا وكذا، هذا دين، المهم أن الذي يملي من؟ الذي عليه الحق.
قال: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ سبحان الله، لما أمر الله عز وجل بأن الذي يملي هو الذي عليه الحق دون غيره وجه إليه أمرًا ونهيًا، الأمر ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يعني: يتخذ وقاية من عذاب الله، فيقول الصدق، ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ﴾ أي: من الحق ﴿شَيْئًا﴾، ﴿يَبْخَسْ﴾ معناه: ينقص، ونقصان الحق إما بالكمية، وإما بالكيفية، وإما بهما جميعًا، وإما بالأجل، الكلام الآن في الدين المؤجل، بالكمية بأن يكون الدين أصله مئة، فيقول للكاتب: اكتب خمسين، اكتب تسعين، أو يكون الدين من جنس جيد، فيقول: اكتب متوسط، بأن في ذمتي له مئة صاع بر متوسط، هذه أيش؟ كيفية، أو يكون الدين يحل بعد سنة، ويقول: اكتب في ذمتي له كذا وكذا يحل بعد سنتين مثلًا، هذا كله بخس، فلا يجوز أن يبخس من عليه الحق، أن يبخس من الحق شيئًا، لا في الكمية ولا في الكيفية، ولا أيش؟ ولا في الأجل.
ممكن نقول: ولا في النوع؟ أو داخل في الكيفية؟ داخل في الكيفية، فالنوع مثلًا: يكون بر من الحنطة ويجعلها من المعي مثلًا.
* طالب: الشعير.
* الشيخ: لا، الشعير جنس.
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾ ﴿يُمِلَّ﴾ يعني: يملي، ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ الذي يملي أو الذي يملل الذي عليه الحق، لكن ذكر الله سبحانه وتعالى أن هناك ثلاث حالات، لا يملل الذي عليه الحق، وإنما يملل وليه، قال: ﴿سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾
﴿سَفِيهًا﴾ هذا يعود على التصرف، يعني: ما يحسن التصرف، سفيه، يمكن إذا قال الذي له الحق: اكتب كذا وكذا، قال: طيب (...)، مثلًا هذا السفيه اللي ما يحسن التصرف كان الدين الذي في ذمته مئة ريال، جاؤوا عند الكاتب قال: اكتب أن في ذمتي له مئة ريال، قال له صاحب الحق: أنت رجل كريم ورجل طيب ورجل حبيب، والرسول ﷺ قال: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً: سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى»[[أخرجه البخاري (٢٠٧٦) من حديث جابر بن عبد الله.]]، خلها مائتين يا رجال، ما دام متأخر إلى سنة خلها مائتين، قال: اكتب مائتين، وأيش يكون هذا؟ هذا سفيه. أو كان الدين من نوع ردي، فقال الذي له الدين: اكتب جيدًا، السفيه يمكن يكتب أليس كذلك؟ لأنه ما يحسن التصرف، فنقول: لا يملي هذا السفيه، الذي يملي من؟ وليه بالعدل، ولي السفيه بالعدل، والولي من يتولي شؤونه من أب أو أخ كبير أو جد أو أم أو ما أشبه ذلك.
﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ هنا ضعف الجسم أو ضعف العقل؟ كلاهما، ضعف الجسم لصغره، وضعف العقل لجنونه، الذي عليه الحق صغير ما بلغ، أو كان كبيرًا لكنه مجنون أو معتوه، فهذا لا يملل، من الذي يملل؟ وليه.
﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لا يستطيع أن يمل هو لكونه أخرس أو مصاب بعاهة، أو لا يستطيع أن يمل؛ لأن المقام مقام هيبة وعظمة، كأن يكون في مكان وزير أو رئيس أو ما أشبه ذلك، ولنفرض أنه رجل له دين على رئيس الدولة، يمكن هذا ولا ما يمكن؟
* الطلبة: يمكن.
* الشيخ: أو عليه دين لرئيس الدولة؟
* الطلبة: ما يمكن.
* الشيخ: عليه دين لرئيس الدولة والمقام مقام هيبة، ولا يستطيع أن يمل؛ لأن المقام مقام هيبة، من يمل؟ وليه، من وليه أمام رئيس الدولة؟ إي نعم، نجيب واحد مثله، مثل الرئيس.
على كل حال عدم الاستطاعة، إما لعاهة كالخرس، أو لأمر طارئ كالحادث الذي صار لا يستطيع معه الكلام، أو لأن المقام مقام هيبة ما يستطيع أن يمل كما ينبغي.
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ فيه ﴿أَنْ يُمِلَّ﴾ محلها من الإعراب؟
* طالب: مصدر.
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به، مؤول بالمصدر على أنه مفعول به، ﴿هُوَ﴾؟
* طالب: توكيد.
* الشيخ: توكيد ولا فاعل؟ ما يصلح فاعل؟ إي نعم، لا يصلح أن يكون فاعلًا بل ﴿هُوَ﴾ توكيد.
فإن قال قائل: قلتم: إنه إذا كان الضمير يقدر بهو أو هي فهو مستتر جوازًا؟ والجائز هو الذي إن شئت سترته، وإن شئت أبديته، أليس كذلك؟ إذن يصح أن يكون ﴿هُوَ﴾ فاعلًا، وبه قال بعض المعربين على أن ﴿هُوَ﴾ فاعل، ولكن المحققين من النحويين يقولون: إن معنى قولنا: مستتر جوازًا أنه يجوز أن يحل محله الظاهر، وليس معناه أنه يجوز أن يبرز هو، فإذا قلت: محمد قام، مثلًا، لا يصح أن تقول: قام هو، وتجعل هو الفاعل، بل هو توكيد للضمير المستتر، ومعنى قولنا: جوازًا، أنه يحل محله الظاهر، هذا قول المحققين من أهل النحو، والبعض الآخر قال: يجوز أن يجعل الضمير الظاهر هذا هو الفاعل، والمسألة في هذا ما هي بذات أهمية كبيرة، يعني: ما ينبني على هذا الخلاف شيء كبير.
قال: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ اللام هنا لام الأمر، وسكنت لوقوعها بعد الفاء كما سبق، وقوله:﴿وَلِيُّهُ﴾ قلنا: إنه هو الذي يتولى شؤونه من أب أو جد أو أخ أو أم أو غيرهم.
وقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ متعلق بـ﴿يُمْلِلْ﴾، يعني: إملاءً بالعدل، بحيث لا يجور على من له الحق لمحاباة قريبه، ولا يجور على قريبه خوفًا من صاحب الحق، بل يجب أن يكون بالعدل، العدل هنا ما هو؟ الصدق المطابق للواقع، فلا يزيد ولا ينقص.
قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿اسْتَشْهِدُوا﴾ على أيش؟
* طالب: على الكتابة.
* الشيخ: على الكتابة ولا على الدين؟ يعني: مع الكتابة استشهِد.
واستشهَد بمعنى طلب من يشهد، كاستغفَر: طلب المغفرة، استشهَد أي: طلب الشهادة من غيره.
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ هنا قال: ﴿اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ ولم يقل: اثنين، لماذا؟ لأجل أن يكون طلبنا لهذين الرجلين طلبًا لمن يكون أهلًا للشهادة، وإلا لكان يقول: واستشهدوا رجلين، لكن ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي: من يكونان من أهل الشهادة، وأهل الشهادة -كما عرفنا سابقًا- لا بد أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا متكلمًا حافظًا، الشروط الستة اللي سبقت.
وقوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، وكلمة: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ولم يقل: من ذكوركم؛ لأنه لا بد من الشاهد أن يكون بالغًا.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ أي: فإن لم يكن الشاهدان رجلين ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.
* طالب: قوله ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ (...) المرأة في (...) المرأة ضعيفة؟
* الشيخ: الكاتب ولا الذي عليه الحق (...)؟
* طالب: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ هذا الأمر، إن كان الإنسان الذي له الحق يعني أمينًا؟
* الشيخ: لا ما يجوز، إي لا يملي إلا الذي عليه الحق.
* الطالب: كلمة ﴿رَبَّهُ﴾ أيش الفايدة؟
* الشيخ: هذه ستأتينا إن شاء الله تعالى في الفوائد، لكن لا مانع أن نذكرها الآن، ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ لأن الرب عز وجل له الخلق -كما مر- والملك والتدبير، وإذا كان له التدبير والملك، فإنه أهل لأن يتقى، مثل قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] إي نعم.
* طالب: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ هل هي للوجوب؟ كتابة الدين هل هي للوجوب؟
* الشيخ: وأيش قلنا؟ ذكرنا فيها ثلاثة أقوال
* الطالب: الراجح الصحيح؟
* الشيخ: بيجينا إن شاء الله في الفوائد.
* طالب: ما يمكن أن يدخل في عدم الاستطاعة جهله باللغة؟
* الشيخ: يمكن إذا كان لا يعرف اللغة.
* طالب: (...) أشهد لك أو ما أشهد لك.
* الشيخ: تعرف الذي له الحق ولّا عليه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيهما اللي عليه أو الذي له؟
* الطالب: له، الحق له.
* الشيخ: أنت عارفه؟
* الطالب: (...) أشهد أو ما أشهد له؟
* الشيخ: ما فهمت هذا.
* الطالب: لو جاء زيد وعمرو من الناس وقال: أنا موكل زيد على مبلغ مئة ألف ريال فرضنا (...) أشهد له أو ما أشهد له؟
* الشيخ: أنت عارف اللي قال لك هذا؟
* الطالب: أنا عارفه.
* الشيخ: تشهد، لكن الموكَّل؟
* الطالب: ما أعرفه، الموكَّل ما أعرفه.
* الشيخ: تشهد على إنسان ما تعرفه!
* الطالب: هذا الموكَّل.
* الشيخ: ما يكفي.
* الطالب: الموكِّل عارفه.
* الشيخ: هي في الحقيقة هذه فيها حقّ للموكل وحق عليه، حقّ له؛ لأنه ربما يطالب ذاك يقول هذا: أنا عندي شهود إني موكلك، فهمت، وحقّ عليه لأجل لو أن الرجل ذاك تصرف ما يقول (...)؛ فلهذا لا بد أن تعرف المشهود له والمشهود عليه، لازم تعرفهم كلهم.
* طالب: المقصود ﴿وَامْرَأَتَانِ﴾، المرأتان تشهد للأجنبي يعني؟
* الشيخ: إيه، ستأتينا ما وصلناها.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ (...)؟
* الشيخ: إيه؛ لأن الذي عليه الحق لو أراد أن يكتم ما يطيعه ذاك.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إيه، لكن الأصل إن هذا هو اللي قوله مقبول، يعني: عند التناكر -مثلًا- من يقبل قوله؟
* الطالب: الذي عليه الحق.
* الشيخ: إي نعم؛ ولهذا صار هو اللي يملل.
* طالب: شيخ، الذي يملل الذي عليه الحق لو كان هو يكتب ولا يجد غيره يعرف الكتابة غيره ما يكتب هو بنفسه؟
* الشيخ: وأيش يكتب؟
* الطالب: يعني الكتاب.
* الشيخ: إقرار يعني؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: إيه، لا بأس، ما في مانع.
* الطالب: أو الذي له الحق ما يكتبه؟
* الشيخ: ما يمكن يكتب؛ لأنه فيما بعد لو حصل تناكر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعد يومين ثلاثة جاء له قال: (...).
* الطالب: عنده شهود.
* الشيخ: خليه إذا كان عنده شهود، الشهود ما هو بلازم الكتابة إذا أشهدت ما هو بلازم الكتابة.
* * *
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾
* الشيخ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ قف.
* الطالب: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى في آية الدين التي هي أطول آية في كتاب الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ وهذا مبتدأ المناقشة.
ما المراد بالدين هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: ما يثبت في الذمة.
إذا بعت عليك كتابًا بعشرة دراهم، هل هذا دين؟ كتاب هذا الكتاب مثلًا بعشرة دراهم؟
* الطالب: لا ليس دين (...).
* الشيخ: لا، كتاب معين ما هو دين بعشرة دراهم؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: أعطيتك الكتاب، أنت ما عطيتني دراهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أقول: هل هذا دين؟ هل يدخل في الآية ولَّا لا؟
* الطالب: هذا يدخل.
* الشيخ: يعني: قصدي يدخل في اسم الدين أو لا يدخل؟
* الطالب: يدخل.
* الشيخ: يدخل؛ إذ إنه ثبت في ذمتك عشرة ريالات قيمة الكتاب الذي اشتريت مني واضح؟
هل يدخل هذا في الآية الكريمة بمعنى أنه يكتب هذا الدين أو لا؟ الصورة التي ذكرنا؟ يدخل في الآية الكريمة؟ بعت عليه هذا الكتاب بعشرة دراهم وتفرقنا، أعطيته الكتاب وتفرقنا، ولا استلمت؟ هل يدخل في الآية؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف؟ اقرأ الآية.
* الطالب: ﴿بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
* الشيخ: طيب، ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ المهم هل يدخل في الآية أو لا؟
* الطالب: لا يدخل في الآية.
* الشيخ: لا يدخل في الآية، إذن مثل هذا لا يكتب، لا يجب كتابته؛ لأنه ليس إلى أجل.
ما تقول في السلم؟ هل يدخل في هذه الآية؟
* طالب: نعم، يدخل في الآية.
* الشيخ: نعم، توافقونه؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، السلم صورته؟
* طالب: صورة السلم؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: أنه يُدفع مالٌ لصاحب صنعة يطلب منه أن يصنع.
* الشيخ: لصاحب نخل، ما هو لصاحب الصنع؛ لأن الصنعة فيها خلاف.
* الطالب: لصاحب نخل بعد حول كذا.
* الشيخ: يعني: يشتري من صاحب النخل -مثلًا- تمرًا بعد سنة بهذه الدراهم يعطيه الدراهم، يدخل في الآية ولَّا لا؟
* الطالب: نعم يدخل في الآية.
* الشيخ: يدخل في هذه الآية؟ توافقونه؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، يدخل في هذه الآية؛ لأنه دين إلى أجل مسمى؛ ولهذا قال ابن عباس: «إِنَّ السَّلَمَ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ »[[أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٥ / ٧٠) من حديث ابن عباس.]].
قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾؟
* طالب: للأمر.
* الشيخ: اللام للأمر، ما يصلح أن يكون للتعليل؟
* الطالب: لا، ما يصلح.
* الشيخ: لماذا؟ نريد مانعًا لفظيًّا يمنع أن تكون للتعليل.
* الطالب: لأن فعلها مجزوم.
* الشيخ: أحسنت صح؛ ولأنها هي أيضًا سكنت بعد الواو، ولو كانت للتعليل لم تسكن.
قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أخذ بعض العلماء من هذا: أن الكاتب ينبغي أن يكون بين المتعاملين، يعني: وسطهم في الجلوس.
* الطالب: ممكن بينية مكانية.
* الشيخ: مكانية صح، ويمكن أن يكون المراد بينية معنوية كذا؟ يعني: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ إما معنوية؛ لأن الواقع أن البائع والمشتري بينهما ارتباط.
قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ الجار والمجرور متعلق بأيش؟
* طالب: متعلق بـ﴿يَكْتُبْ﴾.
* الشيخ: متعلق بـ﴿يَكْتُبْ﴾؟ توافقونه على هذا؟
* طالب: لا.
* طالب: نعم يا شيخ، متعلق بـ﴿يَكْتُبْ﴾.
* الشيخ: يكتب إذن توافق؟
* الطالب: أيوه أوافقه.
* الشيخ: توافقه، ما فيه احتمال أن يكون متعلق بمحذوف صفة لكاتب؟ كاتب حال كونه أو موصوف بالعدل.
* طالب: الأصل يا شيخ (...) الأصل عدم (...).
* الشيخ: لا، يصلح، كاتب بالعدل يعني: كاتب ذو عدل، كذا؟ فيشمل أنه هو نفسه ذو عدل، ويشمل –أيضًا- أنه يكتب بينهم بالعدل، الكتابة بالعدل ما يميل مع أحدهما دون الآخر.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُب﴾، قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ لماذا نكر مع أنه سبق ذكره؟
* طالب: ليشمل أي كاتب.
* الشيخ: ليشمل أي كاتب كان. وهنا إشكال في الفعل حيث كان مفتوحًا مع أنه مسبوق بلا الناهية وهي تجزم؟
* طالب: مجزوم بحذف الألف والفتحة دليل عليها.
* الشيخ: صح، وأصل يأب، وأصله يأبى.
قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ الكاف هنا؟
* طالب: للتشبيه أو للتعليل.
* الشيخ: للتشبيه أو للتعليل؟ ما معناها على الوجهين؟
* الطالب: للتشبيه: فليكتب، كما علمه الله سبحانه وتعالى من صيغة الكتابة.
* الشيخ: نعم، فليكتب كما علمه من صيغة الكتابة الشرعية بحيث تكون كتابته على حسب قواعد الشرع.
* الطالب: أما الكاف للتعليل: فليكتب؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد علمه الكتابة
* الشيخ: نعم، فليشكر الله على هذه النعمة، وليكتب للناس ويحسن إليهم.
لو قال قائل: نريد مثالًا على أن الكاف تأتي للتعليل؟ هات شاهدًا على أن الكاف تأتي للتعليل؟
* طالب: بمثال من عندي أو..
* الشيخ: لا، من عندك نقدر نقول: ما هو بصحيح.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ [البقرة ٢٣٩].
* الشيخ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾، ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة ١٩٨] أي: لهدايته.
هل لنا أو هل لكم أن تأتونا بدليل من كلام ابن مالك على أن الكاف تأتي للتعليل؟
* طالب: قوله:
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ ∗∗∗ يُعْنَى....................
* الشيخ:
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ ∗∗∗ يُعْنَى....................
أي: قد يقصد، تمام.
ما الفائدة من قوله: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه﴾؟ لأن المعروف أن النهي ضده الأمر، أي: إذا نهيت عن شيء فأنت مأمور بفعل ضده؟
* طالب: للتوكيد.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: للتوكيد.
* الشيخ: لا.
* طالب: للفورية.
* الشيخ: نعم، فائدتها أن الكتابة تكون للفورية؛ لأن قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ قد يماطل الكاتب ويقول: ائتوني غدًا، بعد غد، بعد شهر، بعد سنة، فإذا كتب بعد سنة صدق عليه أنه لم يأب، لكن ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ يعني: فورًا.
من الذي يتولى الإملاء في كتابة الدين؟
* طالب: الذي عليه الحق.
* الشيخ: الذي عليه الحق، لماذا؟ ما الحكمة؟
* الطالب: أولًا الآية.
* الشيخ: أحسنت أولًا الآية تمام؛ لأن أمر الله ورسوله حكمة.
* الطالب: ثانيًا: أن هذا يعني قد لا يظلم مثل الذي له الحق.
* الشيخ: لأن قول المقر على نفسه مقبول، أو لا؟ وقول المدعي على غيره غير مقبول، فلو أملى الذي له الحق لكان يملي دعوة ولَّا لا؟ وهو غير مقبول، لكن إذا أملى الذي عليه الحق، فإنه يملي إقرارًا، وإقرار الإنسان على نفسه مقبول، كذا؟
إذن الآية الكريمة يقول: ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ وأيش معنى ﴿يُمْلِلِ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من الملل، يعني: من الملل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من الملل في الحديث: «فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (٧٨٢ / ٢١٥) من حديث عائشة.]].
* الطالب: هذا الحديث (...)، لكن هي من الإملاء؛ لأنها تأتي على لغتين: يملي ويملل.
* الشيخ: يعني إذن يملل بمعنى يملي، لغة ثانية فصيحة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ ﴿لَا يَبْخَسْ مِنْهُ﴾ أيش معنى يبخس؟
* طالب: ينقص.
* الشيخ: ينقص.
* الشيخ: مِن؟
* الطالب: من الدين.
* الشيخ: من الدين، وكلمة ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم القليل والكثير، إلى هنا وقفنا أظن؟ بعد؟
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ ما معنى ﴿اسْتَشْهِدُوا﴾؟
* طالب: اطلبوا شاهدين.
* الشيخ: اطلبوا شاهدين، يعني: الاستشهاد طلب الشهادة.
هل لك أن تأتي بمثال يدل على أن استفعل بمعنى طلب؟
* طالب: تقاتل.
* الشيخ: لا يا أخي، استفعل ما هو تفاعل.
* الطالب: استفعل.
* الشيخ: إي نعم، بمعنى طلب.
* الطالب: استشار.
* الشيخ: لا.
* طالب: استغفر يعني طلب المغفرة.
* الشيخ: استغفر يعني طلب المغفرة، أحسنت، وقد تأتي السين والتاء للمبالغة ما هو للطلب مثل: استكبر
* طالب: استسقى.
* الشيخ: أيش؟ استسقى، طلب السقيا، إيه، استكبر يعني تكبر، ما هو طلب الكبر.
قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾
هنا تشاهدون في الآية الكريمة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾، ولعل من المتوقع أن تكون العبارة: فإن لم يكونا رجلان؛ لأنه ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ بمعنى: فإن لم يوجد، هكذا يتوقع الإنسان أن تكون: فإن لم يكونا رجلان، أي: فإن لم يوجد رجلان، وليس الأمر كذلك؛ ولهذا عدل عن هذا التعبير إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾، وعليه: فلا يشترط في شهادة المرأة أن لا يوجد الرجل، وإنما المعنى: فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل، وهذا يدل على التخيير مع ترجيح الرجلين على الرجل والمرأتين، انتبهوا للفرق، لو كان لفظ الآية الكريمة: فإن لم يكن رجلان فرجل وامرأتان، لصارت شهادة الرجل والمرأتين مشروطة بعدم وجود الرجلين، فإن لم يكن رجلان أي: إن لم يوجد، لكن لما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ أي: فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان، يعني: إن لم يكن هذا فهذا، وهذا يدل على أنه ليس بشرط أن لا يوجد رجلان، فتجوز شهادة الرجل والمرأتين، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد.
﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الفاء هنا رابطة للجواب، و﴿رَجُلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فالشاهد رجل وامرأتان، وقوله: ﴿رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الرجل يطلق على البالغ والمرأة تطلق كذلك على البالغة.
لكن قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة، أي: رجل وامرأتان كائنون ممن ترضون من الشهداء، والخطاب في قوله: ﴿تَرْضَوْنَ﴾ هو موجه للأمة، يعني: بحيث يكون الرجل والمرأتان مرضيين عند الناس؛ لأنه قد يرضى شخص عند شخص، ولا يرضى عند الناس أو عند آخر، فلا بد أن يكون هذان الشاهدان أو هؤلاء الشهود -الرجل والمرأتين- ممن عرف عند الناس أنهم مرضيون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ -وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٨١)، ومسلم (٨٢٦ / ٢٨٦) من حديث عمر.]]، إذن العبرة بالرضا عند عموم الناس لا برضا المشهود له؛ لأن المشهود له قد يرضى من ليس بمرضي.
وقوله: ﴿مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ مِن هذه بيان، بيان لأي شيء؟ بيان لمن الموصولة؛ لأن الاسم الموصول من باب المبهمات، فإذا قلت: يعجبني من كان ذكيًّا، هذا مبهم، فإذا قلت: يعجبني من كان ذكيًّا من الطلاب، صار مبينًا، فقوله: ﴿مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ مِن بيانية، والمبهم الذي بينته هي كلمة: مَن، الاسم الموصول.
قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾
أولًا: القراءات في هذه، فيها قراءتان: ﴿إِنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، وعلى هذه القراءة تكون إن شرطية، وجملة: ﴿فَتُذَكِّرُ﴾ جواب الشرط، القراءة الثانية: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، والقراءة الثالثة: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، فالقراءة إذن ثلاثة.
نأخذ القراءة التي في المصحف ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية و﴿تَضِلَّ﴾ منصوبة بأن المصدرية، واختلف المعربون في مثل هذا التركيب، وهو كثير في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦] أي: كراهة أن تضلوا، وهنا قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾، فقال بعض المعربين: إنها على تقدير مفعول من أجله، والتقدير: كراهة أن تضل، أو خشية أن تضل، وقال آخرون: بل هي على حذف لا النافية ولام التعليل، وأن التقدير: لئلا تضل إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى، وعلى كل من الوجهين فمعنى الآية الكريمة: أن الله أوجب أن يكون الشاهد امرأتين بدل رجل، من أجل إذا ضلت إحداهما ذكرت إحداهما الأخرى، من التي تذكر؟ الذاكرة، والأخرى الضالة الناسية مذكَّرة؛ وذلك لأن النساء أقل حفظًا من الرجال، وأقل ذكاء وفطنة؛ فلهذا كانت شهادة المرأتين تعادل شهادة رجل، وثبت في الصحيحين: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النِّسَاءَ وَقَالَ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، فَقُلْنَ: مَا نُقْصَانُ عَقْلِنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَتْ شِهَادَةُ الرَّجُلِ بِشَهَادِةِ امْرَأَتَيْنِ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر.]]، وهذا يدل على نقص عقلها.
وقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ من التذكير، وهو تنبيه الإنسان الناسي على ما نسي، والغريب في التفسير -وهو حقيقة من غرائب التفسير- أن بعضهم قال: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ معناه: تجعلها بمنزلة الذَّكر، لا سيما على قراءة: ﴿فَتُذْكِر)﴾ أي: تجعلها بمنزلة الذَّكر، ﴿تُذْكِر إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: تكون المرأتان كالذَّكر، وهذا غريب؛ لأنه لا يستقيم مع قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾، فالذي يقابل الضلال -بمعنى النسيان- هو التذكير، أي: تنبيه الإنسان على نسيانه، هذا الذي يقابله.
وهنا قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا﴾ فيه من البلاغة إظهار في موضع الإضمار، كيف ذلك؟ لأنه لم يقل: فتذكرها الأخرى، قال: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾؛ لأن النسيان قد يكون متفاوتًا، تنسى هذه جملة وتنسى الأخرى جملة، فهذه تذكر هذه بما نسيت، وهذه تذكر هذه بما نسيت؛ فلهذا قال: ﴿تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾؛ لئلا يكون المعنى قاصرًا على واحدة هي الناسية، والأخرى مذكرة، فنقول: قد يكون النسيان من المرأتين جميعًا، والتذكير كذلك منهما جميعًا؛ ولهذا قال:﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ هناك قال: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ وهنا قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾، شهداء فاعل ﴿يَأْبَ﴾، ونقول في إعراب ﴿لَا يَأْبَ﴾ كما قلنا في إعراب ﴿لَا يَأْبَ﴾ في الكاتب.
وقوله: ﴿إِذَا مَا دُعُوا﴾ ﴿مَا﴾ هذه زائدة، وفيها بيت مشهور يقول فيه:
يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْعد علينا البيت.
* طالب:
يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ* الشيخ: تمام، معنى ما بعد إذا زائدة، ونريد أن نذكر مع أن نذكر بمعاني ما، فإن ما لها عشرة معانٍ مذكورة أيضًا في بيت.
* طالب:
مَحَامِلُ مَا عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيم مَصْدَرِ
* الشيخ: صح، أعيده؟
مَحَامِلُ مَا عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيم مَصْدَرِ
كم دولي؟ عشرة: ستفهم، شرط، الوصل، فاعجب: تعجبية، لنكرها: نكرة موصوفة أو واصفة أحيانًا، بكف: كافة، ونفي: نافية، زيد: زائدة، تعظيم: تعظيمية مثل: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١، ٢]، مصدر: مصدرية، هذه معاني ما العشرة.
هذه من الزائدة، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في القرآن شيء زائد بمعنى أنه لا معنى له، بل زائد إعرابًا، زائد معنى، يعني: هو يزيد في المعنى وفي الإعراب لو حذف لاستقام الكلام بدونه. لو قيل: إذا دعوا، صح؟
وقوله: ﴿لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ هل المراد: إذا ما دعوا للأداء، أو إذا ما دعوا للتحمل؟ يشمل، أما كونه للأداء، فلا إشكال فيه؛ لأن المتحمل شهيد، فيقال: يا شاهد تعال اشهد، لكن الإشكال كيف يوصف من لم يتحمل بأنه شهيد؟ لأنه إلى الآن لم يكن شاهدًا، إذا قلنا: إنها تشمل التحمل والأداء، ففيه إشكال بالنسبة للتحمل؛ لأنه حتى الآن لم يكن شهيدًا، فالجواب: أن هذا باعتبار ما سيكون.
وأيضًا ﴿لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ واضح أنه: لا يأب الشهداء إذا طلب للشهادة، يعني: فلو دعوت رجلًا لغير الشهادة وهو صالح للشهادة، فله أن يأبى، وهذا هو النكتة في أنه لم يقل: ولا يأب الرجل أو الرجال إذا ما دعوا للشهادة، بل قال: والشهداء، يعني: الذين طلب منهم أن يكونوا شهداء لا يأبوا أن يشهدوا.
وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ من يدعوهم؟ الغالب أن الذي يدعوهم من له الحق، هذا الغالب، وقد يدعوهم من عليه الحق؛ لئلا يضيع الحق، وهذا كقوله ﷺ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧ / ١) من حديث ابن عمر.]]، قد يكون الذي عليه الحق هو الذي يدعو الشهداء ليشهدوا بالحق الذي عليه فتبرأ ذمته.
﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ الله أكبر، ﴿لَا تَسْأَمُوا﴾ أي: لا تملوا، ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ الضمير يعود على الدين المستفاد؛ لقوله: ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾ ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾، فكل دين مؤجل، فإنه يجب أن يكتب، وكل دين مؤجل نقول لصاحبه: لا تسأم أن تكتبه، لا تمل، حتى لو فرض أن الرجل يعامل في اليوم الواحد عشرين رجلًا دينًا مؤجلًا، فإنه يكتب، يكتب لا يسأم لا يقول: والله هذا كثير أنا (...) أكتب عشرين مكتب في اليوم واحد أو في ضحوة واحدة، نقول: إن ربك يقول: ﴿لَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾.
كم الصغير يساوي؟ أقل ما يطلق عليه دين، يعني: ريال واحد مثلًا، نصف ريال، أقل. ﴿كَبِيرًا﴾؟ إيه، هذا -أيضًا- يرجع للعرف، في زمن مضى خمسون ريالًا تعتبر كبيرة، الآن صغيرة، يعني: خمس مئة ريال يمكن تكون كبيرة؟ أو صغيرة؟ متوسطة؟
على كل حال الله يقول: ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ يعني: أو متوسطًا؟ أليس كذلك؟
وقوله: ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾ يعني: يكتب إلى الأجل ما يقال: دين مؤجل فقط، يكتب إلى الأجل ويحدد بما سبق، أجل مسمى معين معلوم للطرفين.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ شوف تعليل لهذه الأحكام لكتابة الدين المؤجل وللنهي عن السآمة، علل: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه واحدة، ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ اثنين، ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ ثلاثة، وإلى ساعتي هذه ما وجدت حكمًا يعلل بثلاث علل منصوص عليها، وابحثوا إن شئتم، صحيح يعلل الحكم بعلة أو علتين، لكن ثلاث علل مجموعة، هذا حتى الآن ما رأيته، ولا أستطيع أن أنفيه؛ لأن النفي صعب لكن ما رأيته، وهو يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بالمعاملات المالية خلافًا لمن زعم بأن القرآن لم يستوف المعاملات المالية، وزعم أن القرآن إنما شرائعه في العبادة والأحوال الشخصية، كالأنكحة والمواريث وشبهها، أما المعاملات فإنها إلى الناس -والعياذ بالله- وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان حكم من يعتقد هذا الاعتقاد، وأنه محجوج بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
يقول: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿أَقْسَطُ﴾ بمعنى أعدل، مأخوذ من ين؟ من الإقساط ليس من القسط؛ لأن القسط بمعنى الجور، والإقساط بمعنى العدل؛ ولهذا لو سئلت: هل أنت قاسط أو مقسط؟
* الطلبة: مقسط.
* الشيخ: مقسط، إي نعم، مقسط (...) بأي شيء ظلمت، وبأي شيء جرت، هل أنت خاطئ أو مخطئ؟
* الطلبة: مخطئ.
* الشيخ: مخطئ، لا خاطئ.
إذن نقول: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مأخوذ من الإقساط، يعني: أعدل وأقوم عند الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن هذا من شريعته وكل شريعته عدل، وما كان أتبع للشريعة فهو أعدل.
ثاني: ﴿أَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ أي شهادة؟ شهادة الشهود، سواء كان الشاهدان رجلين أو كانوا رجلًا وامرأتين، إذا كتب فإن ذلك أقوم للشهادة؛ لأن الشاهد إذا لم يكتب شهادته، فربما ينسى فيزيد أو ينقص.
﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ يعني: أن لا تشكوا؛ لأنه إذا لم يكتب الشيء ولم يشهد عليه، فإنه ينسى ويحصل ارتياب، والارتياب هذا يقلق النفس لا بالنسبة لصاحب الحق ولا لمن عليه الحق، أما صاحب الحق فإنه يقلق؛ لأنه يخشى أن ينسى شيئًا من الحق الذي له، فيزيد على من عليه الحق، وأما من عليه الحق فهو كذلك يخشى أن ينسى، فيجحد ما كان عليه.
* طالب: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ يعني: وجب عليهم، صار (...)
* الشيخ: يعني: في التحمل.
* الطالب: إي نعم، ما نقول: إنه صار واجب (...).
* الشيخ: إلا، لكن الكلام لو قال: ولا يأب أحد أن يشهد إذا دعوا، إذا دعي لا بأس، لكن قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ إلى الآن ما صاروا شهداء، أنا حين ما دعوتهم هل هم شهداء ولَّا غير شهداء؟
* الطالب: لكن وجب عليهم.
* الشيخ: نعم، وجب عليهم، لكن على من وجب؟
* الطالب: على اللي قلته.
* الشيخ: ما قال: ولا يأب أحد، يقول: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾، إلى الآن ما صاروا شهداء، لكن سيأتينا إن شاء الله في الفوائد أن فائدة ذلك: أنه لو طلب شخص لا تقبل شهادته، مثل جاء واحد وقال (...): تشهد لابنك، هذا ما (....) وأيش الفائدة من هذا.
* طالب: قوله ﷺ: «نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَقْرَأُ» (...)؟
* الشيخ: سمعتم سؤاله؟ سمعتم السؤال؟ يقول: كيف يأمر الله بالكتابة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَقْرَأُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠ / ١٥) من حديث ابن عمر.]]؟
* طالب: شيخ، نكمل الحديث قال: «الشَّهْرُ هَكَذَا»، يعني: نحن أميتنا ذلك لا نحسب الشهر، وإنما الشهر (...).
* الشيخ: إيه، بس هو ما قال: لا نحسب قال: «لَا نَقْرَأُ وَلَا نَكْتُبُ».
* طالب: هذا من باب الخبر ليس من باب الإنشاء (...) «أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ».
* الشيخ: إيه، يقول ﷺ: «لَا نَقْرَأُ وَلَا نَكْتُبُ» كيف نؤمر بالكتابة؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: خبر، نحن ما نكتب، نحن الآن الجماعة دولا ما يكتبوا قيل: اكتبوا، أمرنا بما لا نطيق؟
* طالب: (...) أما في الحديث خبر فقط مجرد.
* الشيخ: إيه، خبر بأننا لا نكتب، ثم وجه الله الأمر إلينا أن نكتب؟
* طالب: تتعلموا الكتابة.
* الشيخ: إيه، يعني يلزم من الأمر التعلم؟
* طالب: تعلم الكتابة فرض كفاية على الأمة (...).
* الشيخ: يعني كما قال الأخ تقريبًا.
* طالب: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأبي شاة: اكتب يا أبا شاة.
* الشيخ: لا لا، «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]]، أمر أصحابه أن يكتبوا له، هذا في غزوة الفتح.
* طالب: نقول: الخطاب في الآية لمن يكتب، أما الذي لا يكتب، فإنه (...).
* الشيخ: بس، هي الحقيقة أنا أتعجب كيف غاب عن بالكم جواب بسيط واضح من القرآن.
* طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه﴾ (...).
* الشيخ: الذي وجه الأمر إليه من كان؟
* طالب: الذي يعلم الكتابة، أما الذي لا يعرفها فليس عليه حرج.
* الشيخ: إلى الآن ما زال الإشكال تمامًا خلينا نأخذ الاختصار.
* طالب: شيخ، قال الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، هذا أمر للنبي عليه الصلاة والسلام.
* الشيخ: إيه، لكن قال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة.]].
* طالب: لكن أمره.
* الشيخ: لا، الآن أمره جبريل، وجبريل قد لا يعلم، على كل حال الجواب على هذا أن نقول: نعم نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب قبل أن يأتي الرسول عليه الصلاة والسلام، أما بعد أن بعث صرنا أمة نقرأ ونكتب وزال عنا وصف الأمية، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾، من قبل شوف ﴿مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، أما بعد أن نزل القرآن وتعلمت الأمة زال وصف الأمية عنهم، إي نعم.
* طالب: شيخ، الفرق بين قاسط ومقسط؟
* الشيخ: قاسط بمعنى جائر، مقسط أي: عادل، فهما متقابلان، مثل خاطئ يعني: آثم، مخطئ: غير آثم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) المثال أو المنظر به؟ قاسط قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢] واضح الفرق؟
في المخطي: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، في الخاطئ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق ١٧، ١٨] أيش؟ في سورة اقرأ: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَة﴾ [العلق ١٦].
* طالب: (إنهم كانوا خاطئين) سورة القصص.
* الشيخ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف ٢٩].
* طالب: (...) هذا من أقسط الرباعي.
* الشيخ: الصيغة هي، لكنه قصد المعنى.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف (...) تشهد وإن كان غير محرم.
* طالب: (...) أربعة نساء.
* الشيخ: بيجينا إن شاء الله، هذا في الفوائد، هذه الآية فيها فوائد كثيرة (...).
فإن لم يكن رجلان إي نعم لماذا لم يقل: فإن لم يكن رجلان؟
* طالب: لأنه يعني: ما يشترط أن يكون هناك عدم وجود رجلين، فإذا كان رجل وامرأتين فلا بأس.
* الشيخ: لو كان لفظ الآية: فإن لم يكن رجلان.
* طالب: لو كانت الآية: فإن لم يكن رجلان، فإنه يعني لا يلجأ إلى شهادة المرأة.
* طالب: لو كانت الآية فإن لم يكن رجلان، فيكون المعنى: عدم وجود الرجال إطلاقًا غير المعني.
* الشيخ: لا.
* طالب: لم يقل: فإن لم يكن رجلان؛ لأنه لو قال ذلك كان لا يعدل إلى شهادة الرجل والمرأتان إلا في حال عدم وجود الرجلين.
* الشيخ: كان أيش؟
* الطالب: عدم العدول إلى شهادة الرجل والمرأتان، لا يكون ذلك العدول إلا إذا لم يوجد رجلين إطلاقًا.
* الشيخ: لو قال: فإن لم يكن رجلان، لكان لا يعدل إلى شهادة الرجل والمرأتين إلا عند عدم الرجلين، كذا؟ صح.
قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ فيها قراءات؟ ﴿إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾؟
* طالب: تضل وتضلل.
* الشيخ: لا، ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ فيها قراءة، و﴿تُذَكِّرَ﴾ فيها قراءة.
