Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:22 – آل عمران 3:35

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:22
  2. آل عمران 3:23
  3. آل عمران 3:24
  4. آل عمران 3:25
  5. آل عمران 3:26
  6. آل عمران 3:27
  7. آل عمران 3:28
  8. آل عمران 3:29
  9. آل عمران 3:30
  10. آل عمران 3:31
  11. آل عمران 3:32
  12. آل عمران 3:33
  13. آل عمران 3:34
  14. آل عمران 3:35

آل عمران 3:22

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في هذه الآية قراءتان في كلمتين، أولًا: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة ﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، وثانيا: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ فيها قراءة ﴿وَيُقَاتِلُونَ﴾ ﴿وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يكفرون بآيات الله الكونية أو الشرعية، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، وهذه الآيات الكونية التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها هي آية على الله، آية تدل على أن الخالق واحد لا شريك له وعلى أنه لا يشبهه شيء؛ لأن الناس لو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوا جبلًا واحدًا ما استطاعوا، أو أن يخلقوا حيوانًا واحدًا ما استطاعوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]. آيات الله الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] فالآيات الشرعية هي العلامات الدالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد وأنه كامل الحكمة، هؤلاء الذين يكفرون بهذه الآيات يقول عز وجل بعد أن ذكر معطوفات متعددة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولكن كيف يكون الكفر بآيات الله؟ نقول أولًا: الآيات الكونية؟ * طالب: (...) بأن يجحد الخالق سبحانه وتعالى بأنه خلقها. * الشيخ: أن يدَّعي أن الذي خلقها غير الله، هذا واحد. * الطالب: أو أن ينسب له له شريك في خلقه. * الشيخ: أو أن له شريكًا في خلقه. * الطالب: أو أن ينسب له معينًا في خلقه. * الشيخ: أو أن له معينًا في خلقه، ثلاثة أشياء. طيب الكفر بالآيات الشرعية؟ * طالب: إما أن يكون بالجحود أو بالاستكبار والعياذ بالله. * الشيخ: نعم إما بجحودها وتكذيبها أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك. يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ يقتلون النبيين الذين أرسلهم الله إليهم بغير حق، والنبيون هنا يشمل الرسل ومَن لم يرسَل من النبيين، وأكثر ما وُجِد هذه الصفة في اليهود؛ لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم مَن قتل الأنبياء بغير حق وعبد الطاغوت، وهنا يقول: ﴿النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذه الصفة لا يراد بها إخراج ما خالفها، وإنما يراد بها بيان الواقع والدلالة على أن هذا القتل كان عدوانًا، فيراد بها شيئان: أولًا بيان الواقع وأنهم يقتلونهم وهم غير محقين يعني لا يقتلونهم قصاصًا مثلًا، بل يقتلونهم عدوانًا وظلمًا. ثانيًا: أنَّ قتلهم كان بباطل بغير حق، وإلا فليس هناك قتْلٌ يكون بحق لأحد من النبيين. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ مَن الذين يأمرون بالقسط من الناس؟ الرسل وغير الرسل، أهل العلم يأمرون الناس بالقسط، الخلفاء الراشدون يأمرون الناس بالقسط، النبيون يأمرون الناس بالقسط؛ وحينئذ فعطفه على النبيين من باب عطف العام على الخاص، ولكنه خص الأنبياء لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم، فلا قتْلَ أعظم جرمًا من قتل النبيين بغير حق. ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ يشمل النبيين وغيرهم، وقد مر علينا إذا عُطف العام على الخاص أو الخاص على العام هل هذا يدل على إخراج الخاص من الحكم العام؟ أو على التنصيص عليه لأهميته فيكون قد ذُكر مرتين؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني هو الأقرب يكون ذُكر مرتين مرة بطريق العموم ومرة بطريق الخصوص، ولكن خُص من بين سائر الأفراد أو أُعيدَ الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتناء به والاهتمام به. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل من يتأتَّى خطابه، و﴿بَشِّرْهُمْ﴾: أَخبِرْهم ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والعذاب: العقوبة، والأليم بمعنى المؤلِم. وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤلاء؟ أو هو من باب تشبيه البشارة بما يسوء بالبشارة بما يسُرّ بجامع أن كلًّا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير. * طلبة: يشمل الأول. * طالب: الثاني. * الشيخ: يحتمل الواقع يحتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا: إنه من باب التهكم استُفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشَّرين، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ﴾ -يعني قولوا له: ذُقْ- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٧ - ٤٩] فإن هذه الكلمة أو الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ؛ لأنه سيتذكر أين العزة؟ وأين الكرم؟! أين العزة التي بها أغلب والكرم الذي به أجود؟! فيكون أشد وقعًا وأشد تحسرًا أنه فاته هذا الوصف الذي كان في الدنيا يرى نفسه من أهله. * طالب: قول صاحب الجلالين أن اليهود قتلوا ثلاثة وأربعين نبيًّا؟ * الشيخ: لا ما أعرف جيدًا، لا شك أنهم قتلوا الأنبياء بغير حق، لكن كونهم ثلاثة وأربعين أو أربع مئة أو أكثر أو أقل الله أعلم. * طالب: لو كانت الدولة من الدول تستورد لحوم معروف أنها من بلد شيوعي. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: تستورد لحوم من دولة يعني ملحدة ما تؤمن بالله شيوعية يعني معظم استيرادها أو كله تقريبًا وفيه بأه لحم بلدي في البلد لكن ما أحد يشتريه لغلاء سعره أو قليل ما يشتريه، وأنت تعلم أن هذا مثلًا اللي عزمك ما يشتري إلا من هذا اللحم دائمًا أو غالبًا وعزمك يا شيخ أو أعطاك مثلًا لحمًا هل تتحرج إنك ما تعرف هو من وين؟ المعظم شراؤه منه دائمًا ما يشتري بلدي؟ * الشيخ: أولًا: إن الدول الشيوعية قد يكون فيها مسلمون، ألم تعلم الضجة التي حصلت في يوغوسلافيا هذه الأيام؟ * الطالب: لا. * الشيخ: فيه مسلمون كثيرون، وقد قيل: إن أكثر من يتولى المسالخ هم المسلمون؛ لأنهم فقراء في ذلك المكان، فربما يكون الذابح مسلمًا؛ لكن مع هذا أهل العلم يقولون: إذا وُجدت مُذَكَّاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهو حلال اعتبارًا بالأكثر والأغلب وتيسيرًا على الأمة، فيُنظر إذا قيل: والله أكثر المسالخ في البلد الشيوعي هذا أكثرها يتولاها مسلمون صار الوارد منه حلالًا، وإذا قال: أكثره غير مسلمين صار الوارد حرامًا حتى لو فُرض أنها بلد يهود أو نصارى، وقد عُلم أن أكثر من يتولى الذبح غير يهودي ولا نصراني فإنها لا تحل ذبيحتهم. * طالب: شيخ، طيب يعني الإنسان إذا ذهب مثلًا هناك كثرة الدجاج الذي يعني يأتي من الخارج يا شيخ يكون من الخارج متيقنين أنه لم يسمَّ عليه، لم يسموا عليه لأنهم لا يعرفون التسمية أصلًا حتى يعني إنه ذهب ناس هناك وقال: إنهم يأكلونها؟ * الشيخ: ما علمت لأنه قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] ولم يقل: ولا تأكلوا مما لم تعلموا، قال: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ يعني إنه إذا تيقنا أنه لم يذكر اسم الله عليه. * الطالب: هذا شبه متيقنين يا شيخ لأني أنا عارف ما يسمون؟ * الشيخ: إذا كان شيء متيقن لا تأكل، لكن ما دمت لم تتيقن فلك الأكل. * الطالب: إذا كان تيقنا فلا نأكل؟ * الشيخ: معلوم إذا تيقنا لا يجوز الأكل. * طالب: الفائدة اللي أخذناها هي أن من آتاه الله علمًا في هذا الوقت فعليه البلاغ أو يجب عليه البلاغ (...)؟ * الشيخ: نعم، العالم يجب عليه أن يبلغ الشرع. * الطالب: الوحي يا شيخ ما معنى الوحي؟ * الشيخ: إي، الوحي (...) القرآن وحي. * الطالب: (...) * الشيخ: لا، لا نبي بعد محمد. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ هذا المعطوف على كل موصول صلة على خبر (إن) ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا خبر، وهذا الاسم، الفاء الجزائي من وين؟ * الشيخ: فهمتم سؤاله؟ * طالب: أعد. * الشيخ: هذا الرجل فهم فهمًا جيدًا وأنتم وُلدتم في البلد هنا في العرب ولا فهمتم ذلك ها؟ * طالب: إيه نعم. * الشيخ: يقول: الفاء الواقعة في خبر المبتدأ كده، ويش اللي جابها هنا؟ ما هي أداة شرط؟ يقول العلماء: إن اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ فهو كقوله: إن من يكفر بآيات الله. * الطالب: يعني متضمن لمعنى الشرط. * الشيخ: إي نعم، اسم الموصول متضمن لمعنى الشرط، ويقول: إنك تقول: الذي يأتيني فله درهم، فهو بمعنى قولك: من يأتيني فله درهم. معلوم؟ * طالب: شيخ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ إذا قيل: المقصود من الوجه هنا الذات أي أسلمت ذاتي كلها لله سبحانه وتعالى؟ فما يكون قوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق ١٦]؟ * الشيخ: هو من أسلم وجهه فقد أسلم نفسه، الآن مثلًا واحد يكلمك وهو (...) وقلت أنا أتسمع لك وأنت ويش تقول يصدقونك الناس؟ ما يصدقونك. * طالب: أقول يا شيخ، أن اختلاف العلماء في فهم النص يعني أحيانًا بعض العلماء يعطيك فهم للنص بيختلف من عالم إلى آخر هل هذا يكون اختلاف تنوع أو تضاد؟ * الشيخ: ما ندري، إذا كان يمكن الجمع بين القولين فهو من باب التنوع، فمثلًا قال بعض العلماء في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] أي أدبر، وقال آخرون: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: [التكوير: ١٧] أقبل. ولا تضاد في هذا، فهو اختلاف تنوع، فإذا كان القولان لا يمكن الجمع بينهما مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] منهم من قال: المراد بالقرء الحيض، ومنهم من قال: المراد بالقرء الطهر هذا ما يمكن الجمع بينهما، فهذا اختلاف تضاد. وكذلك قال الأحناف: يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه. وقال غيرهم: يخرج وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه. * طالب: (...). * الشيخ: ما يمكن الجمع، هذا اختلاف تضاد هذا (...). * طالب: يا شيخ، الله عز وجل أمر النبي ﷺ عند محاجة أن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، ما حكم المحاجة لو تحدث فيما بين المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: نعم المحاجة هذه إذا ظهر عناده فقل هكذا، أما ما دام أنهم غير معاندين لكنهم يتطلبون الحق فجادلهم حتى يتبين الحق، ولكن إذا تبين عنادهم الآن فإننا نقول: إما أن نضرب أعناقكم أو أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، هذا الواجب على المسلمين إذا قدروا، وأما إذا لم يقدروا في الوقت الحاضر فهذا شيء (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران ٢٢ - ٢٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ هذا مبتدأ الدرس، المناقشة. * طالب: فإن أسلموا باطنًا بالإيمان. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أين جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾؟ * طالب: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. * الشيخ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، لماذا اقترن بالفاء؟ * الطالب: لأن الماضي بقد الماضي إذا كان بقد وجب الفاء عليه. * الشيخ: أحسنت تمام، فيه بيت مشهور في الجمل التي يجب ارتباطها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟ * طالب: اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ * الشيخ: هذه قد، طيب يقول: ﴿إِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ما المراد بالهداية هنا؟ * طالب: هداية التوفيق. * الشيخ: هداية التوفيق، هل تستطيع أن تأتي لي بمثال فيه هداية الدلالة والتوفيق؟ * الطالب: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] * الشيخ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ هذه هداية أيش؟ * الطالب: الدلالة. * الشيخ: هداية دلالة. يستفاد من هذه الآية أن الرسول ﷺ ليس عليه هداية الناس؟ * طالب: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. هل ينسحب هذا الحكم على من ورث النبي ﷺ من أهل العلم؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: فيكون عليهم البلاغ دون هداية التوفيق. استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنه على القاعدة المعروفة في أصول الفقه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. كيف ذلك؟ * طالب: قوله: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، إن هذا حصر، تفيد الحصر. * الشيخ: طيب، لكن ما وجه دلالته على قولهم: إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ * الطالب: ﴿عَلَيْكَ﴾ و(على) ظاهرة الوجوب، والتبليغ واجب إذا ظهر هذا الأمر (...) قوله: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ * الشيخ: يعني لو لم يبين عند الحاجة لم يكن مبلغًا لأخل بهذا الواجب واضح؟ طيب. إذا سكت النبي ﷺ عن شرط والحاجة تدعو إلى بيانه لو كان شرطًا فهل يمكن أن يستدل بذلك على أنه ليس بشرط؟ يعني مثلًا مسألة اشترطها بعض العلماء لصحة العبادة والنبي ﷺ سكت عنها في حال تدعو الحاجة إلى بيانها لو كانت واجبة فهل يمكن أن نستدل بذلك على أنها ليست بشرط؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: من هذه الآية؟ * الطالب: من هذه الآية؟ * الشيخ: من هذه الآية لأنها لو كانت شرطًا لبلغه النبي ﷺ. قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ هل المراد بصر الرؤية أو بصر العلم؟ * طالب: يراد بالآية بصر العلم. * الشيخ: بصر العلم، لماذا قيدتها في هذه الآية ببصر العلم؟ * الطالب: لأن قوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...) ما يعملون. * الشيخ: طيب، ولا يمكن أن يكون بصيرًا بأعمالهم يراها؟ * الطالب: (...) السياق هذا (...). * الشيخ: ما وجه السياق؟ * الطالب: قال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...). * الشيخ: إذن يشمل بصر الرؤية وبصر العلم. طيب هل هناك دليل على أن الله يبصر بصر رؤية؟ * طالب: قول النبي ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». * الشيخ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. فأثبت لله بصرًا يرى به عز وجل. طيب ماذا تفيده هذه الجملة التي وقعت جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْ﴾؟ * طالب: التهديد. * الشيخ: التهديد وأنه إذا كان بصيرًا بهم فسوف يجازيهم على توليهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ في ﴿يَقْتُلُونَ﴾ الثانية قراءتان؟ * طالب: ﴿يَقُاتِلُونَ﴾ و﴿يَقْتُلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿يَقْتُلُونَ﴾ و﴿يَقُاتِلُونَ﴾ . طيب، هل يمكن العمل بالقراءتين؟ وهل بينهما منافاة؟ * الطالب: ليس بينهما منافاة. * الشيخ: نعم؛ لأنهم يقتلون من الذين يأمرون بالقسط من الناس يقتلون مَن لا يقاتلهم ويقاتلون مَن يقاتلهم. في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ قراءتان أيضًا؟ * الطالب: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ . * الشيخ: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، أظن مر علينا أنه إذا جاءت قراءتان في آية فإن الأفضل أن يقرأ الإنسان بهذه مرة وبهذه مرة، كما لو جاءت السنة بصفتين من صفات العبادة فالأفضل أن يفعل الإنسان هذا مرة وهذا مرة كذلك القراءتان، ولكن يجب أن يتأكد الإنسان من القراءة، فإذا تأكد أن هذه قراءة سبعية فإن الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة لأن الكل سنة. طيب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هل هناك قتل للنبيين بحق؟ لأنه جعل محط الدم قتل النبيين بغير حق، فهل هناك قتل للنبيين بحق؟ * طالب: كأن يكون قصاص يعني يا شيخ؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...) من النبيين مقصودون بهذا. * الشيخ: طيب هل المقتول قصاصًا يُذَم قاتله؟ إذن الآية سيقت مساق الذم؟ * طالب: شيخ؟ هذه الآية لبيان الواقع. * الشيخ: لبيان الواقع صحيح، هذه الآية لبيان الواقع والتنديد بهم، لبيان الواقع أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق بل بالباطل والتنديد بهؤلاء حيث يقتلون هؤلاء السادة بغير حق. نعم قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، كيف استعمل البشارة بالعذاب والبشارة ما تكون إلا بالخير؟ * طالب: إما على سبيل التهكم بهم. * الشيخ: وهل يذكر الثناء أو الوصف بالطيب في مقام التهكم؟ هل يمكن أن يذكر الشيء المحبوب في مقام تهكم؟ * الطالب: (...) * الشيخ: هات مثالًا تستشهد به لتقوية قولك؟ * طالب: في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] * الشيخ: مثاله في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ طيب، هذا وجه، الوجه الثاني؟ الوجه الأول أنه على سبيل التهكم بهم، والوجه الثاني؟ * طالب: تظهر البشارة على وجوههم. * الشيخ: أنه استعملت البشارة في مقام الوعيد لأنها علامة الخبر هذا يظهر على بشرته فتتغير كما تتغير البشرة بما يسر. ثم قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وهم أهل الخير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، هؤلاء الذين قامت بهم هذه الصفات هم الذين حبطت أعمالهم، حبوط الشيء يعني ذهابه وزواله وعدم الاستفادة منه، فهؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فظاهر لأنهم لن يستفيدوا من أعمالهم وإن كانت خيرًا حتى الإنسان الكافر إذا عمل خيرًا في الدنيا كالإحسان إلى الناس خصوصًا أو عمومًا فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] لكن كيف حبطت أعمالهم في الدنيا؟ حبطت أعمالهم في الدنيا لأنهم لما لم يستفيدوا منها صاروا كأنهم لم يعملوها فأعمالهم لم تنفعهم، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هذه الجملة كما نعلم جميعًا جملة منفية بما، وأسأل هنا: هل (ما) هذه عاملة عمل (ليس) أو لا؟ * طالب: ليست عاملة عمل (ليس). * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه تقدم الخبر. * الشيخ: لأنه تقدم الخبر، وهل لديك شاهد من كلام أهل العلم على ما قلت؟ * الطالب: من الألفية؟ * الشيخ: من الألفية إذا كانت مغيرة حبة ما يهم. * طالب: قاعدة نحوية تقول: (...) يعمل بمتشابه بليس. * الشيخ: لا، أنا أريد من كلام ابن مالك. * الطالب: وعندي كلام ابن الحاجب. * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: طيب ولكن هنا إشكال وهو قوله: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ كيف نعربها؟ * طالب: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ من زائد حرف جر زائد زائد. * الشيخ: حرف جر زائد زائد، كده؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أيش لون زائد زائد؟ اشرح للإخوان. * الطالب: زائد إعرابًا وزائد في اللفظ. * الشيخ: معنى، أي زائد في الإعراب ويزيد في المعنى. * الطالب: و﴿نَاصِرِينَ﴾ اسم (ما) مرفوع. * الشيخ: اسم (ما) ومحمد يقول ما تعمل كيف نقول اسم (ما)؟ ما عندك غير هذا؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر لا ما هو صحيح. * طالب: مبتدأ، و(لهم) خبر. * الشيخ: إي نعم لكن كمِّل إعراب ناصرين، مبتدأ. * الطالب: (ناصرين) اسم الفاعل مجرور لفظًا ومرفوع معنًى مبتدأ. و(لهم). * الشيخ: اصبر كمِّل كمِّل. * الطالب: مبتدأ يعني مرفوع لفظًا -في النهاية صح- (ناصرين) اسم الفاعل جمع المذكر السالم ورفعه بالواو ما قبله مضموم، ونصبه وجره بالياء ما قبله مكسور، مجرور لفظًا ومرفوع محلًّا مبتدأ، و(ما) نافية. * الشيخ: إيه علامة رفعه؟ الواو المقدرة. * الطالب: و(ما) نافية و(لهم) ظرف يتعلق بالمحذوف. * الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف. * الطالب: والمحذوف هو خبر. * الشيخ: المهم الآن فهمنا من كلامه أن الواو مقدرة في محل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة؟ * الطلبة: حرف الجر * الشيخ: حرف الجر الزائد، يعني هؤلاء الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ليس لهم أحد ينصرهم، وأكد سبحانه وتعالى النفي هنا أكده بـ (من) الزائدة، يعني ما لهم أحد ينصرهم لا على سبيل الاجتماع ولا على سبيل الانفراد؛ لأن (من) الزائدة إذا دخلت تجعل النفي نصًّا في العموم كـ (لا) النافية للجنس. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام هنا للتعجب، فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاقل، و﴿تَرَ﴾ يحتمل أن يكون رؤية عين ويحتمل أن يكون رؤية علم والثاني أولى؛ لأنه أشمل ولأنه يتعلق بالحال، والحال تُعلم وليست تُرى بالعين، يعني ألم تعلم إلى هؤلاء. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني أوتوا نصيبًا من العلم والذي آتاهم النصيب هو الله عز وجل وحذفه للعلم به؛ لأن الله تعالى هو الذي يؤتي العلم، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩] وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف ٦٥] فالذي يؤتي النصيب من العلم هو الله عز وجل. وقوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يفيد التقليل أو التكثير؟ يحتمل أن يكون المراد أوتوا نصيبًا كبيرًا من الكتاب بحيث يكون حاملًا لهم على الاهتداء ولكنهم -والعياذ بالله- استكبروا، ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل، وإنه لو فُرض أن عندهم علمًا كثيرًا فإن هذا العلم لم ينفعهم فصاروا كالذي أوتي نصيبًا قليلًا من العلم. وقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ هذا محل التعجب، يعني أنهم مع ما عندهم من العلم يُدعون إلى كتاب الله، والداعي لهم هو رسول الله ﷺ ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة، هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله عز وجل ليحكم الله بينهم بكتابه، ويحتمل أن يكون إلى الكتاب وأُسند الحكم إليه لأن الحكم صار به ويضاف الشيء إلى سببه كثيرًا، على كل حال سواء قلنا إن الضمير في ﴿يَحْكُمَ﴾ يعود إلى الله أو قلنا إنه يعود إلى الكتاب هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ولكنهم لا يقبلون هذا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يتولى فريق منهم لا كلهم؛ لأن بعضهم قد هُدِي بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب قد هداهم الله وهم كثير، لكن تولى فريق منهم ومع توليهم فإنهم معرضون -والعياذ بالله- ليس عندهم إقبال لا في الظاهر ولا في الباطن، بل هم متولون معرضون، وإنما قال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهي جملة حالية من فريق إنما قال ذلك؛ لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ لكن في قلبه شيء من الإقبال، أما هؤلاء فإنهم متولون وهم قد امتلؤوا إعراضًا عن كتاب الله ليحكم بينهم، وهنا يقول: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ كيف صحت الحال من النكرة؟ * طالب: الحال هو ما يبين هيئة الفاعل. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: سواء الفاعل نكرة أو معرفة. * الشيخ: لا لا. * الطالب: هو يبين هيئة الفاعل. * الشيخ: إي لكن الفاعل لا بد أن يكون معرفة أو نكرة فيها سبب. * طالب: لأنها موصوفة. * الشيخ: لأنها موصوفة: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وإذا وُصفت النكرة تخصصت فصارت شبيهة بالمعرفة. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه التولي والإعراض بأنهم خدعوا أنفسهم وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي لن تصيبنا ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامًا قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤] وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧] فكل شيء معدود فهو قليل؛ لأن شيئًا يمضي بالعدد واحد اثنين ثلاثة أربعة لا بد أن ينتهي، هؤلاء يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ثم من يخلفهم بعده؟ مَن يخلفهم فيها؟ يدَّعون أن الذي يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه، وهؤلاء هم اليهود قالوا -زعمًا منهم ودعوى مردودة- قالوا: إنهم يدخلون النار ولكنهم لا يمكثون فيها إلا أيامًا معدودة، ثم يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه فيها أبد الآبدين، وكذبوا في ذلك، فهم ستمسهم النار ويبقَوْن فيها أبد الآبدين، لكن غروا أنفسهم وخدعوا عوامَّهم بهذا القول الكاذب المفترَى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ غرهم الغُرور والخداع بمعنى واحد متقارب، يعني أن هؤلاء خدعوا أو انخدعوا في دينهم حيث ظنوا أنهم على حق، وبعضهم عاند الحق عالمًا به مفتريًا كذابًا ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي الذي كانوا يفترونه، ومنه قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي فكيف تكون حالهم؟ كيف تكون حالهم في هذا الوقت ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ والاستفهام للتعظيم يعني ما أعظم ما تكون حالهم في تلك اليوم! وما أشد حسرتهم ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي جمعناهم لهذا اليوم أي فيه، واللام تأتي دائمًا بمعنى (في) ويسمونها لام التوقيت ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي في قُبُل عدتهن أي في استقبال عدتهن، فاليوم لا ريب فيه أي جُمِعوا لهذا اليوم أي فيه وهو يوم القيامة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إما أنه خبر بمعنى النهي، المعنى: لا ترتابوا فيه، أو أنه خبر على حقيقته والمعنى أن الله عز وجل يخبر عن هذا اليوم بأنه لا ريب فيه أي لا ريب في وقوعه، وهذا اليوم قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب فما أكثر الآيات التي فيها إثبات اليوم الآخر، وما أكثر الأمثال التي يضربها الله عز وجل لإثبات هذا اليوم ببعث الخلائق، وأما في السنة فكثير أيضًا إثبات هذا اليوم، وأما في العقل فلأن العقل يدل بالضرورة على أن هذه الخليقة لا بد أن يكون لها معاد تحاسب عليه على ما أمرت به؛ لأنه ليس من المعقول أن ينشئ الله الخليقة يأمرها وينهاها ويبعث إليها الرسل وينزل عليها الكتب ويستباح دماء من لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تموت هذه البشرية ولا تبعث تكون ترابًا، لو وقع هذا الفعل من أي أحد لقيل هذا سفه من أسفه السفه، لو أن الإنسان صنع ثوبًا وخاطه وأتقنه ومِن أحسنِ ما يكون ثم في النهاية أحرقه وتلف ولم يبق له أثر لعدّ الناس كلهم هذا سفهًا، فكيف بهذه الخليقة التي خلقها الله عز وجل وأنزل عليها الكتب وأرسل إليها الرسل وأباح دماء وأموال مَن لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تُتلف هذه الخليقة بدون أي معاقبة وأي حساب، فالكتاب والسنة والإجماع والعقل كلها دلت على ثبوت هذا اليوم الذي قال الله فيه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وُفِّيت يعني أُعطيت ومنه قولهم: وفَّاه حقه أي أعطاه حقه وافيًا. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من البشر؟ أو من غيرهم؟ من البشر والجن يعني من المكلفين الذين أُمِروا ونُهوا هم الذين يُوفَّون أجورهم، أما من لم يتوجه إليه أمر ولا نهي فإنهم يُجمعون يوم القيامة ولكن ليس لهم أعمال يُجازون عليها، فلا يشملهم قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ كيف تكون حال هؤلاء الذين تولوا وهم معرضون؟ تكون أسوأ حال والعياذ بالله؛ لأنهم ينظرون إلى الناس وقد جُوزُوا بالثواب العظيم وإلى أنفسهم وقد جُوزوا بالعذاب المهين، فتكون أعمالهم حسرات عليهم -والعياذ بالله- يوم القيامة، ولا يستفيدون لا من دنياهم ولا من أُخراهم. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يعني من خير أو شر بدليل العموم في كلمة (ما)، ولكن كيف تُوَفَّى؟ أما الخير فيُوَفَّى العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأما في الشر فيُوفَّى السيئة بمثلها إن لم يعف الله، قد يعفو الله عنه، وقد يكون له أعمال صالحة تُكفِّر هذه السيئات، فجزاء الله عز وجل وتوفيته للأعمال دائر بين الفضل والعدل، بين الفضل في أهل الخير، والعدل في أهل السوء. أما القسم الثالث وهو الجور والظلم فهذا ممتنع ولهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُظلمون فلا يُنقص أحد من حسناته ولا يُزاد في سيئاته، ونحن نعلم أن من أوفى غيره حقه فلا يخلو من ثلاث حالات، إما أن يوفيه بالفضل، أو بالعدل، أو بالجور، إلا الله عز وجل فإن وفاءه دائر بين العدل والفضل، وأما الجور والظلم فهذا ممتنع عليه كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]. والآن نرجع إلى فوائد الآية التي ذكرناها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٢١] في هذه الآية من الفوائد: أنه ينبغي أن يعلَن لهؤلاء الكفار بما أمر الله تعالى أن نبشرهم به ﴿بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه كلما كانت الحكمة في تبشير هؤلاء بالعذاب الأليم بشرهم، وهكذا مَن ورث النبي ﷺ في العلم والدعوة ينبغي أن يبشر كل كافر بآيات الله بالعذاب الأليم، لكن يجب أن يكون هذا تابعًا للحكمة، قد لا يكون من الحكمة إذا دعوت رجلًا للإسلام أن تقول: تعال أنت كافر؟ فإذا قال: نعم، قلت: أبشر بالعذاب الأليم وأسلم، يصلح هذا؟ ما يستقيم لكن لكل مقام مقال، إذا دعوته وعاند واستكبر حينئذ يناسب أن تقول: إن بقيت على ما أنت عليه فأبشر بالعذاب الأليم. أو يأتيك رجل يمدح لك هؤلاء الكفار ويقول: فيهم وفيهم وفيهم وفيهم تقول: يا أخي بشِّرهم بعذاب أليم، ماذا ينفعهم هذا يوم القيامة؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بآيات الله؛ لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بها بالعذاب الأليم. والإيمان بالآيات الكونية له معنى وبالآيات الشرعية له معنى، فالإيمان بالآيات الشرعية قلنا إنه هو: تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، وألا يتعرض لتحريفها، ثلاثة أشياء، وبالكونية ألا يعتقد أن لله تعالى فيها مشاركًا أو معينًا أو مستقلًّا بملكه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قتل النبيين وأنه بغير حق مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مع أن قتل النبيين بغير حق من جملة الكفر لكن نص عليه لشدة شناعته والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة:تحريم أو شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يأمر بالقسط من الناس، من هم اللي يأمر بالقسط من الناس؟ قلنا: إنهم علماء وأمراء، فالعلماء يبينون الشرع، والأمراء ينفذون الشرع، فإذا قتلهم قاتل دخل في هذه الآية إذا كانوا يأمرون بالقسط. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. * ومن فوائدها: أن العذب الذي يبشَّرون به ليس عذابًا هينًا يُتحمَّل ولكنه عذاب مؤلم. ومن فوائد الآية التي بعدها: أن هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس هؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يستفيدون منها، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فلأنهم لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر محبط للأعمال؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ولكن هل المراد ليس لهم ناصر في الدنيا والآخرة؟ أو في الآخرة؟ في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]. * طالب: قوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ لمَ التفريق ما بين ﴿مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾؟ (...) * * * * طالب: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦] * الشيخ: (...) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أما في الآخرة فحبوط أعمالهم ظاهر لأنهم لا ينتفعون بأعمالهم في الآخرة، ولكن في الدنيا كيف يكون حبوط أعمالهم؟ * طالب: مغلوبين. * الشيخ: كيف مغلوبين؟ * الطالب: يعني هم يقتلون النبيين وهم في الآخر هم مغلوبين، ما عندهم القدرة على المسلمين. * الشيخ: يعني معناه في النهاية تحبط أعمالهم أي عزتهم وكبرياؤهم، هذا وجه جيد، فيه أيضًا؟ * طالب: لا ينتفعوا بهذه الأعمال حتى أعمالهم الصالحة. * الشيخ: فلما لم ينتفعوا بها صارت حابطة وإن انتفعوا بها في الدنيا لكن لما لم تكن نافعة لهم في الآخرة صارت ضائعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ﴾ الخطاب لمن في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ * طالب: الخطاب إلى الرسول ﷺ. * الشيخ: للنبي ﷺ، ما فيه وجه آخر؟ * طالب: لأهل الكتاب. * الشيخ: لا. * طالب: لكل من يتأتى له الخطاب. * الشيخ: لكل من يتأتى خطابه يعني كل من يصح أن يخاطَب يخاطبه الله بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وهذا القول أعم من القول الأول. مَن المراد بهم؟ * طالب: المراد بهم أهل الكتاب. * الشيخ: مَن؟ * الطالب: اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى. طيب ﴿نَصِيبًا﴾ هنا نكرة هل هو للتقليل أو للتكثير؟ * طالب: ﴿نَصِيبًا﴾ تدل على التقليل، وقد ترد يعني وقد ترد دالة على التكثير قليلًا. * الشيخ: أيهما المراد هنا؟ * الطالب: المراد التقليل. * الشيخ: يعني أنهم؟ * الطالب: أُوتوا شيئًا من العلم بينهم، شيئًا قليلًا بينهم. * الشيخ: طيب ويش وجه المناسبة؟ إذا قلت: إن المراد التقليل، قد يقولون: والله إحنا ما عندنا إلا علم قليل ولا ندري عن كتاب الله هل هو حق أو ليس بحق؟ * الطالب: مناسبة أيش؟ * الشيخ: أقول الآن: إذا قلت المراد التقليل، فكيف يكون العتاب عليهم وهم ليس عندهم إلا علم قليل لا يعرفون به الحق من الباطل؟ * الطالب: المراد أنهم أوتوا نصيبًا يعني شيئًا قليلًا من العلم ما يكفيهم في أمر دينهم ودنياهم. * الشيخ: طيب هؤلاء إذا دُعوا إلى الله يقولون: والله ما نعرف به الحق حتى نُلام عن التولي عنه؟ * طالب: نقول: يحتمل ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا كثيرًا من العلم ولكنهم استكبروا إذا دُعوا إلى كتاب الله، ويحتمل أن تكون ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا قليلًا من العلم. * الشيخ: طيب إذن كل معنى له وجه، إن قلنا: قليلًا، فوجه اللوم عليهم أنهم لمالم يُؤتَوْا إلا علمًا قليلًا كان الواجب عليهم أن يأخذوا بالعلم الذي دُعوا إليه حتى يزدادوا علمًا، وأما إذا قلنا: كثيرًا، فالوجه: أنه كيف يعلمون الحق لأنهم إذا أوتوا علمًا أو نصيبًا كثيرًا من الكتاب فمن جملتها أنهم يعرفون محمدًا ﷺ، فكيف يُؤتَوْن العلم الكثير الذي به تقوم الحجة ثم يستكبرون عنه؟ إذن فالآية صالحة للوجهين جميعًا. طيب، قوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الفاعل في (يحكم) مَن؟ * طالب: في (يحكم) الفاعل هو اسم الجلالة والكتاب كلاهما. * الشيخ: يعني يجوز أن يكون عائدًا إلى الله وعائدًا إلى الكتاب، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأن الكتاب يحكم، وكذلك الله عز وجل يحكم بين عباده. طيب، لماذا يتولون وهم معرضون؟ ما هو السبب الذي حملهم على ذلك؟ * طالب: الاستكبار. * الشيخ: لا. * طالب: السبب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * الشيخ: نعم، هذا الذي دعاهم إلى ذلك، الغرور وأن أنفسهم غرتهم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ثم بعد ذلك تخلفوننا أنتم يا محمد وأصحابه فيها، ولهذا قال: ﴿غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. طيب، ما المراد بالاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * طالب: تعظيم هذا اليوم؛ يعني كيف هَوْل هذا اليوم إذا جمعناهم؟ أو كيف حالهم هذا اليوم إذا جُمعوا؟ * الشيخ: فيتضمن تعظيم هذا اليوم وتهديد هؤلاء، إذن لتعظيم ذلك اليوم ولتهديد هؤلاء القوم. ما المراد بهذا اليوم؟ * طالب: يوم القيامة. * الشيخ: طيب قال الله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * طالب: أي لا شك فيه. * الشيخ: لماذا لا شك فيه وهو أمر غائب؟ * طالب: الْمُخبِر عنه حق، إن الله هو الذي أخبر عنه. * طالب: إن الكتاب والسنة والعقل دلوا عليه. * الشيخ: لأن كلًّا من الكتاب والسنة والعقل دل عليه على هذا اليوم والناس يبعثون، نريد دليلًا من القرآن على ثبوت هذا اليوم غير الآية اللي معنا؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. * الشيخ: طيب هذا ممكن، لكن ما فيه آية تدل على أن الناس يُجمعون في ذلك اليوم علشان توفق المعنى؟ * طالب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧]. * الشيخ: نعم، ما فيه دليل على نفس الجمع؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩] * الشيخ: زين صح إي نعم، وفيه في سورة هود: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣] طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ما معناها؟ * طالب: نعم معناها أُعطِيت كل نفس حقها. * الشيخ: وافيًا، أحسنت. جملة: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ محلها من الإعراب؟ * الطالب: خبر. * الشيخ: لا. * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * طالب: حال من ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. * الشيخ: من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؟ * الطالب: لا، من * الشيخ: من كل الدنيا والفعل والفاعل. * الطالب: النفس الموفية لها، من الفاعل. * الشيخ: ما عندنا فاعل، اللي عندنا نائب فاعل؛ لأن (وُفِّي) فعل ماضي مبني للمجهول. * الطالب: من نائب الفاعل. * الشيخ: من نائب الفاعل وهو قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾. طيب ما معنى الظلم ال (...)؟ الظلم المنفي هنا، أو ما المراد به؟ * طالب: عدم الجور، الظلم هنا المراد به أي عدم الجور؛ لأنه توفية الحق له ثلاثة أحوال؛ إما أن يعطى حقه. * الشيخ: لا، نريد بس نفي الظلم أيش؟ الظلم يكون إما بنقص شيء من الحسنات أو زيادة سيئات، أما كيف التوفية فهذه هي التي تريد؛ يعني التوفية لها ثلاثة أقسام: عدل، وفضل، وجور، فالجور منتفي، والعدل والفضل ثابت. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٢٣] إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أنه ليس كل من أُعطي علمًا يُوفّق للعمل به لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ [آل عمران ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: التعجب من حال هؤلاء وما أعظم التعجب أن يؤتيهم الله العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله عز وجل. * ومن فوائدها: أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة بكونهم دعوا، وهذا هو محطّ الذم، أما لو لم يدعون ولم يعلموا بالحق فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرّطوا بطلب الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران ٢٣]. * ومن فوائدها: أنه لا حكم إلا لله بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله عز وجل، كافر، اللهم إلا أن يُعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فعله من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال كل شيء، ولأنه لم يُخصص، قال: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ في كل شيء. ويتفرع على هذه الفائدة: الرد على من قال: إن الشرع إنما جاء في تنظيم العبادات فقط، أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ قدم المدينة ورأى الناس يؤبّرون النخل -معنى يؤبرونها: يلقحونها- فقال عليه الصلاة والسلام: «مَا أَرَى ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا» هذا أو معناه، فتركوا التأبير ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يُؤبّر فسد، فلما حصدت الثمار جاؤوا إلى النبي ﷺ يخبرونه فقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث أنس. ]]. قالوا: فوَكل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا، وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع، ولكن هذا فهم خاطئ، هذا فهم خاطئ باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب وبالتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة، وكم من عالم عنده علم غزير واسع في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب وإبرة من أحسن الإبر، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ومسألة الصحابة رضي الله عنهم في التأبير مسألة حكمية أو مسألة فنية؟ فنية بلا شك تدرك بالتجارب، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما نعلم- ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فصار أهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، صاروا أعلم منه بذلك، أما مسألة الأحكام الشرعية فلا شك أن الله ورسوله أعلم، المهم أن الحكم لمن؟ لله، ولا يجوز أن يكون الحكم لأي شيء سوى الله. فإن قال قائل: ألستم ترجعون إلى العرف في أمور كثيرة؟ فالجواب: بلى، لكن من الذي رجعنا إلى العرف؟ الشرع، رجعنا إلى العرف: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩] ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق ٢]، فالشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف، وإذا أمرنا أن نرجع إلى العرف رجعنا إليه وحكّمناه، ولهذا إذا تنازع الزوجان في قدر النفقة لا نذهب إلى الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني: البخاري، أو مسلم، أو أبو داود، أو ما أشبه ذلك، لا نرجع إلى هذا، نرجع إلى من؟ إلى أهل الخبرة في العرف في كل زمان ومكان بحسبه، إذن الحكم فيما رُدّ إلى العرف لمن؟ للشرع. * طالب: للشرع وأهل الخبرة. * الشيخ: لا، الحكم للشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف؛ فأهل العرف يحكمون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين دُعوا إلى كتاب الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب لم يتولوا جميعًا، بل تولى فريق منهم، والأمر كذلك فإن كثيرًا من اليهود والنصارى أسلموا وحسن إسلامهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من يتولّى بإعراض لقوله: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران ٢٣]، لأن التولي -كما ذكرنا في التفسير- قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض، والتولي مذموم كله، ولكن إذا كان عن إعراض وعدم مبالاة كان أشد. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان الأماني، وأن النفس قد تمنّي الإنسان ما لا يكون؛ لأن هؤلاء منّتهم أنفسهم حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * ومن فوائدها: تحذير الإنسان من أن يتكل على الأماني؛ لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة الآن يقعون في المعاصي ويمنّون أنفسهم المغفرة، إذا وقع في المعصية قلت: يا أخي، اتقِ الله، لا تعصِ الله قال: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، صحيح؟ * طلبة: إي نعم. * الشيخ: صحيح أن الله غفور رحيم، لكن الله قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨] فلما أمر نبيه أن ينبئ بدأ بالمعفرة، ولما أخبر عن نفسه بدأ بالعقوبة؛ لأن المقام مقام سلطان وعلوّ فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إذن ماذا نقول لهذا الذي قال: الله غفور رحيم؟ نقول: والله شديد العقاب أيضًا، يتمنى بعض العاصين الأماني ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فهو يريد أن يزني، ويسرق، ويشرب الخمر، ويعمل كل شيء دون الشرك ثم يقول: إن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا خبر، خبر من الله عز وجل، وهو أصدق القائلين؟ فماذا نقول؟ نقول: اقرأ الآية، لا تكن أعمى أو أعور ما تنظر إلا بعين، يغفر ما دون ذلك مطلقًا لمن يشاء، ومن لا يشاء لا يغفر له، فهل أنت تجزم بأنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ أبدًا، ما تجزم، لا تجزم لا بهذا ولا بهذا، إذن فأنت على خطر، أنت على خطر على أن الذي يستخف بمعصية، ويُلبّس على نفسه وعلى الناس قد يكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له، نعوذ بالله؛ لأن هذا مستهتر مستهين. إذن الذين يتمنون على الله الأماني مع استمرارهم على معصية يشبهون من؟ اليهود والنصارى، ولهذا جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها- وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس الأنصاري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، من أين تؤخذ؟ من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ويتفرع على هذا: أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بوجود الله وباليوم الآخر دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولًا وإذعانًا مجرد التصديق لا يعتبر إيمانًا، لا بد من القبول والإذعان، ودليل هذا نصوص كثيرة منها: أن أبا طالب عم رسول الله ﷺ كان يقرّ بأن رسول الله ﷺ حق، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَــــا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِــــــــلِ ويقول: وَلَقَــدْ عَلِمْــتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خَيْــــرِ أَدْيَــــانِ الْبَرِيَّــــةِدِينَــــــــــــا ومع ذلك لم ينفعه هذا الإقرار؛ لأنه لم يصحبه قبول وإذعان، وخُتم له في الآخر -والعياذ بالله- بأنه قال: على ملة عبد المطلب، ولكن نظرًا لما حصل منه من دفاع عن الإسلام «أذن الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ أن يشفع له فشفع، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه أبد الآبدين[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس.]] ». والعياذ بالله، أبد الآبدين، وهذا أهون أهل النار عذابًا أجارني الله وإياكم منها. ولم نعلم أن كافرًا نفعت فيه الشفاعة على الإطلاق بمعنى أنه سلم من العذاب أبدًا، ولم نعلم أن كافرًا خُفّف عنه العذاب بالشفاعة إلا أبا طالب، إذن نقول: إن الإيمان باليوم الآخر، وبأن هناك نارًا لا يكفي في الإيمان، بل لا بد من القبول والإذعان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يغره ما هو عليه من الدين، قد يغره ما هو عليه من الدين لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران ٢٤] فيغتر بأنه يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ثم يقول في نفسه: لن أعذَّب، وهذا قصور في النظر؛ لأنه ليس الشأن أن تصلي أو تزكي أو تصوم أو تحج، الشأن كل الشأن أن يُقبل منك هذا العمل، كم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطِل سابق أو لاحق، سابق كفوات الإخلاص مثلًا، لاحق كالإعجاب بالعمل والإدلال به على الله عز وجل، وأن يرى الإنسان لنفسه حقًّا على ربه، وهذا قد يبطل العمل، فعملك محفوف بأخطار سابقة وأخطار لاحقة، ولهذا لا تغتر بما أنت عليه من الدين، بل اسأل ربك دائمًا التوفيق والقبول، التوفيق سابق، والقبول لاحق حتى الإنسان ربما يريد الخير ويحب الخير، ولكن يبتلى بالبدعة، كم من أناس يحبون الخير وعندهم رغبة ومحبة لله ورسوله، ولكن يبتلون بالجهل فيبتدعون في دين الله ما ليس منه، ويكون عملهم هذا حابطًا ولَّا مقبولًا؟ حابطًا؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]. وقال الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٢٥]. في هذه الآية دليل على عظم ذلك اليوم لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. وفيها دليل أيضًا على النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، ولهذا قال: كيف تكون حالهم في ذلك اليوم؟ والجواب: أن حالهم أخيب الحال، أخيب حال هي حالهم والعياذ بالله؛ لأنهم ليس عندهم شيء؛ خسروا دينهم ودنياهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. * ومن فوائدها: أن من كفر باليوم الآخر أو شك فيه فهو كافر؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فالله أخبر بأن هذا اليوم لا ريب فيه، أمر واقع، ولا بد لا بد أن تجتمع مع أمك وأبيك وأختك وأخيك في ذلك اليوم، لكن تجتمع بهم وأنت تفرّ منهم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧] حتى يستقر الناس في منازلهم، فإذا استقر الناس في منازلهم واجتمع بهم في الجنة فهذه غاية المنى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] الصغار اللي ماتوا وهم لم يكن لهم ذرية يلحقون بآبائهم ليجتمعوا إليهم، لكن هل يُلحق الأعلى يُنزّل الأدنى وإلا بالعكس؟ بالعكس؛ يعني يُرفع الأدنى إلى الأعلى، أما من كان له ذرية من الأولاد فهو مستقل بنفسه في منزلته؛ لأن هذا له ذرية. على كل حال في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ دليل على أن من شك في هذا اليوم أو أنكره فهو كافر لتكذيبه لله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ وإنما قلت: التوفية الكاملة؛ لأن الإنسان قد يوفَّى شيئًا من عمله في الدنيا، أليس كذلك؟ بلى قد يُوفّى في الدنيا لكن يوفّى في الآخرة أيضًا، توفّى النفوس ما عملت، قد يوفى في الدنيا وماذا يوفّى؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣] مخرجًا من كل ضيق وسعة في الرزق، ويرزقه من حيث لا يحتسب، هذا في الدنيا، وهذا جزاء، هناك جزاء آخر يعني أعظم وأنفع، وهو الهدى، الهدى قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧] الهدى والعمل الصالح هذا أفضل من المال، أفضل من المال؛ لأن الهدى إذا زاد الله الإنسان هدى انشرح صدره واستنار قلبه واطمأن، ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء، وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه وسرور نفسه، ولهذا قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي في السنن (٣٩٣٩) من حديث أنس. ]] والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عينه؛ لأنه يشعر في كل عمل صالح يشعر بأمرين عظيمين؛ الأمر الأول: أنه يتعبد لله بالعمل الصالح فيزداد ذلًّا لربه ومحبة له وإنابة إليه، والأمر الثاني: أنه بذلك متبع لرسول الله ﷺ، فهو يشعر حين فعل العبادة أن إمامه محمد ﷺ فيزداد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا لقوله، بل وتعظيمًا لهديه وسنته، وهذا أعظم كسب، أعظم كسب أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿وُفِّيَتْ﴾ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فاعلها معروف، من الموفِّي؟ الله، والذي لا يظلم الله، ولكن انتفاء الظلم عن الله سبحانه وتعالى هل هو من الصفات الثبوتية أو من الصفات المنفية التي يسمونها بالسلبية؟ الثاني إلا أننا نقول: لا يظلم يعني ليس في جزائه أدنى ظلم، فيكون نفي الظلم لكمال العدل؛ لأن الظلم قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا؛ يعني قد يكون كاملًا بحيث لا يعطى شيئًا من جزاء عمله، وقد يكون ظلمًا ناقصًا يُعطى بعض الشيء، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم صار ذلك مستلزمًا لكمال العدل، وكذلك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] اللغوب يعني التعب والإعياء، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه لغوب؛ أي تعب وإعياء، لماذا؟ لكمال قوته وقدرته عز وجل، فالإنسان يعمل العمل لكن يتعب، أما الرب عز وجل فإنه لكمال قدرته وقوته خلق السماوات والأرض وما بينهما في أيام يسيرة ستة أيام، وما مسه من لغوب، إذن نأخذ من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات؛ وهي: أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضدّ، فضد الظلم العدل، إذا انتفى الظلم فهو لكمال العدل، ضد القدرة والقوة: التعب، فإذا انتفى التعب؟ ثبت كمال القدرة والقوة وعلى هذا فقِس. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣] كيف يعني يفصل بينكم؟ * الشيخ: يوم القيامة يفصل بينكم؛ يعني يحكم بينكم، ثم يكون الفصل؛ فالناس يجتمعون أولًا في المحشر جميعًا، ثم ينفصلون فريق في الجنة وفريق في السعير. * الطالب: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قلنا: الآن إن أولادكم ثبت بالأحاديث أن الولد ينفع أباه؛ حافظ القرآن إذا..؟ * الشيخ: هذا يخاطب الكفار، يخاطب المؤمنين يعني معناه لا تحابوا الكفار لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك لا ينفع. * طالب: شيخ، ويش معنى قولهم (...). * الشيخ: يقول بعض العلماء: إنهم بنوا قولهم هذا على أنهم عبدوا العجل أربعين ليلة، وقالوا: إن الله يعذّبنا بقدر معصيتنا؛ بقدر عبادة العجل فقط؛ أربعين يوم ثم أنتم تخلقونه. * الطالب: أقول: إذن ما بنوا على شيء أصلًا، يعني أمانة؟ * الشيخ: أبدًا، كذب. * طالب: صار خاص باليهود. * الشيخ: إي نعم، هم اللي يقولون هكذا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * طالب: شيخ، قلنا: يا شيخ إن صاحب البدعة إذا عمل عملا مبتدعًا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قلنا: إذا عمل الإنسان عملًا بدعيًّا يعني حبط عمله بهذا العمل. * الشيخ: لا يُقبل منه. * الطالب: لكن يا شيخ إذا صار جاهلًا، يعني ما يؤجر على النية؛ نيته في هذا العمل؟ * الشيخ: إيه، لكن ما يقبل منه على أنه عمل؛ يعني يثاب على نيته التقرب إلى الله، أما هذا العمل لا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]، «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]] لكن يُثاب على نيته الخير فقط، ومع ذلك إذا أقيمت عليه البينة بأنه مبتدع لا يثاب ولا على نيته. * طالب: شيخ، الحكم يا شيخ في الرد على إن الذين يقتلون النبيين إلى آخره، أنهم يقتلوهم، وألقوا بهم في السجون، الذين يقتلون الناس ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]. * الشيخ: مقاتلون. * الطالب: نعم، فما حكمهم يا شيخ؟ * الشيخ: حكمهم دون هذا. * الطالب: نعم؟ * الشيخ: أقول دون ذلك. * الطالب: طيب هل هم يُقاتلون يا شيخ؟ * الشيخ: من اللي يقاتل؟ * الطالب: الذين يقتلون؟ * الشيخ: لا، لا، ما يقاتلون، لا. * الطالب: طيب مش دول كفار يا شيخ؟ * الشيخ: لا ما هم كفار. * الطالب: مش ﴿يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾؟ * الشيخ: إيه، هذه من صفات الكفار، لكن قد يفعل هذا من ليس بكافر. * الطالب: إي نعم، أن الله عز وجل أمر النبي ﷺ أن يبشرهم، مش هذا فيه إعلام من الله عز وجل أن النبي ﷺ يعلمهم؟ * الشيخ: لكن اقرأ اللي قبلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٢١] أولًا: ما هو الكفر، كفر، ومن جملة أعمالهم القتل، فالذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس أخذوا من أعمال هؤلاء الكفار القتل، لكن لا يلزم من هذا أن يكونوا كفارًا؛ لأن قتل النفس لا يستلزم الكفر كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ١٧٨]. * طالب: يا شيخ، هذا الأخ في الإسلام يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: هذا أخ في الإسلام، وهذا يقتل الذي يأمر بالقسط هذا ما هو عدو له؟ * الشيخ: نعم نعم، على كل حال هو لا يكفر اللهم إلا أن يكون فعله هذا كراهة للحق، فهذا شيء ثاني. * طالب: ويعلنوا يا شيخ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعلنوا بالمعاصي؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجهروا بالمعاصي؟ * الشيخ: ويش معنى يجهر؟ * الطالب: يعني الفعل الذي يفعلونه على الذين يفعل فيهم الجهر لهم، وإعلانهم بالمعاصي على قول الله عز وجل للنبي ﷺ ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] فالتبشرة هنا إعلان منه؟ * الشيخ: نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الله أمر نبيه أن يبشر هؤلاء بعذاب أليم يحتمل أن هذا حكم لهم، ويحتمل أن الله أمره بأن يقول ذلك، وذكرنا أن هذا ينظر فيه للمصلحة. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: الغالب أن الذين يقتلون الذي يأمرون بالقسط من الناس أن هؤلاء لا يقتلونهم لأشخاصهم فقط، وإنما لهذا المنهج الذي يسيرون عليه؟ * الشيخ: نعم، صحيح، لكن ما نقدر نكفرهم إلا إذا علمنا؛ لأنهم قد يقتلونهم لسبب آخر، هل كل من يأمر بالقسط من الناس نيته صالحة؟ فيه الآن أناس يأمرون بالقسط من الناس ليصلوا إلى الحكم، وإذا وصلوا إلى الحكم صاروا أخبث من الذين قالوا فيهم، ولهذا المسائل هذه دقيقة ما هي هيّنة. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإقامة الحجة، هل يكفي إبهامها؟ بس هل يكفي إنك تعلمها فقط للشخص وتقوم عليه الحجة أو أنك لازم تفهمه، لازم يفهمها ويستوعبها؟ * الشيخ: أرأيت لو جيء إليك برجل من العجم وقلت: يا هذا الكافر، اتقِ الله وأسلِم، ويش يفهم؟ هل بلّغت الحجة؟ وأيضًا نحن نسميها حجة، ولا حُجّة إلا بعد معرفتها.

