Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:1 – آل عمران 3:14

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:1
  2. آل عمران 3:2
  3. آل عمران 3:3
  4. آل عمران 3:4
  5. آل عمران 3:5
  6. آل عمران 3:6
  7. آل عمران 3:7
  8. آل عمران 3:8
  9. آل عمران 3:9
  10. آل عمران 3:10
  11. آل عمران 3:11
  12. آل عمران 3:12
  13. آل عمران 3:13
  14. آل عمران 3:14

آل عمران 3:1

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالبسملة تقدم لنا الكلام عليها مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، كذا؟ فإذا قلت: باسم الله، وأنت تريد أن تأكل، كيف تقدر الفعل؟ باسم الله آكل.قلنا: إنه يجب أن يقدر أن يكون متعلقًا بمحذوف، لماذا؟ لماذا لا نقول: إنه غير متعلق؟ لأن الجار والمجرور لا بد له من متعلَّق يتعلق به لاَ بُــدَّ لِلْجَــــــارِ مِــــــنَ التَّعَلُّـــــــــقِ ∗∗∗ بِفِعْــــلٍ اوْ مَعْنَــــاهُ نَحْــــو مُرْتَقِــــــــــــي لأن الجار والمجرور معمول، هو بمنزلة المفعول به، فلا بد له من عامل.لماذا قدرناه فعلًا متأخرًا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل، والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركًا به ومستعينًا إلا باسم الله عز وجل.لماذا قدرناه فعلًا؟ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو، الأصل في العمل الأفعال؛ ولذلك لا تعمل الأسماء إلا بشروط، اسم الفاعل يعمل عمل الفعل بشروط، المصدر يعمل عمل الفعل بشروط، اسم المفعول يعمل عمل الفعل بشروط، الفعل يعمل بشروط؟ لا؛ لأنه هو الأصل في العمل؛ فلهذا نقدره فعلًا.لماذا قدرناه خاصًّا؟ لأنه أدل على المقصود، ممكن أن نقدر: باسم الله أبتدئ، لكن تبتدئ أيش؟ ما ندري، تبتدئ أكل، تبتدئ شرب، تبتدئ وضوء، تبتدئ عمل، ما ندري، إذا قلت: باسم الله آكل، وعينت الفعل، صار أدل على المقصود؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» ، أو قال: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ» ، فخص الفعل.إذن نقول: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، كمِّل؟ متأخر، فعل مناسب للمقام.أما الله فهو علم على ذات الله سبحانه وتعالى، على الذات المقدسة، لا يكون إلا له، وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، تأتي تابعة له.﴿الرَّحْمَنِ﴾ ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن فعلان الذي يدل على الامتلاء والسعة.﴿الرَّحِيمِ﴾ الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل، فهنا رحمة هي صفته، هذه دل عليها الرحمن، ورحمة هي فعله، أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم، دل عليها الرَّحِيمِ.﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر أو الحكم الدال عليه ذلك المعنى، ولَّا لا؟ إذن اجتمع في هذين الاسمين كل ما يجب أن يتعلق بالإيمان باسم الله؛ لأن الإيمان باسم الله لا بد أن تؤمن بالاسم، وأيش بعد؟ والصفة والأثر الذي هو الحكم المترتب على هذا، فنقول: الله رحمن ذو رحمة يرحم، كلها موجودة في القرآن، فالرحمن كما ترون، ذو الرحمة: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الأنعام: ١٣٣]، يرحم: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١].﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسم دال على الرحمة، وهي رحمة حقيقية دل عليها السمع والعقل، ما أدري كلام لغة عربي ولَّا غير عربي؟ عربي، دل عليها السمع والعقل، وأيش معنى السمع؟ النصوص: الكتاب والسنة، العقل: النظر والاعتبار، دلالة السمع على رحمة الله كثيرة ما تحصى، دلالة النظر أن نقول: كم في العالم من نعمة؟ وأيش الجواب؟ لا تحصى، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، كذا؟ لا تحصى بأنواعها وأجناسها فضلًا عن أفرادها، هذه النعم وأيش تدل عليه؟ تدل على أن المنعم راحم، ولولا الرحمة ما حصلت النعمة، وكم في العالم من اندفاع نقمة، أليس كذلك؟ بماذا؟ من آثار الرحمة، لولا الرحمة ما اندفعت النقمة.ومن عجبٍ: أن قوما يدَّعون العقل، يقولون: إن الرحمة لا يدل عليها العقل، بل العقل يدل على خلافها، أعوذ بالله، لأيش؟ قال: لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة، وهذا لا يليق بالله عز وجل -شوف الشيطان!- لا يليق، صحيح لا يليق؟ نقول: الرحمة بهذا المعنى مَن هي رحمته؟ رحمة المخلوق، لكن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، ثم إننا نمنع أن تكون الرحمة كما زعمتم حتى في المخلوق، يأتي ملك تام السلطان لا يخشى أحدًا إلا الله ويرحم هذا الفقير، هل نقول: رحمته هذه تنافي ما عنده من السلطان والعظمة اللائقة به؟ أبدًا، ما تنافي ولا يقال: والله هذا ملك مهين إنه يرحم الفقراء ويرحم الضعفاء، لا، بل يعد هذا من كماله.ثم نقول لهم: العقل دل عليه، نمنع قولكم: إن العقل لا يدل عليه، بل نقول: إن العقل دل عليه، لو تسأل عامي في السوق بعد أن نزل المطر في الليل وخرج الناس يمشون في المطر، ونقع المطر، وهواء المطر والرطوبة، تلقي عامي تقول: ما شاء الله نزل البارحة مطر، يقول لك: إي والله، الحمد لله، رحمة الله واسعة، وأيش عرف إن هذا المطر من ين؟ من الرحمة.لكن يقولون: الإرادة ثبتت بالعقل، إرادة الله ثبتت بالعقل، بماذا؟ قالوا: ثبتت بالتخصيص، إنه خص هذا اجعل هذه سماء، واجعل هذه أرض، وهذه بقرة، وهذه شاة، وهذه بعير، وهذا حمار، إلى آخره، الذي خصص هذا مِن هذا هو؟ الإرادة، إذن فيه إرادة لله دل عليها التخصيص، اسأل طالب علم ما هو عامي، قل: كيف تستدل بالعقل على الإرادة؟ على إرادة الله؟ وأيش يبغي يقول لك؟ ما يستطيع، ربما يستطيع أن يقول: أستدل على إرادة الله، ها الكون هذا كله بإرادة الله، لكن ما يقول لك: إن التخصيص هو الذي يدل على الإرادة، كذا ولَّا لا؟ ومع ذلك الرحمة ما دل عليها العقل عندهم، والإرادة دل عليها العقل، ونحن نقول: إن الإرادة والرحمة كلتاهما دل عليها العقل، ولا شك في هذا.البسملة ذكرنا فيما سبق أنها آية من القرآن لا شك، مستقلة لا تابعة، لا للتي قبلها ولا للتي بعدها، مستقلة، لكن يؤتى بها لابتداء السورة، كل سورة تُبتدأ بالبسملة إلا واحدة من السور وهي براءة، فإنه لم يثبت عند الصحابة أن الرسول ﷺ ابتدأها بالبسملة؛ ولذلك جعلوا فاصلًا بينها وبين الأنفال ولم يجعلوا بسملة؛ لأنهم ترددوا: هل هي من بقية الأنفال أو هي مستقلة، فقالوا: نجعل الفاصل ولا نجعل البسملة، إنما البسملة تؤتى آية مستقلة تُبتدأ بها كل سورة، حتى الفاتحة وهي أول السور تُبتدأ بها.وهل هي من السورة؟ قلنا: لا، وعلى هذا فما يوجد في المصحف الآن المرقم في الفاتحة خاصة فيها رقم واحد، على أنها أول آية من الفاتحة هو قول مرجوح، والراجح أنها ليست آية من الفاتحة، وقد مر علينا بيان رجحان هذا القول. نعم.* طالب: (...)* الشيخ: إي نعم، هو يسأل يقول: نحن ندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، ونحن ما عندنا السلاح نقاوم به؟ نقول: النصرة على القوم الكافرين بأن يهيئ الله لنا أسلحة نقاوم بها أو يدمر أسلحتهم، تدمير أسلحتهم نصر لنا ولَّا لا؟* طالب: قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، خلاف العلماء في كون البسملة آية من آيات الله أو غير آية هل يعد ذلك تنقيصًا لهذه الآية؟* الشيخ: لا لا، هل حُذفت من المصحف؟ إيه، حفظت، لا لا، يقولون: آية، لكن بس هل هي آية، بالاتفاق أنها آية، لكن هل هي من السور التي بعدها أو لا، الخلاف في العدد. * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ* الشيخ: لا، مِنْ قَبْلُتبع اللي قبلها.* الطالب: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ١ - ٤].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى ومحلًّا، وتقدم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور.الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور قيل: إنها رموز وإشارات إلى أشياء، وعيّنها بعض المفسرين، وقيل: إنها حروف لا ندري ما معناها، فالله أعلم بما أراد بها، وقيل: بل هي حروف هجائية ليس لها معنى، وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين، واللسان العربي لا يعطي هذه الحروف الهجائية معنى، وإذا كان لا يعطيها معنى فبمقتضى نزوله به أن لا يكون لها معنى، لكن قال بعض حذاق العلماء: إن لها مغزى، أي: هذه الحروف لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الذي أعجز فصحاء البلاغة العرب العرباء إنما كان بالحروف التي هم يعرفونها، ويُرَكِّبون كلامهم منها، ومع ذلك أعجزهم، يعني لو جاء بلسان غير عربي لقالوا: نعجز عنه، لكن جاء باللسان العربي الذي يكوّنون كلامهم بالحروف التي كان بها هذا القرآن، قال: ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكر القرآن، وهذا ما قاله الزمخشري وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم.وقوله: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، فـاللَّهُمبتدأ، وجملة لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَخبر المبتدأ، لكن هذه الجملة جملة أيضا، لكنها تسمى عند النحويين: جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والكبرى: مجموع المبتدأ والخبر. وقوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُخبران آخران، الْحَيُّخبر لـاللَّهُثاني، والْقَيُّومُخبر ثالث.فقوله: اللَّهُعلم على الذات المقدسة، علم على الرب عز وجل، وأصله الإله، بمعنى المألوه، وحُذفت الهمزة تخفيفًا كما حُذفت الهمزة من خير وشر في مثل قول الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا» ، أي: أخيرها وأشرها، وكما حُذفت الهمزة أيضًا من الناس، وأصلها: أناس.الله علم على الذات المقدسة، وهو أعلم المعارف على الإطلاق، نعم، ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فِعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فِعال بمعنى مفعول، كغِراس بمعنى مغروس، وبِناء بمعنى مبني.وقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أي: لا معبود حق إلا هو، فإله اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة، ولكنها آلهة وُضعت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا [يوسف: ٤٠]، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ١٩ - ٢٣].وبهذا التقدير للخبر في لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيزول الإشكال، وهو أنه كيف يُنفى الإله في مثل هذه الجملة ويُثبت في مثل قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، والجمع: أن تلك الآلهة أيش؟ باطل، وأما الإله في: لا إله إلا الله، أو لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَفهو إله حق، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].وقوله: هُوَهذا ضمير وليس اسمًا، هذا ضمير وليس اسمًا، بدليل قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩]، هذا علَم ولا ضمير؟ علم، وبدليل قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] و(أنا) هنا ضمير، فعلى هذا نقول: أنا وهو في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاوقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَكلاهما ضمير رفع منفصل، فكما أن الذاكر لا يقول: لا إله إلا أنا، أو كما أن الذاكر لا يجعل (أنا) اسما لله، فلا يجوز أن يجعل (هو) اسمًا لله؛ وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذي يذكرون الله بلفظ: هو هو، ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل.وقوله: الْحَيُّأل هنا للاستغراق، أي: الكامل الحياة، وحياة الله عز وجل كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له، حياته لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال، هي أيضًا كاملة حال وجودها لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه، وعلمه، وقدرته، وجميع صفاته، إذا رأينا الآدمي، بل إذا رأينا غير الله عز وجل وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، فحياته مسبوقة بماذا؟ بعدم، ملحوقة؟ بزوال وفناء، هي أيضًا ناقصة في وجودها، هل هو كامل السمع؟ الحي ليس كامل السمع، ولا البصر، ولا العلم، ولا القدرة، كل حي فهو ناقص، إذن حياته ناقصة في الوجود والزمن، ففي الزمن مسبوقة بعدم وملحوقة بزوال، وفي الوجود ناقصة في جميع الصفات.(...) على وزن فَيْعُول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.وفي الجمع بين الاسمين الكريمين: الْحَيُّ الْقَيُّومُفي الجمع بينهما استغراق لجميع ما يوصَف الله به لجميع الكمالات، ففي الْحَيُّكمال الصفات، وفي الْقَيُّومُكمال الأفعال، وفيهما جميعًا كمال الذات، الْحَيُّكمال الصفات، الْقَيُّومُكمال الأفعال، وباجتماعهما كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات. * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ١ - ٥].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قوله تعالى: الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وبينا أن القول الراجح في الموأخواتها.* طالب: (...) الحروف المقطعة لا معنى لها؟* الشيخ: لا، هو ما قال: لا معنى لها.* الطالب: (...) تدل على مغزى أن هذا القرآن الذي أعجزكم أنه مكون من هذه الحروف؛ لذلك كل ما (...) يكون بعدها شيء من القرآن من (...).* الشيخ: طيب.* طالب: قلنا: إن (...) مختزلة من اللغة العربية.* الشيخ: لا.* طالب: لا معنى لها بذاتها.* الشيخ: ولكن لها مغزى. ما هو الدليل على أنه ليس له معنى في ذاتها؟* طالب: الدليل أنها دائما يعقبها ذكر القرآن.* الشيخ: الدليل على أنه ليس لها معنى؟* الطالب: أن القرآن بلسان عربي مبين، وهذه الحروف بلسان عربي مبين، ليس لها معنى.* الشيخ: صح، الدليل أن القرآن نزل باللسان العربي المبين، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية في ذاتها، إذن ليس لها معنى.ما الدليل على أن لها مغزى؟* طالب: أن هذه الحروف يعقبها (...) القرآن.* الشيخ: ذكر القرآن والتحدث عنه.* الطالب: ثاني شيء، يعني: أن هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتتحدثون بها القرآن الكريم مركب منها.* الشيخ: كان منها أحسن من كلمة مركب.* الطالب: كان منها.* الشيخ: نعم.قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ما معناها؟* طالب: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.* الشيخ: لا معبود بحق، لا معبود حق إلا الله.لماذا لا نقول: إن النفي مسلَّط على ما بعد إلا، يعني: لا إله إلا الله، ما يوجد إله إلا الله؟* الطالب: يوجد آلهة ولكنها باطلة (...) نحصرها بحق.* الشيخ: أحسنت، نعم نقول: لا يمكن أن ننفي الألوهية مطلقًا؛ لأن غير الله قد يسمى إلهًا.ما هو الدليل على إطلاق الإله على غير الله؟* طالب: قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١]* الشيخ: نعم، وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٣٩]، فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١].﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا أنهما يشتملان على اسم الله الأعظم، فلماذا؟* طالب: لأن لها معنيان، المعنى الزمني بأنه الله لم يسبقه عدم.* الشيخ: لا.* طالب: لأنهما اسمان يتضمنان الصفات الفعلية والذاتية.* الشيخ: صح، الكمال الذاتي والفعلي، ففي الْحَيُّالكمال الذاتي، والْقَيُّومُالكمال الفعلي، نعم؛ لذلك كانا متضمنين لجميع الكمال: الذاتي والفعلي.﴿الْحَيُّ﴾ تفسيرها؟* طالب: الحي الذي لا يموت ولا (...).* الشيخ: يعني: ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق (...) ولا يلحقها زوال.﴿الْقَيُّومُ﴾ ؟* طالب: القيوم هو القائم بنفسه، والقائم على نفسه كذلك.* الشيخ: على غيره، القائم بنفسه والقائم على غيره.الدليل على القيام بنفسه؟* طالب: أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إلى أحد.* الشيخ: نعم.* الطالب: أما الدليل على كل ما سواه.* الشيخ: إذن وصف الغنى مثل هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: ٢٦]، فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن: ٦]، هذا يدل على قيامه بنفسه، قيامه على غيره ما هو الدليل؟* الطالب: أن العباد كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى.* الشيخ: ما هو الدليل؟ ما هو التعليل.* الطالب: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: ١٥].* الشيخ: وغيره، في آية صريحة في الموضوع.* طالب: قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣].* الشيخ: صحيح، أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، يعني: كمن لا يقوم بنفسه؟تصريف القيوم في اللغة العربية؟ كيف هو؟* طالب: على وزن فَيْعُول.* الشيخ: على وزن فَيْعُول، وماذا تدل عليه هذه الصيغة؟* الطالب: هو على أنه سبحانه وتعالى.* الشيخ: لا هذه الصيغة؛ لأن أصلها قائم حُوِّلت إلى قيوم، فحُوِّل فاعل إلى فَيْعُول؟* الطالب: (...)* الشيخ: نعم.* طالب: يدل على الكثرة والمبالغة.* الشيخ: على المبالغة، صح.قال الله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، نَزَّلَالتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان: ٣٢]، يعني: نزلناه ليس جملة واحدة، فقوله: نَزَّلَيفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل أيش؟ بالتدريج ليس مرة واحدة، وقوله: عَلَيْكَالضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول ﷺ، ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه.وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَالكتاب هو هذا القرآن، وهو فِعَال بمعنى مفعول؛ لأنه مكتوب، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٧، ٧٨] اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس: ١٢، ١٣]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا، فهو مكتوب بأيدينا ونقرأه من هذه الكتب.وقوله: الْكِتَابَ بِالْحَقِّالباء هذه يجوز أن تكون من باب: أنه متلبِّس بالحق، أي: مشتمل على الحق، فهو نازل بحق لا بباطل، ويحتمل أن يكون عائدًا على التنزيل، يعني: أنه نزول حق ليس بباطل، قال الله تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، بعد قوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣]، فيكون بالحق، يعني: أنه نازل عليك نزولًا حقًّا ليس بباطل، فهو ما كُذِب عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن، ويحتمل أن يكون نازلًا بأيش؟ بالحق، يعني: مشتملًا عليه ومتلبسًا به، والمعنيان صحيحان لا يتنافيان، والقاعدة: أن النص إذا دل على معنيين صحيحين لا يتنافيان حُمِل عليهما جميعًا.وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، مُصَدِّقًاحال من الكتاب، ولا يصح أن نجعلها صفة، لماذا؟ لأن مُصَدِّقًانكرة، والْكِتَابَمعرفة، والصفة يجب أن تتبع الموصوف في المعرفة والنكرة، وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِللذي بين يديه، يعني: من الكتب السابقة.وتصديقه لما بين يديه له وجهان: الوجه الأول: أنه صدقها؛ لأنها أخبرت به فوقع مصدقًّا لها، والثاني مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: حاكمًا عليها بالصدق، فهو مصدق لما سبق من الكتب للوجهين المذكورين؛ لأن الكتب أخبرت به فوقع، وإذا وقع صار تصديقًا لها. الوجه الثاني: أنه حكم بأنها صدق من عند الله عز وجل، فيكون هذا التصديق لما بين يديه يشمل الوجهين جميعًا، فالقرآن شاهد بأن التوراة حق، والإنجيل حق، وأن الزبور حق، وأن صحف إبراهيم حق، وأن الله أنزل على كل رسول كتابًا، كذلك مصدق للكتب التي أخبرت به، فإن الكتب السابقة أخبرت بهذا القرآن أنه سينزل، ووصفت النبي ﷺ الذي ينزل عليه بأوصافه التي كانوا يعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم.وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: لما سبقه؛ لأن الذي بين يديك سابق عليك، أليس كذلك؟ نعم؛ لأنه أمامك، فهو متقدم عليك.﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ شوف قال: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَوَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، اختلف التعبير، واختلاف التعبير يدل على اختلاف المعنى، فما هو الخلاف في المعنى؟ قال أهل العلم: إن التوراة الإنجيل نزلتا دفعة واحدة بدون تدريج، بخلاف القرآن، فإنه نزل بالتدريج، وهذا من رحمة الله عز وجل على هذه الأمة؛ لأنه إذا نزل بالتدريج صارت أحكامه أيضًا بالتدريج، لكن لو نزل دفعة واحدة لزم الأمة أن تعمل به جميعه بدون تدريج، وهذا من الآصار التي كُتبت على من سبقنا: إذا نزلت عليهم الكتب مرة واحدة أُلزموا بالعمل بها من حين أن تنزل فيما ألفوه وفيما لم يألفوه، بخلاف القرآن الكريم.وقوله: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، التوراة هي الكتاب الذي نزله الله على موسى، والإنجيل هو الذي نزله الله على عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذان الاسمان قيل: إنهما غير عربيين، وقيل: بل هما عربيان، ولكن الذي يظهر أنهما ليسا بعربيين، ولكنه إذا نزل القرآن بشيء صار اللفظ الذي نزل به القرآن عربيًّا، بماذا؟ بالتعريب، صار عربيًّا بالتعريب.قال: مِنْ قَبْلُ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ، قبلُ فيها إشكال لغوي؛ لأن المعروف أن من حرف جر، وحرف الجر يجر، تقول: جئتُ من البيتِ إلى المسجدِ، ولا يجوز أن تقول: جئتُ من البيتَ إلى المسجدَ، ولا من البيتُ إلى المسجدُ، ولًّا لا؟ هنا قال: مِنْ قَبْلُفلماذا لم يقل: من قبلِ؟ نقول: لأن قبل وبعد وأخواتهما لها أحوال، إن أضيفت لفظًا، فإنها تكون على حسب العوامل، يعني: تُجَر بحرف الجر، وتُنصب بأداة النصب، وتُرفع بعامل الرفع، ولَّا لا؟ وإذا أضيفت –يعني: تقديرًا- إذا أضيفت تقديرًا صارت مبنية على الضم، يعني: إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه صارت مبينة على الضم، مبنية بناء دائمًا على الضم، مثل هذه الآية: مِنْ قَبْلُأصله: من قبل هذا الكتاب، لكن حذف المضاف إليه ونوي معناه، فبُنيت على الضم، إذا حذف المضاف إليه ونوي لفظه، فإنها تعرب بحسب العوامل لكن بدون تنوين، تعرب بدون تنوين، فتقول مثلًا: من قبلِ، بدون تنوين، إذا حذف المضاف إليه ونوي أيش؟ لفظه، كم هذا من حال؟ ثلاث حالات: إذا قُطعت عنالإضافة لفظًا ومعنًى، فإنها بحسب العوامل مع التنوين، تكون بحسب العوامل مع التنوين، فتقول: من قبلٍ، ومن بعدٍ، ومنه قول الشاعر:؎فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَـــــادُ أَغـــــصُّ بِالْمَــــــاءِ الْفُـــــــــــــرَاتِ فقال: كنت قبلًا، نصبها بالتنوين؛ لأنه نوى قطعها عن الإضافة لفظًا ومعنًى، فالأقسام إذن؟* طالب: ثلاثة.* الشيخ: زد واحد؟ ثلاثة، أربعة، نعم، أربعة، الأول؟* الطالب: الأول: إذا أضيف لفظًا.* الشيخ: الثاني؟* الطالب: الثاني: إذا حُذف المضاف ونوي لفظه.* الشيخ: الثالث؟* الطالب: إذا حذف المضاف ولم ينو لا لفظه ولا معناه، الرابع: إذا حذف المضاف ونوي معناه فقط.* الشيخ: صح، كذا، تعرب في كل الأحوال الأربعة إلا حالة واحدة وهي: إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ، هُدًىهذه مفعول من أجله متعلقة بنزّل وأنزل، أي: نزّل عليك الكتاب هدًى للناس، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدًى للناس، فهي مفعول من أجله، أي: لأجل هداية الناس، والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة التي يترتب عليها هداية التوفيق، لكن الأصل في هذه الكتب أنها هداية دلالة؛ ولهذا قال: هُدًى لِلنَّاسِعمومًا، حتى الكفار تهديهم، تهديهم وتدلهم، تبين لهم الحق من الباطل، لكن قد يوفَّقون لقبول الحق والعمل به، وقد لا يوفقون، والهدى ضد الضلال، واهتدى بمعنى صار على الطريق الصواب، وضل بمعنى انحرف وتاه وضاع، ومنه سُمِّيت الضالة، يعني: البعير الضائع التائه.وقوله: هُدًى لِلنَّاسِ، الناس سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن أصلها أُنَاس حذفت همزتها للتخفيف لكثرة الاستعمال، والمراد بالناس البشر وهم بنو آدم.وقوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، المراد بالفرقان هنا المعنى، وليس المراد به القرآن، فالمراد أنزل ما يَبِين به الفرق بين الحق والباطل، وإنما قلنا ذلك؛ لأننا لو خصصناه بالقرآن لكان في ذلك تكرار مع قوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وكان فيه فصل لكون التوراة والإنجيل فرقانًا، مع أن التوراة والإنجيل فرقان، لا شك أن فيها تفريقًا بين الحق والباطل، إذن أنزل الفرقان الذي تضمنته هذه الكتب الثلاثة، وهي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، ففيها الهدى وفيها الفرقان، فيها التفريق بين الحق والباطل، وفيها التفريق بين أهل الحق وأهل الباطل، جميعًا، ففيها تفريق بين العامل والمعمول، بين الحق في ذاته، يقول: هذا حق وهذا باطل، وبين أهل الحق وأهل الباطل.فيها تفريق بين النافع والضار؟ نعم، فيها تفريق بين النافع والضار. فيها تفريق بين الأنفع والنافع؟ نعم. فيها تفريق بين الأضر والضار؛ لأن كلمة الفرقان كلمة واسعة تشمل كل ما به الفرق من جميع الوجوه.ولما ذكر الله سبحانه وتعالى منته على عباده بإنزال هذه الكتب العظيمة قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، يعني: بعد إنزال هذه الكتب الواضحة الهادية المفرِّقة انقسم الناس إلى قسمين: قسم آمن، وقسم كفر، فذكر الله حكم الكافر، وبذكر حكم الكافر يتبين حكم المؤمن، قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، هذه الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، وجملة كبرى وجملة صغرى، ولَّا لا؟ مبتدأ وخبر، وجملة الصغرى وجملة الكبرى، وين المبتدأ والخبر؟ وفيها أيضًا من مبتدأ وخبر منسوخ ومبتدأ وخبر غير منسوخ، والجملة الصغرى والجملة الكبرى؟* طالب: إن حرف توكيد ونصب.* الشيخ: أين الخبر المنسوخ؟* الطالب: الخبر المنسوخ؟* الشيخ: إي نعم، المبتدأ والخبر المنسوخ؟* الطالب: بِآيَاتِ اللَّهِ، بآياتي؟* الشيخ: لا.* الطالب: منسوخ يعني: محذوف؟* الشيخ: لا، منسوخ يعني: دخل عليه ناسخ، والنواسخ ثلاثة: إن، وكان، وظن.* الطالب: عَذَابٌ شَدِيدٌ.* الشيخ: لا.* طالب: جملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌجملة (...) خبر إن، جملة ناسخة، منسوخة، إن الذين كفروا لهم عذاب شديد.* الشيخ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذا أيش؟ جملة منسوخة ولَّا غير منسوخة؟ يعني: أجزاؤها، أجزاؤها منسوخة ولَّا غير منسوخة؟* طالب: غير منسوخة (...).* الشيخ: هذه الجملة الاسمية غير المنسوخة؟* طالب: (...)* الشيخ: وجملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذه جملة منسوخة، أحسنت.أما الإعراب فنقول: إن حرف توكيد ونصب.* الطلبة: لا.* الشيخ: خطأ؟ لأيش؟ نقول: (إن) حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والَّذِينَاسمها مبني على الفتح في محل النصب، وكَفَرُوافعل وفاعل لا محل له من الإعراب؛ لأنه صلة الموصول، وبِآيَاتِ اللَّهِجار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بأيش؟ بـكَفَرُوا، ولَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، لَهُمْخبر مقدم، وعَذَابٌمبتدأ مؤخر، وشَدِيدٌصفة له، والجملة في محل رفع خبر إن.يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، كَفَرُوايقال: إن أصل الكفر من الستر، ويطلق على الجحد؛ لأن الجاحد ساتر، كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، أي: جحدوا بها وأنكروها، وقلنا: إن الكفر من الستر؛ لأن منه الكُفُرَّى، تعرفون الكفرى؟ الكفرى وعاء الطلع، طلع النخل، أتعرفون طلع النخل؟ نعم، فيه الغلاف يسمى كُفُرَّى، وفي اللغة العامية يسمى كافور، نعم؟ هذا تجدونه يستر الطلع، فالكافر في الحقيقة ساتر، أي: جاحد للحق مخفٍ له.وقوله: كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، آيات جمع آية، وهي العلامات الدالة على الله عز وجل على وجوده، وعلى كماله الذاتي، وكماله الفعلي، وهي –أي: الآيات- نوعان: آيات كونية، ومنها: السماوات، والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، والإنسان، واختلاف اللغات، واختلاف الألوان، والنوم، واليقظة، وأشياء كثيرة، هذه آيات كونية، آيات شرعية، وهي: الوحي المنزل على الرسل، فإذا قيل: ما وجه ذلك؟ قلنا: أما الآيات الكونية فوجه كونها آية: أنه لا يستطيع أحد أن يفعل مثل فعل الله عز وجل أبدًا، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِكل الذين تدعون من دون الله، لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، لا يخلقون ذبابًا، وهل يخلقون جملًا؟ لا، من باب أولى، فهم لا يخلقون ذبابًا، ولا جملًا، ولا بعوضًا، ولا غير ذلك، لا يستطيعون أن يخلقوا هذا أبدًا، هل يستطيع أحد أن يذهب بالنهار إذا جاء؟ هل يستطيع أحد أن يأتي بالليل إذا جاء النهار؟ أبدًا، إلا الله عز وجل، إذن فهذه الآيات الكونية من آيات الله عز وجل؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها. الآيات الشرعية هي أيضًا من آيات الله، وجه ذلك: أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل شرع الله في هداية الخلق وإصلاحهم أبدًا، لو اجتمع جميع مفكري العالم ليأتوا بدستور يُصلح الخلق كما يصلحه ما جاء في الوحي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].لكن يا إخواني الآيات الكونية قد يعقلها كثير من الناس؛ لأنها آيات محسوسة مشهودة، حتى الكافر تقول له: تستطيع تخلق الذباب؟ يقول: ما أستطيع، أما الآيات الشرعية فليس كل أحد يدركها، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المطففين: ٧ - ١٣] لا يتبين له أنها آيات -والعياذ بالله- لماذا؟ قال الله تعالى مكذِّبا لقوله: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، فالإنسان إذا اجتمعت الذنوب على قلبه، نسأل الله أن يطهرنا وإياكم منها، إذا اجتمعت الذنوب على قلبه صار لا يرى الحق حقا ولا الباطل باطلا، عمي -والعياذ بالله- يُتلى عليه القرآن فيقول: هذه أساطير الأولين ليس كلام رب العالمين؛ ولهذا نقول: الآيات الشرعية هي اللي فيها الامتحان والابتلاء، ومن ثم لمينكر أحد الربوبية، ربوبية الله، كل يقر بأن الله رب العالمين وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، لكن الآيات الشرعية أُنْكِرت ولَّا لا؟ نعم، قريش إذا سئلوا مَن خلق السماوات والأرض قالوا: الله، لكن قالوا في القرآن: إنه كهانة، وشعر، وسحر، وما أشبه ذلك. المهم أن قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِيشمل الآيات الكونية والشرعية، وبينّا وجه كون كل منها آية.يقول: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، عَذَابٌ شَدِيدٌ، والعذاب هنا بمعنى العقوبة، والشديد: القوي، يعني: عقوبة قوية والعياذ بالله، وقد ذكر الله تعالى في القرآن، وذكر نبي الله ﷺ في السنة أصنافًا وأنواعًا من هذا العذاب تقشعر منه الجلود وتوجل منه القلوب، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩]، إِنْ يَسْتَغِيثُوا-ولا يستغيثون إلا لشدة الحر والظمأ- إذا استُغِيثوا يؤتون بماء يشوي الوجوه، إذا أقبلوا به إلى أفواههم ليشربوه شوى وجوههم -والعياذ بالله- قال الله تعالى: بِئْسَ الشَّرَابُ، هذا شرابهم، وقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]، هذا طعامهم، لباسهم: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ [إبراهيم: ٥٠]، مقرهم وهواؤهم: يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت: ٥٥]، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]. والسنة مملوءة بذكر أصناف العقاب الذي يعاقَب به هؤلاء، فهو عذاب شديد، لأهله الصراخ والعويل، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر: ٣٧]، فيُقال لهم توبيخا: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: ٣٧]، هذه يا إخواني حقائق، حقائق نحن -إن شاء الله تعالى- في الإيمان بها كأنها مشاهدة عندنا، بل أعظم؛ ولهذا قال: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ، عَزِيزٌمن العزة، وهي ثلاثة أصناف: عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر بمعنى: أن الله تعالى ذو قدر شريف عظيم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «السَّيِّدُ اللَّهُ» ، هذه عزة القدر.عزة القهر: أنه قاهر لكل شيء لا يُغلب، بل هو الغالب، قال الله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨]، وقال الشاعر الجاهلي:؎أَيْــــنَ الْمَفَــــرُّ وَالْإِلَــــــهُ الطَّالِــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ فالله سبحانه وتعالى غالب على كل شيء.عزة الامتناع، أي: أنه عز وجل يمتنع أن يناله سوء أو نقص، ومن هذا المعنى قولهم: هذه أرض عَزَاز، أي: صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول، ونحن نقول في لغتنا: عزا، يعني: شديدة صلبة، إذن فمعنى عَزِيزٌأي: ذو العزة، والعزة كم قسمًا؟ ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ ولهذا الذي يفسر العزيز بالغالب فقط نقول: إن تفسيره قاصر، بل هو يشمل المعاني الثلاثة.وقوله: ذُو انْتِقَامٍأي: صاحب انتقام، والانتقام أَخْذ المجرم بإجرامه، تقول: انتقمت من زيد، يعني: أخذت بحقي منه، فأخذ المجرم بإجرامه يسمى انتقامًا، كما قال الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]، وهنا قال: ذُو انْتِقَامٍ، ولم يقل: ذو الانتقام، وفي الرحمة قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨]، ولم يقل: ذو رحمة، وإن كان قال في آية أخرى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]؛ لأن الانتقام ليس من أوصاف الله المطلقة، وليس من أسماء الله المنتقم، وليس من أوصاف الله المطلقة الانتقام، بل المنتقم لا يوصف الله به إلا مقيدًا، فيقال: المنتقم من المجرمين، كما قال تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ، أما ذُو انْتِقَامٍفهي لا تعطي الانتقام المطلق؛ لأن انتقام نكرة فلا تعطي المعنى على الإطلاق، يعني: له انتقام، انتقام ممن؟ مقيد ولَّا مطلق؟ مقيد، انتقام من المجرمين، انتبه، وبهذا نعرف أن الأسماء المسرودة في الحديث الذي رواه الترمذي لا تصح عن النبي ﷺ، لأنه ذُكِر فيها من أسماء الله المنتقم، وهذا لا يصح، وحُذف من أسماء الله ما ثبتت به الأحاديث فلم يذكر فيها مثل: الشافي، والرب، الرب أيضًا حُذف منها، فالمهم أن الله قال: ذُو انْتِقَامٍولم يقل: ذو الانتقام، ولم يصف نفسه بالمنتقم إلا مقيدًا.* طالب: قوله: مَا بَيْنَ يَدَيْهِما يشمل ما يتقدم، يعني: الذي أمامه والذي خلفه؟ يعني: إذا أخبر القرآن بخبر ثم وقع هذا الخبر يكون القرآن مصدقًّا لهذا الخبر؟* الشيخ: بس المراد: بما يديه من الكتاب، كما قال تعالى في سورة المائدة: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة: ٤٨]، ولا كتاب بعده.* الطالب: (...) أشياء وقعت؟* الشيخ: إي صحيح، لكن ما هو مصدق لما بين يديه؛ لأنه كيف يصدق ما بين يديه؟ يعني في المستقبل، التصديق عن شيء مضى، لو قال: صادقًا فيما بين يديه صح، أن يخبر بصدق لما يُستقبل، فآية المائدة تقيد هذا، وأيضًا المعنى ما يستقيم.* طالب: شيخ أحسن الله إليكم، الفرق بين الكفر والشرك؟* الشيخ: الفرق بينهما أن نقول: كل شرك كفر، وليس كل كفر شركًا.* الطالب: كل شرك كفر؟* الشيخ: نعم، وليس كل كفر شركًا، نعم.* الطالب: (...).* الشيخ: الذي يعبد الصنم مشرك وهو كافر أيضًا، والذي يجحد ما يجب الإيمان به كافر وليس بمشرك.* طالب: شيخ مِنْ قَبْلُأتينا بالإعراب ولم نأت بالتفسير.* الشيخ: ولم يأت؟* الطالب: التفسير.* الشيخ: القبل كل ما تقدم فهو قبل.* الطالب: من قبل هذا الكتاب.* الشيخ: مِنْ قَبْلُ: من قبل هذا الكتاب، بالنسبة للآية هذه: من قبل هذا الكتاب.* طالب: (...) ذكرنا فيه اسم موسى وعيسى أنهما اسمان أعجميان وإذا ذُكرا في القرآن فهما عربيان.* الشيخ: مُعَرَّبان.* الطالب: معربان نعم، التوراة والإنجيل.* الشيخ: التوراة والإنجيل.* الطالب: موسى وعيسى؟* الشيخ: لا، موسى وعيسى اسمان أعجميان.* الطالب: إي نعم، وإذا ذُكِرا في القرآن؟* الشيخ: فهما معربان، كل اسم أعجمي إذا ذكر في القرآن (...)* الطالب: لكن ما ذكره أهل الأصول في بحث هل في القرآن لفظ غير عربي مثلوا ذلك بإستبرق، وغيرها من الأمور.* الشيخ: يعني: في الأصل، فهو معرَّب وليس أصله عربيًّا؛ لأنك لو تقول: إنه عجمي حتى بعد نزول القرآن به ما صار القرآن بلسان عربي.* الطالب: لكن هل يضره وجود كلمة غير عربية؟* الشيخ: وهل يضر أن نقول: إن العرب لما عرَّبوها ونطقوا بها وأجروها على ألسنتهم صارت عربية بالتعريب؟ * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٥ - ٧].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الظاهر أننا لم نناقش ولم نأخذ فوائد.قال الله تبارك وتعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَلماذا قال في القرآن: نَزَّلَ، وفي التوراة والإنجيل: أَنْزَلَ؟* طالب: لأن القرآن نزل بالتدريج، ما نزل جملة واحدة؛ لذلك قال في القرآن: نَزَّلَ، وقال في الإنجيل والتوراة: أَنْزَلَ؛ لأن الإنجيل والتوراة نزلتا جملة واحدة.* الشيخ: أحسنت.قوله: بِالْحَقِّ؟ معنى بالحق؟* طالب: معنى بالحق أي: نزّله، ما أدري.* طالب: إن الباء لها معنيين، تحتمل وجهين: أولًا: تحتمل الاشتمال، أي: أن النزول كان بالحق ولم يكن بالباطل.* الشيخ: يعني: أن ما جاء به فهو حق، صِدق في الأخبار وعدل في الأحكام.* الطالب: والوجه الآخر: أن نفس النزول نزولًا كان بالحق.* الشيخ: كان حقًّا ولم يكن كذبًا، كذا؟ صح، يعني: هو حق نازل من عند الله، وما جاء به واشتمل عليه فهو حق أيضًا.قوله: هُدًى لِلنَّاسِوأيش إعراب هُدًى؟* طالب: (...).* الشيخ: أي لأجل هداية الناس.قوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، ما المراد بها؟* طالب: الفرقثان هو ما يفرق به بين الحق والباطل.* الشيخ: لكن المراد به القرآن أو غيره؟* الطالب: جميع الكتب.* الشيخ: كل الكتب، إذن فالفرقان هنا وصف وليس شخصًا عينًا، نعم.قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، ما مناسبتها لما قبلها؟* طالب: بعدما ذكر الفرقان، والفرقان يميز به الباطل والحق وبين الكفر والإيمان، ثم فصل الذين كفروا والذين آمنوا.* الشيخ: يعني: لما ذكر أن هذه الكتب هدًى وفرقان ذكر انقسام الناس إلى كفر وإيمان، فذكر حكم الكافرين.قوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، العزيز؟* طالب: العزيز الغالب.* الشيخ: فقط؟* الطالب: (...)* الشيخ: العزيز ذو العزة، والعزة؟* الطالب: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.* الشيخ: نعم، معنى عزة القدر؟* طالب: (...) قدرة؟* الشيخ: أو ما معنى القدر، عزة القدر؟* الطالب: ذو قدر عظيم.* الشيخ: يعني: ذو قدر عظيم، والقدر يعني: الشرف والسؤدد وما أشبه ذلك.عزة القهر؟* طالب: أنه سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده.* الشيخ: قاهر لا يغلب، بل هو الغالب.الثالثة: عزة الامتناع؟* طالب: أنه يمتنع عليه كل وصف لا يليق بجلاله.* الشيخ: أنه يمتنع عليه كل عيب ونقص.قوله: ذُو انْتِقَامٍمعناها؟* طالب: (...)* الشيخ: نعم؟* طالب: أي صاحب انتقام.* الشيخ: أي صاحب انتقام، هل هذا يدل على أن الانتقام لله وصف مطلق؟* طالب: لا، وإنما مقيد.* الشيخ: أنه ذو انتقام في محله؛ ولهذا جاءت نكرة، قال: ذُو انْتِقَامٍ.انتقام ممن؟* الطالب: من المجرمين.* الشيخ: من المجرمين، أحسنت. نرجع الآن إلى الفوائد.* من فوائد الآيات الكريمة السابقة، أولًا: إثبات ألوهية الله عز وجل؛ لقوله: اللَّهُ، والثاني: انفراده بهذه الألوهية في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم ، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال، كذا؟* ومن فوائد الآية: إثبات حياته وقيوميته، من أين تؤخذ؟* طالب: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.* الشيخ: بس هذه الحي القيوم، ونحن قلنا: إثبات حياته وقيوميته؟* الطالب: الحي معرف عامة.* الشيخ: كل اسم فإنه متضمن للصفة، كذا؟ وقد يتضمن أمرًا زائدًا وهو الحكم الذي يسمى الأثر، أليس كذلك؟* من فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مفتقِر إلى الله، وأن الله غني عما سواه، وجه ذلك: لأن كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: ٢٥]، وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ.أما الآية التي بعدها فمن فوائدها: إثبات علو الله؛ لقوله: نَزَّلَوأَنْزَلَ، والنزول لا يكون إلا من أعلى.* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم منزَّل؛ لقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ، وهل كونه منزَّلًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؟ لا، مجرد كونه منزَّلًا لا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الله قد ينزِّل المخلوق، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق: ٩]، والماء مخلوق، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد: ١٧]، والماء مخلوق، لكن بالنظر لكون القرآن كلامًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة، إذن فيؤخذ كون القرآن غير مخلوق أنه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف.ومن فوائد الآية الكريمة: فضل رسول الله ﷺ وميزته؛ لقوله: عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.ولكن قد يرِد علينا: أن الله سبحانه وتعالى قد يضيف الإنزال إلى الناس، كما قال تعالى في سورة آل عمران: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٨٤]، وفي آية البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة: ١٣٦]، فالجواب أن نقول: هو أُنزِل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة، بواسطة الرسول ﷺ، هو الذي بلّغه إلينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع.ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ مشتمل على الحق؛ لقوله: بِالْحَقِّ، فقد جاء بالحق ونزل به، قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥].فما نوع الحق الذي نزل به القرآن؟ نقول: ما في القرآن إما أخبار وإما أحكام، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، إذن نقول: القرآن كل ما فيه من الأخبار فهو صدق، وكل ما فيه من الأحكام فهو عدل.هل يشمل ذلك: أن هذه الأخبار وهذه الأحكام نافعة مُصلِحة للخلق؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، وقال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]، فكل ما فيه من الخبر فهو نافع، وكل ما فيه من حكم فهو أيضًا نافع متضمن للمصالح ودفع المفاسد.* ومن فوائد الآية الكريمة : أن القرآن نفسه حق، من أين يؤخذ؟ من قوله: بِالْحَقِّ، يعني: أنه نزل نزولًا بحق ليس نزولًا كذبًا باطلًا.* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القرآن؛ لوصفه بالحق نزولًا وتضمنًا؛ ولوصفه بالتصديق لما بين يديه، أنه مصدق لما بين يديه من كل الكتب؛ لقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هذا القرآن قد أخبرت عنه الكتب السابقة، من قوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لأنه أحد الوجهين في كلمة مصدق.* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بما يخالف الظاهر إذا دل عليه السياق، في قوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ إذ قد يقول قائل: ليس للقرآن يد، فكيف يصح أن يقول: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؟ نقول: صحيح أن القرآن ليس له يد، ونحن لا نقول: إن لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأن القرآن له أيدي، أو له يدان، وأنه صدّق ما بين يديه، لكن نقول: إن الكلمة إذا دلت على معناها في سياقها وإن كان يخالف أصل الوضع، وقد سبق أن المراد لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ: ما سبقه، ما سبقه من الكتب.* من فوائد الآية الكريمة: أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق؛ لقوله: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن التوراة والإنجيل قد نُسِخا بالقرآن، (...) هل يمكن أن نقول: مِنْ قَبْلُتشير إلى أن هذين الكتابين قد مضى عهدهما وانقضى؟ على كل حال في المسألة ثقل، أو في الاستدلال بهذا على ما قلناه ثقل، يعني: أننا لا نجزم بذلك، لكن لنا دليل من غير هذه الآية، وهو ما في سورة المائدة، حيث قال الله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨].* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، وعنايته بهم، حيث كان ينزل الكتب على رسله هدًى للناس، أليس كذلك؟* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله تعالى في أحكامه الشرعية كما تثبت في أحكامه الكونية؛ لقوله: هُدًى لِلنَّاسِ؛ لأننا ذكرنا أن هُدًىهذه مفعول لأجله، أي: من أجل ذلك، ففيها إثبات الحكمة لله، وهو كذلك، ومن أسماء الله تعالى: الحكيم، وهو ذو الحكمة، والحكمة هي إصابة الصواب، وإن شئت فقل: وضع الشيء في موضعه، وإن شئت فقل: إتقان الشيء وإحكامه، والتعبيرات كلها تنصب إلى أن فعل الله عز وجل، أو إلى أن حكم الله الكوني والشرعي كله مشتمل الحكمة.فإن قال قائل: إذا أثبت لله حكمة ووقع من أفعال الله أو من شرع الله ما لا نعلم له حكمة، أو ما نظن أن الحكمة في خلافه، فما هو الجواب؟ فالجواب: أننا إذا ظننا أن هذا ليس له حكمة، فليس ذلك إلا لقصور فهمنا، عجزنا عن إدراك الحكمة، وإذا ظننا أنه على خلاف الحكمة، فما ذاك إلا لسوء فهمنا، فالذي يظن أنه ليس له حكمة قاصر الفهم، والذي يظن أنه على خلاف الحكمة سيئ الفهم، أما سليم الفهم والذي يعطيه الله تعالى فهمًا، فستتبين له الحكمة، ومع ذلك لا يمكن أن ندرك كل وجوه الحكمة، أبدًا؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تدرَك غايتها، والإنسان بشر ناقص، وكم من أشياء أو كم من أحكام شرعية تظن أن حكمتها كذا وكذا، ثم يتبين لك أن لها حكمًا أخرى، أو ربما يتبين لك أنه ليس هذه هي الحكمة، بل الحكمة شيء آخر، إنما يجب عليك أن تؤمن بأنه ما من حكم لله كوني أو شرعي إلا وله حكمة.فإن قلت: يلزم على قولك هذا أن تذهب مذهب المعتزلة في وجوب الصلاح أو وجوب الأصلح، يعني: إذا تعارض فعلان أحدهما أصلح من الآخر، فهل يجب على الله أن يفعل الأصلح؟ إن قلت: لا، منعت الحكمة، وإن قلت: نعم، ففيه إشكال.فيقال: أولًا: قد تظن أن هذا هو الأصلح وليس الأصلح، ولنضرب لهذا مثلًا: نحن نظن أن الأصلح نزول الغيث، وخصب الأرض، أليس كذلك؟ فإذا امتنع المطر وأجدبت الأرض، فقد يكون هذا هو المصلحة، أليس كذلك؟ ونحن لا نفهم، إذن لا يمكن أن نقول: يجب على الله كذا؛ لأنه الأصلح، إذ قد يكون ما قلنا: إنه الأصلح، هو الأفسد، أليس هكذا؟ثانيًا: إذا تحققنا أنه الأصلح، فإنه يجب بمقتضى الحكمة لا بمقتضى العقل، فنحن لا نوجب على الله بعقولنا، والعقل لا يوجب على الله شيئًا؛ لأنه مخلوق ناقص، فلا يوجب على الكامل الأزلي الأبدي شيئًا، فإذا وجب فعل الأصلح، فإنما الذي أوجبه على نفسه، مَن؟ الله، قال الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، كتب عليه هو الذي أوجب، وقال: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢]، فأوجب على نفسه أن يهدي الناس ويدلهم، كذا؟ إذن نحن نقول: إذا ثبت أن هذا هو الأصلح، فقد وجب على الله بمقتضى حكمته وإيجابه على نفسه لا بمقتضى عقولنا وإيجابنا عليه، وبهذا ننفك عن قول المعتزلة الذين يرون أن العقل هو الذي يوجب الشيء، أو الذي يمنع الشيء، أو الذي يقبِّح الشيء، أو الذي يحسِّن الشيء، واضح؟من ذلك مثلًا: البيان للخلق، بيان الشرائع للخلق وما يجب عليهم نحو ربهم، وما يجب عليهم نحو عباد الله، هذا واجب على الله ولَّا لا؟ نعم واجب على الله بمقتضى الحكمة، إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، عَلَيْنَاوعلى تفيد أيش؟ تفيد الوجوب.* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هداية القرآن نوعان: عامة، وخاصة، فالعامة مثل هذه الآية: هُدًى لِلنَّاسِ، والخاصة مثل قوله: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، فما هو الفرق؟ الفرق: أن الهداية التي بمعنى الدلالة عامة، والهداية التي بمعنى التوفيق والاهتداء هذه خاصة، خاصة بالمتقين، فالهداية التي تتضمن الاهتداء هذه للمتقين، وأما التي تتضمن البيان والإيضاح فهذه للناس عامة؛ لقول الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب كلها فرقان، تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المؤمن والكافر، وبين الضار والنافع، كل ما يمكن أن يكون فيه الفرق، فإن الكتب تفرقه.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يمتنع أن تجمع الكتب السماوية بين متفرقين، أو أن تفرق بين متماثلين أبدًا؛ لأن الفرقان هو الذي يفرق بين شيئين مختلفين، أما شيئان لا يختلفان فلا تفريق بينهما.ومن هنا يمكن أن نأخذ –يعني: يتفرع على هذه الفائدة- إثبات القياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، فهو جمع بين متماثلين، وعدم الأخذ بالقياس تفريق بين متماثلين، والكتب السماوية كلها فرقان.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما اهتدى الإنسان للفروق كان أعظم اهتداء بالكتب المنزلة من الله، كذا؟ كلما اهتدى للفروق كان أعظم اهتداء للكتب المنزلة من السماء؛ لأن الكتب كلها فرقان، فمثلًا: إذا كان الإنسان يفرق بين الشرك الأصغر والأكبر، وبين النفاق الاعتقادي والعملي، وبين الكفر الأكبر والأصغر، وبين أشياء الحلال والحرام، كان أشد اهتداء بالكتب، ممن؟ ممن لا يفرق، أليس كذلك؟ربما يؤخذ من هذا أيضًا الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بمعرفة الفروق، بمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقهكما يؤخذ من هذا أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء لمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا شيء، أو هذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقه، مثلًا يقول: أنا أذكر الفروق بين البيع والإجارة، بين الإجارة والجِعالة، بين الرهن والضمان، بين الضمان والكفالة، بين الفرض والتطوع، وهذه من فنون العلم الشريفة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، كذلك في العقائد والتوحيد يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر؛ رجل حلف بغير الله نقول: هو مشرك، ورجل عبد صنمًا نقول: هو مشرك، لكن بينهما فرق عظيم، العابد للصنم شركه أكبر، والحالف بغير الله شركه أصغر، إلا أن ينضاف إلى حلفه بغير الله جعله المحلوف عليه كالله تعالى في التعظيم، فحينئذٍ يكون شركًا أكبر لا من حيث القسم، ولكن من حيث إنه جعل رتبة المحلوف به كرتبة الخالق. * من فوائد الآية الكريمة: بيان عقوبة الكفار، وهو العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر يستلزم التحذير من الكفر، فيكون في هذا فائدة متفرعة عن الأولى: التحذير من الكفر، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل؛ لأنه إذا ذُكر عقوبة الضد فإن ضده يثبت له ضد تلك العقوبة، ولهذا لما قال رسول الله ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» »[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. وقد يكون هذا من جملة الفرقان الذي يحصل، حيث نفرق بين الكفار وبين المؤمنين، فكما اختلفوا وتفرقوا في أعمالهم فإنه يلزم أن يفترقوا في ثواب تلك الأعمال. * طالب: يا شيخ، مثلًا الأشياء التعبدية؟ يعني (...) نعلم أن الله له فيها حكمة، ولكن نحن ما ندري ما الحكمة. * الشيخ: إي نعم، هذا لقصور أفهامنا، يعني مثلًا كون الصلاة أربعًا، وأربعًا، وثلاثًا، وثنتين، لم تكن ستًّا أو ثمانيًا أو ما أشبه، ذلك صحيح، هذه العقل ما له فيه مجال، ولا يمكن، لكن لا نقول: إنه ليس فيه حكمة، لا بد من حكمة لكن غير معلومة لنا. * الطالب: إيه، لكن كل من وُفّق يعني يعلم الحكم، ولكن كثير من العلماء ومن الناس ما يعرف حكمة هذه؛ لأنها تعبدية. * الشيخ: نادر، يعني نادر الأشياء اللي ما تبلغه عقول كل الناس، هذا نادر. * الطالب: مثلًا الوضوء ومسح الرأس ما نعلم له حِكمة؟ * الشيخ: لا، نعلم له حكمة، كيف؟! له حِكمة ظاهرة. * الطالب: وأيش الحكمة؟ * الشيخ: لأن غسل الرأس يُؤذي. * الطالب: لا، المسح. * الشيخ: أقول: لأن غسل الرأس يؤذي، لو غسل الإنسان رأسه وفيه الشعر، ولا سيما في أيام الشتاء يتأذى كثيرًا، ثم لو غسل أيضًا، الرأس عالٍ على كل شيء بيتناثر الماء على كل بدنه وثيابه. * الطالب: ما يستفيد يعني؟ * الشيخ: من اللي ما يستفيد؟ * الطالب: ها الإنسان. * الشيخ: المسح؟ * الطالب: من المسح. * الشيخ: لا، يستفيد تعبد لله. * الطالب: إيه، صح، تعبُّد. * الشيخ: إذن هو تطهير، وليس الغرض أيضًا من الوضوء مجرد التطهير الحسي؛ لأنك تغسل يديك مثلًا بعد الطعام غسلًا بالصابون، ثم إذا أردت تتوضأ تغسلها ثلاثًا مع أنك الآن غسلتها. * طالب: شيخ، أنزل القرآن أحيانًا يأتي التعبير مثلًا بـ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [البقرة ٩٩]، وأحيانًا يعني ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ [النحل ٦٤] يعني: أنزل ونزَّل، إليك وعليك، ما الفرق؟ * الشيخ: إيه، هو للتنوع مثلًا: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء ١٠٥]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ باعتبار آخر نزول؛ يعني نزوله جملة، أنزله كله؛ يعني إن كان هذا آخر ما نزل فواضح أنه تم القرآن كله، إذا كان ما هو آخر ما نزل فباعتبار أنه سيكمُل؛ لأنه إذا كمل كله صار كأنه نازل جملة واحدة؛ لأن جملة الآن كلها نزلت، وأما ﴿إِلَيْكَ﴾ فهي تفيد الغاية، يعني أن نهاية الإنزال إلى الرسول، وأما ﴿عَلَيْكَ﴾ فهي تفيد العلو والاستقرار، ولهذا قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] وهي أبلغ من إليك؛ لأنها إذا وصلت حتى استقرت في القلب صارت أبلغ. * طالب: أقول: المسلم الذي لا يمكنه، يعني ما وصل عِلمه إلى أن يفرق بين الحكمة من حِكم رب العالمين، أليس الأحوط له أن يؤمن بأن كل ما فعله رب العالمين فهو -يعني- حكمة؟ * الشيخ: هذا واجب، أن نؤمن بأن كل ما فعله -يعني- أو شرعه فهو لحكمة، لكن أحيانًا نفهمها وأحيانًا ما نفهمها، والمؤمن هو الذي يُسلِّم للأحكام الشرعية سواء علم الحكمة أم لا، أما الذي لا يؤمن إلا إذا علم الحكمة معناه ما آمن إلا بعقله، لم يؤمن بالشرع. * طالب: يا شيخ، الحلف بغير الله، واحد حلف بغير الله بسبق اللسان يكون شرك أصغر؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: واحد حلف بغير الله، لكن بسبق اللسان ما قصده، تعود؟ * الشيخ: لا، ليس عليه شيء ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]، و﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، ولكن يجب أن يُنزّه لسانه عن القول المحرم، لما يبتغي يبتدئ يقول: والنبي، وقال له: لا تحلف بالنبي فإنه شرك. فيقول: والنبي لا أحلف بالنبي، هذا ما هو صحيح. * طالب: شيخ، هل التوراة والإنجيل من كلام الله؟ * الشيخ: المعروف عند السلف أنها من كلام الله، لكن ما أذكر حتى الآن وصفهما بأنهما من كتاب الله، إنما وصفهما الله بأنها منزَّلة، وأنها كتب، أما كلام الله في هذا ما فيه إلا القرآن هو اللي صريح. * الطالب: شيخ، بالنسبة لبعض الشباب، بالنسبة للحديث، يبحث عن حكمة لها فلا يجد، ولا أحد من السلف ما تكلم في حكمة فيها، فيقول: أنا لا أعمل بها؛ لأنه لا يوجد فيها حكمة. * الشيخ: أعوذ بالله. * الطالب: ماذا يعني؟ * الشيخ: هذا لا يجوز، هذا يُخشى أن يكون كافرًا، إذا كان لا يؤمن إلا بما اختاره عقله فهو لم يؤمن بالشرع. * الطالب: لا، يقول: يعني حتى السلف العلماء والأئمة لم يجدوا لها حكمة. * الشيخ: ما هو لازم أن يجدوا لها حكمة، الله عز وجل يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] والإنسان يجب أن يتعبد لله، ما هو لنفسه. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قولكم: إنه اختلف السلف في التوراة والإنجيل، هل هي كلام الله أوْ لا، أقول: ألا يلزم شخص؟ * الشيخ: لا، ما قلت السلف. * الطالب: يعني مذهب السلف. * الشيخ: قلت: إن السلف قالوا: إنها كلام الله غير مخلوق. * الطالب: نعم، جزاك الله خيرًا، لكن أقول: يا شيخ، ألا يلزم من كونها مُنزَّلة أن تكون من كلام الله؟ * الشيخ: الله أعلم؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] وجاء في الحديث: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ[[أخرجه عبد الله في السنة (٥٧٦) عن زيد بن أسلم موقوف عليه، وفي صحيح مسلم (٢٦٥٢ / ١٥): «فَبِكَم وجَدْتَ الله كَتَبَ التَّوَراةَ قبلَ أنْ أخْلقَ؟». في حِجَاج آدم وموسى من حديث أبي هريرة.]]. فأنا أتوقف في هذا، لكن السلف كلامهم واضح، يقولون: إن التوراة والإنجيل من كلام الله، والزبور، لكن لا شك أنها منزلة من الله، هذا يجب الإيمان به، يكفي نؤمن بأنها نازلة من الله. * * * * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٥ - ٧]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ٤] سبق لنا أن العزة ثلاثة أقسام، فيستفاد من هذه الآية الكريمة إثبات اسم من أسماء الله فهو العزيز بالمعاني الثلاثة السابقة. * ومن فوائد الآية: أن الله تعالى موصوف بالانتقام؛ لقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، ولكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢]، ولهذا لم يرد من أسماء الله المنتقم على سبيل الإطلاق، وإنما الذي ورد مقيدًا ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، أو ورد صفة منكَّرة، مثل: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، أي صاحب انتقام، وهذا لا يؤدي إلى، أو لا يدل على الوصف المطلق أنه موصوف بالمنتقِم؛ لأن الانتقام يكون مدحًا في موضعه، وأما في غير موضعه فلا يكون مدحًا، فإذا كان الانتقام تقتضيه الحكمة صار ممدوحًا وإلا فلا. طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء ١، ٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. هذه السورة هي سورة النساء وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان. وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير، من ذلك أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القصر والقوة، قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به.