* طالب: أما تذكر فيها قراءة: ﴿تُذَكِّرَ﴾ وتُذْكِر وتُذْكِرَ ثلاثة، وأما تضل القراءة المشهورة ﴿تَضِلَّ﴾، وتَضْلِل.
* طالب: أن وإن.
* الشيخ: أن وإن،﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ و﴿إِنْ تَضِلَّ﴾. ما الفرق بين القراءتين؟
* طالب: أن بالفتح تكون مصدرية، (...) تكون للتعليل.
* الشيخ: لا.
* طالب: تكون شرطية.
* الشيخ: تكون شرطية، ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ تكون مصدرية، و﴿إِنْ تَضِلَّ﴾ تكون شرطية، هل يتغير النطق بتضل؟
* طالب: لا يتغير.
* الشيخ: لماذا مع أن إن الشرطية تجزم، وأن المصدرية تنصب؟
* الطالب: لو كانت مصدرية تؤول.
* الشيخ: لا، دعنا من التأويل، ما هو من جهة الإعراب، لكن من جهة النطق لتضل، هل يختلف على كون إن شرطية أو مصدرية؟
* الطالب: ﴿إِنْ تَضِلَّ﴾ (...) شرطية تكون تضل مجزومة.
* طالب: واحد يا شيخ.
* طالب: إذا كانت شرطية فتسكن اللام إن تضل.
* الشيخ: يعني ما يختلف النطق؟
* الطالب: لا ما يختلف.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: تكون مبنية على الفتح في محل اسم تقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ ولَّا ﴿إِنْ تَضِلَّ﴾ (...).
* الشيخ: يعني لا يختلف في النطق؟ إنما يختلف الإعراب، فعلى أن تكون مصدرية تكون تضل منصوبة بالفتحة الظاهرة، وعلى ﴿إِنْ تَضِلَّ﴾ مجزوم، وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين، إي نعم.
لماذا قال: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ولم يقل: فتذكرها الأخرى؟
* طالب: ربما تنسى أحد المرأتين، وربما تنسى المرأتان.
* طالب: ربما تنسي هذه جملة وهذه جملة.
* الشيخ: يعني يكون النسيان من المرأتين جميعًا، صح؟ يعني: أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى، معناه: أن النسيان وقع من واحدة، فإذا قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، صار معناه: أنه قد يكون النسيان من المرأتين جميعًا، وهو كذلك؛ فإنها قد تنسى واحدة بعض الجمل، والأخرى بعض الجمل.
قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ما هنا؟ ﴿إِذَا مَا دُعُوا﴾ وأيش ما هذه؟
* طالب: ما زائدة.
* الشيخ: ما زائدة؟ ما دليلك على أنها زائدة؟
* الطالب: ليس لها يعني معنى في هذا الموضع.
* الشيخ: لكن ما هو الدليل الذي يبنى على قاعدة معروفة عند النحويين؟
* الطالب: لأن المعنى: إذا دعوا.
* الشيخ: هذا..
طالب: ربما تنسى المرأتان جميعًا.
* الشيخ: نعم.
* طالب: ربما تنسى هذه جملة وهذه جملة.
* الشيخ: يعني يكون النسيان من المرأتين جميعًا؛ يعني: أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى معناه أن النسيان وقع من واحدة؛ فإذا قال: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى صار معناه أنه قد يكون النسيان من المرأتين جميعًا، وهو كذلك فإنها قد تنسى واحدة بعض الجمل والأخرى بعض الجمل.
قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ما هنا؟
* الطالب: ما؟
* الشيخ: ﴿إِذَا مَا دُعُوا﴾ وأيش ما هذه؟
* طالب: ما زائدة.
* الشيخ: ما زائدة؟
* طالب: لا، ليست بزائدة.
* الشيخ: ما دليلك على أنها زائدة؟
* طالب: ليس لها يعني معنى في هذا الموضوع.
* الشيخ: لكن ما هو الدليل الذي يبنى على قاعدة معروفة عند النحويين؟
* طالب: لأن المعنى إذا دعوا.
* الشيخ: هذا المعنى صح، لكن نريد دليلًا مبنيًّا على قاعدة نحوية؟
* الطالب: ابن مالك يقول:
يا طالبًا..
* الشيخ: أعطنا القاعدة وبعدين استشهد لها بالبيت؟
* الطالب: القاعدة أنها وقعت بعد إذا؟
* الشيخ: لأنها وقعت بعد إذا كذا؟
وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَــــــــــــــعْدَ إِذَازَائِــــــــــــدَهْ
خذها أنت يا أخ.. هذه الحروف الزائدات في القرآن الكريم، هل هي زائدة لفظًا ومعنى أو لفظًا فقط؟
* طالب: لفظًا ومعنًى.
* الشيخ: لفظًا ومعنًى.
* طالب: يعني زيادة المبنى يفيد زيادة في المعنى وزيادة في الإعراب.
* الشيخ: إذن يختلف زائدة معنى عن زائدة لفظًا، زائدة لفظًا يعني في الإعراب؛ لكن زائدة معنى أنها تزيد المعنى كذا ولّا لا؟
إذن نقول: هي زائدة زائدة زائدة كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: زائدة من حيث الإعراب، زائدة من حيث المعنى أي أنها تزيد في المعنى أما في الإعراب فلا تزيد؛ لأنها لو حُذفت استقام الكلام.
قوله: ﴿إِذَا مَا دُعُوا﴾ لماذا بناها للمجهول؟
* طالب: لأنه قد يكون الداعي لهم هو صاحب الحق، وقد يكون (...) فجعل الفعل مبنيًّا للمجهول ليعود..
* الشيخ: وقد يكون الحاكم.
* الطالب: وقد يكون الحاكم.
* الشيخ: ﴿إِذَا مَا دُعُوا﴾ لأنه قد يدعوهم صاحب الحق ليشهدوا له؛ أو من عليه الحق إذا ادعي عليه زيادة؛ أو الحاكم إذا تحاكم الخصمان عنده دعا الشهود؛ فلهذا جاءت مبنية للمجهول.
قوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوه﴾ وأيش معنى ﴿تَسْأَمُوا﴾؟
* الطالب: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾.
* الشيخ: نعم وأيش معنى ﴿تَسْأَمُوا﴾؟
* الطالب: السأم هو افتقاد الشيء.
* الشيخ: السآمة السآمة؟
* طالب: افتقاد الشيء، الإنسان يعنى لا يعبأ بهذا الشيء يقال: يعني هذا الشيء يعني سئم منه.
* الشيخ: لا.
* الطالب: هو الملل؛ أي لا تملوا.
* الشيخ: الملل؛ أي لا تملوا من كتابة الدين، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: هل لها شاهد مر عليك في الحديث؟
* طالب: نعم، يقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»[[أخرجه مسلم (٧٨٥ / ٢٢١) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
* الشيخ: نريد السآمة؟ بمعنى الملل.
* طالب: السآمة بمعنى الملل في الحديث؟
* الشيخ: إي نعم، نحن ذكرناه لكم.
* الطالب: قول ابن مسعود رضي الله عنه من الصحابة قال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٨)، ومسلم (٢٨٢١ / ٨٢) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، واللفظ لمسلم.]].
* الشيخ: نعم مخافة السآمة علينا.
* طالب: فيه بيت شعر.
* الشيخ: طيب ما هو؟
* الطالب: يقول الشاعر:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ∗∗∗ ثَمَانِينَ حَوْلًا -لا أَبَا لَكَ-يَسْأَمِْ
* الشيخ:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ∗∗∗ ثَمَانِينَ حَوْلًا -لا أَبَا لَكَ-يَسْأَمِْ
قال: ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ لماذا بدأ بالصغير؟ وما نوع هذا الانتقال عند البيانيين؟
* طالب: بدأ بالصغير يعني؛ لأنه قد يكون قليل ما يهتم به فنبّه عليه.
* الشيخ: أحسنت، بدأ بالصغير؛ لأنه مظنة أن لا يهتم به؛ أحسنت أما عند البيانيين فيقال: هذا انتقال من الأدنى إلى الأعلى.
نظير هذا أن يُبدأ بالشيء خوف التهاون به قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ١١] أيهما الذي يبدأ به؟ الدين، لكن بدأ قدم الوصية لئلا يُستهان بها.
ذكرنا أن هذا الحكم -أي الكتابة- علَّله الله تعالى بثلاث علل قلها يا أخي؟
* الطالب: ثلاث عِلل: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾؛ ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
* الشيخ: أحسنت، ماذا يفيد تعليل هذا الحكم بهذه العلل الثلاث؟
* الطالب: بيان سمو الشريعة واطمئنان المكلَّف.
* الشيخ: وأهمية هذا العمل.
* الطالب: أحكام العلل هذا.
* الشيخ: طيب، أقول: يراد بهذا بيان العناية بهذا الحكم؛ ولهذا علَّله الله تعالى هذا بثلاث علل؛ أنا ذكرت لكم أنني لا أعلم شيئًا عن هذه الثلاث علل، وأنتم أوردتم عِدة أمثلة عُلِّلت بثلاث عِلل؛ إذن يكون النفي السابق لا عمل عليه؛ لأنه قد يوجد شيء عُلّل بثلاث علل.
* * *
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
أولًا: في هذه الجملة ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ قراءتان: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾؛ وقراءة الثانية بالرفع ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾
على الأول ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ أين اسم كان؟ اسم كان مستتر. التقدير: إلا أن تكون الصفقة تجارة حاضرة إلى آخره.
وتكون ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ الجملة صفة ثانية لـ﴿تِجَارَةً﴾، والصفة الأولى: ﴿حَاضِرَةً﴾.
أما على قراءة الرفع ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا﴾ فإن ﴿تِجَارَةٌ﴾ اسم ﴿تَكُونَ﴾، و﴿حَاضِرَةٌ﴾ صفة، و﴿تُدِيرُونَهَا﴾ الجملة خبر كان.
يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ﴾ أو﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾
﴿تِجَارَةً﴾ التجارة هي كل صفقة يراد بها الربح فهي تجارة، واضح؟
تشمل البيع والشراء، وتشمل كذلك عقود الإيجارات؛ ولهذا سمى الله تعالى الإيمان والجهاد في سبيله سماه الله تجارة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠].
وأما قوله: ﴿حَاضِرَةً﴾ فهي ضد قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ الحاضر يعني غير المؤجَّل؛ فإن الصفقة إما أن تكون حاضرة وإما أن تكون مؤجلة؛ وقد سبق بيان حكم المؤجل وأنه يجب أيش؟
* الطلبة: كتابته.
* الشيخ: الكتابة، كتابته.
وقوله: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أي تتعاطونها بينكم بحيث هذا يأخذ سلعته والآخر يأخذ الثمن وهكذا؛ فالمراد هنا بالإدارة المراد بها المعاطاة؛ أي يعطيها بعضكم بعضًا.
يقول: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الفاء هذه عاطفة أو للتفريع؛ يعني ففي هذه الحال ليس عليكم جناح ألا تكتبوها؛أي ليس عليكم إثم في عدم كتابتها، وقلنا في عدم كتابتها؛ لأن الفعل منصوب بـ (أن) الواقع بعدها نفي، وإذا نُصب الفعل بـ (أن) الواقع بعدها نفي فإنه يُحوّل إلى مصدر مسبوق بعدم، وأيش معنى بعدم؟ أي بكلمة عدم.
الآن نقول: أن ناصبة للفعل ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ فحذف النون، أعقبها لا النافية، فإذا حولنا الفعل إلى مصدر فلا بُدَّ أن نأتي بكلمة عدم لتحل محل النفي؛ لأن النفي عدم، ومن أين قدَّرنا في؟ قدرناها بحسب السياق، فيكون التقدير: فليس عليكم جناح في عدم كتابتها.
وقوله: ﴿أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ الضمير يعود على التجارة؛ فهذه التجارة المتداولة بين الناس ليس على الإنسان جناح إذا لم يكتبها؛ لأن الخطأ فيها والنسيان بعيد؛ إذ إنها حاضرة تُدار ويتعاطاها الناس بخلاف المؤجَّل.
ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أشهدوا على أي شيء؟ على البيع.
وقوله: ﴿إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أي إذا وقع البيع بينكم، والتبايع في الأصل بل البيع في الأصل إنما يكون للمعطِي، والشراء للآخذ، ولكن قد يحصل التغليب فيقال: تبايع الرجلان، بدلًا من أن يقال: تَشارى الرجلان.
البائع يسمى بائعًا، والمشترِي يُسمى مبتاعًا، البائع يسمى شاري والآخر يسمى؟
* الطلبة: مشتري.
* الشيخ: مشتري، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] أي يبيع نفسه.
﴿أَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ يعني إذا باع بعضكم على بعض فأشهدوا، وهذا الأمر قيل: للندب، وقيل: للإرشاد، والفرق بينهما أنه إذا جُعل للندب فهو من باب العبادات، وإذا جُعل للإرشاد فهو من باب المصالح العائدة على أمور الدنيا، هكذا قيل، وعندي أن الإنسان إذا امتثل ما أرشد الله إليه فإنه يُثاب بهذه النية حتى وإن قلنا: إن الأمر ليس للندب؛ لأن الرجل ما دام فعله امتثالًا لأمر الله فلا شك أنه يثاب على هذا.
وقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، كلمة ﴿يُضَارَّ﴾ مأخوذة من الضرر، ولكنها يحتمل أن تكون مبنية للفاعل أو مبنية للمفعول، ويختلف إعراب ﴿كَاتِبٌ﴾ و﴿شَهِيدٌ﴾ بحسب بناء الفعل، فإن كانت مبنية للفاعل فـ﴿كَاتِبٌ﴾ فاعل، وإن كانت مبنية للمفعول فـ﴿كَاتِبٌ﴾ نائب فاعل.
ما الذي يُبيِّن لنا ذلك؟ يبين لنا ذلك إذا فُكّ الإدغام تبيَّن؛ فعلى أنها مبنية للفاعل إذا فككنا الإدغام نقول: ولا يُضارِر كاتب ولا شهيد، وعلى أنها مبنية للمفعول إذا فك الإدغام يقال: ولا يُضارَر كاتب ولا شهيد، مثل يشارِك ويشارَك؛ يشارِك فاعل، يشارَك مفعول، ومثل أيضًا مختار هل هي مبنية للفاعل ولّا للمفعول؟
* الطلبة: تصلح.
* الشيخ: تصلح لهذا وهذا كذا؟ إن كانت للفاعل فهي مختارِر، وإن كانت للمفعول فهي مختارَر.
ومثلها ما سبق لنا ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ [البقرة ٢٣٣] أي لا تضارِر وتكون فاعل، ولا تضارَر فتكون نائب فاعل.
وهذا من بلاغة القرآن أن تأتي الكلمة صالحة لوجهين لا ينافي أحدهما الآخر.
فهنا ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ إذا جعلناها فاعلًا صار معنى الآية أن الله سبحانه وتعالى نهى أن يضارّ كاتب أو يضارّ الشهيد، يعني أن يعمل عملًا يَضُر المكتوب له أو عليه، هذا إذا كان فاعلًا كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وكذلك نقول في الشاهد أن يعمل الشاهد عملًا يكون فيه ضرر على المشهود له أو عليه، أما إذا جعلناها نائب فاعل فنقول: لا يجوز للمكتوب له أو عليه أن يُضار الكاتب، ولا يجوز للمشهود له أو عليه أن يُضار الشهيد.
فإذا قلت: كيف مضارّة الكاتب؟ مَضارّة الكاتب إما مضارة حِسية أو مضارة معنوية، المضارة الحسية أن نُملِّل الطالب إذا طُلب منه أن يكتب، نُملِّله أو يتكره لما يجب عليه من الانقياد إلى الكتابة، فيقولون: تعالَ اكتب يقعد يحبرش بالقلم ويحك الريشة وينظفه ويبغي وعيله يمشي وما أشبه ذلك.
ربما يملّ الطالب وينصرف كذا، هذه مضارة حسية.
المضارة المعنوية أن يُخل بشيء يختل به الحكم، مثل أن يترك بعض الشروط، أو أن يأتي بأوصاف تُوجب فساد العقد، أو ما أشبه ذلك، هذه لا شك أنها مضارة، لكنها مضارة معنوية؛ لأن المكتوب له قد لا يعرف هذه الأمور، والكاتب هو الذي يعرف، كذا.
أما في الشهادة فيطلب من الشهيد أن يشهد ويتحمل يقول: طيب روح هاد آجي (...) يذهب يبقى عشر دقائق عشرين دقيقة ثلاثين دقيقة يأتي إليه، يلّا تعال اشهد، يقول: انتظر هذا تقدم وأنا وراءك، ويتقدم وهو وراءه كما يقول، ويبقى نصف ساعة، ساعة إلا ربع فيرجع إليه فيقول: تقدم هاجي وراءك وكلما جاء تقدم جاي وراءك، أذن الظهر قال: نبغي نصلي قبل، صلى الظهر قال: جاء الغداء، انتهى الغداء قال: جاء النوم. على كل حال هذه مضارة حسية ولا معنوية؟
* الطلبة: حسية.
* الشيخ: حسية، يمكن يكون من الشاهد مضارة معنوية؟ يمكن، يزيد في شهادته أو ينقص، أما مضارتنا نحن للكاتب فأن نأتيه في وقت لا يناسب أن نأتيه فيه مثل أن نأتيه الساعة الواحدة من الليل يعني بعد منتصف الليل بساعة قرعنا عليه الباب وأيش عندك؟ قال: امشِ اكتب لي بيني وبين فلان، فيه مضارة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، أو بعد أن قُدم الغداء أو العشاء جئنا نقول أو في شدة حر أو شدة برد أو مطر أو غير ذلك، هذه هي المضارة.
إذا قال قائل: كيف يكون فيه مضارة؟ أفلا يستطيع أن يقول:أنا لا أكتب؟ قلنا: نعم، يستطيع أن يقول: أنا لا أكتب وهو معذور، لكن قد يلحقه حرج في ذلك، هو بنفسه يفكر أنا أخطأت، أنا ما امتثلت أمر الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أنا أخطأت ربما إني خالفت قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ وحينئذٍ يقع في نفسه شيء من الحرج والقلق، هذا نوع مضارة، هذا إذا جعلنا أن الكاتب والشهيد على أنها نائب فاعل.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ أي يُضار الكاتب أو الشهيد على الوجهين.
﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ فإنه أي الفعل، من أين عرفنا أنه الفعل؟ من قوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ لأن الفعل مُتضمن للمعنى الذي هو المصدر وللزمن. إذن ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ﴾ أي فعلكم.
فإذا قال قائل: ما سبق كلمة فعل؟ نقول: لكنه مفهوم من كلمة: ﴿إِنْ تَفْعَلُوا﴾، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] هو أيش؟
* الطلبة: العدل.
* الشيخ: أي العدل المفهوم من كلمة: ﴿اعْدِلُوا﴾. فهنا نقول: ﴿فإنه﴾ أي الفعل المفهوم من كلمة ﴿تَفْعَلُوا﴾.
وقوله: ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي خروج بكم عن الصراط المستقيم وعن طاعة الله، وأصل الفسق في اللغة الخروج، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها، فيكون الفسق الخروج عن الطاعة، وإنما كان هذا فسوقًا بمن فعل؛ لأنه خروج عن طاعة الله عز وجل.
ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتقوا الله سبق عِدة مرات أن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله، ويكون ذلك.
* الطالب: اتخاذ وقاية من عذاب الله بالبُعد عن معاصي الله.
* الشيخ: نعم، لكن بماذا يكون؟ اتخاذ الوقاية بماذا يكون؟
* طالب: الأعمال الصالحة.
* الشيخ: وأيش بعد؟
* طالب: بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
* الشيخ: نعم، اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه كذا.
وقال بعض العلماء: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
وقال بعضهم في ذلك معنى ثالثًا؟
* طالب: شيخ، أن لا يراك حيث نهاك وأن لا يفتقدك حيث أمرك.
* الشيخ: نعم.
* طالب:
خَلِّ الذُّنُـــــــــــوبَ صَغِيرَهَــــــــــــا ∗∗∗ وَكَـــــــبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَـــــــى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ ∗∗∗ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَــــــرَى ؎لَا تَحْقِــــــــــــــــــــــــــرَنَّصَـــــــــــغِيـــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى
* الشيخ: إي نعم، هذه منظومة:
خَلِّ الذُّنُـــــــــــوبَ صَغِيرَهَــــــــــــا ∗∗∗ وَكَـــــــبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَـــــــى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ ∗∗∗ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَــــــرَى ؎لَا تَحْقِـــــــــــــــــــــــــــرَنَّصَـــــــــــغِيـــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى
لكن المعنى الأول أجمع: اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم قال: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ الواو هنا للاستئناف، ولا يصح أن تكون معطوفة على التقوى، بل مُستأنفة، يعني اتقوا الله بفِعل كل ما سبق، ثم بيَّن أن كل ما سبق من الإرشادات والتوجيهات كلها تعليم من الله عز وجل ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وإنما قلنا ذلك حذرًا من أُناس ادَّعوا العلم اللدني بسبب تقواهم كما زعموا، وهم الصوفية الذين قالوا: إن رؤساءَهم يأخذون العلم من الله مباشرة بدون وحي؛ لأنهم اتقوا الله، والله يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وهذا لا شك أنه خطأ وخطل وكُفر بالرسالة، الذي يدَّعي أنه يتلقى من الله تعليمات غير تعليمات الرسول ﷺ كافر برسالة الرسول ﷺ، لكنهم يقولون:التقوى عندنا والله يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وهو أيضًا من ناحية المعنوية ليس بصواب؛ يعني هو خطأ الناحية العقدية، وخطأ من الناحية النحوية والعربية؛ لأنه لا يُعطف الخبر على الإنشاء ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ إنشاء ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ خبر، وخطأ من ناحية ثالثة المعنوية، الخطأ المعنوي وهو أنه لا تقوى إلا بعلم، فالعلم سابق على التقوى؛ لأنك إذا لم يكن لديك علم، فماذا تتقي؟
إلا أن يدَّعي مدعٍ أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أي زيادة على ما عندكم، فإن ادعى هذه الدعوى منع ذلك الوجهان السابقان.
وهنا قال: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ فأظهر، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأظهر، وقال: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فأظهر.
ولو كان في غير القرآن وقيل: واتقوا الله ويعلمكم وهو بكل شيء عليم، يستقيم الكلام؟
* الطلبة: يستقيم.
* الشيخ: لكن الله تعالى أظهر في موضع الإضمار في هذه الجمل ليتبين أن كل جملة مستقلة عما قبلها وهو كذلك، فكل جملة مستقلة، فالخطاب في: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لنا والتقوى من عملنا، والتعليم في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ من الله عز وجل وهو لنا، من الله لنا، والتقوى منا لله. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هذا لله وحده.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيما يتعلق بأفعالنا وأفعاله.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يشمل كل ما في السماء والأرض كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥] فعِلم الله تعالى واسع شامل للصغير والكبير والدقيق والجليل، وشامل للمستقبَل والحاضر والماضي، وشامل لما يتعلق بفعله وفعل مخلوقاته، وشامل للواجب والجائز والمستحيل، كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لعموم قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فمن تعلقه بالواجب مثال لتعلقه بالواجب؟
* الطالب: إن الله موجود.
* الشيخ: كيف وأيش معنى إن الله موجود؟
* الطالب: الله موجود يعني الله يعلم أنه موجود.
* الشيخ: لا، نريد مثالًا ذكر الله فيه العلم وهو مما يتعلق بالواجب؟
* الطالب: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].
* الشيخ: هذا يمكن يصح لكن على وجه بعيد.
* طالب: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران ١٨].
* الشيخ: هذا.
* الطالب: واجب.
* الشيخ: هذا واجب الانفراد بالألوهية واجب. وبالمستحيل؟ تعلق علم الله بالمستحيل؟
* طالب: قول الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران ١٨١] والكتابة تتضمن.
* الشيخ: غير هذا؟ لأنه قال: ما قالوا وقد وقع هذا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢].
* الشيخ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فأخبر عن شيء ممتنع مترتب على شيء ممتنع. طيب بالممكن؟
* الطالب: وجود الإنسان، وجود المخلوقات.
* الشيخ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ [البلد ٤].
* الطالب: الوجه الآخر للرد على من يجادل يقول ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾، ﴿وَاتَّقُوا﴾. نقول ﴿وَاتَّقُوا﴾ هذه مجزومة و﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾ مرفوعة؟
* الشيخ: لأ.
* الطالب: لأيش؟
* الشيخ: لأن هذه مبنية (اتقوا) فِعل أمْر هذا.
* طالب: شيخ، إذا قال ﴿لَا تُضَارَّ﴾ مبنية على المفعول أيش يكون إعراب ﴿وَلَا شَهِيدٌ﴾؟
* الشيخ: معطوفة على كاتب، هي معطوفة على كاتب على كل حال.
* الطالب: النائب، إذا بني على أنه مفعول به؟
* الشيخ: النائب، الفعل إذا بُني للمفعول يكون نائب الفاعل هو المفعول به في المعنى، نائب الفاعل هو المفعول به في المعنى، فإذا قلت مثلًا: ضُرب زيد، فزيد نائب فاعل وهو المفعول به في المعنى؛ لأن هو المضروب.
* طالب: شيخ، قلنا:إنه لا يصح عطف الخبر على الإنشاء، والعكس أيضًا صحيح أنه لا يصح عطف الإنشاء على الخبر؟
* الشيخ: هي المسألة كلها خلافية، لكن المشهور من رأي البصريين أنه لا يصح.
* طالب: المناقشة في المشهور أنه لا يصح الوجهان.
* الشيخ: نعم.
* طالب: الراجح في ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ الأمر هنا.
* الشيخ: إيه بيجينا في الفوائد.
* طالب: شيخ، قول الله سبحانه وتعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ هل يأخذ منها وجوب الكتابة، معناته (...) هل معناته إذا لم تكن في التجارة هذا يكون فيه (...).
* الشيخ: وأيش هذه؟ هذه فائدة.
* طالب: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة ٢٨٢] الاستشهاد يكون في حال الكتابة أو في حال المداينة؟
* الشيخ: لا حال المداينة، وإذا لم يمكن فحال المكاتبة؛ لأن المكاتبة قد تتأخر.
* طالب: شيخ ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ ما معنى بكم هنا؟
* الشيخ: الباء هنا بمعنى (في) أي فسوق فيكم.
* طالب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال ٢٩] يعني هل فيه علاقة في ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾؟
* الشيخ: لا، على القول الصحيح ما فيها، لكن الآية التي أشرت إليها تدل على أن الإنسان إذا اتقى الله سبحانه وتعالى جعلَ له فرقانًا بين الحق والباطل والصدق والكذب.
* الطالب: ذكر يا شيخ شيخ الإسلام أن منزلة التقوى قد تصل إلى..
* الشيخ: إلى أيش؟
* الطالب: منزلة التقوى قد تصل في العدل إلى أنه يعني في بعض الأمور التي لم يأتِ الشرع بأدلة عليها أنه يفتي بها بعلمه؟
* الشيخ: لا لا، يعني أن الله يفتح عليه؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: لكنه من أدلة الشرع.
* الطالب: ما (...).
* الشيخ: أيه من أدلة الشرع معلوم، يعني قد يلقي الله سبحانه وتعالى في ذهن الإنسان من الفهم ما لا يحصل لغيره، وقد يُوفق الإنسان يقول قولًا فيشهد له الحق مثل لو فُرض إني أنا مثلًا في تأملي قلت: هذا حرام وأنا ما عندي فيه نص، ثم إني اطلعت على نص يحرمه، هذا ربما يقع مثل ما حصل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث وافق الله في عدة مسائل.
* الطالب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] هذه الآية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ يعني يكون نتيجة العلم التقوى؟
* الشيخ: إي نعم، ونتيجة العلم الخشية والخوف.
* الطالب: يعني (...).
* الشيخ: إيه، لكن إحنا قلنا: إن هذه الجمل كل واحدة مستقلة عن الأخرى، ولهذا أظهر، قال: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
* طالب: شيخ، يشهد لهذا المعنى قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال: الْحَسَنُ مَا اسْتَحْسَنَهُ النَّاسُ،يقصد به الصحابة أنهم كانوا من تقواهم لله تعالى يعني الحسن الذي يعني..
* الشيخ: قال «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٦٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله.]].
* الطالب: ما رآه المسلمون حسنًا في حسن، معناه ما يدل هذا عليه أن الله سبحانه وتعالى يعني يُوفِّق العبد هذا (...)؟
* الشيخ: هذا يدل على الإجماع، أن المسلمين إذا أجمعوا على شيء بأن هذا حسن صار حسنًا، ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن.
* الطالب: التقوى الله سبحانه وتعالى يدخل في هذا الشيء فيجتنب ما يكره الله.
* الشيخ: إي نعم، ولا شك أنه إذا وهب الله الإنسان علمًا وتقوى فإنه يسدده ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق ٢].
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
البقرة 2:283
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فيها قراءتان، ﴿رِهَان﴾ فيها قراءتان؟
* طالب: فيها قراءة ﴿فَرُهُنٌ﴾ .
* الشيخ: ﴿فَرُهُنٌ﴾. و﴿رِهَانٌ﴾ هل بينهما فرق من حيث الصيغة؟
* طالب: ﴿فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ يعني: بمعنى.
* الشيخ: من ناحية الصيغة يعني، هل كلهم مفرد ولا يختلفن؟
* الطالب: ﴿فَرُهُنٌ﴾ مو مفرد أكثر من واحد.
* الشيخ: جمع. و﴿رِهَانٌ﴾؟
* الطالب: مفرد.
* الشيخ: مفرد، ورهن؟
* الطالب: رهان (...).
* الشيخ: إذن هي جمع، يعني هما في الصيغة سواء، كلها جمع رهن.
قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ويش معنى ﴿اؤْتُمِنَ﴾؟
* طالب: الذي اؤتمن أي الذي يعطي (...) ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ الذي يعطي (...) يعني إذا كنتم في الحضر فإن أمن بعضكم بعضًا (...).
* الشيخ: وأيش معنى ﴿اؤْتُمِنَ﴾ بس، ما نبغي إلا هذا؟
* الطالب: أي كان أمينًا.
* الشيخ: أي جُعل أمينًا، صح.
قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ إعرابه؟
* طالب: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فعل وفاعل.
* الشيخ: لا.
* طالب: نقول: الفاء على حسب ما قبلها أو عاطفة.
* الشيخ: لا، ما هي على حسب ما قبلها ولا عاطفة، هي على حسب ما قبلها لكن مفهومة؟
* طالب: واقعة في جواب الشرط.
* الشيخ: نعم، واقعة في جواب الشرط.
* الطالب: إنَّ حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم إن. و﴿آثِمٌ﴾ خبر مرفوع، و﴿قَلْبُهُ﴾ فاعل، وهو مضاف، والضمير مضاف إليه.
* الشيخ: صح. فيها وجه آخر؟ فيها وجه آخر.
* طالب: مبتدأ وخبر.
* طالب: (...)
* الشيخ: لا.
* طالب: مبتدأ.
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿قَلْبُهُ﴾ خبر، ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، ﴿آثِمٌ﴾ مبتدأ، ﴿قَلْبُهُ﴾ خبر، والجملة خبرها.
* الشيخ: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
* الطالب: إنه: إن واسمها.
* الشيخ: و﴿آثِمٌ﴾ خبرها.
* الطالب: لا، و﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ الجملة خبر، ما هي مبتدأ وخبر.
* الشيخ: وين المبتدأ فيها؟
* الطالب: ﴿آثِمٌ﴾.
* الشيخ: ﴿آثِمٌ﴾ هو المبتدأ؟
* الطالب: لا، ﴿قَلْبُهُ﴾.
* الشيخ: ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ، و﴿آثِمٌ﴾؟
* الطالب: خبره.
* الشيخ: خبره، يعني: فإنه قلبه آثم.
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ إلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن للسفر أحوالًا تخالف حال الحضر، وهو كذلك، له أحوال تخالف حال الحضر في العبادات والمعاملات وغيرها، ففي العبادات يختلف في الصلاة والصيام والطهارة، في المعاملات مر علينا الوصية في السفر إذا لم يجد الإنسان من يُشهده من المسلمين، فإنه يشهد كفارًا، إما أهل الكتاب أو عموم الكفار على القول الراجح، في غيرها: أن المسافر له دعوة لا تُرد؛ يعني السفر من أسباب إجابة الدعاء، فالمهم أن للسفر أحكاما تخالف أحكام أيش؟ الحضر، ومنها هذه الآية فيستفاد منها: أن الإنسان إذا كان مسافرًا وداين شخصًا ولم يجد كاتبًا، فإن الطريق لإثبات حقه أن يرهن أو أن يرتهن ويقبض الرهن، أن يرتهن ويقبض الرهن، مثال ذلك: أقرضت شخصًا وأنت وإياه في السفر وليس عندكما كاتب، فقلت: أعطني رهنًا أرتهنه للتوثق بحقي فأعطاك، واضح؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بحفظ أموال عباده؛ يعني: أن سبحانه وتعالى ذكر حتى هذه الصورة: أن الإنسان إذا داين غيره ولم يجد كاتبًا، فإنه يرتهن، حفظًا لماله وخوفًا من النزاع والشقاق في المستقبل، فينكر من عليه الحق وتحصل الخصومة والنزاع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الرهن؛ لقوله: ﴿فَرِهَانٌ﴾، ولكن ذلك مشروط حسب ما في الآية بالسفر، سواء كان قصيرًا أو طويلًا، وبأن لا نجد كاتبًا، فهل هذا الشرط معتبر؟
الجواب: دلت السنة على عدم اعتباره، لا عدم الكاتب ولا السفر، فقد« اشترى النبي ﷺ ثلاثين صاعًا من الشعير لأهله ورهن درعه عند يهودي حتى مات »[[أخرجه ابن ماجه (٢٤٣٧) وأحمد (١٣١٦٩) من حديث أنس.]]، وهذا يدل على جواز الرهن في الحضر حتى مع وجود الكاتب.
إذا قال قائل: إذا كان الأمر هكذا فما الجواب عن الآية؟
الجواب عن الآية: أن الله تعالى ذكر صورة إذا تعذر فيها الكاتب، فلدينا ما يثبت به الحق أو ما يتوثق به الحق وهو الرهن، فذكر هذه الصورة لا على أنها شرط للحكم، يعني: كأنه قال: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وإن كنتم في السفر وليس عندكم كاتب فأيش؟
* الطلبة: فارتهنوا.
* الشيخ: فارتهنوا، ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
نحن قلنا: جواز الرهن، وأظن سبق لنا تعريف الرهن، سبق في هذه الآية.
استدل بعض العلماء في هذه الآية على: أن من شرط صحة الرهن القبض، واستدل آخرون بهذه الآية على: أن من شرط لزوم الرهن القبض، ولم يعتبر آخرون هذا الشرط، فلدينا الآن ثلاثة أقوال: هل قبض الرهن شرط لصحته؟ هل قبض الرهن شرط للزومه؟ هل قبض الرهن من باب التوثقة أو من باب زيادة التوثقة وليس شرطا للصحة ولا للزوم؟
فهذه ثلاثة أقوال، فمن العلماء من يقول: إن قبض الرهن شرط للصحة؛ لأن الله قال: ﴿فَرِهَانٌ﴾ وصفها ما أطلقها قال: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾، وعلى هذا: فرهن بلا قبض لا يصح، وهذا قال به بعض العلماء، وهو رواية عن أحمد بن حنبل رحمه الله.
والقول الثاني: أن الرهن شرط للزوم، فالرهن يصح، لكن إن قبضه المرتهن صار لازمًا وإن لم يقبضه، فإن قبضه وكيله أو من اتفق عليه الراهن والمرتهن ليقبضه فالرهن أيضًا لازم، وإن بقي عند الراهن فالرهن غير لازم، وهذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثالث: أن القبض ليس شرطًا للزوم ولا للصحة، وأن الرهن يصح ويلزم بدون قبض إذا كان مُعينًا، وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه العمل.
لا بد أن نبحث: الآية الكريمة على أي الأقوال تدل، الذين قالوا: إن القبض شرط للصحة وأنك لو رهنت شيئا ولم تُقبِّضه، فالرهن غير صحيح والمرهون تتصرف فيه كما شئت، وإذا أردتما أن تعيدا الرهن فلا بد من عقد جديد، يقول: إن الله قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فوصفها بأنها مقبوضة، والوصف قيْد في الموصوف، فإن لم تكن مقبوضة فلا تصح.
والذين قالوا بأنها شرط للزوم، قالوا: لأن الرهن يتم بجميع شروطه وأركانه بدون قبض، فإذا قال: رهنتك هذه السيارة وشاهدها وعرفها، فقد تم العقد لتمام الشروط وانتفاء الموانع، وأما القبض فهو شرط للزوم، وعلى هذا: فإذا بقي عند الراهن، ثم جاء المرتهن من الصباح مثلًا من الليل أو ما أشبه ذلك وأخذه يحتاج إلى تجديد عقد؟ لا يحتاج؛ لأن العقد صحيح، لكنه ما دام عند الراهن فهو ليس بلازم، بمعنى أن الراهن له أن يتصرف في هذا الرهن بما شاء من بيع أو هِبة أو وقف أو غير ذلك.
وهؤلاء احتجوا لصحة العقد بأنه عقد تام الشروط واقع من أهله، فلزم أن يكون صحيحًا، وأما لزوم الرهن فلا يلزم إلا بالقبض؛ لقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
القول الثالث: قالوا: إنه ليس شرطًا للصحة –أي: القبض- قالوا: إن القبض ليس شرطا للصحة ولا شرطًا للزوم، وأن الرهن يصح ويلزم بدون قبض ولو كان عند الراهن، إذا كان المرتهن قد أذن ببقائه عند الراهن، قلنا: هذا القول هو الصحيح، وإذا كان هذا القول هو الصحيح فإننا نحتاج إلى الجواب عن أيش؟ عن الآية الكريمة.
الجواب عن الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ذكر الرهن في صورة لا يمكن أن يتم التوثق فيها به إلا بقبضه؛ لأن المسألة مفروضة، والمتعاملان أو المتداينان في السفر وليس عندهما كاتب، كيف يتوثق الدائن بدينه إلا برهن مقبوض؟ إذا لم يقبض قد ينكر من عليه الدين، قد ينكر أصل الرهن فيحصل النزاع، فلا يمكن أن يتوثّق بدينه إلا بقبض، فهي عبارة –أي: الآية الكريمة- عبارة عن قضية معينة القبض فيها من تمام التوثقة وليس بشرط.
ثانيًا: يقولون: ألستم قد ألغيتم قيد السفر مع أنه صريح في الشرطية؟ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾، فسيقولون: بلى، وسيقول بعضهم: لا؛ لأن بعض العلماء قال: لا يجوز الرهن إلا في السفر، وأخذ بالشرط والقيد، لكن من لم يأخذ به سيقول: نعم، ألغي شرط كونه في السفر؛« لأن النبي ﷺ رهن وهو في الحضر »[[أخرجه ابن ماجه (٢٤٣٧) من حديث أنس.]]، وهذا صحيح، لكننا نحتجّ به عليه ونقول: هذا دليل على أن الشروط المذكورة في الآية ليست شروطًا للصحة، لو كانت شروطًا للصحة ما رهن النبي ﷺ درعه في الحضر، ما رهنه في الحضر.