آل عمران 3:23

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في هذه الآية قراءتان في كلمتين، أولًا: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة ﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، وثانيا: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ فيها قراءة ﴿وَيُقَاتِلُونَ﴾ ﴿وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يكفرون بآيات الله الكونية أو الشرعية، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، وهذه الآيات الكونية التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها هي آية على الله، آية تدل على أن الخالق واحد لا شريك له وعلى أنه لا يشبهه شيء؛ لأن الناس لو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوا جبلًا واحدًا ما استطاعوا، أو أن يخلقوا حيوانًا واحدًا ما استطاعوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]. آيات الله الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] فالآيات الشرعية هي العلامات الدالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد وأنه كامل الحكمة، هؤلاء الذين يكفرون بهذه الآيات يقول عز وجل بعد أن ذكر معطوفات متعددة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولكن كيف يكون الكفر بآيات الله؟ نقول أولًا: الآيات الكونية؟ * طالب: (...) بأن يجحد الخالق سبحانه وتعالى بأنه خلقها. * الشيخ: أن يدَّعي أن الذي خلقها غير الله، هذا واحد. * الطالب: أو أن ينسب له له شريك في خلقه. * الشيخ: أو أن له شريكًا في خلقه. * الطالب: أو أن ينسب له معينًا في خلقه. * الشيخ: أو أن له معينًا في خلقه، ثلاثة أشياء. طيب الكفر بالآيات الشرعية؟ * طالب: إما أن يكون بالجحود أو بالاستكبار والعياذ بالله. * الشيخ: نعم إما بجحودها وتكذيبها أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك. يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ يقتلون النبيين الذين أرسلهم الله إليهم بغير حق، والنبيون هنا يشمل الرسل ومَن لم يرسَل من النبيين، وأكثر ما وُجِد هذه الصفة في اليهود؛ لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم مَن قتل الأنبياء بغير حق وعبد الطاغوت، وهنا يقول: ﴿النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذه الصفة لا يراد بها إخراج ما خالفها، وإنما يراد بها بيان الواقع والدلالة على أن هذا القتل كان عدوانًا، فيراد بها شيئان: أولًا بيان الواقع وأنهم يقتلونهم وهم غير محقين يعني لا يقتلونهم قصاصًا مثلًا، بل يقتلونهم عدوانًا وظلمًا. ثانيًا: أنَّ قتلهم كان بباطل بغير حق، وإلا فليس هناك قتْلٌ يكون بحق لأحد من النبيين. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ مَن الذين يأمرون بالقسط من الناس؟ الرسل وغير الرسل، أهل العلم يأمرون الناس بالقسط، الخلفاء الراشدون يأمرون الناس بالقسط، النبيون يأمرون الناس بالقسط؛ وحينئذ فعطفه على النبيين من باب عطف العام على الخاص، ولكنه خص الأنبياء لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم، فلا قتْلَ أعظم جرمًا من قتل النبيين بغير حق. ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ يشمل النبيين وغيرهم، وقد مر علينا إذا عُطف العام على الخاص أو الخاص على العام هل هذا يدل على إخراج الخاص من الحكم العام؟ أو على التنصيص عليه لأهميته فيكون قد ذُكر مرتين؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني هو الأقرب يكون ذُكر مرتين مرة بطريق العموم ومرة بطريق الخصوص، ولكن خُص من بين سائر الأفراد أو أُعيدَ الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتناء به والاهتمام به. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل من يتأتَّى خطابه، و﴿بَشِّرْهُمْ﴾: أَخبِرْهم ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والعذاب: العقوبة، والأليم بمعنى المؤلِم. وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤلاء؟ أو هو من باب تشبيه البشارة بما يسوء بالبشارة بما يسُرّ بجامع أن كلًّا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير. * طلبة: يشمل الأول. * طالب: الثاني. * الشيخ: يحتمل الواقع يحتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا: إنه من باب التهكم استُفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشَّرين، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ﴾ -يعني قولوا له: ذُقْ- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٧ - ٤٩] فإن هذه الكلمة أو الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ؛ لأنه سيتذكر أين العزة؟ وأين الكرم؟! أين العزة التي بها أغلب والكرم الذي به أجود؟! فيكون أشد وقعًا وأشد تحسرًا أنه فاته هذا الوصف الذي كان في الدنيا يرى نفسه من أهله. * طالب: قول صاحب الجلالين أن اليهود قتلوا ثلاثة وأربعين نبيًّا؟ * الشيخ: لا ما أعرف جيدًا، لا شك أنهم قتلوا الأنبياء بغير حق، لكن كونهم ثلاثة وأربعين أو أربع مئة أو أكثر أو أقل الله أعلم. * طالب: لو كانت الدولة من الدول تستورد لحوم معروف أنها من بلد شيوعي. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: تستورد لحوم من دولة يعني ملحدة ما تؤمن بالله شيوعية يعني معظم استيرادها أو كله تقريبًا وفيه بأه لحم بلدي في البلد لكن ما أحد يشتريه لغلاء سعره أو قليل ما يشتريه، وأنت تعلم أن هذا مثلًا اللي عزمك ما يشتري إلا من هذا اللحم دائمًا أو غالبًا وعزمك يا شيخ أو أعطاك مثلًا لحمًا هل تتحرج إنك ما تعرف هو من وين؟ المعظم شراؤه منه دائمًا ما يشتري بلدي؟ * الشيخ: أولًا: إن الدول الشيوعية قد يكون فيها مسلمون، ألم تعلم الضجة التي حصلت في يوغوسلافيا هذه الأيام؟ * الطالب: لا. * الشيخ: فيه مسلمون كثيرون، وقد قيل: إن أكثر من يتولى المسالخ هم المسلمون؛ لأنهم فقراء في ذلك المكان، فربما يكون الذابح مسلمًا؛ لكن مع هذا أهل العلم يقولون: إذا وُجدت مُذَكَّاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهو حلال اعتبارًا بالأكثر والأغلب وتيسيرًا على الأمة، فيُنظر إذا قيل: والله أكثر المسالخ في البلد الشيوعي هذا أكثرها يتولاها مسلمون صار الوارد منه حلالًا، وإذا قال: أكثره غير مسلمين صار الوارد حرامًا حتى لو فُرض أنها بلد يهود أو نصارى، وقد عُلم أن أكثر من يتولى الذبح غير يهودي ولا نصراني فإنها لا تحل ذبيحتهم. * طالب: شيخ، طيب يعني الإنسان إذا ذهب مثلًا هناك كثرة الدجاج الذي يعني يأتي من الخارج يا شيخ يكون من الخارج متيقنين أنه لم يسمَّ عليه، لم يسموا عليه لأنهم لا يعرفون التسمية أصلًا حتى يعني إنه ذهب ناس هناك وقال: إنهم يأكلونها؟ * الشيخ: ما علمت لأنه قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] ولم يقل: ولا تأكلوا مما لم تعلموا، قال: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ يعني إنه إذا تيقنا أنه لم يذكر اسم الله عليه. * الطالب: هذا شبه متيقنين يا شيخ لأني أنا عارف ما يسمون؟ * الشيخ: إذا كان شيء متيقن لا تأكل، لكن ما دمت لم تتيقن فلك الأكل. * الطالب: إذا كان تيقنا فلا نأكل؟ * الشيخ: معلوم إذا تيقنا لا يجوز الأكل. * طالب: الفائدة اللي أخذناها هي أن من آتاه الله علمًا في هذا الوقت فعليه البلاغ أو يجب عليه البلاغ (...)؟ * الشيخ: نعم، العالم يجب عليه أن يبلغ الشرع. * الطالب: الوحي يا شيخ ما معنى الوحي؟ * الشيخ: إي، الوحي (...) القرآن وحي. * الطالب: (...) * الشيخ: لا، لا نبي بعد محمد. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ هذا المعطوف على كل موصول صلة على خبر (إن) ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا خبر، وهذا الاسم، الفاء الجزائي من وين؟ * الشيخ: فهمتم سؤاله؟ * طالب: أعد. * الشيخ: هذا الرجل فهم فهمًا جيدًا وأنتم وُلدتم في البلد هنا في العرب ولا فهمتم ذلك ها؟ * طالب: إيه نعم. * الشيخ: يقول: الفاء الواقعة في خبر المبتدأ كده، ويش اللي جابها هنا؟ ما هي أداة شرط؟ يقول العلماء: إن اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ فهو كقوله: إن من يكفر بآيات الله. * الطالب: يعني متضمن لمعنى الشرط. * الشيخ: إي نعم، اسم الموصول متضمن لمعنى الشرط، ويقول: إنك تقول: الذي يأتيني فله درهم، فهو بمعنى قولك: من يأتيني فله درهم. معلوم؟ * طالب: شيخ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ إذا قيل: المقصود من الوجه هنا الذات أي أسلمت ذاتي كلها لله سبحانه وتعالى؟ فما يكون قوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق ١٦]؟ * الشيخ: هو من أسلم وجهه فقد أسلم نفسه، الآن مثلًا واحد يكلمك وهو (...) وقلت أنا أتسمع لك وأنت ويش تقول يصدقونك الناس؟ ما يصدقونك. * طالب: أقول يا شيخ، أن اختلاف العلماء في فهم النص يعني أحيانًا بعض العلماء يعطيك فهم للنص بيختلف من عالم إلى آخر هل هذا يكون اختلاف تنوع أو تضاد؟ * الشيخ: ما ندري، إذا كان يمكن الجمع بين القولين فهو من باب التنوع، فمثلًا قال بعض العلماء في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] أي أدبر، وقال آخرون: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: [التكوير: ١٧] أقبل. ولا تضاد في هذا، فهو اختلاف تنوع، فإذا كان القولان لا يمكن الجمع بينهما مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] منهم من قال: المراد بالقرء الحيض، ومنهم من قال: المراد بالقرء الطهر هذا ما يمكن الجمع بينهما، فهذا اختلاف تضاد. وكذلك قال الأحناف: يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه. وقال غيرهم: يخرج وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه. * طالب: (...). * الشيخ: ما يمكن الجمع، هذا اختلاف تضاد هذا (...). * طالب: يا شيخ، الله عز وجل أمر النبي ﷺ عند محاجة أن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، ما حكم المحاجة لو تحدث فيما بين المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: نعم المحاجة هذه إذا ظهر عناده فقل هكذا، أما ما دام أنهم غير معاندين لكنهم يتطلبون الحق فجادلهم حتى يتبين الحق، ولكن إذا تبين عنادهم الآن فإننا نقول: إما أن نضرب أعناقكم أو أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، هذا الواجب على المسلمين إذا قدروا، وأما إذا لم يقدروا في الوقت الحاضر فهذا شيء (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران ٢٢ - ٢٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ هذا مبتدأ الدرس، المناقشة. * طالب: فإن أسلموا باطنًا بالإيمان. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أين جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾؟ * طالب: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. * الشيخ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، لماذا اقترن بالفاء؟ * الطالب: لأن الماضي بقد الماضي إذا كان بقد وجب الفاء عليه. * الشيخ: أحسنت تمام، فيه بيت مشهور في الجمل التي يجب ارتباطها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟ * طالب: اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ * الشيخ: هذه قد، طيب يقول: ﴿إِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ما المراد بالهداية هنا؟ * طالب: هداية التوفيق. * الشيخ: هداية التوفيق، هل تستطيع أن تأتي لي بمثال فيه هداية الدلالة والتوفيق؟ * الطالب: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] * الشيخ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ هذه هداية أيش؟ * الطالب: الدلالة. * الشيخ: هداية دلالة. يستفاد من هذه الآية أن الرسول ﷺ ليس عليه هداية الناس؟ * طالب: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. هل ينسحب هذا الحكم على من ورث النبي ﷺ من أهل العلم؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: فيكون عليهم البلاغ دون هداية التوفيق. استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنه على القاعدة المعروفة في أصول الفقه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. كيف ذلك؟ * طالب: قوله: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، إن هذا حصر، تفيد الحصر. * الشيخ: طيب، لكن ما وجه دلالته على قولهم: إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ * الطالب: ﴿عَلَيْكَ﴾ و(على) ظاهرة الوجوب، والتبليغ واجب إذا ظهر هذا الأمر (...) قوله: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ * الشيخ: يعني لو لم يبين عند الحاجة لم يكن مبلغًا لأخل بهذا الواجب واضح؟ طيب. إذا سكت النبي ﷺ عن شرط والحاجة تدعو إلى بيانه لو كان شرطًا فهل يمكن أن يستدل بذلك على أنه ليس بشرط؟ يعني مثلًا مسألة اشترطها بعض العلماء لصحة العبادة والنبي ﷺ سكت عنها في حال تدعو الحاجة إلى بيانها لو كانت واجبة فهل يمكن أن نستدل بذلك على أنها ليست بشرط؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: من هذه الآية؟ * الطالب: من هذه الآية؟ * الشيخ: من هذه الآية لأنها لو كانت شرطًا لبلغه النبي ﷺ. قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ هل المراد بصر الرؤية أو بصر العلم؟ * طالب: يراد بالآية بصر العلم. * الشيخ: بصر العلم، لماذا قيدتها في هذه الآية ببصر العلم؟ * الطالب: لأن قوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...) ما يعملون. * الشيخ: طيب، ولا يمكن أن يكون بصيرًا بأعمالهم يراها؟ * الطالب: (...) السياق هذا (...). * الشيخ: ما وجه السياق؟ * الطالب: قال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...). * الشيخ: إذن يشمل بصر الرؤية وبصر العلم. طيب هل هناك دليل على أن الله يبصر بصر رؤية؟ * طالب: قول النبي ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». * الشيخ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. فأثبت لله بصرًا يرى به عز وجل. طيب ماذا تفيده هذه الجملة التي وقعت جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْ﴾؟ * طالب: التهديد. * الشيخ: التهديد وأنه إذا كان بصيرًا بهم فسوف يجازيهم على توليهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ في ﴿يَقْتُلُونَ﴾ الثانية قراءتان؟ * طالب: ﴿يَقُاتِلُونَ﴾ و﴿يَقْتُلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿يَقْتُلُونَ﴾ و﴿يَقُاتِلُونَ﴾ . طيب، هل يمكن العمل بالقراءتين؟ وهل بينهما منافاة؟ * الطالب: ليس بينهما منافاة. * الشيخ: نعم؛ لأنهم يقتلون من الذين يأمرون بالقسط من الناس يقتلون مَن لا يقاتلهم ويقاتلون مَن يقاتلهم. في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ قراءتان أيضًا؟ * الطالب: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ . * الشيخ: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، أظن مر علينا أنه إذا جاءت قراءتان في آية فإن الأفضل أن يقرأ الإنسان بهذه مرة وبهذه مرة، كما لو جاءت السنة بصفتين من صفات العبادة فالأفضل أن يفعل الإنسان هذا مرة وهذا مرة كذلك القراءتان، ولكن يجب أن يتأكد الإنسان من القراءة، فإذا تأكد أن هذه قراءة سبعية فإن الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة لأن الكل سنة. طيب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هل هناك قتل للنبيين بحق؟ لأنه جعل محط الدم قتل النبيين بغير حق، فهل هناك قتل للنبيين بحق؟ * طالب: كأن يكون قصاص يعني يا شيخ؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...) من النبيين مقصودون بهذا. * الشيخ: طيب هل المقتول قصاصًا يُذَم قاتله؟ إذن الآية سيقت مساق الذم؟ * طالب: شيخ؟ هذه الآية لبيان الواقع. * الشيخ: لبيان الواقع صحيح، هذه الآية لبيان الواقع والتنديد بهم، لبيان الواقع أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق بل بالباطل والتنديد بهؤلاء حيث يقتلون هؤلاء السادة بغير حق. نعم قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، كيف استعمل البشارة بالعذاب والبشارة ما تكون إلا بالخير؟ * طالب: إما على سبيل التهكم بهم. * الشيخ: وهل يذكر الثناء أو الوصف بالطيب في مقام التهكم؟ هل يمكن أن يذكر الشيء المحبوب في مقام تهكم؟ * الطالب: (...) * الشيخ: هات مثالًا تستشهد به لتقوية قولك؟ * طالب: في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] * الشيخ: مثاله في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ طيب، هذا وجه، الوجه الثاني؟ الوجه الأول أنه على سبيل التهكم بهم، والوجه الثاني؟ * طالب: تظهر البشارة على وجوههم. * الشيخ: أنه استعملت البشارة في مقام الوعيد لأنها علامة الخبر هذا يظهر على بشرته فتتغير كما تتغير البشرة بما يسر. ثم قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وهم أهل الخير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، هؤلاء الذين قامت بهم هذه الصفات هم الذين حبطت أعمالهم، حبوط الشيء يعني ذهابه وزواله وعدم الاستفادة منه، فهؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فظاهر لأنهم لن يستفيدوا من أعمالهم وإن كانت خيرًا حتى الإنسان الكافر إذا عمل خيرًا في الدنيا كالإحسان إلى الناس خصوصًا أو عمومًا فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] لكن كيف حبطت أعمالهم في الدنيا؟ حبطت أعمالهم في الدنيا لأنهم لما لم يستفيدوا منها صاروا كأنهم لم يعملوها فأعمالهم لم تنفعهم، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هذه الجملة كما نعلم جميعًا جملة منفية بما، وأسأل هنا: هل (ما) هذه عاملة عمل (ليس) أو لا؟ * طالب: ليست عاملة عمل (ليس). * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه تقدم الخبر. * الشيخ: لأنه تقدم الخبر، وهل لديك شاهد من كلام أهل العلم على ما قلت؟ * الطالب: من الألفية؟ * الشيخ: من الألفية إذا كانت مغيرة حبة ما يهم. * طالب: قاعدة نحوية تقول: (...) يعمل بمتشابه بليس. * الشيخ: لا، أنا أريد من كلام ابن مالك. * الطالب: وعندي كلام ابن الحاجب. * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: طيب ولكن هنا إشكال وهو قوله: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ كيف نعربها؟ * طالب: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ من زائد حرف جر زائد زائد. * الشيخ: حرف جر زائد زائد، كده؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أيش لون زائد زائد؟ اشرح للإخوان. * الطالب: زائد إعرابًا وزائد في اللفظ. * الشيخ: معنى، أي زائد في الإعراب ويزيد في المعنى. * الطالب: و﴿نَاصِرِينَ﴾ اسم (ما) مرفوع. * الشيخ: اسم (ما) ومحمد يقول ما تعمل كيف نقول اسم (ما)؟ ما عندك غير هذا؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر لا ما هو صحيح. * طالب: مبتدأ، و(لهم) خبر. * الشيخ: إي نعم لكن كمِّل إعراب ناصرين، مبتدأ. * الطالب: (ناصرين) اسم الفاعل مجرور لفظًا ومرفوع معنًى مبتدأ. و(لهم). * الشيخ: اصبر كمِّل كمِّل. * الطالب: مبتدأ يعني مرفوع لفظًا -في النهاية صح- (ناصرين) اسم الفاعل جمع المذكر السالم ورفعه بالواو ما قبله مضموم، ونصبه وجره بالياء ما قبله مكسور، مجرور لفظًا ومرفوع محلًّا مبتدأ، و(ما) نافية. * الشيخ: إيه علامة رفعه؟ الواو المقدرة. * الطالب: و(ما) نافية و(لهم) ظرف يتعلق بالمحذوف. * الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف. * الطالب: والمحذوف هو خبر. * الشيخ: المهم الآن فهمنا من كلامه أن الواو مقدرة في محل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة؟ * الطلبة: حرف الجر * الشيخ: حرف الجر الزائد، يعني هؤلاء الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ليس لهم أحد ينصرهم، وأكد سبحانه وتعالى النفي هنا أكده بـ (من) الزائدة، يعني ما لهم أحد ينصرهم لا على سبيل الاجتماع ولا على سبيل الانفراد؛ لأن (من) الزائدة إذا دخلت تجعل النفي نصًّا في العموم كـ (لا) النافية للجنس. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام هنا للتعجب، فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاقل، و﴿تَرَ﴾ يحتمل أن يكون رؤية عين ويحتمل أن يكون رؤية علم والثاني أولى؛ لأنه أشمل ولأنه يتعلق بالحال، والحال تُعلم وليست تُرى بالعين، يعني ألم تعلم إلى هؤلاء. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني أوتوا نصيبًا من العلم والذي آتاهم النصيب هو الله عز وجل وحذفه للعلم به؛ لأن الله تعالى هو الذي يؤتي العلم، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩] وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف ٦٥] فالذي يؤتي النصيب من العلم هو الله عز وجل. وقوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يفيد التقليل أو التكثير؟ يحتمل أن يكون المراد أوتوا نصيبًا كبيرًا من الكتاب بحيث يكون حاملًا لهم على الاهتداء ولكنهم -والعياذ بالله- استكبروا، ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل، وإنه لو فُرض أن عندهم علمًا كثيرًا فإن هذا العلم لم ينفعهم فصاروا كالذي أوتي نصيبًا قليلًا من العلم. وقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ هذا محل التعجب، يعني أنهم مع ما عندهم من العلم يُدعون إلى كتاب الله، والداعي لهم هو رسول الله ﷺ ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة، هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله عز وجل ليحكم الله بينهم بكتابه، ويحتمل أن يكون إلى الكتاب وأُسند الحكم إليه لأن الحكم صار به ويضاف الشيء إلى سببه كثيرًا، على كل حال سواء قلنا إن الضمير في ﴿يَحْكُمَ﴾ يعود إلى الله أو قلنا إنه يعود إلى الكتاب هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ولكنهم لا يقبلون هذا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يتولى فريق منهم لا كلهم؛ لأن بعضهم قد هُدِي بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب قد هداهم الله وهم كثير، لكن تولى فريق منهم ومع توليهم فإنهم معرضون -والعياذ بالله- ليس عندهم إقبال لا في الظاهر ولا في الباطن، بل هم متولون معرضون، وإنما قال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهي جملة حالية من فريق إنما قال ذلك؛ لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ لكن في قلبه شيء من الإقبال، أما هؤلاء فإنهم متولون وهم قد امتلؤوا إعراضًا عن كتاب الله ليحكم بينهم، وهنا يقول: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ كيف صحت الحال من النكرة؟ * طالب: الحال هو ما يبين هيئة الفاعل. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: سواء الفاعل نكرة أو معرفة. * الشيخ: لا لا. * الطالب: هو يبين هيئة الفاعل. * الشيخ: إي لكن الفاعل لا بد أن يكون معرفة أو نكرة فيها سبب. * طالب: لأنها موصوفة. * الشيخ: لأنها موصوفة: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وإذا وُصفت النكرة تخصصت فصارت شبيهة بالمعرفة. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه التولي والإعراض بأنهم خدعوا أنفسهم وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي لن تصيبنا ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامًا قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤] وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧] فكل شيء معدود فهو قليل؛ لأن شيئًا يمضي بالعدد واحد اثنين ثلاثة أربعة لا بد أن ينتهي، هؤلاء يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ثم من يخلفهم بعده؟ مَن يخلفهم فيها؟ يدَّعون أن الذي يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه، وهؤلاء هم اليهود قالوا -زعمًا منهم ودعوى مردودة- قالوا: إنهم يدخلون النار ولكنهم لا يمكثون فيها إلا أيامًا معدودة، ثم يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه فيها أبد الآبدين، وكذبوا في ذلك، فهم ستمسهم النار ويبقَوْن فيها أبد الآبدين، لكن غروا أنفسهم وخدعوا عوامَّهم بهذا القول الكاذب المفترَى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ غرهم الغُرور والخداع بمعنى واحد متقارب، يعني أن هؤلاء خدعوا أو انخدعوا في دينهم حيث ظنوا أنهم على حق، وبعضهم عاند الحق عالمًا به مفتريًا كذابًا ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي الذي كانوا يفترونه، ومنه قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي فكيف تكون حالهم؟ كيف تكون حالهم في هذا الوقت ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ والاستفهام للتعظيم يعني ما أعظم ما تكون حالهم في تلك اليوم! وما أشد حسرتهم ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي جمعناهم لهذا اليوم أي فيه، واللام تأتي دائمًا بمعنى (في) ويسمونها لام التوقيت ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي في قُبُل عدتهن أي في استقبال عدتهن، فاليوم لا ريب فيه أي جُمِعوا لهذا اليوم أي فيه وهو يوم القيامة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إما أنه خبر بمعنى النهي، المعنى: لا ترتابوا فيه، أو أنه خبر على حقيقته والمعنى أن الله عز وجل يخبر عن هذا اليوم بأنه لا ريب فيه أي لا ريب في وقوعه، وهذا اليوم قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب فما أكثر الآيات التي فيها إثبات اليوم الآخر، وما أكثر الأمثال التي يضربها الله عز وجل لإثبات هذا اليوم ببعث الخلائق، وأما في السنة فكثير أيضًا إثبات هذا اليوم، وأما في العقل فلأن العقل يدل بالضرورة على أن هذه الخليقة لا بد أن يكون لها معاد تحاسب عليه على ما أمرت به؛ لأنه ليس من المعقول أن ينشئ الله الخليقة يأمرها وينهاها ويبعث إليها الرسل وينزل عليها الكتب ويستباح دماء من لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تموت هذه البشرية ولا تبعث تكون ترابًا، لو وقع هذا الفعل من أي أحد لقيل هذا سفه من أسفه السفه، لو أن الإنسان صنع ثوبًا وخاطه وأتقنه ومِن أحسنِ ما يكون ثم في النهاية أحرقه وتلف ولم يبق له أثر لعدّ الناس كلهم هذا سفهًا، فكيف بهذه الخليقة التي خلقها الله عز وجل وأنزل عليها الكتب وأرسل إليها الرسل وأباح دماء وأموال مَن لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تُتلف هذه الخليقة بدون أي معاقبة وأي حساب، فالكتاب والسنة والإجماع والعقل كلها دلت على ثبوت هذا اليوم الذي قال الله فيه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وُفِّيت يعني أُعطيت ومنه قولهم: وفَّاه حقه أي أعطاه حقه وافيًا. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من البشر؟ أو من غيرهم؟ من البشر والجن يعني من المكلفين الذين أُمِروا ونُهوا هم الذين يُوفَّون أجورهم، أما من لم يتوجه إليه أمر ولا نهي فإنهم يُجمعون يوم القيامة ولكن ليس لهم أعمال يُجازون عليها، فلا يشملهم قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ كيف تكون حال هؤلاء الذين تولوا وهم معرضون؟ تكون أسوأ حال والعياذ بالله؛ لأنهم ينظرون إلى الناس وقد جُوزُوا بالثواب العظيم وإلى أنفسهم وقد جُوزوا بالعذاب المهين، فتكون أعمالهم حسرات عليهم -والعياذ بالله- يوم القيامة، ولا يستفيدون لا من دنياهم ولا من أُخراهم. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يعني من خير أو شر بدليل العموم في كلمة (ما)، ولكن كيف تُوَفَّى؟ أما الخير فيُوَفَّى العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأما في الشر فيُوفَّى السيئة بمثلها إن لم يعف الله، قد يعفو الله عنه، وقد يكون له أعمال صالحة تُكفِّر هذه السيئات، فجزاء الله عز وجل وتوفيته للأعمال دائر بين الفضل والعدل، بين الفضل في أهل الخير، والعدل في أهل السوء. أما القسم الثالث وهو الجور والظلم فهذا ممتنع ولهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُظلمون فلا يُنقص أحد من حسناته ولا يُزاد في سيئاته، ونحن نعلم أن من أوفى غيره حقه فلا يخلو من ثلاث حالات، إما أن يوفيه بالفضل، أو بالعدل، أو بالجور، إلا الله عز وجل فإن وفاءه دائر بين العدل والفضل، وأما الجور والظلم فهذا ممتنع عليه كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]. والآن نرجع إلى فوائد الآية التي ذكرناها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٢١] في هذه الآية من الفوائد: أنه ينبغي أن يعلَن لهؤلاء الكفار بما أمر الله تعالى أن نبشرهم به ﴿بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه كلما كانت الحكمة في تبشير هؤلاء بالعذاب الأليم بشرهم، وهكذا مَن ورث النبي ﷺ في العلم والدعوة ينبغي أن يبشر كل كافر بآيات الله بالعذاب الأليم، لكن يجب أن يكون هذا تابعًا للحكمة، قد لا يكون من الحكمة إذا دعوت رجلًا للإسلام أن تقول: تعال أنت كافر؟ فإذا قال: نعم، قلت: أبشر بالعذاب الأليم وأسلم، يصلح هذا؟ ما يستقيم لكن لكل مقام مقال، إذا دعوته وعاند واستكبر حينئذ يناسب أن تقول: إن بقيت على ما أنت عليه فأبشر بالعذاب الأليم. أو يأتيك رجل يمدح لك هؤلاء الكفار ويقول: فيهم وفيهم وفيهم وفيهم تقول: يا أخي بشِّرهم بعذاب أليم، ماذا ينفعهم هذا يوم القيامة؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بآيات الله؛ لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بها بالعذاب الأليم. والإيمان بالآيات الكونية له معنى وبالآيات الشرعية له معنى، فالإيمان بالآيات الشرعية قلنا إنه هو: تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، وألا يتعرض لتحريفها، ثلاثة أشياء، وبالكونية ألا يعتقد أن لله تعالى فيها مشاركًا أو معينًا أو مستقلًّا بملكه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قتل النبيين وأنه بغير حق مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مع أن قتل النبيين بغير حق من جملة الكفر لكن نص عليه لشدة شناعته والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة:تحريم أو شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يأمر بالقسط من الناس، من هم اللي يأمر بالقسط من الناس؟ قلنا: إنهم علماء وأمراء، فالعلماء يبينون الشرع، والأمراء ينفذون الشرع، فإذا قتلهم قاتل دخل في هذه الآية إذا كانوا يأمرون بالقسط. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. * ومن فوائدها: أن العذب الذي يبشَّرون به ليس عذابًا هينًا يُتحمَّل ولكنه عذاب مؤلم. ومن فوائد الآية التي بعدها: أن هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس هؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يستفيدون منها، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فلأنهم لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر محبط للأعمال؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ولكن هل المراد ليس لهم ناصر في الدنيا والآخرة؟ أو في الآخرة؟ في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]. * طالب: قوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ لمَ التفريق ما بين ﴿مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾؟ (...) * * * * طالب: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦] * الشيخ: (...) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أما في الآخرة فحبوط أعمالهم ظاهر لأنهم لا ينتفعون بأعمالهم في الآخرة، ولكن في الدنيا كيف يكون حبوط أعمالهم؟ * طالب: مغلوبين. * الشيخ: كيف مغلوبين؟ * الطالب: يعني هم يقتلون النبيين وهم في الآخر هم مغلوبين، ما عندهم القدرة على المسلمين. * الشيخ: يعني معناه في النهاية تحبط أعمالهم أي عزتهم وكبرياؤهم، هذا وجه جيد، فيه أيضًا؟ * طالب: لا ينتفعوا بهذه الأعمال حتى أعمالهم الصالحة. * الشيخ: فلما لم ينتفعوا بها صارت حابطة وإن انتفعوا بها في الدنيا لكن لما لم تكن نافعة لهم في الآخرة صارت ضائعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ﴾ الخطاب لمن في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ * طالب: الخطاب إلى الرسول ﷺ. * الشيخ: للنبي ﷺ، ما فيه وجه آخر؟ * طالب: لأهل الكتاب. * الشيخ: لا. * طالب: لكل من يتأتى له الخطاب. * الشيخ: لكل من يتأتى خطابه يعني كل من يصح أن يخاطَب يخاطبه الله بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وهذا القول أعم من القول الأول. مَن المراد بهم؟ * طالب: المراد بهم أهل الكتاب. * الشيخ: مَن؟ * الطالب: اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى. طيب ﴿نَصِيبًا﴾ هنا نكرة هل هو للتقليل أو للتكثير؟ * طالب: ﴿نَصِيبًا﴾ تدل على التقليل، وقد ترد يعني وقد ترد دالة على التكثير قليلًا. * الشيخ: أيهما المراد هنا؟ * الطالب: المراد التقليل. * الشيخ: يعني أنهم؟ * الطالب: أُوتوا شيئًا من العلم بينهم، شيئًا قليلًا بينهم. * الشيخ: طيب ويش وجه المناسبة؟ إذا قلت: إن المراد التقليل، قد يقولون: والله إحنا ما عندنا إلا علم قليل ولا ندري عن كتاب الله هل هو حق أو ليس بحق؟ * الطالب: مناسبة أيش؟ * الشيخ: أقول الآن: إذا قلت المراد التقليل، فكيف يكون العتاب عليهم وهم ليس عندهم إلا علم قليل لا يعرفون به الحق من الباطل؟ * الطالب: المراد أنهم أوتوا نصيبًا يعني شيئًا قليلًا من العلم ما يكفيهم في أمر دينهم ودنياهم. * الشيخ: طيب هؤلاء إذا دُعوا إلى الله يقولون: والله ما نعرف به الحق حتى نُلام عن التولي عنه؟ * طالب: نقول: يحتمل ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا كثيرًا من العلم ولكنهم استكبروا إذا دُعوا إلى كتاب الله، ويحتمل أن تكون ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا قليلًا من العلم. * الشيخ: طيب إذن كل معنى له وجه، إن قلنا: قليلًا، فوجه اللوم عليهم أنهم لمالم يُؤتَوْا إلا علمًا قليلًا كان الواجب عليهم أن يأخذوا بالعلم الذي دُعوا إليه حتى يزدادوا علمًا، وأما إذا قلنا: كثيرًا، فالوجه: أنه كيف يعلمون الحق لأنهم إذا أوتوا علمًا أو نصيبًا كثيرًا من الكتاب فمن جملتها أنهم يعرفون محمدًا ﷺ، فكيف يُؤتَوْن العلم الكثير الذي به تقوم الحجة ثم يستكبرون عنه؟ إذن فالآية صالحة للوجهين جميعًا. طيب، قوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الفاعل في (يحكم) مَن؟ * طالب: في (يحكم) الفاعل هو اسم الجلالة والكتاب كلاهما. * الشيخ: يعني يجوز أن يكون عائدًا إلى الله وعائدًا إلى الكتاب، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأن الكتاب يحكم، وكذلك الله عز وجل يحكم بين عباده. طيب، لماذا يتولون وهم معرضون؟ ما هو السبب الذي حملهم على ذلك؟ * طالب: الاستكبار. * الشيخ: لا. * طالب: السبب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * الشيخ: نعم، هذا الذي دعاهم إلى ذلك، الغرور وأن أنفسهم غرتهم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ثم بعد ذلك تخلفوننا أنتم يا محمد وأصحابه فيها، ولهذا قال: ﴿غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. طيب، ما المراد بالاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * طالب: تعظيم هذا اليوم؛ يعني كيف هَوْل هذا اليوم إذا جمعناهم؟ أو كيف حالهم هذا اليوم إذا جُمعوا؟ * الشيخ: فيتضمن تعظيم هذا اليوم وتهديد هؤلاء، إذن لتعظيم ذلك اليوم ولتهديد هؤلاء القوم. ما المراد بهذا اليوم؟ * طالب: يوم القيامة. * الشيخ: طيب قال الله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * طالب: أي لا شك فيه. * الشيخ: لماذا لا شك فيه وهو أمر غائب؟ * طالب: الْمُخبِر عنه حق، إن الله هو الذي أخبر عنه. * طالب: إن الكتاب والسنة والعقل دلوا عليه. * الشيخ: لأن كلًّا من الكتاب والسنة والعقل دل عليه على هذا اليوم والناس يبعثون، نريد دليلًا من القرآن على ثبوت هذا اليوم غير الآية اللي معنا؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. * الشيخ: طيب هذا ممكن، لكن ما فيه آية تدل على أن الناس يُجمعون في ذلك اليوم علشان توفق المعنى؟ * طالب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧]. * الشيخ: نعم، ما فيه دليل على نفس الجمع؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩] * الشيخ: زين صح إي نعم، وفيه في سورة هود: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣] طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ما معناها؟ * طالب: نعم معناها أُعطِيت كل نفس حقها. * الشيخ: وافيًا، أحسنت. جملة: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ محلها من الإعراب؟ * الطالب: خبر. * الشيخ: لا. * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * طالب: حال من ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. * الشيخ: من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؟ * الطالب: لا، من * الشيخ: من كل الدنيا والفعل والفاعل. * الطالب: النفس الموفية لها، من الفاعل. * الشيخ: ما عندنا فاعل، اللي عندنا نائب فاعل؛ لأن (وُفِّي) فعل ماضي مبني للمجهول. * الطالب: من نائب الفاعل. * الشيخ: من نائب الفاعل وهو قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾. طيب ما معنى الظلم ال (...)؟ الظلم المنفي هنا، أو ما المراد به؟ * طالب: عدم الجور، الظلم هنا المراد به أي عدم الجور؛ لأنه توفية الحق له ثلاثة أحوال؛ إما أن يعطى حقه. * الشيخ: لا، نريد بس نفي الظلم أيش؟ الظلم يكون إما بنقص شيء من الحسنات أو زيادة سيئات، أما كيف التوفية فهذه هي التي تريد؛ يعني التوفية لها ثلاثة أقسام: عدل، وفضل، وجور، فالجور منتفي، والعدل والفضل ثابت. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٢٣] إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أنه ليس كل من أُعطي علمًا يُوفّق للعمل به لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ [آل عمران ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: التعجب من حال هؤلاء وما أعظم التعجب أن يؤتيهم الله العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله عز وجل. * ومن فوائدها: أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة بكونهم دعوا، وهذا هو محطّ الذم، أما لو لم يدعون ولم يعلموا بالحق فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرّطوا بطلب الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران ٢٣]. * ومن فوائدها: أنه لا حكم إلا لله بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله عز وجل، كافر، اللهم إلا أن يُعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فعله من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال كل شيء، ولأنه لم يُخصص، قال: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ في كل شيء. ويتفرع على هذه الفائدة: الرد على من قال: إن الشرع إنما جاء في تنظيم العبادات فقط، أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ قدم المدينة ورأى الناس يؤبّرون النخل -معنى يؤبرونها: يلقحونها- فقال عليه الصلاة والسلام: «مَا أَرَى ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا» هذا أو معناه، فتركوا التأبير ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يُؤبّر فسد، فلما حصدت الثمار جاؤوا إلى النبي ﷺ يخبرونه فقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث أنس. ]]. قالوا: فوَكل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا، وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع، ولكن هذا فهم خاطئ، هذا فهم خاطئ باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب وبالتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة، وكم من عالم عنده علم غزير واسع في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب وإبرة من أحسن الإبر، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ومسألة الصحابة رضي الله عنهم في التأبير مسألة حكمية أو مسألة فنية؟ فنية بلا شك تدرك بالتجارب، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما نعلم- ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فصار أهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، صاروا أعلم منه بذلك، أما مسألة الأحكام الشرعية فلا شك أن الله ورسوله أعلم، المهم أن الحكم لمن؟ لله، ولا يجوز أن يكون الحكم لأي شيء سوى الله. فإن قال قائل: ألستم ترجعون إلى العرف في أمور كثيرة؟ فالجواب: بلى، لكن من الذي رجعنا إلى العرف؟ الشرع، رجعنا إلى العرف: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩] ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق ٢]، فالشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف، وإذا أمرنا أن نرجع إلى العرف رجعنا إليه وحكّمناه، ولهذا إذا تنازع الزوجان في قدر النفقة لا نذهب إلى الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني: البخاري، أو مسلم، أو أبو داود، أو ما أشبه ذلك، لا نرجع إلى هذا، نرجع إلى من؟ إلى أهل الخبرة في العرف في كل زمان ومكان بحسبه، إذن الحكم فيما رُدّ إلى العرف لمن؟ للشرع. * طالب: للشرع وأهل الخبرة. * الشيخ: لا، الحكم للشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف؛ فأهل العرف يحكمون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين دُعوا إلى كتاب الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب لم يتولوا جميعًا، بل تولى فريق منهم، والأمر كذلك فإن كثيرًا من اليهود والنصارى أسلموا وحسن إسلامهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من يتولّى بإعراض لقوله: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران ٢٣]، لأن التولي -كما ذكرنا في التفسير- قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض، والتولي مذموم كله، ولكن إذا كان عن إعراض وعدم مبالاة كان أشد. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان الأماني، وأن النفس قد تمنّي الإنسان ما لا يكون؛ لأن هؤلاء منّتهم أنفسهم حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * ومن فوائدها: تحذير الإنسان من أن يتكل على الأماني؛ لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة الآن يقعون في المعاصي ويمنّون أنفسهم المغفرة، إذا وقع في المعصية قلت: يا أخي، اتقِ الله، لا تعصِ الله قال: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، صحيح؟ * طلبة: إي نعم. * الشيخ: صحيح أن الله غفور رحيم، لكن الله قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨] فلما أمر نبيه أن ينبئ بدأ بالمعفرة، ولما أخبر عن نفسه بدأ بالعقوبة؛ لأن المقام مقام سلطان وعلوّ فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إذن ماذا نقول لهذا الذي قال: الله غفور رحيم؟ نقول: والله شديد العقاب أيضًا، يتمنى بعض العاصين الأماني ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فهو يريد أن يزني، ويسرق، ويشرب الخمر، ويعمل كل شيء دون الشرك ثم يقول: إن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا خبر، خبر من الله عز وجل، وهو أصدق القائلين؟ فماذا نقول؟ نقول: اقرأ الآية، لا تكن أعمى أو أعور ما تنظر إلا بعين، يغفر ما دون ذلك مطلقًا لمن يشاء، ومن لا يشاء لا يغفر له، فهل أنت تجزم بأنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ أبدًا، ما تجزم، لا تجزم لا بهذا ولا بهذا، إذن فأنت على خطر، أنت على خطر على أن الذي يستخف بمعصية، ويُلبّس على نفسه وعلى الناس قد يكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له، نعوذ بالله؛ لأن هذا مستهتر مستهين. إذن الذين يتمنون على الله الأماني مع استمرارهم على معصية يشبهون من؟ اليهود والنصارى، ولهذا جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها- وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس الأنصاري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، من أين تؤخذ؟ من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ويتفرع على هذا: أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بوجود الله وباليوم الآخر دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولًا وإذعانًا مجرد التصديق لا يعتبر إيمانًا، لا بد من القبول والإذعان، ودليل هذا نصوص كثيرة منها: أن أبا طالب عم رسول الله ﷺ كان يقرّ بأن رسول الله ﷺ حق، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَــــا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِــــــــلِ ويقول: وَلَقَــدْ عَلِمْــتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خَيْــــرِ أَدْيَــــانِ الْبَرِيَّــــةِدِينَــــــــــــا ومع ذلك لم ينفعه هذا الإقرار؛ لأنه لم يصحبه قبول وإذعان، وخُتم له في الآخر -والعياذ بالله- بأنه قال: على ملة عبد المطلب، ولكن نظرًا لما حصل منه من دفاع عن الإسلام «أذن الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ أن يشفع له فشفع، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه أبد الآبدين[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس.]] ». والعياذ بالله، أبد الآبدين، وهذا أهون أهل النار عذابًا أجارني الله وإياكم منها. ولم نعلم أن كافرًا نفعت فيه الشفاعة على الإطلاق بمعنى أنه سلم من العذاب أبدًا، ولم نعلم أن كافرًا خُفّف عنه العذاب بالشفاعة إلا أبا طالب، إذن نقول: إن الإيمان باليوم الآخر، وبأن هناك نارًا لا يكفي في الإيمان، بل لا بد من القبول والإذعان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يغره ما هو عليه من الدين، قد يغره ما هو عليه من الدين لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران ٢٤] فيغتر بأنه يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ثم يقول في نفسه: لن أعذَّب، وهذا قصور في النظر؛ لأنه ليس الشأن أن تصلي أو تزكي أو تصوم أو تحج، الشأن كل الشأن أن يُقبل منك هذا العمل، كم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطِل سابق أو لاحق، سابق كفوات الإخلاص مثلًا، لاحق كالإعجاب بالعمل والإدلال به على الله عز وجل، وأن يرى الإنسان لنفسه حقًّا على ربه، وهذا قد يبطل العمل، فعملك محفوف بأخطار سابقة وأخطار لاحقة، ولهذا لا تغتر بما أنت عليه من الدين، بل اسأل ربك دائمًا التوفيق والقبول، التوفيق سابق، والقبول لاحق حتى الإنسان ربما يريد الخير ويحب الخير، ولكن يبتلى بالبدعة، كم من أناس يحبون الخير وعندهم رغبة ومحبة لله ورسوله، ولكن يبتلون بالجهل فيبتدعون في دين الله ما ليس منه، ويكون عملهم هذا حابطًا ولَّا مقبولًا؟ حابطًا؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]. وقال الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٢٥]. في هذه الآية دليل على عظم ذلك اليوم لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. وفيها دليل أيضًا على النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، ولهذا قال: كيف تكون حالهم في ذلك اليوم؟ والجواب: أن حالهم أخيب الحال، أخيب حال هي حالهم والعياذ بالله؛ لأنهم ليس عندهم شيء؛ خسروا دينهم ودنياهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. * ومن فوائدها: أن من كفر باليوم الآخر أو شك فيه فهو كافر؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فالله أخبر بأن هذا اليوم لا ريب فيه، أمر واقع، ولا بد لا بد أن تجتمع مع أمك وأبيك وأختك وأخيك في ذلك اليوم، لكن تجتمع بهم وأنت تفرّ منهم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧] حتى يستقر الناس في منازلهم، فإذا استقر الناس في منازلهم واجتمع بهم في الجنة فهذه غاية المنى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] الصغار اللي ماتوا وهم لم يكن لهم ذرية يلحقون بآبائهم ليجتمعوا إليهم، لكن هل يُلحق الأعلى يُنزّل الأدنى وإلا بالعكس؟ بالعكس؛ يعني يُرفع الأدنى إلى الأعلى، أما من كان له ذرية من الأولاد فهو مستقل بنفسه في منزلته؛ لأن هذا له ذرية. على كل حال في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ دليل على أن من شك في هذا اليوم أو أنكره فهو كافر لتكذيبه لله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ وإنما قلت: التوفية الكاملة؛ لأن الإنسان قد يوفَّى شيئًا من عمله في الدنيا، أليس كذلك؟ بلى قد يُوفّى في الدنيا لكن يوفّى في الآخرة أيضًا، توفّى النفوس ما عملت، قد يوفى في الدنيا وماذا يوفّى؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣] مخرجًا من كل ضيق وسعة في الرزق، ويرزقه من حيث لا يحتسب، هذا في الدنيا، وهذا جزاء، هناك جزاء آخر يعني أعظم وأنفع، وهو الهدى، الهدى قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧] الهدى والعمل الصالح هذا أفضل من المال، أفضل من المال؛ لأن الهدى إذا زاد الله الإنسان هدى انشرح صدره واستنار قلبه واطمأن، ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء، وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه وسرور نفسه، ولهذا قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي في السنن (٣٩٣٩) من حديث أنس. ]] والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عينه؛ لأنه يشعر في كل عمل صالح يشعر بأمرين عظيمين؛ الأمر الأول: أنه يتعبد لله بالعمل الصالح فيزداد ذلًّا لربه ومحبة له وإنابة إليه، والأمر الثاني: أنه بذلك متبع لرسول الله ﷺ، فهو يشعر حين فعل العبادة أن إمامه محمد ﷺ فيزداد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا لقوله، بل وتعظيمًا لهديه وسنته، وهذا أعظم كسب، أعظم كسب أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿وُفِّيَتْ﴾ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فاعلها معروف، من الموفِّي؟ الله، والذي لا يظلم الله، ولكن انتفاء الظلم عن الله سبحانه وتعالى هل هو من الصفات الثبوتية أو من الصفات المنفية التي يسمونها بالسلبية؟ الثاني إلا أننا نقول: لا يظلم يعني ليس في جزائه أدنى ظلم، فيكون نفي الظلم لكمال العدل؛ لأن الظلم قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا؛ يعني قد يكون كاملًا بحيث لا يعطى شيئًا من جزاء عمله، وقد يكون ظلمًا ناقصًا يُعطى بعض الشيء، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم صار ذلك مستلزمًا لكمال العدل، وكذلك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] اللغوب يعني التعب والإعياء، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه لغوب؛ أي تعب وإعياء، لماذا؟ لكمال قوته وقدرته عز وجل، فالإنسان يعمل العمل لكن يتعب، أما الرب عز وجل فإنه لكمال قدرته وقوته خلق السماوات والأرض وما بينهما في أيام يسيرة ستة أيام، وما مسه من لغوب، إذن نأخذ من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات؛ وهي: أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضدّ، فضد الظلم العدل، إذا انتفى الظلم فهو لكمال العدل، ضد القدرة والقوة: التعب، فإذا انتفى التعب؟ ثبت كمال القدرة والقوة وعلى هذا فقِس. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣] كيف يعني يفصل بينكم؟ * الشيخ: يوم القيامة يفصل بينكم؛ يعني يحكم بينكم، ثم يكون الفصل؛ فالناس يجتمعون أولًا في المحشر جميعًا، ثم ينفصلون فريق في الجنة وفريق في السعير. * الطالب: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قلنا: الآن إن أولادكم ثبت بالأحاديث أن الولد ينفع أباه؛ حافظ القرآن إذا..؟ * الشيخ: هذا يخاطب الكفار، يخاطب المؤمنين يعني معناه لا تحابوا الكفار لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك لا ينفع. * طالب: شيخ، ويش معنى قولهم (...). * الشيخ: يقول بعض العلماء: إنهم بنوا قولهم هذا على أنهم عبدوا العجل أربعين ليلة، وقالوا: إن الله يعذّبنا بقدر معصيتنا؛ بقدر عبادة العجل فقط؛ أربعين يوم ثم أنتم تخلقونه. * الطالب: أقول: إذن ما بنوا على شيء أصلًا، يعني أمانة؟ * الشيخ: أبدًا، كذب. * طالب: صار خاص باليهود. * الشيخ: إي نعم، هم اللي يقولون هكذا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * طالب: شيخ، قلنا: يا شيخ إن صاحب البدعة إذا عمل عملا مبتدعًا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قلنا: إذا عمل الإنسان عملًا بدعيًّا يعني حبط عمله بهذا العمل. * الشيخ: لا يُقبل منه. * الطالب: لكن يا شيخ إذا صار جاهلًا، يعني ما يؤجر على النية؛ نيته في هذا العمل؟ * الشيخ: إيه، لكن ما يقبل منه على أنه عمل؛ يعني يثاب على نيته التقرب إلى الله، أما هذا العمل لا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]، «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]] لكن يُثاب على نيته الخير فقط، ومع ذلك إذا أقيمت عليه البينة بأنه مبتدع لا يثاب ولا على نيته. * طالب: شيخ، الحكم يا شيخ في الرد على إن الذين يقتلون النبيين إلى آخره، أنهم يقتلوهم، وألقوا بهم في السجون، الذين يقتلون الناس ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]. * الشيخ: مقاتلون. * الطالب: نعم، فما حكمهم يا شيخ؟ * الشيخ: حكمهم دون هذا. * الطالب: نعم؟ * الشيخ: أقول دون ذلك. * الطالب: طيب هل هم يُقاتلون يا شيخ؟ * الشيخ: من اللي يقاتل؟ * الطالب: الذين يقتلون؟ * الشيخ: لا، لا، ما يقاتلون، لا. * الطالب: طيب مش دول كفار يا شيخ؟ * الشيخ: لا ما هم كفار. * الطالب: مش ﴿يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾؟ * الشيخ: إيه، هذه من صفات الكفار، لكن قد يفعل هذا من ليس بكافر. * الطالب: إي نعم، أن الله عز وجل أمر النبي ﷺ أن يبشرهم، مش هذا فيه إعلام من الله عز وجل أن النبي ﷺ يعلمهم؟ * الشيخ: لكن اقرأ اللي قبلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٢١] أولًا: ما هو الكفر، كفر، ومن جملة أعمالهم القتل، فالذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس أخذوا من أعمال هؤلاء الكفار القتل، لكن لا يلزم من هذا أن يكونوا كفارًا؛ لأن قتل النفس لا يستلزم الكفر كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ١٧٨]. * طالب: يا شيخ، هذا الأخ في الإسلام يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: هذا أخ في الإسلام، وهذا يقتل الذي يأمر بالقسط هذا ما هو عدو له؟ * الشيخ: نعم نعم، على كل حال هو لا يكفر اللهم إلا أن يكون فعله هذا كراهة للحق، فهذا شيء ثاني. * طالب: ويعلنوا يا شيخ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعلنوا بالمعاصي؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجهروا بالمعاصي؟ * الشيخ: ويش معنى يجهر؟ * الطالب: يعني الفعل الذي يفعلونه على الذين يفعل فيهم الجهر لهم، وإعلانهم بالمعاصي على قول الله عز وجل للنبي ﷺ ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] فالتبشرة هنا إعلان منه؟ * الشيخ: نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الله أمر نبيه أن يبشر هؤلاء بعذاب أليم يحتمل أن هذا حكم لهم، ويحتمل أن الله أمره بأن يقول ذلك، وذكرنا أن هذا ينظر فيه للمصلحة. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: الغالب أن الذين يقتلون الذي يأمرون بالقسط من الناس أن هؤلاء لا يقتلونهم لأشخاصهم فقط، وإنما لهذا المنهج الذي يسيرون عليه؟ * الشيخ: نعم، صحيح، لكن ما نقدر نكفرهم إلا إذا علمنا؛ لأنهم قد يقتلونهم لسبب آخر، هل كل من يأمر بالقسط من الناس نيته صالحة؟ فيه الآن أناس يأمرون بالقسط من الناس ليصلوا إلى الحكم، وإذا وصلوا إلى الحكم صاروا أخبث من الذين قالوا فيهم، ولهذا المسائل هذه دقيقة ما هي هيّنة. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإقامة الحجة، هل يكفي إبهامها؟ بس هل يكفي إنك تعلمها فقط للشخص وتقوم عليه الحجة أو أنك لازم تفهمه، لازم يفهمها ويستوعبها؟ * الشيخ: أرأيت لو جيء إليك برجل من العجم وقلت: يا هذا الكافر، اتقِ الله وأسلِم، ويش يفهم؟ هل بلّغت الحجة؟ وأيضًا نحن نسميها حجة، ولا حُجّة إلا بعد معرفتها.