آل عمران 3:2

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالبسملة تقدم لنا الكلام عليها مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، كذا؟ فإذا قلت: باسم الله، وأنت تريد أن تأكل، كيف تقدر الفعل؟ باسم الله آكل.قلنا: إنه يجب أن يقدر أن يكون متعلقًا بمحذوف، لماذا؟ لماذا لا نقول: إنه غير متعلق؟ لأن الجار والمجرور لا بد له من متعلَّق يتعلق به لاَ بُــدَّ لِلْجَــــــارِ مِــــــنَ التَّعَلُّـــــــــقِ ∗∗∗ بِفِعْــــلٍ اوْ مَعْنَــــاهُ نَحْــــو مُرْتَقِــــــــــــي لأن الجار والمجرور معمول، هو بمنزلة المفعول به، فلا بد له من عامل.لماذا قدرناه فعلًا متأخرًا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل، والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركًا به ومستعينًا إلا باسم الله عز وجل.لماذا قدرناه فعلًا؟ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو، الأصل في العمل الأفعال؛ ولذلك لا تعمل الأسماء إلا بشروط، اسم الفاعل يعمل عمل الفعل بشروط، المصدر يعمل عمل الفعل بشروط، اسم المفعول يعمل عمل الفعل بشروط، الفعل يعمل بشروط؟ لا؛ لأنه هو الأصل في العمل؛ فلهذا نقدره فعلًا.لماذا قدرناه خاصًّا؟ لأنه أدل على المقصود، ممكن أن نقدر: باسم الله أبتدئ، لكن تبتدئ أيش؟ ما ندري، تبتدئ أكل، تبتدئ شرب، تبتدئ وضوء، تبتدئ عمل، ما ندري، إذا قلت: باسم الله آكل، وعينت الفعل، صار أدل على المقصود؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» ، أو قال: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ» ، فخص الفعل.إذن نقول: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، كمِّل؟ متأخر، فعل مناسب للمقام.أما الله فهو علم على ذات الله سبحانه وتعالى، على الذات المقدسة، لا يكون إلا له، وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، تأتي تابعة له.﴿الرَّحْمَنِ﴾ ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن فعلان الذي يدل على الامتلاء والسعة.﴿الرَّحِيمِ﴾ الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل، فهنا رحمة هي صفته، هذه دل عليها الرحمن، ورحمة هي فعله، أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم، دل عليها الرَّحِيمِ.﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر أو الحكم الدال عليه ذلك المعنى، ولَّا لا؟ إذن اجتمع في هذين الاسمين كل ما يجب أن يتعلق بالإيمان باسم الله؛ لأن الإيمان باسم الله لا بد أن تؤمن بالاسم، وأيش بعد؟ والصفة والأثر الذي هو الحكم المترتب على هذا، فنقول: الله رحمن ذو رحمة يرحم، كلها موجودة في القرآن، فالرحمن كما ترون، ذو الرحمة: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الأنعام: ١٣٣]، يرحم: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١].﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسم دال على الرحمة، وهي رحمة حقيقية دل عليها السمع والعقل، ما أدري كلام لغة عربي ولَّا غير عربي؟ عربي، دل عليها السمع والعقل، وأيش معنى السمع؟ النصوص: الكتاب والسنة، العقل: النظر والاعتبار، دلالة السمع على رحمة الله كثيرة ما تحصى، دلالة النظر أن نقول: كم في العالم من نعمة؟ وأيش الجواب؟ لا تحصى، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، كذا؟ لا تحصى بأنواعها وأجناسها فضلًا عن أفرادها، هذه النعم وأيش تدل عليه؟ تدل على أن المنعم راحم، ولولا الرحمة ما حصلت النعمة، وكم في العالم من اندفاع نقمة، أليس كذلك؟ بماذا؟ من آثار الرحمة، لولا الرحمة ما اندفعت النقمة.ومن عجبٍ: أن قوما يدَّعون العقل، يقولون: إن الرحمة لا يدل عليها العقل، بل العقل يدل على خلافها، أعوذ بالله، لأيش؟ قال: لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة، وهذا لا يليق بالله عز وجل -شوف الشيطان!- لا يليق، صحيح لا يليق؟ نقول: الرحمة بهذا المعنى مَن هي رحمته؟ رحمة المخلوق، لكن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، ثم إننا نمنع أن تكون الرحمة كما زعمتم حتى في المخلوق، يأتي ملك تام السلطان لا يخشى أحدًا إلا الله ويرحم هذا الفقير، هل نقول: رحمته هذه تنافي ما عنده من السلطان والعظمة اللائقة به؟ أبدًا، ما تنافي ولا يقال: والله هذا ملك مهين إنه يرحم الفقراء ويرحم الضعفاء، لا، بل يعد هذا من كماله.ثم نقول لهم: العقل دل عليه، نمنع قولكم: إن العقل لا يدل عليه، بل نقول: إن العقل دل عليه، لو تسأل عامي في السوق بعد أن نزل المطر في الليل وخرج الناس يمشون في المطر، ونقع المطر، وهواء المطر والرطوبة، تلقي عامي تقول: ما شاء الله نزل البارحة مطر، يقول لك: إي والله، الحمد لله، رحمة الله واسعة، وأيش عرف إن هذا المطر من ين؟ من الرحمة.لكن يقولون: الإرادة ثبتت بالعقل، إرادة الله ثبتت بالعقل، بماذا؟ قالوا: ثبتت بالتخصيص، إنه خص هذا اجعل هذه سماء، واجعل هذه أرض، وهذه بقرة، وهذه شاة، وهذه بعير، وهذا حمار، إلى آخره، الذي خصص هذا مِن هذا هو؟ الإرادة، إذن فيه إرادة لله دل عليها التخصيص، اسأل طالب علم ما هو عامي، قل: كيف تستدل بالعقل على الإرادة؟ على إرادة الله؟ وأيش يبغي يقول لك؟ ما يستطيع، ربما يستطيع أن يقول: أستدل على إرادة الله، ها الكون هذا كله بإرادة الله، لكن ما يقول لك: إن التخصيص هو الذي يدل على الإرادة، كذا ولَّا لا؟ ومع ذلك الرحمة ما دل عليها العقل عندهم، والإرادة دل عليها العقل، ونحن نقول: إن الإرادة والرحمة كلتاهما دل عليها العقل، ولا شك في هذا.البسملة ذكرنا فيما سبق أنها آية من القرآن لا شك، مستقلة لا تابعة، لا للتي قبلها ولا للتي بعدها، مستقلة، لكن يؤتى بها لابتداء السورة، كل سورة تُبتدأ بالبسملة إلا واحدة من السور وهي براءة، فإنه لم يثبت عند الصحابة أن الرسول ﷺ ابتدأها بالبسملة؛ ولذلك جعلوا فاصلًا بينها وبين الأنفال ولم يجعلوا بسملة؛ لأنهم ترددوا: هل هي من بقية الأنفال أو هي مستقلة، فقالوا: نجعل الفاصل ولا نجعل البسملة، إنما البسملة تؤتى آية مستقلة تُبتدأ بها كل سورة، حتى الفاتحة وهي أول السور تُبتدأ بها.وهل هي من السورة؟ قلنا: لا، وعلى هذا فما يوجد في المصحف الآن المرقم في الفاتحة خاصة فيها رقم واحد، على أنها أول آية من الفاتحة هو قول مرجوح، والراجح أنها ليست آية من الفاتحة، وقد مر علينا بيان رجحان هذا القول. نعم.* طالب: (...)* الشيخ: إي نعم، هو يسأل يقول: نحن ندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، ونحن ما عندنا السلاح نقاوم به؟ نقول: النصرة على القوم الكافرين بأن يهيئ الله لنا أسلحة نقاوم بها أو يدمر أسلحتهم، تدمير أسلحتهم نصر لنا ولَّا لا؟* طالب: قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، خلاف العلماء في كون البسملة آية من آيات الله أو غير آية هل يعد ذلك تنقيصًا لهذه الآية؟* الشيخ: لا لا، هل حُذفت من المصحف؟ إيه، حفظت، لا لا، يقولون: آية، لكن بس هل هي آية، بالاتفاق أنها آية، لكن هل هي من السور التي بعدها أو لا، الخلاف في العدد. * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ* الشيخ: لا، مِنْ قَبْلُتبع اللي قبلها.* الطالب: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ١ - ٤].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى ومحلًّا، وتقدم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور.الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور قيل: إنها رموز وإشارات إلى أشياء، وعيّنها بعض المفسرين، وقيل: إنها حروف لا ندري ما معناها، فالله أعلم بما أراد بها، وقيل: بل هي حروف هجائية ليس لها معنى، وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين، واللسان العربي لا يعطي هذه الحروف الهجائية معنى، وإذا كان لا يعطيها معنى فبمقتضى نزوله به أن لا يكون لها معنى، لكن قال بعض حذاق العلماء: إن لها مغزى، أي: هذه الحروف لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الذي أعجز فصحاء البلاغة العرب العرباء إنما كان بالحروف التي هم يعرفونها، ويُرَكِّبون كلامهم منها، ومع ذلك أعجزهم، يعني لو جاء بلسان غير عربي لقالوا: نعجز عنه، لكن جاء باللسان العربي الذي يكوّنون كلامهم بالحروف التي كان بها هذا القرآن، قال: ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكر القرآن، وهذا ما قاله الزمخشري وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم.وقوله: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، فـاللَّهُمبتدأ، وجملة لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَخبر المبتدأ، لكن هذه الجملة جملة أيضا، لكنها تسمى عند النحويين: جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والكبرى: مجموع المبتدأ والخبر. وقوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُخبران آخران، الْحَيُّخبر لـاللَّهُثاني، والْقَيُّومُخبر ثالث.فقوله: اللَّهُعلم على الذات المقدسة، علم على الرب عز وجل، وأصله الإله، بمعنى المألوه، وحُذفت الهمزة تخفيفًا كما حُذفت الهمزة من خير وشر في مثل قول الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا» ، أي: أخيرها وأشرها، وكما حُذفت الهمزة أيضًا من الناس، وأصلها: أناس.الله علم على الذات المقدسة، وهو أعلم المعارف على الإطلاق، نعم، ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فِعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فِعال بمعنى مفعول، كغِراس بمعنى مغروس، وبِناء بمعنى مبني.وقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أي: لا معبود حق إلا هو، فإله اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة، ولكنها آلهة وُضعت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا [يوسف: ٤٠]، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ١٩ - ٢٣].وبهذا التقدير للخبر في لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيزول الإشكال، وهو أنه كيف يُنفى الإله في مثل هذه الجملة ويُثبت في مثل قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، والجمع: أن تلك الآلهة أيش؟ باطل، وأما الإله في: لا إله إلا الله، أو لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَفهو إله حق، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].وقوله: هُوَهذا ضمير وليس اسمًا، هذا ضمير وليس اسمًا، بدليل قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩]، هذا علَم ولا ضمير؟ علم، وبدليل قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] و(أنا) هنا ضمير، فعلى هذا نقول: أنا وهو في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاوقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَكلاهما ضمير رفع منفصل، فكما أن الذاكر لا يقول: لا إله إلا أنا، أو كما أن الذاكر لا يجعل (أنا) اسما لله، فلا يجوز أن يجعل (هو) اسمًا لله؛ وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذي يذكرون الله بلفظ: هو هو، ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل.وقوله: الْحَيُّأل هنا للاستغراق، أي: الكامل الحياة، وحياة الله عز وجل كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له، حياته لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال، هي أيضًا كاملة حال وجودها لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه، وعلمه، وقدرته، وجميع صفاته، إذا رأينا الآدمي، بل إذا رأينا غير الله عز وجل وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، فحياته مسبوقة بماذا؟ بعدم، ملحوقة؟ بزوال وفناء، هي أيضًا ناقصة في وجودها، هل هو كامل السمع؟ الحي ليس كامل السمع، ولا البصر، ولا العلم، ولا القدرة، كل حي فهو ناقص، إذن حياته ناقصة في الوجود والزمن، ففي الزمن مسبوقة بعدم وملحوقة بزوال، وفي الوجود ناقصة في جميع الصفات.(...) على وزن فَيْعُول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.وفي الجمع بين الاسمين الكريمين: الْحَيُّ الْقَيُّومُفي الجمع بينهما استغراق لجميع ما يوصَف الله به لجميع الكمالات، ففي الْحَيُّكمال الصفات، وفي الْقَيُّومُكمال الأفعال، وفيهما جميعًا كمال الذات، الْحَيُّكمال الصفات، الْقَيُّومُكمال الأفعال، وباجتماعهما كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات. * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ١ - ٥].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قوله تعالى: الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وبينا أن القول الراجح في الموأخواتها.* طالب: (...) الحروف المقطعة لا معنى لها؟* الشيخ: لا، هو ما قال: لا معنى لها.* الطالب: (...) تدل على مغزى أن هذا القرآن الذي أعجزكم أنه مكون من هذه الحروف؛ لذلك كل ما (...) يكون بعدها شيء من القرآن من (...).* الشيخ: طيب.* طالب: قلنا: إن (...) مختزلة من اللغة العربية.* الشيخ: لا.* طالب: لا معنى لها بذاتها.* الشيخ: ولكن لها مغزى. ما هو الدليل على أنه ليس له معنى في ذاتها؟* طالب: الدليل أنها دائما يعقبها ذكر القرآن.* الشيخ: الدليل على أنه ليس لها معنى؟* الطالب: أن القرآن بلسان عربي مبين، وهذه الحروف بلسان عربي مبين، ليس لها معنى.* الشيخ: صح، الدليل أن القرآن نزل باللسان العربي المبين، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية في ذاتها، إذن ليس لها معنى.ما الدليل على أن لها مغزى؟* طالب: أن هذه الحروف يعقبها (...) القرآن.* الشيخ: ذكر القرآن والتحدث عنه.* الطالب: ثاني شيء، يعني: أن هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتتحدثون بها القرآن الكريم مركب منها.* الشيخ: كان منها أحسن من كلمة مركب.* الطالب: كان منها.* الشيخ: نعم.قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ما معناها؟* طالب: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.* الشيخ: لا معبود بحق، لا معبود حق إلا الله.لماذا لا نقول: إن النفي مسلَّط على ما بعد إلا، يعني: لا إله إلا الله، ما يوجد إله إلا الله؟* الطالب: يوجد آلهة ولكنها باطلة (...) نحصرها بحق.* الشيخ: أحسنت، نعم نقول: لا يمكن أن ننفي الألوهية مطلقًا؛ لأن غير الله قد يسمى إلهًا.ما هو الدليل على إطلاق الإله على غير الله؟* طالب: قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١]* الشيخ: نعم، وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٣٩]، فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١].﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا أنهما يشتملان على اسم الله الأعظم، فلماذا؟* طالب: لأن لها معنيان، المعنى الزمني بأنه الله لم يسبقه عدم.* الشيخ: لا.* طالب: لأنهما اسمان يتضمنان الصفات الفعلية والذاتية.* الشيخ: صح، الكمال الذاتي والفعلي، ففي الْحَيُّالكمال الذاتي، والْقَيُّومُالكمال الفعلي، نعم؛ لذلك كانا متضمنين لجميع الكمال: الذاتي والفعلي.﴿الْحَيُّ﴾ تفسيرها؟* طالب: الحي الذي لا يموت ولا (...).* الشيخ: يعني: ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق (...) ولا يلحقها زوال.﴿الْقَيُّومُ﴾ ؟* طالب: القيوم هو القائم بنفسه، والقائم على نفسه كذلك.* الشيخ: على غيره، القائم بنفسه والقائم على غيره.الدليل على القيام بنفسه؟* طالب: أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إلى أحد.* الشيخ: نعم.* الطالب: أما الدليل على كل ما سواه.* الشيخ: إذن وصف الغنى مثل هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: ٢٦]، فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن: ٦]، هذا يدل على قيامه بنفسه، قيامه على غيره ما هو الدليل؟* الطالب: أن العباد كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى.* الشيخ: ما هو الدليل؟ ما هو التعليل.* الطالب: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: ١٥].* الشيخ: وغيره، في آية صريحة في الموضوع.* طالب: قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣].* الشيخ: صحيح، أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، يعني: كمن لا يقوم بنفسه؟تصريف القيوم في اللغة العربية؟ كيف هو؟* طالب: على وزن فَيْعُول.* الشيخ: على وزن فَيْعُول، وماذا تدل عليه هذه الصيغة؟* الطالب: هو على أنه سبحانه وتعالى.* الشيخ: لا هذه الصيغة؛ لأن أصلها قائم حُوِّلت إلى قيوم، فحُوِّل فاعل إلى فَيْعُول؟* الطالب: (...)* الشيخ: نعم.* طالب: يدل على الكثرة والمبالغة.* الشيخ: على المبالغة، صح.قال الله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، نَزَّلَالتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان: ٣٢]، يعني: نزلناه ليس جملة واحدة، فقوله: نَزَّلَيفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل أيش؟ بالتدريج ليس مرة واحدة، وقوله: عَلَيْكَالضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول ﷺ، ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه.وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَالكتاب هو هذا القرآن، وهو فِعَال بمعنى مفعول؛ لأنه مكتوب، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٧، ٧٨] اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس: ١٢، ١٣]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا، فهو مكتوب بأيدينا ونقرأه من هذه الكتب.وقوله: الْكِتَابَ بِالْحَقِّالباء هذه يجوز أن تكون من باب: أنه متلبِّس بالحق، أي: مشتمل على الحق، فهو نازل بحق لا بباطل، ويحتمل أن يكون عائدًا على التنزيل، يعني: أنه نزول حق ليس بباطل، قال الله تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، بعد قوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣]، فيكون بالحق، يعني: أنه نازل عليك نزولًا حقًّا ليس بباطل، فهو ما كُذِب عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن، ويحتمل أن يكون نازلًا بأيش؟ بالحق، يعني: مشتملًا عليه ومتلبسًا به، والمعنيان صحيحان لا يتنافيان، والقاعدة: أن النص إذا دل على معنيين صحيحين لا يتنافيان حُمِل عليهما جميعًا.وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، مُصَدِّقًاحال من الكتاب، ولا يصح أن نجعلها صفة، لماذا؟ لأن مُصَدِّقًانكرة، والْكِتَابَمعرفة، والصفة يجب أن تتبع الموصوف في المعرفة والنكرة، وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِللذي بين يديه، يعني: من الكتب السابقة.وتصديقه لما بين يديه له وجهان: الوجه الأول: أنه صدقها؛ لأنها أخبرت به فوقع مصدقًّا لها، والثاني مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: حاكمًا عليها بالصدق، فهو مصدق لما سبق من الكتب للوجهين المذكورين؛ لأن الكتب أخبرت به فوقع، وإذا وقع صار تصديقًا لها. الوجه الثاني: أنه حكم بأنها صدق من عند الله عز وجل، فيكون هذا التصديق لما بين يديه يشمل الوجهين جميعًا، فالقرآن شاهد بأن التوراة حق، والإنجيل حق، وأن الزبور حق، وأن صحف إبراهيم حق، وأن الله أنزل على كل رسول كتابًا، كذلك مصدق للكتب التي أخبرت به، فإن الكتب السابقة أخبرت بهذا القرآن أنه سينزل، ووصفت النبي ﷺ الذي ينزل عليه بأوصافه التي كانوا يعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم.وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: لما سبقه؛ لأن الذي بين يديك سابق عليك، أليس كذلك؟ نعم؛ لأنه أمامك، فهو متقدم عليك.﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ شوف قال: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَوَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، اختلف التعبير، واختلاف التعبير يدل على اختلاف المعنى، فما هو الخلاف في المعنى؟ قال أهل العلم: إن التوراة الإنجيل نزلتا دفعة واحدة بدون تدريج، بخلاف القرآن، فإنه نزل بالتدريج، وهذا من رحمة الله عز وجل على هذه الأمة؛ لأنه إذا نزل بالتدريج صارت أحكامه أيضًا بالتدريج، لكن لو نزل دفعة واحدة لزم الأمة أن تعمل به جميعه بدون تدريج، وهذا من الآصار التي كُتبت على من سبقنا: إذا نزلت عليهم الكتب مرة واحدة أُلزموا بالعمل بها من حين أن تنزل فيما ألفوه وفيما لم يألفوه، بخلاف القرآن الكريم.وقوله: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، التوراة هي الكتاب الذي نزله الله على موسى، والإنجيل هو الذي نزله الله على عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذان الاسمان قيل: إنهما غير عربيين، وقيل: بل هما عربيان، ولكن الذي يظهر أنهما ليسا بعربيين، ولكنه إذا نزل القرآن بشيء صار اللفظ الذي نزل به القرآن عربيًّا، بماذا؟ بالتعريب، صار عربيًّا بالتعريب.قال: مِنْ قَبْلُ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ، قبلُ فيها إشكال لغوي؛ لأن المعروف أن من حرف جر، وحرف الجر يجر، تقول: جئتُ من البيتِ إلى المسجدِ، ولا يجوز أن تقول: جئتُ من البيتَ إلى المسجدَ، ولا من البيتُ إلى المسجدُ، ولًّا لا؟ هنا قال: مِنْ قَبْلُفلماذا لم يقل: من قبلِ؟ نقول: لأن قبل وبعد وأخواتهما لها أحوال، إن أضيفت لفظًا، فإنها تكون على حسب العوامل، يعني: تُجَر بحرف الجر، وتُنصب بأداة النصب، وتُرفع بعامل الرفع، ولَّا لا؟ وإذا أضيفت –يعني: تقديرًا- إذا أضيفت تقديرًا صارت مبنية على الضم، يعني: إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه صارت مبينة على الضم، مبنية بناء دائمًا على الضم، مثل هذه الآية: مِنْ قَبْلُأصله: من قبل هذا الكتاب، لكن حذف المضاف إليه ونوي معناه، فبُنيت على الضم، إذا حذف المضاف إليه ونوي لفظه، فإنها تعرب بحسب العوامل لكن بدون تنوين، تعرب بدون تنوين، فتقول مثلًا: من قبلِ، بدون تنوين، إذا حذف المضاف إليه ونوي أيش؟ لفظه، كم هذا من حال؟ ثلاث حالات: إذا قُطعت عنالإضافة لفظًا ومعنًى، فإنها بحسب العوامل مع التنوين، تكون بحسب العوامل مع التنوين، فتقول: من قبلٍ، ومن بعدٍ، ومنه قول الشاعر:؎فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَـــــادُ أَغـــــصُّ بِالْمَــــــاءِ الْفُـــــــــــــرَاتِ فقال: كنت قبلًا، نصبها بالتنوين؛ لأنه نوى قطعها عن الإضافة لفظًا ومعنًى، فالأقسام إذن؟* طالب: ثلاثة.* الشيخ: زد واحد؟ ثلاثة، أربعة، نعم، أربعة، الأول؟* الطالب: الأول: إذا أضيف لفظًا.* الشيخ: الثاني؟* الطالب: الثاني: إذا حُذف المضاف ونوي لفظه.* الشيخ: الثالث؟* الطالب: إذا حذف المضاف ولم ينو لا لفظه ولا معناه، الرابع: إذا حذف المضاف ونوي معناه فقط.* الشيخ: صح، كذا، تعرب في كل الأحوال الأربعة إلا حالة واحدة وهي: إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ، هُدًىهذه مفعول من أجله متعلقة بنزّل وأنزل، أي: نزّل عليك الكتاب هدًى للناس، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدًى للناس، فهي مفعول من أجله، أي: لأجل هداية الناس، والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة التي يترتب عليها هداية التوفيق، لكن الأصل في هذه الكتب أنها هداية دلالة؛ ولهذا قال: هُدًى لِلنَّاسِعمومًا، حتى الكفار تهديهم، تهديهم وتدلهم، تبين لهم الحق من الباطل، لكن قد يوفَّقون لقبول الحق والعمل به، وقد لا يوفقون، والهدى ضد الضلال، واهتدى بمعنى صار على الطريق الصواب، وضل بمعنى انحرف وتاه وضاع، ومنه سُمِّيت الضالة، يعني: البعير الضائع التائه.وقوله: هُدًى لِلنَّاسِ، الناس سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن أصلها أُنَاس حذفت همزتها للتخفيف لكثرة الاستعمال، والمراد بالناس البشر وهم بنو آدم.وقوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، المراد بالفرقان هنا المعنى، وليس المراد به القرآن، فالمراد أنزل ما يَبِين به الفرق بين الحق والباطل، وإنما قلنا ذلك؛ لأننا لو خصصناه بالقرآن لكان في ذلك تكرار مع قوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وكان فيه فصل لكون التوراة والإنجيل فرقانًا، مع أن التوراة والإنجيل فرقان، لا شك أن فيها تفريقًا بين الحق والباطل، إذن أنزل الفرقان الذي تضمنته هذه الكتب الثلاثة، وهي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، ففيها الهدى وفيها الفرقان، فيها التفريق بين الحق والباطل، وفيها التفريق بين أهل الحق وأهل الباطل، جميعًا، ففيها تفريق بين العامل والمعمول، بين الحق في ذاته، يقول: هذا حق وهذا باطل، وبين أهل الحق وأهل الباطل.فيها تفريق بين النافع والضار؟ نعم، فيها تفريق بين النافع والضار. فيها تفريق بين الأنفع والنافع؟ نعم. فيها تفريق بين الأضر والضار؛ لأن كلمة الفرقان كلمة واسعة تشمل كل ما به الفرق من جميع الوجوه.ولما ذكر الله سبحانه وتعالى منته على عباده بإنزال هذه الكتب العظيمة قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، يعني: بعد إنزال هذه الكتب الواضحة الهادية المفرِّقة انقسم الناس إلى قسمين: قسم آمن، وقسم كفر، فذكر الله حكم الكافر، وبذكر حكم الكافر يتبين حكم المؤمن، قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، هذه الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، وجملة كبرى وجملة صغرى، ولَّا لا؟ مبتدأ وخبر، وجملة الصغرى وجملة الكبرى، وين المبتدأ والخبر؟ وفيها أيضًا من مبتدأ وخبر منسوخ ومبتدأ وخبر غير منسوخ، والجملة الصغرى والجملة الكبرى؟* طالب: إن حرف توكيد ونصب.* الشيخ: أين الخبر المنسوخ؟* الطالب: الخبر المنسوخ؟* الشيخ: إي نعم، المبتدأ والخبر المنسوخ؟* الطالب: بِآيَاتِ اللَّهِ، بآياتي؟* الشيخ: لا.* الطالب: منسوخ يعني: محذوف؟* الشيخ: لا، منسوخ يعني: دخل عليه ناسخ، والنواسخ ثلاثة: إن، وكان، وظن.* الطالب: عَذَابٌ شَدِيدٌ.* الشيخ: لا.* طالب: جملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌجملة (...) خبر إن، جملة ناسخة، منسوخة، إن الذين كفروا لهم عذاب شديد.* الشيخ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذا أيش؟ جملة منسوخة ولَّا غير منسوخة؟ يعني: أجزاؤها، أجزاؤها منسوخة ولَّا غير منسوخة؟* طالب: غير منسوخة (...).* الشيخ: هذه الجملة الاسمية غير المنسوخة؟* طالب: (...)* الشيخ: وجملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذه جملة منسوخة، أحسنت.أما الإعراب فنقول: إن حرف توكيد ونصب.* الطلبة: لا.* الشيخ: خطأ؟ لأيش؟ نقول: (إن) حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والَّذِينَاسمها مبني على الفتح في محل النصب، وكَفَرُوافعل وفاعل لا محل له من الإعراب؛ لأنه صلة الموصول، وبِآيَاتِ اللَّهِجار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بأيش؟ بـكَفَرُوا، ولَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، لَهُمْخبر مقدم، وعَذَابٌمبتدأ مؤخر، وشَدِيدٌصفة له، والجملة في محل رفع خبر إن.يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، كَفَرُوايقال: إن أصل الكفر من الستر، ويطلق على الجحد؛ لأن الجاحد ساتر، كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، أي: جحدوا بها وأنكروها، وقلنا: إن الكفر من الستر؛ لأن منه الكُفُرَّى، تعرفون الكفرى؟ الكفرى وعاء الطلع، طلع النخل، أتعرفون طلع النخل؟ نعم، فيه الغلاف يسمى كُفُرَّى، وفي اللغة العامية يسمى كافور، نعم؟ هذا تجدونه يستر الطلع، فالكافر في الحقيقة ساتر، أي: جاحد للحق مخفٍ له.وقوله: كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، آيات جمع آية، وهي العلامات الدالة على الله عز وجل على وجوده، وعلى كماله الذاتي، وكماله الفعلي، وهي –أي: الآيات- نوعان: آيات كونية، ومنها: السماوات، والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، والإنسان، واختلاف اللغات، واختلاف الألوان، والنوم، واليقظة، وأشياء كثيرة، هذه آيات كونية، آيات شرعية، وهي: الوحي المنزل على الرسل، فإذا قيل: ما وجه ذلك؟ قلنا: أما الآيات الكونية فوجه كونها آية: أنه لا يستطيع أحد أن يفعل مثل فعل الله عز وجل أبدًا، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِكل الذين تدعون من دون الله، لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، لا يخلقون ذبابًا، وهل يخلقون جملًا؟ لا، من باب أولى، فهم لا يخلقون ذبابًا، ولا جملًا، ولا بعوضًا، ولا غير ذلك، لا يستطيعون أن يخلقوا هذا أبدًا، هل يستطيع أحد أن يذهب بالنهار إذا جاء؟ هل يستطيع أحد أن يأتي بالليل إذا جاء النهار؟ أبدًا، إلا الله عز وجل، إذن فهذه الآيات الكونية من آيات الله عز وجل؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها. الآيات الشرعية هي أيضًا من آيات الله، وجه ذلك: أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل شرع الله في هداية الخلق وإصلاحهم أبدًا، لو اجتمع جميع مفكري العالم ليأتوا بدستور يُصلح الخلق كما يصلحه ما جاء في الوحي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].لكن يا إخواني الآيات الكونية قد يعقلها كثير من الناس؛ لأنها آيات محسوسة مشهودة، حتى الكافر تقول له: تستطيع تخلق الذباب؟ يقول: ما أستطيع، أما الآيات الشرعية فليس كل أحد يدركها، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المطففين: ٧ - ١٣] لا يتبين له أنها آيات -والعياذ بالله- لماذا؟ قال الله تعالى مكذِّبا لقوله: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، فالإنسان إذا اجتمعت الذنوب على قلبه، نسأل الله أن يطهرنا وإياكم منها، إذا اجتمعت الذنوب على قلبه صار لا يرى الحق حقا ولا الباطل باطلا، عمي -والعياذ بالله- يُتلى عليه القرآن فيقول: هذه أساطير الأولين ليس كلام رب العالمين؛ ولهذا نقول: الآيات الشرعية هي اللي فيها الامتحان والابتلاء، ومن ثم لمينكر أحد الربوبية، ربوبية الله، كل يقر بأن الله رب العالمين وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، لكن الآيات الشرعية أُنْكِرت ولَّا لا؟ نعم، قريش إذا سئلوا مَن خلق السماوات والأرض قالوا: الله، لكن قالوا في القرآن: إنه كهانة، وشعر، وسحر، وما أشبه ذلك. المهم أن قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِيشمل الآيات الكونية والشرعية، وبينّا وجه كون كل منها آية.يقول: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، عَذَابٌ شَدِيدٌ، والعذاب هنا بمعنى العقوبة، والشديد: القوي، يعني: عقوبة قوية والعياذ بالله، وقد ذكر الله تعالى في القرآن، وذكر نبي الله ﷺ في السنة أصنافًا وأنواعًا من هذا العذاب تقشعر منه الجلود وتوجل منه القلوب، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩]، إِنْ يَسْتَغِيثُوا-ولا يستغيثون إلا لشدة الحر والظمأ- إذا استُغِيثوا يؤتون بماء يشوي الوجوه، إذا أقبلوا به إلى أفواههم ليشربوه شوى وجوههم -والعياذ بالله- قال الله تعالى: بِئْسَ الشَّرَابُ، هذا شرابهم، وقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]، هذا طعامهم، لباسهم: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ [إبراهيم: ٥٠]، مقرهم وهواؤهم: يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت: ٥٥]، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]. والسنة مملوءة بذكر أصناف العقاب الذي يعاقَب به هؤلاء، فهو عذاب شديد، لأهله الصراخ والعويل، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر: ٣٧]، فيُقال لهم توبيخا: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: ٣٧]، هذه يا إخواني حقائق، حقائق نحن -إن شاء الله تعالى- في الإيمان بها كأنها مشاهدة عندنا، بل أعظم؛ ولهذا قال: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ، عَزِيزٌمن العزة، وهي ثلاثة أصناف: عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر بمعنى: أن الله تعالى ذو قدر شريف عظيم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «السَّيِّدُ اللَّهُ» ، هذه عزة القدر.عزة القهر: أنه قاهر لكل شيء لا يُغلب، بل هو الغالب، قال الله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨]، وقال الشاعر الجاهلي:؎أَيْــــنَ الْمَفَــــرُّ وَالْإِلَــــــهُ الطَّالِــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ فالله سبحانه وتعالى غالب على كل شيء.عزة الامتناع، أي: أنه عز وجل يمتنع أن يناله سوء أو نقص، ومن هذا المعنى قولهم: هذه أرض عَزَاز، أي: صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول، ونحن نقول في لغتنا: عزا، يعني: شديدة صلبة، إذن فمعنى عَزِيزٌأي: ذو العزة، والعزة كم قسمًا؟ ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ ولهذا الذي يفسر العزيز بالغالب فقط نقول: إن تفسيره قاصر، بل هو يشمل المعاني الثلاثة.وقوله: ذُو انْتِقَامٍأي: صاحب انتقام، والانتقام أَخْذ المجرم بإجرامه، تقول: انتقمت من زيد، يعني: أخذت بحقي منه، فأخذ المجرم بإجرامه يسمى انتقامًا، كما قال الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]، وهنا قال: ذُو انْتِقَامٍ، ولم يقل: ذو الانتقام، وفي الرحمة قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨]، ولم يقل: ذو رحمة، وإن كان قال في آية أخرى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]؛ لأن الانتقام ليس من أوصاف الله المطلقة، وليس من أسماء الله المنتقم، وليس من أوصاف الله المطلقة الانتقام، بل المنتقم لا يوصف الله به إلا مقيدًا، فيقال: المنتقم من المجرمين، كما قال تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ، أما ذُو انْتِقَامٍفهي لا تعطي الانتقام المطلق؛ لأن انتقام نكرة فلا تعطي المعنى على الإطلاق، يعني: له انتقام، انتقام ممن؟ مقيد ولَّا مطلق؟ مقيد، انتقام من المجرمين، انتبه، وبهذا نعرف أن الأسماء المسرودة في الحديث الذي رواه الترمذي لا تصح عن النبي ﷺ، لأنه ذُكِر فيها من أسماء الله المنتقم، وهذا لا يصح، وحُذف من أسماء الله ما ثبتت به الأحاديث فلم يذكر فيها مثل: الشافي، والرب، الرب أيضًا حُذف منها، فالمهم أن الله قال: ذُو انْتِقَامٍولم يقل: ذو الانتقام، ولم يصف نفسه بالمنتقم إلا مقيدًا.* طالب: قوله: مَا بَيْنَ يَدَيْهِما يشمل ما يتقدم، يعني: الذي أمامه والذي خلفه؟ يعني: إذا أخبر القرآن بخبر ثم وقع هذا الخبر يكون القرآن مصدقًّا لهذا الخبر؟* الشيخ: بس المراد: بما يديه من الكتاب، كما قال تعالى في سورة المائدة: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة: ٤٨]، ولا كتاب بعده.* الطالب: (...) أشياء وقعت؟* الشيخ: إي صحيح، لكن ما هو مصدق لما بين يديه؛ لأنه كيف يصدق ما بين يديه؟ يعني في المستقبل، التصديق عن شيء مضى، لو قال: صادقًا فيما بين يديه صح، أن يخبر بصدق لما يُستقبل، فآية المائدة تقيد هذا، وأيضًا المعنى ما يستقيم.* طالب: شيخ أحسن الله إليكم، الفرق بين الكفر والشرك؟* الشيخ: الفرق بينهما أن نقول: كل شرك كفر، وليس كل كفر شركًا.* الطالب: كل شرك كفر؟* الشيخ: نعم، وليس كل كفر شركًا، نعم.* الطالب: (...).* الشيخ: الذي يعبد الصنم مشرك وهو كافر أيضًا، والذي يجحد ما يجب الإيمان به كافر وليس بمشرك.* طالب: شيخ مِنْ قَبْلُأتينا بالإعراب ولم نأت بالتفسير.* الشيخ: ولم يأت؟* الطالب: التفسير.* الشيخ: القبل كل ما تقدم فهو قبل.* الطالب: من قبل هذا الكتاب.* الشيخ: مِنْ قَبْلُ: من قبل هذا الكتاب، بالنسبة للآية هذه: من قبل هذا الكتاب.* طالب: (...) ذكرنا فيه اسم موسى وعيسى أنهما اسمان أعجميان وإذا ذُكرا في القرآن فهما عربيان.* الشيخ: مُعَرَّبان.* الطالب: معربان نعم، التوراة والإنجيل.* الشيخ: التوراة والإنجيل.* الطالب: موسى وعيسى؟* الشيخ: لا، موسى وعيسى اسمان أعجميان.* الطالب: إي نعم، وإذا ذُكِرا في القرآن؟* الشيخ: فهما معربان، كل اسم أعجمي إذا ذكر في القرآن (...)* الطالب: لكن ما ذكره أهل الأصول في بحث هل في القرآن لفظ غير عربي مثلوا ذلك بإستبرق، وغيرها من الأمور.* الشيخ: يعني: في الأصل، فهو معرَّب وليس أصله عربيًّا؛ لأنك لو تقول: إنه عجمي حتى بعد نزول القرآن به ما صار القرآن بلسان عربي.* الطالب: لكن هل يضره وجود كلمة غير عربية؟* الشيخ: وهل يضر أن نقول: إن العرب لما عرَّبوها ونطقوا بها وأجروها على ألسنتهم صارت عربية بالتعريب؟ * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٥ - ٧].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الظاهر أننا لم نناقش ولم نأخذ فوائد.قال الله تبارك وتعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَلماذا قال في القرآن: نَزَّلَ، وفي التوراة والإنجيل: أَنْزَلَ؟* طالب: لأن القرآن نزل بالتدريج، ما نزل جملة واحدة؛ لذلك قال في القرآن: نَزَّلَ، وقال في الإنجيل والتوراة: أَنْزَلَ؛ لأن الإنجيل والتوراة نزلتا جملة واحدة.* الشيخ: أحسنت.قوله: بِالْحَقِّ؟ معنى بالحق؟* طالب: معنى بالحق أي: نزّله، ما أدري.* طالب: إن الباء لها معنيين، تحتمل وجهين: أولًا: تحتمل الاشتمال، أي: أن النزول كان بالحق ولم يكن بالباطل.* الشيخ: يعني: أن ما جاء به فهو حق، صِدق في الأخبار وعدل في الأحكام.* الطالب: والوجه الآخر: أن نفس النزول نزولًا كان بالحق.* الشيخ: كان حقًّا ولم يكن كذبًا، كذا؟ صح، يعني: هو حق نازل من عند الله، وما جاء به واشتمل عليه فهو حق أيضًا.قوله: هُدًى لِلنَّاسِوأيش إعراب هُدًى؟* طالب: (...).* الشيخ: أي لأجل هداية الناس.قوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، ما المراد بها؟* طالب: الفرقثان هو ما يفرق به بين الحق والباطل.* الشيخ: لكن المراد به القرآن أو غيره؟* الطالب: جميع الكتب.* الشيخ: كل الكتب، إذن فالفرقان هنا وصف وليس شخصًا عينًا، نعم.قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، ما مناسبتها لما قبلها؟* طالب: بعدما ذكر الفرقان، والفرقان يميز به الباطل والحق وبين الكفر والإيمان، ثم فصل الذين كفروا والذين آمنوا.* الشيخ: يعني: لما ذكر أن هذه الكتب هدًى وفرقان ذكر انقسام الناس إلى كفر وإيمان، فذكر حكم الكافرين.قوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، العزيز؟* طالب: العزيز الغالب.* الشيخ: فقط؟* الطالب: (...)* الشيخ: العزيز ذو العزة، والعزة؟* الطالب: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.* الشيخ: نعم، معنى عزة القدر؟* طالب: (...) قدرة؟* الشيخ: أو ما معنى القدر، عزة القدر؟* الطالب: ذو قدر عظيم.* الشيخ: يعني: ذو قدر عظيم، والقدر يعني: الشرف والسؤدد وما أشبه ذلك.عزة القهر؟* طالب: أنه سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده.* الشيخ: قاهر لا يغلب، بل هو الغالب.الثالثة: عزة الامتناع؟* طالب: أنه يمتنع عليه كل وصف لا يليق بجلاله.* الشيخ: أنه يمتنع عليه كل عيب ونقص.قوله: ذُو انْتِقَامٍمعناها؟* طالب: (...)* الشيخ: نعم؟* طالب: أي صاحب انتقام.* الشيخ: أي صاحب انتقام، هل هذا يدل على أن الانتقام لله وصف مطلق؟* طالب: لا، وإنما مقيد.* الشيخ: أنه ذو انتقام في محله؛ ولهذا جاءت نكرة، قال: ذُو انْتِقَامٍ.انتقام ممن؟* الطالب: من المجرمين.* الشيخ: من المجرمين، أحسنت. نرجع الآن إلى الفوائد.* من فوائد الآيات الكريمة السابقة، أولًا: إثبات ألوهية الله عز وجل؛ لقوله: اللَّهُ، والثاني: انفراده بهذه الألوهية في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم ، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال، كذا؟* ومن فوائد الآية: إثبات حياته وقيوميته، من أين تؤخذ؟* طالب: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.* الشيخ: بس هذه الحي القيوم، ونحن قلنا: إثبات حياته وقيوميته؟* الطالب: الحي معرف عامة.* الشيخ: كل اسم فإنه متضمن للصفة، كذا؟ وقد يتضمن أمرًا زائدًا وهو الحكم الذي يسمى الأثر، أليس كذلك؟* من فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مفتقِر إلى الله، وأن الله غني عما سواه، وجه ذلك: لأن كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: ٢٥]، وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ.أما الآية التي بعدها فمن فوائدها: إثبات علو الله؛ لقوله: نَزَّلَوأَنْزَلَ، والنزول لا يكون إلا من أعلى.* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم منزَّل؛ لقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ، وهل كونه منزَّلًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؟ لا، مجرد كونه منزَّلًا لا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الله قد ينزِّل المخلوق، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق: ٩]، والماء مخلوق، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد: ١٧]، والماء مخلوق، لكن بالنظر لكون القرآن كلامًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة، إذن فيؤخذ كون القرآن غير مخلوق أنه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف.ومن فوائد الآية الكريمة: فضل رسول الله ﷺ وميزته؛ لقوله: عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.ولكن قد يرِد علينا: أن الله سبحانه وتعالى قد يضيف الإنزال إلى الناس، كما قال تعالى في سورة آل عمران: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٨٤]، وفي آية البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة: ١٣٦]، فالجواب أن نقول: هو أُنزِل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة، بواسطة الرسول ﷺ، هو الذي بلّغه إلينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع.ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ مشتمل على الحق؛ لقوله: بِالْحَقِّ، فقد جاء بالحق ونزل به، قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥].فما نوع الحق الذي نزل به القرآن؟ نقول: ما في القرآن إما أخبار وإما أحكام، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، إذن نقول: القرآن كل ما فيه من الأخبار فهو صدق، وكل ما فيه من الأحكام فهو عدل.هل يشمل ذلك: أن هذه الأخبار وهذه الأحكام نافعة مُصلِحة للخلق؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، وقال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]، فكل ما فيه من الخبر فهو نافع، وكل ما فيه من حكم فهو أيضًا نافع متضمن للمصالح ودفع المفاسد.* ومن فوائد الآية الكريمة : أن القرآن نفسه حق، من أين يؤخذ؟ من قوله: بِالْحَقِّ، يعني: أنه نزل نزولًا بحق ليس نزولًا كذبًا باطلًا.* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القرآن؛ لوصفه بالحق نزولًا وتضمنًا؛ ولوصفه بالتصديق لما بين يديه، أنه مصدق لما بين يديه من كل الكتب؛ لقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هذا القرآن قد أخبرت عنه الكتب السابقة، من قوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لأنه أحد الوجهين في كلمة مصدق.* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بما يخالف الظاهر إذا دل عليه السياق، في قوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ إذ قد يقول قائل: ليس للقرآن يد، فكيف يصح أن يقول: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؟ نقول: صحيح أن القرآن ليس له يد، ونحن لا نقول: إن لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأن القرآن له أيدي، أو له يدان، وأنه صدّق ما بين يديه، لكن نقول: إن الكلمة إذا دلت على معناها في سياقها وإن كان يخالف أصل الوضع، وقد سبق أن المراد لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ: ما سبقه، ما سبقه من الكتب.* من فوائد الآية الكريمة: أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق؛ لقوله: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن التوراة والإنجيل قد نُسِخا بالقرآن، (...) هل يمكن أن نقول: مِنْ قَبْلُتشير إلى أن هذين الكتابين قد مضى عهدهما وانقضى؟ على كل حال في المسألة ثقل، أو في الاستدلال بهذا على ما قلناه ثقل، يعني: أننا لا نجزم بذلك، لكن لنا دليل من غير هذه الآية، وهو ما في سورة المائدة، حيث قال الله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨].* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، وعنايته بهم، حيث كان ينزل الكتب على رسله هدًى للناس، أليس كذلك؟* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله تعالى في أحكامه الشرعية كما تثبت في أحكامه الكونية؛ لقوله: هُدًى لِلنَّاسِ؛ لأننا ذكرنا أن هُدًىهذه مفعول لأجله، أي: من أجل ذلك، ففيها إثبات الحكمة لله، وهو كذلك، ومن أسماء الله تعالى: الحكيم، وهو ذو الحكمة، والحكمة هي إصابة الصواب، وإن شئت فقل: وضع الشيء في موضعه، وإن شئت فقل: إتقان الشيء وإحكامه، والتعبيرات كلها تنصب إلى أن فعل الله عز وجل، أو إلى أن حكم الله الكوني والشرعي كله مشتمل الحكمة.فإن قال قائل: إذا أثبت لله حكمة ووقع من أفعال الله أو من شرع الله ما لا نعلم له حكمة، أو ما نظن أن الحكمة في خلافه، فما هو الجواب؟ فالجواب: أننا إذا ظننا أن هذا ليس له حكمة، فليس ذلك إلا لقصور فهمنا، عجزنا عن إدراك الحكمة، وإذا ظننا أنه على خلاف الحكمة، فما ذاك إلا لسوء فهمنا، فالذي يظن أنه ليس له حكمة قاصر الفهم، والذي يظن أنه على خلاف الحكمة سيئ الفهم، أما سليم الفهم والذي يعطيه الله تعالى فهمًا، فستتبين له الحكمة، ومع ذلك لا يمكن أن ندرك كل وجوه الحكمة، أبدًا؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تدرَك غايتها، والإنسان بشر ناقص، وكم من أشياء أو كم من أحكام شرعية تظن أن حكمتها كذا وكذا، ثم يتبين لك أن لها حكمًا أخرى، أو ربما يتبين لك أنه ليس هذه هي الحكمة، بل الحكمة شيء آخر، إنما يجب عليك أن تؤمن بأنه ما من حكم لله كوني أو شرعي إلا وله حكمة.فإن قلت: يلزم على قولك هذا أن تذهب مذهب المعتزلة في وجوب الصلاح أو وجوب الأصلح، يعني: إذا تعارض فعلان أحدهما أصلح من الآخر، فهل يجب على الله أن يفعل الأصلح؟ إن قلت: لا، منعت الحكمة، وإن قلت: نعم، ففيه إشكال.فيقال: أولًا: قد تظن أن هذا هو الأصلح وليس الأصلح، ولنضرب لهذا مثلًا: نحن نظن أن الأصلح نزول الغيث، وخصب الأرض، أليس كذلك؟ فإذا امتنع المطر وأجدبت الأرض، فقد يكون هذا هو المصلحة، أليس كذلك؟ ونحن لا نفهم، إذن لا يمكن أن نقول: يجب على الله كذا؛ لأنه الأصلح، إذ قد يكون ما قلنا: إنه الأصلح، هو الأفسد، أليس هكذا؟ثانيًا: إذا تحققنا أنه الأصلح، فإنه يجب بمقتضى الحكمة لا بمقتضى العقل، فنحن لا نوجب على الله بعقولنا، والعقل لا يوجب على الله شيئًا؛ لأنه مخلوق ناقص، فلا يوجب على الكامل الأزلي الأبدي شيئًا، فإذا وجب فعل الأصلح، فإنما الذي أوجبه على نفسه، مَن؟ الله، قال الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، كتب عليه هو الذي أوجب، وقال: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢]، فأوجب على نفسه أن يهدي الناس ويدلهم، كذا؟ إذن نحن نقول: إذا ثبت أن هذا هو الأصلح، فقد وجب على الله بمقتضى حكمته وإيجابه على نفسه لا بمقتضى عقولنا وإيجابنا عليه، وبهذا ننفك عن قول المعتزلة الذين يرون أن العقل هو الذي يوجب الشيء، أو الذي يمنع الشيء، أو الذي يقبِّح الشيء، أو الذي يحسِّن الشيء، واضح؟من ذلك مثلًا: البيان للخلق، بيان الشرائع للخلق وما يجب عليهم نحو ربهم، وما يجب عليهم نحو عباد الله، هذا واجب على الله ولَّا لا؟ نعم واجب على الله بمقتضى الحكمة، إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، عَلَيْنَاوعلى تفيد أيش؟ تفيد الوجوب.* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هداية القرآن نوعان: عامة، وخاصة، فالعامة مثل هذه الآية: هُدًى لِلنَّاسِ، والخاصة مثل قوله: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، فما هو الفرق؟ الفرق: أن الهداية التي بمعنى الدلالة عامة، والهداية التي بمعنى التوفيق والاهتداء هذه خاصة، خاصة بالمتقين، فالهداية التي تتضمن الاهتداء هذه للمتقين، وأما التي تتضمن البيان والإيضاح فهذه للناس عامة؛ لقول الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب كلها فرقان، تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المؤمن والكافر، وبين الضار والنافع، كل ما يمكن أن يكون فيه الفرق، فإن الكتب تفرقه.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يمتنع أن تجمع الكتب السماوية بين متفرقين، أو أن تفرق بين متماثلين أبدًا؛ لأن الفرقان هو الذي يفرق بين شيئين مختلفين، أما شيئان لا يختلفان فلا تفريق بينهما.ومن هنا يمكن أن نأخذ –يعني: يتفرع على هذه الفائدة- إثبات القياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، فهو جمع بين متماثلين، وعدم الأخذ بالقياس تفريق بين متماثلين، والكتب السماوية كلها فرقان.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما اهتدى الإنسان للفروق كان أعظم اهتداء بالكتب المنزلة من الله، كذا؟ كلما اهتدى للفروق كان أعظم اهتداء للكتب المنزلة من السماء؛ لأن الكتب كلها فرقان، فمثلًا: إذا كان الإنسان يفرق بين الشرك الأصغر والأكبر، وبين النفاق الاعتقادي والعملي، وبين الكفر الأكبر والأصغر، وبين أشياء الحلال والحرام، كان أشد اهتداء بالكتب، ممن؟ ممن لا يفرق، أليس كذلك؟ربما يؤخذ من هذا أيضًا الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بمعرفة الفروق، بمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقهكما يؤخذ من هذا أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء لمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا شيء، أو هذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقه، مثلًا يقول: أنا أذكر الفروق بين البيع والإجارة، بين الإجارة والجِعالة، بين الرهن والضمان، بين الضمان والكفالة، بين الفرض والتطوع، وهذه من فنون العلم الشريفة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، كذلك في العقائد والتوحيد يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر؛ رجل حلف بغير الله نقول: هو مشرك، ورجل عبد صنمًا نقول: هو مشرك، لكن بينهما فرق عظيم، العابد للصنم شركه أكبر، والحالف بغير الله شركه أصغر، إلا أن ينضاف إلى حلفه بغير الله جعله المحلوف عليه كالله تعالى في التعظيم، فحينئذٍ يكون شركًا أكبر لا من حيث القسم، ولكن من حيث إنه جعل رتبة المحلوف به كرتبة الخالق. * من فوائد الآية الكريمة: بيان عقوبة الكفار، وهو العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر يستلزم التحذير من الكفر، فيكون في هذا فائدة متفرعة عن الأولى: التحذير من الكفر، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل؛ لأنه إذا ذُكر عقوبة الضد فإن ضده يثبت له ضد تلك العقوبة، ولهذا لما قال رسول الله ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» »[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. وقد يكون هذا من جملة الفرقان الذي يحصل، حيث نفرق بين الكفار وبين المؤمنين، فكما اختلفوا وتفرقوا في أعمالهم فإنه يلزم أن يفترقوا في ثواب تلك الأعمال. * طالب: يا شيخ، مثلًا الأشياء التعبدية؟ يعني (...) نعلم أن الله له فيها حكمة، ولكن نحن ما ندري ما الحكمة. * الشيخ: إي نعم، هذا لقصور أفهامنا، يعني مثلًا كون الصلاة أربعًا، وأربعًا، وثلاثًا، وثنتين، لم تكن ستًّا أو ثمانيًا أو ما أشبه، ذلك صحيح، هذه العقل ما له فيه مجال، ولا يمكن، لكن لا نقول: إنه ليس فيه حكمة، لا بد من حكمة لكن غير معلومة لنا. * الطالب: إيه، لكن كل من وُفّق يعني يعلم الحكم، ولكن كثير من العلماء ومن الناس ما يعرف حكمة هذه؛ لأنها تعبدية. * الشيخ: نادر، يعني نادر الأشياء اللي ما تبلغه عقول كل الناس، هذا نادر. * الطالب: مثلًا الوضوء ومسح الرأس ما نعلم له حِكمة؟ * الشيخ: لا، نعلم له حكمة، كيف؟! له حِكمة ظاهرة. * الطالب: وأيش الحكمة؟ * الشيخ: لأن غسل الرأس يُؤذي. * الطالب: لا، المسح. * الشيخ: أقول: لأن غسل الرأس يؤذي، لو غسل الإنسان رأسه وفيه الشعر، ولا سيما في أيام الشتاء يتأذى كثيرًا، ثم لو غسل أيضًا، الرأس عالٍ على كل شيء بيتناثر الماء على كل بدنه وثيابه. * الطالب: ما يستفيد يعني؟ * الشيخ: من اللي ما يستفيد؟ * الطالب: ها الإنسان. * الشيخ: المسح؟ * الطالب: من المسح. * الشيخ: لا، يستفيد تعبد لله. * الطالب: إيه، صح، تعبُّد. * الشيخ: إذن هو تطهير، وليس الغرض أيضًا من الوضوء مجرد التطهير الحسي؛ لأنك تغسل يديك مثلًا بعد الطعام غسلًا بالصابون، ثم إذا أردت تتوضأ تغسلها ثلاثًا مع أنك الآن غسلتها. * طالب: شيخ، أنزل القرآن أحيانًا يأتي التعبير مثلًا بـ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [البقرة ٩٩]، وأحيانًا يعني ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ [النحل ٦٤] يعني: أنزل ونزَّل، إليك وعليك، ما الفرق؟ * الشيخ: إيه، هو للتنوع مثلًا: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء ١٠٥]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ باعتبار آخر نزول؛ يعني نزوله جملة، أنزله كله؛ يعني إن كان هذا آخر ما نزل فواضح أنه تم القرآن كله، إذا كان ما هو آخر ما نزل فباعتبار أنه سيكمُل؛ لأنه إذا كمل كله صار كأنه نازل جملة واحدة؛ لأن جملة الآن كلها نزلت، وأما ﴿إِلَيْكَ﴾ فهي تفيد الغاية، يعني أن نهاية الإنزال إلى الرسول، وأما ﴿عَلَيْكَ﴾ فهي تفيد العلو والاستقرار، ولهذا قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] وهي أبلغ من إليك؛ لأنها إذا وصلت حتى استقرت في القلب صارت أبلغ. * طالب: أقول: المسلم الذي لا يمكنه، يعني ما وصل عِلمه إلى أن يفرق بين الحكمة من حِكم رب العالمين، أليس الأحوط له أن يؤمن بأن كل ما فعله رب العالمين فهو -يعني- حكمة؟ * الشيخ: هذا واجب، أن نؤمن بأن كل ما فعله -يعني- أو شرعه فهو لحكمة، لكن أحيانًا نفهمها وأحيانًا ما نفهمها، والمؤمن هو الذي يُسلِّم للأحكام الشرعية سواء علم الحكمة أم لا، أما الذي لا يؤمن إلا إذا علم الحكمة معناه ما آمن إلا بعقله، لم يؤمن بالشرع. * طالب: يا شيخ، الحلف بغير الله، واحد حلف بغير الله بسبق اللسان يكون شرك أصغر؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: واحد حلف بغير الله، لكن بسبق اللسان ما قصده، تعود؟ * الشيخ: لا، ليس عليه شيء ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]، و﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، ولكن يجب أن يُنزّه لسانه عن القول المحرم، لما يبتغي يبتدئ يقول: والنبي، وقال له: لا تحلف بالنبي فإنه شرك. فيقول: والنبي لا أحلف بالنبي، هذا ما هو صحيح. * طالب: شيخ، هل التوراة والإنجيل من كلام الله؟ * الشيخ: المعروف عند السلف أنها من كلام الله، لكن ما أذكر حتى الآن وصفهما بأنهما من كتاب الله، إنما وصفهما الله بأنها منزَّلة، وأنها كتب، أما كلام الله في هذا ما فيه إلا القرآن هو اللي صريح. * الطالب: شيخ، بالنسبة لبعض الشباب، بالنسبة للحديث، يبحث عن حكمة لها فلا يجد، ولا أحد من السلف ما تكلم في حكمة فيها، فيقول: أنا لا أعمل بها؛ لأنه لا يوجد فيها حكمة. * الشيخ: أعوذ بالله. * الطالب: ماذا يعني؟ * الشيخ: هذا لا يجوز، هذا يُخشى أن يكون كافرًا، إذا كان لا يؤمن إلا بما اختاره عقله فهو لم يؤمن بالشرع. * الطالب: لا، يقول: يعني حتى السلف العلماء والأئمة لم يجدوا لها حكمة. * الشيخ: ما هو لازم أن يجدوا لها حكمة، الله عز وجل يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] والإنسان يجب أن يتعبد لله، ما هو لنفسه. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قولكم: إنه اختلف السلف في التوراة والإنجيل، هل هي كلام الله أوْ لا، أقول: ألا يلزم شخص؟ * الشيخ: لا، ما قلت السلف. * الطالب: يعني مذهب السلف. * الشيخ: قلت: إن السلف قالوا: إنها كلام الله غير مخلوق. * الطالب: نعم، جزاك الله خيرًا، لكن أقول: يا شيخ، ألا يلزم من كونها مُنزَّلة أن تكون من كلام الله؟ * الشيخ: الله أعلم؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] وجاء في الحديث: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ[[أخرجه عبد الله في السنة (٥٧٦) عن زيد بن أسلم موقوف عليه، وفي صحيح مسلم (٢٦٥٢ / ١٥): «فَبِكَم وجَدْتَ الله كَتَبَ التَّوَراةَ قبلَ أنْ أخْلقَ؟». في حِجَاج آدم وموسى من حديث أبي هريرة.]]. فأنا أتوقف في هذا، لكن السلف كلامهم واضح، يقولون: إن التوراة والإنجيل من كلام الله، والزبور، لكن لا شك أنها منزلة من الله، هذا يجب الإيمان به، يكفي نؤمن بأنها نازلة من الله. * * * * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٥ - ٧]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ٤] سبق لنا أن العزة ثلاثة أقسام، فيستفاد من هذه الآية الكريمة إثبات اسم من أسماء الله فهو العزيز بالمعاني الثلاثة السابقة. * ومن فوائد الآية: أن الله تعالى موصوف بالانتقام؛ لقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، ولكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢]، ولهذا لم يرد من أسماء الله المنتقم على سبيل الإطلاق، وإنما الذي ورد مقيدًا ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، أو ورد صفة منكَّرة، مثل: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، أي صاحب انتقام، وهذا لا يؤدي إلى، أو لا يدل على الوصف المطلق أنه موصوف بالمنتقِم؛ لأن الانتقام يكون مدحًا في موضعه، وأما في غير موضعه فلا يكون مدحًا، فإذا كان الانتقام تقتضيه الحكمة صار ممدوحًا وإلا فلا. طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء ١، ٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. هذه السورة هي سورة النساء وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان. وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير، من ذلك أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القصر والقوة، قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به.