إذن فالقول الراجح هو: أن هذا من باب تمام التوثق فقط، وليس شرطًا للصحة ولا للزوم، وهذا هو الذي عليه العمل، ما زال الناس يرتهنون أموال المدينين وهي باقية عندهم، ربما تسمعون أن الشخص يُسلم في التمر أو في البُرّ على صاحب البستان ويرهن البستان أيضًا، وصاحب البستان لم يُقَبِّضْه اللي هو باقٍ فيه يعمل فيه، الآن الرهن صندوق التنمية العقاري البيوت مرهونة وهي عند من؟
* الطلبة: عند أصحابها.
* الشيخ: عند أصحابها، ولا يزالون يرون أن هذا رهن لازم تام، وهو كذلك.
* من فوائد الآية الكريمة: أن القول قول المرتهِن فيما إذا اختلفا في قدر الدين، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إن القول قول الراهن، ومنهم من يقول: إن القول قول المرتهِن، ومنهم من يُفصّل.
صورة المسألة: أعطيتك قرضًا مقداره عشرة آلاف ريال ورهنت السيارة، سيارتك وأخذتها أحرزتها عندي قبضتها؛ لأني خشيت إن بقيت في يدك أن تتلفها، فأبقيتها عندي، ثم عند طلب الوفاء زعم الراهن صاحب السيارة أن القرض خمسة آلاف ريال فقط، وأنا قلت: إنه عشرة، من القول قوله؟
* الطلبة: (...)
* الشيخ: فيه خلاف أو فيه تفصيل، قال بعض العلماء: إن القول قول الراهن، وهذا هو المذهب، القول قول الراهن من الراهن؟
* طالب: صاحب السيارة.
* الشيخ: المدين، صاحب السيارة، لماذا؟ قالوا: لأنه غارم، والقاعدة أن الغارم هو المقبول قولُه، وهذه القاعدة مأخوذة من قول الرسول ﷺ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه الترمذي (١٣٤١) والدارقطني (٣١٩١) من حديث من حديث عبد الله بن عمرو.]]؛ لأن الغارم مُدعًى عليه، فنحن مثلا في المثال اللي ذكرنا اتفقنا على خمسة آلاف أو لا؟
* طالب: عشرة.
* الشيخ: يا أخي، على خمسة، اتفقنا على خمسة أنا أقول: عشرة، والخمسة داخلة في العشرة، وأنت تُقر بها، إذن اتفقنا على خمسة آلاف أو لا؟ الخمسة الزائدة على الخمسة أنا مدعيها وأنت غارمها تنفيها، فالقول قول الراهن؛ لأنه غارم بناءً على هذا الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، كذا ولَّا لا؟
القول الثاني: أن القول قول المرتهِن، وعلّلوا ذلك بأن الله تعالى جعل الرهن بدلًا عن الكتابة: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، وإذا اختلف الدائن والمدين في قدر الدين نرجع إلى أيش؟ إلى الكتابة، فكما أن الكتابة الوثيقة اللي مكتوبة كما أنها حُجة للدائن، فكذلك الرهن حجة له، فيكون له بمنزلة الوثيقة، وهذا ظاهر كلام شيخنا عبد الرحمن في التفسير.
ولكن القول الثالث: التفصيل في المسألة وهو الصحيح، التفصيل يقول: إن القول قول المرتهِن ما لم يدعِ أكثر من قيمة الرهن، فهمتم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: القول قول المرتهن ما لم يدعِ أكثر من قيمة الرهن، فمثلًا هذه السيارة تساوي عشرة، وأنا أقول: أيها المرتهن، إن الدين عشرة، يقبل قولي، أنت تقول: خمسة وأنا أقول عشرة، يقبل قولي؛ لأن معي قرينة وهي: أن الغالب أن الإنسان لا يرهن شيئًا إلا إذا كان مقدار دينه أو أكثر، أو أقل، هذا بالنسبة للراهن، ما يعطي إلا مقدار دينه أو أقل، ما يعطي أكثر من دينه هذا الغالب، فإذا ادعى أن مقداره كذا وكذا وهو لا يزيد على ثمن أيش؟ الرهن، فالقول قول المرتهِن، وإن زاد فما زاد فالقول فيه قول الراهن، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومذهب الإمام مالك، وهو أقرب من القولين السابقين.
فإذا طبقنا هذه المسألة على القول بأنه القول قول الراهن، هذا الرجل رهن سيارة بعشرة آلاف ريال، ولما جئنا للتقاضي قال صاحب السيارة الراهن: إن دينك الذي تطلبني عشرة ريالات من القول قوله؟
* الطلبة: المرتهن.
* الشيخ: لا، على المذهب القول قول الراهن، هل جرى العرف بأن شخصًا يرهن سيارة تساوي عشرة آلاف ريال بعشرة ريال؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا، هذا شيء يكذبه الواقع؛ ولهذا نقول: إن قول شيخ الإسلام رحمه الله كما تشهد له القرينة يشهد له الواقع أيضًا، لو قبلنا قول الراهِن مطلقًا لأدى بنا أن نقول ما لا يصدقه أحد.
ولو ادعى المرتهن أيضًا ما لا يصدقه الواقع ما هو أكثر ما نقبل، لو أنه مثلًا أعطاه السيارة قيمتها عشرة آلاف ريال وعند الاستيفاء قال: إن الدين مليون ريال، يقبل؟
* الطلبة: لا يقبل.
* الشيخ: لأيش؟ لأنه ما جرت العادة أن شخصًا يعطي مليونًا من الدراهم ويرهن سيارة بعشرة آلاف ريال، هذا بعيد، بل ظاهر كلام * الشيخ: لو أنه ادَّعى أن الدين خمسة عشر ألف ريال وهي عشرة أنه لا يُقبل؛ لأنه ادعى ما قيمته ما هو أكثر من قيمة الرهن، فلا يُقبل.
ألا يمكن أن يقال في هذه المسألة: إن التفصيل على وجه آخر، وإنه إذا ادعى ما يُقارب، فالقول قوله ولو زادت على قيمة الرهن؟ يعني: مثلًا لو قال: إنه اثني عشر ألفا والرهن يساوي عشرة يمكن؟
* الطلبة: يمكن.
* الشيخ: يمكن؛ لأن هذا أحيانًا يقع يقول: أنا أرهن السيارة بعشرة ولا يضيع حقي كله، لكن على كل حال كلام شيخ الإسلام هو من أحسن الأقوال وهو الأرجح، وإن كان القول الثاني: إنه يرجع إلى القرائن قولًا قويًّا، لكن ما أدري هل قال به أحد أم لا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا حصل الائتمان من بعضنا لبعض لم يجب رهن ولا إشهاد ولا كتاب؛ لقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾؛ ولهذا قال كثير من العلماء: إن هذه ناسخة لما سبق من قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، ومن قوله: ﴿أَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وقوله هنا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، وأنه عند الائتمان لا يجب شيء من ذلك.
ولكن القول بأنها ناسخة على سبيل العموم فيه نظر، ولو قيل: إنها ناسخة فيما ليس فيه الخطر لكان له وجه، يعني: فيما جرت العادة بالتبادل فيه بدون إشهاد ولا كتابة لكان قولًا لا بأس به، أما أن نجعله في الأمور اللي فيها الخطر، عقارات أو ديون كثيرة عظيمة تحتاج إلى كتابة أو إشهاد، فالقول بأن هذه الآية ناسخة، في النفس منه شيء؛ ولهذا اعترض بعض العلماء على القول بأنها ناسخة وقال: كيف يكون ناسخة في سياق واحد أول الآية ثم يجيء آخرها ينسخ؟! ولكن هذا الاعتراض عليه اعتراض، فها هو الصيام في آيتين؛ الآية الأولى منهما تخيير، والثانية إلزام، يعني: فلا مانع من أن يكون النسخ في آيتين متجاورتين كما في هذه الآية.
لكن نحن نقول: إنه إذا كان الشيء هامًّا وله خطر، فإن الكتابة قد تكون واجبة لا سيما إذا كان الإنسان يتصرف لغيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب أداء الأمانة على من ائتمن.
ويتفرع من ذلك: تحريم الخيانة؛ لقوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فإذا وجب أداء الأمانة حرُمت الخيانة، كذا؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو تلفت العين بيد الأمين، فإنه لا ضمان عليه ما لم يتعدَّ أو يُفرط؛ لقوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فسماها الله أمانة، والأمين يده غير متعدية، فلا يضمن إلا إذا حصل تعدٍّ أو تفريط.
ومن التعدي: إذا أُعطي الإنسان أمانة للحفظ تصرّف فيها كما يفعل بعض الناس، يُعطى أمانة للحفظ ثم يتصرف فيها ببيع أو شراء أو غير ذلك، ويقول: إذا جاء صاحبها فأنا مستعد أن أعطيه، نقول: هذا حرام ما يجوز، لا يجوز لك أن تفعل هذا، إذا أردت أن تفعل فاستأذن من صاحبها، وإذا أذن لك صارت عندك قرضًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على هذا الذي ائتمن أن لا يغتر بثقة الناس به؛ لقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، فإن الإنسان إذا ائتمن ربما يغتر بثقة الناس به ولا يهتم بالأمور، فيقول: الناس واثقون بي، ولا يهتم، فأمره الله تعالى بأن يتقي الله قال: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ﴾.
والتقوى سبقت لنا مرارًا بأنها: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره وترك نواهيه.
قال: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ﴾، وأردفها بقوله: ﴿رَبَّهُ﴾، ففيه فائدة، وهي: أن الإنسان في هذه المقامات ينظر إلى مقام الربوبية كما ينظر إلى مقام الألوهية، فبنظره إلى مقام الألوهية يفعل هذا تعبدًا لله تعالى وتقرُّبًا له، وبالنظر إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلق والملك والتدبير، فلا بُدَّ أن يقرن الإنسان بين مقام الألوهية ومقام الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان، وهما: الله والرب، وهو توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، ويتضمنان توحيد الأسماء والصفات؛ لأن المعبود لا بد أن يكون أهلًا للعبادة، والرب لا بد أن يكون أهلًا للربوبية، ولا يتحقق ذلك إلا بكمال الصفات؛ ولهذا نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، والتوحيدان يتضمنان توحيد الأسماء والصفات؛ إذ لا يُعبد إلا من كان متصفًا بصفات الكمال؛ ولهذا قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢].
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
يستفاد من الآية الكريمة: تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها، وهل المراد الشهادة على الغير، أو على الغير والنفس؟
* الطلبة: تشمل الاثنين.
* الشيخ: تشمل المعنيين؛ لأن الإنسان يشهد على نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء ١٣٥]. وشهادته على نفسه إقراره واعترافه بالحق الذي عليه، فالآية فيما يظهر شاملة للأمرين: شهادة الإنسان لغيره على غيره، ولغيره على نفسه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كتم الشهادة من الكبائر لوجود العقوبة الخاصة بها، وهي قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
* ومن فوائدها: عظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب، وإذا أثم القلب أثمت الجوارح؛ لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير. ]]، ولقوله: «التَّقْوَى هَاهُنَا»[[أخرجه مسلم (٢٥٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
التقوى في القلب، ليست التقوى في اللسان ولا في الأفعال ولا في الأحوال، التقوى في القلب، قد يكون الإنسان مُتقيًا بفعله، متقيًا بقوله، غير مُتقٍ بقلبه.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة ٢٨٣].
* يستفاد من الآية الكريمة: تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها.
وهل المراد الشهادة على الغير، أو على الغير والنفس؟ تشمل المعنيين؛ لأن الإنسان يشهد على نفسه كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء ١٣٥]. وشهادته على نفسه إقراره واعترافه بالحق الذي عليه، فالآية فيما يظهر شاملة للأمرين: شهادة الإنسان لغيره على غيره ولغيره على نفسه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كتم الشهادة من الكبائر لوجود العقوبة الخاصة بها وهي قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
* ومن فوائدها: عِظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب، وإذا أثم القلب أثمت الجوارح لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] ولقوله: «التَّقْوَى هَاهُنَا»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٤ / ٣٢).]] التقوى في القلب ليست التقوى في اللسان، ولا في الأفعال، ولا في الأحوال، التقوى في القلب، قد يكون الإنسان متقيًا بفعله، متقيًا بقوله غير متقٍ بقلبه، ولَّا لا؟
تجده بفعله يتزيَّا بزي المسلم الخالص من إعفاء اللحى، والوقار، والسكينة، وكذلك يقول قول المسلم الخالص: أستغفر الله، اللهم اغفر لي، ويذكر، ويُهلل، ويُكبر، هذه لا شك أنها تقوى في الظاهر، لكن هل هي دليل على أن في الباطن تقوى؟
* طالب: الغالب.
* الشيخ: الغالب نعم، هذا وهو بالنسبة لنا هو الحكم؛ يعني بالنسبة لنا إذا رأينا تقواه ظاهرًا وجب علينا أن نحكم بتقواه باطنًا، يعني ما لنا إلا الظاهر، ولهذا قال الرسول ﷺ لأسامة بن زيد حين قتل المشرك الذي قال: لا إله إلا الله وبارقة السيف على رأسه قال له: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟». قال: نعم، وما زال يقولها حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم بعد[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد.]] فنحن ما لنا إلا الظاهر، لكن إذا دلت الدلائل أو شهدت الشواهد على أنه منافق في الباطن لم ينتفع بتقواه الظاهرة، لم ينتفع ولا يعتبر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١] شوف أكدوا الجملة بثلاث مؤكدات، الشهادة وأيش بعد؟ و(إن) و(اللام) ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ هذا وأيش نحكم بالظاهر؟ أنهم مؤمنون تمامًا، ولهذا أكدوا، لكن شوف المؤكد هذا أُكد بمقابل ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ شهادة بشهادة، وتوكيد بتوكيد، وتوكيد بتوكيد، ﴿يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ تأمل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ قبل أن يقول: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ لأجل أن لا يتبادر إلى الذهن ما لا ينبغي حتى يُعلم أن الرسول حق بعلم الله عز وجل، وأن شهادة هؤلاء شهادة كذب، المهم أن الله قال: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وقلت لكم: إن هذه تتضمن توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
* طالب: رجل أقرض آخر ألف ريال، ثم جحده الذي اقترض، ثم جاء اللي اقترض ائتمن هذا الشخص بعد زمن بما اقترض بألف، هل جزاؤه أن يخونه؟
* الشيخ: قال النبي ﷺ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٥) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: ما هو الحق؟
* الشيخ: ما هو حق، حق خفي، أقول: هذا حق خفي، ما يجوز بخلاف الإنسان الذي لا ينفق عليك وهو ممن تجب نفقته، فهذا إذا قدرت على شيء من ماله فخذ.
* طالب: شيخ، أليس هذا من تغيير المنكر؟
* الشيخ: لا يا أخي، تغيير المنكر أنك تيجي تنصحه، تقول له: اتقِ الله، أعطني الأمانة، أما أن تخونه لا.
* الطالب: شيخ، معلوم من الفساق أنهم يحتجون بهذا الحديث؟
* الشيخ: نعم، أحسنت، لا يقول لك يحتج بهذا الحديث ويضرب بأطراف أصابعه على صدره حتى يكاد ينخفس من شدة التحقيق «التَّقْوَى هَاهُنَا»[[سبق تخريجه.]]. نقول له: صدقت. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «التَّقْوَى هَاهُنَا» ولكن الذي قال: «التَّقْوَى هَاهُنَا» هو الذي قال: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[سبق تخريجه.]]، ففساد ظاهرك دليل على فساد باطنك شئت أم أبيت.
* طالب: شيخ، قول الذين يقولون: إن الرهان لا بد أن يكون مقبوضة، يشترطون في الرهان أن تكون مقبوضة؟
* الشيخ: لصحتها أو للزومها؟
* الطالب: لصحتها، رددنا عليهم (...) السفر؛ يعني الله عز وجل اشترط في الآية السفر، وهم يردون علينا بأننا أخرجناه بمخرج وهو الرسول ﷺ فعل ذلك في الحضر، كيف نرد عليهم؟
* الشيخ: رددنا عليهم قلنا: هذا دليل على أن هذه القيود ليست شرطًا في صحة الحكم، لكنها تصير لقضية واقعة، وإلا لو كانت شرطًا لكان أول الآية أشد شرطية من آخرها.
* الطالب: لكن إذا أخرج الشرط مخرج، وهو فعل الرسول ﷺ؟
* الشيخ: دل على أنها غير معتبرة.
* الطالب: لماذا يدل على أنه فقط فقد هذا الشرط وباقي (...)؟
* الشيخ: ما يدل على هذا؛ لأنه وأيش الذي أخرج هذا؟
* الطالب: السنة.
* الشيخ: طيب، وأيش الذي أخرج هذا القيد من القرآن بالسنة؟
* طالب: فِعل الرسول ﷺ.
* الشيخ: طيب، إذن معناه أن هذه الشروط ما هي إلا لزيادة التوثقة فقط، مثل ما جاءت السنة ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة ٢٨٢] جاءت السنة بشهادة رجل واحد مع اليمين.
قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ سبق لنا الكلام على هذا، وبينا أن الله أضاف الإثم إلى القلب؛ لأن القلب بصلاحه يصلح الجسد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (ما) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم فيشمل كل ما نعمل من أعمال القلوب وأعمال الجوارح؛ أعمال الجوارح أفعال بالأركان وأقوال باللسان، وأعمال القلوب حركة القلب بالمحبة والبغض والخوف والرجاء وما أشبه ذلك، كذلك أيضًا أقوال القلوب وهي التصديق والإقرار والطمأنينة بالشيء، فهذه أربعة أشياء: أقوال القلوب وأعمالها، وأقوال الجوارح وأعمالها، أقوال الجوارح مخصوصة باللسان هو الذي يقول، هو الذي ينطق، وأقوال القلب قلنا: هو الإقرار والاعتراف؛ يعني الإيمان بالشيء والتصديق والطمأنينة به، هذا قول القلب، أعمال الجوارح هي الأفعال كالقيام والقعود والركوع والسجود وما أشبهها، أعمال القلوب؛ حركة القلب بالخوف والرجاء والتوكل والمحبة والكراهة، وما أشبه ذلك، فالأعمال كلها تدور على هذه الأقسام الأربعة، وهي أعمال القلوب وأقوالها، وأعمال الجوارح وأقوالها، وإلى هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية حيث قال: ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
فقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يشمل هذا كله، كل ما نعمل فالله سبحانه وتعالى عالم به، بل زد على ذلك أنه يعلم ما لم نعمل مما سنعمل، ونحن لا نعلمه، فإن الله تعالى يعلم ما سيكون على الكيفية التي يكون عليها.
وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ إذا قال قائل: ما فائدة التقديم هنا؟
إن قال: لمراعاة الفواصل، قلنا: والنون تأتي في الفواصل كثيرًا، مثل: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف ١٩]. وإن قال: للحصر، قلنا: لا يصح؛ لأن الله يعلم كل شيء، لا يختص علمه بما نعمل فقط فلا وجه للحصر.
إذن ما الفائدة؟ الفائدة: شدة التحذير والتنبيه كأنه يقول: لو لم يعلم شيئًا -وحاشاه من ذلك- لكان عالِمًا بعملنا، فمن قوة التحذير والإنذار صِيغ الأسلوب مَصاغ أيش؟ الحصر، وهو قطعًا لا يراد به الحصر؛ لأننا لو أردنا به الحصر لكان هذا يقتضي أن الله لا يعلم إلا ما نعمله والأمر ليس كذلك.
وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ إذا قال قائل: هل نستفيد من هذا أن من أسماء الله العليم؟ قلنا: ربما نقول ذلك وقد لا نقوله، قد نقول: إن الاسم إذا قيد بمتعلَّق فإنه ينقلب إلى وصف، فيكون عليم بكذا ليس كقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة ١٣٧]؛ لأن هذا قُيد، عليم به، فكان وصفًا وليس اسمًا، أما لو قال: وهو العليم الحكيم لكان هذا اسمًا بلا شك.
من فوائد الآية الكريمة: التهديد بكون الله سبحانه وتعالى عالِمًا بما نعمل، وجه التهديد تقديم المعمول؛ لأنه -كما أشرنا- لا يفيد الحصر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على غلاة القدرية الذي يقولون: إن الله لا يعلم بأعمال العباد إلا إذا وقعت، فإن قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يتضمن ما قد عملناه بالفعل وما سنعمله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التحذير في مقام التحذير والترغيب في مقام الترغيب؛ لأنه لما قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فالمناسب هنا التحذير أو الترغيب؟
* طالب: التحذير.
* الشيخ: المناسب التحذير، وهذا مطابق للبلاغة.
البقرة 2:284
ثم قال الله عز وجل: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ جملة خبرية قُدم فيها الخبر، وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ جملة شرطية، جوابها: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
وقوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء فيما دون الكفر كما سيأتي إن شاء الله.
وفيها قراءتان، قراءة: ﴿فَيَغْفِرْ﴾ ﴿وَيُعَذِّبْ﴾ وقراءة بالرفع، وجهها؛ أي وجه الآية على قراءة الجزم واضح جدًّا؛ لأنه معطوف على ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ الذي هو جواب الشرط، والمعطوف على المجزوم مجزوم، ووجه قراءة الرفع أنه على سبيل الاستئناف، فالفاء استئنافية تفيد قطع الجملة التي بعدها عما قبلها.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني أنه قدير على كل شيء، فلا يعجزه شيء.
نبدأ في الآية: قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني أن كل شيء في السماوات أو في الأرض فهو لله ملكًا وتدبيرًا، وليس لأحد غيره فيه ملك، ودليل اختصاص ملكه بالله: تقديم الخبر؛ لأن لدينا قاعدة، وهو أنه إذا قُدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر، كل شيء حقه التأخير إذا قُدم فالجملة مفيدة للحصر.
وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل ما في السماوات من العاقل وغير العاقل، فيشمل بني آدم والجن ويشمل الحيوانات الأخرى، ويشمل الأشجار والبحار والأنهار وغير ذلك، وكذلك ما في السماوات يشمل ما فيها من الملائكة وأرواح بني آدم التي تكون في السماء كأرواح المؤمنين في الجنة، بل ويشمل ما بين السماء والأرض من الأفلاك والنجوم وغير ذلك؛ لأنها داخلة في السماوات فإنها في جهتها.
قال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ﴿تُبْدُوا﴾ بمعنى تظهروا، ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما في قلوبكم. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يعني تسرونه، فلا يطلع عليه أحد، فأما ما أبداه الإنسان مما في نفسه فمثل أن يريد أن يقول قولًا فيقوله، يريد أن يفعل فعلًا فيفعله ويشاهده الناس، والإخفاء أن يريد أن يقول قولًا فيسره في نفسه ولا يطلع عليه أحد، أو يريد أن يفعل فعلًا فيفعله فيتحرك بحركات لا يطلع عليها أحد كما لو نظر إلى شيء محرم فالناس لا يعرفون أنه نظر إلى شيء محرم؛ لأن هذا مما لا يطلع عليه إلا الله، فالمهم أنه سواء أبداه الإنسان أو أخفاه ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، والمحاسبة لا تستلزم العقوبة، ولهذا قال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، فهو يحاسب العبد على ما في نفسه سواء أبداه أم أخفاه يحاسبه فيقول: عملت كذا، يعني قلت: كذا في نفسك، أضمرت كذا في نفسك، إذا أظهره حاسبه الله عليه.
حساب الله الإنسان على ما أظهره واضح؛ لأنه عمله وفعله، وقاله إن كان قولًا، لكن حساب الله على ما في نفسه مما لم يظهره نقول: إن هذا ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن يخفي شيئًا ويهم به، ولكن لا يركن إليه ولا يطمئن إليه ولا يصدق به، وهذا كالوساوس التي ترد على قلب الإنسان من الشكوك وغيرها من إرادة السوء، ولكن لا يكون لها أثر في القلب، فهل يحاسب عليه أو لا؟ نقول: إن ظاهر الآية الكريمة أنه يحاسب عليه إذا أخفى شيئًا وإن لم يركن إليه ويطمئن فإنه يحاسب.
القسم الثالث.. الإبداء، الإخفاء من غير أن يركن إليه. القسم الثالث: الذي لم يُبدَ ولم يظهر، لم يركن إليه، ولكنه حدث به نفسه وأضمره لكنه لم يركن إليه مثل أن تحدثه نفسه بفعل معصية، مجرد حديث لكن ما ركن إليه، ولا فعل الأسباب التي توصله إليه، أو تُحدثه نفسه عما يتعلق بصفات الله عز وجل والإيمان به، ولكن لم يركن إلى هذا ولم يطمئن، لا، قصدي أنه ركن إليه واطمأن إليه، فهذا لا شك أنه يحاسَب على هذا الشيء، مثل: حدثته نفسه أن استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على السرير وركن إلى ذلك واطمأن إليه، لكن لم يبده ولم يظهره للناس، القسم الأول أظهره، وصار يقول للناس هكذا: إن استواء الله على عرشه كاستواء الإنسان على السرير والبعير. والقسم الثالث: حدَّث نفسه بهذا ولكن لم يطمئن إليه ورفضته نفسه ولم يقبله.
وظاهر الآية الكريمة أن جميع الأقسام الثلاثة يحاسب عليها، هذا ظاهر الآية الكريمة، ولهذا لما نزلت هذه الآية كبُر ذلك على الصحابة وشق عليهم وقالوا: إذن نهلك، فأنزل الله تعالى الآية التي بعدها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. وصار الإنسان لا يؤاخذ على ما في نفسه إلا على ما ركن إليه واطمأن به، أما مجرد حديث النفس بدون طمأنينة وركون فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٦٤) ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]] فرفع الحرج عن الأمة، فهمنا الآن؟ الآية الكريمة ظاهرها أن الإنسان يحاسب على الأمور الثلاثة: ما أبداه، ما أخفاه وركن إليه، ما أخفاه ولم يركن إليه، لكن الأخير نُسخ بالآية التي بعدها، وكذلك بالأحاديث الدالة على أن الإنسان لا يحاسب على مجرد حديث النفس.
قال: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ المحاسبة معناه أن الإنسان يناقَش على ما فعل، ويقال: فعلت كذا في يوم كذا، تركت كذا في يوم كذا فيناقش، هذه المحاسبة، المحاسبة التامة، أما المحاسبة اللي ما فيها مناقشة وإنما فيها إطلاع الإنسان على فعله فهذه محاسبة يسيرة كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٧، ٨].
قال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿يَغْفِر﴾ المغفرة مأخوذة من (الْمِغْفر) وهو ما يضعه الإنسان في القتال على رأسه يتقي به السهام، وهذا -أعني المغفر- يجمع بين الستر والوقاية، ولهذا نقول: إن مغفرة الله للذنب تتضمن شيئين؛ أحدهما: الستر، والثاني: العفو والوقاية من أثر الذنب، أما الستر فمعناه أن الله يُخفي عن العباد ذنب هذا المذنب ولا يُطلع عليه، وأما العفو والتجاوز فمعناه أن الله لا يعاقِب هذا المذنب، لا يعاقبه؛ لأنه غفر له، إذن المغفرة هي ستر الذنب، وأيش بعد؟ والتجاوز عنه والعفو وعدم المعاقبة عليه وليست مجرد الستر؛ لأنها مأخوذة من (الْمِغْفَر).
وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: هذه من صيغ العموم؛ يعني من شاء الله أن يغفر له غفر، ومن شاء أن لا يغفر لم يغفر، ولكن سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن كل فعل من أفعال الله مُعلق بالمشيئة فإنه تابع لحكمة إن اقتضته حصل، وإن لم تقتضه لم يحصل بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. وعليه فيغفر لمن يشاء ممن اقتضت حكمته أن يغفر له، ويعذب من يشاء ممن اقتضت حكمته أن يعذبه.
وقوله: ﴿يُعَذِّبُ﴾ العذاب هو التألم من الشيء والتضجر منه، وقد يكون عقوبة، وقد لا يكون عقوبة، قد يكون عقوبة يعاقَب بها الإنسان وتكون بقدر ذنبه بلا زيادة، وهي قابلة للنقص، وقد لا تكون عقوبة بل مجرد ألم، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ، أَوْ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٨٧) ومسلم (٩٢٧ / ١٦) من حديث عمر بن الخطاب.]] فإن هذا العذاب ليس عذاب عقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤] ولكنه عذاب تألم، تألم وتوجّع، فهو نظير قوله ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ». وأحيانًا تقول: عذبتني رائحة البصل، عذبتني رائحة الدخان، مع أنها ليست عقوبة ولا فيها ضرر، لكنها تؤذي.
والمراد بقوله هنا: ﴿يُعَذِّبُ﴾ أي القسمين؟ العذاب الذي هو عقوبة؛ لأنه على ذنب، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بالعقوبة.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الله على كل شيء قدير مما يمكن أن يكون، كل شيء ممكن فالله قدير عليه بدون استثناء حتى على أفعال نفسه هو قادر، قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا وعلى أن يستوي على العرش، وعلى أن يجيء للفصل بين العباد، وعلى أن يضحك، وعلى أن يفرح، ويغضب ويرضى، كل ذلك الله قادر عليه بدون استثناء، وأما ما لا تتعلق به القدرة من الأمور المستحيلات، فهذا لا يمكن.
لو قال قائل: هل الله قادر على أن ينسي نفسه شيئًا مما علمه وهو يعلم كل شيء؟ قلنا: هذا مستحيل.
لو قال قائل: هل الله يقدر على أن يمرض نفسه عز وجل؟ قلنا: هذا مستحيل.
لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض كلها في جوف بيضة وهي على ما هي عليه والبيضة على ما هي عليه؟ قلنا: هذا مستحيل.
المهم أن القدرة تتعلق بالشيء الممكن، أما المستحيل فهو مستحيل، المستحيل مستحيل، ومن علق القدرة بشيء مستحيل فإن هذا نوع من الاستهزاء بالله عز وجل، كما لو قلت لإنسان: أنت تستطيع أن تنزل القمر في الأرض؟ يستطيع ولَّا ما يستطيع؟
* الطلبة: ما يستطيع.
* الشيخ: ما يستطيع أتهكم به، يكون هذا تهكم بالإنسان. (...)
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٥، ٢٨٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل أن نبدأ درس اليوم نأخذ الفوائد على ما سبق في الآية الباقية، وهي قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
ففي هذه الآية الكريمة: بيان عموم ملك الله عز وجل، وجه ذلك من قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم.
البقرة 2:285
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره.
فسرنا قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وفسرنا: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره، كذا ولَّا لا؟
قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني آمن بما أنزل إليه من الوحي في كتاب الله وفيما يُوحي إليه من سنة رسوله ﷺ.
وفي قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ربوبية خاصة؛ لأنها أُضيفت إلى الرسول ﷺ، والربوبية المضافة إلى الرسل هي أخص أنواع الربوبية، ويليها الربوبية المضافة إلى المؤمنين، ثم أعمها الربوبية المضافة إلى جميع الناس، مثل: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، هذه الربوبية الخاصة لا شك أنها تقتضي تربية خاصة لا يماثلها تربية أحد من المربوبين.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ بالرفع عطفًا على قوله: ﴿الرَّسُولُ﴾ يعني: والمؤمنون كذلك آمنوا بما أنزل على النبي ﷺ من الله، فيؤمنون بالرسول، ويؤمنون بالمرسِل، ويؤمنون بالمرسَل به، ثلاثة أشياء: المرسِل وهو الله، المرسَل وهو الرسول ﷺ، المرسَل به، وهو الوحي؛ الكتاب والسنة.
وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، إذا قال قائل: كيف قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فوصفهم بالإيمان مع أنهم مؤمنون؟ فنقول: هذا من باب التحقيق، يعني أن المؤمنين حققوا الإيمان، وليس إيمانهم إيمانًا ظاهرًا فقط كما يكون من المنافق الذي يُظهر الإيمان، ولكنه مبطن للكفر.
﴿كُلٌّ﴾ يعني من الرسول والمؤمنين ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (آمن) مرت علينا كثيرًا بأن المراد بها الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإيمان بوجود الله فقط، هذا ليس بإيمان حتى يستلزم قبول ما جاء به أو قبول ما أخبر به وما أمر به مع الإذعان والتسليم.
وقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور؛ الأمر الأول: الإيمان بوجوده، والثاني: الإيمان بربوبيته، والثالث: الإيمان بألوهيته، والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد أن يكون الإيمان متضمنًا لهذه الأشياء الأربعة، الإيمان بوجود الله احترازًا من الذين أنكروا وجود الله، وقالوا: إن هذا الكون ما هو إلا أشياء تتفاعل ويأتي بعضها ببعض أرحام تدفع، وأراضٍ تبلع، وليس هناك شيء والعياذ بالله، لا بد أن نؤمن بوجود الله عز وجل، ولا بد أن نؤمن بربوبيته، وهنا عندما نقول: نؤمن بربوبيته؛ يعني بانفراده بالربوبية، وأنه الرب المطلق، وربوبية ما سواه مقيدة ليست شاملة ولا عامة ولا كاملة بل هي ناقصة مقيدة أيضًا، ناقصة من حيث حدودها وناقصة من حيث سلطانها، أما ربوبية الله عز وجل فإنها كاملة واسعة، لا معقب لحكمه وهو السميع العليم.
الثالث: الإيمان بألوهيته؛ الألوهية الحق، ولا ألوهية لغيره، وكل ما ادُّعيت فيه الألوهية فإنه باطل كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته؛ بأن له أسماء وصفات انفرد بها، لا يماثله أحد فيها، فنثبت الأسماء والصفات وننفي المشاركة أو المماثلة؛ لأن هذا هو حقيقة التوحيد.
إذن من لم يؤمن بوجود الله فليس بمؤمن، من آمن بوجوده دون ربوبيته بأن قال: إن له مشاركًا أو معينًا في خلق السماوات والأرض، أو أن هناك إلهًا آخر منفردًا بما خلق، فنقول: إن هذا لم يؤمن بالله، ومن آمن بوجود الله وربوبيته، وأنه منفرد بالربوبية الكاملة، لكن أنكر ألوهيته بأن قال كما قال الكفار: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥] فإنه لم يؤمن بالله، من آمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته، لكن لم يؤمن بأسمائه وصفاته فإنه لم يؤمن بالله، قد يكون إيمانه معدومًا وقد يكون ناقصًا حسب ما قام عنده من الإيمان والتصديق أو الإنكار والتكذيب.
إذن الذين يؤمنون ببعض الأسماء دون بعض، نقول: لم يحققوا الإيمان بالله، والذين يؤمنون بالأسماء دون الصفات لم يحققوا الإيمان بالله، والذين يؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض لم يحققوا الإيمان بالله، ثم إن كان إنكارهم لما أنكروه من ذلك تكذيبًا وجحودًا فهم أيش؟
* الطلبة: كفار.
* الشيخ: كفرة، وإن كان تأويلًا فليسوا بكفار، ولكن ينظر في تأويلهم هل له مساغ أو يكون تأويلًا يُنزل منزلة الإنكار فيُحكم لهم بما يقتضيه حالهم.
لو قال قائل: كيف نقيم الأدلة على وجود الله عز وجل؟ قلنا: نقيمها من عدة أوجه؛ بالحس، والعقل، والشرع والفطرة، أما العقل فلأننا نقول: هذه الموجودات الكائنات التي تتغير صباحًا ومساءً بعدم، ووجود، وتغير حال، من الذي يغيرها؟ ننظر من؟ يغيرها فلان أو فلان أو فلان؟! أبدًا، لا يستطيعون أن يغيروا بل هم مغيَّرون، إذن لا بد لهذه الكائنات من مكون محدِث مغير، ولا نجد إلا الله عز وجل، لا نجد إلا الله، ولهذا أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]. نجد السماوات والأرض، من خلق هذه الأرض؟ هل هم عمال خلقوها وأوجدوا فيها الرمال والجبال والأودية والأنهار والبحار؟
الجواب: لا، لو اجتمعت الدنيا كلها بعمالها ما استطاعوا ذلك؛ إذن لا بد لها من خالق، السماوات كذلك وأعظم لا أحد يستطيع خلقها إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور ٣٦]. والجواب: لا، ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. هذا دليل عقلي على وجود الله ولا أحد ينكره.
لو قال لك قائل: هذه اللمبة ما صنعها أحد، وأيش تقول؟ تقول: عجلوا بهذا الرجل إلى المارستان؛ لأنه مجنون، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولو قال: هذا المسجل ما صنعه أحد، قلنا: كذلك، ولهذا يذكر أن طائفة من السمنية من ملاحدة من الهنود جاؤوا إلى أبي حنيفة في بغداد قالوا له: يعني كيف نثبت وجود خالق؟ فأطرق وسكت وقالوا: أجب؟ ظنوه قد انقطع وعجز، قال: أنا أفكر في سفينة أرست في ماء الفرات أو دجلة بدون أن يكون لها ملاح، ونزلت الحمل بدون عمال، وانصرفت بدون قائد، شوفوا هل هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟
* الطلبة: غير ممكن.
* الشيخ: هو يقول لهم كذا، فشوفوا ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ قالوا: ما يكون هذا، تصور هذا جنون، معقول أن السفينة تيجي محملة وتنزل حملها وتروح بدون الملاح وبدون عمال؟! قال: والله إذا كان أنكم تدعون أن السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وُجدت بلا مُوجد وتسير بلا مسيِّر فإن هذه السفينة أهون، ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف ١١٩]، إذن هذا دليل عقلي.
الدليل الحسي على وجود الله أيضًا واقع، من أكبر شواهده إجابة الدعوة، إذا دعا الإنسان ربه أجابه، والقرآن مملوء بهذا، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ٩ - ١١] لما قال: يا رب إن قومي كذبون ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح ٢٦] أجابه الرب وأرسل عليهم الطوفان، ففتح أبواب السماء بماء منهمر ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] فغرقوا عن آخرهم إلا من آمن، هذا يدل على عدم وجود الرب ولَّا على وجوده؟
* الطلبة: على وجوده.
* الشيخ: على وجوده، وما زال هذا أمرًا محسوسًا مشهودًا ملموسًا، حتى الإنسان يدعو ربه بأمر، ثم يراه بعينه رأي العين قد حصل، إذن دل على وجود الله عز وجل أيش؟ الحس والواقع.
أما الفطرة فإن كل إنسان لم تجتله الشياطين ولم تغيره البيئة يعترف اعترافًا ضروريًّا بأن له خالقًا انفرد بخلقه بدون أن يسأل أحدًا، لكن قد تفسده البيئة وتجتاله الشياطين فينكر هذا، بقينا بإيه؟
* الطلبة: الشرع.
* الشيخ: الرابع: الشرع والكتاب السنة والكتب السابقة كلها مملوءة بإثبات وجود الله عز وجل، ولهذا لا يمكن أن تقوم قدم ملحد على إنكار الرب إلا على سبيل المكابرة، والإنسان المكابر مشكلة ما فيه علاج، اللي يكابر فيقول: ليست هذه الشمس الشمس يمكن تعالجه وتقنعه؟ لا يمكن، وأما الإيمان بالربوبية والإيمان بالإلوهية والإيمان بالأسماء والصفات فأمرها واضح، إن الله رب كل شيء ومليكه ومدبره ومتصرف فيه.