آل عمران 3:24

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في هذه الآية قراءتان في كلمتين، أولًا: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة ﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، وثانيا: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ فيها قراءة ﴿وَيُقَاتِلُونَ﴾ ﴿وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يكفرون بآيات الله الكونية أو الشرعية، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، وهذه الآيات الكونية التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها هي آية على الله، آية تدل على أن الخالق واحد لا شريك له وعلى أنه لا يشبهه شيء؛ لأن الناس لو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوا جبلًا واحدًا ما استطاعوا، أو أن يخلقوا حيوانًا واحدًا ما استطاعوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]. آيات الله الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] فالآيات الشرعية هي العلامات الدالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد وأنه كامل الحكمة، هؤلاء الذين يكفرون بهذه الآيات يقول عز وجل بعد أن ذكر معطوفات متعددة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولكن كيف يكون الكفر بآيات الله؟ نقول أولًا: الآيات الكونية؟ * طالب: (...) بأن يجحد الخالق سبحانه وتعالى بأنه خلقها. * الشيخ: أن يدَّعي أن الذي خلقها غير الله، هذا واحد. * الطالب: أو أن ينسب له له شريك في خلقه. * الشيخ: أو أن له شريكًا في خلقه. * الطالب: أو أن ينسب له معينًا في خلقه. * الشيخ: أو أن له معينًا في خلقه، ثلاثة أشياء. طيب الكفر بالآيات الشرعية؟ * طالب: إما أن يكون بالجحود أو بالاستكبار والعياذ بالله. * الشيخ: نعم إما بجحودها وتكذيبها أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك. يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ يقتلون النبيين الذين أرسلهم الله إليهم بغير حق، والنبيون هنا يشمل الرسل ومَن لم يرسَل من النبيين، وأكثر ما وُجِد هذه الصفة في اليهود؛ لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم مَن قتل الأنبياء بغير حق وعبد الطاغوت، وهنا يقول: ﴿النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذه الصفة لا يراد بها إخراج ما خالفها، وإنما يراد بها بيان الواقع والدلالة على أن هذا القتل كان عدوانًا، فيراد بها شيئان: أولًا بيان الواقع وأنهم يقتلونهم وهم غير محقين يعني لا يقتلونهم قصاصًا مثلًا، بل يقتلونهم عدوانًا وظلمًا. ثانيًا: أنَّ قتلهم كان بباطل بغير حق، وإلا فليس هناك قتْلٌ يكون بحق لأحد من النبيين. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ مَن الذين يأمرون بالقسط من الناس؟ الرسل وغير الرسل، أهل العلم يأمرون الناس بالقسط، الخلفاء الراشدون يأمرون الناس بالقسط، النبيون يأمرون الناس بالقسط؛ وحينئذ فعطفه على النبيين من باب عطف العام على الخاص، ولكنه خص الأنبياء لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم، فلا قتْلَ أعظم جرمًا من قتل النبيين بغير حق. ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ يشمل النبيين وغيرهم، وقد مر علينا إذا عُطف العام على الخاص أو الخاص على العام هل هذا يدل على إخراج الخاص من الحكم العام؟ أو على التنصيص عليه لأهميته فيكون قد ذُكر مرتين؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني هو الأقرب يكون ذُكر مرتين مرة بطريق العموم ومرة بطريق الخصوص، ولكن خُص من بين سائر الأفراد أو أُعيدَ الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتناء به والاهتمام به. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل من يتأتَّى خطابه، و﴿بَشِّرْهُمْ﴾: أَخبِرْهم ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والعذاب: العقوبة، والأليم بمعنى المؤلِم. وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤلاء؟ أو هو من باب تشبيه البشارة بما يسوء بالبشارة بما يسُرّ بجامع أن كلًّا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير. * طلبة: يشمل الأول. * طالب: الثاني. * الشيخ: يحتمل الواقع يحتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا: إنه من باب التهكم استُفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشَّرين، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ﴾ -يعني قولوا له: ذُقْ- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٧ - ٤٩] فإن هذه الكلمة أو الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ؛ لأنه سيتذكر أين العزة؟ وأين الكرم؟! أين العزة التي بها أغلب والكرم الذي به أجود؟! فيكون أشد وقعًا وأشد تحسرًا أنه فاته هذا الوصف الذي كان في الدنيا يرى نفسه من أهله. * طالب: قول صاحب الجلالين أن اليهود قتلوا ثلاثة وأربعين نبيًّا؟ * الشيخ: لا ما أعرف جيدًا، لا شك أنهم قتلوا الأنبياء بغير حق، لكن كونهم ثلاثة وأربعين أو أربع مئة أو أكثر أو أقل الله أعلم. * طالب: لو كانت الدولة من الدول تستورد لحوم معروف أنها من بلد شيوعي. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: تستورد لحوم من دولة يعني ملحدة ما تؤمن بالله شيوعية يعني معظم استيرادها أو كله تقريبًا وفيه بأه لحم بلدي في البلد لكن ما أحد يشتريه لغلاء سعره أو قليل ما يشتريه، وأنت تعلم أن هذا مثلًا اللي عزمك ما يشتري إلا من هذا اللحم دائمًا أو غالبًا وعزمك يا شيخ أو أعطاك مثلًا لحمًا هل تتحرج إنك ما تعرف هو من وين؟ المعظم شراؤه منه دائمًا ما يشتري بلدي؟ * الشيخ: أولًا: إن الدول الشيوعية قد يكون فيها مسلمون، ألم تعلم الضجة التي حصلت في يوغوسلافيا هذه الأيام؟ * الطالب: لا. * الشيخ: فيه مسلمون كثيرون، وقد قيل: إن أكثر من يتولى المسالخ هم المسلمون؛ لأنهم فقراء في ذلك المكان، فربما يكون الذابح مسلمًا؛ لكن مع هذا أهل العلم يقولون: إذا وُجدت مُذَكَّاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهو حلال اعتبارًا بالأكثر والأغلب وتيسيرًا على الأمة، فيُنظر إذا قيل: والله أكثر المسالخ في البلد الشيوعي هذا أكثرها يتولاها مسلمون صار الوارد منه حلالًا، وإذا قال: أكثره غير مسلمين صار الوارد حرامًا حتى لو فُرض أنها بلد يهود أو نصارى، وقد عُلم أن أكثر من يتولى الذبح غير يهودي ولا نصراني فإنها لا تحل ذبيحتهم. * طالب: شيخ، طيب يعني الإنسان إذا ذهب مثلًا هناك كثرة الدجاج الذي يعني يأتي من الخارج يا شيخ يكون من الخارج متيقنين أنه لم يسمَّ عليه، لم يسموا عليه لأنهم لا يعرفون التسمية أصلًا حتى يعني إنه ذهب ناس هناك وقال: إنهم يأكلونها؟ * الشيخ: ما علمت لأنه قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] ولم يقل: ولا تأكلوا مما لم تعلموا، قال: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ يعني إنه إذا تيقنا أنه لم يذكر اسم الله عليه. * الطالب: هذا شبه متيقنين يا شيخ لأني أنا عارف ما يسمون؟ * الشيخ: إذا كان شيء متيقن لا تأكل، لكن ما دمت لم تتيقن فلك الأكل. * الطالب: إذا كان تيقنا فلا نأكل؟ * الشيخ: معلوم إذا تيقنا لا يجوز الأكل. * طالب: الفائدة اللي أخذناها هي أن من آتاه الله علمًا في هذا الوقت فعليه البلاغ أو يجب عليه البلاغ (...)؟ * الشيخ: نعم، العالم يجب عليه أن يبلغ الشرع. * الطالب: الوحي يا شيخ ما معنى الوحي؟ * الشيخ: إي، الوحي (...) القرآن وحي. * الطالب: (...) * الشيخ: لا، لا نبي بعد محمد. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ هذا المعطوف على كل موصول صلة على خبر (إن) ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا خبر، وهذا الاسم، الفاء الجزائي من وين؟ * الشيخ: فهمتم سؤاله؟ * طالب: أعد. * الشيخ: هذا الرجل فهم فهمًا جيدًا وأنتم وُلدتم في البلد هنا في العرب ولا فهمتم ذلك ها؟ * طالب: إيه نعم. * الشيخ: يقول: الفاء الواقعة في خبر المبتدأ كده، ويش اللي جابها هنا؟ ما هي أداة شرط؟ يقول العلماء: إن اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ فهو كقوله: إن من يكفر بآيات الله. * الطالب: يعني متضمن لمعنى الشرط. * الشيخ: إي نعم، اسم الموصول متضمن لمعنى الشرط، ويقول: إنك تقول: الذي يأتيني فله درهم، فهو بمعنى قولك: من يأتيني فله درهم. معلوم؟ * طالب: شيخ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ إذا قيل: المقصود من الوجه هنا الذات أي أسلمت ذاتي كلها لله سبحانه وتعالى؟ فما يكون قوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق ١٦]؟ * الشيخ: هو من أسلم وجهه فقد أسلم نفسه، الآن مثلًا واحد يكلمك وهو (...) وقلت أنا أتسمع لك وأنت ويش تقول يصدقونك الناس؟ ما يصدقونك. * طالب: أقول يا شيخ، أن اختلاف العلماء في فهم النص يعني أحيانًا بعض العلماء يعطيك فهم للنص بيختلف من عالم إلى آخر هل هذا يكون اختلاف تنوع أو تضاد؟ * الشيخ: ما ندري، إذا كان يمكن الجمع بين القولين فهو من باب التنوع، فمثلًا قال بعض العلماء في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] أي أدبر، وقال آخرون: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: [التكوير: ١٧] أقبل. ولا تضاد في هذا، فهو اختلاف تنوع، فإذا كان القولان لا يمكن الجمع بينهما مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] منهم من قال: المراد بالقرء الحيض، ومنهم من قال: المراد بالقرء الطهر هذا ما يمكن الجمع بينهما، فهذا اختلاف تضاد. وكذلك قال الأحناف: يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه. وقال غيرهم: يخرج وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه. * طالب: (...). * الشيخ: ما يمكن الجمع، هذا اختلاف تضاد هذا (...). * طالب: يا شيخ، الله عز وجل أمر النبي ﷺ عند محاجة أن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، ما حكم المحاجة لو تحدث فيما بين المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: نعم المحاجة هذه إذا ظهر عناده فقل هكذا، أما ما دام أنهم غير معاندين لكنهم يتطلبون الحق فجادلهم حتى يتبين الحق، ولكن إذا تبين عنادهم الآن فإننا نقول: إما أن نضرب أعناقكم أو أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، هذا الواجب على المسلمين إذا قدروا، وأما إذا لم يقدروا في الوقت الحاضر فهذا شيء (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران ٢٢ - ٢٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ هذا مبتدأ الدرس، المناقشة. * طالب: فإن أسلموا باطنًا بالإيمان. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أين جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾؟ * طالب: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. * الشيخ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، لماذا اقترن بالفاء؟ * الطالب: لأن الماضي بقد الماضي إذا كان بقد وجب الفاء عليه. * الشيخ: أحسنت تمام، فيه بيت مشهور في الجمل التي يجب ارتباطها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟ * طالب: اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ * الشيخ: هذه قد، طيب يقول: ﴿إِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ما المراد بالهداية هنا؟ * طالب: هداية التوفيق. * الشيخ: هداية التوفيق، هل تستطيع أن تأتي لي بمثال فيه هداية الدلالة والتوفيق؟ * الطالب: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] * الشيخ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ هذه هداية أيش؟ * الطالب: الدلالة. * الشيخ: هداية دلالة. يستفاد من هذه الآية أن الرسول ﷺ ليس عليه هداية الناس؟ * طالب: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. هل ينسحب هذا الحكم على من ورث النبي ﷺ من أهل العلم؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: فيكون عليهم البلاغ دون هداية التوفيق. استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنه على القاعدة المعروفة في أصول الفقه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. كيف ذلك؟ * طالب: قوله: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، إن هذا حصر، تفيد الحصر. * الشيخ: طيب، لكن ما وجه دلالته على قولهم: إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ * الطالب: ﴿عَلَيْكَ﴾ و(على) ظاهرة الوجوب، والتبليغ واجب إذا ظهر هذا الأمر (...) قوله: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ * الشيخ: يعني لو لم يبين عند الحاجة لم يكن مبلغًا لأخل بهذا الواجب واضح؟ طيب. إذا سكت النبي ﷺ عن شرط والحاجة تدعو إلى بيانه لو كان شرطًا فهل يمكن أن يستدل بذلك على أنه ليس بشرط؟ يعني مثلًا مسألة اشترطها بعض العلماء لصحة العبادة والنبي ﷺ سكت عنها في حال تدعو الحاجة إلى بيانها لو كانت واجبة فهل يمكن أن نستدل بذلك على أنها ليست بشرط؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: من هذه الآية؟ * الطالب: من هذه الآية؟ * الشيخ: من هذه الآية لأنها لو كانت شرطًا لبلغه النبي ﷺ. قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ هل المراد بصر الرؤية أو بصر العلم؟ * طالب: يراد بالآية بصر العلم. * الشيخ: بصر العلم، لماذا قيدتها في هذه الآية ببصر العلم؟ * الطالب: لأن قوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...) ما يعملون. * الشيخ: طيب، ولا يمكن أن يكون بصيرًا بأعمالهم يراها؟ * الطالب: (...) السياق هذا (...). * الشيخ: ما وجه السياق؟ * الطالب: قال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...). * الشيخ: إذن يشمل بصر الرؤية وبصر العلم. طيب هل هناك دليل على أن الله يبصر بصر رؤية؟ * طالب: قول النبي ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». * الشيخ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. فأثبت لله بصرًا يرى به عز وجل. طيب ماذا تفيده هذه الجملة التي وقعت جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْ﴾؟ * طالب: التهديد. * الشيخ: التهديد وأنه إذا كان بصيرًا بهم فسوف يجازيهم على توليهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ في ﴿يَقْتُلُونَ﴾ الثانية قراءتان؟ * طالب: ﴿يَقُاتِلُونَ﴾ و﴿يَقْتُلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿يَقْتُلُونَ﴾ و﴿يَقُاتِلُونَ﴾ . طيب، هل يمكن العمل بالقراءتين؟ وهل بينهما منافاة؟ * الطالب: ليس بينهما منافاة. * الشيخ: نعم؛ لأنهم يقتلون من الذين يأمرون بالقسط من الناس يقتلون مَن لا يقاتلهم ويقاتلون مَن يقاتلهم. في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ قراءتان أيضًا؟ * الطالب: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ . * الشيخ: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، أظن مر علينا أنه إذا جاءت قراءتان في آية فإن الأفضل أن يقرأ الإنسان بهذه مرة وبهذه مرة، كما لو جاءت السنة بصفتين من صفات العبادة فالأفضل أن يفعل الإنسان هذا مرة وهذا مرة كذلك القراءتان، ولكن يجب أن يتأكد الإنسان من القراءة، فإذا تأكد أن هذه قراءة سبعية فإن الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة لأن الكل سنة. طيب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هل هناك قتل للنبيين بحق؟ لأنه جعل محط الدم قتل النبيين بغير حق، فهل هناك قتل للنبيين بحق؟ * طالب: كأن يكون قصاص يعني يا شيخ؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...) من النبيين مقصودون بهذا. * الشيخ: طيب هل المقتول قصاصًا يُذَم قاتله؟ إذن الآية سيقت مساق الذم؟ * طالب: شيخ؟ هذه الآية لبيان الواقع. * الشيخ: لبيان الواقع صحيح، هذه الآية لبيان الواقع والتنديد بهم، لبيان الواقع أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق بل بالباطل والتنديد بهؤلاء حيث يقتلون هؤلاء السادة بغير حق. نعم قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، كيف استعمل البشارة بالعذاب والبشارة ما تكون إلا بالخير؟ * طالب: إما على سبيل التهكم بهم. * الشيخ: وهل يذكر الثناء أو الوصف بالطيب في مقام التهكم؟ هل يمكن أن يذكر الشيء المحبوب في مقام تهكم؟ * الطالب: (...) * الشيخ: هات مثالًا تستشهد به لتقوية قولك؟ * طالب: في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] * الشيخ: مثاله في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ طيب، هذا وجه، الوجه الثاني؟ الوجه الأول أنه على سبيل التهكم بهم، والوجه الثاني؟ * طالب: تظهر البشارة على وجوههم. * الشيخ: أنه استعملت البشارة في مقام الوعيد لأنها علامة الخبر هذا يظهر على بشرته فتتغير كما تتغير البشرة بما يسر. ثم قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وهم أهل الخير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، هؤلاء الذين قامت بهم هذه الصفات هم الذين حبطت أعمالهم، حبوط الشيء يعني ذهابه وزواله وعدم الاستفادة منه، فهؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فظاهر لأنهم لن يستفيدوا من أعمالهم وإن كانت خيرًا حتى الإنسان الكافر إذا عمل خيرًا في الدنيا كالإحسان إلى الناس خصوصًا أو عمومًا فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] لكن كيف حبطت أعمالهم في الدنيا؟ حبطت أعمالهم في الدنيا لأنهم لما لم يستفيدوا منها صاروا كأنهم لم يعملوها فأعمالهم لم تنفعهم، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هذه الجملة كما نعلم جميعًا جملة منفية بما، وأسأل هنا: هل (ما) هذه عاملة عمل (ليس) أو لا؟ * طالب: ليست عاملة عمل (ليس). * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه تقدم الخبر. * الشيخ: لأنه تقدم الخبر، وهل لديك شاهد من كلام أهل العلم على ما قلت؟ * الطالب: من الألفية؟ * الشيخ: من الألفية إذا كانت مغيرة حبة ما يهم. * طالب: قاعدة نحوية تقول: (...) يعمل بمتشابه بليس. * الشيخ: لا، أنا أريد من كلام ابن مالك. * الطالب: وعندي كلام ابن الحاجب. * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: طيب ولكن هنا إشكال وهو قوله: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ كيف نعربها؟ * طالب: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ من زائد حرف جر زائد زائد. * الشيخ: حرف جر زائد زائد، كده؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أيش لون زائد زائد؟ اشرح للإخوان. * الطالب: زائد إعرابًا وزائد في اللفظ. * الشيخ: معنى، أي زائد في الإعراب ويزيد في المعنى. * الطالب: و﴿نَاصِرِينَ﴾ اسم (ما) مرفوع. * الشيخ: اسم (ما) ومحمد يقول ما تعمل كيف نقول اسم (ما)؟ ما عندك غير هذا؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر لا ما هو صحيح. * طالب: مبتدأ، و(لهم) خبر. * الشيخ: إي نعم لكن كمِّل إعراب ناصرين، مبتدأ. * الطالب: (ناصرين) اسم الفاعل مجرور لفظًا ومرفوع معنًى مبتدأ. و(لهم). * الشيخ: اصبر كمِّل كمِّل. * الطالب: مبتدأ يعني مرفوع لفظًا -في النهاية صح- (ناصرين) اسم الفاعل جمع المذكر السالم ورفعه بالواو ما قبله مضموم، ونصبه وجره بالياء ما قبله مكسور، مجرور لفظًا ومرفوع محلًّا مبتدأ، و(ما) نافية. * الشيخ: إيه علامة رفعه؟ الواو المقدرة. * الطالب: و(ما) نافية و(لهم) ظرف يتعلق بالمحذوف. * الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف. * الطالب: والمحذوف هو خبر. * الشيخ: المهم الآن فهمنا من كلامه أن الواو مقدرة في محل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة؟ * الطلبة: حرف الجر * الشيخ: حرف الجر الزائد، يعني هؤلاء الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ليس لهم أحد ينصرهم، وأكد سبحانه وتعالى النفي هنا أكده بـ (من) الزائدة، يعني ما لهم أحد ينصرهم لا على سبيل الاجتماع ولا على سبيل الانفراد؛ لأن (من) الزائدة إذا دخلت تجعل النفي نصًّا في العموم كـ (لا) النافية للجنس. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام هنا للتعجب، فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاقل، و﴿تَرَ﴾ يحتمل أن يكون رؤية عين ويحتمل أن يكون رؤية علم والثاني أولى؛ لأنه أشمل ولأنه يتعلق بالحال، والحال تُعلم وليست تُرى بالعين، يعني ألم تعلم إلى هؤلاء. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني أوتوا نصيبًا من العلم والذي آتاهم النصيب هو الله عز وجل وحذفه للعلم به؛ لأن الله تعالى هو الذي يؤتي العلم، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩] وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف ٦٥] فالذي يؤتي النصيب من العلم هو الله عز وجل. وقوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يفيد التقليل أو التكثير؟ يحتمل أن يكون المراد أوتوا نصيبًا كبيرًا من الكتاب بحيث يكون حاملًا لهم على الاهتداء ولكنهم -والعياذ بالله- استكبروا، ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل، وإنه لو فُرض أن عندهم علمًا كثيرًا فإن هذا العلم لم ينفعهم فصاروا كالذي أوتي نصيبًا قليلًا من العلم. وقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ هذا محل التعجب، يعني أنهم مع ما عندهم من العلم يُدعون إلى كتاب الله، والداعي لهم هو رسول الله ﷺ ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة، هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله عز وجل ليحكم الله بينهم بكتابه، ويحتمل أن يكون إلى الكتاب وأُسند الحكم إليه لأن الحكم صار به ويضاف الشيء إلى سببه كثيرًا، على كل حال سواء قلنا إن الضمير في ﴿يَحْكُمَ﴾ يعود إلى الله أو قلنا إنه يعود إلى الكتاب هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ولكنهم لا يقبلون هذا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يتولى فريق منهم لا كلهم؛ لأن بعضهم قد هُدِي بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب قد هداهم الله وهم كثير، لكن تولى فريق منهم ومع توليهم فإنهم معرضون -والعياذ بالله- ليس عندهم إقبال لا في الظاهر ولا في الباطن، بل هم متولون معرضون، وإنما قال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهي جملة حالية من فريق إنما قال ذلك؛ لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ لكن في قلبه شيء من الإقبال، أما هؤلاء فإنهم متولون وهم قد امتلؤوا إعراضًا عن كتاب الله ليحكم بينهم، وهنا يقول: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ كيف صحت الحال من النكرة؟ * طالب: الحال هو ما يبين هيئة الفاعل. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: سواء الفاعل نكرة أو معرفة. * الشيخ: لا لا. * الطالب: هو يبين هيئة الفاعل. * الشيخ: إي لكن الفاعل لا بد أن يكون معرفة أو نكرة فيها سبب. * طالب: لأنها موصوفة. * الشيخ: لأنها موصوفة: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وإذا وُصفت النكرة تخصصت فصارت شبيهة بالمعرفة. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه التولي والإعراض بأنهم خدعوا أنفسهم وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي لن تصيبنا ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامًا قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤] وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧] فكل شيء معدود فهو قليل؛ لأن شيئًا يمضي بالعدد واحد اثنين ثلاثة أربعة لا بد أن ينتهي، هؤلاء يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ثم من يخلفهم بعده؟ مَن يخلفهم فيها؟ يدَّعون أن الذي يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه، وهؤلاء هم اليهود قالوا -زعمًا منهم ودعوى مردودة- قالوا: إنهم يدخلون النار ولكنهم لا يمكثون فيها إلا أيامًا معدودة، ثم يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه فيها أبد الآبدين، وكذبوا في ذلك، فهم ستمسهم النار ويبقَوْن فيها أبد الآبدين، لكن غروا أنفسهم وخدعوا عوامَّهم بهذا القول الكاذب المفترَى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ غرهم الغُرور والخداع بمعنى واحد متقارب، يعني أن هؤلاء خدعوا أو انخدعوا في دينهم حيث ظنوا أنهم على حق، وبعضهم عاند الحق عالمًا به مفتريًا كذابًا ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي الذي كانوا يفترونه، ومنه قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي فكيف تكون حالهم؟ كيف تكون حالهم في هذا الوقت ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ والاستفهام للتعظيم يعني ما أعظم ما تكون حالهم في تلك اليوم! وما أشد حسرتهم ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي جمعناهم لهذا اليوم أي فيه، واللام تأتي دائمًا بمعنى (في) ويسمونها لام التوقيت ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي في قُبُل عدتهن أي في استقبال عدتهن، فاليوم لا ريب فيه أي جُمِعوا لهذا اليوم أي فيه وهو يوم القيامة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إما أنه خبر بمعنى النهي، المعنى: لا ترتابوا فيه، أو أنه خبر على حقيقته والمعنى أن الله عز وجل يخبر عن هذا اليوم بأنه لا ريب فيه أي لا ريب في وقوعه، وهذا اليوم قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب فما أكثر الآيات التي فيها إثبات اليوم الآخر، وما أكثر الأمثال التي يضربها الله عز وجل لإثبات هذا اليوم ببعث الخلائق، وأما في السنة فكثير أيضًا إثبات هذا اليوم، وأما في العقل فلأن العقل يدل بالضرورة على أن هذه الخليقة لا بد أن يكون لها معاد تحاسب عليه على ما أمرت به؛ لأنه ليس من المعقول أن ينشئ الله الخليقة يأمرها وينهاها ويبعث إليها الرسل وينزل عليها الكتب ويستباح دماء من لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تموت هذه البشرية ولا تبعث تكون ترابًا، لو وقع هذا الفعل من أي أحد لقيل هذا سفه من أسفه السفه، لو أن الإنسان صنع ثوبًا وخاطه وأتقنه ومِن أحسنِ ما يكون ثم في النهاية أحرقه وتلف ولم يبق له أثر لعدّ الناس كلهم هذا سفهًا، فكيف بهذه الخليقة التي خلقها الله عز وجل وأنزل عليها الكتب وأرسل إليها الرسل وأباح دماء وأموال مَن لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تُتلف هذه الخليقة بدون أي معاقبة وأي حساب، فالكتاب والسنة والإجماع والعقل كلها دلت على ثبوت هذا اليوم الذي قال الله فيه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وُفِّيت يعني أُعطيت ومنه قولهم: وفَّاه حقه أي أعطاه حقه وافيًا. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من البشر؟ أو من غيرهم؟ من البشر والجن يعني من المكلفين الذين أُمِروا ونُهوا هم الذين يُوفَّون أجورهم، أما من لم يتوجه إليه أمر ولا نهي فإنهم يُجمعون يوم القيامة ولكن ليس لهم أعمال يُجازون عليها، فلا يشملهم قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ كيف تكون حال هؤلاء الذين تولوا وهم معرضون؟ تكون أسوأ حال والعياذ بالله؛ لأنهم ينظرون إلى الناس وقد جُوزُوا بالثواب العظيم وإلى أنفسهم وقد جُوزوا بالعذاب المهين، فتكون أعمالهم حسرات عليهم -والعياذ بالله- يوم القيامة، ولا يستفيدون لا من دنياهم ولا من أُخراهم. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يعني من خير أو شر بدليل العموم في كلمة (ما)، ولكن كيف تُوَفَّى؟ أما الخير فيُوَفَّى العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأما في الشر فيُوفَّى السيئة بمثلها إن لم يعف الله، قد يعفو الله عنه، وقد يكون له أعمال صالحة تُكفِّر هذه السيئات، فجزاء الله عز وجل وتوفيته للأعمال دائر بين الفضل والعدل، بين الفضل في أهل الخير، والعدل في أهل السوء. أما القسم الثالث وهو الجور والظلم فهذا ممتنع ولهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُظلمون فلا يُنقص أحد من حسناته ولا يُزاد في سيئاته، ونحن نعلم أن من أوفى غيره حقه فلا يخلو من ثلاث حالات، إما أن يوفيه بالفضل، أو بالعدل، أو بالجور، إلا الله عز وجل فإن وفاءه دائر بين العدل والفضل، وأما الجور والظلم فهذا ممتنع عليه كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]. والآن نرجع إلى فوائد الآية التي ذكرناها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٢١] في هذه الآية من الفوائد: أنه ينبغي أن يعلَن لهؤلاء الكفار بما أمر الله تعالى أن نبشرهم به ﴿بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه كلما كانت الحكمة في تبشير هؤلاء بالعذاب الأليم بشرهم، وهكذا مَن ورث النبي ﷺ في العلم والدعوة ينبغي أن يبشر كل كافر بآيات الله بالعذاب الأليم، لكن يجب أن يكون هذا تابعًا للحكمة، قد لا يكون من الحكمة إذا دعوت رجلًا للإسلام أن تقول: تعال أنت كافر؟ فإذا قال: نعم، قلت: أبشر بالعذاب الأليم وأسلم، يصلح هذا؟ ما يستقيم لكن لكل مقام مقال، إذا دعوته وعاند واستكبر حينئذ يناسب أن تقول: إن بقيت على ما أنت عليه فأبشر بالعذاب الأليم. أو يأتيك رجل يمدح لك هؤلاء الكفار ويقول: فيهم وفيهم وفيهم وفيهم تقول: يا أخي بشِّرهم بعذاب أليم، ماذا ينفعهم هذا يوم القيامة؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بآيات الله؛ لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بها بالعذاب الأليم. والإيمان بالآيات الكونية له معنى وبالآيات الشرعية له معنى، فالإيمان بالآيات الشرعية قلنا إنه هو: تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، وألا يتعرض لتحريفها، ثلاثة أشياء، وبالكونية ألا يعتقد أن لله تعالى فيها مشاركًا أو معينًا أو مستقلًّا بملكه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قتل النبيين وأنه بغير حق مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مع أن قتل النبيين بغير حق من جملة الكفر لكن نص عليه لشدة شناعته والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة:تحريم أو شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يأمر بالقسط من الناس، من هم اللي يأمر بالقسط من الناس؟ قلنا: إنهم علماء وأمراء، فالعلماء يبينون الشرع، والأمراء ينفذون الشرع، فإذا قتلهم قاتل دخل في هذه الآية إذا كانوا يأمرون بالقسط. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. * ومن فوائدها: أن العذب الذي يبشَّرون به ليس عذابًا هينًا يُتحمَّل ولكنه عذاب مؤلم. ومن فوائد الآية التي بعدها: أن هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس هؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يستفيدون منها، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فلأنهم لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر محبط للأعمال؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ولكن هل المراد ليس لهم ناصر في الدنيا والآخرة؟ أو في الآخرة؟ في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]. * طالب: قوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ لمَ التفريق ما بين ﴿مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾؟ (...) * * * * طالب: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦] * الشيخ: (...) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أما في الآخرة فحبوط أعمالهم ظاهر لأنهم لا ينتفعون بأعمالهم في الآخرة، ولكن في الدنيا كيف يكون حبوط أعمالهم؟ * طالب: مغلوبين. * الشيخ: كيف مغلوبين؟ * الطالب: يعني هم يقتلون النبيين وهم في الآخر هم مغلوبين، ما عندهم القدرة على المسلمين. * الشيخ: يعني معناه في النهاية تحبط أعمالهم أي عزتهم وكبرياؤهم، هذا وجه جيد، فيه أيضًا؟ * طالب: لا ينتفعوا بهذه الأعمال حتى أعمالهم الصالحة. * الشيخ: فلما لم ينتفعوا بها صارت حابطة وإن انتفعوا بها في الدنيا لكن لما لم تكن نافعة لهم في الآخرة صارت ضائعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ﴾ الخطاب لمن في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ * طالب: الخطاب إلى الرسول ﷺ. * الشيخ: للنبي ﷺ، ما فيه وجه آخر؟ * طالب: لأهل الكتاب. * الشيخ: لا. * طالب: لكل من يتأتى له الخطاب. * الشيخ: لكل من يتأتى خطابه يعني كل من يصح أن يخاطَب يخاطبه الله بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وهذا القول أعم من القول الأول. مَن المراد بهم؟ * طالب: المراد بهم أهل الكتاب. * الشيخ: مَن؟ * الطالب: اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى. طيب ﴿نَصِيبًا﴾ هنا نكرة هل هو للتقليل أو للتكثير؟ * طالب: ﴿نَصِيبًا﴾ تدل على التقليل، وقد ترد يعني وقد ترد دالة على التكثير قليلًا. * الشيخ: أيهما المراد هنا؟ * الطالب: المراد التقليل. * الشيخ: يعني أنهم؟ * الطالب: أُوتوا شيئًا من العلم بينهم، شيئًا قليلًا بينهم. * الشيخ: طيب ويش وجه المناسبة؟ إذا قلت: إن المراد التقليل، قد يقولون: والله إحنا ما عندنا إلا علم قليل ولا ندري عن كتاب الله هل هو حق أو ليس بحق؟ * الطالب: مناسبة أيش؟ * الشيخ: أقول الآن: إذا قلت المراد التقليل، فكيف يكون العتاب عليهم وهم ليس عندهم إلا علم قليل لا يعرفون به الحق من الباطل؟ * الطالب: المراد أنهم أوتوا نصيبًا يعني شيئًا قليلًا من العلم ما يكفيهم في أمر دينهم ودنياهم. * الشيخ: طيب هؤلاء إذا دُعوا إلى الله يقولون: والله ما نعرف به الحق حتى نُلام عن التولي عنه؟ * طالب: نقول: يحتمل ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا كثيرًا من العلم ولكنهم استكبروا إذا دُعوا إلى كتاب الله، ويحتمل أن تكون ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا قليلًا من العلم. * الشيخ: طيب إذن كل معنى له وجه، إن قلنا: قليلًا، فوجه اللوم عليهم أنهم لمالم يُؤتَوْا إلا علمًا قليلًا كان الواجب عليهم أن يأخذوا بالعلم الذي دُعوا إليه حتى يزدادوا علمًا، وأما إذا قلنا: كثيرًا، فالوجه: أنه كيف يعلمون الحق لأنهم إذا أوتوا علمًا أو نصيبًا كثيرًا من الكتاب فمن جملتها أنهم يعرفون محمدًا ﷺ، فكيف يُؤتَوْن العلم الكثير الذي به تقوم الحجة ثم يستكبرون عنه؟ إذن فالآية صالحة للوجهين جميعًا. طيب، قوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الفاعل في (يحكم) مَن؟ * طالب: في (يحكم) الفاعل هو اسم الجلالة والكتاب كلاهما. * الشيخ: يعني يجوز أن يكون عائدًا إلى الله وعائدًا إلى الكتاب، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأن الكتاب يحكم، وكذلك الله عز وجل يحكم بين عباده. طيب، لماذا يتولون وهم معرضون؟ ما هو السبب الذي حملهم على ذلك؟ * طالب: الاستكبار. * الشيخ: لا. * طالب: السبب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * الشيخ: نعم، هذا الذي دعاهم إلى ذلك، الغرور وأن أنفسهم غرتهم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ثم بعد ذلك تخلفوننا أنتم يا محمد وأصحابه فيها، ولهذا قال: ﴿غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. طيب، ما المراد بالاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * طالب: تعظيم هذا اليوم؛ يعني كيف هَوْل هذا اليوم إذا جمعناهم؟ أو كيف حالهم هذا اليوم إذا جُمعوا؟ * الشيخ: فيتضمن تعظيم هذا اليوم وتهديد هؤلاء، إذن لتعظيم ذلك اليوم ولتهديد هؤلاء القوم. ما المراد بهذا اليوم؟ * طالب: يوم القيامة. * الشيخ: طيب قال الله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * طالب: أي لا شك فيه. * الشيخ: لماذا لا شك فيه وهو أمر غائب؟ * طالب: الْمُخبِر عنه حق، إن الله هو الذي أخبر عنه. * طالب: إن الكتاب والسنة والعقل دلوا عليه. * الشيخ: لأن كلًّا من الكتاب والسنة والعقل دل عليه على هذا اليوم والناس يبعثون، نريد دليلًا من القرآن على ثبوت هذا اليوم غير الآية اللي معنا؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. * الشيخ: طيب هذا ممكن، لكن ما فيه آية تدل على أن الناس يُجمعون في ذلك اليوم علشان توفق المعنى؟ * طالب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧]. * الشيخ: نعم، ما فيه دليل على نفس الجمع؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩] * الشيخ: زين صح إي نعم، وفيه في سورة هود: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣] طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ما معناها؟ * طالب: نعم معناها أُعطِيت كل نفس حقها. * الشيخ: وافيًا، أحسنت. جملة: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ محلها من الإعراب؟ * الطالب: خبر. * الشيخ: لا. * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * طالب: حال من ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. * الشيخ: من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؟ * الطالب: لا، من * الشيخ: من كل الدنيا والفعل والفاعل. * الطالب: النفس الموفية لها، من الفاعل. * الشيخ: ما عندنا فاعل، اللي عندنا نائب فاعل؛ لأن (وُفِّي) فعل ماضي مبني للمجهول. * الطالب: من نائب الفاعل. * الشيخ: من نائب الفاعل وهو قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾. طيب ما معنى الظلم ال (...)؟ الظلم المنفي هنا، أو ما المراد به؟ * طالب: عدم الجور، الظلم هنا المراد به أي عدم الجور؛ لأنه توفية الحق له ثلاثة أحوال؛ إما أن يعطى حقه. * الشيخ: لا، نريد بس نفي الظلم أيش؟ الظلم يكون إما بنقص شيء من الحسنات أو زيادة سيئات، أما كيف التوفية فهذه هي التي تريد؛ يعني التوفية لها ثلاثة أقسام: عدل، وفضل، وجور، فالجور منتفي، والعدل والفضل ثابت. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٢٣] إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أنه ليس كل من أُعطي علمًا يُوفّق للعمل به لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ [آل عمران ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: التعجب من حال هؤلاء وما أعظم التعجب أن يؤتيهم الله العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله عز وجل. * ومن فوائدها: أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة بكونهم دعوا، وهذا هو محطّ الذم، أما لو لم يدعون ولم يعلموا بالحق فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرّطوا بطلب الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران ٢٣]. * ومن فوائدها: أنه لا حكم إلا لله بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله عز وجل، كافر، اللهم إلا أن يُعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فعله من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال كل شيء، ولأنه لم يُخصص، قال: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ في كل شيء. ويتفرع على هذه الفائدة: الرد على من قال: إن الشرع إنما جاء في تنظيم العبادات فقط، أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ قدم المدينة ورأى الناس يؤبّرون النخل -معنى يؤبرونها: يلقحونها- فقال عليه الصلاة والسلام: «مَا أَرَى ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا» هذا أو معناه، فتركوا التأبير ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يُؤبّر فسد، فلما حصدت الثمار جاؤوا إلى النبي ﷺ يخبرونه فقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث أنس. ]]. قالوا: فوَكل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا، وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع، ولكن هذا فهم خاطئ، هذا فهم خاطئ باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب وبالتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة، وكم من عالم عنده علم غزير واسع في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب وإبرة من أحسن الإبر، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ومسألة الصحابة رضي الله عنهم في التأبير مسألة حكمية أو مسألة فنية؟ فنية بلا شك تدرك بالتجارب، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما نعلم- ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فصار أهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، صاروا أعلم منه بذلك، أما مسألة الأحكام الشرعية فلا شك أن الله ورسوله أعلم، المهم أن الحكم لمن؟ لله، ولا يجوز أن يكون الحكم لأي شيء سوى الله. فإن قال قائل: ألستم ترجعون إلى العرف في أمور كثيرة؟ فالجواب: بلى، لكن من الذي رجعنا إلى العرف؟ الشرع، رجعنا إلى العرف: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩] ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق ٢]، فالشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف، وإذا أمرنا أن نرجع إلى العرف رجعنا إليه وحكّمناه، ولهذا إذا تنازع الزوجان في قدر النفقة لا نذهب إلى الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني: البخاري، أو مسلم، أو أبو داود، أو ما أشبه ذلك، لا نرجع إلى هذا، نرجع إلى من؟ إلى أهل الخبرة في العرف في كل زمان ومكان بحسبه، إذن الحكم فيما رُدّ إلى العرف لمن؟ للشرع. * طالب: للشرع وأهل الخبرة. * الشيخ: لا، الحكم للشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف؛ فأهل العرف يحكمون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين دُعوا إلى كتاب الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب لم يتولوا جميعًا، بل تولى فريق منهم، والأمر كذلك فإن كثيرًا من اليهود والنصارى أسلموا وحسن إسلامهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من يتولّى بإعراض لقوله: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران ٢٣]، لأن التولي -كما ذكرنا في التفسير- قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض، والتولي مذموم كله، ولكن إذا كان عن إعراض وعدم مبالاة كان أشد. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان الأماني، وأن النفس قد تمنّي الإنسان ما لا يكون؛ لأن هؤلاء منّتهم أنفسهم حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * ومن فوائدها: تحذير الإنسان من أن يتكل على الأماني؛ لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة الآن يقعون في المعاصي ويمنّون أنفسهم المغفرة، إذا وقع في المعصية قلت: يا أخي، اتقِ الله، لا تعصِ الله قال: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، صحيح؟ * طلبة: إي نعم. * الشيخ: صحيح أن الله غفور رحيم، لكن الله قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨] فلما أمر نبيه أن ينبئ بدأ بالمعفرة، ولما أخبر عن نفسه بدأ بالعقوبة؛ لأن المقام مقام سلطان وعلوّ فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إذن ماذا نقول لهذا الذي قال: الله غفور رحيم؟ نقول: والله شديد العقاب أيضًا، يتمنى بعض العاصين الأماني ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فهو يريد أن يزني، ويسرق، ويشرب الخمر، ويعمل كل شيء دون الشرك ثم يقول: إن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا خبر، خبر من الله عز وجل، وهو أصدق القائلين؟ فماذا نقول؟ نقول: اقرأ الآية، لا تكن أعمى أو أعور ما تنظر إلا بعين، يغفر ما دون ذلك مطلقًا لمن يشاء، ومن لا يشاء لا يغفر له، فهل أنت تجزم بأنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ أبدًا، ما تجزم، لا تجزم لا بهذا ولا بهذا، إذن فأنت على خطر، أنت على خطر على أن الذي يستخف بمعصية، ويُلبّس على نفسه وعلى الناس قد يكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له، نعوذ بالله؛ لأن هذا مستهتر مستهين. إذن الذين يتمنون على الله الأماني مع استمرارهم على معصية يشبهون من؟ اليهود والنصارى، ولهذا جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها- وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس الأنصاري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، من أين تؤخذ؟ من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ويتفرع على هذا: أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بوجود الله وباليوم الآخر دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولًا وإذعانًا مجرد التصديق لا يعتبر إيمانًا، لا بد من القبول والإذعان، ودليل هذا نصوص كثيرة منها: أن أبا طالب عم رسول الله ﷺ كان يقرّ بأن رسول الله ﷺ حق، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَــــا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِــــــــلِ ويقول: وَلَقَــدْ عَلِمْــتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خَيْــــرِ أَدْيَــــانِ الْبَرِيَّــــةِدِينَــــــــــــا ومع ذلك لم ينفعه هذا الإقرار؛ لأنه لم يصحبه قبول وإذعان، وخُتم له في الآخر -والعياذ بالله- بأنه قال: على ملة عبد المطلب، ولكن نظرًا لما حصل منه من دفاع عن الإسلام «أذن الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ أن يشفع له فشفع، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه أبد الآبدين[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس.]] ». والعياذ بالله، أبد الآبدين، وهذا أهون أهل النار عذابًا أجارني الله وإياكم منها. ولم نعلم أن كافرًا نفعت فيه الشفاعة على الإطلاق بمعنى أنه سلم من العذاب أبدًا، ولم نعلم أن كافرًا خُفّف عنه العذاب بالشفاعة إلا أبا طالب، إذن نقول: إن الإيمان باليوم الآخر، وبأن هناك نارًا لا يكفي في الإيمان، بل لا بد من القبول والإذعان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يغره ما هو عليه من الدين، قد يغره ما هو عليه من الدين لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران ٢٤] فيغتر بأنه يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ثم يقول في نفسه: لن أعذَّب، وهذا قصور في النظر؛ لأنه ليس الشأن أن تصلي أو تزكي أو تصوم أو تحج، الشأن كل الشأن أن يُقبل منك هذا العمل، كم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطِل سابق أو لاحق، سابق كفوات الإخلاص مثلًا، لاحق كالإعجاب بالعمل والإدلال به على الله عز وجل، وأن يرى الإنسان لنفسه حقًّا على ربه، وهذا قد يبطل العمل، فعملك محفوف بأخطار سابقة وأخطار لاحقة، ولهذا لا تغتر بما أنت عليه من الدين، بل اسأل ربك دائمًا التوفيق والقبول، التوفيق سابق، والقبول لاحق حتى الإنسان ربما يريد الخير ويحب الخير، ولكن يبتلى بالبدعة، كم من أناس يحبون الخير وعندهم رغبة ومحبة لله ورسوله، ولكن يبتلون بالجهل فيبتدعون في دين الله ما ليس منه، ويكون عملهم هذا حابطًا ولَّا مقبولًا؟ حابطًا؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]. وقال الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٢٥]. في هذه الآية دليل على عظم ذلك اليوم لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. وفيها دليل أيضًا على النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، ولهذا قال: كيف تكون حالهم في ذلك اليوم؟ والجواب: أن حالهم أخيب الحال، أخيب حال هي حالهم والعياذ بالله؛ لأنهم ليس عندهم شيء؛ خسروا دينهم ودنياهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. * ومن فوائدها: أن من كفر باليوم الآخر أو شك فيه فهو كافر؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فالله أخبر بأن هذا اليوم لا ريب فيه، أمر واقع، ولا بد لا بد أن تجتمع مع أمك وأبيك وأختك وأخيك في ذلك اليوم، لكن تجتمع بهم وأنت تفرّ منهم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧] حتى يستقر الناس في منازلهم، فإذا استقر الناس في منازلهم واجتمع بهم في الجنة فهذه غاية المنى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] الصغار اللي ماتوا وهم لم يكن لهم ذرية يلحقون بآبائهم ليجتمعوا إليهم، لكن هل يُلحق الأعلى يُنزّل الأدنى وإلا بالعكس؟ بالعكس؛ يعني يُرفع الأدنى إلى الأعلى، أما من كان له ذرية من الأولاد فهو مستقل بنفسه في منزلته؛ لأن هذا له ذرية. على كل حال في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ دليل على أن من شك في هذا اليوم أو أنكره فهو كافر لتكذيبه لله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ وإنما قلت: التوفية الكاملة؛ لأن الإنسان قد يوفَّى شيئًا من عمله في الدنيا، أليس كذلك؟ بلى قد يُوفّى في الدنيا لكن يوفّى في الآخرة أيضًا، توفّى النفوس ما عملت، قد يوفى في الدنيا وماذا يوفّى؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣] مخرجًا من كل ضيق وسعة في الرزق، ويرزقه من حيث لا يحتسب، هذا في الدنيا، وهذا جزاء، هناك جزاء آخر يعني أعظم وأنفع، وهو الهدى، الهدى قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧] الهدى والعمل الصالح هذا أفضل من المال، أفضل من المال؛ لأن الهدى إذا زاد الله الإنسان هدى انشرح صدره واستنار قلبه واطمأن، ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء، وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه وسرور نفسه، ولهذا قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي في السنن (٣٩٣٩) من حديث أنس. ]] والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عينه؛ لأنه يشعر في كل عمل صالح يشعر بأمرين عظيمين؛ الأمر الأول: أنه يتعبد لله بالعمل الصالح فيزداد ذلًّا لربه ومحبة له وإنابة إليه، والأمر الثاني: أنه بذلك متبع لرسول الله ﷺ، فهو يشعر حين فعل العبادة أن إمامه محمد ﷺ فيزداد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا لقوله، بل وتعظيمًا لهديه وسنته، وهذا أعظم كسب، أعظم كسب أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿وُفِّيَتْ﴾ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فاعلها معروف، من الموفِّي؟ الله، والذي لا يظلم الله، ولكن انتفاء الظلم عن الله سبحانه وتعالى هل هو من الصفات الثبوتية أو من الصفات المنفية التي يسمونها بالسلبية؟ الثاني إلا أننا نقول: لا يظلم يعني ليس في جزائه أدنى ظلم، فيكون نفي الظلم لكمال العدل؛ لأن الظلم قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا؛ يعني قد يكون كاملًا بحيث لا يعطى شيئًا من جزاء عمله، وقد يكون ظلمًا ناقصًا يُعطى بعض الشيء، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم صار ذلك مستلزمًا لكمال العدل، وكذلك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] اللغوب يعني التعب والإعياء، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه لغوب؛ أي تعب وإعياء، لماذا؟ لكمال قوته وقدرته عز وجل، فالإنسان يعمل العمل لكن يتعب، أما الرب عز وجل فإنه لكمال قدرته وقوته خلق السماوات والأرض وما بينهما في أيام يسيرة ستة أيام، وما مسه من لغوب، إذن نأخذ من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات؛ وهي: أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضدّ، فضد الظلم العدل، إذا انتفى الظلم فهو لكمال العدل، ضد القدرة والقوة: التعب، فإذا انتفى التعب؟ ثبت كمال القدرة والقوة وعلى هذا فقِس. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣] كيف يعني يفصل بينكم؟ * الشيخ: يوم القيامة يفصل بينكم؛ يعني يحكم بينكم، ثم يكون الفصل؛ فالناس يجتمعون أولًا في المحشر جميعًا، ثم ينفصلون فريق في الجنة وفريق في السعير. * الطالب: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قلنا: الآن إن أولادكم ثبت بالأحاديث أن الولد ينفع أباه؛ حافظ القرآن إذا..؟ * الشيخ: هذا يخاطب الكفار، يخاطب المؤمنين يعني معناه لا تحابوا الكفار لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك لا ينفع. * طالب: شيخ، ويش معنى قولهم (...). * الشيخ: يقول بعض العلماء: إنهم بنوا قولهم هذا على أنهم عبدوا العجل أربعين ليلة، وقالوا: إن الله يعذّبنا بقدر معصيتنا؛ بقدر عبادة العجل فقط؛ أربعين يوم ثم أنتم تخلقونه. * الطالب: أقول: إذن ما بنوا على شيء أصلًا، يعني أمانة؟ * الشيخ: أبدًا، كذب. * طالب: صار خاص باليهود. * الشيخ: إي نعم، هم اللي يقولون هكذا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * طالب: شيخ، قلنا: يا شيخ إن صاحب البدعة إذا عمل عملا مبتدعًا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قلنا: إذا عمل الإنسان عملًا بدعيًّا يعني حبط عمله بهذا العمل. * الشيخ: لا يُقبل منه. * الطالب: لكن يا شيخ إذا صار جاهلًا، يعني ما يؤجر على النية؛ نيته في هذا العمل؟ * الشيخ: إيه، لكن ما يقبل منه على أنه عمل؛ يعني يثاب على نيته التقرب إلى الله، أما هذا العمل لا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]، «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]] لكن يُثاب على نيته الخير فقط، ومع ذلك إذا أقيمت عليه البينة بأنه مبتدع لا يثاب ولا على نيته. * طالب: شيخ، الحكم يا شيخ في الرد على إن الذين يقتلون النبيين إلى آخره، أنهم يقتلوهم، وألقوا بهم في السجون، الذين يقتلون الناس ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]. * الشيخ: مقاتلون. * الطالب: نعم، فما حكمهم يا شيخ؟ * الشيخ: حكمهم دون هذا. * الطالب: نعم؟ * الشيخ: أقول دون ذلك. * الطالب: طيب هل هم يُقاتلون يا شيخ؟ * الشيخ: من اللي يقاتل؟ * الطالب: الذين يقتلون؟ * الشيخ: لا، لا، ما يقاتلون، لا. * الطالب: طيب مش دول كفار يا شيخ؟ * الشيخ: لا ما هم كفار. * الطالب: مش ﴿يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾؟ * الشيخ: إيه، هذه من صفات الكفار، لكن قد يفعل هذا من ليس بكافر. * الطالب: إي نعم، أن الله عز وجل أمر النبي ﷺ أن يبشرهم، مش هذا فيه إعلام من الله عز وجل أن النبي ﷺ يعلمهم؟ * الشيخ: لكن اقرأ اللي قبلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٢١] أولًا: ما هو الكفر، كفر، ومن جملة أعمالهم القتل، فالذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس أخذوا من أعمال هؤلاء الكفار القتل، لكن لا يلزم من هذا أن يكونوا كفارًا؛ لأن قتل النفس لا يستلزم الكفر كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ١٧٨]. * طالب: يا شيخ، هذا الأخ في الإسلام يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: هذا أخ في الإسلام، وهذا يقتل الذي يأمر بالقسط هذا ما هو عدو له؟ * الشيخ: نعم نعم، على كل حال هو لا يكفر اللهم إلا أن يكون فعله هذا كراهة للحق، فهذا شيء ثاني. * طالب: ويعلنوا يا شيخ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعلنوا بالمعاصي؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجهروا بالمعاصي؟ * الشيخ: ويش معنى يجهر؟ * الطالب: يعني الفعل الذي يفعلونه على الذين يفعل فيهم الجهر لهم، وإعلانهم بالمعاصي على قول الله عز وجل للنبي ﷺ ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] فالتبشرة هنا إعلان منه؟ * الشيخ: نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الله أمر نبيه أن يبشر هؤلاء بعذاب أليم يحتمل أن هذا حكم لهم، ويحتمل أن الله أمره بأن يقول ذلك، وذكرنا أن هذا ينظر فيه للمصلحة. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: الغالب أن الذين يقتلون الذي يأمرون بالقسط من الناس أن هؤلاء لا يقتلونهم لأشخاصهم فقط، وإنما لهذا المنهج الذي يسيرون عليه؟ * الشيخ: نعم، صحيح، لكن ما نقدر نكفرهم إلا إذا علمنا؛ لأنهم قد يقتلونهم لسبب آخر، هل كل من يأمر بالقسط من الناس نيته صالحة؟ فيه الآن أناس يأمرون بالقسط من الناس ليصلوا إلى الحكم، وإذا وصلوا إلى الحكم صاروا أخبث من الذين قالوا فيهم، ولهذا المسائل هذه دقيقة ما هي هيّنة. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإقامة الحجة، هل يكفي إبهامها؟ بس هل يكفي إنك تعلمها فقط للشخص وتقوم عليه الحجة أو أنك لازم تفهمه، لازم يفهمها ويستوعبها؟ * الشيخ: أرأيت لو جيء إليك برجل من العجم وقلت: يا هذا الكافر، اتقِ الله وأسلِم، ويش يفهم؟ هل بلّغت الحجة؟ وأيضًا نحن نسميها حجة، ولا حُجّة إلا بعد معرفتها.