آل عمران 3:3

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالبسملة تقدم لنا الكلام عليها مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، كذا؟ فإذا قلت: باسم الله، وأنت تريد أن تأكل، كيف تقدر الفعل؟ باسم الله آكل.قلنا: إنه يجب أن يقدر أن يكون متعلقًا بمحذوف، لماذا؟ لماذا لا نقول: إنه غير متعلق؟ لأن الجار والمجرور لا بد له من متعلَّق يتعلق به لاَ بُــدَّ لِلْجَــــــارِ مِــــــنَ التَّعَلُّـــــــــقِ ∗∗∗ بِفِعْــــلٍ اوْ مَعْنَــــاهُ نَحْــــو مُرْتَقِــــــــــــي لأن الجار والمجرور معمول، هو بمنزلة المفعول به، فلا بد له من عامل.لماذا قدرناه فعلًا متأخرًا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل، والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركًا به ومستعينًا إلا باسم الله عز وجل.لماذا قدرناه فعلًا؟ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو، الأصل في العمل الأفعال؛ ولذلك لا تعمل الأسماء إلا بشروط، اسم الفاعل يعمل عمل الفعل بشروط، المصدر يعمل عمل الفعل بشروط، اسم المفعول يعمل عمل الفعل بشروط، الفعل يعمل بشروط؟ لا؛ لأنه هو الأصل في العمل؛ فلهذا نقدره فعلًا.لماذا قدرناه خاصًّا؟ لأنه أدل على المقصود، ممكن أن نقدر: باسم الله أبتدئ، لكن تبتدئ أيش؟ ما ندري، تبتدئ أكل، تبتدئ شرب، تبتدئ وضوء، تبتدئ عمل، ما ندري، إذا قلت: باسم الله آكل، وعينت الفعل، صار أدل على المقصود؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» ، أو قال: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ» ، فخص الفعل.إذن نقول: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، كمِّل؟ متأخر، فعل مناسب للمقام.أما الله فهو علم على ذات الله سبحانه وتعالى، على الذات المقدسة، لا يكون إلا له، وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، تأتي تابعة له.﴿الرَّحْمَنِ﴾ ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن فعلان الذي يدل على الامتلاء والسعة.﴿الرَّحِيمِ﴾ الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل، فهنا رحمة هي صفته، هذه دل عليها الرحمن، ورحمة هي فعله، أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم، دل عليها الرَّحِيمِ.﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر أو الحكم الدال عليه ذلك المعنى، ولَّا لا؟ إذن اجتمع في هذين الاسمين كل ما يجب أن يتعلق بالإيمان باسم الله؛ لأن الإيمان باسم الله لا بد أن تؤمن بالاسم، وأيش بعد؟ والصفة والأثر الذي هو الحكم المترتب على هذا، فنقول: الله رحمن ذو رحمة يرحم، كلها موجودة في القرآن، فالرحمن كما ترون، ذو الرحمة: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الأنعام: ١٣٣]، يرحم: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١].﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسم دال على الرحمة، وهي رحمة حقيقية دل عليها السمع والعقل، ما أدري كلام لغة عربي ولَّا غير عربي؟ عربي، دل عليها السمع والعقل، وأيش معنى السمع؟ النصوص: الكتاب والسنة، العقل: النظر والاعتبار، دلالة السمع على رحمة الله كثيرة ما تحصى، دلالة النظر أن نقول: كم في العالم من نعمة؟ وأيش الجواب؟ لا تحصى، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، كذا؟ لا تحصى بأنواعها وأجناسها فضلًا عن أفرادها، هذه النعم وأيش تدل عليه؟ تدل على أن المنعم راحم، ولولا الرحمة ما حصلت النعمة، وكم في العالم من اندفاع نقمة، أليس كذلك؟ بماذا؟ من آثار الرحمة، لولا الرحمة ما اندفعت النقمة.ومن عجبٍ: أن قوما يدَّعون العقل، يقولون: إن الرحمة لا يدل عليها العقل، بل العقل يدل على خلافها، أعوذ بالله، لأيش؟ قال: لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة، وهذا لا يليق بالله عز وجل -شوف الشيطان!- لا يليق، صحيح لا يليق؟ نقول: الرحمة بهذا المعنى مَن هي رحمته؟ رحمة المخلوق، لكن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، ثم إننا نمنع أن تكون الرحمة كما زعمتم حتى في المخلوق، يأتي ملك تام السلطان لا يخشى أحدًا إلا الله ويرحم هذا الفقير، هل نقول: رحمته هذه تنافي ما عنده من السلطان والعظمة اللائقة به؟ أبدًا، ما تنافي ولا يقال: والله هذا ملك مهين إنه يرحم الفقراء ويرحم الضعفاء، لا، بل يعد هذا من كماله.ثم نقول لهم: العقل دل عليه، نمنع قولكم: إن العقل لا يدل عليه، بل نقول: إن العقل دل عليه، لو تسأل عامي في السوق بعد أن نزل المطر في الليل وخرج الناس يمشون في المطر، ونقع المطر، وهواء المطر والرطوبة، تلقي عامي تقول: ما شاء الله نزل البارحة مطر، يقول لك: إي والله، الحمد لله، رحمة الله واسعة، وأيش عرف إن هذا المطر من ين؟ من الرحمة.لكن يقولون: الإرادة ثبتت بالعقل، إرادة الله ثبتت بالعقل، بماذا؟ قالوا: ثبتت بالتخصيص، إنه خص هذا اجعل هذه سماء، واجعل هذه أرض، وهذه بقرة، وهذه شاة، وهذه بعير، وهذا حمار، إلى آخره، الذي خصص هذا مِن هذا هو؟ الإرادة، إذن فيه إرادة لله دل عليها التخصيص، اسأل طالب علم ما هو عامي، قل: كيف تستدل بالعقل على الإرادة؟ على إرادة الله؟ وأيش يبغي يقول لك؟ ما يستطيع، ربما يستطيع أن يقول: أستدل على إرادة الله، ها الكون هذا كله بإرادة الله، لكن ما يقول لك: إن التخصيص هو الذي يدل على الإرادة، كذا ولَّا لا؟ ومع ذلك الرحمة ما دل عليها العقل عندهم، والإرادة دل عليها العقل، ونحن نقول: إن الإرادة والرحمة كلتاهما دل عليها العقل، ولا شك في هذا.البسملة ذكرنا فيما سبق أنها آية من القرآن لا شك، مستقلة لا تابعة، لا للتي قبلها ولا للتي بعدها، مستقلة، لكن يؤتى بها لابتداء السورة، كل سورة تُبتدأ بالبسملة إلا واحدة من السور وهي براءة، فإنه لم يثبت عند الصحابة أن الرسول ﷺ ابتدأها بالبسملة؛ ولذلك جعلوا فاصلًا بينها وبين الأنفال ولم يجعلوا بسملة؛ لأنهم ترددوا: هل هي من بقية الأنفال أو هي مستقلة، فقالوا: نجعل الفاصل ولا نجعل البسملة، إنما البسملة تؤتى آية مستقلة تُبتدأ بها كل سورة، حتى الفاتحة وهي أول السور تُبتدأ بها.وهل هي من السورة؟ قلنا: لا، وعلى هذا فما يوجد في المصحف الآن المرقم في الفاتحة خاصة فيها رقم واحد، على أنها أول آية من الفاتحة هو قول مرجوح، والراجح أنها ليست آية من الفاتحة، وقد مر علينا بيان رجحان هذا القول. نعم.* طالب: (...)* الشيخ: إي نعم، هو يسأل يقول: نحن ندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، ونحن ما عندنا السلاح نقاوم به؟ نقول: النصرة على القوم الكافرين بأن يهيئ الله لنا أسلحة نقاوم بها أو يدمر أسلحتهم، تدمير أسلحتهم نصر لنا ولَّا لا؟* طالب: قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، خلاف العلماء في كون البسملة آية من آيات الله أو غير آية هل يعد ذلك تنقيصًا لهذه الآية؟* الشيخ: لا لا، هل حُذفت من المصحف؟ إيه، حفظت، لا لا، يقولون: آية، لكن بس هل هي آية، بالاتفاق أنها آية، لكن هل هي من السور التي بعدها أو لا، الخلاف في العدد. * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ* الشيخ: لا، مِنْ قَبْلُتبع اللي قبلها.* الطالب: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ١ - ٤].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى ومحلًّا، وتقدم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور.الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور قيل: إنها رموز وإشارات إلى أشياء، وعيّنها بعض المفسرين، وقيل: إنها حروف لا ندري ما معناها، فالله أعلم بما أراد بها، وقيل: بل هي حروف هجائية ليس لها معنى، وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين، واللسان العربي لا يعطي هذه الحروف الهجائية معنى، وإذا كان لا يعطيها معنى فبمقتضى نزوله به أن لا يكون لها معنى، لكن قال بعض حذاق العلماء: إن لها مغزى، أي: هذه الحروف لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الذي أعجز فصحاء البلاغة العرب العرباء إنما كان بالحروف التي هم يعرفونها، ويُرَكِّبون كلامهم منها، ومع ذلك أعجزهم، يعني لو جاء بلسان غير عربي لقالوا: نعجز عنه، لكن جاء باللسان العربي الذي يكوّنون كلامهم بالحروف التي كان بها هذا القرآن، قال: ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكر القرآن، وهذا ما قاله الزمخشري وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم.وقوله: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، فـاللَّهُمبتدأ، وجملة لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَخبر المبتدأ، لكن هذه الجملة جملة أيضا، لكنها تسمى عند النحويين: جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والكبرى: مجموع المبتدأ والخبر. وقوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُخبران آخران، الْحَيُّخبر لـاللَّهُثاني، والْقَيُّومُخبر ثالث.فقوله: اللَّهُعلم على الذات المقدسة، علم على الرب عز وجل، وأصله الإله، بمعنى المألوه، وحُذفت الهمزة تخفيفًا كما حُذفت الهمزة من خير وشر في مثل قول الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا» ، أي: أخيرها وأشرها، وكما حُذفت الهمزة أيضًا من الناس، وأصلها: أناس.الله علم على الذات المقدسة، وهو أعلم المعارف على الإطلاق، نعم، ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فِعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فِعال بمعنى مفعول، كغِراس بمعنى مغروس، وبِناء بمعنى مبني.وقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أي: لا معبود حق إلا هو، فإله اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة، ولكنها آلهة وُضعت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا [يوسف: ٤٠]، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ١٩ - ٢٣].وبهذا التقدير للخبر في لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيزول الإشكال، وهو أنه كيف يُنفى الإله في مثل هذه الجملة ويُثبت في مثل قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، والجمع: أن تلك الآلهة أيش؟ باطل، وأما الإله في: لا إله إلا الله، أو لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَفهو إله حق، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].وقوله: هُوَهذا ضمير وليس اسمًا، هذا ضمير وليس اسمًا، بدليل قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩]، هذا علَم ولا ضمير؟ علم، وبدليل قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] و(أنا) هنا ضمير، فعلى هذا نقول: أنا وهو في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاوقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَكلاهما ضمير رفع منفصل، فكما أن الذاكر لا يقول: لا إله إلا أنا، أو كما أن الذاكر لا يجعل (أنا) اسما لله، فلا يجوز أن يجعل (هو) اسمًا لله؛ وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذي يذكرون الله بلفظ: هو هو، ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل.وقوله: الْحَيُّأل هنا للاستغراق، أي: الكامل الحياة، وحياة الله عز وجل كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له، حياته لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال، هي أيضًا كاملة حال وجودها لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه، وعلمه، وقدرته، وجميع صفاته، إذا رأينا الآدمي، بل إذا رأينا غير الله عز وجل وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، فحياته مسبوقة بماذا؟ بعدم، ملحوقة؟ بزوال وفناء، هي أيضًا ناقصة في وجودها، هل هو كامل السمع؟ الحي ليس كامل السمع، ولا البصر، ولا العلم، ولا القدرة، كل حي فهو ناقص، إذن حياته ناقصة في الوجود والزمن، ففي الزمن مسبوقة بعدم وملحوقة بزوال، وفي الوجود ناقصة في جميع الصفات.(...) على وزن فَيْعُول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.وفي الجمع بين الاسمين الكريمين: الْحَيُّ الْقَيُّومُفي الجمع بينهما استغراق لجميع ما يوصَف الله به لجميع الكمالات، ففي الْحَيُّكمال الصفات، وفي الْقَيُّومُكمال الأفعال، وفيهما جميعًا كمال الذات، الْحَيُّكمال الصفات، الْقَيُّومُكمال الأفعال، وباجتماعهما كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات. * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ١ - ٥].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قوله تعالى: الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وبينا أن القول الراجح في الموأخواتها.* طالب: (...) الحروف المقطعة لا معنى لها؟* الشيخ: لا، هو ما قال: لا معنى لها.* الطالب: (...) تدل على مغزى أن هذا القرآن الذي أعجزكم أنه مكون من هذه الحروف؛ لذلك كل ما (...) يكون بعدها شيء من القرآن من (...).* الشيخ: طيب.* طالب: قلنا: إن (...) مختزلة من اللغة العربية.* الشيخ: لا.* طالب: لا معنى لها بذاتها.* الشيخ: ولكن لها مغزى. ما هو الدليل على أنه ليس له معنى في ذاتها؟* طالب: الدليل أنها دائما يعقبها ذكر القرآن.* الشيخ: الدليل على أنه ليس لها معنى؟* الطالب: أن القرآن بلسان عربي مبين، وهذه الحروف بلسان عربي مبين، ليس لها معنى.* الشيخ: صح، الدليل أن القرآن نزل باللسان العربي المبين، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية في ذاتها، إذن ليس لها معنى.ما الدليل على أن لها مغزى؟* طالب: أن هذه الحروف يعقبها (...) القرآن.* الشيخ: ذكر القرآن والتحدث عنه.* الطالب: ثاني شيء، يعني: أن هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتتحدثون بها القرآن الكريم مركب منها.* الشيخ: كان منها أحسن من كلمة مركب.* الطالب: كان منها.* الشيخ: نعم.قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ما معناها؟* طالب: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.* الشيخ: لا معبود بحق، لا معبود حق إلا الله.لماذا لا نقول: إن النفي مسلَّط على ما بعد إلا، يعني: لا إله إلا الله، ما يوجد إله إلا الله؟* الطالب: يوجد آلهة ولكنها باطلة (...) نحصرها بحق.* الشيخ: أحسنت، نعم نقول: لا يمكن أن ننفي الألوهية مطلقًا؛ لأن غير الله قد يسمى إلهًا.ما هو الدليل على إطلاق الإله على غير الله؟* طالب: قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١]* الشيخ: نعم، وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٣٩]، فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١].﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا أنهما يشتملان على اسم الله الأعظم، فلماذا؟* طالب: لأن لها معنيان، المعنى الزمني بأنه الله لم يسبقه عدم.* الشيخ: لا.* طالب: لأنهما اسمان يتضمنان الصفات الفعلية والذاتية.* الشيخ: صح، الكمال الذاتي والفعلي، ففي الْحَيُّالكمال الذاتي، والْقَيُّومُالكمال الفعلي، نعم؛ لذلك كانا متضمنين لجميع الكمال: الذاتي والفعلي.﴿الْحَيُّ﴾ تفسيرها؟* طالب: الحي الذي لا يموت ولا (...).* الشيخ: يعني: ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق (...) ولا يلحقها زوال.﴿الْقَيُّومُ﴾ ؟* طالب: القيوم هو القائم بنفسه، والقائم على نفسه كذلك.* الشيخ: على غيره، القائم بنفسه والقائم على غيره.الدليل على القيام بنفسه؟* طالب: أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إلى أحد.* الشيخ: نعم.* الطالب: أما الدليل على كل ما سواه.* الشيخ: إذن وصف الغنى مثل هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: ٢٦]، فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن: ٦]، هذا يدل على قيامه بنفسه، قيامه على غيره ما هو الدليل؟* الطالب: أن العباد كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى.* الشيخ: ما هو الدليل؟ ما هو التعليل.* الطالب: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: ١٥].* الشيخ: وغيره، في آية صريحة في الموضوع.* طالب: قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣].* الشيخ: صحيح، أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، يعني: كمن لا يقوم بنفسه؟تصريف القيوم في اللغة العربية؟ كيف هو؟* طالب: على وزن فَيْعُول.* الشيخ: على وزن فَيْعُول، وماذا تدل عليه هذه الصيغة؟* الطالب: هو على أنه سبحانه وتعالى.* الشيخ: لا هذه الصيغة؛ لأن أصلها قائم حُوِّلت إلى قيوم، فحُوِّل فاعل إلى فَيْعُول؟* الطالب: (...)* الشيخ: نعم.* طالب: يدل على الكثرة والمبالغة.* الشيخ: على المبالغة، صح.قال الله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، نَزَّلَالتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان: ٣٢]، يعني: نزلناه ليس جملة واحدة، فقوله: نَزَّلَيفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل أيش؟ بالتدريج ليس مرة واحدة، وقوله: عَلَيْكَالضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول ﷺ، ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه.وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَالكتاب هو هذا القرآن، وهو فِعَال بمعنى مفعول؛ لأنه مكتوب، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٧، ٧٨] اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس: ١٢، ١٣]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا، فهو مكتوب بأيدينا ونقرأه من هذه الكتب.وقوله: الْكِتَابَ بِالْحَقِّالباء هذه يجوز أن تكون من باب: أنه متلبِّس بالحق، أي: مشتمل على الحق، فهو نازل بحق لا بباطل، ويحتمل أن يكون عائدًا على التنزيل، يعني: أنه نزول حق ليس بباطل، قال الله تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، بعد قوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣]، فيكون بالحق، يعني: أنه نازل عليك نزولًا حقًّا ليس بباطل، فهو ما كُذِب عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن، ويحتمل أن يكون نازلًا بأيش؟ بالحق، يعني: مشتملًا عليه ومتلبسًا به، والمعنيان صحيحان لا يتنافيان، والقاعدة: أن النص إذا دل على معنيين صحيحين لا يتنافيان حُمِل عليهما جميعًا.وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، مُصَدِّقًاحال من الكتاب، ولا يصح أن نجعلها صفة، لماذا؟ لأن مُصَدِّقًانكرة، والْكِتَابَمعرفة، والصفة يجب أن تتبع الموصوف في المعرفة والنكرة، وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِللذي بين يديه، يعني: من الكتب السابقة.وتصديقه لما بين يديه له وجهان: الوجه الأول: أنه صدقها؛ لأنها أخبرت به فوقع مصدقًّا لها، والثاني مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: حاكمًا عليها بالصدق، فهو مصدق لما سبق من الكتب للوجهين المذكورين؛ لأن الكتب أخبرت به فوقع، وإذا وقع صار تصديقًا لها. الوجه الثاني: أنه حكم بأنها صدق من عند الله عز وجل، فيكون هذا التصديق لما بين يديه يشمل الوجهين جميعًا، فالقرآن شاهد بأن التوراة حق، والإنجيل حق، وأن الزبور حق، وأن صحف إبراهيم حق، وأن الله أنزل على كل رسول كتابًا، كذلك مصدق للكتب التي أخبرت به، فإن الكتب السابقة أخبرت بهذا القرآن أنه سينزل، ووصفت النبي ﷺ الذي ينزل عليه بأوصافه التي كانوا يعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم.وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: لما سبقه؛ لأن الذي بين يديك سابق عليك، أليس كذلك؟ نعم؛ لأنه أمامك، فهو متقدم عليك.﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ شوف قال: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَوَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، اختلف التعبير، واختلاف التعبير يدل على اختلاف المعنى، فما هو الخلاف في المعنى؟ قال أهل العلم: إن التوراة الإنجيل نزلتا دفعة واحدة بدون تدريج، بخلاف القرآن، فإنه نزل بالتدريج، وهذا من رحمة الله عز وجل على هذه الأمة؛ لأنه إذا نزل بالتدريج صارت أحكامه أيضًا بالتدريج، لكن لو نزل دفعة واحدة لزم الأمة أن تعمل به جميعه بدون تدريج، وهذا من الآصار التي كُتبت على من سبقنا: إذا نزلت عليهم الكتب مرة واحدة أُلزموا بالعمل بها من حين أن تنزل فيما ألفوه وفيما لم يألفوه، بخلاف القرآن الكريم.وقوله: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، التوراة هي الكتاب الذي نزله الله على موسى، والإنجيل هو الذي نزله الله على عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذان الاسمان قيل: إنهما غير عربيين، وقيل: بل هما عربيان، ولكن الذي يظهر أنهما ليسا بعربيين، ولكنه إذا نزل القرآن بشيء صار اللفظ الذي نزل به القرآن عربيًّا، بماذا؟ بالتعريب، صار عربيًّا بالتعريب.قال: مِنْ قَبْلُ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ، قبلُ فيها إشكال لغوي؛ لأن المعروف أن من حرف جر، وحرف الجر يجر، تقول: جئتُ من البيتِ إلى المسجدِ، ولا يجوز أن تقول: جئتُ من البيتَ إلى المسجدَ، ولا من البيتُ إلى المسجدُ، ولًّا لا؟ هنا قال: مِنْ قَبْلُفلماذا لم يقل: من قبلِ؟ نقول: لأن قبل وبعد وأخواتهما لها أحوال، إن أضيفت لفظًا، فإنها تكون على حسب العوامل، يعني: تُجَر بحرف الجر، وتُنصب بأداة النصب، وتُرفع بعامل الرفع، ولَّا لا؟ وإذا أضيفت –يعني: تقديرًا- إذا أضيفت تقديرًا صارت مبنية على الضم، يعني: إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه صارت مبينة على الضم، مبنية بناء دائمًا على الضم، مثل هذه الآية: مِنْ قَبْلُأصله: من قبل هذا الكتاب، لكن حذف المضاف إليه ونوي معناه، فبُنيت على الضم، إذا حذف المضاف إليه ونوي لفظه، فإنها تعرب بحسب العوامل لكن بدون تنوين، تعرب بدون تنوين، فتقول مثلًا: من قبلِ، بدون تنوين، إذا حذف المضاف إليه ونوي أيش؟ لفظه، كم هذا من حال؟ ثلاث حالات: إذا قُطعت عنالإضافة لفظًا ومعنًى، فإنها بحسب العوامل مع التنوين، تكون بحسب العوامل مع التنوين، فتقول: من قبلٍ، ومن بعدٍ، ومنه قول الشاعر:؎فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَـــــادُ أَغـــــصُّ بِالْمَــــــاءِ الْفُـــــــــــــرَاتِ فقال: كنت قبلًا، نصبها بالتنوين؛ لأنه نوى قطعها عن الإضافة لفظًا ومعنًى، فالأقسام إذن؟* طالب: ثلاثة.* الشيخ: زد واحد؟ ثلاثة، أربعة، نعم، أربعة، الأول؟* الطالب: الأول: إذا أضيف لفظًا.* الشيخ: الثاني؟* الطالب: الثاني: إذا حُذف المضاف ونوي لفظه.* الشيخ: الثالث؟* الطالب: إذا حذف المضاف ولم ينو لا لفظه ولا معناه، الرابع: إذا حذف المضاف ونوي معناه فقط.* الشيخ: صح، كذا، تعرب في كل الأحوال الأربعة إلا حالة واحدة وهي: إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ، هُدًىهذه مفعول من أجله متعلقة بنزّل وأنزل، أي: نزّل عليك الكتاب هدًى للناس، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدًى للناس، فهي مفعول من أجله، أي: لأجل هداية الناس، والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة التي يترتب عليها هداية التوفيق، لكن الأصل في هذه الكتب أنها هداية دلالة؛ ولهذا قال: هُدًى لِلنَّاسِعمومًا، حتى الكفار تهديهم، تهديهم وتدلهم، تبين لهم الحق من الباطل، لكن قد يوفَّقون لقبول الحق والعمل به، وقد لا يوفقون، والهدى ضد الضلال، واهتدى بمعنى صار على الطريق الصواب، وضل بمعنى انحرف وتاه وضاع، ومنه سُمِّيت الضالة، يعني: البعير الضائع التائه.وقوله: هُدًى لِلنَّاسِ، الناس سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن أصلها أُنَاس حذفت همزتها للتخفيف لكثرة الاستعمال، والمراد بالناس البشر وهم بنو آدم.وقوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، المراد بالفرقان هنا المعنى، وليس المراد به القرآن، فالمراد أنزل ما يَبِين به الفرق بين الحق والباطل، وإنما قلنا ذلك؛ لأننا لو خصصناه بالقرآن لكان في ذلك تكرار مع قوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وكان فيه فصل لكون التوراة والإنجيل فرقانًا، مع أن التوراة والإنجيل فرقان، لا شك أن فيها تفريقًا بين الحق والباطل، إذن أنزل الفرقان الذي تضمنته هذه الكتب الثلاثة، وهي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، ففيها الهدى وفيها الفرقان، فيها التفريق بين الحق والباطل، وفيها التفريق بين أهل الحق وأهل الباطل، جميعًا، ففيها تفريق بين العامل والمعمول، بين الحق في ذاته، يقول: هذا حق وهذا باطل، وبين أهل الحق وأهل الباطل.فيها تفريق بين النافع والضار؟ نعم، فيها تفريق بين النافع والضار. فيها تفريق بين الأنفع والنافع؟ نعم. فيها تفريق بين الأضر والضار؛ لأن كلمة الفرقان كلمة واسعة تشمل كل ما به الفرق من جميع الوجوه.ولما ذكر الله سبحانه وتعالى منته على عباده بإنزال هذه الكتب العظيمة قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، يعني: بعد إنزال هذه الكتب الواضحة الهادية المفرِّقة انقسم الناس إلى قسمين: قسم آمن، وقسم كفر، فذكر الله حكم الكافر، وبذكر حكم الكافر يتبين حكم المؤمن، قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، هذه الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، وجملة كبرى وجملة صغرى، ولَّا لا؟ مبتدأ وخبر، وجملة الصغرى وجملة الكبرى، وين المبتدأ والخبر؟ وفيها أيضًا من مبتدأ وخبر منسوخ ومبتدأ وخبر غير منسوخ، والجملة الصغرى والجملة الكبرى؟* طالب: إن حرف توكيد ونصب.* الشيخ: أين الخبر المنسوخ؟* الطالب: الخبر المنسوخ؟* الشيخ: إي نعم، المبتدأ والخبر المنسوخ؟* الطالب: بِآيَاتِ اللَّهِ، بآياتي؟* الشيخ: لا.* الطالب: منسوخ يعني: محذوف؟* الشيخ: لا، منسوخ يعني: دخل عليه ناسخ، والنواسخ ثلاثة: إن، وكان، وظن.* الطالب: عَذَابٌ شَدِيدٌ.* الشيخ: لا.* طالب: جملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌجملة (...) خبر إن، جملة ناسخة، منسوخة، إن الذين كفروا لهم عذاب شديد.* الشيخ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذا أيش؟ جملة منسوخة ولَّا غير منسوخة؟ يعني: أجزاؤها، أجزاؤها منسوخة ولَّا غير منسوخة؟* طالب: غير منسوخة (...).* الشيخ: هذه الجملة الاسمية غير المنسوخة؟* طالب: (...)* الشيخ: وجملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذه جملة منسوخة، أحسنت.أما الإعراب فنقول: إن حرف توكيد ونصب.* الطلبة: لا.* الشيخ: خطأ؟ لأيش؟ نقول: (إن) حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والَّذِينَاسمها مبني على الفتح في محل النصب، وكَفَرُوافعل وفاعل لا محل له من الإعراب؛ لأنه صلة الموصول، وبِآيَاتِ اللَّهِجار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بأيش؟ بـكَفَرُوا، ولَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، لَهُمْخبر مقدم، وعَذَابٌمبتدأ مؤخر، وشَدِيدٌصفة له، والجملة في محل رفع خبر إن.يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، كَفَرُوايقال: إن أصل الكفر من الستر، ويطلق على الجحد؛ لأن الجاحد ساتر، كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، أي: جحدوا بها وأنكروها، وقلنا: إن الكفر من الستر؛ لأن منه الكُفُرَّى، تعرفون الكفرى؟ الكفرى وعاء الطلع، طلع النخل، أتعرفون طلع النخل؟ نعم، فيه الغلاف يسمى كُفُرَّى، وفي اللغة العامية يسمى كافور، نعم؟ هذا تجدونه يستر الطلع، فالكافر في الحقيقة ساتر، أي: جاحد للحق مخفٍ له.وقوله: كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، آيات جمع آية، وهي العلامات الدالة على الله عز وجل على وجوده، وعلى كماله الذاتي، وكماله الفعلي، وهي –أي: الآيات- نوعان: آيات كونية، ومنها: السماوات، والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، والإنسان، واختلاف اللغات، واختلاف الألوان، والنوم، واليقظة، وأشياء كثيرة، هذه آيات كونية، آيات شرعية، وهي: الوحي المنزل على الرسل، فإذا قيل: ما وجه ذلك؟ قلنا: أما الآيات الكونية فوجه كونها آية: أنه لا يستطيع أحد أن يفعل مثل فعل الله عز وجل أبدًا، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِكل الذين تدعون من دون الله، لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، لا يخلقون ذبابًا، وهل يخلقون جملًا؟ لا، من باب أولى، فهم لا يخلقون ذبابًا، ولا جملًا، ولا بعوضًا، ولا غير ذلك، لا يستطيعون أن يخلقوا هذا أبدًا، هل يستطيع أحد أن يذهب بالنهار إذا جاء؟ هل يستطيع أحد أن يأتي بالليل إذا جاء النهار؟ أبدًا، إلا الله عز وجل، إذن فهذه الآيات الكونية من آيات الله عز وجل؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها. الآيات الشرعية هي أيضًا من آيات الله، وجه ذلك: أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل شرع الله في هداية الخلق وإصلاحهم أبدًا، لو اجتمع جميع مفكري العالم ليأتوا بدستور يُصلح الخلق كما يصلحه ما جاء في الوحي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].لكن يا إخواني الآيات الكونية قد يعقلها كثير من الناس؛ لأنها آيات محسوسة مشهودة، حتى الكافر تقول له: تستطيع تخلق الذباب؟ يقول: ما أستطيع، أما الآيات الشرعية فليس كل أحد يدركها، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المطففين: ٧ - ١٣] لا يتبين له أنها آيات -والعياذ بالله- لماذا؟ قال الله تعالى مكذِّبا لقوله: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، فالإنسان إذا اجتمعت الذنوب على قلبه، نسأل الله أن يطهرنا وإياكم منها، إذا اجتمعت الذنوب على قلبه صار لا يرى الحق حقا ولا الباطل باطلا، عمي -والعياذ بالله- يُتلى عليه القرآن فيقول: هذه أساطير الأولين ليس كلام رب العالمين؛ ولهذا نقول: الآيات الشرعية هي اللي فيها الامتحان والابتلاء، ومن ثم لمينكر أحد الربوبية، ربوبية الله، كل يقر بأن الله رب العالمين وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، لكن الآيات الشرعية أُنْكِرت ولَّا لا؟ نعم، قريش إذا سئلوا مَن خلق السماوات والأرض قالوا: الله، لكن قالوا في القرآن: إنه كهانة، وشعر، وسحر، وما أشبه ذلك. المهم أن قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِيشمل الآيات الكونية والشرعية، وبينّا وجه كون كل منها آية.يقول: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، عَذَابٌ شَدِيدٌ، والعذاب هنا بمعنى العقوبة، والشديد: القوي، يعني: عقوبة قوية والعياذ بالله، وقد ذكر الله تعالى في القرآن، وذكر نبي الله ﷺ في السنة أصنافًا وأنواعًا من هذا العذاب تقشعر منه الجلود وتوجل منه القلوب، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩]، إِنْ يَسْتَغِيثُوا-ولا يستغيثون إلا لشدة الحر والظمأ- إذا استُغِيثوا يؤتون بماء يشوي الوجوه، إذا أقبلوا به إلى أفواههم ليشربوه شوى وجوههم -والعياذ بالله- قال الله تعالى: بِئْسَ الشَّرَابُ، هذا شرابهم، وقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]، هذا طعامهم، لباسهم: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ [إبراهيم: ٥٠]، مقرهم وهواؤهم: يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت: ٥٥]، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]. والسنة مملوءة بذكر أصناف العقاب الذي يعاقَب به هؤلاء، فهو عذاب شديد، لأهله الصراخ والعويل، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر: ٣٧]، فيُقال لهم توبيخا: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: ٣٧]، هذه يا إخواني حقائق، حقائق نحن -إن شاء الله تعالى- في الإيمان بها كأنها مشاهدة عندنا، بل أعظم؛ ولهذا قال: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ، عَزِيزٌمن العزة، وهي ثلاثة أصناف: عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر بمعنى: أن الله تعالى ذو قدر شريف عظيم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «السَّيِّدُ اللَّهُ» ، هذه عزة القدر.عزة القهر: أنه قاهر لكل شيء لا يُغلب، بل هو الغالب، قال الله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨]، وقال الشاعر الجاهلي:؎أَيْــــنَ الْمَفَــــرُّ وَالْإِلَــــــهُ الطَّالِــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ فالله سبحانه وتعالى غالب على كل شيء.عزة الامتناع، أي: أنه عز وجل يمتنع أن يناله سوء أو نقص، ومن هذا المعنى قولهم: هذه أرض عَزَاز، أي: صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول، ونحن نقول في لغتنا: عزا، يعني: شديدة صلبة، إذن فمعنى عَزِيزٌأي: ذو العزة، والعزة كم قسمًا؟ ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ ولهذا الذي يفسر العزيز بالغالب فقط نقول: إن تفسيره قاصر، بل هو يشمل المعاني الثلاثة.وقوله: ذُو انْتِقَامٍأي: صاحب انتقام، والانتقام أَخْذ المجرم بإجرامه، تقول: انتقمت من زيد، يعني: أخذت بحقي منه، فأخذ المجرم بإجرامه يسمى انتقامًا، كما قال الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]، وهنا قال: ذُو انْتِقَامٍ، ولم يقل: ذو الانتقام، وفي الرحمة قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨]، ولم يقل: ذو رحمة، وإن كان قال في آية أخرى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]؛ لأن الانتقام ليس من أوصاف الله المطلقة، وليس من أسماء الله المنتقم، وليس من أوصاف الله المطلقة الانتقام، بل المنتقم لا يوصف الله به إلا مقيدًا، فيقال: المنتقم من المجرمين، كما قال تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ، أما ذُو انْتِقَامٍفهي لا تعطي الانتقام المطلق؛ لأن انتقام نكرة فلا تعطي المعنى على الإطلاق، يعني: له انتقام، انتقام ممن؟ مقيد ولَّا مطلق؟ مقيد، انتقام من المجرمين، انتبه، وبهذا نعرف أن الأسماء المسرودة في الحديث الذي رواه الترمذي لا تصح عن النبي ﷺ، لأنه ذُكِر فيها من أسماء الله المنتقم، وهذا لا يصح، وحُذف من أسماء الله ما ثبتت به الأحاديث فلم يذكر فيها مثل: الشافي، والرب، الرب أيضًا حُذف منها، فالمهم أن الله قال: ذُو انْتِقَامٍولم يقل: ذو الانتقام، ولم يصف نفسه بالمنتقم إلا مقيدًا.* طالب: قوله: مَا بَيْنَ يَدَيْهِما يشمل ما يتقدم، يعني: الذي أمامه والذي خلفه؟ يعني: إذا أخبر القرآن بخبر ثم وقع هذا الخبر يكون القرآن مصدقًّا لهذا الخبر؟* الشيخ: بس المراد: بما يديه من الكتاب، كما قال تعالى في سورة المائدة: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة: ٤٨]، ولا كتاب بعده.* الطالب: (...) أشياء وقعت؟* الشيخ: إي صحيح، لكن ما هو مصدق لما بين يديه؛ لأنه كيف يصدق ما بين يديه؟ يعني في المستقبل، التصديق عن شيء مضى، لو قال: صادقًا فيما بين يديه صح، أن يخبر بصدق لما يُستقبل، فآية المائدة تقيد هذا، وأيضًا المعنى ما يستقيم.* طالب: شيخ أحسن الله إليكم، الفرق بين الكفر والشرك؟* الشيخ: الفرق بينهما أن نقول: كل شرك كفر، وليس كل كفر شركًا.* الطالب: كل شرك كفر؟* الشيخ: نعم، وليس كل كفر شركًا، نعم.* الطالب: (...).* الشيخ: الذي يعبد الصنم مشرك وهو كافر أيضًا، والذي يجحد ما يجب الإيمان به كافر وليس بمشرك.* طالب: شيخ مِنْ قَبْلُأتينا بالإعراب ولم نأت بالتفسير.* الشيخ: ولم يأت؟* الطالب: التفسير.* الشيخ: القبل كل ما تقدم فهو قبل.* الطالب: من قبل هذا الكتاب.* الشيخ: مِنْ قَبْلُ: من قبل هذا الكتاب، بالنسبة للآية هذه: من قبل هذا الكتاب.* طالب: (...) ذكرنا فيه اسم موسى وعيسى أنهما اسمان أعجميان وإذا ذُكرا في القرآن فهما عربيان.* الشيخ: مُعَرَّبان.* الطالب: معربان نعم، التوراة والإنجيل.* الشيخ: التوراة والإنجيل.* الطالب: موسى وعيسى؟* الشيخ: لا، موسى وعيسى اسمان أعجميان.* الطالب: إي نعم، وإذا ذُكِرا في القرآن؟* الشيخ: فهما معربان، كل اسم أعجمي إذا ذكر في القرآن (...)* الطالب: لكن ما ذكره أهل الأصول في بحث هل في القرآن لفظ غير عربي مثلوا ذلك بإستبرق، وغيرها من الأمور.* الشيخ: يعني: في الأصل، فهو معرَّب وليس أصله عربيًّا؛ لأنك لو تقول: إنه عجمي حتى بعد نزول القرآن به ما صار القرآن بلسان عربي.* الطالب: لكن هل يضره وجود كلمة غير عربية؟* الشيخ: وهل يضر أن نقول: إن العرب لما عرَّبوها ونطقوا بها وأجروها على ألسنتهم صارت عربية بالتعريب؟ * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٥ - ٧].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الظاهر أننا لم نناقش ولم نأخذ فوائد.قال الله تبارك وتعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَلماذا قال في القرآن: نَزَّلَ، وفي التوراة والإنجيل: أَنْزَلَ؟* طالب: لأن القرآن نزل بالتدريج، ما نزل جملة واحدة؛ لذلك قال في القرآن: نَزَّلَ، وقال في الإنجيل والتوراة: أَنْزَلَ؛ لأن الإنجيل والتوراة نزلتا جملة واحدة.* الشيخ: أحسنت.قوله: بِالْحَقِّ؟ معنى بالحق؟* طالب: معنى بالحق أي: نزّله، ما أدري.* طالب: إن الباء لها معنيين، تحتمل وجهين: أولًا: تحتمل الاشتمال، أي: أن النزول كان بالحق ولم يكن بالباطل.* الشيخ: يعني: أن ما جاء به فهو حق، صِدق في الأخبار وعدل في الأحكام.* الطالب: والوجه الآخر: أن نفس النزول نزولًا كان بالحق.* الشيخ: كان حقًّا ولم يكن كذبًا، كذا؟ صح، يعني: هو حق نازل من عند الله، وما جاء به واشتمل عليه فهو حق أيضًا.قوله: هُدًى لِلنَّاسِوأيش إعراب هُدًى؟* طالب: (...).* الشيخ: أي لأجل هداية الناس.قوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، ما المراد بها؟* طالب: الفرقثان هو ما يفرق به بين الحق والباطل.* الشيخ: لكن المراد به القرآن أو غيره؟* الطالب: جميع الكتب.* الشيخ: كل الكتب، إذن فالفرقان هنا وصف وليس شخصًا عينًا، نعم.قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، ما مناسبتها لما قبلها؟* طالب: بعدما ذكر الفرقان، والفرقان يميز به الباطل والحق وبين الكفر والإيمان، ثم فصل الذين كفروا والذين آمنوا.* الشيخ: يعني: لما ذكر أن هذه الكتب هدًى وفرقان ذكر انقسام الناس إلى كفر وإيمان، فذكر حكم الكافرين.قوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، العزيز؟* طالب: العزيز الغالب.* الشيخ: فقط؟* الطالب: (...)* الشيخ: العزيز ذو العزة، والعزة؟* الطالب: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.* الشيخ: نعم، معنى عزة القدر؟* طالب: (...) قدرة؟* الشيخ: أو ما معنى القدر، عزة القدر؟* الطالب: ذو قدر عظيم.* الشيخ: يعني: ذو قدر عظيم، والقدر يعني: الشرف والسؤدد وما أشبه ذلك.عزة القهر؟* طالب: أنه سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده.* الشيخ: قاهر لا يغلب، بل هو الغالب.الثالثة: عزة الامتناع؟* طالب: أنه يمتنع عليه كل وصف لا يليق بجلاله.* الشيخ: أنه يمتنع عليه كل عيب ونقص.قوله: ذُو انْتِقَامٍمعناها؟* طالب: (...)* الشيخ: نعم؟* طالب: أي صاحب انتقام.* الشيخ: أي صاحب انتقام، هل هذا يدل على أن الانتقام لله وصف مطلق؟* طالب: لا، وإنما مقيد.* الشيخ: أنه ذو انتقام في محله؛ ولهذا جاءت نكرة، قال: ذُو انْتِقَامٍ.انتقام ممن؟* الطالب: من المجرمين.* الشيخ: من المجرمين، أحسنت. نرجع الآن إلى الفوائد.* من فوائد الآيات الكريمة السابقة، أولًا: إثبات ألوهية الله عز وجل؛ لقوله: اللَّهُ، والثاني: انفراده بهذه الألوهية في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم ، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال، كذا؟* ومن فوائد الآية: إثبات حياته وقيوميته، من أين تؤخذ؟* طالب: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.* الشيخ: بس هذه الحي القيوم، ونحن قلنا: إثبات حياته وقيوميته؟* الطالب: الحي معرف عامة.* الشيخ: كل اسم فإنه متضمن للصفة، كذا؟ وقد يتضمن أمرًا زائدًا وهو الحكم الذي يسمى الأثر، أليس كذلك؟* من فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مفتقِر إلى الله، وأن الله غني عما سواه، وجه ذلك: لأن كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: ٢٥]، وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ.أما الآية التي بعدها فمن فوائدها: إثبات علو الله؛ لقوله: نَزَّلَوأَنْزَلَ، والنزول لا يكون إلا من أعلى.* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم منزَّل؛ لقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ، وهل كونه منزَّلًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؟ لا، مجرد كونه منزَّلًا لا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الله قد ينزِّل المخلوق، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق: ٩]، والماء مخلوق، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد: ١٧]، والماء مخلوق، لكن بالنظر لكون القرآن كلامًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة، إذن فيؤخذ كون القرآن غير مخلوق أنه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف.ومن فوائد الآية الكريمة: فضل رسول الله ﷺ وميزته؛ لقوله: عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.ولكن قد يرِد علينا: أن الله سبحانه وتعالى قد يضيف الإنزال إلى الناس، كما قال تعالى في سورة آل عمران: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٨٤]، وفي آية البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة: ١٣٦]، فالجواب أن نقول: هو أُنزِل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة، بواسطة الرسول ﷺ، هو الذي بلّغه إلينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع.ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ مشتمل على الحق؛ لقوله: بِالْحَقِّ، فقد جاء بالحق ونزل به، قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥].فما نوع الحق الذي نزل به القرآن؟ نقول: ما في القرآن إما أخبار وإما أحكام، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، إذن نقول: القرآن كل ما فيه من الأخبار فهو صدق، وكل ما فيه من الأحكام فهو عدل.هل يشمل ذلك: أن هذه الأخبار وهذه الأحكام نافعة مُصلِحة للخلق؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، وقال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]، فكل ما فيه من الخبر فهو نافع، وكل ما فيه من حكم فهو أيضًا نافع متضمن للمصالح ودفع المفاسد.* ومن فوائد الآية الكريمة : أن القرآن نفسه حق، من أين يؤخذ؟ من قوله: بِالْحَقِّ، يعني: أنه نزل نزولًا بحق ليس نزولًا كذبًا باطلًا.* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القرآن؛ لوصفه بالحق نزولًا وتضمنًا؛ ولوصفه بالتصديق لما بين يديه، أنه مصدق لما بين يديه من كل الكتب؛ لقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هذا القرآن قد أخبرت عنه الكتب السابقة، من قوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لأنه أحد الوجهين في كلمة مصدق.* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بما يخالف الظاهر إذا دل عليه السياق، في قوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ إذ قد يقول قائل: ليس للقرآن يد، فكيف يصح أن يقول: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؟ نقول: صحيح أن القرآن ليس له يد، ونحن لا نقول: إن لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأن القرآن له أيدي، أو له يدان، وأنه صدّق ما بين يديه، لكن نقول: إن الكلمة إذا دلت على معناها في سياقها وإن كان يخالف أصل الوضع، وقد سبق أن المراد لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ: ما سبقه، ما سبقه من الكتب.* من فوائد الآية الكريمة: أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق؛ لقوله: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن التوراة والإنجيل قد نُسِخا بالقرآن، (...) هل يمكن أن نقول: مِنْ قَبْلُتشير إلى أن هذين الكتابين قد مضى عهدهما وانقضى؟ على كل حال في المسألة ثقل، أو في الاستدلال بهذا على ما قلناه ثقل، يعني: أننا لا نجزم بذلك، لكن لنا دليل من غير هذه الآية، وهو ما في سورة المائدة، حيث قال الله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨].* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، وعنايته بهم، حيث كان ينزل الكتب على رسله هدًى للناس، أليس كذلك؟* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله تعالى في أحكامه الشرعية كما تثبت في أحكامه الكونية؛ لقوله: هُدًى لِلنَّاسِ؛ لأننا ذكرنا أن هُدًىهذه مفعول لأجله، أي: من أجل ذلك، ففيها إثبات الحكمة لله، وهو كذلك، ومن أسماء الله تعالى: الحكيم، وهو ذو الحكمة، والحكمة هي إصابة الصواب، وإن شئت فقل: وضع الشيء في موضعه، وإن شئت فقل: إتقان الشيء وإحكامه، والتعبيرات كلها تنصب إلى أن فعل الله عز وجل، أو إلى أن حكم الله الكوني والشرعي كله مشتمل الحكمة.فإن قال قائل: إذا أثبت لله حكمة ووقع من أفعال الله أو من شرع الله ما لا نعلم له حكمة، أو ما نظن أن الحكمة في خلافه، فما هو الجواب؟ فالجواب: أننا إذا ظننا أن هذا ليس له حكمة، فليس ذلك إلا لقصور فهمنا، عجزنا عن إدراك الحكمة، وإذا ظننا أنه على خلاف الحكمة، فما ذاك إلا لسوء فهمنا، فالذي يظن أنه ليس له حكمة قاصر الفهم، والذي يظن أنه على خلاف الحكمة سيئ الفهم، أما سليم الفهم والذي يعطيه الله تعالى فهمًا، فستتبين له الحكمة، ومع ذلك لا يمكن أن ندرك كل وجوه الحكمة، أبدًا؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تدرَك غايتها، والإنسان بشر ناقص، وكم من أشياء أو كم من أحكام شرعية تظن أن حكمتها كذا وكذا، ثم يتبين لك أن لها حكمًا أخرى، أو ربما يتبين لك أنه ليس هذه هي الحكمة، بل الحكمة شيء آخر، إنما يجب عليك أن تؤمن بأنه ما من حكم لله كوني أو شرعي إلا وله حكمة.فإن قلت: يلزم على قولك هذا أن تذهب مذهب المعتزلة في وجوب الصلاح أو وجوب الأصلح، يعني: إذا تعارض فعلان أحدهما أصلح من الآخر، فهل يجب على الله أن يفعل الأصلح؟ إن قلت: لا، منعت الحكمة، وإن قلت: نعم، ففيه إشكال.فيقال: أولًا: قد تظن أن هذا هو الأصلح وليس الأصلح، ولنضرب لهذا مثلًا: نحن نظن أن الأصلح نزول الغيث، وخصب الأرض، أليس كذلك؟ فإذا امتنع المطر وأجدبت الأرض، فقد يكون هذا هو المصلحة، أليس كذلك؟ ونحن لا نفهم، إذن لا يمكن أن نقول: يجب على الله كذا؛ لأنه الأصلح، إذ قد يكون ما قلنا: إنه الأصلح، هو الأفسد، أليس هكذا؟ثانيًا: إذا تحققنا أنه الأصلح، فإنه يجب بمقتضى الحكمة لا بمقتضى العقل، فنحن لا نوجب على الله بعقولنا، والعقل لا يوجب على الله شيئًا؛ لأنه مخلوق ناقص، فلا يوجب على الكامل الأزلي الأبدي شيئًا، فإذا وجب فعل الأصلح، فإنما الذي أوجبه على نفسه، مَن؟ الله، قال الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، كتب عليه هو الذي أوجب، وقال: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢]، فأوجب على نفسه أن يهدي الناس ويدلهم، كذا؟ إذن نحن نقول: إذا ثبت أن هذا هو الأصلح، فقد وجب على الله بمقتضى حكمته وإيجابه على نفسه لا بمقتضى عقولنا وإيجابنا عليه، وبهذا ننفك عن قول المعتزلة الذين يرون أن العقل هو الذي يوجب الشيء، أو الذي يمنع الشيء، أو الذي يقبِّح الشيء، أو الذي يحسِّن الشيء، واضح؟من ذلك مثلًا: البيان للخلق، بيان الشرائع للخلق وما يجب عليهم نحو ربهم، وما يجب عليهم نحو عباد الله، هذا واجب على الله ولَّا لا؟ نعم واجب على الله بمقتضى الحكمة، إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، عَلَيْنَاوعلى تفيد أيش؟ تفيد الوجوب.* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هداية القرآن نوعان: عامة، وخاصة، فالعامة مثل هذه الآية: هُدًى لِلنَّاسِ، والخاصة مثل قوله: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، فما هو الفرق؟ الفرق: أن الهداية التي بمعنى الدلالة عامة، والهداية التي بمعنى التوفيق والاهتداء هذه خاصة، خاصة بالمتقين، فالهداية التي تتضمن الاهتداء هذه للمتقين، وأما التي تتضمن البيان والإيضاح فهذه للناس عامة؛ لقول الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب كلها فرقان، تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المؤمن والكافر، وبين الضار والنافع، كل ما يمكن أن يكون فيه الفرق، فإن الكتب تفرقه.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يمتنع أن تجمع الكتب السماوية بين متفرقين، أو أن تفرق بين متماثلين أبدًا؛ لأن الفرقان هو الذي يفرق بين شيئين مختلفين، أما شيئان لا يختلفان فلا تفريق بينهما.ومن هنا يمكن أن نأخذ –يعني: يتفرع على هذه الفائدة- إثبات القياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، فهو جمع بين متماثلين، وعدم الأخذ بالقياس تفريق بين متماثلين، والكتب السماوية كلها فرقان.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما اهتدى الإنسان للفروق كان أعظم اهتداء بالكتب المنزلة من الله، كذا؟ كلما اهتدى للفروق كان أعظم اهتداء للكتب المنزلة من السماء؛ لأن الكتب كلها فرقان، فمثلًا: إذا كان الإنسان يفرق بين الشرك الأصغر والأكبر، وبين النفاق الاعتقادي والعملي، وبين الكفر الأكبر والأصغر، وبين أشياء الحلال والحرام، كان أشد اهتداء بالكتب، ممن؟ ممن لا يفرق، أليس كذلك؟ربما يؤخذ من هذا أيضًا الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بمعرفة الفروق، بمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقهكما يؤخذ من هذا أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء لمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا شيء، أو هذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقه، مثلًا يقول: أنا أذكر الفروق بين البيع والإجارة، بين الإجارة والجِعالة، بين الرهن والضمان، بين الضمان والكفالة، بين الفرض والتطوع، وهذه من فنون العلم الشريفة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، كذلك في العقائد والتوحيد يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر؛ رجل حلف بغير الله نقول: هو مشرك، ورجل عبد صنمًا نقول: هو مشرك، لكن بينهما فرق عظيم، العابد للصنم شركه أكبر، والحالف بغير الله شركه أصغر، إلا أن ينضاف إلى حلفه بغير الله جعله المحلوف عليه كالله تعالى في التعظيم، فحينئذٍ يكون شركًا أكبر لا من حيث القسم، ولكن من حيث إنه جعل رتبة المحلوف به كرتبة الخالق. * من فوائد الآية الكريمة: بيان عقوبة الكفار، وهو العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر يستلزم التحذير من الكفر، فيكون في هذا فائدة متفرعة عن الأولى: التحذير من الكفر، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل؛ لأنه إذا ذُكر عقوبة الضد فإن ضده يثبت له ضد تلك العقوبة، ولهذا لما قال رسول الله ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» »[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. وقد يكون هذا من جملة الفرقان الذي يحصل، حيث نفرق بين الكفار وبين المؤمنين، فكما اختلفوا وتفرقوا في أعمالهم فإنه يلزم أن يفترقوا في ثواب تلك الأعمال. * طالب: يا شيخ، مثلًا الأشياء التعبدية؟ يعني (...) نعلم أن الله له فيها حكمة، ولكن نحن ما ندري ما الحكمة. * الشيخ: إي نعم، هذا لقصور أفهامنا، يعني مثلًا كون الصلاة أربعًا، وأربعًا، وثلاثًا، وثنتين، لم تكن ستًّا أو ثمانيًا أو ما أشبه، ذلك صحيح، هذه العقل ما له فيه مجال، ولا يمكن، لكن لا نقول: إنه ليس فيه حكمة، لا بد من حكمة لكن غير معلومة لنا. * الطالب: إيه، لكن كل من وُفّق يعني يعلم الحكم، ولكن كثير من العلماء ومن الناس ما يعرف حكمة هذه؛ لأنها تعبدية. * الشيخ: نادر، يعني نادر الأشياء اللي ما تبلغه عقول كل الناس، هذا نادر. * الطالب: مثلًا الوضوء ومسح الرأس ما نعلم له حِكمة؟ * الشيخ: لا، نعلم له حكمة، كيف؟! له حِكمة ظاهرة. * الطالب: وأيش الحكمة؟ * الشيخ: لأن غسل الرأس يُؤذي. * الطالب: لا، المسح. * الشيخ: أقول: لأن غسل الرأس يؤذي، لو غسل الإنسان رأسه وفيه الشعر، ولا سيما في أيام الشتاء يتأذى كثيرًا، ثم لو غسل أيضًا، الرأس عالٍ على كل شيء بيتناثر الماء على كل بدنه وثيابه. * الطالب: ما يستفيد يعني؟ * الشيخ: من اللي ما يستفيد؟ * الطالب: ها الإنسان. * الشيخ: المسح؟ * الطالب: من المسح. * الشيخ: لا، يستفيد تعبد لله. * الطالب: إيه، صح، تعبُّد. * الشيخ: إذن هو تطهير، وليس الغرض أيضًا من الوضوء مجرد التطهير الحسي؛ لأنك تغسل يديك مثلًا بعد الطعام غسلًا بالصابون، ثم إذا أردت تتوضأ تغسلها ثلاثًا مع أنك الآن غسلتها. * طالب: شيخ، أنزل القرآن أحيانًا يأتي التعبير مثلًا بـ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [البقرة ٩٩]، وأحيانًا يعني ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ [النحل ٦٤] يعني: أنزل ونزَّل، إليك وعليك، ما الفرق؟ * الشيخ: إيه، هو للتنوع مثلًا: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء ١٠٥]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ باعتبار آخر نزول؛ يعني نزوله جملة، أنزله كله؛ يعني إن كان هذا آخر ما نزل فواضح أنه تم القرآن كله، إذا كان ما هو آخر ما نزل فباعتبار أنه سيكمُل؛ لأنه إذا كمل كله صار كأنه نازل جملة واحدة؛ لأن جملة الآن كلها نزلت، وأما ﴿إِلَيْكَ﴾ فهي تفيد الغاية، يعني أن نهاية الإنزال إلى الرسول، وأما ﴿عَلَيْكَ﴾ فهي تفيد العلو والاستقرار، ولهذا قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] وهي أبلغ من إليك؛ لأنها إذا وصلت حتى استقرت في القلب صارت أبلغ. * طالب: أقول: المسلم الذي لا يمكنه، يعني ما وصل عِلمه إلى أن يفرق بين الحكمة من حِكم رب العالمين، أليس الأحوط له أن يؤمن بأن كل ما فعله رب العالمين فهو -يعني- حكمة؟ * الشيخ: هذا واجب، أن نؤمن بأن كل ما فعله -يعني- أو شرعه فهو لحكمة، لكن أحيانًا نفهمها وأحيانًا ما نفهمها، والمؤمن هو الذي يُسلِّم للأحكام الشرعية سواء علم الحكمة أم لا، أما الذي لا يؤمن إلا إذا علم الحكمة معناه ما آمن إلا بعقله، لم يؤمن بالشرع. * طالب: يا شيخ، الحلف بغير الله، واحد حلف بغير الله بسبق اللسان يكون شرك أصغر؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: واحد حلف بغير الله، لكن بسبق اللسان ما قصده، تعود؟ * الشيخ: لا، ليس عليه شيء ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]، و﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، ولكن يجب أن يُنزّه لسانه عن القول المحرم، لما يبتغي يبتدئ يقول: والنبي، وقال له: لا تحلف بالنبي فإنه شرك. فيقول: والنبي لا أحلف بالنبي، هذا ما هو صحيح. * طالب: شيخ، هل التوراة والإنجيل من كلام الله؟ * الشيخ: المعروف عند السلف أنها من كلام الله، لكن ما أذكر حتى الآن وصفهما بأنهما من كتاب الله، إنما وصفهما الله بأنها منزَّلة، وأنها كتب، أما كلام الله في هذا ما فيه إلا القرآن هو اللي صريح. * الطالب: شيخ، بالنسبة لبعض الشباب، بالنسبة للحديث، يبحث عن حكمة لها فلا يجد، ولا أحد من السلف ما تكلم في حكمة فيها، فيقول: أنا لا أعمل بها؛ لأنه لا يوجد فيها حكمة. * الشيخ: أعوذ بالله. * الطالب: ماذا يعني؟ * الشيخ: هذا لا يجوز، هذا يُخشى أن يكون كافرًا، إذا كان لا يؤمن إلا بما اختاره عقله فهو لم يؤمن بالشرع. * الطالب: لا، يقول: يعني حتى السلف العلماء والأئمة لم يجدوا لها حكمة. * الشيخ: ما هو لازم أن يجدوا لها حكمة، الله عز وجل يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] والإنسان يجب أن يتعبد لله، ما هو لنفسه. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قولكم: إنه اختلف السلف في التوراة والإنجيل، هل هي كلام الله أوْ لا، أقول: ألا يلزم شخص؟ * الشيخ: لا، ما قلت السلف. * الطالب: يعني مذهب السلف. * الشيخ: قلت: إن السلف قالوا: إنها كلام الله غير مخلوق. * الطالب: نعم، جزاك الله خيرًا، لكن أقول: يا شيخ، ألا يلزم من كونها مُنزَّلة أن تكون من كلام الله؟ * الشيخ: الله أعلم؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] وجاء في الحديث: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ[[أخرجه عبد الله في السنة (٥٧٦) عن زيد بن أسلم موقوف عليه، وفي صحيح مسلم (٢٦٥٢ / ١٥): «فَبِكَم وجَدْتَ الله كَتَبَ التَّوَراةَ قبلَ أنْ أخْلقَ؟». في حِجَاج آدم وموسى من حديث أبي هريرة.]]. فأنا أتوقف في هذا، لكن السلف كلامهم واضح، يقولون: إن التوراة والإنجيل من كلام الله، والزبور، لكن لا شك أنها منزلة من الله، هذا يجب الإيمان به، يكفي نؤمن بأنها نازلة من الله. * * * * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٥ - ٧]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ٤] سبق لنا أن العزة ثلاثة أقسام، فيستفاد من هذه الآية الكريمة إثبات اسم من أسماء الله فهو العزيز بالمعاني الثلاثة السابقة. * ومن فوائد الآية: أن الله تعالى موصوف بالانتقام؛ لقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، ولكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢]، ولهذا لم يرد من أسماء الله المنتقم على سبيل الإطلاق، وإنما الذي ورد مقيدًا ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، أو ورد صفة منكَّرة، مثل: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، أي صاحب انتقام، وهذا لا يؤدي إلى، أو لا يدل على الوصف المطلق أنه موصوف بالمنتقِم؛ لأن الانتقام يكون مدحًا في موضعه، وأما في غير موضعه فلا يكون مدحًا، فإذا كان الانتقام تقتضيه الحكمة صار ممدوحًا وإلا فلا. طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء ١، ٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. هذه السورة هي سورة النساء وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان. وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير، من ذلك أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القصر والقوة، قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به.