ثم قال الله عز وجل: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ يعني: وآمن بملائكته، الرسول والمؤمنون كلهم آمنوا بملائكة الله، والملائكة قال النحويون: إنها جمع (مَلْأَك) الذي أصله (مَأْلَك)؛ لأنه من (الأَلُوكَة)، وهي الرسالة، وقالوا: إن فيه تقديمًا وتأخيرًا في حروفه، إعلالًا بالتقديم والتأخير. الملائكة رسل كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] وهم ذوات أو أرواح ومعاني؟
* الطلبة: ذوات.
* الشيخ: ذوات، يُشاهَدون لهم أجنحة، ثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها له ست مئة جناح قد سَدَّ الأُفُق »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣٢) ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود بنحوه.]]، ست مئة جناح قد سد الأفق، كيف يكون سرعة هذا الملك؟ سرعته عظيمة كلمح البصر؛ لأن ست مئة جناح كلها تطير بقوة هائلة معناها أنه يعني أسرع من لمح البصر، ولهذا جعله الله تعالى هو السفير بينه وبين الرسل يرسله بالوحي.
الملائكة خُلقوا من نور، كما ثبت ذلك في الصحيح[[أخرجه مسلم (٢٩٩٦ / ٦٠) من حديث عائشة.]]، الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صمد ليس لهم أجواف، حتى يحتاجون إلى الأكل والشرب، وإنما ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] يعني لا يسأمون ولا يملون ولا يتعبون؛ لأنه ليس هناك شيء يُذهب طاقتهم وينقصها، ولهذا لا يحتاجون للأكل والشرب.
الملائكة أقسام في وظائفهم منهم الموكَّل بالوحي؛ وهو جبريل، والموكل بالقطر والنبات؛ وهو ميكائيل، والموكل بنفخ الصور وبحمل العرش؛ وهو إسرافيل، والموكل بالجنة؛ وهو رضوان، وبالنار؛ وهو مالِك، وبالموت؛ وهو ملك الموت، وأما ما جاء من تسميته بـ (عزرائيل) فهذا لا يصح، لكن هو ملك الموت كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١].
ومنهم من يعبدون الله تعالى ليلًا ونهارًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢) وابن ماجة (٤١٩٠) من حديث أبي ذر. ]] وهذا يدل على كثرتهم، ومنهم الموكلون ببني آدم بحفظ أعمالهم يكتبونها ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧]، ومنهم الموكلون ببني آدم بحفظهم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد ١١]. وكل ما جاء في الكتاب والسنة من هذه الأعمال والأوصاف بالنسبة للملائكة فإنه يجب علينا الإيمان به وقبوله متى صح في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ.
وقوله: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ وفي قراءة: ﴿وَكَتَابِهِ﴾ فأما على قراءة (كُتُب) فلا إشكال؛ لأن الكتب كثيرة، وأما على قراءة الإفراد ﴿وَكَتَابِهِ﴾ فهو مفرد مضاف فيفيد العموم.
والكتب المنزلة على الأنبياء الذي يظهر من نصوص الكتاب والسنة أنها بعدد الأنبياء كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥] ﴿أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾.
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. ولكن مع ذلك نحن لا نعرف على التعيين إلا عددًا قليلًا منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى إن كانت غير التوراة، وإن كانت هي التوراة فالأمر ظاهر، نعرف هذه ونؤمن بها بأعيانها والباقي نؤمن به على سبيل الإجمال.
ولكن كيف الإيمان بهذه الكتب؟ نقول: الإيمان بالقرآن إيمان بأنه من عند الله وأن الله تكلم به حقيقة بلفظه ومعناه، فهو كلام الله تعالى الحروف والمعاني، هذا واحد، نؤمن أيضًا بكل خبر أخبر الله به في القرآن.
ثالثًا: نقبل كل حكم حكمَ الله به في القرآن.
رابعًا ننفذ كل حكمٍ حكمَ الله به في القرآن.
هذه أربعة أشياء الأول نعيدها مرة ثانية: أن القرآن من عند الله نزل من الله، وأنه كلامه الحروف والمعاني.
ثانيًا: نصدق بكل خبر في الكتاب.
ثالثًا: نقبل كل حكم ما نرفضه.
رابعًا: ننفذ الأحكام؛ لأن هناك فرقًا بين القبول والتنفيذ، قد أنفذ ولا أقبل، وقد أقبل ولا أنفذ كيف؟ قد يقبل الإنسان أن الصلاة فريضة لكن ما ينفذها، وقد ينفذ الصلاة لكن لا يقبل أنها فرض يقول: هي تطوع، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها؛ ولهذا كانت الأحكام الشرعية لا بد فيها من أمرين: قبول الحكم وأيش بعد؟ وتنفيذ الحكم والقيام به، فلا يكفي أحدهما عن الآخر.
أما الكتب السابقة فيجب علينا أن نؤمن بأنها من عند الله؛ يعني أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى، ولكن لا يلزمنا أن نؤمن بالتوراة الموجودة بأيدي اليهود أنها هي التوراة التي أنزلها الله على موسى، لماذا؟ لأنها مُحرَّفة مكتومة ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾ [الأنعام ٩١] وأيش بعد؟ ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ فيه أشياء أُخفيت أُزيلت، فيه أشياء حُرفت. إذن نؤمن بأن التوراة التي أنزلها الله على موسى حق، وأن كل خبر فيها فهو حق، وأن كل حكم فيها فهو حق، صح؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: وننفذ هذه الأحكام أو لا؟ لا، لا ننفذها إلا بدليل من شرعنا. وشرعنا اختلف علماؤنا هل شرع من قبلنا شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ فقيل: ليس بشرع مطلقًا، وقيل: شرع لنا ما لم يأتِ شرعنا بخلافه، والمسألة معروفة في أصول الفقه، كذلك بالنسبة للإنجيل نؤمن بأن الله أنزل على عيسى ابن مريم كتابًا اسمه (الإنجيل)، وأن هذا الكتاب نزل من عند الله حقًّا، وأن كل خبر فيه فهو حق، وأن كل حكم فيه فهو حق، أما امتثاله وتنفيذه فعلى التفصيل الذي في التوراة، والإنجيل أيضًا متمم للتوراة، متمم لها ومكمل لها، وليس مستقلًّا كاستقلال التوراة، ولهذا يذكر الله تعالى التوراة في القرآن كثيرًا، ولا يذكر الإنجيل بالنسبة إلى التوراة إلا قليلًا، الزبور أيضًا نُؤمن بأن الله آتى داود زبورًا، وأنه من عند الله حق، وأن أخباره حق، وأن أحكامه حق، وأما امتثالها، فعلى ما سبق، وكذلك نقول في صحف إبراهيم هكذا الإيمان بالكتب.
إنزال الله تعالى الكتب على عباده لا شك أنها من رحمة الله بهم؛ لأنها هي الطريق التي يمشون عليها ويرفضون ما سواها، ومن عدل عنها إلى حكم سواها كان كافرًا.
وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ جمع: رسول (فَعُول) بمعنى (مُفْعَل) لا بمعنى (فاعِل) فالرسول بمعنى مُرسَل أرسله من؟ أرسله الله تعالى إلى الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] كل أمة جاءها نذير، ولكن هل كل نذير جاء إلى الخلق نعلم به؟
لا، هل كل نذير جاء إلى الخلق قُص علينا؟ لا، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد ٣٨]، فنحن نؤمن بأن الله تعالى أرسل رسلًا، وأن هؤلاء الرسل كانوا رسلًا من عند الله حقًّا، وما نزل عليهم من الكتب فهو حق، وما جاؤوا به من الأحكام فهو حق، وأما الاتباع فنتبع من؟ نتبع محمدًا ﷺ، وأما جاء به أولئك الرسل فعلى الخلاف الذي أشرنا إليه من قبل، هل شرع من قبلنا شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.
قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ لا نفرق، هنا فيه التفات من أين إلى أين؟
* طالب: من الغيبة إلى التكلم.
* الشيخ: من الغيبة إلى التكلم نعم، والتكلم حضور؛ لأنه لم يقل: لا يُفرقون ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ﴾، ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: لا يفرقون بين أحد من رسله، لكنه قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ وفائدة الالتفات التي يشترك فيها جميع أنواع الالتفات هي التنبيه، فائدة الالتفات التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد، فإن الإنسان ينسجم معه وربما يغيب ذِكره، وأما إذا جاء الالتفات فكأنه يقرع الذهن يقول: انتبه؛ لأنه طبعًا الإنسان إذا سار ينساق في سياق واحد ماشي منسجم، يمكن يجيه النوم، لكن إذا جاء التفات فكأنه يدق فكره ليقول: انتبه. إذن هذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم له فائدة غير ها التنبيه، له فائدة غير التنبيه، وهو أن يقول هؤلاء المؤمنون: لا نفرق؛ يعني كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله قائلين ومعتقدين: لا نفرق بين أحد من رسله. كل الرسل عندنا في صدق ما جاؤوا به من الرسالة على حد سواء، فمحمد رسول الله ﷺ صادِق فيما جاء به من الرسالة، وعيسى بن مريم صادق، وموسى صادق، وصالح صادق، ولوط صادق، وإبراهيم صادق، وهكذا، لا نفرق بينهم في هذا الأمر؛ أي: في صدق رسالتهم والإيمان بها، لكن نفرق بينهم فيما كُلفنا به فنعمل بشريعة محمد، وأما شريعة أولئك فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
وهل نفي التفريق هنا نفي للتفضيل؛ يعني لا نفرق بين أحد منهم حتى في المفاضلة؟
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ففي المفاضلة نفرق، ونُنزل كل إنسان منهم منزلته، لكن في مقام النبوة وصِدق ما جاؤوا به هم على حد سواء، نؤمن بهم جميعًا.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ يعني (وقالوا) أي: الرسول ومن آمن معه ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ (غفرانَ): مفعول سمعنا وأطعنا.
* طالب: سمعنا وأطعنا.
* الشيخ: (سمعنا) فعل وفاعل و(أطعنا) فعل وفاعل، و(غفرانَ) منصوب، أفلا يكون مفعولًا به لـ (سمعنا) و(أطعنا)؟
* الطلبة: لا (...).
* الشيخ: لا، لا، ولهذا يحسن أن تقف فتقول: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ثم تستأنف فتقول: ﴿غُفْرَانَكَ﴾؛ لأن (غفرانَ) مفعول لفعل محذوف تقديره: نسألك غفرانَك.
قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الرسول والمؤمنون ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ يعني: سمعنا ما أمرتنا به وأطعناه، سمعنا ما نهيتنا عنه وأطعناك؛ فالأول: الأمر نمتثل، والثاني: أيش؟ نجتنبه.
واعلم أن الناس في مقام الوحي وتلقيه ينقسمون إلى أقسام: منهم من لا يسمع فيعرض إعراضًا كليًّا ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور ٤٨] لا يسمع إطلاقًا، ومنهم من يسمع ولا يطيع، ومنهم من يسمع ويطيع، هل يمكن أن تأتي القسمة الرابعة من يطيع ولا يسمع؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما يمكن؛ لأنه لن يطيع إلا ما سمع، فالناس إذن بالنسبة لتلقي الوحي ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم مُعرض لا يسمع، ولا يطيع، ولا يلتفت، بل هو مستكبر، وقسم معاند، يسمع ولكن لا يطيع، فعنده علم بما أنزل الله وبحدود الله، ولكنه لا يطيع؛ يقولون: سمعنا وعصينا نسأل الله العافية، قسم ثالث: يسمع ويطيع، وهؤلاء هم المؤمنون، هم المؤمنون الذين يقولون: سمعنا وأطعنا، ولكن مع ذلك هل يحاولون التسهيل بعد الانقياد والطاعة؟
الجواب: نعم، يحاولون التسهيل إذا أمكن، ولهذا لما أمر النبي ﷺ بكسر أواني اللحم الذي طُبخ من الحُمُر لما أمر بكسر هذه الأواني التي طُبخت فيها الحمر قالوا: أو نغسلها؟ فقال: «أَوْ ذَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤١٩٦) ومسلم (١٢٣) من حديث سلمة بن الأكوع.]] ما عاندوا، لكن طلبوا التخفيف، فطلب التخفيف لا ينافي الانقياد، أما لو قالوا: لا نفعل فهذا -لا شك- أنه معصية، لكن المؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا، ومع ذلك ربما يسألون التخفيف.
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال ٢١ - ٢٣].
* طالب: ما الفرق بين طلب التخفيف وبين السؤال عمومًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١]؟
* الشيخ: هذا يسألون عن أشياء ما أنزل الله بها حكمًا فيقولون: أهذا حرام؟ أهذا واجب؟ وما أشبه ذلك، فربما أنزل الله التحريم أو الوجوب فساءهم ذلك لكونه أُوجب عليهم بسبب سؤالهم وتعنتهم كما جرى لبني إسرائيل لما قال لهم موسى: اذبحوا بقرة قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة ٦٨]، لما أخبرهم قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]﴾ لما أخبرهم قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ في عملها، الأول: في سنها، والثاني: في لونها، والثالث: في عملها، فشددوا فشدد الله عليهم، لو أنهم ذبحوا بقرة من أول الأمر سهل الأمر.
* طالب: بالنسبة لقراءة الكتاب، ما يمكن نقول مثلًا: إنه قرآن والإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان بالكتب؟
* الشيخ: لا يمكن أن نقول ذلك؛ لأن القراءتين يفسر بعضهما بعضًا، فلما جُمعت في القراءة الثانية عُرف أن المراد بالقراءة الإفراد المراد به الجمع، ثم من أجل أن تتلاءم الكلمات كلها دالة على الجمع.
* طالب: قول النبي ﷺ في صحيح البخاري: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ ابْنِ مَتَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٩٥) ومسلم (٢٣٧٧ / ١٦٧) من حديث ابن عباس.]] (...).
* الشيخ: لا، قال ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام لما رأى ما حصل بين الأنصار واليهود من المشاجرة خاف أن يكون هناك فتنة فقال: لا تفضلوني على هذا؛ لأن هذا قد يُفسر بأنه عصبية، وأنكم أيها الأنصار أو أيها العرب متعصبون للنبي العربي ما هو للحق.
* الطالب: الذي لا يعلم هذه الأحكام، الذي لا يعلم بعض ما في القرآن من أحكام هل يُقال: إنه ليس بمؤمن بالقرآن؟
* الشيخ: نعم، ليس بمؤمن الإيمان الكامل فيُعطى ما يستحقه من الوصف ما لم يكن تركه لهذا العمل المعين موجبًا للكفر فيكون كافرًا.
* * *
* طالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. أولًا: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ما المراد بالتكليف هنا؟
* طالب: الإلزام.
* الشيخ: الإلزام، والوسع بمعنى؟
* الطالب: الطاقة.
* الشيخ: بمعنى الطاقة، أحسنت، هذا النفي كوني، يعني قدري أو شرعي؟
* طالب: شرعي.
* الشيخ: شرعي.
* الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى برحمته وفضله لم يكلفنا إلا ما نطيق.
* الشيخ: نعم، قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ما الفرق بين كسبت واكتسبت؟
* طالب: الفرق.
* الشيخ: نعم، يلَّا.
* طالب: ما كسبت من الخير، وما اكتسبت من.
* الشيخ: من الإثم.
* الطالب: نعم، لها ما كسبت من ..
* الشيخ: يعني كسب واكتسب بمعنى واحد، لكن يُفرق بينهما المتعلق، وهي لها أوعليها، توافق؟
* الطالب: لا يا شيخ، فيه فرق تاني.
* الشيخ: طيب ما هو؟
* الطالب: أن كسبت في أفعال الخير والطاعة، واكتسبت في الآثام يعني هكذا يعني الواقع، هذا المعنى.
* الشيخ: يعني المعنى إذن بينهما فرق، فيه قول: أنهما بمعنى واحد، وقول: أن بينهما فرقًا.
* طالب: ما هم بمعنى واحد، لا بد يقولون: بحسب المتعلق.
* الشيخ: إيه بمعنى واحد واللي يعين المعنى المتعلق، والقول الثاني؟
* طالب: أن أصل الكلمة فيها فرق.
* الشيخ: طيب ما هو الفرق؟
* الطالب: أن الكسب من أعمال الخير، تساوي أعمال الخير.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأن تغيير بنية الكلمة إنما يتم لتغيير المعنى.
* الشيخ: ما هو بظاهر!
* طالب: شيخ، إن هذا عدي بـ(اللام)، والفعل عدي بـ (على)، وإذا عدي باللام بمعنى (...) قوله تعالى، وإذا عدي بـ(على) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء ٧].
* الشيخ: نعم، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦]؟ هذا هو اللي قاله الأخ، وقاله أيضًا.
* الطالب: (ما كسب) تختلف عن (اكتسب) فاكتسب من افتعل تدل على الافتعال والمعالجة، بينما (كسب) ذلك يحدث بأدنى سبب.
* الشيخ: أحسنت.
* الطالب: أما الاكتساب فلا يكون إلا بفعل.
* الشيخ: نعم، تمام، ويحصل أيضًا من الغير للغير، العمل الصالح يحصل من الغير للغير، بخلاف الاكتساب؛ يعني لو أن رجلًا سرق، وقال: اللهم اجعل وزرها على فلان، حصل؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لكن لو تصدق وقال اللهم: اجعله لفلان حصل؟
* الطلبة: حصل.
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ما الفرق بين النسيان والخطأ؟
قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٣٦] نفي التفريق هنا بأيش؟
* طالب: لا نفرق بينهم يعني بينهم في التبليغ والتصديق؛ تبليغ الرسالة، أو صدقه في التبليغ.
* الشيخ: أيش تبليغ الرسالة؟
* الطالب: (...) الرسل يعني..
* الشيخ: وأيش معنى لا نفرق؟ التفريق من فعلنا نحن ليس من فعلهم هم.
* الطالب: يعني لا نفرق بينهم بين هؤلاء الرسل في تبليغ الرسالة يعني كله مصدق أو في العقيدة نفسها، أو ما جاء به شرع الله، العقيدة واحدة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: لا نفرق بالتصديق أنهم من عند الله بكل رسالاته، فنؤمن بكل رسول أتى..
* الشيخ: في صحة رسالتهم، وفي صدق خبرهم، وفي قبول خبرهم، أما بالاتباع؟
* الطالب: بالاتباع.
* الشيخ: فنتبع محمد عليه الصلاة والسلام، وأما في المفاضلة؟
* الطالب: فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣].
* الشيخ: فنفاضل بينهما كذا ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إذن لا نفرق في أمور أربعة، لا، لا نفرق في أمور ثلاثة في صحة رسالتهم، في صدق أخبارهم، في قبول ما جاؤوا به، أما في الاتباع فنتبع محمدًا ﷺ. وهل نفرق بينهم في التفاضل؟ الجواب: نعم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ غفرانك، وأيش إعرابها؟
* طالب: فعل.
* الشيخ: أنت ما قرأت النحو؟! الظاهر أنه ليس بينك وبين سيبويه نسب! منين قلت: إنه فعل؟!
* طالب: مصدر.
* الشيخ: إيه، لكن وأيش إعرابها؟
* الطالب: منصوبة.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: مفعول به لفعل محذوف تقديره (نسألك).
* الشيخ: نعم، تقديره (نسألك غفرانك) تمام، المغفرة وأيش المغفرة؟
* الطالب: المغفرة يعني الستر على الذنب والتجاوز.
* الشيخ: والتجاوز عنه، ستر الذنب والتجاوز عنه، ما هو الدليل لما قلت من حيث الاشتقاق؟
* طالب: المغفرة، الغفر، والغفران.
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني معناها باللغة التغطية.
* الشيخ: سبحان الله!!
* الطالب: إنه المغفرة من (الْمِغْفَر).
* الشيخ: من (الْمِغْفَر).
* الطالب: ما يضعه المقاتل ليتقي به.
* الشيخ: يتقي به السهام، وفيه ستر ووقاية، ما هو الدليل من حيث الشرع أو النص الدليل على أن المغفرة هي الستر والتجاوز من الشرع؟ هذا الدليل من حيث اللغة الدليل من حيث النص؟
* طالب: قال الرسول ﷺ «إِذَا خَلَا بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
* الشيخ: «إِنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٥) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر بنحوه.]].
* الطالب: «ثُمَّ يَقُولُ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْآنَ».
* الشيخ: صح، «سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».
قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، المصير يعني يوم القيامة ولَّا شيء أعم من ذلك؟
* طالب: إليك المصير عام، كل شيء إلى الله ويشمل يوم القيامة.
* الشيخ: أحسنت، يشمل يوم القيامة وغيرها، فمرجع الخلق إلى الله في الدنيا والآخرة.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. ثم قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الجملة هذه مقول لقول محذوف؛ أي: قولوا: ربنا، أو يقولون عودًا على قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّه﴾ ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ المهم أن الجملة هنا مقول لقول محذوف.
وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى حُذفت منه ياء النداء اختصارًا وإيجازًا للكلام وتيمنًا بالبداءة باسم الله عز وجل ﴿رَبَّنَا﴾، وتوسلوا بالربوبية؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر، وهنا يسألون الله شيئًا، وإعطاء هذا الشيء من متعلقات الربوبية، ولهذا تجدون في أكثر القرآن، تجدون الدعاء مقرونًا بالربوبية؛ لأنه إعطاء، والإعطاء فعل، وكل الأفعال متعلقها أيش؟ الربوبية.
وفي قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ الإضافة من التعطف وإظهار الحاجة والفقر ما هو ظاهر. ﴿رَبَّنَا﴾ فإن هذا الذي يضيف إلى نفسه ربوبية الله لا شك أنه مظهِر لفقره إلى هذا الرب، وأنه مربوب عابد ذليل لهذا الرب.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ المؤاخذة بالذنب: المجازاة عليه، والإنسان محل النسيان ومحل الخطأ، وما أكثر نسيانه وخطأه!
فالنسيان: هو ذهول القلب عن معلوم، يكون الإنسان يعلم الشيء ثم يغيب عنه، نسمي هذا نسيانًا، كما لو سألتك ماذا صنعت أمس؟ فقلت: والله نسيت. أنت فاعل لكن نسيت، فتعريف النسيان إذن أيش؟ ذهول القلب عن شيء معلوم، هذا النسيان.
الخطأ: ارتكاب المعصية -أو بعبارة أعم المخالفة- عن غير عمد، أو شئت: المخالفة بلا قصد المخالفة. فيشمل ذلك الجهل، فإن الجاهل إذا ارتكب ما نُهي عنه فإنه قد ارتكب المخالفة من غير قصد المخالفة، وسواء كان جاهلًا بالحكم أو بالحال فهو داخل في قوله: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. هل هذا الدعاء أُجيب؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ»[[أخرجه مسلم (١٢٦ / ٢٠٠) من حديث ابن عباس. ]] يعني فلا يؤاخذنا لا بالنسيان ولا بالخطأ.
واعلم أنه يُقال: أخطأ، ويقال: خطِئ، ويقال في اسم الفاعل من الأول؟
* طالب: خاطئ.
* الشيخ: لا، (مُخطئ)، ومن الثاني (خاطِئ)، فالثلاثي من هذا الفعل هو مرتكب المخالفة بقصد المخالفة، والرباعي مرتكب المخالفة بغير قصد المخالفة، فمثلًا الرجل الذي يفعل المعصية وهو عالم بها لكنه قاصد المعصية، نقول لهذا: خاطِئ، والذي يفعلها غير قاصد لها نقول: مخطِئ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] يعني: مرتكبة للمخالَفة عن قصد، وهنا قال: ﴿أَخْطَأْنَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب ٥]، وهو ارتكاب المخالفة عن غير قصد المخالفة قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ».
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ نقول في ﴿رَبَّنَا﴾ في الإعراب وفي الإضافة، وفي فائدة الإضافة ما قلناه في الأولى، ولكنه قال: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾ فأتى بالواو ليفيد أن هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، وكُرِّر النداء تبركًا بهذا الاسم الكريم وتعطُّفًا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن ذلك من أسباب إجابة الدعاء.
﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾، الإصر: هو الشيء الثقيل الذي يثقُل على الإنسان من التكاليف أو العقوبات.
و﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ عليهم تكاليف عظيمة، وحُمِّلوا عقوبات عظيمة فمثلًا قيل لبني إسرائيل الذين عبدوا العجل قيل لهم في التوبة: لا نقبل التوبة حتى تقتلوا أنفسكم، عرفتم؟ وهذا لا شك أنه تكليف عظيم أُمروا أن يكونوا في ظلمة، وأن يأخذ كل واحد منهم سكينًا أو خنجرًا، وأن يطعن من أمامه سواء كان أباه أو ابنه أو أخاه أو عمه هو (...)، وهذا لا شك أن فيه إصرًا عظيمًا وعبئًا ثقيلًا، أما نحن فقيل لنا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠] حتى في الشرك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] إذن لم يحمِّلنا الله -وله الحمد والمنة- إصرًا كما حمله على الذين من قبلنا، حُرِّم عليهم الشحوم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام ١٤٦]. وقال: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٧]. مُنع النصارى من أخذ الثأر للنفس فقيل لهم: إنه إذا قُتل لكم قتيل فلا يجوز القصاص فالواجب العفو، ولا قصاص، وهذا لا شك أنه قد يكون فيه إذلال للنفس؛ أن يرى الإنسان قاتل أبيه أو قاتل ابنه يمشي في السوق لم يعوضه عن أعز الناس عليه إلا أيش؟ إلا دُريهمات أو نحوها، هذا فيه غضاضة على النفس.
وقيل لليهود: لا طريق لكم إلى العفو من قتل فليقُتل ولو كان أعز الناس إليك فاقتله، ولا طريق إلى العفو، وهذا فيه مشقة على النفس، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ربما يقتل ابنك مثلًا شخص من أعز الناس عليك يمكن أحب إليك من ابنك فيقال لك: اقتله، اقتله وجوبًا، نحن -ولله الحمد- قيل لنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ١٧٨]، وفُتح لنا باب العفو، بل نُدبنا للعفو إذا كان فيه إصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠].
وإذا تأملت أشياء كثيرة وجدت أن الله سبحانه وتعالى خفف عن هذه الأمة، ووضع عنها الآصار التي كانت على من قبلهم.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ من هم؟ اليهود والنصارى وغيرهم من الناس إن هذا يشمل كل أحد، كل الأمم السابقة.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هل المراد من الأمور الكونية أو من الأمور الشرعية أو منهما؟ إن قلت: منهما أشكل علينا ما سبق ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وفتح لنا باب العفو، بل ندبنا للعفو إذا كان فيه إصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، وإذا تأملت أشياء كثيرة وجدت أن الله سبحانه وتعالى خفف عن هذه الأمة، ووضع عنها الآصار التي كانت على من قبلهم.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] من هم؟ اليهود والنصارى، وغيرهم من الناس؛ لأن هذا يشمل كل أحد كل الأمم السابقة.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هل المراد من الأمور الكونية أو من الأمور الشرعية أو منهما؟
* طالب: منهما.
* الشيخ: إن قلت منهما أشكل علينا ما سبق ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فإنا قلنا إن معناها لا يكلف الله شرعا نفسا إلا وسعها، وهذا خبر، والخبر لا بد أن يكون واقعا، لا بد أن يكون واقعا، وإذا كان واقعا صار الدعاء في قولك: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ لغوا لا حاجة إليه؛ لأنه من الأصل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فهو مسقط عنا من الأصل، وحينئذ يكون المراد: ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به شرعا أو قدرا، لا باعتبار أصل الشرع، ولكن باعتبار حال العبد، أحيانا يحصل للإنسان ما يمنعه من فعل الطاعة، ولا يطيقها لمرض أو غيره، كذا؟ فإذا قال قائل: نعم، هذا حاصل لكن في هذه الحال لا يكلفك الله ما لا تستطيع؛ قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري برقم (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]]، وقال تعالى في الصيام: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة ١٨٥] فقد سقط عنك ولم تكلف به، فالجواب، والله أعلم، أن يقال: إنه إذا رفع عنك التكليف بهذا مع عدم الطاقة فإن معنى ذلك أنك تسأل الله تعالى أن يتمم لك الأجر، أن يتمم لك الأجر الحاصل بهذا الفعل الذي لا تطيقه، فيكون هذا هو فائدة الدعاء بأن لا تحمل ما لا طاقة لك به في الأمور الشرعية؛ لأنه إذا ارتفع التحميل، إذا ارتفع التحميل صار الإنسان كأنه فعله فلا يتحمل المسؤولية فيه وحينئذ يكتب له الأجر.
فإن قال قائل: وعلى هذا المعنى أيضًا يرد عليكم قوله ﷺ: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (١٠٩٠١)، والطبراني في الأوسط برقم (٢٣٦) من حديث أبي موسى. ]] والإنسان العاجز عن العبادة التي كان يفعلها في حال صحته إذا مرض كتب له أجر العبادة التامة؛ إذن الدعاء بهذا أيضًا لغو لا فائدة منه؟
قلنا: الجواب على ذلك أنه وإن كان الرسول أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام، فقد لا يكون ذلك متيسرا لي أنا إما لتخلف صدق النية والعزيمة أو لأي سبب آخر، صحيح أن الرسول ﷺ قال هذا الكلام: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ» لكن هذا لا ينطبق على كل واحد بعينه، كما أننا نحن نعلم جميعا أن كل مؤمن يدخل الجنة، لكن هل ينطبق على كل واحد بعينه؟ ما يمكن أن ينطبق على كل واحد بعينه إلا من شهد له الرسول ﷺ؛ إذن فيكون فائدة الدعاء هنا أن تسأل الله تحقيق هذا الذي أخبر به الرسول ﷺ.
أما ما لا طاقة لنا به من الأمور الكونية فأمرها ظاهر، ولَّا لا؟ ما لا طاقة لنا به من الأمور الكونية فأمرها ظاهر. انتبه! وسؤال الإنسان أن لا يحمله الله ما لا طاقة له به يتضمن شيئين: أحدهما: دفع هذا الشيء أن لا يرد عليك أصلا، والثاني: أن يقويك الله عليه حتى تتحمله ويدخل في طاقتك، انتبه! ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ نقول يشمل أمرين: أن لا يحملك الله إياه أصلا يعني يدفعه عنك، أو إذا حملك إياه يخففه عليك حتى يكون داخلا تحت طاقتك، مثل أيش الأمور الكونية اللي ما تدخل تحت الطاقة؟ مثل ظلم الإنسان، إنسان ظلمك في مالك، في بدنك، ألزمك بأن تحفر عشرة أمتار في خلال ساعة وتنقل الطين حقها، يسلط عليك، قال: افعل وإلا فالحبس مدى الحياة ولَّا القتل، طيب فيه طاقة هذه ولا؟ ما فيه طاقة، عشرة أمتار في ساعة؟ يمكن تكون الأرض صلبة، هذا لا طاقة لنا به، فتسأل الله أن لا يسلط عليك أحدًا أن يحملك ما لا طاقة لك به، أو أن الله عز وجل بحكمته قد ينزل عليك مرضًا يشق عليك حتى الحركة، أليس كذلك؟ طيب أو قد يبتليك الله تعالى بعسر البول، أو بعسر الغائط، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي لا طاقة لك بها، نحن الآن - ولله الحمد والمنة - نقول تحدثا بنعمة الله يسهل علينا الأكل والشرب، نأكل هنيئا مريئا ميسر، وكذلك الخروج، لكن يبتلى بعض الناس بأن لا يستطيع الأكل لا يستطيع الشرب، لا يستسيغ الأكل ولا الشرب، إنسان آخر يفعل ذلك لكن يشق عليه خروجهما، إذن كل هذا داخل في قولك: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، إذن ما لا طاقة لنا به من التكاليف الشرعية وأيش بعد؟ والأمور القدرية.
وهنا نشوف أصحاب سيبويه وأيش إعراب ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾؟
* طالب: ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ما في محل نصب مفعول به.
* الشيخ: أيش مفعول به أيش؟
* الطالب: ﴿تُؤَاخِذْنَا﴾.
* الشيخ: لا، ﴿تُؤَاخِذْنَا﴾ كيف؟
* الطالب: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾
* الشيخ: مفعول أول، ولَّا ثاني، ولَّا ثالث، ولَّا رابع؟
* الطالب: مفعول ثاني.
* الشيخ: ثاني طيب.
* الطالب: ﴿لَا﴾، لا نافية.
* الشيخ: نافية لأيش؟
* الطالب: نافية لـ﴿طَاقَةَ﴾.
* الشيخ: إيه لكن وأيش نوع هذا النفي؟ طيب إذن عليك درجتان؟
* طالب: ربنا ولا تحملنا
* الشيخ: لا، لا، نافية.
* طالب: لا نافية للجنس.
* الشيخ: طيب وأيش عملها؟
* الطالب: عملها عمل إن، نعم.
* الشيخ: اصبر وش عمل إن؟
* الطالب: عمل إن تنصب الاسم وترفع الخبر، و﴿طَاقَةَ﴾ اسمها.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: مبنية على الفتح في محل نصب.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والجار والمجرور في محل رفع خبر.
* الشيخ: أيهم؟ به ولا لنا؟
* الطالب: به.
* الشيخ: طيب ولنا.
* الطالب: الأول، الجار والمجرور الأول ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا﴾ أي: ما لا طاقة كائنة لنا.
* الشيخ: صفة لطاقة؟ نعم، طيب.
ثم قال: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] إلى آخره لما كان الإنسان له أحوال، بل له حالان: حال مضت وحال مستقبلة، الحال التي مضت قد يكون مخلا بفعل الأوامر، وقد يكون مرتكبا لفعل المحظور، والحال المستقبلة علمها عند الله، قال: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ هذا في مقابل فعل المحظور يعني اغفر لنا الذنوب التي فعلناها، اغفر لنا الذنوب التي عملناها، والإنسان لا يخلو من ذنب «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[أخرجه الترمذي برقم (٢٤٩٩)، وابن ماجه برقم (٤٢٥١) من حديث أنس بن مالك.]] والذنوب قد تكون في القلوب، وقد تكون في اللسان، وقد تكون في الجوارح، أو يكون الإنسان قد فرط في مأمور، فرط في مأمور قصر فيه، يقابله قوله: ﴿اعْفُ عَنَّا﴾ فالعفو في مقابل التقصير في المأمور به، والمغفرة في مقابل أيش؟ فعل المحظور، في مقابل فعل المحظور.
﴿وَارْحَمْنَا﴾ في المستقبل، يعني تفضل علينا بالرحمة؛ حتى لا نقع في فعل محظور أو في تهاون في مأمور، وهذا أحسن من قول بعض المفسرين: إن هذه من باب التأكيد؛ لأن العفو والمغفرة كلها محو الذنوب، والرحمة حصول المطلوب، نحن نقول: لا، للإنسان حالان: حال مضت وحال مستقبلة، الحال الماضية إما أن يكون منه تقصير في مأمور، أو ارتكاب لمحظور.
﴿اعْفُ عَنَّا﴾ في مقابل التقصير في المأمور، ﴿اغْفِرْ لَنَا﴾ في مقابل فعل المحظور، ﴿ارْحَمْنَا﴾ بالنسبة للمستقبل حتى تعصمنا من المحظورات، وترك المأمورات، فيكون هذا الدعاء شاملا، من أشمل ما يكون من الدعاء مثل هذا الدعاء.
لو أن رجلا قصر في الصلاة مثلا، ولم يصلها في أول الوقت، هذا نقول تقصير في مأمور، لو التفت وهو يصلي هذا ارتكاب لمحظور لمنهي عنه؛ لأن الرسول ﷺ نهي عن الالتفات في الصلاة[[أخرجه أحمد في المسند برقم (٧٥٩٥)، والطبراني في الأوسط برقم (٥٢٧٥) من حديث أبي هريرة.]] وإن كان الالتفات هنا مكروها، لكنه منهي عنه.
﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ الجملة هنا خبرية، الجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة، توافقون على هذا ولَّا لا؟ توافقونني؟
* طالب: لا مبتدأ فقط.
* طالب: لا يا شيخ مبتدأ وخبر.
* الشيخ: الجملة اسمية خبرية مكونة من مبتدأ وخبر معرفتين، صح؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: إي نعم، صح، وقد قال علماء البلاغة: إن الجملة المكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة تفيد الحصر، فقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ ليست كقول: أنت مولى لنا، قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ تفيد أنه لا مولى لنا غيرك، صح؟ طيب، لكن أنت مولى لنا ما تفيد هذا، تفيد إنك مولى من الموالي، تقول للشخص: أنت حبيبي، وتقول: أنت حبيب لي، بينهما فرق ولَّا لا؟ نعم، الأول وأيش يدل عليه؟ الحصر، والثاني لا يدل على الحصر، وتقول للكافر: أنت عدو لي، لا يفيد الحصر، وتقول: أنت عدوي، يفيد الحصر؛ ولهذا قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤] هم العدو كأنه قال: لا عدو سواهم، ولا شك أن عداوة المنافق للمؤمن أشد من عداوة الكافر للمؤمن، أو لا، صحيح؟ يا شيخ، المنافق يجيئك يقول أهلا وسهلا بالأخ الكريم المؤمن الصالح، هذا المشكل، إي نعم، نقول: عداوة المنافق للمؤمن أشد من عداوة الكافر؛ لأن الكافر يبدي عداوته ونتحرز منه، لكن البلاء كل البلاء هذا الذي يتقي، ويظهر أنه صديق وهو عدو، إذن ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ جملة خبرية تفيد الحصر ولَّا لا؟ نعم، تفيد الحصر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١] حتى أولياؤهم يتولونهم ما ينفعونهم.
﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ ما معنى المولى؟ هل المراد بالمولى الناصر أو المتولي لجميع شؤوننا؟ الثاني، الثاني أحسن؛ لأن الثاني يعم ويشمل، يعني: أنت المتولي لجميع أمورنا، ومن تمام ولايتك لنا أنك لم تكلفنا إلا ما نطيق، وأنك ملجؤنا وملاذنا ومحل دعوتنا ورغبتنا ورهبتنا، وأنك شرعت لنا هذا الدين الميسر، كل ما يترتب على هذه الولاية فهو داخل في قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾.