آل عمران 3:25

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في هذه الآية قراءتان في كلمتين، أولًا: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة ﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، وثانيا: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ فيها قراءة ﴿وَيُقَاتِلُونَ﴾ ﴿وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يكفرون بآيات الله الكونية أو الشرعية، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، وهذه الآيات الكونية التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها هي آية على الله، آية تدل على أن الخالق واحد لا شريك له وعلى أنه لا يشبهه شيء؛ لأن الناس لو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوا جبلًا واحدًا ما استطاعوا، أو أن يخلقوا حيوانًا واحدًا ما استطاعوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]. آيات الله الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] فالآيات الشرعية هي العلامات الدالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد وأنه كامل الحكمة، هؤلاء الذين يكفرون بهذه الآيات يقول عز وجل بعد أن ذكر معطوفات متعددة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولكن كيف يكون الكفر بآيات الله؟ نقول أولًا: الآيات الكونية؟ * طالب: (...) بأن يجحد الخالق سبحانه وتعالى بأنه خلقها. * الشيخ: أن يدَّعي أن الذي خلقها غير الله، هذا واحد. * الطالب: أو أن ينسب له له شريك في خلقه. * الشيخ: أو أن له شريكًا في خلقه. * الطالب: أو أن ينسب له معينًا في خلقه. * الشيخ: أو أن له معينًا في خلقه، ثلاثة أشياء. طيب الكفر بالآيات الشرعية؟ * طالب: إما أن يكون بالجحود أو بالاستكبار والعياذ بالله. * الشيخ: نعم إما بجحودها وتكذيبها أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك. يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ يقتلون النبيين الذين أرسلهم الله إليهم بغير حق، والنبيون هنا يشمل الرسل ومَن لم يرسَل من النبيين، وأكثر ما وُجِد هذه الصفة في اليهود؛ لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم مَن قتل الأنبياء بغير حق وعبد الطاغوت، وهنا يقول: ﴿النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذه الصفة لا يراد بها إخراج ما خالفها، وإنما يراد بها بيان الواقع والدلالة على أن هذا القتل كان عدوانًا، فيراد بها شيئان: أولًا بيان الواقع وأنهم يقتلونهم وهم غير محقين يعني لا يقتلونهم قصاصًا مثلًا، بل يقتلونهم عدوانًا وظلمًا. ثانيًا: أنَّ قتلهم كان بباطل بغير حق، وإلا فليس هناك قتْلٌ يكون بحق لأحد من النبيين. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ مَن الذين يأمرون بالقسط من الناس؟ الرسل وغير الرسل، أهل العلم يأمرون الناس بالقسط، الخلفاء الراشدون يأمرون الناس بالقسط، النبيون يأمرون الناس بالقسط؛ وحينئذ فعطفه على النبيين من باب عطف العام على الخاص، ولكنه خص الأنبياء لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم، فلا قتْلَ أعظم جرمًا من قتل النبيين بغير حق. ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ يشمل النبيين وغيرهم، وقد مر علينا إذا عُطف العام على الخاص أو الخاص على العام هل هذا يدل على إخراج الخاص من الحكم العام؟ أو على التنصيص عليه لأهميته فيكون قد ذُكر مرتين؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني هو الأقرب يكون ذُكر مرتين مرة بطريق العموم ومرة بطريق الخصوص، ولكن خُص من بين سائر الأفراد أو أُعيدَ الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتناء به والاهتمام به. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل من يتأتَّى خطابه، و﴿بَشِّرْهُمْ﴾: أَخبِرْهم ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والعذاب: العقوبة، والأليم بمعنى المؤلِم. وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤلاء؟ أو هو من باب تشبيه البشارة بما يسوء بالبشارة بما يسُرّ بجامع أن كلًّا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير. * طلبة: يشمل الأول. * طالب: الثاني. * الشيخ: يحتمل الواقع يحتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا: إنه من باب التهكم استُفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشَّرين، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ﴾ -يعني قولوا له: ذُقْ- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٧ - ٤٩] فإن هذه الكلمة أو الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ؛ لأنه سيتذكر أين العزة؟ وأين الكرم؟! أين العزة التي بها أغلب والكرم الذي به أجود؟! فيكون أشد وقعًا وأشد تحسرًا أنه فاته هذا الوصف الذي كان في الدنيا يرى نفسه من أهله. * طالب: قول صاحب الجلالين أن اليهود قتلوا ثلاثة وأربعين نبيًّا؟ * الشيخ: لا ما أعرف جيدًا، لا شك أنهم قتلوا الأنبياء بغير حق، لكن كونهم ثلاثة وأربعين أو أربع مئة أو أكثر أو أقل الله أعلم. * طالب: لو كانت الدولة من الدول تستورد لحوم معروف أنها من بلد شيوعي. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: تستورد لحوم من دولة يعني ملحدة ما تؤمن بالله شيوعية يعني معظم استيرادها أو كله تقريبًا وفيه بأه لحم بلدي في البلد لكن ما أحد يشتريه لغلاء سعره أو قليل ما يشتريه، وأنت تعلم أن هذا مثلًا اللي عزمك ما يشتري إلا من هذا اللحم دائمًا أو غالبًا وعزمك يا شيخ أو أعطاك مثلًا لحمًا هل تتحرج إنك ما تعرف هو من وين؟ المعظم شراؤه منه دائمًا ما يشتري بلدي؟ * الشيخ: أولًا: إن الدول الشيوعية قد يكون فيها مسلمون، ألم تعلم الضجة التي حصلت في يوغوسلافيا هذه الأيام؟ * الطالب: لا. * الشيخ: فيه مسلمون كثيرون، وقد قيل: إن أكثر من يتولى المسالخ هم المسلمون؛ لأنهم فقراء في ذلك المكان، فربما يكون الذابح مسلمًا؛ لكن مع هذا أهل العلم يقولون: إذا وُجدت مُذَكَّاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهو حلال اعتبارًا بالأكثر والأغلب وتيسيرًا على الأمة، فيُنظر إذا قيل: والله أكثر المسالخ في البلد الشيوعي هذا أكثرها يتولاها مسلمون صار الوارد منه حلالًا، وإذا قال: أكثره غير مسلمين صار الوارد حرامًا حتى لو فُرض أنها بلد يهود أو نصارى، وقد عُلم أن أكثر من يتولى الذبح غير يهودي ولا نصراني فإنها لا تحل ذبيحتهم. * طالب: شيخ، طيب يعني الإنسان إذا ذهب مثلًا هناك كثرة الدجاج الذي يعني يأتي من الخارج يا شيخ يكون من الخارج متيقنين أنه لم يسمَّ عليه، لم يسموا عليه لأنهم لا يعرفون التسمية أصلًا حتى يعني إنه ذهب ناس هناك وقال: إنهم يأكلونها؟ * الشيخ: ما علمت لأنه قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] ولم يقل: ولا تأكلوا مما لم تعلموا، قال: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ يعني إنه إذا تيقنا أنه لم يذكر اسم الله عليه. * الطالب: هذا شبه متيقنين يا شيخ لأني أنا عارف ما يسمون؟ * الشيخ: إذا كان شيء متيقن لا تأكل، لكن ما دمت لم تتيقن فلك الأكل. * الطالب: إذا كان تيقنا فلا نأكل؟ * الشيخ: معلوم إذا تيقنا لا يجوز الأكل. * طالب: الفائدة اللي أخذناها هي أن من آتاه الله علمًا في هذا الوقت فعليه البلاغ أو يجب عليه البلاغ (...)؟ * الشيخ: نعم، العالم يجب عليه أن يبلغ الشرع. * الطالب: الوحي يا شيخ ما معنى الوحي؟ * الشيخ: إي، الوحي (...) القرآن وحي. * الطالب: (...) * الشيخ: لا، لا نبي بعد محمد. * طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ هذا المعطوف على كل موصول صلة على خبر (إن) ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا خبر، وهذا الاسم، الفاء الجزائي من وين؟ * الشيخ: فهمتم سؤاله؟ * طالب: أعد. * الشيخ: هذا الرجل فهم فهمًا جيدًا وأنتم وُلدتم في البلد هنا في العرب ولا فهمتم ذلك ها؟ * طالب: إيه نعم. * الشيخ: يقول: الفاء الواقعة في خبر المبتدأ كده، ويش اللي جابها هنا؟ ما هي أداة شرط؟ يقول العلماء: إن اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ فهو كقوله: إن من يكفر بآيات الله. * الطالب: يعني متضمن لمعنى الشرط. * الشيخ: إي نعم، اسم الموصول متضمن لمعنى الشرط، ويقول: إنك تقول: الذي يأتيني فله درهم، فهو بمعنى قولك: من يأتيني فله درهم. معلوم؟ * طالب: شيخ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ إذا قيل: المقصود من الوجه هنا الذات أي أسلمت ذاتي كلها لله سبحانه وتعالى؟ فما يكون قوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق ١٦]؟ * الشيخ: هو من أسلم وجهه فقد أسلم نفسه، الآن مثلًا واحد يكلمك وهو (...) وقلت أنا أتسمع لك وأنت ويش تقول يصدقونك الناس؟ ما يصدقونك. * طالب: أقول يا شيخ، أن اختلاف العلماء في فهم النص يعني أحيانًا بعض العلماء يعطيك فهم للنص بيختلف من عالم إلى آخر هل هذا يكون اختلاف تنوع أو تضاد؟ * الشيخ: ما ندري، إذا كان يمكن الجمع بين القولين فهو من باب التنوع، فمثلًا قال بعض العلماء في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] أي أدبر، وقال آخرون: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: [التكوير: ١٧] أقبل. ولا تضاد في هذا، فهو اختلاف تنوع، فإذا كان القولان لا يمكن الجمع بينهما مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] منهم من قال: المراد بالقرء الحيض، ومنهم من قال: المراد بالقرء الطهر هذا ما يمكن الجمع بينهما، فهذا اختلاف تضاد. وكذلك قال الأحناف: يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه. وقال غيرهم: يخرج وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه. * طالب: (...). * الشيخ: ما يمكن الجمع، هذا اختلاف تضاد هذا (...). * طالب: يا شيخ، الله عز وجل أمر النبي ﷺ عند محاجة أن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، ما حكم المحاجة لو تحدث فيما بين المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: نعم المحاجة هذه إذا ظهر عناده فقل هكذا، أما ما دام أنهم غير معاندين لكنهم يتطلبون الحق فجادلهم حتى يتبين الحق، ولكن إذا تبين عنادهم الآن فإننا نقول: إما أن نضرب أعناقكم أو أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، هذا الواجب على المسلمين إذا قدروا، وأما إذا لم يقدروا في الوقت الحاضر فهذا شيء (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران ٢٢ - ٢٧] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ هذا مبتدأ الدرس، المناقشة. * طالب: فإن أسلموا باطنًا بالإيمان. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أين جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾؟ * طالب: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. * الشيخ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، لماذا اقترن بالفاء؟ * الطالب: لأن الماضي بقد الماضي إذا كان بقد وجب الفاء عليه. * الشيخ: أحسنت تمام، فيه بيت مشهور في الجمل التي يجب ارتباطها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟ * طالب: اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ * الشيخ: هذه قد، طيب يقول: ﴿إِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ما المراد بالهداية هنا؟ * طالب: هداية التوفيق. * الشيخ: هداية التوفيق، هل تستطيع أن تأتي لي بمثال فيه هداية الدلالة والتوفيق؟ * الطالب: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] * الشيخ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ هذه هداية أيش؟ * الطالب: الدلالة. * الشيخ: هداية دلالة. يستفاد من هذه الآية أن الرسول ﷺ ليس عليه هداية الناس؟ * طالب: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. هل ينسحب هذا الحكم على من ورث النبي ﷺ من أهل العلم؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: فيكون عليهم البلاغ دون هداية التوفيق. استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنه على القاعدة المعروفة في أصول الفقه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. كيف ذلك؟ * طالب: قوله: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، إن هذا حصر، تفيد الحصر. * الشيخ: طيب، لكن ما وجه دلالته على قولهم: إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ * الطالب: ﴿عَلَيْكَ﴾ و(على) ظاهرة الوجوب، والتبليغ واجب إذا ظهر هذا الأمر (...) قوله: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ * الشيخ: يعني لو لم يبين عند الحاجة لم يكن مبلغًا لأخل بهذا الواجب واضح؟ طيب. إذا سكت النبي ﷺ عن شرط والحاجة تدعو إلى بيانه لو كان شرطًا فهل يمكن أن يستدل بذلك على أنه ليس بشرط؟ يعني مثلًا مسألة اشترطها بعض العلماء لصحة العبادة والنبي ﷺ سكت عنها في حال تدعو الحاجة إلى بيانها لو كانت واجبة فهل يمكن أن نستدل بذلك على أنها ليست بشرط؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: من هذه الآية؟ * الطالب: من هذه الآية؟ * الشيخ: من هذه الآية لأنها لو كانت شرطًا لبلغه النبي ﷺ. قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ هل المراد بصر الرؤية أو بصر العلم؟ * طالب: يراد بالآية بصر العلم. * الشيخ: بصر العلم، لماذا قيدتها في هذه الآية ببصر العلم؟ * الطالب: لأن قوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...) ما يعملون. * الشيخ: طيب، ولا يمكن أن يكون بصيرًا بأعمالهم يراها؟ * الطالب: (...) السياق هذا (...). * الشيخ: ما وجه السياق؟ * الطالب: قال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...). * الشيخ: إذن يشمل بصر الرؤية وبصر العلم. طيب هل هناك دليل على أن الله يبصر بصر رؤية؟ * طالب: قول النبي ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». * الشيخ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. فأثبت لله بصرًا يرى به عز وجل. طيب ماذا تفيده هذه الجملة التي وقعت جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْ﴾؟ * طالب: التهديد. * الشيخ: التهديد وأنه إذا كان بصيرًا بهم فسوف يجازيهم على توليهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ في ﴿يَقْتُلُونَ﴾ الثانية قراءتان؟ * طالب: ﴿يَقُاتِلُونَ﴾ و﴿يَقْتُلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿يَقْتُلُونَ﴾ و﴿يَقُاتِلُونَ﴾ . طيب، هل يمكن العمل بالقراءتين؟ وهل بينهما منافاة؟ * الطالب: ليس بينهما منافاة. * الشيخ: نعم؛ لأنهم يقتلون من الذين يأمرون بالقسط من الناس يقتلون مَن لا يقاتلهم ويقاتلون مَن يقاتلهم. في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ قراءتان أيضًا؟ * الطالب: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ . * الشيخ: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، أظن مر علينا أنه إذا جاءت قراءتان في آية فإن الأفضل أن يقرأ الإنسان بهذه مرة وبهذه مرة، كما لو جاءت السنة بصفتين من صفات العبادة فالأفضل أن يفعل الإنسان هذا مرة وهذا مرة كذلك القراءتان، ولكن يجب أن يتأكد الإنسان من القراءة، فإذا تأكد أن هذه قراءة سبعية فإن الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة لأن الكل سنة. طيب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هل هناك قتل للنبيين بحق؟ لأنه جعل محط الدم قتل النبيين بغير حق، فهل هناك قتل للنبيين بحق؟ * طالب: كأن يكون قصاص يعني يا شيخ؟ * الشيخ: (...). * الطالب: (...) من النبيين مقصودون بهذا. * الشيخ: طيب هل المقتول قصاصًا يُذَم قاتله؟ إذن الآية سيقت مساق الذم؟ * طالب: شيخ؟ هذه الآية لبيان الواقع. * الشيخ: لبيان الواقع صحيح، هذه الآية لبيان الواقع والتنديد بهم، لبيان الواقع أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق بل بالباطل والتنديد بهؤلاء حيث يقتلون هؤلاء السادة بغير حق. نعم قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، كيف استعمل البشارة بالعذاب والبشارة ما تكون إلا بالخير؟ * طالب: إما على سبيل التهكم بهم. * الشيخ: وهل يذكر الثناء أو الوصف بالطيب في مقام التهكم؟ هل يمكن أن يذكر الشيء المحبوب في مقام تهكم؟ * الطالب: (...) * الشيخ: هات مثالًا تستشهد به لتقوية قولك؟ * طالب: في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] * الشيخ: مثاله في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ طيب، هذا وجه، الوجه الثاني؟ الوجه الأول أنه على سبيل التهكم بهم، والوجه الثاني؟ * طالب: تظهر البشارة على وجوههم. * الشيخ: أنه استعملت البشارة في مقام الوعيد لأنها علامة الخبر هذا يظهر على بشرته فتتغير كما تتغير البشرة بما يسر. ثم قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وهم أهل الخير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، هؤلاء الذين قامت بهم هذه الصفات هم الذين حبطت أعمالهم، حبوط الشيء يعني ذهابه وزواله وعدم الاستفادة منه، فهؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فظاهر لأنهم لن يستفيدوا من أعمالهم وإن كانت خيرًا حتى الإنسان الكافر إذا عمل خيرًا في الدنيا كالإحسان إلى الناس خصوصًا أو عمومًا فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] لكن كيف حبطت أعمالهم في الدنيا؟ حبطت أعمالهم في الدنيا لأنهم لما لم يستفيدوا منها صاروا كأنهم لم يعملوها فأعمالهم لم تنفعهم، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هذه الجملة كما نعلم جميعًا جملة منفية بما، وأسأل هنا: هل (ما) هذه عاملة عمل (ليس) أو لا؟ * طالب: ليست عاملة عمل (ليس). * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: لأنه تقدم الخبر. * الشيخ: لأنه تقدم الخبر، وهل لديك شاهد من كلام أهل العلم على ما قلت؟ * الطالب: من الألفية؟ * الشيخ: من الألفية إذا كانت مغيرة حبة ما يهم. * طالب: قاعدة نحوية تقول: (...) يعمل بمتشابه بليس. * الشيخ: لا، أنا أريد من كلام ابن مالك. * الطالب: وعندي كلام ابن الحاجب. * طالب: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ * الشيخ: طيب ولكن هنا إشكال وهو قوله: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ كيف نعربها؟ * طالب: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ من زائد حرف جر زائد زائد. * الشيخ: حرف جر زائد زائد، كده؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أيش لون زائد زائد؟ اشرح للإخوان. * الطالب: زائد إعرابًا وزائد في اللفظ. * الشيخ: معنى، أي زائد في الإعراب ويزيد في المعنى. * الطالب: و﴿نَاصِرِينَ﴾ اسم (ما) مرفوع. * الشيخ: اسم (ما) ومحمد يقول ما تعمل كيف نقول اسم (ما)؟ ما عندك غير هذا؟ * طالب: خبر. * الشيخ: خبر لا ما هو صحيح. * طالب: مبتدأ، و(لهم) خبر. * الشيخ: إي نعم لكن كمِّل إعراب ناصرين، مبتدأ. * الطالب: (ناصرين) اسم الفاعل مجرور لفظًا ومرفوع معنًى مبتدأ. و(لهم). * الشيخ: اصبر كمِّل كمِّل. * الطالب: مبتدأ يعني مرفوع لفظًا -في النهاية صح- (ناصرين) اسم الفاعل جمع المذكر السالم ورفعه بالواو ما قبله مضموم، ونصبه وجره بالياء ما قبله مكسور، مجرور لفظًا ومرفوع محلًّا مبتدأ، و(ما) نافية. * الشيخ: إيه علامة رفعه؟ الواو المقدرة. * الطالب: و(ما) نافية و(لهم) ظرف يتعلق بالمحذوف. * الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف. * الطالب: والمحذوف هو خبر. * الشيخ: المهم الآن فهمنا من كلامه أن الواو مقدرة في محل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة؟ * الطلبة: حرف الجر * الشيخ: حرف الجر الزائد، يعني هؤلاء الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ليس لهم أحد ينصرهم، وأكد سبحانه وتعالى النفي هنا أكده بـ (من) الزائدة، يعني ما لهم أحد ينصرهم لا على سبيل الاجتماع ولا على سبيل الانفراد؛ لأن (من) الزائدة إذا دخلت تجعل النفي نصًّا في العموم كـ (لا) النافية للجنس. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام هنا للتعجب، فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاقل، و﴿تَرَ﴾ يحتمل أن يكون رؤية عين ويحتمل أن يكون رؤية علم والثاني أولى؛ لأنه أشمل ولأنه يتعلق بالحال، والحال تُعلم وليست تُرى بالعين، يعني ألم تعلم إلى هؤلاء. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني أوتوا نصيبًا من العلم والذي آتاهم النصيب هو الله عز وجل وحذفه للعلم به؛ لأن الله تعالى هو الذي يؤتي العلم، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩] وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف ٦٥] فالذي يؤتي النصيب من العلم هو الله عز وجل. وقوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يفيد التقليل أو التكثير؟ يحتمل أن يكون المراد أوتوا نصيبًا كبيرًا من الكتاب بحيث يكون حاملًا لهم على الاهتداء ولكنهم -والعياذ بالله- استكبروا، ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل، وإنه لو فُرض أن عندهم علمًا كثيرًا فإن هذا العلم لم ينفعهم فصاروا كالذي أوتي نصيبًا قليلًا من العلم. وقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ هذا محل التعجب، يعني أنهم مع ما عندهم من العلم يُدعون إلى كتاب الله، والداعي لهم هو رسول الله ﷺ ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة، هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله عز وجل ليحكم الله بينهم بكتابه، ويحتمل أن يكون إلى الكتاب وأُسند الحكم إليه لأن الحكم صار به ويضاف الشيء إلى سببه كثيرًا، على كل حال سواء قلنا إن الضمير في ﴿يَحْكُمَ﴾ يعود إلى الله أو قلنا إنه يعود إلى الكتاب هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ولكنهم لا يقبلون هذا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يتولى فريق منهم لا كلهم؛ لأن بعضهم قد هُدِي بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب قد هداهم الله وهم كثير، لكن تولى فريق منهم ومع توليهم فإنهم معرضون -والعياذ بالله- ليس عندهم إقبال لا في الظاهر ولا في الباطن، بل هم متولون معرضون، وإنما قال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهي جملة حالية من فريق إنما قال ذلك؛ لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ لكن في قلبه شيء من الإقبال، أما هؤلاء فإنهم متولون وهم قد امتلؤوا إعراضًا عن كتاب الله ليحكم بينهم، وهنا يقول: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ كيف صحت الحال من النكرة؟ * طالب: الحال هو ما يبين هيئة الفاعل. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: سواء الفاعل نكرة أو معرفة. * الشيخ: لا لا. * الطالب: هو يبين هيئة الفاعل. * الشيخ: إي لكن الفاعل لا بد أن يكون معرفة أو نكرة فيها سبب. * طالب: لأنها موصوفة. * الشيخ: لأنها موصوفة: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وإذا وُصفت النكرة تخصصت فصارت شبيهة بالمعرفة. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه التولي والإعراض بأنهم خدعوا أنفسهم وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي لن تصيبنا ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامًا قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤] وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧] فكل شيء معدود فهو قليل؛ لأن شيئًا يمضي بالعدد واحد اثنين ثلاثة أربعة لا بد أن ينتهي، هؤلاء يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ثم من يخلفهم بعده؟ مَن يخلفهم فيها؟ يدَّعون أن الذي يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه، وهؤلاء هم اليهود قالوا -زعمًا منهم ودعوى مردودة- قالوا: إنهم يدخلون النار ولكنهم لا يمكثون فيها إلا أيامًا معدودة، ثم يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه فيها أبد الآبدين، وكذبوا في ذلك، فهم ستمسهم النار ويبقَوْن فيها أبد الآبدين، لكن غروا أنفسهم وخدعوا عوامَّهم بهذا القول الكاذب المفترَى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ غرهم الغُرور والخداع بمعنى واحد متقارب، يعني أن هؤلاء خدعوا أو انخدعوا في دينهم حيث ظنوا أنهم على حق، وبعضهم عاند الحق عالمًا به مفتريًا كذابًا ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي الذي كانوا يفترونه، ومنه قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي فكيف تكون حالهم؟ كيف تكون حالهم في هذا الوقت ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ والاستفهام للتعظيم يعني ما أعظم ما تكون حالهم في تلك اليوم! وما أشد حسرتهم ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي جمعناهم لهذا اليوم أي فيه، واللام تأتي دائمًا بمعنى (في) ويسمونها لام التوقيت ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي في قُبُل عدتهن أي في استقبال عدتهن، فاليوم لا ريب فيه أي جُمِعوا لهذا اليوم أي فيه وهو يوم القيامة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إما أنه خبر بمعنى النهي، المعنى: لا ترتابوا فيه، أو أنه خبر على حقيقته والمعنى أن الله عز وجل يخبر عن هذا اليوم بأنه لا ريب فيه أي لا ريب في وقوعه، وهذا اليوم قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب فما أكثر الآيات التي فيها إثبات اليوم الآخر، وما أكثر الأمثال التي يضربها الله عز وجل لإثبات هذا اليوم ببعث الخلائق، وأما في السنة فكثير أيضًا إثبات هذا اليوم، وأما في العقل فلأن العقل يدل بالضرورة على أن هذه الخليقة لا بد أن يكون لها معاد تحاسب عليه على ما أمرت به؛ لأنه ليس من المعقول أن ينشئ الله الخليقة يأمرها وينهاها ويبعث إليها الرسل وينزل عليها الكتب ويستباح دماء من لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تموت هذه البشرية ولا تبعث تكون ترابًا، لو وقع هذا الفعل من أي أحد لقيل هذا سفه من أسفه السفه، لو أن الإنسان صنع ثوبًا وخاطه وأتقنه ومِن أحسنِ ما يكون ثم في النهاية أحرقه وتلف ولم يبق له أثر لعدّ الناس كلهم هذا سفهًا، فكيف بهذه الخليقة التي خلقها الله عز وجل وأنزل عليها الكتب وأرسل إليها الرسل وأباح دماء وأموال مَن لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تُتلف هذه الخليقة بدون أي معاقبة وأي حساب، فالكتاب والسنة والإجماع والعقل كلها دلت على ثبوت هذا اليوم الذي قال الله فيه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وُفِّيت يعني أُعطيت ومنه قولهم: وفَّاه حقه أي أعطاه حقه وافيًا. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من البشر؟ أو من غيرهم؟ من البشر والجن يعني من المكلفين الذين أُمِروا ونُهوا هم الذين يُوفَّون أجورهم، أما من لم يتوجه إليه أمر ولا نهي فإنهم يُجمعون يوم القيامة ولكن ليس لهم أعمال يُجازون عليها، فلا يشملهم قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ كيف تكون حال هؤلاء الذين تولوا وهم معرضون؟ تكون أسوأ حال والعياذ بالله؛ لأنهم ينظرون إلى الناس وقد جُوزُوا بالثواب العظيم وإلى أنفسهم وقد جُوزوا بالعذاب المهين، فتكون أعمالهم حسرات عليهم -والعياذ بالله- يوم القيامة، ولا يستفيدون لا من دنياهم ولا من أُخراهم. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يعني من خير أو شر بدليل العموم في كلمة (ما)، ولكن كيف تُوَفَّى؟ أما الخير فيُوَفَّى العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأما في الشر فيُوفَّى السيئة بمثلها إن لم يعف الله، قد يعفو الله عنه، وقد يكون له أعمال صالحة تُكفِّر هذه السيئات، فجزاء الله عز وجل وتوفيته للأعمال دائر بين الفضل والعدل، بين الفضل في أهل الخير، والعدل في أهل السوء. أما القسم الثالث وهو الجور والظلم فهذا ممتنع ولهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُظلمون فلا يُنقص أحد من حسناته ولا يُزاد في سيئاته، ونحن نعلم أن من أوفى غيره حقه فلا يخلو من ثلاث حالات، إما أن يوفيه بالفضل، أو بالعدل، أو بالجور، إلا الله عز وجل فإن وفاءه دائر بين العدل والفضل، وأما الجور والظلم فهذا ممتنع عليه كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]. والآن نرجع إلى فوائد الآية التي ذكرناها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٢١] في هذه الآية من الفوائد: أنه ينبغي أن يعلَن لهؤلاء الكفار بما أمر الله تعالى أن نبشرهم به ﴿بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه كلما كانت الحكمة في تبشير هؤلاء بالعذاب الأليم بشرهم، وهكذا مَن ورث النبي ﷺ في العلم والدعوة ينبغي أن يبشر كل كافر بآيات الله بالعذاب الأليم، لكن يجب أن يكون هذا تابعًا للحكمة، قد لا يكون من الحكمة إذا دعوت رجلًا للإسلام أن تقول: تعال أنت كافر؟ فإذا قال: نعم، قلت: أبشر بالعذاب الأليم وأسلم، يصلح هذا؟ ما يستقيم لكن لكل مقام مقال، إذا دعوته وعاند واستكبر حينئذ يناسب أن تقول: إن بقيت على ما أنت عليه فأبشر بالعذاب الأليم. أو يأتيك رجل يمدح لك هؤلاء الكفار ويقول: فيهم وفيهم وفيهم وفيهم تقول: يا أخي بشِّرهم بعذاب أليم، ماذا ينفعهم هذا يوم القيامة؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بآيات الله؛ لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بها بالعذاب الأليم. والإيمان بالآيات الكونية له معنى وبالآيات الشرعية له معنى، فالإيمان بالآيات الشرعية قلنا إنه هو: تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، وألا يتعرض لتحريفها، ثلاثة أشياء، وبالكونية ألا يعتقد أن لله تعالى فيها مشاركًا أو معينًا أو مستقلًّا بملكه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قتل النبيين وأنه بغير حق مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مع أن قتل النبيين بغير حق من جملة الكفر لكن نص عليه لشدة شناعته والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية الكريمة:تحريم أو شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يأمر بالقسط من الناس، من هم اللي يأمر بالقسط من الناس؟ قلنا: إنهم علماء وأمراء، فالعلماء يبينون الشرع، والأمراء ينفذون الشرع، فإذا قتلهم قاتل دخل في هذه الآية إذا كانوا يأمرون بالقسط. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. * ومن فوائدها: أن العذب الذي يبشَّرون به ليس عذابًا هينًا يُتحمَّل ولكنه عذاب مؤلم. ومن فوائد الآية التي بعدها: أن هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس هؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يستفيدون منها، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فلأنهم لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر محبط للأعمال؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ولكن هل المراد ليس لهم ناصر في الدنيا والآخرة؟ أو في الآخرة؟ في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١]. * طالب: قوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ لمَ التفريق ما بين ﴿مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾؟ (...) * * * * طالب: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦] * الشيخ: (...) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أما في الآخرة فحبوط أعمالهم ظاهر لأنهم لا ينتفعون بأعمالهم في الآخرة، ولكن في الدنيا كيف يكون حبوط أعمالهم؟ * طالب: مغلوبين. * الشيخ: كيف مغلوبين؟ * الطالب: يعني هم يقتلون النبيين وهم في الآخر هم مغلوبين، ما عندهم القدرة على المسلمين. * الشيخ: يعني معناه في النهاية تحبط أعمالهم أي عزتهم وكبرياؤهم، هذا وجه جيد، فيه أيضًا؟ * طالب: لا ينتفعوا بهذه الأعمال حتى أعمالهم الصالحة. * الشيخ: فلما لم ينتفعوا بها صارت حابطة وإن انتفعوا بها في الدنيا لكن لما لم تكن نافعة لهم في الآخرة صارت ضائعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ﴾ الخطاب لمن في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ * طالب: الخطاب إلى الرسول ﷺ. * الشيخ: للنبي ﷺ، ما فيه وجه آخر؟ * طالب: لأهل الكتاب. * الشيخ: لا. * طالب: لكل من يتأتى له الخطاب. * الشيخ: لكل من يتأتى خطابه يعني كل من يصح أن يخاطَب يخاطبه الله بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وهذا القول أعم من القول الأول. مَن المراد بهم؟ * طالب: المراد بهم أهل الكتاب. * الشيخ: مَن؟ * الطالب: اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى. طيب ﴿نَصِيبًا﴾ هنا نكرة هل هو للتقليل أو للتكثير؟ * طالب: ﴿نَصِيبًا﴾ تدل على التقليل، وقد ترد يعني وقد ترد دالة على التكثير قليلًا. * الشيخ: أيهما المراد هنا؟ * الطالب: المراد التقليل. * الشيخ: يعني أنهم؟ * الطالب: أُوتوا شيئًا من العلم بينهم، شيئًا قليلًا بينهم. * الشيخ: طيب ويش وجه المناسبة؟ إذا قلت: إن المراد التقليل، قد يقولون: والله إحنا ما عندنا إلا علم قليل ولا ندري عن كتاب الله هل هو حق أو ليس بحق؟ * الطالب: مناسبة أيش؟ * الشيخ: أقول الآن: إذا قلت المراد التقليل، فكيف يكون العتاب عليهم وهم ليس عندهم إلا علم قليل لا يعرفون به الحق من الباطل؟ * الطالب: المراد أنهم أوتوا نصيبًا يعني شيئًا قليلًا من العلم ما يكفيهم في أمر دينهم ودنياهم. * الشيخ: طيب هؤلاء إذا دُعوا إلى الله يقولون: والله ما نعرف به الحق حتى نُلام عن التولي عنه؟ * طالب: نقول: يحتمل ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا كثيرًا من العلم ولكنهم استكبروا إذا دُعوا إلى كتاب الله، ويحتمل أن تكون ﴿نَصِيبًا﴾ شيئًا قليلًا من العلم. * الشيخ: طيب إذن كل معنى له وجه، إن قلنا: قليلًا، فوجه اللوم عليهم أنهم لمالم يُؤتَوْا إلا علمًا قليلًا كان الواجب عليهم أن يأخذوا بالعلم الذي دُعوا إليه حتى يزدادوا علمًا، وأما إذا قلنا: كثيرًا، فالوجه: أنه كيف يعلمون الحق لأنهم إذا أوتوا علمًا أو نصيبًا كثيرًا من الكتاب فمن جملتها أنهم يعرفون محمدًا ﷺ، فكيف يُؤتَوْن العلم الكثير الذي به تقوم الحجة ثم يستكبرون عنه؟ إذن فالآية صالحة للوجهين جميعًا. طيب، قوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الفاعل في (يحكم) مَن؟ * طالب: في (يحكم) الفاعل هو اسم الجلالة والكتاب كلاهما. * الشيخ: يعني يجوز أن يكون عائدًا إلى الله وعائدًا إلى الكتاب، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأن الكتاب يحكم، وكذلك الله عز وجل يحكم بين عباده. طيب، لماذا يتولون وهم معرضون؟ ما هو السبب الذي حملهم على ذلك؟ * طالب: الاستكبار. * الشيخ: لا. * طالب: السبب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * الشيخ: نعم، هذا الذي دعاهم إلى ذلك، الغرور وأن أنفسهم غرتهم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ثم بعد ذلك تخلفوننا أنتم يا محمد وأصحابه فيها، ولهذا قال: ﴿غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. طيب، ما المراد بالاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * طالب: تعظيم هذا اليوم؛ يعني كيف هَوْل هذا اليوم إذا جمعناهم؟ أو كيف حالهم هذا اليوم إذا جُمعوا؟ * الشيخ: فيتضمن تعظيم هذا اليوم وتهديد هؤلاء، إذن لتعظيم ذلك اليوم ولتهديد هؤلاء القوم. ما المراد بهذا اليوم؟ * طالب: يوم القيامة. * الشيخ: طيب قال الله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ * طالب: أي لا شك فيه. * الشيخ: لماذا لا شك فيه وهو أمر غائب؟ * طالب: الْمُخبِر عنه حق، إن الله هو الذي أخبر عنه. * طالب: إن الكتاب والسنة والعقل دلوا عليه. * الشيخ: لأن كلًّا من الكتاب والسنة والعقل دل عليه على هذا اليوم والناس يبعثون، نريد دليلًا من القرآن على ثبوت هذا اليوم غير الآية اللي معنا؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]. * الشيخ: طيب هذا ممكن، لكن ما فيه آية تدل على أن الناس يُجمعون في ذلك اليوم علشان توفق المعنى؟ * طالب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧]. * الشيخ: نعم، ما فيه دليل على نفس الجمع؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩] * الشيخ: زين صح إي نعم، وفيه في سورة هود: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣] طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ما معناها؟ * طالب: نعم معناها أُعطِيت كل نفس حقها. * الشيخ: وافيًا، أحسنت. جملة: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ محلها من الإعراب؟ * الطالب: خبر. * الشيخ: لا. * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * طالب: حال من ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. * الشيخ: من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؟ * الطالب: لا، من * الشيخ: من كل الدنيا والفعل والفاعل. * الطالب: النفس الموفية لها، من الفاعل. * الشيخ: ما عندنا فاعل، اللي عندنا نائب فاعل؛ لأن (وُفِّي) فعل ماضي مبني للمجهول. * الطالب: من نائب الفاعل. * الشيخ: من نائب الفاعل وهو قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾. طيب ما معنى الظلم ال (...)؟ الظلم المنفي هنا، أو ما المراد به؟ * طالب: عدم الجور، الظلم هنا المراد به أي عدم الجور؛ لأنه توفية الحق له ثلاثة أحوال؛ إما أن يعطى حقه. * الشيخ: لا، نريد بس نفي الظلم أيش؟ الظلم يكون إما بنقص شيء من الحسنات أو زيادة سيئات، أما كيف التوفية فهذه هي التي تريد؛ يعني التوفية لها ثلاثة أقسام: عدل، وفضل، وجور، فالجور منتفي، والعدل والفضل ثابت. ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٢٣] إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أنه ليس كل من أُعطي علمًا يُوفّق للعمل به لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ [آل عمران ٢٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: التعجب من حال هؤلاء وما أعظم التعجب أن يؤتيهم الله العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله عز وجل. * ومن فوائدها: أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة بكونهم دعوا، وهذا هو محطّ الذم، أما لو لم يدعون ولم يعلموا بالحق فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرّطوا بطلب الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران ٢٣]. * ومن فوائدها: أنه لا حكم إلا لله بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله عز وجل، كافر، اللهم إلا أن يُعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فعله من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال كل شيء، ولأنه لم يُخصص، قال: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ في كل شيء. ويتفرع على هذه الفائدة: الرد على من قال: إن الشرع إنما جاء في تنظيم العبادات فقط، أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ قدم المدينة ورأى الناس يؤبّرون النخل -معنى يؤبرونها: يلقحونها- فقال عليه الصلاة والسلام: «مَا أَرَى ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا» هذا أو معناه، فتركوا التأبير ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يُؤبّر فسد، فلما حصدت الثمار جاؤوا إلى النبي ﷺ يخبرونه فقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث أنس. ]]. قالوا: فوَكل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا، وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع، ولكن هذا فهم خاطئ، هذا فهم خاطئ باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب وبالتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة، وكم من عالم عنده علم غزير واسع في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب وإبرة من أحسن الإبر، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ومسألة الصحابة رضي الله عنهم في التأبير مسألة حكمية أو مسألة فنية؟ فنية بلا شك تدرك بالتجارب، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما نعلم- ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فصار أهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، صاروا أعلم منه بذلك، أما مسألة الأحكام الشرعية فلا شك أن الله ورسوله أعلم، المهم أن الحكم لمن؟ لله، ولا يجوز أن يكون الحكم لأي شيء سوى الله. فإن قال قائل: ألستم ترجعون إلى العرف في أمور كثيرة؟ فالجواب: بلى، لكن من الذي رجعنا إلى العرف؟ الشرع، رجعنا إلى العرف: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩] ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق ٢]، فالشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف، وإذا أمرنا أن نرجع إلى العرف رجعنا إليه وحكّمناه، ولهذا إذا تنازع الزوجان في قدر النفقة لا نذهب إلى الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني: البخاري، أو مسلم، أو أبو داود، أو ما أشبه ذلك، لا نرجع إلى هذا، نرجع إلى من؟ إلى أهل الخبرة في العرف في كل زمان ومكان بحسبه، إذن الحكم فيما رُدّ إلى العرف لمن؟ للشرع. * طالب: للشرع وأهل الخبرة. * الشيخ: لا، الحكم للشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف؛ فأهل العرف يحكمون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين دُعوا إلى كتاب الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب لم يتولوا جميعًا، بل تولى فريق منهم، والأمر كذلك فإن كثيرًا من اليهود والنصارى أسلموا وحسن إسلامهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من يتولّى بإعراض لقوله: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران ٢٣]، لأن التولي -كما ذكرنا في التفسير- قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض، والتولي مذموم كله، ولكن إذا كان عن إعراض وعدم مبالاة كان أشد. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان الأماني، وأن النفس قد تمنّي الإنسان ما لا يكون؛ لأن هؤلاء منّتهم أنفسهم حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * ومن فوائدها: تحذير الإنسان من أن يتكل على الأماني؛ لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة الآن يقعون في المعاصي ويمنّون أنفسهم المغفرة، إذا وقع في المعصية قلت: يا أخي، اتقِ الله، لا تعصِ الله قال: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، صحيح؟ * طلبة: إي نعم. * الشيخ: صحيح أن الله غفور رحيم، لكن الله قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨] فلما أمر نبيه أن ينبئ بدأ بالمعفرة، ولما أخبر عن نفسه بدأ بالعقوبة؛ لأن المقام مقام سلطان وعلوّ فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إذن ماذا نقول لهذا الذي قال: الله غفور رحيم؟ نقول: والله شديد العقاب أيضًا، يتمنى بعض العاصين الأماني ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فهو يريد أن يزني، ويسرق، ويشرب الخمر، ويعمل كل شيء دون الشرك ثم يقول: إن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا خبر، خبر من الله عز وجل، وهو أصدق القائلين؟ فماذا نقول؟ نقول: اقرأ الآية، لا تكن أعمى أو أعور ما تنظر إلا بعين، يغفر ما دون ذلك مطلقًا لمن يشاء، ومن لا يشاء لا يغفر له، فهل أنت تجزم بأنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ أبدًا، ما تجزم، لا تجزم لا بهذا ولا بهذا، إذن فأنت على خطر، أنت على خطر على أن الذي يستخف بمعصية، ويُلبّس على نفسه وعلى الناس قد يكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له، نعوذ بالله؛ لأن هذا مستهتر مستهين. إذن الذين يتمنون على الله الأماني مع استمرارهم على معصية يشبهون من؟ اليهود والنصارى، ولهذا جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها- وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس الأنصاري.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، من أين تؤخذ؟ من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ويتفرع على هذا: أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بوجود الله وباليوم الآخر دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولًا وإذعانًا مجرد التصديق لا يعتبر إيمانًا، لا بد من القبول والإذعان، ودليل هذا نصوص كثيرة منها: أن أبا طالب عم رسول الله ﷺ كان يقرّ بأن رسول الله ﷺ حق، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَــــا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِــــــــلِ ويقول: وَلَقَــدْ عَلِمْــتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خَيْــــرِ أَدْيَــــانِ الْبَرِيَّــــةِدِينَــــــــــــا ومع ذلك لم ينفعه هذا الإقرار؛ لأنه لم يصحبه قبول وإذعان، وخُتم له في الآخر -والعياذ بالله- بأنه قال: على ملة عبد المطلب، ولكن نظرًا لما حصل منه من دفاع عن الإسلام «أذن الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ أن يشفع له فشفع، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه أبد الآبدين[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس.]] ». والعياذ بالله، أبد الآبدين، وهذا أهون أهل النار عذابًا أجارني الله وإياكم منها. ولم نعلم أن كافرًا نفعت فيه الشفاعة على الإطلاق بمعنى أنه سلم من العذاب أبدًا، ولم نعلم أن كافرًا خُفّف عنه العذاب بالشفاعة إلا أبا طالب، إذن نقول: إن الإيمان باليوم الآخر، وبأن هناك نارًا لا يكفي في الإيمان، بل لا بد من القبول والإذعان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يغره ما هو عليه من الدين، قد يغره ما هو عليه من الدين لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران ٢٤] فيغتر بأنه يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ثم يقول في نفسه: لن أعذَّب، وهذا قصور في النظر؛ لأنه ليس الشأن أن تصلي أو تزكي أو تصوم أو تحج، الشأن كل الشأن أن يُقبل منك هذا العمل، كم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطِل سابق أو لاحق، سابق كفوات الإخلاص مثلًا، لاحق كالإعجاب بالعمل والإدلال به على الله عز وجل، وأن يرى الإنسان لنفسه حقًّا على ربه، وهذا قد يبطل العمل، فعملك محفوف بأخطار سابقة وأخطار لاحقة، ولهذا لا تغتر بما أنت عليه من الدين، بل اسأل ربك دائمًا التوفيق والقبول، التوفيق سابق، والقبول لاحق حتى الإنسان ربما يريد الخير ويحب الخير، ولكن يبتلى بالبدعة، كم من أناس يحبون الخير وعندهم رغبة ومحبة لله ورسوله، ولكن يبتلون بالجهل فيبتدعون في دين الله ما ليس منه، ويكون عملهم هذا حابطًا ولَّا مقبولًا؟ حابطًا؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]. وقال الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٢٥]. في هذه الآية دليل على عظم ذلك اليوم لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾. وفيها دليل أيضًا على النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، ولهذا قال: كيف تكون حالهم في ذلك اليوم؟ والجواب: أن حالهم أخيب الحال، أخيب حال هي حالهم والعياذ بالله؛ لأنهم ليس عندهم شيء؛ خسروا دينهم ودنياهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. * ومن فوائدها: أن من كفر باليوم الآخر أو شك فيه فهو كافر؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فالله أخبر بأن هذا اليوم لا ريب فيه، أمر واقع، ولا بد لا بد أن تجتمع مع أمك وأبيك وأختك وأخيك في ذلك اليوم، لكن تجتمع بهم وأنت تفرّ منهم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧] حتى يستقر الناس في منازلهم، فإذا استقر الناس في منازلهم واجتمع بهم في الجنة فهذه غاية المنى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] الصغار اللي ماتوا وهم لم يكن لهم ذرية يلحقون بآبائهم ليجتمعوا إليهم، لكن هل يُلحق الأعلى يُنزّل الأدنى وإلا بالعكس؟ بالعكس؛ يعني يُرفع الأدنى إلى الأعلى، أما من كان له ذرية من الأولاد فهو مستقل بنفسه في منزلته؛ لأن هذا له ذرية. على كل حال في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ دليل على أن من شك في هذا اليوم أو أنكره فهو كافر لتكذيبه لله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ وإنما قلت: التوفية الكاملة؛ لأن الإنسان قد يوفَّى شيئًا من عمله في الدنيا، أليس كذلك؟ بلى قد يُوفّى في الدنيا لكن يوفّى في الآخرة أيضًا، توفّى النفوس ما عملت، قد يوفى في الدنيا وماذا يوفّى؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣] مخرجًا من كل ضيق وسعة في الرزق، ويرزقه من حيث لا يحتسب، هذا في الدنيا، وهذا جزاء، هناك جزاء آخر يعني أعظم وأنفع، وهو الهدى، الهدى قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧] الهدى والعمل الصالح هذا أفضل من المال، أفضل من المال؛ لأن الهدى إذا زاد الله الإنسان هدى انشرح صدره واستنار قلبه واطمأن، ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء، وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه وسرور نفسه، ولهذا قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه النسائي في السنن (٣٩٣٩) من حديث أنس. ]] والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عينه؛ لأنه يشعر في كل عمل صالح يشعر بأمرين عظيمين؛ الأمر الأول: أنه يتعبد لله بالعمل الصالح فيزداد ذلًّا لربه ومحبة له وإنابة إليه، والأمر الثاني: أنه بذلك متبع لرسول الله ﷺ، فهو يشعر حين فعل العبادة أن إمامه محمد ﷺ فيزداد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا لقوله، بل وتعظيمًا لهديه وسنته، وهذا أعظم كسب، أعظم كسب أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿وُفِّيَتْ﴾ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فاعلها معروف، من الموفِّي؟ الله، والذي لا يظلم الله، ولكن انتفاء الظلم عن الله سبحانه وتعالى هل هو من الصفات الثبوتية أو من الصفات المنفية التي يسمونها بالسلبية؟ الثاني إلا أننا نقول: لا يظلم يعني ليس في جزائه أدنى ظلم، فيكون نفي الظلم لكمال العدل؛ لأن الظلم قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا؛ يعني قد يكون كاملًا بحيث لا يعطى شيئًا من جزاء عمله، وقد يكون ظلمًا ناقصًا يُعطى بعض الشيء، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم صار ذلك مستلزمًا لكمال العدل، وكذلك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] اللغوب يعني التعب والإعياء، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه لغوب؛ أي تعب وإعياء، لماذا؟ لكمال قوته وقدرته عز وجل، فالإنسان يعمل العمل لكن يتعب، أما الرب عز وجل فإنه لكمال قدرته وقوته خلق السماوات والأرض وما بينهما في أيام يسيرة ستة أيام، وما مسه من لغوب، إذن نأخذ من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات؛ وهي: أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضدّ، فضد الظلم العدل، إذا انتفى الظلم فهو لكمال العدل، ضد القدرة والقوة: التعب، فإذا انتفى التعب؟ ثبت كمال القدرة والقوة وعلى هذا فقِس. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣] كيف يعني يفصل بينكم؟ * الشيخ: يوم القيامة يفصل بينكم؛ يعني يحكم بينكم، ثم يكون الفصل؛ فالناس يجتمعون أولًا في المحشر جميعًا، ثم ينفصلون فريق في الجنة وفريق في السعير. * الطالب: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قلنا: الآن إن أولادكم ثبت بالأحاديث أن الولد ينفع أباه؛ حافظ القرآن إذا..؟ * الشيخ: هذا يخاطب الكفار، يخاطب المؤمنين يعني معناه لا تحابوا الكفار لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك لا ينفع. * طالب: شيخ، ويش معنى قولهم (...). * الشيخ: يقول بعض العلماء: إنهم بنوا قولهم هذا على أنهم عبدوا العجل أربعين ليلة، وقالوا: إن الله يعذّبنا بقدر معصيتنا؛ بقدر عبادة العجل فقط؛ أربعين يوم ثم أنتم تخلقونه. * الطالب: أقول: إذن ما بنوا على شيء أصلًا، يعني أمانة؟ * الشيخ: أبدًا، كذب. * طالب: صار خاص باليهود. * الشيخ: إي نعم، هم اللي يقولون هكذا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. * طالب: شيخ، قلنا: يا شيخ إن صاحب البدعة إذا عمل عملا مبتدعًا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قلنا: إذا عمل الإنسان عملًا بدعيًّا يعني حبط عمله بهذا العمل. * الشيخ: لا يُقبل منه. * الطالب: لكن يا شيخ إذا صار جاهلًا، يعني ما يؤجر على النية؛ نيته في هذا العمل؟ * الشيخ: إيه، لكن ما يقبل منه على أنه عمل؛ يعني يثاب على نيته التقرب إلى الله، أما هذا العمل لا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]]، «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ لمسلم.]] لكن يُثاب على نيته الخير فقط، ومع ذلك إذا أقيمت عليه البينة بأنه مبتدع لا يثاب ولا على نيته. * طالب: شيخ، الحكم يا شيخ في الرد على إن الذين يقتلون النبيين إلى آخره، أنهم يقتلوهم، وألقوا بهم في السجون، الذين يقتلون الناس ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]. * الشيخ: مقاتلون. * الطالب: نعم، فما حكمهم يا شيخ؟ * الشيخ: حكمهم دون هذا. * الطالب: نعم؟ * الشيخ: أقول دون ذلك. * الطالب: طيب هل هم يُقاتلون يا شيخ؟ * الشيخ: من اللي يقاتل؟ * الطالب: الذين يقتلون؟ * الشيخ: لا، لا، ما يقاتلون، لا. * الطالب: طيب مش دول كفار يا شيخ؟ * الشيخ: لا ما هم كفار. * الطالب: مش ﴿يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾؟ * الشيخ: إيه، هذه من صفات الكفار، لكن قد يفعل هذا من ليس بكافر. * الطالب: إي نعم، أن الله عز وجل أمر النبي ﷺ أن يبشرهم، مش هذا فيه إعلام من الله عز وجل أن النبي ﷺ يعلمهم؟ * الشيخ: لكن اقرأ اللي قبلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٢١] أولًا: ما هو الكفر، كفر، ومن جملة أعمالهم القتل، فالذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس أخذوا من أعمال هؤلاء الكفار القتل، لكن لا يلزم من هذا أن يكونوا كفارًا؛ لأن قتل النفس لا يستلزم الكفر كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ١٧٨]. * طالب: يا شيخ، هذا الأخ في الإسلام يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: هذا أخ في الإسلام، وهذا يقتل الذي يأمر بالقسط هذا ما هو عدو له؟ * الشيخ: نعم نعم، على كل حال هو لا يكفر اللهم إلا أن يكون فعله هذا كراهة للحق، فهذا شيء ثاني. * طالب: ويعلنوا يا شيخ؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعلنوا بالمعاصي؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجهروا بالمعاصي؟ * الشيخ: ويش معنى يجهر؟ * الطالب: يعني الفعل الذي يفعلونه على الذين يفعل فيهم الجهر لهم، وإعلانهم بالمعاصي على قول الله عز وجل للنبي ﷺ ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] فالتبشرة هنا إعلان منه؟ * الشيخ: نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الله أمر نبيه أن يبشر هؤلاء بعذاب أليم يحتمل أن هذا حكم لهم، ويحتمل أن الله أمره بأن يقول ذلك، وذكرنا أن هذا ينظر فيه للمصلحة. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: الغالب أن الذين يقتلون الذي يأمرون بالقسط من الناس أن هؤلاء لا يقتلونهم لأشخاصهم فقط، وإنما لهذا المنهج الذي يسيرون عليه؟ * الشيخ: نعم، صحيح، لكن ما نقدر نكفرهم إلا إذا علمنا؛ لأنهم قد يقتلونهم لسبب آخر، هل كل من يأمر بالقسط من الناس نيته صالحة؟ فيه الآن أناس يأمرون بالقسط من الناس ليصلوا إلى الحكم، وإذا وصلوا إلى الحكم صاروا أخبث من الذين قالوا فيهم، ولهذا المسائل هذه دقيقة ما هي هيّنة. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإقامة الحجة، هل يكفي إبهامها؟ بس هل يكفي إنك تعلمها فقط للشخص وتقوم عليه الحجة أو أنك لازم تفهمه، لازم يفهمها ويستوعبها؟ * الشيخ: أرأيت لو جيء إليك برجل من العجم وقلت: يا هذا الكافر، اتقِ الله وأسلِم، ويش يفهم؟ هل بلّغت الحجة؟ وأيضًا نحن نسميها حجة، ولا حُجّة إلا بعد معرفتها.

آل عمران 3:26

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [آل عمران ٢٦، ٢٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى آخره. الخطاب لا يخفى أنه لرسول الله ﷺ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب إذا دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم تولَّوا يريدون أن تكون السيادة لهم لا لغيرهم؛ فأُمِر النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعوَ الله تعالى بهذا الدعاء المتضمن لهذه الصفات العظيمة التي مقتضاها قدرة الله سبحانه وتعالى على أن ينقُل الرسالة التي يتبعها الملك من بني إسرائيل إلى العرب بمحمد ﷺ، فهذا وجه ارتباط هاتين الآيتين بما قبلهما، أي: أن هؤلاء الذين تولَّوا وأعرضوا إذا دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم لا شك أنهم يريدون أن تبقى السيادة لهم وأن يمنعوها غيرهم فأمر الله نبيه أن يبتهل إلى الله بهذا الدعاء المتضمن قدرة الله على نقل النبوة التي يتبعها الملك من بني إسرائيل إلى العرب فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. وقد سبق الكلام على هذه الجملة ﴿اللَّهُمَّ﴾، وبينَّا أنها منادى حذفت منه ياء النداء وعوض عنها الميم؛ ولهذا لا يُجْمَع بينهما، ولا يجمع بينهما إلا في حال الشذوذ كما قال بن مالك: ......................... ∗∗∗ وَشَــــذَّ يَا اللَّهُــــمَّ فِيقَرِيــــــــضِ أي: في النظم. وقوله: ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: يا الله. وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ مالك اسم فاعل، و﴿الْمُلْكِ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى المملوك أي: مالك المملوكات كلها، ويحتمل أن يكون المراد به التدبير، أي: مالك تدبير الخلائق كلها، والأمران ثابتان لله عز وجل؛ فهو مالك المملوكات كلها بأعيانها، وهو مالك التصرف فيها لا يشركه في ذلك أحد، هو الذي يدبر الأمر ويملك المأمور. وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ قيل: إنه بدل من الله ولكنه نُصِب؛ لأنه مضاف، والبدل يكون على نية إعادة العامل، وأنت لو سلطت ياء التي هي العامل في ﴿اللَّهُمَّ﴾ لو سلطتها على ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ لوجب النصب؛ لأن المنادى إذا أضيف يجب فيه النصب، وسواء قلت: إنها بدل أو إنها منادى حُذِف منه حرف النداء فإن المعنى لا يختلف. قال: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ثم فسر فقال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ والأصح أن ﴿تُؤْتِي﴾ هذه جملة استئنافية لبيان كيف يكون ملك الله عز وجل لهذا المملوك، فقال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وقال: ﴿تُؤْتِي﴾ أي: تُعْطِي، ولم يقل: تُمَلِّك؛ لأن ما يكون للعبد من الملك إنما هو من إعطاء الله تعالى إياه وتسليطه عليه؛ ولهذا لا يتصرف المالك من المخلوقين بما ملك إلا على حسب أيش؟ إلا على حسب الشريعة التي شرعها الله عز وجل؛ لأن الإتيان من الله، فالتصرف في هذا المؤتى إلى الله عز وجل لا إلى الإنسان؛ فالإنسان لا يملك أن يتصرف تصرُّفًا مطلقًا فيما ملكه الله. وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الفعل تُؤْتي من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر ومفعولها الأول الملك، ومفعولها الثاني ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴿مَنْ﴾. وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ نحن نعلم أن من سنة الله عز وجل أن كل شيء له سبب إما شرعي وإما كوني؛ لأن هذا مقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى، وإذا كان كذلك فإن إتيان الله الملك لمن يشاء مُقيَّد بسبب، فلا بد أن يكون له سبب؛ فالملك قد يكون مستقلًا عن الرسالة، وقد يكون تابعًا للرسالة؛ فإذا كان مبنيًّا على الشريعة صار تابعًا للرسالة، وإذا كان غير مبنيٍّ على الشريعة كان مستقلًا، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة ٢٥٨]، وهذا الملك تابع للرسالة ولَّا لا؟ لا، هذا مستقل ما هو تابع للرسالة؛ لأنه كافر هذا الذي يُحاج إبراهيم في ربه؛ وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأَنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زَوَى لِي مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩ / ١٩) من حديث ثوبان.]] فالمراد بالملك هنا ملك النبوة يعني الملك التابع للنبوة. فهنا يقول: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يشمل الملك المستقل الذي قد يكون مبنيًّا على الكفر والملك التابع للرسالة وهو المبني على الشريعة. قال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، ثم إن: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ككثير من الآيات الكريمة المقيدة للحكم بالمشيئة أو المعلِّقة للحكم بالمشيئة تُقيَّد كلها بما تقتضيه الحكمة. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ قوله: ﴿تَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾ يحتمل وجهين؛ الوجه الأول: نزع بعد ثبوت، والوجه الثاني: نزع بمعنى المنع، فعلى الأول يكون فيه إشارة إلى أن الله تعالى يُملِّك من شاء من خلقه ثم ينزع عنه الملك، وكم من ملِك ملَك ثم زال ملكه إما بالغلبة له أو بموته أو بغير ذلك، ويحتمل أن تكون بمعنى المنع أي: تُملِّك من شئت ولا تملك من شئت، وكلا المعنيين صحيح؛ فالله تعالى قد يمنع الإنسان الملك، وقد ينزع الملك منه بعد ثبوته له وكلاهما صحيح. إذن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء فهذا يملِّكه وهذا لا يملكه، وهذا يملكه ثم ينزع الملك منه وهذا يملكه ويستمر الملك له حتى يتوفاه الله. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ ولكن يكون هذا بحكمة أيضًا؛ فقد يكون هذا الملك الذي نُزِع منه الملك غير صالح للملك لكونه من أصحاب الفساد في الأرض فيُسَلَّط عليه من ينزع الملك منه، وقد يكون هذا الملك ضعيفًا هو لا يريد الفساد لكنه ضعيف لا يُقيم الإصلاح فيسلط عليه من ينزع الملك منه، وهذا كثير في التاريخ لو تدبرتموه، والله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا إلا لحكمة. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء﴾ والإعزاز هنا يعني التقوية، أي: تجعله عزيزًا قويًّا غالبًا على غيره، وكذلك ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء﴾، وهل هذا ملازم للملك أي: تعز من تشاء من الملوك وتذل من تشاء أو هو عام؟ هو عام، قد يعز الله الإنسان بدينه وعلمه وإيمانه وإن لم يكن ملكًا، وقد يعزه بملكه، وكذلك في الذل قد يذله بالمعصية وبالغلبة، بالمعصية هذا في مقابل العز بالإيمان، وبالغلبة في مقابل العز بالملك، المهم أن الإعزاز والإذلال لا يستلزمان الملك ولا يستلزمهما الملك، فمن الذي يعزه الله؟ يعز الله تعالى من ذكره بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] فالعزة لله لكن لا دخل لها في الآية هنا، لكن الذي يعزه الله هم الرسل وأتباعهم كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١] فمن أسباب العزة الإيمان سواء كان الإنسان ملكًا أم غير ملك، ومن أسباب العزة الاستعداد والحذر والحزم والقوة والنشاط، كل هذه من أسباب العزة لكن هذه أسباب مادية حسية والإيمان سبب معنوي، على أن الإيمان قد يكون من ثمرته ونتيجته أن يكون الإنسان قويًّا حازمًا ينظر إلى الأمور بمنظار الحكمة فتحصُل له بذلك العزة. قال: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء﴾ يذل الله من يشاء ممن آتاه الله الملك وممن لم يؤته حتى الملك، ربما يكون ملكًا ولكنه ذليل ضعيف خائف، كل شيء يَخاف منه ولا يكون عنده حزم وقوة ونشاط، وقد يذل الله سبحانه وتعالى الإنسان حتى في ملكه وقد يذل الله من لم يكن ملكًا. ومن أسباب الذل أن يعجب الإنسان بنفسه وأن يتعرض لما لا يمكنه دفعه، فهذان شيئان: إعجابه بالنفس قد يخذله ويذله، كذلك تعرضه لما لا يمكنه دفعه قد يكون سببًا لذله أيضًا وخذلانه، وكلا الأمرين يقع فيهما كثير من الناس، فكثير من الناس يتكلم أو يفعل غير ملتفت إلى الاستعانة بالله عز وجل فيُخذل، وكثير من الناس يتعرض للأمور التي لا يمكنه دفعها، تكون أمورًا كبيرة فوق مستواه ثم يُخذل ويذل، ولهذا جاء في الأثر: «لَا يَنْبَغِي لَأَحَدِكُمْ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ». فَقَالُوا كَيْفَ يُذِلَّ نَفْسَهُ؟ قال: «يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَهُ»[[أخرجه الترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦) من حديث حذيفة بن اليمان.]] أو كَلمة هذا معناها، فالإنسان ينبغي له أن لا يُعرِّض نفسه للذل بسبب معقول أو معنوي أو بغير ذلك؛ فالأول: أن يكون معجبًا بنفسه يقول القول أو يفعل الفعل غير ملتفت لماذا؟ للاستعانة بالله، والثاني: يتعرض نفسه لأمور لا يمكنه دفعها أمور أكبر من مستواه، ولنفرض واحد بيتكلم بالفقه وهو لا يعرف الفقه فيُخذل ويذل، يتكلم في النحو وهو لا يعرف النحو، يتكلم في الأصول وهو لا يعرف الأصول فيظهر ذُلُّه أمام الناس؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتحرى في قوله حتى لا يقع في شبكة الذل. ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ الخير بيد الله عز وجل، والخير كل ما فيه مصلحة ومنفعة للعبد فهو خير سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة، فالرزق والصحة والعلم هذه خير، والعمل الصالح أيضًا خير، فكل ما ينتفع به الإنسان في دينه ودنياه فهو خير، وهذا كله بيد الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]. وهنا ذكر أن الخير بيده، ولم يذكر الشر مع أن الخير من الله والشر من الله، فقال بعض المفسرين: إن هذا من باب حذف المقابل المعلوم كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] وزعموا أن تقدير الآية: بيده الخير والشر، ولكن هذا وهم باطل، وليس المقام مقام حذف وقصر أو اقتصاد، المقام مقام ثناء والثناء ينبغي فيه البسط والتوسع في الكلام، فالحذف غير مناسب لفظًا وهو باطل معنى؛ لأن الله لا يضاف إليه الشر، ولا يجوز أن نقول: بيده الشر؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي. ]] فلا يُنْسب إلى الله الشرُّ قَوْلًا ولا فِعْلًا، فالله يقول الحق وهو يهدي السبيل ويفعل الخير ولا يفعل الشر، وإذا وُجد شرٌّ في المفعولات فهو شر من وجه خير من وجه آخر، لكن إيجاد الله لهذه الأشياء الشريرة ليس شرًّا بل هو خير، خير محض، ففعل الله ليس فيه شرٌّ إطلاقًا، والشر إنما هو في المفعولات، لا في الأفعال، أما الخير فهو في المفعولات والأفعال؛ ولهذا ينسب إلى الله؛ لا يقال: بيده الخير لكن الشر ليس إلى الله. ولنضرب لهذا مثلًا بالسباع والهوام؛ فالسباع فيها شرٌّ والهوام اللاسعة واللادغة فيها شر بلا شك، الشياطين كلها شر، لكنَّ إيجاد الله لهذه الأشياء خير، خير ولا بد منه، الحكمة توجبه، لأنه لا يمكن أن تعرف تمام قدرة الله إلا بخلق الأشياء المتضادة، ثم في خلق هذه الأشياء من إصلاح العبد ولجوئه إلى ربه واستعاذته به من هذه الأمور الشريرة خير كثير، ثم إن الخير لا يُعرَف إلا بضده، لا يمكن يُعْرَف الخير إلا إذا عرف ضده حتى يُعرف قدر الخير. ثم إن الخليقة لا بد لها من امتحان، لا بد لها من امتحان، فلو كانت في خير دائمًا لزال هذا الامتحان؛ لأنها دائمًا في خير، فإذا وُجِد شر فحينئذ يتبين الامتحان، لو كان الإنسان دائمًا في صحة ودائمًا في غنى ودائمًا في عقل ودائمًا في سعة ما حصل في هذا امتحان، ولا عَرَفَ قدر النعمة ولا شكر الله عليها، لكن إذا أصيب بمرض عَرَف قدر الصحة، بفقر عرف قدر الغنى، بخوف عرف قدر الأمن، وهكذا. فوجود هذه الأشياء فيه فوائد عظيمة فيكون إيجادها خيرًا وليس بشرٍّ، لكن هي نفسها فيها شر، كذلك وجود الأشياء المدمرة كالزلازل والعواصف والفيضانات وما أشبهها هي شر في نفسها، لكن فيها خير عظيم فيكون إيجادها خيرًا وليس بشر، إذن فيجب أن نُبْقِيَ الآية على ظاهرها بدون تقدير، وهو قوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ولا شر يُنسب إلى الله، أما المفعولات فلا شك أن فيها خيرًا وشرًّا. ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إنك على كل شيء قدير، ومن قدرتك تغيير هذه الأشياء العظيمة: إيتاء الملك، نزعه، الإعزاز، والإذلال كل هذه أمور عظيمة لا يقوم بها إلا قادر عليها سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآية عامة؛ فهو قدير على كل شيء على ما شاءه وما لم يشأه، قدير على ما شاءه وعلى ما لا يشاؤه، فما لا يشاؤه قدير على إيجاده، وما شاءه قدير على إيجاده إذا كان مقيدًا بوقت وعلى إعدامه إن كان موجودًا، المهم أن الله قدير على كل شيء، على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود سواء أراده أم لم يرده، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، الذين يقولون: إنه على ما يشاء قدير، هذا خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاؤه، ولكن ما شاءه لا يمكن أن يعجز عنه، وبهذا التقدير الأخير أن ما شاءه لا يمكن أن يعجز عنه يتبين الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]؛ وذلك أن المشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجز عنه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [آل عمران ٢٧ - ٢٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * في هذه الآية من الفوائد أولًا: تعليم الله عز وجل نبيه محمدًا ﷺ أن يفوض الأمر إليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، والخطاب الموجه للرسول ﷺ مُوجَّه لأمته؛ إما عن طريق التأسي، وإما لأنه الإمام، والخطاب للإمام خطاب له ولمن اتبعه إلا إذا دل الدليل على أنه خاص به فيكون خاصًّا به. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان تمام ملك الله سبحانه وتعالى وسلطانه، لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، كل ملك فالله مالكه، وسبق لنا أن المراد بالملك إما المملوك أو جنس المُلك. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يُؤتي الملك من يشاء، لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾. ومن فوائدها أيضا: أن ملك المخلوقين ليس ملكًا استقلاليًا بل هو بإعطاء؛ لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ والملك الذي بإعطاء لا شك أنه ناقص عن ملك المعطى، وقد جاء في الحديث الصحيح: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤ / ٩٥) من حديث حكيم بن حزام. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ وكل أمر قرنه الله بالمشيئة فإنه مبني على الحكمة متى اقتضته شاءه الله، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه أيضًا في كونه يحرِم الملك من يشاء وينزعه بعد ثبوته ممن يشاء؛ لقوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أيضًا تمام ملك الله وسلطانه بكون العزة من عنده، يعز من يشاء، ولكن سبق لنا في التفسير أن للعزة أسبابًا منها الإيمان، لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى تام الملك والسلطان لكونه يذل من يشاء، ولو بلغ ما بلغ من العزة البشرية، فإن يد الله فوقه مهما بلغ الإنسان من العز فالله قادر على إذلاله، ولذلك أمثلة كثيرة، منها: قصة فرعون فإن فرعون طغى وبغى، وقال: أنا ربكم الأعلى. وافتخر بما عنده من الأنهار؛ فأهلكه الله بمثل ما افتخر به بالماء، غرق، عاد استكبروا في الأرض، وقالوا: من أشد منا قوة؟ فأهلكهم الله تعالى بالريح وهي من ألطف الأشياء، لكنها من أشد الأشياء مع لطافتها، فالله عز وجل يذل من يشاء. ويتفرع على هذه الفائدة: أننا متى علمنا أن الإعزاز والإذلال بيد الله فإننا لا نطلب العزة إلا به عز وجل؛ ولهذا نقول: من ابتغى العزة من غير الله فهو ذليل، فالعزة لا تُطْلَب إلا من الله. وكذلك أيضًا يتفرع على هذا: أنه ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله دائمًا من الذل الحسِّي والمعنوي، لأن الله تعالى هو الذي بيده الإذلال، من شاء أذله ومن شاء أعزه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى بيده الخير. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان الخير بيده، فلا يطلب الخير إلا منه؛ لأنه لا أحد بيده الخير إلا الله سبحانه وتعالى؛ فهو الذي يطلب منه الخير. * ومن فوائدها: أن الشر لا يضاف إلى الله وإن كان عز وجل هو الذي خلق كل شيء، لكن الشر لا يضاف إلى الله، لماذا؟ لأن أفعاله كلها خير، والشر في المفعولات، ثم هذا الشر في المفعولات قد يكون خيرًا حتى في المفعولات نفسها، قد يكون خيرًا، فكم من مرض صار سببًا لصحة الجسم، وكم من آفات في الزروع وغيرها صارت أسبابًا للنمو الاقتصادي من جهة أخرى مثلًا، فالمهم أن الشر لا يضاف إلى الله؛ لأن فعله كله خير سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذا يشمل ما كان من أفعاله وما كان من أفعال الخلق، فيكون في ذلك ردٌ على القدرية الذين يقولون: إن الله لا يخلق أعمال العباد ولا يريدها، وأن الإنسان مستقل بإرادته وعمله، فنقول: هل هذا بقدرة الله أو لا؟ إن قالوا: بغير قدرة الله، فقد كذَّبوا عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾، وإن قالوا: بقدرة الله، قلنا: يلزم أن يكون أيش؟ مرادًا ومخلوقًا لله؛ لأنه ما دام الأمر بقدرته، فلا بد أن يكون مخلوقًا له ومرادًا له. * ومن فوائدها: الرد على كلمة وقعت من بعض المفسرين ومنهم الجلال السيوطي في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠] حيث قال: خص العقل ذاتَه فليس عليها بقادر، فإن هذه كلمة باطلة، هو أراد معنى -والله أعلم- لكن التعبير بهذا خطأ، نقول: إن الله تعالى قادر على كل شيء يتعلق بفعله أو بفعل عباده، كل شيء يفعله الله فهو بقدرته سبحانه وتعالى، كل شيء يفعله العباد فهو أيضًا بقدرته، وهذا الاستثناء أو هذا التخصيص غير صحيح، بل العقل يشهد لله تعالى بالكمال أو بعموم القدرة وأنه على كل شيء قدير. * ومن فوائد الآية الكريمة: الاستغناء بالثناء عن الدعاء؛ لأنك إذا تأملت الآية هذه لن تجد فيها دعاء، أي طلبًا، لكن الثناء مما يتوسل به إلى الله، وقد مر علينا أن الدعاء تارة يكون بذكر حال الداعي، وتارة يكون بالثناء على الله، وتارة يكون بهما، وتارة يكون بالطلب وحده، وكل ذلك جاءت به السنة، هنا الثناء يتضمن ما تدل عليه هذه الجمل، فإذا قلت: أنت الذي تُعِز وأنت الذي تُذِل، فمعنى هذا أو فمقتضى هذا: أنك تسأل الله أن يعزك ولا يذلك؛ ولهذا قال الشاعر: إِذَا أَثْنَــــى عَلَيْــــكَ الْمَــــرْءُيَوْمًــــــــــــا ∗∗∗ كَفَــــاهُ مِــــنْ تَعَرُّضِــــهِالثَّنَــــــــــــــــــــاءُ أي: ثناؤه عليك يكفي عن تعرضه وسؤاله. ثم قال الله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ قال: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ أي: تدخل الليل في النهار، وتدخل النهار في الليل، بمعنى أن الليل يدخل على النهار، فيزيد الليل وينقص النهار، ﴿تُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ بالعكس يدخل النهار على الليل، فيطول النهار ويقصر الليل، وهذا الفعل من الأفعال التي لا يقدر عليها إلا الله وحده، هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. ومع هذا فإن هذا الإيلاج إيلاج بحكمة، بتدرج، بتدرج يأتي قليلًا قليلًا حتى ينتهي ثم يعود، ما ظنكم لو أن الليل قفز من أقصر الليل إلى أطوله؟ لاختل نظام العالم وفسد العالم، وفسدت مواقيته، ولكن الله عز وجل يجعله بالتدريج ليعرف الناس أوقاتهم، وينبني أيضًا على هذا الإيلاج ينبني على ذلك تغير الفصول، فإنه إذا طال النهار طال زمن وجود الشمس على سطح الأرض احتر الجو، وأيضًا يكون شعاع الشمس عموديًّا، فيكون أشد تأثيرًا في الحرارة مما إذا كان غير عمودي، والعكس بالعكس بالنسبة للشتاء، فيترتب على هذا الإيلاج زمن الفصول. ومن رحمة الله عز وجل أن هذا الزمن الفصلي لا يأتي أيضًا دفعة واحدة، ما ظنك لو انتقل الناس من أحر يوم في السنة إلى أبرد يوم؟ ضرر عظيم، أو بالعكس؟ لكن الرب الرحيم عز وجل الحكيم يأتي بهذا الشيء بتدرج، فمن الذي يستطيع أن يزيد في الليل ساعة أو في النهار ساعة؟ لا أحد يستطيع، لو اجتمعت الأمة كلها -كل الخلائق- على أن يزيدوا ساعة في الليل أو ساعة في النهار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ﴿الْمَيِّت﴾ في الموضعين فيها قراءتان: ﴿الْمَيْت﴾ و﴿الْمَيِّت﴾ يعني بالتشديد والتخفيف. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ هل المراد (الْحَيّ) حياة حسية أو معنوية أو هما؟ الثالث هو المراد؛ وذلك لأن اللفظ صالح للمعنيين، وإذا صلح اللفظ للمعنيين بدون تنافٍ بينهما، فالواجب حمله عليهما. (الْحَيّ) حياة حسية أمثلته كثيرة، فالإنسان مخلوق من نطفة وهي ميتة، ميتة بالمعنى اللغوي، فصار حيًّا من جماد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة ٢٨] كنتم في أصلاب أمهاتكم أمواتًا ليس فيكم أرواح، ثم نفخ في الإنسان الروح فصار حيًّا. إذن يخرج الحي من الميت، أي يجعل الميت حيًّا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤] أو يخرج حيًّا ناميًا متحركًا من شيء لا ينمو، فهو ميت، كإخراج الفرخ من البيضة، فإن البيضة ميتة يخرج منها فرخ حي، هذا الموت الحسي والحياة الحسية. المعنوي: يخرج الحي من الميت، أي: المؤمن من الكافر؛ لأن المؤمن حي حياة قلبية، والكافر ميت، يخرج الحي العالِم، ﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾ من الجاهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، الأول هو العالِم، والثاني الجاهل، هذا الحياة المعنوية والحسية. قال: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الميت من الحي بالنسبة للحياة الحسية، مثل البيضة من أين؟ من الدجاجة، ميت من حي، وغير؟ * طالب: المني من الرجل. * الشيخ: لا. * طالب: إذا سقط.. * الشيخ: الميت من الحي، نعم، وربما يتناول الميت إذا سقط من حي، يعني المرأة إذا أجهضت جنينًا ميتًا خرج، مع أن هذا الجنين لا يتحرك، لكن يخرج بقدرة الله، يسوقه الله عز وجل حتى يخرج. * طالب: الحَب من الشجر. * الشيخ: الحَب؟ إيه، الحب من الشجر، الحب لا ينمو والشجر ينمو، وهذه حياة خاصة، حياة نباتية. المعنوي: يخرج الكافر من المؤمن، ويخرج الجاهل من العالم، كذا؟ قال: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ﴿تَرْزُقُ﴾ تعطي، ﴿مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير عوض؛ لأن المحاسبة إنما تكون مع المعاوضة، فإن من لا يريد العوض لا يحاسبه، لكن من يريد العوض هو الذي يحاسب حتى يعلم هل ما أخذه مقابل لما أعطاه أو لا، وأما من لا يحتاج إلى عوض أو من لا يأخذ عوضًا فلا يحاسب. إذن ﴿تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ﴾ بغير عوض، لكن نفى الحساب الذي مقتضاه الذي لا يكون إلا من معاوضة أو من لازمه المعاوضة، فالله سبحانه وتعالى يعطي بلا عوض، وما أكثر النعم التي أنعم بها علينا ولكن لا يحاسبنا، يعطينا منه سبحانه وتعالى تفضلًا وكرمًا، وإن أمرنا بالشكر فشكرناه، فهذا عطاء ثانٍ، فشكر الإنسان ربه على نعمته هو من نعمته أيضًا، هو من نعمته، ولهذا يقول الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ أعيد البيتين يقول: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ والمرة الثالثة: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ سمِّعْناها. * طالب: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * الشيخ: البيتان معناهما واضح، يعني: أن الله إذا وفقك لشكر نعمته، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر، فإذا شكرتها يحتاج الشكر إلى شكر آخر، وإذا شكرت الثالث احتاج إلى رابع، وهكذا؛ ولهذا قال: فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ إذن يقول: ﴿تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: تعطي من تشاء بغير حساب، واعلم أن رزق الله عز وجل نوعان: رزق به قوام البدن، ورزق به قوام القلب والروح، أما الأول فيشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والفاسق، وحتى البهائم، ما هو؟ الرزق الذي به قوام البدن، هذا شامل لكل أحد حتى الكافر مرزوق، وهل يدخل فيه الحرام؟ نعم، يدخل فيه الحرام، حتى الذي لا يأكل ولا يشرب إلا حرامًا فهو برزق من الله، رزق، لكنه رزق يقوم به البدن. والثاني: ما يقوم به القلب والروح، وهذا خاص بأهل الإيمان والعلم، هؤلاء رزقهم الله عز وجل ما تقوم به قلوبهم وأرواحهم علم؛ لأن العلم بمنزلة الماء للشجرة، العلم للقلب بمنزلة الماء للشجرة، لا يمكن أن تنمو بدونه، الإيمان كذلك، لا يمكن أن يقوم القلب ويصلح القلب إلا بالإيمان، وكلما ازداد القلب إيمانًا بالله ازداد صلاحًا. إذن الرزق نوعان: عام وخاص، فالعام ما به قوام البدن، والخاص ما به قوام القلب والروح، إذن كل من رزقه الله ما به قوام القلب والروح، فقد رزقه ما به قوام البدن، وليس كل من رزق ما به قوام البدن يكون قد رزق ما به قوام القلب والروح. قال: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وكلمة: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ نقول فيها ما سبق، أي: ما اقتضت حكمتك أن ترزقه. وأسباب الرزق كثيرة؛ إما حركة من الإنسان، وإما إمداد من الله، والحركة أيضًا لا تنفع إلا بإمداد من الله، لكن أحيانًا يرزق الإنسان بدون كسب، بدون عمل، مثل أن يموت له قريب فيرث منه، أو يخرج إلى البر ويحتطب، وإن كان هذا نوع من العمل، وأحيانًا يكون لا بد من ممارسة عمل وتجارة، وكل هذا من أسباب الرزق. بل من أسباب الرزق تقوى الله، وليس معنى التقوى أن تعكف في المسجد وتتعبد، التقوى أعم من ذلك، الساعي على الأرملة والمساكين اللي يذهب ويطلب لهم الرزق ويقوم عليهم يقول الرسول ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمَسَاكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٥٣)، ومسلم (٢٩٨٢ / ٤١)، من حديث أبي هريرة.]]، إذن هذا دين ولَّا غير دين؟ السعي على الأرملة والمساكين، يذهب في أرض الله يطلب الرزق لهؤلاء الأرامل والمساكين، وكل من لا يكتسب فهو مسكين، حتى ولو كان من أولادك، حتى ولو أنت غني وهذا الولد لا يكتسب فهو مسكين، فأنت إذا سعيت عليه كالمجاهد في سبيل الله، قال: وأحسبه قال: «كَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ، وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٥٣)، ومسلم (٢٩٨٢ / ٤١)، من حديث أبي هريرة.]]. فليس تقوى الله بأن يلزم الإنسان المساجد، تقوى الله أن يقوم بطاعة الله من أي جنس كانت، حتى طلب الرزق لمن تجب عليك معونته يعتبر من تقوى الله عز وجل. * من فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل وسلطانه في كونه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. * ومن فوائدها: إثبات حكمة الله؛ لأن هذا الإيلاج له حكمة عظيمة لا تقوم مصالح الخلق إلا بها؛ لأنه يترتب على هذا الإيلاج -كما قلنا- اختلاف فصول السنة التي يترتب على اختلافها نمو الأجساد والنبات، من النبات ما يكون شتويًّا، ومن النبات ما يكون صيفيًّا. * ومن فوائد هذا أيضًا: أن الإنسان يعرف به ضعفه وافتقاره إلى ربه، إن جاء البرد صار يتطلب ما يدفئه، وإن جاء الحر صار يتطلب ما يبرده، فهو محتاج إلى ربه في الحالين، واضح؟ وهذه من فوائد اختلاف الحر والبرد. * ومن فوائدها أيضًا، ويتفرع على ذلك: أن هناك أشياء مؤذية -وهي ما يعبر عنه بعلم الطب: الجراثيم- لا يقتلها إلا شدة البرد، وأخرى لا يقتلها إلا شدة الحر، وهذا شيء مشاهد، هذا أيضًا من حكمة الله عز وجل المترتبة على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل. * ومن فوائد ذلك -أي إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل-: أن هذا الإيلاج يدل على كمال القدرة، كما أسلفنا أولًا، إذ إنه لا أحد يستطيع أن يزيد ساعة من الليل في النهار أو بالعكس، ولكن الله تعالى هو الذي يقدر على هذا. * ومن فوائد هذه الآية: تمام قدرة الله وسلطانه بإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، ووجه ذلك ظاهر، فإن القادر على إخراج الشيء من ضده دليل على أن قدرته تامة، وسلطانه نافذ سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرزق بيد الله؛ لقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ﴾، ويترتب على هذا: أنه ينبغي للعاقل فضلًا عن المؤمن أن لا يطلب الرزق من أيدي الناس، وإنما يطلبه من الله عز وجل؛ ولهذا جاءت النصوص بفضيلة العفة أن يستعف الإنسان عما في أيدي الناس، ولا يسأل. «وكان من جملة ما بايع الصحابة رضي الله عنهم عليه رسول الله ﷺ: أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان سوط أحدهم يسقط من على بعيره، وينزل إلى الأرض ليأخذه ولا يقول: ناولني إياه[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]] »؛ لأنهم بايعوا على أن لا يسألوا الناس شيئًا، وهذا لاشك يجعل الإنسان يلجأ إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى، يلجأ إلى الله، (...) يسأل الإنسان ما يباح له سؤاله، إنما تمام العفة أن لا يسأل الناس شيئًا، بل يجعل الأمر موكولًا إلى الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عطاء الله بلا عوض؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فالله سبحانه وتعالى لا يبيع عليك الثمر الذي تأكل، أو الثوب الذي تلبس، أو البيت الذي تسكن، لا، بل هو يرزق ويعطي بغير حساب، كل ما بنا من نعمة فمن الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل، في قوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾، وقد مر علينا في التوحيد أن لله مشيئة وإرادة، وأن المشيئة ليس فيها انقسام، والإرادة تنقسم إلى كونية وشرعية، أما المشيئة فهي كونية، فإن الله تعالى يشاء كل شيء.