آل عمران 3:4

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالبسملة تقدم لنا الكلام عليها مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، كذا؟ فإذا قلت: باسم الله، وأنت تريد أن تأكل، كيف تقدر الفعل؟ باسم الله آكل.قلنا: إنه يجب أن يقدر أن يكون متعلقًا بمحذوف، لماذا؟ لماذا لا نقول: إنه غير متعلق؟ لأن الجار والمجرور لا بد له من متعلَّق يتعلق به لاَ بُــدَّ لِلْجَــــــارِ مِــــــنَ التَّعَلُّـــــــــقِ ∗∗∗ بِفِعْــــلٍ اوْ مَعْنَــــاهُ نَحْــــو مُرْتَقِــــــــــــي لأن الجار والمجرور معمول، هو بمنزلة المفعول به، فلا بد له من عامل.لماذا قدرناه فعلًا متأخرًا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل، والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركًا به ومستعينًا إلا باسم الله عز وجل.لماذا قدرناه فعلًا؟ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو، الأصل في العمل الأفعال؛ ولذلك لا تعمل الأسماء إلا بشروط، اسم الفاعل يعمل عمل الفعل بشروط، المصدر يعمل عمل الفعل بشروط، اسم المفعول يعمل عمل الفعل بشروط، الفعل يعمل بشروط؟ لا؛ لأنه هو الأصل في العمل؛ فلهذا نقدره فعلًا.لماذا قدرناه خاصًّا؟ لأنه أدل على المقصود، ممكن أن نقدر: باسم الله أبتدئ، لكن تبتدئ أيش؟ ما ندري، تبتدئ أكل، تبتدئ شرب، تبتدئ وضوء، تبتدئ عمل، ما ندري، إذا قلت: باسم الله آكل، وعينت الفعل، صار أدل على المقصود؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» ، أو قال: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ» ، فخص الفعل.إذن نقول: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، كمِّل؟ متأخر، فعل مناسب للمقام.أما الله فهو علم على ذات الله سبحانه وتعالى، على الذات المقدسة، لا يكون إلا له، وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، تأتي تابعة له.﴿الرَّحْمَنِ﴾ ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن فعلان الذي يدل على الامتلاء والسعة.﴿الرَّحِيمِ﴾ الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل، فهنا رحمة هي صفته، هذه دل عليها الرحمن، ورحمة هي فعله، أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم، دل عليها الرَّحِيمِ.﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر أو الحكم الدال عليه ذلك المعنى، ولَّا لا؟ إذن اجتمع في هذين الاسمين كل ما يجب أن يتعلق بالإيمان باسم الله؛ لأن الإيمان باسم الله لا بد أن تؤمن بالاسم، وأيش بعد؟ والصفة والأثر الذي هو الحكم المترتب على هذا، فنقول: الله رحمن ذو رحمة يرحم، كلها موجودة في القرآن، فالرحمن كما ترون، ذو الرحمة: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الأنعام: ١٣٣]، يرحم: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١].﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسم دال على الرحمة، وهي رحمة حقيقية دل عليها السمع والعقل، ما أدري كلام لغة عربي ولَّا غير عربي؟ عربي، دل عليها السمع والعقل، وأيش معنى السمع؟ النصوص: الكتاب والسنة، العقل: النظر والاعتبار، دلالة السمع على رحمة الله كثيرة ما تحصى، دلالة النظر أن نقول: كم في العالم من نعمة؟ وأيش الجواب؟ لا تحصى، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، كذا؟ لا تحصى بأنواعها وأجناسها فضلًا عن أفرادها، هذه النعم وأيش تدل عليه؟ تدل على أن المنعم راحم، ولولا الرحمة ما حصلت النعمة، وكم في العالم من اندفاع نقمة، أليس كذلك؟ بماذا؟ من آثار الرحمة، لولا الرحمة ما اندفعت النقمة.ومن عجبٍ: أن قوما يدَّعون العقل، يقولون: إن الرحمة لا يدل عليها العقل، بل العقل يدل على خلافها، أعوذ بالله، لأيش؟ قال: لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة، وهذا لا يليق بالله عز وجل -شوف الشيطان!- لا يليق، صحيح لا يليق؟ نقول: الرحمة بهذا المعنى مَن هي رحمته؟ رحمة المخلوق، لكن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، ثم إننا نمنع أن تكون الرحمة كما زعمتم حتى في المخلوق، يأتي ملك تام السلطان لا يخشى أحدًا إلا الله ويرحم هذا الفقير، هل نقول: رحمته هذه تنافي ما عنده من السلطان والعظمة اللائقة به؟ أبدًا، ما تنافي ولا يقال: والله هذا ملك مهين إنه يرحم الفقراء ويرحم الضعفاء، لا، بل يعد هذا من كماله.ثم نقول لهم: العقل دل عليه، نمنع قولكم: إن العقل لا يدل عليه، بل نقول: إن العقل دل عليه، لو تسأل عامي في السوق بعد أن نزل المطر في الليل وخرج الناس يمشون في المطر، ونقع المطر، وهواء المطر والرطوبة، تلقي عامي تقول: ما شاء الله نزل البارحة مطر، يقول لك: إي والله، الحمد لله، رحمة الله واسعة، وأيش عرف إن هذا المطر من ين؟ من الرحمة.لكن يقولون: الإرادة ثبتت بالعقل، إرادة الله ثبتت بالعقل، بماذا؟ قالوا: ثبتت بالتخصيص، إنه خص هذا اجعل هذه سماء، واجعل هذه أرض، وهذه بقرة، وهذه شاة، وهذه بعير، وهذا حمار، إلى آخره، الذي خصص هذا مِن هذا هو؟ الإرادة، إذن فيه إرادة لله دل عليها التخصيص، اسأل طالب علم ما هو عامي، قل: كيف تستدل بالعقل على الإرادة؟ على إرادة الله؟ وأيش يبغي يقول لك؟ ما يستطيع، ربما يستطيع أن يقول: أستدل على إرادة الله، ها الكون هذا كله بإرادة الله، لكن ما يقول لك: إن التخصيص هو الذي يدل على الإرادة، كذا ولَّا لا؟ ومع ذلك الرحمة ما دل عليها العقل عندهم، والإرادة دل عليها العقل، ونحن نقول: إن الإرادة والرحمة كلتاهما دل عليها العقل، ولا شك في هذا.البسملة ذكرنا فيما سبق أنها آية من القرآن لا شك، مستقلة لا تابعة، لا للتي قبلها ولا للتي بعدها، مستقلة، لكن يؤتى بها لابتداء السورة، كل سورة تُبتدأ بالبسملة إلا واحدة من السور وهي براءة، فإنه لم يثبت عند الصحابة أن الرسول ﷺ ابتدأها بالبسملة؛ ولذلك جعلوا فاصلًا بينها وبين الأنفال ولم يجعلوا بسملة؛ لأنهم ترددوا: هل هي من بقية الأنفال أو هي مستقلة، فقالوا: نجعل الفاصل ولا نجعل البسملة، إنما البسملة تؤتى آية مستقلة تُبتدأ بها كل سورة، حتى الفاتحة وهي أول السور تُبتدأ بها.وهل هي من السورة؟ قلنا: لا، وعلى هذا فما يوجد في المصحف الآن المرقم في الفاتحة خاصة فيها رقم واحد، على أنها أول آية من الفاتحة هو قول مرجوح، والراجح أنها ليست آية من الفاتحة، وقد مر علينا بيان رجحان هذا القول. نعم.* طالب: (...)* الشيخ: إي نعم، هو يسأل يقول: نحن ندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، ونحن ما عندنا السلاح نقاوم به؟ نقول: النصرة على القوم الكافرين بأن يهيئ الله لنا أسلحة نقاوم بها أو يدمر أسلحتهم، تدمير أسلحتهم نصر لنا ولَّا لا؟* طالب: قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، خلاف العلماء في كون البسملة آية من آيات الله أو غير آية هل يعد ذلك تنقيصًا لهذه الآية؟* الشيخ: لا لا، هل حُذفت من المصحف؟ إيه، حفظت، لا لا، يقولون: آية، لكن بس هل هي آية، بالاتفاق أنها آية، لكن هل هي من السور التي بعدها أو لا، الخلاف في العدد. * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ* الشيخ: لا، مِنْ قَبْلُتبع اللي قبلها.* الطالب: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ١ - ٤].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى ومحلًّا، وتقدم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتُدئت بها السور.الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور قيل: إنها رموز وإشارات إلى أشياء، وعيّنها بعض المفسرين، وقيل: إنها حروف لا ندري ما معناها، فالله أعلم بما أراد بها، وقيل: بل هي حروف هجائية ليس لها معنى، وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين، واللسان العربي لا يعطي هذه الحروف الهجائية معنى، وإذا كان لا يعطيها معنى فبمقتضى نزوله به أن لا يكون لها معنى، لكن قال بعض حذاق العلماء: إن لها مغزى، أي: هذه الحروف لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الذي أعجز فصحاء البلاغة العرب العرباء إنما كان بالحروف التي هم يعرفونها، ويُرَكِّبون كلامهم منها، ومع ذلك أعجزهم، يعني لو جاء بلسان غير عربي لقالوا: نعجز عنه، لكن جاء باللسان العربي الذي يكوّنون كلامهم بالحروف التي كان بها هذا القرآن، قال: ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكر القرآن، وهذا ما قاله الزمخشري وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم.وقوله: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، فـاللَّهُمبتدأ، وجملة لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَخبر المبتدأ، لكن هذه الجملة جملة أيضا، لكنها تسمى عند النحويين: جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والكبرى: مجموع المبتدأ والخبر. وقوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُخبران آخران، الْحَيُّخبر لـاللَّهُثاني، والْقَيُّومُخبر ثالث.فقوله: اللَّهُعلم على الذات المقدسة، علم على الرب عز وجل، وأصله الإله، بمعنى المألوه، وحُذفت الهمزة تخفيفًا كما حُذفت الهمزة من خير وشر في مثل قول الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا» ، أي: أخيرها وأشرها، وكما حُذفت الهمزة أيضًا من الناس، وأصلها: أناس.الله علم على الذات المقدسة، وهو أعلم المعارف على الإطلاق، نعم، ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فِعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فِعال بمعنى مفعول، كغِراس بمعنى مغروس، وبِناء بمعنى مبني.وقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أي: لا معبود حق إلا هو، فإله اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة، ولكنها آلهة وُضعت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا [يوسف: ٤٠]، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ١٩ - ٢٣].وبهذا التقدير للخبر في لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيزول الإشكال، وهو أنه كيف يُنفى الإله في مثل هذه الجملة ويُثبت في مثل قوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، والجمع: أن تلك الآلهة أيش؟ باطل، وأما الإله في: لا إله إلا الله، أو لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَفهو إله حق، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].وقوله: هُوَهذا ضمير وليس اسمًا، هذا ضمير وليس اسمًا، بدليل قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩]، هذا علَم ولا ضمير؟ علم، وبدليل قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] و(أنا) هنا ضمير، فعلى هذا نقول: أنا وهو في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاوقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَكلاهما ضمير رفع منفصل، فكما أن الذاكر لا يقول: لا إله إلا أنا، أو كما أن الذاكر لا يجعل (أنا) اسما لله، فلا يجوز أن يجعل (هو) اسمًا لله؛ وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذي يذكرون الله بلفظ: هو هو، ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل.وقوله: الْحَيُّأل هنا للاستغراق، أي: الكامل الحياة، وحياة الله عز وجل كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له، حياته لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال، هي أيضًا كاملة حال وجودها لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه، وعلمه، وقدرته، وجميع صفاته، إذا رأينا الآدمي، بل إذا رأينا غير الله عز وجل وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، فحياته مسبوقة بماذا؟ بعدم، ملحوقة؟ بزوال وفناء، هي أيضًا ناقصة في وجودها، هل هو كامل السمع؟ الحي ليس كامل السمع، ولا البصر، ولا العلم، ولا القدرة، كل حي فهو ناقص، إذن حياته ناقصة في الوجود والزمن، ففي الزمن مسبوقة بعدم وملحوقة بزوال، وفي الوجود ناقصة في جميع الصفات.(...) على وزن فَيْعُول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.وفي الجمع بين الاسمين الكريمين: الْحَيُّ الْقَيُّومُفي الجمع بينهما استغراق لجميع ما يوصَف الله به لجميع الكمالات، ففي الْحَيُّكمال الصفات، وفي الْقَيُّومُكمال الأفعال، وفيهما جميعًا كمال الذات، الْحَيُّكمال الصفات، الْقَيُّومُكمال الأفعال، وباجتماعهما كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات. * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ١ - ٥].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قوله تعالى: الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وبينا أن القول الراجح في الموأخواتها.* طالب: (...) الحروف المقطعة لا معنى لها؟* الشيخ: لا، هو ما قال: لا معنى لها.* الطالب: (...) تدل على مغزى أن هذا القرآن الذي أعجزكم أنه مكون من هذه الحروف؛ لذلك كل ما (...) يكون بعدها شيء من القرآن من (...).* الشيخ: طيب.* طالب: قلنا: إن (...) مختزلة من اللغة العربية.* الشيخ: لا.* طالب: لا معنى لها بذاتها.* الشيخ: ولكن لها مغزى. ما هو الدليل على أنه ليس له معنى في ذاتها؟* طالب: الدليل أنها دائما يعقبها ذكر القرآن.* الشيخ: الدليل على أنه ليس لها معنى؟* الطالب: أن القرآن بلسان عربي مبين، وهذه الحروف بلسان عربي مبين، ليس لها معنى.* الشيخ: صح، الدليل أن القرآن نزل باللسان العربي المبين، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية في ذاتها، إذن ليس لها معنى.ما الدليل على أن لها مغزى؟* طالب: أن هذه الحروف يعقبها (...) القرآن.* الشيخ: ذكر القرآن والتحدث عنه.* الطالب: ثاني شيء، يعني: أن هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتتحدثون بها القرآن الكريم مركب منها.* الشيخ: كان منها أحسن من كلمة مركب.* الطالب: كان منها.* الشيخ: نعم.قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ما معناها؟* طالب: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.* الشيخ: لا معبود بحق، لا معبود حق إلا الله.لماذا لا نقول: إن النفي مسلَّط على ما بعد إلا، يعني: لا إله إلا الله، ما يوجد إله إلا الله؟* الطالب: يوجد آلهة ولكنها باطلة (...) نحصرها بحق.* الشيخ: أحسنت، نعم نقول: لا يمكن أن ننفي الألوهية مطلقًا؛ لأن غير الله قد يسمى إلهًا.ما هو الدليل على إطلاق الإله على غير الله؟* طالب: قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١]* الشيخ: نعم، وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٣٩]، فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١].﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا أنهما يشتملان على اسم الله الأعظم، فلماذا؟* طالب: لأن لها معنيان، المعنى الزمني بأنه الله لم يسبقه عدم.* الشيخ: لا.* طالب: لأنهما اسمان يتضمنان الصفات الفعلية والذاتية.* الشيخ: صح، الكمال الذاتي والفعلي، ففي الْحَيُّالكمال الذاتي، والْقَيُّومُالكمال الفعلي، نعم؛ لذلك كانا متضمنين لجميع الكمال: الذاتي والفعلي.﴿الْحَيُّ﴾ تفسيرها؟* طالب: الحي الذي لا يموت ولا (...).* الشيخ: يعني: ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق (...) ولا يلحقها زوال.﴿الْقَيُّومُ﴾ ؟* طالب: القيوم هو القائم بنفسه، والقائم على نفسه كذلك.* الشيخ: على غيره، القائم بنفسه والقائم على غيره.الدليل على القيام بنفسه؟* طالب: أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إلى أحد.* الشيخ: نعم.* الطالب: أما الدليل على كل ما سواه.* الشيخ: إذن وصف الغنى مثل هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: ٢٦]، فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن: ٦]، هذا يدل على قيامه بنفسه، قيامه على غيره ما هو الدليل؟* الطالب: أن العباد كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى.* الشيخ: ما هو الدليل؟ ما هو التعليل.* الطالب: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: ١٥].* الشيخ: وغيره، في آية صريحة في الموضوع.* طالب: قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣].* الشيخ: صحيح، أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، يعني: كمن لا يقوم بنفسه؟تصريف القيوم في اللغة العربية؟ كيف هو؟* طالب: على وزن فَيْعُول.* الشيخ: على وزن فَيْعُول، وماذا تدل عليه هذه الصيغة؟* الطالب: هو على أنه سبحانه وتعالى.* الشيخ: لا هذه الصيغة؛ لأن أصلها قائم حُوِّلت إلى قيوم، فحُوِّل فاعل إلى فَيْعُول؟* الطالب: (...)* الشيخ: نعم.* طالب: يدل على الكثرة والمبالغة.* الشيخ: على المبالغة، صح.قال الله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، نَزَّلَالتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان: ٣٢]، يعني: نزلناه ليس جملة واحدة، فقوله: نَزَّلَيفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل أيش؟ بالتدريج ليس مرة واحدة، وقوله: عَلَيْكَالضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول ﷺ، ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه.وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَالكتاب هو هذا القرآن، وهو فِعَال بمعنى مفعول؛ لأنه مكتوب، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٧، ٧٨] اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس: ١٢، ١٣]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا، فهو مكتوب بأيدينا ونقرأه من هذه الكتب.وقوله: الْكِتَابَ بِالْحَقِّالباء هذه يجوز أن تكون من باب: أنه متلبِّس بالحق، أي: مشتمل على الحق، فهو نازل بحق لا بباطل، ويحتمل أن يكون عائدًا على التنزيل، يعني: أنه نزول حق ليس بباطل، قال الله تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، بعد قوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣]، فيكون بالحق، يعني: أنه نازل عليك نزولًا حقًّا ليس بباطل، فهو ما كُذِب عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن، ويحتمل أن يكون نازلًا بأيش؟ بالحق، يعني: مشتملًا عليه ومتلبسًا به، والمعنيان صحيحان لا يتنافيان، والقاعدة: أن النص إذا دل على معنيين صحيحين لا يتنافيان حُمِل عليهما جميعًا.وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، مُصَدِّقًاحال من الكتاب، ولا يصح أن نجعلها صفة، لماذا؟ لأن مُصَدِّقًانكرة، والْكِتَابَمعرفة، والصفة يجب أن تتبع الموصوف في المعرفة والنكرة، وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِللذي بين يديه، يعني: من الكتب السابقة.وتصديقه لما بين يديه له وجهان: الوجه الأول: أنه صدقها؛ لأنها أخبرت به فوقع مصدقًّا لها، والثاني مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: حاكمًا عليها بالصدق، فهو مصدق لما سبق من الكتب للوجهين المذكورين؛ لأن الكتب أخبرت به فوقع، وإذا وقع صار تصديقًا لها. الوجه الثاني: أنه حكم بأنها صدق من عند الله عز وجل، فيكون هذا التصديق لما بين يديه يشمل الوجهين جميعًا، فالقرآن شاهد بأن التوراة حق، والإنجيل حق، وأن الزبور حق، وأن صحف إبراهيم حق، وأن الله أنزل على كل رسول كتابًا، كذلك مصدق للكتب التي أخبرت به، فإن الكتب السابقة أخبرت بهذا القرآن أنه سينزل، ووصفت النبي ﷺ الذي ينزل عليه بأوصافه التي كانوا يعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم.وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: لما سبقه؛ لأن الذي بين يديك سابق عليك، أليس كذلك؟ نعم؛ لأنه أمامك، فهو متقدم عليك.﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ شوف قال: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَوَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، اختلف التعبير، واختلاف التعبير يدل على اختلاف المعنى، فما هو الخلاف في المعنى؟ قال أهل العلم: إن التوراة الإنجيل نزلتا دفعة واحدة بدون تدريج، بخلاف القرآن، فإنه نزل بالتدريج، وهذا من رحمة الله عز وجل على هذه الأمة؛ لأنه إذا نزل بالتدريج صارت أحكامه أيضًا بالتدريج، لكن لو نزل دفعة واحدة لزم الأمة أن تعمل به جميعه بدون تدريج، وهذا من الآصار التي كُتبت على من سبقنا: إذا نزلت عليهم الكتب مرة واحدة أُلزموا بالعمل بها من حين أن تنزل فيما ألفوه وفيما لم يألفوه، بخلاف القرآن الكريم.وقوله: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، التوراة هي الكتاب الذي نزله الله على موسى، والإنجيل هو الذي نزله الله على عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذان الاسمان قيل: إنهما غير عربيين، وقيل: بل هما عربيان، ولكن الذي يظهر أنهما ليسا بعربيين، ولكنه إذا نزل القرآن بشيء صار اللفظ الذي نزل به القرآن عربيًّا، بماذا؟ بالتعريب، صار عربيًّا بالتعريب.قال: مِنْ قَبْلُ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ، قبلُ فيها إشكال لغوي؛ لأن المعروف أن من حرف جر، وحرف الجر يجر، تقول: جئتُ من البيتِ إلى المسجدِ، ولا يجوز أن تقول: جئتُ من البيتَ إلى المسجدَ، ولا من البيتُ إلى المسجدُ، ولًّا لا؟ هنا قال: مِنْ قَبْلُفلماذا لم يقل: من قبلِ؟ نقول: لأن قبل وبعد وأخواتهما لها أحوال، إن أضيفت لفظًا، فإنها تكون على حسب العوامل، يعني: تُجَر بحرف الجر، وتُنصب بأداة النصب، وتُرفع بعامل الرفع، ولَّا لا؟ وإذا أضيفت –يعني: تقديرًا- إذا أضيفت تقديرًا صارت مبنية على الضم، يعني: إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه صارت مبينة على الضم، مبنية بناء دائمًا على الضم، مثل هذه الآية: مِنْ قَبْلُأصله: من قبل هذا الكتاب، لكن حذف المضاف إليه ونوي معناه، فبُنيت على الضم، إذا حذف المضاف إليه ونوي لفظه، فإنها تعرب بحسب العوامل لكن بدون تنوين، تعرب بدون تنوين، فتقول مثلًا: من قبلِ، بدون تنوين، إذا حذف المضاف إليه ونوي أيش؟ لفظه، كم هذا من حال؟ ثلاث حالات: إذا قُطعت عنالإضافة لفظًا ومعنًى، فإنها بحسب العوامل مع التنوين، تكون بحسب العوامل مع التنوين، فتقول: من قبلٍ، ومن بعدٍ، ومنه قول الشاعر:؎فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَـــــادُ أَغـــــصُّ بِالْمَــــــاءِ الْفُـــــــــــــرَاتِ فقال: كنت قبلًا، نصبها بالتنوين؛ لأنه نوى قطعها عن الإضافة لفظًا ومعنًى، فالأقسام إذن؟* طالب: ثلاثة.* الشيخ: زد واحد؟ ثلاثة، أربعة، نعم، أربعة، الأول؟* الطالب: الأول: إذا أضيف لفظًا.* الشيخ: الثاني؟* الطالب: الثاني: إذا حُذف المضاف ونوي لفظه.* الشيخ: الثالث؟* الطالب: إذا حذف المضاف ولم ينو لا لفظه ولا معناه، الرابع: إذا حذف المضاف ونوي معناه فقط.* الشيخ: صح، كذا، تعرب في كل الأحوال الأربعة إلا حالة واحدة وهي: إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ، هُدًىهذه مفعول من أجله متعلقة بنزّل وأنزل، أي: نزّل عليك الكتاب هدًى للناس، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدًى للناس، فهي مفعول من أجله، أي: لأجل هداية الناس، والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة التي يترتب عليها هداية التوفيق، لكن الأصل في هذه الكتب أنها هداية دلالة؛ ولهذا قال: هُدًى لِلنَّاسِعمومًا، حتى الكفار تهديهم، تهديهم وتدلهم، تبين لهم الحق من الباطل، لكن قد يوفَّقون لقبول الحق والعمل به، وقد لا يوفقون، والهدى ضد الضلال، واهتدى بمعنى صار على الطريق الصواب، وضل بمعنى انحرف وتاه وضاع، ومنه سُمِّيت الضالة، يعني: البعير الضائع التائه.وقوله: هُدًى لِلنَّاسِ، الناس سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن أصلها أُنَاس حذفت همزتها للتخفيف لكثرة الاستعمال، والمراد بالناس البشر وهم بنو آدم.وقوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، المراد بالفرقان هنا المعنى، وليس المراد به القرآن، فالمراد أنزل ما يَبِين به الفرق بين الحق والباطل، وإنما قلنا ذلك؛ لأننا لو خصصناه بالقرآن لكان في ذلك تكرار مع قوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وكان فيه فصل لكون التوراة والإنجيل فرقانًا، مع أن التوراة والإنجيل فرقان، لا شك أن فيها تفريقًا بين الحق والباطل، إذن أنزل الفرقان الذي تضمنته هذه الكتب الثلاثة، وهي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، ففيها الهدى وفيها الفرقان، فيها التفريق بين الحق والباطل، وفيها التفريق بين أهل الحق وأهل الباطل، جميعًا، ففيها تفريق بين العامل والمعمول، بين الحق في ذاته، يقول: هذا حق وهذا باطل، وبين أهل الحق وأهل الباطل.فيها تفريق بين النافع والضار؟ نعم، فيها تفريق بين النافع والضار. فيها تفريق بين الأنفع والنافع؟ نعم. فيها تفريق بين الأضر والضار؛ لأن كلمة الفرقان كلمة واسعة تشمل كل ما به الفرق من جميع الوجوه.ولما ذكر الله سبحانه وتعالى منته على عباده بإنزال هذه الكتب العظيمة قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، يعني: بعد إنزال هذه الكتب الواضحة الهادية المفرِّقة انقسم الناس إلى قسمين: قسم آمن، وقسم كفر، فذكر الله حكم الكافر، وبذكر حكم الكافر يتبين حكم المؤمن، قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، هذه الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، وجملة كبرى وجملة صغرى، ولَّا لا؟ مبتدأ وخبر، وجملة الصغرى وجملة الكبرى، وين المبتدأ والخبر؟ وفيها أيضًا من مبتدأ وخبر منسوخ ومبتدأ وخبر غير منسوخ، والجملة الصغرى والجملة الكبرى؟* طالب: إن حرف توكيد ونصب.* الشيخ: أين الخبر المنسوخ؟* الطالب: الخبر المنسوخ؟* الشيخ: إي نعم، المبتدأ والخبر المنسوخ؟* الطالب: بِآيَاتِ اللَّهِ، بآياتي؟* الشيخ: لا.* الطالب: منسوخ يعني: محذوف؟* الشيخ: لا، منسوخ يعني: دخل عليه ناسخ، والنواسخ ثلاثة: إن، وكان، وظن.* الطالب: عَذَابٌ شَدِيدٌ.* الشيخ: لا.* طالب: جملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌجملة (...) خبر إن، جملة ناسخة، منسوخة، إن الذين كفروا لهم عذاب شديد.* الشيخ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذا أيش؟ جملة منسوخة ولَّا غير منسوخة؟ يعني: أجزاؤها، أجزاؤها منسوخة ولَّا غير منسوخة؟* طالب: غير منسوخة (...).* الشيخ: هذه الجملة الاسمية غير المنسوخة؟* طالب: (...)* الشيخ: وجملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذه جملة منسوخة، أحسنت.أما الإعراب فنقول: إن حرف توكيد ونصب.* الطلبة: لا.* الشيخ: خطأ؟ لأيش؟ نقول: (إن) حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والَّذِينَاسمها مبني على الفتح في محل النصب، وكَفَرُوافعل وفاعل لا محل له من الإعراب؛ لأنه صلة الموصول، وبِآيَاتِ اللَّهِجار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بأيش؟ بـكَفَرُوا، ولَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، لَهُمْخبر مقدم، وعَذَابٌمبتدأ مؤخر، وشَدِيدٌصفة له، والجملة في محل رفع خبر إن.يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، كَفَرُوايقال: إن أصل الكفر من الستر، ويطلق على الجحد؛ لأن الجاحد ساتر، كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، أي: جحدوا بها وأنكروها، وقلنا: إن الكفر من الستر؛ لأن منه الكُفُرَّى، تعرفون الكفرى؟ الكفرى وعاء الطلع، طلع النخل، أتعرفون طلع النخل؟ نعم، فيه الغلاف يسمى كُفُرَّى، وفي اللغة العامية يسمى كافور، نعم؟ هذا تجدونه يستر الطلع، فالكافر في الحقيقة ساتر، أي: جاحد للحق مخفٍ له.وقوله: كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، آيات جمع آية، وهي العلامات الدالة على الله عز وجل على وجوده، وعلى كماله الذاتي، وكماله الفعلي، وهي –أي: الآيات- نوعان: آيات كونية، ومنها: السماوات، والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، والإنسان، واختلاف اللغات، واختلاف الألوان، والنوم، واليقظة، وأشياء كثيرة، هذه آيات كونية، آيات شرعية، وهي: الوحي المنزل على الرسل، فإذا قيل: ما وجه ذلك؟ قلنا: أما الآيات الكونية فوجه كونها آية: أنه لا يستطيع أحد أن يفعل مثل فعل الله عز وجل أبدًا، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِكل الذين تدعون من دون الله، لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، لا يخلقون ذبابًا، وهل يخلقون جملًا؟ لا، من باب أولى، فهم لا يخلقون ذبابًا، ولا جملًا، ولا بعوضًا، ولا غير ذلك، لا يستطيعون أن يخلقوا هذا أبدًا، هل يستطيع أحد أن يذهب بالنهار إذا جاء؟ هل يستطيع أحد أن يأتي بالليل إذا جاء النهار؟ أبدًا، إلا الله عز وجل، إذن فهذه الآيات الكونية من آيات الله عز وجل؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها. الآيات الشرعية هي أيضًا من آيات الله، وجه ذلك: أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل شرع الله في هداية الخلق وإصلاحهم أبدًا، لو اجتمع جميع مفكري العالم ليأتوا بدستور يُصلح الخلق كما يصلحه ما جاء في الوحي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].لكن يا إخواني الآيات الكونية قد يعقلها كثير من الناس؛ لأنها آيات محسوسة مشهودة، حتى الكافر تقول له: تستطيع تخلق الذباب؟ يقول: ما أستطيع، أما الآيات الشرعية فليس كل أحد يدركها، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المطففين: ٧ - ١٣] لا يتبين له أنها آيات -والعياذ بالله- لماذا؟ قال الله تعالى مكذِّبا لقوله: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، فالإنسان إذا اجتمعت الذنوب على قلبه، نسأل الله أن يطهرنا وإياكم منها، إذا اجتمعت الذنوب على قلبه صار لا يرى الحق حقا ولا الباطل باطلا، عمي -والعياذ بالله- يُتلى عليه القرآن فيقول: هذه أساطير الأولين ليس كلام رب العالمين؛ ولهذا نقول: الآيات الشرعية هي اللي فيها الامتحان والابتلاء، ومن ثم لمينكر أحد الربوبية، ربوبية الله، كل يقر بأن الله رب العالمين وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، لكن الآيات الشرعية أُنْكِرت ولَّا لا؟ نعم، قريش إذا سئلوا مَن خلق السماوات والأرض قالوا: الله، لكن قالوا في القرآن: إنه كهانة، وشعر، وسحر، وما أشبه ذلك. المهم أن قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِيشمل الآيات الكونية والشرعية، وبينّا وجه كون كل منها آية.يقول: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، عَذَابٌ شَدِيدٌ، والعذاب هنا بمعنى العقوبة، والشديد: القوي، يعني: عقوبة قوية والعياذ بالله، وقد ذكر الله تعالى في القرآن، وذكر نبي الله ﷺ في السنة أصنافًا وأنواعًا من هذا العذاب تقشعر منه الجلود وتوجل منه القلوب، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩]، إِنْ يَسْتَغِيثُوا-ولا يستغيثون إلا لشدة الحر والظمأ- إذا استُغِيثوا يؤتون بماء يشوي الوجوه، إذا أقبلوا به إلى أفواههم ليشربوه شوى وجوههم -والعياذ بالله- قال الله تعالى: بِئْسَ الشَّرَابُ، هذا شرابهم، وقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]، هذا طعامهم، لباسهم: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ [إبراهيم: ٥٠]، مقرهم وهواؤهم: يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت: ٥٥]، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]. والسنة مملوءة بذكر أصناف العقاب الذي يعاقَب به هؤلاء، فهو عذاب شديد، لأهله الصراخ والعويل، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر: ٣٧]، فيُقال لهم توبيخا: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: ٣٧]، هذه يا إخواني حقائق، حقائق نحن -إن شاء الله تعالى- في الإيمان بها كأنها مشاهدة عندنا، بل أعظم؛ ولهذا قال: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ، عَزِيزٌمن العزة، وهي ثلاثة أصناف: عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر بمعنى: أن الله تعالى ذو قدر شريف عظيم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «السَّيِّدُ اللَّهُ» ، هذه عزة القدر.عزة القهر: أنه قاهر لكل شيء لا يُغلب، بل هو الغالب، قال الله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨]، وقال الشاعر الجاهلي:؎أَيْــــنَ الْمَفَــــرُّ وَالْإِلَــــــهُ الطَّالِــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ فالله سبحانه وتعالى غالب على كل شيء.عزة الامتناع، أي: أنه عز وجل يمتنع أن يناله سوء أو نقص، ومن هذا المعنى قولهم: هذه أرض عَزَاز، أي: صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول، ونحن نقول في لغتنا: عزا، يعني: شديدة صلبة، إذن فمعنى عَزِيزٌأي: ذو العزة، والعزة كم قسمًا؟ ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ ولهذا الذي يفسر العزيز بالغالب فقط نقول: إن تفسيره قاصر، بل هو يشمل المعاني الثلاثة.وقوله: ذُو انْتِقَامٍأي: صاحب انتقام، والانتقام أَخْذ المجرم بإجرامه، تقول: انتقمت من زيد، يعني: أخذت بحقي منه، فأخذ المجرم بإجرامه يسمى انتقامًا، كما قال الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]، وهنا قال: ذُو انْتِقَامٍ، ولم يقل: ذو الانتقام، وفي الرحمة قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨]، ولم يقل: ذو رحمة، وإن كان قال في آية أخرى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]؛ لأن الانتقام ليس من أوصاف الله المطلقة، وليس من أسماء الله المنتقم، وليس من أوصاف الله المطلقة الانتقام، بل المنتقم لا يوصف الله به إلا مقيدًا، فيقال: المنتقم من المجرمين، كما قال تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ، أما ذُو انْتِقَامٍفهي لا تعطي الانتقام المطلق؛ لأن انتقام نكرة فلا تعطي المعنى على الإطلاق، يعني: له انتقام، انتقام ممن؟ مقيد ولَّا مطلق؟ مقيد، انتقام من المجرمين، انتبه، وبهذا نعرف أن الأسماء المسرودة في الحديث الذي رواه الترمذي لا تصح عن النبي ﷺ، لأنه ذُكِر فيها من أسماء الله المنتقم، وهذا لا يصح، وحُذف من أسماء الله ما ثبتت به الأحاديث فلم يذكر فيها مثل: الشافي، والرب، الرب أيضًا حُذف منها، فالمهم أن الله قال: ذُو انْتِقَامٍولم يقل: ذو الانتقام، ولم يصف نفسه بالمنتقم إلا مقيدًا.* طالب: قوله: مَا بَيْنَ يَدَيْهِما يشمل ما يتقدم، يعني: الذي أمامه والذي خلفه؟ يعني: إذا أخبر القرآن بخبر ثم وقع هذا الخبر يكون القرآن مصدقًّا لهذا الخبر؟* الشيخ: بس المراد: بما يديه من الكتاب، كما قال تعالى في سورة المائدة: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة: ٤٨]، ولا كتاب بعده.* الطالب: (...) أشياء وقعت؟* الشيخ: إي صحيح، لكن ما هو مصدق لما بين يديه؛ لأنه كيف يصدق ما بين يديه؟ يعني في المستقبل، التصديق عن شيء مضى، لو قال: صادقًا فيما بين يديه صح، أن يخبر بصدق لما يُستقبل، فآية المائدة تقيد هذا، وأيضًا المعنى ما يستقيم.* طالب: شيخ أحسن الله إليكم، الفرق بين الكفر والشرك؟* الشيخ: الفرق بينهما أن نقول: كل شرك كفر، وليس كل كفر شركًا.* الطالب: كل شرك كفر؟* الشيخ: نعم، وليس كل كفر شركًا، نعم.* الطالب: (...).* الشيخ: الذي يعبد الصنم مشرك وهو كافر أيضًا، والذي يجحد ما يجب الإيمان به كافر وليس بمشرك.* طالب: شيخ مِنْ قَبْلُأتينا بالإعراب ولم نأت بالتفسير.* الشيخ: ولم يأت؟* الطالب: التفسير.* الشيخ: القبل كل ما تقدم فهو قبل.* الطالب: من قبل هذا الكتاب.* الشيخ: مِنْ قَبْلُ: من قبل هذا الكتاب، بالنسبة للآية هذه: من قبل هذا الكتاب.* طالب: (...) ذكرنا فيه اسم موسى وعيسى أنهما اسمان أعجميان وإذا ذُكرا في القرآن فهما عربيان.* الشيخ: مُعَرَّبان.* الطالب: معربان نعم، التوراة والإنجيل.* الشيخ: التوراة والإنجيل.* الطالب: موسى وعيسى؟* الشيخ: لا، موسى وعيسى اسمان أعجميان.* الطالب: إي نعم، وإذا ذُكِرا في القرآن؟* الشيخ: فهما معربان، كل اسم أعجمي إذا ذكر في القرآن (...)* الطالب: لكن ما ذكره أهل الأصول في بحث هل في القرآن لفظ غير عربي مثلوا ذلك بإستبرق، وغيرها من الأمور.* الشيخ: يعني: في الأصل، فهو معرَّب وليس أصله عربيًّا؛ لأنك لو تقول: إنه عجمي حتى بعد نزول القرآن به ما صار القرآن بلسان عربي.* الطالب: لكن هل يضره وجود كلمة غير عربية؟* الشيخ: وهل يضر أن نقول: إن العرب لما عرَّبوها ونطقوا بها وأجروها على ألسنتهم صارت عربية بالتعريب؟ * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٥ - ٧].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الظاهر أننا لم نناقش ولم نأخذ فوائد.قال الله تبارك وتعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَلماذا قال في القرآن: نَزَّلَ، وفي التوراة والإنجيل: أَنْزَلَ؟* طالب: لأن القرآن نزل بالتدريج، ما نزل جملة واحدة؛ لذلك قال في القرآن: نَزَّلَ، وقال في الإنجيل والتوراة: أَنْزَلَ؛ لأن الإنجيل والتوراة نزلتا جملة واحدة.* الشيخ: أحسنت.قوله: بِالْحَقِّ؟ معنى بالحق؟* طالب: معنى بالحق أي: نزّله، ما أدري.* طالب: إن الباء لها معنيين، تحتمل وجهين: أولًا: تحتمل الاشتمال، أي: أن النزول كان بالحق ولم يكن بالباطل.* الشيخ: يعني: أن ما جاء به فهو حق، صِدق في الأخبار وعدل في الأحكام.* الطالب: والوجه الآخر: أن نفس النزول نزولًا كان بالحق.* الشيخ: كان حقًّا ولم يكن كذبًا، كذا؟ صح، يعني: هو حق نازل من عند الله، وما جاء به واشتمل عليه فهو حق أيضًا.قوله: هُدًى لِلنَّاسِوأيش إعراب هُدًى؟* طالب: (...).* الشيخ: أي لأجل هداية الناس.قوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، ما المراد بها؟* طالب: الفرقثان هو ما يفرق به بين الحق والباطل.* الشيخ: لكن المراد به القرآن أو غيره؟* الطالب: جميع الكتب.* الشيخ: كل الكتب، إذن فالفرقان هنا وصف وليس شخصًا عينًا، نعم.قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، ما مناسبتها لما قبلها؟* طالب: بعدما ذكر الفرقان، والفرقان يميز به الباطل والحق وبين الكفر والإيمان، ثم فصل الذين كفروا والذين آمنوا.* الشيخ: يعني: لما ذكر أن هذه الكتب هدًى وفرقان ذكر انقسام الناس إلى كفر وإيمان، فذكر حكم الكافرين.قوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، العزيز؟* طالب: العزيز الغالب.* الشيخ: فقط؟* الطالب: (...)* الشيخ: العزيز ذو العزة، والعزة؟* الطالب: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.* الشيخ: نعم، معنى عزة القدر؟* طالب: (...) قدرة؟* الشيخ: أو ما معنى القدر، عزة القدر؟* الطالب: ذو قدر عظيم.* الشيخ: يعني: ذو قدر عظيم، والقدر يعني: الشرف والسؤدد وما أشبه ذلك.عزة القهر؟* طالب: أنه سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده.* الشيخ: قاهر لا يغلب، بل هو الغالب.الثالثة: عزة الامتناع؟* طالب: أنه يمتنع عليه كل وصف لا يليق بجلاله.* الشيخ: أنه يمتنع عليه كل عيب ونقص.قوله: ذُو انْتِقَامٍمعناها؟* طالب: (...)* الشيخ: نعم؟* طالب: أي صاحب انتقام.* الشيخ: أي صاحب انتقام، هل هذا يدل على أن الانتقام لله وصف مطلق؟* طالب: لا، وإنما مقيد.* الشيخ: أنه ذو انتقام في محله؛ ولهذا جاءت نكرة، قال: ذُو انْتِقَامٍ.انتقام ممن؟* الطالب: من المجرمين.* الشيخ: من المجرمين، أحسنت. نرجع الآن إلى الفوائد.* من فوائد الآيات الكريمة السابقة، أولًا: إثبات ألوهية الله عز وجل؛ لقوله: اللَّهُ، والثاني: انفراده بهذه الألوهية في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم ، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال، كذا؟* ومن فوائد الآية: إثبات حياته وقيوميته، من أين تؤخذ؟* طالب: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.* الشيخ: بس هذه الحي القيوم، ونحن قلنا: إثبات حياته وقيوميته؟* الطالب: الحي معرف عامة.* الشيخ: كل اسم فإنه متضمن للصفة، كذا؟ وقد يتضمن أمرًا زائدًا وهو الحكم الذي يسمى الأثر، أليس كذلك؟* من فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مفتقِر إلى الله، وأن الله غني عما سواه، وجه ذلك: لأن كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: ٢٥]، وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ.أما الآية التي بعدها فمن فوائدها: إثبات علو الله؛ لقوله: نَزَّلَوأَنْزَلَ، والنزول لا يكون إلا من أعلى.* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم منزَّل؛ لقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ، وهل كونه منزَّلًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؟ لا، مجرد كونه منزَّلًا لا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الله قد ينزِّل المخلوق، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق: ٩]، والماء مخلوق، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد: ١٧]، والماء مخلوق، لكن بالنظر لكون القرآن كلامًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة، إذن فيؤخذ كون القرآن غير مخلوق أنه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف.ومن فوائد الآية الكريمة: فضل رسول الله ﷺ وميزته؛ لقوله: عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.ولكن قد يرِد علينا: أن الله سبحانه وتعالى قد يضيف الإنزال إلى الناس، كما قال تعالى في سورة آل عمران: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٨٤]، وفي آية البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة: ١٣٦]، فالجواب أن نقول: هو أُنزِل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة، بواسطة الرسول ﷺ، هو الذي بلّغه إلينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع.ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ مشتمل على الحق؛ لقوله: بِالْحَقِّ، فقد جاء بالحق ونزل به، قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥].فما نوع الحق الذي نزل به القرآن؟ نقول: ما في القرآن إما أخبار وإما أحكام، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، إذن نقول: القرآن كل ما فيه من الأخبار فهو صدق، وكل ما فيه من الأحكام فهو عدل.هل يشمل ذلك: أن هذه الأخبار وهذه الأحكام نافعة مُصلِحة للخلق؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، وقال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]، فكل ما فيه من الخبر فهو نافع، وكل ما فيه من حكم فهو أيضًا نافع متضمن للمصالح ودفع المفاسد.* ومن فوائد الآية الكريمة : أن القرآن نفسه حق، من أين يؤخذ؟ من قوله: بِالْحَقِّ، يعني: أنه نزل نزولًا بحق ليس نزولًا كذبًا باطلًا.* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القرآن؛ لوصفه بالحق نزولًا وتضمنًا؛ ولوصفه بالتصديق لما بين يديه، أنه مصدق لما بين يديه من كل الكتب؛ لقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هذا القرآن قد أخبرت عنه الكتب السابقة، من قوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لأنه أحد الوجهين في كلمة مصدق.* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بما يخالف الظاهر إذا دل عليه السياق، في قوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ إذ قد يقول قائل: ليس للقرآن يد، فكيف يصح أن يقول: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؟ نقول: صحيح أن القرآن ليس له يد، ونحن لا نقول: إن لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأن القرآن له أيدي، أو له يدان، وأنه صدّق ما بين يديه، لكن نقول: إن الكلمة إذا دلت على معناها في سياقها وإن كان يخالف أصل الوضع، وقد سبق أن المراد لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ: ما سبقه، ما سبقه من الكتب.* من فوائد الآية الكريمة: أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق؛ لقوله: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن التوراة والإنجيل قد نُسِخا بالقرآن، (...) هل يمكن أن نقول: مِنْ قَبْلُتشير إلى أن هذين الكتابين قد مضى عهدهما وانقضى؟ على كل حال في المسألة ثقل، أو في الاستدلال بهذا على ما قلناه ثقل، يعني: أننا لا نجزم بذلك، لكن لنا دليل من غير هذه الآية، وهو ما في سورة المائدة، حيث قال الله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨].* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، وعنايته بهم، حيث كان ينزل الكتب على رسله هدًى للناس، أليس كذلك؟* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله تعالى في أحكامه الشرعية كما تثبت في أحكامه الكونية؛ لقوله: هُدًى لِلنَّاسِ؛ لأننا ذكرنا أن هُدًىهذه مفعول لأجله، أي: من أجل ذلك، ففيها إثبات الحكمة لله، وهو كذلك، ومن أسماء الله تعالى: الحكيم، وهو ذو الحكمة، والحكمة هي إصابة الصواب، وإن شئت فقل: وضع الشيء في موضعه، وإن شئت فقل: إتقان الشيء وإحكامه، والتعبيرات كلها تنصب إلى أن فعل الله عز وجل، أو إلى أن حكم الله الكوني والشرعي كله مشتمل الحكمة.فإن قال قائل: إذا أثبت لله حكمة ووقع من أفعال الله أو من شرع الله ما لا نعلم له حكمة، أو ما نظن أن الحكمة في خلافه، فما هو الجواب؟ فالجواب: أننا إذا ظننا أن هذا ليس له حكمة، فليس ذلك إلا لقصور فهمنا، عجزنا عن إدراك الحكمة، وإذا ظننا أنه على خلاف الحكمة، فما ذاك إلا لسوء فهمنا، فالذي يظن أنه ليس له حكمة قاصر الفهم، والذي يظن أنه على خلاف الحكمة سيئ الفهم، أما سليم الفهم والذي يعطيه الله تعالى فهمًا، فستتبين له الحكمة، ومع ذلك لا يمكن أن ندرك كل وجوه الحكمة، أبدًا؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تدرَك غايتها، والإنسان بشر ناقص، وكم من أشياء أو كم من أحكام شرعية تظن أن حكمتها كذا وكذا، ثم يتبين لك أن لها حكمًا أخرى، أو ربما يتبين لك أنه ليس هذه هي الحكمة، بل الحكمة شيء آخر، إنما يجب عليك أن تؤمن بأنه ما من حكم لله كوني أو شرعي إلا وله حكمة.فإن قلت: يلزم على قولك هذا أن تذهب مذهب المعتزلة في وجوب الصلاح أو وجوب الأصلح، يعني: إذا تعارض فعلان أحدهما أصلح من الآخر، فهل يجب على الله أن يفعل الأصلح؟ إن قلت: لا، منعت الحكمة، وإن قلت: نعم، ففيه إشكال.فيقال: أولًا: قد تظن أن هذا هو الأصلح وليس الأصلح، ولنضرب لهذا مثلًا: نحن نظن أن الأصلح نزول الغيث، وخصب الأرض، أليس كذلك؟ فإذا امتنع المطر وأجدبت الأرض، فقد يكون هذا هو المصلحة، أليس كذلك؟ ونحن لا نفهم، إذن لا يمكن أن نقول: يجب على الله كذا؛ لأنه الأصلح، إذ قد يكون ما قلنا: إنه الأصلح، هو الأفسد، أليس هكذا؟ثانيًا: إذا تحققنا أنه الأصلح، فإنه يجب بمقتضى الحكمة لا بمقتضى العقل، فنحن لا نوجب على الله بعقولنا، والعقل لا يوجب على الله شيئًا؛ لأنه مخلوق ناقص، فلا يوجب على الكامل الأزلي الأبدي شيئًا، فإذا وجب فعل الأصلح، فإنما الذي أوجبه على نفسه، مَن؟ الله، قال الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، كتب عليه هو الذي أوجب، وقال: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢]، فأوجب على نفسه أن يهدي الناس ويدلهم، كذا؟ إذن نحن نقول: إذا ثبت أن هذا هو الأصلح، فقد وجب على الله بمقتضى حكمته وإيجابه على نفسه لا بمقتضى عقولنا وإيجابنا عليه، وبهذا ننفك عن قول المعتزلة الذين يرون أن العقل هو الذي يوجب الشيء، أو الذي يمنع الشيء، أو الذي يقبِّح الشيء، أو الذي يحسِّن الشيء، واضح؟من ذلك مثلًا: البيان للخلق، بيان الشرائع للخلق وما يجب عليهم نحو ربهم، وما يجب عليهم نحو عباد الله، هذا واجب على الله ولَّا لا؟ نعم واجب على الله بمقتضى الحكمة، إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، عَلَيْنَاوعلى تفيد أيش؟ تفيد الوجوب.* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هداية القرآن نوعان: عامة، وخاصة، فالعامة مثل هذه الآية: هُدًى لِلنَّاسِ، والخاصة مثل قوله: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، فما هو الفرق؟ الفرق: أن الهداية التي بمعنى الدلالة عامة، والهداية التي بمعنى التوفيق والاهتداء هذه خاصة، خاصة بالمتقين، فالهداية التي تتضمن الاهتداء هذه للمتقين، وأما التي تتضمن البيان والإيضاح فهذه للناس عامة؛ لقول الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب كلها فرقان، تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المؤمن والكافر، وبين الضار والنافع، كل ما يمكن أن يكون فيه الفرق، فإن الكتب تفرقه.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يمتنع أن تجمع الكتب السماوية بين متفرقين، أو أن تفرق بين متماثلين أبدًا؛ لأن الفرقان هو الذي يفرق بين شيئين مختلفين، أما شيئان لا يختلفان فلا تفريق بينهما.ومن هنا يمكن أن نأخذ –يعني: يتفرع على هذه الفائدة- إثبات القياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، فهو جمع بين متماثلين، وعدم الأخذ بالقياس تفريق بين متماثلين، والكتب السماوية كلها فرقان.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما اهتدى الإنسان للفروق كان أعظم اهتداء بالكتب المنزلة من الله، كذا؟ كلما اهتدى للفروق كان أعظم اهتداء للكتب المنزلة من السماء؛ لأن الكتب كلها فرقان، فمثلًا: إذا كان الإنسان يفرق بين الشرك الأصغر والأكبر، وبين النفاق الاعتقادي والعملي، وبين الكفر الأكبر والأصغر، وبين أشياء الحلال والحرام، كان أشد اهتداء بالكتب، ممن؟ ممن لا يفرق، أليس كذلك؟ربما يؤخذ من هذا أيضًا الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بمعرفة الفروق، بمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقهكما يؤخذ من هذا أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء لمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا شيء، أو هذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقه، مثلًا يقول: أنا أذكر الفروق بين البيع والإجارة، بين الإجارة والجِعالة، بين الرهن والضمان، بين الضمان والكفالة، بين الفرض والتطوع، وهذه من فنون العلم الشريفة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، كذلك في العقائد والتوحيد يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر؛ رجل حلف بغير الله نقول: هو مشرك، ورجل عبد صنمًا نقول: هو مشرك، لكن بينهما فرق عظيم، العابد للصنم شركه أكبر، والحالف بغير الله شركه أصغر، إلا أن ينضاف إلى حلفه بغير الله جعله المحلوف عليه كالله تعالى في التعظيم، فحينئذٍ يكون شركًا أكبر لا من حيث القسم، ولكن من حيث إنه جعل رتبة المحلوف به كرتبة الخالق. * من فوائد الآية الكريمة: بيان عقوبة الكفار، وهو العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر يستلزم التحذير من الكفر، فيكون في هذا فائدة متفرعة عن الأولى: التحذير من الكفر، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل؛ لأنه إذا ذُكر عقوبة الضد فإن ضده يثبت له ضد تلك العقوبة، ولهذا لما قال رسول الله ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» »[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. وقد يكون هذا من جملة الفرقان الذي يحصل، حيث نفرق بين الكفار وبين المؤمنين، فكما اختلفوا وتفرقوا في أعمالهم فإنه يلزم أن يفترقوا في ثواب تلك الأعمال. * طالب: يا شيخ، مثلًا الأشياء التعبدية؟ يعني (...) نعلم أن الله له فيها حكمة، ولكن نحن ما ندري ما الحكمة. * الشيخ: إي نعم، هذا لقصور أفهامنا، يعني مثلًا كون الصلاة أربعًا، وأربعًا، وثلاثًا، وثنتين، لم تكن ستًّا أو ثمانيًا أو ما أشبه، ذلك صحيح، هذه العقل ما له فيه مجال، ولا يمكن، لكن لا نقول: إنه ليس فيه حكمة، لا بد من حكمة لكن غير معلومة لنا. * الطالب: إيه، لكن كل من وُفّق يعني يعلم الحكم، ولكن كثير من العلماء ومن الناس ما يعرف حكمة هذه؛ لأنها تعبدية. * الشيخ: نادر، يعني نادر الأشياء اللي ما تبلغه عقول كل الناس، هذا نادر. * الطالب: مثلًا الوضوء ومسح الرأس ما نعلم له حِكمة؟ * الشيخ: لا، نعلم له حكمة، كيف؟! له حِكمة ظاهرة. * الطالب: وأيش الحكمة؟ * الشيخ: لأن غسل الرأس يُؤذي. * الطالب: لا، المسح. * الشيخ: أقول: لأن غسل الرأس يؤذي، لو غسل الإنسان رأسه وفيه الشعر، ولا سيما في أيام الشتاء يتأذى كثيرًا، ثم لو غسل أيضًا، الرأس عالٍ على كل شيء بيتناثر الماء على كل بدنه وثيابه. * الطالب: ما يستفيد يعني؟ * الشيخ: من اللي ما يستفيد؟ * الطالب: ها الإنسان. * الشيخ: المسح؟ * الطالب: من المسح. * الشيخ: لا، يستفيد تعبد لله. * الطالب: إيه، صح، تعبُّد. * الشيخ: إذن هو تطهير، وليس الغرض أيضًا من الوضوء مجرد التطهير الحسي؛ لأنك تغسل يديك مثلًا بعد الطعام غسلًا بالصابون، ثم إذا أردت تتوضأ تغسلها ثلاثًا مع أنك الآن غسلتها. * طالب: شيخ، أنزل القرآن أحيانًا يأتي التعبير مثلًا بـ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [البقرة ٩٩]، وأحيانًا يعني ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ [النحل ٦٤] يعني: أنزل ونزَّل، إليك وعليك، ما الفرق؟ * الشيخ: إيه، هو للتنوع مثلًا: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء ١٠٥]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ باعتبار آخر نزول؛ يعني نزوله جملة، أنزله كله؛ يعني إن كان هذا آخر ما نزل فواضح أنه تم القرآن كله، إذا كان ما هو آخر ما نزل فباعتبار أنه سيكمُل؛ لأنه إذا كمل كله صار كأنه نازل جملة واحدة؛ لأن جملة الآن كلها نزلت، وأما ﴿إِلَيْكَ﴾ فهي تفيد الغاية، يعني أن نهاية الإنزال إلى الرسول، وأما ﴿عَلَيْكَ﴾ فهي تفيد العلو والاستقرار، ولهذا قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] وهي أبلغ من إليك؛ لأنها إذا وصلت حتى استقرت في القلب صارت أبلغ. * طالب: أقول: المسلم الذي لا يمكنه، يعني ما وصل عِلمه إلى أن يفرق بين الحكمة من حِكم رب العالمين، أليس الأحوط له أن يؤمن بأن كل ما فعله رب العالمين فهو -يعني- حكمة؟ * الشيخ: هذا واجب، أن نؤمن بأن كل ما فعله -يعني- أو شرعه فهو لحكمة، لكن أحيانًا نفهمها وأحيانًا ما نفهمها، والمؤمن هو الذي يُسلِّم للأحكام الشرعية سواء علم الحكمة أم لا، أما الذي لا يؤمن إلا إذا علم الحكمة معناه ما آمن إلا بعقله، لم يؤمن بالشرع. * طالب: يا شيخ، الحلف بغير الله، واحد حلف بغير الله بسبق اللسان يكون شرك أصغر؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: واحد حلف بغير الله، لكن بسبق اللسان ما قصده، تعود؟ * الشيخ: لا، ليس عليه شيء ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]، و﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، ولكن يجب أن يُنزّه لسانه عن القول المحرم، لما يبتغي يبتدئ يقول: والنبي، وقال له: لا تحلف بالنبي فإنه شرك. فيقول: والنبي لا أحلف بالنبي، هذا ما هو صحيح. * طالب: شيخ، هل التوراة والإنجيل من كلام الله؟ * الشيخ: المعروف عند السلف أنها من كلام الله، لكن ما أذكر حتى الآن وصفهما بأنهما من كتاب الله، إنما وصفهما الله بأنها منزَّلة، وأنها كتب، أما كلام الله في هذا ما فيه إلا القرآن هو اللي صريح. * الطالب: شيخ، بالنسبة لبعض الشباب، بالنسبة للحديث، يبحث عن حكمة لها فلا يجد، ولا أحد من السلف ما تكلم في حكمة فيها، فيقول: أنا لا أعمل بها؛ لأنه لا يوجد فيها حكمة. * الشيخ: أعوذ بالله. * الطالب: ماذا يعني؟ * الشيخ: هذا لا يجوز، هذا يُخشى أن يكون كافرًا، إذا كان لا يؤمن إلا بما اختاره عقله فهو لم يؤمن بالشرع. * الطالب: لا، يقول: يعني حتى السلف العلماء والأئمة لم يجدوا لها حكمة. * الشيخ: ما هو لازم أن يجدوا لها حكمة، الله عز وجل يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] والإنسان يجب أن يتعبد لله، ما هو لنفسه. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قولكم: إنه اختلف السلف في التوراة والإنجيل، هل هي كلام الله أوْ لا، أقول: ألا يلزم شخص؟ * الشيخ: لا، ما قلت السلف. * الطالب: يعني مذهب السلف. * الشيخ: قلت: إن السلف قالوا: إنها كلام الله غير مخلوق. * الطالب: نعم، جزاك الله خيرًا، لكن أقول: يا شيخ، ألا يلزم من كونها مُنزَّلة أن تكون من كلام الله؟ * الشيخ: الله أعلم؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] وجاء في الحديث: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ[[أخرجه عبد الله في السنة (٥٧٦) عن زيد بن أسلم موقوف عليه، وفي صحيح مسلم (٢٦٥٢ / ١٥): «فَبِكَم وجَدْتَ الله كَتَبَ التَّوَراةَ قبلَ أنْ أخْلقَ؟». في حِجَاج آدم وموسى من حديث أبي هريرة.]]. فأنا أتوقف في هذا، لكن السلف كلامهم واضح، يقولون: إن التوراة والإنجيل من كلام الله، والزبور، لكن لا شك أنها منزلة من الله، هذا يجب الإيمان به، يكفي نؤمن بأنها نازلة من الله. * * * * طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٥ - ٧]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ٤] سبق لنا أن العزة ثلاثة أقسام، فيستفاد من هذه الآية الكريمة إثبات اسم من أسماء الله فهو العزيز بالمعاني الثلاثة السابقة. * ومن فوائد الآية: أن الله تعالى موصوف بالانتقام؛ لقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، ولكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢]، ولهذا لم يرد من أسماء الله المنتقم على سبيل الإطلاق، وإنما الذي ورد مقيدًا ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، أو ورد صفة منكَّرة، مثل: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، أي صاحب انتقام، وهذا لا يؤدي إلى، أو لا يدل على الوصف المطلق أنه موصوف بالمنتقِم؛ لأن الانتقام يكون مدحًا في موضعه، وأما في غير موضعه فلا يكون مدحًا، فإذا كان الانتقام تقتضيه الحكمة صار ممدوحًا وإلا فلا. طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء ١، ٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. هذه السورة هي سورة النساء وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان. وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير، من ذلك أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القصر والقوة، قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به.