ثم قال: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الفاء هذه للتفريع، يعني: فبولايتك الخاصة انصرنا على القوم الكافرين، والولاية ولاية الله عز وجل للخلق نوعان: ولاية خاصة، وولاية عامة، فالولاية الخاصة ولاية الله للمؤمنين، والعامة ولايته لكل أحد، فالله تعالى ولي لكل أحد بمعنى تولي الأمور، أو لا؟ كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] هذه عامة، الخاصة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥٧]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد ١١]، وهذه الخاصة فيها أيضًا خاص أخص، وهي ولاية الله لرسوله مثل: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [يوسف ١٠١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم ٤] هو وحده عز وجل مولاه، والملائكة إلى آخره ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
إذن نقول: الولاية قسمان أو نوعان، ثم نقول: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ انصرنا عليهم يعني اجعل النصر لنا عليهم، والنصر على الكافرين يكون بأمرين: بالحجة والبيان، وكذلك بالسيف والسلاح، يكون بالسيف والسلاح، أما السيف والسلاح فظاهر، وأما الحجة والبيان فقد يجتمع كافر ومسلم، ويتناظران في أمر من أمور العقيدة، إذا لم ينصر الله المسلم خذل وكان في هذا خذلان له وللدين الذي هو عليه، هذا النوع من النصر بالحجة والبيان يتعين في المنافقين، المنافق الانتصار عليه مو بالسلاح، لكن بالحجة والبيان؛ لأن المنافق يظهر أنه معك وأنه منك، ولهذا لما استئذن الرسول ﷺ في قتل المنافقين قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٩٠٥)، ومسلم برقم (٢٥٨٤ (٦٣)) من حديث جابر بن عبد الله.]] مسلم ظاهره أنه مثلك، ومشكلة لو نسلط سيوفنا على المنافقين ربما نقتل من هو مؤمن؛ لأن ما في القلب ليس معلوما، إلا من أظهر نفاقه وتبين وظهر فهذا على القول الراجح يدعى للإيمان، إن آمن وعلم حسن إيمانه ترك وإلا فلا، وقال بعض أهل العلم: لا يقبل إيمانه المنافق ما نقبل إيمانه، لأيش؟ قال: لأنه من الأصل يظهر أيش؟ يظهر الإيمان وأنه مؤمن، لو مسكناه وقلنا: تعال أُومِنْ وإلا قتلناك، وأيش يقول؟ يقول هو مؤمن، ما في إشكال، أومن أنا أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقيم الصلاة، ما تشفوني وأنا كل يوم آجي معكم؟، نعم، أوتي الزكاة، طيب، ونعطيكم عطيناكم الآن، أصوم نعم، مشكل، لكن إذا علم يقينا أنه منافق بحيث إنه إذا لقي الذين آمنوا قال آمنت، وإذا خلا إلى شياطينه قال إني معكم إنما أنا مستهزئ ألعب عليهم، إذا علمنا هذا وثبت قتلناه، لكن هل تقبل توبته؟ المشهور من المذهب أن توبته لا تقبل وأنه يقتل، فإن كان صادقا في توبته فأجره على الله، أجره على الله، وإن كان كاذبا فقد وقع القتل محله ولَّا لا، والقول الثاني: إذا علمنا حقيقة أنه تاب رفعنا عنه القتل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] لكن شوف في توبة المنافق ذكر قيود ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّه﴾ أربعة شروط إذا تحققت فأولئك مع المؤمنين.
وقوله: ﴿انْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ هل المراد بالكافرين هنا الكافرون من بني آدم أو حتى من الشياطين؟ يشمل، يشمل الكافرين من بني آدم والكافرين من الشياطين؛ لأن الشيطان كافر لا شك، فيكون في هذا الدعاء دعاء بنصرك على الكافر من بني آدم، وعلى الكافر من الشياطين، فيكون بمنزلة الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: في ناس مرتكبين للمحظور لكن في فعل المأمور من أحسن الناس، في ناس الآن يرابون، لكنهم من أحرص الناس على الصلاة والزكاة والصيام والحج.
* الطالب: (...) هو فعل المحظور.
* الشيخ: لكن يقال ترك المأمور حتى فعل المحظور ترك لواجب الترك، هي متلازمات لكن الفرق بينهما، المأمور ما طلب إيجاده، والمحظور ما طلب تركه وعدمه، هذا الفرق ولا كلها متلازمات.
* الطالب: من التفت في الصلاة هل عليه إثم؟
* الشيخ: لا ما عليه إثم إلا إذا التفت بجميع بدنه، أما برأسه فليس عليه إثم، ولكنه مكروه إلا لحاجة.
* طالب: شيخ، بعض الناس يتكلم على العقيدة النصرانية قال شريعة إذا ضربك على خدك فألن له خدك الآخر وما إلى ذلك من الأشياء التي قد تكون مشروعة عندهم هل يجوز تنقص شريعتهم بهذه الطريقة وإن كانت (...)؟
* الشيخ: لا، من جهة أنها تنقص هي بالنسبة إلى تشريع الله ليست ناقصة؛ لأنها موافقة للحكمة، لكن بالنسبة إلى أنها أغلال عليهم وآصار، إذا نظرنا إليها مقارنة بالشريعة الإسلامية صارت ناقصة.
* الطالب: لكن هل يقال هذا الكلام أم لا؟
* الشيخ: والله ما ندري هذا على حسب نية قائله، إن كان قصده التعريض والقدح في شريعتهم فهذا لا يجوز؛ لأن شريعتهم حين قيامها شريعة لله عز وجل.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وهذه أخذنا فوائدها، ناقشنا فيها؟ نعم، نناقش في الآية الأخيرة.
قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أظن ناقشنا في أولها أيضًا؟
قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إعراب ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾؟
* طالب: (...)
* الشيخ: حذفت منه ياء النداء، ما هي الفائدة والحكمة من حذف ياء النداء؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: اختصارا وتبركا بالبداءة باسم الله عز وجل طيب. أكثر ما يكون التوسل في الدعاء بمقام الربوبية لماذا؟
* طالب: لأن الربوبية تشتمل على فعل الله عز وجل وتشتمل على كل ما يحيط بالإنسان.
* الشيخ: صح؛ لأن إجابة الدعاء من متعلقات الفعل، من فعل الله وهذا يتعلق بالربوبية أكثر من غيره من التوحيد.
قوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ما الفرق بينهما؟
* طالب: النسيان هو ذهول القلب عن شيء معلوم، أما الخطأ فهو فعل شيء أو مخالفة بغير قصد المخالف.
* الشيخ: المخالفة بغير قصد المخالف.
قوله: ﴿لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ ﴿إِصْرًا﴾؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الشيء الثقيل، نعم؟ طيب.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وأيش اللي حمل على من قبلنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لما أمر أن يتوبوا من عبادة العجل أن يقتلوا أنفسهم، وهذه الأمة؟
* الطالب: هذه الأمة إذا أرادوا أن يتوبوا استغفروا الله ويتوبوا توبة نصوحًا (...).
* الشيخ: نعم، طيب قوله: ﴿لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا﴾ من التكاليف الشرعية؟ أو من البلايا والأقدار؟
* طالب: كليهما.
* الشيخ: طيب كيف ذلك في الأول، التكاليف الشرعية؟
* الطالب: ما يحملنا ما لا نطيقه من العبادات من جميع العبادات الشرعية.
* الشيخ: طيب، والقدرية؟
* الطالب: يقولون بأن لا تبتلينا بأمور لا نستطيع أن نصبر عليها.
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: جميع البلايا والمصائب.
* الشيخ: مثل، مَثِّل؟
* الطالب: مثل القتل.
* الشيخ: نعم، الفتن، حروب، الجوع، الخوف وغير ذلك.
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ ما الفرق بين هذه الجمل الثلاث الدعائية؟
* طالب: العفو هو المجاوزة عن الذنب.
* الشيخ: لا، يعني متعلق هذه الأشياء الثلاثة؟ العفو يتعلق بأيش؟
* طالب: بالذنوب
* الشيخ: كلها بالذنوب؟
* طالب: العفو يتعلق بالتقصير في الطاعة أن يعفو عنا فيما قصرنا في طاعته، الغفران يكون في الخطأ أو ارتكاب الذنوب.
* الشيخ: صح.
* الطالب: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ في الآخرة
* الشيخ: في المستقبل.
* الطالب: في المستقبل.
* الشيخ: صح، يعني إذن العفو والمغفرة عما مضى، فالعفو يتعلق بالتفريط في الواجب، والمغفرة بانتهاك المحرم، والرحمة في المستقبل بحيث تعصمنا من الذنوب والمخالفات.
قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ما معنى قوله: ﴿مَوْلَانَا﴾؟
* طالب: معنى قوله ﴿مَوْلَانَا﴾ ليس لنا مولى غير الله.
* الشيخ: إيه نعم، لكن وأيش معنى المولى؟
* الطالب: الذي يناصرنا ويكون عونا لنا على (...)
* الشيخ: المتولي لأمورنا، الناصر لنا على غيرنا طيب. هذه الجملة، هل تفيد الحصر؟
* طالب: نعم
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لتعرف الطرفين
* الشيخ: لتعرف الطرفين، أفلا يمكنك أن تأتي بمثال تبين لنا هذا؟ عندكم كلمة واجد وكثير (...) لكن نبغي واحد بس، نبغي من الواجد أن تحذف النقطة اللي في الأصل.
* الطالب: (...)
* الشيخ: لا، مثال من عندك ما هو بلازم من القرآن ومن السنة.
* الطالب: لو قال قائل: أنا المسلم (...).
* الشيخ: أنا المسلم يعني وغيره ليس بمسلم.
* الطالب: (...) أو أنت مثلًا حبيبي (...).
* الشيخ: نعم، أخشى يقول: أنت حبيبي، إنه صاحب المطعم!! على كل حال لو قلت مثلا: أنت ضارب أو أنت الضارب أو لا؟
* طالب: (...)
* الشيخ: وين أيهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما هي بخطأ طيب قوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الفاء وأيش معناها؟
* طالب: تعقيب.
* الشيخ: تعقيب؟ لا.
* طالب: تفريع
* الشيخ: تفريع يعني فبسبب ولايتك نسألك أن تنصرنا على القوم الكافرين.
نأخذ الفوائد، قال الله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٢٨٥] إلى آخره
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدا رسول الله ﷺ مكلف بالإيمان بما أنزل إليه؛ لأن قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ هذا خبر يقتضي أن يكون وصفا له إن لم نقل إنه بمعنى الأمر، كذا؟ طيب. وقد مر علينا في البخاري أن النبي ﷺ قال: «أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري برقم (٥٤٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]] في قصة دين والد جابر رضي الله عنه.
* من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ والمنزل هو الوحي، والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم، لا يمكن أن يقوم بنفسه، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله، الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات علو الله؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿الرَّسُولُ﴾، وفي قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: عظم ربوبية الله وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول ﷺ؛ حيث قال: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾.
* ويتفرع على ذلك: أن الله سبحانه وتعالى سينصره؛ لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك، لا سيما وأنه سوف يبلغ ما أنزل إليه من ربه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمنين تبع لرسولهم ﷺ، حيث قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وجه التبعية: أنه ذكر المؤمَن به قبل أن يذكر التابع، يعني ما قال: آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه، وهذا يدل على أنهم أتباع للرسول عليه الصلاة والسلام لا يستقلون بشريعة دونه.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانا بالرسول ﷺ كان أشد اتباعا له، وجهه؟ أنه قال: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني: آمنوا بما أنزل إلى محمد ﷺ من ربه، وعليه فكل من كان أقوى إيمانا كان أشد اتباعا.
* ومن فوائدها أيضًا: أن إيمان الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين شامل لكل أصول الدين؛ لقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، كذا؟ ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
ويبقى عندنا إشكال وهو أنه لم يذكر الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر؟
والجواب على ذلك: أنه في ضمن الإيمان بالكتب والرسل؛ لأن الإيمان بالقدر والإيمان باليوم الآخر مما جاءت به الكتب والرسل، فيكون داخلا في ضمن الإيمان بالرسل والإيمان بالكتب.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾. ووجوب الإيمان بهم؛ لقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾، وقد سبق لنا في التفسير عن كيفية الإيمان بهم: أن نؤمن بأسمائهم ما علمنا منها، وبأوصافهم وبأعمالهم وأيش بعد؟ وبوظائفهم، الأعمال الخاصة بهم، والوظائف التي يقومون بها كالكتبة وحفاظ بني آدم وما أشبه ذلك، والأعمال التي يقومون بها على وجه خاص كالذين يذكرون ويسجدون وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق، لا نقول مثلا: نؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، ولكن لا نؤمن بعيسى؛ لأن عيسى من بني إسرائيل، لا، نحن لا نفرق بين الرسل، وقد سبق لنا معنى قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين السمع والطاعة؛ لقوله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وذكرنا في التفسير أن الناس ينقسمون في هذا المقام إلى ثلاثة أقسام: معرض لا يسمع ولا يطيع، والثاني: سامع مطيع عكسه، والثالث: سامع غير مطيع وهذا أشد من الأول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ فكل إنسان محتاج إلى المغفرة حتى النبي عليه الصلاة والسلام محتاج إلى المغفرة؛ ولهذا لما قال عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٥٦٧٣)، أخرجه مسلم برقم (٢٨١٦ (٧٣))، من حديث أبي هريرة.]]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢] كل إنسان محتاج إلى المغفرة، ومن ذهب من أهل العلم إلى أن الرسول ﷺ لا يقع منه الذنب، وأن الاستغفار الذي يقع منه إنما هو للتعليم فقط، فقد أبعد النجعة، كما أن من قال: إن الاستغفار الذي كان الرسول يقوم به كان استغفارًا لذنوب أمته. وهذا أيضًا خطأ؛ لأن الله قال له: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩] فخص ذنبه، ثم قال: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، واعلم أن الإنسان قد يكون بعد الذنب أعلى مقاما منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئا للحال التي عليها، وماشيا على ما هو عليه معتقدا أنه كامل، وأنه ليس عليه ذنوب، فإذا أذنب وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب إليه، وأخبت إليه فيزداد إيمانا ويزداد مقاما، ويرتفع مقامه عند الله عز وجل؛ ولهذا قال الله تعالى في آدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية، اجتباه ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، وهذا كثيرا ما يقع، إذا أذنب الإنسان عرف قدر نفسه وأنه محتاج إلى الله ورجع إلى الله وأحس بالخطيئة وأكثر من الاستغفار وصار مقامه بعد الذنب أعلى من مقامه قبل الذنب.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات أن المصير إلى الله عز وجل في كل شيء؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وقد سبق لنا في التفسير أن المراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة والمصير إلى الله في الدنيا أيضًا فهو الذي يحكم بين الناس ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠].
ثم قال عز وجل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ حيث لا يكلفهم إلا ما استطاعوه ولو شاء أن يكلفهم ما لم يستطيعوا لفعل، فإذا قال قائل: كيف يفعل وهم لا يستطيعون، وما الفائدة أن يأمرهم بشيء لا يستطيعون؟ قلنا: الفائدة أن يعاقبهم على عدم الفعل، هذه هي الفائدة، أنه لو كلفهم بما لا يستطيعون وعجزوا عاقبهم على ذلك، لكن من رحمته سبحانه وتعالى أن ما لا نستطيع فإننا لا نكلف به، وهذه قاعدة عظيمة من أصول الشريعة ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ولها نظائر في القرآن وكذلك في السنة.
* من فوائدها: إثبات القاعدة المشهورة عند أهل العلم وهي: لا واجب مع عجز، ولا محرم مع الضرورة انتبه، لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله، فإن لم يكن له بدل سقط، وإن عجز عن بدله وهو له بدل سقط كذا ولَّا لا؟ مثال ذلك إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء، لكن ينتقل إلى التيمم فإن عجز سقط التيمم أيضًا، لو كان شخصا محبوسا مكبلا لا يستطيع أن يتيمم ولا أن يتوضأ، قلنا: صل على حسب حالك بدون وضوء وبدون تيمم، واضح؟ طيب.
رجل قاتلٌ نفسًا خطأ قلنا له: عليك أن تعتق رقبة قال: لا أجد، عليك أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا أستطيع. ماذا نقول؟ يسقط عنه حتى لو كان عنده من الدراهم الشيء الكثير فإنه لا يجب عليه الإطعام.
رجل جامع زوجته في نهار رمضان، قلنا له أيش: أعتق رقبة. قال: لا أجد. صم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع. أطعم ستين مسكينا. قال: لا أجد. ماذا نقول؟ نقول: لا شيء عليك. إذن القاعدة لا واجب مع عجز أخذ من هذه الآية.
رجل جاء والصف تام ما يستطيع أن يصف بين الناس، نقول: صل وحدك خلف الصف؛ لأن واجب المصافة الآن عجزت عنه، فيسقط عنك.
إنسان لا يستطيع أن يصلي قائما في الفريضة، نقول: صل قاعدا. قال: لا أستطيع. صل على جنب قال: لا أستطيع ما عندي حركة إطلاقا. نقول: صل بقلبك. فالقاعدة هذه والحمد لله مطردة لا تنخرم أبدا.
المحظورات نقول: لا محظور مع الضرورة، أو لا محرم مع الضرورة، لكن بشرط انتبه، كلمة ضرورة تعني أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المحرم، الشيء الثاني يشترط مع كونه لا استغناء عن هذا المحرم أن تندفع ضرورته به، فإن لم تندفع فلا فائدة، وإذا عرفت أنه لا بد من هذه الشرطين ما هما: أن لا يمكن الاستغناء عنه بغيره. الثاني: أن تندفع ضرورته به، فحينئذ لا محرم، يكون حلالا له.
رجل اضطر إلى أكل الميتة، يأكلها؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: حلالا؟ ولا يأثم؟
طلبة: ولا يأثم.
* الشيخ: ولا يأثم؛ لأنه لا استغناء له عنها؛ ولأنه إذا أكل انتفع، اندفعت الضرورة.
رجل اضطر إلى التداوي بمحرم؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز، كيف؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لا، لا يجوز، أولا لأنه يمكن أن يستغني عنه بغيره، في أدوية كثيرة غيره؛ ولأنه لو تداوى به فقد تندفع ضرورته به ويشفى وقد لا تندفع، فيكون ارتكب محرما متيقنا لرجاء منفعة غير متيقنة، ولهذا لا يجوز بالإضافة إلى الأحاديث الواردة في هذا، طيب إذن هذه تخرم القاعدة أو لا؟ لا تخرم القاعدة؛ لأنها ما دخلت أصلا حتى تكون خارمة لها.
* طالب: طالب: يعني مثلًا واحد أكل شيء ما مثل (...).
* الشيخ: أولًا هذا ممنوع (...) السؤال ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه، لكن هو الآن سيورد نقضا لقاعدتنا الظاهر قصده، يقول: رجل غص بلقمة دور ما وجد إلا خمر، يعني ضاقت الدنيا ما لقي إلا كأس خمر ولا يوجد كأس ماء؟! لكن على كل حال ماذا نصنع؟ يشرب منه بقدر ما يدفع اللقمة فقط؛ لأن الشرط تم، لا يمكن أن يستغني عنه، ما عنده غيره، وتندفع به الضرورة، واضح؟
* طالب: ولا ينقض القاعدة يا شيخ؛ لأنه هو المشروب هذا ما هو المقصود به العلاج ولكن دفع اللقمة فقط.
* الشيخ: إي نعم ما هو داخل.
محرم يحتاج إلى حلق رأسه، اضطر إلى ذلك؛ لدفع أذى، فحلقه يجوز ولَّا لا؟ نعم لا محرم مع الضرورة، يجوز، يأتي بالموسى، ويحلقه وهو مستريح البال، لكن أوجب الله عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، كيف ذلك؟ قال العلماء: لأن هذا الذي انتهك هذا المحرم ما انتهكه لضرورة إليه نفسه، لكن لدفع ضرورته به، ولهذا القاعدة عندهم الفقهية: من أتلف شيئا لدفع أذاه فلا ضمان، ومن أتلف شيئا لدفع أذاه به ضمنه، هذه القاعدة، من أتلف شيئا لدفع أذاه لم يضمنه ومن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه، كلام معلوم؟ من أتلف شيئا لدفع أذاه لم يضمنه، صال عليك صيد وأنت محرم والصيد يحرم على المحرم قتله، أليس كذلك؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥] خفت على نفسك، ولم يندفع هذا الصيد إلا بقتله فقتلته، عليك ضمان؟ لا؛ لأنك دفعت أذاه، فهو الذي أسقط حرمته بالأذى، واضح؟
جعت واحتجت إلى قتل الصيد لتأكله فقتلته وأكلته، قتلك إياه حلال؛ لأنك مضطر، لكنك تضمنه، لماذا؟ لأنك لم تقتله لدفع أذاه ولكن لدفع أذاك به، لدفع أذاك وتضررك به، المحرم إذا حلق رأسه لإزالة القمل، فهنا ما حلق الشعر من أجل الشعر، الشعر ما جاءه منه مضرة، لكنه حلقه لأيش؟ لدفع أذاه به؛ لأنه إذا حلقه ذهب القمل، صار نظيفا ولا فيه ظل يستظل به القمل فاستفاد، ولهذا أوجب الله فيه الفدية من صيام أو صدقة أو نسك؛ لأنه أتلفه لدفع أذاه به؛ ولهذا يقول الفقهاء: إذا نزلت شعرة بعينه ثم نقشها بالمنقاش لدفع أذاها فهل يضمن؟ يقولون: لا يضمن وهذا يقع كثيرا أظن بس ما أدري الآن قليل هذا، كنا نعرف فيما سبق في الجفن هنا يخرج من داخله شعرات تؤذي العين ونراهم كثيرا ما يمسكون الرجل، ثم يفصل الجفن هكذا ومعه منقاش ينقش الشعرات، نقول: هذا لدفع أذاها فلا ضمان، وهذا بناء على أن شعر غير الرأس كشعر الرأس تحرم إزالته في حال الإحرام، وقد سبق لنا في باب محظورات الإحرام أن الصحيح: أن التحريم خاص بشعر الرأس فقط، أما غيره من الشعور فليس فيه التحريم، ما عليه دليل على تحريم إزالته في حال الإحرام.
الخلاصة الآن أخذنا من هذه الآية الكريمة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قاعدتين متفق عليهما وهما: لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة، ولكنا قلنا في الواجب: إذا كان له بدل نتحول إلى بدله، فإن عجزنا سقط.
* طالب: القاعدة الثانية شيخ؟
* الشيخ: نعم، القاعدة الثانية: لا محرم مع الضرورة، ولكنا قلنا، إنه يجب أن نعلم ما معنى الضرورة؟ قلنا: الضرورة هو أن لا يستغني عنه، أي عن فعل هذا المحرم، ويشترط أن تندفع ضرورته به وإلا فلا، ثم أتينا بقاعدة عارضة وهي: إذا أتلف الإنسان شيئا يحرم عليه إتلافه مع اضطراره إليه، قلنا: لا يأثم، الإثم لا يأثم، لكن هل عليه الضمان؟ فيه التفصيل: إن أتلفه لدفع أذاه فلا ضمان، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه، وقد ذكرنا الأمثلة لهذا.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يحمل وزر غيره؛ لقوله: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وأن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره؛ لقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾؛ لأن ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يشمل ما كسبه الإنسان بعمله وما كسبه بعمل غيره، وأما الاكتساب فلا يتحمل الإنسان إثم غيره.
فإن قلت: يرد عليك أنه ثبت عن النبي ﷺ: أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ (٦٩)) من حديث جرير بن عبد الله.]]؟
فالجواب: أن هذا لا يرد؛ لأن الذي فعلها أولا اقتدى الناس به، فكان اقتداؤهم به من آثار فعله، كان من آثار فعله، ولهذا يكون هو المتسبب، وهو الدال على هذا الفعل المحرم فيكون مكتسبا له.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن القُرَب لا تصل إلى الأموات كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩] فهل هذا الاستدلال وجيه؟ نقول: نعم، هو عندهم وجيه؛ لأن الله أضاف الفعل إلى الفاعل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ والقرب التي فعلها الغير، الكاسب لها هو الغير، فلو أن الإنسان صلى، وقال: اللهم إني أصلي لفلان فاجعل ثوابها له، يقولون: هذا لا ينتفع به فلان، لا ينتفع به، لو تصدق وقال: اللهم إن صدقتي هذه لفلان فاجعل ثوابها له، يقولون: لا ينفع إلا أنهم يستثنون ما جاء به النص؛ لأن الله يقول: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الإنسان إذا نوى بالعمل الصالح أن يكون لغيره فإن غيره ينتفع به، ولنا بذلك أدلة، منها: حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه «أنه كان له مِخْرافٌ -يعني بستان- فأرادَ أن يتصدّقَ به عن أمِّه، فسألَ النبيّ ﷺ عن ذلك. فقال: «نَعَمْ»، وأذِنَ له به»[[أخرجه أبو داود برقم (٢٨٨٢)، والترمذي برقم (٦٦٩)]].
ومنها أيضًا: «أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله إنّ أمّي افتُلتَتْ نفسُها وأظنّها لو تكلمتْ لتصدقتْ أفأتصدّقُ عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[حديث متفق عليه البخاري برقم (١٣٨٨)، ومسلم برقم (١٠٠٤ (٥١)) من حديث عائشة.]].
ومنها: قول الرسول ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري برقم (١٩٥٢)، ومسلم برقم (١١٤٧ (١٥٣)) من حديث عائشة.]].
ومنها:« أن امرأةً سألتِ النبيّ ﷺ عن أبٍ لها أدركته فريضةُ الله وهو لا يستطيعُ الركوبَ على الراحلة، واستأذنته أن تحجّ عنه فأذِنَ لها»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (١٥١٣)، ومسلم برقم (١٣٣٤ (٤٠٧)) من حديث ابن عباس.]]، والأمثلة في هذا كثيرة.
فإن قالوا: ما ورد به النص نقتصر عليه، وما لم يرد به لا ندخله، فالجواب أن يقال: إن هذه قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تمنع غيرها أن يثبت له حكمها بالقياس؛ لأن الذي أذن لسعد بن عبادة مثلا وللرجل الآخر أن يتصدقا عن أمهما، لو جاءه سائل، وقال: يا رسول الله، أرأيت لو قرأت قرآنا أو صليت ركعتين أجعلها لأمي ما ندري هل يقول لا أو لا يقول، ومقتضى الدليل أن يقول: نعم؛ لأن الكل عمل صالح، ولا فرق بين صدقة وصوم وحج وقراءة قرآن وصلاة لا فرق بينها، إن قالوا الصدقة عمل مالي أو قربة مالية ينتفع بها الغير، قلنا: الحج هل هو قربة مالية ولَّا بدنية؟ بدنية، الصوم قربة بدنية، ومع ذلك أجازه الشارع، والتفريق بين البدني والمالي لا دليل عليه أبدا، وحينئذ نقول: إن الإنسان إذا نوى بالعمل الصالح أن يكون ثوابه لفلان فله ذلك ويصل إليه وينتفع به.
فإذا قال قائل: إذا قلتم ذلك، فهل يشرع أن نجعل ثواب ما عملناه لرسول الله ﷺ؟ مثل ما يوجد في بعض المصاحف في آخر المصحف دعاء ختم القرآن: اللهم اجعل ثواب ما قرأناه وتلوناه وكذا وكذا لروح سيدنا محمد ﷺ، ولروح آل سيدنا محمد ولكذا ولكذا، فهل من المشروع أن نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يهدي القرب إلى أعظم الناس حقا عليه وهو رسول الله ﷺ؟
الجواب: لا، لا يشرع أبدا، لماذا؟ لأنك مهما عملت من عمل، فإن ثواب العمل هذا يصل إلى الرسول ﷺ أهديته أم لم تهد؛ لأنه هو الدال على هذا العمل، فليس بحاجة، وأنت إذا أهديت ثواب عملك إليه فحقيقة الأمر أنك حرمت نفسك من ثواب هذا العمل؛ لأن ثواب هذا العمل حاصل للرسول عليه الصلاة والسلام، إذن ليس بمشروع.
هل يشرع أن أهدي الثواب لأقاربي؟ للأقارب؟ يقول بعض العلماء: لا يشرع؛ لأن هذا إنما ورد في الأصل، يعني في الأصول، ورد في الأصول، فنقول له: هذا خطأ، الذي ورد في الأصول ليس قولًا يفيد العموم للأمة، إنما هي قضية عين، سعد بن عبادة استأذن أن يجعل ذلك لأمه، والرجل الآخر استأذن أن يكون لأمه، لكن قل أو ماذا تقول في قول الرسول ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري برقم (١٩٥٢)، ومسلم برقم (١١٤٧ (١٥٣)) من حديث عائشة.]]؟ يشمل أمه وأباه وأخاه وعمه وكل من كان يتولى أمره، فتخصيص هذا بالأبوين ليس عليه دليل.
إذا قال قائل: هل من المشروع أن أهدي الثواب للأقارب من آباء أو غيرهم؟ فالجواب: لا، ليس من المشروع، لكنه من الأمور الجائزة، التي لم يمنع منها رسول ﷺ، ومع كونه لم يمنع منها أرشد إلى ما هو أهم وأولى، وهو الدعاء؛ حيث قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم برقم (١٦٣١ (١٤)) من حديث أبي هريرة.]] شوف تأمل الآن سياق الحديث في العمل ولَّا لا؟ في العمل، «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ»، وعدل عن قوله: أو ولد صالح يعمل له، إلى قوله: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» وهذه إشارة واضحة إلى أن العمل للغير ليس بمطلوب من الإنسان، الدعاء أفضل؛ ولذلك لا نجد هذا موجودا بكثرة في عهد الصحابة رضي الله عنهم مع حرصهم على الخير والإحسان، وبه نعرف أن ما يفعله كثير من الناس اليوم بإهداء القرب إلى الأموات، وكونه إذا أهدى القربة إلى الميت يحسنها أكثر مما إذا فعلها لنفسه كما هو مشاهد، نعرف أن هذا من سوء التصرف وعدم الفقه في دين الله عز وجل.
* طالب: هل يجوز إهداء الثواب (...) للوالدين وهم أحياء؟
* الشيخ: إي نعم، يجوز إلا فيما يشترط فيه أن يباشروا فعله مثل الصلاة، مثلا صلاة الفريضة لو قال: بأصلي عن أبي؛ لأنه يتعب. ما صح.
* طالب: شيخ، قلنا يا شيخ في ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لكلف الناس غير وسعها، لكن يا شيخ قلنا في موضع آخر: إن الله سبحانه وتعالى لا يشاء شيء إلا لحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ﴾ [الإنسان 30].
* الشيخ: أحسنت، إي نعم.
* الطالب: عدم يعني تكليف الإنسان ما لا يستطيع (...).
* الشيخ: ما صار هذا، ما صار حتى نذهب إلى أن نشوف وجهه، نقول: لو شاء، وذكرنا الحكمة، قلنا الحكمة من ذلك أن يعاقبهم إذا أبَوْا.
* طالب: الحكمة أن الله سبحانه وتعالى يعاقبهم عليها، ولكن الله سبحانه وتعالى يعاقب النفس على شيء -يعني لا تستطيع- الله سبحانه وتعالى يعلم أنها لا تستطيع (...) العدل.
* الشيخ: هو لهذا صار غير موجود؛ ولهذا نحن نقول هذا من فضل الله علينا، يعني: لو قلنا بأن هذا ممتنع ما صار فيه فضل وصار كل ما دل على (...) التكليف الشاق يصير ما فيه فضل، إحنا نقول: هذا فيه فضل.
* الطالب: إي نعم، فضل من ناحية يعني تكليف العبادة.
* الشيخ: طيب، إذن من فضل الله أنه لم يكلف ما لا يستطيعه العبد.
* الطالب: لكن الفضل يعود على تمام عدل الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) ممتنع.
* الشيخ: هذه إحنا نقول: ممتنعة الآن.
* طالب: تفسير الآية قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]؟
* الشيخ: بيجينا، إن شاء الله الجواب عليها.
* الطالب: (...)
* الشيخ: أقول بيجينا إن شاء الله الجواب على هذا على أدلتهم اللي قالوا ما ينتفع بعمل غيره، إحنا ذكرنا أدلة القائلين بأنه ينتفع، وسنجيب إن شاء الله تعالى عن أدلة القائلين بأنه لا ينتفع.
* طالب: يا شيخنا قول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» أو ولد صالح يدعو له قول النبي ﷺ: انقطع معناه العمل ما يأتيه (...) ولا ينتفع من غيره، بل الدعاء وبولده (...)؟
* الشيخ: نعم لا ما في إشكال هذا استثناء منقطع، ما تعرف الاستثناء المنقطع؟ يكون الاستثناء من غير جنس المستثنى منه.
* الطالب: كيف يكون المعنى؟
* الشيخ: يعني معنى الحديث: إن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به هذا واضح، هذا من عمله، أو ولد صالح يدعو له هذا استثناء منقطع، يعني لكن إن دعا له ولد صالح انتفع به.
* طالب: الحديث الذي ورد في سبب نزول هذه الآيات ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ أتى الصحابة، وقالوا: كلفنا ما لا نطيق، وأنزلت آية لا نطيقها، وهي هذه الآية، هل هذا فيه دليل على جواز التكليف بما لا يطاق؟ لأن الرسول ﷺ أقرهم، ما قال لهم لا، «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»[[أخرجه مسلم برقم (١٢٦ (٢٠٠)) من حديث ابن عباس.]] (...).
* الشيخ: لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] هو الحقيقة إن هذا وإن سماه بعض العلماء نسخا، فهو نسخ باصطلاح المتقدمين، يعني تخصيص، وإن كان بعضهم أطلق عليه النسخ والصحيح أنه ما هو بنسخ، إنه من باب التخصيص.
* طالب: لما نزلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أتوا قالوا يا رسول الله: لا نطيقها، فهنا قالوا: لا نطيقها، والرسول ﷺ قال: «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا».
* الشيخ: إي مرادهم بعدم الإطاقة يعني: أنه يأتي على قلوبنا شيء ما نستطيع دفعه، هذا بعمل القلب، يعني إذا أتى القلب شيء ما يمكن دفعه، ما يمكنه دفعه لا يطيقه.
* الطالب: يعني ما فيه دليل على هذا؟
* الشيخ: ما فيه دليل، قد يكون مرادهم بهذا المشقة الشديدة في التحرز منه.
* طالب: شيخ، قراءة القرآن يعني إذا كان عام من غير تخصيص يعني (...)؟
* الشيخ: إي نعم، إلا ما ورد به النص يعني: مثل لو قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وخصصها للميت ما فيها شيء؛ لأنها تعدل ثلث القرآن، وكذلك الفاتحة أعظم سورة في كتاب الله.
* طالب: شيخ، حديث الرسول صلة الله عليه وسلم، «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا ثلاثة» وذكر صدقة جارية، فلو اكتسب الإنسان يعني، واهب بنى ملاهي مثلا، ومات، هل الملاهي هذا من دخل فيه يعني ارتكب إثم، هل هذا الإثم يجد وزره؟
* الشيخ: إي نعم، نعم، نعم.
* الطالب: إذن هذا ما انقطع عمله؟
* الشيخ: هذا ما هي الصدقة الجارية، هذا عقوبة جارية.
* طالب: شيخ، بالنسبة إذا تاب الإنسان وعنده عمل سيئ وسنه للناس (...) ولكنه تاب أليس..؟
* الشيخ: يجب عليه كسر الصنم هذا.
* الطالب: ما استطاع.
* الشيخ: إذا ما استطاع سقط عنه التكليف إي نعم.
* طالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ما يدخل تحت قول الله تعالى: «قد فعلت»؟
* الشيخ: كل هذه الجمل يقول: «قد فعلت».
* الطالب: قول الله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ تدخل التكاليف الشرعية والقدرية؟
* الشيخ: إي نعم نعم.
* الطالب: (...) ما لا طاقة لهم به.
* الشيخ: لا، أنت الآن تدعو فهمت ولَّا لا؟ تدعو الله سبحانه وتعالى بذلك، فإذا دعوت الله تعالى بصدق فإن هذه المصائب التي قد لا يطيقها بعض الناس أنت يحملك الله إياها، وتكون عندك سهلة مثل يوم القيامة على المؤمنين يسير، وعلى الكافرين غير يسير.
* الطالب: إذا حصلت على الإنسان؟
* الشيخ: إذا حصلت قد تيسر عليه وكأنها ليست بشيء.
* الطالب: إذا ما يسرت إما إنه ما دعا، أو إنه ما دعا..
* الشيخ: أو إنه ما دعا بإخلاص، أو لغير ذلك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦].
أخذنا من هذه الآية عدة فوائد:
* منها: يسر الدين الإسلامي، من أين أخذ؟ من قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
* ثانيا: أن العبادات تتنوع بحسب حال المكلف، فقد نلزم هذا الرجل أن يصلي قائما مثلًا، ولا نلزم الآخر، نلزم هذا أن ينفق، ولا نلزم الثاني، نلزم هذا بالجهاد، ولا نلزم الثاني وهكذا، فالتكليفات تتنوع بحسب المخاطب أو بحسب المكلف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان طاقة محدودة؛ لقوله: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء، في العلم والقدرة، والفهم، والحفظ، كل شيء له طاقة محدودة كلف بحسب طاقته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان ما كسب مباشرة أو بواسطة غيره؛ لقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن للإنسان أن يظلم ببخس حسنة واحدة من حسناته؛ بدليل قوله: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ و﴿مَا﴾ هذه اسم موصول تفيد العموم، أي كل ما كسبت.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن على الإنسان وزر ما اكتسب؛ لقوله: ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
* ويتفرع على اختلاف التعبير أنه لا يؤاخذ بالهم بالسيئة؛ لقوله: اكتسب والتاء تدل على أيش؟ على الفعل والمباشرة بخلاف الثواب في الأعمال الصالحة، فإن الإنسان يثاب على نيته؛ ولهذا قال: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾.
* ومنها: أنه لا يجوز أن يحمل الإنسان غيره وزر نفسه، ويجوز أن يجعل ثواب العمل الصالح لغيره، من قوله: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، فلو أن الإنسان عمل عملا محرما وقال: اللهم اكتب وزر هذا على عدوي فلان، يمكن؟
* الطلبة: ما يمكن.
* الشيخ: طيب، عمل عملا صالحا وقال: اللهم اكتب أجر هذا لأبي أو أخي أو لفلان من الناس؟ هذا يصح، وهذا هو الفائدة من قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة كسب، والأعمال السيئة غرم؛ وذلك مأخوذ من قوله: ﴿لَهَا﴾، ومن قوله: ﴿عَلَيْهَا﴾، فإن على ظاهرة في أنها غرم، واللام ظاهرة في أنها كسب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق؛ حيث علمهم دعاء يدعونه به واستجاب لهم إياه، في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف المناسب، مثل الربوبية التي بها الخلق والتدبير؛ ولهذا أكثر الأدعية اللي في القرآن كلها مصدرة بوصف الربوبية مثل: ربنا، أو رب، ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح ٢٦]، وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم ٣٦] وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رفع المؤاخذة بالنسيان والجهل؛ لقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فقال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ».
وهل يلزم من رفع الإعادة سقوط الطلب؟ الجواب: لا، لا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب، فمن ترك الواجب نسيانا أو جهلا وجبت عليه إعادته، ولم يسقط الطلب، بل وجب عليه فعله، ولم يسقط الطلب به؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٥٩٧)، ومسلم برقم (٦٨٠ (٣٠٩))، والبزار برقم (٦٣٢٠) واللفظ له من حديث أنس بن مالك. ]]، ولما صلى الرجل الذي لا يطمئن في صلاته، قال له: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٧٥٧)، ومسلم برقم (٣٩٧ (٤٥)) من حديث أبي هريرة.]] ولم يعذره بالجهل مع أنه لا يحسن غير هذا، إذن فعدم المؤاخذة بالنسيان والجهل أيش؟ لا يسقط الطلب، وهل يرفع إثم النهي؟ الجواب: نعم يرفع إثم النهي، وهل يصح أن نقول: إنه في النهي لا يسقط الطلب؟ يصح، كيف لا يسقط الطلب؟ لأن النهي مطلوب تركه، فإذا فعلته ناسيا أو جاهلا، لم يرتفع الحكم بل الحكم باق وطلبُ تركه مطلوب باق، لكن الفرق بين النهي والأمر: أن الأمر يطلب به الإيجاد، والنهي يطلب به الترك، فهذا الرجل الذي فعل المحرم جاهلا أو ناسيا نقول: كأنك لم تفعله، إذن إذا كان يترتب على هذا المنهي عنه بطلان العبادة فإن العبادة لا تبطل، إذا كان يترتب عليه كفارة فإن الكفارة لا تثبت، لماذا؟ لأنه قد رفعت فيه المؤاخذة عن هذا الفعل المحرم، وإذا رفعت المؤاخذة فيه صار وجوده أيش؟ كالعدم كأن لم يكن شيء، ولهذا نقول: لو أكل الإنسان وهو صائم ناسيا فصومه صحيح كما دلت عليه السنة، ولو أكل جاهلا يظن أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب، فصومه صحيح كما جاءت به السنة، ولو جامع جاهلا أن الجماع يفسد الصوم؟
* طالب: (...)