آل عمران 3:27

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [آل عمران ٢٦، ٢٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى آخره. الخطاب لا يخفى أنه لرسول الله ﷺ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب إذا دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم تولَّوا يريدون أن تكون السيادة لهم لا لغيرهم؛ فأُمِر النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعوَ الله تعالى بهذا الدعاء المتضمن لهذه الصفات العظيمة التي مقتضاها قدرة الله سبحانه وتعالى على أن ينقُل الرسالة التي يتبعها الملك من بني إسرائيل إلى العرب بمحمد ﷺ، فهذا وجه ارتباط هاتين الآيتين بما قبلهما، أي: أن هؤلاء الذين تولَّوا وأعرضوا إذا دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم لا شك أنهم يريدون أن تبقى السيادة لهم وأن يمنعوها غيرهم فأمر الله نبيه أن يبتهل إلى الله بهذا الدعاء المتضمن قدرة الله على نقل النبوة التي يتبعها الملك من بني إسرائيل إلى العرب فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. وقد سبق الكلام على هذه الجملة ﴿اللَّهُمَّ﴾، وبينَّا أنها منادى حذفت منه ياء النداء وعوض عنها الميم؛ ولهذا لا يُجْمَع بينهما، ولا يجمع بينهما إلا في حال الشذوذ كما قال بن مالك: ......................... ∗∗∗ وَشَــــذَّ يَا اللَّهُــــمَّ فِيقَرِيــــــــضِ أي: في النظم. وقوله: ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: يا الله. وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ مالك اسم فاعل، و﴿الْمُلْكِ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى المملوك أي: مالك المملوكات كلها، ويحتمل أن يكون المراد به التدبير، أي: مالك تدبير الخلائق كلها، والأمران ثابتان لله عز وجل؛ فهو مالك المملوكات كلها بأعيانها، وهو مالك التصرف فيها لا يشركه في ذلك أحد، هو الذي يدبر الأمر ويملك المأمور. وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ قيل: إنه بدل من الله ولكنه نُصِب؛ لأنه مضاف، والبدل يكون على نية إعادة العامل، وأنت لو سلطت ياء التي هي العامل في ﴿اللَّهُمَّ﴾ لو سلطتها على ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ لوجب النصب؛ لأن المنادى إذا أضيف يجب فيه النصب، وسواء قلت: إنها بدل أو إنها منادى حُذِف منه حرف النداء فإن المعنى لا يختلف. قال: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ثم فسر فقال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ والأصح أن ﴿تُؤْتِي﴾ هذه جملة استئنافية لبيان كيف يكون ملك الله عز وجل لهذا المملوك، فقال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وقال: ﴿تُؤْتِي﴾ أي: تُعْطِي، ولم يقل: تُمَلِّك؛ لأن ما يكون للعبد من الملك إنما هو من إعطاء الله تعالى إياه وتسليطه عليه؛ ولهذا لا يتصرف المالك من المخلوقين بما ملك إلا على حسب أيش؟ إلا على حسب الشريعة التي شرعها الله عز وجل؛ لأن الإتيان من الله، فالتصرف في هذا المؤتى إلى الله عز وجل لا إلى الإنسان؛ فالإنسان لا يملك أن يتصرف تصرُّفًا مطلقًا فيما ملكه الله. وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الفعل تُؤْتي من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر ومفعولها الأول الملك، ومفعولها الثاني ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴿مَنْ﴾. وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ نحن نعلم أن من سنة الله عز وجل أن كل شيء له سبب إما شرعي وإما كوني؛ لأن هذا مقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى، وإذا كان كذلك فإن إتيان الله الملك لمن يشاء مُقيَّد بسبب، فلا بد أن يكون له سبب؛ فالملك قد يكون مستقلًا عن الرسالة، وقد يكون تابعًا للرسالة؛ فإذا كان مبنيًّا على الشريعة صار تابعًا للرسالة، وإذا كان غير مبنيٍّ على الشريعة كان مستقلًا، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة ٢٥٨]، وهذا الملك تابع للرسالة ولَّا لا؟ لا، هذا مستقل ما هو تابع للرسالة؛ لأنه كافر هذا الذي يُحاج إبراهيم في ربه؛ وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأَنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زَوَى لِي مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩ / ١٩) من حديث ثوبان.]] فالمراد بالملك هنا ملك النبوة يعني الملك التابع للنبوة. فهنا يقول: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يشمل الملك المستقل الذي قد يكون مبنيًّا على الكفر والملك التابع للرسالة وهو المبني على الشريعة. قال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، ثم إن: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ككثير من الآيات الكريمة المقيدة للحكم بالمشيئة أو المعلِّقة للحكم بالمشيئة تُقيَّد كلها بما تقتضيه الحكمة. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ قوله: ﴿تَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾ يحتمل وجهين؛ الوجه الأول: نزع بعد ثبوت، والوجه الثاني: نزع بمعنى المنع، فعلى الأول يكون فيه إشارة إلى أن الله تعالى يُملِّك من شاء من خلقه ثم ينزع عنه الملك، وكم من ملِك ملَك ثم زال ملكه إما بالغلبة له أو بموته أو بغير ذلك، ويحتمل أن تكون بمعنى المنع أي: تُملِّك من شئت ولا تملك من شئت، وكلا المعنيين صحيح؛ فالله تعالى قد يمنع الإنسان الملك، وقد ينزع الملك منه بعد ثبوته له وكلاهما صحيح. إذن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء فهذا يملِّكه وهذا لا يملكه، وهذا يملكه ثم ينزع الملك منه وهذا يملكه ويستمر الملك له حتى يتوفاه الله. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ ولكن يكون هذا بحكمة أيضًا؛ فقد يكون هذا الملك الذي نُزِع منه الملك غير صالح للملك لكونه من أصحاب الفساد في الأرض فيُسَلَّط عليه من ينزع الملك منه، وقد يكون هذا الملك ضعيفًا هو لا يريد الفساد لكنه ضعيف لا يُقيم الإصلاح فيسلط عليه من ينزع الملك منه، وهذا كثير في التاريخ لو تدبرتموه، والله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا إلا لحكمة. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء﴾ والإعزاز هنا يعني التقوية، أي: تجعله عزيزًا قويًّا غالبًا على غيره، وكذلك ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء﴾، وهل هذا ملازم للملك أي: تعز من تشاء من الملوك وتذل من تشاء أو هو عام؟ هو عام، قد يعز الله الإنسان بدينه وعلمه وإيمانه وإن لم يكن ملكًا، وقد يعزه بملكه، وكذلك في الذل قد يذله بالمعصية وبالغلبة، بالمعصية هذا في مقابل العز بالإيمان، وبالغلبة في مقابل العز بالملك، المهم أن الإعزاز والإذلال لا يستلزمان الملك ولا يستلزمهما الملك، فمن الذي يعزه الله؟ يعز الله تعالى من ذكره بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] فالعزة لله لكن لا دخل لها في الآية هنا، لكن الذي يعزه الله هم الرسل وأتباعهم كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١] فمن أسباب العزة الإيمان سواء كان الإنسان ملكًا أم غير ملك، ومن أسباب العزة الاستعداد والحذر والحزم والقوة والنشاط، كل هذه من أسباب العزة لكن هذه أسباب مادية حسية والإيمان سبب معنوي، على أن الإيمان قد يكون من ثمرته ونتيجته أن يكون الإنسان قويًّا حازمًا ينظر إلى الأمور بمنظار الحكمة فتحصُل له بذلك العزة. قال: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء﴾ يذل الله من يشاء ممن آتاه الله الملك وممن لم يؤته حتى الملك، ربما يكون ملكًا ولكنه ذليل ضعيف خائف، كل شيء يَخاف منه ولا يكون عنده حزم وقوة ونشاط، وقد يذل الله سبحانه وتعالى الإنسان حتى في ملكه وقد يذل الله من لم يكن ملكًا. ومن أسباب الذل أن يعجب الإنسان بنفسه وأن يتعرض لما لا يمكنه دفعه، فهذان شيئان: إعجابه بالنفس قد يخذله ويذله، كذلك تعرضه لما لا يمكنه دفعه قد يكون سببًا لذله أيضًا وخذلانه، وكلا الأمرين يقع فيهما كثير من الناس، فكثير من الناس يتكلم أو يفعل غير ملتفت إلى الاستعانة بالله عز وجل فيُخذل، وكثير من الناس يتعرض للأمور التي لا يمكنه دفعها، تكون أمورًا كبيرة فوق مستواه ثم يُخذل ويذل، ولهذا جاء في الأثر: «لَا يَنْبَغِي لَأَحَدِكُمْ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ». فَقَالُوا كَيْفَ يُذِلَّ نَفْسَهُ؟ قال: «يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَهُ»[[أخرجه الترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦) من حديث حذيفة بن اليمان.]] أو كَلمة هذا معناها، فالإنسان ينبغي له أن لا يُعرِّض نفسه للذل بسبب معقول أو معنوي أو بغير ذلك؛ فالأول: أن يكون معجبًا بنفسه يقول القول أو يفعل الفعل غير ملتفت لماذا؟ للاستعانة بالله، والثاني: يتعرض نفسه لأمور لا يمكنه دفعها أمور أكبر من مستواه، ولنفرض واحد بيتكلم بالفقه وهو لا يعرف الفقه فيُخذل ويذل، يتكلم في النحو وهو لا يعرف النحو، يتكلم في الأصول وهو لا يعرف الأصول فيظهر ذُلُّه أمام الناس؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتحرى في قوله حتى لا يقع في شبكة الذل. ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ الخير بيد الله عز وجل، والخير كل ما فيه مصلحة ومنفعة للعبد فهو خير سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة، فالرزق والصحة والعلم هذه خير، والعمل الصالح أيضًا خير، فكل ما ينتفع به الإنسان في دينه ودنياه فهو خير، وهذا كله بيد الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]. وهنا ذكر أن الخير بيده، ولم يذكر الشر مع أن الخير من الله والشر من الله، فقال بعض المفسرين: إن هذا من باب حذف المقابل المعلوم كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] وزعموا أن تقدير الآية: بيده الخير والشر، ولكن هذا وهم باطل، وليس المقام مقام حذف وقصر أو اقتصاد، المقام مقام ثناء والثناء ينبغي فيه البسط والتوسع في الكلام، فالحذف غير مناسب لفظًا وهو باطل معنى؛ لأن الله لا يضاف إليه الشر، ولا يجوز أن نقول: بيده الشر؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي. ]] فلا يُنْسب إلى الله الشرُّ قَوْلًا ولا فِعْلًا، فالله يقول الحق وهو يهدي السبيل ويفعل الخير ولا يفعل الشر، وإذا وُجد شرٌّ في المفعولات فهو شر من وجه خير من وجه آخر، لكن إيجاد الله لهذه الأشياء الشريرة ليس شرًّا بل هو خير، خير محض، ففعل الله ليس فيه شرٌّ إطلاقًا، والشر إنما هو في المفعولات، لا في الأفعال، أما الخير فهو في المفعولات والأفعال؛ ولهذا ينسب إلى الله؛ لا يقال: بيده الخير لكن الشر ليس إلى الله. ولنضرب لهذا مثلًا بالسباع والهوام؛ فالسباع فيها شرٌّ والهوام اللاسعة واللادغة فيها شر بلا شك، الشياطين كلها شر، لكنَّ إيجاد الله لهذه الأشياء خير، خير ولا بد منه، الحكمة توجبه، لأنه لا يمكن أن تعرف تمام قدرة الله إلا بخلق الأشياء المتضادة، ثم في خلق هذه الأشياء من إصلاح العبد ولجوئه إلى ربه واستعاذته به من هذه الأمور الشريرة خير كثير، ثم إن الخير لا يُعرَف إلا بضده، لا يمكن يُعْرَف الخير إلا إذا عرف ضده حتى يُعرف قدر الخير. ثم إن الخليقة لا بد لها من امتحان، لا بد لها من امتحان، فلو كانت في خير دائمًا لزال هذا الامتحان؛ لأنها دائمًا في خير، فإذا وُجِد شر فحينئذ يتبين الامتحان، لو كان الإنسان دائمًا في صحة ودائمًا في غنى ودائمًا في عقل ودائمًا في سعة ما حصل في هذا امتحان، ولا عَرَفَ قدر النعمة ولا شكر الله عليها، لكن إذا أصيب بمرض عَرَف قدر الصحة، بفقر عرف قدر الغنى، بخوف عرف قدر الأمن، وهكذا. فوجود هذه الأشياء فيه فوائد عظيمة فيكون إيجادها خيرًا وليس بشرٍّ، لكن هي نفسها فيها شر، كذلك وجود الأشياء المدمرة كالزلازل والعواصف والفيضانات وما أشبهها هي شر في نفسها، لكن فيها خير عظيم فيكون إيجادها خيرًا وليس بشر، إذن فيجب أن نُبْقِيَ الآية على ظاهرها بدون تقدير، وهو قوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ولا شر يُنسب إلى الله، أما المفعولات فلا شك أن فيها خيرًا وشرًّا. ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إنك على كل شيء قدير، ومن قدرتك تغيير هذه الأشياء العظيمة: إيتاء الملك، نزعه، الإعزاز، والإذلال كل هذه أمور عظيمة لا يقوم بها إلا قادر عليها سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآية عامة؛ فهو قدير على كل شيء على ما شاءه وما لم يشأه، قدير على ما شاءه وعلى ما لا يشاؤه، فما لا يشاؤه قدير على إيجاده، وما شاءه قدير على إيجاده إذا كان مقيدًا بوقت وعلى إعدامه إن كان موجودًا، المهم أن الله قدير على كل شيء، على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود سواء أراده أم لم يرده، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، الذين يقولون: إنه على ما يشاء قدير، هذا خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاؤه، ولكن ما شاءه لا يمكن أن يعجز عنه، وبهذا التقدير الأخير أن ما شاءه لا يمكن أن يعجز عنه يتبين الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]؛ وذلك أن المشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجز عنه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [آل عمران ٢٧ - ٢٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * في هذه الآية من الفوائد أولًا: تعليم الله عز وجل نبيه محمدًا ﷺ أن يفوض الأمر إليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، والخطاب الموجه للرسول ﷺ مُوجَّه لأمته؛ إما عن طريق التأسي، وإما لأنه الإمام، والخطاب للإمام خطاب له ولمن اتبعه إلا إذا دل الدليل على أنه خاص به فيكون خاصًّا به. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان تمام ملك الله سبحانه وتعالى وسلطانه، لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، كل ملك فالله مالكه، وسبق لنا أن المراد بالملك إما المملوك أو جنس المُلك. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يُؤتي الملك من يشاء، لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾. ومن فوائدها أيضا: أن ملك المخلوقين ليس ملكًا استقلاليًا بل هو بإعطاء؛ لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ والملك الذي بإعطاء لا شك أنه ناقص عن ملك المعطى، وقد جاء في الحديث الصحيح: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤ / ٩٥) من حديث حكيم بن حزام. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ وكل أمر قرنه الله بالمشيئة فإنه مبني على الحكمة متى اقتضته شاءه الله، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه أيضًا في كونه يحرِم الملك من يشاء وينزعه بعد ثبوته ممن يشاء؛ لقوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أيضًا تمام ملك الله وسلطانه بكون العزة من عنده، يعز من يشاء، ولكن سبق لنا في التفسير أن للعزة أسبابًا منها الإيمان، لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى تام الملك والسلطان لكونه يذل من يشاء، ولو بلغ ما بلغ من العزة البشرية، فإن يد الله فوقه مهما بلغ الإنسان من العز فالله قادر على إذلاله، ولذلك أمثلة كثيرة، منها: قصة فرعون فإن فرعون طغى وبغى، وقال: أنا ربكم الأعلى. وافتخر بما عنده من الأنهار؛ فأهلكه الله بمثل ما افتخر به بالماء، غرق، عاد استكبروا في الأرض، وقالوا: من أشد منا قوة؟ فأهلكهم الله تعالى بالريح وهي من ألطف الأشياء، لكنها من أشد الأشياء مع لطافتها، فالله عز وجل يذل من يشاء. ويتفرع على هذه الفائدة: أننا متى علمنا أن الإعزاز والإذلال بيد الله فإننا لا نطلب العزة إلا به عز وجل؛ ولهذا نقول: من ابتغى العزة من غير الله فهو ذليل، فالعزة لا تُطْلَب إلا من الله. وكذلك أيضًا يتفرع على هذا: أنه ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله دائمًا من الذل الحسِّي والمعنوي، لأن الله تعالى هو الذي بيده الإذلال، من شاء أذله ومن شاء أعزه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى بيده الخير. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان الخير بيده، فلا يطلب الخير إلا منه؛ لأنه لا أحد بيده الخير إلا الله سبحانه وتعالى؛ فهو الذي يطلب منه الخير. * ومن فوائدها: أن الشر لا يضاف إلى الله وإن كان عز وجل هو الذي خلق كل شيء، لكن الشر لا يضاف إلى الله، لماذا؟ لأن أفعاله كلها خير، والشر في المفعولات، ثم هذا الشر في المفعولات قد يكون خيرًا حتى في المفعولات نفسها، قد يكون خيرًا، فكم من مرض صار سببًا لصحة الجسم، وكم من آفات في الزروع وغيرها صارت أسبابًا للنمو الاقتصادي من جهة أخرى مثلًا، فالمهم أن الشر لا يضاف إلى الله؛ لأن فعله كله خير سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذا يشمل ما كان من أفعاله وما كان من أفعال الخلق، فيكون في ذلك ردٌ على القدرية الذين يقولون: إن الله لا يخلق أعمال العباد ولا يريدها، وأن الإنسان مستقل بإرادته وعمله، فنقول: هل هذا بقدرة الله أو لا؟ إن قالوا: بغير قدرة الله، فقد كذَّبوا عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾، وإن قالوا: بقدرة الله، قلنا: يلزم أن يكون أيش؟ مرادًا ومخلوقًا لله؛ لأنه ما دام الأمر بقدرته، فلا بد أن يكون مخلوقًا له ومرادًا له. * ومن فوائدها: الرد على كلمة وقعت من بعض المفسرين ومنهم الجلال السيوطي في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠] حيث قال: خص العقل ذاتَه فليس عليها بقادر، فإن هذه كلمة باطلة، هو أراد معنى -والله أعلم- لكن التعبير بهذا خطأ، نقول: إن الله تعالى قادر على كل شيء يتعلق بفعله أو بفعل عباده، كل شيء يفعله الله فهو بقدرته سبحانه وتعالى، كل شيء يفعله العباد فهو أيضًا بقدرته، وهذا الاستثناء أو هذا التخصيص غير صحيح، بل العقل يشهد لله تعالى بالكمال أو بعموم القدرة وأنه على كل شيء قدير. * ومن فوائد الآية الكريمة: الاستغناء بالثناء عن الدعاء؛ لأنك إذا تأملت الآية هذه لن تجد فيها دعاء، أي طلبًا، لكن الثناء مما يتوسل به إلى الله، وقد مر علينا أن الدعاء تارة يكون بذكر حال الداعي، وتارة يكون بالثناء على الله، وتارة يكون بهما، وتارة يكون بالطلب وحده، وكل ذلك جاءت به السنة، هنا الثناء يتضمن ما تدل عليه هذه الجمل، فإذا قلت: أنت الذي تُعِز وأنت الذي تُذِل، فمعنى هذا أو فمقتضى هذا: أنك تسأل الله أن يعزك ولا يذلك؛ ولهذا قال الشاعر: إِذَا أَثْنَــــى عَلَيْــــكَ الْمَــــرْءُيَوْمًــــــــــــا ∗∗∗ كَفَــــاهُ مِــــنْ تَعَرُّضِــــهِالثَّنَــــــــــــــــــــاءُ أي: ثناؤه عليك يكفي عن تعرضه وسؤاله. ثم قال الله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ قال: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ أي: تدخل الليل في النهار، وتدخل النهار في الليل، بمعنى أن الليل يدخل على النهار، فيزيد الليل وينقص النهار، ﴿تُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ بالعكس يدخل النهار على الليل، فيطول النهار ويقصر الليل، وهذا الفعل من الأفعال التي لا يقدر عليها إلا الله وحده، هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. ومع هذا فإن هذا الإيلاج إيلاج بحكمة، بتدرج، بتدرج يأتي قليلًا قليلًا حتى ينتهي ثم يعود، ما ظنكم لو أن الليل قفز من أقصر الليل إلى أطوله؟ لاختل نظام العالم وفسد العالم، وفسدت مواقيته، ولكن الله عز وجل يجعله بالتدريج ليعرف الناس أوقاتهم، وينبني أيضًا على هذا الإيلاج ينبني على ذلك تغير الفصول، فإنه إذا طال النهار طال زمن وجود الشمس على سطح الأرض احتر الجو، وأيضًا يكون شعاع الشمس عموديًّا، فيكون أشد تأثيرًا في الحرارة مما إذا كان غير عمودي، والعكس بالعكس بالنسبة للشتاء، فيترتب على هذا الإيلاج زمن الفصول. ومن رحمة الله عز وجل أن هذا الزمن الفصلي لا يأتي أيضًا دفعة واحدة، ما ظنك لو انتقل الناس من أحر يوم في السنة إلى أبرد يوم؟ ضرر عظيم، أو بالعكس؟ لكن الرب الرحيم عز وجل الحكيم يأتي بهذا الشيء بتدرج، فمن الذي يستطيع أن يزيد في الليل ساعة أو في النهار ساعة؟ لا أحد يستطيع، لو اجتمعت الأمة كلها -كل الخلائق- على أن يزيدوا ساعة في الليل أو ساعة في النهار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ﴿الْمَيِّت﴾ في الموضعين فيها قراءتان: ﴿الْمَيْت﴾ و﴿الْمَيِّت﴾ يعني بالتشديد والتخفيف. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ هل المراد (الْحَيّ) حياة حسية أو معنوية أو هما؟ الثالث هو المراد؛ وذلك لأن اللفظ صالح للمعنيين، وإذا صلح اللفظ للمعنيين بدون تنافٍ بينهما، فالواجب حمله عليهما. (الْحَيّ) حياة حسية أمثلته كثيرة، فالإنسان مخلوق من نطفة وهي ميتة، ميتة بالمعنى اللغوي، فصار حيًّا من جماد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة ٢٨] كنتم في أصلاب أمهاتكم أمواتًا ليس فيكم أرواح، ثم نفخ في الإنسان الروح فصار حيًّا. إذن يخرج الحي من الميت، أي يجعل الميت حيًّا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤] أو يخرج حيًّا ناميًا متحركًا من شيء لا ينمو، فهو ميت، كإخراج الفرخ من البيضة، فإن البيضة ميتة يخرج منها فرخ حي، هذا الموت الحسي والحياة الحسية. المعنوي: يخرج الحي من الميت، أي: المؤمن من الكافر؛ لأن المؤمن حي حياة قلبية، والكافر ميت، يخرج الحي العالِم، ﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾ من الجاهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، الأول هو العالِم، والثاني الجاهل، هذا الحياة المعنوية والحسية. قال: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الميت من الحي بالنسبة للحياة الحسية، مثل البيضة من أين؟ من الدجاجة، ميت من حي، وغير؟ * طالب: المني من الرجل. * الشيخ: لا. * طالب: إذا سقط.. * الشيخ: الميت من الحي، نعم، وربما يتناول الميت إذا سقط من حي، يعني المرأة إذا أجهضت جنينًا ميتًا خرج، مع أن هذا الجنين لا يتحرك، لكن يخرج بقدرة الله، يسوقه الله عز وجل حتى يخرج. * طالب: الحَب من الشجر. * الشيخ: الحَب؟ إيه، الحب من الشجر، الحب لا ينمو والشجر ينمو، وهذه حياة خاصة، حياة نباتية. المعنوي: يخرج الكافر من المؤمن، ويخرج الجاهل من العالم، كذا؟ قال: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ﴿تَرْزُقُ﴾ تعطي، ﴿مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير عوض؛ لأن المحاسبة إنما تكون مع المعاوضة، فإن من لا يريد العوض لا يحاسبه، لكن من يريد العوض هو الذي يحاسب حتى يعلم هل ما أخذه مقابل لما أعطاه أو لا، وأما من لا يحتاج إلى عوض أو من لا يأخذ عوضًا فلا يحاسب. إذن ﴿تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ﴾ بغير عوض، لكن نفى الحساب الذي مقتضاه الذي لا يكون إلا من معاوضة أو من لازمه المعاوضة، فالله سبحانه وتعالى يعطي بلا عوض، وما أكثر النعم التي أنعم بها علينا ولكن لا يحاسبنا، يعطينا منه سبحانه وتعالى تفضلًا وكرمًا، وإن أمرنا بالشكر فشكرناه، فهذا عطاء ثانٍ، فشكر الإنسان ربه على نعمته هو من نعمته أيضًا، هو من نعمته، ولهذا يقول الشاعر: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ أعيد البيتين يقول: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ والمرة الثالثة: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ سمِّعْناها. * طالب: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ * الشيخ: البيتان معناهما واضح، يعني: أن الله إذا وفقك لشكر نعمته، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر، فإذا شكرتها يحتاج الشكر إلى شكر آخر، وإذا شكرت الثالث احتاج إلى رابع، وهكذا؛ ولهذا قال: فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ إذن يقول: ﴿تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: تعطي من تشاء بغير حساب، واعلم أن رزق الله عز وجل نوعان: رزق به قوام البدن، ورزق به قوام القلب والروح، أما الأول فيشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والفاسق، وحتى البهائم، ما هو؟ الرزق الذي به قوام البدن، هذا شامل لكل أحد حتى الكافر مرزوق، وهل يدخل فيه الحرام؟ نعم، يدخل فيه الحرام، حتى الذي لا يأكل ولا يشرب إلا حرامًا فهو برزق من الله، رزق، لكنه رزق يقوم به البدن. والثاني: ما يقوم به القلب والروح، وهذا خاص بأهل الإيمان والعلم، هؤلاء رزقهم الله عز وجل ما تقوم به قلوبهم وأرواحهم علم؛ لأن العلم بمنزلة الماء للشجرة، العلم للقلب بمنزلة الماء للشجرة، لا يمكن أن تنمو بدونه، الإيمان كذلك، لا يمكن أن يقوم القلب ويصلح القلب إلا بالإيمان، وكلما ازداد القلب إيمانًا بالله ازداد صلاحًا. إذن الرزق نوعان: عام وخاص، فالعام ما به قوام البدن، والخاص ما به قوام القلب والروح، إذن كل من رزقه الله ما به قوام القلب والروح، فقد رزقه ما به قوام البدن، وليس كل من رزق ما به قوام البدن يكون قد رزق ما به قوام القلب والروح. قال: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وكلمة: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ نقول فيها ما سبق، أي: ما اقتضت حكمتك أن ترزقه. وأسباب الرزق كثيرة؛ إما حركة من الإنسان، وإما إمداد من الله، والحركة أيضًا لا تنفع إلا بإمداد من الله، لكن أحيانًا يرزق الإنسان بدون كسب، بدون عمل، مثل أن يموت له قريب فيرث منه، أو يخرج إلى البر ويحتطب، وإن كان هذا نوع من العمل، وأحيانًا يكون لا بد من ممارسة عمل وتجارة، وكل هذا من أسباب الرزق. بل من أسباب الرزق تقوى الله، وليس معنى التقوى أن تعكف في المسجد وتتعبد، التقوى أعم من ذلك، الساعي على الأرملة والمساكين اللي يذهب ويطلب لهم الرزق ويقوم عليهم يقول الرسول ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمَسَاكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٥٣)، ومسلم (٢٩٨٢ / ٤١)، من حديث أبي هريرة.]]، إذن هذا دين ولَّا غير دين؟ السعي على الأرملة والمساكين، يذهب في أرض الله يطلب الرزق لهؤلاء الأرامل والمساكين، وكل من لا يكتسب فهو مسكين، حتى ولو كان من أولادك، حتى ولو أنت غني وهذا الولد لا يكتسب فهو مسكين، فأنت إذا سعيت عليه كالمجاهد في سبيل الله، قال: وأحسبه قال: «كَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ، وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٥٣)، ومسلم (٢٩٨٢ / ٤١)، من حديث أبي هريرة.]]. فليس تقوى الله بأن يلزم الإنسان المساجد، تقوى الله أن يقوم بطاعة الله من أي جنس كانت، حتى طلب الرزق لمن تجب عليك معونته يعتبر من تقوى الله عز وجل. * من فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل وسلطانه في كونه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. * ومن فوائدها: إثبات حكمة الله؛ لأن هذا الإيلاج له حكمة عظيمة لا تقوم مصالح الخلق إلا بها؛ لأنه يترتب على هذا الإيلاج -كما قلنا- اختلاف فصول السنة التي يترتب على اختلافها نمو الأجساد والنبات، من النبات ما يكون شتويًّا، ومن النبات ما يكون صيفيًّا. * ومن فوائد هذا أيضًا: أن الإنسان يعرف به ضعفه وافتقاره إلى ربه، إن جاء البرد صار يتطلب ما يدفئه، وإن جاء الحر صار يتطلب ما يبرده، فهو محتاج إلى ربه في الحالين، واضح؟ وهذه من فوائد اختلاف الحر والبرد. * ومن فوائدها أيضًا، ويتفرع على ذلك: أن هناك أشياء مؤذية -وهي ما يعبر عنه بعلم الطب: الجراثيم- لا يقتلها إلا شدة البرد، وأخرى لا يقتلها إلا شدة الحر، وهذا شيء مشاهد، هذا أيضًا من حكمة الله عز وجل المترتبة على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل. * ومن فوائد ذلك -أي إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل-: أن هذا الإيلاج يدل على كمال القدرة، كما أسلفنا أولًا، إذ إنه لا أحد يستطيع أن يزيد ساعة من الليل في النهار أو بالعكس، ولكن الله تعالى هو الذي يقدر على هذا. * ومن فوائد هذه الآية: تمام قدرة الله وسلطانه بإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، ووجه ذلك ظاهر، فإن القادر على إخراج الشيء من ضده دليل على أن قدرته تامة، وسلطانه نافذ سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرزق بيد الله؛ لقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ﴾، ويترتب على هذا: أنه ينبغي للعاقل فضلًا عن المؤمن أن لا يطلب الرزق من أيدي الناس، وإنما يطلبه من الله عز وجل؛ ولهذا جاءت النصوص بفضيلة العفة أن يستعف الإنسان عما في أيدي الناس، ولا يسأل. «وكان من جملة ما بايع الصحابة رضي الله عنهم عليه رسول الله ﷺ: أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان سوط أحدهم يسقط من على بعيره، وينزل إلى الأرض ليأخذه ولا يقول: ناولني إياه[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]] »؛ لأنهم بايعوا على أن لا يسألوا الناس شيئًا، وهذا لاشك يجعل الإنسان يلجأ إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى، يلجأ إلى الله، (...) يسأل الإنسان ما يباح له سؤاله، إنما تمام العفة أن لا يسأل الناس شيئًا، بل يجعل الأمر موكولًا إلى الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عطاء الله بلا عوض؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فالله سبحانه وتعالى لا يبيع عليك الثمر الذي تأكل، أو الثوب الذي تلبس، أو البيت الذي تسكن، لا، بل هو يرزق ويعطي بغير حساب، كل ما بنا من نعمة فمن الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل، في قوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾، وقد مر علينا في التوحيد أن لله مشيئة وإرادة، وأن المشيئة ليس فيها انقسام، والإرادة تنقسم إلى كونية وشرعية، أما المشيئة فهي كونية، فإن الله تعالى يشاء كل شيء.

آل عمران 3:28

ثم قال عز وجل: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾ (لا) ناهية، ودليل كونها ناهية: أن الفعل بعدها مجزوم، أليس كذلك؟ ولكن لماذا كسر الفعل؟ كسر لالتقاء الساكنين، لأجل أن ينتقل اللسان من هذا المكسور إلى الساكن بسهولة؛ ولهذا صار أنسب ما يكون في التقاء الساكنين هو الكسر، أنسب ما يكون الكسر ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾؛ لأن الكسر فيه انخفاض من أجل أن يترقى اللسان من المكسور إلى الساكن. يقول الله عز وجل: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا يجعلوهم أولياء فيتخذوهم، وكلمة (اتخذ) تدل على اصطناع الشيء والركون إليه والالتجاء إليه، مثل قولك: اتخذت هذا صاحبًا، أي: جعلته واصطنعته واخترته، فالمعنى: لا يختار المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ﴾ كيف صارت (الكافرين) مع أنها بعد اسم مرفوع؟ * الطلبة: مفعول به. * الشيخ: ما هي نعت؟ لا تصلح أن تكون نعتًا؟ لا، ما تصلح، يختلف المعنى اختلافًا عظيمًا، ﴿الْكَافِرِينَ﴾ مفعول (اتخذ) الأول، و﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مفعول ثانٍ. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ هل هم يتخذونهم أولياء من أعلى؟ ولَّا أولياء من أسفل؟ أو كلاهما؟ يشمل هذا وهذا، أي: لا ينصروهم ولا ينتصروا بهم، فلا يتولون الكفار ولا يجعلون الولاية للكفار عليهم، فالنهي من الأمرين، اللهم إلا -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- فيما استثني. لكن إذا كان الأمر في سعة والمؤمنون في قوة، فإنهم لا يجوز لهم أن يتخذوا من الكفار من ينصرهم؛ لأن الكفار مهما كانوا أعداءٌ للمسلمين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران ١١٨]، فليس لنا الحق أن نستعين بالكفار إلا إذا دعت الحاجة، فلنا أن ننتصر بهم بأخذ السلاح وما أشبه ذلك، بل وبالعهد معهم أيضًا، «فإن النبي ﷺ استعار من صفوان بن أمية دروعًا، فقال له: أغصبًا يا محمد؟ قال: «بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٦٢)، والحاكم في المستدرك (٢٣٣٢) من حديث ابن عباس.]]، فدل هذا على جواز الاستعانة بالمشرك بالسلاح. ونحن مثلًا إذا أخذنا السلاح ما لنا وله؟ نحن الذين نستعمل السلاح ونتدرب عليه. «كذلك حالف النبي ﷺ خزاعة، كما في صلح الحديبية[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٧٨٩٩) من حديث عكرمة.]] »، حالفهم، لكن كان الناس في ذلك الوقت ليسوا على قوة، فيجوز أيضًا أن يحالف المسلمون الكفار إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه قد يكون هذا من مصلحة المسلمين، فإن المسلمين إذا كانوا ضعفاء تسلط عليهم كفار آخرون، فإذا حالفوا كفارًا أقوياء انتصروا بهم، فصار في ذلك مصلحة. وأصل النهي عن ولاية الكفار هو من أجل أن لا يذل الإسلام بين أيديهم، فإذا كان في مثل هذه الأمور مصلحة للمسلمين وقوة صار ذلك جائزًا، هذا بالنسبة للانتصار بهم. هذا بالنسبة للانتصار بهم، ونحن ذكرنا أن قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ [آل عمران ٢٨] يشمل الوجهين، أما بالنسبة للانتصار لهم فهذا لا يجوز أبدًا، لا يجوز أن ننصر كافرًا على مؤمن بأي حال من الأحوال، ولكن هل يجوز أن ننصر كافرًا على كافر إذا اقتضت المصلحة ذلك؟ نقول: إن المؤمنين فرحوا حين غلَبت الروم الفرس وهم كفّار على كفّار كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤، ٥] فإذا كان هناك عدو مشترك لنا ولهذه الطائفة من الكفار ونحن نعلم أننا إن لم ننصر الكفار على هذا الكافر غلبه، ثم استأصلنا فحينئذٍ يكون عونه للحاجة جائزًا؛ لأننا نعينه لا لذاته لأنه كافر، ولكن لمصلحة المسلمين، وهذا كله يعود على المصلحة، أما لو رأينا كافرًا يطلب منا العون على مسلم، فهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال، ولهذا قال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٢٨] يعني من سِوى المؤمنين يعادون المؤمنين ويوالون الكفار، فهذا لا يمكن، ولهذا جاءت الآية: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ولم يقل: لا تتخذوا؛ لأن الله فرّق بين قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وبين ما إذا اتخذ المؤمنون الكافرين أولياء لا من دون المؤمنين، فوجّه الخطاب إلى المؤمنين مباشرة، في الثانية دون الأولى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة ٥١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١] فخاطبهم خطابًا مباشرًا، لكن هنا قال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ففرّق بينهما، هكذا قال بعض العلماء وقال: إن الله لم يخاطب المؤمنين خطابًا مباشرًا؛ لأن هذا أمر مشين، والأمر المشين تكون المخاطبة المباشرة فيه صدمة عظيمة، ولهذا قال الله تعالى للرسول: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس ١، ٢] ولم يقل: عبست، وهذا القول أول ما يتكلم به الإنسان يظنه جيدًا، لكن المشكل يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٤٤] فهنا واجههم بالخطاب مباشرة مع أنه قال: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وعلى هذا فيكون التوجيه الذي ذكره بعض المعاصرين فيه نظر، ونقول: إن الله عبّر بصيغة الغائب هنا: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ عن الخطاب لبلاغة يعلمها الله عز وجل قد نعلمها وقد لا نعلمها. ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين﴾ ما جاوبت الأسئلة؟ * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، أقول: سؤال الكتب النافعة من بعض.. * الشيخ: سؤالك، احذف الميم هنا، احذف الميم جزاك الله خيرًا. * طالب: أقول: أحسن الله إليكم، سؤال الكتب النافعة من بعض الإخوان هل ينافي تمام العِفّة؟ * الشيخ: أما إذا كان يقول: سؤال الكتب للاستعارة، الاستعارة كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: الاستعارة ولا تملُّك؟ * الطالب: الاستعارة يقرؤها. * الشيخ: لا، الاستعارة جائزة ما فيها إشكال. * الطالب: لكن آخذها أصورها مثلًا كذا أو أقرؤها وأردها؟ * الشيخ: الظاهر أن التصوير من جنس الاستعارة، وآخذها أقرؤها وأردها هذه استعارة، لكن سؤالها تملكًا هذا هو المذموم، أما الاستعارة فما زال المسلمون يستعيرون، الرسول ﷺ استعار من صفوان بن أمية دروعًا[[أخرجه أبو داود (٣٥٦٢)، وأحمد (١٥٣٠٢، ٢٧٦٣٦) من حديث صفوان بن أمية.]]. * الطالب: لكن لو كان مثلًا عنده مثلًا نسخ متعددة وأنا ما عندي والسوق ليس في شيء مهم فأشتريه؟ * الشيخ: اشترِ. * الطالب: نعم؟ * الشيخ: اشترِ منه. * الطالب: إن قال ما أبيع؟ * الشيخ: قل: أعرني إياه؟ * الطالب: يعني إعارة؟ * الشيخ: إيه الإعارة ما فيها شيء. * الطالب: بس، يعني ما أنا بآخده يوم ولَّا يومين يعني كتاب سفر مضخّم يحتاج إني أخليه مرجعًا عندي أستفيد منه وكذا؟ * الشيخ: ما أشوف. * الطالب: لكن النبي مرة يا شيخ: «اسْتَعْنِ بِاللَّهِ وَاحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أقول.. * الشيخ: نعم، ومما ينفعك أن لا تسأل الناس شيئًا. * الطالب: لكن مما ينفعني ما في هذا الكتاب. * الشيخ: حتى السارق يقول: والله أنا بأسرق لينفعني. * طالب: شيخ، مناسبة قوله بغير حساب؟ * طالب آخر: شيخ، الآن فيه ناس من المسلمين يتجنسون جنسية أمريكية؟ * الشيخ: لا، ما يجوز، يعني اتخاذ جنسية كافرة حرام؛ لأن مقتضى هذه الجنسية أيش؟ أن توالي من يوالون وتعادي من يعادون، وأن تناصرهم بكل شيء حتى على المسلمين، هذا حرام ما يجوز أبدًا. * طالب: شيخ، قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [آل عمران ٢٧] قلنا يا شيخ إنها تخرج العالِم من الجاهل، وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام ١٢٢]؟ لكن قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الجاهل تخرجه من العالم أي العكس، كيف يعني هل معناه أنه ينسى العلم؟ * الشيخ: لا، معنى ذلك: إنه يكون رجل عالم أولاده جهّال. * الطالب: لا، على المعنى الأول ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ اللي هو؟ * الشيخ: على المعنى الأول أنه كان ميتًا ما ترد هذه، ما ترد وربما يكون، لا ما ترد الظاهر. * طالب: شيخ، في قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران ٢٧] يعني ما يكون فيها من الفوائد أن مصلحة النبات والثمر أنه ما بعض الثمر ما يحصل إلا في فصل الشتاء والعكس أيضًا؟ * الشيخ: نحن ما قلناها؟ * طلبة: قلنا هذه فائدة موجودة. * الشيخ: ذكرناها. * الطالب: يا شيخ، نحن إذا استنصرنا بالكفار. * الشيخ: إذا أيش؟ * الطالب: إذا استنصرنا بالكفار من حيث العتاد الأسلحة يجوز الاستنصار بهم صح ولَّا لا؟ * الشيخ: (...). * الطالب: إذا الكفار استنصروا بنا نعرف أن الإسلام ليس نقدر نقول: انقسموا لسنة وشيعة، إذا استنصروا بنا ما منا من عتاد على شيعة يجوز؟ * الشيخ: وهذه تحتاج لنظر إذا كان الشيعة على وجه يكفرون به فيجوز، إذا كان على وجه لا يكفرون ما يجوز؛ لأن المسلم مهما كان من المعاصي لا يجوز أن تُعين الكافر عليه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران ٢٨- ٣٠]. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [آل عمران ٢٧] ما المراد بالولاية هنا؟ قلنا: إنه لا ينتصر بهم ولا لهم، أما تحريم الانتصار لهم فالأمر ظاهر، لكن تحريم الانتصار بهم يشكل عليه أن الرسول ﷺ حالف خزاعة وهم كفار. * طالب: إذا اقتضت المصلحة الدفاع مثلا عن المسلمين من قريب واقتضت المصلحة أنه الاستعانة بهم استعنَّا. * الشيخ: نعم، نقول: هذا إذا اقتضت المصلحة أو الضرورة الانتصار بهم فهذا لا بأس به. نكمل هذا البحث لأنه مهم، لو قال قائل: إذا كان الانتصار بهم ليس لمصلحة الإسلام ولكن لأن هؤلاء أعداء لمن أراد الاعتداء على المسلمين، فناصروا المسلمين لأن هذا عدو مشترك؛ يعني هم لم يناصروا المسلمين لله ولا لإقامة دين الله لكن لأن العدو مشترك، فهل يجوز أن ننتصر بهم في هذه الحال؟ * الطالب: نعم، ننتصر بهم ولكن ليس لأجل مناصرة الكفار وإنما لمصلحة المسلمين. * الشيخ: نقول: نعم، هم إذا ناصرونا، سواء كان ذلك لله أو ليس لله قطعًا أو كان من أجل أن عدونا وعدهم واحد مشترك، واضح؟ ولكن مع ذلك لا يجوز أن نجعل هذا الانتصار بهم على حساب ديننا؛ يعني أن نداهنهم ونمكنهم من أفعالهم القبيحة في بلادنا بلاد الإٍسلام لا؛ لأن هذا مداهنة والمداهنة في دين الله حرام لا يجوز. يقول عز وجل: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا هو الواقع، الواقع أن الإنسان المؤمن لا يمكن أن يتولى الكافر دون المؤمن، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أن الذين يفعلون ذلك من المنافقين. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٣٩]. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران ٢٨] المشار إليه الاتخاذ، وعادت الإشارة هنا على المفهوم من الفعل؛ لأن الفعل يدل على حدَث وفاعل، على الحدث وفاعله، الحدث هنا هو الاتخاذ، والفاعل هو المؤمن، فهنا نقول عاد الضمير على الاتخاذ المفهوم من أيش؟ من (يتخذ)، مثل قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] فهو عاد على العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي يتخذهم أولياء من دون المؤمنين ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ يعني فالله بريء منه؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يتولَّى أحد من المؤمنين أحدًا من الكافرين؛ لأن الكافر عدو لله، بل هو عدو لك أيضًا ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ مهما كان فإن الكافر لا يمكن أن يُضمر لك المحبة أو الولاية أبدًا، ولا يمكن أبدًا أن يُناصرك إلا لمصلحته هو؛ لأنه عدو، والعدو لا يمكن أن يريد منفعة عدوه، ولهذا قال: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: فالله منه بريء والعياذ بالله. ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ و(إلا) هنا لا شك أنها حرف استثناء، ولكن هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟ الصواب أنه منقطع، بل يتعين لأنه في حالة التقاة لا نتخذهم أولياء، ولكن نوافقهم في الظاهر ونخالفهم في الباطن، وأيضًا شوف ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا﴾ معناه أن هؤلاء الكفار لهم سيطرة وقوة وقدرة نخشاهم فنتقي منهم؛ أي: نتخذ وقاية من بطشهم وتنكيلهم بنا، لكن في الظاهر دون الباطن، إذن انتبه فهذا لا يجوز إلا في حال الخوف على النفس، ولضعف المسلمين وقوة الكفار. ثانيًا: لا بد أن تكون هذه الموالاة باللسان فقط بالظاهر، أما في الباطن فيجب أن نُضمر لهم العداوة والبغضاء وعدم الولاية. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ في هذا التفات من الغيبة إلى الحضور، والخطاب للحضور؛ لأنه لولا الالتفات لقال: إلا أن يتقوا منهم تقاة. والالتفات سبق لنا أن له فوائد، من يذكرها؟ * طالب: فائدة عامة في جميع الالتفات وهي التنبيه، والفائدة الخاصة لكل سياق.. * الشيخ: نعم، الفائدة العامة التنبيه؛ تنبيه المخاطَب، وذلك أن الخطاب إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان يسير فيه دون أن ينتبه، فإذا اختلف انتبه، وهذا موجود أعني الانتباه عند التغير موجود في كل سير سواء سير ذهني أو سير حسي، لو كنت تمشي ثم وجدت حفرة في الطريق انتبهت، أو وجدت ارتفاعًا في الطريق عتبة انتبهت، أليس كذلك؟ كذلك في الكلام لو كنت على نسق واحد وأنت خطيب كانت خطبتك تأتي بالنوم، لكن إذا كانت الخطبة فيها أمر ونهي واستفهام وعرض وتحضيض صار في ذلك تنبيه، تنبيه للمخاطَب، فكذلك أيضًا في القرآن أحيانًا يعدل الله سبحانه وتعالى عن السياق الأول إلى سياق آخر جديد من أجل التنبيه، أما الفائدة الثانية فتتقيد بحسب القرائن. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران ٢٨- ٣٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لا) هنا هل هي نافية أو ناهية؟ * طالب: (لا) نافية. * الشيخ: نافية؟ * الطالب: ناهية. * الشيخ: ناهية؟ ما الدليل؟ * الطالب: دليل الجزم أنها جزمت الفعل وقلبت الجزم سكونًا لالتقاء الساكنين. * الشيخ: قلبت الجزمة سكونًا؟! * الطالب: قلبت السكون كسرة لالتقاء الساكنين. * الشيخ: خطأ. * الطالب: قلبت السكون كسرة لالتقاء الساكنين. * الشيخ: خطأ. * الطالب: كسر الذال لالتقاء الساكنين. * الشيخ: خطأ. * طالب: حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين. * الشيخ: حرك بالكسر لالتقاء الساكنين. * الطالب: أقول: لا مشاحة في الاصطلاح! * الشيخ: لا لا، لا مشاحة في الغلط! لأن ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾ إذا قلنا: حرك بالكسر معناها أن الكسرة هذه ما هي كسرة إعراب، ما هي بدل عن السكون، لكن حرك لفظًا فقط لسهولة الانتقال من المتحرك إلى الساكن؛ لأن الانتقال من ساكن إلى ساكن هذا اختصار. * الطالب: وأبدلت يا شيخ، ما هي صحيحة؟ * الشيخ: لا لا؛ لأن الإبدال معناه حلت محلها حقيقة وحكمًا، وهذا حكمه السكون لكنه حرك تحريكًا فقط. قوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما الذي نصب أولياء؟ * الطالب: مفعول ﴿يَتَّخِذِ﴾. * الشيخ: الكافرين مفعول ﴿يَتَّخِذِ﴾ ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ﴾. * الطالب: مفعول ثاني لـ﴿يَتَّخِذِ﴾. * الشيخ: مفعول ثاني لـ﴿يَتَّخِذِ﴾ إيه. قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿دُونِ﴾ بمعنى؟ * طالب: من سوى المؤمنين. * الشيخ: من سوى المؤمنين، وأظن ما كمّلنا الآية؟ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ معناها؟ معنى الجملة ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾؟ * الطالب: أي الذي يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فإن الله سبحانه وتعالى غير راض عنه، فليس من أوليائه يعني. * الشيخ: نعم، ما الذي أوجب الإتيان بالفاء في قوله: ﴿فَلَيْسَ﴾؟ * الطالب: أنه جواب شرط. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ جواب شرط. * الشيخ: وجواب الشرط يحذف فيه الفاء؟ * طالب: شيخ، اقتران الفاء بجواب الشرط. * الشيخ: واقتران الفاء بجواب الشرط لازم؟ * طالب: إذا كان ليس (...). * الشيخ: يعني يجوز لو كان بيقرأ القرآن جاز حذف الفاء؟ * الطالب: شيخ، جملة اسمية. * الشيخ: ما هي جملة اسمية.* الطالب: شيخ، لأن الجواب هنا جامد فوجب اقترانه بالفاء. * الشيخ: يعني مبدوء بفعل جامد، وإذا بُدئ الجواب بفعل جامد. * الطالب: يجب اقترانه بالفاء. * الشيخ: طيب هل لديك شاهد أو كلام مشهور في ذلك؟ * الطالب: قال بعضهم في الجمع بين اشتراط اقتران الفاء اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ * الشيخ: اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ طيب هذه من أي الأنواع السبعة؟ * الطالب: الجامد، هذا الجامد. * الشيخ: جامد ليس يعني. * الطالب: نعم، فعل جامد لا يتصرف. * الشيخ: إيه، لا يتصرف، أحسنت. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ما معنى قوله: ﴿تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾؟ * الطالب: أي: تتقوا شرهم. * الشيخ: إلا أن تقولوا شيئًا تتقوا به شرهم، الاستثناء هنا منقطع ولا متصل؟ * الطالب: منقطع. * الشيخ: منقطع نعم، صح، يعني لكن إن اتقيتم منهم تقاة كالمكره على الكفر فيكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فهذا ليس بشيء، لا يضر. قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ يُقال: تقاة ويقال: تَقِيَّة، وأما (تُقية) فهي من اللحن الشائع قولهم: (تُقْية) هذا من اللحن الشائع؛ لأننا لو قلنا تُقية لوجب أن تحول إلى تُقاة بمقتضى القاعدة الصرفية المعروفة، وعلى هذا فنقول: إن الصواب تُقاة أو تَقِيَّة. قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾ فيها فعل ومفعول به، ولفظ الجلالة (الله) فاعل و﴿نَفْسَهُ﴾ مفعول ثاني ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يخوفكم من نفسه عز وجل، ويحذركم من عقابه إذا اتخذتموهم أولياء إلا في الحال التي تكون موالاتهم تقاة وليس عن قصد واختيار. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، والجملة -كما تشاهدون- جملة اسمية قدم فيها الخبر لفائدة الحصر؛ يعني إلى الله لا إلى غيره، المصير: المرجع، وأي مرجع هذا؟ هل المراد المرجع في الآخرة، أو المرجع في جميع الأمور؟ الجواب: المرجع في جميع الأمور كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران ١٠٩] فإلى الله المصير يعني بعد الانتقال من الدنيا، وإلى الله المصير المرجع في كل الأحوال وفي كل الأمور. في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أولًا: تحريم اتخاذ الكفار أولياء لقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن مقتضى الإيمان الحقيقي أن يتخذ الإنسان الكافرين أعداء لقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فعلّق هذا الحكم بالمؤمنين، وهو دليل على أن مقتضى إيمانهم أن لا يتخذوهم أولياء بل أن يتخذوهم عدوًّا أعداء؛ لأن هؤلاء الكفار شيعة الشيطان وأولياؤه وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦]. * ومن فوائدها: أن اتخاذ الكافرين أولياء منافٍ إما للإيمان أصلًا، وإما للإيمان كمالًا؛ يعني أنه ينافي أصل الإيمان أو كمال الإيمان، لماذا؟ لأن الحكم إذا عُلّق بوصف فإنه يتبع ذلك الوصف قوة وضعفًا، فكلما كمل الإيمان كملت المعاداة وانتفت الموالاة، وإذا وُجدت الموالاة ضعف الإيمان، وإذا ضعف الإيمان أيضًا وُجدت الموالاة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه يجب أن يتخذ المؤمن أولياء من المؤمنين لقوله هنا: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا لا شك هو مقتضى الإيمان قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة ٧١] فالواجب على المؤمن أن يتخذ له أولياء من المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اتخاذ الكافرين أولياء من كبائر الذنوب، وجه الدلالة: أن الله تبرأ منهم، وتعليق الحكم أو تعليق البراءة بحكم من الأحكام يدل على أنه من كبائر الذنوب، والكبائر جمع (كبيرة)، وأحسن ما قيل في تعريفها: ما رُتّبت عليه عقوبة خاصة، وذلك لأن المحرمات نوعان: إما منهي عنها أو مذكورة بلفظ التحريم ولكن ليس على فاعلها عقوبة خاصة، فهذه من الصغائر، وإما أن يُرتّب على فعلها عقوبة خاصة وحينئذٍ تكون من الكبائر، ولكن كما أن الصغائر تختلف حتى يصل بعضها إلى قريب الكبائر كذلك الكبائر تختلف، ليس قطيعة الرحم بين العم وابن أخيه كعقوق الوالدين مع أن كلا منهما من كبائر الذنوب، والمهم أن الكبائر تختلف، وكذلك الصغائر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين، ووجهه أن الذي يتخذ الكافرين أولياء ويدع المؤمنين يتبرأ الله منه؛ لأنه ليس من المؤمنين في شيء، فلم يكن الله منه في شيء، وهذا له شاهد من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة ٥٥] مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] مثل قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥٧] والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ أن الله تعالى ولي المؤمنين فيوالي من والوه ومن والاهم ويعادي من عاداهم، وقد صح في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه أن الله سبحانه وتعالى قال: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: سهولة الإٍسلام ويسره حيث رفع الحرج عن الأمة؛ وذلك بما أباح من اتخاذ التقاة عند الضرورة إليها لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. ومن فوائد الآية: أنه لا تجوز المداهنة لأعداء الله وإظهار الرضا بما هم عليه لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ومعلوم أن التقاة لا تجوز إلا عند الضرورة ومع ذلك ينوي بها الإنسان أيش؟ أنها وقاية مما يخاف منهم لا رضًا بما فعلوا أو اطمئنانًا إليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل مع كمال رحمته وشمولها ومحبته للتوبة في مقام الوعيد يذكر من الآيات أو من الكلمات الكلمات الشديدة القوية لقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لأن المقام مقام يقتضي الشدة في ذلك، فإنه من أعظم الأشياء أن يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ولهذا قال: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق النفس على الذات؛ لأن المراد نفسه أي: ذاته ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: ذاته، والتعبير بالنفس أوْلى من التعبير بالذات، وإن كان التعبير بالذات هو المشهور عند العلماء، لكن التعبير بالذات عن النفس ليس من اللغة العربية الفصحى كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وإنما هو متلقى من اصطلاح عرفي، وأصله أن (ذات) تُستعمل مضافة فيقال: ذات جمال، ذات دين، ذات مال، وما أشبه ذلك، فيعبرون بالذات عن العين المتصفة بصفات، ثم سلبوها من الإضافة وعبّروا بكلمة (ذات) مجردة عن الإضافة، هذا هو الأصل في استعمال كلمة (ذات)، وإلا فإنها ليست عربية محضة. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب رد الأشياء إلى الله عز وجل لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. ومن فوائدها أيضًا: تكرار التحذير، وأنه إذا كان المقام يقتضي ذلك كان تكراره من أعلى أنواع البلاغة؛ لأن قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ هذا تحذير ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ هذا أيضًا تحذير، فإنه تهديد ووعيد لمن خالف ما حذَّر الله منه.