آل عمران 3:5

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. هذه الجملة -كما نرى- خبرية مؤكدة بـ (إن)، وخبرها منفي ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، والخفاء ضد الظهور، وفيها (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ متعلقة بـ﴿يَخْفَى﴾؛ يعني ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ لا في هذا، ولا في هذا، والمراد بالأرض والسماء: الجنس، فيشمل الأرَضين والسماوات جميعًا، في هذه الآية الكريمة يُخبر الله عز وجل بأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهي صفة سلبية المراد بها بيان كمال علمه؛ لأن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي كما مر علينا في العقيدة، وإنما يراد بها بيان كمال ضد ذلك المنفي، فإذا قال: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ لماذا؟ لكمال علمه لا يخفى عليه شيء، فالله عز وجل كامل العلم ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، والغرض من هذه الجملة تربية الإنسان نفسه في امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وأنك لا تظن أن عملك يخفى على ال له، بل هو معلوم له، فعليك أن تقوم بطاعته وتجتنب معصيته، لا تقل: أنا في بيتي، أنا في حجرة، أنا في غرفة لا يطلع عليَّ أحد؛ لأن الله مطلع عليك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الله، وكيف ذلك؟ خوفًا من أن يعلم بك بمخالفتك إياه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدَرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء الذي يفعله العبد إلا بعد وقوعه، وهؤلاء غُلاتهم كما سبق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى عالم بالكليات والجزئيات، مأخوذ من قوله: ﴿شَيْءٌ﴾ النكرة في سياق النفي، فيعُم كل شيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأرض والسماء، وهذا أمر معلوم، لكن إذا قال قائل: وما سوى الأرض والسماء هل يخفى على الله؟ الجواب: لا، لكنه خص الأرض والسماء؛ لأنه هو المشهود لنا، فنحن لا نشهد إلا الأرض والسماء، وما عدا ذلك لا نعلمه إلا عن طريق الغيب، فذكر الأرض والسماء، هل يمكن أن نقول: إن من فوائد الآية أن صفات الله عز وجل إما منفية وإما مثبتة؟ الجواب: نعم، وهذا قد سبق لنا تقسيمه في التوحيد، وقلنا: إن صفات الله عز وجل إما مثبتة وإما منفية، فالمثبتة يسمونها ثبوتية والمنفية يسمونها سلبية. وقلنا: إن السلبية متضمنة للثبوت لا بد، ولكنه ينفى نقص ذلك الثابت، فلكمال علمه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

آل عمران 3:6

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾، وهذا من جملة معلوماته التي تخفى على كثير من الناس وهي معلومة له، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ أي: يجعلكم على صورة معينة يختارها ويريدها، وقوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ الأرحام جمع (رَحِم)، وهو وعاء الجنين في بطن أمه، وقد بين الله تعالى في آية ثانية أن الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث؛ وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة؛ المشيمة يعني الوعاء المائي الذي يكون فيه الجنين، ويسمى عند العامة (القمقم). وقوله: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ هذه حال من فاعل ﴿يَشَاءُ﴾ يعني أنه يصورنا على أي كيفية شاء، وأما قوله: ﴿فِي الْأَرْحَامِ﴾ فهي حال من الضمير من الكاف ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ يعني: حال كونكم في الأرحام. وقوله: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يعني لا خيار لنا في اختيار صورة معينة للجنين الذي في البطن. ثم قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه الجملة الخبرية منفية مثبَتة فيها الحصر الذي طريقه النفي والإثبات، والإله بمعنى (مَأْلُوه). وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ الضمير (هو) بدل من الخبر المحذوف؛ أي: لا إله حق إلا هو، وليس اسمًا من أسماء الله كما تقوله الصوفية الذين يدعون أن (هو) اسم من أسماء الله، ويدعون الله به، فيقولون: (هو، هو، هو)، وهذا من شطحاتهم. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز سبق لنا قريبًا معناه، وأنه ذو العزة الكاملة، وأن عزة الله عز وجل ثلاثة أقسام: عزة القدر، والقهر، والامتناع. و﴿الْحَكِيمُ﴾ فعيل بمعنى (مُفْعِل)، وفعيل بمعنى (فاعِل)، أما فعيل بمعنى فاعل فهي كثير في اللغة العربية مثل: قدير بمعنى قادِر، سميع بمعنى سامِع، وأما سميع بمعنى مُسمِع؛ فهي واردة في اللغة العربية، قال الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِــــــي وَأَصْحَابِـــــــيهُجُــــــــوعُ أمن ريحانة الداعي السميع، السميع بمعنى (المسمِع) الذي يسمعني، يؤرقني وأصحابي هجوع، فتكون حكيم هنا بمعنى (مُحكِم) وبمعنى (حاكِم)، فالله عز وجل حاكِم مُحكِم لما حكم، الحاكِم ينقسم حكمه إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي، فالحكم الكوني ما قضاه الله على عباده كونًا، وهذا يخضع له كل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر، ولا يستطيع أحد أن يتهرب منه أبدًا، والحكم الشرعي ما قضاه الله على عباده شرعًا، وهذا هو الذي اختلف فيه الناس، فمنهم كافر ومنهم مؤمن، منهم من خضع لهذا الحكم الشرعي، وقام بما يجب عليه نحوه، ومنهم من استكبر عنه وكذب به ولم يرفع به رأسًا، واضح؟ ماذا قلنا؟ * طالب: (...) للناس. * الشيخ: لا، أولًا: الحكم؟ * الطالب: الحكم معناه التأبيد. * الشيخ: الحكم؟ * الطالب: معناه (...) الحاكم. * الشيخ: الحكم ذكرنا أنه قسمان. * الطالب: الحاكم (...) معناه المحكم. * الشيخ: لا لا يا أخي، لا يا أخي. * طالب: حكم شرعي ما يقضي به بين عباده. * الشيخ: حكم شرعي والثاني؟ * الطالب: حكم كوني. * الشيخ: حكم كوني، طيب، عرفت؟ يلّا، الحكم الشرعي ما هو؟ * طالب: الحكم الشرعي: هو أحكام الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ما قضاه على عباده شرعًا، والكوني؟ * الطالب: الكوني: ما قضاه سبحانه وتعالى على عباده كلهم المؤمن والكافر. * الشيخ: الحكم الكوني كل أحد يرضخ له، ولا يستطيع أحد أن يهرب منه، والشرعي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، ينقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم قابل لهذا الحكم قائم به، وقسم غير قابل ولا قائم به، واضح؟ قلنا: إنه من (حاكِم) ومن (مُحكِم)، بمعنى (متقِن)، وهنا يكون بمعنى (ذي الحكمة)، أي: متقن لكل ما حكم به، فكل ما حكم الله به من حكم كوني أو شرعي فهو على أتم وجه وأتقنه وأحسنه ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٣ - ٤]. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، هذا الحكم الشرعي أو الكوني محكَم، متقَن ليس فيه خلل ولا نقص، ثم هو أيضًا محكَم في صفته وصورته التي هو عليها، ومتقَن في غايته المرادة منه، فالحكمة قد تكون صورية؛ أي على صورة معينة موافقة للحكمة، وقد تكون غائية أي: الغاية منها هي المصلحة والمنفعة ودفع المضار وما أشبه ذلك، المهم أن تكون غاية محمودة، فالحكمة إذن في الحكم الكوني، وفي الحكم الشرعي؛ وهي إما صورية بأن يكون الشيء على صورة مُطابقة للحكمة، أو غائية بأن يكون الغرض منها، والغاية منها غاية حميدة، واضح؟ كل هذا داخل في قولنا: (محكِم)، فمثلًا إذا نظرنا إلى الشرع، وإذا جميع المشروعات على صورة مطابِقة للحكمة كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ثم الغرض منها أيضًا موافِق للحكمة، الغرض منها إصلاح القلوب، وإصلاح الأعمال، وإصلاح الفرد، وإصلاح المجتمع، فكلها غاية حميدة، كل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿الْحَكِيم﴾. * في هذه الآية عدة فوائد: * أولًا: بيان قدرة الله عز وجل حيث كان يصور المخلوقات في الأرحام ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾. * وثانيًا: * من فوائد الآية أيضًا: أن الصور يكون تصويرها بأمر الله، بإذنه، كيف يشاء، هذا أبيض، وهذا أسود، وهذا جميل، وهذا قبيح، وهذا طويل، وهذا قصير، وهذا غليظ، وهذا دقيق، وهكذا، بل ممكن أن نقول: إنه يشمل: وهذا ذكر وهذا أنثى؛ لأن صورة الذكر تختلف عن صورة الأنثى. * من فوائد الآية الكريمة: بيان رحمة الله عز وجل حيث يتولى شؤون الجنين ويصوره، لا يخرج غير مُصور، لو شاء الله لخرج الجنين غير مُصوَّر، ثم صار يُصوّر شيئًا فشيئًا كما ينمو عقله، ولكن من حكمة الله ورحمته أنه لا يخرج إلا على الصورة التي أرادها الله عز وجل، إلا على الصورة التي أرادها الله، فإذا قال قائل: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ * يستفاد منها: أن هذا التصوير لا يرجع إلى فعل العبد، وإنما يرجع إلى مشيئة الله عز وجل، وهو كذلك، ولكن هذا لا ينافي أن تكون الصورة قريبة من صورة الأب، أو من صورة الأم، أو الجد، أو الجدة؛ يعني أن يكون هذا الجنين قد نزعه عرق من آبائه، وأمهاته، وأقاربه، هذا لا يمنع؛ لأن الله عز وجل قد جعل لكل شيء سببًا، ويدل لهذا قصة الرجل الذي جاء إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ -وكان الرجل وزوجته أبيضين، فكأنه يُعرِّض بزوجته؛ وأيش اللي جاب الأسود لها- فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. «قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟». قَال: حُمْرٌ. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» -الأورق: الفضي اللي بين البياض والسواد- قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَنَّى لَهَا ذَلِكَ؟». قال: لَعَله نَزَعَهُ عِرْقٌ. فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَابْنُكَ هَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» »[[متفق عليه أخرجه البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠ / ١٨) من حديث أبي هريرة.]]. فاقتنع الرجل؛ لأن هذا قياس جلي واضح، المهم الشاهد من هذا قوله: «لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ». فيستفاد من ذلك أن هذه الكيفية التي يريد الله عز وجل في الأرحام لا يمنع أن يكون نزعها عرق من آبائه، أو أمهاته، أو أجداده، أو جداته. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة؛ لقوله: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وقد سبق لنا أن المشيئة إذا أُطلقت فهي مقرونة بالحكمة، فما من شيء يشاء الله إلا لحكمة. فإن قال قائل: هل في الآية دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يعمل عملية تجميل؛ لقوله: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ حيث جعل التصوير راجعًا إلى مشيئته وحده؟ * الطلبة: قد يقال. * الشيخ: قد وقد، يعني قد يقال، وقد لا يقال، قد لا يقال؛ لأن الله تعالى أخبر في آيات كثيرة بأنه يبسط الرزق لمن يشاء، يقبض ويبسط، ولَّا لا؟ يقدر ويبسط، يعني يقدر يُضيق، وهل نقول: إن الإنسان ممنوع من أن يفعل الأسباب التي يكون بها بسط الرزق؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأن البسط راجع إلى مشيئة الله؟ لا، لا نقول، ولكن نقول: إن هناك فرقًا بين مسألة بسط الرزق وطلب البسط، وبين هذه المسألة؛ لأن النصوص وردت بمنع التجميل، فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ لَعَنَ النَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ[[متفق عليه أخرجه البخاري (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥ / ١٢٠) من حديث عبد الله بن مسعود دون قوله: «وَالواشِرَة وَالْمُسْتَوشِرَة»، وعزاه صاحب كنز العمال بهذه الزيادة إلى ابن جرير.]]. وهذا يدل على أن الإنسان ممنوع من التجميل الذي يكون دائمًا، أما التجميل الطارئ كتجمل المرأة بالحناء وشبهه هذا لا بأس به. فإذا قال قائل: هل في الآية ما يدل على منع رقْع العيوب وإزالة العيوب؛ لقوله ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾؟ * طالب: (...) ليس (...). * الشيخ: إذا خرج هذا الصبي له ستة أصابع في كل يد فهل يجوز أن نقطع الإصبع الزائد؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: الأخ (...) يقول: لا. من اللي صوره؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله، إذن ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ دع هذا لمشيئة الله. * طالب: (...). * الشيخ: يقال: إن هذا ليس من باب التجميل، قطع هذا الإصبع ما هو من باب التجميل، لكن من باب إزالة العيب. * طالب: التحسين والتجميل. * الشيخ: التحسين والتجميل واحد يا شيخ، وإزالة العيب جاءت السنة بجوازها، «فَإن الرجل الذي أُصيب أنفُه وقُطِع أَذِنَ له الرسولُ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ» -يعني من فضة- «فَأَنْتَنَتْ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٢٣٢)، والترمذي في جامعه (١٧٧٠) من حديث عرفجة بن أسعد.]]. لئلا يبقى أنفه مقطوعًا فيه تشوه، فهذا يدل على أن إزالة العيب ليست كجلب الجَمال، التجميل لا يجوز، والعيب تجوز إزالته؛ لأنه خلاف الأصل، وبناءً على ذلك نقول: يجوز قطع الأصبع الزائدة، ولكن بعض أهل العلم صرح بالتحريم، وقال: إنه يحرم، إلا أنهم علَّلوا ذلك بأنه يُخشى على من قطعت أصبعه أن يموت بنزيف الدم، وهذه العلة في زمننا الحاضر منتفية، وعلى هذا فيجوز قطع الأصبع الزائدة. لو فرض أن هناك لحمة زائدة في الأذن، أو في الرأس، أو في الرقبة أتجوز إزالتها؟ نعم، نقول: تجوز كالأصبع. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات انفراد الله عز وجل بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الاسمين الكريمين ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وما تضمناه من صفة، وقد مر علينا أن كل اسم من أسماء الله دال على الذات وعلى الوصف المشتق منه، كل اسم، فإن كان متعديًا ففيه دلالة ثالثة، وهي: الأثر المترتب على ذلك، فالسميع مثلًا فيه إثبات للسمع وهو السميع، والصفة؛ وهي السمع، والأثر، وهو أنه يسمع، وهكذا العليم، أما ما لا يتعدى للغير ففيه إثبات الاسم والصفة فقط، مثل: الحي، العظيم، العلي، هذا لا يتعدى للغير.

آل عمران 3:7

ثم قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي﴾ الضمير في (هو) يعود على (الله)، وتأمل هنا ترابط الآيات بعضها من بعض، لما ذكر الله عز وجل أنه هو المصور، وهو ابتداء الخلق، ذكر بعده إنزال الكتاب الذي به الهداية مثل: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن ١ - ٤] فأحيانًا يبين الله النعمة الدينية قبل، وأحيانًا يبين الله النعمة الدنيوية قبل، فالتصوير هنا بدأ الله به، ثم ذكر إنزال القرآن، لكن ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ذكر تعليم القرآن قبل خلق الإنسان، ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، والمراد به القرآن، وسبق معنى كونه كتابًا أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بأيدينا، ثم قسم الله هذا الكتاب فقال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ﴾ يعني: ومنه أُخَر، ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وهنا يتعين أن نقول: ومنه أخر؛ ليتم التقسيم. قوله: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الآيات جمع (آية)، وهي العلامة، وكل آية في القرآن فهي علامة على منزلها لما فيها من الإعجاز والتحدي. وقوله: ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾ أي: متقنات في الدلالة والحكم والخبر؛ يعني أخبارها وأحكامها متقنة معلومة ما فيها إشكال. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات﴾ يعني أن أحكامها غير معلومة أو أخبارها غير معلومة، فصار المحكم المتقَن في الدلالة، سواء كان خبرًا أو حكمًا، المتشابه: الذي دلالته غير واضحة، سواء كان خبرًا أو حكمًا. ثم قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قدم وصف هذه المحكمات وبيان حالها ليتبادر إلى الذهن أول ما يتبادر أنه يرد المتشابهات إلى المحكمات؛ لأنها أم، وأم الشيء مرجعه وأصله، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩]، أي: المرجع، وهو اللوح المحفوظ الذي تُرجع الكتابات كلها إليه، ومنه سُميت الفاتحة (أم الكتاب)؛ لأن مرجع القرآن إليها، فهذه المحكمات يجب أن تُرد المتشابهات إليها، إلى هذه المحكمات. قال الله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات﴾ متشابهات في أيش؟ في الدلالة، سواء كان حكمًا أو خبرًا، ولهذا نجد أن بعض الآيات لا تدل دلالة صريحة على الحكم الذي استدل بها عليه، وبعض الآيات الخبرية أيضًا لا تدل دلالة صريحة على الخبر الذي استدُل بها عليه، فماذا نعمل؟ قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ إلى آخره، ينقسم الناس بالنسبة إلى هذه المتشابهات إلى قسمين: قسم يتبعون المتشابه، ويضعونه أمام الناس، يعرضونه على الناس يقول: كيف كذا؟ وكيف كذا؟ وقسم آخر يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وإذا كان كل من عند ربنا فإنه لا يمكن أن يتناقض ولا يمكن أن يتخالف، بل هو متحد متفق، فيُرد المتشابه منه إلى المحكَم ويكون الجميع محكمًا، يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، الزيغ بمعنى: الميل، ومنه قولهم: زاغت الشمس إذا مالت عن كبد السماء. ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ميل عن الحق، ولا يريدون الحق، يتبعون المتشابه، فتجدهم -والعياذ بالله- يأخذون آيات القرآن التي فيها اشتباه حتى يضربوا بعضها ببعض، وما أكثر هذا عند النصارى، النصارى الآن يُدخلون تشكيكات كثيرة على المسلمين في المتشابه، مثلًا يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، عندنا دليل، ألستم تقرؤون في القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر ٩]، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٧]؟ صيغة الضمير صيغة جمع، إذن فالله تعالى أكثر من اثنين، ثلاثة، وهكذا يأتون بأشياء يموهون بها على الناس؛ لأن في قلوبهم زيغًا، كذلك أيضًا بعض الآيات ظاهرها التعارض، مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، هنا قال: ﴿لَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وفي آية أخرى يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] فكتموا ولَّا لا؟ * الطلبة: كتموا. * الشيخ: كتموا، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كتموا، أنكروا أن يكونوا مشركين، كذلك أيضًا يأتيك يقول: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦]، وقال في آية أخرى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢]، ثم يأتيك يقول: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٦]، وفي آية أخرى: يعتذرون، يقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لصلحوا واستقامت أحوالهم فيعتذرون، المهم أن الذين في قلوبهم زيغ يأتون بهذه الآيات المتشابهة ليصدوا عن سبيل الله، ويشككوا الناس في كلام الله عز وجل؛ يعني وأما الذين ليس في قلوبهم زيغ وهم الراسخون في العلم الذين عندهم من العلم ما يتمكنون به أن يجمعوا بين الآيات المتشابهة، وأن يعرفوا معناها، فهؤلاء لا يكون عندهم هذا التشابه، ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧] فلا يرون في القرآن شيئًا متعارضًا متناقضًا. * طالب: في قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ هل يؤخذ منها أحكام فعلًا معلقة بالتصوير مثل الصلاة وغيره؟ * الشيخ: من أيش؟ * الطالب: من الصلاة أي الصلاة عليه قبل أن يصوره، ومن قبل التصوير ليس بشيء، قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾. * الشيخ: هل تؤخذ من هذا؟ يقول: إن قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ هل يؤخذ منها أن الجنين في بطن أمه لو سقط قبل أن يُصوَّر فليس له حكم؟ * طالب: ما يؤخذ يا شيخ ما يؤخذ. * الشيخ: ما يؤخذ. * الطالب: ما يؤخذ؛ لأن الجنين أطوار تنطبق عليه اسم الصورة في بدايته. * الشيخ: والله ما هي واضحة، ما هي واضحة. * طالب: شيخ، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ وسمي الكتاب وهو ما زال بين الملائكة، وفي أيدينا ما بتكون إلا بعد ما يوصل إلينا. * الشيخ: باعتبار ما يكون، ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦]، الخمر مو هو بيعصر، يعصر العنب فيكون خمرًا بعد ما ينزل. * طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، لو كان مثلًا رجل في يعني خشمه ميلان قليل في أنفه، أو مثلًا في أسنانه طول بعضها وبعضها قِصر، أو مختلفة قليلًا، فهل يجوز لهذا أن يعمل عملية حتى يُعدّل هذا المائل قليلًا؟ * الشيخ: إي نعم، الميل اللي يكون عيبًا لا شك أنه يجوز. * الطالب: سيما وإن كان منه ضرر. * الشيخ: لا، لا، كيف يكون ضرر؟! الضرر! * الطالب: لا لا، أقول: يجوز سِيَّما وإن كان منه ضرر. * الشيخ: إيه، يعني لا سيما إن كان منه ضرر، إي نعم، كذلك بالنسبة للأسنان إذا كان اختلافها اختلافًا مُشوهًا فلا بأس بتعديلها، لكن إذا كان اختلافها اختلافًا يسيرًا لكن يريدون أن تكون كسن واحد، كما يفعل بعض النساء الآن، فهذا لا يجوز، هذا من جنس الوشم، هذا الوشم. * طالب: يا شيخ، بالنسبة للحديث الذي قلته آنفًا، الرجل الذي جاء إلى الرسول ﷺ وكان أنفه مقطوعًا، فأمره بأن يأخذ أنفًا من الذهب. * الشيخ: إي نعم من ورِق أول، ثم أنتن. * الطالب: يعني هذا أنفه ما ولد وأنفه مقطوع؛ يعني هذا عارض يعني عليه ما كان ذلك في الأصل يعني وُلد أصلا وعنده ستة أصابع. * الشيخ: إيه، لا فرق، أقول: لا فرق، المقصود إزالة العيب، سواء كان العيب طارئًا أو أصليًّا. * طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إن الإصبع السادس يُشَال ولا بأس في ذلك، والله عز وجل قال عن الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء ١١٩] وهذا الإصبع السادس من خلق الله. * الشيخ: إي نعم، لكن ما هو كل شيء منهي عنه، التغيير المأمور به مأمور به، فالختان مثلًا تغيير لخلق الله وهو مأمور به، إزالة الشارب تغيير لخلق الله وهو مأمور به. * الطالب: لكن ما أمره أن يشيل السادس. * الشيخ: نعم، وجدنا أن الشارع لا يعني يمنع الإنسان من إزالة الشيء الذي يعتبر عيبًا عند الناس، وقصة صاحب الأنف هذه هي العُمدة في هذه المسألة. * طالب: لكن صاحب الأنف النبي أمره أن يضع لا أن يزيل يا شيخ. * الشيخ: هذا الذي وضع على أنفه ما هو بتكميل له؟ * طالب: لكن ما عنده أنف هذا. * الشيخ: إي نعم، قُطع أنفه، فجعل له تكميلًا، هذا إذا أزاله يكون تكميلًا له؛ لأن الناس الآن يعتبرون اللي فيه زيادة يعتبرونه عيبًا، فهو مزيل لعيب. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا يا شيخ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ تقول إن ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقة بـ﴿يَخْفَى﴾؟ * الشيخ: لا بـ (شيء) صفة لـ (شيء). * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لـ، لو واحد ابتدأ مثلًا السورة أو أي كلمة بـ (بسم الله الرحيم الرحمن)؟ * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: بيعكس الرحمن الرحيم، يعني إذا ابتدأ سورة فيقول: بسم الله الرحيم الرحمن، فهل في هذا نهي؟ * الشيخ: هو قصده التلاوة؛ تلاوة القرآن، ولَّا لا؟ * الطالب: إن كان قصده التلاوة وإن كان غيرها. * الشيخ: إن كان قصده التلاوة فهو حرام؛ لأن القرآن مُرتب في كلماته، ومرتب في آياته أيضًا، نعم، السور الصحيح أن ترتيبها اجتهادي. * الطالب: يعني البسملة تعتبر آية من القرآن؟ * الشيخ: معلوم إيه. * الطالب: يعني البسملة اللي في أول السورة. * الشيخ: إي نعم. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، هناك من قالوا: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أنها في الصفات (...)؟ * الشيخ: سيأتينا إن شاء الله تعالى هذا في الفوائد. * الطالب: يا شيخ أيضًا سؤال، الذي يأتي بآيات يعني عنده (...)؟ * * * * طالب: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى بيَّن أنه قسم القرآن إلى قسمين: آيات محكمات؛ أي: واضحات المعنى، لا يخفى معناهن على أحد، والثاني: آيات مشتبهات فيهن خفاء في الدلالة أو في التعارض بينهن وبين غيرهن، أو غير ذلك من أسباب التشابه، وهذه الآيات المتشابهات انقسم الناس فيها إلى قسمين: قسم في قلوبهم زيغ؛ أي: ميل عن الحق، فهؤلاء اتبعوا المتشابه، وصاروا يأتون بالمتشابه يُلبِّسون به على الناس وابتغاء الفتنة، وكذلك ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: طلب تأويله لما يريدون هم لا لما يريد الله عز وجل، وهذا كثير، كل أهل البدع من الرافضة والخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم، كلهم اتبعوا ما تشابه منه، لكن من مقل ومستكثر، فهؤلاء يتبعون ما تشابه لهذين الغرضين، أو لأحدهما، ما هما؟ ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: صد الناس عن دين الله؛ لأن الفتنة بمعنى الصد عن دين الله كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠] فتنوهم يعني: صدوهم عن دين الله، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾؛ أي: طلب تأويله لما يريدون هم، يفسرونه على مرادهم لا على مراد الله سبحانه وتعالى. وسبق لنا أيضًا أن قوله: ﴿وَأُخَرُ﴾ ليست معطوفة على قوله: ﴿آيَاتٌ﴾ ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ لفساد المعنى، وأن (أُخَر) مبتدأ خبره محذوف، يعني: ومنه أخر متشابهات، وذكرنا لها نظيرًا، وهو قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥]، فإن ﴿سَعِيدٌ﴾ هنا ليست معطوفة على ﴿شَقِيٌّ﴾؛ لأنها لو كانت معطوفة عليها لفسد التقسيم، ولكن التقدير: منهم شقي ومنهم سعيد، هذا أيضًا: منه آيات محكمات، ومنه أخر متشابهات. الاشتباه قلنا: إنه يكون اشتباه في المعنى، يكون المعنى غير واضح، أو اشتباه في التعارض، يظن الظانّ أن القرآن يُعارِض بعضه بعضًا، وذكرنا من ذلك أمثلة فيما سبق. * الطالب: ما ذكرنا؟ * الشيخ: كيف الله يهديك، ذكرنا، ذكرنا أمثلة، وأجبنا عنها، وقلنا: لا يمكن أبدًا أن يكون في القرآن شيء متعارض إطلاقًا، لا يمكن؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، يعني ولما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف، فهو يصدق بعضه بعضًا، ولكن التعارض الذي قد يفهمه من يفهمه من الناس يكون إما لقصور في العلم، أو قصور في الفهم، هذا اثنين، أو تقصير في التدبر هذه ثلاثة، أو سوء ظن، أو سوء ظن بحيث يظن أن القرآن يتعارض، فإذا ظن هذا الظن لم يُوفّق للجمع بين النصوص، يحرم الخير؛ لأنه ظن ما لا يليق بالقرآن، فهذا هو أسباب ظن التعارض ممن يظن التعارض، أسباب أربعة؛ هي: قصور العلم، أو قصور الفهم، أو التقصير في التدبر، أو سوء القصد، فإذا وجد واحد من هذه الأمور الأربعة حينئذٍ يحصل التشابه، أما من أعطاه الله علمًا وفهمًا وحسن قصد، الرابع؟ * الطلبة: حسن الظن، خمسة. * الشيخ: وحسن ظن، فإنه لا يحصل لديه تعارض في القرآن الكريم؛ لأن عنده كمال في العلم، وكمال في الفهم، ونشاط في التدبر، وحسن نية وقصد، فهذا يُوفق، يوفقه الله تعالى فيعرف كيف يجمع بين ما ظاهره التعارض، أو كيف يعرِف هذا المتشابه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، هذه الآية الكريمة اختلف السلف في الوقف عليها، فأكثر السلف وقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وجعل الوقف هنا لازمًا، يعني يجب أن تقف تقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم تبتدئ فتقول: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وعلى هذا فيكون الواو هنا في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ للاستئناف ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ خبر المبتدأ، وهذا الذي عليه أكثر السلف، يعني أن هذا المتشابه لا يعلم تأويله، المراد به إلا الله عز وجل، والراسخون في العلم الذين لم يعلموا لا يطلبون بذلك الفتنة، وإنما يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وليس في كلام ربنا تناقض ولا تضارب، ويسلمون الأمر إلى الله عز وجل؛ لأنه هو العالم بما أراد، فينقسم الناس إذن إلى قسمين: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ و﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. ووصل بعض السلف ولم يقف، أي قرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فتكون الواو للعطف، ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ معطوفة على لفظ الجلالة؛ أي: ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم بخلاف الذين في قلوبهم زيغ وليس عندهم علم فهؤلاء لا يعلمون، والحقيقة أن ظاهر القراءتين، أن ظاهرهما التعارض؛ لأن القراءة الأولى تقتضي أنه لا يعلم تأويل هذا المتشابه إلا الله، والقراءة الثانية تقتضي أن هذا المتشابه يعلم تأويله الله والراسخون في العلم، فيكون في ظاهر القولين التعارض، ولكن الصحيح أنه لا تعارض بينهما، وأن هذا الخلاف مبني على الاختلاف في معنى التأويل في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإن كان المراد بالتأويل التفسير فقراءة الوصل أوْلى؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير القرآن المتشابه، ولا يخفى عليهم لرسوخهم في العلم وبلوغهم عمق العلم؛ لأن الراسخ في الشيء الثابت فيه المتمكن منه، فهم لتمكنهم وثبوت أقدامهم في العلم وتعمقهم فيه يعلمون ما يخفى على غيرهم، فإذا جعلنا التأويل بمعنى التفسير فقراءة الوصل أوْلى، أما إذا جعلنا التأويل بمعنى العاقبة والغاية المجهولة فالوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ أوْلى؛ لأن عاقبة هذا المتشابه وما يؤول إليه أمر مجهول لكل الخلق، فإذا قال قائل: الآن نطلب أمرين؛ الأمر الأول: أن التأويل يكون بمعنى التفسير، والأمر الثاني: أن التأويل يكون بمعنى العاقبة المجهولة التي لا يعلمها إلا الله، الجواب على ذلك أن نقول: نعم، لا بد من هذا، وهو موجود في القرآن، أولًا: التأويل بمعنى التفسير؛ مثل قول صاحبي السجن ليوسف عليه الصلاة والسلام ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف ٣٦] أي بتفسير هذه الرؤيا، وأيش معناها؟ ففسرها لهم. ومن ذلك قول الرسول ﷺ لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» »[[أخرجه أحمد في المسند (٢٣٩٧) من حديث ابن عباس. وفي البخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧ / ١٣٨) دون قوله: «وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».]]، أي: تفسير الكلام ومعرفة معناه، وأما التأويل بمعنى العاقبة فمنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف ٥٣] فقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني: عاقبته وما يؤول إليه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يعني: تأتي عاقبته التي وُعِدوا بها، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء ٥٩] يعني: أحسن عاقبة ومآلًا، فتبين بهذا أن كلمة (تأويل) صالحة للمعنيين جميعًا؛ التفسير والعاقبة، فإذا جعلناها بمعنى التفسير فلا ريب أن الراسخين في العلم يعلمون تفسير القرآن ولا يخفى عليهم شيء، ولا يمكن -بأي حال من الأحوال- أن ينزل الله سبحانه وتعالى على عباده كتابًا يسألهم عنه يوم القيامة وهم لا يعرفون معناه، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: لا يمكن أبدًا أن ينزل عليهم كتابًا يسألهم عنه يوم القيامة وهم لا يعرفون معناه، صحيح أنه قد لا يعرفه البعض، لكن الراسخون في العلم لا بد أن يعلموه وإلا لبطلت الحجة، فلا بد من معرفة هذا الكتاب المنزل على رسول الله ﷺ، أما إذا قلنا بأن التأويل ما آل إليه الأمر، وما كان عليه في نفس الواقع مما هو مجهول لنا فهنا يتعين الوقوف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. واعلم أن كثيرًا من الناس الذين تكلموا في العقائد فسروا المتشابه بآيات الصفات، قالوا: إن المتشابهات هن آيات الصفات، ولكن لا شك أن تفسير المتشابهات بآيات الصفات على الإطلاق ليس بسديد ولا بصحيح؛ لأن آيات الصفات معلومة مجهولة؛ فهي من حيث المعنى معلومة، ولا يمكن أن يخاطبنا الله عز وجل ويحدِّثنا عن نفسه بأمر مجهول لا نستفيد منه، وليس هو بالنسبة إلينا إلا كنسبة الحروف الهجائية التي ليس فيها معنى، هذا غير ممكن إطلاقًا، نعم، هي مجهولة من جهة أخرى، وهي الحقيقة والكيفية التي هي عليها، فهذا مجهول لنا، لا نعلم كيف يد الله ولا ندرك حقيقتها، لا نعلم كيف وجه الله ولا ندرك حقيقته، لا ندرك حقيقة علم الله عز وجل، ولا ندرك، كل صفاته لا ندرك حقائقها؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]، فمن زعم أن آيات الصفات من المتشابه -على سبيل الإطلاق- فقد أخطأ، والواجب أيش؟ الواجب: التفصيل، فنقول: إن أردت بكونها من المتشابه تشابه الحقيقة التي هي عليها فأنت مصيب، وإن أردت بالمتشابه تشابه المعنى، وأن معناها مجهول لنا فأنت مخطئ غاية الخطأ، وقد ذهب إلى هذا من ذهب من الناس، وقال: إن آيات الصفات وأحاديثها مجهولة لا نعلمها، لا يعلمها رسول الله ﷺ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا ابن مسعود، ولا ابن عباس، ولا فقهاء الصحابة، ولا فقهاء التابعين، ولا أئمة الإسلام، كلهم لا يدرون ما معناها، تقول له: ما معنى استوى على العرش؟ فيقول: الله أعلم. ما معنى يد الله في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]؟ يقول: الله أعلم، ما معنى: ﴿يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن ٢٧]؟ الله أعلم، كل شيء الله أعلم، كل ما يتعلق بصفات الله يقول: الله أعلم، والغريب أن هذا القول في غاية ما يكون من السقوط، وإن كان بعض الناس يظن أنه مذهب أهل السنة، أو أنه مذهب السلف، حتى أدى بهم الأمر إلى هذه الكلمة الكاذبة، طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعْلم وأحكم، وهذه الجملة والقضية من أكذب القضايا، أن تكون طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لكن نقول: طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، المهم أن من الناس من يظن أن مذهب السلف هو التفويض وعدم معرفة المعنى وعدم الكلام به حتى النبي ﷺ -على زعمهم- يقول: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة.]] لو سألته وقلت: يا رسول الله، ما معنى يضحك؟ قال: ما أدري! «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة.]] لو سألته: وأيش معنى ينزل؟ قال: لا أدري، وأنا أعجب كيف يستقيم لسان شخص يدّعي أن هذا مذهب السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم القيامة؟! هذا بعيد من الصواب! إذن نقول: آيات الصفات من المتشابه في الحقيقة والكيفية التي هي عليها؛ لأن الإنسان بشر لا يمكن يدرك هذه الصفات العظيمة، لكن في المعنى محكَمة معلومة لا تخفى على أحد، كلنا يعرف ما معنى العلم، كلنا يعرف ما معنى الاستواء، كلنا يعرف ما معنى الوجه، ما معنى اليد، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله قوله المشهور الذي روي عن شيخه قال: إن الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بِدعة. * طالب: شيخ، متشابه في الحقيقة وغير متشابه، كيف يعني متشابه في الحقيقة، يعني بمعنى الدلالة؟ * الشيخ: كم بقي على الأسئلة. * الطالب: لا، بس مو سؤال، عشان تعليق في نفس الآية. * الشيخ: إيه! أنا قلت: لو فهمتم تقولوا نعم. * طالب: نعم يا شيخ، ما نريد ها النوع لكن فيه بعض الأشياء كما ذكره. * الشيخ: إيه، لكن إذا قلت: أفهمتم؟ وقال بعضكم: نعم، وسكت الباقون، معناه أنهم كلهم فهموا، الواجب على من لا يفهم، لا، إذا قلت: أنا فهمت، معناه أن انقطع الكلام اللي عندي، فإذا قلت: أفهمت؟ وأنت ما فهمتم لازم تبينون، أقول مثلًا: نحن نعلم معنى العين ولَّا لا؟ لكن حقيقة عين الله وكيفيتها معلومة ولَّا غير معلومة؟ غير معلومة، نحن ما ندري أعيننا معروفة مكونة من طبقات متعددة ومن عروق، ومن كذا ومن كذا ومن كذا، معروفة، لكن عين الله لا يمكن أن تقول فيها هكذا، مجهولة لك، كذا؟ إذن هي حقيقتها غير معلومة، لكن معنى العين وهي التي يحصل بها النظر والرؤية أمر معلوم، يد الله عز وجل هي معلومة لنا معلومة على الحقيقة؟ لا، اليد معروفة والأصابع معروفة، والقبض باليد معروف، والأخذ باليد معروف، كذا ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لكن حقيقة هذه اليد وكيفيتها ما تستطيع تتكلم فيها، ومن ادعى العلم بها فهو كاذب، هذا معنى الحقائق؛ فالحقائق شيء والمعاني شيء آخر، وثقوا بأننا لو نقول: إننا لا نعلم معاني آيات الصفات أنه سيفوتنا ثلاثون في المئة من معاني القرآن أو أكثر؛ لأن ما تكاد تجد آية إلا وفيها اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته. يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ من الراسخون في العلم؟ الثابتون الذين وصلوا إلى عمقه، عمق العلم؛ لأن الرسوخ في الأصل الثبوت والاستقرار، ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ أي: صدّقنا به، بالمحكَم وبالمتشابه، أما المحكم فظاهر أنهم يؤمنون به؛ لأنهم عرفوا معناه واطمأنوا إليه، وأما المتشابه فإيمانهم به هو التسليم، ولهذا قال فيه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ولا يمكن أبدًا أن يكون فيه تعارض أو تناقض. هنا قسم الله القرآن إلى قسمين، ولكنه في موضع آخر جعله قسمًا واحدًا، فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر ٢٣]، وقال في آية أخرى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١]، وقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود ١] ولم يذكر التشابه، نقول: هذا أيضًا من المتشابه، أليس كذلك؟ لأنه كيف يوصف القرآن بأوصاف ظاهرها التعارض، فنقول: الراسخون في العلم يعلمون أن لا تعارض؟ فيقولون: المتشابه الذي وُصف به القرآن غير مقرون بالمحكم يراد به التشابه في الكمال والجودة والهداية، فهو متشابه، كل آياته متشابهة، كلها كاملة بلاغةً، كلها كاملة في الخبر، كاملة في الأمر والنهي، فهو متشابه من حيث أيش؟ الكمال والجودة والأحكام والأخبار وغير ذلك، محكم، إذا ذُكرت المحكم بدون ذكر المتشابه فالأمر واضح أنه متقن، متقن ليس فيه تناقض، ولا تعارض، ولا كذب في خبر، ولا جور في حكم، فإذا ذُكر الإحكام والتشابه حُمل الإحكام على معنى والتشابه على معنى آخر، يحمل الإحكام على أيش؟ على الوضوح، إذا ذكر الأحكام والتشابه، لما ذكر الأحكام وذكر التشابه صار كل واحد منهما قسيمًا للآخر، فإذا كان تشابه وأيش قسيمه؟ الواضح، الواضح المعنى، الواضح البيِّن، فــ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ أي: بينات واضحات، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قسيمتها ضدها، واضح الآن؟ يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ما) نافية، ﴿يَذَّكَّرُ﴾ أصلها: يتذكر، لكن قلبت التاء ذالًا وأُدغمت في الذال الأخرى صارت ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾، أي: لا يتعظ وينتفع بالقرآن إلا أولو الألباب؛ أي: إلا أصحاب العقول؛ لأن الألباب جمع (لُبّ)، واللب هو العقل، والمراد بالعقل هنا عقل الإدراك أو عقل التصرف، أو الأمران؟ * الطلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل، لكن الأهم عقل التصرف، عقل الإدراك الذي ضده الجنون، وعقل التصرف الذي ضده السفه، فالذي يتذكر بالقرآن هو الإنسان الذي أعطاه الله عقلًا يدرك به الأشياء، وأعطاه الله تعالى رشدًا يحسن به التصرف، هذا هو اللي يتذكر، وأما من أعطاه الله تعالى عقلًا يدرك به الأشياء وهو العقل المضاد للجنون ولم يعطِه عقلًا يحسن به التصرف؛ وهو العقل المضاد للسفه فهذا لا ينتفع بالقرآن، لا ينتفع إلا العاقل عقل إدراك وعقل تصرف. في هذه الآية الكريمة فوائد جليلة كثيرة؛ أولًا: أن هذا القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، فإن قال قائل: يَرِدُ عليك ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام ٩٩] فهل تقول: إن الحديد كلام الله؟ وإن الماء كلام الله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا؟ كلكم تقولون: لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: لماذا جعلتم هذا يدل على أن القرآن كلام الله؟ نقول: لأن الكلام صفة لا تقوم بذاتها، لا تقوم إلا بمتكلم، بخلاف الماء وبخلاف الحديد فإنه عين قائمة بنفسها فتكون مخلوقة، وأما القرآن فليس بمخلوق؛ لأنه صفة الخالق عز وجل، والمخلوق شيء بائن عن الخالق، منفصل عنه، لكن الكلام صفة هي فِعْلُه، فليس بمخلوق. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله عز وجل، والإنزال لا يكون إلا من أعلى لأسفل، فإذا كان القرآن كلامه ونزل؛ إذن الله فوق، وهو كذلك، ومذهب أهل السنة والجماعة، بل مذهب الرسل كلهم أن الله تعالى فوق كل شيء، ألم تروا إلى فرعون قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر ٣٦، ٣٧]، وهذا يدل على أن موسى قال له: إن الله فوق. * الطلبة: في السماء. * الشيخ: والعلو لله عز وجل ثابت بالقرآن، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، خمسة أنواع من الأدلة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، أما الكتاب فأدلته أكثر من أن تُحصى، وهي أدلة متنوعة تارة بذكر العلو، وتارة بالفوقية، وتارة بنزول الأشياء منه، وتارة بصعود الأشياء إليه، وتارة بذكر (في) مثل في السماء، والسنة كذلك متواترة بعلو الله ومتنوعة، فتارة بقول الرسول عليه الصلاة والسلام، وتارة بفعله، وتارة بإقراره، أما قوله: فكان يقول في كل صلاة: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»[[أخرجه مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) من حديث حذيفة.]]، وأما فعله: فقد أشار إلى السماء غير مرة، يشير إلى السماء في الدعاء، يرفع يديه إلى السماء، وأشار إلى السماء حين أشهد ربه على أمته أنهم أقروا بإبلاغه الرسالة، متى؟ * الطلبة: يوم عرفة. * الشيخ: في حجة الوداع في يوم عرفة، في أكبر مجمع للمسلمين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأما إقراره؛ فَسَأَلَ الْجَارِيَةَ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم.]]، وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى بعدهم على أن الله تعالى فوق كل شيء، ولم يُنقل عن واحد منهم أنه قال: إن الله في كل مكان، ولا أنه قال: إن الله لا يوصف بأنه فوق العالم، ولا تحته ولا داخله ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا مباين ولا محايد، أبدًا ما أحد قال هذا، وأما العقل فإنا لو سألنا أي إنسان: ما تقول في العلو أهو صفة كمال أو نقص؟ لقال: صفة كمال، والعقل يقول: كل صفة كمال فهي ثابتة لله عز وجل، فيثبت العلو لله بدلالة العقل من هذه الناحية ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أما الفطرة فحدِّث ولا حرج، الإنسان الذي لم يتعلم ولا يدري عن كلام العلماء في هذا إذا سأل الله أين يرفع يديه؟ * الطلبة: إلى السماء. * الشيخ: إلى السماء، ما رأينا أحدًا لما أراد أن يدعو ركز يديه على الأرض أبدًا، ولا روَّح يمين ولا يسار، يرفعها إلى السماء، ولهذا استدل أبو الأعلى الهمداني على أبي المعالي الجويني بهذا الدليل الفطري حتى إن الجويني لم يتمالك أن صرخ وضرب على رأسه وقال: حيرني؛ لأن أبا المعالي الجويني -غفر الله لنا وله- كان يحدث الناس ويقول: كان الله ولا شيء، صح؟ صحيح هذا؟ * الطلبة: نعم، صحيح. * الشيخ: كان الله ولا شيء، صح، هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآن على ما كان عليه، شوف الكلمة هذه موهمة، ماذا يريد وهو الآن على ما كان عليه؟ يعني غير مستوٍ على العرش؛ لأن العرش لم يكن، وقد كان الله ولا شيء، وهو الآن على ما كان عليه، إذن فلم يستوِ على العرش، فقال له أبو العلاء الهمداني، قال له: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش؛ لأن الاستواء على العرش دليله غير عقلي، لا عقلي ولا فطري، الاستواء على العرش دليله سمعي؛ لأنه لولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش ما علمنا ذلك، ولا علمنا عن العرش كل ما نعلم عنه، أخبِرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، كل واحد بيسأل الله يقول: يا الله، وين يروح قلبه؟ إلى العلو، فصرخ، ضرب على رأسه، قال: حيرني؛ لأنه لا يجد جوابًا عن هذه الفطرة، فعلو الله -ولله الحمد- قد دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، ولولا قول من اجتالتهم الشياطين ما كان يحلم الإنسان أو يفكر في أن الله تعالى في كل شيء، في كل مكان، أبدًا، ولا يطرأ على باله، ولا يفكر أننا نسلب الله عنه كل صفة، فنقول: لا فوق العالم ولا تحته، ولا يمين العالم ولا شمال العالم، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصلًا بالعالم ولا منفصلًا عن العالم، وين يروح؟ عدم، أعوذ بالله، والغريب أن هؤلاء يرون أنهم نزَّهوا الله، وهم لو قيل لهم: صِفوا لنا العدم، ما وجدت أحسن من هذا الوصف، نسأل الله ألا يزيغ قلوبنا، إذن العلو، علو الله عز وجل ثابت بخمسة أدلة أنواع، ما هي أفراد، أفرادها لا تحصى، لكن أنواعها خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. * طالب: من المتشابهات أوائل السور (...)؟ * الشيخ: ما تقولون في هذا؟ يقول: من المتشابه أوائل السور؟ * الطالب: أقول: منها أوائل. * طالب: ليس بصحيح. * الشيخ: إيه أقول: هذا غير صحيح. * طالب: ليست كل السور أوائلها من المتشابه؟ * الشيخ: لا، يقول: كل أوائل السور من المتشابه أوائل السور اللي بالحروف الهجائية. * طالب: المقطعة. * الشيخ: نعم، نقول: هذا غير صحيح؛ لأننا نعلم أن هذه الحروف ليس لها معنى في ذاتها، علمنا هذا من القرآن، قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي المبين لا يجعل لهذه الحروف معنى؛ إذن فلا معنى لها فهي واضحة. * طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، في قوله ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قلنا: يعني الصد عن سبيل الله، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ما المراد؟ * الشيخ: قال العلماء: معنى ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ أي تفسيره على غير مراد الله؛ يعني يريدون أن يفسروه على غير مراد الله، سواء افتتن به الناس أو لم يفتتنوا، فيؤدي إلى الشكوك في أنفسهم، هم أنفسهم أيضًا يتشككون في هذا. * طالب: ما يكون هنا مراده حسب أيضًا القولين يعني إما أن يكون ابتغاء تأويله يعني الغاية أو التفسير بينهم على الخلاف من قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾. * الشيخ: إيه، هو معلوم لا بد، هو ما يمكن يفسر إلا على هذا المعنى؛ يعني قصدي أنه ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله، هم يقولون: فيما لا يعلمه إلا الله: لا نقول فيه شيئًا، يُمسكون عنه، ولا نعم لو فسروه بغير ما أراد الله، كلّا، إنما هم يتبعون المتشابه لأجل أن يقولوا للناس: تفضل، شوف القرآن متناقض! أو يجيبون آيات مثلًا غير واضحة المعنى، ثم يفسرونها بما يريدون هم. * طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، إذا قلنا: إن ابتغاء تأويله يعني يحرفونه على غير مراد الله عز وجل، ألا يكون نأخذ من هذه الآية أن التأويل يأتي مع التحريف؟ * الشيخ: دي بيجينا إن شاء الله تعالى بالفوائد. * طالب: يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥] هنا الاستثناء متصل؟ * الشيخ: الاستثناء؟ ما فيه شك، هذا استثناء مفرَّغ؛ لأن ﴿اللَّهُ﴾ هو الفاعل. * الطالب: استثناء ممن؟ * الشيخ: قال: لا يعلم إلا الله، مثل: لا إله إلا الله، هذا استثناء مفرغ؛ يعني لا أحد يعلم إلا الله عز وجل. * طالب: (...) هل نقول: إنه استثناء (...) لا يعلم من إلا الله. * الشيخ: الاستثناء المفرغ يكون المقصود به الحصر. * الطالب: التأويل هنا يا شيخ. * الشيخ: أنت كأنك يعني أشكل عليك: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ حتى لو قلنا: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فالله تعالى في السماء كما قال عن نفسه، فيكون الله تعالى فوق كل شيء، هو مفرغ ما هو باستثناء متصل، يعني ليس استثناء من المستثنى منه متصل، لا يعلم الغيب إلا الله، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل ٦٥] لا ما هو استثناء، أنا قلت مفرغ خطأ، هذا استثناء صحيح، استثناء من كلام تامّ منفي، فيكون المعنى: لا يعلم من في السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله، هذه بدل مِن (مَنْ)، والبدل كما قال النحويون: هو التابع المقصود بالحكم، فإذا كان هو التابع المقصود بالحكم صار معنى الآية: لا يعلم إلا اللهُ الغيبَ. * طالب: يعني (الله) مستثنى من (مَنْ)؟ * الشيخ: من (مَنْ)، لكن لما كان بدلًا حيث رُفع الآن صار بدلًا، لما كان بدلًا صار هو المقصود بالحكم، فكأنه لا يعلم الغيب إلا الله، هذا يكون تحليل هذا. * طالب: التأويل يا شيخ والتفسير هل يساوي علم الله بعلم ﴿الرَّاسِخُون فِي الْعِلْمِ﴾ في التفسير؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: التأويل والتفسير؟ * الشيخ: لا لا، لا يساوي لكنهم يعلمون من التفسير ما لا بد لهم منه. * الطالب: فإذن لا يعلمه إلا الله. * الشيخ: وإلا قد لا يعلمون تفسير كل شيء، يعني حتى العلماء الآن تجد بعضهم يستخرج من الآية فائدتين، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أكثر، لكن الشيء الذي لا بد لهم منه من هذا المتشابه يعلمونه. * الطالب: يعني جاء في القرآن ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ العلم الذي يعلمه الله. * الشيخ: الشيء الذي لا بد لهم منه لا بد أن يعلموه، لكن الحقائق ما يعلمونها. * طالب: شيخ، الاستواء في اللغة العربية يعني معروف، لكن الإنسان لو أراد أن يترجمه بأي لغة أخرى لناس ما يعرفون اللغة العربية هل يقع يعني التشبيه؟ * الشيخ: لا، يعني للإيضاح، ما فيه مانع، يعني إذا كنا لا نعرف، إذا كنا نريد أن نُبين أن الاستواء معناه العلو، ونشير إلى واحد نقول: مثل شيء فوق شيء، مثل استواء الإنسان على البعير بالمعنى فقط لا بالكيفية ما فيه شيء. الله عز وجل، وأن القرآن كلام الله، وأوردنا على ذلك إشكالًا وهو: أن الله تعالى قال: ﴿أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد ٢٥] وقال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة ٢٢] وأجبنا عن ذلك، أليس كذلك؟ * من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه لقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وذكرنا أنه يُشكل على هذا التقسيم أن الله ذكر في آية أخرى أن القرآن كله متشابه، وفي آية ثانية أنه كله محكم، وذكرنا الجمع، كذا؟ * من فوائد الآية الكريمة: وجوب الرجوع إلى المحكم إزاء المتشابه لقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني: مرجعه، وهذا -أعني الرجوع إلى المحكم عند وجود المتشابه- لا يختص بالقرآن بل حتى في السنة، إذا وجد أحاديث متشابهة وأحاديث محكمة فالواجب رد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا، سواء كان التشابه في مدلولات الألفاظ أو كان التشابه في ثبوت الخبر، وهذا الأخير يختص بالسنة؛ لأن القرآن ليس فيه اشتباه بالنسبة إلى ثبوته، أو كان الاشتباه بأقوال أهل العلم، بمعنى أن العلماء يكون أكثرهم على قول وهو مشتبه عليك بالنسبة للأدلة، فإن الغالب أن الحق يكون مع من هو أوثق وأقرب إلى الكتاب والسنة؛ إما بالعلم أو بالأمانة أو بالكثرة. * من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جعله القرآن ينقسم إلى قسمين، وجه الحكمة: أن بهذا يحصل الابتلاء والامتحان؛ فالمؤمن لا يضل بهذا الانقسام، والذي في قلبه زيغ يضل، وهذا كما يمتحن الله العباد بالأوامر والنواهي يمتحنهم أيضًا بالأدلة فيجعل هذا محكمًا وهذا متشابهًا ليتبين المؤمن من غير المؤمن، لو كان القرآن كله محكمًا لم يحصل الابتلاء، ولو كان كله متشابهًا لم يحصل البيان والله سبحانه وتعالى جعل القرآن بيانًا، وجعله محكمًا متشابهًا للاختبار والامتحان، أفهمتم الآن؟ * من فوائد الآية الكريمة: أن من علامة الزيغ أن يتبع الإنسان المتشابه من القرآن سواء تبعه بالنسبة لتصوره فيما بينه وبين نفسه وصار يُورد على نفسه آيات متشابهات، أو كان يتبع ذلك بالنسبة لعرض القرآن على غيره، فيقول للناس مثلًا: ما تقولون في كذا وكذا؟ ويأتي بالآيات المتشابهات بدون أن يحلها، ولهذا من الخطر العظيم أن تُورد سواء للطلبة أو للعامة آيات متشابهة دون أن تبين حل إشكالها؛ لأنك إذا فعلت هذا أوقعتهم في الحيرة والشك، وصرت كمن ألقى الإنسان في بحر لا يستطيع الخلاص منه ولم تخلصه، وهذا يقع من بعض المتحذلقين من طلبة العلم أنه يورد الآيات المتشابهات ثم يقف، يقف ولا يبيِّن للناس وجه هذا التشابه فيوقع الناس في حيرة وهو لا يشعر. * من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه تارة يبتغون الفتنة وصد الناس عن دينهم ونزع الثقة من قلوبهم بالنسبة للقرآن لقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، وتارة يريدون بذلك -أي بعرض هذا المتشابه- أن يحرفوه إلى المعنى الذي يريدون، وذلك لأنهم لو أرادوا أن يحرفوا المحكم ما قُبِلوا، أليس هكذا؟ ولكن يأتون بالمتشابه ليتمكنوا من تحريفه، من تحريفه على ما يريدون؛ لأنه إذا كان متشابهًا فإن المخاطَب الذي يخاطبونه يكون قد اشتبه عليه أمر فيقبل ما جاؤوا به من التحريف، وبهذا يزول الإشكال الذي قد يعرض الإنسان في قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران ٧]؛ لأن ابتغاء التأويل على الوجه المراد أمر مطلوب، وليس من شأن ذوي الزيغ بل هو من شأن أهل الإيمان، لكن ذوي الزيغ يأتون بهذا المتشابه من أجل أن يحرفوه على ما يريدون؛ لأنه ليس محكمًا واضحًا حتى يعارضهم الناس، لكنه متشابه فيحصل بذلك ما يريدون من التحريف. وهنا سؤال وهو: أن كثيرًا من المتكلمين قالوا: إن آيات الصفات من المتشابه، وقالوا: إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، فصارت النتيجة أن آيات الصفات لا يُعرف معناها، ولهذا قالوا: إن القول الحق في آيات الصفات هو التفويض، انتبه للمعنى، فقولهم: إن الحق هو التفويض، وأن لا تتكلم فيها بشيء ناتج عن هذين الأمرين: أولًا: أن آيات الصفات من المتشابه، والثاني: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، فتكون النتيجة أن لا نخوض في معاني آيات الصفات؛ لأنها من المتشابه ولا يعلم تأويله إلا الله، وما لا يمكن الوصول إلى علمه لا يجوز الخوض فيه، ولكن نقول: إن هذا القول قول باطل؛ أولًا: أن نقول: ماذا تعنون بالمتشابه؟ أو ماذا تعنون بالتشابه في آيات الصفات؟ إن قالوا: نريد اشتباه المعنى -وهو الذي يريدونه- قلنا: هذا خطأ، لماذا؟ لأن معاني آيات الصفات واضح ومعلوم ولا فيه اشتباه، ليس فيه اشتباه إطلاقًا، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، ما هو مجهول لأحد، بل هو معلوم، معلوم لكل أحد، استوى على العرش يعني علا عليه، ما فيه إشكال، وإن أرادوا بالتشابه اشتباه الحقيقة والكيفية فهم صادقون ولكنهم لا يريدون هذا؛ لأنهم لو قالوا: نحن نعلم المعنى ونجهل الحقيقة والكيفية قلنا: هذا مذهب صحيح، لكن يقولون: نحن نجهل المعنى والكيفية والحقيقة، ولهذا سُموا (أهل التفويض)، و(أهل التجهيل)؛ لأنهم يقولون: كل آيات الصفات وأحاديثها غير معلومة لأحد، وأن قراءتنا لها بمنزلة قراءة الأعجمي للخطاب العربي، أو بمنزلة قراءة العربي للخطاب العجمي، أو بمنزلة قراءة الحروف الهجائية: (ألف، باء، تاء، ثاء) إلى آخرها، هذا نظرهم بالنسبة لأيش؟ لآيات الصفات، وهو نظر -بلا شك- خاطئ، كيف نعلم معنى آيات الوضوء، والصلاة والبيع وما أشبهها مما لا يعد شيئًا بالنسبة لصفات الله ونجهل معاني آيات الصفات وهي أوْلى بالعلم من غيرها ولا تمكن العبادة حقًّا إلا بمعرفة صفات الله عز وجل؟ فنقول: أنتم لو أردتم أنها لا تُعرف الحقيقة التي هي عليها، قلنا: صدقتم، أما أن تقولوا: لا يُعرف معناها، وأنها مجهولة، فهذا خطأ، فصار الآن إذا قال قائل: هل آيات الصفات من المتشابه؟ نقول: لا يصح القول بالإطلاق لا نفيًا ولا إثباتًا، مع أنه يمر بكم في كتب أصول الفقه إذا أرادوا أن يمثلوا بالمتشابه قالوا: مثل آيات الصفات، وهذا خطأ؛ لأنه لا بد من التفصيل، إذا أرادوا التشابه المعنوي فهذا خطأ، بل هي من الآيات الواضحة المحكمة، وإن أرادوا اشتباه الحقيقة بأنا لا نعلم كيفية هذه الصفات ولا نحيط بها فهذا حق، لكنهم لا يريدون هذا، إنما يريدون الأول. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسوخ في العلم، وأيش معنى الرسوخ في العلم؟ * الطلبة: الثبات. * الشيخ: الثبات فيه والتعمق فيه حتى نصل إلى جذوره لقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران ٧]. ضد الرسوخ في العلم السطحية في العلم، وما أكثر السطحية اليوم فينا، أكثر الناس اليوم علومهم سطحية، ولهذا تجدهم إذا ألَّفوا أو كتبوا يكثرون من النقول؛ لأن ما عندهم حصيلة، قال فلان، وقال فلان، وقال فلان، لسبب أنه ليس عندهم حصيلة علمية، لا يستطيع الإنسان أن يعبر؛ لأنه ما عنده علم فيجعل نفسه في حِل من الكلام، ويأتي بقال فلان، ويستدل لك وجهًا كاملًا أو أكثر من ذلك، وإذا رجعت إلى أهل العلم، أهل العلم حقًّا وجدت أنهم يتكلمون بالعلم من صدورهم بدون نقل، ولهذا تجد أحيانًا عباراتهم تخالف عبارات العلماء الآخرين، ومن أجلى ما يكون وأوضح كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، تجد أنهم يتكلمون عن علم راسخ وأمثالهم كثير، لكن القصد أن هذا من أوضح ما مر بي، إن الرسوخ في العلم يجعل الإنسان كأن العلم ينبع من قلبه، أما السطحي هذا الذي يكون ظلًّا على الرأس فقط فهذا فائدة مُتعلِّمه قليلة. من * فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يكون راسخًا في العلم لا جامعًا كثيرًا منه؛ لأن العبرة الرسوخ في العلم، فإن الإنسان إذا كان عنده رسوخ في العلم صار عنده ملكة يستطيع أن يقرب العلم بعضه من بعض ويقيس ما لم يُنص عليه على ما نص عليه، ويكون العلم لديه كالطبيعة الراسخة. * من فوائد الآية الكريمة: أن الراسخين في العلم يعلمون أن الذي من عند الله لا يكون فيه تناقض لقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الربوبية أن الله تعالى ينزل على عباده كتابًا لا يكون فيه اختلاف يوقعهم في الشك والاشتباه لقولهم: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وما كان من عند الرب المعتني بعباده بربوبيته فلن يكون فيه شيء يتناقض ويختلف. * من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٧]. * من فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد الإنسان عقلًا ازداد تذكرًا بكلام الله عز وجل، وكلما نقص تذكره بالقرآن دل على نقص -أيش- عقله؛ لأنه إذا كان الله حصر التذكر بأولي الألباب فإنه يقتضي انتفاء هذا التذكر عمن ليس عنده لبّ. * من فوائد الآية الكريمة: أن العقول غير الذكاء، أي: أن العقل غير الذكاء؛ لأننا نجد كثيرًا من الناس أذكياء، ولكن لا يتذكرون بالقرآن، إذن هؤلاء لا نسميهم عقلاء، لكن الذي انتفى عنهم من العقل هو عقل الإدراك أو التصرف؟ * الطلبة: التصرف. * الشيخ: عقل التصرف والرشد، أما الإدراك فهم يدركون، ولهذا تقوم عليهم الحُجة. * من فوائد الآية الكريمة: أن من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله على قراءة الوقف ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ٧]. فإن قال قائل: ما الفائدة في تنزيل شيء لا يُعلم تأويله؟ قلنا: الفائدة امتحان العباد بتأدبهم مع الله عز وجل، هل يحاولون أن يصلوا إلى شيء لا تدركه عقولهم أو يقفون على حدود ما تدركه عقولهم؛ لأن من الناس من يذهب ويتجرأ على محاولة إدراك ما لا يصل إليه العقل، ومن الناس من يتأدب، فإذا وصل إلى ما لا يبلغه العقل وقف. * من فوائد الآية الكريمة: سعة علم الله عز وجل لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ على قراءة الوقف. * ومن فوائدها أيضًا: أن كلام الله عز وجل يختلف: منه محكم، ومنه متشابِه، ومنه أمر، ومنه نهي، ومنه خبر، ومنه استخبار، إلى أنواع لا يحصيها إلا الله، خلافًا لمن قال: إن كلام الله نوع واحد، وأن اختلاف السور أو الصيغ لا يدل على تنوعه واختلافه مثل: الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأنه شيء واحد إن عُبِّر عنه بالعربية صار قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرية صار توراة، وإن عبر عنه بالسريانية صار إنجيلًا، وإن أتى بصيغة النهي صار نهيًا وهكذا، أو إن عبر عنه بصيغة النهي صار نهيًا، وإن عبر عنه بصيغة الأمر صار أمرًا، وإلا فهو شيء واحد، ولا شك أن هذا قول يبطله العقل والسمع.