* الشيخ: انتبه، جاهلا أنه يفسد الصوم، لكنه عالم أنه حرام، هذا ما دام عنده علم فلا يشترط العلم بما يترتب على المحرم، ليس بشرط ما دمت تعلم أنه محرم يترتب عليك أثره، فلو جامع يعرف أن الجماع حرام، لكن لم يعلم أن عليه هذه الكفارة المغلظة، قلنا: إن الكفارة واجبة عليك؛ لأنك انتهكت المحرم عالما به، أفهمتم الآن؟ طيب ولذلك لم يسقط النبي ﷺ الكفارة عن الذي جامع في رمضان مع أنه لا يدري ماذا عليه، جاي يسأل وأيش عليه، لكنه يعرف أنه حرام بخلاف الإنسان الذي لم يعلم أنه حرام فهذا ليس عليه إثم ولا قضاء ولا كفارة، والفرق بينهما ظاهر أظن.
رجل جامع في الحج قبل التحلل الأول، لكنه لا يدري يحسب أن الإنسان إذا وقف في عرفة انتهى حجه، في ليلة المزدلفة ليلة العيد معه زوجته فنام معها وجامعها، قال: لأيش؟ قال لأن الرسول ﷺ يقول: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»[[أخرجه ابن ماجه برقم (٣٠١٥)، والترمذي برقم (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي.]] الحج عرفة حججت، فهذا الذي فهمت، فهل يفسد حجه؟ لا يفسد حجه، عليه كفارة؟ لا؛ لأن الجاهل كما تدل عليه الآية الكريمة غير مؤاخذ، وإذا لم يؤاخذ بفعل المحرم صار وجوده كعدمه.
حلف أن لا يكلم زيدا فرأى شخصا من الناس فكلمه، لكن ما يدري أنه زيد؟ ليس عليه كفارة؛ لأنه جاهل، والله يقول لما قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت، إذن هذه القاعدة، فإذا قال قائل: فعل الأوامر ذكرتم أنه لا بد أن يفعل المأمور، فما الذي يسقط عنه حينئذ؟ نقول: يسقط عنه الإثم؛ لأنه لو فعل المأمور على وجه غير صحيح متعمدا لكان آثما، إي نعم على وجه غير صحيح متعمدا لكان آثما؛ لأنه كالمستهزئ بآيات الله، مثل لو صلى محدثا، يعلم حدثه يكون آثما ولَّا لا؟ يكون آثما، صلى محدثا ناسيا حدثه؟ لا يأثم، إذن فهمنا عدم المؤاخذة، لكن هل نلزمه بأن يعيد الصلاة؟ نعم، نلزمه؛ لأن هذا فعل مأمور، فتبين بهذا وجه كون فاعل المأمور على وجه لا يصح ناسيا أو جاهلا أنه لا يؤاخذ، ولو أمرناه بالإعادة؛ لأنه لا يأثم بهذا الفعل، ألم تعلموا أن أبا حنيفة رحمه الله قال: لو صلى الإنسان محدثا عالما ذاكرا لكفر، كفر خرج من الإسلام، لأيش؟ لأنه مستهزئ، مستهزئ بآيات الله، نحن نقول: لو صلى ناسيا أو جاهلا لم يكفر وليس عليه إثم؛ لأنه لا يؤاخذ بالجهل والنسيان، لكن نظرا إلى قيام الطلب يجب عليه أن يفعل المطلوب.
من فوائد الآية الكريمة: أن فعل الإنسان واقع باختياره، فيكون فيها رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، وأن الإنسان إذا عمل عملًا اختياريًا فهو كالذي يجبر على عمله، تحرك الإنسان باختياره كتحرك السعفة في الهواء ليس باختياره، أعرفتم؟ القول هذا باطل ولَّا لا؟ لا شك، باطل سمعا وعقلا، أما السمع فإن النصوص الكثيرة في أن فعل الإنسان واقع بإرادته ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢] ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير ٢٨]، وأما العقل؛ فلأن الإنسان لو كان مجبرا على عمله؛ لكان عقوبة الله له ظلما إذ كيف يجبره على شيء ثم يعاقبه عليه؟ أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: طيب، هم يدعون أن الظلم أن يتصرف الإنسان في ملك غيره، وتصرف الله في ملكه ليس بظلم، حتى لو عذب المطيع فليس بظالم، ولكن نقول: بل لو فرض أنه عذب المطيع؛ لكان ذلك ظلما؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] فنفى عن نفسه الظلم عز وجل، المهم أن هذا ليس موضع البسط في هذه المسألة، لكن في الآية رد على الجبرية، ووجه الرد: أن الله رفع المؤاخذة عن الجاهل والناسي؛ لأن الجاهل والناسي لم يتعمد المخالفة، فدل ذلك على أن ما يؤاخذ به وهو ما صدر عن علم وذكر واقع بأيش؟ بإرادته؛ لأنه يؤاخذ على ذلك، قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن النسيان وارد على البشر، والخطأ وارد على البشر، وجهه؟ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ولو كان هذا غير وارد لكان الدعاء بعدم المؤاخذة به لغوًا وعبثًا، وكل إنسان ينسى، كل إنسان يخطئ «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[رواه الترمذي برقم (٢٤٩٩)، وابن ماجه برقم (٤٢٥١) من حديث أنس بن مالك.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٠١)، ومسلم برقم (٥٧٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى يجعل البشر ينسى ويخطئ؟
قلنا: الحكمة ليتبين للإنسان ضعفه وأنه ضعيف، ضعيف في الإدراك وضعيف في الإبقاء، في كل حال؛ وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم والذاكرة، وما أشبه ذلك مما يحصل به النسيان والجهل؛ ولأجل أن يفتقر الإنسان إلى ربه عز وجل في رفع النسيان والجهل عنه، فيلجأ إلى الله عز وجل، ويقول: اللهم احفظ علي ما علمت، احفظ علي ديني، احفظ علي علمي، وما أشبه ذلك مما يوجب أن يكون الإنسان مفتقرا إلى ربه إذا علم أن حاله هي النسيان وأيش؟ والخطأ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها من قبلنا؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، فقال الله: قد فعلت، فدل هذا على أن هذه الأمة رفعت عنها الآصار والأغلال التي كانت على من سبق، وهو كذلك ولله الحمد.
* ومنها: أن هذه الأمة رفع عنها حكم النسيان.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن النسيان وارد على البشر، والخطأ وارد على البشر، وجهه ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، ولو كان هذا غير وارد لكان الدعاء بعدم المؤاخذة به لغوًا وعبثًا، وكل إنسان ينسى، كل إنسان يخطئ «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، والدارمي (٢٧٦٩)، من حديث أنس. ]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩)، من حديث ابن مسعود. ]].
فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى يجعل البشر ينسى ويخطئ؟
قلنا: الحكمة ليتبين للإنسان ضعفه وأنه ضعيف، ضعيف في الإدراك وضعيف في الإبقاء، في كل حال، وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم والذاكرة، وما أشبه ذلك مما يحصل به النسيان والجهل، ولأجل أن يفتقر الإنسان إلى ربه عز وجل في رفع النسيان والجهل عنه، فيلجأ إلى الله عز وجل، ويقول: اللهم احفظ علي ما علمت، احفظ علي ديني، احفظ علي علمي، وما أشبه ذلك مما يوجب أن يكون الإنسان مفتقرًا إلى ربه إذا علم أن حاله هي النسيان وأيش؟ والخطأ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها من قبلنا؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، فقال الله؟
* طالب: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
* الشيخ: لا ما هو بهذا، ما نقبل الإصر؟
* طالب: قال الله: قد فعلت.
* الشيخ: قال الله: قد فعلت.
إذن نقول: إن الله قال: قد فعلت، فدل هذا على أن هذه الأمة رفعت عنها الآصار والأغلال التي كانت على من سبق، وهو كذلك ولله الحمد.
* ومنها: أن هذه الأمة رفع عنها حكم النسيان؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
إذا قال قائل: ما تقولون في قول الله تعالى في قصة آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]؟
نقول: هذه مما رفعها الله عن هذه الأمة: النسيان رفع عن هذه الأمة، وأما في آدم فإنه أخذ به؛ لأنه قال: ﴿نَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]. فيكون في شريعة آدم يؤاخذ الإنسان بالنسيان، على أن بعض أهل العلم قال: إن المراد بالنسيان في قصة آدم الترك؛ لأن النسيان يطلق ويراد به الترك؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] أي: تركهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كانوا قبلنا مكلفون بما هو أعظم مما كلفنا به؛ لقوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وسبق لنا في التفسير مثال منه، من يأتي به؟
* طالب: أولا: إن اليهود كان إذا قتل الإنسان منهم، إذا الإنسان قتل واحدا فإنه يقتل به سواء عفا عنه وليه أو لم يعف، وعند النصارى أن الإنسان إذا قتل واحد منهم فعليه العفو.
* الشيخ: نعم.
* طالب: أن الله عز وجل أنزل على بني إسرائيل أنهم إذا أرادوا أن يتوبوا أن يقتلوا أنفسهم.
* الشيخ: لما عبدوا العجل خاصة جعل الله من توبتهم أن يقتلوا أنفسهم، كفاية مثالين.
طيب، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
* يستفاد أيضًا من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله سبحانه وتعالى العافية بحيث لا يحمله ما لا طاقة له به، ففيه ردّ على بعض أهل الصوف -أعني الصوفية- الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يقينا ما يشق علينا؛ لأننا عبيده، وإذا حصل لنا ما يشق فإننا نصبر عليه، وقد مرّ علينا قصة سحنون المالكي الذي قال في جملة ما قال يخاطب الله: فكيفما شئت فامتحني، يعني: إني صابر فكيف ما شئت فامتحني، فامتحن بعسر البول، وصار لا يتبول بسهولة، فكان يأتي على الكتاتيب، الصغار الأولاد الصغار في المدارس ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب، يأتي للصغار؛ لأنهم أقرب للإجابة، لأنهم لا تكتب عليهم الذنوب، يقول: ادعوا الله لي لعمكم الكذاب، لأيش؟ لأنه كذب، هل صبر ولَّا ما صبر؟
* الطلبة: ما صبر.
* الشيخ: ما صبر؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُ فَاصْبِرُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢ / ٢٠)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى.]] يؤخذ هذا من قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان سؤال الله العفو؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير في المأمورات، فيسأل الله العفو عن تقصيره؛ كقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾، وسؤال الله المغفرة من ذنوبه التي فعلها؛ لأن الإنسان إن لم يغفر له تراكمت عليه الذنوب ورانت على قلبه وربما توبقه وتهلكه؛ لقوله أيش؟
* الطلبة: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
* الشيخ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله أن يرحمه في مستقبل أمره، فيعفو عما مضى ويغفر ويرحم أيش؟ في المستقبل؛ لقوله: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ وبه نعرف اختلاف هذه الكلمات الثلاثة: طلب العفو عن التفريط في أيش؟
* الطلبة: في الطاعات.
* الشيخ: في الطاعات، في المأمور، والاستغفار عن فعل المحرمات، والرحمة فيما يستقبله الإنسان من زمنه أن الله يرحمه ويوفقه لما فيه مصلحته.
* من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن لا ولي له إلا ربه؛ لقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾، ففيه إثبات ولاية الله عز وجل، وسبق لنا في التفسير أن الولاية قسمان: عامة، وخاصة: عامة ومعناها أن الله يتولى جميع شئون الخلق من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وفاسق وعادل، وخاصة وهي ولايته لمن؟
* الطلبة: للمؤمنين.
* الشيخ: للمؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣]. ونقول أيضًا في خاصة الخاصة التي تكون للرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم ٤].
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات الصفات الفعلية لله عز وجل؛ اعف عنا واغفر لنا وارحمنا وانصرنا على القوم الكافرين أيضًا.
وهذا هو مذهب السلف أن الله عز وجل له صفات تتعلق بإرادته ومشيئته، نوعها قديم وآحادها حادثة، النوع قديم وهو جنس الفعل، والآحاد حادثة، كل الأفعال التي يفعلها الله فجنسها قديم؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعالًا، وأما آحادها فهي حادثة، ولنفرض مثلا أن الله تعالى رزق شخصًا، متى يرزقه؟ إذا وجد، إذن هذا الفعل حادث ولا لا؟ حادث، نعم ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة، يحدث هذا، كل ليلة يكون نزول وإذا طلع الفجر انتهى النزول، وهكذا جميع الصفات الفعلية نقول فيها: اعتقادنا فيها أن جنسها قديم أو نوعها قديم وآحادها حادثة.
* من فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله عز وجل في النصرة على القوم الكافرين لقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: الأخذ بالأسباب، أو التنبيه على الأخذ بالأسباب؛ لقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ لأنه لا يمكن أن تطلب النصر وأنت على فراشك، لا بد أن تعمل ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]، كل شيء تدعو به الله عز وجل فإنك مأمور بفعل أسبابه، لو قال قائل: اللهم انصرني على القوم الكافرين. ولكنه في البيت ما تحرك، هذا لا يستقيم، طيب ينصرك على القوم الكافرين وأنت ما تقاتلهم؟
النصر يحتاج إلى فعل ويكون النصر عونا على هذا، يعينك الله عليهم.
لو قال قائل: اللهم ارزقني ولدا صالحًا، ولكن ما تزوج، يمكن هذا؟ منين يجيه الولد؟ ينبت من رأسه؟! ما يمكن، لا بد إنه يكون يتزوج وإلا كان دعاء باطلًا، فإذن كل شيء تسأله الله عز وجل فإنك مأمور بفعل أسبابه؛ لأن سؤالك الرب عز وجل من أجل أن يعينك ويهيئ الأسباب التي لا تستطيع أن تقوم بها، فأنت ربما تتزوج، تستطيع أن تتزوج مثلًا، تزوجت مثلًا، هل تستطيع أن تخلق ولدا؟ لا، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة ٥٨، ٥٩].
إذن هذا إلى الله، وأصل تيسير الزواج مثلا من الله عز وجل تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى.
كذلك أيضًا طلب النصر على القوم الكافرين لا بد من فعل السبب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر عدو لنا؛ ولهذا سألنا الله أن ينصرنا عليه، لا أن ننصره نحن، أدلة كون الكافر عدوا للمؤمن كثيرة في الكتاب وفي السنة، وإذا كان عدوا لنا فإن العقل والشرع يقتضي أن نتخذه عدوا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر ٦].
أما أن نعلم أنه عدو ثم نتخذه وليًّا، فهذا من السفه في العقل والضلال في الدين، فالواجب أن لا نثق بأي كافر مهما أظهر من الولاية والصداقة فإنه عدو؛ لقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
البقرة 2:286
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره.
فسرنا قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وفسرنا: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره، كذا ولَّا لا؟
قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني آمن بما أنزل إليه من الوحي في كتاب الله وفيما يُوحي إليه من سنة رسوله ﷺ.
وفي قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ربوبية خاصة؛ لأنها أُضيفت إلى الرسول ﷺ، والربوبية المضافة إلى الرسل هي أخص أنواع الربوبية، ويليها الربوبية المضافة إلى المؤمنين، ثم أعمها الربوبية المضافة إلى جميع الناس، مثل: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، هذه الربوبية الخاصة لا شك أنها تقتضي تربية خاصة لا يماثلها تربية أحد من المربوبين.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ بالرفع عطفًا على قوله: ﴿الرَّسُولُ﴾ يعني: والمؤمنون كذلك آمنوا بما أنزل على النبي ﷺ من الله، فيؤمنون بالرسول، ويؤمنون بالمرسِل، ويؤمنون بالمرسَل به، ثلاثة أشياء: المرسِل وهو الله، المرسَل وهو الرسول ﷺ، المرسَل به، وهو الوحي؛ الكتاب والسنة.
وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، إذا قال قائل: كيف قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فوصفهم بالإيمان مع أنهم مؤمنون؟ فنقول: هذا من باب التحقيق، يعني أن المؤمنين حققوا الإيمان، وليس إيمانهم إيمانًا ظاهرًا فقط كما يكون من المنافق الذي يُظهر الإيمان، ولكنه مبطن للكفر.
﴿كُلٌّ﴾ يعني من الرسول والمؤمنين ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (آمن) مرت علينا كثيرًا بأن المراد بها الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإيمان بوجود الله فقط، هذا ليس بإيمان حتى يستلزم قبول ما جاء به أو قبول ما أخبر به وما أمر به مع الإذعان والتسليم.
وقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور؛ الأمر الأول: الإيمان بوجوده، والثاني: الإيمان بربوبيته، والثالث: الإيمان بألوهيته، والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد أن يكون الإيمان متضمنًا لهذه الأشياء الأربعة، الإيمان بوجود الله احترازًا من الذين أنكروا وجود الله، وقالوا: إن هذا الكون ما هو إلا أشياء تتفاعل ويأتي بعضها ببعض أرحام تدفع، وأراضٍ تبلع، وليس هناك شيء والعياذ بالله، لا بد أن نؤمن بوجود الله عز وجل، ولا بد أن نؤمن بربوبيته، وهنا عندما نقول: نؤمن بربوبيته؛ يعني بانفراده بالربوبية، وأنه الرب المطلق، وربوبية ما سواه مقيدة ليست شاملة ولا عامة ولا كاملة بل هي ناقصة مقيدة أيضًا، ناقصة من حيث حدودها وناقصة من حيث سلطانها، أما ربوبية الله عز وجل فإنها كاملة واسعة، لا معقب لحكمه وهو السميع العليم.
الثالث: الإيمان بألوهيته؛ الألوهية الحق، ولا ألوهية لغيره، وكل ما ادُّعيت فيه الألوهية فإنه باطل كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته؛ بأن له أسماء وصفات انفرد بها، لا يماثله أحد فيها، فنثبت الأسماء والصفات وننفي المشاركة أو المماثلة؛ لأن هذا هو حقيقة التوحيد.
إذن من لم يؤمن بوجود الله فليس بمؤمن، من آمن بوجوده دون ربوبيته بأن قال: إن له مشاركًا أو معينًا في خلق السماوات والأرض، أو أن هناك إلهًا آخر منفردًا بما خلق، فنقول: إن هذا لم يؤمن بالله، ومن آمن بوجود الله وربوبيته، وأنه منفرد بالربوبية الكاملة، لكن أنكر ألوهيته بأن قال كما قال الكفار: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥] فإنه لم يؤمن بالله، من آمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته، لكن لم يؤمن بأسمائه وصفاته فإنه لم يؤمن بالله، قد يكون إيمانه معدومًا وقد يكون ناقصًا حسب ما قام عنده من الإيمان والتصديق أو الإنكار والتكذيب.
إذن الذين يؤمنون ببعض الأسماء دون بعض، نقول: لم يحققوا الإيمان بالله، والذين يؤمنون بالأسماء دون الصفات لم يحققوا الإيمان بالله، والذين يؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض لم يحققوا الإيمان بالله، ثم إن كان إنكارهم لما أنكروه من ذلك تكذيبًا وجحودًا فهم أيش؟
* الطلبة: كفار.
* الشيخ: كفرة، وإن كان تأويلًا فليسوا بكفار، ولكن ينظر في تأويلهم هل له مساغ أو يكون تأويلًا يُنزل منزلة الإنكار فيُحكم لهم بما يقتضيه حالهم.
لو قال قائل: كيف نقيم الأدلة على وجود الله عز وجل؟ قلنا: نقيمها من عدة أوجه؛ بالحس، والعقل، والشرع والفطرة، أما العقل فلأننا نقول: هذه الموجودات الكائنات التي تتغير صباحًا ومساءً بعدم، ووجود، وتغير حال، من الذي يغيرها؟ ننظر من؟ يغيرها فلان أو فلان أو فلان؟! أبدًا، لا يستطيعون أن يغيروا بل هم مغيَّرون، إذن لا بد لهذه الكائنات من مكون محدِث مغير، ولا نجد إلا الله عز وجل، لا نجد إلا الله، ولهذا أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]. نجد السماوات والأرض، من خلق هذه الأرض؟ هل هم عمال خلقوها وأوجدوا فيها الرمال والجبال والأودية والأنهار والبحار؟
الجواب: لا، لو اجتمعت الدنيا كلها بعمالها ما استطاعوا ذلك؛ إذن لا بد لها من خالق، السماوات كذلك وأعظم لا أحد يستطيع خلقها إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور ٣٦]. والجواب: لا، ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. هذا دليل عقلي على وجود الله ولا أحد ينكره.
لو قال لك قائل: هذه اللمبة ما صنعها أحد، وأيش تقول؟ تقول: عجلوا بهذا الرجل إلى المارستان؛ لأنه مجنون، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولو قال: هذا المسجل ما صنعه أحد، قلنا: كذلك، ولهذا يذكر أن طائفة من السمنية من ملاحدة من الهنود جاؤوا إلى أبي حنيفة في بغداد قالوا له: يعني كيف نثبت وجود خالق؟ فأطرق وسكت وقالوا: أجب؟ ظنوه قد انقطع وعجز، قال: أنا أفكر في سفينة أرست في ماء الفرات أو دجلة بدون أن يكون لها ملاح، ونزلت الحمل بدون عمال، وانصرفت بدون قائد، شوفوا هل هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟
* الطلبة: غير ممكن.
* الشيخ: هو يقول لهم كذا، فشوفوا ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ قالوا: ما يكون هذا، تصور هذا جنون، معقول أن السفينة تيجي محملة وتنزل حملها وتروح بدون الملاح وبدون عمال؟! قال: والله إذا كان أنكم تدعون أن السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وُجدت بلا مُوجد وتسير بلا مسيِّر فإن هذه السفينة أهون، ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف ١١٩]، إذن هذا دليل عقلي.
الدليل الحسي على وجود الله أيضًا واقع، من أكبر شواهده إجابة الدعوة، إذا دعا الإنسان ربه أجابه، والقرآن مملوء بهذا، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ٩ - ١١] لما قال: يا رب إن قومي كذبون ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح ٢٦] أجابه الرب وأرسل عليهم الطوفان، ففتح أبواب السماء بماء منهمر ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] فغرقوا عن آخرهم إلا من آمن، هذا يدل على عدم وجود الرب ولَّا على وجوده؟
* الطلبة: على وجوده.
* الشيخ: على وجوده، وما زال هذا أمرًا محسوسًا مشهودًا ملموسًا، حتى الإنسان يدعو ربه بأمر، ثم يراه بعينه رأي العين قد حصل، إذن دل على وجود الله عز وجل أيش؟ الحس والواقع.
أما الفطرة فإن كل إنسان لم تجتله الشياطين ولم تغيره البيئة يعترف اعترافًا ضروريًّا بأن له خالقًا انفرد بخلقه بدون أن يسأل أحدًا، لكن قد تفسده البيئة وتجتاله الشياطين فينكر هذا، بقينا بإيه؟
* الطلبة: الشرع.
* الشيخ: الرابع: الشرع والكتاب السنة والكتب السابقة كلها مملوءة بإثبات وجود الله عز وجل، ولهذا لا يمكن أن تقوم قدم ملحد على إنكار الرب إلا على سبيل المكابرة، والإنسان المكابر مشكلة ما فيه علاج، اللي يكابر فيقول: ليست هذه الشمس الشمس يمكن تعالجه وتقنعه؟ لا يمكن، وأما الإيمان بالربوبية والإيمان بالإلوهية والإيمان بالأسماء والصفات فأمرها واضح، إن الله رب كل شيء ومليكه ومدبره ومتصرف فيه.
ثم قال الله عز وجل: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ يعني: وآمن بملائكته، الرسول والمؤمنون كلهم آمنوا بملائكة الله، والملائكة قال النحويون: إنها جمع (مَلْأَك) الذي أصله (مَأْلَك)؛ لأنه من (الأَلُوكَة)، وهي الرسالة، وقالوا: إن فيه تقديمًا وتأخيرًا في حروفه، إعلالًا بالتقديم والتأخير. الملائكة رسل كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] وهم ذوات أو أرواح ومعاني؟
* الطلبة: ذوات.
* الشيخ: ذوات، يُشاهَدون لهم أجنحة، ثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها له ست مئة جناح قد سَدَّ الأُفُق »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣٢) ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود بنحوه.]]، ست مئة جناح قد سد الأفق، كيف يكون سرعة هذا الملك؟ سرعته عظيمة كلمح البصر؛ لأن ست مئة جناح كلها تطير بقوة هائلة معناها أنه يعني أسرع من لمح البصر، ولهذا جعله الله تعالى هو السفير بينه وبين الرسل يرسله بالوحي.
الملائكة خُلقوا من نور، كما ثبت ذلك في الصحيح[[أخرجه مسلم (٢٩٩٦ / ٦٠) من حديث عائشة.]]، الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صمد ليس لهم أجواف، حتى يحتاجون إلى الأكل والشرب، وإنما ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] يعني لا يسأمون ولا يملون ولا يتعبون؛ لأنه ليس هناك شيء يُذهب طاقتهم وينقصها، ولهذا لا يحتاجون للأكل والشرب.
الملائكة أقسام في وظائفهم منهم الموكَّل بالوحي؛ وهو جبريل، والموكل بالقطر والنبات؛ وهو ميكائيل، والموكل بنفخ الصور وبحمل العرش؛ وهو إسرافيل، والموكل بالجنة؛ وهو رضوان، وبالنار؛ وهو مالِك، وبالموت؛ وهو ملك الموت، وأما ما جاء من تسميته بـ (عزرائيل) فهذا لا يصح، لكن هو ملك الموت كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١].
ومنهم من يعبدون الله تعالى ليلًا ونهارًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢) وابن ماجة (٤١٩٠) من حديث أبي ذر. ]] وهذا يدل على كثرتهم، ومنهم الموكلون ببني آدم بحفظ أعمالهم يكتبونها ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧]، ومنهم الموكلون ببني آدم بحفظهم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد ١١]. وكل ما جاء في الكتاب والسنة من هذه الأعمال والأوصاف بالنسبة للملائكة فإنه يجب علينا الإيمان به وقبوله متى صح في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ.
وقوله: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ وفي قراءة: ﴿وَكَتَابِهِ﴾ فأما على قراءة (كُتُب) فلا إشكال؛ لأن الكتب كثيرة، وأما على قراءة الإفراد ﴿وَكَتَابِهِ﴾ فهو مفرد مضاف فيفيد العموم.
والكتب المنزلة على الأنبياء الذي يظهر من نصوص الكتاب والسنة أنها بعدد الأنبياء كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥] ﴿أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾.
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. ولكن مع ذلك نحن لا نعرف على التعيين إلا عددًا قليلًا منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى إن كانت غير التوراة، وإن كانت هي التوراة فالأمر ظاهر، نعرف هذه ونؤمن بها بأعيانها والباقي نؤمن به على سبيل الإجمال.
ولكن كيف الإيمان بهذه الكتب؟ نقول: الإيمان بالقرآن إيمان بأنه من عند الله وأن الله تكلم به حقيقة بلفظه ومعناه، فهو كلام الله تعالى الحروف والمعاني، هذا واحد، نؤمن أيضًا بكل خبر أخبر الله به في القرآن.
ثالثًا: نقبل كل حكم حكمَ الله به في القرآن.
رابعًا ننفذ كل حكمٍ حكمَ الله به في القرآن.
هذه أربعة أشياء الأول نعيدها مرة ثانية: أن القرآن من عند الله نزل من الله، وأنه كلامه الحروف والمعاني.
ثانيًا: نصدق بكل خبر في الكتاب.
ثالثًا: نقبل كل حكم ما نرفضه.
رابعًا: ننفذ الأحكام؛ لأن هناك فرقًا بين القبول والتنفيذ، قد أنفذ ولا أقبل، وقد أقبل ولا أنفذ كيف؟ قد يقبل الإنسان أن الصلاة فريضة لكن ما ينفذها، وقد ينفذ الصلاة لكن لا يقبل أنها فرض يقول: هي تطوع، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها؛ ولهذا كانت الأحكام الشرعية لا بد فيها من أمرين: قبول الحكم وأيش بعد؟ وتنفيذ الحكم والقيام به، فلا يكفي أحدهما عن الآخر.
أما الكتب السابقة فيجب علينا أن نؤمن بأنها من عند الله؛ يعني أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى، ولكن لا يلزمنا أن نؤمن بالتوراة الموجودة بأيدي اليهود أنها هي التوراة التي أنزلها الله على موسى، لماذا؟ لأنها مُحرَّفة مكتومة ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾ [الأنعام ٩١] وأيش بعد؟ ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ فيه أشياء أُخفيت أُزيلت، فيه أشياء حُرفت. إذن نؤمن بأن التوراة التي أنزلها الله على موسى حق، وأن كل خبر فيها فهو حق، وأن كل حكم فيها فهو حق، صح؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: وننفذ هذه الأحكام أو لا؟ لا، لا ننفذها إلا بدليل من شرعنا. وشرعنا اختلف علماؤنا هل شرع من قبلنا شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ فقيل: ليس بشرع مطلقًا، وقيل: شرع لنا ما لم يأتِ شرعنا بخلافه، والمسألة معروفة في أصول الفقه، كذلك بالنسبة للإنجيل نؤمن بأن الله أنزل على عيسى ابن مريم كتابًا اسمه (الإنجيل)، وأن هذا الكتاب نزل من عند الله حقًّا، وأن كل خبر فيه فهو حق، وأن كل حكم فيه فهو حق، أما امتثاله وتنفيذه فعلى التفصيل الذي في التوراة، والإنجيل أيضًا متمم للتوراة، متمم لها ومكمل لها، وليس مستقلًّا كاستقلال التوراة، ولهذا يذكر الله تعالى التوراة في القرآن كثيرًا، ولا يذكر الإنجيل بالنسبة إلى التوراة إلا قليلًا، الزبور أيضًا نُؤمن بأن الله آتى داود زبورًا، وأنه من عند الله حق، وأن أخباره حق، وأن أحكامه حق، وأما امتثالها، فعلى ما سبق، وكذلك نقول في صحف إبراهيم هكذا الإيمان بالكتب.
إنزال الله تعالى الكتب على عباده لا شك أنها من رحمة الله بهم؛ لأنها هي الطريق التي يمشون عليها ويرفضون ما سواها، ومن عدل عنها إلى حكم سواها كان كافرًا.
وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ جمع: رسول (فَعُول) بمعنى (مُفْعَل) لا بمعنى (فاعِل) فالرسول بمعنى مُرسَل أرسله من؟ أرسله الله تعالى إلى الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] كل أمة جاءها نذير، ولكن هل كل نذير جاء إلى الخلق نعلم به؟
لا، هل كل نذير جاء إلى الخلق قُص علينا؟ لا، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد ٣٨]، فنحن نؤمن بأن الله تعالى أرسل رسلًا، وأن هؤلاء الرسل كانوا رسلًا من عند الله حقًّا، وما نزل عليهم من الكتب فهو حق، وما جاؤوا به من الأحكام فهو حق، وأما الاتباع فنتبع من؟ نتبع محمدًا ﷺ، وأما جاء به أولئك الرسل فعلى الخلاف الذي أشرنا إليه من قبل، هل شرع من قبلنا شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.
قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ لا نفرق، هنا فيه التفات من أين إلى أين؟
* طالب: من الغيبة إلى التكلم.
* الشيخ: من الغيبة إلى التكلم نعم، والتكلم حضور؛ لأنه لم يقل: لا يُفرقون ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ﴾، ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: لا يفرقون بين أحد من رسله، لكنه قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ وفائدة الالتفات التي يشترك فيها جميع أنواع الالتفات هي التنبيه، فائدة الالتفات التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد، فإن الإنسان ينسجم معه وربما يغيب ذِكره، وأما إذا جاء الالتفات فكأنه يقرع الذهن يقول: انتبه؛ لأنه طبعًا الإنسان إذا سار ينساق في سياق واحد ماشي منسجم، يمكن يجيه النوم، لكن إذا جاء التفات فكأنه يدق فكره ليقول: انتبه. إذن هذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم له فائدة غير ها التنبيه، له فائدة غير التنبيه، وهو أن يقول هؤلاء المؤمنون: لا نفرق؛ يعني كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله قائلين ومعتقدين: لا نفرق بين أحد من رسله. كل الرسل عندنا في صدق ما جاؤوا به من الرسالة على حد سواء، فمحمد رسول الله ﷺ صادِق فيما جاء به من الرسالة، وعيسى بن مريم صادق، وموسى صادق، وصالح صادق، ولوط صادق، وإبراهيم صادق، وهكذا، لا نفرق بينهم في هذا الأمر؛ أي: في صدق رسالتهم والإيمان بها، لكن نفرق بينهم فيما كُلفنا به فنعمل بشريعة محمد، وأما شريعة أولئك فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
وهل نفي التفريق هنا نفي للتفضيل؛ يعني لا نفرق بين أحد منهم حتى في المفاضلة؟
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ففي المفاضلة نفرق، ونُنزل كل إنسان منهم منزلته، لكن في مقام النبوة وصِدق ما جاؤوا به هم على حد سواء، نؤمن بهم جميعًا.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ يعني (وقالوا) أي: الرسول ومن آمن معه ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ (غفرانَ): مفعول سمعنا وأطعنا.
* طالب: سمعنا وأطعنا.
* الشيخ: (سمعنا) فعل وفاعل و(أطعنا) فعل وفاعل، و(غفرانَ) منصوب، أفلا يكون مفعولًا به لـ (سمعنا) و(أطعنا)؟
* الطلبة: لا (...).
* الشيخ: لا، لا، ولهذا يحسن أن تقف فتقول: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ثم تستأنف فتقول: ﴿غُفْرَانَكَ﴾؛ لأن (غفرانَ) مفعول لفعل محذوف تقديره: نسألك غفرانَك.
قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الرسول والمؤمنون ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ يعني: سمعنا ما أمرتنا به وأطعناه، سمعنا ما نهيتنا عنه وأطعناك؛ فالأول: الأمر نمتثل، والثاني: أيش؟ نجتنبه.
واعلم أن الناس في مقام الوحي وتلقيه ينقسمون إلى أقسام: منهم من لا يسمع فيعرض إعراضًا كليًّا ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور ٤٨] لا يسمع إطلاقًا، ومنهم من يسمع ولا يطيع، ومنهم من يسمع ويطيع، هل يمكن أن تأتي القسمة الرابعة من يطيع ولا يسمع؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما يمكن؛ لأنه لن يطيع إلا ما سمع، فالناس إذن بالنسبة لتلقي الوحي ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم مُعرض لا يسمع، ولا يطيع، ولا يلتفت، بل هو مستكبر، وقسم معاند، يسمع ولكن لا يطيع، فعنده علم بما أنزل الله وبحدود الله، ولكنه لا يطيع؛ يقولون: سمعنا وعصينا نسأل الله العافية، قسم ثالث: يسمع ويطيع، وهؤلاء هم المؤمنون، هم المؤمنون الذين يقولون: سمعنا وأطعنا، ولكن مع ذلك هل يحاولون التسهيل بعد الانقياد والطاعة؟
الجواب: نعم، يحاولون التسهيل إذا أمكن، ولهذا لما أمر النبي ﷺ بكسر أواني اللحم الذي طُبخ من الحُمُر لما أمر بكسر هذه الأواني التي طُبخت فيها الحمر قالوا: أو نغسلها؟ فقال: «أَوْ ذَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤١٩٦) ومسلم (١٢٣) من حديث سلمة بن الأكوع.]] ما عاندوا، لكن طلبوا التخفيف، فطلب التخفيف لا ينافي الانقياد، أما لو قالوا: لا نفعل فهذا -لا شك- أنه معصية، لكن المؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا، ومع ذلك ربما يسألون التخفيف.
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال ٢١ - ٢٣].
* طالب: ما الفرق بين طلب التخفيف وبين السؤال عمومًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١]؟
* الشيخ: هذا يسألون عن أشياء ما أنزل الله بها حكمًا فيقولون: أهذا حرام؟ أهذا واجب؟ وما أشبه ذلك، فربما أنزل الله التحريم أو الوجوب فساءهم ذلك لكونه أُوجب عليهم بسبب سؤالهم وتعنتهم كما جرى لبني إسرائيل لما قال لهم موسى: اذبحوا بقرة قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة ٦٨]، لما أخبرهم قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]﴾ لما أخبرهم قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ في عملها، الأول: في سنها، والثاني: في لونها، والثالث: في عملها، فشددوا فشدد الله عليهم، لو أنهم ذبحوا بقرة من أول الأمر سهل الأمر.
* طالب: بالنسبة لقراءة الكتاب، ما يمكن نقول مثلًا: إنه قرآن والإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان بالكتب؟
* الشيخ: لا يمكن أن نقول ذلك؛ لأن القراءتين يفسر بعضهما بعضًا، فلما جُمعت في القراءة الثانية عُرف أن المراد بالقراءة الإفراد المراد به الجمع، ثم من أجل أن تتلاءم الكلمات كلها دالة على الجمع.
* طالب: قول النبي ﷺ في صحيح البخاري: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ ابْنِ مَتَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٩٥) ومسلم (٢٣٧٧ / ١٦٧) من حديث ابن عباس.]] (...).
* الشيخ: لا، قال ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام لما رأى ما حصل بين الأنصار واليهود من المشاجرة خاف أن يكون هناك فتنة فقال: لا تفضلوني على هذا؛ لأن هذا قد يُفسر بأنه عصبية، وأنكم أيها الأنصار أو أيها العرب متعصبون للنبي العربي ما هو للحق.
* الطالب: الذي لا يعلم هذه الأحكام، الذي لا يعلم بعض ما في القرآن من أحكام هل يُقال: إنه ليس بمؤمن بالقرآن؟
* الشيخ: نعم، ليس بمؤمن الإيمان الكامل فيُعطى ما يستحقه من الوصف ما لم يكن تركه لهذا العمل المعين موجبًا للكفر فيكون كافرًا.
* * *
* طالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. أولًا: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ما المراد بالتكليف هنا؟
* طالب: الإلزام.
* الشيخ: الإلزام، والوسع بمعنى؟
* الطالب: الطاقة.
* الشيخ: بمعنى الطاقة، أحسنت، هذا النفي كوني، يعني قدري أو شرعي؟
* طالب: شرعي.
* الشيخ: شرعي.
* الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى برحمته وفضله لم يكلفنا إلا ما نطيق.
* الشيخ: نعم، قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ما الفرق بين كسبت واكتسبت؟
* طالب: الفرق.
* الشيخ: نعم، يلَّا.
* طالب: ما كسبت من الخير، وما اكتسبت من.
* الشيخ: من الإثم.
* الطالب: نعم، لها ما كسبت من ..
* الشيخ: يعني كسب واكتسب بمعنى واحد، لكن يُفرق بينهما المتعلق، وهي لها أوعليها، توافق؟
* الطالب: لا يا شيخ، فيه فرق تاني.