آل عمران 3:29

ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّه﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، ولكن لا بأس أن يقوله من يحتاج إليه وإن كان من غير الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ والذي في الصدور هو ما تُكنّه القلوب، وجعله في الصدور؛ لأن القلوب في الصدور كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. وقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ من أي شيء؟ من كل شيء؛ من الخير أو من الشر أو العداوة أو الولاية أو غير ذلك، كل ما يخفيه الإنسان في صدره أو يبديه لمن؟ للناس. قال: ﴿أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمْهُ﴾ بالجزم جوابًا للشرط في قوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ يعلمه الله عز وجل، وهو سبحانه وتعالى عالم به قبل أن تخلق الصدور وما فيها، ولكن يعلمه أيضًا بعد أن يقع في الصدور عِلم وقوع، وأما علمه السابق فهو علم بما سيكون، وأما بعد وقوع الشيء فهو علم بالشيء بعد كونه، فلله سبحانه وتعالى فيما يكون بالنسبة للعلم اعتباران: الاعتبار الأول: باعتبار ما سيكون، والثاني: باعتبار ما كان، وبهذا التقرير يزول الإشكال الذي يرد على النفس ويورده كثير من الناس في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١] فيقول: أليس الله عز وجل قد علم المجاهدين والصابرين من غيرهم في الأزل؟ والجواب: بلى، لكن علمه في الأزل علم بما سيكون، وعلمه بعد كون الشيء علم به كائنًا وفرْق بين الأمرين، هذا من وجه. من وجه آخر: أن علمه الأزلي لا يترتب عليه عقاب ولا ثواب، وعلمه بالشيء بعد كونه هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، فيكون المعنى ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أي: علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب وإلا فالله عالم من قبل أن يبتلينا. قال: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (يعلمُ) بالرفع على الاستئناف، والتقدير: وهو يعلم، ولا يجوز في مثل هذا الجزم عطفًا على ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بخلاف قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ فإنه يجوز (فيغفرْ لمن يشاء) ويجوز (فيغفرَ) ثلاثة أوجه، لكن في هذه الآية لا يجوز سوى الرفع، لماذا؟ لأننا لو جعلناه بالجزم صار علم الله بما في السماوات وما في الأرض مقيدًا بقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾؛ لأن المعطوف على جواب الشرط له حكم جواب الشرط، وجواب الشرط معلّق بماذا؟ بفعل الشرط، وعلى هذا فيتعين في قوله: و﴿وَيَعْلَمُ﴾ الاستئناف والرفع ولا يجوز الجزم. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿مَا﴾ من صيغ الموصول أو من الأسماء الموصولة، وكل اسم موصول فإنه يفيد العموم سواء كان من صيغ الجمع كـ(الذين) و(اللائي)، أو من صيغ المفرد كـ(الذي) و(التي)، أو من الصيغ المشتركة كـ(ما) و(من)، وعليه فجميع الأسماء الموصولة بأصنافها الثلاثة كلها تفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣] وين الخبر؟ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] فجعل الخبر جمعًا مع أن المبتدأ مفرد؛ لأنه مفرد لكنه عام. هنا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أقول: إن ﴿مَا﴾ اسم موصول تفيد العموم، فكل ما في السماوات فهو معلوم لله عز وجل، وكل ما في الأرض فهو معلوم لله عز وجل بعلمه الأزلي القديم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِير َكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٣ / ١٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] ولا يكتب إلا ما كان معلومًا عنده عز وجل. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختم الآية ببيان عموم قدرته إشارة إلى أن الله تعالى قد وسع كل شيء علمًا وقدرة، وأنه قادر على الانتقام منكم فيما إذا أخفيتم ما لا يرضيه، ولكنه لحكمته قد يؤخِّر الانتقام. قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الصيغة عامة كما تشاهدون ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سواء كان ذلك من أفعاله أو من أفعال العباد فهو قادر على كل شيء، وسواء شاء ذلك الشيء أم لم يشأه فهو قادر على كل شيء شاءه أم لم يشأه، وكل شيء شاءه فهو قادر عليه، فلدينا الآن عمومان: العموم الأول في القدرة فنقول: هو قادر على كل شيء سواء شاءه أم لم يشأه، والعموم الثاني: في المشيئة، فكل ما شاءه الله فهو قادر عليه كما جاء في الحديث القدسي: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]. في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. ومن فوائدها أيضًا: عموم علم الله عز وجل لما أخفاه الإنسان وما أبداه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب؛ لأنه قال: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ وهذه المسألة اختلف فيها أهل الكلام، هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ ولكن من تأمل الآيات القرآنية وجد أن العقل في القلب، بل من تأمل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦] ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. وهذه الآية نص صريح على أن العقل في القلب، ونص صريح على أنه ليس المراد بالعقل القوة المعنوية التي في المخ، وإنما المراد بالقلب أيش؟ القلب الحقيقي قِطعة اللحم الذي في الصدر، ولهذا قال: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ والكلام هنا كلام مَن؟ كلام الخالق عز وجل، والخالق أعلم بما خلق، ولكن الدماغ لا شك أن له تأثيرًا؛ لأن الدماغ يتصور الشيء ويرتّبه ويجهزه، ثم يرسله إلى القلب وينتظر الأوامر، ثم يصدر القلب الأوامر إلى أين؟ إلى المخ ما هو إلى العقل، العقل هو في القلب، يرسله إلى المخ، المخ خادم أمير مطيع على طول يوجّه الأوامر إلى الجنود؛ الجوارح، ولا تستغرب هذا الأمر كيف تقول بها اللحظة هذه يكون فيه أمر إصدار وإيراد؟ نقول: الله عز وجل على كل شيء قدير، فالمخّ يتصور ويصلح الأشياء، ثم يرسل إلى القلب ويقول الأمر، القلب يأمر ولَّا ينهى، ثم هذا المخ ينفّذ على طول ما يتأخر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]. وأما ما اشتهر عند الأطباء الآن من أن القلب ماتور فقط يُصفي الدم ويرسل، يستقبل الدم الفاسد وينظّفه ويرسله إلى العروق والشرايين فهذا ليس بصحيح؛ لأننا نقول لهم: أأنتم أعلم أم الله؟ لا شك أن الله أعلم؛ لأنه الخالق، لكننا نوافقكم على أن للدماغ تأثيرًا، ولكن وجه التأثير فيه أنه بإذن الله قابل لكل ما يأمر به القلب. * طالب: شيخ، نريد السنة؟ * الشيخ: السنة هذا الحديث اللي أشرنا إليه. * طالب: الذين يجلبون الخدم من الكفار، هل هذا يعتبر موالاة لهم؟ * الشيخ: السؤال: الذين يجلبون الخدم من الكفار، هل يعتبر هذا موالاة لهم أم لا؟ * طالب: يعتمد على صاحبه ينظر، بعض الناس. * الشيخ: الظاهر ينظر في هذا، إذا كان مقصود ذلك الاستخدام والاستذلال فهو استذلال لهم، وإذا كان المراد بذلك نفعهم؛ أن ينفعهم، فهذا لا شك أنه موالاة؛ لأنه يُعتبر مناصر لهم، فإن هذه الدراهم التي تخرج من جيوبنا لهؤلاء الكفار تؤخذ عليهم ضرائب عليها لدولهم الكافرة فتنتفع الدول بها، وبالتالي تستعين بها على ضرب المسلمين؛ فالمسألة في الحقيقة خطيرة، لكن أكثر المسلمين اليوم لا ينظرون إلى هذه المسائل هذه النظرة الفاحصة، يريدون أن يمشّوا دنياهم فقط، لكن لو أنهم فكروا في الأمر وين تروح الدراهم هذه، ثم إنك لا تأتي بكافر إلا حرمت مسلمًا بدلًا من الكافر هات مسلمًا، وليكن المسلم أقل إنتاجًا من الكافر، الأمر سهل، لكني أنفعه وأنفع عائلة من ورائه مسلمة تتلهف إلى أن تجد خبزة عيش، ولكن نسأل الله أن يهدي إخواننا إلى أن النظر في هذه الأمور. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ يعني الشيء اللي بيجيلي في صدري أنا محاسب به في الآية؟ * الشيخ: لا، ما يدل على هذا إلا ما ركن إليه الإنسان واطمأن به. * الطالب: كيف يعني؟ * الشيخ: يعني أصر عليه، عزم عليه وأراد يفعله، لكن مجرد الهم لا. * طالب: شيخ، قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ بعضهم يقول: إنها على حذف أن يحذركم الله من عقاب نفسه لأن الذات ما يتصور منها الخوف، يعني هل إذا قلت لشخص ترى خاف من نفسه والآن نقول: ما يتصور من نفسه إنما من أفعاله؟ * الشيخ: أنا إذا قلت: أنا أحذّرك نفسك، كل يعرف أنه ليس معناه إن الواحد (...) على الثاني هذا لأن يوقفه، المعنى: يحذّركم ما في نفسه من العقاب، ولكن هذا أبلغ؛ يعني إضافة التحذير إلى النفس أبلغ من إضافته إلى الفعل، فإذا قلنا: عقاب نفسه ضعف التحذير، وإذا قلنا: نفسه صار أشد. * طالب: شيخ، قلنا: موالاة الكفار من كبائر الذنوب، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١] فهل هذا كفر أو من كبائر الذنوب؟ * الشيخ: ما هو قلنا إحنا: قد يكون كفرًا وقد يكون دون ذلك. * الطالب: كيف الصورة تكون دون ذلك؟ * الشيخ: يمكن أن يتولهم في أمر من الأمور الدنيوية ما هو لأجل دينهم ولا إعانة لهم على دينهم وكفرهم، فلا يكون هذا كفرًا، ما يكون كفرًا، افرض واحد ودّه يبر ها الكافر هذا، وده يبرّه ويعطيه مالًا ما يعتبر هذا كفرًا، وإن اعتبرناه ولاية فإنه لا يُخرج من الإسلام، لكن الموالاة المناصرة والمعاونة سواء عاونهم على المؤمنين، وسبق لنا أنهم إذا عاونوهم على الكفار أعداء المسلمين فلا بأس. * الطالب: شيخ، لما أعطي شخصًا مالًا تعمل مودة بيني وبينهم؟ * الشيخ: لا، أبدًا ما يزعمون هذا. * الطالب: شيخ، يعني هل يمكن أن أعطيه بدون أي مودة أو أي شيء؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هذا إحسان، مجرد إحسان (...) والله قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة ٨]. * الطالب: شيخ، بعض الناس يلبسون لبس النصارى أو اليهود، هل يعتبر هذا من الموالاة؟ * الشيخ: يعني يقول: هل إذا لبست لبسة اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار هل هذا موالاة؟ هو لا شك أنه تشبه هذا متفق عليه، لكن إذا قصد بذلك إعزازهم ورفع شأنهم فهو موالاة؛ لأنه قد يتشبه بهم من أجل أن يعزهم ويظهر لباسهم الخاص بهم وزيهم فيكون هذا موالاة. * الطالب: بيسوون عمليات نقل القلب يا شيخ من شخص إلى شخص ما يتأثر بالشخص الثاني بعد ما ينقل له القلب فتتغير يعني عقيدته ويتغير أفكاره * طالب آخر: يعني قلب صناعي هذا. * الشيخ: وأيشنو بها الإرادة؟ هذا أوردناه من قبل وأجبنا عليه، والإنسان الفاهم يفهم الجواب من كلامي. * طالب: (...) أقول: الذي ينتقل هو الجسد، وليس الروح، وإنما المحاسبة في القلب هي الروح الذي في القلب وليس الجسد. * الشيخ: لا، هو ما هو يقصد مسألة المحاسبة، يقول: إن أفكار الإنسان ما تتغير. * الطالب: نعم، لأنا نقول إن هذا متعلق بالروح وليس بالجسم، وهذا.. * طالب آخر: شيخ، إحنا قلنا الذي يرسل الدماغ يجهز الشيء ويصوره ثم يرسله إلى القلب ثم القلب يأمر بالتنفيذ. * الشيخ: على مقتضى ما ورد إليه، فهمت؟ هذا الرجل مثلًا دماغه ما تغيرت وتصوراته ما تغيرت، والقلب يرسل ويأمر حسب ما يصل إليه من التصورات، فإذا كان هذا الرجل مستقيمًا وصالحًا صار يصل إلى القلب الذي نقل إليه الشيء الصالح أمر به، ولّا هذا يقولون: يحط أظن هذا قلب صناعي. * طالب: (...) الإيمان ما فيه مشكلة؟ * الشيخ: لا، ما هو مشكلة أبدًا، ما هو مشكل؛ لأن هذا القلب له صمامات وله أشياء خلقها الله عز وجل على صفة ما يصنعونه، أو هم يصنعونها على صفة ما خلق الله فلا يُشكل. * طالب: شيخ، في قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيدها إنه لا (...). * الشيخ: إي نعم، هذه تكلمنا عليها إن هذا لبيان أقبح الموالاة وإلا ففيه آية أخرى تدل على تحريم اتخاذهم الأولياء مطلقًا. * طالب: شيخ، هل الشيطان يعلم ما يوسوس في نفس الإنسان؟ * الشيخ: وأيش تقولون؟ * طلبة: هو اللي يوسوس، أصلًا هو اللي يوسوس. * الشيخ: الشيطان لا شك أنه يجس القلب يختبره؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، ثم إذا رأى أن القلب قوي؛ يعني وعجز عنه، عجز عنه، مثل ما كان الشيطان يهرب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، «مَا سَلَكَ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا آخَرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٩٤)، ومسلم (٢٣٩٦ / ٢٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، وإن وجد في القلب لينًا وتهاونًا زاده من اللين والتهاون، وإن وجد فيه القوة حاول أن يزيده في الغلو والإفراط. * طالب: لكن يا شيخ، لو حدثت مثلًا نفسي بشيء هل يعلم هذا التحديث؟ * الشيخ: الله أعلم، لكنه لا شك أنه يختبر القلوب. * الطالب: لكن الله سبحانه وتعالى متفرد بهذا العلم. * الشيخ: لكن قد يطلع الله غيره. * * * * طالب: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران ٣٠ - ٣٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ في هذه الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبر على عمله وليست له فيه إرادة، ووجه الرد عليهم: أن الله أضاف الفعل إلى الإنسان، فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله محيط بكل شيء علمًا حتى ما بين جوانح الإنسان لقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ يعلمه الله، فلا يخفى عليه شيء مما في نفس الإنسان، بل زد على ذلك أنه يعلم ما لم يُحدّث به الإنسان نفسه بأنه سيحدث به نفسه في الوقت والمكان المعين، واضح؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من أن يُسرّ الإنسان في نفسه ما لا يرضي الله؛ لأن الله إنما أخبرنا عن علمه بذلك تحذيرًا لنا من أن نخفي في صدورنا ما لا يرضى. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. والآيات في العلم متنوعة، تارة تكون مجملة وتارة تكون مفصّلة، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الإنسان وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الله عز وجل؛ لأن صفة العلم متى آمن بها الإنسان أوجب له ذلك أمرين: الأمر الأول: الهروب من معصية الله، فلا يجده أي: فلا يجده الله عز وجل حيث نهاه. والثاني: الرابح في طاعة الله، فلا يفقده حيث أمره؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى، يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يعلمه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات، وأنها جمع، وقد صرح الله في كتابه أنها سبع، فقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦] وأما الأرض فإنها تأتي مفردة ولم تأتِ في القرآن مجموعة، لكن جاءت في السنة مجموعة، وفي القرآن إشارة إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا بالكيفية متعذّرة، وإذا تعذرت المثلية في الكيفية لزم أن تكون المثلية في العدد كما تقول: سبحان الله عدد خلقه والحمد لله مثل ذلك؛ يعني عدد خلقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وعموم هذه القدرة لقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * ومن فوائدها: إرشاد الإنسان إلى أن يتعلق بربه؛ لأنك متى علمت أن الله على كل شيء قدير فإنه لن يمنعك مانع من أن تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى بسؤال ما تريد، لا تستبعد شيئًا، ولهذا قال الله تعالى منبِّهًا على هذا الأمر: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة ٧] ومعلوم أن العداوة بين المؤمنين والكافرين أمر ثابت، وأن الإنسان قد يستبعد أن يجعل الله في قلبه مودة لهذا الكافر بإيمانه، فقال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدِيرٌ﴾ بالنسبة لتقليب القلوب عز وجل. ﴿غَفُورٌ﴾ بأن ييسّر هؤلاء الكفار إلى الإسلام فيغفر لهم، وقع هذا ولَّا ما وقع؟ وقع، وقع فإنه أسلم عام الفتح وقبل عام الفتح أُمة من الكفار وصارت العداوة في قلوب المؤمنين لهم صارت مودة. المهم أنك متى علمت قدرة الله عز وجل فإن ذلك يوجب لك التعلق بربك سبحانه وتعالى، وأن لا تستبعد شيئًا تسأله إياه.

آل عمران 3:30

ثم قال عز وجل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ قوله: ﴿يَوْمَ﴾ ظرف زمان، والقاعدة المعروفة عند أهل النحو أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف والجار والمجرور شبه مفعول به، أو شبه خبر إذا وقع خبرًا، أو شبه صلة إذا وقع صلة، المهم أنه لا يستقل بنفسه لا بد له من عامل، كما قال ناظم الجمل: لَا بُـــــدَّ لِلْجَــــارِ مِـــــنَالتَّـعَـلُّـــــــــــــقِ ∗∗∗ بِـفِعْـــــلٍ اوْ مَعْـنَـــــاهُ نَحْــــوِمُرْتَقِــــــــــي؎وَاسْتَثْــــنِ كُــــلَّ زَائِــــدٍ لَــــهُعَمَــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًاوَلَعَلْ فكل حرف أصلي من حروف الجر لا بد له من متعلق. قوله: ﴿يَوْمَ تَجِد﴾ إذن هي ظرف زمان ولا بد لها من متعلّق، فأين متعلقها؟ المتعلق محذوف، تقديره: اذكر يوم تجد، اذكر بالناس وذكّرهم بهذا اليوم العظيم. ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمراد بالكلية هنا كلية النفوس المكلفة وهم الإنس والجن، فإن هؤلاء مكلفون بعبادة الله لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] أما البهائم فإنها لا تجد ما عملت، لكن يُوفى لها الظلم إن ظُلمت كما أخبر النبي ﷺ: بأنه «يُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]] وأما هي فهي غير مكلفة عملها يذهب، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ إذن ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مقيدة بماذا؟ مكلَّفة، كل نفس مكلفة تُؤمر وتُنهى. ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ ﴿مَا﴾ هنا اسم موصول مفعول أول، ﴿مُحْضَرًا﴾ مفعول ثاني، و﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ جار ومجرور بيان لـ(ما) في قوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾. وجملة ﴿عَمِلَتْ﴾ صلة الموصول، وعائد الموصول محذوف، والتقدير: ما عملته من خير محضرًا. وقوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ يشمل كل ما عملت قل أو كثر قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] كل ما عملت. وقوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ من الذي يحضره؟ الذي يحضره الله عز وجل؛ إما بقوله وإما بملائكته تحضره الملائكة أو هو عز وجل يأمر فيحضر، وقوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ قد يتبادر للذهن أن هذا العمل يكون جسمًا فيُحضر كما تحضر الدراهم لمن يستوفيها، وإذا كان هذا مراد الله عز وجل فليس بغريب أن تُجعل الأعمال وهي أمر معنوي تجعل أجسامًا، وهو ظاهر في القرآن الكريم بأن الأعمال تُوزن، والوزن لا يكون إلا لجسم كثيف، فتوزن الأعمال توضع في كفة الحسنات والسيئات، وليس هذا بغريب على قدرة الله سبحانه وتعالى، فها هو الموت وصف وهو زوال الحياة «يُمثّل يوم القيامة بكبْشٍ ويُوقف بين الجنة والنار ويقال: يا أهل النار، يا أهل الجنة، فيطَّلعون فيُقال لهم: تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت فيُذبح ويقال: يا أهل الجنة، خُلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت، وحينئذٍ يزداد أهل الجنة سرورًا إلى سرورهم وأهل النار حزنًا إلى حزنهم[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٣٨٤٩ / ٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]] » والعياذ بالله. وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾ الواو هذه يحتمل أن تكون استئنافية، فتكون (ما) مبتدأ، ويحتمل أن تكون عاطفة، فتكون (ما) معطوفة على (ما) الأولى يعني ما عملت من خير محضرًا وتجد ما عملت من سوء محضرًا كذلك، فعلى الأول تكون (ما) مبتدأ، وتود ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ الجملة خبره، وعلى الثاني تكون (ما) معطوفة على ما عملت الأولى، ويكون في الكلام حذف وتقديره: وما عملت من سوء محضرًا تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، ولكن المعنى الأول أظهر؛ لأن الأصل عدم الحذف، والاستئناف كثير وارد في اللغة العربية، وهو أيضًا أبلغ؛ لأن ما عملت من سوء قد يحضر، وقد يُقرّر به الإنسان ولا يُحضر، والكلام هنا عام، الكلام عام يشمل المؤمنين والكافرين، والمؤمن في حسابه لا يُحضر له عمله السيئ، وإنما يقرر بذنوبه يخلو به الله عز وجل فيقرّر ويقول: «عَمِلْتَ كَذَا؟ عَمِلْتَ كَذَا؟ عَمِلْتَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب.]]. أما الكفار فيُحضر عملهم يُحضر؛ قال الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف ٤٩] لأن سيئات الكفار ما تمحى، تُحضر ويحاسبون عليها، وبهذا يتبين أن إعراب الواو استئنافية و(ما) مبتدأ أظهر من أن تكون عاطفة و(ما) معطوفة على ما سبق، إذن ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ لا تفرح به ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ يعني زمنًا طويلًا أو مكانًا بعيدًا، تود أنها لم تعمله ولم تُذكَّر به، ولم يُحضر لها إن كانت ممن يحضر لها العمل السيئ، والود خالص المحبة، إذن تحب محبة شديدة من كل قلبها لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا. ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ ﴿لَوْ﴾ هذه كيف نعربها؟ هل نقول إنها مصدر؟ * طالب: حرف امتناع لامتناع. * الشيخ: لا، ليست حرف امتناع لامتناع، هل نقول إنها مصدر أو نقول إنها زائدة؛ لأن (لو) إذا وقعت بعد (ود) تكون مصدرية كما في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، يعني ودوا أن تدهنوا، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ [البقرة ١٠٩] أي: أن يردوكم، لكن هنا فيه إشكال وهي (أن) اللي بعدها مصدرية، ولكن يمكن الانفكاك عن هذا الإيراد بأن يقال ﴿لَوْ﴾ داخلة على فعل محذوف، تقديره: لو ثبت أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، أو لو حصل، تود لو حصل أن بينه وبينها أمدًا بعيدًا، وحينئذٍ تكون مصدرية، ويكون الفعل محذوفًا، الفعل الذي يتصل به محذوفًا والتقدير: لو حصل أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، وإلا نقول: زائدة، والتقدير: تود أن بينها وبينه أمدًا بعيدا، وأنت لو حذفت لو في غير القرآن وقلت: (تود أن بينها) استقام الكلام، إذن لنا في إعرابها توجيهان؛ التوجيه الأول: أن تكون زائدة للتأكيد أو للتوكيد، والثاني: أن تكون مصدرية والفعل محذوف تقديره: لو حصل أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا. وقوله: ﴿أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ أمدًا بالنصب على أنه اسم (أن) مؤخر. قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كرر ذلك؛ لأن المقام يقتضيه، يقتضي التحذير، فاحذر الله عز وجل، احذر الله أن يصيبك بعقابه إذا عصيته وخالفت أمره، والأول ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ في العمل، والثاني في الجزاء، الأول في العمل في موالاة الكفار، والثاني في الجزاء؛ لأنه ذكره بعد أن ذكر الجزاء الذي يكون يوم القيامة. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ فيها قراءتان، القراءة الأولى: ﴿رَءُوفٌ﴾ والقراءة الثانية: ﴿رَءُفٌ﴾ بدون واو ﴿رَءُفٌ رَحِيمٌ﴾ و(الرؤوف) فعول من الرأفة، وهي أشد الرحمة، وأرق الرحمة؛ لأن الرأفة فيها شيء من الرق واللين أكثر من ما في الرحمة. وقوله: ﴿بِالْعِبَاد﴾ جمع (عَبْد)، والمراد بهم الخلق، فهو من العبودية العامة. استشكل بعض العلماء إتيان قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد﴾ بعد قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقال: كان مقتضى الحال أن يقال: ويحذركم الله نفسه والله شديد العقاب؛ لأن مقام التحذير يقتضي الوعيد، فأُجيب عن ذلك بأن من رأفته عز وجل بالعباد أن حذّرهم نفسه، وأخبرهم بأن الأمر عظيم؛ لأن إخبار الإنسان بحقيقة الحال لا شك أنه من الرأفة به، وإلا فليس من المناسب أن يهدد الإنسان بالتحذير ثم يقال: ولك رأفة ورحمة، ولكن قالوا: إن الرأفة بالعباد عائدة إلى أيش؟ إخبار العباد بحقيقة الأمر وتحذيرهم من مغبته، وهذا لا شك أنه وجه حسن وطيِّب. * طالب: قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد﴾ (...) أنها خاصة بالمؤمنين؛ لأن هذا السياق يوم القيامة فيكون الله سبحانه وتعالى رؤوف بالعباد المؤمنين يخرج من كان في قلبه ذرة. * الشيخ: لا؛ لأن إحنا قلنا: ما هو المراد الرأفة من التحذير، الرأفة بالإخبار؛ لأن الناس لو وكلوا إلى ما عندهم ضلّوا. * الطالب: جزاكم الله خيرًا بالنسبة لـ(أمدًا) ما تكون منصوبة على الظرفية ظرف زمان؟ * الشيخ: لا. * الطالب: زمنًا بعيدًا. * الشيخ: لا؛ لأنها تتأثر بالعوامل، فيقال: إلى أمد بعيد، إلى أمد قريب، ويقال: أمده أمد طويل. * طالب: بالنسبة يوم تجد يعني ما عملت من سوء محضرًا، ألا يمكن أن يكون يعني يحتمل أن تحضر السجلات فيكون هذا من إحضار الأعمال؟ عندما تحضر لها سجلات وتراها أمامها يكون هذا من إحضار الأعمال. * الشيخ: يمكن، يمكن، ولهذا قلنا: فيها وجهان، ولكن الأقرب أن تكون استئنافية. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ مُحْضَرًا﴾ يشمل الكبائر والصغائر؟ * الشيخ: إي نعم، كل شيء لم يُعف عنه. قال ربنا عز وجل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. * من فوائد هذه الآية: التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد الإنسان فيه ما عمل من خير أو سوء. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب -أو على الأقل- استحباب تذكّر الإنسان لهذا اليوم؛ لأن قوله: (اذْكُر) يشمل الذكر الخبري والذكر الفكري؛ يعني التدبر في القلب. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت الجزاء لكل نفس، وهل هذا على عمومه؟ أو يُستثنى منه من لا يكلَّف؟ يحتمل، إن نظرنا إلى عموم اللفظ قلنا: إنه شامل وغير المكلف يُكتب له ولا يُكتب عليه، فيكون ما عمل من خير محضرًا وما عمل من سوء فهو مرفوع عنه، ويحتمل أن يراد بها النفوس التي يلحقها الجزاء عقوبة وكرامة، وهي الأنفس المكلَّفة، ولا شك أنه ليس على عمومه فيما يتعلق بالبهائم؛ فإن البهائم لا تجد هذا. * ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قدرة الله عز وجل بإحضار ما عمله الإنسان من قليل وكثير، ومن أين يؤخذ أنه من قليل وكثير؟ من (ما) الموصولة التي تفيد العموم. * ومن فوائدها: كمال رقابته عز وجل؛ وأنه لا يفوته شيء، كل ما عمل الإنسان سوف يجده، فأنت ونفسك! انظر ماذا تقدّم لهذا اليوم من خير أو من ضده. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر الذي هو يوم الجزاء، وهو معلوم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشر يسوء صاحبه، من أين يؤخذ؟ لأن قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ عديل لقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ وكان مقتضى المعادلة أن يقول: وما عملت من شر؛ لأنه قال: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ ضده الشر، لكنه عبر عن الشر بعاقبة السوء؛ لأن الشر يسوء فاعله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشعور في ذلك اليوم لقوله: ﴿تَوَدُّ﴾ لأن المودّة خالص المحبة، وهي فرع عن الشعور بالشيء. * ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة المسيء لما عمله في ذلك اليوم، وأنه يحب أن يكون بينه وبينها ما بين المشرق والمغرب لقوله: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ وهكذا يود الإنسان أن يكون بينه وبين عمله السيئ الأمد البعيد، وبينه وبين قرين السوء الأمد البعيد، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٨] في الدنيا هم أصدقاء لكن في الآخرة أعداء. * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله بعباده بتحذيرهم نفسه لئلّا يقعوا في عقوبته ونقمته لقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي استعمال الأسلوب المناسب للحال، فالله عز وجل قال في هذه الآية: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وفي آيات كثيرة يتحبب إلى عباده عز وجل ويتودد إليهم؛ لأن هذا المقام الذي نحن فيه مقام أيش؟ تحذير وتهديد، ومقام التحذير والتهديد ينبغي أن يؤتى فيه بالأساليب المناسبة، ولهذا يقال: إن غاية البلاغة صيغة الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، هذه غاية البلاغة أن يُصاغ الكلام مطابقًا لمقتضى الحال؛ لأنه لو صيغها غير مطابق لعُدّ عِيًّا، لو جاء صدوق لك وقال: إن فلانًا قدم، والله إنه قدم، والله إنه قدم، والله الذي لا إله إلا هو إنه قدم، وأيش يكون هذا بلاغة ولَّا غير بلاغة؟ غير بلاغة، لأنك تقول له: اوقف يا أخي، أنا ما حلفتك، إلى الآن ما قلت لك إنك كاذب حتى تحلف! فالإتيان بالكلام مطابقًا لمقتضى الحال لا شك أنه غاية البلاغة كما في هذه الآية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرأفة لله عز وجل، بل إثبات الاسم والصفة في قوله: ﴿رَءُوفٌ﴾ والرأفة أشد الرحمة وأرقها، وتأمل قوله تعالى عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ وقوله عن نبيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨] فإن رأفة الله عامة، أما رأفة النبي ﷺ فهي خاصة بالمؤمنين، الكفار والمنافقون لا يرأف بهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة ٧٣] هذه وصية الله لنبيه في الكفار والمنافقين، وفي جلد الزاني قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه﴾ [النور ٢] لكن الرب عز وجل رؤوف بالعباد يسعهم حلمه ورحمته وعافيته ورزقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه بالنسبة إلى ربه، فما نسبته إلى ربه؟ أنه عبد، وأن الرب رب، والعبد يجب أن يكون منقادًا لأمر أيش؟ لأمر ربه، وأن يكون ذليلًا له سبحانه وتعالى، شرعًا كما أنه ذليل له قدرًا، كل الناس أذلة لله قدرًا ما يستطيعون أن يخالفوا قدره، أكبر واحد في الدنيا وأشدهم عتوًّا يمرض ويموت، وهذا خضوع لأيش؟ للربوبية القدريّة، لكن من ليس بمؤمن ليس بخاضع للربوبية الشرعية ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.

آل عمران 3:31

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١] هذه الآية يسميها بعض السلف آية المحنة؛ يعني آية الاختبار والامتحان، وذلك أن قومًا ادَّعوا أنهم يحبون الله، فأمر الله نبيه أن يتحداهم بهذا الميزان؛ وهو إن كانوا صادقين فليتبعوا الرسول ﷺ سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المنافقين، المهم أي واحد يدعي أنه يحب الله فهذا الميزان ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨] إذا كانوا صادقين فليتبعوا الرسول، أما مجرد دعوى: فَكُـــــلٌّ يَدَّعِــــي وَصْــــلًالِلَيْلَــــــــــــــــــــــــى ∗∗∗ وَلَيْلَــــى لَا تُقِــــرُّ لَهُــــمْبِــــــــــــــــــــــــــــذَاكَ كل يدعي أنه يحب الله؛ لأن الدعوى سهلة، لكن الكلام على البينة، البينة على المدعي، إذا كانوا يحبون الله حقًّا فليتبعوا النبي ﷺ لينالوا ما هو أعظم من دعواهم وهو محبة الله لهم، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ فالشأن ليس أن تُحِبّ، الشأن أن تُحَبّ هذه هي الثمرة، أما أن تُحِب ولا تُحَب فهذا عداء، انظروا إلى بريرة ومغيث؛ بريرة تبغض مغيثًا ومغيث يحبها، عُذِّب بحبها ولَّا لا؟ نعم عُذِّب لما عتقت خيَّرها النبي ﷺ قال: «اخْتَارِي نَفْسَكِ»، قالت: والله ما أبغي الرجل، زوجها، لكن أعتقته، فطلبت الخيار لنفسها والشرع يمكّنها من ذلك، فكان زوجها يبكي وراءها في السوق في أزقة المدينة يطلب أن لا تختار، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: اشفع لي يا رسول الله عندها، فكلمها النبي ﷺ قال: «ارْجِعِي إِلَى مُغِيثٍ»، قالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة - لله درُّها - وإن كنت تشير عليَّ فلا حاجة لي فيه[[أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس.]]. «إِنْ كُنْتَ تَأْمُرُنِي فَسَمْعًا وَطَاعَةً -لله دَرُّها- وَإْنْ كُنْتَ تُشِيرُ عَلَيَّ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: «بَلْ أُشِيرُ»، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ »[[أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس نحوًا من هذا اللفظ.]]، يعني: لم تقبل ولا شفاعة النبي ﷺ، ولم ترحم الرجل اللي يمشي وراءها يبكي في الأسواق، إذن الشأن أن يكون الإنسان محبًّا أو أن يكون محبوبًا؟ * الطلبة: محبوبًا. * الشيخ: أن يكون محبوبًا؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران 31] ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا في دعواكم المحبة، قال: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾. نقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، وقد مر علينا غير مرة أن النبي ﷺ إذا وجه إليه (قل) في القرآن فهو دليل على العناية بهذا القول الذي أمر أن يقوله؛ لأن هذا أمر بالتبليغ الخاص لهذا القول، أما القرآن كله فقد أمر أن يقوله كله، لكن بعض الأشياء يخص، يقال: (قل)، مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨] وما أشبه ذلك، هذا أمر بتبليغ هذا الشيء الخاص بعينه، فيكون في ذلك توكيد ودليل على العناية به، وهذه لا شك أنه يجب الاعتناء بها، يجيء إنسان يقول: والله أنا أحب الله، أنا حبيب الله، فيغر العامة، فيقال: الحمد لله، ننظر، كما يدعي الآن في الوقت الحاضر أناس أنهم أولياء لله، ولكن الذي يزعم أنه من أولياء الله نمتحنه، نقول له: تمن الموت؟ لا، هذا لليهود ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة ٦]، لكن نمتحنه بما دون ذلك، ننظر هل هو مؤمن تقي فهو أيش؟ * الطلبة: صادق. * الشيخ: صادق، هل هو عاص فاسق دجال يريد أن يشرك به مع الله في المحبة والطاعة فهو عدو وليس بولي؛ لأن الله قال في الميزان في الأولياء: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس ٦٢] هاه من؟ * الطلبة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٣]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ لا شك أن الخطاب هنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ غير معلوم بالشخص، المخاطب غير معلوم بالشخص، لكنه معلوم بالمعنى، يستفاد المعنى مما بعد ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، أي: قل لمن ادعى أنه يحب الله أيش؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾. قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ الجملة هنا شرطية، وفعل الشرط ﴿كُنْتُمْ﴾، وجوابه: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾، وجاءت الفاء في الجواب لأن الجملة طلبية، وإذا كانت الجملة الجواب طلبية وجب اقترانها بالفاء. ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ اتبعوني على ماذا؟ على ما أنا عليه من الشريعة، عقيدة وقولًا، وفعلًا وتركًا، كم من الأشياء؟ * طالب: عقيدة، وقولًا، وفعلًا، وتركًا. * الشيخ: كم؟ * الطالب: أربعة. * الشيخ: أربعة، فمن اتبع الرسول ﷺ في هذه الأربع صدق في اتباعه، ومن خالف فهو غير صادق. عقيدة: بحيث تكون عقيدته على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، لا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا شك، ولا ترديد، إيمان كامل خالٍ من جميع الشوائب، قولًا: لا يزيد ولا ينقص عما جاءت به الشريعة من الأقوال، وفعلًا: كذلك لا يزيد ولا ينقص، وتركًا: بحيث يترك ما لم يعمله الرسول عليه الصلاة والسلام، كل ما لم يتعبد به الرسول يجب عليه أن لا يتعبد به، فإن تعبد به ولو أنه يقول: إنه يحب الرسول فإن دعواه؟ كاذبة، إذا تعبد بفعل شيء ترك الرسول التعبد لله به لم يتعبد به لله وقال: والله أنا أحب الرسول، أتعبد لله بهذا الشيء محبة لرسول الله ﷺ، قلنا: دعواك كاذبة، لو كنت تحبه حقًّا لاتبعته حقًّا، في العقيدة والقول والفعل والترك، أما أن تحدث في دينه ما ليس منه فأين محبتك له؟ نحن نجد الإنسان من بني آدم إذا أحب شخصًا غير الرسول تجده يتوسم خطاه، يعجب به، فيترسم خطاه، وينظر ماذا يفعل ويفعل، حتى وإن كان الشيء سيئًا يكون في عين الحبيب؟ * الطلبة: حسنًا. * الشيخ: حسنًا كما قيل: وَعَيْــنُ الرِّضَــا عَــنْ كُــلِّ عَيْــبٍكَلِيلَــــةٌ ∗∗∗ كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِيالْمَسَاوِيَا وهذا شيء مجرب. الحاصل أن الله قال للرسول ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾ هذه فك إدغامها؛ ولذلك ظهر السكون فيها، وفي غير القرآن لو قيل: يحبكم الله، لكان صحيحًا؛ لأن الإدغام هنا يجوز، وفك الإدغام يجوز أيضًا. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ -الله أكبر- ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ هذه الثمرة والنتيجة التي يسعى إليها كل إنسان: أن يكون محبوبًا لدي الله سبحانه وتعالى، الثاني: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ شوف -الله أكبر- فائدتان عظيمتان: محبة الله لك، ومغفرة ذنوبك. ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: كل ما عملتم من الذنوب يغفر لكم، ولكن هل نقول: إنه يغفر وإن لم يستغفر الإنسان منه؛ لأن حسنة الاتباع تمحو هذا الذنب، ومحبة الله للإنسان توجب عدم عقوبته، أو نقول: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ بأن ييسر لكم أسباب المغفرة إن لم يغفر لكم بدون سبب؟ الله أعلم، يحتمل أنه سبحانه وتعالى أراد أنه يغفر الذنوب بسبب هذا الاتباع والمحبة، أو أنه وإن فعل الإنسان ما فعل، فإنه ييسر له أسباب المغفرة بأن يعود من معصية الله إلى طاعته، الله أعلم، لكن على كل حال الوعد هنا محقق وهو مغفرة الذنوب، إما بسبب من العبد، أو لمجرد فضل الله. وقوله: ﴿ذُنُوبَكُمْ﴾ الذنب هو المعصية، وهو كما ترون جمع مضاف لمعرفة، والجمع المضاف إلى معرفة يفيد؟ يفيد العموم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة هنا اسمية اشتملت على ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والغفور، والرحيم. أما معنى (الله): فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأنه المألوه، أي: المعبود حبًّا وتعظيمًا، وأن أصل الله الإله، فحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال كما حذفت من (الناس)، ومن (شر) و(خير). وأما الغفور: فالغفور هنا يحتمل أن تكون صيغة المبالغة ويحتمل أن تكون صفة مشبهة، والمعنيان لا يتنافيان، فتكون صفة مشبهة وصيغة مبالغة، صفة مشبهة لأن الله لم يزل ولا يزال غفورًا، وصيغة مبالغة لكثرة من يغفر له، وكثرة ما يغفره من الذنوب. والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر؛ لوجهين: لغوي، وسمعي، أما اللغوي: فلأن المغفرة مأخوذة من الْمِغْفَر الذي يستر به المقاتل رأسه ويتقي به السهام، والمغفر جامع للستر والوقاية، وأما السمعي: فلما ورد في كيفية محاسبة الله لعبده المؤمن أنه يخلو به ويقرره بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، واضح يا جماعة؟ وأما رحيم: فهو ذو الرحمة، وهو صالح أيضًا لأن يكون صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، والرحمة صفة تقتضي العطف والإحسان على المرحوم. والجمع بينهما -بين الغفور والرحيم- لفائدة عظيمة وهي الجمع بين الوقاية والعناية، بين الوقاية بالمغفرة يقيك الله سبحانه وتعالى شر الذنوب، والعناية بماذا؟ * طالب: بالرحمة. * الشيخ: بالرحمة، يعتني الله بك فييسرك لليسرى ويجنبك؟ * طالب: العسرى. * الشيخ: العسرى، فالجمع بينهما لهذه الفائدة العظيمة جمع بين أيش؟ * الطلبة: الوقاية والعناية. * الشيخ: الوقاية والعناية، فالمغفرة فيها الوقاية من الذنوب، والرحمة فيها العناية للعبد حتى ييسره الله لليسرى ويجنبه العسرى. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله أمر نبيه ﷺ أن يتحدى هؤلاء المدعين لمحبته بهذا الميزان القسط وهو: اتباعهم للرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها: جواز مخاطبة المدعي بالتحدي؛ لأن هذا هو الحق، لا تستحيي من شخص يدعي ما لم يتصف به؛ لأنه لو كان يعرف نفسه ما ادعى اتصافه بشيء لم يتصف به، فهو الذي أذل نفسه في الواقع، فلا تخش منه، تحده ليقيم البرهان والدليل على دعواه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنها مصداق لقول النبي ﷺ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»[[أخرجه الترمذي في الجامع (١٣٤١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، وهذه وإن كانت في دعوى الناس بعضهم مع بعض لكنها في الحقيقة قاعدة عامة، كل إنسان مدعٍ لا بد أن يقيم بينة على دعواه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن محبة الله تعالى غاية لكل الناس حتى غير المؤمن يقول: أنا أحب الله، كذا؟ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ رسول الله حقًّا، وجه ذلك؟ أن الله جعل اتباعه سببًا لمحبة الله للعبد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما قوي اتباع الإنسان للرسول ﷺ كان أقوى برهانًا على صدق محبته لله، فهذه من علامة محبة الإنسان لربه، فإذا رأيت الإنسان شديد الاتباع لرسول الله ﷺ فاعلم أنه شديد المحبة لله، كل إنسان يتبع الرسول ماذا يريد؟ يريد الوصول إلى الله عز وجل، ولا شيء يراد الوصول إليه إلا هو محبوب للإنسان، الذي تكرهه لا تسعى في الوصول إليه، تسعى في أيش؟ في الهرب منه والبعد منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اتباع النبي ﷺ سبب لمحبة الله للعبد؛ لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة:أنه ينبغي للإنسان أن يجيب غيره بما هو أكثر من سؤاله إذا كان محتاجًا إليه، إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنه لم يقل: فاتبعوني تحبوا الله، بل قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾، ولا أحد يحبه الله إلا وهو يحب الله؛ لأنك إذا أحببت الله عملت فأحبك الله؛ فلهذا أتى بالثمرة المهمة وهي محبة الله للعبد. * ومن فوائد الآية الكريمة:إثبات المحبة بين العبد والرب من الجانبين؛ لأنه قال: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ فأثبت أن الإنسان يحب الله، ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أثبت أن الله يحب الإنسان، وهي محبة حقيقية، خلافًا لمن أولها قال: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾: تحبون ثوابه، ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: يثبكم الله، يثبكم، فإن هذا تحريف. وسبب هذا التحريف القاعدة الباطلة بالسمع والعقل وهي: تحكيم العقل فيما يثبت وينفى عن الله عز وجل، فإن قومًا ادعوا العقلية قالوا: نحن الذين نحكم على الله بما يجب له أو يجوز أو يمتنع، وليس ما أخبر الله هو الذي يحكم بيننا -أعوذ بالله- هذا لازم قولهم وإن كانوا لا يصرحون بهذا لكن هذا لازم قولهم، إذا قيل: قال الله عن نفسه: إنه يُحِب، قال: لا، الله ما يحب، لكن يثيب، إذا قال عن نفسه: إنه يُحَب، قال: لا من يُحِب الله؟ الذي يُحَب هو الثواب، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أيش يحبهم؟ * الطلبة: يثيبهم. * الشيخ: يثيبهم، ﴿يُحِبُّونَهُ﴾: يحبون ثوابه، -سبحان الله- والله إن الإنسان يجد طعمًا لا شيء يشبهه في محبة الله -الله أكبر- ومحبة الله ما هي محبة الثواب، إذا وقع في قلبك محبة الله نسيت كل شيء، حتى الجنة وحتى كل شيء، تحب الله نفسه عز وجل تحبه، حتى أنك ترى أن كل شيء يضمحل ويكون عبدًا لله أمامك، فالمحبة محبة حقيقة لله، محبة؛ ولهذا جاء في الحديث -وإن كان فيه ما فيه-: «أَحِبُّوا اللَّهَ لما يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي في الجامع (٣٧٨٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]، كل النعم من أين؟ * الطلبة: من الله. * الشيخ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، وأكبر نعمة على الإنسان -واللهِ- هي أن يهديه للإسلام ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣]، الإنسان الذي هداه الله للإسلام ليس أحد مثله في النعمة إلا من أنعم عليه بها، فأنت في الحقيقة تحب الله نفسه لذاته ولما أنعم عليكم به من النعم، وليست محبة الله كمحبة الزوجة، كمحبة الطعام، كمحبة الشراب، كمحبة اللباس، كمحبة السكن، كمحبة السيارة، لا، محبة لا يشبهها شيء، وجربْ تجدْ، خل قلبك صافيًا يومًا من الدهر، وصلِّ، وكن متصلًا بالله في صلاتك تجد شيئًا يعني ما يختر بالبال، وتجد شيئًا يبقى أثره مدة طويلة وأنت تتذكر تلك اللحظة التي كنت فيها متصلًا بربك عز وجل. فالحاصل أننا نقول: لا أحد ينكر محبة الله نفسه إلا من حُرِمها، والله لو نعتقد أننا نحب ثواب الله دون الله ما حرصنا كل الحرص على الأعمال الصالحة، مع أننا مقصرون ما عملنا شيئًا، لكن نقول يعني أن الإنسان يعمل العمل الصالح لله، ولا يعني ذلك أننا لا نلاحظ الثواب، لا، نلاحظ الثواب، لسنا صوفية يقولون: من عمل للثواب فهو للتراب، نقول: نحن نحب الله ونحب ثوابه، لكن الأصل ما هو؟ * طالب: محبة الله. * الشيخ: محبة الله؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] ما هي ﴿الْحُسْنَى﴾؟ الجنة كلها بما فيها من النعيم، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ النظر لوجه الله، فجعل النظر لوجه الله زائدًا، أمرًا زائدًا عن النعيم؛ لأن الإنسان -الله يجعلني وإياكم ممن ينظر إليه- إذا نظر إلى ربه، فهذا أكمل ما يجد من النعيم واللذة (...)؛ فلهذا نقول: إن محبة الله محبة لله عز وجل حقيقةً ولا مانع. يقولون: إن المحبة لا تكون إلا بين متلائمين، ولا ملاءمة بين الخالق والمخلوق، وأيش نقول لهم؟ * طالب: دعوى. * الشيخ: دعوى، دعوى باطلة يبطلها الواقع، ألستم تحبون منازلكم وثيابكم ومركوباتكم؟ إنسان عنده بعير صلف شديد لا يحجزه اللجام، وبعير سهل الانقياد سلس المشي هملاج أيهما أحب إليك؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: ولا الأول؟ الثاني يحبه يقول: روح جيب بعيري؟ جاب له البعير الصلف قال: لا روح رده هات الثاني، لأيش؟ لأن الثاني أحب إليه، من قال: إن المحبة لا تكون إلا بين متلائمين أو متجانسين، من يقول هذا؟ محبة ثابتة. ثم على فرض أن هذا يكون بين المخلوقات، فليس هذا بين الخالق والمخلوق، الخالق والمخلوق أثبت الله -وهو أعلم- أنه يحِب ويحَب. إذن في هذه الآية رد على من ينكر أيش؟ محبة الله، المحبة بين الإنسان وبين الرب. والناس في هذا ثلاثة أقسام: قسم قال: لا محبة بين الرب والعبد من الجانبين، وقسم قال: لا، بل تثبت المحبة بين الرب والعبد من الجانبين، وثالث قال: إن الله يحَب ولا يحِب، والقرآن والسنة يرد على طائفتين ويؤيد طائفة، من نفى المحبة بين الطرفين فقوله باطل، ومن تناقض فأثبتها من جانب العبد دون الرب فقد تناقض أيضًا، الأول قوله باطل ومطرد، قوله مطرد، لكنه باطل، والثاني قوله متناقض وهو باطل، ومن أثبتها بين العبد والرب فهذا هو الذي على الحق؛ لأن الله أثبت ذلك. * طالب: شيخ، إذا حقق الإنسان الأمور الأربعة التي يكون بها متبعًا للنبي ﷺ العقيدة والقول والفعل هل يتنافي ذلك يعني: هل يمنع محبة الله فعله للمعاصي اختلاطه ببعض المعاصي الصغيرة؟ * الشيخ: لا، قد لا يمنع لكن ينقص بلا شك (...). بسم الله الرحمن الرحيم، * ومن فوائد الآية الكريمة: الثمرة الجليلة لاتباع رسول الله ﷺ، وذلك بمحبة الله. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل العمل أن يشعر نفسه أو أن يستشعر أنه متبع بذلك لرسول الله ﷺ؛ لأن هذه النية مهمة، فينوي الإنسان عند فعل العبادة نيتين: النية الأولى: الإخلاص لله عز وجل، وأنه لم يفعل ذلك إلا طاعة لله وابتغاء لمرضاته، والثانية: أن يشعر بأنه متبع لرسول الله ﷺ حتى يتقن العمل؛ لأنه إذا أخلص لله وأخلص لرسول الله ﷺ بالاتباع أكمل عبادته أكثر وأكثر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾، حيث جعلها برهانًا على صدق دعوى المحبة، وجعل الجزاء من جنسه: أن الله يحب العبد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اتباع رسول الله ﷺ سبب لمغفرة الله للذنب؛ لقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وهذا ظاهر: أن اتباع الرسول صلوات الله وسلامه عليه من أسباب المغفرة، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: كمال إحسان الله سبحانه وتعالى بجزائه على العمل أكثر منه؛ لأن الذي يتبع الرسول يحصل له محبة الله ومغفرة الذنوب، ويتبين لك هذا الفضل بأن الذي منّ عليك بالعمل أولًا هو الله، ثم منّ عليك ثانيًا بالجزاء عليه جزاء أكثر؛ ولهذا ما أعظم شكر الله سبحانه وتعالى للعبد حيث يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، مع أن إحسان العبد إنما كان بإحسان الله إليه، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فالله تعالى يحسن إليك بالعمل أولًا وثانيًا، أولًا بالتوفيق له، وثانيًا بالجزاء عليه ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، شوف الفضل العظيم، كأن الأمر منا ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ مع أن التوفيق من الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين وما تضمناه من صفة، قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ففيهما إثبات الاسمية لله في هذين الاسمين، والثاني إثبات الصفة التي تضمناها، ومعلوم أن كل اسم من أسماء الله يدل على معناه الخاص به، لكن اجتماع الاسمين يدل على معنى ثالث وهو: الجمع بين مغفرة المعائب والرحمة بالعناية بالفضائل؛ لأن المغفرة مقابل الذنوب، والرحمة مقابل العناية بالإنسان، أن الله تعالى يرحم الإنسان، فيحصل من اجتماع هذين الاسمين صفة ثالثة وهي: جمع الرب سبحانه وتعالى بين الإحسان والعناية وبين الوقاية من الذنوب وآثارها بالمغفرة. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ﴿قُلْ﴾.. * طالب: فائدة. * الشيخ: فائدة؟ ما هي؟ * الطالب: أنه لا تترك سنة من سنن الرسول ﷺ حتى لو (...) العوام يكرهون أهل السنة والله سبحانه وتعالى يحب أهل السنة. * الشيخ: لا ما يمكن، هذا ما يمكن؛ لأنه قد جاء (...) للفاضل ما يجعله مفضولًا، وهذه قاعدة معروفة عند أهل العلم، والتأليف بين المسلمين أمر مطلوب شرعًا، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أنه إذا كان في ترك السنة تأليف بالعباد، فإن التأليف يجب أن يراعى أكثر، كما قال: إذا أم قومًا لا يرون القنوت في الوتر فلا يقنت، وقال: إذا ائتم بشخص يقنت في الفجر فليتابعه وليؤمن على دعائه، «بل ترك النبي ﷺ بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفًا من الفتنة »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥٨٣)، ومسلم (١٣٣٣ / ٣٩٩) من حديث عائشة.]]، وهذه القاعدة ينبغي لطلبة العلم أن ينتبهوا لها وهو: أنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، وإذا تأملت الشريعة على حسب القواعد العامة وجدت أن كل ما يوجب التنافر بين المسلمين والعداوة بينهم يكون منهيًا عنه، البيع على بيع المسلم والغش وما أشبه ذلك، كل هذا؛ لأنه يوجب التنافر والعداوة بين المسلمين. والإنسان يمكنه أن يوفق بين فعل السنة وبين التأليف، يفعل السنة في ذات نفسه، في مكان لا ينفر منه الناس، ثم يدعو الناس إليها بالقول قبل كل شيء ويبينها للناس أولًا، فإذا اطمأن الناس إليها سهل تطبيقها عليه وعليهم، فأهم شيء إقناع هؤلاء الذين لا يفهمون، فإذا اطمأنوا عملت معهم السنة على وجه ليس فيه تنفير. المهم على كل حال أن مراعاة المصالح في الشريعة الإسلامية أمر معلوم، ودفع المفاسد أمر معلوم.