آل عمران 3:8

ثم قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨] الظاهر أن هذا من جملة قول الراسخين في العلم ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ويقولون أيضًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ والدعاء يصدر غالبًا بالرب؛ لأن الدعاء يستلزم يعني يتطلب الإجابة، والإجابة من الأفعال، والأفعال علاقتها بالربوبية أكثر من علاقتها بالألوهية، ولهذا غالب الأدعية يأتي مصدرًا بالرب، ربنا. وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ هذه منصوبة بياء النداء المحذوفة، وأصل الكلام: يا ربَّنا، لكن حُذفت الياء تخفيفًا وتيمنًا بالبداءة باسم الله عز وجل. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ﴿لَا تُزِغْ﴾ هذه جملة دعائية وإن كانت بصيغة النهي؛ لأن النهي لا يمكن أن يرد من المخلوق للخالق؛ إذ إن النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، ولا يمكن للمخلوق أن يطلب من ربه أن يكف على وجه الاستعلاء أبدًا، ومر علينا فيما سبق أنه إذا وُجِّه الطلب من أدنى إلى أعلى سُمّي (دعاء)، فلهذا نقول: (لا) دعائية ولا نقول: (لا) ناهية؛ لأنه لا نهي من مخلوق للخالق. ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ تُزغ بمعنى: تُمِل، ومنه: زاغت الشمس أي: مالت عن كبد السماء، وتُزغ: تُمِل، تملها عن أي شيء؟ يُبين ذلك ما بعده: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي: لا تزغها عن الهداية، بل اهدها هداية دلالة وهداية توفيق. وقوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ سُلط الفعل على القلب؛ لأن القلب عليه مدار العمل لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]]. والقلب هو هذا الجزء المستقر في الصدر لقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، وبهذا القلب يكون العقل لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦]، وبناءً على هذه الأدلة يتبين أن العقل في القلب، وليس في الدماغ، والعلماء اختلفوا قديمًا وحديثًا هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟ والذي دل عليه القرآن أنه في القلب، والقرآن كلام الخالق، والخالِق عز وجل أعلم بما خلق، فالعقل بالقلب، لكن عقل القلب هو عقل التصرف والتدبير ليس عقل الإدراك والتصور، فإن عقل الإدراك والتصور يكون في المخ، فالمخ يتصور ويعقِل، وهو بمنزلة السكرتير للقلب يشرح ما يريد رفعه إلى القلب، ثم يرفعه إلى القلب، ثم يصدر القلب الأوامر، والذي يُبلغ الأوامر إلى الرعية مَنْ؟ الدماغ هو الذي يبلغ الأوامر، ولهذا تنشط العضلات كلها بنشاط الدماغ، فصارت المسألة سلسلة يتصور الذي يتصور ويدرك وفيه عقل الإدراك هو الدماغ. وأما عقل التصرف والتدبير والرشاد والفساد فهو عقل القلب، فالدماغ يتصور، ويدرك الأشياء، وينظر فيها، ثم يرفعها مكتوبة ليوقِّع عليها القلب، ترد على القلب والقلب يأمر وينهى، لكن القلب لا يباشر، هو بنفسه أعلى من أن يباشر مخاطبة هؤلاء الجنود، يرسل القضية إلى مَنْ؟ إلى الدماغ مرة ثانية، الدماغ يوجه الأوامر ويقول: الملك يأمركم بكذا وكذا فتمتثل للأوامر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]] وحينئذٍ يزول الإشكال وتجتمع الأدلة الحسية والشرعية، فالعقل الإدراكي، أين محله؟ * الطلبة: الدماغ. * الشيخ: والعقل التصرف الإرشادي الذي به الإرشاد والفساد هو القلب. يقول عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ وإذا استقامت القلوب ولم تمِل استقامت الجوارح عقيدة وقولًا وعملًا. وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هذه الجملة لا يُراد بها الافتخار، وإنما يُراد بها التوسل بالنعم السابقة إلى النعم اللاحقة، فكأنهم يقولون: ربنا إنك مَنَنْت علينا بالهداية أولًا فنسألك أن تمن علينا بثبوت هذه الهداية فلا تزغها، فيكون في هذا الدعاء ثناء على الله عز وجل بماذا؟ بالهداية السابقة، هم لو قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ كفى، لكن قالوا: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ليتوسلوا بنِعم الله السابقة إلى نعمه اللاحقة، وليثنوا على الله عز وجل بنعمه السابقة، وأنه عز وجل أهل للفضل والإنعام. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هداية دلالة ولَّا توفيق؟ * الطلبة: دلالة، توفيق. * الشيخ: أو الاثنين؟ * الطلبة: الاثنين. * الشيخ: نعم، الاثنين، فالمؤمنون هداهم الله هداية توفيق وهداية دلالة؛ هداية الدلالة أن بيَّن لهم الحق، وهداية التوفيق أن وفقهم لسلوك الحق، فمن الناس من يُحرم الهدايتين، ومن الناس من يحرم الهداية الثانية، ولا أظن أن أحدًا يُحرم الهداية الثانية فقط، يعني لا أظن أن أحدًا يُعطى الهداية الأولى والهداية الثالثة؛ لأنه لا يمكن أن يَتوفق إلا بعد العلم. من الناس من يُحرم الهدايتين فلا يكون عنده هداية دلالة ولا هداية توفيق مثل: النصارى، ضالون لم يعرفوا الحق ولم يعملوا به، ومن الناس من يُحرم هداية التوفيق مثل: اليهود؛ فاليهود علموا لكن لم يعملوا، ومن الناس من يرزق الهدايتين كالمؤمنين الذين أنعم الله عليهم، فهنا ﴿هَدَيْتَنَا﴾ يعني هداية الدلالة وهداية -أيش- التوفيق، فهم هُدوا إلى الحق للدلالة عليه، وهدوا إلى الحق بالتوفيق، هل تستطيعون أن تأتوا بدليل على هداية الدلالة فقط؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]. * الشيخ: نعم، ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ كذا؟ هداية التوفيق؟ * طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]. * الشيخ: نعم، يعني لا توفق للهداية ولكن الله يهدي من يشاء، أما هداية الدلالة فلا شك أن رسول الله ﷺ قد هدى الناس ودلهم ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]. بعد إذ هديتنا. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران ٨] (هبْ) بمعنى: أعطِ، والهبة هي العطاء بلا عِوض وكمالها بلا مِنَّة، الإعطاء بلا عوض هبة، وكمالها أن لا يصحبها مِنة، والله سبحانه وتعالى له المنة علينا كما قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]. والأمر هنا الصيغة هنا لأيش؟ للأمر ولَّا للدعاء؟ * الطلبة: للدعاء. * الشيخ: للدعاء نعم، ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ يعني: أعطنا ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك، وأضافوا هذه الهبة إلى الله لئلا يكون لأحد عليهم مِنة سواه، هذا من وجه؛ ولأنها إذا كانت من عند الله -وهو أكرم الأكرمين- صارت هبة عظيمة؛ لأن العطاء على قدْر مَنْ؟ * الطلبة: المعطي. * الشيخ: على قدر المعطي، ولهذا قالوا: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: هبة لا يمن بها علينا أحد سواك، وهبة عظيمة؛ لأنها تأتي من عندك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر حين سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته قال: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيًرا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٣٨٧)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]]. قال: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ رحمة. الرحمة سبق لنا أيضًا مرارًا وتكرارًا أن الرحمة صفة من صفات الله عز وجل، وتطلق على نِعمه؛ لأنها من آثار رحمته كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]. وقال الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[ حديث متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، فتطلق الرحمة على هذا وهذا، ومن أي النوعين في هذه الآية: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾؟ * الطلبة: الرحمة الثانية. * الشيخ: الثانية التي هي النعم، وهي من آثار رحمته، ﴿هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ والرحمة يحصل بها المطلوب وينجو بها الإنسان من المرهوب، فإن جُمعت مع المغفرة صار بالرحمة حصول المطلوب، وبالمغفرة النجاة من المرهوب. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨] الجملة هنا استئنافية للتعليل والتوسل، يعني أننا إنما طلبنا منك الهبة هبة رحمة؛ لأنك أنت الوهاب، وهي مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها (الكاف)، وخبرها (الوهاب)، والضمير (أنت) يسمى ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد من يعرفها؟ * طالب: (...) توكيد المعنى. * الشيخ: التوكيد. * الطالب: الفصل بين الخبر والصفة. * الشيخ: الفصل بين الخبر والصفة يعني عدلت عن الأول؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، والتوكيد. * الطالب: والحصر. * الشيخ: والحصر، طيب هذه ثلاثة أشياء، يعني له ثلاث فوائد: أولًا: الفصل بين الصفة والخبر. والثاني: أيش؟ التوكيد. والثالث: الحصر، ونضرب مثلًا لهذا يتبين به الأمر، إذا قلت: زيد الفاضل، فإن كلمة الفاضل يحتمل أن تكون خبرًا ويحتمل أن تكون صفة والخبر محذوف، والتقدير: زيدٌ الفاضلُ حاضر، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل، تَعيَّن –أيش- أن تكون خبرًا، كذلك إذا قلت: زيد الفاضل يحتمل أن يكون غيره فاضلًا أيضًا، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل. * طالب: حصر. * الشيخ: هذا حصر، حصر نصه بالحصر؛ يعني ليس غيره فاضل كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣]. الثالث: التوكيد فإنك إذا قلت: زيد الفاضل حكمت له بالفضل، لكن إذا قلت: هو الفاضل زدته توكيدًا، هنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ تنطبق عليه هذا، فنقول: (أنت) ضمير فصل للتوكيد والحصر وتَعَيُّن ما أن ما بعده خبر أيش؟ * الطلبة: لا صفة. * الشيخ: لا صفة. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ الوهَّاب: يعني كثير الهبة، ولا يصح أن تكون نسبة؟ * طالب: يصح أن تكون. * الشيخ: يصح، يصح أن تكون للنسبة، ويصح أن تكون للمبالغة، ويمكن أن نقول: إنها للأمرين جميعًا، فهو الوهَّاب يعني الكثير العطاء، وهذه صفة لازمة له، وهو كذلك كثير من يعطي؛ يعني الذين يعطيهم الله كثيرون لا يحصون. قال النبي ﷺ: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣ / ٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] شوف كيف؟ * طالب: لم ينقص. * الشيخ: إي نعم، لم ينقُص. وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِيَ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]. وهل هذا ينقص البحر شيئًا؟ لا؛ فالله عز وجل لا يحصي أحد هباته أبدًا، حتى بالنسبة لك أنت بنفسك لا تحصي هبات الله لك ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. في هذه الآية عدة فوائد: أولًا: مشروعية الدعاء بهذه الصيغة؛ لأنه دعاء الراسخين في العلم وأُولي الألباب. * من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تصدير الدعاء باسم الرب ﴿رَبَّنَا﴾. * ومن فوائدها: أن الإنسان لا يملك قلبه، ولهذا تسأل الله أن لا يزيغ قلبك، فلا تغتر بنفسك أنك مؤمن، فكم من إنسان مؤمن زل -والعياذ بالله- ولكن اسأل الله دائمًا أن يثبتك، وأن لا يزيغ قلبك، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَزَاغَهَا وَإِنْ شَاءَ هَدَاهَا، يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٤ / ١٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]. * من فوائد الآية الكريمة: الدلالة على أن بصلاح القلب صلاح جميع الجسد؛ لأنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران ٨]. * من فوائد الآية الكريمة: أن للقلب حالين: حال استقامة، وحال زيغ، والإنسان مضطر إلى أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يزيغ قلبه حتى يكون مستقيمًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بنعمه لقولهم: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨]. ومنها: الثناء على هؤلاء السادة حيث اعترفوا لله تعالى بالنعمة في قولهم أيش؟ * الطلبة: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. * الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التخلية تكون قبل التحلية. * الشيخ: الكلام هذا معروف؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: التخلية تكون قبل التحلية؛ يعني يُفرغ المكان من الشوائب والأذى ثم يُطهر، من أين يؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ثم قال: ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران ٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مضطر إلى ربه في الدفع والرفع، وإن شئت فقل: في الجلب والدفع، لأنهم سألوا أيش؟ أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وسألوا أن يهب لهم منه رحمة، فدعاؤهم أن لا يزيغ قلوبهم هذا دعاء بالدفع ولَّا بالرفع؟ * طالب: بالدفع. * الشيخ: انتبه، لا تزغ بعد إذ هديت، إذن بالرفع ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ هذا بالدفع؛ يعني: هب لنا من لدنك رحمة ندفع بها السوء و ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ترفع عنا الهداية بعد أن اهتدينا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العطاء يكون على قدر المعطي لقوله: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾. هل يمكن أن نجعل هذا من باب التوسل بحال المدعو، أو نقول: إن هذا من باب التوسل بصفات الله عز وجل؟ هذا الثاني أظهر؛ لأنه مر علينا أن التوسل ينقسم إلى ستة أقسام. * ومن فوائد الآية الكريمة: التوسل بأسماء الله لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فإن من مقتضى كونه وهابًا أن يهب لنا من لدنه رحمة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان مفتقِر إلى رحمة الله عز وجل، ولهذا سأل الله أن يهَب له من لدنه رحمة.

آل عمران 3:9

ثم قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران ٩]. هذا يقول فيه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ ونقول في إعراب ﴿رَبَّنَا﴾ كما قلنا في إعراب ما سبق. وقوله: ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ﴿جَامِعُ﴾ اسم فاعل، وهنا لم يعمل؛ لأنه أضيف، ولولا الإضافة لكان يقول: ربنا إنك جامعٌ الناسَ، لكن بالإضافة لا يعمل إلا الجر. وقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ المعنى: أنه يجمعهم لهذا الوقت، فاللام هنا للتوقيت، فهي كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء ٧٨] أي: وقت دلوكها، أو كقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي: وقت عدتهن، فالله تعالى جامع الناس لهذا الوقت ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك، ولكن الريب أبلغ من الشك، وإن كان معناهما متقاربًا؛ لأن الريب فيه زيادة قلق واضطراب مع الشك، والشك خالٍ من ذلك، ولهذا جاءت كلمة ريب الدالّة لمفهومها اللفظي على أن هناك نوعًا من القلق والاضطراب الحاصل بالشك؛ لأن من الشكوك ما لا يولِد هما ولا غمًّا ولا اضطرابًا ولا يهتم به الإنسان، ومن الشكوك ما يهتم به الإنسان ويضطرب ويقلق مثل هذه الأمور العظيمة الواردة في الأخبار باليوم الآخر فإن الإنسان لا بد أن يطمئن اطمئنانًا كاملًا. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إعرابها: أن (لا): نافية للجنس، و(ريب): اسمها، و(فيه): جار ومجرور متعلق بمحذوف خبرها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ الجملة تأكيد لما سبق من كونه تعالى جامع الناس ليوم لا ريب فيه، في هذه الآية يقول الله تعالى عن هؤلاء السادة: إنهم بعد أن يدعو الله بما سبق يخبروا هذا الخبر المعبر عن إيمانهم ويقينهم بأنهم يؤمنون بأن الله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومن ثم دعوا الله أن لا يزيغ قلوبهم، وأن يهب لهم منه رحمة؛ لأنهم يؤمنون بأن هناك يومًا يجمع الله فيه الناس فيجازيهم بأعمالهم، فيقول الله عز وجل مخبرًا عن هؤلاء: إنهم يقرون بهذا اليوم الآخر، وأن الله تعالى سيجمع الناس أولهم وآخرهم كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣] ما أكثر الناس الذين سبقونا، وما أكثر الناس الذين يلحقون بنا والله أعلم، ومع هذا كل هؤلاء الناس سوف يُجمعون في صعيد واحد يُسمعهم الداعي ويَنفُذهم البصر، يسمعهم الداعي؛ لأنه لا يحول بينهم وبين صوته لا شجر ولا جدار ولا جبال ولا أودية، وكذلك ينفذهم البصر؛ لأنهم في أرض مبسوطة غير كُروية فيكون البصر يرى أقصاهم مثل ما يرى أدناهم، وهذا ظاهر أنه إذا كانت الأرض كلها مبسوطة بسط الأديم -كما أخبر بذلك النبي ﷺ- فإن أقصاها سيكون مثل أدناها، لكن على شكلها الحاضر كروية كلما بعُد الشيء اختفى عنك منه جزء فيختفي أول ما يختفي عنك الجزء الأسفل، ثم لا يزال يختفي شيئًا فشيئًا حتى لا تراه، فالله تعالى يجمع الناس كلهم في ذلك اليوم من أولهم إلى آخرهم، وهل يجمع غيرهم أيضًا؟ نعم، يجمع الجن، ويجمع غيرهم؟ نعم، ما هي؟ الوحوش والبهائم ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥] ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير ٤]، وغيرهم؟ نعم، الملائكة ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبأ ٣٨] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢]. إذن هذا اليوم يوم عظيم، يوم عظيم، كل عاقل سوف يعمل له، سوف يسأل الله تعالى أن يقيه شر ذلك اليوم. ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران ٩] لا شك فيه، لا يرتاب فيه المؤمن، لماذا؟ لأنه دل عليه السمع، ودل عليه العقل، ودلت عليه الفطرة، ونقول: دل عليه إجماع المسلمين؟ نعم، دل عليه إجماع المسلمين، واليهود، والنصارى وكل متدين بدين، فلا أدلة تجتمع هذا الاجتماع على مثل الإيمان باليوم الآخر، ولهذا قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، دل عليه الكتاب، أظن دلالة الكتاب واضحة، دل عليه الكتاب في عدة آيات لا تحصى، ودلت عليه السنة أيضًا بأحاديث كثيرة لا تُحصى، ودل عليه العقل، ليس دل على إمكانه بل دل على وجوبه، وهذا هو المراد هنا، كيف دل على وجوبه؟ ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص ٨٥] إن الذي فرض عليك القرآن وأوجبه عليك لا بد أن يردك إلى معاد فلا يمكن أن يدعك سُدى، إذ ما الفائدة في قرآن ينزل، ورسل تُرسل، ودماء تراق للمخالفين والنتيجة؟ لا شيء، إذن لا فائدة، فلا بد من يوم يجازى فيه الناس على هذه الأعمال، فالعقل يدل على أنه لا بد من أن نحشر إلى الله عز وجل، وأن نجازى بعمل، وأن لا يمكن أن تخلق السماوات والأرض، ويرسل الرسل، وتُنزل الكتب ويكون النتيجة والغاية أن نُرمس في الأرض ولا نعود، لا بد من عودة، ولهذا نقول إن العقل دل على أيش؟ على وجود اليوم الآخر ووقوعه وأنه لا بد واقع. * الشيخ: وأيش تكون ما دل عليه أيضًا؟ * طالب: الفطرة. * الشيخ: فإن الإنسان بفطرته لو تُرك وفطرته لعلم أن له ربًّا يجازيه، وأن الجزاء يكون في الآخرة ويكون في الدنيا، ودل عليه الإجماع؛ إجماع المسلمين أمر متواتر معلوم بالضرورة من الدين بل وإجماع اليهود والنصارى حتى اليهود والنصارى يؤمنون باليوم الآخر، ولهذا إلى يومنا هذا إذا مات منهم الميت يصلون عليه، ويدعون له بالرحمة والمغفرة؛ لأنهم يؤمنون بيوم الحساب، لكن على كل حال هم آمنوا وحرموا فائدة الإيمان، فلم يؤمنوا برسول الله ﷺ، فكان إيمانهم بهذا اليوم حُجة عليهم وليس حجة لهم. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران ٩ ١٢]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨] هذه الجملة ما تعلقها بما قبلها؟ * طالب: هذه الجملة تعلقها بما قبلها من دعاء الراسخين في العلم. * الشيخ: نعم، من دعاء الراسخين في العلم يعني: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران ٧] ويقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. * الشيخ: ما معنى الزيغ؟ * الطالب: الزيغ هو الميل. * الشيخ: ومنه؟ * الطالب: زاغت الشمس. * الشيخ: أي؟ * الطالب: مالت. * الشيخ: عن كبد السماء. قولهم: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ما مناسبتها لما قبلها؟ * طالب: (...) علاقتها بما قبلها؟ * الشيخ: نعم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾؟ * الطالب: من أي ناحية؟ * الشيخ: صلتها بما قبلها؟ يعني هل وجودها وعدمها سواء أو وجودها فيه فائدة؟ * طالب: فيه فائدة، وهي يعني التوسل إلى الله بأن الله قد هداهم. * الشيخ: نعم، التوسل إلى الله تعالى بهدايته إياهم أن لا يزيغ؟ * الطالب: بأن لا يزيغ قلوبهم بعد. * الشيخ: بعد الهداية، أحسنت، هذا واحد، الفائدة ثانية؟ * طالب: الثناء على الله. * الشيخ: صح، الثناء على الله بهدايته فهو من باب التحدث بنِعم الله عز وجل. ما فائدة قوله: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾؟ * الطالب: أي: رحمة عندما تكون من لدنه تكون عظيمة، وتكون لا نريدها من غيرك. * الشيخ: نعم، يعني الإخلاص، وأن تكون هذه الرحمة عظيمة؛ لأنها من عند الله، هل ورد لها نظير من السنة؟ * طالب: تعليم الرسول ﷺ لأبي بكر قال: * الشيخ: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. * الطالب: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: * الشيخ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ». * الطالب: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا فَاغْفِرْ لِي». * الشيخ: «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ». * الطالب: «إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ إِنَّك أَنْتَ». * الشيخ: «وَارْحَمْنِي». * الطالب: «وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ». * الشيخ: «الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٣٨٧)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]]، نعم. * الشيخ: قوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾ من أسماء الله، فمجيئها على هذه الصيغة هل هو للمبالغة أو للنسبة؟ أو لهما جميعًا؟ * الطالب: لهما جميعًا. * الشيخ: لهما جميعًا، اشرح ذلك؟ * الطالب: (...) يكون حال. * الشيخ: إيه، نعم. * الطالب: ثانيًا: أنها للمبالغة. * الشيخ: لا، مبالغة لكثرة من يهب لهم، فإن الموهوب لهم لا يحصيهم إلا الله عز وجل. قوله: ﴿جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران ٩] ما المراد بهذا اليوم؟ * الطالب: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة، وما معنى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * الطالب: أي: لا شك فيه. * الشيخ: أي: لا شك فيه. إذن ريب مرادف لشك، هل بينهما فرق؟ * الطالب: نعم، الريب يكون يعني متردّد بين شك وقلق. * الشيخ: شك بقلق. * الشيخ: والشك؟ * الطالب: شك. * الشيخ: شك بدون قلق. يعني يكون متردد لكن ما يكون معه قلق نفسي، لكن هذا؛ لأن الأمر فيه هام يكون فيه قلق لما شك فيه، لكن المؤمنين لا يشكون فيه، لا يرتابون فيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران ٩] هذه الجملة موقعها مما قبلها للتأكيد، تأكيد وقوع ذلك اليوم، وجه ذلك: أن الله وعد به وهو لا يخلف الميعاد، أي: لا يخلف ما وعد به عز وجل من وقوع هذا اليوم، وهذه الجملة أيضًا إذا تأملتها وجدتها أنها تخالف ما قبلها في السياق؛ لأن ما قبلها السياق فيه للمخاطَب ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران ٩]، وأما فيها فالسياق فيها للغائب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ولم يقل: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، فهل هذا من باب الالتفات والكلام من متكلم واحد؟ أو هذا من باب الاستئناف وهو من الله لا من قول الراسخين في العلم؟ على قولين للمفسرين؛ فمنهم من قال: إن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ من كلام الله، وليس فيه التفات على هذا التقدير، ومنهم من قال: إنه من كلام الراسخين في العلم، وعلى هذا التقدير يكون فيه التفات، ولكل منهما مرجِّح، فمن رجح الأول قال: إن الالتفات خروج بالكلام عن المألوف، والأصل عدمه، وعليه فيكون الكلام من كلام الله، ومن قال: إنه من كلام الراسخين وفيه التفات قال: لأن الأصل أن الكلام من متكلم واحد لا سيما وأن بعضه مرتبط ببعض ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فهو مرتبط بعضه ببعض، وهذا القول عند التأمل أرجح، ويكون فائدة الالتفات أولًا: تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا كان الكلام على نسق واحد بقي الإنسان منسجمًا معه لا يتفطن، وتمر به الأشياء وهو ماشي، فإذا اختلف أسلوب الكلام وتغير عليه الأسلوب فحينئذٍ ينتبه، ينتبه لأيش تغير؟ ولماذا تغير؟ فيكون فيه فائدة -أيش- التنبيه؛ تنبيه المخاطب، أما من حيث المعنى فلأن مجيئه بصيغة الغائب أبلغ في التعظيم، كأن الرب عز وجل الذي هو الله كأنه ملِك عظيم -وهو ملك عظيم سبحانه وتعالى- يُتحدث عنه بصيغة الغائب تفخيمًا وتعظيمًا كما يقول الملِك الذي يعظم نفسه للجنود: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، أو يقول القائد: إن القائد يأمركم بكذا وكذا بدلًا أن يقول: إني آمركم، وعلى كل تقدير فالصفة هنا من باب الصفات أيش؟ من باب الصفات السلبية أو الثبوتية؟ * الطلبة: السلبية. * الشيخ: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ سلبية؛ لأنها صفة نفي، وقد مر علينا أنه لا يوجد في صفات الله صفة سلبية محضة، وأن النفي الموجود في صفة الله متضمن لثبوت كمال ضده، وأنه لكمال ضده لا يوجد هذا الشيء، فهنا ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ضد عدم إخلاف الميعاد ما هو؟ * الطلبة: إخلاف الميعاد. * الشيخ: إخلاف الميعاد، إخلاف الميعاد يكون إما لكذب الواعد وإما لعجزه، كل من وعدك فأخلفك فهو لأحد أمرين: إما لأنه كذوب يعد فيُخلف، وإما لأنه عاجز، واضح؟ رجل قال: سآتيك غدًا ولم يأتِك، لماذا؟ يحتمل أنه كذوب فوعد وأخلف، كذا؟ وإما لأنه عاجز، هو صادق بأنه سيأتي لكن عجز، جاءه مانع يمنعه من مرض أو غيره ولم يأتِ، إذن انتفاء إخلاف الله الميعاد لكمال صدقه، وكمال قدرته عز وجل، فلكمال صدقه وكمال قدرته لا يخلف الميعاد، وهذه الجملة قلت لكم: كالتأكيد لما سبق ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لأنك لا تخلف الميعاد ومن لا يخلف الميعاد فلا بد أن ينجز ما وعد ويحققه. الفوائد: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في هذه الآية فوائد، منها: أن يوم القيامة آتٍ لا ريب فيه لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ومنها: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بجمع الناس كلهم في هذا اليوم، ومع هذا فإن هذا الجمع لا يحتاج إلى مدة ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات ١٣ - ١٥]. ومنها: الحكمة حكمة الله عز وجل في جمع الناس لهذا اليوم؛ لأن هذا الجمع له ما بعده، وهو جزاء كل عامل بما عمل كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ [التغابن ٩، ١٠]. إذن فهذا الجمع لحكمة وهو: جزاء العامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نؤمن إيمانًا لا شك فيه بهذا اليوم، فإن شك أحد أو أنكر فليس بمؤمن، فهو كافر. والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام، وإن شئت فقل: أربعة: مؤمن إيمانًا لا ريب فيه، وشاكّ، وكافر مُنكر، وكافر مجادِل؛ يعني مع كونه منكرًا يجادل ويخاصم، كفار قريش من أي الأنواع؟ من النوع الرابع، المنكر المجادل، ومن الناس من هو منكر لا يجادل، لكنه في نفسه منكر ما صدق، ومن الناس من هو مُتردد شاكّ، ومن الناس من هو مؤمن إيمانًا يقينيًّا كأنه رأي العين في قلبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء صفة خُلْف الوعد عن الله عز وجل لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وانتفاء هذه الصفة يتضمن كماله في شيئين وهما: الصدق والقدرة، فلكمال صدق الله عز وجل وكمال قدرته لا يخلف الميعاد بل لا بد أن يقع ما وعد به.

آل عمران 3:10

ثم قال عز وجل مبينًا حال الكفار في ذلك اليوم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفروا بما يجب الإيمان به، فكفروا بالله، أو باليوم الآخر، أو بالملائكة، أو بالكتاب، أو بالنبيين، أو بالقدر، إذا كفروا بأي واحد من هذه الأشياء الستة فهم كفار، كفار؛ لأن الإيمان لا يتبعض كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١]. وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة ٨٥]. فالذين كفروا نقول بماذا؟ بما يجب الإيمان به؛ وهي الأركان الستة التي بينها الرسول ﷺ جوابًا لجبريل حين سأله عن الإيمان فقال أيش؟ يلَّا. * الطالب: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذا اللفظ.]]. * الشيخ: نعم، هذه إذا كفر بواحد منها فهو كافر، الكفار لهم أموال، ولهم أولاد، وربما يعطيهم الله من الأولاد والأموال أكثر مما يعطي المؤمنين، فهل ينتفعون بهذا؟ يقول الله عز وجل: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿تُغْنِيَ﴾ لها معنيان: تمنع أو تدفع، فهؤلاء الأموال والأولاد لا يمنعون عن هؤلاء الكفار شيئًا ولا يدفعون عنهم شيئًا، فهم إن وقع بهم شيء من عذاب الله ما استطاع هؤلاء الأولاد أو هذه الأموال أن ترفعهم، وإن قضى الله عليهم بشيء لم يستطيعوا أن يمنعوه ويدفعوه، إذن ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ لم تمنع، ولم تدفع، ولم ترفع ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿أَوْلَادُهُمْ﴾ الذكور أو الإناث؟ * الطلبة: يشمل. * الشيخ: يشمل؛ لأن الولد إذا أُطلق فهو شامل للذكر والأنثى، ما الدليل على أن الولد يشمل الذكر والأنثى؟ * الطلبة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. * الشيخ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [النساء ١١]. ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا تجد الواحد منهم عنده من الأموال العظيمة الكثيرة شيء كثير، ولكن لو جاءه ملك الموت ما منعه، ما منعته هذه الأموال، عنده من الأولاد والحشم والخدم الشيء الكثير ولا تغني عنه شيئًا. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٠] أعوذ بالله. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ نشوف الإعراب أولًا لنفهم المعنى: (أولاءِ) مبتدأ، (وهم) مبتدأ ثاني أو ضمير فصل، (وقود) خبر إما للمبتدأ الثاني وإما للمبتدأ الأول، فإن جعلت (هم) مبتدأ ثانيًا فـ (وقود) خبر للمبتدأ الثاني، وإن جعلت (هم) ضمير فصل فـ (وقود) خبر للمبتدأ الأول، والوَقود بفتح الواو ما يُوقد به كالطَّهور ما يُتطهر به، والسَّحور ما يتسحر به، والفَطور ما يُفطر به بخلاف الضم فُطور، وسُحور، وطُهور، ووُضوء فهي الأفعال يعني فرق بين وَضُو ووُضُو، وطَهور وطُهور، وسَحور وسُحور، السُّحور يعني الفِعل أكل السُّحور، هذا يكون بضم السين، سَحور: ما يتسحر به، فإذا جاء الإنسان بالتمر في آخر الليل، فماذا نسمي هذا التمر؟ سَحور، فإذا أكله سميناه سُحورًا، إذا جاء بماء يتوضأ به فهو وَضوء، وإذا فعل وغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه نسميه وُضوء، وعلى هذا فقِس. وهنا يقول: ﴿وَقُودُ﴾ يعني ما توقد به النار مثل الحطب، الحطب وقود النار، هؤلاء الكفار هم وقود النار، ولها وقود آخر ما هو؟ * الطلبة: الحجارة. * الشيخ: الحجارة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم ٦]. فهؤلاء وقود النار، وإذا كانوا -والعياذ بالله- وقودها فإنها تتسعَّر بهم أو تُسعر بهم وهي في نفس الوقت تحرقهم نسأل الله العافية. قال: ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾ والنار: اسم من أسماء جهنم، وهي الدار التي أعدها الله تعالى للمكذبين برسلهم، وحرُّها شديد، وفيها زمهرير برده شديد والعياذ بالله، حرها قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِكُمْ هَذِهِ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (3265)، ومسلم (2843 / 30) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] أعوذ بالله، كم يكون مقدارها؟ * الطلبة: سبعين. * الشيخ: سبعين، سبعين يعني بالإضافة إلى نار الدنيا تكون أشد منها فتكون مثلها سبعين مرة. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران ١١]. قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾ الكاف للتشبيه، والجار والمجرور خبر لمبتدأ مقدم؛ أي: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون، والدَّأْب: يطلق على الشأن، ويطلق على العادة، فمثل هذه الآية: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يعني كشأنهم، وإذا قلت: فلان هذا دأبه؛ أي: هذه عادته. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أتباعه، وفرعون اسم علم لكل من ملك مصر كافرًا، كل من ملك مصر كافرًا يسمى (فرعون)، كما أن كل من ملك الروم يسمى (قيصر)، ومن ملك الفرس يسمى (كسرى). ﴿آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقبل آل فرعون أمم، فقوم إبراهيم قبلهم، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وقوم لوط قبلهم، وقوم نوح قبلهم، وقوم هود قبلهم، وقوم عاد قبلهم؛ يعني قبلهم أمم، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما دأبهم؟ بينه بقوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا بكل ما يدل عليها من الآيات الكونية والآيات الشرعية، وأكثر ما يكون أن يكذبوا بالآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية قل من يُكذِّب بها فالآيات الكونية مخلوقات الله، وقل من ينكر أن يكون الخالق هو الله، لكن الآيات الشرعية التي هي الوحي التي جاءت به الرسل هو الذي يقع فيه التكذيب، فآل فرعون كذبوا بآيات الله، وأيش قال فرعون لموسى؟ قال له: إنك لمجنون. ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧]. وقال: إنه ساحر، ووصفه بأوصاف بالغة وهدَّده: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. وكان يُذبِّح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، ويقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، ويقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف ٥٢، ٥٣]. وقد ذكر الله سبحانه تعالى قصته في كتابه كثيرًا من أجل اليهود الذين كانوا في المدينة، ومن أجل الأنصار الذين تلقوا من علوم اليهود شيئًا كثيرًا. يقول: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١١]. ﴿أَخَذَهُمُ﴾ يعني: أهلكهم، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم، والذنب هو المعصية ومعاصي هؤلاء كلها كفر والعياذ بالله، ولهذا أخذوا. وبماذا أخذ فرعون وقومه؟ أُخذ بالغرق فأُهلك بما كان يفتخر به، كان يقول لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١] فأُهلك بماذا؟ بالماء الذي كان يجري جنسه من تحته، وكان مفخرة له أهلكه الله عز وجل بالماء، والقصة معروفة فإن فرعون جمع جميع أهل المدائن من أجل الكيد لموسى، فخرج موسى من مصر هو وقومه واتجهوا بأمر الله إلى جهة بحر القُلزم، وهو البحر الأحمر المعروف الذي يفصل بين قارة أفريقيا وآسيا من ناحية جِدة، فلما وصلوا إلى البحر قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء ٦١] كيف؟ لأن البحر أمامهم وفرعون وقومه خلفهم، فهم هالكون على كل حال، إن ذهبوا إلى البحر هلكوا بالبحر، وإن بقوا هلكوا بفرعون وجنوده فقال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿كَلَّا﴾ [الشعراء ٦٢] يعني لستم بمدركين، ثم علَّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢] الله أكبر! شوف الإيمان عند الشدائد كيف يكون؟! يرى أن البحر أمامه وفرعون وجنوده خلفه وأصحابه على ما عندهم من الإيمان قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ لكنه قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. الله أكبر! فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضرب البحر بعصاه فانفلق بعد كم يوم؟ * الطلبة: في الحال. * الشيخ: في الحال بلحظة، الدليل أنه بلحظة؟ لأنه قال: ﴿فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء ٦٣] ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء ٦٣] شوف حذف الله حتى الفعل الذي حصل به الانفلاق؛ لأن هذا البحر لما أمر الله تعالى موسى أن يضربه تهيأ للانفلاق بمجرد هذه الضربة التي وقعت عليه انفلق، وكم كان؟ كان اثني عشر طريقًا يبسًا، يبس في الحال، وصاروا يمشون عليه على أقدامهم، وكانت المياه ككتل الجبال، وذكر بعض المفسرين من خبر بني إسرائيل أن الله جعل في هذه الكتل نوافذ يرى بعضهم بعضًا، كل هذه يرى بعضهم بعضا ليطمئن بعضهم على بعض، لما تكامل موسى وقومه خارجين وإذا بفرعون قد دخل هو وقومه فأمر الرب عز وجل البحر فانطبق عليه في الحال فغرقوا عن آخرهم ولما أدرك فرعون الغرق ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، لما رأى العذاب وعاين آمن ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ولكن لم ينفعه ذلك كما قال الله تعالى في أمثاله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]. ولهذا قيل لفرعون: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١] يعني آلآنَ تؤمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؟ يعني هذا الاستفهام للإنكار عليه ونفي انتفاعه بذلك الإيمان، ولكن قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] لا لمصلحتك، ولكن لتكون لمن خلفك آية، من الذين خلفه؟ بنو إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل كان فرعون قد أرعبهم، ولو لم يظهر لهم بدنه على سطح الماء لكانوا يشكون لعله ما دخل في قومه، لعله سلِم، فأبقى الله جسده: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ فقط لا بروحك، لماذا؟ ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] حتى يعلموا أنك قد مت. هل ترون أشد من هذا النكال -والعياذ بالله- بهذا الرجل الطاغية؟ أبدًا، نكال بالغ، جمع قومه، وظهر مظهر العزة ليقضي على موسى وقومه فأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٤١، ٤٢] عز وجل، أخذ عزيز غالِب لا يُغلب، مقتدر لا يعجز سبحانه وتعالى، وأُهلكوا بهذا الماء الذي كان فرعون يفتخر به؛ ولهذا قال: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١١] و(الباء) هنا للسببية من وجه، وللعوض من وجه آخر، كيف ذلك؟ للسببية يعني أنه بسبب ذنوبهم؛ لأن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ولم يأخذ الله أحدًا إلا بذنب، وللعوض من جهة أخرى أنه لم يظلمهم بل جعل جزاءهم من جنس العمل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران ١١] ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ خَتْمُ الآية بهذا الوصف مناسب جدًّا؛ لأن هؤلاء الذين أخذوا بذنوبهم، أخذوا بماذا؟ بالعقاب الشديد الذي لا أشد منه، ولا أظن أن أحدًا -إلى يومنا هذا- يستطيع أن يهلك عدوه كما أهلك الله فرعون، هل يستطيع أكبر دولة في العالم الآن أن تبرح الماء بهذه السرعة حتى يدخل العدو ثم تطبق الماء عليهم؟ أبدًا، لا يمكن، ولكنَّ شديد العقاب عز وجل الرب عز وجل الذي يُنزل عقابه بأعدائه لحكمة كان قادرًا على ذلك وبلحظة ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه ٧٧]. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [آل عمران ١٠] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم. في هذه من الفوائد: أن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا. * ومن فوائدها: أن المؤمنين قد ينتفعون بأموالهم وأولادهم وهو كذلك، فالمؤمن يتصدق بماله فينتفع، ويدعو له ولده في حياته وبعد موته فينتفع، أما الكافر فلا ينتفع ولو دعا له ولده، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وهل يحِل لولده أن يدعو له؟ * الطلبة: لا يحل. * الشيخ: لا، إلا إذا كان حيًّا فيحل أن يدعو له بالهداية، وأما أن يدعو له بعد موته فلا يمكن أن يدعو له. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكافر يملك، وجهه؟ قوله: ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ فأضاف المال إليهم، وهو دليل على أن الكافر يملك ماله، واختلف العلماء في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، هل يزول ملكه عما تحت يده أو لا؟ فمن العلماء من قال: إنه إذا ارتد الإنسان زال ملكه عما تحت يده، وعلى هذا فلا يصح أن يتصرف فيه، ولكن القول الراجح: أنه لا يزول ملكه إلا إذا مات على ردته فإن ملكه لا ينتقل إلى ورثته، بل إلى بيت المال، ومن المعلوم أننا لو قلنا: بأن المرتد يزول ملكه لحصل إشكال عظيم في عصرنا هذا، ما هو؟ أن بعض الناس لا يصلي، والذي لا يصلي مرتد، فإذا قلنا: بزوال ملك المرتد لزم من ذلك أن كل تصرف يتصرف به في ماله من لا يصلي فهو تصرف غير صحيح، إن باعوا شيئًا لم يصح البيع، وإن اشتروا شيئًا لم يصح الشراء، وإن استأجروا شيئًا لم يصح الاستئجار، وإن آجروا شيئًا لم يصح التأجير، وهذا وإن قال به بعض العلماء لكن الراجح أن ملكه باقٍ على ماله حتى يموت، فإذا مات فإننا نصرف ماله إلى بيت المال، ولا يرثه أحد من ورثته لقول النبي ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤/ ١) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. ]]. * من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وأنه لا ينفع مال ولا بنون من الله شيئًا لقوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ومِن غير الله؟ تُغني ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، تغني، من غير الله تغني، يمكن يدفع شيئًا من ماله ويسلم من القتل، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ويمكن أن يكون عنده أولاد شجعان، إذا أراده أحد بسوء دافعوا عنه، لكن من الله لا يغني عنهم مال ولا ولد. ومنها،* من فوائد الآية: تشجيع قلوب المؤمنين على الكافرين، وجهه؟ أن أموالهم وأولادهم لا تغني من الله شيئًا، فإذا انتصرنا بالله فإن ما عندهم من (...)، والذخائر، والأموال، والأولاد لا يغنيهم من الله شيئًا، أليس كذلك؟ بلى هو كذلك، ولهذا لو شاء الله عز وجل أن يبطل جميع ما فعلوه لأبطله، وأظنكم لا تنسون ما يحصل من الزلازل التي تدمر كثيرًا مما صنعوا، ولا تنسون أيضًا أن ما صنعوه قد يفسد بأيديهم، فكم من انفجارات حصلت في مخازن القنابل الذرية والنووية، وحصل بذلك شر كثير عليهم وعلى من حولهم، لو شاء الله سبحانه وتعالى لأعتم الجو فقط إعتامًا بالضباب ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قدرته وقوته لا يقهرها شيء. القنابل الذرية والنووية، وحصل بذلك شر كثير عليهم وعلى من حولهم، لو شاء الله سبحانه وتعالى لأعتم الجو فقط إعتامًا بالضباب ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قدرته وقوته لا يقهرها شيء، ولهذا قال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار في النار؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٠]، ولكن هل نشهد لكل كافر أنه في النار؟ لا، هل نشهد لكل كافر يعني بعينه أنه في النار؟ الجواب: لا، لكن نشهد على سبيل العموم ونقول: كل كافر في النار، كما نقول: كل مؤمن في الجنة ولكن لا نشهد لواحد معين بالجنة، ففرق بين العموم وبين الخصوص. وفي الآية أيضًا إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾ (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١١ - ١٤]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ هل المراد بالذين كفروا قوم معينون أم هو عام؟ * طالب: عام. * الشيخ: بل عام. * الطالب: (...). * الشيخ: وله أموال وأولاد فإن هؤلاء الأموال والأولاد؟ * الطالب: لن يغنوا عنه من الله شيئًا. * الشيخ: هل نفي الإغناء هنا في الدنيا أو في الآخرة؟ * طالب: في الآخرة. * الشيخ: وفي الدنيا؟ * الطالب: يمكن أن يغني عنهم في الدنيا. * الشيخ: من الله؟ * الطالب: لا، من الناس. * الشيخ: أبغي أقول: لن تغني عنهم من الله. * الطالب: في الآخرة لن تغني عنهم. * الشيخ: وفي الدنيا؟ * الطالب: من الله؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لا يغني عنهم. * الشيخ: اجزم؟ * الطالب: لا يغني عنهم جزم. * الشيخ: لا في الدنيا ولا في الآخرة، توافقون على هذا؟ نعم، لن تغني عنهم من الله شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد ١١]. قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، وقود النار بمعنى ما يوقد به، أي أنهم توقد بهم النار، وهل يشاركهم في ذلك أحد؟ * طالب: لا يشاركهم فيها أحد إلا من كفر برسله. * الشيخ: هم الكفار، نعم. * طالب: المنافقون. * الشيخ: المنافقون كفار. * الطالب: ولَّا اليهود. * الشيخ: لا لا. * طالب: الحجارة. * الشيخ: الحجارة، ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيش معناها؟ * طالب: يعني مثل قوم فرعون. * الشيخ: الدأب بمعنى؟ * الطالب: مثل قوم. * الشيخ: يعني ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: كمثل آل فرعون؟ * الطالب: كعادتهم وشأنهم. * الشيخ: كعادتهم وشأنهم. وأيش هذه الجملة، أو هذه الكلمة محلها من الإعراب؟ * طالب: محلها من الإعراب؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: يعني (دأب) مبتدأ، (آل فرعون) هو خبر. * الشيخ: لا لا. * الطالب: الدأب (...) مثله. * الشيخ: لا. * الطالب: ما هو إعرابه هذا. * الشيخ: لا ليس إعرابه هذا. * طالب: (كدأب) جار ومجرور خبر مقدم. * الشيخ: خبر مقدم لأيش؟ * الطالب: لمبتدأ مقدر. * الشيخ: خبر مقدم لمبتدأ مقدر؟ خبر مقدم ما دام المبتدأ مقدر فهو بيدك (...) تحطه بعد (...) تحطه قبل، إذن الآن تقولون: خبر لمبتدأ مقدر مؤخر كذا؟ * الطالب: أضربت عن المؤخر. * الشيخ: أضربت عن المؤخر؟ إذن خبر لمبتدأ مقدر والتقدير؟ * طالب: التقدير: دأبهم. * الشيخ: دأبهم كدأب آل فرعون، ما المراد بآل فرعون هنا؟ * طالب: فرعون؟ * الشيخ: آل فرعون. * الطالب: فرعون نفسه والذين اتبعوه أو الذين كفروا من قومه. * الشيخ: الذين اتبعوه، لأيش ما نقول: الذين اتبعوه؟ * الطالب: الذين كفروا من قومه أو الذين اتبعوه. * الشيخ: الذين اتبعوه، يعني هو وأتباعه. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل مَن؟ * طالب: مثل قوم نوح. * الشيخ: نعم. * الطالب: وعاد. * الشيخ: نعم. * الطالب: وثمود. * الشيخ: نعم، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، كثير. جملة: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ ما محلها من الإعراب؟ * طالب: جملة مستأنفة مبينة. * الشيخ: نعم، جملة استئنافية لبيان هذا الدأب. المراد بالآيات هنا؟ * طالب: الكونية والشرعية. * الشيخ: والشرعية، كيف التكذيب بالآيات الشرعية؟ * طالب: كذبوا بما أتى به موسى. * الشيخ: نعم، أو رسلهم؛ لأنه يقول: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. * الطالب: الرسل جميعًا، بما أتى به رسلهم. * الشيخ: نعم. * الطالب: وكذلك في الآيات الكونية. * الشيخ: في الآيات الكونية، كذّبوا بها إما بنسبتها إلى غير الله، أو بأن الله له فيها مشارك أو معين. قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الباء أيش معناها؟ * طالب: الباء هنا سببية. * الشيخ: الباء هنا سببية، أخذهم الله بسبب ذنوبهم، وتصح معنى آخر؟ * طالب: العوض. * الشيخ: العوض، يعني أن جزاءهم من جنس عملهم وعوضًا عنه، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، نأخذ الفوائد الآن. * من فوائد هذه الآيات، أولًا الآية الأولى: أن الكافرين قد يُرْزَقون بالأموال والأولاد. * طالب: أخذناها. * الشيخ: أخذتموها؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: * من فوائد الآية الكريمة: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهي الآية الثانية، * من فوائدها: أن الكفار المتأخرين كالكفار السابقين؛ لأن سنة الله تعالى في الخلق واحدة؛ لأنه عز وجل ليس بينه وبين الخلق نسَب يراعيه ويحابي من يتصل به، فالناس عند الله تعالى سواء، أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون وآله قد عُذِّبُوا في الدنيا كما سيُعَذَّبون في الآخرة؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: الرد على من زعم أن فرعون أسلم فنفعه إسلامه؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك على وجه المؤاخذة والمعاقبة، ولو كان تائبًا توبة تنفعه ما ذُكِر ذنبه بدون ذكر توبته؛ لأن الله تعالى عدْلٌ لا يذكر أحدًا بذنب تاب منه إلا أن يبين توبته، فآدم عليه الصلاة والسلام لما أكل من الشجرة وحصل له ما حصل وتاب إلى الله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ٣٧]، ذكر الله تعالى معصيته وذكر أنه تاب، وذكر أنه بعد التوبة كان خيرًا منه قبلها ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله، وهي العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده، وعلى ما تتضمنه هذه الآيات من صفاته؛ فمثلًا نزول الرحمة، نزول الغيث، دليل على الرحمة، آية على رحمة الله، على وجوده وعلى رحمته، نزول العقوبات دليل على وجود الله وعلى غضبه، وهكذا كل آية تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، وعلى ما تقتضيه تلك الآية من الصفات، سواء كانت آية رحمة أو آية عذاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يظلم الناس شيئًا، وإنما يؤاخذهم بالذنوب، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين لا ينسبون فعل العبد إليه؛ لقوله: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾، فأضاف الذنوب إليهم، والفعل لا يُنْسَب إلا لمن قام به حقيقةً، والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