* الشيخ: طيب ما هو؟
* الطالب: أن كسبت في أفعال الخير والطاعة، واكتسبت في الآثام يعني هكذا يعني الواقع، هذا المعنى.
* الشيخ: يعني المعنى إذن بينهما فرق، فيه قول: أنهما بمعنى واحد، وقول: أن بينهما فرقًا.
* طالب: ما هم بمعنى واحد، لا بد يقولون: بحسب المتعلق.
* الشيخ: إيه بمعنى واحد واللي يعين المعنى المتعلق، والقول الثاني؟
* طالب: أن أصل الكلمة فيها فرق.
* الشيخ: طيب ما هو الفرق؟
* الطالب: أن الكسب من أعمال الخير، تساوي أعمال الخير.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأن تغيير بنية الكلمة إنما يتم لتغيير المعنى.
* الشيخ: ما هو بظاهر!
* طالب: شيخ، إن هذا عدي بـ(اللام)، والفعل عدي بـ (على)، وإذا عدي باللام بمعنى (...) قوله تعالى، وإذا عدي بـ(على) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء ٧].
* الشيخ: نعم، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦]؟ هذا هو اللي قاله الأخ، وقاله أيضًا.
* الطالب: (ما كسب) تختلف عن (اكتسب) فاكتسب من افتعل تدل على الافتعال والمعالجة، بينما (كسب) ذلك يحدث بأدنى سبب.
* الشيخ: أحسنت.
* الطالب: أما الاكتساب فلا يكون إلا بفعل.
* الشيخ: نعم، تمام، ويحصل أيضًا من الغير للغير، العمل الصالح يحصل من الغير للغير، بخلاف الاكتساب؛ يعني لو أن رجلًا سرق، وقال: اللهم اجعل وزرها على فلان، حصل؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لكن لو تصدق وقال اللهم: اجعله لفلان حصل؟
* الطلبة: حصل.
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ما الفرق بين النسيان والخطأ؟
قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٣٦] نفي التفريق هنا بأيش؟
* طالب: لا نفرق بينهم يعني بينهم في التبليغ والتصديق؛ تبليغ الرسالة، أو صدقه في التبليغ.
* الشيخ: أيش تبليغ الرسالة؟
* الطالب: (...) الرسل يعني..
* الشيخ: وأيش معنى لا نفرق؟ التفريق من فعلنا نحن ليس من فعلهم هم.
* الطالب: يعني لا نفرق بينهم بين هؤلاء الرسل في تبليغ الرسالة يعني كله مصدق أو في العقيدة نفسها، أو ما جاء به شرع الله، العقيدة واحدة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: لا نفرق بالتصديق أنهم من عند الله بكل رسالاته، فنؤمن بكل رسول أتى..
* الشيخ: في صحة رسالتهم، وفي صدق خبرهم، وفي قبول خبرهم، أما بالاتباع؟
* الطالب: بالاتباع.
* الشيخ: فنتبع محمد عليه الصلاة والسلام، وأما في المفاضلة؟
* الطالب: فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣].
* الشيخ: فنفاضل بينهما كذا ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إذن لا نفرق في أمور أربعة، لا، لا نفرق في أمور ثلاثة في صحة رسالتهم، في صدق أخبارهم، في قبول ما جاؤوا به، أما في الاتباع فنتبع محمدًا ﷺ. وهل نفرق بينهم في التفاضل؟ الجواب: نعم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ غفرانك، وأيش إعرابها؟
* طالب: فعل.
* الشيخ: أنت ما قرأت النحو؟! الظاهر أنه ليس بينك وبين سيبويه نسب! منين قلت: إنه فعل؟!
* طالب: مصدر.
* الشيخ: إيه، لكن وأيش إعرابها؟
* الطالب: منصوبة.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: مفعول به لفعل محذوف تقديره (نسألك).
* الشيخ: نعم، تقديره (نسألك غفرانك) تمام، المغفرة وأيش المغفرة؟
* الطالب: المغفرة يعني الستر على الذنب والتجاوز.
* الشيخ: والتجاوز عنه، ستر الذنب والتجاوز عنه، ما هو الدليل لما قلت من حيث الاشتقاق؟
* طالب: المغفرة، الغفر، والغفران.
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني معناها باللغة التغطية.
* الشيخ: سبحان الله!!
* الطالب: إنه المغفرة من (الْمِغْفَر).
* الشيخ: من (الْمِغْفَر).
* الطالب: ما يضعه المقاتل ليتقي به.
* الشيخ: يتقي به السهام، وفيه ستر ووقاية، ما هو الدليل من حيث الشرع أو النص الدليل على أن المغفرة هي الستر والتجاوز من الشرع؟ هذا الدليل من حيث اللغة الدليل من حيث النص؟
* طالب: قال الرسول ﷺ «إِذَا خَلَا بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
* الشيخ: «إِنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٥) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر بنحوه.]].
* الطالب: «ثُمَّ يَقُولُ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْآنَ».
* الشيخ: صح، «سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».
قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، المصير يعني يوم القيامة ولَّا شيء أعم من ذلك؟
* طالب: إليك المصير عام، كل شيء إلى الله ويشمل يوم القيامة.
* الشيخ: أحسنت، يشمل يوم القيامة وغيرها، فمرجع الخلق إلى الله في الدنيا والآخرة.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. ثم قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الجملة هذه مقول لقول محذوف؛ أي: قولوا: ربنا، أو يقولون عودًا على قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّه﴾ ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ المهم أن الجملة هنا مقول لقول محذوف.
وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى حُذفت منه ياء النداء اختصارًا وإيجازًا للكلام وتيمنًا بالبداءة باسم الله عز وجل ﴿رَبَّنَا﴾، وتوسلوا بالربوبية؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر، وهنا يسألون الله شيئًا، وإعطاء هذا الشيء من متعلقات الربوبية، ولهذا تجدون في أكثر القرآن، تجدون الدعاء مقرونًا بالربوبية؛ لأنه إعطاء، والإعطاء فعل، وكل الأفعال متعلقها أيش؟ الربوبية.
وفي قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ الإضافة من التعطف وإظهار الحاجة والفقر ما هو ظاهر. ﴿رَبَّنَا﴾ فإن هذا الذي يضيف إلى نفسه ربوبية الله لا شك أنه مظهِر لفقره إلى هذا الرب، وأنه مربوب عابد ذليل لهذا الرب.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ المؤاخذة بالذنب: المجازاة عليه، والإنسان محل النسيان ومحل الخطأ، وما أكثر نسيانه وخطأه!
فالنسيان: هو ذهول القلب عن معلوم، يكون الإنسان يعلم الشيء ثم يغيب عنه، نسمي هذا نسيانًا، كما لو سألتك ماذا صنعت أمس؟ فقلت: والله نسيت. أنت فاعل لكن نسيت، فتعريف النسيان إذن أيش؟ ذهول القلب عن شيء معلوم، هذا النسيان.
الخطأ: ارتكاب المعصية -أو بعبارة أعم المخالفة- عن غير عمد، أو شئت: المخالفة بلا قصد المخالفة. فيشمل ذلك الجهل، فإن الجاهل إذا ارتكب ما نُهي عنه فإنه قد ارتكب المخالفة من غير قصد المخالفة، وسواء كان جاهلًا بالحكم أو بالحال فهو داخل في قوله: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. هل هذا الدعاء أُجيب؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ»[[أخرجه مسلم (١٢٦ / ٢٠٠) من حديث ابن عباس. ]] يعني فلا يؤاخذنا لا بالنسيان ولا بالخطأ.
واعلم أنه يُقال: أخطأ، ويقال: خطِئ، ويقال في اسم الفاعل من الأول؟
* طالب: خاطئ.
* الشيخ: لا، (مُخطئ)، ومن الثاني (خاطِئ)، فالثلاثي من هذا الفعل هو مرتكب المخالفة بقصد المخالفة، والرباعي مرتكب المخالفة بغير قصد المخالفة، فمثلًا الرجل الذي يفعل المعصية وهو عالم بها لكنه قاصد المعصية، نقول لهذا: خاطِئ، والذي يفعلها غير قاصد لها نقول: مخطِئ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] يعني: مرتكبة للمخالَفة عن قصد، وهنا قال: ﴿أَخْطَأْنَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب ٥]، وهو ارتكاب المخالفة عن غير قصد المخالفة قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ».
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ نقول في ﴿رَبَّنَا﴾ في الإعراب وفي الإضافة، وفي فائدة الإضافة ما قلناه في الأولى، ولكنه قال: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾ فأتى بالواو ليفيد أن هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، وكُرِّر النداء تبركًا بهذا الاسم الكريم وتعطُّفًا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن ذلك من أسباب إجابة الدعاء.
﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾، الإصر: هو الشيء الثقيل الذي يثقُل على الإنسان من التكاليف أو العقوبات.
و﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ عليهم تكاليف عظيمة، وحُمِّلوا عقوبات عظيمة فمثلًا قيل لبني إسرائيل الذين عبدوا العجل قيل لهم في التوبة: لا نقبل التوبة حتى تقتلوا أنفسكم، عرفتم؟ وهذا لا شك أنه تكليف عظيم أُمروا أن يكونوا في ظلمة، وأن يأخذ كل واحد منهم سكينًا أو خنجرًا، وأن يطعن من أمامه سواء كان أباه أو ابنه أو أخاه أو عمه هو (...)، وهذا لا شك أن فيه إصرًا عظيمًا وعبئًا ثقيلًا، أما نحن فقيل لنا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠] حتى في الشرك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] إذن لم يحمِّلنا الله -وله الحمد والمنة- إصرًا كما حمله على الذين من قبلنا، حُرِّم عليهم الشحوم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام ١٤٦]. وقال: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٧]. مُنع النصارى من أخذ الثأر للنفس فقيل لهم: إنه إذا قُتل لكم قتيل فلا يجوز القصاص فالواجب العفو، ولا قصاص، وهذا لا شك أنه قد يكون فيه إذلال للنفس؛ أن يرى الإنسان قاتل أبيه أو قاتل ابنه يمشي في السوق لم يعوضه عن أعز الناس عليه إلا أيش؟ إلا دُريهمات أو نحوها، هذا فيه غضاضة على النفس.
وقيل لليهود: لا طريق لكم إلى العفو من قتل فليقُتل ولو كان أعز الناس إليك فاقتله، ولا طريق إلى العفو، وهذا فيه مشقة على النفس، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ربما يقتل ابنك مثلًا شخص من أعز الناس عليك يمكن أحب إليك من ابنك فيقال لك: اقتله، اقتله وجوبًا، نحن -ولله الحمد- قيل لنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ١٧٨]، وفُتح لنا باب العفو، بل نُدبنا للعفو إذا كان فيه إصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠].
وإذا تأملت أشياء كثيرة وجدت أن الله سبحانه وتعالى خفف عن هذه الأمة، ووضع عنها الآصار التي كانت على من قبلهم.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ من هم؟ اليهود والنصارى وغيرهم من الناس إن هذا يشمل كل أحد، كل الأمم السابقة.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هل المراد من الأمور الكونية أو من الأمور الشرعية أو منهما؟ إن قلت: منهما أشكل علينا ما سبق ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وفتح لنا باب العفو، بل ندبنا للعفو إذا كان فيه إصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، وإذا تأملت أشياء كثيرة وجدت أن الله سبحانه وتعالى خفف عن هذه الأمة، ووضع عنها الآصار التي كانت على من قبلهم.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] من هم؟ اليهود والنصارى، وغيرهم من الناس؛ لأن هذا يشمل كل أحد كل الأمم السابقة.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هل المراد من الأمور الكونية أو من الأمور الشرعية أو منهما؟
* طالب: منهما.
* الشيخ: إن قلت منهما أشكل علينا ما سبق ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فإنا قلنا إن معناها لا يكلف الله شرعا نفسا إلا وسعها، وهذا خبر، والخبر لا بد أن يكون واقعا، لا بد أن يكون واقعا، وإذا كان واقعا صار الدعاء في قولك: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ لغوا لا حاجة إليه؛ لأنه من الأصل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فهو مسقط عنا من الأصل، وحينئذ يكون المراد: ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به شرعا أو قدرا، لا باعتبار أصل الشرع، ولكن باعتبار حال العبد، أحيانا يحصل للإنسان ما يمنعه من فعل الطاعة، ولا يطيقها لمرض أو غيره، كذا؟ فإذا قال قائل: نعم، هذا حاصل لكن في هذه الحال لا يكلفك الله ما لا تستطيع؛ قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[[أخرجه البخاري برقم (١١١٧) من حديث عمران بن حصين.]]، وقال تعالى في الصيام: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة ١٨٥] فقد سقط عنك ولم تكلف به، فالجواب، والله أعلم، أن يقال: إنه إذا رفع عنك التكليف بهذا مع عدم الطاقة فإن معنى ذلك أنك تسأل الله تعالى أن يتمم لك الأجر، أن يتمم لك الأجر الحاصل بهذا الفعل الذي لا تطيقه، فيكون هذا هو فائدة الدعاء بأن لا تحمل ما لا طاقة لك به في الأمور الشرعية؛ لأنه إذا ارتفع التحميل، إذا ارتفع التحميل صار الإنسان كأنه فعله فلا يتحمل المسؤولية فيه وحينئذ يكتب له الأجر.
فإن قال قائل: وعلى هذا المعنى أيضًا يرد عليكم قوله ﷺ: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (١٠٩٠١)، والطبراني في الأوسط برقم (٢٣٦) من حديث أبي موسى. ]] والإنسان العاجز عن العبادة التي كان يفعلها في حال صحته إذا مرض كتب له أجر العبادة التامة؛ إذن الدعاء بهذا أيضًا لغو لا فائدة منه؟
قلنا: الجواب على ذلك أنه وإن كان الرسول أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام، فقد لا يكون ذلك متيسرا لي أنا إما لتخلف صدق النية والعزيمة أو لأي سبب آخر، صحيح أن الرسول ﷺ قال هذا الكلام: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ» لكن هذا لا ينطبق على كل واحد بعينه، كما أننا نحن نعلم جميعا أن كل مؤمن يدخل الجنة، لكن هل ينطبق على كل واحد بعينه؟ ما يمكن أن ينطبق على كل واحد بعينه إلا من شهد له الرسول ﷺ؛ إذن فيكون فائدة الدعاء هنا أن تسأل الله تحقيق هذا الذي أخبر به الرسول ﷺ.
أما ما لا طاقة لنا به من الأمور الكونية فأمرها ظاهر، ولَّا لا؟ ما لا طاقة لنا به من الأمور الكونية فأمرها ظاهر. انتبه! وسؤال الإنسان أن لا يحمله الله ما لا طاقة له به يتضمن شيئين: أحدهما: دفع هذا الشيء أن لا يرد عليك أصلا، والثاني: أن يقويك الله عليه حتى تتحمله ويدخل في طاقتك، انتبه! ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ نقول يشمل أمرين: أن لا يحملك الله إياه أصلا يعني يدفعه عنك، أو إذا حملك إياه يخففه عليك حتى يكون داخلا تحت طاقتك، مثل أيش الأمور الكونية اللي ما تدخل تحت الطاقة؟ مثل ظلم الإنسان، إنسان ظلمك في مالك، في بدنك، ألزمك بأن تحفر عشرة أمتار في خلال ساعة وتنقل الطين حقها، يسلط عليك، قال: افعل وإلا فالحبس مدى الحياة ولَّا القتل، طيب فيه طاقة هذه ولا؟ ما فيه طاقة، عشرة أمتار في ساعة؟ يمكن تكون الأرض صلبة، هذا لا طاقة لنا به، فتسأل الله أن لا يسلط عليك أحدًا أن يحملك ما لا طاقة لك به، أو أن الله عز وجل بحكمته قد ينزل عليك مرضًا يشق عليك حتى الحركة، أليس كذلك؟ طيب أو قد يبتليك الله تعالى بعسر البول، أو بعسر الغائط، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي لا طاقة لك بها، نحن الآن - ولله الحمد والمنة - نقول تحدثا بنعمة الله يسهل علينا الأكل والشرب، نأكل هنيئا مريئا ميسر، وكذلك الخروج، لكن يبتلى بعض الناس بأن لا يستطيع الأكل لا يستطيع الشرب، لا يستسيغ الأكل ولا الشرب، إنسان آخر يفعل ذلك لكن يشق عليه خروجهما، إذن كل هذا داخل في قولك: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، إذن ما لا طاقة لنا به من التكاليف الشرعية وأيش بعد؟ والأمور القدرية.
وهنا نشوف أصحاب سيبويه وأيش إعراب ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾؟
* طالب: ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ما في محل نصب مفعول به.
* الشيخ: أيش مفعول به أيش؟
* الطالب: ﴿تُؤَاخِذْنَا﴾.
* الشيخ: لا، ﴿تُؤَاخِذْنَا﴾ كيف؟
* الطالب: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾
* الشيخ: مفعول أول، ولَّا ثاني، ولَّا ثالث، ولَّا رابع؟
* الطالب: مفعول ثاني.
* الشيخ: ثاني طيب.
* الطالب: ﴿لَا﴾، لا نافية.
* الشيخ: نافية لأيش؟
* الطالب: نافية لـ﴿طَاقَةَ﴾.
* الشيخ: إيه لكن وأيش نوع هذا النفي؟ طيب إذن عليك درجتان؟
* طالب: ربنا ولا تحملنا
* الشيخ: لا، لا، نافية.
* طالب: لا نافية للجنس.
* الشيخ: طيب وأيش عملها؟
* الطالب: عملها عمل إن، نعم.
* الشيخ: اصبر وش عمل إن؟
* الطالب: عمل إن تنصب الاسم وترفع الخبر، و﴿طَاقَةَ﴾ اسمها.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: مبنية على الفتح في محل نصب.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والجار والمجرور في محل رفع خبر.
* الشيخ: أيهم؟ به ولا لنا؟
* الطالب: به.
* الشيخ: طيب ولنا.
* الطالب: الأول، الجار والمجرور الأول ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا﴾ أي: ما لا طاقة كائنة لنا.
* الشيخ: صفة لطاقة؟ نعم، طيب.
ثم قال: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] إلى آخره لما كان الإنسان له أحوال، بل له حالان: حال مضت وحال مستقبلة، الحال التي مضت قد يكون مخلا بفعل الأوامر، وقد يكون مرتكبا لفعل المحظور، والحال المستقبلة علمها عند الله، قال: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ هذا في مقابل فعل المحظور يعني اغفر لنا الذنوب التي فعلناها، اغفر لنا الذنوب التي عملناها، والإنسان لا يخلو من ذنب «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[أخرجه الترمذي برقم (٢٤٩٩)، وابن ماجه برقم (٤٢٥١) من حديث أنس بن مالك.]] والذنوب قد تكون في القلوب، وقد تكون في اللسان، وقد تكون في الجوارح، أو يكون الإنسان قد فرط في مأمور، فرط في مأمور قصر فيه، يقابله قوله: ﴿اعْفُ عَنَّا﴾ فالعفو في مقابل التقصير في المأمور به، والمغفرة في مقابل أيش؟ فعل المحظور، في مقابل فعل المحظور.
﴿وَارْحَمْنَا﴾ في المستقبل، يعني تفضل علينا بالرحمة؛ حتى لا نقع في فعل محظور أو في تهاون في مأمور، وهذا أحسن من قول بعض المفسرين: إن هذه من باب التأكيد؛ لأن العفو والمغفرة كلها محو الذنوب، والرحمة حصول المطلوب، نحن نقول: لا، للإنسان حالان: حال مضت وحال مستقبلة، الحال الماضية إما أن يكون منه تقصير في مأمور، أو ارتكاب لمحظور.
﴿اعْفُ عَنَّا﴾ في مقابل التقصير في المأمور، ﴿اغْفِرْ لَنَا﴾ في مقابل فعل المحظور، ﴿ارْحَمْنَا﴾ بالنسبة للمستقبل حتى تعصمنا من المحظورات، وترك المأمورات، فيكون هذا الدعاء شاملا، من أشمل ما يكون من الدعاء مثل هذا الدعاء.
لو أن رجلا قصر في الصلاة مثلا، ولم يصلها في أول الوقت، هذا نقول تقصير في مأمور، لو التفت وهو يصلي هذا ارتكاب لمحظور لمنهي عنه؛ لأن الرسول ﷺ نهي عن الالتفات في الصلاة[[أخرجه أحمد في المسند برقم (٧٥٩٥)، والطبراني في الأوسط برقم (٥٢٧٥) من حديث أبي هريرة.]] وإن كان الالتفات هنا مكروها، لكنه منهي عنه.
﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ الجملة هنا خبرية، الجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة، توافقون على هذا ولَّا لا؟ توافقونني؟
* طالب: لا مبتدأ فقط.
* طالب: لا يا شيخ مبتدأ وخبر.
* الشيخ: الجملة اسمية خبرية مكونة من مبتدأ وخبر معرفتين، صح؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: إي نعم، صح، وقد قال علماء البلاغة: إن الجملة المكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة تفيد الحصر، فقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ ليست كقول: أنت مولى لنا، قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ تفيد أنه لا مولى لنا غيرك، صح؟ طيب، لكن أنت مولى لنا ما تفيد هذا، تفيد إنك مولى من الموالي، تقول للشخص: أنت حبيبي، وتقول: أنت حبيب لي، بينهما فرق ولَّا لا؟ نعم، الأول وأيش يدل عليه؟ الحصر، والثاني لا يدل على الحصر، وتقول للكافر: أنت عدو لي، لا يفيد الحصر، وتقول: أنت عدوي، يفيد الحصر؛ ولهذا قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤] هم العدو كأنه قال: لا عدو سواهم، ولا شك أن عداوة المنافق للمؤمن أشد من عداوة الكافر للمؤمن، أو لا، صحيح؟ يا شيخ، المنافق يجيئك يقول أهلا وسهلا بالأخ الكريم المؤمن الصالح، هذا المشكل، إي نعم، نقول: عداوة المنافق للمؤمن أشد من عداوة الكافر؛ لأن الكافر يبدي عداوته ونتحرز منه، لكن البلاء كل البلاء هذا الذي يتقي، ويظهر أنه صديق وهو عدو، إذن ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ جملة خبرية تفيد الحصر ولَّا لا؟ نعم، تفيد الحصر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١] حتى أولياؤهم يتولونهم ما ينفعونهم.
﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ ما معنى المولى؟ هل المراد بالمولى الناصر أو المتولي لجميع شؤوننا؟ الثاني، الثاني أحسن؛ لأن الثاني يعم ويشمل، يعني: أنت المتولي لجميع أمورنا، ومن تمام ولايتك لنا أنك لم تكلفنا إلا ما نطيق، وأنك ملجؤنا وملاذنا ومحل دعوتنا ورغبتنا ورهبتنا، وأنك شرعت لنا هذا الدين الميسر، كل ما يترتب على هذه الولاية فهو داخل في قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾.
ثم قال: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الفاء هذه للتفريع، يعني: فبولايتك الخاصة انصرنا على القوم الكافرين، والولاية ولاية الله عز وجل للخلق نوعان: ولاية خاصة، وولاية عامة، فالولاية الخاصة ولاية الله للمؤمنين، والعامة ولايته لكل أحد، فالله تعالى ولي لكل أحد بمعنى تولي الأمور، أو لا؟ كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] هذه عامة، الخاصة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥٧]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد ١١]، وهذه الخاصة فيها أيضًا خاص أخص، وهي ولاية الله لرسوله مثل: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [يوسف ١٠١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم ٤] هو وحده عز وجل مولاه، والملائكة إلى آخره ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
إذن نقول: الولاية قسمان أو نوعان، ثم نقول: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ انصرنا عليهم يعني اجعل النصر لنا عليهم، والنصر على الكافرين يكون بأمرين: بالحجة والبيان، وكذلك بالسيف والسلاح، يكون بالسيف والسلاح، أما السيف والسلاح فظاهر، وأما الحجة والبيان فقد يجتمع كافر ومسلم، ويتناظران في أمر من أمور العقيدة، إذا لم ينصر الله المسلم خذل وكان في هذا خذلان له وللدين الذي هو عليه، هذا النوع من النصر بالحجة والبيان يتعين في المنافقين، المنافق الانتصار عليه مو بالسلاح، لكن بالحجة والبيان؛ لأن المنافق يظهر أنه معك وأنه منك، ولهذا لما استئذن الرسول ﷺ في قتل المنافقين قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٩٠٥)، ومسلم برقم (٢٥٨٤ (٦٣)) من حديث جابر بن عبد الله.]] مسلم ظاهره أنه مثلك، ومشكلة لو نسلط سيوفنا على المنافقين ربما نقتل من هو مؤمن؛ لأن ما في القلب ليس معلوما، إلا من أظهر نفاقه وتبين وظهر فهذا على القول الراجح يدعى للإيمان، إن آمن وعلم حسن إيمانه ترك وإلا فلا، وقال بعض أهل العلم: لا يقبل إيمانه المنافق ما نقبل إيمانه، لأيش؟ قال: لأنه من الأصل يظهر أيش؟ يظهر الإيمان وأنه مؤمن، لو مسكناه وقلنا: تعال أُومِنْ وإلا قتلناك، وأيش يقول؟ يقول هو مؤمن، ما في إشكال، أومن أنا أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقيم الصلاة، ما تشفوني وأنا كل يوم آجي معكم؟، نعم، أوتي الزكاة، طيب، ونعطيكم عطيناكم الآن، أصوم نعم، مشكل، لكن إذا علم يقينا أنه منافق بحيث إنه إذا لقي الذين آمنوا قال آمنت، وإذا خلا إلى شياطينه قال إني معكم إنما أنا مستهزئ ألعب عليهم، إذا علمنا هذا وثبت قتلناه، لكن هل تقبل توبته؟ المشهور من المذهب أن توبته لا تقبل وأنه يقتل، فإن كان صادقا في توبته فأجره على الله، أجره على الله، وإن كان كاذبا فقد وقع القتل محله ولَّا لا، والقول الثاني: إذا علمنا حقيقة أنه تاب رفعنا عنه القتل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] لكن شوف في توبة المنافق ذكر قيود ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّه﴾ أربعة شروط إذا تحققت فأولئك مع المؤمنين.
وقوله: ﴿انْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ هل المراد بالكافرين هنا الكافرون من بني آدم أو حتى من الشياطين؟ يشمل، يشمل الكافرين من بني آدم والكافرين من الشياطين؛ لأن الشيطان كافر لا شك، فيكون في هذا الدعاء دعاء بنصرك على الكافر من بني آدم، وعلى الكافر من الشياطين، فيكون بمنزلة الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: في ناس مرتكبين للمحظور لكن في فعل المأمور من أحسن الناس، في ناس الآن يرابون، لكنهم من أحرص الناس على الصلاة والزكاة والصيام والحج.
* الطالب: (...) هو فعل المحظور.
* الشيخ: لكن يقال ترك المأمور حتى فعل المحظور ترك لواجب الترك، هي متلازمات لكن الفرق بينهما، المأمور ما طلب إيجاده، والمحظور ما طلب تركه وعدمه، هذا الفرق ولا كلها متلازمات.
* الطالب: من التفت في الصلاة هل عليه إثم؟
* الشيخ: لا ما عليه إثم إلا إذا التفت بجميع بدنه، أما برأسه فليس عليه إثم، ولكنه مكروه إلا لحاجة.
* طالب: شيخ، بعض الناس يتكلم على العقيدة النصرانية قال شريعة إذا ضربك على خدك فألن له خدك الآخر وما إلى ذلك من الأشياء التي قد تكون مشروعة عندهم هل يجوز تنقص شريعتهم بهذه الطريقة وإن كانت (...)؟
* الشيخ: لا، من جهة أنها تنقص هي بالنسبة إلى تشريع الله ليست ناقصة؛ لأنها موافقة للحكمة، لكن بالنسبة إلى أنها أغلال عليهم وآصار، إذا نظرنا إليها مقارنة بالشريعة الإسلامية صارت ناقصة.
* الطالب: لكن هل يقال هذا الكلام أم لا؟
* الشيخ: والله ما ندري هذا على حسب نية قائله، إن كان قصده التعريض والقدح في شريعتهم فهذا لا يجوز؛ لأن شريعتهم حين قيامها شريعة لله عز وجل.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وهذه أخذنا فوائدها، ناقشنا فيها؟ نعم، نناقش في الآية الأخيرة.
قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أظن ناقشنا في أولها أيضًا؟
قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إعراب ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾؟
* طالب: (...)
* الشيخ: حذفت منه ياء النداء، ما هي الفائدة والحكمة من حذف ياء النداء؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: اختصارا وتبركا بالبداءة باسم الله عز وجل طيب. أكثر ما يكون التوسل في الدعاء بمقام الربوبية لماذا؟
* طالب: لأن الربوبية تشتمل على فعل الله عز وجل وتشتمل على كل ما يحيط بالإنسان.
* الشيخ: صح؛ لأن إجابة الدعاء من متعلقات الفعل، من فعل الله وهذا يتعلق بالربوبية أكثر من غيره من التوحيد.
قوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ما الفرق بينهما؟
* طالب: النسيان هو ذهول القلب عن شيء معلوم، أما الخطأ فهو فعل شيء أو مخالفة بغير قصد المخالف.
* الشيخ: المخالفة بغير قصد المخالف.
قوله: ﴿لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ ﴿إِصْرًا﴾؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الشيء الثقيل، نعم؟ طيب.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وأيش اللي حمل على من قبلنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لما أمر أن يتوبوا من عبادة العجل أن يقتلوا أنفسهم، وهذه الأمة؟
* الطالب: هذه الأمة إذا أرادوا أن يتوبوا استغفروا الله ويتوبوا توبة نصوحًا (...).
* الشيخ: نعم، طيب قوله: ﴿لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا﴾ من التكاليف الشرعية؟ أو من البلايا والأقدار؟
* طالب: كليهما.
* الشيخ: طيب كيف ذلك في الأول، التكاليف الشرعية؟
* الطالب: ما يحملنا ما لا نطيقه من العبادات من جميع العبادات الشرعية.
* الشيخ: طيب، والقدرية؟
* الطالب: يقولون بأن لا تبتلينا بأمور لا نستطيع أن نصبر عليها.
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: جميع البلايا والمصائب.
* الشيخ: مثل، مَثِّل؟
* الطالب: مثل القتل.
* الشيخ: نعم، الفتن، حروب، الجوع، الخوف وغير ذلك.
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ ما الفرق بين هذه الجمل الثلاث الدعائية؟
* طالب: العفو هو المجاوزة عن الذنب.
* الشيخ: لا، يعني متعلق هذه الأشياء الثلاثة؟ العفو يتعلق بأيش؟
* طالب: بالذنوب
* الشيخ: كلها بالذنوب؟
* طالب: العفو يتعلق بالتقصير في الطاعة أن يعفو عنا فيما قصرنا في طاعته، الغفران يكون في الخطأ أو ارتكاب الذنوب.
* الشيخ: صح.
* الطالب: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ في الآخرة
* الشيخ: في المستقبل.
* الطالب: في المستقبل.
* الشيخ: صح، يعني إذن العفو والمغفرة عما مضى، فالعفو يتعلق بالتفريط في الواجب، والمغفرة بانتهاك المحرم، والرحمة في المستقبل بحيث تعصمنا من الذنوب والمخالفات.
قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ما معنى قوله: ﴿مَوْلَانَا﴾؟
* طالب: معنى قوله ﴿مَوْلَانَا﴾ ليس لنا مولى غير الله.
* الشيخ: إيه نعم، لكن وأيش معنى المولى؟
* الطالب: الذي يناصرنا ويكون عونا لنا على (...)
* الشيخ: المتولي لأمورنا، الناصر لنا على غيرنا طيب. هذه الجملة، هل تفيد الحصر؟
* طالب: نعم
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لتعرف الطرفين
* الشيخ: لتعرف الطرفين، أفلا يمكنك أن تأتي بمثال تبين لنا هذا؟ عندكم كلمة واجد وكثير (...) لكن نبغي واحد بس، نبغي من الواجد أن تحذف النقطة اللي في الأصل.
* الطالب: (...)
* الشيخ: لا، مثال من عندك ما هو بلازم من القرآن ومن السنة.
* الطالب: لو قال قائل: أنا المسلم (...).
* الشيخ: أنا المسلم يعني وغيره ليس بمسلم.
* الطالب: (...) أو أنت مثلًا حبيبي (...).
* الشيخ: نعم، أخشى يقول: أنت حبيبي، إنه صاحب المطعم!! على كل حال لو قلت مثلا: أنت ضارب أو أنت الضارب أو لا؟
* طالب: (...)
* الشيخ: وين أيهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما هي بخطأ طيب قوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الفاء وأيش معناها؟
* طالب: تعقيب.
* الشيخ: تعقيب؟ لا.
* طالب: تفريع
* الشيخ: تفريع يعني فبسبب ولايتك نسألك أن تنصرنا على القوم الكافرين.
نأخذ الفوائد، قال الله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٢٨٥] إلى آخره
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدا رسول الله ﷺ مكلف بالإيمان بما أنزل إليه؛ لأن قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ هذا خبر يقتضي أن يكون وصفا له إن لم نقل إنه بمعنى الأمر، كذا؟ طيب. وقد مر علينا في البخاري أن النبي ﷺ قال: «أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري برقم (٥٤٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]] في قصة دين والد جابر رضي الله عنه.
* من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ والمنزل هو الوحي، والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم، لا يمكن أن يقوم بنفسه، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله، الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات علو الله؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿الرَّسُولُ﴾، وفي قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: عظم ربوبية الله وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول ﷺ؛ حيث قال: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾.
* ويتفرع على ذلك: أن الله سبحانه وتعالى سينصره؛ لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك، لا سيما وأنه سوف يبلغ ما أنزل إليه من ربه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمنين تبع لرسولهم ﷺ، حيث قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وجه التبعية: أنه ذكر المؤمَن به قبل أن يذكر التابع، يعني ما قال: آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه، وهذا يدل على أنهم أتباع للرسول عليه الصلاة والسلام لا يستقلون بشريعة دونه.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانا بالرسول ﷺ كان أشد اتباعا له، وجهه؟ أنه قال: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني: آمنوا بما أنزل إلى محمد ﷺ من ربه، وعليه فكل من كان أقوى إيمانا كان أشد اتباعا.
* ومن فوائدها أيضًا: أن إيمان الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين شامل لكل أصول الدين؛ لقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، كذا؟ ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
ويبقى عندنا إشكال وهو أنه لم يذكر الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر؟
والجواب على ذلك: أنه في ضمن الإيمان بالكتب والرسل؛ لأن الإيمان بالقدر والإيمان باليوم الآخر مما جاءت به الكتب والرسل، فيكون داخلا في ضمن الإيمان بالرسل والإيمان بالكتب.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾. ووجوب الإيمان بهم؛ لقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾، وقد سبق لنا في التفسير عن كيفية الإيمان بهم: أن نؤمن بأسمائهم ما علمنا منها، وبأوصافهم وبأعمالهم وأيش بعد؟ وبوظائفهم، الأعمال الخاصة بهم، والوظائف التي يقومون بها كالكتبة وحفاظ بني آدم وما أشبه ذلك، والأعمال التي يقومون بها على وجه خاص كالذين يذكرون ويسجدون وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق، لا نقول مثلا: نؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، ولكن لا نؤمن بعيسى؛ لأن عيسى من بني إسرائيل، لا، نحن لا نفرق بين الرسل، وقد سبق لنا معنى قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين السمع والطاعة؛ لقوله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وذكرنا في التفسير أن الناس ينقسمون في هذا المقام إلى ثلاثة أقسام: معرض لا يسمع ولا يطيع، والثاني: سامع مطيع عكسه، والثالث: سامع غير مطيع وهذا أشد من الأول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ فكل إنسان محتاج إلى المغفرة حتى النبي عليه الصلاة والسلام محتاج إلى المغفرة؛ ولهذا لما قال عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٥٦٧٣)، أخرجه مسلم برقم (٢٨١٦ (٧٣))، من حديث أبي هريرة.]]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢] كل إنسان محتاج إلى المغفرة، ومن ذهب من أهل العلم إلى أن الرسول ﷺ لا يقع منه الذنب، وأن الاستغفار الذي يقع منه إنما هو للتعليم فقط، فقد أبعد النجعة، كما أن من قال: إن الاستغفار الذي كان الرسول يقوم به كان استغفارًا لذنوب أمته. وهذا أيضًا خطأ؛ لأن الله قال له: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩] فخص ذنبه، ثم قال: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، واعلم أن الإنسان قد يكون بعد الذنب أعلى مقاما منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئا للحال التي عليها، وماشيا على ما هو عليه معتقدا أنه كامل، وأنه ليس عليه ذنوب، فإذا أذنب وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب إليه، وأخبت إليه فيزداد إيمانا ويزداد مقاما، ويرتفع مقامه عند الله عز وجل؛ ولهذا قال الله تعالى في آدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية، اجتباه ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، وهذا كثيرا ما يقع، إذا أذنب الإنسان عرف قدر نفسه وأنه محتاج إلى الله ورجع إلى الله وأحس بالخطيئة وأكثر من الاستغفار وصار مقامه بعد الذنب أعلى من مقامه قبل الذنب.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات أن المصير إلى الله عز وجل في كل شيء؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وقد سبق لنا في التفسير أن المراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة والمصير إلى الله في الدنيا أيضًا فهو الذي يحكم بين الناس ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠].
ثم قال عز وجل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ حيث لا يكلفهم إلا ما استطاعوه ولو شاء أن يكلفهم ما لم يستطيعوا لفعل، فإذا قال قائل: كيف يفعل وهم لا يستطيعون، وما الفائدة أن يأمرهم بشيء لا يستطيعون؟ قلنا: الفائدة أن يعاقبهم على عدم الفعل، هذه هي الفائدة، أنه لو كلفهم بما لا يستطيعون وعجزوا عاقبهم على ذلك، لكن من رحمته سبحانه وتعالى أن ما لا نستطيع فإننا لا نكلف به، وهذه قاعدة عظيمة من أصول الشريعة ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ولها نظائر في القرآن وكذلك في السنة.
* من فوائدها: إثبات القاعدة المشهورة عند أهل العلم وهي: لا واجب مع عجز، ولا محرم مع الضرورة انتبه، لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله، فإن لم يكن له بدل سقط، وإن عجز عن بدله وهو له بدل سقط كذا ولَّا لا؟ مثال ذلك إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء، لكن ينتقل إلى التيمم فإن عجز سقط التيمم أيضًا، لو كان شخصا محبوسا مكبلا لا يستطيع أن يتيمم ولا أن يتوضأ، قلنا: صل على حسب حالك بدون وضوء وبدون تيمم، واضح؟ طيب.
رجل قاتلٌ نفسًا خطأ قلنا له: عليك أن تعتق رقبة قال: لا أجد، عليك أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا أستطيع. ماذا نقول؟ يسقط عنه حتى لو كان عنده من الدراهم الشيء الكثير فإنه لا يجب عليه الإطعام.
رجل جامع زوجته في نهار رمضان، قلنا له أيش: أعتق رقبة. قال: لا أجد. صم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع. أطعم ستين مسكينا. قال: لا أجد. ماذا نقول؟ نقول: لا شيء عليك. إذن القاعدة لا واجب مع عجز أخذ من هذه الآية.