آل عمران 3:32

﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ، و﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ الطاعة ما هي؟ الطاعة هي: عبارة عن الانقياد والموافقة، سواء كانت في فعل أو في ترك، فإن كانت أمرًا، فالطاعة فعل المأمور به، وإن كانت نهيًا، فالطاعة اجتناب المنهي عنه، هذه الطاعة. وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أتى بالواو الدالة على التشريك؛ لأن طاعة الرسول ﷺ فيما يأمر به من الشريعة من طاعة الله، طاعته فيما يأمر به من الشريعة من طاعة الله، وأما فيما لا يأمر به من الشريعة، فلا شك أنه أعظم الناس حقًّا علينا، ولكن قد يشير بالشيء ولا يلزم أو قد يشفع في الشيء ولا يلزم طاعته في الشفاعة، كما مر علينا في قصة بَرِيرة حيث قالت: «يا رسول الله، إن كنت تأمُرُني فسَمْعًا وطاعةً، إن كنتَ تُشير علي فلا حاجة لي فيه »[[سبق تخريجه.]]. أما طاعة الرسول فيما يأمر به من شرع الله، فإنها كطاعة الله سواء، فإذا أمر عليه الصلاة والسلام بشيء، فإن طاعته طاعة لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاءت الواو ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وانظر إلى الأمر الشرعي حتى في الإتيان ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩] ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا إتيان شرعي لا قدري، في الأمور القدرية ما يمكن أن يشرَّك الرسول مع الله بالواو، في الأمور الشرعية يشرَّك؛ لأن النبي ﷺ لا يشرع إلا بشرع الله؛ ولهذا قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. وقوله: ﴿الرَّسُولَ﴾ (أل) فيها للعهد وليست للاستغراق، فمن المعهود؟ * طالب: النبي محمد ﷺ. * الشيخ: المعهود رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله، وهذا العهد ذهني ليس حضوريًّا ولا ذِكريًّا؛ لأن العهود ثلاثة: عهد ذكري، وذهني، وحضوري، فإذا قلت: أكرم هذا الرجل؟ * الطلبة: حضوري. * الشيخ: هذا حضوري، وإذا قلت: رأيت رجلًا فدعوتُ الرجل؟ * الطلبة: ذكري. * الشيخ: هذا ذكري، وإذا قلت: جاء القاضي؟ * الطلبة: ذهني. * الشيخ: هذا ذهني، نعم. يقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ والرسول من؟ الرسول عند عامة العلماء: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرع يتعبد به ولكن لم يكلف بتبليغه، فآدم نبي؛ لأنه أوحي إليه بشرع لكنه ليس برسول؛ لأنه لم يلزم بتبليغه، لكن ذريته في ذلك الوقت كانوا يتبعونه؛ لأنهم قلة ولم يكثروا فيحصل النزاع بينهم، ولم تفتنهم الدنيا، فكانوا يتبعون أباهم فيما يتعبد به من شريعة الله، فلما كثر الناس واختلفوا بعث الله النبيين، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣]، فصار الرسول أخص من النبي، وعليه فنقول: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الأنبياء الذين ذكروا في القرآن بلفظ النبوة هم أنبياء ورسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، فأفادت الآية الكريمة أن كل من قصه الله علينا في القرآن فهو رسول وإن كان لم يرد ذكره إلا بلفظ النبوة. يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني: أعرضوا عن الطاعة ولم يمتثلوا لها ولم ينقادوا، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ إن تولوا عن طاعة الله فإن هذا كفر، كفر منهم، ولكنه قد يكون مخرجًا من الإسلام وقد لا يكون مخرجًا، كيف؟ إن كان كفرًا مطلقًا بكل ما أمروا به، فهو كفر مخرج عن الإسلام، وإن كان كفرًا مقيدًا ببعض الأوامر، فهو كفر دون كفر لا يخرج من الإسلام، والميزان في ذلك النصوص، فما دلت النصوص على أنه كفر كان التولي به كفرًا مخرجًا عن الملة، وما دلت النصوص على أنه معصية فهو كفر لا يخرج من الملة. وفي قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بماذا نفسر نفي المحبة هنا؟ فسرها بعضهم بأن المعنى: لا يثيبهم، ولكن هذا تحريف، والصواب أنه لا يحبهم وهو إذا لم يحبهم لن يثيبهم، فهذا انتفاء محبة الله عنهم. وقوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ هو إظهار في محل الإضمار، ومقتضى السياق أن يقال: فإن تولوا فإن الله لا يحبهم، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدتين: إحداهما لفظية، والثانية معنوية، والمعنوية تتضمن ثلاث فوائد: الفائدة اللفظية مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، لو قال: فإن تولوا فإن الله لا يحبهم، لم تتناسب هذه الفاصلة مع الفواصل التي قبلها وبعدها، ومراعاة الفواصل من البلاغة، ألم تروا إلى قوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، مع أنه في الآية الأخرى يقدم موسى، وموسى أفضل من هارون لا شك وأحق بالتقديم، لكن قدم هارون على موسى في هذه الآية -في آية طه- من أجل مراعاة الفواصل، ولا شك أن القرآن في قمة البلاغة، فمراعاة الفواصل من البلاغة. أما الفائدة المعنوية فنقول: إن قوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ إظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد معنوية: * الفائدة الأولى: التسجيل على هؤلاء بالكفر، يعني: الحكم عليهم بأنهم كفار، ولو قال: فإنه لا يحبهم، لم تحصل هذه الفائدة أنهم كفار. * الفائدة الثانية: التعميم، بحيث تكون محبة الله منتفية عن كل كافر، ولَّا لا؟ ولو قال: لا يحبهم لاختص نفي المحبة بهؤلاء فقط. * الفائدة الثالثة: التعليل؛ وذلك لأن الحكم إذا علق بوصف دل على علية ذلك الوصف فيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ لماذا؟ لكفرهم، فتعليق الحكم بالوصف يدل على عِلّية ذلك الوصف في الحكم، يعني: أن سببه هو هذا الوصف، فإذا قلت: أكرم المجتهد، لماذا؟ * الطلبة: لاجتهاده. * الشيخ: لاجتهاده، إذن علق الإكرام بوصف وهو الاجتهاد، فدل ذلك على أن الاجتهاد هو العلة، فصار الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد معنوية وفائدة لفظية، لكن الفائدة الفظية قد لا تثبت أو لا تحصل في كل موضع، لكن في هذا الموضع حصلت، الفائدة اللفظية هنا؟ * طالب: مراعاة الفواصل. * الشيخ: طيب، المعنوية؟ * طالب: التسجيل عليهم بالكفر. * الشيخ: يعني الحكم عليهم بالكفر. * طالب: والتعميم. * الشيخ: التعميم. * طالب: التعليل. * الشيخ: والتعليل، واضح يا جماعة؟ * طالب: عندي رابعة. * الشيخ: وما هي؟ * الطالب: التعبد بالتلاوة. * الشيخ: لا، لأنها لو قال: لا يحبهم، تعبدنا بتلاوتها. * الطالب: (...). * الشيخ: معناه إذن: كل آية في القرآن تحتاج أطول تقول: إنها ناقصة، ما يصلح هذا. إذن نقول: في هذه الآية فوائد: أولًا: عناية الله سبحانه وتعالى بطاعته وطاعة رسوله، وجهه؟ * طالب: لأنه قال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: لم يطيعوا. * الشيخ: لا. * طالب: إيه يا شيخ؛ لأنه قرن بالواو المشركين. * الشيخ: نعم؟ * طالب: سببين يا شيخ، أولًا: تصدير الآية بالأمر. * الشيخ: بـ(قل). * طالب: بـ(قل)، الثانية: جعلها بعد آية المحبة. * الشيخ: نعم، لأنه مر علينا أنه إذا صدرت بـ(قل) الآية كان ذلك أمرًا خاصًّا بإبلاغها، مع أن القرآن كله الرسول أمر بأن يقوله، ثاني مناسبة أنها ذكرت بالمحبة، بعد آية المحبة إشارة إلى أن طاعة الله والرسول سبب لذلك. * من فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة رسول الله ﷺ؛ لقوله: ﴿وَالرَّسُولَ﴾، وهذا مكرر في آيات متعددة. * ومن فوائدها: الرد على من قال: إن السنة لا يعمل بها إلا ما وافق القرآن، وجهه؟ أن الله قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ومن المعلوم لو قلنا: إن الرسول ﷺ لا يطاع إلا فيما أمر الله به لم يكن للأمر بطاعته فائدة؛ لأن كل من أمر بما أمر الله به فإنه مطاع، مطاع لا لأمره ولكن لأمر الله، فطاعة الرسول بأمره طاعة مستقلة. على أننا نقول: إن الذي يقول: إنه لا يعمل بالسنة إلا ما وافق القرآن متناقض، وجهه؟ أن قوله: إلا ما وافق القرآن، يحكم عليه؛ لأنه ليس في السنة ما يخالف القرآن؛ لأن القرآن أمر بالعمل بالسنة، فالعمل بها موافقة للقرآن وليس بمخالفة، فهذا تناقض. سمعت أن بعض الناس أنكر على من استدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، وقال: إن هذا في قسم الفيء، وهذا صحيح أنها –الآية- في قسم الفيء، ولكن إذا كان يجب علينا أن نقبل ما قسمه الرسول عليه الصلاة والسلام في الفيء وأن ننتهي عما نهى عنه، فما بالك بالأمور الشرعية؟ أليس قبولنا لما جاء به شرعًا أولى من قبولنا بما قسمه مالًا؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ما فيه شك، يعني: لو سلمنا جدلًا -وهي حقيقة- أنها في الفيء، لكنها تشير إلى أنه إذا قبلنا قسمته في الأموال، فيجب علينا أن نقبل ما حكم به في شرع الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الطاعة؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. واعلم أن ترك امتثال الطاعة إن كان سببه كراهة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا كفر مخرج عن الملة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٩]، وإن كان تكاسلًا وكراهة لهذا العمل نفسه لا لأن الرسول جاء به، فهذا لا يخرج من الملة، وهذه مسألة يجب التفطن لها والتنبه؛ لأن بعض الناس إذا رأى أن شخصًا كره فلانًا لتطبيقه السنة قال: هذا كره ما أنزل الله فهو كافر، وهذا غلط عظيم، والكفر ليس نقدًا سهلًا تعطيه من شئت وتمنعه من شئت، الكفر أمره صعب جدًّا، لا يجوز أن نكفر إلا من تيقنا أنه صدق عليه أنه كافر؛ ولهذا ربما يكره الإنسان هذا العمل من شخص ولا يكرهه من شخص آخر، إذن هو لا يكره العمل لأنه سنة، لكن قد يكره هذا الرجل نفسه؛ لأنه عمل به. وهذا شيء كثير مشاهد، لو أن أحدًا من الناس الموثوقين عند العامة فعل هذا الفعل لوجدتهم يتحدثون: أترى هذا سنة؟ ما أدري أنه سنة، فيأخذون بها، أو على الأقل لا ينكرونها، لكن لو فعله واحد غير موثوق وأيش تجده؟ * طالب: ينقضونه. * الشيخ: ينتقضونه ويكرهونه، وهذا (...) المسكين هذا، ويرمونه بكل داهية. فالمهم أن هذه مسائل يجب علينا يا إخواننا أن نفرق بين من كره العمل لأنه شرع الله، فهذا لا شك في كفره ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٩]، وعلامة ذلك أنه لو جاء من غير شرع الله لقبله، فهذا كافر، وأما من كره العمل لأنه عمل، فهذا لا يصل إلى حد الكفر، ولكن ينظر في أمره، ونزلوا هذه المسائل -بارك الله فيكم- على كثير ممن يتسرع فيه بعض الناس فيحكم على فاعله بالكفر، وما علم أن «مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ»[[أخرجه مسلم (٦١ / ١١٢) من حديث أبي ذر بلفظ: إلا حَارَ عليه. كما سيأتي بعد.]]، والذي قال هذا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمعنى «يَرْجِعُ عَلَيْهِ» أنه سيكفر هذا الرجل، يكفر؛ لأنه قال: «إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ»، ولم يقل: إلا أوشك أن يحور عليه، قال: «إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» يعني: أنك ستكفر اليوم أو غدًا، إلا أن يمن الله عليك بالتوبة، كل هذا من أجل حماية أديان الناس، فإذا كان الشرع يحمي أعراض الناس بأن من قذف شخصًا وجب عليه الحد ثمانين جلدة، فأديان الناس حماها أيضًا، بماذا؟ بأنك إذا كفرت شخصًا أو قلت: يا عدو الله، رجع عليك، حتى لو قلت: يا عدو الله، فيما يفسقه، رجع عليك وبليت بالفسق، والعياذ بالله. فالمهم يا إخواني أنه يجب أن لا نتسرع في هذه الأمور، وأن نعلم أن الأمر عظيم، عظيم لا يتصور الإنسان عظمه، لكن الحمد لله يسعك ما دل عليه شرع الله عز وجل، من كفره الله ورسوله فكفرْه، لكن تتيقن لا بد أن تتيقن أن هذا الرجل بعينه محكوم عليه بالكفر، وإذا كنا لا نشهد للمؤمن بعينه بالجنة وإن كان داخلًا في عموم المؤمنين، فلا نشهد للرجل بالكفر وإن كان داخلًا في عموم الكافرين، يعني: إذا جاء نص يقول: من فعل كذا فهو كافر، فلا نطبق هذا الحكم على كل من فعله بعينه، كما أنه جاءت النصوص بأن المؤمنين يدخلون الجنة، هل نحكم بدخول الجنة على كل مؤمن بعينه؟ لا، ما نشهد بالجنة بعينه إلا من شهد له الرسول ﷺ، فكذلك أحكام الكفر كأحكام الإيمان تمامًا. واعلم أنك إذا حكمت عليه بالكفر فقد أبحت ماله، أبحت دمه وماله، وحرمته الجنة وأوجبت له النار، وأوجبت فسخ نكاح زوجاته منه، وأن لا يرث أحدًا من أقاربه، وأن لا يصلى عليه، وأن لا يدفن مع المسلمين، أحكام الكفر ما هي هينة حتى تكون على ألسنة كل أحد، إي نعم. * طالب: بعض الناس يكرهون السنة، مثلًا إنسان لبس ثوبًا لا على السنة هذا ما يكرهونه، ولكن إذا يعلمون أنها سنة يكرهونها أو لحيته أو هكذا يعني ناس نخبرهم؟ * الشيخ: على كل حال، مثل ما قلت لك: من كره لأنه شرع الله فهذا كافر. * الطالب: (...) شخص هذا لكن (...) يقولون: إن هذا تشدد وتزمت (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح يرونه (...)؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إذن يكره الشخص نفسه؛ ولذلك الآن هذه الذي ذكرت زدت ثالثًا: إذا فعلها من يثق الناس به علمًا ودينًا ما كرهوه، فإذن صار يكره الشخص نفسه، وذاك الفاسق اللي رفع ثوبه ما يكرهه ولا يحبه؛ لأن هذا يقول: سبحان الله ربما أن الله هداه، إي نعم. * طالب: (...) إذا كان الإنسان هذا اللي فعل السنة هذه وفي أناس آخرون مسلمين ولم يفعلوا السنة بما جاء بها النبي ﷺ هم يفعلونها من أجل الناس ويكرهونها من أجل تطبيق السنة الصحيحة، ما حكمهم يا شيخ؟ * الشيخ: أنا أعطيتكم قاعدة طبقوها على كل الناس: من كره الرجل لكراهة السنة، من كره العمل لأنه سنة وشرع، فهو كافر، ومن كرهه من هذا الشخص نفسه فهو لكراهة الشخص، وكما قلت لكم وزادنا الأخ غانم قسمًا ثالثًا. * طالب: مراعاة فواصل الآيات إذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى قادر أن يجعل الآيات كلها على منوال واحد ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] يستطيع الله سبحانه وتعالى أن يجعل كل الآيات على (...)؟ * الشيخ: وأيش لون؟ * الطالب: يستطيع سبحانه وتعالى الله أن يجعل.. * الشيخ: لسنا نحكم على الله يا أخي، الله هو اللي يحكم علينا. * الطالب: بس مراعاة الفواصل؟ * الشيخ: إيه، هذا شيء معروف، والعلماء ذكروا هذا وهو صحيح أن مراعاة الفواصل، أحيانًا لفظة يعني غريبة في اللغة العربية لأجل هذا، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٧، ١٨]، وأشياء كثيرة من هذا؛ لأن هذا مقتضى البلاغة. * طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، عثمان رضي الله عنه: ما لي لا ألعن ما لعن رسول الله ﷺ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٣١)، ومسلم (٢١٢٥ / ١٢٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وفي كتاب الله (...). * الشيخ: أحسنت. * الطالب: هل يؤخذ منه دليل؟ * الشيخ: ما لعن معينًا، ولو فرض أنه لعن معينًا، فالمراد الجنس، كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ» لما مر برجلين يحتجمان في البقيع قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٢٣٦٧) من حديث ثوبان.]]، قال: شيخ الإسلام: ليس يريد أن هذين أفطرا لأنهما جاهلان، لكن المراد أفطر الجنس، يعني: أفطر جنس هذا العامل، إي نعم.

آل عمران 3:33

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران ٣٣ - ٣٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أولًا: أظن أننا كملنا الفوائد السابقة لم يبق شيء. قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هذه الجملة كما نشاهد جملة مؤكدة بـ(إن)؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ إذ إن المقصود بيان أن الله تعالى يصطفي من الناس من شاء ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ٧٥] يعني: ومن الناس رسلًا، فيقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله تعالى خلقًا مستقلًا، وليس متطورًا من جنس آخر أو من نوع آخر قبله، كما يقوله أهل الإلحاد، ومن ادعى ذلك فقد كفر بالله؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه في عدة مواضع أن الله خلق آدم من تراب ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن ١٤]، ﴿مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧١]، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فمن زعم غير ذلك فهو كافر، مصدق لغير الله مكذب لله -والعياذ بالله- مع العلم بأنه لن يأتي أحد بكلام عن آدم وابتداء خلقه وكيفية خلقه غير مستند في ذلك إلى الوحي، فإن قوله غير مقبول، لماذا؟ لأنه لم يشاهده، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١]، وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فمن ادعى علم شيء ممن سبق فهو كاذب إلا ببرهان، وآدم -كما نعلم- بيننا وبينه أزمنة طويلة جدًّا، فلا يمكن أن نقبل قولًا فيه إلا عن طريق الوحي الصحيح. وسمي آدم قيل: لأُدمته، يعني: لأن لونه ليس الأبيض الباهق ولا الأسود الحالك، لكنه بين ذلك، وخلقه الله عز وجل على صورته، أي: على صورة الله عز وجل تكريمًا له، ولا يلزم من كونه على صورة الله أن يكون مماثلًا له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فعلينا أن نؤمن بالنصوص كلها، نؤمن بأنه خلقه على صورته ونؤمن بأنه ليس مثله، فإن قلت: كيف يكون على صورته وليس مثله؟ فالجواب: يمكن هذا، يمكن هذا في المخلوق فما بالك بالخالق؟ لقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ أَوْلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، ومن المعلوم أنه لا يلزم التماثل، يعني: ليس صورتهم كصورة البدر تمامًا، بل من حيث الجملة والبهاء والنور، كالقمر ليلة البدر، ثم إن القرآن والسنة لا يكذب بعضهما بعضًا، وإذا كان الجمع ممكنًا بين المخلوقات بعضها مع بعض، أي: أن الشيء يكون على صورة الشيء بدون مماثلة، فإمكان ذلك بين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وقوله: وخلقه الله على صورته، وأسجد له ملائكته إكرامًا له، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر ٢٩]، فأمرهم أن يسجدوا، فأمر الملائكة أن تسجد له إكرامًا له. وآدم عليه الصلاة والسلام أوحي إليه كما في القرآن الكريم، ولا شك أنه أوحي إليه أيضًا من الناحية العقلية؛ وذلك لأنه لا يستقل بعبادة الله، أي: لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله إلا بوحي من الله، وهو مخلوق للعبادة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، فدل السمع والعقل على أنه موحى إليه. ولكن هل كان رسولًا؟ لا، ليس برسول بدلالة الكتاب والسنة، أما في الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، فجعل النبيين من بعد نوح، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة الطويل: «أن الناس سيأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤ / ٣٢٧) من حديث أبي هريرة.]]، وعليه فآدم نبي أوحي إليه بشرع وتعبد لله به، وبقي الناس على هذا الشرع؛ لأنهم قلة ولم يحصل منهم اختلاف، فلما اختلفوا ﴿بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. وقول: ﴿آدَمَ وَنُوحًا﴾ نوح ذكره الله عز وجل بعد ذكر آدم؛ لأنه الأب الثاني للبشرية، فإن نوحًا لما كذبه قومه إلا القليل أهلكهم الله تعالى بالغرق، فجعل الله ذريته هم الباقين كما في سورة الصافات: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، فصار الأب الثاني للبشرية، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وما آمن معه إلا قليل، ألف سنة وما آمن معه إلا قليل، ونحن إذا دعونا عشرة أنفار وتلكؤوا قليلًا، ثم استجاب واحد من عشرة قلنا: ما قبلت دعوتنا واستحسرنا عن الدعوة إلى الله وآيسنا، وهذا رسول بقي ألف سنة إلا خمسين عامًا في قومه وما آمن معه إلا قليل، ومع ذلك قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ لا شك أنه يدخل فيهم إبراهيم بالأولى، لكن نص على آلهم لكثرة الرسل فيهم، ولا سيما أن فيهم أفضل الرسل محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، فإن محمدًا ﷺ من آل إبراهيم. ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ آل عمران اختلفوا في المراد بهم، فقيل: آل عمران أبي موسى؛ لأن موسى أفضل أنبياء بني إسرائيل، وقيل: آل عمران أبي مريم ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ [التحريم ١٢]، فذكر آل عمران؛ لأن فيهم آخر الرسل قبل محمد ﷺ وهو عيسى ابن مريم الذي ينتمي إليه النصارى، وخصها بذلك -خص آل عمران بذلك- لأن المقام يقتضيه أيضًا، فإن هذه السورة نزل أولها في وفد نجران وهم من النصارى، وسواء كان هذا أم ذاك، فإنه يدل على أن الله اصطفى هذه القبيلة -قبيلة إبراهيم- فهو مصطفى من مصطفى، ﴿اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هذا الاصطفاء الأول، ﴿وَنُوحًا﴾ هذا الاصطفاء الثاني، ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الثالث، ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ الرابع، فكان هؤلاء السادة من البشر هم الذين اصطفاهم. ومعنى الاصطفاء: أن الله اختارهم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]، ما هو على كل من خلقنا، ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. قلت: الاصطفاء بمعنى الاختيار؛ لأن أصله مأخوذ من الصفوة، وصفوة الشيء: خياره، و﴿اصْطَفَى﴾ أي: أخذ صفوته. وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي عالمين؟ هل هم كل العالم؟ أو على العالمين من جنس الحيوان؟ الأول هو الأصل: أن المراد بالعالمين من سوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما ينبني على هذا الخلاف. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بالنصب بدل من ﴿آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾، ﴿ذُرِّيَّةً﴾ يعني: هؤلاء الأربعة الأصناف ذرية بعضها من بعض، وذرية مأخوذة من (ذرأ) بمعنى خلق، في قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى ١١] أي: يخلقكم، وقيل: من (وذر) بمعنى ترك، فعلى الأول: تكون الذرية شاملة للأصول والفروع؛ لأن الأصول مخلوقون والفروع كذلك مخلوقون، أما إذا جعلناها من (وذر) بمعنى ترك فهي للفروع فقط، وهذا هو المعروف عند عامة الناس: أن الذرية هم الفروع، يعني: من نشؤوا عن الإنسان وتركهم بعده، هل في القرآن ما يدل على أن الذرية تطلق على الأصول؟ أيش؟ * طالب: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ [الطور ٢١]. * الشيخ: لا. * طالب: ذرية آدم ومن حملنا.. * الشيخ: لا، ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]. * طالب: في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. * الشيخ: نعم هذه، ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [يس ٤١، ٤٢]، فإن الذين حملوا في الذرية هم الذين آمنوا مع نوح وهم سابقون. وقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ في جنس الخلقة؟ أو ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ في العمل والآداب والأخلاق؟ * طالب: تشمل. * الشيخ: الظاهر الشمول، يعني أن الآدميين كلهم من جنس واحد، ما فيه آدمي كان بالأول قرد، كما يقوله إخوان القردة، ومن أقروا على أنفسهم بأنهم قردة، الآدمي أصله آدمي، خلق الله أباه بيده ابتداءً، لكن هؤلاء أبوا إلا أن يجعلوا أنفسهم من القرود، فـ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ في الخلقة، من آدم إلى يومنا هذا لم تتغير الخلقة إلا في قوة الجسم وضخامة الجسم؛ «لأن آدم خلق طوله في السماء ستون ذراعًا وعرضه أيضًا على ما في حديث كثيرة سبعة أذرع »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١ / ٢٨)، وأحمد في المسند (٧٩٣٣) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا الخلق نقص نقص حتى وصل إلى هذه الأمة وانتهى؛ لأن هذه الأمة هي آخر الأمم. ولا يرد على ذلك أنه في بعض المناطق يكون الجنس البشري ضخمًا وفي بعض المناطق يكون دون ذلك؛ لأن هذا من تغير المناخ والوراثة، لكن الأصل أننا نعتبر في آخر مرحلة لبني آدم؛ لأننا نحن آخر الأمم. كذلك ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ في الآداب، والأخلاق، والديانات إلا من كان منهم ظالمًا خارجًا عن هذا الأصل، فإنه يكون خارجًا بما خرج به. ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ختمها بالسمع والعلم إشارة إلى أن كل ما يقوله هؤلاء المصطفون أو يفعلونه، فإنه معلوم عند الله، فهو يسمع ما يقولون ويعلم ما يفعلون، بل ويعلم ما لا يفعلون مما يكون في قلوبهم، بل يعلم ما سيفعلونه وإن لم يكن في قلوبهم؛ لأن الله تعالى يعلم ما كان، وما يكون لو كان كيف يكون. * في هاتين الآيتين فوائد: * في الأولى: بيان أن الله اصطفى هؤلاء، هؤلاء المخلوقات على بقية المخلوقات. * ومن فوائدها أيضًا: أن لله أن يختار من خلقه ما شاء، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص ٦٨]. * ومن فوائدها: أن التفاضل كما يكون في الأعمال يكون في الأعيان، كما يكون في الأعمال والأوصاف يكون كذلك في الأشخاص؛ ولهذا نقول: إن جنس العرب أفضل من غيره من الأجناس، لكن هذا الجنس الفاضل إذا اجتمع معه التقوى صار له الفضل المطلق، وإن تخلفت التقوى صار معدنه طيبًا وعمله خبيثًا فيزداد خبثًا لكون منشأه أو أصله طيبًا ثم ارتد بنفسه إلى الخبث؛ لأن من كان منشؤه طيبًا ثم نزل بنفسه إلى المستوى الأدنى صار أكثر لومًا ممن لم يكن كذلك، أليس هكذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ولذلك لو زنت الحرة لجلدت مئة جلدة إن كانت غير محصنة، ورجمت إن كانت محصنة، ولو زنت الأمة لم ترجم ولو كانت متزوجة ولم تجلد مئة جلدة، تجلد خمسين؛ لأن هناك فرقًا بين إنسان أصله كريم وشريف ثم يضع نفسه موضع الوضيع، وبين شخص كان في الأصل على خلاف ذلك، ويدل لهذا -أي لأن الناس يختلفون في أجناسهم- يدل لهذا أن الله قال في كتابه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد جعلها الله تعالى في العرب في محمد ﷺ، فإذا كان محمد أطيب الخلق وأشرفهم لزم أن يكون جنس العرب أيش؟ أطيب الأجناس وأفضلها وأشرفها، وهو كذلك، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة السلام أنه قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٧٤)، ومسلم (٢٣٧٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة.]]. فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]؟ فالجواب: أن نقول: إن الجواب عن هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أراد أن يمحو ما كان أهل الجاهلية يعتادونه من الفخر بالأحساب حيث يقول: أنا من القبيلة الفلانية، أنا من قبيلة الفلانية، فبين الله أن هذه الشعوب والقبائل جعلها الله من أجل التعارف لا التفاخر، وأن فخركم لا يقربكم إلى الله، الذي يقربكم إلى الله هو التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهذا لا ينافي أن يكون جنس العرب أفضل من غيرهم، كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وأدلته ما سمعتم. * ومن فوائد الآية الكريمة: ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، قال: لقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، والملائكة عالم، فيكون المصطفون من هؤلاء أفضل من أيش؟ * الطلبة: الملائكة. * الشيخ: من الملائكة. واستدلوا بأدلة أخرى كأمر الله للملائكة بالسجود لآدم وغير ذلك، وعندي: أن البحث في هذه المسألة من فضول العلم؛ لأنه أي فائدة لنا إذا قلنا: إن فلانًا أفضل من جبريل أو جبريل أفضل من فلان؟ أو إن الصالحين من بني آدم أفضل من الملائكة أو الملائكة أفضل من الصالحين، نحن نعلم أن الملائكة مقربون عند الله ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وأنهم كرام ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ١٠، ١١]، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦]، أما أنه أفضل من بني آدم من الصالحين من بني آدم أو الصالحون من بني آدم أفضل منهم، فهذا شيء لم نكلف به؛ ولذلك ما جاءت السنة بالتمييز بين هؤلاء وهؤلاء أو بالتفضيل، أعطت لهؤلاء فضلهم ولهؤلاء فضلهم، ولو كان هذا من الأمور التي لا بد من اعتقادها ولا يتم الإيمان إلا بها لكان الله ورسوله يبينه، ولكن إذا ابتلينا بمن يقول: بَيِّنْ أيهما أفضل؟ فنقول: العلماء في ذلك اختلفوا، وجمع شيخ الإسلام رحمه الله بين هذين القولين، فقال: إن الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالح البشر أفضل باعتبار النهاية، كيف هذا؟ قال: نعم؛ لأن النور أفضل من الطين، والملائكة خلقوا من النور من مادة مشعة مضيئة محبوبة بخلاف الطين، وأما في النهاية فإن الجنة تكون للصالحين من بني آدم ومن الجن على القول الراجح، وقد ذكر الله عز وجل أن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم يهنئونهم ويبشرونهم. ومع ذلك فإني أرى أن الإمساك عن هذا أولى، وأن نعرف فضل الملائكة، ونعرف فضل الرسل الذين اصطفاهم الله من بني آدم، وأما أيهم أفضل، فهذا أمر لم نكلف به. * طالب: (...) أن سبحانه الله وتعالى خلق الملائكة بلا شهوة، نور، عقل بلا شهوة، وخلق أيضًا شهوة بلا عقل، وخلق الإنسان من شهوة وعقل، إن غلب عقله على شهوته فهو أفضل من الملائكة، وإن غلبت شهوته على عقله فهو أفضل منهم، هل هذا له أصل؟ * الشيخ: أبدًا، ما له أصل. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح بعض الناس يقول هكذا، ولكن نقول: من قال لك: إن الملائكة لا شهوة لهم؟ إن أردت بالشهوة يعني النكاح فهذا لا يكون للملائكة؛ لأن الملائكة صمد ولا يتزوجون ولا يأكلون ولا يشربون، وإن أردت بالشهوة ما الإرادة فلهم إرادة بلا شك، هم يريدون الخير ويسبحون الله ويمتثلون أمره. * طالب: هل هذا حديث؟ * الشيخ: لا أبدًا، هذا تصنيف من بعض الناس، جاز له هذا التقسيم إي نعم، أما الحيوان أيضًا، هو ما له عقل -الحيوان-؟ * طالب: لها عقل. * الشيخ: لها عقل بحسبها، تعرف اللي يضرها واللي ينفعها، تتقي من الشمس ومن البرد، تطلب الماء، تطلب الأكل، تحن على ولدها، لها عقل لكن بحسبها، لو كان لها عقل كعقل بني آدم كان إذا جاء يركبها تقول: روح وراك، صحيح، لكن الله ما جعل علقها كعقل البني آدم، جعل عقلها يناسبها. * طالب: شيخ بالنسبة لقول (...) وارد على هذا يا شيخ أن العالمين اللي ورد ذكر لهم من بني البشر؛ لقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦٥] أنهم ما كانوا يأتون البنات (...)؟ * الشيخ: إيه، هذا سيأتينا ما وصلنا له. * طالب: العلاقة يا شيخ بين هذه الآية والآية التي قبلها؟ * الشيخ: ابتداء كلام، (...) بابتداء الكلام، ما نعرف العلاقة بين كل آية وأخرى. * طالب: جزاك الله خير يا شيخ، بالنسبة لنظرية التطور في باقي الحيوانات هل هي صحيحة؟ * الشيخ: لا. * الطالب: الدليل؟ * الشيخ: الدليل الواقع، ما عندنا غير الواقع، نحن نشوف هذه دجاجة وهذه بعير، وهذه بقرة وهذا حمار. * الطالب: نظرية التطور يعني خاطئة؟ * الشيخ: خاطئة نعم، من قالها؟ وأيش أصل الدجاجة؟ * الطالب: طير. * الشيخ: طير صغير، ثم كبر يمكن بعد عشر سنين تصير نعامة. * طالب: من هم الآل يا شيخ؟ * الشيخ: الآل هم من ينتمي إلى الشخص، وقد يطلق (الآل) على الأتباع، الأتباع مثل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، أي: أتباعه، على القول الراجح. * طالب: شيخ، نحن أبونا آدم عليه السلام من أبو الجن؟ * الشيخ: أبو الجن الشيطان، أبو الجن هو الشيطان، قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف ٥٠]. * طالب: يحكى أن الشيطان أخذه الملائكة من الأرض ورفعوه معهم إلى السماء صغير؟ * الشيخ: لا لا، هذه إسرائيلية، أصلًا الشيطان خلق من النار، والملائكة خلقوا من النور، خلقه من النار الله على كل شيء قدير مثل ما خلق البشر من الطين خلق الشيطان من النار. * طالب: الجن فيه منهم مسلمين، كيف يكونوا أبناء لإبليس للشيطان؟ * الشيخ: أليس من بني آدم من هو من أولاد شياطين الإنس؟ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، الإنس فيهم شياطين وإن كان أصلهم من التراب، على كل شيء قدير. * طالب: ما ذكر من نسل النبي ﷺ إلى آدم هل هذا صحيح؟ * الشيخ: المؤرخون يذكرون هذا، «لكن روي عن ابن عباس -رضي الله عنه وعن أبيه- أنه إذا وصل إلى عدنان قال: كذب النسابون »[[الدر المنثور للسيوطي (٦ / ٢٥٩).]]، يعني أننا لا نعرف إلا إلى عدنان، وما عدا ذلك فالله أعلم به. * طالب: شيخ، أقوى القولين في آل عمران هل هو أبو موسى أو أبو مريم؟ * الشيخ: والله كل له وجه، كل قول له وجه، كما ذكرناه. * طالب: شيخ، الأنعام هذه أليست منزلة من السماء؟ * الشيخ: الأنعام؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما في القرآن أنها نزلت من السماء ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] بس. * الطالب: تدل على أنها.. * الشيخ: ما ندري، ما قيده الله، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف ٢٦] من أين اللباس؟ من الأشجار، مصنوع من الأشجار من الأرض. * * * * طالب: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران ٣٥ - ٣٧]. * الشيخ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في هذه الآية: بيان أن البشر جنس واحد بعضهم من بعض؛ لقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. * ومن فوائدها: الرد على من زعم أن البشر متطور.. على من زعم أن البشر متطور من جنس لآخر؛ من القردة إلى الآدميين للبشر، وجدير بأن نسمي هذا القائل قردًا؛ لأنه رضي لنفسه أن يكون أصله القرد، أما نحن فنقول: إن أصلنا آدم عليه الصلاة والسلام الذي خلقه الله بيده من تراب، وأنه جنس مستقل بنفسه لا متطور. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: ﴿السَّمِيعُ﴾ و﴿الْعَلِيمُ﴾، فـ﴿السَّمِيعُ﴾ يتعلق بالأصوات، و﴿الْعَلِيمُ﴾ يتعلق بكل شيء، بالأصوات، والأحوال، والأعيان، بكل شيء، وقد مر علينا أن أسماء الله سبحانه وتعالى تتضمن، أو يتضمن الإيمان بها ثلاثة أشياء إن كانت متعدية، وشيئين إن كانت لازمة، إن كانت متعدية يتضمن الإيمان بها ثلاثة أشياء، أولًا إثباتها اسمًا من أسماء الله، يعني أن تثبتها على أنها اسم من أسماء الله، لا تنكرها. الثاني: إثبات ما تضمنته من صفة أو استلزمته، ما تضمنته أو استلزمته. والثالث: إثبات الحكم الناتج عن هذه الصفة، كم هذه؟ ما هي؟ * طالب: إثبات اسم الله جل وعلا. * الشيخ: إثبات هذا الاسم على أنه اسم من أسماء الله. * الطالب: نعم، وإثبات الحكم. * الشيخ: لا. * طالب: إثبات الصفة إلا إن كانت المستلزمة أو. * الشيخ: إثبات ما تضمنه أو استلزمه من الصفة. * الطالب: إثبات الحكم إن كانت متعدية. * الشيخ: إثبات الحكم إن كانت متعدية. نقول: ما تضمنه أو استلزمه، هل هناك فرق بين التضمن والاستلزام؟ نعم، التضمن جزء مما دل عليه الاسم بلفظه، هذا التضمن، جزء مما دل عليه بلفظه، فمثلًا اسم الخالق يتضمن الدلالة على ذات الله عز وجل، والدلالة على صفة الخلق، هذا تضمن، ويتضمن العلم والقدرة على وجه الالتزام؛ لأنه لا خلق إلا بعلم وقدرة، فالمهم أنه لا يتم لك الاسم إلا بإثبات هذه الأشياء الثلاثة، أولًا: إثباته اسمًا من أسماء الله، والثاني: إثبات ما تضمنه أو استلزمه من صفة، والثالث: الحكم المترتب، فمثلًا الاسم (الخالق)، والصفة المتضمَّنة (الخَلْق)، والمستلزمة (العلم والقدرة)، والأثر أو الحكم أنه يخلق، فهو خالق بخلق. الرحمن اسم، تضمنه للرحمة صفة، يرحم حكم أو أثر، أما إذا كان لازمًا فإنه لا يتم الإيمان به إلا بإثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات ما تضمنه من صفة، فالحي مثلًا لا يتعدى لغير الله، نثبته اسمًا من أسماء الله، ونثبت ما تضمنه من الصفة وهي الحياة، هذه هي القاعدة في إثبات أسماء الله وصفاته، إذا طبقنا هذه القاعدة على الاسمين الموجودين معنا، فالسميع يتضمن الإيمان به على أنه اسم من أسماء الله، والإيمان بالصفة التي تدل عليها وهي السمع، والأثر أو الحكم أنه يسمع، وكذلك نقول في عليم.

آل عمران 3:34

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران ٣٣ - ٣٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أولًا: أظن أننا كملنا الفوائد السابقة لم يبق شيء. قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هذه الجملة كما نشاهد جملة مؤكدة بـ(إن)؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ إذ إن المقصود بيان أن الله تعالى يصطفي من الناس من شاء ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ٧٥] يعني: ومن الناس رسلًا، فيقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله تعالى خلقًا مستقلًا، وليس متطورًا من جنس آخر أو من نوع آخر قبله، كما يقوله أهل الإلحاد، ومن ادعى ذلك فقد كفر بالله؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه في عدة مواضع أن الله خلق آدم من تراب ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن ١٤]، ﴿مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧١]، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فمن زعم غير ذلك فهو كافر، مصدق لغير الله مكذب لله -والعياذ بالله- مع العلم بأنه لن يأتي أحد بكلام عن آدم وابتداء خلقه وكيفية خلقه غير مستند في ذلك إلى الوحي، فإن قوله غير مقبول، لماذا؟ لأنه لم يشاهده، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١]، وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فمن ادعى علم شيء ممن سبق فهو كاذب إلا ببرهان، وآدم -كما نعلم- بيننا وبينه أزمنة طويلة جدًّا، فلا يمكن أن نقبل قولًا فيه إلا عن طريق الوحي الصحيح. وسمي آدم قيل: لأُدمته، يعني: لأن لونه ليس الأبيض الباهق ولا الأسود الحالك، لكنه بين ذلك، وخلقه الله عز وجل على صورته، أي: على صورة الله عز وجل تكريمًا له، ولا يلزم من كونه على صورة الله أن يكون مماثلًا له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فعلينا أن نؤمن بالنصوص كلها، نؤمن بأنه خلقه على صورته ونؤمن بأنه ليس مثله، فإن قلت: كيف يكون على صورته وليس مثله؟ فالجواب: يمكن هذا، يمكن هذا في المخلوق فما بالك بالخالق؟ لقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ أَوْلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، ومن المعلوم أنه لا يلزم التماثل، يعني: ليس صورتهم كصورة البدر تمامًا، بل من حيث الجملة والبهاء والنور، كالقمر ليلة البدر، ثم إن القرآن والسنة لا يكذب بعضهما بعضًا، وإذا كان الجمع ممكنًا بين المخلوقات بعضها مع بعض، أي: أن الشيء يكون على صورة الشيء بدون مماثلة، فإمكان ذلك بين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وقوله: وخلقه الله على صورته، وأسجد له ملائكته إكرامًا له، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر ٢٩]، فأمرهم أن يسجدوا، فأمر الملائكة أن تسجد له إكرامًا له. وآدم عليه الصلاة والسلام أوحي إليه كما في القرآن الكريم، ولا شك أنه أوحي إليه أيضًا من الناحية العقلية؛ وذلك لأنه لا يستقل بعبادة الله، أي: لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله إلا بوحي من الله، وهو مخلوق للعبادة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، فدل السمع والعقل على أنه موحى إليه. ولكن هل كان رسولًا؟ لا، ليس برسول بدلالة الكتاب والسنة، أما في الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، فجعل النبيين من بعد نوح، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة الطويل: «أن الناس سيأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤ / ٣٢٧) من حديث أبي هريرة.]]، وعليه فآدم نبي أوحي إليه بشرع وتعبد لله به، وبقي الناس على هذا الشرع؛ لأنهم قلة ولم يحصل منهم اختلاف، فلما اختلفوا ﴿بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. وقول: ﴿آدَمَ وَنُوحًا﴾ نوح ذكره الله عز وجل بعد ذكر آدم؛ لأنه الأب الثاني للبشرية، فإن نوحًا لما كذبه قومه إلا القليل أهلكهم الله تعالى بالغرق، فجعل الله ذريته هم الباقين كما في سورة الصافات: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، فصار الأب الثاني للبشرية، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وما آمن معه إلا قليل، ألف سنة وما آمن معه إلا قليل، ونحن إذا دعونا عشرة أنفار وتلكؤوا قليلًا، ثم استجاب واحد من عشرة قلنا: ما قبلت دعوتنا واستحسرنا عن الدعوة إلى الله وآيسنا، وهذا رسول بقي ألف سنة إلا خمسين عامًا في قومه وما آمن معه إلا قليل، ومع ذلك قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ لا شك أنه يدخل فيهم إبراهيم بالأولى، لكن نص على آلهم لكثرة الرسل فيهم، ولا سيما أن فيهم أفضل الرسل محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، فإن محمدًا ﷺ من آل إبراهيم. ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ آل عمران اختلفوا في المراد بهم، فقيل: آل عمران أبي موسى؛ لأن موسى أفضل أنبياء بني إسرائيل، وقيل: آل عمران أبي مريم ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ [التحريم ١٢]، فذكر آل عمران؛ لأن فيهم آخر الرسل قبل محمد ﷺ وهو عيسى ابن مريم الذي ينتمي إليه النصارى، وخصها بذلك -خص آل عمران بذلك- لأن المقام يقتضيه أيضًا، فإن هذه السورة نزل أولها في وفد نجران وهم من النصارى، وسواء كان هذا أم ذاك، فإنه يدل على أن الله اصطفى هذه القبيلة -قبيلة إبراهيم- فهو مصطفى من مصطفى، ﴿اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هذا الاصطفاء الأول، ﴿وَنُوحًا﴾ هذا الاصطفاء الثاني، ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الثالث، ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ الرابع، فكان هؤلاء السادة من البشر هم الذين اصطفاهم. ومعنى الاصطفاء: أن الله اختارهم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]، ما هو على كل من خلقنا، ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. قلت: الاصطفاء بمعنى الاختيار؛ لأن أصله مأخوذ من الصفوة، وصفوة الشيء: خياره، و﴿اصْطَفَى﴾ أي: أخذ صفوته. وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي عالمين؟ هل هم كل العالم؟ أو على العالمين من جنس الحيوان؟ الأول هو الأصل: أن المراد بالعالمين من سوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما ينبني على هذا الخلاف. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بالنصب بدل من ﴿آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾، ﴿ذُرِّيَّةً﴾ يعني: هؤلاء الأربعة الأصناف ذرية بعضها من بعض، وذرية مأخوذة من (ذرأ) بمعنى خلق، في قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى ١١] أي: يخلقكم، وقيل: من (وذر) بمعنى ترك، فعلى الأول: تكون الذرية شاملة للأصول والفروع؛ لأن الأصول مخلوقون والفروع كذلك مخلوقون، أما إذا جعلناها من (وذر) بمعنى ترك فهي للفروع فقط، وهذا هو المعروف عند عامة الناس: أن الذرية هم الفروع، يعني: من نشؤوا عن الإنسان وتركهم بعده، هل في القرآن ما يدل على أن الذرية تطلق على الأصول؟ أيش؟ * طالب: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ [الطور ٢١]. * الشيخ: لا. * طالب: ذرية آدم ومن حملنا.. * الشيخ: لا، ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]. * طالب: في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. * الشيخ: نعم هذه، ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [يس ٤١، ٤٢]، فإن الذين حملوا في الذرية هم الذين آمنوا مع نوح وهم سابقون. وقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ في جنس الخلقة؟ أو ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ في العمل والآداب والأخلاق؟ * طالب: تشمل. * الشيخ: الظاهر الشمول، يعني أن الآدميين كلهم من جنس واحد، ما فيه آدمي كان بالأول قرد، كما يقوله إخوان القردة، ومن أقروا على أنفسهم بأنهم قردة، الآدمي أصله آدمي، خلق الله أباه بيده ابتداءً، لكن هؤلاء أبوا إلا أن يجعلوا أنفسهم من القرود، فـ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ في الخلقة، من آدم إلى يومنا هذا لم تتغير الخلقة إلا في قوة الجسم وضخامة الجسم؛ «لأن آدم خلق طوله في السماء ستون ذراعًا وعرضه أيضًا على ما في حديث كثيرة سبعة أذرع »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١ / ٢٨)، وأحمد في المسند (٧٩٣٣) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا الخلق نقص نقص حتى وصل إلى هذه الأمة وانتهى؛ لأن هذه الأمة هي آخر الأمم. ولا يرد على ذلك أنه في بعض المناطق يكون الجنس البشري ضخمًا وفي بعض المناطق يكون دون ذلك؛ لأن هذا من تغير المناخ والوراثة، لكن الأصل أننا نعتبر في آخر مرحلة لبني آدم؛ لأننا نحن آخر الأمم. كذلك ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ في الآداب، والأخلاق، والديانات إلا من كان منهم ظالمًا خارجًا عن هذا الأصل، فإنه يكون خارجًا بما خرج به. ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ختمها بالسمع والعلم إشارة إلى أن كل ما يقوله هؤلاء المصطفون أو يفعلونه، فإنه معلوم عند الله، فهو يسمع ما يقولون ويعلم ما يفعلون، بل ويعلم ما لا يفعلون مما يكون في قلوبهم، بل يعلم ما سيفعلونه وإن لم يكن في قلوبهم؛ لأن الله تعالى يعلم ما كان، وما يكون لو كان كيف يكون. * في هاتين الآيتين فوائد: * في الأولى: بيان أن الله اصطفى هؤلاء، هؤلاء المخلوقات على بقية المخلوقات. * ومن فوائدها أيضًا: أن لله أن يختار من خلقه ما شاء، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص ٦٨]. * ومن فوائدها: أن التفاضل كما يكون في الأعمال يكون في الأعيان، كما يكون في الأعمال والأوصاف يكون كذلك في الأشخاص؛ ولهذا نقول: إن جنس العرب أفضل من غيره من الأجناس، لكن هذا الجنس الفاضل إذا اجتمع معه التقوى صار له الفضل المطلق، وإن تخلفت التقوى صار معدنه طيبًا وعمله خبيثًا فيزداد خبثًا لكون منشأه أو أصله طيبًا ثم ارتد بنفسه إلى الخبث؛ لأن من كان منشؤه طيبًا ثم نزل بنفسه إلى المستوى الأدنى صار أكثر لومًا ممن لم يكن كذلك، أليس هكذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ولذلك لو زنت الحرة لجلدت مئة جلدة إن كانت غير محصنة، ورجمت إن كانت محصنة، ولو زنت الأمة لم ترجم ولو كانت متزوجة ولم تجلد مئة جلدة، تجلد خمسين؛ لأن هناك فرقًا بين إنسان أصله كريم وشريف ثم يضع نفسه موضع الوضيع، وبين شخص كان في الأصل على خلاف ذلك، ويدل لهذا -أي لأن الناس يختلفون في أجناسهم- يدل لهذا أن الله قال في كتابه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد جعلها الله تعالى في العرب في محمد ﷺ، فإذا كان محمد أطيب الخلق وأشرفهم لزم أن يكون جنس العرب أيش؟ أطيب الأجناس وأفضلها وأشرفها، وهو كذلك، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة السلام أنه قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٧٤)، ومسلم (٢٣٧٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة.]]. فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]؟ فالجواب: أن نقول: إن الجواب عن هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أراد أن يمحو ما كان أهل الجاهلية يعتادونه من الفخر بالأحساب حيث يقول: أنا من القبيلة الفلانية، أنا من قبيلة الفلانية، فبين الله أن هذه الشعوب والقبائل جعلها الله من أجل التعارف لا التفاخر، وأن فخركم لا يقربكم إلى الله، الذي يقربكم إلى الله هو التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهذا لا ينافي أن يكون جنس العرب أفضل من غيرهم، كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وأدلته ما سمعتم. * ومن فوائد الآية الكريمة: ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، قال: لقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، والملائكة عالم، فيكون المصطفون من هؤلاء أفضل من أيش؟ * الطلبة: الملائكة. * الشيخ: من الملائكة. واستدلوا بأدلة أخرى كأمر الله للملائكة بالسجود لآدم وغير ذلك، وعندي: أن البحث في هذه المسألة من فضول العلم؛ لأنه أي فائدة لنا إذا قلنا: إن فلانًا أفضل من جبريل أو جبريل أفضل من فلان؟ أو إن الصالحين من بني آدم أفضل من الملائكة أو الملائكة أفضل من الصالحين، نحن نعلم أن الملائكة مقربون عند الله ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وأنهم كرام ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار ١٠، ١١]، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦]، أما أنه أفضل من بني آدم من الصالحين من بني آدم أو الصالحون من بني آدم أفضل منهم، فهذا شيء لم نكلف به؛ ولذلك ما جاءت السنة بالتمييز بين هؤلاء وهؤلاء أو بالتفضيل، أعطت لهؤلاء فضلهم ولهؤلاء فضلهم، ولو كان هذا من الأمور التي لا بد من اعتقادها ولا يتم الإيمان إلا بها لكان الله ورسوله يبينه، ولكن إذا ابتلينا بمن يقول: بَيِّنْ أيهما أفضل؟ فنقول: العلماء في ذلك اختلفوا، وجمع شيخ الإسلام رحمه الله بين هذين القولين، فقال: إن الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالح البشر أفضل باعتبار النهاية، كيف هذا؟ قال: نعم؛ لأن النور أفضل من الطين، والملائكة خلقوا من النور من مادة مشعة مضيئة محبوبة بخلاف الطين، وأما في النهاية فإن الجنة تكون للصالحين من بني آدم ومن الجن على القول الراجح، وقد ذكر الله عز وجل أن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم يهنئونهم ويبشرونهم. ومع ذلك فإني أرى أن الإمساك عن هذا أولى، وأن نعرف فضل الملائكة، ونعرف فضل الرسل الذين اصطفاهم الله من بني آدم، وأما أيهم أفضل، فهذا أمر لم نكلف به. * طالب: (...) أن سبحانه الله وتعالى خلق الملائكة بلا شهوة، نور، عقل بلا شهوة، وخلق أيضًا شهوة بلا عقل، وخلق الإنسان من شهوة وعقل، إن غلب عقله على شهوته فهو أفضل من الملائكة، وإن غلبت شهوته على عقله فهو أفضل منهم، هل هذا له أصل؟ * الشيخ: أبدًا، ما له أصل. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح بعض الناس يقول هكذا، ولكن نقول: من قال لك: إن الملائكة لا شهوة لهم؟ إن أردت بالشهوة يعني النكاح فهذا لا يكون للملائكة؛ لأن الملائكة صمد ولا يتزوجون ولا يأكلون ولا يشربون، وإن أردت بالشهوة ما الإرادة فلهم إرادة بلا شك، هم يريدون الخير ويسبحون الله ويمتثلون أمره. * طالب: هل هذا حديث؟ * الشيخ: لا أبدًا، هذا تصنيف من بعض الناس، جاز له هذا التقسيم إي نعم، أما الحيوان أيضًا، هو ما له عقل -الحيوان-؟ * طالب: لها عقل. * الشيخ: لها عقل بحسبها، تعرف اللي يضرها واللي ينفعها، تتقي من الشمس ومن البرد، تطلب الماء، تطلب الأكل، تحن على ولدها، لها عقل لكن بحسبها، لو كان لها عقل كعقل بني آدم كان إذا جاء يركبها تقول: روح وراك، صحيح، لكن الله ما جعل علقها كعقل البني آدم، جعل عقلها يناسبها. * طالب: شيخ بالنسبة لقول (...) وارد على هذا يا شيخ أن العالمين اللي ورد ذكر لهم من بني البشر؛ لقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦٥] أنهم ما كانوا يأتون البنات (...)؟ * الشيخ: إيه، هذا سيأتينا ما وصلنا له. * طالب: العلاقة يا شيخ بين هذه الآية والآية التي قبلها؟ * الشيخ: ابتداء كلام، (...) بابتداء الكلام، ما نعرف العلاقة بين كل آية وأخرى. * طالب: جزاك الله خير يا شيخ، بالنسبة لنظرية التطور في باقي الحيوانات هل هي صحيحة؟ * الشيخ: لا. * الطالب: الدليل؟ * الشيخ: الدليل الواقع، ما عندنا غير الواقع، نحن نشوف هذه دجاجة وهذه بعير، وهذه بقرة وهذا حمار. * الطالب: نظرية التطور يعني خاطئة؟ * الشيخ: خاطئة نعم، من قالها؟ وأيش أصل الدجاجة؟ * الطالب: طير. * الشيخ: طير صغير، ثم كبر يمكن بعد عشر سنين تصير نعامة. * طالب: من هم الآل يا شيخ؟ * الشيخ: الآل هم من ينتمي إلى الشخص، وقد يطلق (الآل) على الأتباع، الأتباع مثل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، أي: أتباعه، على القول الراجح. * طالب: شيخ، نحن أبونا آدم عليه السلام من أبو الجن؟ * الشيخ: أبو الجن الشيطان، أبو الجن هو الشيطان، قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف ٥٠]. * طالب: يحكى أن الشيطان أخذه الملائكة من الأرض ورفعوه معهم إلى السماء صغير؟ * الشيخ: لا لا، هذه إسرائيلية، أصلًا الشيطان خلق من النار، والملائكة خلقوا من النور، خلقه من النار الله على كل شيء قدير مثل ما خلق البشر من الطين خلق الشيطان من النار. * طالب: الجن فيه منهم مسلمين، كيف يكونوا أبناء لإبليس للشيطان؟ * الشيخ: أليس من بني آدم من هو من أولاد شياطين الإنس؟ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، الإنس فيهم شياطين وإن كان أصلهم من التراب، على كل شيء قدير. * طالب: ما ذكر من نسل النبي ﷺ إلى آدم هل هذا صحيح؟ * الشيخ: المؤرخون يذكرون هذا، «لكن روي عن ابن عباس -رضي الله عنه وعن أبيه- أنه إذا وصل إلى عدنان قال: كذب النسابون »[[الدر المنثور للسيوطي (٦ / ٢٥٩).]]، يعني أننا لا نعرف إلا إلى عدنان، وما عدا ذلك فالله أعلم به. * طالب: شيخ، أقوى القولين في آل عمران هل هو أبو موسى أو أبو مريم؟ * الشيخ: والله كل له وجه، كل قول له وجه، كما ذكرناه. * طالب: شيخ، الأنعام هذه أليست منزلة من السماء؟ * الشيخ: الأنعام؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما في القرآن أنها نزلت من السماء ﴿أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] بس. * الطالب: تدل على أنها.. * الشيخ: ما ندري، ما قيده الله، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف ٢٦] من أين اللباس؟ من الأشجار، مصنوع من الأشجار من الأرض. * * * * طالب: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران ٣٥ - ٣٧]. * الشيخ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في هذه الآية: بيان أن البشر جنس واحد بعضهم من بعض؛ لقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. * ومن فوائدها: الرد على من زعم أن البشر متطور.. على من زعم أن البشر متطور من جنس لآخر؛ من القردة إلى الآدميين للبشر، وجدير بأن نسمي هذا القائل قردًا؛ لأنه رضي لنفسه أن يكون أصله القرد، أما نحن فنقول: إن أصلنا آدم عليه الصلاة والسلام الذي خلقه الله بيده من تراب، وأنه جنس مستقل بنفسه لا متطور. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: ﴿السَّمِيعُ﴾ و﴿الْعَلِيمُ﴾، فـ﴿السَّمِيعُ﴾ يتعلق بالأصوات، و﴿الْعَلِيمُ﴾ يتعلق بكل شيء، بالأصوات، والأحوال، والأعيان، بكل شيء، وقد مر علينا أن أسماء الله سبحانه وتعالى تتضمن، أو يتضمن الإيمان بها ثلاثة أشياء إن كانت متعدية، وشيئين إن كانت لازمة، إن كانت متعدية يتضمن الإيمان بها ثلاثة أشياء، أولًا إثباتها اسمًا من أسماء الله، يعني أن تثبتها على أنها اسم من أسماء الله، لا تنكرها. الثاني: إثبات ما تضمنته من صفة أو استلزمته، ما تضمنته أو استلزمته. والثالث: إثبات الحكم الناتج عن هذه الصفة، كم هذه؟ ما هي؟ * طالب: إثبات اسم الله جل وعلا. * الشيخ: إثبات هذا الاسم على أنه اسم من أسماء الله. * الطالب: نعم، وإثبات الحكم. * الشيخ: لا. * طالب: إثبات الصفة إلا إن كانت المستلزمة أو. * الشيخ: إثبات ما تضمنه أو استلزمه من الصفة. * الطالب: إثبات الحكم إن كانت متعدية. * الشيخ: إثبات الحكم إن كانت متعدية. نقول: ما تضمنه أو استلزمه، هل هناك فرق بين التضمن والاستلزام؟ نعم، التضمن جزء مما دل عليه الاسم بلفظه، هذا التضمن، جزء مما دل عليه بلفظه، فمثلًا اسم الخالق يتضمن الدلالة على ذات الله عز وجل، والدلالة على صفة الخلق، هذا تضمن، ويتضمن العلم والقدرة على وجه الالتزام؛ لأنه لا خلق إلا بعلم وقدرة، فالمهم أنه لا يتم لك الاسم إلا بإثبات هذه الأشياء الثلاثة، أولًا: إثباته اسمًا من أسماء الله، والثاني: إثبات ما تضمنه أو استلزمه من صفة، والثالث: الحكم المترتب، فمثلًا الاسم (الخالق)، والصفة المتضمَّنة (الخَلْق)، والمستلزمة (العلم والقدرة)، والأثر أو الحكم أنه يخلق، فهو خالق بخلق. الرحمن اسم، تضمنه للرحمة صفة، يرحم حكم أو أثر، أما إذا كان لازمًا فإنه لا يتم الإيمان به إلا بإثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات ما تضمنه من صفة، فالحي مثلًا لا يتعدى لغير الله، نثبته اسمًا من أسماء الله، ونثبت ما تضمنه من الصفة وهي الحياة، هذه هي القاعدة في إثبات أسماء الله وصفاته، إذا طبقنا هذه القاعدة على الاسمين الموجودين معنا، فالسميع يتضمن الإيمان به على أنه اسم من أسماء الله، والإيمان بالصفة التي تدل عليها وهي السمع، والأثر أو الحكم أنه يسمع، وكذلك نقول في عليم.