آل عمران 3:11

ثم قال عز وجل مبينًا حال الكفار في ذلك اليوم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفروا بما يجب الإيمان به، فكفروا بالله، أو باليوم الآخر، أو بالملائكة، أو بالكتاب، أو بالنبيين، أو بالقدر، إذا كفروا بأي واحد من هذه الأشياء الستة فهم كفار، كفار؛ لأن الإيمان لا يتبعض كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١]. وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة ٨٥]. فالذين كفروا نقول بماذا؟ بما يجب الإيمان به؛ وهي الأركان الستة التي بينها الرسول ﷺ جوابًا لجبريل حين سأله عن الإيمان فقال أيش؟ يلَّا. * الطالب: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذا اللفظ.]]. * الشيخ: نعم، هذه إذا كفر بواحد منها فهو كافر، الكفار لهم أموال، ولهم أولاد، وربما يعطيهم الله من الأولاد والأموال أكثر مما يعطي المؤمنين، فهل ينتفعون بهذا؟ يقول الله عز وجل: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿تُغْنِيَ﴾ لها معنيان: تمنع أو تدفع، فهؤلاء الأموال والأولاد لا يمنعون عن هؤلاء الكفار شيئًا ولا يدفعون عنهم شيئًا، فهم إن وقع بهم شيء من عذاب الله ما استطاع هؤلاء الأولاد أو هذه الأموال أن ترفعهم، وإن قضى الله عليهم بشيء لم يستطيعوا أن يمنعوه ويدفعوه، إذن ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ لم تمنع، ولم تدفع، ولم ترفع ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿أَوْلَادُهُمْ﴾ الذكور أو الإناث؟ * الطلبة: يشمل. * الشيخ: يشمل؛ لأن الولد إذا أُطلق فهو شامل للذكر والأنثى، ما الدليل على أن الولد يشمل الذكر والأنثى؟ * الطلبة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. * الشيخ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [النساء ١١]. ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا تجد الواحد منهم عنده من الأموال العظيمة الكثيرة شيء كثير، ولكن لو جاءه ملك الموت ما منعه، ما منعته هذه الأموال، عنده من الأولاد والحشم والخدم الشيء الكثير ولا تغني عنه شيئًا. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٠] أعوذ بالله. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ نشوف الإعراب أولًا لنفهم المعنى: (أولاءِ) مبتدأ، (وهم) مبتدأ ثاني أو ضمير فصل، (وقود) خبر إما للمبتدأ الثاني وإما للمبتدأ الأول، فإن جعلت (هم) مبتدأ ثانيًا فـ (وقود) خبر للمبتدأ الثاني، وإن جعلت (هم) ضمير فصل فـ (وقود) خبر للمبتدأ الأول، والوَقود بفتح الواو ما يُوقد به كالطَّهور ما يُتطهر به، والسَّحور ما يتسحر به، والفَطور ما يُفطر به بخلاف الضم فُطور، وسُحور، وطُهور، ووُضوء فهي الأفعال يعني فرق بين وَضُو ووُضُو، وطَهور وطُهور، وسَحور وسُحور، السُّحور يعني الفِعل أكل السُّحور، هذا يكون بضم السين، سَحور: ما يتسحر به، فإذا جاء الإنسان بالتمر في آخر الليل، فماذا نسمي هذا التمر؟ سَحور، فإذا أكله سميناه سُحورًا، إذا جاء بماء يتوضأ به فهو وَضوء، وإذا فعل وغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه نسميه وُضوء، وعلى هذا فقِس. وهنا يقول: ﴿وَقُودُ﴾ يعني ما توقد به النار مثل الحطب، الحطب وقود النار، هؤلاء الكفار هم وقود النار، ولها وقود آخر ما هو؟ * الطلبة: الحجارة. * الشيخ: الحجارة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم ٦]. فهؤلاء وقود النار، وإذا كانوا -والعياذ بالله- وقودها فإنها تتسعَّر بهم أو تُسعر بهم وهي في نفس الوقت تحرقهم نسأل الله العافية. قال: ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾ والنار: اسم من أسماء جهنم، وهي الدار التي أعدها الله تعالى للمكذبين برسلهم، وحرُّها شديد، وفيها زمهرير برده شديد والعياذ بالله، حرها قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِكُمْ هَذِهِ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (3265)، ومسلم (2843 / 30) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] أعوذ بالله، كم يكون مقدارها؟ * الطلبة: سبعين. * الشيخ: سبعين، سبعين يعني بالإضافة إلى نار الدنيا تكون أشد منها فتكون مثلها سبعين مرة. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران ١١]. قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾ الكاف للتشبيه، والجار والمجرور خبر لمبتدأ مقدم؛ أي: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون، والدَّأْب: يطلق على الشأن، ويطلق على العادة، فمثل هذه الآية: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يعني كشأنهم، وإذا قلت: فلان هذا دأبه؛ أي: هذه عادته. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أتباعه، وفرعون اسم علم لكل من ملك مصر كافرًا، كل من ملك مصر كافرًا يسمى (فرعون)، كما أن كل من ملك الروم يسمى (قيصر)، ومن ملك الفرس يسمى (كسرى). ﴿آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقبل آل فرعون أمم، فقوم إبراهيم قبلهم، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وقوم لوط قبلهم، وقوم نوح قبلهم، وقوم هود قبلهم، وقوم عاد قبلهم؛ يعني قبلهم أمم، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما دأبهم؟ بينه بقوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا بكل ما يدل عليها من الآيات الكونية والآيات الشرعية، وأكثر ما يكون أن يكذبوا بالآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية قل من يُكذِّب بها فالآيات الكونية مخلوقات الله، وقل من ينكر أن يكون الخالق هو الله، لكن الآيات الشرعية التي هي الوحي التي جاءت به الرسل هو الذي يقع فيه التكذيب، فآل فرعون كذبوا بآيات الله، وأيش قال فرعون لموسى؟ قال له: إنك لمجنون. ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧]. وقال: إنه ساحر، ووصفه بأوصاف بالغة وهدَّده: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]. وكان يُذبِّح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، ويقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، ويقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف ٥٢، ٥٣]. وقد ذكر الله سبحانه تعالى قصته في كتابه كثيرًا من أجل اليهود الذين كانوا في المدينة، ومن أجل الأنصار الذين تلقوا من علوم اليهود شيئًا كثيرًا. يقول: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١١]. ﴿أَخَذَهُمُ﴾ يعني: أهلكهم، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم، والذنب هو المعصية ومعاصي هؤلاء كلها كفر والعياذ بالله، ولهذا أخذوا. وبماذا أخذ فرعون وقومه؟ أُخذ بالغرق فأُهلك بما كان يفتخر به، كان يقول لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١] فأُهلك بماذا؟ بالماء الذي كان يجري جنسه من تحته، وكان مفخرة له أهلكه الله عز وجل بالماء، والقصة معروفة فإن فرعون جمع جميع أهل المدائن من أجل الكيد لموسى، فخرج موسى من مصر هو وقومه واتجهوا بأمر الله إلى جهة بحر القُلزم، وهو البحر الأحمر المعروف الذي يفصل بين قارة أفريقيا وآسيا من ناحية جِدة، فلما وصلوا إلى البحر قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء ٦١] كيف؟ لأن البحر أمامهم وفرعون وقومه خلفهم، فهم هالكون على كل حال، إن ذهبوا إلى البحر هلكوا بالبحر، وإن بقوا هلكوا بفرعون وجنوده فقال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿كَلَّا﴾ [الشعراء ٦٢] يعني لستم بمدركين، ثم علَّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢] الله أكبر! شوف الإيمان عند الشدائد كيف يكون؟! يرى أن البحر أمامه وفرعون وجنوده خلفه وأصحابه على ما عندهم من الإيمان قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ لكنه قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. الله أكبر! فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضرب البحر بعصاه فانفلق بعد كم يوم؟ * الطلبة: في الحال. * الشيخ: في الحال بلحظة، الدليل أنه بلحظة؟ لأنه قال: ﴿فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء ٦٣] ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء ٦٣] شوف حذف الله حتى الفعل الذي حصل به الانفلاق؛ لأن هذا البحر لما أمر الله تعالى موسى أن يضربه تهيأ للانفلاق بمجرد هذه الضربة التي وقعت عليه انفلق، وكم كان؟ كان اثني عشر طريقًا يبسًا، يبس في الحال، وصاروا يمشون عليه على أقدامهم، وكانت المياه ككتل الجبال، وذكر بعض المفسرين من خبر بني إسرائيل أن الله جعل في هذه الكتل نوافذ يرى بعضهم بعضًا، كل هذه يرى بعضهم بعضا ليطمئن بعضهم على بعض، لما تكامل موسى وقومه خارجين وإذا بفرعون قد دخل هو وقومه فأمر الرب عز وجل البحر فانطبق عليه في الحال فغرقوا عن آخرهم ولما أدرك فرعون الغرق ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، لما رأى العذاب وعاين آمن ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ولكن لم ينفعه ذلك كما قال الله تعالى في أمثاله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥]. ولهذا قيل لفرعون: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١] يعني آلآنَ تؤمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؟ يعني هذا الاستفهام للإنكار عليه ونفي انتفاعه بذلك الإيمان، ولكن قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] لا لمصلحتك، ولكن لتكون لمن خلفك آية، من الذين خلفه؟ بنو إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل كان فرعون قد أرعبهم، ولو لم يظهر لهم بدنه على سطح الماء لكانوا يشكون لعله ما دخل في قومه، لعله سلِم، فأبقى الله جسده: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ فقط لا بروحك، لماذا؟ ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] حتى يعلموا أنك قد مت. هل ترون أشد من هذا النكال -والعياذ بالله- بهذا الرجل الطاغية؟ أبدًا، نكال بالغ، جمع قومه، وظهر مظهر العزة ليقضي على موسى وقومه فأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٤١، ٤٢] عز وجل، أخذ عزيز غالِب لا يُغلب، مقتدر لا يعجز سبحانه وتعالى، وأُهلكوا بهذا الماء الذي كان فرعون يفتخر به؛ ولهذا قال: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١١] و(الباء) هنا للسببية من وجه، وللعوض من وجه آخر، كيف ذلك؟ للسببية يعني أنه بسبب ذنوبهم؛ لأن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ولم يأخذ الله أحدًا إلا بذنب، وللعوض من جهة أخرى أنه لم يظلمهم بل جعل جزاءهم من جنس العمل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران ١١] ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ خَتْمُ الآية بهذا الوصف مناسب جدًّا؛ لأن هؤلاء الذين أخذوا بذنوبهم، أخذوا بماذا؟ بالعقاب الشديد الذي لا أشد منه، ولا أظن أن أحدًا -إلى يومنا هذا- يستطيع أن يهلك عدوه كما أهلك الله فرعون، هل يستطيع أكبر دولة في العالم الآن أن تبرح الماء بهذه السرعة حتى يدخل العدو ثم تطبق الماء عليهم؟ أبدًا، لا يمكن، ولكنَّ شديد العقاب عز وجل الرب عز وجل الذي يُنزل عقابه بأعدائه لحكمة كان قادرًا على ذلك وبلحظة ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه ٧٧]. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [آل عمران ١٠] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم. في هذه من الفوائد: أن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا. * ومن فوائدها: أن المؤمنين قد ينتفعون بأموالهم وأولادهم وهو كذلك، فالمؤمن يتصدق بماله فينتفع، ويدعو له ولده في حياته وبعد موته فينتفع، أما الكافر فلا ينتفع ولو دعا له ولده، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: وهل يحِل لولده أن يدعو له؟ * الطلبة: لا يحل. * الشيخ: لا، إلا إذا كان حيًّا فيحل أن يدعو له بالهداية، وأما أن يدعو له بعد موته فلا يمكن أن يدعو له. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكافر يملك، وجهه؟ قوله: ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ فأضاف المال إليهم، وهو دليل على أن الكافر يملك ماله، واختلف العلماء في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، هل يزول ملكه عما تحت يده أو لا؟ فمن العلماء من قال: إنه إذا ارتد الإنسان زال ملكه عما تحت يده، وعلى هذا فلا يصح أن يتصرف فيه، ولكن القول الراجح: أنه لا يزول ملكه إلا إذا مات على ردته فإن ملكه لا ينتقل إلى ورثته، بل إلى بيت المال، ومن المعلوم أننا لو قلنا: بأن المرتد يزول ملكه لحصل إشكال عظيم في عصرنا هذا، ما هو؟ أن بعض الناس لا يصلي، والذي لا يصلي مرتد، فإذا قلنا: بزوال ملك المرتد لزم من ذلك أن كل تصرف يتصرف به في ماله من لا يصلي فهو تصرف غير صحيح، إن باعوا شيئًا لم يصح البيع، وإن اشتروا شيئًا لم يصح الشراء، وإن استأجروا شيئًا لم يصح الاستئجار، وإن آجروا شيئًا لم يصح التأجير، وهذا وإن قال به بعض العلماء لكن الراجح أن ملكه باقٍ على ماله حتى يموت، فإذا مات فإننا نصرف ماله إلى بيت المال، ولا يرثه أحد من ورثته لقول النبي ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤/ ١) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. ]]. * من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وأنه لا ينفع مال ولا بنون من الله شيئًا لقوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ومِن غير الله؟ تُغني ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، تغني، من غير الله تغني، يمكن يدفع شيئًا من ماله ويسلم من القتل، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ويمكن أن يكون عنده أولاد شجعان، إذا أراده أحد بسوء دافعوا عنه، لكن من الله لا يغني عنهم مال ولا ولد. ومنها،* من فوائد الآية: تشجيع قلوب المؤمنين على الكافرين، وجهه؟ أن أموالهم وأولادهم لا تغني من الله شيئًا، فإذا انتصرنا بالله فإن ما عندهم من (...)، والذخائر، والأموال، والأولاد لا يغنيهم من الله شيئًا، أليس كذلك؟ بلى هو كذلك، ولهذا لو شاء الله عز وجل أن يبطل جميع ما فعلوه لأبطله، وأظنكم لا تنسون ما يحصل من الزلازل التي تدمر كثيرًا مما صنعوا، ولا تنسون أيضًا أن ما صنعوه قد يفسد بأيديهم، فكم من انفجارات حصلت في مخازن القنابل الذرية والنووية، وحصل بذلك شر كثير عليهم وعلى من حولهم، لو شاء الله سبحانه وتعالى لأعتم الجو فقط إعتامًا بالضباب ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قدرته وقوته لا يقهرها شيء. القنابل الذرية والنووية، وحصل بذلك شر كثير عليهم وعلى من حولهم، لو شاء الله سبحانه وتعالى لأعتم الجو فقط إعتامًا بالضباب ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قدرته وقوته لا يقهرها شيء، ولهذا قال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار في النار؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٠]، ولكن هل نشهد لكل كافر أنه في النار؟ لا، هل نشهد لكل كافر يعني بعينه أنه في النار؟ الجواب: لا، لكن نشهد على سبيل العموم ونقول: كل كافر في النار، كما نقول: كل مؤمن في الجنة ولكن لا نشهد لواحد معين بالجنة، ففرق بين العموم وبين الخصوص. وفي الآية أيضًا إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾ (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١١ - ١٤]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ هل المراد بالذين كفروا قوم معينون أم هو عام؟ * طالب: عام. * الشيخ: بل عام. * الطالب: (...). * الشيخ: وله أموال وأولاد فإن هؤلاء الأموال والأولاد؟ * الطالب: لن يغنوا عنه من الله شيئًا. * الشيخ: هل نفي الإغناء هنا في الدنيا أو في الآخرة؟ * طالب: في الآخرة. * الشيخ: وفي الدنيا؟ * الطالب: يمكن أن يغني عنهم في الدنيا. * الشيخ: من الله؟ * الطالب: لا، من الناس. * الشيخ: أبغي أقول: لن تغني عنهم من الله. * الطالب: في الآخرة لن تغني عنهم. * الشيخ: وفي الدنيا؟ * الطالب: من الله؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لا يغني عنهم. * الشيخ: اجزم؟ * الطالب: لا يغني عنهم جزم. * الشيخ: لا في الدنيا ولا في الآخرة، توافقون على هذا؟ نعم، لن تغني عنهم من الله شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد ١١]. قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، وقود النار بمعنى ما يوقد به، أي أنهم توقد بهم النار، وهل يشاركهم في ذلك أحد؟ * طالب: لا يشاركهم فيها أحد إلا من كفر برسله. * الشيخ: هم الكفار، نعم. * طالب: المنافقون. * الشيخ: المنافقون كفار. * الطالب: ولَّا اليهود. * الشيخ: لا لا. * طالب: الحجارة. * الشيخ: الحجارة، ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيش معناها؟ * طالب: يعني مثل قوم فرعون. * الشيخ: الدأب بمعنى؟ * الطالب: مثل قوم. * الشيخ: يعني ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: كمثل آل فرعون؟ * الطالب: كعادتهم وشأنهم. * الشيخ: كعادتهم وشأنهم. وأيش هذه الجملة، أو هذه الكلمة محلها من الإعراب؟ * طالب: محلها من الإعراب؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: يعني (دأب) مبتدأ، (آل فرعون) هو خبر. * الشيخ: لا لا. * الطالب: الدأب (...) مثله. * الشيخ: لا. * الطالب: ما هو إعرابه هذا. * الشيخ: لا ليس إعرابه هذا. * طالب: (كدأب) جار ومجرور خبر مقدم. * الشيخ: خبر مقدم لأيش؟ * الطالب: لمبتدأ مقدر. * الشيخ: خبر مقدم لمبتدأ مقدر؟ خبر مقدم ما دام المبتدأ مقدر فهو بيدك (...) تحطه بعد (...) تحطه قبل، إذن الآن تقولون: خبر لمبتدأ مقدر مؤخر كذا؟ * الطالب: أضربت عن المؤخر. * الشيخ: أضربت عن المؤخر؟ إذن خبر لمبتدأ مقدر والتقدير؟ * طالب: التقدير: دأبهم. * الشيخ: دأبهم كدأب آل فرعون، ما المراد بآل فرعون هنا؟ * طالب: فرعون؟ * الشيخ: آل فرعون. * الطالب: فرعون نفسه والذين اتبعوه أو الذين كفروا من قومه. * الشيخ: الذين اتبعوه، لأيش ما نقول: الذين اتبعوه؟ * الطالب: الذين كفروا من قومه أو الذين اتبعوه. * الشيخ: الذين اتبعوه، يعني هو وأتباعه. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل مَن؟ * طالب: مثل قوم نوح. * الشيخ: نعم. * الطالب: وعاد. * الشيخ: نعم. * الطالب: وثمود. * الشيخ: نعم، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، كثير. جملة: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ ما محلها من الإعراب؟ * طالب: جملة مستأنفة مبينة. * الشيخ: نعم، جملة استئنافية لبيان هذا الدأب. المراد بالآيات هنا؟ * طالب: الكونية والشرعية. * الشيخ: والشرعية، كيف التكذيب بالآيات الشرعية؟ * طالب: كذبوا بما أتى به موسى. * الشيخ: نعم، أو رسلهم؛ لأنه يقول: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. * الطالب: الرسل جميعًا، بما أتى به رسلهم. * الشيخ: نعم. * الطالب: وكذلك في الآيات الكونية. * الشيخ: في الآيات الكونية، كذّبوا بها إما بنسبتها إلى غير الله، أو بأن الله له فيها مشارك أو معين. قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الباء أيش معناها؟ * طالب: الباء هنا سببية. * الشيخ: الباء هنا سببية، أخذهم الله بسبب ذنوبهم، وتصح معنى آخر؟ * طالب: العوض. * الشيخ: العوض، يعني أن جزاءهم من جنس عملهم وعوضًا عنه، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، نأخذ الفوائد الآن. * من فوائد هذه الآيات، أولًا الآية الأولى: أن الكافرين قد يُرْزَقون بالأموال والأولاد. * طالب: أخذناها. * الشيخ: أخذتموها؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: * من فوائد الآية الكريمة: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهي الآية الثانية، * من فوائدها: أن الكفار المتأخرين كالكفار السابقين؛ لأن سنة الله تعالى في الخلق واحدة؛ لأنه عز وجل ليس بينه وبين الخلق نسَب يراعيه ويحابي من يتصل به، فالناس عند الله تعالى سواء، أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون وآله قد عُذِّبُوا في الدنيا كما سيُعَذَّبون في الآخرة؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: الرد على من زعم أن فرعون أسلم فنفعه إسلامه؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك على وجه المؤاخذة والمعاقبة، ولو كان تائبًا توبة تنفعه ما ذُكِر ذنبه بدون ذكر توبته؛ لأن الله تعالى عدْلٌ لا يذكر أحدًا بذنب تاب منه إلا أن يبين توبته، فآدم عليه الصلاة والسلام لما أكل من الشجرة وحصل له ما حصل وتاب إلى الله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ٣٧]، ذكر الله تعالى معصيته وذكر أنه تاب، وذكر أنه بعد التوبة كان خيرًا منه قبلها ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله، وهي العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده، وعلى ما تتضمنه هذه الآيات من صفاته؛ فمثلًا نزول الرحمة، نزول الغيث، دليل على الرحمة، آية على رحمة الله، على وجوده وعلى رحمته، نزول العقوبات دليل على وجود الله وعلى غضبه، وهكذا كل آية تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، وعلى ما تقتضيه تلك الآية من الصفات، سواء كانت آية رحمة أو آية عذاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يظلم الناس شيئًا، وإنما يؤاخذهم بالذنوب، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين لا ينسبون فعل العبد إليه؛ لقوله: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾، فأضاف الذنوب إليهم، والفعل لا يُنْسَب إلا لمن قام به حقيقةً، والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

آل عمران 3:12

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، واعلم أن الخطاب الموجه للنبي ﷺ تارة يكون شاملًا له وللأمة بالنص المقترن بذلك الخطاب، وتارة يكون خاصًّا به، وتارة يكون عامًّا له وللأمة بمقتضى كونه إمامًا للأمة، يعني ليس بالخطاب ما يدل على العموم لكن باعتبار أنه إمام الأمة يكون الخطاب له، وحكمه يشمله ويشمل الأمة، مثال الأول الخطاب الموجه للنبي ﷺ واقترن به ما يدل على أنه عام له وللأمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: إذا طَلَّقْتَ، فدل هذا على أن هذا الخطاب موجه له ولأمته، ومثال العام الذي ليس فيه نص مقترن به على أنه عام أكثر الخطابات الموجهة للرسول عليه الصلاة والسلام من هذا القسم، مثل هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا شامل له وللأمة، حتى نحن نقول للذين كفروا: سَتُغْلبون وتُحشَرون إلى جهنم. والمثال الثالث قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾، يعني قل يا محمد، وأمته تقول ذلك أيضًا للكفار على وجه الاقتداء به والتأسي به، قل لهم: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾ قراءة سبعية، ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ من الذي يغلبهم؟ الذي يغلبهم المؤمنون، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]، ولكن من المؤمن الغالب؟ المؤمن الغالب هو الذي آمن حقًّا وقام بالعمل الصالح، ليس مجرد الإيمان هو القول باللسان، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، لا بد من إيمان صادق يشهد له العمل فيكون صالحًا، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، فالذين آمنوا إيمانًا حقيقيًّا مصدَّقًا بالعمل سوف يغلبون بلا شك، سوف يغلبون الكفار. ولكن إذا قال قائل: ما تقول في الأمة الإسلامية اليوم؛ فإنها مغلوبة على أمرها، والكفار يستذلّونها غاية الذل ويحاربونها من كل وجه بكل أنواع السلاح؟ فجوابنا أن نقول: أقول في الأمة الإسلامية إنها يصدق على عامتها ما هو على كل فرد منها أنه ليس لهم من الإسلام إلا اسمه فقط، ولا من القرآن إلا رسمه، ولذلك تجد واحدًا منهم يعظّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، لكن تعظيم رسمي فقط، يقبّل القرآن ويحبه ويضم على جبهته لكن ما يعمل بما فيه إلا نادرًا، حتى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله، يدعو غير الله، أين العمل بالقرآن؟ ما فيه عمل بالقرآن، وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، وجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش، فأين الإسلام؟ ليس هو إلا اسمه، ومن ثم لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم السيطرة الآن، السيطرة على العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، نعم. إذن هذه الآية إذا قال قائل: كيف تصدق هذه الآية أو يصدق مقتضاها مع ما نشاهد اليوم؟ الجواب: أننا لم نصدُق الله حتى يكون لنا النصر، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد ٢١]، نعم. ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، في الدنيا تُغلبون، في الآخرة تُحشرون إلى جهنم - والعياذ بالله - يُجمعون إليها ويدخلونها ويُخلدون فيها، فيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا والآخرة، خسروا الدنيا بالغلبة غُلِبوا، والذل، وخسروا الآخرة بأنهم يُحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال ٣٦]، هذه الآية نظير هذه الآية. وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ هذا قدح، قدح للنار - والعياذ بالله - وأنها بئس المهاد، يعني بئس ما يتمهد به الإنسان كالذي يتمهد في فراشه ويلتحف بلحافه، ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦] - والعياذ بالله - ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٥٥]، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف ٤١] أي: شيء يغشيهم ويغطيهم من العذاب، فهم - والعياذ بالله - حالهم حال لا يمكن أن يتصورها الإنسان لعظمها وشدتها وهم خالدون فيها أبدًا. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾، ﴿قَدْ كَانَ﴾ يحتمل أن تكون هذه من جملة مقول القول السابق في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾، فتكون من جملة مقول القول، يعني: قل لهم اعتبروا بمثل أضربه لكم ﴿كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: علامة على أنكم ستُغلبون؛ لأن الآية في اللغة العلامة، آية على أنكم ستغلبون، ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يعني للقتال بينهما، والفئة بمعنى الطائفة. وهل المراد بالفئتين فئتان حقيقيتان واقعتان، أو هو على سبيل المثال؟ أكثر المفسرين على أنهما فئتان حقيقيتان في أمر واقع، وقال بعض المفسرين: إن ذلك على ضرب المثل، يعني ولنفرض أن هناك فئتين على هذا الوجه؛ فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة. وإذا قلنا إنهما فئتان في قضية واقعة فقد قال هؤلاء القائلون بهذا القول: إن المراد بهما فئة الكفار والمؤمنين في بدر، فهما فئتان، فئة تقاتل في سبيل الله وهم النبي ﷺ ومن معه، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء ٧٦]، الله أكبر، ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الخطاب لمن؟ للمؤمنين، ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦]، سبحان الله لو أخذنا بهذه الآية ونحن مؤمنون حقيقة نقاتل في سبيل الله لكان هؤلاء بين أيدينا كالفَراش، ولكن الأمر كما تعرفون. قوله: ﴿آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي: طائفتين من الناس ﴿الْتَقَتَا﴾، يعني لقي بعضهما بعضًا، ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فِئَةٌ﴾ مبتدأ، و﴿تُقَاتِلُ﴾ خبره، وجاز كون المبتدأ نكرة؛ لأنه للتقسيم، وقد مر علينا أنه إذا كان هناك تقسيم جاز الابتداء بالنكرة، ومنه قول الشاعر: فَيَــــــــوْمٌ عَلَيْنَــــــــا وَيَـــــــــــوْمٌلَنَــــــــــــــا ∗∗∗ وَيَــــــــوْمٌ نُسَــــــــاءُ وَيَــــــــوْمٌنُسَــــــــــــــــرْ فبدأ بالنكرة من أجل التقسيم، فهنا قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾، فبدأ بالنكرة؛ لأن المقام مقام تقسيم، ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: في طريقه، والقتال في سبيل الله يتضمن أمورًا، الأول: إخلاص النية لله، الثاني: أن يكون موافقًا فيه أمر الله، الثالث: أن تُتَجَنَّب فيه محارم الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. الأول أن يكون مرادًا بها وجه الله، وأن تكون كلمته العليا، وهذا الإخلاص، لا يقصد الإنسان بقتاله السيطرة على العالم وأن يملك الأرض ويغنم الأموال ويسبي الذرية، إنْ قصد هذا فليس قتاله في سبيل الله. الثاني: أن يكون القتال في حدود شريعته، بحيث لا يكون فيه عدوانٌ على أحد، فإن كان فيه عدوانٌ على أحد فإنه ليس في سبيل الله. ومثاله: أن يكون بيننا وبين المشركين عهد ثم ننقضه ونقاتل، وهذا حرام، وليس هذا القتال في سبيل الله، بل هو معصية لله عز وجل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة ٧]، ونهى أن نقاتل في حال العهد وقال: ﴿إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨]، يعني حتى إذا عاهدت قومًا من الكفار وخفت أن يخونوا لا يجوز أن تنقض العهد، ولكن ﴿انْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، يعني قل لهم: لا عهد بيننا وبينكم، ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، حتى تكون (...) على سواء، يعني على علم بأن العهد قد نُقِض، أما أن تقاتل مع العهد فهذا ليس في سبيل الله. الأمر الثالث: أن تجتنب فيه أيش؟ محارم الله، فإن لم تجنب فيه محارم الله فإنه وإن كان أصله في سبيل الله لكن لا تتحقق فيه الغلبة والنصر، بدليل ما وقع للمسلمين في غزوة أحد، فإن المسلمين في غزوة أحد كان الأمر في أول النهار في أيديهم والغلبة لهم، ولكنهم عصوا الرسول عليه الصلاة والسلام فخُذِلوا، فكانت الدائرة للمشركين، يقول الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، يعني حصلت الهزيمة، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٢]، الله أكبر، الله عز وجل صرف المسلمين عنهم فلم يقاتلوهم، ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٢]، شوف بعد هذا التقريع والتوبيخ الذي يتعظ به من يأتي بعدهم قال بعده: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾، ونحن لو فعلنا كما فعلوا هل نحن ضامنون أن يعفو الله عنا؟ لا، لكن الصحابة عفا الله عنهم وصار ما فعلوه كأن لم يكن، المهم أن نقول: في سبيل الله لا بد فيه من شروط، لا بد فيه من شروط، ماذا تقولون في قوم يقاتلون للقومية، هذا في سبيل الله؟ ليس في سبيل الله، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرَى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، يعني هذه كلها ليست في سبيل الله، الرجل يقاتل شجاعة لأنه شجاع والشجاع يحب أن يقاتل؛ لأن الشجاعة من سجيته والإقدام من سجيته فيحب هذا، والثاني يقاتل حمية وحدبًا على قومه، والثالث يقاتل رياء وسمعة ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». الأخرى كافرة، ولم يقل الله عز وجل: تقاتل في سبيل كذا، وهذا من باب الاكتفاء بأحد الوصفين عن الآخر، الأولى قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ ولم يقل: فئة مؤمنة، تقاتل في سبيل الله، والثانية قال: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ ولم يقل: تقاتل في سبيل الطاغوت، فحذف من الأول مقابل ما ذُكِر في الثاني، وأيش حذف من الأول؟ مؤمنة التي تقابلها كافرة، وحذف من الثاني ضد ما ذُكِر في الأول، فحذف في سبيل الطاغوت، وقد ذكر في الأولى: في سبيل الله، وهذا من الاكتفاء بذكر أحد الوصفين على الآخر، وهو من البلاغة الإيجازية، قال: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ يعني: تقاتل في سبيل الطاغوت. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، وفي قراءة سبعية: ﴿تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ، وهنا نشوف مَن الرائي هل هم المقاتلون في سبيل الله، أو الكفار؟ الواقع أن الضمير يصلح لهذا وهذا، لكن ﴿تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ واضح أنها تعود إلى الكفار، ترون المقاتلين الفئة التي تقاتل في سبيل الله مثلي الكفار لكن رؤيا فقط ما هي حقيقية ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ [الأنفال ٤٣]، ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال ٤٤]. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يعني يشاهدونهم بأعينهم أنهم مثليهم، سواء كانوا مؤمنين ولا كفارًا، فإن كانوا مؤمنين يرون الكفار مثليهم، فواضح أن الفئة القليلة هي المؤمنة، وإن كان الكفار يرونهم مثليهم رأي العين ففيها إشكال؛ لأنهم إذا كان الكفار يرون المؤمنين رأي العين مثليهم صارت الغلبة لمن؟ * طالب: المؤمنين. * الشيخ: إي لكن (...)، صارت الغلبة للأكثر، لكنهم قالوا: إن رؤيتهم إياهم مثليهم من باب إراءة الله إياهم كذلك وإن كانوا في الواقع دون ذلك، إن كانوا في الواقع دون ذلك. على كل حال الأقرب أن الرائي هم الطائفة المؤمنة، وأن المثلين مَن؟ الطائفة الكافرة، يعني ترى الطائفةُ المؤمنة الطائفةَ الكافرة مثليهم، وتتحقق أن هؤلاء الكفار يبلغون ضعفيهم، المِثْلان كم، إذا كان المؤمنون مئة ك الكفار؟ يكونون مئتين. فإذا قلنا: إن هذه الآية في قضية واقعة وهي في يوم بدر صار عندنا إشكال كبير في قوله: ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾، لماذا؟ لأن عدد المؤمنين في بدر ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وعدد الكفار ما بين تسع مئة إلى ألف، وهل تسع مئة وألف تكون مثلي ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا؟ نعم تقريبًا ثلاثة أمثال، ثلاثة أمثال أو أكثر، فذهب بعض العلماء إلى أنهم يرونهم مثليهم وإن كانوا في الحقيقة أكثر. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالمثل هنا الزائد، وجعل معنى قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ أي: يرونهم أكثر منهم، وهذا إذا قلنا: إن الآية في قضية واقعة وهي قضية بدر. أما إذا قلنا: إنها ضَرْبُ مَثَل ففيه إشكال ولّا لا؟ لا إشكال فيه، إذا قلنا: إنه من باب ضرب المثل، وأن المؤمنين إذا كانوا نصف الكفار فإنهم يغلبونهم، وهذا هو المطابق لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]، فهنا الفئة تغلب مثليها، أليس كذلك؟ الفئة تغلب مثليها، المئة تغلب مئتين، والألف يغلب ألفين. قال الله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ هذه مصدر مؤكِّد لقوله: ﴿ترونهم﴾ أو ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ إذا جعلنا الرؤية أيش؟ بصرية، وأما إذا جعلناها علمية، أي يعلمونهم مثليهم رأي العين، فهي أيضًا من باب التوكيد المعنوي، يعني يعلمونهم علمًا يقينيًّا كما يرونهم بأعينهم. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿يُؤَيِّدُ﴾: يُقَوِّي، والباء هنا باء الوسيلة، أي: يؤيد بسبب نصره من يشاء، وقلت: إن باء الوسيلة كما يقال: ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا، فالنصر إذن وسيلة التأييد، فهو يقوي عز وجل بنصره من يشاء. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ممن تقتضي الحكمةُ نَصْرَه، أو ممن تقتضي الحكمةُ تأييدَه، ويجب أن نقيد كل آية جاءت بلفظ المشيئة أو جاءت معلقة بالمشيئة يجب أن نقرنها بالحكمة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من ذكر هذه القضية، أي إن في ذلك المذكور لعبرة يعني: لاعتبارًا، والاعتبار هو العبور من شيء إلى شيء، مأخوذ من العبور من شيء إلى شيء، يعني كأن الإنسان يعبر بعقله من المذكور إلى المعقول، فهنا ذُكِرت لنا قصة، نأخذ منها عبرة بماذا؟ بأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة، فيكون في هذا تحقيق لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، فإذا افتخر الكفار بكثرتهم نقول لهم: إن كثرتكم لا تغني عنكم شيئًا، فهذه فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، ومع ذلك صارت الغلبة لمن؟ للتي تقاتل في سبيل الله. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، (الأبصار) جمع (بصر)، كـ(أسباب) جمع (سبب)، ولكن ما المراد بالأبصار هنا؟ هل هو بصر الرؤية الحسية أو بصر العقل أو يشمل؟ يشمل ما دام أنهم يرونهم رأي العين فيكون فيه عبرة لأولي الأبصار، للذين رأوا بأعينهم، وكذلك هو عبرة لأولي الأبصار بالعقول، بعقولهم ولو كانوا لم يروا ذلك رأي العين؛ لأنهم إذا سمعوا اعتبروا، إذا سمعوا اعتبروا فكان في ذلك عبرة لهم. * طالب: ألا يصدق على المسلمين اليوم أنهم غثاء كغثاء السيل؟ * الشيخ: إي نعم، بلى، يصدق على المسلمين اليوم أنهم غثاء كغثاء السيل؛ لأن الأمم تداعوا عليهم كما تداعى الأكلة على قصعتهم. * طالب: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذه الفئة تمثل كل (...) وهذا من حيث (...) وكذلك البلاغة إذا حذفتم أحد الوصفين يخرج الوصف الآخر. * الشيخ: نعم. * الطالب: يمكن (...) فئة. * الشيخ: هو يقول: إنه يجوز أن نجعل ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: إحداهما فئة تقاتل، وهذا الصحيح، ما ذكره وجه من أوجه إعراب الآية، يعني أنه يجوز أن نجعل ﴿فِئَةٌ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: إحداهما، ولكن قد قرر أهل العلم قاعدة وهو أنه إذا أمكن أن يكون الكلام غير مقدر فهو أولى، مر علينا هذا في أيش؟ في النحو وفي أصول الفقه أيضًا، أنه يُحمل الكلام إذا أمكن على غير حذف. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، إذا قلت: قوم يبيعون وقوم يؤجرون، صار تقسيم، يقسم هؤلاء إلى هذا، وهؤلاء إلى هذا. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: هل هذا قدح؟ * الشيخ: نعم نعم قدح في مهادهم. * الطالب: في جهنم.. * الشيخ: في المهاد، نعم. * طالب: (...)، ثلاثة أقسام، ثم قلنا: قد يكون خاصًّا بالنبي ﷺ، ومثلنا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] (ألم نشرح لك صدرك) هذه عامة، إن كل واحد إذا اهتدى شرح صدره للإسلام؟ * الشيخ: لا؛ لأن الاستفهام هذا للتقرير ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤] ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ٢] هذا خاص بالرسول. نعم. * طالب: ما موقف المجاهد الذي يجاهد مع ناس ويعصون الله سبحانه وتعالى، إما معصية لا تخرج عن الملة، أو بعض معاصي تخرجهم عن الملة كالشركيات. * الشيخ: على كل حال هؤلاء لا يستحقون النصر، الذين يعصون الله عز وجل لا يستحقون النصر؛ لأن المعصية سبب للخذلان، لكن قد يُنْصَرون لظلم خصمهم، أحيانًا يُنصر الظالم على الظالم من أجل إهانة الثاني، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]، فانتصار اليهود مثلًا على أهل فلسطين من هذا النوع، وإلا أهل فلسطين أحق بالنصر من اليهود إذا كانوا مسلمين، فالمسلم أحق بالنصر من الكافر، لكن قد يكون عند المسلم معاصي كثيرة توجب أن يُذَلّ من قبل الكافر. نقول: إن هذا هو السر في السجود، كمال التعبد لله والتواضع له، ولهذا كان جزاء الساجد أن يكون أقرب ما يكون من ربه عز وجل؛ لأنه تواضع لله ونزل، فرفعه الله وصار أقرب ما يكون إلى ربه، وقد ورد في الحديث: «أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَعْضَاءَ السُّجُودِ» فيمن يدخل النار من العصاة؛ لأن عصاة المؤمنين إذا لم يتُب الله عليهم ولم تكن لهم حسنات تَرْجُح على سيئاتهم فإنهم يعذَّبون في النار بقدر ذنوبهم، لكن أعضاء السجود محترمة لا تأكلها النار ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم: يَا رَبِّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا ∗∗∗ مِنْ فَضْلِكَ الْوَافِي وَأَنْتَ الْبَاقِي؎وَالْعِتْقُ..................... ∗∗∗ فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِالْبَاقِــي يعني فتوسل إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يعتق جميع البدن بسريان العتق إليه، قال المؤلف رحمه الله: ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده، قال: ويجافي عضديه عن جنبيه، يجافي، الفاعل مَن؟ المصلي الساجد يجافي عضديه عن جنبيه يعني يبعدهما. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٢ - ١٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، هذه الآية مصدَّرة بـ(قل)، تدل على أن الله أمر رسوله ﷺ بإبلاغها إلى الكفار، فما الذي يفيده تصدير بعض الأحكام أو الأخبار بـ(قل)؟ يعني كون الله يأمر نبيه ﷺ أمرًا خاصًّا بتبليغ هذا الشيء ما الذي يدل عليه؟ * طالب: يدل على أهميته. * الشيخ: على أهميته، وأنه أُمِر أن يبلغه أمرًا خاصًّا مع أن الرسول ﷺ أُمِر أن يبلّغ القرآن كله، لكن هذا يدل على أنه معتنًى به، مثل: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم ٣١]، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] والأمثلة على هذا كثيرة. قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ فيها قراءتان. * طالب: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾. * الشيخ: نعم و﴿سَيُغْلَبُونَ﴾ . قوله: ﴿تُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. * طالب: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ و﴿يُحْشَرُونَ﴾ . * الشيخ: و﴿يُحْشَرُونَ﴾ ، ومعنى الحشر؟ * الطالب: الجمع. * الشيخ: الجمع. قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ آية على أيش؟ نعم آية يعني علامة، لكن على أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: على أنهم سيُغلبون، على أن الكافر مغلوب. ما المراد بالفئتين في قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ المراد؟ * طالب: على قول المؤلف أن.. * الشيخ: ما عندنا مؤلف، هذا قرآن. * الطالب: قال بعض المفسرين: إنها غزوة بدر. * الشيخ: إي، إنها إشارة إلى غزوة بدر، وهذا هو الذي عليه الجمهور. وقال بعض العلماء؟ * الطالب: غير ذلك. * الشيخ: مثال مثال، يعني معنى ﴿آيَةٌ﴾ تشمل أهل بدر وغيرهم، إذا قلنا: إنهم أهل بدر، إنها إشارة إلى أهل بدر فكيف نجمع بين الواقع وبين قوله: ﴿تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾؟ * طالب: مثليهم يعني روعي الكثرة (...). * الشيخ: مطلق الزيادة، ولا يدل ذلك على التثنية، مثل: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٤]، نقول: المراد بمثلين يعني الزيادة، بقطع النظر عن كونه مثلًا ومثلًا؛ لأن المعروف أن المسلمين في بدر ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وأن المشركين ما بين تسع مئة إلى ألف، فيه رأي آخر؟ * طالب: مثليهم بمعنى أكثر منهم. * الشيخ: هذا قيل. * الطالب: يعني وإن كانوا أكثر منكم لكنهم يرون أنهم مثليكم. * الشيخ: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾، يعني قُلِّلُوا في أعينهم، ويؤيد هذا، وأيش يؤيد؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، نبغي من القرآن. * طالب: (...) الله إذا التقيتم في أعينهم لكنه يقللهم في أعينكم. * الشيخ: نعم ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾، ولماذا خص المثلين مع أنه في آية الأنفال قال ﴿قَلِيلًا﴾ فقط؟ * طالب: لقوله وتعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]. * الشيخ: صح، أراهم الله (...) مثليهم؛ لأن المؤمن يجب أن يصابر الاثنين، يجب على المؤمنين أن يصابروا مثليهم، فأُرُوا مثليهم، هذان رأيان. فيه رأي ثالث عثرت عليه اليوم أن المراد بمثلين أي: ضعفين، وعليه فيكون مطابقًا للواقع؛ لأن ضعف الشيء كثره مرتين، فإذا كان ضعفين صار كثره ثلاث مرات، والمشركون ما بين تسع مئة إلى ألف، والمسلمون ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا. قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الفاعل مَن؟ مَن الفاعل ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾؟ * طالب: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون، والمفعول به؟ * الطالب: تقصد أيش؟ * الشيخ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾. * الطالب: المشركين. * الشيخ: إي يعود على الكافرين، يعني يرى المؤمنون الكافرين. الضمير في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ يعود على مَن؟ * طالب: على المؤمنين. * الشيخ: على المؤمنين، يعني يرى المؤمنون الكافرين مثليهم أي مثلي المؤمنين. فيها هنا قراءة. * طالب: في (ترون)؟ * الشيخ: في ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾. * الطالب: في قراءة (ترون). * الشيخ: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ ، وعلى هذا يكون الخطاب في قوله: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ عائدًا على المؤمنين، أو عائدًا على الكفار بناء على مرجع (لكم) في ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾. في قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ فيها ما يُعرف بحذف أحد المتقابلين لدلالة الآخر عليه في المقابل. * طالب: حذف المؤمنين ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: وأيش حذف منها؟ * الطالب: المقابل. * الشيخ: وأيش المقابل؟ * الطالب: المؤمنين. حذف مقابل الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت. * الشيخ: لا. * طالب: حذف الكافرين والمشركين، حذف المؤمنون. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: فئة مؤمنون وأخرى كافرة. * الشيخ: التقدير: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، في الكفار ذكر كافرة قال ﴿أُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، لكن لم يذكر ما تقاتل فيه، وفي المؤمنين ذكر ما يقاتلون فيه ولم يذكر وصف الإيمان، فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا التقسيم الذي ذكرتم؟ * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. * الطالب: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. [النساء: ٧٦]. * الشيخ: نعم، تمام، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، كلمة: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هل المشيئة مطلقة؟ * طالب: مقيدة. * الشيخ: مقيدة، بماذا؟ بالحكمة، كل نص عُلِّق على المشيئة فهو مقيد بالحكمة، ما دليلك؟ * الطالب: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * الشيخ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فهذا دليل على أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته، وقوله: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، ما هي العبرة؟ * طالب: العبرة العظة. * الشيخ: العظة، وأصلها في اللغة ما يُعْبَر به من شيء إلى شيء، ومنه عند الناس عَبَّارة يعني تُعَبِّر الماء من جهة إلى جهة، فالإنسان يعبر من هذه الحال إلى هذه الحال. ومن الذي يعتبر؟ * طالب: أولو الأبصار. * الشيخ: الأبصار بالعين ولّا الأبصار بالقلب؟ * طالب: أبصار القلب. * الشيخ: القلب؟ ما دليلك؟ * الطالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات ٢٦]، الذي يخشى هو القلب. * الشيخ: نعم. * طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. * الشيخ: نعم ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. في هذه الآية: أن رسول الله ﷺ عبدٌ تُوَجَّه إليه الأوامر؛ لقوله: ﴿قُلْ﴾ فهو عبد لا يُعبد ورسول لا يُكَذَّب. وفيها: أهمية هذا الأمر أو هذا الخبر الذي أمر الله نبيه أن يبلغه للكافرين. * ومن فوائدها أيضًا: تقوية المؤمنين، حيث يقال لأعدائهم الكفار: ستُغْلَبون في الدنيا وليس لكم عاقبة في الآخرة؛ فإنكم ستُحشرون إلى جهنم. * ومن فوائدها أيضًا: إرعاب الكفار وتحذيرهم؛ لقوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن الله عز وجل يجمع للكفار بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة؛ أما عقوبة الدنيا ففي قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾، حتى وإن بذلوا أموالًا كثيرة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾، وأما العقوبة الثانية فهي قوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، أما المؤمن فإن الله تعالى إذا عاقبه في الدنيا لم يعاقبه في الآخرة، لن يجمع الله له بين عقوبتين، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: البشرى لنا نحن في هذا الزمن أن الكفار لو صدَقْنا الله تعالى بالإيمان لكانوا مغلوبين، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، ومن الذي يغلب؟ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فلو أننا رجعنا إلى الإيمان حقًّا بالعقيدة، والقول، والعمل، والأخلاق، والآداب، وجميع ما يتعلق بالشريعة الإسلامية لكان الكفار أمامنا مغلوبين، ويشهد لهذا الواقع الذي حصل في سلف هذه الأمة حيث ملكوا مشارق الأرض ومغاربها. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، وهذا أمر ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ومن أنكر فقد كفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إنشاء الذنب، بل غاية الذنب للنار؛ لقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. أما قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ فمن فوائدها: ضرب الأمثال بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة، ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للواعظ والداعية إلى الله عز وجل أن يضرب الْمُثُل للمدعوين بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ، فمثلًا: إذا أراد أن يدعو إلى ترك المنكرات والقيام بالواجبات قال: انظر إلى البلد الفلاني حيث كان يسمَّى منذ عهد ليس ببعيد يسمى زهرة الشرق الأوسط، وكل من أراد المتعة من الشرق الأوسط ومن أوروبا ومن غيرها يذهب إلى هذا البلد؛ لأنه يجد غاية ما يكون من المتعة، أصبح الآن أنهارًا تجري من الدماء، جعل الله تعالى بأسهم بينهم حتى فروا من ديارهم، فبدل أن كانت مدينتهم تزيد على المليون أصبح الآن ليس فيها إلا مئتي ألف وكسر، يعني ذهب أكثر من ثلاثة أرباع أهل البلد من الفتن والمحن، فإذا ضربت هذا المثل الواقع لمن تحذرهم أن يقعوا في الترف فيهلكوا صار في هذا عبرة، ولهذا ضرب الله هذا المثل بقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مهما بلغ من الصدق فإن عرضه الأشياء الواقعة تجعل كلامه حق اليقين، والمراتب قد سبق لنا أنها ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين؛ علم اليقين هو خبر الصادق، وعين اليقين ما تراه بعينك مشاهدة، وحق اليقين ما تدركه بحسك، فإذا قال لك قائل: هذه تفاحة، أو عندي تفاحة، في جيبي تفاحة، وهو رجل صادق فالذي أدركت أنه يوجد تفاحة؟ أدركت بعلم اليقين، فإذا أخرجها ونظرت إليها فهذا عين اليقين، فإذا أكلتها فهو حق اليقين؛ لأن هذا هو الواقع، إذن نقول: إنه ينبغي للإنسان مهما بلغ من ثقة الناس به أن يضرب الأمثال للناس حتى يقتنعوا بقوله؛ لأننا نحن لا نشك في أن أصدق الكلام كلام الله، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، ثم ضرب مثلًا واقعيًّا بأن الكفار غُلِبوا مع أنهم أكثر من المؤمنين. * من فوائد الآية الكريمة: أن النصر ليس بكثرة العَدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله؛ لأن الله لما ضرب هذا المثل قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكن إذا قيل: ما هي الوسيلة الحقيقية لنصر الله الذي به التأييد؟ فالجواب: ما ذكره الله عز وجل بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور ٥٥]، إلى الآن لم يأت سبب النصر، قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥]، هذا واحد، إخلاص العبادة لله عز وجل هذا من أسباب النصر، وهناك أيضًا أسباب أخرى ذكرها الله في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال لا يكون سببًا للنصر إلا إذا كان في سبيل الله، في سبيل الله إخلاصًا وأيش بعد؟ * الطلبة: موافقة الشرع. * الشيخ: واتباع الشرع، موافقة الشرع. * الطلبة: واجتناب المحارم. * الشيخ: واجتناب المحارم، فإذا تمت هذه الأمور الثلاثة: الإخلاص، وأن يكون موافقًا للشرع، وأن تتجنب فيه المحارم المعاصي، فهذا هو الذي في سبيل الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا إلفة بين المؤمنين والكافرين؛ لقوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، فمن حاول أن يجمع بين المؤمنين والكافرين فقد حاول الجمع بين النار والماء، وهذا شيء غير ممكن، لا يمكن لأولياء الله أن يكونوا متآلفين مع أعداء الله، ومن حاول أن يؤلف بين أولياء الله وأعداء الله فمعنى ذلك أنه سوف يقضي على ولاية الله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة ٥١]، وكيف يمكن لشخص يقول إنه من أولياء الله وأنه مؤمن بالله أن يوالي أعداء الله الكافرين بالله؟ هذا لا يمكن، ولهذا نجد أن الصراع بين أتباع الرسل وأعداء الرسل أن الصراع قائم دائم إما بالقول وإما بالفعل؛ إما بالقول: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة ٢]، وإما بالصراع المسلح كما هو معروف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يُرِي المجاهدين الأمر على الواقع، أو على خلاف الواقع لحكمة، كما تشهد بذلك آية الأنفال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾؛ لأن الإنسان إذا رأى عدوه قليلًا نشط، نشط على القتال، وإذا رآه كثيرًا انخذل، فالله سبحانه وتعالى أرى المؤمنين الكفار قليلًا، وأرى الكافرين المؤمنين قليلًا، لأجل كل واحد يُقْدِم على القتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل أو إثبات أفعال الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: الرد على الجبرية في قوله: ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فأضاف الفعل إليها، والجبرية يقولون: إنه لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلا على سبيل المجاز، كما تقول: أكلت النارُ الحطبَ، وإلا فإن الإنسان لا يفعل باختياره بل يُجْبَر على فعله. * ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يعتبر بالأمور إلا أولو البصائر؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. * ومن فوائدها: أنك إذا وجدت من نفسك عدم اعتبار واتعاظٍ بما يجري فاعلم أنك ضعيف البصيرة؛ لأن الله إذا أثبت العبرة لأولي الأبصار فإن انتفاء العبرة يدل على ضعف البصيرة أو عدمها بالكلية. * ومن فوائد الآية: الثناء على أهل البصيرة؛ لأن السياق سياق مدح فيكون فيه ثناء على أهل البصيرة وقدح في عُمْيِ القلب.

آل عمران 3:13

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، واعلم أن الخطاب الموجه للنبي ﷺ تارة يكون شاملًا له وللأمة بالنص المقترن بذلك الخطاب، وتارة يكون خاصًّا به، وتارة يكون عامًّا له وللأمة بمقتضى كونه إمامًا للأمة، يعني ليس بالخطاب ما يدل على العموم لكن باعتبار أنه إمام الأمة يكون الخطاب له، وحكمه يشمله ويشمل الأمة، مثال الأول الخطاب الموجه للنبي ﷺ واقترن به ما يدل على أنه عام له وللأمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: إذا طَلَّقْتَ، فدل هذا على أن هذا الخطاب موجه له ولأمته، ومثال العام الذي ليس فيه نص مقترن به على أنه عام أكثر الخطابات الموجهة للرسول عليه الصلاة والسلام من هذا القسم، مثل هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا شامل له وللأمة، حتى نحن نقول للذين كفروا: سَتُغْلبون وتُحشَرون إلى جهنم. والمثال الثالث قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾، يعني قل يا محمد، وأمته تقول ذلك أيضًا للكفار على وجه الاقتداء به والتأسي به، قل لهم: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾ قراءة سبعية، ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ من الذي يغلبهم؟ الذي يغلبهم المؤمنون، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]، ولكن من المؤمن الغالب؟ المؤمن الغالب هو الذي آمن حقًّا وقام بالعمل الصالح، ليس مجرد الإيمان هو القول باللسان، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، لا بد من إيمان صادق يشهد له العمل فيكون صالحًا، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، فالذين آمنوا إيمانًا حقيقيًّا مصدَّقًا بالعمل سوف يغلبون بلا شك، سوف يغلبون الكفار. ولكن إذا قال قائل: ما تقول في الأمة الإسلامية اليوم؛ فإنها مغلوبة على أمرها، والكفار يستذلّونها غاية الذل ويحاربونها من كل وجه بكل أنواع السلاح؟ فجوابنا أن نقول: أقول في الأمة الإسلامية إنها يصدق على عامتها ما هو على كل فرد منها أنه ليس لهم من الإسلام إلا اسمه فقط، ولا من القرآن إلا رسمه، ولذلك تجد واحدًا منهم يعظّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، لكن تعظيم رسمي فقط، يقبّل القرآن ويحبه ويضم على جبهته لكن ما يعمل بما فيه إلا نادرًا، حتى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله، يدعو غير الله، أين العمل بالقرآن؟ ما فيه عمل بالقرآن، وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، وجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش، فأين الإسلام؟ ليس هو إلا اسمه، ومن ثم لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم السيطرة الآن، السيطرة على العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، نعم. إذن هذه الآية إذا قال قائل: كيف تصدق هذه الآية أو يصدق مقتضاها مع ما نشاهد اليوم؟ الجواب: أننا لم نصدُق الله حتى يكون لنا النصر، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد ٢١]، نعم. ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، في الدنيا تُغلبون، في الآخرة تُحشرون إلى جهنم - والعياذ بالله - يُجمعون إليها ويدخلونها ويُخلدون فيها، فيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا والآخرة، خسروا الدنيا بالغلبة غُلِبوا، والذل، وخسروا الآخرة بأنهم يُحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال ٣٦]، هذه الآية نظير هذه الآية. وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ هذا قدح، قدح للنار - والعياذ بالله - وأنها بئس المهاد، يعني بئس ما يتمهد به الإنسان كالذي يتمهد في فراشه ويلتحف بلحافه، ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦] - والعياذ بالله - ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٥٥]، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف ٤١] أي: شيء يغشيهم ويغطيهم من العذاب، فهم - والعياذ بالله - حالهم حال لا يمكن أن يتصورها الإنسان لعظمها وشدتها وهم خالدون فيها أبدًا. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾، ﴿قَدْ كَانَ﴾ يحتمل أن تكون هذه من جملة مقول القول السابق في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾، فتكون من جملة مقول القول، يعني: قل لهم اعتبروا بمثل أضربه لكم ﴿كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: علامة على أنكم ستُغلبون؛ لأن الآية في اللغة العلامة، آية على أنكم ستغلبون، ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يعني للقتال بينهما، والفئة بمعنى الطائفة. وهل المراد بالفئتين فئتان حقيقيتان واقعتان، أو هو على سبيل المثال؟ أكثر المفسرين على أنهما فئتان حقيقيتان في أمر واقع، وقال بعض المفسرين: إن ذلك على ضرب المثل، يعني ولنفرض أن هناك فئتين على هذا الوجه؛ فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة. وإذا قلنا إنهما فئتان في قضية واقعة فقد قال هؤلاء القائلون بهذا القول: إن المراد بهما فئة الكفار والمؤمنين في بدر، فهما فئتان، فئة تقاتل في سبيل الله وهم النبي ﷺ ومن معه، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء ٧٦]، الله أكبر، ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الخطاب لمن؟ للمؤمنين، ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦]، سبحان الله لو أخذنا بهذه الآية ونحن مؤمنون حقيقة نقاتل في سبيل الله لكان هؤلاء بين أيدينا كالفَراش، ولكن الأمر كما تعرفون. قوله: ﴿آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي: طائفتين من الناس ﴿الْتَقَتَا﴾، يعني لقي بعضهما بعضًا، ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فِئَةٌ﴾ مبتدأ، و﴿تُقَاتِلُ﴾ خبره، وجاز كون المبتدأ نكرة؛ لأنه للتقسيم، وقد مر علينا أنه إذا كان هناك تقسيم جاز الابتداء بالنكرة، ومنه قول الشاعر: فَيَــــــــوْمٌ عَلَيْنَــــــــا وَيَـــــــــــوْمٌلَنَــــــــــــــا ∗∗∗ وَيَــــــــوْمٌ نُسَــــــــاءُ وَيَــــــــوْمٌنُسَــــــــــــــــرْ فبدأ بالنكرة من أجل التقسيم، فهنا قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾، فبدأ بالنكرة؛ لأن المقام مقام تقسيم، ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: في طريقه، والقتال في سبيل الله يتضمن أمورًا، الأول: إخلاص النية لله، الثاني: أن يكون موافقًا فيه أمر الله، الثالث: أن تُتَجَنَّب فيه محارم الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري.]]. الأول أن يكون مرادًا بها وجه الله، وأن تكون كلمته العليا، وهذا الإخلاص، لا يقصد الإنسان بقتاله السيطرة على العالم وأن يملك الأرض ويغنم الأموال ويسبي الذرية، إنْ قصد هذا فليس قتاله في سبيل الله. الثاني: أن يكون القتال في حدود شريعته، بحيث لا يكون فيه عدوانٌ على أحد، فإن كان فيه عدوانٌ على أحد فإنه ليس في سبيل الله. ومثاله: أن يكون بيننا وبين المشركين عهد ثم ننقضه ونقاتل، وهذا حرام، وليس هذا القتال في سبيل الله، بل هو معصية لله عز وجل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة ٧]، ونهى أن نقاتل في حال العهد وقال: ﴿إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨]، يعني حتى إذا عاهدت قومًا من الكفار وخفت أن يخونوا لا يجوز أن تنقض العهد، ولكن ﴿انْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، يعني قل لهم: لا عهد بيننا وبينكم، ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، حتى تكون (...) على سواء، يعني على علم بأن العهد قد نُقِض، أما أن تقاتل مع العهد فهذا ليس في سبيل الله. الأمر الثالث: أن تجتنب فيه أيش؟ محارم الله، فإن لم تجنب فيه محارم الله فإنه وإن كان أصله في سبيل الله لكن لا تتحقق فيه الغلبة والنصر، بدليل ما وقع للمسلمين في غزوة أحد، فإن المسلمين في غزوة أحد كان الأمر في أول النهار في أيديهم والغلبة لهم، ولكنهم عصوا الرسول عليه الصلاة والسلام فخُذِلوا، فكانت الدائرة للمشركين، يقول الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، يعني حصلت الهزيمة، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٢]، الله أكبر، الله عز وجل صرف المسلمين عنهم فلم يقاتلوهم، ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٢]، شوف بعد هذا التقريع والتوبيخ الذي يتعظ به من يأتي بعدهم قال بعده: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾، ونحن لو فعلنا كما فعلوا هل نحن ضامنون أن يعفو الله عنا؟ لا، لكن الصحابة عفا الله عنهم وصار ما فعلوه كأن لم يكن، المهم أن نقول: في سبيل الله لا بد فيه من شروط، لا بد فيه من شروط، ماذا تقولون في قوم يقاتلون للقومية، هذا في سبيل الله؟ ليس في سبيل الله، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرَى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، يعني هذه كلها ليست في سبيل الله، الرجل يقاتل شجاعة لأنه شجاع والشجاع يحب أن يقاتل؛ لأن الشجاعة من سجيته والإقدام من سجيته فيحب هذا، والثاني يقاتل حمية وحدبًا على قومه، والثالث يقاتل رياء وسمعة ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». الأخرى كافرة، ولم يقل الله عز وجل: تقاتل في سبيل كذا، وهذا من باب الاكتفاء بأحد الوصفين عن الآخر، الأولى قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ ولم يقل: فئة مؤمنة، تقاتل في سبيل الله، والثانية قال: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ ولم يقل: تقاتل في سبيل الطاغوت، فحذف من الأول مقابل ما ذُكِر في الثاني، وأيش حذف من الأول؟ مؤمنة التي تقابلها كافرة، وحذف من الثاني ضد ما ذُكِر في الأول، فحذف في سبيل الطاغوت، وقد ذكر في الأولى: في سبيل الله، وهذا من الاكتفاء بذكر أحد الوصفين على الآخر، وهو من البلاغة الإيجازية، قال: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ يعني: تقاتل في سبيل الطاغوت. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، وفي قراءة سبعية: ﴿تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ، وهنا نشوف مَن الرائي هل هم المقاتلون في سبيل الله، أو الكفار؟ الواقع أن الضمير يصلح لهذا وهذا، لكن ﴿تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ واضح أنها تعود إلى الكفار، ترون المقاتلين الفئة التي تقاتل في سبيل الله مثلي الكفار لكن رؤيا فقط ما هي حقيقية ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ [الأنفال ٤٣]، ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال ٤٤]. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يعني يشاهدونهم بأعينهم أنهم مثليهم، سواء كانوا مؤمنين ولا كفارًا، فإن كانوا مؤمنين يرون الكفار مثليهم، فواضح أن الفئة القليلة هي المؤمنة، وإن كان الكفار يرونهم مثليهم رأي العين ففيها إشكال؛ لأنهم إذا كان الكفار يرون المؤمنين رأي العين مثليهم صارت الغلبة لمن؟ * طالب: المؤمنين. * الشيخ: إي لكن (...)، صارت الغلبة للأكثر، لكنهم قالوا: إن رؤيتهم إياهم مثليهم من باب إراءة الله إياهم كذلك وإن كانوا في الواقع دون ذلك، إن كانوا في الواقع دون ذلك. على كل حال الأقرب أن الرائي هم الطائفة المؤمنة، وأن المثلين مَن؟ الطائفة الكافرة، يعني ترى الطائفةُ المؤمنة الطائفةَ الكافرة مثليهم، وتتحقق أن هؤلاء الكفار يبلغون ضعفيهم، المِثْلان كم، إذا كان المؤمنون مئة ك الكفار؟ يكونون مئتين. فإذا قلنا: إن هذه الآية في قضية واقعة وهي في يوم بدر صار عندنا إشكال كبير في قوله: ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾، لماذا؟ لأن عدد المؤمنين في بدر ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وعدد الكفار ما بين تسع مئة إلى ألف، وهل تسع مئة وألف تكون مثلي ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا؟ نعم تقريبًا ثلاثة أمثال، ثلاثة أمثال أو أكثر، فذهب بعض العلماء إلى أنهم يرونهم مثليهم وإن كانوا في الحقيقة أكثر. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالمثل هنا الزائد، وجعل معنى قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ أي: يرونهم أكثر منهم، وهذا إذا قلنا: إن الآية في قضية واقعة وهي قضية بدر. أما إذا قلنا: إنها ضَرْبُ مَثَل ففيه إشكال ولّا لا؟ لا إشكال فيه، إذا قلنا: إنه من باب ضرب المثل، وأن المؤمنين إذا كانوا نصف الكفار فإنهم يغلبونهم، وهذا هو المطابق لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]، فهنا الفئة تغلب مثليها، أليس كذلك؟ الفئة تغلب مثليها، المئة تغلب مئتين، والألف يغلب ألفين. قال الله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ هذه مصدر مؤكِّد لقوله: ﴿ترونهم﴾ أو ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ إذا جعلنا الرؤية أيش؟ بصرية، وأما إذا جعلناها علمية، أي يعلمونهم مثليهم رأي العين، فهي أيضًا من باب التوكيد المعنوي، يعني يعلمونهم علمًا يقينيًّا كما يرونهم بأعينهم. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿يُؤَيِّدُ﴾: يُقَوِّي، والباء هنا باء الوسيلة، أي: يؤيد بسبب نصره من يشاء، وقلت: إن باء الوسيلة كما يقال: ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا، فالنصر إذن وسيلة التأييد، فهو يقوي عز وجل بنصره من يشاء. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ممن تقتضي الحكمةُ نَصْرَه، أو ممن تقتضي الحكمةُ تأييدَه، ويجب أن نقيد كل آية جاءت بلفظ المشيئة أو جاءت معلقة بالمشيئة يجب أن نقرنها بالحكمة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من ذكر هذه القضية، أي إن في ذلك المذكور لعبرة يعني: لاعتبارًا، والاعتبار هو العبور من شيء إلى شيء، مأخوذ من العبور من شيء إلى شيء، يعني كأن الإنسان يعبر بعقله من المذكور إلى المعقول، فهنا ذُكِرت لنا قصة، نأخذ منها عبرة بماذا؟ بأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة، فيكون في هذا تحقيق لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، فإذا افتخر الكفار بكثرتهم نقول لهم: إن كثرتكم لا تغني عنكم شيئًا، فهذه فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، ومع ذلك صارت الغلبة لمن؟ للتي تقاتل في سبيل الله. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، (الأبصار) جمع (بصر)، كـ(أسباب) جمع (سبب)، ولكن ما المراد بالأبصار هنا؟ هل هو بصر الرؤية الحسية أو بصر العقل أو يشمل؟ يشمل ما دام أنهم يرونهم رأي العين فيكون فيه عبرة لأولي الأبصار، للذين رأوا بأعينهم، وكذلك هو عبرة لأولي الأبصار بالعقول، بعقولهم ولو كانوا لم يروا ذلك رأي العين؛ لأنهم إذا سمعوا اعتبروا، إذا سمعوا اعتبروا فكان في ذلك عبرة لهم. * طالب: ألا يصدق على المسلمين اليوم أنهم غثاء كغثاء السيل؟ * الشيخ: إي نعم، بلى، يصدق على المسلمين اليوم أنهم غثاء كغثاء السيل؛ لأن الأمم تداعوا عليهم كما تداعى الأكلة على قصعتهم. * طالب: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذه الفئة تمثل كل (...) وهذا من حيث (...) وكذلك البلاغة إذا حذفتم أحد الوصفين يخرج الوصف الآخر. * الشيخ: نعم. * الطالب: يمكن (...) فئة. * الشيخ: هو يقول: إنه يجوز أن نجعل ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: إحداهما فئة تقاتل، وهذا الصحيح، ما ذكره وجه من أوجه إعراب الآية، يعني أنه يجوز أن نجعل ﴿فِئَةٌ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: إحداهما، ولكن قد قرر أهل العلم قاعدة وهو أنه إذا أمكن أن يكون الكلام غير مقدر فهو أولى، مر علينا هذا في أيش؟ في النحو وفي أصول الفقه أيضًا، أنه يُحمل الكلام إذا أمكن على غير حذف. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، إذا قلت: قوم يبيعون وقوم يؤجرون، صار تقسيم، يقسم هؤلاء إلى هذا، وهؤلاء إلى هذا. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: هل هذا قدح؟ * الشيخ: نعم نعم قدح في مهادهم. * الطالب: في جهنم.. * الشيخ: في المهاد، نعم. * طالب: (...)، ثلاثة أقسام، ثم قلنا: قد يكون خاصًّا بالنبي ﷺ، ومثلنا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] (ألم نشرح لك صدرك) هذه عامة، إن كل واحد إذا اهتدى شرح صدره للإسلام؟ * الشيخ: لا؛ لأن الاستفهام هذا للتقرير ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤] ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ٢] هذا خاص بالرسول. نعم. * طالب: ما موقف المجاهد الذي يجاهد مع ناس ويعصون الله سبحانه وتعالى، إما معصية لا تخرج عن الملة، أو بعض معاصي تخرجهم عن الملة كالشركيات. * الشيخ: على كل حال هؤلاء لا يستحقون النصر، الذين يعصون الله عز وجل لا يستحقون النصر؛ لأن المعصية سبب للخذلان، لكن قد يُنْصَرون لظلم خصمهم، أحيانًا يُنصر الظالم على الظالم من أجل إهانة الثاني، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]، فانتصار اليهود مثلًا على أهل فلسطين من هذا النوع، وإلا أهل فلسطين أحق بالنصر من اليهود إذا كانوا مسلمين، فالمسلم أحق بالنصر من الكافر، لكن قد يكون عند المسلم معاصي كثيرة توجب أن يُذَلّ من قبل الكافر. نقول: إن هذا هو السر في السجود، كمال التعبد لله والتواضع له، ولهذا كان جزاء الساجد أن يكون أقرب ما يكون من ربه عز وجل؛ لأنه تواضع لله ونزل، فرفعه الله وصار أقرب ما يكون إلى ربه، وقد ورد في الحديث: «أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَعْضَاءَ السُّجُودِ» فيمن يدخل النار من العصاة؛ لأن عصاة المؤمنين إذا لم يتُب الله عليهم ولم تكن لهم حسنات تَرْجُح على سيئاتهم فإنهم يعذَّبون في النار بقدر ذنوبهم، لكن أعضاء السجود محترمة لا تأكلها النار ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم: يَا رَبِّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا ∗∗∗ مِنْ فَضْلِكَ الْوَافِي وَأَنْتَ الْبَاقِي؎وَالْعِتْقُ..................... ∗∗∗ فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِالْبَاقِــي يعني فتوسل إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يعتق جميع البدن بسريان العتق إليه، قال المؤلف رحمه الله: ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده، قال: ويجافي عضديه عن جنبيه، يجافي، الفاعل مَن؟ المصلي الساجد يجافي عضديه عن جنبيه يعني يبعدهما. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٢ - ١٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، هذه الآية مصدَّرة بـ(قل)، تدل على أن الله أمر رسوله ﷺ بإبلاغها إلى الكفار، فما الذي يفيده تصدير بعض الأحكام أو الأخبار بـ(قل)؟ يعني كون الله يأمر نبيه ﷺ أمرًا خاصًّا بتبليغ هذا الشيء ما الذي يدل عليه؟ * طالب: يدل على أهميته. * الشيخ: على أهميته، وأنه أُمِر أن يبلغه أمرًا خاصًّا مع أن الرسول ﷺ أُمِر أن يبلّغ القرآن كله، لكن هذا يدل على أنه معتنًى به، مثل: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم ٣١]، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] والأمثلة على هذا كثيرة. قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ فيها قراءتان. * طالب: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾. * الشيخ: نعم و﴿سَيُغْلَبُونَ﴾ . قوله: ﴿تُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. * طالب: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ و﴿يُحْشَرُونَ﴾ . * الشيخ: و﴿يُحْشَرُونَ﴾ ، ومعنى الحشر؟ * الطالب: الجمع. * الشيخ: الجمع. قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ آية على أيش؟ نعم آية يعني علامة، لكن على أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: على أنهم سيُغلبون، على أن الكافر مغلوب. ما المراد بالفئتين في قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ المراد؟ * طالب: على قول المؤلف أن.. * الشيخ: ما عندنا مؤلف، هذا قرآن. * الطالب: قال بعض المفسرين: إنها غزوة بدر. * الشيخ: إي، إنها إشارة إلى غزوة بدر، وهذا هو الذي عليه الجمهور. وقال بعض العلماء؟ * الطالب: غير ذلك. * الشيخ: مثال مثال، يعني معنى ﴿آيَةٌ﴾ تشمل أهل بدر وغيرهم، إذا قلنا: إنهم أهل بدر، إنها إشارة إلى أهل بدر فكيف نجمع بين الواقع وبين قوله: ﴿تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾؟ * طالب: مثليهم يعني روعي الكثرة (...). * الشيخ: مطلق الزيادة، ولا يدل ذلك على التثنية، مثل: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٤]، نقول: المراد بمثلين يعني الزيادة، بقطع النظر عن كونه مثلًا ومثلًا؛ لأن المعروف أن المسلمين في بدر ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وأن المشركين ما بين تسع مئة إلى ألف، فيه رأي آخر؟ * طالب: مثليهم بمعنى أكثر منهم. * الشيخ: هذا قيل. * الطالب: يعني وإن كانوا أكثر منكم لكنهم يرون أنهم مثليكم. * الشيخ: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾، يعني قُلِّلُوا في أعينهم، ويؤيد هذا، وأيش يؤيد؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، نبغي من القرآن. * طالب: (...) الله إذا التقيتم في أعينهم لكنه يقللهم في أعينكم. * الشيخ: نعم ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾، ولماذا خص المثلين مع أنه في آية الأنفال قال ﴿قَلِيلًا﴾ فقط؟ * طالب: لقوله وتعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦]. * الشيخ: صح، أراهم الله (...) مثليهم؛ لأن المؤمن يجب أن يصابر الاثنين، يجب على المؤمنين أن يصابروا مثليهم، فأُرُوا مثليهم، هذان رأيان. فيه رأي ثالث عثرت عليه اليوم أن المراد بمثلين أي: ضعفين، وعليه فيكون مطابقًا للواقع؛ لأن ضعف الشيء كثره مرتين، فإذا كان ضعفين صار كثره ثلاث مرات، والمشركون ما بين تسع مئة إلى ألف، والمسلمون ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا. قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الفاعل مَن؟ مَن الفاعل ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾؟ * طالب: المؤمنون. * الشيخ: المؤمنون، والمفعول به؟ * الطالب: تقصد أيش؟ * الشيخ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾. * الطالب: المشركين. * الشيخ: إي يعود على الكافرين، يعني يرى المؤمنون الكافرين. الضمير في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ يعود على مَن؟ * طالب: على المؤمنين. * الشيخ: على المؤمنين، يعني يرى المؤمنون الكافرين مثليهم أي مثلي المؤمنين. فيها هنا قراءة. * طالب: في (ترون)؟ * الشيخ: في ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾. * الطالب: في قراءة (ترون). * الشيخ: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ ، وعلى هذا يكون الخطاب في قوله: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ عائدًا على المؤمنين، أو عائدًا على الكفار بناء على مرجع (لكم) في ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾. في قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ فيها ما يُعرف بحذف أحد المتقابلين لدلالة الآخر عليه في المقابل. * طالب: حذف المؤمنين ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: وأيش حذف منها؟ * الطالب: المقابل. * الشيخ: وأيش المقابل؟ * الطالب: المؤمنين. حذف مقابل الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت. * الشيخ: لا. * طالب: حذف الكافرين والمشركين، حذف المؤمنون. * الشيخ: وأيش التقدير؟ * الطالب: فئة مؤمنون وأخرى كافرة. * الشيخ: التقدير: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، في الكفار ذكر كافرة قال ﴿أُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، لكن لم يذكر ما تقاتل فيه، وفي المؤمنين ذكر ما يقاتلون فيه ولم يذكر وصف الإيمان، فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا التقسيم الذي ذكرتم؟ * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. * الطالب: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. [النساء: ٧٦]. * الشيخ: نعم، تمام، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، كلمة: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هل المشيئة مطلقة؟ * طالب: مقيدة. * الشيخ: مقيدة، بماذا؟ بالحكمة، كل نص عُلِّق على المشيئة فهو مقيد بالحكمة، ما دليلك؟ * الطالب: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * الشيخ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فهذا دليل على أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته، وقوله: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، ما هي العبرة؟ * طالب: العبرة العظة. * الشيخ: العظة، وأصلها في اللغة ما يُعْبَر به من شيء إلى شيء، ومنه عند الناس عَبَّارة يعني تُعَبِّر الماء من جهة إلى جهة، فالإنسان يعبر من هذه الحال إلى هذه الحال. ومن الذي يعتبر؟ * طالب: أولو الأبصار. * الشيخ: الأبصار بالعين ولّا الأبصار بالقلب؟ * طالب: أبصار القلب. * الشيخ: القلب؟ ما دليلك؟ * الطالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات ٢٦]، الذي يخشى هو القلب. * الشيخ: نعم. * طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. * الشيخ: نعم ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. في هذه الآية: أن رسول الله ﷺ عبدٌ تُوَجَّه إليه الأوامر؛ لقوله: ﴿قُلْ﴾ فهو عبد لا يُعبد ورسول لا يُكَذَّب. وفيها: أهمية هذا الأمر أو هذا الخبر الذي أمر الله نبيه أن يبلغه للكافرين. * ومن فوائدها أيضًا: تقوية المؤمنين، حيث يقال لأعدائهم الكفار: ستُغْلَبون في الدنيا وليس لكم عاقبة في الآخرة؛ فإنكم ستُحشرون إلى جهنم. * ومن فوائدها أيضًا: إرعاب الكفار وتحذيرهم؛ لقوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن الله عز وجل يجمع للكفار بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة؛ أما عقوبة الدنيا ففي قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾، حتى وإن بذلوا أموالًا كثيرة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾، وأما العقوبة الثانية فهي قوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، أما المؤمن فإن الله تعالى إذا عاقبه في الدنيا لم يعاقبه في الآخرة، لن يجمع الله له بين عقوبتين، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: البشرى لنا نحن في هذا الزمن أن الكفار لو صدَقْنا الله تعالى بالإيمان لكانوا مغلوبين، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، ومن الذي يغلب؟ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فلو أننا رجعنا إلى الإيمان حقًّا بالعقيدة، والقول، والعمل، والأخلاق، والآداب، وجميع ما يتعلق بالشريعة الإسلامية لكان الكفار أمامنا مغلوبين، ويشهد لهذا الواقع الذي حصل في سلف هذه الأمة حيث ملكوا مشارق الأرض ومغاربها. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، وهذا أمر ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ومن أنكر فقد كفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إنشاء الذنب، بل غاية الذنب للنار؛ لقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. أما قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ فمن فوائدها: ضرب الأمثال بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة، ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للواعظ والداعية إلى الله عز وجل أن يضرب الْمُثُل للمدعوين بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ، فمثلًا: إذا أراد أن يدعو إلى ترك المنكرات والقيام بالواجبات قال: انظر إلى البلد الفلاني حيث كان يسمَّى منذ عهد ليس ببعيد يسمى زهرة الشرق الأوسط، وكل من أراد المتعة من الشرق الأوسط ومن أوروبا ومن غيرها يذهب إلى هذا البلد؛ لأنه يجد غاية ما يكون من المتعة، أصبح الآن أنهارًا تجري من الدماء، جعل الله تعالى بأسهم بينهم حتى فروا من ديارهم، فبدل أن كانت مدينتهم تزيد على المليون أصبح الآن ليس فيها إلا مئتي ألف وكسر، يعني ذهب أكثر من ثلاثة أرباع أهل البلد من الفتن والمحن، فإذا ضربت هذا المثل الواقع لمن تحذرهم أن يقعوا في الترف فيهلكوا صار في هذا عبرة، ولهذا ضرب الله هذا المثل بقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مهما بلغ من الصدق فإن عرضه الأشياء الواقعة تجعل كلامه حق اليقين، والمراتب قد سبق لنا أنها ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين؛ علم اليقين هو خبر الصادق، وعين اليقين ما تراه بعينك مشاهدة، وحق اليقين ما تدركه بحسك، فإذا قال لك قائل: هذه تفاحة، أو عندي تفاحة، في جيبي تفاحة، وهو رجل صادق فالذي أدركت أنه يوجد تفاحة؟ أدركت بعلم اليقين، فإذا أخرجها ونظرت إليها فهذا عين اليقين، فإذا أكلتها فهو حق اليقين؛ لأن هذا هو الواقع، إذن نقول: إنه ينبغي للإنسان مهما بلغ من ثقة الناس به أن يضرب الأمثال للناس حتى يقتنعوا بقوله؛ لأننا نحن لا نشك في أن أصدق الكلام كلام الله، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، ثم ضرب مثلًا واقعيًّا بأن الكفار غُلِبوا مع أنهم أكثر من المؤمنين. * من فوائد الآية الكريمة: أن النصر ليس بكثرة العَدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله؛ لأن الله لما ضرب هذا المثل قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكن إذا قيل: ما هي الوسيلة الحقيقية لنصر الله الذي به التأييد؟ فالجواب: ما ذكره الله عز وجل بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور ٥٥]، إلى الآن لم يأت سبب النصر، قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور ٥٥]، هذا واحد، إخلاص العبادة لله عز وجل هذا من أسباب النصر، وهناك أيضًا أسباب أخرى ذكرها الله في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال لا يكون سببًا للنصر إلا إذا كان في سبيل الله، في سبيل الله إخلاصًا وأيش بعد؟ * الطلبة: موافقة الشرع. * الشيخ: واتباع الشرع، موافقة الشرع. * الطلبة: واجتناب المحارم. * الشيخ: واجتناب المحارم، فإذا تمت هذه الأمور الثلاثة: الإخلاص، وأن يكون موافقًا للشرع، وأن تتجنب فيه المحارم المعاصي، فهذا هو الذي في سبيل الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا إلفة بين المؤمنين والكافرين؛ لقوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، فمن حاول أن يجمع بين المؤمنين والكافرين فقد حاول الجمع بين النار والماء، وهذا شيء غير ممكن، لا يمكن لأولياء الله أن يكونوا متآلفين مع أعداء الله، ومن حاول أن يؤلف بين أولياء الله وأعداء الله فمعنى ذلك أنه سوف يقضي على ولاية الله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة ٥١]، وكيف يمكن لشخص يقول إنه من أولياء الله وأنه مؤمن بالله أن يوالي أعداء الله الكافرين بالله؟ هذا لا يمكن، ولهذا نجد أن الصراع بين أتباع الرسل وأعداء الرسل أن الصراع قائم دائم إما بالقول وإما بالفعل؛ إما بالقول: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة ٢]، وإما بالصراع المسلح كما هو معروف. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يُرِي المجاهدين الأمر على الواقع، أو على خلاف الواقع لحكمة، كما تشهد بذلك آية الأنفال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾؛ لأن الإنسان إذا رأى عدوه قليلًا نشط، نشط على القتال، وإذا رآه كثيرًا انخذل، فالله سبحانه وتعالى أرى المؤمنين الكفار قليلًا، وأرى الكافرين المؤمنين قليلًا، لأجل كل واحد يُقْدِم على القتال. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل أو إثبات أفعال الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: الرد على الجبرية في قوله: ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فأضاف الفعل إليها، والجبرية يقولون: إنه لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلا على سبيل المجاز، كما تقول: أكلت النارُ الحطبَ، وإلا فإن الإنسان لا يفعل باختياره بل يُجْبَر على فعله. * ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يعتبر بالأمور إلا أولو البصائر؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. * ومن فوائدها: أنك إذا وجدت من نفسك عدم اعتبار واتعاظٍ بما يجري فاعلم أنك ضعيف البصيرة؛ لأن الله إذا أثبت العبرة لأولي الأبصار فإن انتفاء العبرة يدل على ضعف البصيرة أو عدمها بالكلية. * ومن فوائد الآية: الثناء على أهل البصيرة؛ لأن السياق سياق مدح فيكون فيه ثناء على أهل البصيرة وقدح في عُمْيِ القلب.