رجل جاء والصف تام ما يستطيع أن يصف بين الناس، نقول: صل وحدك خلف الصف؛ لأن واجب المصافة الآن عجزت عنه، فيسقط عنك.
إنسان لا يستطيع أن يصلي قائما في الفريضة، نقول: صل قاعدا. قال: لا أستطيع. صل على جنب قال: لا أستطيع ما عندي حركة إطلاقا. نقول: صل بقلبك. فالقاعدة هذه والحمد لله مطردة لا تنخرم أبدا.
المحظورات نقول: لا محظور مع الضرورة، أو لا محرم مع الضرورة، لكن بشرط انتبه، كلمة ضرورة تعني أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المحرم، الشيء الثاني يشترط مع كونه لا استغناء عن هذا المحرم أن تندفع ضرورته به، فإن لم تندفع فلا فائدة، وإذا عرفت أنه لا بد من هذه الشرطين ما هما: أن لا يمكن الاستغناء عنه بغيره. الثاني: أن تندفع ضرورته به، فحينئذ لا محرم، يكون حلالا له.
رجل اضطر إلى أكل الميتة، يأكلها؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: حلالا؟ ولا يأثم؟
طلبة: ولا يأثم.
* الشيخ: ولا يأثم؛ لأنه لا استغناء له عنها؛ ولأنه إذا أكل انتفع، اندفعت الضرورة.
رجل اضطر إلى التداوي بمحرم؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز، كيف؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لا، لا يجوز، أولا لأنه يمكن أن يستغني عنه بغيره، في أدوية كثيرة غيره؛ ولأنه لو تداوى به فقد تندفع ضرورته به ويشفى وقد لا تندفع، فيكون ارتكب محرما متيقنا لرجاء منفعة غير متيقنة، ولهذا لا يجوز بالإضافة إلى الأحاديث الواردة في هذا، طيب إذن هذه تخرم القاعدة أو لا؟ لا تخرم القاعدة؛ لأنها ما دخلت أصلا حتى تكون خارمة لها.
* طالب: طالب: يعني مثلًا واحد أكل شيء ما مثل (...).
* الشيخ: أولًا هذا ممنوع (...) السؤال ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه، لكن هو الآن سيورد نقضا لقاعدتنا الظاهر قصده، يقول: رجل غص بلقمة دور ما وجد إلا خمر، يعني ضاقت الدنيا ما لقي إلا كأس خمر ولا يوجد كأس ماء؟! لكن على كل حال ماذا نصنع؟ يشرب منه بقدر ما يدفع اللقمة فقط؛ لأن الشرط تم، لا يمكن أن يستغني عنه، ما عنده غيره، وتندفع به الضرورة، واضح؟
* طالب: ولا ينقض القاعدة يا شيخ؛ لأنه هو المشروب هذا ما هو المقصود به العلاج ولكن دفع اللقمة فقط.
* الشيخ: إي نعم ما هو داخل.
محرم يحتاج إلى حلق رأسه، اضطر إلى ذلك؛ لدفع أذى، فحلقه يجوز ولَّا لا؟ نعم لا محرم مع الضرورة، يجوز، يأتي بالموسى، ويحلقه وهو مستريح البال، لكن أوجب الله عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، كيف ذلك؟ قال العلماء: لأن هذا الذي انتهك هذا المحرم ما انتهكه لضرورة إليه نفسه، لكن لدفع ضرورته به، ولهذا القاعدة عندهم الفقهية: من أتلف شيئا لدفع أذاه فلا ضمان، ومن أتلف شيئا لدفع أذاه به ضمنه، هذه القاعدة، من أتلف شيئا لدفع أذاه لم يضمنه ومن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه، كلام معلوم؟ من أتلف شيئا لدفع أذاه لم يضمنه، صال عليك صيد وأنت محرم والصيد يحرم على المحرم قتله، أليس كذلك؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥] خفت على نفسك، ولم يندفع هذا الصيد إلا بقتله فقتلته، عليك ضمان؟ لا؛ لأنك دفعت أذاه، فهو الذي أسقط حرمته بالأذى، واضح؟
جعت واحتجت إلى قتل الصيد لتأكله فقتلته وأكلته، قتلك إياه حلال؛ لأنك مضطر، لكنك تضمنه، لماذا؟ لأنك لم تقتله لدفع أذاه ولكن لدفع أذاك به، لدفع أذاك وتضررك به، المحرم إذا حلق رأسه لإزالة القمل، فهنا ما حلق الشعر من أجل الشعر، الشعر ما جاءه منه مضرة، لكنه حلقه لأيش؟ لدفع أذاه به؛ لأنه إذا حلقه ذهب القمل، صار نظيفا ولا فيه ظل يستظل به القمل فاستفاد، ولهذا أوجب الله فيه الفدية من صيام أو صدقة أو نسك؛ لأنه أتلفه لدفع أذاه به؛ ولهذا يقول الفقهاء: إذا نزلت شعرة بعينه ثم نقشها بالمنقاش لدفع أذاها فهل يضمن؟ يقولون: لا يضمن وهذا يقع كثيرا أظن بس ما أدري الآن قليل هذا، كنا نعرف فيما سبق في الجفن هنا يخرج من داخله شعرات تؤذي العين ونراهم كثيرا ما يمسكون الرجل، ثم يفصل الجفن هكذا ومعه منقاش ينقش الشعرات، نقول: هذا لدفع أذاها فلا ضمان، وهذا بناء على أن شعر غير الرأس كشعر الرأس تحرم إزالته في حال الإحرام، وقد سبق لنا في باب محظورات الإحرام أن الصحيح: أن التحريم خاص بشعر الرأس فقط، أما غيره من الشعور فليس فيه التحريم، ما عليه دليل على تحريم إزالته في حال الإحرام.
الخلاصة الآن أخذنا من هذه الآية الكريمة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قاعدتين متفق عليهما وهما: لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة، ولكنا قلنا في الواجب: إذا كان له بدل نتحول إلى بدله، فإن عجزنا سقط.
* طالب: القاعدة الثانية شيخ؟
* الشيخ: نعم، القاعدة الثانية: لا محرم مع الضرورة، ولكنا قلنا، إنه يجب أن نعلم ما معنى الضرورة؟ قلنا: الضرورة هو أن لا يستغني عنه، أي عن فعل هذا المحرم، ويشترط أن تندفع ضرورته به وإلا فلا، ثم أتينا بقاعدة عارضة وهي: إذا أتلف الإنسان شيئا يحرم عليه إتلافه مع اضطراره إليه، قلنا: لا يأثم، الإثم لا يأثم، لكن هل عليه الضمان؟ فيه التفصيل: إن أتلفه لدفع أذاه فلا ضمان، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه، وقد ذكرنا الأمثلة لهذا.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يحمل وزر غيره؛ لقوله: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وأن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره؛ لقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾؛ لأن ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يشمل ما كسبه الإنسان بعمله وما كسبه بعمل غيره، وأما الاكتساب فلا يتحمل الإنسان إثم غيره.
فإن قلت: يرد عليك أنه ثبت عن النبي ﷺ: أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم برقم (١٠١٧ (٦٩)) من حديث جرير بن عبد الله.]]؟
فالجواب: أن هذا لا يرد؛ لأن الذي فعلها أولا اقتدى الناس به، فكان اقتداؤهم به من آثار فعله، كان من آثار فعله، ولهذا يكون هو المتسبب، وهو الدال على هذا الفعل المحرم فيكون مكتسبا له.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن القُرَب لا تصل إلى الأموات كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩] فهل هذا الاستدلال وجيه؟ نقول: نعم، هو عندهم وجيه؛ لأن الله أضاف الفعل إلى الفاعل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ والقرب التي فعلها الغير، الكاسب لها هو الغير، فلو أن الإنسان صلى، وقال: اللهم إني أصلي لفلان فاجعل ثوابها له، يقولون: هذا لا ينتفع به فلان، لا ينتفع به، لو تصدق وقال: اللهم إن صدقتي هذه لفلان فاجعل ثوابها له، يقولون: لا ينفع إلا أنهم يستثنون ما جاء به النص؛ لأن الله يقول: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الإنسان إذا نوى بالعمل الصالح أن يكون لغيره فإن غيره ينتفع به، ولنا بذلك أدلة، منها: حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه «أنه كان له مِخْرافٌ -يعني بستان- فأرادَ أن يتصدّقَ به عن أمِّه، فسألَ النبيّ ﷺ عن ذلك. فقال: «نَعَمْ»، وأذِنَ له به»[[أخرجه أبو داود برقم (٢٨٨٢)، والترمذي برقم (٦٦٩)]].
ومنها أيضًا: «أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله إنّ أمّي افتُلتَتْ نفسُها وأظنّها لو تكلمتْ لتصدقتْ أفأتصدّقُ عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[حديث متفق عليه البخاري برقم (١٣٨٨)، ومسلم برقم (١٠٠٤ (٥١)) من حديث عائشة.]].
ومنها: قول الرسول ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري برقم (١٩٥٢)، ومسلم برقم (١١٤٧ (١٥٣)) من حديث عائشة.]].
ومنها:« أن امرأةً سألتِ النبيّ ﷺ عن أبٍ لها أدركته فريضةُ الله وهو لا يستطيعُ الركوبَ على الراحلة، واستأذنته أن تحجّ عنه فأذِنَ لها»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (١٥١٣)، ومسلم برقم (١٣٣٤ (٤٠٧)) من حديث ابن عباس.]]، والأمثلة في هذا كثيرة.
فإن قالوا: ما ورد به النص نقتصر عليه، وما لم يرد به لا ندخله، فالجواب أن يقال: إن هذه قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تمنع غيرها أن يثبت له حكمها بالقياس؛ لأن الذي أذن لسعد بن عبادة مثلا وللرجل الآخر أن يتصدقا عن أمهما، لو جاءه سائل، وقال: يا رسول الله، أرأيت لو قرأت قرآنا أو صليت ركعتين أجعلها لأمي ما ندري هل يقول لا أو لا يقول، ومقتضى الدليل أن يقول: نعم؛ لأن الكل عمل صالح، ولا فرق بين صدقة وصوم وحج وقراءة قرآن وصلاة لا فرق بينها، إن قالوا الصدقة عمل مالي أو قربة مالية ينتفع بها الغير، قلنا: الحج هل هو قربة مالية ولَّا بدنية؟ بدنية، الصوم قربة بدنية، ومع ذلك أجازه الشارع، والتفريق بين البدني والمالي لا دليل عليه أبدا، وحينئذ نقول: إن الإنسان إذا نوى بالعمل الصالح أن يكون ثوابه لفلان فله ذلك ويصل إليه وينتفع به.
فإذا قال قائل: إذا قلتم ذلك، فهل يشرع أن نجعل ثواب ما عملناه لرسول الله ﷺ؟ مثل ما يوجد في بعض المصاحف في آخر المصحف دعاء ختم القرآن: اللهم اجعل ثواب ما قرأناه وتلوناه وكذا وكذا لروح سيدنا محمد ﷺ، ولروح آل سيدنا محمد ولكذا ولكذا، فهل من المشروع أن نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يهدي القرب إلى أعظم الناس حقا عليه وهو رسول الله ﷺ؟
الجواب: لا، لا يشرع أبدا، لماذا؟ لأنك مهما عملت من عمل، فإن ثواب العمل هذا يصل إلى الرسول ﷺ أهديته أم لم تهد؛ لأنه هو الدال على هذا العمل، فليس بحاجة، وأنت إذا أهديت ثواب عملك إليه فحقيقة الأمر أنك حرمت نفسك من ثواب هذا العمل؛ لأن ثواب هذا العمل حاصل للرسول عليه الصلاة والسلام، إذن ليس بمشروع.
هل يشرع أن أهدي الثواب لأقاربي؟ للأقارب؟ يقول بعض العلماء: لا يشرع؛ لأن هذا إنما ورد في الأصل، يعني في الأصول، ورد في الأصول، فنقول له: هذا خطأ، الذي ورد في الأصول ليس قولًا يفيد العموم للأمة، إنما هي قضية عين، سعد بن عبادة استأذن أن يجعل ذلك لأمه، والرجل الآخر استأذن أن يكون لأمه، لكن قل أو ماذا تقول في قول الرسول ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري برقم (١٩٥٢)، ومسلم برقم (١١٤٧ (١٥٣)) من حديث عائشة.]]؟ يشمل أمه وأباه وأخاه وعمه وكل من كان يتولى أمره، فتخصيص هذا بالأبوين ليس عليه دليل.
إذا قال قائل: هل من المشروع أن أهدي الثواب للأقارب من آباء أو غيرهم؟ فالجواب: لا، ليس من المشروع، لكنه من الأمور الجائزة، التي لم يمنع منها رسول ﷺ، ومع كونه لم يمنع منها أرشد إلى ما هو أهم وأولى، وهو الدعاء؛ حيث قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم برقم (١٦٣١ (١٤)) من حديث أبي هريرة.]] شوف تأمل الآن سياق الحديث في العمل ولَّا لا؟ في العمل، «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ»، وعدل عن قوله: أو ولد صالح يعمل له، إلى قوله: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» وهذه إشارة واضحة إلى أن العمل للغير ليس بمطلوب من الإنسان، الدعاء أفضل؛ ولذلك لا نجد هذا موجودا بكثرة في عهد الصحابة رضي الله عنهم مع حرصهم على الخير والإحسان، وبه نعرف أن ما يفعله كثير من الناس اليوم بإهداء القرب إلى الأموات، وكونه إذا أهدى القربة إلى الميت يحسنها أكثر مما إذا فعلها لنفسه كما هو مشاهد، نعرف أن هذا من سوء التصرف وعدم الفقه في دين الله عز وجل.
* طالب: هل يجوز إهداء الثواب (...) للوالدين وهم أحياء؟
* الشيخ: إي نعم، يجوز إلا فيما يشترط فيه أن يباشروا فعله مثل الصلاة، مثلا صلاة الفريضة لو قال: بأصلي عن أبي؛ لأنه يتعب. ما صح.
* طالب: شيخ، قلنا يا شيخ في ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لكلف الناس غير وسعها، لكن يا شيخ قلنا في موضع آخر: إن الله سبحانه وتعالى لا يشاء شيء إلا لحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ﴾ [الإنسان 30].
* الشيخ: أحسنت، إي نعم.
* الطالب: عدم يعني تكليف الإنسان ما لا يستطيع (...).
* الشيخ: ما صار هذا، ما صار حتى نذهب إلى أن نشوف وجهه، نقول: لو شاء، وذكرنا الحكمة، قلنا الحكمة من ذلك أن يعاقبهم إذا أبَوْا.
* طالب: الحكمة أن الله سبحانه وتعالى يعاقبهم عليها، ولكن الله سبحانه وتعالى يعاقب النفس على شيء -يعني لا تستطيع- الله سبحانه وتعالى يعلم أنها لا تستطيع (...) العدل.
* الشيخ: هو لهذا صار غير موجود؛ ولهذا نحن نقول هذا من فضل الله علينا، يعني: لو قلنا بأن هذا ممتنع ما صار فيه فضل وصار كل ما دل على (...) التكليف الشاق يصير ما فيه فضل، إحنا نقول: هذا فيه فضل.
* الطالب: إي نعم، فضل من ناحية يعني تكليف العبادة.
* الشيخ: طيب، إذن من فضل الله أنه لم يكلف ما لا يستطيعه العبد.
* الطالب: لكن الفضل يعود على تمام عدل الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) ممتنع.
* الشيخ: هذه إحنا نقول: ممتنعة الآن.
* طالب: تفسير الآية قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]؟
* الشيخ: بيجينا، إن شاء الله الجواب عليها.
* الطالب: (...)
* الشيخ: أقول بيجينا إن شاء الله الجواب على هذا على أدلتهم اللي قالوا ما ينتفع بعمل غيره، إحنا ذكرنا أدلة القائلين بأنه ينتفع، وسنجيب إن شاء الله تعالى عن أدلة القائلين بأنه لا ينتفع.
* طالب: يا شيخنا قول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» أو ولد صالح يدعو له قول النبي ﷺ: انقطع معناه العمل ما يأتيه (...) ولا ينتفع من غيره، بل الدعاء وبولده (...)؟
* الشيخ: نعم لا ما في إشكال هذا استثناء منقطع، ما تعرف الاستثناء المنقطع؟ يكون الاستثناء من غير جنس المستثنى منه.
* الطالب: كيف يكون المعنى؟
* الشيخ: يعني معنى الحديث: إن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به هذا واضح، هذا من عمله، أو ولد صالح يدعو له هذا استثناء منقطع، يعني لكن إن دعا له ولد صالح انتفع به.
* طالب: الحديث الذي ورد في سبب نزول هذه الآيات ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ أتى الصحابة، وقالوا: كلفنا ما لا نطيق، وأنزلت آية لا نطيقها، وهي هذه الآية، هل هذا فيه دليل على جواز التكليف بما لا يطاق؟ لأن الرسول ﷺ أقرهم، ما قال لهم لا، «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»[[أخرجه مسلم برقم (١٢٦ (٢٠٠)) من حديث ابن عباس.]] (...).
* الشيخ: لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] هو الحقيقة إن هذا وإن سماه بعض العلماء نسخا، فهو نسخ باصطلاح المتقدمين، يعني تخصيص، وإن كان بعضهم أطلق عليه النسخ والصحيح أنه ما هو بنسخ، إنه من باب التخصيص.
* طالب: لما نزلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أتوا قالوا يا رسول الله: لا نطيقها، فهنا قالوا: لا نطيقها، والرسول ﷺ قال: «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا».
* الشيخ: إي مرادهم بعدم الإطاقة يعني: أنه يأتي على قلوبنا شيء ما نستطيع دفعه، هذا بعمل القلب، يعني إذا أتى القلب شيء ما يمكن دفعه، ما يمكنه دفعه لا يطيقه.
* الطالب: يعني ما فيه دليل على هذا؟
* الشيخ: ما فيه دليل، قد يكون مرادهم بهذا المشقة الشديدة في التحرز منه.
* طالب: شيخ، قراءة القرآن يعني إذا كان عام من غير تخصيص يعني (...)؟
* الشيخ: إي نعم، إلا ما ورد به النص يعني: مثل لو قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وخصصها للميت ما فيها شيء؛ لأنها تعدل ثلث القرآن، وكذلك الفاتحة أعظم سورة في كتاب الله.
* طالب: شيخ، حديث الرسول صلة الله عليه وسلم، «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا ثلاثة» وذكر صدقة جارية، فلو اكتسب الإنسان يعني، واهب بنى ملاهي مثلا، ومات، هل الملاهي هذا من دخل فيه يعني ارتكب إثم، هل هذا الإثم يجد وزره؟
* الشيخ: إي نعم، نعم، نعم.
* الطالب: إذن هذا ما انقطع عمله؟
* الشيخ: هذا ما هي الصدقة الجارية، هذا عقوبة جارية.
* طالب: شيخ، بالنسبة إذا تاب الإنسان وعنده عمل سيئ وسنه للناس (...) ولكنه تاب أليس..؟
* الشيخ: يجب عليه كسر الصنم هذا.
* الطالب: ما استطاع.
* الشيخ: إذا ما استطاع سقط عنه التكليف إي نعم.
* طالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ما يدخل تحت قول الله تعالى: «قد فعلت»؟
* الشيخ: كل هذه الجمل يقول: «قد فعلت».
* الطالب: قول الله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ تدخل التكاليف الشرعية والقدرية؟
* الشيخ: إي نعم نعم.
* الطالب: (...) ما لا طاقة لهم به.
* الشيخ: لا، أنت الآن تدعو فهمت ولَّا لا؟ تدعو الله سبحانه وتعالى بذلك، فإذا دعوت الله تعالى بصدق فإن هذه المصائب التي قد لا يطيقها بعض الناس أنت يحملك الله إياها، وتكون عندك سهلة مثل يوم القيامة على المؤمنين يسير، وعلى الكافرين غير يسير.
* الطالب: إذا حصلت على الإنسان؟
* الشيخ: إذا حصلت قد تيسر عليه وكأنها ليست بشيء.
* الطالب: إذا ما يسرت إما إنه ما دعا، أو إنه ما دعا..
* الشيخ: أو إنه ما دعا بإخلاص، أو لغير ذلك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦].
أخذنا من هذه الآية عدة فوائد:
* منها: يسر الدين الإسلامي، من أين أخذ؟ من قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
* ثانيا: أن العبادات تتنوع بحسب حال المكلف، فقد نلزم هذا الرجل أن يصلي قائما مثلًا، ولا نلزم الآخر، نلزم هذا أن ينفق، ولا نلزم الثاني، نلزم هذا بالجهاد، ولا نلزم الثاني وهكذا، فالتكليفات تتنوع بحسب المخاطب أو بحسب المكلف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان طاقة محدودة؛ لقوله: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء، في العلم والقدرة، والفهم، والحفظ، كل شيء له طاقة محدودة كلف بحسب طاقته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان ما كسب مباشرة أو بواسطة غيره؛ لقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن للإنسان أن يظلم ببخس حسنة واحدة من حسناته؛ بدليل قوله: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ و﴿مَا﴾ هذه اسم موصول تفيد العموم، أي كل ما كسبت.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن على الإنسان وزر ما اكتسب؛ لقوله: ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
* ويتفرع على اختلاف التعبير أنه لا يؤاخذ بالهم بالسيئة؛ لقوله: اكتسب والتاء تدل على أيش؟ على الفعل والمباشرة بخلاف الثواب في الأعمال الصالحة، فإن الإنسان يثاب على نيته؛ ولهذا قال: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾.
* ومنها: أنه لا يجوز أن يحمل الإنسان غيره وزر نفسه، ويجوز أن يجعل ثواب العمل الصالح لغيره، من قوله: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، فلو أن الإنسان عمل عملا محرما وقال: اللهم اكتب وزر هذا على عدوي فلان، يمكن؟
* الطلبة: ما يمكن.
* الشيخ: طيب، عمل عملا صالحا وقال: اللهم اكتب أجر هذا لأبي أو أخي أو لفلان من الناس؟ هذا يصح، وهذا هو الفائدة من قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة كسب، والأعمال السيئة غرم؛ وذلك مأخوذ من قوله: ﴿لَهَا﴾، ومن قوله: ﴿عَلَيْهَا﴾، فإن على ظاهرة في أنها غرم، واللام ظاهرة في أنها كسب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق؛ حيث علمهم دعاء يدعونه به واستجاب لهم إياه، في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف المناسب، مثل الربوبية التي بها الخلق والتدبير؛ ولهذا أكثر الأدعية اللي في القرآن كلها مصدرة بوصف الربوبية مثل: ربنا، أو رب، ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح ٢٦]، وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم ٣٦] وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رفع المؤاخذة بالنسيان والجهل؛ لقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فقال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ».
وهل يلزم من رفع الإعادة سقوط الطلب؟ الجواب: لا، لا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب، فمن ترك الواجب نسيانا أو جهلا وجبت عليه إعادته، ولم يسقط الطلب، بل وجب عليه فعله، ولم يسقط الطلب به؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٥٩٧)، ومسلم برقم (٦٨٠ (٣٠٩))، والبزار برقم (٦٣٢٠) واللفظ له من حديث أنس بن مالك. ]]، ولما صلى الرجل الذي لا يطمئن في صلاته، قال له: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٧٥٧)، ومسلم برقم (٣٩٧ (٤٥)) من حديث أبي هريرة.]] ولم يعذره بالجهل مع أنه لا يحسن غير هذا، إذن فعدم المؤاخذة بالنسيان والجهل أيش؟ لا يسقط الطلب، وهل يرفع إثم النهي؟ الجواب: نعم يرفع إثم النهي، وهل يصح أن نقول: إنه في النهي لا يسقط الطلب؟ يصح، كيف لا يسقط الطلب؟ لأن النهي مطلوب تركه، فإذا فعلته ناسيا أو جاهلا، لم يرتفع الحكم بل الحكم باق وطلبُ تركه مطلوب باق، لكن الفرق بين النهي والأمر: أن الأمر يطلب به الإيجاد، والنهي يطلب به الترك، فهذا الرجل الذي فعل المحرم جاهلا أو ناسيا نقول: كأنك لم تفعله، إذن إذا كان يترتب على هذا المنهي عنه بطلان العبادة فإن العبادة لا تبطل، إذا كان يترتب عليه كفارة فإن الكفارة لا تثبت، لماذا؟ لأنه قد رفعت فيه المؤاخذة عن هذا الفعل المحرم، وإذا رفعت المؤاخذة فيه صار وجوده أيش؟ كالعدم كأن لم يكن شيء، ولهذا نقول: لو أكل الإنسان وهو صائم ناسيا فصومه صحيح كما دلت عليه السنة، ولو أكل جاهلا يظن أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب، فصومه صحيح كما جاءت به السنة، ولو جامع جاهلا أن الجماع يفسد الصوم؟
* طالب: (...)
* الشيخ: انتبه، جاهلا أنه يفسد الصوم، لكنه عالم أنه حرام، هذا ما دام عنده علم فلا يشترط العلم بما يترتب على المحرم، ليس بشرط ما دمت تعلم أنه محرم يترتب عليك أثره، فلو جامع يعرف أن الجماع حرام، لكن لم يعلم أن عليه هذه الكفارة المغلظة، قلنا: إن الكفارة واجبة عليك؛ لأنك انتهكت المحرم عالما به، أفهمتم الآن؟ طيب ولذلك لم يسقط النبي ﷺ الكفارة عن الذي جامع في رمضان مع أنه لا يدري ماذا عليه، جاي يسأل وأيش عليه، لكنه يعرف أنه حرام بخلاف الإنسان الذي لم يعلم أنه حرام فهذا ليس عليه إثم ولا قضاء ولا كفارة، والفرق بينهما ظاهر أظن.
رجل جامع في الحج قبل التحلل الأول، لكنه لا يدري يحسب أن الإنسان إذا وقف في عرفة انتهى حجه، في ليلة المزدلفة ليلة العيد معه زوجته فنام معها وجامعها، قال: لأيش؟ قال لأن الرسول ﷺ يقول: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»[[أخرجه ابن ماجه برقم (٣٠١٥)، والترمذي برقم (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي.]] الحج عرفة حججت، فهذا الذي فهمت، فهل يفسد حجه؟ لا يفسد حجه، عليه كفارة؟ لا؛ لأن الجاهل كما تدل عليه الآية الكريمة غير مؤاخذ، وإذا لم يؤاخذ بفعل المحرم صار وجوده كعدمه.
حلف أن لا يكلم زيدا فرأى شخصا من الناس فكلمه، لكن ما يدري أنه زيد؟ ليس عليه كفارة؛ لأنه جاهل، والله يقول لما قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت، إذن هذه القاعدة، فإذا قال قائل: فعل الأوامر ذكرتم أنه لا بد أن يفعل المأمور، فما الذي يسقط عنه حينئذ؟ نقول: يسقط عنه الإثم؛ لأنه لو فعل المأمور على وجه غير صحيح متعمدا لكان آثما، إي نعم على وجه غير صحيح متعمدا لكان آثما؛ لأنه كالمستهزئ بآيات الله، مثل لو صلى محدثا، يعلم حدثه يكون آثما ولَّا لا؟ يكون آثما، صلى محدثا ناسيا حدثه؟ لا يأثم، إذن فهمنا عدم المؤاخذة، لكن هل نلزمه بأن يعيد الصلاة؟ نعم، نلزمه؛ لأن هذا فعل مأمور، فتبين بهذا وجه كون فاعل المأمور على وجه لا يصح ناسيا أو جاهلا أنه لا يؤاخذ، ولو أمرناه بالإعادة؛ لأنه لا يأثم بهذا الفعل، ألم تعلموا أن أبا حنيفة رحمه الله قال: لو صلى الإنسان محدثا عالما ذاكرا لكفر، كفر خرج من الإسلام، لأيش؟ لأنه مستهزئ، مستهزئ بآيات الله، نحن نقول: لو صلى ناسيا أو جاهلا لم يكفر وليس عليه إثم؛ لأنه لا يؤاخذ بالجهل والنسيان، لكن نظرا إلى قيام الطلب يجب عليه أن يفعل المطلوب.
من فوائد الآية الكريمة: أن فعل الإنسان واقع باختياره، فيكون فيها رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، وأن الإنسان إذا عمل عملًا اختياريًا فهو كالذي يجبر على عمله، تحرك الإنسان باختياره كتحرك السعفة في الهواء ليس باختياره، أعرفتم؟ القول هذا باطل ولَّا لا؟ لا شك، باطل سمعا وعقلا، أما السمع فإن النصوص الكثيرة في أن فعل الإنسان واقع بإرادته ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢] ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير ٢٨]، وأما العقل؛ فلأن الإنسان لو كان مجبرا على عمله؛ لكان عقوبة الله له ظلما إذ كيف يجبره على شيء ثم يعاقبه عليه؟ أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: طيب، هم يدعون أن الظلم أن يتصرف الإنسان في ملك غيره، وتصرف الله في ملكه ليس بظلم، حتى لو عذب المطيع فليس بظالم، ولكن نقول: بل لو فرض أنه عذب المطيع؛ لكان ذلك ظلما؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] فنفى عن نفسه الظلم عز وجل، المهم أن هذا ليس موضع البسط في هذه المسألة، لكن في الآية رد على الجبرية، ووجه الرد: أن الله رفع المؤاخذة عن الجاهل والناسي؛ لأن الجاهل والناسي لم يتعمد المخالفة، فدل ذلك على أن ما يؤاخذ به وهو ما صدر عن علم وذكر واقع بأيش؟ بإرادته؛ لأنه يؤاخذ على ذلك، قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن النسيان وارد على البشر، والخطأ وارد على البشر، وجهه؟ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ولو كان هذا غير وارد لكان الدعاء بعدم المؤاخذة به لغوًا وعبثًا، وكل إنسان ينسى، كل إنسان يخطئ «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[رواه الترمذي برقم (٢٤٩٩)، وابن ماجه برقم (٤٢٥١) من حديث أنس بن مالك.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (٤٠١)، ومسلم برقم (٥٧٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى يجعل البشر ينسى ويخطئ؟
قلنا: الحكمة ليتبين للإنسان ضعفه وأنه ضعيف، ضعيف في الإدراك وضعيف في الإبقاء، في كل حال؛ وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم والذاكرة، وما أشبه ذلك مما يحصل به النسيان والجهل؛ ولأجل أن يفتقر الإنسان إلى ربه عز وجل في رفع النسيان والجهل عنه، فيلجأ إلى الله عز وجل، ويقول: اللهم احفظ علي ما علمت، احفظ علي ديني، احفظ علي علمي، وما أشبه ذلك مما يوجب أن يكون الإنسان مفتقرا إلى ربه إذا علم أن حاله هي النسيان وأيش؟ والخطأ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها من قبلنا؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، فقال الله: قد فعلت، فدل هذا على أن هذه الأمة رفعت عنها الآصار والأغلال التي كانت على من سبق، وهو كذلك ولله الحمد.
* ومنها: أن هذه الأمة رفع عنها حكم النسيان.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن النسيان وارد على البشر، والخطأ وارد على البشر، وجهه ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، ولو كان هذا غير وارد لكان الدعاء بعدم المؤاخذة به لغوًا وعبثًا، وكل إنسان ينسى، كل إنسان يخطئ «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، والدارمي (٢٧٦٩)، من حديث أنس. ]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩)، من حديث ابن مسعود. ]].
فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى يجعل البشر ينسى ويخطئ؟
قلنا: الحكمة ليتبين للإنسان ضعفه وأنه ضعيف، ضعيف في الإدراك وضعيف في الإبقاء، في كل حال، وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم والذاكرة، وما أشبه ذلك مما يحصل به النسيان والجهل، ولأجل أن يفتقر الإنسان إلى ربه عز وجل في رفع النسيان والجهل عنه، فيلجأ إلى الله عز وجل، ويقول: اللهم احفظ علي ما علمت، احفظ علي ديني، احفظ علي علمي، وما أشبه ذلك مما يوجب أن يكون الإنسان مفتقرًا إلى ربه إذا علم أن حاله هي النسيان وأيش؟ والخطأ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها من قبلنا؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، فقال الله؟
* طالب: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
* الشيخ: لا ما هو بهذا، ما نقبل الإصر؟
* طالب: قال الله: قد فعلت.
* الشيخ: قال الله: قد فعلت.
إذن نقول: إن الله قال: قد فعلت، فدل هذا على أن هذه الأمة رفعت عنها الآصار والأغلال التي كانت على من سبق، وهو كذلك ولله الحمد.
* ومنها: أن هذه الأمة رفع عنها حكم النسيان؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
إذا قال قائل: ما تقولون في قول الله تعالى في قصة آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]؟
نقول: هذه مما رفعها الله عن هذه الأمة: النسيان رفع عن هذه الأمة، وأما في آدم فإنه أخذ به؛ لأنه قال: ﴿نَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]. فيكون في شريعة آدم يؤاخذ الإنسان بالنسيان، على أن بعض أهل العلم قال: إن المراد بالنسيان في قصة آدم الترك؛ لأن النسيان يطلق ويراد به الترك؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] أي: تركهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كانوا قبلنا مكلفون بما هو أعظم مما كلفنا به؛ لقوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وسبق لنا في التفسير مثال منه، من يأتي به؟
* طالب: أولا: إن اليهود كان إذا قتل الإنسان منهم، إذا الإنسان قتل واحدا فإنه يقتل به سواء عفا عنه وليه أو لم يعف، وعند النصارى أن الإنسان إذا قتل واحد منهم فعليه العفو.
* الشيخ: نعم.
* طالب: أن الله عز وجل أنزل على بني إسرائيل أنهم إذا أرادوا أن يتوبوا أن يقتلوا أنفسهم.
* الشيخ: لما عبدوا العجل خاصة جعل الله من توبتهم أن يقتلوا أنفسهم، كفاية مثالين.
طيب، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
* يستفاد أيضًا من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله سبحانه وتعالى العافية بحيث لا يحمله ما لا طاقة له به، ففيه ردّ على بعض أهل الصوف -أعني الصوفية- الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يقينا ما يشق علينا؛ لأننا عبيده، وإذا حصل لنا ما يشق فإننا نصبر عليه، وقد مرّ علينا قصة سحنون المالكي الذي قال في جملة ما قال يخاطب الله: فكيفما شئت فامتحني، يعني: إني صابر فكيف ما شئت فامتحني، فامتحن بعسر البول، وصار لا يتبول بسهولة، فكان يأتي على الكتاتيب، الصغار الأولاد الصغار في المدارس ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب، يأتي للصغار؛ لأنهم أقرب للإجابة، لأنهم لا تكتب عليهم الذنوب، يقول: ادعوا الله لي لعمكم الكذاب، لأيش؟ لأنه كذب، هل صبر ولَّا ما صبر؟
* الطلبة: ما صبر.
* الشيخ: ما صبر؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُ فَاصْبِرُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢ / ٢٠)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى.]] يؤخذ هذا من قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان سؤال الله العفو؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير في المأمورات، فيسأل الله العفو عن تقصيره؛ كقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾، وسؤال الله المغفرة من ذنوبه التي فعلها؛ لأن الإنسان إن لم يغفر له تراكمت عليه الذنوب ورانت على قلبه وربما توبقه وتهلكه؛ لقوله أيش؟
* الطلبة: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
* الشيخ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله أن يرحمه في مستقبل أمره، فيعفو عما مضى ويغفر ويرحم أيش؟ في المستقبل؛ لقوله: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ وبه نعرف اختلاف هذه الكلمات الثلاثة: طلب العفو عن التفريط في أيش؟
* الطلبة: في الطاعات.
* الشيخ: في الطاعات، في المأمور، والاستغفار عن فعل المحرمات، والرحمة فيما يستقبله الإنسان من زمنه أن الله يرحمه ويوفقه لما فيه مصلحته.
* من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن لا ولي له إلا ربه؛ لقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾، ففيه إثبات ولاية الله عز وجل، وسبق لنا في التفسير أن الولاية قسمان: عامة، وخاصة: عامة ومعناها أن الله يتولى جميع شئون الخلق من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وفاسق وعادل، وخاصة وهي ولايته لمن؟
* الطلبة: للمؤمنين.
* الشيخ: للمؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣]. ونقول أيضًا في خاصة الخاصة التي تكون للرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم ٤].
* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات الصفات الفعلية لله عز وجل؛ اعف عنا واغفر لنا وارحمنا وانصرنا على القوم الكافرين أيضًا.
وهذا هو مذهب السلف أن الله عز وجل له صفات تتعلق بإرادته ومشيئته، نوعها قديم وآحادها حادثة، النوع قديم وهو جنس الفعل، والآحاد حادثة، كل الأفعال التي يفعلها الله فجنسها قديم؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعالًا، وأما آحادها فهي حادثة، ولنفرض مثلا أن الله تعالى رزق شخصًا، متى يرزقه؟ إذا وجد، إذن هذا الفعل حادث ولا لا؟ حادث، نعم ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة، يحدث هذا، كل ليلة يكون نزول وإذا طلع الفجر انتهى النزول، وهكذا جميع الصفات الفعلية نقول فيها: اعتقادنا فيها أن جنسها قديم أو نوعها قديم وآحادها حادثة.
* من فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله عز وجل في النصرة على القوم الكافرين لقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: الأخذ بالأسباب، أو التنبيه على الأخذ بالأسباب؛ لقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ لأنه لا يمكن أن تطلب النصر وأنت على فراشك، لا بد أن تعمل ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]، كل شيء تدعو به الله عز وجل فإنك مأمور بفعل أسبابه، لو قال قائل: اللهم انصرني على القوم الكافرين. ولكنه في البيت ما تحرك، هذا لا يستقيم، طيب ينصرك على القوم الكافرين وأنت ما تقاتلهم؟
النصر يحتاج إلى فعل ويكون النصر عونا على هذا، يعينك الله عليهم.
لو قال قائل: اللهم ارزقني ولدا صالحًا، ولكن ما تزوج، يمكن هذا؟ منين يجيه الولد؟ ينبت من رأسه؟! ما يمكن، لا بد إنه يكون يتزوج وإلا كان دعاء باطلًا، فإذن كل شيء تسأله الله عز وجل فإنك مأمور بفعل أسبابه؛ لأن سؤالك الرب عز وجل من أجل أن يعينك ويهيئ الأسباب التي لا تستطيع أن تقوم بها، فأنت ربما تتزوج، تستطيع أن تتزوج مثلًا، تزوجت مثلًا، هل تستطيع أن تخلق ولدا؟ لا، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة ٥٨، ٥٩].
إذن هذا إلى الله، وأصل تيسير الزواج مثلا من الله عز وجل تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى.
كذلك أيضًا طلب النصر على القوم الكافرين لا بد من فعل السبب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر عدو لنا؛ ولهذا سألنا الله أن ينصرنا عليه، لا أن ننصره نحن، أدلة كون الكافر عدوا للمؤمن كثيرة في الكتاب وفي السنة، وإذا كان عدوا لنا فإن العقل والشرع يقتضي أن نتخذه عدوا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر ٦].
أما أن نعلم أنه عدو ثم نتخذه وليًّا، فهذا من السفه في العقل والضلال في الدين، فالواجب أن لا نثق بأي كافر مهما أظهر من الولاية والصداقة فإنه عدو؛ لقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.