آل عمران 3:35

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني: اذكر إذ قالت، وهذا التركيب موجود في القرآن كثيرًا، وإنما حذف العامل لدلالة السياق عليه، وتلك قاعدة مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال: وَحَـــــذْفُ مَــا يُعْلَـــــمُ جَائِـــــزٌكَمَــــــــــا ∗∗∗ تَقُـــــولُ: زَيْـــــدٌ، بَعْـــــدَ مَـــــنْعِنْدَكُمَـــــا؟ فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق، اذكر إذ قالت، يعني: اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. مَن امرأة عمران؟ هي أم مريم؛ يعني جدة عيسى بن مريم. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران ٣٥]. ﴿رَبِّ﴾ منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي، ولكن تحذف ياء النداء في مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم الياء، وأصله: ربي إني، حُذفت تخفيفًا. وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ﴿نَذَرْتُ﴾ بمعنى: التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي وتقيده بها ليكون خادمًا للمسجد؛ المسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له، فتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين، وذكرًا أو أنثى. فإذا قال قائل: كيف تقول إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ومحررًا واحد، ولم تقل: محررين؟ فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة -أي: التي تصلح للمفرد وغيره- يجوز فيها مراعاة لفظها بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان مرادًا بها المفرد، والتثنية إن كان مرادًا بها المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع مذكرًا كان أو مؤنثًا، وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أن يكون شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ، وكذلك (مَن) الشرطية يجوز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن ٩] باعتبار أيش؟ الإفراد هنا باعتبار اللفظ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ذكره باعتبار اللفظ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ باعتبار المعنى. ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] باعتبار اللفظ. تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ عام يشمل كل ما في بطنها من ذكور أو إناث، واحد أو متعدد، ﴿مُحَرَّرًا﴾ من أيش؟ من قيد خدمتي إلى خدمة المسجد الأقصى. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ يعني: تقبل مني هذا التقرب إليك بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني؛ لأنك السميع العليم، السميع تشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة، يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، وقد مر علينا أن السميع من أسماء الله يتضمن سمع الإدراك وسمع الإجابة، وأن (سمع) تأتي بمعنى (استجاب) كما في قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، فهنا ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أيهما أنسب الإدراك أو الاستجابة؟ * الطلبة: الاستجابة.. يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين، لكن فائدة الداعي بماذا؟ بالاستجابة. وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ يعني: السامع لدعائي المستجيب له العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء، لكن ذِكر العلم هنا؛ لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله فيسند الأمر إلى علم الله عز وجل. ومن المعلوم أن الداعي إذا دعا فإنه يحصل له واحد من أمور ثلاثة؛ إما أن يستجيب الله له الدعاء، وإما أن يدخر له ذلك يوم القيمة، فيعطيه مثل ما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، هذا بالإضافة إلى أن الدعاء نفسه عبادة يُثاب عليه الإنسان. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ ولم يقل: فلما وضعته، مراعاة لأيش؟ * الطلبة: مراعاة للمعنى. * الشيخ: مراعاة للمعنى؛ لأنها وضعت أنثى، فلما وضعتها، وكان قد نذرته محررًا بناءً على أنه ذكر، لما وضعتها اعتذرت لربها ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران ٣٦]، وهذا اعتذار منها إلى الله أنها وضعتها أنثى، والأنثى ليس من العادة أن تخدم المسجد فكأنها تعتذر من الله عز وجل من هذا النذر. قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وفي قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ قراءة سبعية، ونفسرها على الوجهين؛ أما قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فقد علمتم أن الغرض من هذه الجملة أيش؟ * الطلبة: الاعتذار. * الشيخ: الاعتذار لا إخبار الله بما وضعت؛ لأنه عالم عز وجل، هو الذي خلقها وهو الذي وضعت بإذنه وأمره، فالأمر لا يخفى عليه، لكن ذكرتها اعتذارًا، وعلى هذا فنقول على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ تكون الجملة من باب الاحتراس حتى لا يُظن بها أنها تعتقد أن الله لم يعلم، فقالت: رب إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وَضَعْتُ، فلست أخبر الله بأمر يخفى عنه، بل إني أؤمن بأنه عالم بما وضعت، هذا على قراءة ضم التاء، أما على قراءة السكون: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالكلام من الله، وفيه دفاع عن هذه المرأة بأن الله تعالى يعلم أنها لم تقل: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ إخبارًا منها لله؛ لأنه سبحانه وتعالى زكَّاها بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. هذا من وجه، من وجه آخر: ليبين عز وجل أن قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ لا يعني أن الله لا يعلم بما وضعت، بل هو عالم وإن قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. و(أعلم) اسم تفضيل يدل على أن المفضل زائد على المفضل عليه في هذا الوصف، كما لو قلت: فلان أكرم من فلان معناه: أن هذا المفضل -وهو فلان- زائد في الكرم على المفضل عليه، فـ(أعلم) هنا يعني أعلم من كل أحد بما وضعت، ففيه إثبات العلم لله عز وجل مع الزيادة، وبهذا التقرير نعلم ضَعف قول من قال: إن اسم التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، وأن معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: والله عالم بما وضعت، فإن هذا القول لا شك قصور، قصور في تفسير كلام الله؛ لأن إثبات العلم بلا تفضيل أنقص من إثبات العلم مع التفضيل، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: لأنك إذا قلت: فلان عالم لا يمنع أن سيكون غيره مساويًا له في العلم، لكن إذا قلت: فلان أعلم من فلان صار فاضلًا غيره بالعلم، وغيره مفضولًا، ولا أعلم -سبحان الله- كيف يفر بعض العلماء من إثبات المفاضلة بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه مع أن المفاضلة لا تدل على أي نقص، بل اللفظ الذي يقتضي المشاركة هو الذي قد يحتمل النقص والمماثلة، لكن اللفظ الدال على المفاضلة ليس فيه نقص بوجه من الوجوه، فالله أعلم من كل أحد، سواء كان هذا العلم مقيدًا أو مطلقًا. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فيه بحث؛ وهو أن (ما) اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى عائد، فأين العائد؟ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أو: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ . السؤال مرة ثانية: إلى أين ذهبت في فكرك؟ * الطالب: (...) وضَعَتْ و(وَضَعْتُ) قراءة (...). * الشيخ: إيه، يعني العائد محذوف، ضمير مفعول به محذوف، التقدير: ما وضَعْتُه أو بما وضَعَتْه على القراءتين. قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ليس الذكر كالأنثى، هل هذا من كلامها أو من كلام الله؟ أما على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالظاهر أنه من كلام الله، أن كونه من كلام الله أرجح؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله. وأما على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ فإن كونه من كلامها أرجح لئلا تتشتت الجمل، ولنقرأ الآية: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ تكون الآن متسقة متناسقة، لكن إذا جعلنا ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله صار قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ متسقًا مع قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، ومن ثم اختلف العلماء هل هذه الجملة من كلام الله أو من كلام امرأة عمران؟ ونحن نقول: الاحتمال موجود، يعني احتمال الوجهين موجود بكل حال، لكن على قراءة: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ يترجح أنه من كلام من؟ امرأة عمران، وعلى قراءة: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ يترجح أنه من كلام الله عز وجل. على كل حال في هذه الجملة بيان أن الذكر لا يماثل الأنثى، وكأن الإنسان يحدث نفسه ويقول: إن مقتضى الحال أن تكون العبارة: وليس الأنثى كالذكر؛ لأن العادة أن الأدنى هو الذي يُشبَّه بالأعلى، فهنا: ليس الأنثى كالذكر، أقرب إلى بادئ الرأي من: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. ولهذا ادعى بعض العلماء أن في التشبيه قلبًا، أن في التشبيه قلبًا، والتشبيه المقلوب أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولا سيما عند الشعراء في العصور الوسطى حتى إن بعضهم يبالغ في التشبيه المقلوب حتى يقول: وَبَــــــــــدَا الصَّبَــــــــــاحُكَــــــــــأَنَّ غُرَّتَـــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَجْــــــــــهُ الْخَلِيفَــــــــــةِحِيــــــــــنَ يُمْتَـــــــــــــــدَحُ الصباح الذي يملأ الأفق ويضيء الدنيا كأن غرته (بياضه) وجه الخليفة إذا امتدح، وأيش بياض الخليفة؟ يعني بياض وجهه. هذا من المبالغة الكريهة في الواقع، المهم أن بعضهم قال: إنه على تشبيه المقلوب، وبعضهم قال: إنه تشبيه على أصله ووضعه، فليس الذكر كالأنثى، وشرف الذكر على الأنثى يُعلم من أدلة أخرى، ومن قرائن أخرى، ولكن ليس الذكر في خدمته لبيت المقدس كالأنثى، أرفع (ولَّا) أدنى؟ أرفع. * طالب: ما يفتح لنا أخبار (أبو مريم)؟ * الشيخ: أبو أيش؟ * الطالب: (...) أبو مريم. * الشيخ: بينهما أزمنة متطاولة، وقد أورد هذا على الرسول ﷺ، قيل: مريم ابنت عمران، وهارون، لا، في قوله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨]. فقال: إنما كانوا يسمون بأنبيائهم. امرأة مريم بنت عمران لا يمكن أن تكون أختًا لموسى بن عمران؛ لأن الرسول يقول: هارون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَائِهِمْ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٥ / ٩) بلفظ: «إِنّهم كانوا يسمّون بأنبيائِهم والصالحينَ قَبلَهُم» من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.]] يعني وبينهم أزمنة كثيرة، وموسى بن عمران. * الطالب: إي نعم، هي أخت هارون، بنت هارون، أخت هارون. * الشيخ: أخت هارون غير أخت موسى. * طالب: شيخ، أم مريم عليها السلام لما نذرت هل هناك سبب (...) الأنثى هكذا؟ * الشيخ: أبدًا، رغبة منهم في خدمة المسجد. * الطالب: شيخ، قلنا: إنه العالمين (...) شيخ، وذكرنا كذلك أنه أشكل في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من الدرس هذا؟ * الشيخ: إيه، نحن استشكلنا هذا؟ * الطالب: فضيلة الشيخ، لأنه هنا (...) الخلق (...). * الشيخ: أحيانًا العام يخصصه قرينة الحال أو قرينة المقال؛ يعني قد تكون قرينة حالية أو لفظية، إن كانت لفظية فهي قرينة مقال، وإن كانت حالية فهي قرينة الحال، الله ذكر أنه فضل بني إسرائيل على العالمين، ومعلوم أن أمة محمد أفضل منهم، قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان ٣٢]، فالمراد على عالمي زمانهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٣٦ - ٣٩]. * الشيخ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ يعني ليس الذكر مساويًا للأنثى، وإذا انتفت مساواة الذكر للأنثى انتفت مساواة الأنثى للذكر؛ لأن التساوي يكون بين شيئين، فإذا انتفت المساواة في أحدهما لزم أن تكون منتفية في الآخر، فلا سواء بين الذكر والأنثى، بل لكل واحد منهما ميزاته وخصائصه؛ الأنثى تفوق الرجل في شيء، والرجل يفوق الأنثى في شيء، لكن الغالب أن الصالح لخدمة المساجد هو الرجل؛ لأنه أقوى وأذكى وأعقل وأدوم في العمل، الأنثى إذا حاضت مثلًا ما تستطيع أن تخدم المسجد؛ لأنها سوف تخرج منه ما تجلس، هذا إن كانت شريعتهم كشريعتنا، وأيضًا الأنثى لا تتحمل من الأعمال ما هو مشق، بل هي أضعف من الرجل، وإن كانت قد يكون عندها من الجلَد والصبر أكثر من مما عند الرجل في معاناة الأشخاص لا في معاناة المصائب، فإن المرأة في معاناة المصائب أدنى بكثير من الرجل كما هو معروف، قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ تقولها من؟ تقولها أمها: إني سميتها مريم، وهذا الاسم إما أن يكون مشهورًا عندهم أو أنها اختارته لأمر يريده الله عز وجل. على كل حال لا أستطيع أن أعلل لماذا اختارت هذا الاسم؛ لأن هذه قضية عين، والله أعلم ما هو السبب أنها اختارت هذا الاسم. قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أعيذها أي: أستجير بك لها؛ لأن الاستعاذة معناها الاستجارة، الاستعاذة: الاستجارة من أمر مكروه، ولهذا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ونستعيذ بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، قالوا: -أي أهل اللغة- العياذ من المكروه، واللياذ في رجاء المحبوب، اللياذ في رجاء المحبوب، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر: يَــا مَـــــــــنْ أَلُــــــــوذُ بِــــــــهِفِيمَــــــــا أُؤَمِّلُـــــــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَمَـــــــــنْ أَعُـــــــــوذُ بِـــــــــهِمِمَّـــــــــا أُحَـــــــــــــــاذِرُهُ؎لَا يَجْبُـــــرُ النَّـــاسُ عَظْمًـــــا أَنْــتَكَاسِــــــرُهُ ∗∗∗ وَلَا يُهِيضُـــــونَ عَظْمًــــــا أَنْــــتَجَابِـــــــــرُهُ هو يخاطب ملكًا من الملوك، وهذا الوصف لا يليق إلا بالله عز وجل، لكن الشعراء يتبعهم الغاوون. إذن أعيذها بك من الشيطان الرجيم يعني: أستجير بك لها من الشيطان الرجيم، والشيطان هو أبو الجن كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف ٥٠]. وهنا نقول: شيطان من (شَطَن) أو من (شاط)؟ قولان؛ فمنهم من قال: إنه من (شَطَن) أي: بعد، ومنهم من قال: من (شاط) أي: غضب؛ لأن طبيعة الشيطان الغضب والسرعة وعدم التأني، وهو أيضًا قد بعد من رحمة الله، ولكن الظاهر أنه من (شَطَنَ)، وأن النون أصلية؛ ولذلك لا يمنع من الصرف. وقوله: ﴿الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ الرجيم: بمعنى المرجوم، وأصل الرجم القذف بالحجارة، ومنه: رجم الزاني، وعلى هذا فيكون في الكلام استعارة؛ أي: أننا استعرنا الرجم بالحجارة الدال على إبعاد المرجوم للمبعد المطرود، فالرجيم هنا (فَعِيل) بمعنى (مَفْعول) أي: مطرود مبعد عن رحمة الله عز وجل. ومن العلماء من قال: إن الرجم يأتي بمعنى الطرد حقيقة لا استعارة. وعلى كل حال، فإذا اتضح المعنى فسواء كان الرجم استعارة أو كان أصليًّا حقيقة. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وإنما استعاذت بالله لها من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان الرجيم مبعد عن رحمة الله، والمبعد عن الرحمة يريد أن يبعد كل إنسان عن الرحمة لا سيما بنو آدم؛ لأن بني آدم أعداء للشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦]، فهو عدو، والعدو لا يريد من عدوه إلا ما فيه هلاكه، ولهذا استعاذت بربها عز وجل لهذه الأنثى من الشيطان الرجيم لئلا يغويها ويضلها، قال الله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء ٦٠]. يقول: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ لم يكن لها ذرية إلا واحد، مَنْ؟ * الطلبة: عيسى بن مريم. * الشيخ: عيسى بن مريم، وهل لعيسى ذرية؟ الله أعلم، قد يكون له ذرية، وقد لا يكون، لكن مهما كان هي قالت: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ بناءً على أي شيء؟ بناء على الأصل والغالب، الأصل والغالب أن الأنثى تتزوج ويكون لها ذرية، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد لهذه المرأة شيئًا آخر. قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. (تقبَّل) قال أهل اللغة: بمعنى قَبِل، ولهذا قال: قَبول، ولم يقل: تَقَبُّل، فتقبلها بقبول، ولم يقل: بتقبل، والمصدر الموافق لتقبلها: (تقبُّل)، أما (قبول) فهو في هذا الموضع اسم مصدر وليس بمصدر كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح ١٧] ولم يقل: إنباتًا، لكن هل (تقبَّل) و(قبِل) بمعنى واحد، أو أن في (تقبَّل) شدة عناية ومبالغة؟ قولان، وما أكثر القولين؛ قول: أن (تقبل) بمعنى قبل، كتعجب بمعنى عجب، وتبرأ بمعنى برئ، تقول: تبرأ من فلان بمعنى برئ منه، وقول ثان: أن (تقبل) أبلغ من (قبل)، وعلَّلوا ذلك بعلة الغالبية؛ وهي أن الغالب أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كيف زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؟ يعني إذا جعلت البيت طابقين صار أكثر من الطابق الواحد؟ نعم، هو صحيح، الطابق الواحد يسع مئة نفر مثلًا، الطابقين؟ * الطلبة: مئتين. * الشيخ: مئتين، لكن هم لا يريدون هذا، يريدون أن زيادة بنية الكلمة تدل على زيادة معناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- ليس مطردًا بل هذا هو الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس، كنَمل ونملة، وشَجَر وشجرة، وبَقَر وبقرة، أيهم أكثر؟ الزائد أو الناقص؟ * الطلبة: الناقص. * الشيخ: الناقص أكثر. ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ الرب: بمعنى الخالق المالك المدبر، هذا رب بالنسبة لله عز وجل، إذا أضيفت الربوبية إلى الله عز وجل فهذا معناها؛ أنه الخالق فلا خالق غيره، المالك فلا مالك غيره، المدبر فلا مدبر غيره، وهذا النفي باعتبار الإطلاق، فلا خالق على سبيل الإطلاق إلا الله، وإذا أضيف الخلق إلى غيره فإنما هو باعتبار التغيير والتصيير لا باعتبار الأصل، فخلق الباب من الخشبة ليس أصليًّا، بل هو تغيير وتصيير، صيَّر الخشبة بابًا فخلقه، لكن أصل هذه الخشبة من الذي خلقه؟ الله عز وجل، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يخلق خشبة واحدة ولا غصن شجرة، المالِك على الإطلاق، وإضافة الملك لغير الله إضافة جزئية وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، فأضاف الملك إلى الإنسان، وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١] فأضافه أيضًا إلى الإنسان، لكن هذا الملك مقيد غاية التقييد. المدبِّر كذلك، التدبير على الإطلاق هو لله عز وجل، أما الإنسان فإنه وإن أضيف إلى التدبير فهو تدبير خاص محصور، على كل حال الرب المضاف إلى الله أيش معناه؟ الخالق المالك المدبر. ربوبية الله نوعان: عامة وخاصة، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهن، هذه عامة، خاصة: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] وهنا ﴿رَبُّهَا﴾ من العامة ولَّا الخاصة؟ * الطلبة: الخاصة. * الشيخ: الخاصة، من الخاصة، واعلم أن كل خاص من الربوبية والمعية والسمع والبصر وما أشبه ذلك ممن قال العلماء إنه ينقسم إلى عام وخاص أن الخاص يتضمن العام والعكس، فكل من كان الله ربه على وجه الخصوص فهو ربه على وجه العموم، وكل من كان الله معه على وجه الخصوص فهو معه على وجه العموم، وكل من سمعه الله على وجه الخصوص فقد سمعه على وجه العموم، وهلم جرًّا، وهنا أضاف الربوبية إلى مريم؛ لأنه عز وجل تقبلها هذا القبول الحسن ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ والقبولُ من الله الحسَنُ أنه سبحانه وتعالى يسرها لليسرى، وسهل أمرها، وجعلها من خيرة نساء العالمين حتى ألحقها بالرجال في صلاحهم فقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]. وتأمل أنه قال: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ولم يقل: من القانتات؛ لأنه كما جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. ولم يكمل من النساء إلا عدد قليل لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. إذن نقول: إن هذا القبول هو ما حصل لها من الرفعة عند الله عز وجل وتيسير الأمور والذكرى الحسنة وغير ذلك مما أفاض الله عليها من نعمه. ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ هذا ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ قد يعود إلى المعنى، وقد يعود إلى الحس، قد يعود إلى المعنى فيكون ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ يعني في كمال الآداب والعفة والحشمة وغير ذلك، وقد يكون ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ باعتبار الجسم يعني بمعنى أنه نمَّاها تنمية جيدة لم يتعثر فيها جسمها حتى إن بعضهم -ولعلها من الإسرائيليات- قال: إنها تنمو في العام ما ينموه غيرها في عامين. فالله أعلم، إنما يكفي من ذلك أن الله أنبتها نباتًا حسنًا، لو لم يكن من ذلك إلا أنه سلَّمها من الأمراض المؤذية المتعبة لكان هذا كافيًا، المهم أن الله سبحانه وتعالى تقبلها بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا معنويًّا وحسيًّا. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هذا أيضًا من التيسير، أن الله يسر لها من يكفلها من الرسل، ولا شك أن الإنسان إذا كان عند كافل مستقيم صالح كان هذا من أسباب صلاحه واستقامته، وإذا كان عند فاسق كان بالعكس، ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن يُترك المحضون -الطفل المحضون- بيد شخص لا يصونه ولا يصلحه. قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هذه القراءة المعروفة اللي في المصحف، وتكون (كفَّل) ناصبة لمفعولين، أحدهما: (الهاء)، والثاني: (زكريا)، وهذا الفعل من أخوات (كان) ولَّا من أخوات (كسا)؟ * الطلبة: كسا. * الشيخ: ما الذي أعلمكم بأنه من أخوات (كسا)؟ * الطلبة: نصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. * الشيخ: ولكن اسمحوا لي، هذا ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا وجدت فعلًا ناصبًا مفعولين لا يصح أن يكون مبتدأ وخبرًا فاعلم أنه من باب (كسا)، وهنا لو قلت: هي زكريا، يستقيم المعنى ولَّا لا؟ * الطلبة: لا يستقيم. * الشيخ: لا يستقيم. وفي قراءة: ﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّاء﴾ والفرق بينهما: أن القراءة الأولى بألف مقصورة والثانية بألف ممدودة. فيها قراءة ثالثة: ﴿وكَفَلَها زَكَرِيَّا﴾ ﴿كَفَلَهَا﴾ على أن زكريا فاعل. في قراءة رابعة: ﴿وكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ على أنه فاعل أيضًا، لكن الفرق بين هذه والتي قبلها أيش؟ القصر والمد، فصار زكريا الآن تمد وتقصر، وكفل تخفف وتشدد، والإعراب على حسب الوضع. ﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وهنا سؤال هل زكريا منصرف أو غير منصرف؟ * الطلبة: غير منصرف. * الشيخ: إيه ممنوع من الصرف، لماذا؟ * الطلبة: للعلمية والعجمة. * الشيخ: للعلمية والعجمة، ما رأيكم لو وُجدت العجمة بدون علمية؟ ينصرف؟ * طالب: نعم، ينصرف. * الشيخ: عجمة بدون علمية ينصرف؟ * الطالب: نعم ينصرف، كيف؟ * الشيخ: تكون كلمة أعجمية لكن ما هي علم؟ * الطالب: ينصرف. * الشيخ: لأنه لا بد من علتين: العلمية والعجمة، ولهذا قال عليّ لشريح: قَالُونٌ، فَنوَّن، ومعنى قالون: (جيِّد) في اللغة الرومية. إذن نقول: زكريا علم أعجمي فهو ممنوع من الصرف. ما معنى ﴿كفَلَها﴾ أي: صار كافلًا لها. ﴿وَكفَّلَهَا﴾ أي: جعل كفيلها زكريا. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ أو ﴿زَكَرِيَّاءُ﴾ ؟ * الطلبة: قراءتان. * الشيخ: قراءتان. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاءُ الْمِحْرَابَ﴾ ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران ٣٧]. كلما دخل المحراب عليها، والمحراب (مِفْعَال) من الحرب، وهو مكان العبادة، وليس المحراب هو طاق القبلة كما هو عند الناس، ورأيت في بعض المساجد مكتوب على طاق القبلة على القوس: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ فيجعلون الإمام مريم وهم لا يشعرون، ويخطئون أيضًا في اللفظ؛ لأن المحراب قلت: مكان العبادة، سواء كان طاقًا، وسواء كان مقوسًا، أو مربعًا أو حجرة؛ حتى الحجرة التي يتعبد فيها الإنسان محراب، ولهذا قال الله تعالى في قصة داود: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١] يعني (...) المحراب: مكان يتعبد فيه، قالوا: فهو (مِفْعال) من الحرب، وسمي بذلك؛ لأن المتعبد فيه يحارب مَنْ؟ * الطلبة: الشيطان. * الشيخ: الشيطان؛ ولذلك سمي مِحرابًا. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ وهي امرأة منقطعة للعبادة دائمًا في محرابها ويجد عندها رزقًا، والرزق هنا ما يقوم به البدن؛ يعني رزقًا تأكله ليقوم بدنها وتحفظ حياتها، هذا الرزق ما هو؟ قال بعض المفسرين وهو من الإسرائيليات: «يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء »[[أخرجه الطبري في التفسير (٥ / ٣٥٦) من حديث ابن عباس موقوفًا بلفظ: وَجَدَ عندَهَا ثِمارَ الجنّةِ، فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشّتَاءِ وفاكِهَةَ الشّتَاءِ في الصَّيْف.]]. وسبحان الله، ما هذا الداعي هذا؟! إذا وجد عندها فاكهة الصيف في الصيف أو فاكهة الشتاء في الشتاء وهي امرأة متعبدة منقطعة للعبادة فهو آية، لأيش نروح نجيب البرتقال وقت القيظ، والعنب وقت الشتاء؟! ما هو لازم، فلذلك نقول: كلمة رزق ما يقوم به البدن، وليكن فاكهة أو طعامًا أو تمرًا، أو أي شيء آخر. المهم أنه يجد عندها رزقًا تتقوت به، وهذا من الآيات، كيف امرأة متعبدة منقطعة للعبادة يوجد عندها الرزق؟! ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي من أين لك هذا؟! وخاطبها بقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ إشارة إلى أنها في حال لا تقتضي أن يكون عندها ذلك؛ لأنها امرأة لا تكتسب، امرأة منقطعة للعبادة، والمنقطع للعبادة ولو كان ذكرًا قد لا يتيسر له الرزق، ولهذا ناداها باسمها قال: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ يعني انتبهي أيتها الأنثى، كيف يجيكِ هذا الرزق؟! ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾، فكان جوابها جوابًا عجيبًا: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وكلمة ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا يلزم أن يكون الله تعالى ينزلها من السماء إليها، بل قد يكون ذلك بتسخير الله لها من يأتي لها بذلك الرزق، ولا يلزم أن يكون ينزل من السماء أو يأتي به جبريل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل ٩٦] فيمكن أن هذا الرزق يأتيها على حسب الطبيعة، لكن أيضًا تسخير الله لها من يأتيه بها لا شك أنه من معونة الله وكرامة الله لها. * طالب: شيخ، زكريا هل هو من محارِم مريم عليها السلام؟ * الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه ما هو من محارمها، لكنه زوج أختها. * الطالب: زوج الأخت (...) في شريعتهم؟ * الشيخ: لا، ما أعرف عن شريعتهم، ما هو يحيى بن زكريا وعيسى رآهما النبي عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج وقال: «هُمَا ابْنَا الْخَالَةِ»[[أخرجه البخاري (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة.]]. * طالب: شيخ، قلنا يا شيخ: إن امرأة عمران لما وضعتها قالت: ربي إني وضعتها أنثى، فيكون هذا فيه من الإلزام أن المرأة يعني ما هي مثل الرجل في القيام على المسجد، طيب المرأة يا شيخ، يعني هل يجوز لها أن (...)؟ * الشيخ: أولا أن الحديث الذي أشرت إليه اختلف فيه الرواة، فبعضهم قال: إنه رجل، وبعضهم قال: إنها امرأة، ومعلوم أن خدمة المرأة للمسجد متهيئة أكثر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرجال مشتغلون بتحصيل الرزق، ولو أن أحدًا من الرجال خدم المسجد لكان أقوى منها خدمة، لكن كما قلت لكم في أثناء الدرس اليوم: المرأة قد تكون أصبر من الرجل من وجه آخر؛ لأن عندها من الجلد أكثر مما عند الرجل، الرجل قوي وده كل شيء يتم بسرعة، والمرأة ربما تعطي مهلة أكثر. * الطالب: يا شيخ، بالنسبة للمحراب يعني إذا كان داخل المسجد؟ * الشيخ: وأيش المحراب داخل المسجد؟! اللي عندنا داخل المسجد؟ * الطالب: لا يا شيخ، يعني: اللي يقدر صاحب (...) أن يطلع (...) المحاريب، هل يقصد هذا؟ * الشيخ: إي نعم، يقصد هذا. * الطالب: كانت أولًا بالبيوت أو بالمساجد؟ * الشيخ: لا لا، كانت في المساجد وليست أيضًا من عهد قديم، في عهد الرسول ﷺ ما فيه محاريب، فيه منبر، وما فيه محاريب. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعضهم الآن يا شيخ يبدع المحاريب، يقولون: إنها بدعة؟ * الشيخ: ما هو صحيح؛ لأن بعض الناس لا يفهمون معنى البِدعة من السنة؛ لأنهم لا يفرقون بين الوسيلة وبين ما قُصد بعينه، فالمسلمون الذين أقروها من مئات السنين علماء أجلاء أبعد عن البدعة من هؤلاء، عرفوا أنهم لم يتخذوها ليتعبدوا لله باتخاذها، لكن ليدلوا المسلمين على اتجاه القبلة، لو أن عاميًّا دخل ولا في المسجد محراب وين يتجه؟ وأنا رأيت بعيني أول ما جاءت الفرش في الرياض؛ الفرَّاش الذي فرشها كان فيها في الأول صورة محاريب، أما تذكرون؟ * الطلبة: موجودة إلى الآن. إلى الآن موجودة. * الشيخ: فيها صورة محاريب، فرشها الفراش وجاء وجه المحراب خلف القبلة بالعكس، فدخل الرجل وشاف المحراب ما راح قبلة المسجد، كبر وخلّى يصلي وراءها، إذن فيها فائدة، فهي مقصودة لغيرها لا لذاتها، المسلمون لا يقولون: فعلناها اتباعًا لرسول الله ﷺ، أو فعلناها تقربًا إلى الله، يقولون: فعلناها ليستدل بها الجاهل على القبلة. * * * * طالب: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٨ - ٤١]. * الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إن الله يرزق، الرزق بمعنى العطاء، والعطاء ينقسم إلى قسمين: عطاء كوني، وعطاء شرعي؛ فالعطاء الكوني ما يرزق الله به سائر الحيوان؛ الإنسان والحيوان؛ الحلال والحرام، هذا عطاء أيش؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني، لا يختص بالمؤمنين ولا بالطيب من الرزق، والثاني: العطاء الشرعي، وهو ما يعطاه المؤمن من الرزق الحلال، وهو الرزق الخاص الذي ليس فيه تبعة، ويشمل أيضًا العطاء الشرعي ما ثبت إعطاؤه بمقتضى الشرع كإعطاء الفقراء من الزكاة مثلًا، وإعطاء الغانمين من الغنيمة، فهذا إيتاء شرعي، دليله قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]. إيتاء هنا هذا الإيتاء شرعي وإلا كوني؟ * الطلبة: شرعي. * الشيخ: شرعي. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة ٥٩، ٦٠] إلى آخره، هذا أيضًا إيتاء شرعي. إذن الرزق إما كوني وإما شرعي، فما كان للانتفاع في الدنيا أو ما كان به قوام الجسد فهو كوني، وما كان به قوام الروح والقلب أو كان بإذن من الشرع فهو شرعي. العلم والإيمان شرعي ولَّا كوني؟ * الطلبة: شرعي. * الشيخ: هذا شرعي؛ لأن به قوام الروح والقلب. وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذه لا شك أنها عائدة إلى مشيئة الله، الرزق لا يكون إلا بمشيئة الله، ولكن أتحسبون أن المشيئة مطلقة مجردة؟ لا، بل هي مربوطة بالحكمة، يعطي من يشاء لحكمة ويمنع من يشاء لحكمة، والدليل على أن كلما أثبت الله به المشيئة فهو مقرون بالحكمة قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. فلا يشاء إلا ما اقتضت الحكمة مشيئته. وقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قلنا: إنه لا بد أن يكون مقرونًا بالحكمة. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مكافئة، يُطعِم ولا يُطعَم، يَرزق ولا يُرزق، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات ٥٧، ٥٨] بخلاف غيره فإنه قد يُعطي ليُعطى، أليس كذلك؟ أما الله عز وجل فإنه يُعطي لا ليعطى، بل يرزق بغير حساب أي: بلا مكافأة، لا يطلب من أحد مكافأة، وأما الحساب على ما أعطاه الله من الرزق مما اكتسبه، وأين أنفقه، وما أشبه ذلك، فإن هذا سوف يكون، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر ٨] فصار الحساب المراد به هنا أيش؟ المكافأة؛ يعني لا يحاسب خلقًا ليكافِئوه، ولكن يحاسبهم لينظر أو ليعلم عز وجل ماذا أنفقوا فيما أعطاهم. في هذه الآيات فوائد وأظننا نبدأ من قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ ولَّا لا؟ * من فوائد هذه الآيات: أولًا: تعظيم هذه القصة؛ لأن الله أمر رسوله أن يبينها للناس، إذ إن التقدير: اذكر إذ قالت امرأة عمران. من فوائدها أيضًا: جواز النذر في الأمر المجهول لقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. فهل يعني ينبني على ذلك أن يقول القائل: لله عليَّ نذر أن أتصدق بما في بطن هذه الشاة، أو هذه البعير وينفذ النذر. * ومن فوائد الآية: جواز تصدق المرأة بدون إذن زوجها، وجهه؟ أنها نذرت التحرر أو تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج، فإن قال قائل: ما دليلكم على أنه بدون إذن زوجها، أفلا يمكن أن تكون استأذنت؟ الجواب: بلى، لكنه لم يُذكر، فإن قال قائل: عدم الذكر ليس ذِكرًا للعدم. فرق بين أن أسكت عن الشيء وبين أن أنفي الشيء؛ نفي الشيء ذكر لعدمه، لكن السكوت عنه ليس ذكرًا للعدم. قلنا: نقول هذا ليس في كل مكان، بل نقول: هذا فيما إذا كان هناك نصوص عامة، ثم ادعى أحد إخراجها أو تقييدها أو ما أشبه ذلك، هذا هو الذي نقول له: عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وأما إذا جاءت قصة مرسَلة ولم يذكر فيها قيود فالأصل أيش؟ * الطلبة: عدم القيد. * الشيخ: الأصل عدم القيد، وقد جاءت الشريعة الإسلامية مؤيدة لهذا؛ أي: أن المرأة تتصرف في مالها حرة؛ دليله: «أن الرسول ﷺ لَمَّا خَطَبَ النِّسَاءَ يَوْمَ الْعِيدِ وَقَالَ:«يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ» فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ مِنَ الْخَوَاتِمِ وَالْخُرُوصِ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري. ]]. فهل قال النبي ﷺ: استأذن أزواجكن؟ وهل قلن: سنستأذن؟ لا. خذ أيضًا من القرآن: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء ٤] طبن مَنْ؟ * الطلبة: النساء. * الشيخ: النساء، كلوه هنيئًا مريئًا؛ إذن المرأة حرة تتصرف، وليس لزوجها أن يمنعها من أي تصرف شاءت، اللهم إلا في مسألة واحدة قد يُقال إنه يمنعها من التصرف مثل أن يشتري لها حُليًّا وثياب زينة تتجمل بهن له، فهنا ربما نقول: إن له أن يمنعها من التصرف في هذا الثياب وهذا الحلي من بيع أو هبة؛ لأن ذلك يضر بمقصوده، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: فهي الآن إذا باعت هذا الحلي وهذا الثياب الجميل، وخرجت على زوجها ليس شيء من الحلي، وعليها ثياب رديئة خلقة وسخة فهو بين أمرين: إما أن يعاشرها متكرِّهًا لها، وإما أن لا يرضى بهذه الحال، ثم تقول: يلَّا أعطني فيشتري لها، وإذا اشترى لها جاءتها امرأة ثانية تشكو إليها الحال قالت: خذي، تخرج عليه في اليوم الثاني ما عليها شيء، يتسلسل الأمر، ففي هذه الحال قد نقول: إن للزوج أن يمنعها من التصرف فيما أعطاها؛ لأن ذلك مضر به إما ماليًّا وإما متعة. من فوائد الآية الكريمة: أن الولد يخدم والده من أم أو أب، توافقون على هذا؟ * الطلبة: نعم، إي نعم. * الشيخ: كيف؟ * الطلبة: لأنها قالت: نذرته. * الشيخ: لأنها قالت: نذرته محررًا؛ يعني محررًا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته. من فوائد الآية الكريمة: طرد الإعجاب بالنفس، وذلك بأن الإنسان إذا عمل عملًا لا يُدل به على الله يقول: أنا عملت أنا عملت، بل يعمل ويشعر أنه مفتقر إلى الله عز وجل في قبول ذلك العمل، ولهذا قالت: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ وقال إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة ١٢٧]. والإنسان إذا علم أنه مفتقر إلى ربه عز وجل في العمل وفي قبول العمل زال عنه الإعجاب، وإذا زال عنه الإعجاب صار حريًّا بأن الله تعالى يقبل منه ويثيبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وقد سبق لنا الكلام على السميع وما يدل عليه من الصفة، وأنه يكون بمعنى استجابة الدعاء، وبمعنى إدراك المسموع، وأما العليم فسبقت أيضًا، العليم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول: جاهل بسيط، والثاني: جاهل مركب، وأيهما أحسن حالًا؟ * الطلبة: البسيط. * الشيخ: البسيط، البسيط أحسن حالًا من المركب؛ لأن المركب يجهل، ويجهل أنه يجهل، فيبقى كأنه عالم وهو جاهل، لكن البسيط يقول: أنا ما أعلم جاهل، ونضرب لهذا مثلًا: سأل رجل آخر فقال: أخبرني متى كانت غزوة بدر؟ فقال: على الخبير سقطت ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤] غزوة بدر كانت في السنة السادسة من الهجرة في شهر ذي القعدة، وأيش تقولون لهذا؟ * الطلبة: هذا جهل مركب. * الشيخ: هذا جهل مركب، هو يقول: على الخبير سقطت ولا ينبئك مثل خبير؟ وهذا أيضًا من جهله. * طالب: فليراجع! * الشيخ: على كل حال هذا جاهل مركب. والثاني سألناه فقال: لا أدري، هذا جاهل بسيط، الثاني: إذا قلنا له إنها في الثانية في رمضان قبل؛ لأنه ليس عنده ما يعارض به، لكن هذاك الأول يعارض يقول: أبدًا، أنا متأكد وأنا خبير بالموضوع. ويُذكر أن رجلًا يقال له: (توما) ويلقب نفسه بالحكيم، قال فيه الشاعر على لسان حماره، له حمار يركبه: قَـــــــــالَ حِمَـــــــارُ الْحَكِيـــــــــمِتومَــــــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ لَـــــوْ أَنْصَـــــفَ الدَّهْـــــرُ كُنْـــــتُأَرْكَـــــــــــــبْ؎لِأَنَّنِـــــــــــــــــيجَاهِــــــــــــــــــــــــــــــلٌ بَسِيـــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَاحِبِـــــــــــــــيجَاهِــــــــــــــــــــــــــــــلٌ مُرَكَّـــــــــــــبْ الحمار يقول: لو أنصف الدهر، على كل حال الحمار ما هو طيّب الكلام منه هذا، يقول: لو أنصف الدهر كنت أنا اللي أركب؛ لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب، ومن جهل (توما) ما أشار إليه الشاعر بقوله: وَمَـــــــنْ رَامَ الْعُلُـــــــومَ بِغَيْـــــــرِشَيْـــــــــــــــخٍ ∗∗∗ يَضِـــــــلُّ عَـــــــنِ الصِّـــــــرَاطِالْمُسْتَقِيــــــــــــمِ؎وَتَلْتَبِـــــسُ الْعُلُـــــومُ عَلَيْــــــــــهِحَتَّــــــــــــــــى ∗∗∗ يَكُـــــونَ أَضَـــــلَّ مِـــــنْ تومَـــــاالْحَكِيـــــــــــمِ؎تَصَـــــدَّقَ بِالْبَنَـــــاتِ عَلَـــــىرِجَــــــــــــالٍ ∗∗∗ يُرِيـــــــدُ بِــــــــــــذَاكَ جَنَّــــــــــاتِالنَّعِيــــــــــــــــــــمِ هذا علم ولَّا جهل؟ * الطلبة: جهل. * الشيخ: جهل، البنات ما يتصدق بهن، البنات يزوجن بشروط معلومة ومهر ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] وأيش بعدها؟ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ لا بد من المهر. على كل حال العلم ذكرنا أنه إدراك الشيء على ما هو عليه، علم الله عز وجل واسع شامل، واسع شامل كامل، لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى على لسان موسى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، ﴿لَا يَضِلُّ﴾ يعني: لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما علم، بل هو عز وجل عالم بما يكون لو كان كيف يكون، وعالم بما كان لا ينساه، وشامل لكل شيء، واقرأ -إن شئت- قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] أي ورقة تسقط، ولهذا جاءت (مِن) المؤكدة ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، هذا العموم العظيم والسعة والشمول يدل على كمال الله عز وجل. ما ثمرة إيماننا بعلم الله وسمعه؟ ثمرة إيماننا بذلك عظيمة إذا آمنا به حق الإيمان، أما الأول فإننا إذا آمنَّا بأنه هو السميع بالمعنيين: الاستجابة والإدراك حذرنا أن نُسمعه ما لا يرضاه؛ لأنه يسمع، فنحذر أن نسمعه ما لا يرضاه، وإذا علمنا أنه سميع بمعنى (مُستجيب) ألححنا عليه في الدعاء، ومن كرمه جل وعلا أنه يحب الملحين في الدعاء، بل يأمر ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] وينزل آخر الليل يقول: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرْنِي فَأَغْفِرَ لهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، اللهم وفقنا. فالحاصل أن هذا من ثمرات الإيمان بالسميع. ﴿الْعَلِيم﴾ إذا آمنت به حق الإيمان خفت من أن يسمع لك قولًا، أو يرى لك فعلًا، أو يعلم منك ما ليس بقول ولا فعل كحديث النفس، تخشى من هذا كله؛ لأن الله يعلمه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧]. يقول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأم تتكلف الحمل كما يُشعر به كلمة: ﴿وَضَعَتْهَا﴾ أنها حاملة لها، وهو كذلك لا شك أنها تتكلف بالحمل، وإذا قدرنا أن هذا الطفل الذي في بطنها سيبقى تسعة شهور وهي حاملة له في بطنها في أرق ما يكون من البدن قائمة وقاعدة ومستيقظة ونائمة، فماذا نتصور من التعب؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف ١٥] ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. ثم مع ذلك هل هو مجمد هذا الطفل في البطن؟ لا، غير مجمد، يتحرك وهي تحس به، ولولا لطف الله بعباده ما استطاعت أن تحمل هذا، ولكن الله عز وجل يعينها. فيتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي عظم حق الأم على ولدها؛ لأن من أحسن إليك وأتعبته كان أحق الناس ببرك، ولهذا جعلها النبي عليه الصلاة والسلام أحق الناس بحسن الصحبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتذار الإنسان لربه أو عند ربه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فإن هذا شبه اعتذار لقولها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، والأنثى لا تخدم المساجد عندهم؛ فلهذا اعتذرت. ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى بربوبيته، من أين يؤخذ؟ ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه من تمام البلاغة الاحتراز -أو بالسين إن شئت- الاحتراس عن كل موهم لأمر خطأ، الإنسان ينبغي أن يحترس عن كل موهم لأمر خطأ سواء كان في المقال أو في الفعال، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. * الشيخ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، على القراءتين، على قراءة الضم واضح ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ . قلنا: إن الإنسان يعتذر سواء وقع منه ما يكون في المقال أو في الفِعال، في المقال كما رأيتم، في الفِعال مثل: «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ بِصَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَقْلِبُهَا حِينَ جَاءَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَتَحَدَّثَتْ مَعَهُ فَقَامَتْ، خَرَجَتْ بِاللَّيْلِ فَخَرَجَ بِهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَمُرَّانِ فَأَسْرَعَا، فَقَالَ لَهُمَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ. يعني ما عندنا إشكال في الموضوع حتى تعتذر، فقال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» أَوْ قَالَ: «شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.]]. هذا صحيح، لا شك أن أبعد الناس عن سوء الظن هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا سيما من أصحابه لا يمكن أن يظنوا به سوء الظن، ومع ذلك خاف عليهم، خاف أن الشيطان يلقي في قلوبهما شرًّا أو شيئًا، وهذا ينبغي للإنسان أيضًا أن يدرأ الغِيبة عن نفسه ما استطاع، لا يقول: أنا ما أبالي بالناس، حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا طيب، لكن افعل الأسباب التي تدرأ عنك الشر حتى لا يظن الناس بك سوءًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات التفضيل في أوصاف الله، ها؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. * الشيخ: ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ خلافًا لمن منع ذلك، وفسر أعلم بعالم؛ لأنه -في الواقع- فر من شيء ووقع في شر منه، إذا قال: عالم، فإنه لم يمنع الاشتراك، لا يمنع الاشتراك؛ لأنه عالم وغيره؟ عالم، فإذا قال: أعلم، مَنع الاشتراك، لأيش؟ لأن اسم التفضيل يقتضي أن يكون المفضل في القمة لا يساويه أحد، أليس كذلك؟ إذن أعلم أوْلى من عالم، بل نقول: إن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] يعني: الوصف الأكمل ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ هل تقول: لله المثل العلِي؟ ما يستقيم ﴿الْأَعْلَى﴾. هم يقولون: إذا قلت: أعلم، فإن المقارنة بين الشيئين: العالي والنازل تجعل العالي نازلًا كقول الشاعر: أَلَـــــمْ تَـــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَيَنْقُـــــصُ قَـــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا فنقول: هناك فرق بين اسم التفضيل بين شيئين يشتركان في الوصف أو في أصل الوصف، وبين اسم التفضيل في شيئين لا يشتركان، فالعصا ما فيه مضاء، وَلِهَذَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ مَا قُتِلَ بِهِ مِنَ الصَّيْدِ فَهُوَ وَقِيذٌ حَرَامٌ[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٤)، ومسلم (١٩٢٩ / ٣، ٤) بلفظ «إذا أصابَ بِحدّه فَكُلْ، وإذا أصابَ بعرْضِهِ فقَتَلَ، فلا تأكلْ؛ فإنّه وَقِيذٌ» من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]]؛ لأنه لا يُنهر الدم ولا فيه مضاء، والسيف فيه مضاء، أنت لو جئت إلى إنسان زمن وإنسان شاب جلد سريع العدو، وقلت: فلان أسرع في عدوه من فلان، من الزمن، ينقص ولَّا ما ينقص؟ * الطلبة: ينقص. * الشيخ: ينقص؛ لأن الزَّمِن ما عنده عدو، الزَّمِن معناه المشلول اللي ما يقدر يتحرك، يعني يسمونه الناس (محرول) أو (مقصمل) كلمة بمعنى هذا. على كل حال الصواب بلا شك أنه يجوز التفضيل في أوصاف الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. * الطالب: شيخ، بعض الناس يخلو بالمرأة وإذا قلنا له: هذا ما يجوز (...). * الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: فيه ناس، يخلو بالمرأة وإذا قلنا له: هذا ما يجوز، قال: قلبي نظيف، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١ / ٤٢٤) واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. وقال: «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٦٥).]]. والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا شيء مشاهَد محسوس حتى لو كان من الناس الملتزمين الطيبين إذا خلا بالمرأة فلا بد أن يُوقع الشيطان في قلبه شيئًا ولو كان نظيفًا، قل له إذا هو قال: قلبي نظيف. نقول: توسَّخ بهذه الخلوة. * طالب: شيخ، يفهم من الآية أنه يجوز نذر المجهول، إذا نذر الإنسان نذر مجهولٍ، ثم تبين أنه لم يوجد شيء، ولم يأخذ شيئًا، فهل يلزمه بدله؟ * الشيخ: لا، ما يلزمه، لا يلزمه. * الطالب: تؤخذ من الآية هذه ولَّا؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا حصل واقع. * طالب: شيخ، حفظكم الله، تكلمنا عن الفوائد، تكلمنا من قبل، شيخ، ما يكون هذا خاص بشريعتهم؟ * الشيخ: سمعتم السؤال؟ * الطلبة: لا، ما سمعنا. * الشيخ: يقول: الفوائد التي استفدناها من قصة مريم يمكن أن نبطلها بربع كلمة فنقول: هذا خاص، ما هو صحيح. الله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] عبرة في كل شيء؛ فيما يفعلونه من الشرائع والمعاملات، وفيما يحصل عليهم من عقوبات الله عز وجل، في كل شيء، وإلا وأيش الفائدة من القصة. * الطالب: من هذا يا شيخ يعني الريبة ما يفعله بعض إخواننا الدعاة. * الشيخ: أيش، أعد السؤال. * الطالب: أقول: بعض الدعاة يدخلون إلى أماكن الفجور وأماكن شرب الخمر بنية الدعوة إلى الله، فهل من هذا يا شيخ أنه يجب عليهم أن يدفعوا الريبة؟ * الشيخ: عن أيش؟ * الطالب: أن يدفعوا الريبة عن أنفسهم. * الشيخ: إيه، لا، هم دخلوا يدعونهم وينهونهم عن المنكر؛ لأنه وأيش معنى ينهون عن المنكر بدون الدخول عليهم؟! لكن لو دخلوا مثلًا أماكن اللهو، ولا رُئي منهم مشاهدة الإنكار، ما رُئي منهم الإنكار يمكن يتهمون، أما ناس دخلوا إلى قوم يشربون الخمر وقال: يا عبادَ الله، اتقوا الله، هذا حرام لا يجوز، ما فيه شيء. * طالب: ممكن يا شيخ (...). * الشيخ: نعم، أحسنت إذا خِيف من هذه المفسدة لا يدخل، يكتبون رسائل ولَّا يدخلون في حال ليسوا موجودين ويقولون لصاحب المكان: احذر هذا الشيء. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، كيف تتصدق الزوجة بطفل، وهو ليس ملكًا لها ملك لزوجها؟ * الشيخ: وأيش قلنا يا جماعة؟ * طالب: استأثر. * الشيخ: ما هو من حقها أن يخدمها؟ * الطالب: زوجها كذلك من حقه أن يخدمها. * الشيخ: نعم، لا بأس من حقه أن يخدمها، لكن هي حررته من خدمتها هي، يعني فيما يتعلق بخدمتها حررته، أما ما لا تملكه ما تقدر عليه. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران ٣٨ - ٤١]. * الشيخ: قال: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ إلى آخره، في هذا دليل على استعمال الاحتراس في الكلام، أي: أن الإنسان إذا أتى بكلام يوهم وجب عليه أن يذكر احتراسًا يرفع فيه هذا الوهم من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ على كلتا القراءتين، وكما يكون الاحتراس بالقول يكون الاحتراس بالفعل أيضًا، مثل أن يظهر الإنسان فعلًا مباحًا حلالًا فيخشى أن يتوهم الناس أنه فعل محرم فيأتي بما يدل على أنه فعل مباح، كما صنع النبي ﷺ حين مر به رجلان وهو يقلب صفية إلا بيتها فقال: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ». * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كمال علم الله، وأنه فوق كل علم لقوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ فإن اسم التفضيل يدل على اتصاف المفضل في أكمل الصفة التي فُضل بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يستوي الذكور والإناث ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، لا في الطبيعة ولا في الأخلاق ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان، الذَّكر ليس كالأنثى، وإذا كان الذكر ليس كالأنثى فالأنثى أيضًا ليست كالذكر. * ومن فوائد الآية الكريمة: ومن فوائد الآية الكريمة: تسمية المولود حين يولد؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران 36]، وهذا هو السُّنَّة أن يسمَّى الإنسان حين يولد إلا إذا لم يتهيأ الاسم فإنه يسمى في اليوم السابع، وبهذا تجتمع الأدلة؛ فإن النبي ﷺ لما ولد إبراهيم قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ، فسمّيتُه باسم أبي إبراهِيم».]]، وفي حديث العقيقة قال: «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى»[[أخرجه أبو داود (٢٨٣٨) والترمذي (١٥٢٢) من حديث سمرة بن جندب.]]، فيكون الجمع بين هذا وهذا أن من كان مهيئًا للاسم من قبل الولادة فالأفضل أن يسميه حال الولادة، ومن لم يهيئ فالأفضل أن يؤجله إلى اليوم السابع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التسمية تعود للأم. * طالب: لا. * الشيخ: لأيش؟ * طالب: لأن هنا ليس (...). * الشيخ: هي ما قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾؟ * طالب: ليس له أب. * الشيخ: كيف ما له أب، هذا له أب، فيه احتمال، لكن أقرب شيء أن يقال: إن في هذا دليلًا على جواز تصرف الفضول، أي أن الإنسان يتصرف في حق غيره فينفذ إذا وافق عليه الغير، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: أنتم عرفتم تصرف الفضول، مثلًا رجل باع ساعة رجل بدون إذنه فأجازه صاحب الساعة ووافق على البيع، نقول: هذا البيع صحيح؛ لأنه أجازه، فهنا يحتمل أن الاتفاق كان جاريًا بين الأم والأب في التسمية، أو أن الأم رأت أن الأب لا يعارض فسمّت، وإلا فالأصل أن التسمية تكون للأب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وُلِدَ لِي وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[سبق تخريجه.]]، ولكن الأفضل أن لا يتنازع الأبوان في تسمية الولد، وأن يكون الاتفاق بينهما، أحيانًا تصر الأم أن يسمى ولدها بفلان أو ابنتها بفلانة، وأحيانًا يصر الأب على عكس ذلك، والذي ينبغي أن لا يكون هذا موضع نزاع بينهما، وأن يتفقا على الاسم، فإذا اختلفا يُرجع إلى أفضل الأسماء، لو قالت الأم: أنا أريد أن يسمى ابني على اسم جده واسم جده ناصر، وقال الأب: أنا أحب أن يسمى بعبد الله، فالحق للأب وأيضًا جانبه أرجح؛ لأن «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) والترمذي (٢٨٣٣) من حديث ابن عمر واللفظ له.]] ولكن عند النزاع وعدم المرجِّح من حيث التسمية لا شك أن الحق للأب. * ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه بالله عز وجل من الشيطان الرجيم ومن شر الخلق؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء للمعدوم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ لأن ذريتها لم تأت بعد، فهي امرأة صغيرة طفلة، لكن يجوز أن يقال: أصلحك الله وذريتك، غفر الله لك ولذريتك، وما أشبه ذلك. هل يقال: إن في هذه الآية كرامة لامرأة عمران؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لا غير هذا، من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ فإنها توقعت أن يكون لها ذرية، فصار لها ذرية، توقعت أن يكون لها ذرية فصار لها ذرية وهو عيسى عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد يقال: كيف تقول: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؟ هل هي على علم بأن هذه الطفلة ستبقى وسيكون لها أولاد؟ ليست على علم بلا شك، لكن كونها تقول هكذا جازمة بذلك فيأتي الأمر فيقع على حسب ما توقعت هذا نوع من الكرامات. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو لبني آدم، حيث يطلب الإنسان من الله عز وجل أن يعيذه منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى على كل شيء، ومن ذلك الإجارة من الشيطان، وإلا لكان الاستعاذة به من الشيطان عبثًا. ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل سميع قريب مجيب؛ لأنها دعت فسمعها الله، ولأنها دعت فأجابها الله، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الرب، وجهه؟ * طالب: (...) الرد على الملاحدة. * الشيخ: وأيش لون الرد على الملاحدة وأين الملاحدة؟ * الطالب: قولها إنك.. * الشيخ: لكن من ذكر الرد على الملاحدة؟ * الطالب: أنت الذي ذكرت. * الشيخ: أنا؟ * الطالب: وجه الرد على الملاحدة لأنهم ينكرون وجود الله، فقالت: إنك سميع الدعاء، فلا يسمع الدعاء إلا موجود. * الشيخ: أنا قلت هكذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أنا قلت فيه الرد على الملاحدة لقوله: إن ربي سميع الدعاء؟ * الطالب: قلت لنا: فيه رد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله ما قلت (...). * الشيخ: طيب، من أين يؤخذ هذا؟ * الطالب: قولها إنك أنت سميع الدعاء. * الشيخ: ما.. هذا سبق فين؟ * الطالب: ما قلت (...). * الشيخ: لكن من أين؟ ها الآن أقول. * الطالب: نأخذ (...) قولها: إنك أنت سميع الدعاء. * الشيخ: ما ذكرت فيما قالت: ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، فيه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. * الطالب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. * الشيخ: سبق هذا في درس مضى وأخذنا فوائده. * الطالب: إي نعم نأخذ من قولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. * الشيخ: لا إله إلا الله. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: من قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾؛ لأنها لما دعت قال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾، والفاء هذه عاطفة تدل على السببية وعلى الترتيب والفورية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منَّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن، والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن تطور الإنسان في حياته بأمر الله؛ لقوله: ﴿أَنْبَتَهَا﴾، وما الغذاء والعناية بالطفل إلا سبب، والله تعالى هو المسبب وهو المكوِّن للإنسان والمنبت له. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير فيكون ذلك من أسباب إعاذته من الشيطان الرجيم؛ لقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. * ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحضانة للطفل، الدليل؟ قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، هل يؤخذ من ذلك أن الكفالة تكون للأب دون الأم؟ الجواب: ليس بظاهر؛ لأنه قد يراد بالكفالة هنا كفالة التأديب والتربية وإيجاد النفقة دون القيام عليه بالحَضن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأم طفل: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي»[[أخرجه أبو داود (٢٢٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو. ]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الطفلة صارت من العابدات القانتات؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من الرزق ما لا يكون في حسبانه؛ لقوله: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن لكل ضَعف لطفًا، فهذه المرأة الضعيفة التي منّ الله عليها بالاشتغال بالعبادة يسر الله لها من يأتيها بالرزق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأشياء تضاف إلى الله وإن كان لها سبب؛ لقوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإضافة الأشياء إلى أسبابها ليست إلا مجرد إضافة مسبَّب إلى سببه لا إلى موجِده، وإلا فإن الموجِد هو الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب؛ لقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. ومن فوائدها: إثبات أن الله عز وجل يرزق في غير مكافأة ولا انتظار لمكافأة؛ لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.