آل عمران 3:14

ثم قال الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ كم هذه؟ ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ سبعة، إلا إن كنت تريد أن تجعل الذهب والفضة واحدة، الذهب والفضة اثنان. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، أي: جُعِل هذا الشيء زينًا في قلوبهم، ومَن الذي زيّن؟ هل المزَيِّن الله عز وجل؟ أو المزين الشيطان؟ المزين هو الله، وقد أضاف الله التزيين إلى نفسه في عدة آيات ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام ١٠٨]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل ٤]. وأضاف التزيين أيضًا إلى الشيطان: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، لكن تزيين الشيطان إنما كان بالنسبة لأعمال هؤلاء، يعني زين لهم الأعمال، أما الأشياء المخلوقة فالذي يزينها هو الله عز وجل. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ أي: زيّنها الله عز وجل في قلوبهم ابتلاءً واختبارًا؛ لأنه لولا تزيين هذه الأشياء في قلوب الناس ما عُرِف المؤمن حقًّا، لو كان الإنسان لا يهتم بمثل هذه الأمور لم يكن له ما يصده عن دين الله، فإذا أُلْقِي في قلبه حب هذه الشهوات فإن قوي الإيمان لا يقدمها على محبة الله عز وجل. ألم تروا إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]]؟ هذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والمرأة ذات المنصب والجمال هي من أشد ما يتعلق بالإنسان في النساء، منصب وجمال، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، ودعته في موضع خالٍ ليس فيه أحد؛ لأنه لو كان فيه أحد لقال: عندنا أحد كيف تقولين ها الكلام هذا؟ لكن قال: إني أخاف الله، الموضع خال فالموانع منتفية، وأسباب الفاحشة موجودة متوفرة، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، إذن فهذا التزيين نقول: إنه ابتلاء واختبار من الله عز وجل. قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ولم يقل: حب النساء، الشهوات، يعني أن يتزوج الإنسان المرأة لمجرد الشهوة لا لأمر آخر، ولهذا هل يدخل في هذا رسول الله ﷺ؟ ويقال: إنه ممن زُيِّن له حب الشهوات؟ لا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج امرأة بكرًا، ولو كان يريد الشهوة لاختار الأبكار الجميلات ولا يمنعه مانع من ذلك، ولكنه قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ»[[أخرجه النسائي (٣٩٣٩) من حديث أنس.]]؛ لما في اختيار النساء من قِبَله عليه الصلاة والسلام من المصالح العظيمة كاتصاله بالناس وقبائل العرب، وكذلك نشر العلم عن طريق النساء، لا سيما العلوم البيتية التي لا يطلع عليه إلا النساء، إلى غير ذلك من المصالح، المهم أن الآية تقول: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ولم يقل: حب النساء؛ لأن تزيين حب النساء إذا كان لغير مجرد الشهوة قد يُحْمَد عليه الإنسان، لكن إذا كان لمجرد الشهوة فهذا من الفتنة، ولهذا قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾. الثاني: ﴿الْبَنِينَ﴾، أيضًا يحب البنين لا ليكون عونًا له على طاعة الله ولكن ليفتخر بهم، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالبنين ويتشاءمون من البنات، إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ماذا يكون حاله؟ ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل ٥٨، ٥٩]: يختفي منهم مخافة المسبة، ثم يفكر ويقدر ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل ٥٩]، يعني: أيمسك هذا المولود وهو الأنثى على هُون وذُلّ وهضم لحقها، أم يدسه في التراب؟ يدفنها حية في التراب، قال الله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل ٥٩]، المهم أن البنين لا شك أن كثيرًا من الناس زُيِّن لهم حب البنين شهوةً، وليس الشهوة الجنسية ولكن شهوة الفخر والشرف والأبهة، أنا أولادي عشرة، أنا عندي عشرون من الولد، وما أشبه ذلك. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، القناطير المقنطرة، القناطير جمع قنطار، وما المراد بالقنطار؟ قيل: المراد به ألف مثقال ذهب، ألف مثقال ذهب، فإذا صارت قناطير تكون آلاف، مقنطرة: مُعْتَنًى بها، وقيل: إن القنطار ما يملأ مَسْك الثور، يعني جلد الثور من الذهب، وهذا أكثر من ألف مثقال؟ إي نعم، على كل حال ذكر الله تعالى هذه المبالغ من الذهب والفضة؛ لأنه كلما كثر المال في الغالب افتتن الإنسان به، كلما كثر افتتن الإنسان به، فإذا كانت قناطير مقنطرة من الذهب صارت الفتنة بها أشد، ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ نص عليهما لأنها أغلى ما يكون من الأموال، ولذلك تتعلق الرغبات بهذين الجوهرين: الذهب والفضة، حتى لو وُجِد جواهر نفيسة لا تجد تعلق القلوب بهذه الجواهر كتعلقها بالذهب والفضة، الآن يدلّسون على الذهب ويدلّسون على الفضة، يأتون بالأشياء مطلية باللون الأصفر، تقليدًا للذهب، وإلا ما هي ذهب؛ لأنهم يعرفون أن النفوس تندفع بقوة إلى الذهب ولها رغبة قوية في الذهب، والشاعر يقول: رَأَيْــــتُ النَّــــاسَ قَــــدْذَهَبُــــــــــــــــوا ∗∗∗ إِلَــــــــى مَـــــــــنْ عِنْـــــــــدَهُذَهَــــــــــــــــبُ؎وَرَأيْــــتُ النَّــــاسَ قَــــدْمَالُـــــــــــــــوا ∗∗∗ إِلَـــــــى مَــــــــــنْ عِنْــــــــــدَهُمَــــــــــــــــــــــالُ يقول: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، الذهب هو المعدن المعروف ذو اللون الأصفر، واشتهر أخيرًا عند الناس ما يسمونه بالذهب الأبيض، ولكن ليس هذا هو الذهب وإن كان عندهم أنه بمنزلة الذهب في الغلاء وتعلق النفوس به، لكنه ليس هو الذهب المعني في هذه الآية، والفضة أيضًا معدن معروف وجوهر مألوف لكنه أقل من الذهب. * طالب: شيخ ذكرت أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما تزوج بكرًا؟ * الشيخ: لا، ما تزوج بكرًا في الغالب إلا عائشة فقط، عائشة تزوجها وهي بكر. * طالب: قلنا إنه أمر المؤمنين لا يتخذون الكافرين أولياء لكن في حال الدعوة يعني دعوتهم، يعني كيف إن الإنسان يجمع بين أنه ما يتخذه وليّ وبين أنه يريد أن يرغّبه في الإسلام؟ * الشيخ: اتخاذهم أولياء معناه أن يتولاهم وينصرهم، هذا اتخاذهم أولياء لا أن يتقرب إليهم لدعوتهم. * طالب: فإذا تقربنا إليهم لدعوتهم؟ * الشيخ: ألسنا نعطيهم من مال الزكاة؟ نعطيهم المال لنتألفهم على الإسلام، فأنا ما أتقرب إليه لأني أحب أن أقرب إليه شخصيًّا، أتقرب إليه ليقرب إلى الإسلام، وهنا أشعر بنفسي أنني أنا وليه في الواقع ما هو الولي، فمن اتخذ وليًّا من النصارى، من الكفار عمومًا يتولاه ويناصره ويعاضده، فهذا هو الذي اتخذهم أولياء. * الطالب: يعني لو ذهبنا ندعوهم نبدؤهم بالسلام وهكذا؟ * الشيخ: لا، ما نبدؤهم بالسلام، السلام ما نبدؤهم، نبدؤهم بالتهنئة مثلًا صباح الخير، كيف حالك، المصافحة إن مدوا أيديهم فصافحهم وإلا فلا. * طالب: (...). * الشيخ: بلى لكن (...). * * * * طالب: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾ [آل عمران ١٤]. * الشيخ: أحسنت، بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ إلى آخره، قوله: ﴿زُيِّنَ﴾ من المزين؟ * طالب: المزين الله سبحانه وتعالى أصلًا. * الشيخ: نعم. * الطالب: ثم للشيطان.. * الشيخ: لماذا زينها؟ * الطالب: زينها الله سبحانه وتعالى لتكون بشرى للعباد في الدنيا. * الشيخ: بشرى؟ * الطالب: لتكون امتحانًا للعباد. * الشيخ: نعم، زينها امتحانًا للعباد هل يقدمون هذه الشهوات أو ما يرضي الله عز وجل. قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ هل يشمل المؤمن والكافر؟ إي نعم يشمل المؤمن والكافر؛ لأنه إذا قيل: الناس، نقول: للعموم، إذا قيل: المؤمنون، فهو خاص. قوله: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إلى آخره، لماذا لم يقل: حب النساء، بل قال: حب الشهوات؟ * طالب: لأن حب النساء لغير شهوة ربما يكون محمودًا. * الشيخ: نعم. * الطالب: لكن حب النساء لشهوة (...). * الشيخ: نعم، لماذا خص البنين دون البنات؟ * طالب: لأنهم كانوا يفتخرون بالبنين وكانوا يكرهون البنات. * الشيخ: نعم؛ لأن هذا هو موضع الافتخار عند العرب وما زال الناس الآن يرغبون الأبناء أكثر من البنات. ﴿الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ القناطير جمع؟ * طالب: قنطار. * الشيخ: وما هو القنطار؟ * الطالب: ألف مثقال. * الشيخ: نعم، الآلاف الكثيرة، على القول الراجح أنها الآلاف الكثيرة من الدنانير. ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ وأيش معناها؟ * الطالب: المعْتَنَى بها. * الشيخ: نعم، المعتنى بها التي يعتني بها أصحابها ويحفظونها ويعدونها، بل ربما أحيانًا يدفنونها خوفًا عليها. قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، الذهب والفضة هما المعدنان المعروفان اللذان تتعلق بهما رغبة الخلق جميعًا، كل بني آدم تتعلق رغبتهم بالذهب والفضة أكثر مما تتعلق بغيرهما، ولهذا كان الذهب والفضة قيمة لجميع الأشياء، كل الأشياء تباع بماذا؟ بالذهب والفضة، يعني ما تجد مثلًا غيرهما من الأموال يكون قيمة للأشياء تباع به الأشياء أبدًا، بعت دارك؟ بماذا بأي شيء؟ بالذهب والفضة، بعت سيارتك بالذهب والفضة، بعت كتابك بالذهب والفضة، كل شيء يكون عوضه الذهب والفضة، فهما محل رغبة الناس، ولهذا قال: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، الذهب هو ذلك المعدن الأحمر، والفضة هو المعدن الأبيض المعروف، ولكن هل إذا حُوِّل الذهب وصار أبيض يثبت له حكم الذهب الأحمر فيحرم على الرجال لبسه؟ أو يتغير الحكم بتغير الحال؟ نحن نسمع أن فيه ذهبًا أبيض، ولكن الذهب الأحمر هو الذي نُصّ عليه، فإذا حُوِّل إلى ذهب أبيض فإن كان مجرد اللون فهو عندي محل نظر، هل يعتبر ذهبًا ويكون نصابه في الزكاة نصاب الذهب، ويكون حرامًا على الرجال، ويحرم بيعه بالذهب الأحمر متفاضلًا؟ أو نقول: إنه انتقل وصار في حكم الفضة؟ هذا يحتاج إلى أن نعرف ما رأي الكيماويين في هذا الشيء، هل إنه ينتقل بما يضاف إليه من المادة التي تجعله أبيض أو لا ينتقل. وقوله: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، الخيل هي هذه الحيوانات المعروفة؛ وسميت خيلًا؛ لأن صاحبها غالبًا يبتلى بالخيلاء لأنها أفخر المراكب، فالراكب لها يكون في قلبه خيلاء، أو لأنها هي تختال في مشيتها، ولهذا ترى الخيل عند مشيتها ليست كغيرها، تشعر بأن فيها ترفعًا واختيالًا، قال بعضهم: أو لأنها يخيل إليها أنه لا شيء يساميها، وهذا لا ندري عنه، اللهم إلا ما يظهر من أثر مثل اختيالها في مشيتها، على كل حال الخيل معروفة، وأصحابها لا شك أنهم يرون أنهم فوق الناس؛ لأنها أفخر المراكب في ذلك الوقت وإلى الآن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨) من حديث عروة البارقي.]]، ومن المعلوم أن الآية هنا في سياق من أحب شهوة الخيل، يعني اتخذها شهوة، فهذا هو محل التزيين المذموم، أما من اتخذها ليجاهد بها في سبيل الله فهذا خير، هذا لا شك أنها خير له، كما أن من أحب الذهب والفضة لا للشهوة وجمع المال ولكن لما يترتب على المال من المصالح فهذا محمود. الخيل قسمها الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أقسام ثلاثة: فخر وخيلاء، أو ليناوئ بها المسلمين، فهذا له وزر، ثانيًا: اتخذها ليجاهد عليها في سبيل الله فهذا له أجر، ثالثًا: اتخذها للركوب والتنمية والاستفادة من ورائها فهي له ستر، لا إثم، لا أجر.. الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أقسام ثلاثة: فخر وخيلاء، أو ليناوئ بها المسلمين، فهذا له وزر. ثانيًا: اتخذها ليجاهد عليها في سبيل الله، فهذا له أجر. ثالثًا: اتخذها للركوب والتنمية والاستفادة من ورائها، فهي له ستر، لا أجر ولا وزر. وقوله: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران ١٤] قيل: معنى المسومة التي تسوَّم، أي تُطلق لترعى، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل ١٠]. وقيل: المسومة: المعلَّمة التي جُعل لها أعلام للزينة والفخر، مثل أن يُجعل عليها ريش النعام أو أشياء أخرى تحسنها. عندنا الآن سيارات مسومة ولَّا لا؟ يجعلون عليها زينة، زيقات وجنوط وأشياء أخرى، تسوم، حتى إن بعض الناس يلبس السيارات الفقيرة لباس السيارات الغنية، يحط عليها جنط مرسيدس، وتلقاه يمكن مازدا أو أردأ من المازدا. على كل حال إن تسويم المركوبات ما زال أمرًا معلومًا عند الناس إلى يومنا هذا. المسومة عند الناس أغلى من غيرها؛ لأنها ما سُومت إلا لأنها جيدة، ومن أصل جيد، فلهذا تسوم ويُعتنى بها أكثر. ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ الأنعام جمع نعم، كأسباب جمع سبب، وهي الإبل والبقر والغنم. هذه الأنواع من الحيوانات هي محل رغبة الناس أيضًا. أكثر الناس يقتنون الإبل والبقر والغنم، لا تجدهم يقتنون الظباء أو ما أشبهها من الحيوان، وإنما يعتنون باقتناء هذه الأنواع الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، في البادية وفي الحاضرة، لكنها في البادية أكثر. وأغلى هذه الأنواع هي الحمْر من الإبل، ولذلك يُضرب بها المثل في الغلاء والمحبة، قال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب وقد وجهه إلى خيبر؛ قال: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد بن مالك بنحو هذا اللفظ.]]. ﴿وَالْحَرْثِ﴾ الحرث يعني الزراعة، حرث الأرض للزراعة. فهذه سبعة أشياء: النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث. ولو فتشت عامة رغبات الناس في هذه الدنيا لوجدتها لا تخرج عن هذه الأشياء السبعة في الغالب، وإلا فيه أشياء محل رغبة عند الناس، مثل: القصور المشيدة، القصور المشيدة أيضًا بعض الناس يكون مغرمًا بها، يحبها وينميها ويحب أن يكون منزله أو قصره فاخرًا ليس له نظير. فالمهم أن هذه رغبات الناس. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، (ذلك)؛ لماذا قال: (ذلك) بالمفرد المذكر مع أنها جماعة؟ والجماعة للعقلاء، يقال: هؤلاء، ولغير العقلاء يقال: هذه؟ الجواب -والله أعلم- أنه أعاد اسم الإشارة على مفرد مذكر على تقدير: ذلك المذكور، فطوى ذكر هذه السبعة كلها وعبر وكنى عنها بالمذكور، وذلك لاحتقارها بالنسبة لنعيم الآخرة. وقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: المتعة التي يتمتع الناس بها في الحياة الدنيا. وغايتها الزوال؛ فإما أن تزول عنها، وإما أن تزول عنك، أما أن تخلد لك أو تخلد لها فذلك مستحيل، لا بد أن تفارقها أو أن تفارقك هي. وهذا أمر لا يحتاج إلى إقامة برهان؛ فهذه الأشياء لو اجتمعت كلها للمرء فما هي إلا متاع الحياة الدنيا، يتمتع بها الإنسان ثم يفارقها أو تفارقه هي. وقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فيه حياة الدنيا وحياة أخرى. ما هي الحياة الحقيقية؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] هي الحياة الحقيقية، نعم، أما الدنيا فهي حياة بسيطة ليست بشيء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢)، وأحمد في مسنده (١٥٥٦٣) من حديث سهل بن سعد بن مالك، واللفظ لأحمد.]]. الله أكبر، موضع السوط، السوط يعني حوالي متر «فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». أي دنيا هي؟ الدنيا منذ خلقت إلى يوم القيامة، بكل ما فيها من نعيم؛ وذلك لأن نعيم الدنيا في الحقيقة كأحلام، كأحلامنا. واعتبر الأمر بما مضى من عمرك، كل ما مضى من عمرك كأنه حلم، أليس كذلك؟ ليس كأنه شيء واقع؛ لأنه راح، لا فرق بين ما فعلته في اليقظة بالأمس وما رأيته في منامك البارحة، كلها راحت؛ ولهذا سماها حياة دنيا؛ ودنيا مؤنث أدنى، ووصفت بهذا الوصف لدنو مرتبتها بالنسبة إلى الآخرة، لدنو مرتبتها بالنسبة للآخرة، فليست بشيء بالنسبة للآخرة، كما سمعتم الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده. وكذلك سميت دنيا لأنها أدنى من الآخرة باعتبار الترتيب الزمني، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ﴾ مم؟ ﴿مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤]، فهي أولى باعتبار الترتيب الزمني، دنيا إذن قريبة للناس. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إذن ما دمنا نعرف أن هذا متاع الحياة الدنيا، فلننظر إلى هذه الأشياء لا نظرة شهوة، ولكن نظرة جد. إذا كان ذلك ينفعنا في الآخرة فالنظر إليه طيب ونافع، ويكون من حسنة الدنيا والآخرة، أما إذا نظرنا إليه مجرد نظر الشهوة فإنه يُخشى على المرء أن يغلب جانب الشهوة على جانب الحق. ولهذا أدنى الله مرتبة هذه الأشياء ووضعها حيث قال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ يعني حسن المرجع، بماذا؟ في الدار الآخرة؛ لأن مرجع كل إنسان إلى الآخرة؛ إما إلى جنة وإما إلى نار، وليس ثمة دار أخرى ثالثة. كل الناس، الجن.. بل كل الجن والإنس مآلهم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار، وليس ثمة دار أخرى، فالله عنده حسن المآب يعني حسن المرجع. * في هذه الآية عدة فوائد: * أولًا: حكمة الله عز وجل في ابتلاء الناس بتزيين حب الشهوات لهم في هذه الأمور السبعة. ووجه الحكمة: أنه لولا هذه الشهوات التي تنازع الإنسان في اتجاهه إلى ربه لم يكن للاختبار في الدين فائدة. انتبه، يعني لو كان الإنسان لم يُغرس في قلبه أو في فطرته هذا الحب لم يكن في الابتلاء في الدين فائدة. السبب: لأن الانقياد إلى الدين إذا لم يكن له منازع يكون سهلا ميسرًا. ولهذا من أول من يجيب إلى الرسل؟ الفقراء الذين حرموا من الدنيا؛ لأنه ليس عندهم شيء ينازعهم لا مال ولا رئاسة ولا غير ذلك، فهذا من حكمة الله أن زين في قلوب الناس حب الشهوات. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُذم من أحب هذه الأمور على غير هذا الوجه؛ وهي محبته شهوة؛ وذلك لأنه إذا زين له محبة هذه الأمور لا لأجل الشهوة؛ لم يكن ذلك سببًا لصده عن دين الله؛ لأن أكثر ما يفتن الإنسان الشهوة، إذا لم يكن هناك شبهة، فإن كان هناك شبهة واجتمع عليه الشبهة وشهوة؛ حصلت له الفتنتان. ويدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ»[[أخرجه النسائي في الصغرى (٣٩٣٩) من حديث أنس بن مالك.]]. ويدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ رغب في النكاح وحث عليه، وأمر به الشباب. ومما يدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ حث على تزوج المرأة الولود. والولود: كثيرة الولادة، وإذا كانت ولودا كثر نسلها، ومن نسلها البنون. فالمهم أن محبة هذه الأشياء، لا من أجل الشهوة، أمر لا يذم عليه الإنسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: قوة التعبير القرآني، وأنه أعلى أنواع الكلام في الكمال؛ ولهذا قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ولم يقل: حب النساء، أو حب البنين، أو حب القناطير المقنطرة، بل قال: حب الشهوات من هذه الأشياء؛ فسلط الحب على أيش؟ على الشهوات، لا على هذه الأشياء؛ لأن هذه الأشياء حبها قد يكون محمودًا كما عرفت. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقديم الأشد فالأشد؛ ولهذا قدم النساء؛ ففتنة شهوة النساء أعظم فتنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠ / ٩٦) من حديث أسامة بن زيد.]] ولهذا بدأ بها فقال: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البنين قد يكونون فتنة؛ ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن ١٥]، والأولاد أعم من البنين. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الذهب والفضة من أشد الأموال خطرًا على الإنسان؛ ولهذا قدمها على بقية الأموال؛ فقال: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ لأنها أعظم المال فتنة، لاسيما الموصوفة بهذه الصفة: أنها قناطير مقنطرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كثر المال ازدادت الفتنة في شهوته. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾. ولهذا نجد بعض الفقراء يجود بكل ماله، والغني لا يجود بكل ماله، بل بعض الأغنياء -نسأل الله العافية- يُبتلون؛ كلما كثر مالهم اشتد بخلهم ومنعهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخيل أعظم المركوبات فخرًا. ولهذا قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، ولاسيما إذا كانت مسومة، أي معلَمة معتنى بها، أو مسومة مطلقة في المرعى، معتنى بها في رعيها، فإنها تكون أعظم المركوبات فتنة. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن فتنة الأنعام الإبل والبقر والغنم دون فتنة الخيل، بناء على الترتيب، وأن الترتيب في هذه الآية من الأعلى إلى الأدنى. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضا: أن من الناس من يُفتن في الحرث؛ الزراعة، فيفتن بها ويزدرع على الوجه المشروع وغير المشروع، وهو كذلك، ولاسيما في زمننا هذا، حيث انتعشت الزراعة، فصار الناس -والعياذ بالله- يذهبون فيها كل مذهب، ويرتكبون فيها المحرمات؛ من الكذب على الدولة، والخيانة، نعم، ومع ذلك لا يرون في هذا بأسًا، تجد الإنسان مثلا يبيع محصوله على شخص من الناس بدراهم نقدًا، ثم يعطيه اسمه من أجل أن يأخذ المشتري من الحكومة، أو من الدولة ثمنًا أكثر؛ يشتريه من المزارع مثلا بريال ونصف الكيلو ويبيعه على الدولة بريالين، ويكذب، فيأخذ اسم المزارع، فيكون المزارع خائنًا، والآخر كاذبًا، وينتج من ذلك أكل المال بالباطل. وإذا سألوا أكيد هذا حرام قالوا: محتاجين فلوس، نبيعه للتاجر. فإذا احتجت فلوس تكذب وتتحيل؟ اصبر وإلا بع عليه هذا ولا تعطيه اسمك، بع عليه المحصول ولا تعطيه اسمك، إذا كانت الدولة تسمح ببيعه، لكن ابتلي الناس بهذا الشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأشياء كلها لا تعدو أن تكون متاع الحياة الدنيا؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. * ومن فوائدها: التزهيد في التعلق بهذه الأشياء؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وكل ما كان للدنيا فلا ينبغي للإنسان أن يتبعه نفسه؛ لأنه زائل، لا تتبع نفسك شيئًا من الدنيا إلا شيئًا تستعين به على طاعة الله حتى ينفعك، وأنت سوف تنال منه ما يناله من أتبع نفسه متاع الحياة الدنيا للدنيا؛ يعني مثلا أن الرجل الذي يأكل العشاء، من الناس من يأكله لأجل أن يحفظ بدنه أو أن يحفظ جسمه، يأكله امتثالا لأمر الله، يأكله استعانة به على طاعة الله، يأكله تمتعًا بنعم الله، فيؤجر على ذلك، ومن الناس من يأكله لمجرد شهوة، ليملأ بطنه، فيحرم هذا الأجر، يحرم هذا الأجر لأنه نوى به مجرد الشهوة فقط. * ومن فوائد الآية الكريمة: تنقيص هذه الحياة؛ لقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ووالله إنها لناقصة، إن دارًا لا يدري الإنسان مدة إقامته فيها، وإن دارًا لا يكون صفوها إلا منغصًا بكدر، وإن دارًا فيها الشحناء والعداوة والبغضاء بين الناس، وغير ذلك من المنغصات إنها لدنيا. الإنسان منا في هذه الدنيا لا يضمن أن يبقى ولا لحظة واحدة، أليس كذلك؟ إذن كيف نقول: هذه حياة؟ كيف نقول: إن هذه حياة؟ إنها لحياة الدنيا، والإنسان في الحقيقة من حكمة الله عز وجل أنه فُتن بما فيها من هذه الأشياء التي ذكرها الله عز وجل، ولكن العاقل ينظر إلى المآل والعاقبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما عند الله خير من هذه الدنيا؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. ومنها: ما أشار إليه بعضهم في أن من تعلق بهذه الأشياء تعلق شهوة فإن عاقبته لا تكون حميدة؛ لأن الله لما ذكر التعلق على وجه الشهوة بهذه الأشياء قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾، فكأنه يقول: ولا حسن مآب لهذا المتعلق بهذه الأشياء؛ أي أن عاقبته ليست حميدة؛ هكذا ذكر بعضهم؛ ولكن في النفس منها شيء، والذي يظهر لي أن الآية ختمت بهذا ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ من أجل ترغيب الإنسان بما عند الله عز وجل، وألا يتعلق بمتاع الحياة الدنيا. ويدل لما ذكرت قوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥] الخطاب في ﴿قُلْ﴾ للنبي ﷺ، وقد ذكرنا فيما سبق أن الله إذا صدر القول بـ(قل) كان في ذلك دليل على عناية الله به، وأنه أمر رسوله ﷺ أمرًا خاصًّا، وأنه أمر رسوله ﷺ بإبلاغه على وجه الخصوص، وإلا فإن كل القرآن قد قيل للرسول عليه الصلاة والسلام؛ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن أحيانًا يذكر الله عز وجل شيئًا يصدره بـ(قل) للدلالة على العناية به. ولننظر العناية بما يُذكر جاءت من أكثر من وجه؛ أولًا: لأن الله صدرها بـ (قل)، وثانيًا: أنه صدرها بالاستفهام ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ يعني أأخبركم بخير من ذلكم؟ يعني المشار إليه في الآية السابقة. والاستفهام يفيد تنبيه المخاطَب، وحضور قلبه لما سيُلقى إليه، فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]. ثم إن فيه أيضا -في هذا الاستفهام- معنى غير التنبيه، وهو التشويق ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾، يعني بعد أن قص الله علينا متاع الحياة الدنيا أمر نبيه أن يقول للناس: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾؛ ليشوقهم إلى ذلك الخير. وقوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ قال: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ولم يقل: أأخبركم؛ لأن النبأ إنما يقال في الأمور الهامة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢] ولهذا قيل للنبي: نبي، ولم يقل: مخبِر؛ فهذا أمر هام يحتاج إلى الإنباء عنه. وقوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ ولم يقل: من ذلك؛ لأن المخاطَب جماعة؛ المخاطب جميع الناس. وهنا نقف لنتذكر: ماذا يراعى في اسم الإشارة المقرون بالكاف؟ اسم الإشارة المقرون بالكاف يتضمن مشارًا إليه ومخاطَبًا؛ فاسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف تكون بحسب المخاطب. فأولًا: كيف نقول إذا خاطبنا مفردًا مذكرًا وأشرنا إلى مفرد مذكر؟ نقول: ذلك؛ (ذا) اسم إشارة للمفرد المذكر، والكاف للمخاطب المذكر. ماذا نقول إذا أشرنا إلى مثنى مذكر نخاطب مفردًا مذكرًا؟ نقول: ذانك؛ قال الله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص ٣٢] نقول: ذانك. ماذا نقول إذا خاطبنا مفردًا مذكرًا وأشرنا إلى مثنى مؤنث؟ نقول: تانك، (تانك المرأتان قائمتان). ماذا نقول إذا أشرنا إلى مفردة مؤنثة وخاطبنا مفردًا مذكرًا؟ نقول: تلك، أو نقول: تِيك، ولا سيما مع هاء مثل: هاتيك. ماذا نقول إذا أشرنا إلى جماعة ذكور، أو إلى جماعة مطلقًا نخاطب مفردًا مذكرًا؟ نقول: أولئك. الآن عددنا كم صورة؟ عدة صور، والكاف لم تتغير، لماذا؟ لأن المخاطب مفرد مذكر. كيف نقول إذا كان المشار إليه مفردًا مذكرًا والمخاطب مثنًّى؟ ذلكما؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧]. إذا كان مفردًا مؤنثًا والمخاطب مثنى؟ عرفتم القاعدة الأولى؟ في الأمثلة السابقة ذكرنا إذا اختلف المشار إليه مع كون المخاطب واحدًا مفردًا مذكرًا. طيب إذا كان المخاطب مثنى والمشارُ إليه مفردٌ مؤنث؟ * طالب: تلكما. * الشيخ: تلكما، صح. كيف نقول إذا كان المخاطب مثنى والمشار إليه مثنى مؤنث؟ المشار إليه مثنى مؤنث والمخاطب مثنى؟ * طالب: تانكما. * الشيخ: تانكما. كيف نقول إذا كان المخاطب جماعة نساء والمشار إليه مفرد مذكر؟ المشار إليه مفرد مذكر والمخاطب جماعة نساء؟ * طالب: ذلكن. * الشيخ: ذلكن، ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]. كذا؟ طيب. ظاهر المعنى ما نحتاج إلى أننا نستمر؛ لأنها مسألة تصوير تحتاج إلى تأنٍّ. اسم الإشارة يتبع أيش؟ * طالب: المشار إليه. * الشيخ: المشار إليه؛ الكاف تتبع؟ * طالب: المخاطَب. * الشيخ: المخاطَب. كذا تارة يكون كل منهما مفردًا مذكرًا، وتارة يكون كل منهما مفردًا مؤنثًا، وتارة يكون كل منهما جمعًا للذكور، وتارة يكون كل منهما جمعًا للإناث، وتارة تختلف الحال بين المشار إليه وبين المخاطَب. كاف المخاطب قلت لكم: إنها بحسب مَن؟ * طالب: المخاطب. * الشيخ: المخاطب؛ فيها لغة: أن تكون للمذكر بالكاف المفتوحة أيًّا كان المذكر؛ مثنى أو جمع أو مفرد؛ انتبه، إذا كانت للمذكر فهي مفتوحة مبنية على الفتح؛ للمؤنث مبنية على الكسر ومفردة في الموضعين؛ يعني فيه لغة من لغة العرب يبقون الكاف في صيغة المفرد دائمًا مفتوحة في المذكر، مكسورة في المؤنث. فيه لغة ثالثة: يُبقون الكاف مفتوحة مفردة للمذكر والمؤنث والمثنى والجمع والمفرد، فيقولون مثلًا: ذلكَ، سواء كانوا يخاطبون رجلًا أو امرأةً، أو رجلين أو امرأتين، أو رجالًا أو نساءً؛ وأظن هذه اللغة تناسب؛ لأنها أسهل. * طالب: أسهل. * الشيخ: لأنها أسهل. * طالب: (...) أفصح. * الشيخ: نقول: القاعدة عندنا: إذا اختلف النحويون أخذنا بالأسهل، أما إذا اختلفت اللغات أخذنا بالأفصح. إذا اختلفت اللغات خذ بالأفصح، وإذا اختلف النحويون خذ بالأسهل، كذا؟ وإذا اختلف الفقهاء خذ بالأحوط، تمام؟ هذه ثلاث قواعد. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ١ - ٦] * الشيخ: ما تقول في قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾؟ ﴿الم﴾ * طالب: نقول: هذه حروف ابتدأ بها الله سبحانه وتعالى وأتى بها تحديًا. * الشيخ: ابتدأ بها بعض السور. * الطالب: نعم. * الشيخ: وهل لها معنى أو لا؟ * الطالب: قيل: إنها ليس لها معنى وعلمها عند الله. والقول الصحيح أن لها معنى. * الشيخ: لا، إذا قلت: علمها عند الله ما تقدر تقول: ليس لها معنى ولا لها معنى، الذي يفوض ما يثبت ولا ينفي. * الطالب: والقول الصحيح أن الله سبحانه وتعالى أتى بها تحديا. * الشيخ: السؤال: هل لها معنى؟ ما نريد: هل لها مغزى. هل لها معنى في حد ذاتها أم لا؟ * الطالب: نقول: ليس لها معنى نعلمه. * الشيخ: القول الراجح أنه ليس لها معنى، لا معلوم ولا مجهول، كذا ولّا لا؟ طيب ما هو الدليل أن هذا هو القول الراجح؟ * الطالب: لأنه لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة معاني هذه الحروف. * الشيخ: لا. * طالب: لأن العرب ما يتكلمون بهذه الحروف، ليس لها معنى. * الشيخ: لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وهذه الحروف هكذا مضموم بعضها إلى بعض ليس لها معنى في اللغة العربية، وحينئذ بمقتضى كون القرآن باللسان العربي نقول: ليس لها معنى. طيب إذا قلنا: ليس لها معنى صارت عبثا؟ والله عز وجل منزه عن العبث. * طالب: الصواب أن نقول: إن لها مغزى (...) وهو تحدي العرب (...) هذه الحروف (...) تحدي العرب. * الشيخ: لها مغزى وهو تحدي العرب، حيث كان هذا القرآن لم يأت بلسان جديد حتى يقولوا: والله ما نعرف هذا اللسان، وإنما أتى باللسان العربي الذي يتكون من الحروف المعهودة التي يعرفونها، ومع ذلك عجزوا. طيب يشهد لاعتبار هذا المغزى.. ما الذي يشهد أو يؤيد القول بهذا المغزى؟ * طالب: (...) * الشيخ: صحيح، أنه في الغالب إذا ذكر هذه الحروف الهجائية يذكر بعدها القرآن، مثل: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣] إلى آخره. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران ٧ - ٩] * الشيخ: قوله عز وجل: ﴿الْكِتَابَ﴾ ما المراد به؟ * طالب: القرآن. * الشيخ: ولماذا سمي كتابًا؟ * طالب: (...) الأمر الأول: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، والأمر الثاني: أنه مكتوب في صحف الناس. * الشيخ: والأمر الثالث؟ * الطالب: والأمر الثالث: مكتوب عند الملائكة. * الشيخ: في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ [عبس ١٢ - ١٧]. طيب، قوله عز وجل: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ما المراد بالمحكمات؟ * الطالب: المحكمات هي المتقنات في أحكامها وفي أخبارها. * الشيخ: إذن معناه القرآن بعضه ما أتقن؟ * الطالب: لا، هذا الإتقان العام، يعني أن القرآن كله نزل حق. * الشيخ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ما معنى محكمات بس، حدد. * الطالب: أي لا اشتباه فيها، ظاهرة واضحة. * الشيخ: أحسنت، أي ظاهرة واضحة لا اشتباه فيها، تمام. أخر متشابهات؟ * الطالب: عكسه. * الشيخ: عكسه، يعني فيها غموض لا يفهما إلا ذوو الألباب أو الراسخون في العلم. طيب، قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فيها للسلف وجهان: الوجه الأول: الوقوف على: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾؛ والوجه الثاني: الوصل، فما توجيه كل من القراءتين؟ * طالب: توجيه قراءة الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ أن معنى التأويل هو لا يعلمه إلا الله. * الشيخ: وأيش معنى التأويل على قراءة الوقف؟ * الطالب: (...) المتشابه (...) * الشيخ: لا. * طالب: العاقبة. * الشيخ: العاقبة والحقيقة التي عليها هذا الشيء المتشابه لا يعلمها إلا الله. طيب وعلى قراءة الوصل؟ يكون المعنى التأويل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما معنى التأويل على هذه القراءة على قراءة الوصل؟ * الطالب: التفسير. * الشيخ: التفسير؛ معناه التفسير؛ يعني هذا التفسير تفسير المتشابهات لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؛ أما من كانت علومهم سطحية فهؤلاء لا يعرفون تأويل هذه المتشابه. طيب، من الآيات المتشابهات آيات ظاهرها التعارض مثل؟ * طالب: مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] * الشيخ: لا. * طالب: مثال للمتشابه؟ * الشيخ: آيات ظاهرها تعارض تكون مشتبهة عند بعض الناس فيظن أن في القرآن تناقضًا فيتبع هذا المتشابه ويُلبس به على الناس، ولكن الراسخين في العلم يعلمون وجه هذه الآيات ولا يكون فيها تعارض. * الطالب: مثل قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٢ - ٩٤] فهنا قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وقال في سورة الرحمن قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩] فمثل هذه قد تشتبه على قاصري العلم بالنظر، فيظنون أن فيها تعارضًا حيث إنه أثبت السؤال في موضع ونفاه في موضع. * الشيخ: أحسنت، الراسخون في العلم يعرفون وجه ذلك، فيحملون كل آية على وجه لا يخالف الآية الأخرى. وفيه أيضًا آيات كثيرة دقيقة، فيه آيات كثيرة أشار إليها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه الذي سماه: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، وهو كتاب جيد نافع لطالب العلم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران ١٠ - ١٢]. * الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ هل فيها قراءة ثانية؟ * طالب: قراءة (...) ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾ . * الشيخ: قراءة بالياء ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾ . هنا ذكر الله سبحانه وتعالى حال هؤلاء الكفار في الدنيا، وحالهم في الآخرة، ما حالهم في الدنيا؟ * طالب: (...) وفي الآخرة (...). * الشيخ: أحسنت، إذن هم في خسارة في الدنيا وفي الآخرة. هل في القرآن ما يشهد لهذه الآية في أن مآل الذين كفروا الغلبة في الدنيا والنار في الآخرة؟ * طالب: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٠] * الشيخ: لا. * الطالب: (...) مقترنة مع بعض. * الشيخ: آية مثل هذه الآية تقريبًا، إن لم تكن مثلها، هي مثلها في المعنى لكن يختلف اللفظ بعض الشيء. * طالب: (...). * الشيخ: أحسنت هذه الآية في سورة الأنفال كهذه الآية تمامًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال ٣٦]. طيب لو أن الكافر افتخر بما عنده من القوة والمال والولد، فبأي شيء يرد عليه المؤمن هذا الافتخار؟ * طالب: لن يُغنوا عنهم من الله شيئًا، لكن في الدنيا قد يُغنون عنهم ليس من الله ولكن من البشر، بمعنى (...). * الشيخ: نقول: هذه لن تغني عنكم من الله شيئًا، نعم، ولو شاء الله عز وجل لانتصر منكم، ولكن يبلو الله عباده بعضهم ببعض، واضح؟ ما تقولون؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هكذا، أما أن ننظر إلى أموالهم وأولادهم نظرة الإعزاز والإكرام والإعجاب فننحسر ونقول: لا يمكن أن نصل إلى ما وصلوا إليه، ثم نصير أذنابًا لهم نتبعهم، فهذا ليست حال المؤمن، المؤمن ينظر إلى هؤلاء وكأنهم خفاش، ولكنه يسعى إلى ما يكون به النصر عليهم من الإيمان بالله، والعمل الصالح، وإعداد القوة وغير ذلك. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٣، ١٤]. * الشيخ: قوله عز وجل: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ فيها قراءتان؟ * طالب: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ فيها قراءة بالتاء وقراءة بالياء. * الشيخ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ و﴿ترونهم﴾ . ما موقع قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ مما قبلها في المعنى؟ * طالب: تفصيل. * الشيخ: هذه فيها بيان؛ ﴿فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ ما بين الله حال الفئتين، ثم بين فقال: ﴿فِئَةٌ﴾ فمحلها مما قبلها في المعنى أن فيها تفصيلًا لما أُجمل في قوله: ﴿فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾. طيب، في قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، فيها حذف وهو أنه حُذف من إحدى الجملتين ما ذكر في الأخرى؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هنا ذكر الفئة وذكر أنها تقاتل في سبيله، في سبيل الله عز وجل، وهي الفئة المؤمنة. * الشيخ: وحذف وصف المؤمن المقابل بوصف ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. * الطالب: وحذف في مقابل ذكر وصف الكافره حذف ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: حذف ما يقابل ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. والمحذوف؟ * الطالب: والمحذوف بُيِّن في قوله سبحانه وتعالى: (...) * الشيخ: أيش التقدير: وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، كذا ولَّا لا؟ طيب وهذا من بلاغة القرآن أن يُحذف في أحد المتقابلَيْنِ ما يُذكَر في الآخر. * الشيخ: طيب، ما معنى قوله تعالى: ﴿مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾؟ * طالب: ضِعف. * الشيخ: ضِعف. هذا أحد الأقوال، يعني يراهم ضعفيهم بناء على أن الآية نزلت في غزوة بدر؛ لأن المؤمنين كانوا ثلاث مئة وبضعة عشر والكافرين كانوا ما بين تسع مئة وألف. طيب فيه رأي آخر؟ * طالب: على أن الكافرين ثلاثة أضعاف المؤمنين. * الشيخ: طيب لكن ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ المشكل في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ مثنى. * طالب: قيل: أكثرهم وقيل... * الشيخ: يعني أن التثنية عبارة عن الكثرة لا للتقييد باثنتين. طيب هل لهذا شاهد في القرآن؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٤]. * الشيخ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال العلماء معناه: كرة بعد كرة، ولا يتقيد باثنتين. ومنه قولهم في الإحرام: لبيك اللهم لبيك؛ المراد: تلبية بعد تلبية، لا خصوص التثنية. طيب، ذهب بعض العلماء إلى أن هذا ليس نازلا في بدر، ولكن ضرب مثل؛ ضرب مثل وليس نازلا في أهل بدر؛ وبناء على هذا القول لا يكون في المثلين إشكال، كذا ولّا لا؟ ويكون المعنى: أن الله أوجب على المؤمنين أن يصبروا في مقابلة مثليهم، في مقابلة مثليهم من الكفار، فقال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٦] وعلى هذا القول لا إشكال في الآية إطلاقًا. طيب، ذكرنا في قوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ لماذا صُدرت الآية بالاستفهام؟ وإن شئت فقل: ما المراد بالاستفهام هنا؟ ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام ما المراد به؟ * طالب: الاستفهام للتشويق. * الشيخ: للتشويق؛ ما مناسبة التشويق هنا؟ * الطالب: لأنه لما ذكر ما يتمتع الناس به في الدنيا أراد الله عز وجل أن يذكر الذي هو خير من ذلك وهو ثواب الآخرة. * الشيخ: طيب هل جاء في القرآن نحو هذا الاستفهام؟ أعني استفهامًا يراد به التشويق إلى نعيم الجنة؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف ١٠، ١١]. * الشيخ: ثم ذكر ثوابها. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٤]. * الشيخ: كم عدد هذه المزينات؟ * طالب: سبعة. * الشيخ: سبعة؛ كذا؟ طيب، هنا قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ من هذه الأشياء، فهل هناك فرق بين أن يقال: حب الشهوات أو أن يقال: زين للناس حب النساء؟ * طالب: بينهما فرق؛ أن الإنسان ما يحب هذه الأشياء إلا للشهوة. * الشيخ: إن محبته لهذه الأشياء محبة شهوة، فهذا هو الذي يكون متاع الحياة الدنيا، أما مطلق المحبة فقد يترتب عليه ثواب الآخرة، ولا يكون من متاع الدنيا، عرفت؟ طيب ما هو الدليل على هذا الفرق بين العبارتين؟ * طالب: لقول النبي صلي الله عليه وسلم: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ»[[سبق تخريجه.]]. * الشيخ: نعم صح ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام للنساء ليس محبة شهوة ومتاع دنيا لكن محبة خير. طيب في المال والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ما هو الدليل على أن المال قد يكون خيرًا مع محبة الإنسان له؟ * طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨] ففسر المفسرون الخير بأنه المال. * الشيخ: نعم طيب هذا صحيح، لكن ما هو الدليل على أن محبة المال قد تكون خيرًا؟ * طالب: لأنه يكون سبيلا إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى بالإنفاق في سبيل الله من الحلال. * طالب: قول النبي ﷺ: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٢١٠)، والبيهقي في الشعب (١١٩٠) من حديث عمرو بن العاص، واللفظ للبيهقي.]]. * الشيخ: والثناء كثيرا على من أنفق في سبيل الله، وكم حصل في المال من خير كثير للأمة الإسلامية في ماضيها وحاضرها. طيب، الحرث أيضا ممكن أن يكون حب الحرث خيرًا، لا مجرد متاع دنيا؟ * طالب: يمكن. * الشيخ: يمكن، الدليل؟ * الطالب: من السنة؟ * الشيخ: من القرآن ومن السنة، كما تحب، وإن شئت فمن التعليل؟ * طالب: أن الحرث قد (...) إذا قصد (...). * الشيخ: أحسنت، أن الحرث قد يكون خيرًا للإنسان إذا قصد به الخير، أراد أن ينتفع الفقير، والمار، والطير، والوحش، وغير ذلك، فيكون له في ذلك أجر، ولا يكون مجرد متاع في الحياة الدنيا. * طالب: شيخ، في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ»[[أخرجه أبو داود (3462)، بلفظ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًّا...» الحديث.]]. * الشيخ: اقرأ آخره حتى تتبين لك. وحيث إنك سألت وليس هذا موضع سؤال سمِّعْنا أول السورة. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ١-٤]. * الشيخ: طيب ما موضع العطف في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ مما قبله؟ أو ما نوع العطف في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ مما قبله؟ * طالب: عطف بيان. * الشيخ: عطف بيان! لا، عطف البيان ما يأتي بحرف النسق. * طالب: استئنافية؟ * الشيخ: لا. * طالب: عطف جملة على جملة. * الشيخ: إي نعم لكن ما موضعه من حيث المعنى؟ * طالب: في محل نصب. * الشيخ: من حيث المعنى، ما هو من حيث الإعراب؟ * طالب: صفة. * الشيخ: طيب صفة عامة ولَّا لا؟ * الطالب: صفة لله. * الشيخ: لا ما هي صفة لله. * الطالب: لا إله.. * الشيخ: لا لا ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. * الطالب: و(أنزل) عطف على (...). * الشيخ: إي لا. * طالب: صفة عامة. * الشيخ: صح، فيكون من باب عطف العام على الخاص؛ لأنه ذكر الكتاب والتوراة والإنجيل ثم قال: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ وهذا الوصف يشمل كل الثلاثة. * * * * طالب: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران ١٥ - ١٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٤] أظننا تكلمنا على هذا والفوائد وكل شيء.